مرآة الحرمين - ج1

- إبراهيم رفعت باشا المزيد...
629 /
1

[الجزء الاول‏]

[مقدمة الكتاب‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ (1) (127) رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ (129) (البقرة)

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ (2) آمِناً وَ اجْنُبْنِي‏ (3) وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏ (37) (إبراهيم)

وَ إِذْ بَوَّأْنا (4) لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَ أَذِّنْ‏ (5) فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا (6) وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ (7) يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ‏ (8) (27) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (28)

____________

(1) أرقام الآيات حسب ما جاء فى المصحف الذى تم طرمه فى عهد صاحب الجلالة فؤاد الاوّل ملك مصر

(2) مكة المكرمة.

(3) أبعدنى.

(4) جعلنا مكانه مباءة لابراهيم و مرجعا يرجع اليه.

(5) و أعلم الناس بالحج.

(6) مشاة جمع راجل.

(7) بعير مهزول اتعبه بعد السفر فهزله.

(8) طريق بعيد.

2

ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ‏ (1) وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ... (30) (الحج)

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ‏ (2) فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَ ادْعُ إِلى‏ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى‏ هُدىً مُسْتَقِيمٍ‏ (67) (الحج)

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي‏ (3) بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ (96) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ‏ (4) إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً. وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏ (97) آل عمران. (قرآن كريم)

الحمد لله على ما هدى إليه من شعائر الدين، و سنه من شرائع لإحياء العالمين و مناسك يصمد (5) إليها الدانون و القاصون و يتداعى إليها الموحدون، نحمده على بيت جعله مثابة للناس و أمنا، و ملاذا للاسلام و حصنا، حييت به الأمة العربية و ذاع صيتها فى الأقطار العجمية، و طهرت به النفوس من أوزارها و ضرعت فيه إلى ربها فأفاض عليها من الهدايات الروحية و الكمالات الخلقية و المنافع الدنيوية و الأخرويه، ما لا يدخل تحت الضبط و لا يحصره العد. و الصلاة و السلام على هادى الأمم من غوايتها، و منقذها من ضلالتها، و الآخذ بها عن الّلمم‏ (6) إلى السبيل الأمم‏ (7) خ خ محمد بن عبد اللّه مطهر البيت من الأوثان، و الناشر على ربوعه راية السلام الذى وحد بين المسلمين فى المنسك و سنّ لهم سنة التعارف على اختلاف أجناسهم، و تباين لغاتهم و تباعد أقطارهم، فكانت بذلك وحدة لا تنفصم العرا، و ألفة لا يدركها البلى، مادام المسلمون‏

____________

(1) أى ليزيلوا و سخهم بقص الشارب و الاظفار و تطهير النفوس من أدران المعاصى.

(2) مبتعدا يقصدون اليه.

(3) مكة.

(4) موضع قيامه و هو يبنى البيت.

(5) يقصد.

(6) الذنوب.

(7) الوسط.

3

بما هداهم إليه متمسكين، و بحبل اللّه معتصمين و بسنة رسوله مؤتسين، و على آله و صحبه الذين سلكوا سبيله و ارتسموا طريقه. (و بعد) فيقول «اللواء إبراهيم باشا رفعت» (فى الرسم 1): كنت ولوعا بالحج شغوفا بأداء هذا الفرض متضرعا إلى اللّه أن يوفقنى لرؤية بيته الحرام و ما اكتنفه من المناسك، فمنّ على بالإجابة بعد الإهابة (1) و بارك فى دعوتى كما بارك لإبراهيم فى دعوته الطيبة التى أحيت أمة إلى يوم القيامة و عمرت قطرها الجدب و نشرت فيه المدنية الصادقة و الشرعة القائمة، فعينت فى سنة 1318 ه (1901 م) رئيس حرس المحمل (قومندانه) فرأيت أن نعمة اللّه على لا يفى بشكرها إلا تدوين رحلتى من أوّل خطوة فيها إلى آخر خطوة و إخراجها للناس لينتفعوا بها و ليستضيئوا بنورها إذا حجوا إلى البيت الحرام أو قصدوا الجزيرة فلم أدع صغيرة و لا كبيرة مما رأيت أو سمعت إلا قيدتها، غير أنى كنت أرى مناظر جميلة و آثارا ثمينة و مشاهد مهما دققت فى وصفها لا أصل بك إلى الحقيقة و لا أدخل من الروعة فى نفسك ما تدخله المشاهدة و الرؤية و كنت أتمنى مصوّرا ماهرا يحبس ما نرى من المناظر و كنت أودّ أن أكون ذلك المصوّر فلما رجعت من حجتى الأولى تعلمت فن التصوير و جعلته مسلاتى فى وقت فراغى و نزعت نفسى إلى حجة أخرى أقيد فيها الصور فأنالنى اللّه بغيتى و منّ على منة أخرى فى سنة 1320 ه (1903 م) إذ عينت أميرا للحج فكتبت على نفسى أن أسلك سبيلى الأوّل فى تقييد كل ما أجد و تصوير كل ما يقع عليه النظر حتى أضيف إلى إخبارك- أرشدك اللّه- المشاهدة فيتمتع السمع و البصر كأنك تشاهد الأماكن المقدّسة عن كثب‏ (2). و منّ علىّ بحجة ثالثة فى سنة 1321 ه (1904 م) فكنت فيها أميرا للحج. و غمرنى بعد ذلك بحجة رابعة عينت فيها أيضا أميرا للحج سنة 1325 ه (1908 م) فتلك حجات أربع‏

____________

(1) النداء.

(2) قرب.

4

و إنها لنفحة كبيرة و منحة جليلة تستدعى شكرا جزيلا و ثناء عريضا و ما ذلك الا بسط ما رأت عينى و سمعت أذنى للناس فى ثوب قشيب‏ (1) و منظر بهيج فتقدّمت الى المسلمين بهذه الرحلات المصوّرة التى حوى كل منها ما لا يغنى عن الأخرى إذ كان من حسن حظى أنى سلكت كل مرة من مكة إلى المدينة طريقا غير التى كنت أسلكها من قبل فظفرت بمعلومات قيمة عن أرض الحجاز لا أظنك تظفر بجملتها فى كتاب آخر.

و لقد كان من أكبر البواعث على إخراج هذه الرحلات و تكلف النفقات الباهظة فى سبيلها أنها أبين شرح لفرض من فروض الدين و أصدق لسان يصف مهد النبوّة و مبعث التشريع و أنها لتكشف لك عن سيرة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و الأماكن التى شرفت به حتى كأنك تراها رأى العين.

و قد رأيت أن أذكر الرحل الأربع حسب ترتيبها فى الموضوع و لما كانت السنة الأولى خالية من المناظر رأيت أن أضيف إليها من مناظر السنين الأخرى إذ هى أوّل ما تقرأ و أوسع ما خط كما رأيت أن أشبع الكلام على كل مكان شهير أو أثر عظيم أو أمر خطير يأتى ذكره فى الرحلة فى فصول مستقلة.

و أسأل اللّه سبحانه أن يجعل عملى خالصا من الرياء و أن ينفع به المسلمين.

فى مشارق الأرض و مغاربها (هو ربّى عليه توكّلت و إليه أنيب).

____________

(1) أبيض نظيف.

5

الرحلة الاولى سنة 1318 ه- 1901 م‏

الأعمال التمهيدية قبل سفر المحمل‏

أمير الحج و قوّة المحمل العسكرية- صدرت إرادة سنية بتاريخ 4 رمضان سنة 1318 (26 ديسمبر سنة 1900) بتعيين إسماعيل صبرى باشا الطوبجى أميرا للحج و صدر أمر عسكرى بتاريخ 5 ذى القعدة بتعيينى رئيسا (قومندان) لحرس المحمل و أمر آخر فى التاريخ نفسه بتعيين 180 ضابط وصف ضابط و عسكرى حرسا للمحمل و كان الضباط ستة، هم رئيس المائة (اليوزباشى) عبد الوهاب حبيب افندى من المشاة (البيادة) و رئيس المائة سليمان كامل افندى الطبيب، و الملازم الأول ابراهيم أحمد افندى من المشاة، و الملازم الأول اسماعيل كامل افندى من المدفعية (الطوبجية) و الملازم الأول أحمد كامل افندى من الخيالة، و الملازم الثانى محمد كامل افندى من المشاة و من ضمن العسكر 14 موسيقيا.

ر كب المحمل- صدرت إرادة سنية بتاريخ 4 رمضان سنة 1318 بتعيين محمد سليمان بك أمينا للصرة و قررت وزارة المالية تعيين الشيخ يوسف المرجاوى إماما للمحمل، و حسن حلمى افندى كاتبا أول للصرة، و سعيد أحمد افندى كاتبا ثانيا و حسن قاسم افندى كاتبا للقسم العسكرى و إمارة الحج، و محمود يوسف افندى صرافا للصرة، و السيدة صالحة افندى طبيبة، و جملة من كان فى خدمة المحمل فى هذه السنة 473 ما بين ضباط و عسكر و موظفين و توابعهم و قادة الجمال و الخيول و حاملى المصابيح (المشاعل) و السقائين و الفراشين و الزامرين (الفريحية) و لم يكن مع المحمل أحد من الأهالى غير عماله و أتباعهم.

6

صرة المحمل- كانت النقود التى أودعت صرة المحمل فى سنة 1318 ه و سلمت لأمين الصرة بمقتضى إشهاد شرعى رسمى عمل بمحضر ناظر المالية و أمير الحج و أمين الصرة و صرافها و صراف من المالية و مندوب من قبل حضرة صاحب الفضيلة قاضى قضاة مصر كما يأتى:

مليم جنيه مصرى وينتو جنيه مجيدى ريال بطاقه ريال مصرى قرش مليم 500 14276 49 35 39000 2972 5325 1/ 4 596 و جملة ذلك بالجنيه المصرى و المليم ما يأتى:

مليم، جنيه‏

262 و يك چهارم، 18893 أى ربع مليم و اثنان و ستون و مائتا مليم و ثلاثة و تسعون و ثمانمائة و ثمانية عشر ألفا من الجنيهات المصرية.

و المبالغ المذكورة تشمل مرتبات رجال المحمل جميعهم مدة ثلاثة شهور و هى المدة المقدرة لسفر المحمل و مرتب أمير مكة و المقدر لأشرافها و للعربان و لتكيتى مكة و المدينة و جميع النفقات الأخرى اللازمة من أجرة جمال و ثمن علف للدواب الخ- أنظر مالية المحمل فى آخر الكتاب.

الكسوة و وصفها- جرت العادة أن يكتب إشهاد شرعى بتسليم الكسوة من مأمور تشغيلها الى المحملى (من فى عهدته المحمل و الكسوة) ليوصلها الى البيت الحرام و يذكر فى هذا الإشهاد أجزاء الكسوة و أوصافها و قد رأينا أن نثبت هنا نص الإشهاد الشرعى الذى حرر فى سنة 1321 اذ هو أثر تاريخى يعرف منه القارئ تفاصيل الكسوة و مادتها و هى لا تختلف فى سنة عنها فى أخرى الا فى جودة ما تصنع منه و اليك نص الإشهاد،

بمحكمة مصر الكبرى الشرعية فى يوم الثلاثاء خامس عشر القعدة سنة إحدى و عشرين و ثلاثمائة و ألف الموافق ثانى فبراير سنة أربع و تسعمائة و ألف أذن فضيلتلو قاضى افندى مصر حالا لحضرة العلامة الشيخ محمد ناجى أحد أعضاء المحكمة المذكورة بسماع ما يأتى ذكره فيه و لكاتبيه هما الشيخ محمد سعيد و محمد مصطفى افندى‏

7

الكاتب كلاهما بالمحكمة المذكورة بكتابة ما يأتى ذكره فيه فلدى حضرة العضو المومى اليه بحضور الكاتبين المذكورين بالمجلس المنعقد بمسجد سيدنا و مولانا الامام أبى عبد اللّه الحسين رضى اللّه تعالى عنه الكائن بمصر المحروسة بالقرب من خان الخليلى و الجامع الأزهر بقسم الجمالية فى الساعة العاشرة صباحا من اليوم المرقوم أشهد على نفسه الحاج محمد أحمد المحاملى الساكن بالدرب الأصفر بالقسم المذكور ابن المرحوم أحمد مصطفى بن مصطفى شهوده الإشهاد الشرعى و هو بأكمل الأوصاف المعتبرة شرعا أنه قبض و استلم و استوفى و وصل اليه من حضرة عبد اللّه فائق بك مأمور تشغيل الكسوة الشريفة حالا الساكن بشارع المحجر بقسم الخليفة بمصر ابن المرحوم اسماعيل بك ابن المرحوم ابراهيم الحاضر هو معه بهذا المجلس جميع كسوة بيت اللّه الحرام المشتملة على ثمانية أحزمه و أربعة رنوكه- أى دوائر- مركبة على حملين من الثمانية أحمال الآتى ذكرها فيه، مزركشة الثمانية أحزمة و الأربعة رنوكه المذكورات بالمخيش الأبيض و الأصفر المطلى بالبندقى الأحمر على الحرير الأسود و الأطلس الحرير الأخضر المبطن بالبفت الأبيض و النوار القطن المركبات الثمانية أحزمة المذكورة على ثمانية أحمال حرير أسود مكتوب و مبطن بالبفت الأبيض و النوار القطن، اثنان من الثمانية أحمال المذكورة كل منهما تسعة أثواب كل ثوب منها طوله ستة و عشرون ذراعا بالذراع البلدى طول كل ذراع منهما سبعة و خمسون سانتى متر و كسور من السانتى، و اثنان من الثمانية أحمال المذكورة كل منهما ثمانية أثواب من الأثواب المذكورة، و الأربعة أحمال باقى الثمانية أحمال المذكورة اثنان منها سبعة أثواب و نصف من الأثواب المذكورة و الاثنان الباقيان كل منهما ستة أثواب و نصف من الأثواب المذكورة. و ستارة بيت اللّه الحرام المعبر عنها بالبرقع المزركشة بالمخيش الأبيض و الأصفر المطلى بالبندقى الأحمر على الحرير الأسود و الأطلس الحرير الأخضر و الأحمر المبطنة بالبفت الأبيض و النوار القطن و الأطلس الحرير الأخضر بها خمسة شراريب حرير أسود و قصب و كنتير و مخيش و ستة أذررة (كذا) فضة مطلية بالبندقى الأحمر، و اثنتى عشرة شرابة صغيرة حرير أحمر و قصب و كنتير و اثنتى عشرة شمسية

8

مزركشة على الحرير الأحمر. و كسوة مقام سيدنا و مولانا ابراهيم خليل الرحمن عليه و على نبينا أفضل الصلاة و أتم التسليم المبطنة بالبفت الأبيض المزركشة بالمخيش الأبيض و الأصفر المطلى بالبندقى الأحمر على الحرير الأسود و الأطلس الحرير الأخضر و الأحمر، بها أربعة شراريب حرير أسود و قصب و كنتير و مخيش و عشر شمسيات مزركشة بالمخيش الأبيض و الأصفر المطلى بالبندقى الأحمر على الحرير الأحمر و عشرة شراريب صغيرة حرير أحمر و قصب و خمسة أذررة فضة مطلية بالبندقى الأحمر بها سجق قطن شبكة بقيطان قطن و أذررة شراريب من قطن هندى أحمر و أصفر و بها ترتر أحمر. و كيس مفتاح بيت اللّه الحرام المزركش بالمخيش الأصفر المطلى بالبندقى الأحمر على الأطلس الحرير الأخضر به ترتر ملون و كنتير أصفر مبطن بالأطلس الحرير الأخضر به شرابتان قصب و كنتير و قيطان قصب. و ستارة باب سطح بيت اللّه الحرام المعروف بباب التوبة داخل بيت اللّه الحرام المزركشة بالمخيش الأبيض و الأصفر المطلى بالبندقى الأحمر على الحرير الأسود و الأطلس الأخضر و الأحمر المبطنة بالبفت الأبيض و النوار القطن و الأطلس الحرير الأخضر بها ترتر. و ستارة باب مقصورة سيدنا و مولانا ابراهيم الخليل المشار اليه المزركشة بالمخيش الأبيض و الأصفر المطلى بالبندقى الأحمر على الحرير الأسود و الأخضر و الأحمر، بها خمسة أذررة فضة مطلية بالبندقى الأحمر و عشر شمسيات مزركشة بالمخيش الأبيض و الأصفر على الأطلس الحرير الأحمر، بها عشرة شراريب صغيرة حرير و قصب المبطنة بالبفت الأبيض و الأطلس الحرير الأخضر. و ستارة باب منبر الحرم الشريف المكى المزركشة بالمخيش الأبيض و الأصفر المطلى بالبندقى الأحمر على الحرير الأسود و الأخضر المبطنة بالبفت الأبيض و النوار القطن و الأطلس الحرير الأخضر و ثلاثة مجاديل- أى حبال قطن- احتياج تعليق الكسوة الشريفة على بيت اللّه الحرام و إحدى و أربعين عصفورة- أى حبل قطن مجدول- احتياج الحلق و غلايتين من النحاس مغطاتين مملوءتين بماء الورد الباش احتياج غسيل بيت اللّه الحرام حسب المعتاد قبضا و تسلما و استيفاء و وصولا شرعيات حسب اعتراف المشهد المذكور بذلك يوم تاريخه بهذا المجلس‏

9

بحضور كل من سعادة إبراهيم رفعت باشا أمير الحج الشريف الساكن بالدويدارى بقسم الدرب الأحمر ابن المرحوم سويفى بن المرحوم عبد الجوّاد، و حضرة أحمد زكى بك مدير الأموال المقررة بنظارة المالية المصرية حالا و أمين الصرة الشريفة فى هذا العام الساكن بشارع الظاهر بقسم الأزبكية ابن المرحوم السيد يوسف الحلبى ابن المرحوم السيد عثمان الحلبى، و حضرة السيد محمود الببلاوى شيخ مسجد و مقام سيدنا و مولانا أبى عبد اللّه الحسين رضى اللّه تبارك و تعالى عنه الساكن بحارة المناصرة بقسم الموسكى ابن حضرة العلامة الهمام السيد الشريف على الببلاوى شيخ الجامع الأزهر الشريف حالا نجل المرحوم السيد محمد الببلاوى و محمد عمر افندى الكاتب و أمين مخزن مصلحة الكسوة الشريفة الساكن بشارع مصر القديمة ابن عمر ابن محمد العارف كل منهم للمشهد المذكور عينا و اسما و نسبا و أنه الحاضر بهذا المجلس و اتصافه بالأوصاف المعتبرة شرعا و على المشهد المذكور الخروج من عهدة ذلك جميعه و تسليمه لمن له ولاية تسلم ذلك بمكة المشرفة حسب المعتاد فى ذلك، صدر ذلك بحضور و شهادة من ذكر أعلاه تحريرا فى يوم الأربعاء سادس عشر القعدة المذكور الموافق ثالث فبراير المرقوم. اه.

و يعطى لمحرر الاشهاد الذى ينتدبه قاضى قضاة مصر 3 جنيهات و 280 مليم منها 880 مليم نقدية و 140 قرش ثمن فروة و 100 قرش ثمن فرجية جوخ.

الاحتفال بالكسوة

فى يوم 27 شوّال سنة 1318 (16 فبراير سنة 1901) احتفل فى القاهرة بكسوة الكعبة المشرّفة بالطريقة الآتية:

فى يوم 26 شوّال أتى بالمحمل من مقره بوزارة المالية و نقل داخل صناديق على عجلة الى «وكالة الست» بالجمالية حسب المعتاد من قديم و نقل جزء من كسوة الكعبة مع أحزمتها الحريرية المزركشة بالقصب‏ (1) من مصنعها بالخرنفش الى‏

____________

(1) خيوط من الفضة طليت بالذهب.

10

المصطبة بميدان صلاح الدين المعروف بميدان القلعة أو ميدان محمد على و فى عصر هذا اليوم احتفل رسميا بنقل كسوة مقام الخليل إبراهيم (عليه السلام)، و الجزء الباقى من كسوة الكعبة من مصنعها بالخرنفش الى ميدان صلاح الدين السابق، و كان نقل الكسوة على أكتاف الحمالين يحيط بها رجال الشرطة و يتقدّمها قسم من الجيش ما بين راجل و راكب معهم الموسيقى تصدح بالأنغام المطربة و يصحبه أرباب المزمار البلدى المعينون للسفر بصحبة المحمل، و كذلك تقدّم الكسوة مدير مصنعها- مأمور الكسوة- ممتطيا جواده مرتديا لباسه الرسمى- بذلة التشريفة الكبرى- و على يديه مبسوطتين كيس مفتاح الكعبة (فى الرسم 2). و يتلو كسوة الكعبة كسوة مقام الخليل محمولة على الأكتاف أيضا، و سار الموكب بهذا النظام من المصنع الى «سبيل كتخدا» القريب من النحاسين حيث التقى به المحمل بكسوته الخضراء المعتادة آتيا من «وكالة الست» بالجمالية على ظهر جمل، فسار وراء كسوة المقام و سار الموكب كله الى النحاسين فالغورية فباب زويلة (بوابة المتولى) فالدرب الأحمر فالتبانه فالمحجر فميدان صلاح الدين حيث أقيم هناك الاحتفال فوضع المحمل مع الكسوة فى المحل المقابل لردهة (لصالة) الاستقبال حتى الصباح و وضعت كسوة المقام وسط الردهة المذكورة التى زينت جدرها بقطع من كسوة الكعبة و أحزمتها القصبية و كيس مفتاح الكعبة و ستارة بابها و باب التوبة، و وضع حول كسوة المقام أربع ما ثلاث (شمعدانات) من الفضة أحضرت من جامع القلعة، و وضع بحجرة المحافظ التى بالجهة الغربية من ردهة الاستقبال أربع قطع يقال لها (كرداشيات) (فى الرسم 3) زينت بها جدر الحجرة، و قد أحيت المحافظة الليلة المعقبة لهذا اليوم بتلاوة آى القرآن الكريم و انشاد المنشدين فى مكان شرقى مكان الاحتفال ودعت العلماء و الكبراء و الأعيان لمشاركتها فى إحياء الليلة، و منهم من دعته لتناول طعام العشاء قبل الغروب، و منهم من دعى للاحياء بعد صلاة العشاء فحسب كما أنها دعت مشايخ الطرق من الرفاعية و السعدية و الأحمدية و الإبراهيمية و البيومية و القادرية و الشاذلية

11

للسير أمام المحمل و الكسوتين و للمشاركة فى إحياء هذه الليلة التى أنفق فيها مائة جنيه مصرى، و استمرت الحفلة الى ما بعد نصف الليل حيث جمعت قطع الكسوة التى فى الردهة و فى حجرة المحافظ مع كسوة المقام، و وضع كل ذلك مع المحمل فى المكان المقابل لردهة الاستقبال.

و فى صباح هذه الليلة احتفل بالكسوة و المحمل إحتفالا فخما فى ميدان صلاح الدين حضره سموّ الخديو و الوزراء و العلماء و الأعيان، و أطلق للخديو ساعة حضوره واحد و عشرون مدفعا و صدحت الموسيقى بسلامه ثلاثا أعقبها الضباط و العساكر و الحضور فى كل مرة بالهتاف لسموّه (افند مز چوق يشا) (يعيش افندينا طويلا) و كان الخديو و الحضور ساعة ذلك رافعى أيديهم الى جباههم بالسلام ثم استراح جنابه مع الحضور قليلا فى بهو (صالة) الاستقبال مشاهدا دورات المحمل السبع المعتادة فى الفناء الواسع الذى أمام البهو و كان يقود جمل المحمل مدير مصنع الكسوة الذى قدّم المقود الى سموّ الخديو فقبله و ناوله قاضى القضاة فقبله أيضا مع بعض الحضور ثم أعاده الى المأمور الذى ينتظر بالمحمل قبالة الجامع المعروف بالمحمودية بالميدان ريثما يتم استعراض الكسوة، ثم عرضت الكسوة يحملها الخفراء على سموّه و قد وقف خارج الردهة مع الوزراء و الحضور، و الخفراء يمرون بها من أمامهم حتى إذا ما انتهت استعرض الجيش ثم أطلق واحد و عشرون مدفعا إيذانا بانتهاء الحفلة (فى الرسم 4) و انصرف الخديو و الحضور ثم سير بالكسوتين و المحمل الى مسجد الحسين رضى اللّه عنه يصحبها رجال الجيش و الشرطة و أرباب الطرق و فى المسجد استقبل الكسوتين أمير الحج و أمين الصرة و كانا قد سبقا الناس الى المسجد و هنالك ضمت بالخياطة قطع الكسوة بعضها الى بعض ثم نقلت الى العباسية مع كسوة المقام فى صناديقها المعدة لها استعدادا للسفر بهما الى الحجاز بعد. أما المحمل فسير به من المسجد الحسينى الى مصنع الكسوة بالخرنفش‏ (1) و بقى هنالك الى صبيحة يوم الاحتفال‏

____________

(1) لا يخفى عليك أن هذه الأعمال ليست من الدين فى شى‏ء و ربما كان مبررا لها أنها تهيج النفوس الى أداء الحج.

12

بخروج المحمل الى الأقطار الحجازية، ففى صبيحة هذا اليوم احتفل بنقله من المصنع الى ميدان صلاح الدين و لكن من طريق سوق السلاح، و فى ضحوة ذلك اليوم 13 ذى القعدة سنة 1318 (4 مارس سنة 1901) عمل احتفال بالميدان المذكور كالاحتفال السابق و سلم فيه عبد اللّه فائق بك مدير مصنع الكسوة زمام المحمل الى سموّ الخديو و سموّه سلمه لأمير الحج حيث قاده محفوفا برجال الشرطة و الجيش و أرباب الطرق الى العباسية ليسافر من هنالك الى السويس فمكة مع الكسوتين و الروائح العطرية و الخرق الجديدة التى تغسل بها الكعبة.

سفر المحمل و ركبه من القاهرة الى جدة

قبل سفر المحمل من القاهرة ببضعة أيام دعت مصلحة السكة الحديدية سعادة أمير الحج اسماعيل صبرى باشا الطوبجى لتتعرّف منه العربات اللازمة فى قطارى البضاعة و الركاب اللذين يقلان المحمل و ركبه و أمتعته من القاهرة الى السويس فاتفق معها على أن يكون قطار الأمتعة مؤلفا من ثمان عربات مغطاة و ثلاث مسطحة و خمس مجنبة و سبع للحيوانات و قطار الركاب منظوما من مركبتين للدرجة الأولى و أخريين للثانية و ثمان للثالثة و ثنتين للحيوانات.

و فى ليلة الخامس عشر من ذى القعدة سافر قطار البضاعة من العباسية يحمل الكسوتين و ما يتبعهما و أمتعة المسافرين بصحبة المحمل من خدم و عسكر و قادة إبل وضوئية و فراشين و سقائين. و قد انتقدت الشحن بأن خدم المحمل أسرعوا بشحن أمتعتهم حينما وصل القطار و شغلوا بها أكثر العربات فلما حضر العسكر لشحن أمتعتهم وجدوا أكثر العربات مشغولا فاضطروا الى إخراج بعض أمتعة الخدم حتى يخلوا لأمتعتهم عربات خاصة و فى ذلك من المشقة ما لا يخفى فلو أن (القومندان) عين ضابطا ذا مقدرة و نباهة و فطنة و كياسة لتقسيم العربات بين الخدم و الحرس و تمييز عربات كل فريق و تنفيذ ذلك بالدقة لما هرول أولئك الخدم المتمرّنون على الشحن‏

13

و شغلوا معظم العربات بأمتعتهم، و كذلك ينبغى أن يعمل هذا النظام بالباخرة البحرية فيعين لكل طائفة أماكن خاصة و يراقب الرئيس تنفيذ ذلك فلا يعتدى قوى على ضعيف و لا يسبق المتمرّن غيره الى خير الأماكن بل تكون سواسية بين الجميع.

و فى صبيحة يوم 15 ذى القعدة (6 مارس) سافر قطار الركاب فى منتصف الساعة الأولى العربية من العباسية يقل المحمل و الأمير و الموظفين و بقية الحرس و أتباعهم من الأهالى، و قد وقف القطار بمحطات القاهرة و طوخ و بنها و الزقازيق و أبى حماد و نفيشة و الاسماعلية و فايد، و قد كان الأهالى و مشايخ الطرق و طلبة المدارس بنين و بنات ينتظرون المحمل فى محطات الوقوف و معهم الموسيقى و المزمار البلدى. و مما رأيناه من عادات الأهالى إحضارهم أولادهم الرضع ليروا المحمل و يلمسوه فيبارك لهم فى ذريتهم و كانوا اذا لم يستطيعوا لمسه قذفوا بمناديلهم الى خدام المحمل بعد أن يضعوا فيها شيئا من النقود أو يملؤوها باللحوم البيضاء أو الفطير فيأخذ الخدم ذلك منها و يردونها الى أربابها بعد إمرارها على المحمل، و الذى دعا العامة الى ذلك ما يعلمونه من أن المحمل يوضع داخل المسجد الحرام كما يوضع فى المقصورة النحاسية التى حول قبر الرسول (صلوات اللّه و سلامه عليه) مادام بالمدينة فيريدون التبرك بمحمل يزور الأماكن المقدّسة، و لما كان التمسح بالقبور منهيا عنه فى الشرع كان الاجدر بالناس أن لا يتمسحوا بما يوضع على الأضرحة من باب أولى و خليق بالمسلمين خاصتهم و عامتهم أن تتفق عاداتهم مع آداب دينهم و هاك المحمل فى عربته بالاسماعيلية (فى الرسم 5).

و قد وصلنا السويس فى اليوم نفسه فى الساعة السابعة العربية و الدقيقة 45 و كانت المحطة غاصة بالنظارة (المتفرّجين) و رجال الشرطة مصطفين على الافريز و فى مقدّمة الجميع سعادة المحافظ و الموظفون و قد أطلق ساعة وصول القطار 21 مدفعا من قلعة السويس و صدحت الموسيقى بالسلام الخديوى و هتف الحضور بالدعاء المعتاد لولى النعم (افند مز چوق يشا) و تقدّم سعادة المحافظ الى أمير الحج و أمين الصرة مهنئا لهما بالوصول ثم تقرر أن يكون الاحتفال بموكب المحمل فى منتصف‏

14

الساعة الحادية عشرة العربية من اليوم نفسه. و لما حان هذا الموعد اصطف حرس المحمل و رجال الشرطة صفين متقابلين بالقرب من المحطة و كذلك العساكر القائمون بمنع تجارة الرقيق اصطفوا بهجانهم صفين و جعل المحمل بينهما ثم سار الموكب بهذا النظام يتقدّمه أمير الحج و على يمينه المحافظ و على يساره أمين الصرة، و العامة، و أرباب الطرق من دون ذلك، و بعد أن طاف بشوارع المدينة كالمعتاد وقف حيث بدأ و إذ ذاك أطلق حرس المحمل 21 مدفعا ردّا لتحية القدوم، و بعد السلام الخديوى انفرط عقد الحفلة و شحن المحمل بقطار السكة الحديدية الى محطة حوض السويس التى بتنا بها الى الصباح و باتت أسر موظفى المحمل بحجر الباخرة.

و فى صباح يوم الخميس 16 ذى القعدة سنة 1318 (7 مارس سنة 1901) أنزلت الأمتعة و الكسا و المحمل (فى الرسم 6) الى باخرة النجيلة المخصصة لنقل المحمل و ركبه الى جدّة و قد قام بتفتيش الباخرة سعادة المحافظ و مندوب من شركة البواخر الخديوية و رئيس الحرس و لما تيقنوا بخلوها من مختبئين لا يحملون جواز سفر صرح للحجاج و الحرس بالنزول اليها. و مما لا حظته على الباخرة أن أماكن الدرجة الثالثة بها كانت دون حاجة المسافرين فكان الزحام فيها شديدا و محل الحيوانات كان رديئا جدا فان طوله لا يزيد على 15 مترا فى عرض الباخرة، و ارتفاعه متران تقريبا و لا يوجد به من النوافذ التى لا يزيد قطرها عن 20 سنتيمترا إلا نافذتان فى كل جهة، و كان به 40 حيوانا بين خيل و بغال و قد بلغ من ازدحام الحيوانات به أن العساكر ما كانت تتمكن من وضع العلف لها إلا بالسير من تحتها و أنها كانت تتصبب عرقا بل تتساقط على الأرض من شدة الحرارة بالرغم من أننا وضعنا مروحة بحرية (منيجة) لجلب الهواء لها، و قد تسبب عن ذلك ضعف الخيل و هزالها مع أنها مستريحة غير عاملة.

و قد أخذ من كل حاج بالسويس 32 مليما ضريبة الحجر الصحى بها و قد استنفد ذلك كثيرا من وقت الحجاج، فلو أن الحكومة أخذت هذه الضريبة مع ضريبة محجر الطور لأراحت الحجاج و وفرت عليهم وقتا ضيعوه فى الدفع و تسلم الصكوك به.

و فى منتصف الساعة التاسعة العربية من يوم الخميس أقلعت الباخرة (بسم اللّه مجريها

15

و مرساها) ميممة جدّة فوصلتها فى صبيحة 19 ذى القعدة (10 مارس) فى الساعة الثانية العربية فنكون قد قطعنا المسافة بين السويس و جدّة فى ست و ستين ساعة و هى 646 ميلا. و قد كان البحر هادئا من وقت القيام الى مساء اليوم التالى ثم اشتدّت الرياح و هاج البحر و استمر ذلك حتى جدّة و قبل الوصول اليها بما يقرب من ست ساعات مررنا برابغ على الشاطئ الشرقى للبحر الأحمر و هنالك أحرم المسافرون بعد أن اغتسلوا و حلقوا و قصوا الأظفار و لبسوا لباس المحرمين (الرسم 69) فرفعوا أصواتهم بالتلبية «لبيك‏ (1) اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك».

تجرّدت لما أن وصلت لرابغ‏ * * * و لبّيت للمولى كما حصل الندا

و قلت إلهى عندك الفوز بالمنى‏ * * * و إنى فقير قد أتيت مجردا

و التلبية مطلوبة عند الاحرام بحج أو عمرة، و كلما علا مرتفعا أو نزل منخفضا و كذلك عند تلاقى الركبان ثم من الناس من أحرم بالحج و منهم من أحرم بالعمرة و هم جميع الركب خلا أربعة و انما آثرنا العمرة لنتحلل منها اذا وصلنا الى مكة وطفنا و سعينا بين الصفا و المروة فيحل لنا ما حرم علينا بالاحرام من لبس المخيط و كشف الرأس للرجال و تغطية الوجه للنساء و التطيب و الحلق الخ، و قد جرت العادة بأن السقائين و العكامة و الفراشين و الضوئية لا يحرمون و لا يؤدّون شيئا من مناسك الحج فأمرهم الأمير بالاحرام، فأطاعوا مرغمين و أخذوا مما عندنا من «البفتة» ما يرتدون به للأحرام و كانوا قد خرجوا من مصر غير متأهبين له دأبهم فى كل مرة و كذلك اشتريت للحرس (بفتة) من القاهرة بنقود دفعوها (2) فاتخذوا منها ملابس الاحرام فكنت ترى ركب المحمل من كبيره الى صغيره محرما خلاف ما تعوّدوه فى السنين الخالية، و لهذا كان الناس معجبين بنا هذه المرة إذ رأوا فينا خطة جديدة هى عين ما رسمه الشرع الشريف و ندب اليه.

____________

(1) لبيك معناها إجابه بعد إجابة.

(2) طلبت فى سنة 1320 من المالية أن تشترى للعسكر ملابس الإحرام من مالها الخاص فأجابت.

16

وصول المحمل الى ميناء جدّة

لما وصلت الباخرة مرفأ جدّة لم يحضر الحاكم و لا أحد من قبله لتهنئة الأمير بالوصول حسب العادات المتبعة و لا سيما أن الباخرة بها أمير الحج و قسم عسكرى ينبغى احترامه و مساعدته فى نقل أمتعته و إرشاده الى المعسكر الذى ينزل به، إنما حضر طبيب الحجر الصحى للكشف على راكبى الباخرة و أصحاب السفن الشراعية (السنابك) لينقلوا المسافرين و أمتعتهم الى البر، و عند رسو الباخرة أطلقنا سبعة مدافع إيذانا بالوصول و لم تردّ علينا التحية الباخرة العثمانية الحربية الراسية بالميناء باطلاق المدافع كما هو المعتاد وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها فكررنا التحية باطلاق 21 مدفعا و عزفت الموسيقى بسلام جلالة السلطان و أعقبته بالدعاء له ثلاثا ثم بسلام الخديو و الدعاء له كذلك و بعد تلكؤ ردّت التحية باطلاق المدافع من قلعة جدّة.

نقل الأمتعة من الباخرة إلى ساحل جدّة- الباخرة ترسو بعيدا عن الساحل بنحو ميلين لكثرة الشعب بالمرفأ كما ترى فى (الرسم 7) و تقوم بنقل الحجاج و أمتعتهم إلى البر سفن شراعية تسمى (السنابك أو القطائر) و الأجرة المقدّرة للسفن التى تحمل موظفى المحمل و أمتعته خمسة جنيهات مصرية و للمنجلين (النوتية) الذين ينزلون الأمتعة الى السفن و يخرجونها منها الى البر جنيهان و مثلهما للحمالين الذين ينقلون الأمتعة من الساحل الى المعسكر «نصيبا مفروضا» أما الحجاج التابعون للمحمل فنفقات النقل عليهم (انظر الميناء و القوارب فى الرسم 8).

عوائد الحجر الصحى و إجازة السفر- قضت قوانين الدولة العلية فى جدة بأن يؤخذ من كل حاج ثمانية قروش رسم الحجر الصحى (أنظر ديوان الكورنتينا فى الرسم 9) و قرشان رسم إجازة السفر (فى سنة 1342 ه كانت الرسوم على كل حاج 89 قرشا- اللّه يرحم المعداوى القديم) و يعطى لكل حاج صكان بما دفع‏

17

و ان أخذ الرسوم يستغرق زمنا طويلا و لذلك اضطر الحجاج الى افتراش الأرض الرطبة ليلتهم حتى انتهت مهمة التحصيل التى تستنفد من كل حاج نحو خمس دقائق، و فى الباخرة ما لا يقل عن ستمائة حاج- و كان خيرا من هذا أن تسلم الرسوم كلها م ن أمير الحج الى المحافظ دفعة واحدة و تحصل من الحجاج مع رسوم إجازات السفر من مصر كما يؤخذ مع هذه الرسوم أيضا أجرة نقل أمتعة الحجاج من الباخرة الى الساحل و يتولى الأمير دفعها الى رئيس المنجلين (الحمالين) و أرباب السفن حتى لا توجد منازعات ما بينهم و بين الحجيج، و قد كتبت الى الحكومة بهذا مقترحا تنفيذه فأجابت، و لما عينت أميرا للحج فى سنة 1320 و بلغت جدّة كلمت محافظها سعادة على يمنى بك أن يأذن لمرافقى المحمل بالخروج من الميناء قبل دفع الرسوم و تعهدت بدفعها له مرة واحدة فأذن بذلك و كنت طبعت بطاقات بأرقام متتابعة كتب على كل منها «حاج مرافق للمحمل المصرى» و أعطى لكل حاج واحدة منها و كانت تؤخذ منه ساعة خروجه و تضم الى غيرها و دفعت الرسوم الى المحافظ بعددها بعد أن أرسل لى مأمور خ خ الكورنتينه الكتاب التركى الذى تراه فى (الرسم 10)، و بهذا تمكنا من إراحة الحج و منع التزاحم و إنقاذهم من المكث زمنا طويلا على أرض رطبة فى جوّ رطب، و كذلك اتفقت فى هذه السنة مع أرباب السفن و المنجلين، و بهذا انقطعت المنازعات و الاختلافات.

نقل الأمتعة من الساحل الى المعسكر- نقلت الأمتعة من الباخرة الى البر و وضعت فى الطريق أمام بناء الجمرك (أنظر الرسم 11 و ترى فيه أعمدة البناء فوقها قوائم الخشب بدون سقف) و أحيطت بسور من عساكرنا ثم أخذ الحمالون فى نقلها الى المعسكر بجوار القبر المكذوب على أمنا حوّاء على مسافة ميل تقريبا.

و لما كان نقل المتاع على ظهورهم يستنفد يومين أو ثلاثة قصدت رئيس البلدية فى مكانه القريب منا و رجوته مساعدتنا فى نقل الأشياء الثقيلة التى منها كسوة الكعبة و ساعتئذ حضر خ خ القائمقام خالد بك (قومندان) العساكر فرجوته‏

18

(رسم 10)

إدارة المحجر الصحى بجدّة. مكتوب رقم 172. الى محافظ المحمل المصرى الشريف.

صاحب السعادة. قضى النظام المتبع بأن يؤخذ من كل حاج يقدم الى مكة عشرة قروش للادارة الصحية. و قد حضرت بالأمس الى جدّة باخرة النجيلة فيها 28 حاجا تحت رعايتكم دفع خمسة منهم الرسوم و 23 لم يدفعوا فنرجو أخذ 230 قرشا منهم و ارسالها الينا و الأمر لكم.

27 ذى القعدة سنة 320 ه (12 شباط سنة 318)

19

أيضا فبعثا مندوبين من قبلهما للتجار أصحاب العربات، و بعد ساعة أحضروا سبع عربات صغيرة أشبه بعربات نقل الرمل عندنا و لكنها دونها فساعدتنا كثيرا، و لما جنّ الليل و اقترب غلق أبواب الجمرك و خفت أن يبيت بعض الأمتعة بالميناء و يتعطل لديها قسم من العساكر لحراسته- رجوت رئيس الشرطة (الحكيمدار) فى تأخير الغلق مدة و جيزة فلبى الرجاء و وقتئذ أمرت بحمل الأشياء الخفيفة و علف الدواب على ظهور الخيل و البغال و أمرت العساكر أن يحملوا ما استطاعوا حمله فلم تأت الساعة الثالثة ليلا إلا و قد تم نقل جميع الأمتعة الى المعسكر، و مع أن النقل كان فى الظلام الحالك و الزحام بالغ أشدّه و المسافة بعيدة- لم يفقد شى‏ء ما، و ان هذا لدليل قاطع على همة الحراس بجدة و كمال يقظتهم و تنبه رجالنا، على أنه- و الحمد للّه- تكاد السرقات بجدة تكون معدومة مع شدة الزحام بها فى موسم الحج و لكن هذا لا يمنع من التيقظ و الاحتياط «اعقلها و توكل».

الاقامة فى جدة

أقمنا بجدة من الساعة الثانية العربية من يوم الأحد 19 ذى القعدة سنة 1318 الى الساعة الحادية عشرة نهارا من يوم الخميس 23 منه و ذلك لفقدان الجمال التى تقلنا الى مكة. و قد احتفل بالمحمل فى جدّة فى اليوم الثانى احتفالا رسميا فتراصت عساكر الدولة العلية صفين متقابلين معهم الموسيقى- و كان عددهم 400 من العساكر النظامية، و 200 من غير النظامية- و كان ذلك خلف الجمرك و جى‏ء بالمحمل فى الساعة الأولى العربية الى مجتمعهم يتقدّمه الأمير و أمين الصرة و يحيط به حرسه و تضامّ الكل و سار المحمل بين الصفوف يجوب شوارع المدينة جريا على سنته الماضية و كان يوما مشهودا إذ كان جميع الضباط و الموظفين بلباسهم الرسمى و موسيقى الدولة- و عدد رجالها ثمانون- تصدح مع موسيقانا بالأنغام الشجية، و كنت ترى الوجوه ضاحكة مستبشرة لا تقرأ عليها الا آيات الفرح و السرور و اذا أضفت الى ذلك منع الزحام بفضل النظام الذى وضعه القائد خالد بك أدركت أن الناس قد

20

بلغ الفرح من نفوسهم مبلغا عظيما، و قد انتهت الحفلة برجوع المحمل حيث بدأ سيره بعد أن صدحت الموسيقى بالسلام السلطانى فالسلام الخديوى و بعد الهتاف لهما بالعز و البقاء. (أنظر الرسم 12).

تبادل الزيارات بجدّة- قد زار حاكم جدّة الملكى و حاكمها العسكرى بملابسهما الرسمية أمير الحج و أمين الصرّة و رئيس الحرس كلا فى خيمته و قدّمنا لهما القهوة و الشراب الحلو و رددنا لها الزيارة فى اليوم التالى، و كذلك زار رئيس تجار جدّة سعادة عمر نصيف باشا الأمير و الأمين و لم يتمكنا من ردّ الزيارة له لضيق الوقت و قد بلغنى و أنا بمكة امتعاضه من تركهما لزيارته فأخبرته بأنا رددنا له الزيارة بمحله بمكة ليسرّى عن نفسه، و قد كان أهالى جدّة صغيرهم و كبيرهم يتواردون علينا عصر كل يوم لمشاهدة المحمل و سماع الموسيقى و المزمار البلدى حتى مغرب الشمس، و من بعد العشاء الى الساعة الثالثة بعد الغروب، و أيام وجود المحمل بجدة تعتبر عند أهاليها مواسم فرح و سرور و إنهم ليحبون سماع الألحان حبا جما؛ و كأن ذلك مركوز فى طبيعتهم مفطورة عليه نفوسهم.

معارفنا بجدّة- قد تعرفنا برئيس المحكمة الأهلية و مأمور الأوقاف، و كان صلة التعارف بيننا مدير البريد و الإشارات البرقية عبد الرحيم محب افندى التقى الورع الصالح الأمين الذى سبق أن تعرفنا به بسواكن منذ كان هناك مدير البرق (التلغراف) للدولة العلية و كنت بها أركان حرب فى سنة 1896، و تاليتيها (و رسم الثلاثة كما فى اللوحة 13). و تعرفنا أيضا بالشيخ سليمان بن عبد اللّه البسام وكيل أمير نجد و التاجر ذى الخلق الطيب و المروءة و الشهامة، و قد دعانى مع حضرة صهرى العلامة الكامل التقى الشيخ محمد طموم الى منزله فأكرمنا و أتحفنا بلذيذ حديثه و شعره و قد حضر الى مصر فى نحو سنة 1912 م و ارتسمنا معا و نحن نشرب القهوة كما ترى فى (الشكل 14).

21

و كذلك تعرفنا بالطبيب محمد حسين افندى نائب خ خ قنصل انجلترا للرعايا الهنود (أنظر الرسم‏ (1) 15).

ما يلزم الحاج بجدّة- يلزمه شراء النعال المشروعة للمحرم و شراء الشقادف التى توضع على ظهر الجمال و يركب عليها شخصان كل فى عدل منها و ثمن الشقدف من 120 قرشا مصريا الى 500 قرش، و الاختلاف فى الثمن من الدقة فى الصناعة أو الزخرفة، و لهذه الشقادف أعمدة توضع عليها الأغطية من طنافس (أبسطة) عجمية أو ملاءات مصرية أو أخيشة كتانية يشترى كل ما يناسب ثروته و ثمن (الكليم) العجمى من 130 الى 300 قرش حسب الاختلاف فى الشكل و الصنعة.

وصف جدّة بشكلها الحاضر- جدة (بضم الجيم و تشديد الدال المفتوحة) بلدة كبيرة و ميناء مكة العظيمة على الشاطئ الشرقى للبحر الأحمر واقعة على الدرجة 6 و الدقيقة 39 من خطوط الطول الشرقية و على الدرجة 14 و الدقيقة 33 من خطوط

____________

(1) لما كان لهذا الطبيب مآثر جمة على الهنود الذين يحجون الى البيت الحرام رأينا أن نذكر فى رحلتنا كلمة عن حياته إنصافا للعاملين و تخليدا لذكرى المخلصين فنقول: هو محمد حسين ابن الشيخ عبد اللّه الطبيب الذى تنتهى سلسلة نسبه الى سيدنا أبى بكر الصديق ولد بمدينة خ خ اللّه آباد فى سنة 1863 و تلقى علومه الأولية بين أسرته، و حفظ القرآن و تعلم اللغة الأردية و الفارسية و الانجليزية و برع فى ثلاثتها و نال درجة فى علم الطب و الجراحة من كلية بنجاب فى سنة 1890 و عين مساعد جراحة فى الحكومة الهندية و أدار عدة مستشفيات ثم عين نائبا لقنصل بريطانيا بجدة فأزال ما كان من سوء التفاهم بين البدو و القناصل و منحته حكومة الهند لقب خ خ خان بهادر سنة 1898 و من حسن سياسته اكتسب رضا عون الرفيق باشا أمير مكة و أحمد باشا راتب و اليها، و لكنهما نقما عليه لما أن غرمهما 10000 جنيه انجليزى عوضا عن السرقات التى حلت بحجاج الهنود و عن الخسارة التى لحقت التجارة الهندية و لكن ما لبث أن استمالهما نحوه حتى كان طبيب الشريف من داء السّكّر الذى أصابه فى مرضه الأخير، و قد طاف أنحاء أوربا خمس مرات و كل جهات آسيا عدا التبت و الأفغانستان و بعض بلاد الغربيين و طاف فى بعض جهات أفريقيا، و قد برح جدّة فى ابريل سنة 1909 لاعتلال صحته فمكث بانجلترا سنة و بمصر أخرى ثم استقال فى سنة 1911 و أقام فى (باللّه آباد) منشئه و أسس فيها مدبغا على الطراز الحديث كلفه ما ينوف على 20 ألف جنيه- ملخص عن كتاب بعث به إلينا فى 25 مارس سنة 1914

22

العرض الشمالية يحيط بها سور ذو خمسة أضلاع يقطعها راكب الحصان بالسير المعتاد فى 45 دقيقة و ارتفاع السور 4 أمتار و به تسعة أبواب، ستة فى الجهة البحرية و ثلاثة فى الجهات الأخرى و أوّل من بناه السلطان الغورى من ملوك مصر فى سنة 915 ه.

و بها حوالى 3300 منزل مبنية بالحجر الأبيض المستخرج من البحر، و يتكوّن المنزل من طبقتين الى خمس- و الوجهات الامامية من البيوت بها الرواشن [الخارجات المسقوفة] المصنوعة من الخشب الهندى الأحمر المخروط (الرسم 16). و البيوت العالية ذات الموقع الجميل و المنظر البهيج يسكنها أكابر البلد و وكلاء الدول التجاريون (القناصل) من روس و إنجليز و فرنسيين و نمساويين و إسوجيين و نروجيين، و من أفخم بيوتها بيت السيد عمر السقاف الشريف السرى (الرسم 17). و منزل المحافظ الذى تراه (فى الرسم 18) و انه لآية فى الإبداع و به حديقة غناء. و بجدّة محل للحكومة و ثكنات للعساكر (الرسم 19). و مكتب للإشارات البرقية و بناء فخم للمجلس البلدى و الحجر الصحى (الرسم 9 السابق) كما تجد بالساحل بناء الجمرك (فى الرسم 11 السابق). و بها خمسة جوامع و ثلاثون مسجدا مفروشة بالحصر الناعمة الجميلة النظيفة إلا أنها تكون مبللة عند رطوبة الجوّ و هى مرتفعة عن مستوى الشوارع بنحو ثلاثة أمتار، يصعد إليها بدرج منتظم من الحجر و ليس بها بيوت خلاء و لا ميضأت، و بها حمام واحد و نزلان (لو كاندتان) و أربعون قهوة و صيدلية و مكتب تعليم راق و تسعة للصبيان و مستشفى و مصنع للجير و مذبح و أربعون مخزنا تجاريا و تسعمائة دكان و آلة بخارية لطحن الحبوب و سبع و أربعون طاحونة و مثلها مخابز و عشرة مطابخ و سوق لبيع السمك و آخر للصدف و مكاتب للبريد و بها جبانة قريبة من ثكنات العسكر، يحيط بها سور يبلغ طول ضلعه الشمالية 160 مترا، و فى وسط الجبانة قبر أمنا حواء (المكذوب) طوله نحو 150 مترا و عرضه أربعة أمتار و ارتفاعه متر، عليه ثلاث قباب على الرأس و السرة و الرجلين كما يزعمون (الرسم 20).

و بجانبه كثير من الشحاذات يلتمسن الصدقات على خرق بسطنها أمامهن.

23

و شوارعها مختلفة السعة من 8 أمتار الى 15 مترا و حاراتها ضيقة و غير منتظمة.

و بجدّة مجار لتصريف مياه المطر الى البحر كما بها 800 صهريج داخل البلد و خارجها- معدّة لخزن مياه المطر و بيعها فى موسم الحج و لكنها الآن معطلة إذ ترد المياه الى جدّة من عين تبعد عنها مسيرة ساعتين و نصف و تسير فى مجار مبنية تحت الأرض حفرها المصلح عثمان نورى باشا والى مكة سابقا، و خارج البلد أيضا آبار محفورة و أنابيب فى الأرض مركوزة تخرج منها المياه بالآلات الماصة (آبارار توازية) و بعض المياه عذب و بعضها به يسير الملوحة.

و المحمل يستورد مياه الشرب من أعذب الآبار بواسطة سقائين من جدّة يتقاضون أجرة و بقرب معسكره صهاريج مفعمة بالمياه يؤخذ منها عند الحاجة.

و بالمدينة مجلس بلدى أعضاؤه من الأهالى و مجلس للأحكام و قاض شرعى. و جميع الأهالى مغرمون بشرب التبغ و (التنباك) و الشاى و القهوة و بها كثير من الصبار يوضع على القبور استرحاما للموتى.

سكان جدّة- أهالى جدّة خليط من أجناس شتى مكيين و يمنيين و حضرميين (من حضرموت) و هنود و ترك و شوام و مصريين و قصيريين (من القصير) و عددهم حوالى 25 ألف نسمة و يبلغ من فيها فى موسم الحج خمسين ألفا الى ستين و يمرّ بها من الحجاج كل عام نحو 120 ألف حاج.

تجارتها- جدة مرفأ مكة التجارى بل هى مرفأ الحجاز المهم لذلك ترى ميناءها مملوءا بالسفن التجارية كما تراه (فى الرسم 8 السابق).

و يرجع اتخاذها مرفأ تجاريا لمكة الى عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضى اللّه عنه فانه فى سنة 26 ه اعتمر من المدينة و أتى مكة فسأله أهلها أن ينقل ساحل مكة القديم من الشعيبية (جنوبى جدّة الآن) الى جدّة لقربها من مكة، فخرج بنفسه الى جدة و رآها و اغتسل من البحر و قال: إنه مبارك و قال لمن معه: ادخلوا البحر مغتسلين‏ (1)

____________

(1) فليس الاستحمام فى البحر الملح و معرفة فوائده من مبتكرات أوربا و انما سبقهم الى ذلك ثالث الخلفاء عثمان بن عفان رضى اللّه عنه.

24

و لتكونوا مؤتزرين، و من ذلك الوقت استمرت جدّة ميناء مكة الى اليوم، و تأتى اليها التجارة من مصر و سواكن و زنجبار و الصومال و الهند و جاوة و الروملى و الأناضول و سوريا و بلاد المغرب و العراق و البحرين و مسقط و اليمن و أوربا و آسيا و غيرها، و من أصناف التجارة البن و الصمغ العربى و أنواع الروائح و ريش النعام و اللؤلؤ و الصدف و المرجان و دهن البلسان و دهن الورد، و ترد اليها الحنطة و الأرز و الصابون و السكر من مصر و سن الفيل و الأرز الهندى و عدد الجمال من الهند، و قد بلغت رسوم الواردات فى سنة 1302 ه 637916 قرش عثمانى و 36 باره.

السفر من جدّه الى مكة

قبل المغرب بساعة من يوم 23 ذى القعدة سنة 1318 (14 مارس سنة 1901) تحرّك ركب المحمل من جدّة ميمما مكة و قد حيته فرقة من الجند العثمانى برآسة «القائمقام» خالد بك و شيعه أهل جدّة الى أبعد من ميل، و قد جدّ بنا السير حتى بلغنا بحرة لتمام الساعة العاشرة العربية ليلا و بتنا بها على مقربة من قلعتها التى يرابط بها بعض الجنود، و فى منتصف الساعة التاسعة من يوم 24 تابع المحمل سيره الى أن وصلنا الى قهوة البوغاز أو البستان فى الساعة السابعة ليلا فاسترحنا بها الى منتصف الساعة الثانية عشرة ثم ارتحلنا فوصلنا مكة لتمام الساعة الأولى من صباح يوم 25 ذى القعدة.

و الطريق بين جدّة و مكة واد رملى إلا فى موضعين منه حيث يوجد حصا صغير الحجم و كبيره و لكن ذلك لا يشغل من الطريق إلا حوالى نصف ميل، و قبيل مكة بنحو أربعة أميال تجد مدرجا حجريا مرتفعا قليلا ثم بعده يستوى الطريق و إن كان حجريا تكثر فيه التعريجات حتى يخيل الى الرائى أن الطريق سدّ لاقتراب الجبال المواجهة و هو صالح لمدّ القضبان الحديدية به و الوادى يحفه من الجانبين الجبال و التلال المتشابهة الضارب لونها الى السواد و النابتة فيها الأشجار و هى تارة تتقارب فيضيق الوادى و تارة تتباعد فيتسع، و بالطريق بضع عشرة قهوة لراحة الحجاج و تقديم الشاى‏

25

و القهوة لهم، و به جملة قلاع ذات اليمين و ذات الشمال يقيم بها جنود أتراك، و به أماكن أخرى يقطنها عساكر الشريف غير النظامية و هؤلاء الحراس و جدوا للمحافظة على الأمن بالطريق و لكنهم كما سمعت لا يفارقون أماكنهم لرد الغارات و الضرب على أيدى اللصوص و قطاع الطريق و لو كان ذلك بمرآى منهم و مسمع إلا اذا أمرهم الوالى و أين هو منهم. و كثيرا ما سلب الحجاج أمتعتهم إذا تأخروا عن القافلة لإصلاح الأحمال أو قضاء بعض الضرورات، و اذا ما سئل هؤلاء الحراس لماذا لا تقومون بالواجب قالوا (أمريوك) أى ليس عندنا أمر- فما أقبح العذر. و قد كانت العساكر تؤدّى للمحمل التحية العسكرية عند مروره بها و تنير له الطريق بحرق كومات من الأخشاب تباعا وضعت فوق آكام مرتفعة و جمعت لهذا الغرض و كنا نسير على ضوئها نحو ألف متر.

و قد رأينا أن نصف لك بالتفصيل الطريق من مكة الى جدّة و ما فيه من القلاع و القهاوى و الانحراف و الاستقامة حسب ما جاء فى رحلة سنة 1320 إذ هو أوفى و أبين فنقول:

فى يوم الجمعة 30 ذى القعدة سنة 1320 فى الساعة الثانية العربية نهارا بدأنا السير من جدّة على أرض سهلة بين نشوز رملية ناحين نحو الجنوب الشرقى على 110 مدّة 20 دقيقة و إذ ذاك تباعدت التلال و اتسع الوادى و ما زال السفر يجد بنا الى أن وصلنا الى «رأس القائم» فى س 5 و ق 25 و هنالك وجدنا مخفرا به جملة عساكر نظامية مع بعض الضباط كما وجدنا قهوة يباع بها الشاى و القهوة فى زمن الحج، كسائر القهاوى التى على هذا الطريق و تابعنا السير فوصلنا الى «الرغامة» بعد س 6 و هنالك على نشز من الأرض قلعة بها بعض الجنود و قهوة، و قد وقفنا بالرغامة لحظة قدّم لنا فيها الماء البارد تحية مباركة، و من هذه القلعة تغير اتجاهنا فسرنا مشرقين على 90 و إذ ذاك أخذت الجبال تقترب منا تارة و تبتعد أخرى فيضيق الوادى و يتسع ما بين 180 متر الى 360 بالتقريب ثم تغير الاتجاه الى الجنوب الشرقى فسرنا على 110 الى أن وصلنا الى موضع يدعى «جرادة» فى س 7 و ق 45

26

و به قهوة متسعة مبنية بالحجر و مسقوفة، و على نحو 100 متر منها يوجد بئران ماؤهما فيه شى‏ء من الملوحة- سقينا منهما الخيل و البغال و استرحنا 55 ق و واصلنا السير فى س 8 و ق 40، و على نحو 1000 متر وجدنا على اليسار «قلعة الكتانة» على مرتفع من الأرض كسائر القلاع فى الطريق و بها ضابط و عشرون جنديا، و من هذه القلعة كانت الأرض محصبة مسافة ميل بالتقريب. و فى الساعة 9 و الدقيقة 20 تغير اتجاهنا الى الشمال الشرقى فسرنا على 75 و وصلنا الى «قلعة الكتانة» الثانية فى س 9 و ق 30 و بها ضابطان و خمسون جنديا و الماء بعيد عنها بمسافة تستغرق ساعة و نصفا بل الماء بعيد عن كل القلاع إلا ما ندر و يوجد بها قهوة، و من هذه القلعة تغير اتجاهنا الى الجنوب الشرقى على 140 و لتمام الساعة العاشرة مررنا ببرج «القلعة البيضاء» و هو على اليسار به رئيس العشرين (جاويش) و 25 جنديا و فى س 10 و ق 10 اجتزنا برجا صغيرا على اليمين به بعض العساكر، و فى س 10 و ق 45 وصلنا الى «قلعة العبد أو قلعة سالم» و هى على اليمين و بها أربعون جنديا و قهوة و على مقربة منها بئر تسمى بئر البجادية، و من هذه القلعة انفسح الوادى و تغير الاتجاه الى 100 و قد وصلنا الى قلعة «الثديين» س 11 و ق 30 و بها 15 جنديا و «جاويش» و هى على اليسار على أكمة مرتفعة و هناك الأراضى رملية صالحة للزراعة و فيها مراعى و من هذه القلعة تغير الاتجاه الى 70 و بلغنا قرية «بحرة» فى س 12 أى وقت المغرب و إذ ذاك أخذت منظر المعسكر كما تراه (فى الرسم 21). و بحرة و تسمى بحرة الرّغاء على يسار الميمم مكة و بها أكواخ حقيرة و حظائر للابل و قهاوى و مسجد صغير بمئذنة بنى أصله النبى (صلى اللّه عليه و سلم) منصرفه من غزوة الطائف سنة ثمان و صلى فيه كما جاء فى سيرة ابن هشام و فيها عقب ذلك. قال ابن اسحاق: فحدّثنى عمرو ابن شعيب أنه أقاد يومئذ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم، و هو أوّل دم أقيد به فى الاسلام:

رجل من بنى ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به. اه. و لكن فى زاد المعاد فى هدى خير العباد فى غزوة الطائف ما يأتى:

27

ثم خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الطائف الى الجعرانة ثم دخل منها محرما بعمرة فقضى عمرته ثم رجع الى المدينة. اه.

و الطائف فى الجنوب الشرقى لمكة و الجعرانة بينهما لكنها أقرب الى مكة فكيف يتفق مع ذلك أنه مرّ ببحرة منصرفه من غزوة الطائف مع أنها غربى مكة و لا تقل المسافة بينهما عن ثلاثين ميلا، و بين الجعرانة و مكة حوالى عشرة أميال، إنا لذلك نقف موقف الشك فيما رواه ابن هشام و نقله عنه كثير من المؤرّخين حتى يأتينا اليقين.

و يتفرّع من بحرة طريق آخر الى مكة يسير نحو الجنوب الشرقى و يقول الخبيرون: إنه أقرب اليها و أسهل من طريقنا لقلة التعاريج به. و ببحرة جملة قهاو و قد بتنا بها ليلة السبت غرة ذى الحجة سنة 1320 و ارتحلنا منها فى س 12 آخر الليل و رأينا على يسارنا قلعة بحرة على نحو ميل من القرية و هى أكبر القلاع و أمتنها و بها ثلاثة ضباط و 100 جندى، و لتمام الساعة الثانية العربية نهارا مررنا «ببئر أم القرون» و هى على اليسار مبنية بالحجارة و عمقها 10 أمتار لها أربعة أعمدة تدور عليها أقطاب البكر التى ترفع بها الدلاء، و ماء هذه البئر عذب فرات، و فى منتصف الساعة الثالثة وصلنا «حدّة»

بغيتهم ما بين حداء و الحشا * * * و أوردتهم ماء الاثيل فعاصما

(1) (بالحاء المهملة) و هى بلدة صغيرة على اليسار بها حصن و مسجد ذو مئذنة و عين ماء حلوة و بئران على يسار الطريق و بها نحو 600 نخلة يملكها عون الرفيق باشا شريف مكة كما قيل لنا، و رسم حدّة تراه فى (الشكل 23) و فيه تجد بالأرض شجرا لحرمل و أشجارا أخرى صغيره مختلفة الأجناس و ترى أمير الحج جالسا على مقربة من شمسية ألقت بها الرياح. و كان المحمل يبيت أوّلا بحدّة ثم عدل عنها الى بحرة لما أن تعدّى أهلها عليه. و فى ختام الساعة الرابعة مررنا ببرجين على اليمين فوق جبل هنالك بينهما نحو 300 متر و بهما ضابط و 40 عسكريا، و القوّة بالبرجين مؤقتة تحضر وقت مرور القوافل فقط ثم ترجع الى مستقرّها بقلعة الشميسى و من هذين البرجين تغير الاتجاه الى 145 و ضاق الطريق و عند الساعة الرابعة و الثلث بلغنا قلعة الشميسى و هى شامخة البناء و بها

____________

(1) و يسمونها قديما حداء- قال أبو جندب الهذلى:

بغيتهم ما بين حداء و الحشا * * * و أوردتهم ماء الاثيل فعاصما

28

ضابطان و 50 جنديا، و الطريق لديها متسع و سهل غير أن الجبال اليمنى قريبة منه و إن كانت تنأى بعد ذلك، و بقرب القلعة قهوة و بعض أكواخ و بالشميسى مسجد يسمى (مسجد الشميسى أو مسجد البيعة) و هو على اليسار مربع الشكل طول ضلعه 15 مترا و مبنى بالحجر الأزرق بناء متينا و مجصص و به ثلاثة أروقة (بواكى) و قبلته مكتوب فيها: هذا مسجد بيعة الرضوان مأثرة من مآثر حبيب المنان عمره المليك الى رحمة الرحمن: المغفور له السلطان محمود خان سنة 1254 ه. و هذا المسجد موضع الشجرة التى بايع عندها الناس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بيعة الرضوان عام الحديبية و أنزل اللّه تعالى فى تلك البيعة (لقد رضى اللّه عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) و بالشميسى بئر عمقها 10 أمتار بالتقريب مبنية بالحجر و ماؤها مقبول. و منها تغير الاتجاه الى 110 و فى الساعة الخامسة نهارا وصلنا الى العلمين و منهما يبتدئ الحرم من الجهة الغربية و هما عمودان مبنيان بالحجر و مجصصان مربعا الشكل سمك كل منهما متر و ارتفاعه أربعة أمتار و بين العلمين مسافة 50 مترا و بجوار العلم الشمالى بئر مبنية بالحجر سمك حائطها 10 و 1 متر و قطرها أربعة أمتار و عمقها نحو 15 مترا و بجوارها مشرب (سبيل) مبنى بالحجر بناء متينا و مكتوب عليه أبيات باللغة التركية بخط جميل و تاريخ بنائه سنة 1263 و بجانبه شجرة من السدر (النبق)، و يجاور العلمين تلال رملية و تجد (فى الرسم 24) أمير الحج مرتديا لباس الإحرام على يمينه مسجد الحديبية و تجد فى الرسم 25 أحد العلمين واضحا تمام الوضوح. و فى الساعة السادسة رأينا الجبال تتدانى و تغير الاتجاه الى 75 أى الى الشمال الشرقى، و بعد ثلث ساعة وصلنا الى قهوة العبد (أو البزم أو سالم أو البوغاز) و استرحنا بها ثلثى الساعة ثم سرنا و تغير اتجاهنا عند الساعة 8 الى 90 و مررنا بعد 10 دقائق «بقلعة المقتلة» و هى على اليمين بها حراس نظاميون و تحتها بئر مطوية بالحجر و عمقها حوالى 20 مترا و عليها دعامتان لوضع محور البكرة عليهما، و لها ثلاث درجات يقف عليها من يخرج الماء منها و ماؤها عذب غزير؛ و عند س 8 و ق 25 تغير الاتجاه الى 50

29

و بعد ثلث ساعة تغير الى 70، و فى س 9 مررنا بقلعة (أم الدود) على يميننا و أمامها بئر كسابقتها. و عند الساعة 9 و ق 10 تغير الاتجاه الى 90 و أدركنا «قهوة البستان» فى س 9 و ق 25 و لديها شجرة سدر. و بعد ربع ساعة مررنا ببلدة الشريف حسين على يميننا و إذ ذاك أخذ الاتجاه 135 و بعد خمس دقائق اجتزنا بيت السيد بن اسحاق شيخ السادة سابقا و هو على اليسار يبعد عن جادّة الطريق حوالى 140 مترا و من خلفه بمائة متر قبور الشهداء، و فيها قبر عبد اللّه بن عمر الفقيه الكبير و المحدّث الجليل و الأثرى العظيم رضى اللّه عنه و عن أبيه أمير المؤمنين و لكن فى كتاب أسد الغابة فى معرفة الصحابة أن عبد اللّه بن عمر دفن بالمحصب، و قيل: بذى طوى، و قيل: بفخ، و قيل: بسرف؛ و فى كتاب شفاء الغرام فى أخبار البلد الحرام للتقى الفاسى أنه دفن فى مقبرة صديقه عبد اللّه بن خالد بن أسد عند ثنيّة أذاخر و هى فى الطرف الشرقى للمحصب، و ذلك حسب وصيته لصديقه و كل هذه الأماكن بعيدة عن مقبرة الشهداء التى زعموا أنه دفن فيها.

و عند س 10 أخذ الاتجاه 90 و دخلنا مضيقا يسع قطارين أو ثلاثة من الجمال قطعناه فى دقيقة ثم انفرج الطريق. و فى س 10 و ق 15 أخذ الاتجاه 150 مسافة قليلة و أدركنا «قهوة المعلم» و لديها وقف الركب أمام المضيفة «المسافرخانة» التى بناها السلطان عبد الحميد للفقراء و تبعد عن مكة بنحو ميل. و من هنا نرجع بك الى حج سنة 1318

قلنا فيما سبق: أن المحمل وصل الى المضيفة فى الساعة 1 صباحا من يوم 25 ذى القعدة سنة 1318 و هناك وجدنا المطوّفين ينتظروننا و قدّموا لنا هدايا من البطيخ و الرمان و ماء زمزم، فأكلنا و شربنا حامدين اللّه شاكرين و وجدنا على مقربة من المضيفة مندوبين من قبل الشريف و الوالى أحدهما ضابط و الآخر ملكى حضرا لتهنئة الأمير و ركبه بالقدوم من السفر و كان يصحبهما شرذمة من الجنود، و قد تحرّك المحمل من هذا المكان بعد أن خلع لباس السفر و ارتدى حلته القصبية يتقدّمه ثلة من الفرسان و الموسيقى و المزمار البلدى يطربان بنغمهما الحضور و المستقبلين الى أن‏

30

وصل الى مقامه المعتاد بجهة جرول أو الشيخ محمود المجاور لحديقة عون الرفيق باشا، و هنالك نصبت الخيام بعد إزالة ما بالأرض من حجر و مدر و عرف كل مكانه و عين الجنود الذين يقومون بالحراسة.

دخول مكة

بعد أن ألقينا عصا التسيار بجهة جرول غربى مكة و اتخذنا منها مقاما محمودا أمنا فيه على أمتعتنا هممنا بدخول مكة لأداء طواف القدوم تحية البيت الحرام فاغتسلنا جميعا من بئر ذى طوى اقتداء بالنبى (صلى اللّه عليه و سلم) فانه نزل فى حجة الوداع بذى طوى المعروفة بآبار الزاهر و بات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذى الحجة سنة 10 و صلى بها الصبح ثم اغتسل من يومه و نهض الى مكة كما سيأتى ان شاء اللّه تعالى فى سياق حجته (أنظر المعسكر فى الرسم 26) ترى به سطح المكان القائم على البئر، و بعد اغتسالنا دخلنا مكة من الطريق المعروف بطريق الحجون‏ (1) و هو طريق ثنية كداء التى دخل منها النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فى حجة الوداع (أنظر الثنية فى الرسم 27) و الثنية كما تراها فى الرسم طريق حجرى مرتقع الوسط فى شمال مكة واقع بين جبلين على كل منهما برج بناه الشريف غالب فى سنة 1214 اتقاء لسعود بن عبد العزيز الوهابى الذى جاء للحج فى تلك السنة و معه من قومه أمثال الرمال و من الثنية يهبط المرء الى المعلاة مقبرة أهل مكة و يشقها الطريق شقين عن اليمين و عن الشمال و يحيط بالمقبرة سور قديم مبنى بالحجارة و بها قبور كثير من الصحابة، و بالشق الأيسر قبة شاهقة

____________

(1) قد جاء فى كتاب منتخب شفاء الغرام طبع أوربا أنه فى سنة 811 سهل بعض المجاورين موضعا مستصعبا فى رأس الطريق و سهل أيضا بعض مجاورى مكة فى النصف الثانى من سنة 817 طريقا فى هذه الثنية غير الطريق المعتادة بل على يسار الهابط منها الى المقبرة و الأبطح كانت ضيقة جدا فنحت ما يليها من الجبل بالمعاول حتى اتسعت فصارت تسع أربع قطائر من الجمال المحملة و كانت قبل ذلك لا تسع إلا واحدة و سهلت أرضها بتراب ألقى فيها حتى استوت و رغب الناس فى سلوكها عن الطريق المعتادة و جعل بينهما حاجز من الحجارة المرصوصة ثم جعل سودون المحمدى رئيس العمائر بالمسجد الحرام سنة 837 هذين الطريقين طريقا واحدا فردم الطريق الجديدة المنخفضة عن القديمة بنحو قامة حتى سوّاها بالأولى و جعلهما طريقا واحدا يسع عدة قطائر، و الحجون هو الجبل الذى فيه الثنية و هو المذكور فى شعر مضاض بن عمرو الجرهمى.

31

على قبر السيدة (1) خديجه أم المؤمنين رضى اللّه عنها كما ترى فى الرسم 28 و به أيضا قبر زعموا أنه لآمنة أم الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و هذا افتراء و الحقيقة أنها مدفونة بالأبواء بين المدينة و مكة على نحو 13 ميلا من رابغ. و به أيضا جملة قباب‏ (2) قيل لنا: إنها على مقابر عبد مناف و عبد المطلب و هاشم أجداد النبى (صلى اللّه عليه و سلم)

____________

(1) و هى زوج الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و أوّل من آمن به و قد واسته بمالها و نفسها و تزوجها (صلى اللّه عليه و سلم) و سنها 40 سنة و سنه 25 و لم يتزوّج عليها غيرها حتى توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين و هذه القبة بنيت فى سنة 950 بالحجر الشميسى بمعرفة الأمير الشهيد محمد بن سليمان الجركسى أمين الدفاتر (دفتردار) بمصر فى ولاية داود باشا نائب السلطان سليمان القانونى، و كان على القبر قبل القبة تابوت خشبى و قد جعل محمد ابن سليمان المذكور لخادم القبر مرتبا من صدقات السلطان سليمان و لكننى رأيت على القبة تاريخ سنة 1298 فيظهر أنها جدّدت بعد سنة 950

(2) مما لا ريب فيه فى شرعتنا الاسلامية أن إقامة القباب على القبور محرمة بل ما هو دون القباب فقد ثبت أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أمر عليا رضى اللّه عنه أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه بالأرض و لا تمثالا إلا طمسه- رواه النسائى- و مع هذا الحظر القطعى أكثر المسلمون من إقامة القباب فوق قبور من اعتقدوا فيهم الصلاح تقربا اليهم و إعظاما لهم و إشادة بذكرهم و يعلم اللّه أن الذكرى إنما هى بالأعمال الطيبة لا بالأبنية المشيدة و أن هؤلاء الموتى أحب الأشياء اليهم أن يؤتسى بهم فى أعمالهم و أخلاقهم فإن ذلك ينفعهم فى أجداثهم إذ لهم مثل أجر من عمل بعملهم ثم اذا كان الباعث على إقامة القباب ما ذكرنا من اعتقاد الصلاح و التقوى فلماذا نقيمها على قبر أبى طالب عم الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و قد دعاه الى الاسلام فأبى حتى لفظ نفسه الأخير و فيه يقول الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) (لعله تنفعه شفاعتى فيوضع فى ضحضاح من نار)- الضحضاح- اليسير.

اللهم إنى لا أظن سببا لاقامة القباب فوق قبور هؤلاء إلا قرابتهم من الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و لكن القرابة وحدها غير منجية إذ لو أنجى قريب قريبه لنجى نوح ابنه، و ابراهيم أباه، و لوط زوجه، و آسية فرعون و محمد (صلى اللّه عليه و سلم) عمه أبا طالب و لكن لم ينفع هؤلاء أولئك لأن الانسان بأعماله لا بأعمال غيره (و أن ليس للانسان إلا ما سعى و أن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى) و التفاضل إنما هو بالتقوى لا بالقرابة (إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم) فمتى يتفقه المسلمون فى دينهم و يأتسون بنبيهم و يدعون هذه الخزعبلات و تلك الترهات التى أخرت بديننا و أمتنا و تركتنا مثلا سيئا فى الآخرين فاللهم اهد قومنا الى سواء السبيل.

32

و كذلك قبة على قبر عمه أبى طالب تراها فى (الرسم 29) و فى (الرسم 30) صورة عامة لمقبرة

عينى جودى بعبرة أسراب‏ * * * من دموع كثيرة التسكاب‏

إن أهل الحصاب قد تركونى‏ * * * موزعا مولعا بأهل الحصاب‏

كم بذاك الحجون من حىّ صدق‏ * * * و كهول أعفة و شباب‏

فارقونى و قد علمت يقينا * * * ما لمن ذاق ميتة من إياب‏

تكفل ابن سليمان أذية من‏ * * * قد وحد اللّه ممن حل فى الحرم‏

فحين عم الأذى الأحياء منه غدا * * * مفتشا لأولى التوحيد فى الرمم‏

طريقة من شقاء ما تناقلها * * * أهل التواريخ من عرب و من عجم‏

(1) المعلاة و كذلك فى (الرسم 31).

و قد زرنا هذه المقابر وقت مرورنا بها ثم سرنا الى سوق البلد ثم الى المسجد الحرام و هو على مسير نصف ساعة من معسكرنا و قد دخلنا المسجد من باب بنى شيبة المعروف بباب السلام و هو فى الجهة الشمالية الشرقية، و عند رؤية الكعبة رفعنا الأيدى متضرعين الى اللّه و كبرنا و قلنا: اللهم أنت السلام و منك السلام حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا و تعظيما و تكريما و مهابة و زد من حجه أو اعتمره تكريما و تشريفا و تعظيما و برا- و قد سمع هذا الدعاء سعيد بن المسيب عن عمر رضى اللّه عنه يقوله، ثم اتجهنا الى باب بنى شيبة الذى بداخل المسجد عند مقام ابراهيم و هو باب المسجد الأصلى فى عهد الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و يعرف بباب بنى عبد مناف و منه دخل فى حجة الوداع و قد دخلنا منه اقتداء برسولنا عليه الصلاة و السلام و قلنا ساعة الدخول كما قال: (رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً. وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) و إن ذلك لمكتوب فى أعلى الباب بالخط الجميل المذهب، و الباب عبارة

____________

(1) و تسمى أيضا مقبرة الحجون و فيها يقول كثير بن كثير السهمى:

عينى جودى بعبرة أسراب‏ * * * من دموع كثيرة التسكاب‏

إن أهل الحصاب قد تركونى‏ * * * موزعا مولعا بأهل الحصاب‏

كم بذاك الحجون من حىّ صدق‏ * * * و كهول أعفة و شباب‏

فارقونى و قد علمت يقينا * * * ما لمن ذاق ميتة من إياب‏

و الحصاب: المراد به المحصب و هو موضع الحجارة بمنى- و فى يوم الأربعاء 29 ربيع الثانى سنة 1086 شرع الشيخ محمد على بن سليمان الوزير الذى حضر من اليمن فى هدم قبور المعلاة و بنى مقبرة خاصة ذات جدر أربع و قسمها تقسيم الشطرنج و جعلها ذات بابين و هتك بذلك حرمة الأموات. و فى هذا يقول الشاعر:

تكفل ابن سليمان أذية من‏ * * * قد وحد اللّه ممن حل فى الحرم‏

فحين عم الأذى الأحياء منه غدا * * * مفتشا لأولى التوحيد فى الرمم‏

طريقة من شقاء ما تناقلها * * * أهل التواريخ من عرب و من عجم‏

و كان محمد هذا ممن أولع بتنظيم مكة و مناسك الحج.

33

عن قائمين يعلوهما عقد مستدير أتقن صنعه، و عرضه أربعة أمتار. أنظر (الرسم 32) الذى أخذت صورته فى يوم التروية ثامن ذى الحجة سنة 1325، و قد اجتمع الحجاج بالمسجد الحرام لسماع خطبة المناسك. ثم وقفنا متجهين الى ناحية الكعبة الجنوبية التى فى ركنها الشرقى الحجر الأسود و فى طرفها الغربى الركن اليمانى، و بدأنا من عند الحجر بطواف القدوم (طواف التحية) بعد أن قبله من قدر و لمسه من لم يقدر و أشار اليه من لم يتمكن من أحدهما، و قال الجميع: بسم اللّه و اللّه أكبر، و قد جعلنا البيت عن يسارنا فى الطواف حوله، و كان طوافنا من وراء الحجر (الحطيم) و كان سبعة أشواط رملنا (أسرعنا) فى الثلاثة الأولى منها و سرنا فى الباقى سيرنا المعتاد اقتداء بالنبىّ (صلى اللّه عليه و سلم)، اذ روى أبو داود و النسائى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما.

قال: قدم النبى (صلى اللّه عليه و سلم) مكة فى عمرة القضيّة فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد أوهنتهم- أضعفتهم- حمى يثرب- المدينة- و لقوا فيها شرا فأطلع اللّه نبيه (صلى اللّه عليه و سلم) على ذلك فأمر أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة الأول، و لم يمنعه أن يلزمهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم، فلما رأوهم قالوا:

هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى قد أنهكتهم، هؤلاء أجلد منا و كذلك فعل هو و أصحابه فى حجة الوداع فكان ذلك سنة، و ترى فى (الرسم 33) الحجاج و هم يطوفون حول الكعبة و قد لبست كسوتها السوداء و أتزرت بإزارها الأبيض و الواجهتان الظاهرتان بالرسم من الكعبة الواجهة الشمالية التى فى أعلاها ميزاب الرحمة الأبيض و أمامها حجر اسماعيل على شكل نصف دائرة، و الواجهة الغربية و ترى على يمين الكعبة فى الرسم مصلى إمام المالكية، و مصلى إمام الحنبلية على شكل مظلة قائمة على أربعة أعمدة و على يسارها مقام ابراهيم من خلفه باب بنى شيبة، و الجزء الأبيض الذى بين المقام و زمزم جزء من بناء زمزم الذى يصلى عليه إمام الشافعية، و المظلة ذات الطبقتين التى على اليسار مصلى إمام الحنفية و ترى فى الرسم أعمدة المطاف على شكل دائرة كما ترى أعمدة الأروقة بعقودها و قبابها و كذلك به بيوت الأشراف الفخمة، و الجبل‏

34

الذى على اليسار جبل الخندمة و الذى على اليمين جبل أبى قبيس فوقه مسجد إبراهيم القبيسى. و بعد الطواف أتينا الملتزم و هو ما بين باب الكعبة و الحجر الأسود فى الجهة الشرقية و وضعنا عليه صدورنا و تعلقنا بأستار الكعبة و ابتهلنا الى اللّه أن يعافينا فى ديننا و دنيانا و قلنا ما خطر بنفوسنا من الرغبات الصالحة و الأمانى المشروعة ثم ركعنا ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) عملا بقوله تعالى‏ وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ ثم أتينا زمزم فى الجنوب الغربى لباب بنى شيبة بداخل المسجد و شربنا منها و تضلعنا، ثم خرجنا من المسجد من باب الصفا فى الجنوب و قصدنا الصفا و هو مكان مرتفع نحو مترين طوله 6 أمتار فى عرض 3 و صعدنا اليه بدرج منتظم و هناك استقبلنا البيت و هللنا و كبرنا و دعونا ثم نزلنا منه الى شارع السعى شرقى المسجد فسرنا فيه نحو 70 مترا و اذا بالميلين الأخضرين (العلمين) أحدهما على اليمين بحائط بيت و ثانيهما على الشمال بجوار باب المسجد الحرام المسمى (باب بازان) و منهما هرولنا واضعين أيدينا على صدورنا الى الجانبين الى أن قطعنا 75 مترا و اذا بالميلين الآخرين أحدهما فى الميمنة فى حائط و الآخر فى الميسرة بحذائه أمام باب المسجد الحرام المسمى بباب على، و من هذين العلمين مشينا مشينا المعتاد 240 مترا فوصلنا الى المروة و هى أشبه بالصفا (سيأتى الكلام مفصلا على الصفا و المروة) و قد صعدنا اليها و هللنا و كبرنا فكان ذلك شوطا ثم نزلنا من المروة الى الصفا و فعلنا فى الثانية ما فعلنا فى الأولى فكان ذلك شوطا آخر و هكذا أتممنا سبعة أشواط (إن الصفا و المروة من شعائر اللّه فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما و من تطوّع خيرا فإن اللّه شاكر عليم) و يلاحظ أن النساء لا تهرول فى السعى و لا ترمل فى الطواف و لا ترفع الصوت بالتلبية خشية الفتنة و بعد السعى تحلل المعتمر منا بالحلق أو التقصير و حل له كل شى‏ء. و فى يوم التروية (ثامن ذى الحجة) يحرم بالحج، أما المحرم بالحج فقط أو به مع العمرة فانه لا يتحلل بل يستمر فى إحرامه حتى يأتى بأعمال الحج من وقوف و رمى و حلق و طواف الخ، و يتحلل بعدئذ التحلل كله.

35

و لا بأس من أن نذكر لك فى هذا الموطن ما يصدر من العربان و نسائهم وقت الطواف فان فيه تفكهة: إحرام العربان عبارة عن كشف أذرعهم و رءوسهم، و باقى جسدهم مستور و شعرهم منثور غير منتظم و أكثرهم طويل الشعر مضفوره أشبه بشعور النساء عندنا، أما نساؤهم فمحتجبات لا يكاد يبدو منهن شى‏ء و الرجل يقول فى طوافه: يا رب البيت اشهد أنى چيت لا تقول ما چيت اغفر لى و لوالدى و إلا تغفر لى غصبا تغفر لى ترانى حچيت يقول ذلك بصوت جهورى مزعج و يسرع فى مشيه فى الطواف و السعى و يأخذ الرجل بيد زوجه أو أخته أو أمه و يسرع بها فى السير و عند ما يصل بها الى الحجر الأسود يرفعها و يضع رأسها فى تجويف الحجر و اذ ذاك تمسح وجهها و شعرها و يقول لها (حچى يامره حچى) و تقبيل الحجر عندهم فريضة لازبة لا يتركونه و لو ماتوا دونه و من كثرة زحام هؤلاء العربان على الحجر و إدخالهم الرءوس فى تجويفه حصل به خدش أصلح فيما بعد، و مات أحد الحجاج أثناء الطواف من شدّة الزحام، و مما سمعته محاورة بين اثنتين من نساء العربان قالت إحداهما للكعبة: (ياست ليلة [لعل تسميتها ليلة لأنها سوداء و كسوتها سوداء] إن كان جاتنا المطر فى ديارنا و جانا الخير أجيب لك عكية سمن (قربة صغيرة) تدهنى بها شوشتك، لأن العربان يزعمون أن الكعبة امرأة تدهن رأسها- فقالت الثانية:

حقيقة تچيبى لها فقالت لها: اسكتى أنا عمال أكذب عليها اذا جاتنا المطر ما أچيب) فانظر كيف بلغ أدب العربان فى خطاب الرب حدّا سيئا و كيف بلغت من نفوسهم الاعتقادات الفاسدة. ما ذلك إلا من فرط جهلهم بالدين فهل لأولئك من مرشدين.

و فى يوم السبت 2 ذى الحجة (23 مارس) قدم من جدّة الى مكة 1500 حاج سائرين على الأقدام بعد أن تركوا جميع أمتعتهم بجدّة و انما قدموا رجّالة لقلة الجمال و كثرة الحجاج فخافوا إن انتظروا أن تفوتهم الفريضة فأسرعوا بالحضور.

36

التزاور بمكة زيارة أمير الحج و أمين الصرة لصاحبى الدولة شريف مكة و واليها

فى اليوم الذى وصلنا فيه إلى مكة (25 ذى القعدة سنة 1318) بعد أن زرنا البيت الحرام و طفنا و سعينا و تحللنا زار أمير الحج و أمين الصرة دولة الشريف بعد الاستئذان منه و ساعة اللقاء لثما يده و سلم له الأمير مكتوبين أحدهما من المعية السنية و الآخر من نظارة الداخلية و كلاهما يتضمن التحية و التماس مساعدة أمير الحج على أداء عمله و القيام براحة الحجيج و قد قدّم الشريف لهما القهوة و الشاى و مكثا بمجلسه فترة طويلة كانا فيها موضع تجلته ثم انصرفا شاكرين، و لم أتمكن من التوجه معهما اذ شغلنى تنظيم المعسكر و إعداد ما يلزم لرجال المحمل و شراء العلف للدواب، و فى اليوم التالى زرته مع الضباط و قد وقف لنا ساعة دنونا منه و قبلنا يده و أذن لنا بالجلوس و بلغته سلام الجناب العالى الخديو فشكر له و دعا و أظهر شوقه لرؤيته فنبأته بأن سموّه توّاق إلى الحج، فقال: متى تمت السكة الحديدية توافرت سبل الراحة، و لبثنا فى حضرته زهاء ساعة و نصف كنا فيها موضع رعايته، و قدّم لنا فى خلالها الشاى و القهوة ثم خرجنا شاكرين.

و فى اليوم نفسه زار الأمير و الأمين و أنا ثالثهم دولة الوالى بمقر الحكومة المسمى «الحميدية» فقابلنا بالبشر و الترحاب و سلم الأمير اليه كتابا من نظارة الداخلية توصية بركب المحمل فبعد تلاوته سأل عن حال العساكر و الحجاج و عرّفنا بأنه مستعد لعمل كل شى‏ء يوفر على الحجاج راحتهم و طمأنينتهم فدعونا لدولته و شكرنا و بعد تناول القهوة رجعنا شاكرين.

زيارات مختلفة- فى الفترة التى أقمناها بمكة زرت رئيس الجند العثمانى (القومندان) ولديه رتبة لواء كما زرت وكيل الوالى و يسمى «المحاسبجى» و سعادة اللواء صادق باشا العظم المدير العام للإشارات البرقية الحجازية و كذلك زرت الشريف‏

37

على‏ (1) باشا وكيل الأشغال لأمير مكة و الشيخ الشيبى (من بنى شيبة) السيد محمد صالح أمين مفتاح الكعبة، و ممن زرتهم ناصر باشا ابن الشريف عبد المطلب أمير مكة سابقا و قد طلب الىّ أن أرفع الى الأعتاب الخديوية ما يأتى:

(أوّلا) يود أن تكون مرتبات الأشراف التى تصرف اليهم من المالية و الأوقاف بحساب الريال المصرى لا الحجازى (أبو طاقه) الذى قيمته عشرة قروش وقتئذ.

(ثانيا) انتقد ما عمله بعض نظار (التكية) المصرية من تحويل نوافذها الى أبواب لحوانيت اقتضبت من التكية و يرى أن ذلك غير مناسب للمطعم.

(ثالثا) انه قد صدر الأمر الكريم بإنفاق 8000 جنيه مصرى لتشييد مخزن كبير فى منى يملأ بالماء لشرب الحاجين و أبناء السبيل فيرجو انجاز هذا الأمر الجليل الذى يعدّ أثرا خالدا لسمو الخديو يستحق به عظيم المثوبة من اللّه لأن بعد الماء رفع قيمته حتى إن القربة التى تسع قدما مكعبة من الماء يبلغ ثمنها 5 و 3 قروش بل فى هذا العام كان ثمنها 5 قروش و إنى أعضده فى فكرته هذه فان ذلك عظيم النفع للحجاج خصوصا الفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون و تضطرهم الفاقة الى جلب المياه من الأماكن النازحة سيرا على أقدامهم، بل وفرة الماء تقطع دابر الأشرار من الأعراب الذين يتربصون من يبتعد عن منى لإحضار المياه فيسلبونه ماله و لا مغيث فان المياه تبعد عنها بأكثر من ثلاثة أميال أضف الى ذلك أن كثرة المياه تساعد على نظافة البدن و الملبس و ذلك أحفظ للصحة و أرعى لها فإنجاز هذا المشروع يعود بالخير العميم على الناس و على من يقوم به.

و قد كلمت سموّ الخديو فى هذا الاقتراح فقال: لا مانع على أن يتولى الانفاق على المشروع موظف مصرى، و لما عرضت ذلك على الشريف عون فى حجتى الثانية وافق على المشروع و لكن اشترط أن يتولى هو الانفاق، فكان شرطه هذا داعيا لوقف المشروع الى أن نفذ فى السنين الأخيرة- فى عهد مليكنا فؤاد الأوّل.

____________

(1) يقم الآن فى مصر بمحطة سراى القبة.

38

و ممن زرتهم محسن بك و عبد اللّه بك ولدا المرحوم الشريف محمد باشا ابن الشريف عبد اللّه باشا أمير مكة سابقا و هما شابان لا يتجاوز عمرهما الثامنة عشرة لم يتعلما إلا المبادئ الأولية لإهمال التعليم بمكة و قلة المدارس بها و ذلك ما يرغب فيه الشريف عون الرفيق باشا لأنه يرى فى العلم تنويرا للأفكار و مطالبة بالحقوق و ضربا على أيدى الظالمين و جهادا للتخلص من المستبدين و هو عليم بنفسه خبير بسيرته، و ترى فى (الرسم 34) الأخوين بلباسهما العربى و فى (الرسم 35) بلباسهما المكىّ خلفهما محمد بن سعيد الزمزمى و فى (الرسم 36) بلباس مختلف و الواقفون وراءهما ابراهيم بك مصطفى المعمم ناظر دار العلوم سابقا فأنا فأحمد بك زكى أمين الصرة فى سنة 1321

و قد زرت كثيرا غير هؤلاء من الأشراف و السّراة و كانوا يقابلوننا أجمل مقابلة و يردون الزيارة الينا فى المعسكر، فكنت أكرمهم غاية الإكرام و كان ضباط الحرس يعطفون عليهم و يتحدّثون معهم و كانوا و لعين بسماع الآلات المطربة فكنت استحضر لهم الموسيقى و المزمار البلدى فيتناوبان الألحان مما يزيد فى ابتهاجهم و انشراح صدرهم، و كانت الموسيقى تعزف كل يوم من بعد صلاة العصر حتى تتوارى الشمس بالحجاب و كان الناس يجتمعون على السماع ترويضا للأفكار و تهذيبا للنفوس فكان لنا الدين و الدنيا جميعا.

زيارة أمير مكة و واليها و قائد جندها للمحمل- فى الساعة الثانية العربية نهارا من يوم 7 ذى الحجة سنة 1318 زار صاحب الدولة الشريف عون الرفيق باشا أمير مكة معسكر المحمل فى موكب حافل و كان راكبا عربة يجرها جوادان و كان على يساره وكيله الشريف على باشا و كان أمام العربة 50 فارسا، و 150 هجانا و 250 راجلا و 12 موسيقيا و زمارا و كلهم من أهالى مكة إلا القليل- سودانيين- و كانوا بلباس عادى يحملون أسلحة من الطرز القديم و كان خلف العربة حوالى 15 جوادا يقودها سواسها و كان عليها السروج المذهبة المسبل عليها القطيفة المزركشة بالقصب- منظر يسرّ الناظرين- (انظر الرسم 267) أما نحن فلدى قرب مجيئه اصطفت عساكرنا

39

صفين متقابلين الموسيقيون أوّلا فالفرسان فالمشاة، و اتخذ رجال المدفعية مكانا مناسبا لإطلاق المدافع و وقف أمير الحج و الأمين و موظفوا المحمل فى ميمنة العسكر و عند وصول الشريف تقدم اليه الأمير و الأمين و قبلا يده و طرف السترة (الأتك) و تبعاه راكبا عربته يسير الهوينا بين الصفين متأملازى العساكر معجبا بشهامتهم و ثباتهم مسلما عليهم بالإشارة، و عند سرادق الأمير نزل من العربة و جلس على أريكة فى صدر السرادق و ساعتئذ قدّم له الأمير موظفى المحمل فلثموا يده ثم أمرهم بالجلوس و بعد زمن يسير قلت للعسكر «صفا» أى راحة، و توجهت بالضباط الى السرادق حيث قبلنا يد الأمير و «أتكه» كمن سبقنا، و بعد تناول الشاى و القهوة همّ بالعودة فرجعت بالضباط حيث كانوا أوّلا و ساعة مروره حيى التحية العسكرية و صدحت الموسيقى بسلام جلالة السلطان و أطلق المدفعية 21 مدفعا كما حصل مثل ذلك عند القدوم، و قد أعجب الأمير بكل ما رأى خصوصا زى الضباط و العسكر و كان يرتدى ملابسه العادية العمامة و القباء (القفطان) الأبيض و الفرجية ذات اللون الرملى، و مما حادث به أمير الحج أنه سأله عن عمر كسوة المحمل القصبية إذ رآها غير زاهية فأجابه بأنها صنعت فى عهد الخديو السابق توفيق باشا (انظر الشريف فى الرسم 37) الذى أخذته فى بيت الشريف بعد المغرب و ترى بجانبه جليسه الذى يعرف بالبوّ و للشريف كبير ثقة به و حسن اعتقاد فيه جعله يؤثره بالهدايا النفيسة التى كانت ترد اليه فابتنى منها البيوت الفاخرة المشابهة لبيوت مصر و قد بلغنى أن سبب ذلك الإكبار أنه جاء الى الشريف و قد جلس تحت سقيفة فأشار اليه بالانصراف و قال له «جم جم» فلم يكد يبرح السقيفة حتى سقط عرشها، و مما آثره به من الهدايا فى سنة 1320 سيف مذهب و سكينة مذهبة أهداهما الى الشريف سلطان زنجبار.

و فى الساعة الثالثة من اليوم نفسه أقبل دولة الوالى المشير أحمد راتب باشا لزيارة الأمير و ركبه و كان يركب عربة كعربة الشريف و كان عن يساره فيها سعادة اللواء صادق باشا مدير الاشارات البرقية الحجازية و يتقدّم العربة حوالى 50 فارسا تركيا

40

من غير النظاميين و كان منهم ستة يحملون على أكتافهم العصى الفضية الطويلة، و دولة الوالى كان يرتدى ملابس التشريفة الكبرى البحرية و هى عبارة عن (بنطلون) أبيض طويل فوقه معطف طويل أسود عليه سمة مشير بحرى و بصدر المعطف خيوط غليظة مثبتة به من طرفيها (كردون) و فوق ذلك جبة سوداء طويلة تمتد الى ما تحت الركب و مزركشة بالخيوط القصبية على طوقها و كميها و من أمامها و خلفها و جانبيها و ذيلها و هى خاصة بمن يشغل منصب الولاية على مكة و كان من فوق الجبة الوسام (النيشان) المجيدى من الدرجة الأولى، و قد استقبلنا الوالى بمثل ما استقبلنا به الشريف غير أن الوالى نزل من عربته حينما وصل الى أوّل المعسكر و مر بين الصفين و كلما حاذى ضابطا صافحه و كان شديد التأمل فى الضباط و العساكر مسرورا من زيهم معجبا بجميل نظامهم و كان ذلك باديا على محياه و لا سيما عند ما أدّيت له التحية العسكرية بقوّة و شهامة، و قبل أن يبرح دولته سرادق الأمير قام الشيخ محمد السنباطى (موزع الكساوى على العربان و القائم بالأدعية وقت تسليم الخديو المحمل الى أمير الحج الخ) و تلا خطبة امتدح فيها الوالى و دعا لجلالة السلطان فكافأه على ذلك بخمسة جنيهات كما كافأ الموسيقيين و الزمارين بثلاثة أخرى و تلك له عادة سنوية (أنظر الرسمين 38 و 39). هذا و قد كانت زيارة الشريف و الوالى لمحملنا بعد عودتهما من زيارة المحمل الشامى فى اليوم التالى لوصوله.

غسل الكعبة

فى يوم الاثنين 5 ذى الحجة دعيت مع أمير الحج و أمين الصرة و بعض الموظفين لغسل الكعبة حسب المعتاد سنويا فلبينا الدعوة و ذهبنا الى المسجد الحرام و فى الساعة الأولى العربية حضر دولة الوالى و أمين الدفاتر (الدفتردار) و اللواء (قومندان) الجند المكى و بعض العظماء من الحجاج و دخلنا الكعبة و صلينا فى كل من جهاتها الأربع ركعتين و دعونا اللّه بما أحببنا و دعوت للخديو كما دعا له الأمير و الأمين ثم أخذنا جميعا فى غسل أرض الكعبة من الداخل بماء زمزم و كان ذلك بمقشات‏

41

صغيرة صنعت من خوص النخيل ثم وزعت علينا خرق بيضاء مبللة بماء الورد و الروائح العطرية و أخذنا نمسح بها جدر الكعبة، و قد اشتد الزحام أمام بابها لأخذ مياه الغسل للتبرك بها، و المطوّفون يأخذونها فى دلاء و يضعونها فى قوار يريهادون بها أتباعهم من الحجاج و كذلك يتخاطف الناس مقشات الغسل بل يتضاربون عليها و على الماء، ولدى نزولى عن الكعبة وضعت ما معى من المقشات فى منشفة كبيرة (بشكير) استحضرتها معى لغسل الكعبة بها و لأحفظها بعد تبركا، و قد زاحمنى الحجاج و عصر بعضهم المنشفة لعله يجد بها قطرة ماء و منهم من مسح بها وجهه و منهم من مسها و مسح على عينه و جسمه.

هذا و الكعبة تفتح فى موسم الحج لمن يريد الزيارة بعد أن يدفع ريالا (برم) قيمته عشرة قروش مصرية لمن يتولى فتح الباب من قبل السيد محمد صالح الشيبى أمين المفتاح و اذا كان الزائر غنيا أخذوا منه بضعة جنيهات، و بعض الناس ينتهز فرصة غسل الكعبة و يدخل مع الغاسلين. و تفتح الكعبة للزائرين فى 10 المحرم للرجال و فى ليلة 11 منه للنساء، و تفتح فى ليلة 12 ربيع الأوّل للدعاء للسلطان و لا يدخلها الزوّار و لكن يدخلها الرجال فى صبيحة تلك الليلة، و فى ليلة 13 منه للنساء، و تفتح فى يوم 20 ربيع الأوّل لغسلها، و فى أوّل جمعة من رجب للرجال و فى اليوم التالى للنساء و فى ليلة 27 رجب تفتح للدعاء للسلطان و فى صباحها يزور الرجال و فى المساء يزور النساء، و تفتح فى ليلة نصف شعبان للدعاء و فى صباحها للرجال و فى مسائها للنساء و تفتح يوم الجمعة الأولى من رمضان للرجال و فى تاليه للنساء و فى ليلة 17 منه للدعاء للسلطان و آخر جمعة كذلك، و تفتح فى نصف ذى القعدة للرجال و فى تاليه للنساء و فى 20 منه لغسلها و تفتح على سبيل الخصوصية لبعض الأعيان.

و فى يوم 28 ذى القعدة تحرم الكعبة أى يوضع لها إزار أبيض أسفل الكسوة.

42

الى عرفات و منى‏

قد ورد لنا كتاب من دولة الوالى بأن قاضى مكة أثبت هلال ذى الحجة ليلة الخميس و عليه يكون الوقوف بعرفة فى يوم الجمعة تاسع ذى الحجة و ترى فى (الرسم 40) مثيله فى سنة 1325

و لما كانت ليلة الثامن من ذى الحجة تحرك لتمام الساعة الحادية عشرة العربية ركب المحمل من معسكره بمكة ميمما عرفة فسار من حارة الباب الى الشبيكة فالسوق الصغير فجياد- و فيه المطعم المصرى (التكية) و دار الحكومة العثمانية المسماة بالحميدية- فجزء من شارع المسعى فالقشاشية فسوق الليل فالغزة، و قد مررنا ببيت الشريف الذى شيده محمد على باشا جدّ الأسرة الخديوية و هناك وقف الركب و صدحت الموسيقى بالسلام الملكى و هتف الجميع «پاد چاهمز چوق يشا» «يعيش الملك طويلا» ثم سرنا الى الشمال و مررنا بالبياضية على اليسار و فيها بيت بحديقة للشيخ الشيبى أمين المفتاح ثم شرقنا الى منى و وصلنا الى أوّل مدرّج فى س 11 و ق 40، و المدرّج جزء من الطريق مرصوف بالحجارة يشبه درجة السلم لكن عرضه 20 مترا و طوله 50 و ارتفاعه عشر المتر و وصلنا المدرّج الثانى بعد ربع ساعة و قد تابعنا السير حتى بلغنا منى فى س 1 و ق 45، و بها استراح المحمل ربع ساعة بالقرب من المكان المعدّ لنصب سرادق الشريف بعد رجوعه من عرفة ثم سرنا فوصلنا المزدلفة فى س 2 و ق 35، ثم عرفة فى س 4 و ق 35، فنكون قد قطعنا الطريق بين المعسكر و عرفة فى 5 س و 35 ق استرحنا فيها 15 ق، و الطريق رملى لا تغور فيه الأقدام و تكتنفه من الجانبين الجبال الشامخة التى تتباعد بمنى و مزدلفة، و فى منتصف البعد بين مزدلفة و عرفة و بالطريق كل ما يحتاج اليه الانسان من ماء و قهوة و شاى و مأكولات من لحوم و أرز و عدس مطبوخة و غير مطبوخة و سكر و حلاوة و ملبس الخ. و حينما وصلنا الى عرفة نزل الركب فى محله المعدّ له سنويا و كانت الخيام و الأمتعة و المؤن قد سبقتنا الى هنالك فانها أرسلت ليلا بصحبة بعض‏

43

(الرسم 40)

ولاية الحجاز- قلم المكاتبات رقم 2000 الى جناب محافظ المحمل الشريف المصرى العالى‏

صاحب السعادة إن ابتداء ذى الحجة الشريف فى هذه السنة المباركة ثبت أنه يوم الأحد حسب الإعلام الوارد الينا من قاضى مكة و على ذلك فوقفة عرفات ستكون يوم الاثنين المبارك و لذا بادرت بإخباركم بذلك.

7 ذى الحجة سنة 1325 ه. 29 كانون الأوّل سنة 1323 «الياور» الأكرم والى الحجاز و «قومندانه»

44

العساكر و الفراشين و معهم ضابط، فأعدّت قبل وصولنا و بعد أن عرف كل منا محله أسرعنا جميعا الى جبل الرحمة المعروف بعرفات حيث وقفنا هنالك على سبيل الاحتياط لجواز أن يكون هذا اليوم يوم عرفة مع أنه ثامن ذى الحجة- و لا محل لهذا الاحتياط بعد التثبت فى معرفة أوّل الشهر، و نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن صوم يوم الشك- يرشدنا الى ترك الوقوف فى يوم توهمناه التاسع من ذى الحجة و الظن بل اليقين بخلافه- و قد نزل علينا مطر خفيف أثناء الوقوف و رجعنا الى خيامنا بعد الغروب.

جبل عرفات و ميدانه الفسيح- جبل عرفات على شكل قوس كبير يحيط بواد متسع يسمى «عرفة» و تبلغ مساحته نحو ميلين مربعين و على طرف القوس من جهة الجنوب الطريق الى الطائف و فى طرفه من جهة الشمال لسان يبرز الى الغرب يسمى «جبل الرحمة» (الرسم 41 و فيه ترى العلم الذى فى أعلى جبل الرحمة تحت رقم 1 و تحت رقم 2 شجرة فوق الجبل) و هو جبل صغير بالنسبة لما حوله من الجبال ارتفاعه قريب من 30 مترا و طوله 300 متر و يصعد اليه بمدارج كبيرة على شكل سلم غير منتظم، به 91 درجة يختلف ارتفاع الواحدة منها من عشر المتر الى ثلاثة أعشاره، و على يمين الصاعد على الجبل قريبا من منتصفه مستو طوله 15 مترا فى عرض 10 أمتار و به مصلى ذو قبلة يسمى مسجد إبراهيم (عليه السلام) و يقال: إن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) صلى فيه، و هذا غير صحيح فان هذا المسجد و الدرج الذى وصفناه بناهما الوزير محمد بن على بن المنصور المعروف بالجواد الأصفهانى فى سنة 559 (أنظر كتاب منائح الكرم) و فى أعلى الجبل مستو مبلط مربع ضلعه 50 مترا و فى وسط المستوى مسطبة مربعة ضلعها 7 أمتار و ارتفاعها متر و نصف، و عند الركن الغربى منها عمود مربع مبنى بالحجر الأصم و مجصص ارتفاعه نحو أربعة أمتار و عرض كل جانب من جوانبه الأربعة متر، و هذا العمود علم على جبل الرحمة و تعلق به مصابيح ليلة عرفة إرشادا للحاجين و السالكين، و حول العمود حائط به محراب يصلى اليه الناس‏

45

و بأسفل الجبل مسجد صغير يسمى «مسجد الصخرات» يزعمون أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) صلى فيه و لم يثبت، و سمى بذلك لأن فى أرضه صخورا كبيرة بعضها الى جانب بعض (أنظر الرسم 42) و المسجد واطئ فى جانبه الغربى، و بجوار جبل الرحمة ثمانية أحواض مبنية بناء متينا تملأ بالماء من مجرى عين زبيدة بواسطة مجار تحت الأرض و ذلك فى زمن الحج فقط و ترمم و تنظف كل سنة قبل أوانه، و فى جنوب الميدان على طريق الطائف جامع عتيق اسمه جامع «نمرة» أو مسجد إبراهيم أو مصلى عرفة و هذا المسجد يجمع فيه الحجاج يوم عرفة بين الظهر و العصر جمع تقديم مع الامام الذى يخطب فيه قبل الصلاة خطبة يعلم الناس فيها آداب الوقوف و أنه ممتد الى الغروب (أنظر مسجد نمرة فى الرسم 43).

و يحيط بوادى عرفة من جهته الشمالية و الجنوبية و الغربية مجرى عين زبيدة (و سنوافيك قريبا بالكلام عليها تفصيلا و صفا و تاريخا). و عرفة كلها موقف الا وادى عرنة.

قد نبأناك بأن ركب المحمل نزل من عرفة مكانه المعتاد وسط الوادى و قد بتنا بها ليلة التاسع من ذى الحجة، و قبل المغرب بساعة من يوم عرفة تحرك المحملان المصرى و الشامى أوّلهما يسار ثانيهما يتقدّمهما أميراهما و أمين الصرة، و الجند يحيطون بهما حتى وصلا الى سفح جبل الرحمة فى مكان صلب مرتفع قليلا عن سطح الأرض و وقف الخطيب على جمل بجبل الرحمة قريبا من سفحه يحيط به العساكر لمنع التزاحم عليه، و وقف بجواره مبلغان مصرى و شامى بيد كلّ منديل يلوّح به للحجاج كلما سكت الخطيب، و ساعة يلوحان ترى الآلاف المؤلفة من الأجناس المختلفة و قد كشفت منهم الرءوس و عريت منهم الأقدام الا القليل و ارتدوا ملابس الإحرام تراهم يستغيثون و مما أسلفوا يستغفرون رافعين عقيرتهم بالتلبية (لبيك اللهم لبيك.

لبيك لا شريك لك لبيك. أن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك).

46

ألسنة مختلفة من أجناس متباينة جأرت الى اللّه بالدعاء فشق صوتها أجواز الفضاء، فاهت بكلمات انبعثت عن قلوب مخلصة و أفئدة طاهرة و نفوس نسيت كل شى‏ء الا ربها إنها و أيم اللّه لتترك فى النفس أثرا لا يحيط به الوصف و لا تحدّده العبارة بل لا يعرفه الا من سمع و أبصر «و لا ينبئك مثل خبير».

و ما أظرف ما قاله أبو نوّاس فى التلبية.

إلهنا ما أعدلك‏ * * * مليك كل من ملك‏

لبيك قد لبيت لك‏ * * * لبيك أن الحمد لك‏

و الملك لا شريك لك‏ * * * ما خاب عبد سألك‏

أنت له حيث سلك‏ * * * لولاك يا رب هلك‏

لبيك أن الحمد لك‏ * * * و الملك لا شريك لك‏

و الليل لما أن حلك‏ * * * و السابحات فى الفلك‏

على مجارى المنسلك‏ * * * كل نبى و ملك‏

و كل من أهل لك‏ * * * سبح أو لبى فلك‏

يا مخطئا ما أغفلك‏ * * * عجل و بادر أجلك‏

اختم بخير عملك‏ * * * لبيك أن الحمد لك‏

و الملك لا شريك لك‏ * * * و الحمد و النعمة لك‏

و إنك لترى جبل الرحمة قد ملأه الحجاج حتى لم يبق به موضع لقدم، و كأنك اذا نظرته لا تنظر الا أكداسا من الناس رافعين أيديهم الى قبلة الدعاء شاخصة أبصارهم نحو السماء (أنظر الرسم 44 و فيه ترى بيرق المحمل فى أعلاه كأنه رجل و الوجه الكبير وجه الشيخ محمد أبى النور نجل صهرنا الشيخ طموم) و أن أغلب هؤلاء من السودانيين و اليمنيين و المغاربة و أنهم ليتخذون الجبل مسكنالهم و يؤدون به جميع أعمالهم من طهى و غيره مدّة لبثهم بعرفة. و يظنون أن الوقوف بجبل الرحمة فضيلة كبرى مع أن ذلك بدعة، فقد جاء فى كتاب منائح الكرم ما نصه. قال الشيخ تقى الدين‏

47

و لا نعلم فى فضل هذا الجبل الذى يصعد اليه الناس بعرفة خبرا ثابتا و لا غير ثابت و ما يخص الناس به هذا الجبل من الحرص على الوقوف عليه دون موقفه (صلى اللّه عليه و سلم) و دون مواقف عرفه قبل وقت الوقوف، و إيقادهم عليه النيران فبدع تستلزم محظورات من اختلاط النساء بالرجال و غير ذلك، و إنما حدث ذلك عند انقراض العلماء الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر و استيلاء الجهل على الناس و أخذهم الأمور بالقياس ا ه بلفظه فليحفظ ذلك. هكذا جاء بالكتاب المذكور تحت حوادث سنة 559

و قد استمر الخطيب يخطب و الناس وقوف حتى مغرب الشمس و إذ ذاك أشعل أحد رجال المدفعية من المحملين شهبا (صواريخ) إيذانا بالانصراف من الموقف، فأفاض الناس مهللين و مكبرين و رحل المحملان المصرى فى ميمنة الشامى (أنظر الرسم 45) و الجند يسيرون صفين و من بين أيديهم و من خلفهم و عن أيمانهم و عن شمائلهم الحجاج و الموسيقى و المزمار يعزفان بالألحان المشجية، و أخذت مدافع الشريف و الوالى و المحملين تتناوب طلقات البشر و السرور، و قد سرنا نحو المزدلفة من حيث أتينا فبلغناها بعد ساعتين و وقت الوصول ضرب 21 مدفعا إعلاما ببلوغ القصد و نزل كل محمل فى مكانه المعتاد و جمع كل حاج 49 أو 70 حصاة صغيرة قدر الفولة أو البندقة و نظفها بالماء استعدادا لرمى الجمرات بمنى، و بتنا ليلتنا بالمزدلفة اقتداء بالرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و لنقف فى الصباح عند المشعر الحرام امتثالا لقوله تعالى‏ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ‏ و قد استيقظنا حوالى الفجر و أدينا صلاته فى أول وقته و ارتحل المحملان إلى موضع مسجد قديم ارتفاعه متران و بجنبه سلم وقف عليه الخطيب و النف الحجيج حوله ركبانا و مشاة و أخذ الخطيب يخطب من الساعة الحادية عشرة حتى قرب مطلع الشمس فى منتصف الساعة الثانية عشرة، و قد كان الناس فى خلال ذلك يدعون و يلبون كلما دعا الخطيب و لبىّ، و موقفنا هذا كان بجوار «المشعر الحرام» و هو جبل بالمزدلفة يسمى بذلك لأن الجاهلية كانت تشعر عنده‏

48

هداياها (و الإشعار ضرب الإبل فى صفحة سنامها حتى يسيل منها الدم) و وصف بالحرام لحرمة الصيد فيه لأنه من جملة أراضى الحرم التى يحرم فيها الاصطياد.

و قد ارتحل المحملان الى منى قبيل طلوع الشمس فى منتصف الساعة الأولى من صباح يوم العيد الأكبر من سنة 1318 و اقتفاهما الحجيج و وصلنا منى بعد ساعة فتوجه الناس لرمى الجمرة الأولى «جمرة العقبة» و هى بأوّل منى من جهة مكة على يمين القاصد لها، و هذه الجمرة حائط مبنى بالحجر عال من وسطه و قد أخذ كل حاج يرميه بحصياته السبع واحدة بعد أخرى مع التكبير فى كل مرة، قال المحب الطبرى:

و ليس للمرمى حدّ معلوم غير أن كل جمرة عليها علم و هو عمود معلق هناك فيرمى تحته و حوله و لا يبعد عنه احتياطا، و حدّه بعض المتأخرين بثلاثة أذرع من سائر الجوانب إلا فى جمرة العقبة فليس لها إلا وجه واحد لأنها تحت جبل. و بعد رمى الجمرة المذكورة ذهبنا الى مواطننا، و نحر الهدى‏ (1) من كان معه هدى و حلق من حلق و قصّر من قصر و النساء قصرن و لم يحلقن.

و بعد ذلك أفاض الحجاج من منى الى مكة ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ مرتدين لباس الإحرام و طافوا طواف الإفاضة و سعى من عليه سعى و حلق أو قصر، ثم انقلبوا الى منى فباتوا بها ليلة الحادى عشر و بعد الزوال من صباحه رموا الجمار الثلاث كل جمرة بسبع حصيات بادئين بالجمرة الصغرى التى تلى (مسجد الخيف) من ناحية منى ثم بالجمرة الوسطى ثم بجمرة العقبة، و الرامى يقف عقب رمى الجمرتين الأوليين يدعو اللّه بما شاء و لا يقف عقب الأخيرة لضيق مكانها، و قد بتنا بمنى ليلة الثانى عشر و رمينا بعد ظهره الجمرات كسابقه ثم منا من سافر الى مكة قبل الغروب و منا من بات ليلة الثالث عشر ليرمى الجمرات الثلاث فيه‏ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى‏ و بذلك تمت أعمال الحج و حل للمحرم كل شى‏ء كان محرّما عليه بالإحرام (أنظر الجمرات و الحجاج يرمونها فى الرسوم 125 و 126 و 127).

____________

(1) الهدى ما يهدى الى الحرم من الابل و البقر و الغنم.

49

و من فكاهات الحجاج عند رمى الجمرات أن بعضهم كان يرمى الحصيات السبع دفعة واحدة و يخاطب إبليس بلفظة «يلعن دينك» و بعضهم كان يرمى حصاة حصاة و يقول العبارة السابقة عقب كل واحدة أو يقول «فى عين دينك» و بعض الحجاج لا يكتفى بالحصيات الصغيرة بل يأتى بأحجار كبيرة و يرمى بها الجمرة (العمود القائم) بل لا يرتاح له بال إلا اذا هدم جزءا من البناء، و منهم من يقف على البناء و يرمى و منهم من يلصق به جسده و يرمى؛ و قد كان من الضباط الذين معنا «اليوزباشى» عبد الوهاب حبيب افندى فلما جاء وقت رمى جمرة العقبة أخذ عساكر الحرس و رجموا إبليس (الجمرة) دفعة واحدة بهيئة هجوم على عدوّ و انتقام منه.

الاحتفال بتلاوة الفرمان السلطانى‏

فى يوم 11 ذى الحجة و نحن بمنى احتفل بتلاوة الفرمان السلطانى و دعا الشريف لذلك أميرى المحملين المصرى و الشامى و أمين الصرة و الضباط و كبار رجال الدولة و الحجاج، و كان الاحتفال بسرادق الشريف الذى اصطفت أمامه حرس كل من الشريف و الوالى بموسيقاهم و موسيقى محملنا شاركتهم، و انتشرت الجموع الكثيرة من الحجاج المختلفى الأجناس حول السرادق و كان يتقدّم الحرس على جواد حامل الفرمان السلطانى و آخرون يحملون خلعا معتادا حضورها من الإستانة سنويا (الرسم 46) و كان للشريف فى وسط السرادق مكان خاص و على يمينه: (1) فرمان فرما ابن عمّ شاه العجم و صهره؛ (2) الشريف على باشا؛ (3) الشريف محمد ناصر غالب باشا؛ (4) بقية الأشراف؛ (5) قاضى مكة و العلماء و الأعيان؛ (6) ضباط المحمل المصرى و على يسار الشريف: (1) المشير أحمد باشا راتب والى الحجاز و كان بحالة خضوغ و خنوع لا تليق برتبة مشير؛ (2) سلطان المكلة و الشحر عوض بن عمر القعيطى؛ (3) نجله عمر بن عوض القعيطى؛ (4) حفيده محمد بن غالب؛ (5) أمير و أمين و موظفو المحمل الشامى؛ (6) أمير و أمين و موظفو المحمل المصرى؛ (7) موظفو مكة و كبار الضباط. و بعد جلوس هؤلاء بالترتيب السابق خرج عليهم الشريف فى زينته‏

50

من مكان خاص به و حوله بعض خواصه من الأشراف فقام الجميع و قبلوا يده و قبل دولته رأس صهر شاه العجم و سلطان المكلة و الشحر حينما انحنيا لتقبيل يده ثم تقدّم الى الأمام و تسلم المكتوب السلطانى (الفرمان) من يد حامله و قبله و كان داخل كيس من الأطلس الجميل (الرسم 47) موضوع فى وقاية (بقجة) من الحرير الأطلس الأخضر موشاة بالقصب المنسوج (المخيش) ذى الرسوم البديعة (الرسم 48) ثم رجع إلى محله فجلس على أريكة وسط السرادق و وضع الفرمان عن يمينه ثم لم يلبث أن وقف هو و الحضور و أمر بتلاوة الفرمان فتلاه كاتبه الخاص محمد على افندى تلا أوّلا صورته التركية ثم تلا ثانيا صورته العربية، و لكنه أسرع فى تلاوته بالعربية إذ قال له الشريف:

«جوام جوام» و بعد التلاوة صدحت الموسيقى السلطانية بالسلام الملكى و كذلك هتف العساكر و الجموع بالدعاء للخليفة الأعظم، ثم تقدّم أمين الصرة الشامى بخلعة للشريف و ألبسه إياها فوق الخلعة التى يلبسها من قبل و هى التى أهديت له فى العام الماضى- و هذه عادة سنوية- ثم قدّم له خلعة أخرى من قبل جلالة السلطان فلبسها أيضا و كانت صغيرة خفيفة من الجوخ الأسود و مطوّقة بالقصب، و كان دولة الشريف يقبل كل خلعة قبل لبسها و كان على رأسه عمامة عليها أشرطة من القصب الجميل ثم وزعت خلع أخرى على بعض الموظفين و قارئ الفرمان و غيرهم، و لثقل الخلع الثلاث كان يرفع الخلعتين الجديدتين شخصان تخفيفا عن الشريف ثم أديرت كؤوس المشروبات الحلوة على الحاضرين و الموسيقى المصرية و الشاهانية يتناوبان الألحان و كذلك أخذ جماعة من أهل مكة يسمون «أهل النوبة» يضربون على النقارات و معهم آلات أشبه بالرّباب يغنون عليها بالأناشيد العربية الجميلة، فكانت الوجوه فرحة مستبشرة ثم قبل الجميع يد الشريف و منهم من قبل مع ذلك ذيل الفرجية (الأتك) و انصرفوا، و إذ ذاك نزع الشريف الخلعتين عن جسمه و وضعتا فى الوقايات الحريرية التى أرسلت فيها من الإستانة، و هكذا فى كل عام تجدّد الخلعتان و الفرمانان العربى و التركى، و لا بأس من أن نصف لك الخلعة الأولى التى قدّمت للشريف أوّلا وصفا مقرّبا: الخلعة عبارة عن فرجية- كفرجية العلماء- من الجوخ الأسود القيم مطرّزة