آثار البلاد وأخبار العباد

- زكريا بن محمد القزويني المزيد...
667 /
5

[خطبة الكتاب‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

العزّ لك، و الجلال لكبريائك، و العظمة لثنائك، و الدوام لبقائك، يا قديم الذات و مفيض الخيرات. أنت الأوّل لا شي‏ء قبلك، و أنت الآخر لا شي‏ء بعدك، و أنت الفرد لا شريك لك، يا واهب العقول و جاعل النور و الظلمات، منك الابتداء و إليك الانتهاء، و بقدرتك تكوّنت الأشياء، و بإرادتك قامت الأرض و السموات، أفض علينا أنوار معرفتك، و طهّر نفوسنا عن كدورات معصيتك، و ألهمنا موجبات رحمتك و مغفرتك، و وفقنا لما تحبّ و ترضى من الخيرات و السعادات، و صلّ على ذوي الأنفس الطاهرات و المعجزات الباهرات، خصوصا على سيّد المرسلين و إمام المتّقين، و قايد الغرّ المحجّلين محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب بن هاشم، أفضل الصلوات، و على آله و أصحابه الطيّبين و الطيّبات، و على الذين اتبعوهم بإحسان من أهل السنّة و الجماعات.

يقول العبد زكرياء بن محمّد بن محمود القزويني، تولّاه اللّه بفضله، بعد حمد اللّه حمدا يرضيه، و يوجب مزيد فضله و أياديه: إني قد جمعت في هذا الكتاب ما وقع لي و عرفته، و سمعت به و شاهدته من لطايف صنع اللّه تعالى، و عجايب حكمته المودعة في بلاده و عباده؛ فإنّ الأرض جرم بسيط متشابه الأجزاء، و بسبب تأثير الشمس فيها، و نزول المطر عليها، و هبوب الرياح بها، ظهرت فيها آثار عجيبة، و تختصّ كلّ بقعة بخاصيّة لا توجد في غيرها: فمنها ما صار حجرا صلدا، و منها ما صار طينا حرّا، و منها ما صار طينة سبخة. و لكلّ واحد

6

منها خاصيّة عجيبة و حكمة بديعة، فإن الحجر الصلد يتولّد فيه الجواهر النفيسة كاليواقيت و الزبرجد و غيرهما، و الطين الحرّ ينبت الثمار و الزروع بعجيب ألوانها و أشكالها و طعومها و روايحها، و الطينة السبخة يتولّد منها الشبوب و الزاجات و الاملاح بفوايدها، و كذلك الإنسان حيوان متساوي الآحاد بالحدّ و الحقيقة، لكن بواسطة الالطاف الإلهيّة تختلف آثارهم، فصار أحدهم عالما محقّقا، و الآخر عابدا ورعا، و الآخر صانعا حاذقا. فالعالم ينفع الناس بعلمه، و العابد ببركته، و الصانع بصنعته؛ فذكرت في هذا الكتاب ما كان من البلاد مخصوصا بعجيب صنع اللّه تعالى، و من كان من العباد مخصوصا بمزيد لطفه و عنايته، فإنّه جليس أنيس يحدثك بعجيب صنع اللّه تعالى، و يعرّفك أحوال الأمم الماضية، و ما كانوا عليه من مكارم الأخلاق و مآثر الآداب، و يفصح بأحوال البلاد كأنّك تشاهدها، و يعرب عن أخبار الكرام كأنّك تجالسهم:

جليس أنيس يأمن الناس شرّه‏* * * و يذكر أنواع المكارم و النّهى‏

و يأمر بالإحسان و البرّ و التّقى‏* * * و ينهى عن الطّغيان و الشرّ و الأذى‏

و من انتفع بكتابي هذا و ذكرني بالخير، جعله اللّه من الأبرار و رفع درجاته في عقبى الدار. و أسأل اللّه تعالى العفو عمّا طغى به القلم أو همّ أوسها بذلك أو لمّ، إنّه على كلّ شي‏ء قدير و بالإجابة جدير. و لنقدّم على المقصود مقدّمات لابدّ منها، لحصول تمام الغرض، و اللّه الموفق للصواب و إليه المرجع و المآب.

7

المقدمة الاولى في الحاجة الداعية إلى إحداث المدن و القرى‏

اعلم أن اللّه تعالى خلق الإنسان على وجه لا يمكنه أن يعيش وحده كساير الحيوانات، بل يضطرّ إلى الاجتماع بغيره حتى يحصل الهيئة الاجتماعيّة التي يتوقف عليها المطعم و الملبس، فإنّهما موقوفان على مقدّمات كثيرة لا يمكن لكلّ واحد القيام بجميعها وحده. فإن الشخص الواحد كيف يتولّى الحراثة فإنّها موقوفة على آلاتها، و آلاتها تحتاج إلى النجّار، و النجّار يحتاج إلى الحداد، و كيف يقوم بأمر الملبوس و هو موقوف على الحراثة و الحلج و الندف و الغزل و النسج، و تهيئة آلاتها، فاقتضت الحكمة الإلهيّة الهيئة الاجتماعيّة، و ألهم كلّ واحد منهم القيام بأمر من تلك المقدّمات، حتى ينتفع بعضهم ببعض، فترى الخبّاز يخبز الخبز، و العجّان يعجنه، و الطحّان يطحنه، و الحرّاث يحرثه، و النجّار يصلح آلات الحرّاث، و الحدّاد يصلح آلات النجّار، و هكذا الصناعات بعضها موقوفة على البعض.

و عند حصول كلّها يتمّ الهيئة الاجتماعيّة، و متى فقد شي‏ء من ذلك فقد اختلّت الهيئة الاجتماعيّة، كالبدن إذا فقد بعض أعضائه فيتوقف نظام معيشة الإنسان.

ثمّ عند حصول الهيئة الاجتماعيّة لو اجتمعوا في صحراء لتأذّوا بالحرّ و البرد و المطر و الريح، ولو تستروا بالخيام و الخرقاهات لم يأمنوا مكر اللصوص و العدوّ، ولو اقتصروا على الحيطان و الأبواب كما ترى في القرى التي لا سور لها، لم يأمنوا صولة ذي البأس، فألهمهم اللّه تعالى اتّخاذ السور و الخندق و الفصيل،

8

فحدثت المدن و الأمصار و القرى و الديار. ثمّ إن الملوك الماضية لمّا أرادوا بناء المدن، أخذوا آراء الحكماء في ذلك، فالحكماء اختاروا أفضل ناحية في البلاد، و أفضل مكان في الناحية، و أعلى منزل في المكان من السواحل و الجبال و مهبّ الشمال، لأنّها تفيد صحّة أبدان أهلها و حسن أمزجتها، و احترزوا من الآجام و الجزائر و أعماق الأرض، فإنّها تورث كربا و هرما.

و اتّخذوا للمدن سورا حصينا مانعا، و للسور أبوابا عدّة حتى لا يتزاحم الناس بالدخول و الخروج، بل يدخل و يخرج من أقرب باب إليه. و اتّخذوا لها قهندزا لمكان ملك المدينة و النادي لاجتماع الناس فيه، و في البلاد الإسلامية المساجد و الجوامع و الأسواق و الخانات و الحمّامات، و مراكض الخيل، و معاطن الإبل، و مرابض الغنم، و تركوا بقيّة مساكنها لدور السكان، فأكثر ما بناها الملوك العظماء على هذه الهيئة، فترى أهلها موصوفين بالأمزجة الصحيحة و الصور الحسنة و الأخلاق الطيّبة، و أصحاب الآراء الصالحة و العقول الوافرة، و اعتبر ذلك بمن مسكنه لا يكون كذلك مثل الديالم و الجيل و الأكراد، و التركمان و سكان البحر في تشويش طباعهم وركاكة عقولهم و اختلاف صورهم.

ثمّ اختصّت كلّ مدينة لاختلاف تربتها و هوائها بخاصيّة عجيبة، و أوجد الحكماء فيها طلسمات غريبة، و نشأ بها صنف من المعادن و النبات و الحيوان لم يوجد في غيرها، و أحدث بها أهلها عمارات عجيبة، و نشأ بها أناس فاقوا أمثالهم في العلوم و الأخلاق و الصناعات، فلنذكر ما وصل إلينا من خاصيّة بقعة بقعة، إن شاء اللّه تعالى.

9

المقدمة الثانية في خواصّ البلاد

و فيها فصلان:

الفصل الأوّل في تأثير البلاد في سكّانها؛ قالت الحكماء:

إن الأرض شرق و غرب و جنوب و شمال، فما تناهى في التشريق و تحجّ منه نور المطلع فهو مكروه لفرط حرارته و شدّة إحراقه، فإن الحيوان يحترق بها، و النبات لا ينبت، و ما تناهى في التغريب أيضا مكروه لموازاته التشريق في المعنى الذي ذكرناه، و ما تناهى في الشمال أيضا مكروه لما فيه من البرد الشديد الذي لا يعيش الحيوان معه، و ما تناهى في الجنوب أيضا كذلك لفرط الحرارة، فإنّها أرض محترقة لدوام مسامتة الشمس إيّاها. فالذي يصلح للسكنى من الأرض قدر يسير هو أوساط الإقليم الثالث و الرابع و الخامس، و ما سوى ذلك فأهلها معذّبون، و العذاب عادة لهم، و قالوا أيضا: المساكن الحارّة موسّعة للمسام، مرخية للقوى، مضعفة للحرارة العزيزيّة، محلّلة للروح، فتكون أبدان سكّانها متخلخلة ضعيفة، و قلوبهم خائفة، و قواهم ضعيفة لضعف هضمهم.

و أمّا المساكن الباردة فإنّها مصلبّة للبدن مسددة للمسام مقوية للحرارة العزيزيّة، فتكون أبدان سكّانها صلبة، و فيهم الشجاعة و جودة القوى و الهضم الجيّد. فإن استيلاء البرد على ظاهر أبدانهم يوجب احتقان الحرارة العزيزيّة في باطنهم.

و أمّا المساكن الرطبة فلا يسخّن هواؤهم شديدا و لا يبرد شتاؤهم قويّا، و سكّانها موصوفون بالسحنة الجيّدة، و لين الجلود و سرعة قبول الكيفيّات و الاسترخاء في الرياضات و كلال القوى.

10

و أمّا المساكن اليابسة فتسدّد المسام و تورث القشف و النحول و يكون صيفها حارّا و شتاؤها باردا، و أدمغة أهلها يابسة لكن قواهم حادّة.

و أمّا المساكن الحجريّة فهواؤها في الصيف حارّ و في الشتاء بارد، و أبدان أهلها صلبة، و عندهم سوء الخلق و التكبّر و الاستبداد في الأمور، و الشجاعة في الحروب.

و أمّا المساكن الآجاميّة و البحريّة فهي في حكم المساكن الرطبة و أنزل حالا و قد جرى ذكر المساكن الرطبة.

الفصل الثاني: في تأثير البلاد في المعادن و النبات و الحيوان.

أمّا المعادن فالذهب لا يتكوّن إلّا في البراري الرملة و الجبال الرخوة، و الفضّة و النحاس والرصاص و الحديد لا يتكوّن إلّا في الأحجار المختلطة بالتراب اللين، و الكبريت لا يتكوّن إلّا في الأراضي الناريّة، و الزيبق لا يتكوّن إلّا في الأراضي المائية، و الأملاح لا تنعقد إلّا في الأراضي السبخة، و الشبوب و الزاجات لا تتكوّن إلّا في التراب العفص، و القار و النفط لا يتكوّن إلّا في الأراضي الدهنة، أمّا تولّد الأحجار التي لها خواص فلا يعلم معادنها و سببها إلّا اللّه تعالى.

و أمّا النبات فإنّ النخل و الموز لا ينبتان إلّا بالبلاد الحارّة، و كذلك الأترج و النارنج و الرمان و الليمون، و أمّا الجوز و اللوز و الفستق فلا ينبت إلّا بالبلاد الباردة، و القصب على شطوط الأنهار، و كذا الدلب و المغيلان بالأراضي الصلبة و البراري القفار، و القرنفل لا ينبت إلّا بجزيرة بأرض الهند، و النارجيل و الفلفل و الزنجبيل لا ينبت إلّا بالهند، و كذلك الساج و الآبنوس و الورس لا ينبت إلّا باليمن، و الزعفران بأرض الجبال بروذراورد، و قصب الذريرة بأرض نهاوند، و الترنجبين يقع على شوك بخراسان.

و أمّا الحيوان فإنّ الفيل لا يتولّد إلّا في جزائر البحار الجنوبيّة، و عمرها بأرض الهند أطول من عمرها بغير أرض الهند، و أنيابها لا تعظم مثل ما تعظم بأرضها، و الزرافة لا تتولّد إلّا بأرض الحبشة، و الجاموس لا يتولّد إلّا بالبلاد

11

الحارّة قرب المياه، و لا يعيش بالبلاد الباردة، و عير العانة ليس له سفاد في غير بلاده كما يكون ذلك في بلاده، و يحتاج أن يؤخذ من حافره و لا كذلك في بلاده، و السنجاب و السمور و غزال المسك لا يتولّد إلّا في البلاد الشرقيّة الشماليّة، و الصقر و البازي و العقاب لا يتفرّخ إلّا على رؤوس الجبال الشامخة، و النعامة و القطا لا يفرّخان إلّا في الفلوات، و البطوط و طيور الماء لا تفرّخ إلّا في شطوط الأنهار و البطائح و الآجام، و الفواخت و العصافير لا تفرّخ إلّا في العمارات، و البلابل و القنابر لا تفرّخ إلّا في البساتين، و الحجل لا يفرّخ إلّا في الجبال، هذا هو الغالب فإن وقع شي‏ء على خلاف ذلك فهو نادر. و اللّه الموفق للصواب.

12

المقدمة الثالثة في أقاليم الأرض‏

قال أبو الريحان الخوارزمي: إذا فرضنا أن دائرة معدل النهار تقطع كرة الأرض بنصفين: يسمّى أحد النصفين جنوبا، و الآخر شمالا. و إذا فرضنا دائرة تعبر عن قطبي معدّل النهار و تقطع الأرض، صارت كرة الأرض أربعة أرباع: ربعان جنوبيّان، و ربعان شماليّان، فالربع الشمالي المكشوف يسمّى ربعا مسكونا، و الربع المسكون مشتمل على البحار و الجزائر و الأنهار و الجبال و المفاوز و البلدان و القرى، على أن ما بقي منها تحت قطب الشمال قطعة غير مسكونة من افراط البرد و تراكم الثلوج، و هذا الربع المسكون قسموه سبعة أقسام، كلّ قسم يسمّى إقليما، كأنّه بساط مفروش من الشرق إلى الغرب طولا، و من الجنوب إلى الشمال عرضا، و إنّها مختلفة الطول و العرض، فأطولها و أعرضها الإقليم الأوّل، فإن طوله من المشرق إلى المغرب نحو من ثلاثة آلاف فرسخ، و عرضه من الجنوب إلى الشمال نحو من مائة و خمسين فرسخا، و أقصرها طولا و عرضا الإقليم السابع، فإن طوله من المشرق إلى المغرب نحو من ألف و خمسمائة فرسخ، و عرضه من الجنوب إلى الشمال نحو من خمسين فرسخا.

و أمّا سائر الأقاليم فمختلف طولها و عرضها، و على الصفحة المقابلة صورة كرة الأرض بأقاليمها.

و هذه القسمة ليست قسمة طبيعيّة، لكنّها خطوط وهميّة وضعها الأوّلون الذين طافوا بالربع المسكون من الأرض، ليعلموا بها حدود الممالك و المسالك، مثل افريدون النّبطي و اسكندر الرومي و اردشير الفارسي، و إذا جاوزوا الأقاليم‏

13

السبعة فمنعهم من سلوكها البحار الزاخرة و الجبال الشامخة، و الأهوية المفرطة التغيّر في الحرّ و البرد، و الظلمة في ناحية الشمال تحت مدار بنات النعش، فإن البرد هناك مفرط جدّا، لأنّ ستّة أشهر هناك شتاء و ليل، فيظلم الهواء ظلمة شديدة و يجمد الماء لشدّة البرد، فلا حيوان هناك و لا نبات. و في مقابلتها من ناحية الجنوب تحت مدار سهيل يكون ستّة أشهر صيفا نهارا كلّه، فيحمى الهواء و يصير نارا سموما يحرق كلّ شي‏ء، فلا نبات و لا حيوان هناك.

14

و أمّا جانب المغرب فيمنع البحر المحيط السلوك فيه لتلاطم الأمواج. و أمّا جانب المشرق فيمنع البحر و الجبال الشامخة، فإذا تأمّلت وجدت الناس محصورين في الأقاليم السبعة، و ليس لهم علم بحال بقية الأرض. فلنذكر ما وصل إلينا بقعة بقعة في إقليم إقليم، مرتبة على حروف المعجم، و اللّه الموفق للسداد و الهادي إلى سواء الصراط.

15

الاقليم الاول‏

فجنوبيّه ما يلي بلاد الزنج و النوبة و الحبشة، و شماليّه الإقليم الثاني، و أوله حيث يكون الظلّ نصف النهار إذا استوى الليل و النهار قدما واحدة و نصفا و عشرا و سدس عشر قدم، و آخره حيث يكون ظلّ الاستواء فيه نصف النهار قدمين و ثلاثة أخماس قدم. و قد يبتدى‏ء من أقصى المشرق من بلاد الصين، و يمرّ على ما يلي الجنوب من الصين جزيرة سرنديب، و على سواحل البحر في جنوب الهند، و يقطع البحر إلى جزيرة العرب و يقطع بحر قلزم إلى بلاد الحبشة، و يقطع نيل مصر و أرض اليمن إلى بحر المغرب؛ فوقع في وسطه من أرض صنعاء و حضرموت، و وقع طرفه الذي يلي الجنوب أرض عدن، و وقع في طرفه الذي يلي الشمال بتهامة قريبا من مكّة.

و يكون أطول نهار هؤلاء اثنتي عشرة ساعة و نصف الساعة في ابتدائه، و في وسطه ثلاث عشرة ساعة، و في آخره ثلاث عشرة ساعة و ربع الساعة. و طوله من المشرق إلى المغرب تسعة آلاف ميل و سبعمائة و اثنان و سبعون ميلا و إحدى و أربعون دقيقة، و عرضه أربعمائة ميل و اثنان و أربعون ميلا و اثنتان و عشرون دقيقة و أربعون ثانية، و مساحته مكسرا أربعة آلاف ألف و ثلاثمائة ألف و عشرون ألف ميل و ثمانمائة و سبعة و سبعون ميلا و إحدى و عشرون دقيقة، و لنذكر بعض بلادها مرتبا على حروف المعجم.

إرم ذات العماد

بين صنعاء و حضرموت، من بناء شدّاد بن عاد، روي أن شداد بن عاد كان جبّارا من الجبابرة، لما سمع بالجنّة و ما وعد اللّه فيها أولياءه من قصور

16

الذهب و الفضّة و المساكن التي تجري من تحتها الأنهار، و الغرف التي فوقها غرف، قال: إني متّخذ في الأرض مدينة على صفة الجنّة، فوكل بذلك مائة رجل من و كلائه، تحت يد كلّ وكيل ألف من الأعوان، و أمرهم أن يطلبوا أفضل فلاة من أرض اليمن، و يختاروا أطيبها تربة. و مكّنهم من الأموال و مثّل لهم كيفيّة بنائها، و كتب إلى عمّاله في سائر البلدان أن يجمعوا جميع ما في بلادهم من الذهب و الفضّة و الجواهر؛ فجمعوا منها صبرا مثل الجبال، فأمر باتّخاذ اللبن من الذهب و الفضّة، و بنى المدينة بها، و أمر أن يفضّض حيطانها بجواهر الدرّ و الياقوت و الزبرجد، و جعل فيها غرفا فوقها غرف، أساطينها من الزبرجد و الجزع و الياقوت. ثمّ أجرى إليها نهرا ساقه إليها من أربعين فرسخا تحت الأرض فظهر في المدينة، فأجرى من ذلك النهر سواقي في السكك و الشوارع، و أمر بحافتي النهر و السواقي فطليت بالذهب الأحمر، و جعل حصاه أنواع الجواهر الأحمر و الأصفر و الأخضر، و نصب على حافتي النهر و السواقي أشجارا من الذهب، و جعل ثمارها من الجواهر و اليواقيت.

و جعل طول المدينة اثني عشر فرسخا و عرضها مثل ذلك، و صيّر سورها عاليا مشرفا، و بنى فيها ثلاثمائة ألف قصر، مفضّضا بواطنها و ظواهرها بأصناف الجواهر. ثمّ بنى لنفسه على شاطى‏ء ذلك النهر قصرا منيفا عاليا، يشرف على تلك القصور كلّها، و جعل بابه يشرع إلى واد رحيب، و نصب عليه مصراعين من ذهب مفضّض بأنواع اليواقيت.

و جعل ارتفاع البيوت و السور ثلاثمائة ذراع. و جعل تراب المدينة من المسك و الزعفران.

و جعل خارج المدينة مائة ألف منظرة أيضا من الذهب و الفضّة لينزلها جنوده.

و مكث في بنائها خمسمائة عام، فبعث اللّه تعالى إليه هودا النبي، (عليه السلام)، فدعاه إلى اللّه تعالى، فتمادى في الكفر و الطغيان. و كان إذ ذاك تمّ ملكه سبعمائة سنة، فأنذره هود بعذاب اللّه تعالى و خوّفه بزوال ملكه، فلم يرتدع عمّا كان‏

17

عليه. و عند ذلك وافاه الموكلون ببناء المدينة و أخبروه بالفراغ منها، فعزم على الخروج إليها في جنوده، و خرج في ثلاثمائة ألف رجل من أهل بيته، و خلّف على ملكه مرثد بن شدّاد ابنه، و كان مرثد، فيما يقال، مؤمنا يهود، (عليه السلام). فلمّا انتهى شدّاد إلى قرب المدينة بمرحلة جاءت صيحة من السماء، فمات هو و أصحابه و جميع من كان في أمر المدينة من القهارمة و الصنّاع و الفعلة، و بقيت لا أنيس بها فأخفاها اللّه، لم يدخلها بعد ذلك إلّا رجل واحد في أيّام معاوية يقال له عبد اللّه بن قلابة، فإنّه ذكر في قصة طويلة ملخّصها أنّه خرج من صنعاء في طلب إبل ضلّت، فأفضى به السير إلى مدينة، صفتها ما ذكرنا، فأخذ منها شيئا من المسك و الكافور و شيئا من الياقوت، و قصد الشام و أخبر معاوية بالمدينة، و عرض عليه ما أخذه من الجواهر، و كانت قد تغيّرت بطول الزمان. فأحضر معاوية كعب الأحبار و سأله عن ذلك فقال: هذا إرم ذات العماد التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه، بناها شداد بن عاد، لا سبيل إلى دخولها و لا يدخلها إلّا رجل واحد صفته كذا و كذا. و كانت تلك الصفة صفة عبد اللّه ابن قلابة؛ فقال له معاوية: أمّا أنت يا عبد اللّه فأحسنت النصح، و لكن لا سبيل لها. و أمر له بجائزة.

و حكي أنّهم عرفوا قبر شدّاد بن عاد بحضرموت، و ذلك أنّهم وقعوا في حفيرة، و هي بيت في جبل منقورة مائة ذراع في أربعين ذراعا، و في صدره سرير عظيم من ذهب، عليه رجل عظيم الجسم، و عند رأسه لوح فيه مكتوب:

اعتبر يا أيّها المغرور بالعمر المديد* * * أنا شدّاد بن عاد صاحب القصر المشيد

و أخو القوّة و البأساء و الملك الحسيد* * * دان أهل الأرض طرّا لي من خوف و عيدي‏

فأتى هود و كنّا في ضلال قبل هود

18

فدعانا لو قبلناه إلى الأمر الرّشيد* * * فعصيناه و نادينا: ألا هل من محيد؟

فأتتنا صيحة تهوي من الأفق البعيد

فشوينا مثل زرع وسط بيداء حصيد

و اللّه الموفّق للصواب.

البجّة

بلاد متّصلة بأعلى عيذاب في غرب منه، أهلها صنف من الحبش، بها معادن الزمرذ. يحمل منها إلى سائر الدنيا، و معادنه في جبال هناك، و زمرذها أحسن أصناف الزمرذ الأخضر السّلقي الكثير المائية، يسقى المسموم منه فيبرأ، و إذا نظرت الأفعى إليه سالت حدقتها.

بكيل‏

مخلاف باليمن؛ قال عمارة في تاريخه: بهذا المخلاف نوع من الشجر لأقوام معيّنين في أرض لهم، و هم يشحّون به و يحفظونه من غيرهم مثل شجر البلسان بأرض مصر؛ و ليس ذلك الشجر إلّا لهم يأخذون منه سمّا يقتل به الملوك، و ذكر أن ملوك بني نجاح و وزراءهم أكثرهم قتلوا بهذا السمّ.

بلاد التّبر

هي بلاد السودان في جنوب المغرب؛ قال ابن الفقيه: هذه البلاد حرّها شديد جدّا. أهلها بالنهار يكونون في السراديب تحت الأرض، و الذهب ينبت في رمل هذه البلاد كما ينبت الجزر بأرضنا، و أهلها يخرجون عند بزوغ الشمس و يقطفون الذهب، و طعامهم الذّرة و اللوبيا، و لباسهم جلود الحيوانات،

19

و أكثر ملبوسهم جلد النمر، و النمر عندهم كثير.

و من سجلماسة إلى هذه البلاد ثلاثة أشهر، و التجار من سجلماسة يمشون إليها بتعب شديد، و بضايعهم الملح و خشب الصنوبر و خشب الأرز، و خرز الزجاج و الاسورة و الخواتيم منه، و الحلق النحاسيّة.

و عبورهم على براري معطشة، فيها سمايم بماء فاسد لا يشبه الماء إلّا في الميعان، و السمايم تنشف المياه في الأسقية، فلا يبقى الماء معهم إلّا أيّاما قلائل.

فيحتالون بأن يستصحبوا معهم جمالا فارغة من الأحمال، و يعطشونها قبل ورودهم الماء الذي يدخلون منه في تلك البراري، ثمّ أوردوها على الماء نهلا و عللا حتى تمتلي أجوافها، و يشدون أفواهها كي لا تجتر فتبقى الرطوبة في أجوافها، فإذا نشف ما في أسقيتهم و احتاجوا إلى الماء، نحروا جملا جملا و ترمّقوا بما في بطونها، و أسرعوا بالسير حتى يردوا مياها أخرى، و حملوا منها في أسقيتهم.

و هكذا ساروا بعناء شديد حتى قدموا الموضع الذي يحجز بينهم و بين أصحاب التبر، فعند ذلك ضربوا طبولا ليعلم القوم وصول القفل. يقال: انّهم في مكان و أسراب من الحرّ و عراة كالبهائم لا يعرفون الستر. و قيل: يلبسون شيئا من جلود الحيوان، فإذا علم التجار أنّهم سمعوا صوت الطبل أخرجوا ما معهم من البضائع المذكورة، فوضع كلّ تاجر بضاعته في جهة منفردة عن الأخرى و ذهبوا و عادوا مرحلة فيأتي السودان بالتبر، و وضعوا بجنب كلّ متاع شيئا من التبر و انصرفوا. ثمّ يأتي التجار بعدهم فيأخذ كلّ واحد ما وجد بجنب بضاعته من التبر و يترك البضاعة، و ضربوا بالطبول و انصرفوا، و لا يذكر أحد من هؤلاء التجّار أنّه رأى أحدا منهم.

20

بلاد الحبشة

هي أرض واسعة شمالها الخليج البربري، و جنوبها البرّ. و شرقها الزنج، و غربها البجة. الحرّ بها شديد جدّا، و سواد لونهم لشدّة الاحتراق، و أكثر أهلها نصاري يعاقبة، و المسلمون بها قليل. و هم من أكثر الناس عددا و أطولهم أرضا، لكن بلادهم قليلة و أكثر أرضهم صحارى لعدم الماء و قلّة الأمطار، و طعامهم الحنطة و الدخن، و عندهم الموز و العنب و الرمان، و لباسهم الجلود و القطن.

و من الحيوانات العجيبة عندهم: الفيل و الزرافة. و مركوبهم البقر، يركبونها بالسرج و اللجام مقام الخيل، و عندهم من الفيلة الوحشيّة كثير و هم يصطادونها.

فأمّا الزرافة فإنّها تتولّد عندهم من الناقة الحبشيّة و الضبعان و بقر الوحش، يقال لها بالفارسيّة «اشتركاوپلنك» رأسها كرأس الإبل، و قرنها كقرن البقر، و أسنانها كأسنانه، و جلدها كجلد النمر، و قوائمها كقوائم البعير، و أظلافها كأظلاف البقر، و ذنبها كذنب الظباء، و رقبتها طويلة جدّا، و يداها طويلتان و رجلاها قصيرتان.

و حكى طيماث الحكيم أنّه بجانب الجنوب، قرب خطّ الاستواء في الصيف، تجتمع حيوانات مختلفة الأنواع على مصانع الماء من شدّة العطش و الحرّ، فيسفد نوع غير نوعه فتولد حيوانات غريبة مثل الزرافة، فإنّها من الناقة الحبشيّة و البقرة الوحشيّة و الضبعان، و ذلك أن الضبعان يسفد الناقة الحبشيّة فتأتي بولد عجيب من الضبعان و الناقة، فإن كان ذلك الولد ذكرا و يسفد البقرة الوحشيّة أتت بالزرافة.

و لهم ملك مطاع يقال له أبرهة بن الصبّاح. و لمّا مات ذو يزن، و هو آخر الأذواء من ملوك اليمن، استولى الحبشة على اليمن، و كان عليها أبرهة من قبل النجاشي، فلمّا دنا موسم الحجّ رأى الناس يجهزّون للحجّ، فسأل عن ذلك، فقالوا: هؤلاء يحجّون بيت اللّه بمكّة. قال: فما هو؟ قالوا: بيت من حجارة.

21

قال: لأبنينّ لكم بيتا خيرا منه! فبنى بيتا من الرخام الأبيض و الأحمر و الأصفر و الأسود، و حلّاه بالذهب و الفضّة و رصّعه بالجواهر، و جعل أبوابه من صفائح من ذهب، و جعل للبيت سدنة و دخنه بالمندليّ، و أمر الناس بحجّه و سمّاه القليّس، و كتب إلى النجاشي: إني بنيت لك كنيسة ما لأحد من الملوك مثلها! أريد أصرف إليه حجّ العرب. فسمع بذلك رجل من بني مالك بن كنانة، انتهز الفرصة حتى وجدها خالية، فقعد فيها و لطخها بالنجاسة.

فلّا عرف ابرهة ذلك اغتاظ و آلى أن يمشي إلى مكّة، و يخرّب الكعبة غيظا على العرب. فجمع عساكره من الحبشة و معه اثنا عشر فيلا، فلمّا دنا من مكّة أمر أصحابه بالتأهّب و الغارة، فأصابوا مائتي إبل لعبد المطّلب، جدّ رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و سلّم). و بعث أبرهة رسولا إلى مكّة يقول:

إني ما جئت لقتالكم إلّا أن تقاتلوني! و إنّما جئت لخراب هذا البيت و الانصراف عنكم! فقال عبد المطّلب، و هو رئيس مكّة إذ ذاك: ما لنا قوّة قتالك و للبيت ربّ يحفظه، هو بيت اللّه و مبنى خليله! فذهب عبد المطّلب إليه، فقيل له:

إنّه صاحب عير مكّة و سيّد قريش، فأدخله، و كان عبد المطّلب رجلا وسيما جسيما، فلمّا رآه أكرمه فقال له الترجمان: الملك يقول ما حاجتك؟ فقال:

حاجتي مائتا بعير أصابها. فقال ابرهة للترجمان: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، و قد زهدت فيك لأني جئت لهدم بيت هو دينك و دين آبائك! جئت ما تكلّمت فيه و تكلّمت في الإبل! فقال عبد المطّلب: أنا ربّ هذه العير، و للبيت ربّ سيمنعه! فردّ إليه إبله، فعاد عبد المطّلب و أخبر القوم بالحال، فهربوا و تفرّقوا في شعاب الجبال خوفا فأتى عبد المطّلب الكعبة و أخذ بحلقة الباب و قال:

جرّوا جميع بلادهم‏* * * و الفيل كي يسبوا عيالك!

عمدوا حماك بجهلهم‏* * * كيدا و ما رقبوا حلالك‏

لاهمّ إنّ المرء يم* * * نع حلّه فامنع حلالك‏

22

لا يغلبنّ صليبهم‏* * * و محالهم أبدا محالك‏

إن كنت تاركهم و كع* * * بتنا فأمر ما بدا لك!

و ترك عبد المطّلب الحلقة و توجّه مع قومه في بعض الوجوه، فالحبش قاموا بفيلهم قاصدين مكّة، فبعث اللّه من جانب البحر طيرا أبابيل مثل الخطّاف، مع كلّ طائر ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، و حجر في منقاره على شكل الحمّص. فلمّا غشين القوم أرسلنها عليهم فلم تصب أحدا إلّا هلك، فذلك قوله تعالى: و أرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجّيل، فجعلهم كعصف مأكول.

و منها النجاشي الذي كان في عهد رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و اسمه أصحمة، كان وليّا من أولياء اللّه يبعث إلى رسول اللّه الهدايا، و النبي، (صلّى اللّه عليه و سلّم)، يقبلها. و في يوم مات أخبر جبرائيل، (عليه السلام)، رسول اللّه بذلك مع بعد المسافة، و كان ذلك معجزة لرسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و سلّم)، في يوم موته، صلّى عليه الصلاة مع أصحابه و هو ببلاد الحبشة.

بلاد الزّنج‏

مسيرة شهرين، شمالها اليمن و جنوبها الفيافي، و شرقها النوبة و غربها الحبشة، و جميع السودان من ولد كوش بن كنعان بن حام، و بلاد الزنج شديدة الحرّ جدّا، و حلكة سوادهم لاحتراقهم بالشمس. و قيل: إن نوحا، (عليه السلام)، دعا على ابنه حام فاسودّ لونه، و بلادهم قليلة المياه قليلة الأشجار، سقوف بيوتهم من عظام الحوت.

زعم الحكماء أنّهم شرار الناس و لهذا يقال لهم سباع الإنس. قال جالينوس:

الزنج خصّصوا بأمور عشرة: سواد اللون و فلفلة الشعر و فطس الأنف و غلظ الشفة و تشقق اليد و الكعب، و نتن الرائحة و كثرة الطرب و قلّة العقل و أكل‏

23

بعضهم بعضا، فإنّهم في حروبهم يأكلون لحم العدو، و من ظفر بعدوّ له أكله.

و أكثرهم عراة لا لباس لهم، و لا يرى زنجيّ مغموما، الغمّ لا يدور حولهم و الطرب يشملهم كلّهم؛ قال بعض الحكماء: سبب ذلك اعتدال دم القلب، و قال آخرون: بل سببه طلوع كوكب سهيل عليهم كلّ ليلة فإنّه يوجب الفرح.

و عجائب بلادهم كثيرة منها كثرة الذهب، و من دخل بلادهم يحبّ القتال، و هواؤهم في غاية اليبوسة، لا يسلم أحد من الجرب حتى يفارق تلك البلاد.

و الزنوج إذا دخلوا بلادنا و آنقهم هذه البلاد استقامت أمزجتهم و سمنوا.

و لهم ملك اسمه اوقليم، يملك سائر بلاد الزنج في ثلاثمائة ألف رجل. و دوابهم البقر يحاربون عليها بالسرج و اللجم، تمشي مشي الدواب، و لا خيل لهم و لا بغال و لا إبل، و ليس لهم شريعة يراجعونها، بل رسوم رسمها ملوكهم و سياسات.

و في بلادهم الزرافة و الفيل كثيرة و حشيّة في الصحارى يصطادها الزنوج.

و لهم عادات عجيبة، منها أنّ ملوكهم إذا جاروا قتلوهم و حرموا عقبة الملك، و يقولون: الملك إذا جار لا يصلح أن يكون نائب ملك السموات و الأرض.

و منها أكل العدوّ إذا ظفر به. و قيل: إن عادة بعضهم ليس عادة الكلّ. و منها اتّخاذ نبيذ من شربها طمس عقله؛ قيل: إنّها مأخوذة من النارجيل يسقون منها من أرادوا الكيد به. و منها التحلّي بالحديد مع كثرة الذهب عندهم، يتّخذون الحليّ من الحديد كما يتّخذ غيرهم من الذهب و الفضّة، يزعمون أن الحديد ينفرّ الشيطان و يشجّع لابسه. و منها قتالهم على البقر و انّها تمشي كالخيل، قال المسعودي: رأيت من هذا البقر و انّها حمر العيون يبرك كالإبل بالحمل و يثور بحمله. و منها اصطيادهم الفيل و تجاراتهم على عظامها، و ذلك لأن الفيل الوحشيّة ببلاد الزنج كثيرة، و المستأنسة أيضا كذلك، و الزنج لا يستعملونها في الحرب و لا في العمل، بل ينتفعون بعظامها و جلودها و لحومها، و ذاك أن‏

24

عندهم ورقا يطرحونها في الماء، فإذا شرب الفيل من ذلك الماء أسكره فلا يقدر على المشي، فيخرجون إليه و يقتلونه، و عظام الفيل و أنيابها تجلب من أرض الزنج، و أكثر أنيابه خمسون منّا إلى مائة منّ، و ربّما يصل إلى ثلاثمائة منّ.

بلاد السودان‏

هي بلاد كثيرة و أرض واسعة، ينتهي شمالها إلى أرض البربر، و جنوبها إلى البراري، و شرقها إلى الحبشة، و غربها إلى البحر المحيط. أرضها محترقة لتأثير الشمس فيها، و الحرارة بها شديدة جدّا لأنّ الشمس لا تزال مسامتة لرؤوسهم، و أهلها عراة لا يلبسون من شدّة الحرّ، منهم مسلمون و منهم كفّار.

أرضهم منبت الذهب، و بها حيوانات عجيبة: كالفيل و الكركدن و الزرافة.

و بها أشجار عظيمة لا توجد في غيرها من البلاد.

و حدّثني الفقيه علي الجنحاني المغربي أنّه شاهد تلك البلاد، ذكر أنّ أهلها اتّخذوا بيوتهم على الأشجار العظيمة من الأرضة، و ان الأرضة بها كثيرة جدّا، و لا يتركون شيئا من الأثاث و الطعام على وجه الأرض إلّا و أفسده الارضة، فجميع قماشهم و طعامهم في البيوت التي اتّخذوها على أعالي الأشجار. و ذكر، (رحمه اللّه)، انّه أوّل ما نزل بها نام في طرف منها فما استيقظ إلّا و الارضة قرضت من ثيابه ما كان يلاقي وجه الأرض.

بلاد النّوبة

أرض واسعة في جنوبي مصر و شرقي النيل و غربيّه. هي بلاد واسعة، و أهلها أمّة عظيمة نصارى بعامتهم، و لهم ملك اسمه كابيل يزعمون أنّه من نسل حمير؛ قال، (صلّى اللّه عليه و سلّم): خير سبيكم النوبة. و قال أيضا:

من لم يكن له أخ فليتّخذ أخا نوبيّا.

و من عاداتهم تعظيم الملك الذي اسمه كابيل، و هو يوهم أنّه لا يأكل،

25

و يدخلون الطعام عليه سرّا، فإن عرف ذلك أحد من الرعيّة قتلوه لوقته، و يشرب شرابا من الذّرة مقوّى بالعسل، و لبسه الثياب الرفيعة من الصوف و الخزّ و الديباج، و حكمه نافذ في رعيته، و يده مطلقة يسترق من شاء و يتصرّف في أموالهم، و هم يعتقدون أنّه يحيي و يميت و يصحّ و يمرض.

و جرى ذكر ملك النوبة في مجلس المهدي أمير المؤمنين، فقال بعض الحاضرين إن له مع محمّد بن مروان قصّة عجيبة، فأمر المهدي بإحضار محمّد بن مروان، و سأله عمّا جرى بينه و بين ملك النوبة، فقال: لمّا التقينا أبا مسلم بمصر و انهزمنا و تشتّت جمعنا، وقعت أنا بأرض النوبة، فأحببت أن يمكنني ملكهم من المقام عنده زمانا، فجاءني زائرا، و هو رجل طويل أسود اللون، فخرجت إليه من قبّتي و سألته أن يدخلها، فأبى أن يجلس إلّا خارج القبّة على التراب.

فسألته عن ذلك فقال: إن اللّه تعالى أعطاني الملك فحقّ عليّ أن أقابله بالتواضع.

ثمّ قال لي: ما بالكم تشربون النبيذ و انّها محرّمة في ملّتكم؟ قلت: نحن ما نفعل ذلك و إنّما يفعله بعض فساق أهل ملّتنا! فقال: كيف لبست الديباج و لبسه حرام في ملّتكم؟ قلت: إن الملوك الذين كانوا قبلنا، و هم الأكاسرة، كانوا يلبسون الديباج، فتشبّهنا بهم لئلا تنقص هيبتنا في غير الرعايا. فقال: كيف تستحلّون أخذ أموال الرعايا من غير استحقاق؟ قلت: هذا شي‏ء لا نفعله نحن و لا نرضى به، و إنّما يفعله بعض عمّالنا السوء! فأطرق و جعل يردّد مع نفسه: يفعله بعض عمّالنا السوء! ثمّ رفع رأسه و قال: إن للّه تعالى فيكم نعمة ما بلغت غايتها، اخرج من أرضي حتى لا يدركني شؤمك! ثمّ قام و وكّل بي حتى ارتحلت من أرضه، و اللّه الموفق.

تغارة

بلدة في جنوبي المغرب بقرب البحر المحيط، حدّثني الفقيه علي الجنحاني أنّه دخلها فوجد سور المدينة من الملح، و كذلك جميع حيطانها، و كذلك السواري‏

26

و السقوف، و كذلك الأبواب فإنّها من صفائح ملحيّة مغطاة بشي‏ء من جلد الحيوان كي لا يتشعّب أطرافها. و ذكر أن جميع ما حول هذه المدينة من الأراضي سبخة و فيها معدن الملح و الشبّ، و إذا مات بها شي‏ء من الحيوان يلقى في الصحراء فيصير ملحا، و الملح بأرض السودان عزيز جدّا، و التجّار يجلبونه من تغارة إلى سائر بلادهم يبتاع كلّ وقر بمائة دينار.

و من العجب أن هذه المدينة أرضها سبخة جدّا، و مياه آبارهم عذبة، و أهلها عبيد مسوّفة، و مسوفة قبيلة عظيمة من البربر. و أهل تغارة في طاعة امرأة من إماء مسوّفة، شغلهم جمع الملح طول السنة. يأتيهم القفل في كلّ سنة مرّة يبيعون الملح و يأخذون من ثمنه قدر نفقاتهم، و الباقي يؤدّونه إلى ساداتهم من مسوّفة، و ليس بهذه المدينة زرع و لا ضرع، و معاشهم على الملح كما ذكرنا.

تكرور

مدينة في بلاد السودان عظيمة مشهورة، قال الفقيه علي الجنحاني المغربي:

شاهدتها و هي مدينة عظيمة لا سور لها، و أهلها مسلمون و كفّار، و الملك فيها للمسلمين، و أهلها عراة رجالهم و نساؤهم، إلّا أشراف المسلمين فإنّهم يلبسون قميصا طولها عشرون ذراعا، و يحمل ذيلهم معهم خدمهم للحشمة، و نساء الكفّار يسترن قبلهنّ بخرزات العقيق، ينظمنها في الخيوط و يعلقنها عليهن، و من كانت نازلة الحال فخرزات من العظم.

و ذكر أيضا أن الزرافة بها كثيرة، يجلبونها و يذبحونها مثل البقر، و العسل و السمن و الأرز بها رخيص جدّا. و بها حيوان يسمّى لبطى، يؤخذ من جلده المجنّ يبتاع كلّ مجنّ بثلاثين دينارا، و خاصيّته أن الحديد لا يعمل فيه البتّة.

و حكى أنّه لمّا كان بها إذ ورد قاصد من بعض عمّال الملك يقول:

قد دهمنا سواد عظيم لا نعرف ما هو. فاستعدّ الملك للقتال و خرج بعساكره، فإذا فيلة كثيرة جاوزت العدّ و الحصر، فجاءت حتى ترد الماء بقرب تكرور،

27

فقال الملك: احشوها بالنبل. فلم يكن يعمل فيها شي‏ء من النبال، و كانت تخفي خراطيمها تحت بطنها لئلّا يصيبها النبل، و إذا أصاب شيئا من بدنها أمرّت عليها الخرطوم و رمتها، فشربت الماء و رجعت. و اللّه الموفق.

جابرسا

مدينة بأقصى بلاد المشرق، عن ابن عبّاس، رضي اللّه عنه، قال: إن بأقصى المشرق مدينة اسمها جابرس، أهلها من ولد ثمود، و بأقصى المغرب مدينة اسمها جابلق أهلها من ولد عاد، ففي كلّ واحد بقايا من الأمّتين. يقول اليهود: إن أولاد موسى، (عليه السلام)، هربوا في حرب بخت نصّر، فسيّرهم اللّه تعالى و أنزلهم بجابرس، و هم سكّان ذلك الموضع لا يصل إليهم أحد و لا يحصى عددهم.

و عن ابن عبّاس، رضي اللّه عنه، أن النبيّ، (صلّى اللّه عليه و سلّم)، في ليلة أسري به قال لجبريل، (عليه السلام): إني أحبّ أن أرى القوم الذين قال اللّه تعالى فيهم: و من قوم موسى أمّة يهدون بالحقّ و به يعدلون. فقال جبريل، (عليه السلام): بينك و بينهم مسيرة ستّ سنين ذاهبا و ستّ سنين راجعا، و بينك و بينهم نهر من رمل يجري كجري السهم، لا يقف إلّا يوم السبت، لكن سل ربّك، فدعا النبي، (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أمّن جبريل، (عليه السلام)، فأوحى اللّه إلى جبريل أن أجبه إلى ما سأل، فركب البراق و خطا خطوات، فإذا هو بين أظهر القوم، فسلّم عليهم فسألوه: من أنت؟ فقال: أنا النبيّ الاميّ! فقالوا: نعم، أنت الذي بشّر بك موسى، (عليه السلام)، و إن أمّتك لولا ذنوبها لصافحتها الملائكة، قال رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و سلّم): رأيت قبورهم على باب دورهم فقلت لهم: لم ذاك؟ قالوا: لنذكر الموت صباحا و مساء، و إن لم نفعل ذلك ما نذكر إلّا وقتا بعد وقت! فقال، (صلّى اللّه عليه و سلّم): ما لي أرى بنيانكم مستويا؟ قالوا: لئلّا يشرف بعضنا على بعض،

28

و لئلّا يسدّ بعضنا الهواء عن بعض. فقال، (صلّى اللّه عليه و سلّم): ما لي لا أرى فيكم سلطانا و لا قاضيا؟ فقالوا: أنصف بعضنا بعضا، و أعطينا الحقّ من أنفسنا، فلم نحتج إلى أحد ينصف بيننا، فقال، (صلّى اللّه عليه و سلّم): ما لأسواقكم خالية؟ فقالوا: نزرع جميعا و نحصد جميعا، فيأخذ كلّ رجل منّا ما يكفيه و يدع الباقي لأخيه. فقال، (صلّى اللّه عليه و سلّم): ما لي أرى هؤلاء القوم يضحكون؟ قالوا: مات لهم ميت! قال: و لم يضحكون؟ قالوا:

سرورا بأنّه قبض على التوحيد! قال، (صلّى اللّه عليه و سلّم): و ما لهؤلاء يبكون؟ قالوا: ولد لهم مولود و هم لا يدرون على أيّ دين يقبض. قال، (صلّى اللّه عليه و سلّم): إذا ولد لكم مولود ذكر ماذا تصنعون؟ قالوا: نصوم للّه شهرا شكرا. قال: و إن ولدت لكم انثى؟ قالوا: نصوم للّه شهرين شكرا، لأنّ موسى، (عليه السلام)، أخبرنا أن الصبر على الأنثى أعظم أجرا من الصبر على الذكر. قال، (صلّى اللّه عليه و سلّم): أفتزنون؟ قالوا: و هل يفعل ذلك أحد إلّا حصبته السماء من فوقه، و خسفت به الأرض من تحته؟ قال: افتربون؟

قالوا: إنّما يربي من لا يؤمن رزق اللّه! قال: أفتمرضون؟ قالوا: لا نذنب و لا نمرض و إنّما تمرض أمّتك ليكون كفّارة لذنوبهم. قال، (صلّى اللّه عليه و سلّم): أفلكم سباع و هوام؟ قالوا: نعم تمرّ بنا و نمرّ بها فلا تؤذينا.

فعرض عليهم النبيّ. (صلّى اللّه عليه و سلّم)، شريعته، فقالوا: كيف لنا بالحجّ و بيننا و بينه مسافة بعيدة؟ فدعا النبي، (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال ابن عبّاس: تطوى لهم الأرض حتى يحجّ من يحجّ منهم مع الناس.

قال: فلمّا أصبح النبيّ، (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أخبر من حضر من قومه، و كان فيهم أبو بكر، رضي اللّه عنه، قال: إن قوم موسى بخير، فعلم اللّه تعالى ما في قلوبهم فأنزل: و ممّن خلقنا أمّة يهدون بالحقّ و به يعدلون. فصام أبو بكر شهرا و اعتق عبدا، إذ لم يفضل اللّه أمة موسى على أمّة محمّد، (صلّى اللّه عليه و سلّم).

29

جاوة

هي بلاد على ساحل بحر الصين ممّا يلي بلاد الهند، و في زماننا هذا لا يصل التجّار من أرض الصين إلّا إلى هذه البلاد، و الوصول إلى ما سواها من بلاد الصين متعذّر لبعد المسافة و اختلاف الأديان، و التجّار يجلبون من هذه البلاد العود الجاوي و الكافور و السنبل و القرنفل و البسباسة، و الغضائر الصيني منها يجلب إلى سائر البلاد.

جزاير الخالدات‏

و يقال لها أيضا جزاير السعادات، و انّها في البحر المحيط في أقصى المغرب كان بها مقام جمع من الحكماء بنوا عليها ابتداء طول العمارات، قال أبو الريحان الخوارزمي: هي ستّ جزاير و اغلة في البحر المحيط، قريبات من مائتي فرسخ، و إنّما سميّت بجزاير السعادات لأن غياطها أصناف الفواكه و الطيب من غير غرس و عمارة، و أرضها تحمل الزرع مكان العشب، و أصناف الرياحين العطرة بدل الشوك.

قالوا: في كلّ جزيرة صنم طوله مائة ذراع كالمنار ليهتدى بها، و قيل:

إنّما عملوا ذلك ليعلم أن ليس بعد ذلك مذهب فلا يتوسّط البحر المحيط، و اللّه أعلم بذلك.

جزيرة الرّامني‏

في بحر الصين؛ قال محمّد بن زكريّاء الرازي: بها ناس عراة لا يفهم كلامهم لأنّه مثل الصفير، طول أحدهم أربعة أشبار، شعورهم زغب أحمر،

يتسلّقون على الأشجار، و بها الكركدن و جواميس لا أذناب لها، و بها من الجواهر و الافاويه ما لا يحصى، و بها شجر الكافور و الخيزران و البقمّ و عروق هذا

30

البقّم دواء من سمّ الأفاعي، و حمله شبه الخرنوب و طعمه طعم العلقم.

و قال ابن الفقيه: بها ناس عراة رجال و نساء على أبدانهم شعور تغطي سوآتهم، و هم أمّة لا يحصى عددها، مأكولهم ثمار الأشجار، و إذا اجتاز بهم شي‏ء من المراكب يأتونه بالسباحة مثل هبوب الريح، و في أفواههم عنبر يبيعونه بالحديد.

جزيرة زانج‏

إنّها جزيرة عظيمة في حدود الصين ممّا يلي بلاد الهند، بها أشياء عجيبة و مملكة بسيطة، و ملك مطاع يقال له المهراج؛ قال محمّد بن زكريّاء: للمهراج جباية تبلغ كلّ يوم مائتي منّ ذهبا، يتّخذها لبنات و يرميها في الماء، و الماء بيت ماله، و قال أيضا: من عجائب هذه الجزيرة شجر الكافور و انّه عظيم جدّا، يظلّ مائة إنسان و أكثر، يثقب أعلى الشجر فيسيل منه ماء الكافور عدّة جرار، ثمّ يثقب أسفل من ذلك وسط الشجرة فينساب منها قطع الكافور و هو صمغ تلك الشجرة، غير أنّه في داخلها، فإذا أخذت ذلك منه يبست الشجرة.

و حكى ماهان بن بحر السيرافي قال: كنت في بعض جزاير زانج فرأيت بها وردا كثيرا أحمر و أصفر و أزرق و غير ذلك، فأخذت ملاءة حمراء و جعلت فيها شيئا من الورد الأزرق، فلمّا أردت حملها رأيت نارا في الملاءة و احترق ما فيها من الورد و لم تحترق الملاءة، فسألت عنها فقالوا: إن في هذا الورد منافع كثيرة لكن لا يمكن إخراجها من هذه الغيطة.

و قال ابن الفقيه: بهذه الجزيرة قوم على صورة البشر، إلّا أن أخلاقهم بالسباع أشبه، يتكلّم بكلام لا يفهم و يطفر من شجرة إلى شجرة. و بها صنف من السنانير لها أجنحة كأجنحة الخفافيش من الأذن إلى الذنب، و بها و عول كالبقر الجبليّة، ألوانها حمر منقّطة ببياض، و أذنابها كأذناب الظباء و لحومها حامضة، و بها دابّة الزباد و هي شبيهة بالهرّ يجلب منها الزباد، و بها فارة المسك.

31

و بها جبل النصبان، و هو جبل فيه حيّات عظام تبلع البقر و الجاموس، و منها ما يبلع الفيل، و بها قردة بيض كأمثال الجواميس و الكباش، و بها صنف آخر بيض الصدر سود الظهر.

و قال زكرياء بن محمّد بن خاقان: بجزيرة زانج ببغاء بيض و صفر و حمر، يتكلّم بأيّ لغة يكون، و بها طواويس رقط و خضر، و بها طير يقال له الحوارى دون الفاختة، أبيض البطن أسود الجناحين أحمر الرجلين أصفر المنقار، و هو أفصح من الببغاء، و اللّه الموفق للصواب.

جزيرة سكسار

جزيرة بعيدة عن العمران في بحر الجنوب، حكى يعقوب بن إسحاق السرّاج قال: رأيت رجلا في وجهه خموش، فسألته عن ذلك، فقال: خرجنا في مركب فألقتنا الريح إلى جزيرة لم نقدر أن نبرح عنها، فأتانا قوم وجوههم وجوه الكلاب و سائر بدنهم كبدن الناس، فسبق إلينا واحد و وقف الآخرون فساقنا إلى منازلهم، فإذا فيها جماجم الناس و أسوقهم و أذرعهم، فأدخلنا بيتا فإذا فيه إنسان أصابه مثل ما أصابنا، فجعلوا يأتوننا بالفواكه و المأكول، فقال لنا الرجل: إنّما يطعمونكم لتسمنوا فمن سمن أكلوه، قال: فكنت أقصّر في الأكل حتى لا أسمن، فأكلوا الكلّ و تركوني و ذاك الرجل لأني كنت أقصّر في الأكل حتى لا أسمن، فأكلوا الكلّ و تركوني و ذاك الرجل لأني كنت نحيفا و الرجل كان عليلا، فقال لي الرجل: قد حضر لهم عيد يخرجون إليه بأجمعهم و يمكثون ثلاثا، فإن أردت النجاة فانج بنفسك! و أمّا أنا فقد ذهبت رجلاي لا يمكنني الذهاب. و اعلم أنّهم أسرع شي‏ء طلبا و أشدّ اشتياقا و أعرف بالاثر، إلّا من دخل تحت شجرة كذا فإنّهم لا يطلبونه و لا يقدرون عليه. قال: فخرجت أسير ليلا و أكمن النهار تحت الشجرة، فلمّا كان اليوم الثالث رجعوا، و كانوا يقصّون أثري، فدخلت تحت الشجرة فانقطعوا عني و رجعوا فأمنت.

حكى الرجل المخموش و قال: بينا أنا أسير في تلك الجزيرة إذ رفعت لي‏

32

أشجار كثيرة فانتهيت إليها، فإذا بها من كلّ الفواكه، و تحتها رجال كأحسن ما يكون صورة، فقعدت عندهم لا أفهم كلامهم و لا يفهمون كلامي، فبينا أنا جالس معهم إذ وضع أحدهم يده على عاتقي، فإذا هو على رقبتي و لوى رجليه عليّ و أنهضني، فجعلت أعالجه لأطرحه فخمشني في وجهي، فجعلت أدور به على الأشجار و هو يقطف ثمرها يأكل و يرمي إلى أصحابه و هم يضحكون، فبينا أنا أسير به في وسط الأشجار إذ أصاب عينيه عيدان الأشجار فعمي، فعمدت إلى شي‏ء من العنب و أتيت نقرة في صخرة عصرته فيها، ثمّ أشرت إليه أن اكرع فكرع منها، فتحلّلت رجلاه فرميت به، فأثر الخموش من ذلك في وجهي.

جزيرة القصار

حدّث يعقوب بن إسحاق السرّاج قال: رأيت رجلا من أهل رومية قال:

خرجت في مركب فانكسر و بقيت على لوح، فألقتني الريح إلى بعض الجزائر، فوصلت بها إلى مدينة فيها أناس قاماتهم قدر ذراع و أكثرهم عور، فاجتمع عليّ جماعة و ساقوني إلى ملكهم فأمر بحبسي، فانتهوا بي إلى شي‏ء مثل قفص الطير، أدخلوني فيه فقمت فكسرته و صرت بينهم، فآمنوني فكنت أعيش فيهم.

فإذا في بعض الأيّام رأيتهم يستعدّون للقتال، فسألتهم عن ذلك فأومأوا إلى عدوّ لهم يأتيهم في هذا الوقت، فلم تلبث أن طلعت عليهم عصابة من الغرانيق، و كان عورهم من نقر الغرانيق أعينهم، فأخذت عصا و شددت على الغرانيق فطارت و مشت، فأكرموني بعد ذلك إلى أن وجدت جذعين و شددتهما بلحاء الشجر و ركبتهما، فرمتني الريح إلى رومية.

و قد حكى أرسطاطاليس في كتاب الحيوان تصحيح ما ذكر و قال: إن الغرانيق تنتقل من خراسان إلى ما بعد مصر، حيث يسيل ماء النيل، و هناك تقاتل رجالا قاماتهم قدر ذراع.

33

جزيرة النّساء

في بحر الصين فيها نساء لا رجل معهنّ أصلا، و إنّهنّ يلقحن من الريح و يلدن النساء مثلهن، و قيل: إنّهنّ يلقحن من ثمرة شجرة عندهن يأكلن منها فيلقحن و يلدن نساء.

حكى بعض التجّار أن الريح ألقته إلى هذه الجزيرة قال: فرأيت نساء لا رجال معهن و رأيت الذهب في هذه الجزيرة مثل التراب، و رأيت من الذهب قضبانا كالخيزران، فهممن بقتلي فحمتني امرأة منهن و حملتني على لوح و سيّبتني في البحر، فألقتني الريح إلى بلاد الصين، فأخبرت صاحب الصين بحال الجزيرة و ما فيها من الذهب، فبعث من يأتيه بخبرها، فذهبوا ثلاث سنين ما وقعوا بها فرجعوا.

جزيرة واق واق‏

إنّها في بحر الصين و تتّصل بجزائر زانج و المسير إليها بالنجوم، قالوا:

إنّها ألف و ستّمائة جزيرة، و إنّما سمّيت بهذا الاسم لأن بها شجرة لها ثمرة على صور النساء معلّقات من الشجرة بشعورها، و إذا أدركت يسمع منها صوت واق واق، و أهل تلك البلاد يفهمون من هذا الصوت شيئا يتطيّرون به.

قال محمّد بن زكرياء الرازي: هي بلاد كثيرة الذهب حتى ان أهلها يتّخذون سلاسل كلابهم و أطواق قرودهم من الذهب، و يأتون بالقمصان المنسوجة من الذهب.

و حكى موسى بن المبارك السيرافي أنّه دخل هذه البلاد و قد ملكتها امرأة، و أنّه رآها على سرير عريانة، و على رأسها تاج و عندها أربعة آلاف و صيفة عراة أبكارا.

34

جوف‏

واد بأرض عاد، كان ذا ماء و شجر و عشب و خيرات كثيرة، منها حمار بن مويلع، كان له بنون خرجوا يتصيّدون فأصابتهم صاعقة فماتوا عن آخرهم، فكفر حمار كفرا عظيما و قال: لا أعبد ربّا فعل بي هذا! و دعا قومه إلى الكفر، فمن عصاه قتله، و كان يقتل من مرّ به من الناس، فأقبلت نار من أسفل الجوف فأحرقته و من فيه، و غاض ماؤه فضربت العرب به المثل و قالوا: أكفر من حمار! و قالوا أيضا: أخلى من جوف حمار. و قال شاعرهم:

و لشؤم البغي و الغشم قديما* * * ما خلا جوف و لم يبق حمار

حرث‏

أرض واسعة باليمن كثيرة الرياض و المياه، طيّبة الهواء عذبة الماء منها ذو حرث الحميري و اسمه مثوّب؛ قال هشام بن محمّد الكلبي: كان ذو حرث من أهل بيت الملك يعجبه سياحة البلاد، فأوغل في بعض أوقاته في بلاد اليمن، فهجم على أرض فيحاء كثيرة الرياض، فأمر أصحابه بالنزول و قال: يا قوم إن لهذه الأرض شأنا، لما رأى من مياهها و رياضها و لم ير بها أنيسا، فأوغل فيها حتى هجم على عين عظيمة نظيفة، بها غاب و يكتنفها ثلاث آكام عظام،

فإذا على شريعتها بيت صنم من الصخر، حوله من مسوك الوحش و عظامها تلال.

فبينا هو كذلك إذ أبصر شخصا كالفحل المقرم قد تجلّل بشعره و ذلاذله تنوش على عطفه، و بيده سيف كاللجّة الخضراء، فنكصت منه الخيل و أصرّت بآذانها و نفضت بأبوالها، فقلنا: من أنت؟ فأقبل يلاحظنا كالقرم الصّؤول، و وثب وثبة الفهد على ادنانا فضربه ضربة، فقطّ عجز فرسه، و ثنّى بالفارس جزله جزلتين. فقال القيل: ليلحق فارسان برجالنا ليأتينا عشرون راميا.

فلم يلبث أن أقبلت الرماة ففرّقهم على الآكام الثلاث و قال: احشوه بالنبل‏

35

و ان طلع عليكم فدهدهوا عليه الصخر، و ليحمل عليه الخيل من ورائه، ففرّقنا الخيل للحملة و إنّها تشمئزّ عنه، فأقبل يدنو و يختل، و كلّما خالطه سهم أمرّ عليه ساعده و كسره في لحمه، فضرب فارسا آخر فقطع فخذه بسرجه و ما تحت السرج من فرسه، فصاح به القيل: ويلك! من أنت؟ فقال بصوت الرعد: أنا حرث لا أراع و لا ألاع! فمن أنت؟ قال: أنا مثوّب، قال: إنّك لهو؟ قال:

نعم. فقهقر و قال: اليوم انقضت المدّة و بلغت نهايتها العدّة، لك كانت هذه السرارة ممنوعة.

ثمّ جلس و ألقى سيفه و جعل ينزع النبل من بدنه، فقلنا للقيل: قد استسلم؟ قال: كلّا لكنّه اعترف دعوة فإنّه ميّت، فقال: عهد عليكم لتحفرنّني! فقال القيل: آكد عهد، ثمّ كبا لوجهه فأقبلنا إليه فإذا هو ميت، فأخذنا سيفه فلم يقدر أحد منّا يحمله على عنقه، فأمر مثوّب فحفر له اخدود ألقي فيه، و اتّخذ مثوّب تلك الأرض منزلا و سمّاها حرث، و سمّي مثوّب ذا حرث.

و وجد على أكمة صخرة مكتوب عليها: باسمك اللهمّ، إله من سلف و من غبر، إنّك الملك الكبّار الخالق الجبّار ملكنا هذه المدّة، و حمى لنا أقطارها و أصبارها و أسرابها و حيطانها و عيونها و صيرانها إلى انتهاء عدّة و انقضاء مدّة، ثمّ يظهر علينا غلام ذو الباع الرحب و المضاء العضب، فيتّخذها معمرا أعصرا ثمّ يجوز كما بدا، و كلّ محتوم آت و كلّ مترقّب قريب، و لا بدّ من فقدان الموجود و خراب المعمور.

حضرموت‏

ناحية باليمن مشتملة على مدينتين، يقال لاحداهما شبام و للأخرى تريم، و هي بقرب البحر في شرقي عدن، و انّها بلاد قديمة.

حكى رجل من حضرموت قال: وجدنا بها فخّارا فيه سنبلة حنطة و امتلأ

36

الظرف منها، و زنّاها كانت منّا، و كلّ حبّة منها كبيضة دجاجة.

و كان في ذلك الوقت شيخ له خمسمائة سنة، و له ولد له أربعمائة سنة، و ولد ولد له ثلاثمائة سنة؛ فذهبنا إلى ابن الابن قلنا: إنّه أقرب إلى الفهم و العقل، فوجدناه مقيّدا لا يعرف الخير و الشرّ. فقلنا: إذا كان هذا حال ولد الولد فكيف حال الأب و الجدّ؟ فذهبنا إلى صاحب الأربعمائة سنة فوجدناه أقرب إلى الفهم من ولده، فذهبنا إلى صاحب الخمسمائة سنة فوجدناه سليم العقل و الفهم، فسألناه عن حال ولد ولده فقال: انّه كانت له زوجة سيّئة الخلق لا توافقه في شي‏ء أصلا، فأثر فيه ضيق خلقها و دوام الغمّ بمقاساتها، و أمّا ولدي فكانت له زوجة توافقه مرّة و تخالفه أخرى، فلهذا هو أقرب فهما منه.

و أمّا أنا فلي زوجة موافقة في جميع الأمور مساعدة، فلذلك سلم فهمي و عقلي! فسألناه عن السنبلة فقال: هذا زرع قوم من الأمم الماضية كانت ملوكهم عادلة، و علماؤهم أمناء، و أغنياؤهم أسخياء، و عوامّهم منصفة.

منها القاضي الحضرمي، (رحمه اللّه)، لمّا ولي القضاء أتى عليه سنتان لم يتقدّم إليه خصمان، فاستعفى الملك و قال: إني آخذ معيشة القضاء و لا خصومة لأحد فالأجرة لا تحلّ لي! فاستبقاه الملك و قال: لعلّ الحاجة تحدث، إلى أن تقدّمه خصيمان فقال أحدهما: اشتريت منه أرضا فظهر فيها كنز قل له حتى يقبضها! و قال الآخر: إني بعت الأرض بما فيها و الكنز له! فقال القاضي: هل لكما من الأولاد؟ قالا: نعم. فزوّج بنت البائع من ابن المشتري، و جعل الكنز لولديهما و صالحا على ذلك.

و بها القصر المشيد الذي ذكره اللّه في القرآن، بناه رجل يقال له صدّ ابن عاد و ذلك أنّه لمّا رأى ما نزل بقوم عاد من الريح العقيم، بنى قصرا لا يكون للريح عليه سلطان من شدّة إحكامه، و انتقل إليه هو و أهله، و كان له من القوّة ما كان، يأخذ الشجرة بيده فيقلعها بعروقها من الأرض، و يأكل من الطعام مأكول عشرين رجلا من قومه، و كان مولعا من النساء، تزوّج بأكثر من سبعمائة

37

عذراء و ولد له من كلّ واحدة ذكر و أنثى، فلمّا كثر أولاده طغى و بغى، و كان يقعد في أعالي قصره مع نسائه، لا يمرّ به أحد إلّا قتله كائنا من كان، حتى كثر قتلاه فأهلكه اللّه تعالى مع قومه بصيحة من السماء، و بقي القصر خرابا لا يجسر أحد على دخوله لأنّه ظهر فيه شجاع عظيم، و كان يسمع من داخله أنين كأنين المرضى، و قد أخبر اللّه تعالى عنهم و أمثالهم بقوله: فكأيّن من قرية أهلكناها و هي ظالمة فهي خاوية على عروشها و بئر معطّلة و قصر مشيد، و البئر المعطّلة كانت بعدن، سنذكرها إن شاء اللّه تعالى.

و بها قبر هود النبيّ، (عليه السلام)؛ قال كعب الأحبار: كنت في مسجد رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و سلّم)، في خلافة عثمان، رضي اللّه عنه، فإذا برجل قد رمقه الناس لطوله، فقال: أيّكم ابن عمّ محمّد؟ قالوا: أيّ ابن عمّه؟ قال: ذاك الذي آمن به صغيرا، فأومأوا إلى عليّ بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، قال عليّ: ممّن الرجل؟ فقال: من اليمن من بلاد حضرموت. فقال عليّ: أتعرف موضع الأراك و السدرة الحمراء التي يقطر من أوراقها ماء في حمرة الدم؟ فقال الرجل: كأنّك سألتني عن قبر هود، (عليه السلام)؟ فقال عليّ: عنه سألتك فحدّثني، فقال: مضيت في أيّام شبابي في عدّة من شبّان الحيّ نريد قبره، فسرنا إلى جبل شامخ فيه كهوف و معنا رجل عارف بقبره حتى دخلنا كهفا، فإذا نحن بحجرين عظيمين قد أطبق أحدهما على الآخر، و بينهما فرجة يدخلها رجل نحيف، و كنت أنا أنحفهم، فدخلت بين الحجرين فسرت حتى وصلت إلى فضاء، فإذا أنا بسرير عليه ميت و عليه أكفان كأنّها الهواء، فمسست بدنه فكان علبا، و إذا هو كبير العينين مقرون الحاجبين واسع الجبهة أسيل الحدّ طويل اللحية، و إذا عند رأسه حجر على شكل لوح عليه مكتوب: لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، و قضى ربّك ألّا تعبدوا إلّا إيّاه و بالوالدين إحسانا، أنا هود بن الحلود بن عاد رسول اللّه إلى بني عاد بن عوض ابن سام بن نوح، جئتهم بالرسالة و بقيت فيهم مدّة عمري فكذّبوني، فأخذهم‏

38

اللّه بالريح العقيم فلم يبق منهم أحد، و سيجي‏ء بعدي صالح بن كالوة فيكذّبه قومه فتأخذهم الصيحة؛ قال له عليّ، رضي اللّه عنه: صدقت، هكذا قبر هود، (عليه السلام).

و بها بئر برهوت و هي التي قال النبيّ، (صلّى اللّه عليه و سلّم): ان فيها أرواح الكفّار و المنافقين، و هي بئر عاديّة قديمة عميقة في فلاة و واد مظلم.

و عن عليّ، رضي اللّه عنه، قال: ابغض البقاع إلى اللّه تعالى وادي برهوت بحضرموت فيه بئر ماؤها أسود منتن يأوي إليه أرواح الكفّار.

و ذكر الأصمعيّ عن رجل حضرميّ انّه قال: إنا نجد من ناحية برهوت رائحة منتنة فظيعة جدّا فيأتينا الخبر أن عظيما من عظماء الكفّار مات.

و حكى رجل أنّه بات ليلة بوادي برهوت قال: فكنت أسمع طول الليل يا دومه يا دومه، فذكرت ذلك لبعض أهل العلم فقال: إن الملك الموكّل بأرواح الكفّار اسمه دومه.

و بها ماء الخنوثة؛ قال ابن الفقيه: بحضرموت ماء بينها و بين النّوب، من شربه يصير مخنّثا.

دلان و دموران‏ (1)

قريتان بقرب ذمار من أرض اليمن. قالوا: ليس بأرض اليمن أحسن وجها من نساء هاتين القريتين. و قالوا: الفواجر بهما كثيرة يقصدهما الناس من الأماكن البعيدة للفجور! قالوا: إن دلان و دموران كانا ملكين أخوين، و كلّ واحد بنى قرية و سمّاها باسمه، و كانا مشغوفين بالنساء و ينافسان في الحسن و الجمال، و الناس يجلبون من الأطراف البعيدة ذوات الجمال لهما، فمن هناك أتى أهل القريتين الجمال، و إلّا فالجمال بأرض اليمن كالسمك على اليبس، و اللّه الموفق.

____________

(1) وردت في معجم البلدان: ذموران، بالذال المعجمة.

39

دنقلة

مدينة عظيمة ببلاد النوبة، ممتدّة على ساحل النيل، طولها مسيرة ثمانين ليلة و عرضها قليل، و هي منزل ملكهم كابيل، و أهلها نصارى يعاقبة، أرضهم محترقة لغاية الحرارة عندهم، و مع شدّة احتراقها ينبت الشعير و الحنطة و الذرة.

و لهم نخل و كرم و مقل و أراك. و بلادهم أشبه شي‏ء باليمن، و بيوتهم أخصاص كلّها، و كذلك قصور ملكهم.

و أهلها عراة مؤتزرون بالجلود، و النمر عندهم كثيرة، يلبسون جلودها، و الزرافة أيضا و هي دابّة عجيبة منحنية إلى خلفها لطول يديها و قصر رجليها، و عندهم صنف من الإبل صغيرة الخلق قصيرة القوائم.

ذات الشّعبين‏

مخلاف باليمن، و قال محمّد بن السائب: حكى لنا رجل من ذي الكلاع أن سيلا أقبل باليمن، فخرق موضعا فأبدى عن أزج، فإذا فيه سرير عليه ميت عليه جباب و شي مذهبة، و بين يديه محجن من ذهب في رأسه ياقوتة حمراء، و إذا لوح فيه مكتوب: بسم اللّه ربّ حمير، أنا حسّان بن عمرو القيل، حين لا قيل إلّا اللّه، متّ زمان خرهيد و ماهيد هلك فيه اثنا عشر ألف قيل، و كنت آخرهم قيلا، فأتيت ذات الشّعبين ليجيرني فأجفرني، قالوا:

لعلّ كان ذلك وقت الطاعون، فمات من مات لفساد الهواء، فأتى حسّان ذات الشعبين ليكون الهواء فيه أصحّ، بسبب هبوبها من الشعبين، فيسلم من الطاعون و ما سلم.

ذمار

مدينة ببلاد اليمن، حكى أبو الربيع سليمان الزنجاني: انّه شاهد ذمار، و رأى على مرحلة منها آثار عمارة قديمة، قد بقي منها ستّة أعمدة من رخام،

40

و فوق أربعة منها أربعة أعمدة، و دونها مياه كثيرة جارية، قال: ذكر لي أهل تلك البلاد أن أحدا لا يقدر على خوض تلك المياه إلى تلك الأعمدة، و ما خاض أحد إلّا عدم، و أهل تلك البلاد متّفقون على أنّها عرش بلقيس.

سبأ

مدينة كانت بينها و بين صنعاء ثلاثة أيّام، بناها سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان، كانت مدينة حصينة كثيرة الأهل طيّبة الهواء عذبة الماء، كثيرة الأشجار لذيذة الثمار كثيرة أنواع الحيوان، و هي التي ذكرها اللّه تعالى:

لقد كان لسبإ في مسكنهم آية، جنّتان عن يمين و شمال، كلوا من رزق ربّكم و اشكروا له، بلدة طيّبة و ربّ غفور؛ ما كان يوجد بها ذباب و لا بعوض و لا شي‏ء من الهوام كالحيّة و العقرب و نحوهما.

و قد اجتمعت في ذلك الموضع مياه كثيرة من السيول، فيمشي بين جبلين و يضيع في الصحارى، و بين الجبلين مقدار فرسخين، فلمّا كان زمان بلقيس الملكة بنت بين الجبلين سدّا بالصخر و القار، و ترك الماء العظيم خارج السدّ، و جعلت في السدّ مثاعب أعلى و أوسط و أسفل ليأخذوا من الماء كلّ ما احتاجوا إليه، فجفّت داخل السدّ و دام سقيها، فعمرها الناس و بنوا و غرسوا و زرعوا، فصارت أحسن بلاد اللّه تعالى و أكثرها خيرا، كما قال اللّه تعالى: جنّتان عن يمين و شمال. و كان أهلها اخوة و بنو عمّ بنو حمير و بنو كهلان، فبعث اللّه تعالى إليهم ثلاثة عشر نبيّا فكذّبوهم، فسلط اللّه تعالى الجرذ على سدّهم.

منها عمران بن عامر، و كانت سيادة اليمن لولد حمير و لولد كهلان، و كان كبيرهم عمران بن عامر، و كان جوادا عاقلا، و له و لأقربائه من الحدائق ما لم يكن لأحد من ولد قحطان.

و كانت عندهم كاهنة اسمها طريفة، قالت لعمران: و الظلمة و الضياء و الأرض و السماء ليقبلنّ إليكم الماء كالبحر إذا طما، فيدع أرضكم خلاء

41

يسفي عليها الصّبا! فقالوا لها: فجعتنا بأموالنا فبيّني مقالتك! فقالت: انطلقوا إلى رأس الوادي لتروا الجرذ العادي يجرّ كلّ صخرة صيخاد بأنياب حداد و أظفار شداد! فانطلق عمران في نفر من قومه حتى أشرفوا على السدّ، فإذا هم بجرذ أحمر فيقلع الحجر الذي لا يستقلّه رجال و يدفعه بمخاليب رجليه إلى ما يلي البحر ليفتح السدّ.

فلمّا رأى عمران ذلك علم صدق قول الكاهنة فقال لأهله: اكتموا هذا القول من بني عمّكم بني حمير لعلّنا نبيع حدائقنا منهم و نرحل عن هذه الأرض، ثمّ قال لابن أخيه حارثة: إذا كان الغد و اجتمع الناس أقول لك قولا خالفني، و إذا شتمتك ردّها عليّ، و إذا ضربتك فاضربني مثله! فقال: يا عم كيف ذلك؟ فقال عمران: لا تخالف فإن مصلحتنا في هذا.

فلمّا كان الغد و اجتمع عند عمران أشراف قومه و عظماء حمير و وجوه رعيّته، أمر حارثة أمرا فعصاه فضربه بمخصرة كانت بيده، فوثب حارثة عليه و اطمه، فأظهر عمران الغضب و أمر بقتل ابن أخيه فوقع في حقّه الشفاعات.

فلمّا أمسك عن قتله حلف أن لا يقيم في أرض امتهن بها، و قال وجوه قومه:

و لا نقيم بعدك يوما! فعرضوا ضياعهم على البيع و اشتراها بنو حمير بأعلى الأثمان، فارتحل عن أرض اليمن فجاء السيل بعد رحيلهم بمدّة يسيرة، و خربت البلاد كما قال تعالى: فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم و بدّلناهم بجنّتيهم جنّتين ذواتي أكل خمط و أثل و شي‏ء من سدر قليل. فتفرّقوا في البلاد، و يضرب بهم المثل فيقال: تفرّقوا أيادي سبا.

و كانوا عشرة أبطن: ستّة تيامنوا و هم كندة و الأشعريون و الأزد و مذحج و انمار و حمير، و أربعة تشاءموا و هم عامرة و جذام و لخم و غسّان. و كانت هذه الواقعة بين مبعث عيسى و نبيّنا، صلّى اللّه عليهما و سلّم.

42

سجلماسة

مدينة في جنوب المغرب في طرف بلاد السودان، في مقطع جبل درن في وسط رمل، بها نهر كبير غرسوا عليه بساتين و نخيلا مدّ البصر. حدّثني بعض الفقهاء من المغاربة و قد شاهدها: ان مزارعها اثنا عشر فرسخا من كلّ جانب لكن لا يزرع في كلّ سنة إلّا خمسها، و من أراد الزيادة على ذلك منعوه، و ذلك لأن الريع إذا كثر لا يبقى له قيمة فلا يشتري من الطّنّاء بشي‏ء. و بها أصناف العنب و التمر و أمّا تمرها فستّة عشر صنفا ما بين عجوة و دقل.

و لنسائها يد صناع في غزل الصوف، و يعمل منه كلّ عجيب حسن بديع من الأزر التي تفوق القصب، و يبلغ ثمن الازار ثلاثين دينارا و أربعين كأرفع ما يكون من القصب و يتّخذن منه عقارات يبلغ ثمنها مثل ذلك مصبوغة بأنواع الألوان، و أهل هذه المدينة من أغنى الناس و أكثرهم مالا لأنّها على طريق غانة التي هي معدن الذهب، و لأهلها جرأة على دخول تلك البرية مع ما ذكر من صعوبة الدخول فيها، و هي في بلاد التبر يعرف منها، و اللّه الموفق.

سرنديب‏

جزيرة في بحر هركند بأقصى بلاد الصين؛ قال محمّد بن زكرياء: هي ثمانون فرسخا في ثمانين فرسخا، لها ثلاثة ملوك كلّ واحد عاص على الآخر.

و من عاداتهم أن يأخذوا من الجاني سبعة دراهم على جنايته، و المديون إذا تقاعد عن اداء الدين بعث الملك إليه من يخطّ حوله خطّا أي مكان وجده، فلا يجسر أن يخرج من الخطّ حتى يقضي الدين أو يحصّل رضاء الغريم. فإن خرج من الخطّ بغير إذن، أخذ الملك منه ثلاثة أضعاف الدين، و يسلّم ثلثه إلى المستحقّ و يأخذ الملك ثلثيه.

و إذا مات الملك يجعل في صندوق من العود و الصندل و يحرق بالنار،

43

و ترافقه زوجته حتى يحتزقا معا.

و بها أنواع العطر و الافاويه و العود و النارجيل و دابّة المسك، و أنواع اليواقيت و معدن الذهب و الفضّة و مغاص اللؤلؤ.

و عن رسول اللّه، (صلّى اللّه عليه و سلّم): خير بقعة ضربت إليها آباط الإبل مكّة و مسجدي هذا و المسجد الأقصى، و جزيرة سرنديب فيها نزل أبونا آدم، (عليه السلام)، بها جبل أهبط عليه آدم، (عليه السلام)، و هو ذاهب في السماء يراه البحريّون من مسافة أيّام، و فيه أثر قدم آدم، (عليه السلام)، و هي قدم واحدة مغموسة في الحجر. و يرى على هذا الجبل كلّ ليلة مثل البرق من غير سحاب و غيم و لا بدّ له كلّ يوم من مطر يغسل موضع قدم آدم، (عليه السلام).

و يقال إن الياقوت الأحمر يوجد على هذه الجبال يحدّره السيل منها إلى الحضيض و قطاع الماس أيضا و البلّور. و قالوا: أكثر أهل سرنديب مجوس و بها مسلمون أيضا، و دوابّها في غاية الحسن لا تشبه دوابّنا إلّا بالنوع، و بها كبش له عشرة قرون.

منها الشيخ الظريف سديد الدين السرنديبي، ورد قزوين و أهل قزوين تبرّكوا به. و كان قاضي قزوين يدخل مع الولاة في الأمور الديوانيّة و العوامّ يكرهون ذلك، فربّما عملوا غوغاة و نهبوا دار القاضي و خرّبوها، فلمّا سكن السرنديبي قزوين و تبرّك القوم به، كلّما كرهوا من القاضي و خرّبوها، فلمّا سكن السرنديبي قزوين و تبرّك القوم به، كلّما كرهوا من القاضي شيئا ذهبوا إلى السرنديبي و قالوا: قم ساعدنا على القاضي! فإذا خرج السرنديبي تبعه ألوف، فالقاضي لقي من السرنديبي التباريح.

فطلبه ذات يوم، فلمّا دخل عليه تحرّك له و انبسط معه و سأله عن حاله ثمّ قال: إني أرى في هذه المدينة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر متروكا، و لست أرى من لا يأخذه في اللّه لومة لائم غيرك. و أخرج من داره قميصا غسل مرارا و عمامة عتيقة، و أركبه على دابّة و غلمان الاحتساب في خدمته،

44

و كلّ من سمع بهذا استحسن و صار السرنديبي محتسبا.

فإذا في بعض الأيّام جاء شخص إلى السرنديبي و قال: في موضع كذا جماعة يشربون. فقام بأصحابه و ذهب إليهم فأراق خمورهم و كسر ملاهيهم.

و كان القوم صبيانا جهّالا قاموا إليه و ضربوه و ضربوا أصحابه ضربا و جيعا، فجاء السرنديبي إلى القاضي و عرّفه ذلك، فالقاضي غضب و حولق و قال:

ابصروا من كانوا أولئك، فقالوا: ما نعرف منهم أحدا.

ثمّ بعد أيّام قالوا للسرنديبي: في بستان كذا جماعة يشربون، فذهب إليهم بأصحابه و أراق خمورهم و كسر ملاهيهم، فقاموا و قتاوا أصحاب السرنديبي و جرحوه، فعاد السرنديبي إلى بيته و أخذ القميص و العمامة و ذهب إلى القاضي و قال: اخلع هذا على غيري فإني لست أهلا لذلك، فقال القاضي:

لا تفعل يا سديد الدين و لا تمنع الثواب! فقال له: دع هذا الكلام، أنت غرضك اني أقتل و أجرح على يد غيرك، و إني قد عرفت المقصود و لا أنخدع بعد ذلك.

سفالة

آخر مدينة تعرف بأرض الزنج، بها معدن الذهب، و الحكاية عنها كما مرّ في بلاد التبر من أن التجّار يحملون إليها الأمتعة، و يضعونها في أرض قريبة منهم و يرجعون. ثمّ ان أهل سفالة و هم سودان يأتون و يتركون ثمن كلّ متاع بجنبه، و الذهب السّفالي معروف عند تجّار الزنج.

و بها الحواي و هو صنف من الطير يعيد ما سمع بصوت رفيع و لفظ صحيح أصحّ من الببغاء، و لا يبقى أكثر من سنة، و بها ببغاء بيض و حمر و خضر، و قال محمّد بن الجهم: رأيت قوما يأكلون الذباب و يزعمون أنّه دافع للرمد و لا يرمدون شيئا البتّة.

45

سلوق‏

مدينة بأرض اليمن؛ قال ابن الحايك: كانت مدينة عظيمة و لها آثار عظيمة باقية، يوجد بها قطاع الذهب و الفضّة و الحليّ، و كان بها صنّاع الدروع المحكمة النسج، قال الشاعر:

نقل السّلوقيّ المضاعف نسجه‏* * * و يوقد بالصّفّاح نار الحباحب‏

و بها الكلاب الضّواري، و ذاك لأن الكلاب بها يسفدها الذئاب، فتأتي بالكلاب السلوقيّة و هي أخبث الكلاب؛ قال الشاعر:

منهم ضوار من سلوق كأنّها* * * حصن تجول تجرّر الأرسانا

سمهر

قرية بالحبشة، بها صنّاع الرماح السّمهريّة، و هي أحسن الرّماح؛ قاله الصولي، و قال غيره: إنّ هذه القرية في جوف النيل يأتيها من أرض الهند على رأس الماء كثير من القنا، يجمعها أهل هذه القرية يستوقدون رذاله و يثقّفون جيّده و يبيعونه، و هو بأرض الحبشة معروف يحمل منها إلى سائر البلاد، و اللّه الموفّق.

سندابل‏

قصبة بلاد الصين و دار المملكة، يشقّها نهر أحد شقيّه للملك و الشقّ الآخر للعامّة؛ قال مسعر بن مهلهل: دخلتها و هي مدينة عظيمة قطرها مسيرة يوم، و لها ستّون شارعا، كلّ شارع ينفذ إلى دار الملك، و لها سور ارتفاعه تسعون ذراعا، و على رأس السور نهر عظيم يتفرّق ستّين جزءا، كلّ جزء ينزل على‏

46

باب من أبوابها، تلقاه رحى يصبّ إليها ثمّ إلى غيرها حتى يصبّ في الأرض. ثمّ يخرج نصفه تحت السور يسقي البساتين، و يدخل نصفه المدينة و يدور في الشوارع كلّها، و كلّ شارع فيه نهران: داخل يسقيهم، و خارج يخرج بفضلاتهم.

و فيها من الزروع و البقول و الفواكه و الخيرات و أنواع الطيب كالقرنفل و الدارصيني. و بها أنواع الجواهر كاليواقيت و نحوها و الذهب الكثير. و أهلها حسان الوجوه قصار القدود عظام الرؤوس، لباسهم الحرير و حليهم عظام الفيل و الكركدن، و أبوابهم آبنوس، و فيهم عبدة الأوثان و المانويّة و المجوس و يقولون بالتناسخ.

و منها خاقان، ملك الصين الموصوف بالعدل و السياسة، له سلسلة من ذهب أحد طرفيها خارج القصر، و الطرف الآخر عند مجلس الملك ليحرّكها المظلوم فيعلم الملك. و من عادته ركوب الفيل كلّ جمعة و الظهور للناس، و من كان مظلوما يلبس ثوبا أحمر، فإذا وقعت عليه عين الملك يحضره و يسأله عن ظلامته.

و من ولد في رعيّته أو مات يكتب في ديوان الملك لئلّا يخفى عليه أحد.

و بها بيت عبادة عظيم، فيه أصنام و تماثيل، و لأهلها يد باسطة في الصناعات الدقيقة، يعبدون الأوثان و لا يذبحون الحيوان، و من فعل أنكروا عليه.

و لهم آداب حسنة للرعيّة مع الملك و للولد مع الوالد: فإن الولد لا يقعد في حضور أبيه و لا يمشي إلا خلفه و لا يأكل معه.

قال ابن الفقيه: أهل الصين يقولون بالتناسخ و يعملون بالنجوم، و لهم كتب يشتغلون بها، و الزنا عندهم مباح، و لهم غلمان وقفوهم للواطة. كما أن الهند وقفوا الجواري على البدّ للزنا، و ذلك عند سفلتهم لا عند أهل التمييز.

و الملك و كلّ بالصّنّاع ليرفع إلى الملك جميع المعمول، فما أراد من ذلك اشتراه لخزانته، و إلّا يباع في السوق، و ما فيه عيب يمزّقه.

و حكي أنّه ارتفع ثوب إلى الملك فاستحسنه المشايخ كلّهم إلّا واحدا، فسئل عن عيبه فقال: إن هذا الثوب عليه صورة الطاووس، و قد حمل قنو موز،

47

و الطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز، فلو بعث الملك هذا الثوب هدية إلى بعض الملوك يقولون: أهل الصين ما يعرفون أن الطاووس لا يقدر على حمل قنو الموز.

الشّحر

ناحية بين عدن و عمان على ساحل البحر. ينسب إليها العنبر الشّحريّ لأنّه يوجد في سواحلها. و بها غياض كثيرة يوجد بها النسناس.

حكى بعض العرب قال: قدمت الشحر فنزلت عند بعض رؤسائها و سألت عن النسناس فقال: إنّا لنصيده و نأكله، و هو دابّة كنصف بدن الإنسان له يد واحدة و رجل واحدة، و كذلك جميع الأعضاء، فقلت: أنا أحبّ أن أراه، فقال لغلمانه: صيدوا لنا شيئا منه. فلمّا كان من الغد جاءوا بشي‏ء له وجه كوجه الإنسان إلّا أنّه نصف الوجه، و له يد واحدة في صدره، و كذلك رجل واحدة، فلمّا نظر إليّ قال: أنا باللّه و بك. فقلت لهم: خلّوا عنه. فقالوا:

لا تغترّ بكلامه فإنّه مأكولنا، فلم أزل بهم حتى أطلقوه فمرّ مسرعا كالريح.

فلمّا جاء الرجل الذي كنت عنده قال لغلمانه: أما قلت لكم صيدوا لنا شيئا؟ فقالوا: فعلنا لكن ضيفك خلّى عنه. فضحك و قال: خدعك و اللّه! ثمّ أمرهم بالغدو إلى الصيد، فغدوا بالكلاب و كنت معهم فصرنا إلى غيضة في آخر الليل، فإذا واحد يقول: يا أبا مجمر إن الصبح قد أسفر و اللّيل قد أدبر و القيض قد حضر فعليك بالوزر. فقال الآخر: كلي و لا تراعي، فأرسلوا الكلاب عليهم، فرأيت أبا مجمر و قد اعتوره كلبان و هو يقول:

الويل لي ممّا به دهاني‏* * * دهري من الهموم و الأحزان‏

قفا قليلا أيّها الكلبان‏* * * و اسمعا قولي و صدّقاني‏

إنّكما حين تحارباني‏* * * ألفيتماني خضلا عناني‏

لو بي شبابي ما ملكتماني‏* * * حتى تموتا أو تركتماني‏

48

فالتقياه و أخذاه، فلمّا حضر الرجل على عادته أتوا بأبي مجمر مشويّا، و ذكر خبر النسناس في وبار أبسط من هذا.

شعب‏

جبل باليمن فيه بلاد و قرى، يقال لأهلها الشّعبيّون، قتل بها الشّنفرى فقال تأبّط شرّا و هو خال الشنفرى:

إنّ بالشّعب من دون سلع‏* * * لقتيلا دمه ما يطلّ‏

منها أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي، كان عالما ورعا فريد دهره، ولّي القضاء من قبل عبد الملك بن مروان، بعثه إلى الروم رسولا فأدخلوه على الملك من باب لصّ حتى ينحني للدخول، فيقولون: خدّم للملك، فعرف الشعبي ذلك فدخله من خلفه، فلمّا رأى صاحب الروم كمال عقله و حسن جوابه و خطابه قال له: أمن بيت الخلافة أنت؟ قال: لا، أنا رجل من العرب.

فكتب إلى عبد الملك: عجبت من قوم عندهم مثل هذا الرجل و ولّوا غيره أمرهم! فقال عبد الملك للشعبي: حسدني عليك أراد أن أقتلك! فقال الشعبي:

إنّما كهر أمير المؤمنين لأنّه لم يرك! فقال: للّه درّك ما عدا ما في نفسي.

و حكي أن الشعبي جلس يوما للقضاء فاحتكم إليه زوجان، و كانت المرأة من أجمل النساء، فأظهرت المرأة حجّتها. فقال للزوج: هل لك ما تدفع هذه؟ فأنشأ يقول:

فتن الشّعبيّ لمّا* * * رفع الطّرف إليها

فتنته بدلال‏* * * و تخطّى حاجبيها

قال للجوّار قرّب* * * ها و قرّب شاهديها

فقضى جورا على الحص* * * م و لم يقض عليها

49

قال الشعبي: دخلت على عبد الملك بن مروان، فلمّا نظر إليّ تبسّم و قال:

فتن الشّعبيّ لمّا رفع الطّرف إليها

ثمّ قال: ما فعلت بقائل هذا؟ قلت: أوجعت ظهره ضربا يا أمير المؤمنين لما هتك حرمتي! فقال: أحسنت و اللّه و أجملت!

و حكي أن الشعبي دخل على قوم و هم يذكرونه بالسوء فقال:

هنيئا مريئا غير داء مخامر* * * لعزّة من أعراضنا ما استحلّت‏

و سبّه رجل فقال: يا هذا إن كنت صادقا غفر اللّه لي، و إن كنت كاذبا غفر اللّه لك!

توفي سنة أربع و مائة عن اثنتين و ثمانين سنة.

شمخ‏

قرية بأرض اليمن، من عجائبها أن بها شقّا ينفذ إلى الجانب الآخر، فمن لم يكن ولد رشدة لا يقدر على النفوذ فيه.

حكى رجل من مراد قال: وليّت صدقات، فبينا أنا أقسمها إذ قال لي رجل: ألا أريك عجبا؟ قلت: نعم. فأدخلني شعب جبل، فإذا أنا بسهم من سهام عاد كأكبر ما يكون من رماحنا مفوّقا، تشبّث بذروة الجبل و عليه مكتوب:

ألا هل إلى أبيات شمخ بذي اللوى‏* * * لوى الرّمل من قبل الممات معاد

بلاد بها كنّا و كنّا نحبّها* * * إذ النّاس ناس و البلاد بلاد

ثمّ أخذ بيدي إلى الساحل، فإذا بحجر يعلوه الماء طورا و يظهر أخرى، و عليه مكتوب: يا ابن آدم، يا عبد ربّه، اتّق اللّه و لا تعجل في رزقك،

50

فإنّك لن تسبق رزقك، و لن ترزق ما ليس لك، و من لم يصدّق فلينطح هذا الحجر حتى ينفجر!

شيلا

بلدة من أواخر بلاد الصين في غاية الطيب، لا يرى بها ذو عاهة من صحّة هوائها و عذوبة مائها و طيب تربتها. أهلها أحسن الناس صورة و أقلّها أمراضا، و ذكر أن الماء إذا رشّ في بيوتها تفوح منه رائحة العنبر، و هي قليلة الآفات و العلل، قليلة الذباب و الهوام. إذا اعتلّ إنسان في غيرها ثم نقل إليها زالت علله.

قال محمّد بن زكرياء الرازي: من دخلها استوطنها و لا يخرج عنها لطيبها و وفور خيراتها و كثرة ذهبها. و اللّه الموفق.

صنعاء

قصبة بلاد اليمن، أحسن مدنها بناء و أصحّها هواء و أعذبها ماء، و أطيبها تربة و أقلّها أمراضا، ذكر أن الماء إذا رشّ في بيوتها تفوح منه رائحة العنبر، و هي قليلة الآفات و العلل، قليلة الذباب و الهوام. إذا اعتلّ إنسان في غيرها و نقل إليها يبرأ، و إذا اعتلّت الإبل و أرعيت في مروجها تصحّ، و اللحم يبقى بها أسبوعا لا يفسد.

بناها صنعاء بن ازال بن عنير بن عابر بن شالح، شبّهت بدمشق في كثرة بساتينها، و تخرّق مياهها و صنوف فواكهها.

قال محمّد بن أحمد الهمذاني: أهل صنعاء في كلّ سنة يشتّون مرّتين و يصيّفون مرّتين، فإذا نزلت الشمس نقطة الحمل صار الحرّ عندهم مفرطا، فإذا نزلت أوّل السرطان زالت عن سمت رؤوسهم، فيكون شتاء، فإذا نزلت أوّل الميزان يعود الحرّ إليهم مرّة ثانية فيكون صيفا، و إذا صارت إلى الجدي شتّوا مرّة ثانية، غير أن شتاءهم قريب من الصيف في كيفيّة الهواء.

51

قال عمران بن أبي الحسن: ليس بأرض اليمن بلد أكبر من صنعاء، و هو بلد بخطّ الاستواء، بها اعتدال الهواء لا يحتاج الإنسان إلى رحلة الشتاء و الصيف و تتقارب ساعات نهارها.

و كان من عجائب صنعاء غمدان الذي بناه التبابعة؛ قالوا: بانيه ليشرخ ابن يحصب؛ قال ابن الكلبي: اتّخذه على أربعة أوجه: وجه أحمر و وجه أبيض و وجه أصفر و وجه أخضر، و بنى في داخله قصرا على سبعة سقوف بين كلّ سقفين أربعون ذراعا، فكان ظلّه إذا طلعت الشمس يرى على ماء بينهما ثلاثة أميال، و جعل في أعلاه مجلسا بناه بالرخام الملوّن، و جعل سقفه رخامة واحدة، و صيّر على كلّ ركن من أركانه تمثال أسد، إذا هبّت الريح يسمع منها زئير الأسد، و إذا أسرجت المصابيح فيه ليلا كان سائر القصر يلمع من ظاهره كما يلمع البرق، و فيه قال ذو جدن الهمداني:

و غمدان الذي حدّثت عنه‏* * * بناه مشيّدا في رأس نيق‏

بمرمرة و أعلاه رخام‏* * * تحام لا يعيّب بالشّقوق‏

مصابيح السّليط يلحن فيه‏* * * إذا أمسى كتوماض البروق‏

فأضحى بعد جدّته رمادا* * * و غيّر حسنه لهب الحريق‏

و قال أميّة بن أبي الصّلت يمدح سيف بن ذي يزن في قصيدة آخرها:

فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا* * * في رأس غمدان دارا منك محلالا

تلك المكارم لا قعبان من لبن‏* * * شيبا بماء فصارا بعد أبوالا

و ذكر أن التبابعة إذا قعدوا على هذا القصر و أشعلوا شموعهم يرى ذلك على مسيرة أيّام.

حكي أن عثمان بن عفّان، رضي اللّه عنه، لمّا أمر بهدم غمدان قالوا له:

إن الكهنة يقولون هادم غمدان مقتول! فأمر بإعادته، فقالوا له: لو أنفقت‏

52

عليه خراج الارض ما أعدته كما كان، فتركه، و لمّا خربه وجد على خشبة من أخشابها مكتوبا: اسلم غمدان، هادمك مقتول. فهدمه عثمان بن عفّان فقتل.

و وجد على حائط ايوان من مجالس تبع مكتوبا:

صبرا الدّهر نال منك فهكذا مضت الدهور

فرح و حزن بعده لا الحزن دام و لا السّرور

و بصنعاء جبل الشبّ و هو جبل على رأسه ماء يجري من كلّ جانب و ينعقد حجرا قبل أن يصل إلى الأرض، و هو الشبّ اليمانيّ الأبيض الذي يحمل إلى الآفاق.

و من عجائب صنعاء ما ذكر أنّه كان بها قبّة عظيمة من جمجمة رجل.

و بها نوع البرّ حبّتان منه في كمام، ليس في شي‏ء من البلاد غيرها، و بها الورس و هو نبت له خريطة كالسمسم، زرع سنة يبقى عشرين سنة.

و حكي أن أمير اليمن لمّا آل إلى الحبشة، بنى أبرهة بن الصبّاح بها كنيسة لم ير الناس أحسن منها، و سمّاها القلّيس، و زيّنها بالذهب و الفضّة و الجواهر، و كتب إلى النجاشي: إني بنيت لك كنيسة ليس لأحد مثلها من الملوك، و أريد أصرف إليها حجّ العرب. فسمع ذلك بعض بني مالك بن كنانة فأتاها و أحدث فيها، فسأل أبرهة عنه، فقالوا: إنّه من أهل البيت الذي يحجّ إليه العرب.

فغضب و آلى ليسيرنّ إلى الكعبة و يهدمنّها، ثمّ جاء بعسكره و فيلته، فأرسل اللّه تعالى عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجّيل فجعلهم كعصف مأكول.

و بها الجنّة التي أقسم أصحابها لنصرمنّها مصبحين، و هي على أربعة فراسخ من صنعاء، و كانت تلك الجنّة لرجل صالح ينفق ثمراتها على عياله، و يتصدّق على المساكين، فلمّا مات الرجل عزم أصحابه على أن لا يعطوا للمساكين شيئا، فانطلقوا و هم يتخافتون أن لا يدخلنّها اليوم عليكم مسكين، فلمّا رأوها قالوا

53

إنّا لضالّون، يعني ما هذا طريق بستاننا، فلمّا رأوا الجنّة محترقة قالوا: بل نحن محرومون. و يسمّى ذاك الوادي الضّروان، و هو واد ملعون، حجارته تشبه أنياب الكلاب، لا يقدر أحد أن يطأها، و لا ينبت شيئا و لا يستطيع طائر أن يطير فوقه، فإذا قاربه مال عنه؛ قالوا: كانت النار تتّقد فيها ثلاثمائة سنة.

الصّين‏

بلاد واسعة في المشرق ممتدّة من الإقليم الأوّل إلى الثالث، عرضها أكثر من طولها، قالوا: نحو ثلاثمائة مدينة في مسافة شهرين. و انّها كثيرة المياه كثيرة الأشجار كثيرة الخيرات وافرة الثمرات، من أحسن بلاد اللّه و أنزهها، و أهلها أحسن الناس صورة و أحذقهم بالصناعات الدقيقة، لكنّهم قصار القدود عظام الرؤوس، لباسهم الحرير، و حليهم عظام الفيل و الكركدن، و دينهم عبادة الأوثان.

و فيهم مانويّة و مجوس، و يقولون بالتناسخ و لهم بيوت العبادات.

من عجائب الصين الهيكل المدوّر؛ قال المسعودي: هذا الهيكل بأقصى بلاد الصين و له سبعة أبواب، في داخله قبّة عظيمة البنيان عالية السمك، و في أعلى القبّة شبه جوهرة كرأس عجل يضي‏ء منها جميع أقطار الهيكل، و ان جمعا من الملوك حاولوا أخذ تلك الجوهرة فما تمكّنوا من ذلك، فمن دنا منها قدر عشرة أذرع خرّ ميتا، و إن حاول أخذها بشي‏ء من الآلات الطوال، فإذا انتهت إليها هذا المقدار انعكست. و كذلك إن رمى إليها شيئا، و إن تعرّض أحد لهمدم الهيكل مات، و في هذا الهيكل بئر واسعة الرأس، من أكبّ عليها وقع في قعرها، و على رأس البئر شبه طوق مكتوب عليه: هذه البئر مخزن الكتب التي هي تاريخ الدنيا و علوم السماء و الأرض، و ما كان فيها و ما يكون، و فيها خزائن الأرض لكن لا يصل إليها إلّا من وازن علمه علمنا، فمن قدر عليه علمه كعلمنا، و من عجز فليعلم أنّه دوننا في العلم.

و الأرض التي عليها هذا الهيكل أرض حجريّة عالية كجبل شامخ لا يرام‏

54

قلعه، و لا يتأتى نقبه، و إذا رأى الناظر إلى تلك الهيكل و القبّة و البئر و حسن بنيتها، مال قلبه إليها و تأسف على فساد شي‏ء منها.

و من عجائب الصين ما ذكر صاحب تحفة الغرائب ان بها طاحونة يدور حجرها التحتاني، و الفوقاني ساكن، و يخرج من تحت الحجر دقيق لا نخالة فيه، و نخالة لا دقيق فيها، كلّ واحد منهما منفرد عن الآخر.

و بها قرية عندها غدير فيه ماء في كلّ سنة يجتمع أهل القرية و يلقون فرسا في ذلك الغدير، و الناس يقفون على أطرافه، كلّما أراد الفرس الخروج من الماء منعوه، و ما دام الفرس في الماء يأتيهم المطر، فإذا أمطروا قدر كفايتهم و امتلأ الغدير، أخرجوا الفرس و ذبحوه على قلّة جبل، و تركوه حتى يأكله الطير، فإن لم يفعلوا ذلك في شي‏ء من السنين لم يمطروا.

و بأرض الصين الذهب الكثير و الجواهر و اليواقيت في جبل من جبالها، و بها من الخيرات الكثيرة من الحبوب و البقول و الفواكه و السكر، و في جزائرها أشجار الطيب كالقرنفل و الدارصيني و نحوها، قالوا: القرنفل تأتي بها السيول من جبال شامخة لا وصول إليها و بها من الهوام و الحشرات و الحيّات و العقارب شي‏ء كثير، و لا تظهر بالصيف لأنّها ملتفّة بأشجارها، تأكل من ثمارها و أوراقها و تظهر في الشتاء.

و لأهل الصين يد باسطة في الصناعات الدقيقة، و لا يستحسنون شيئا من صناعات غيرهم، و أيّ شي‏ء رأوا أخذوا عليه عيبا، و يقولون: أهل الدنيا، ما عدانا، عمي إلّا أهل كابل، فإنّهم عور! و بالغوا في تدقيق صنعة النقوش حتى انّهم يصوّرون الإنسان الضاحك و الباكي، و يفصلون بين ضحك السرور و الخجالة و الشماتة. و إذا أراد ملكهم شيئا من المتاع، يعرضه على أرباب الخبرة و لا يتركه في خزائنه إلّا إذا وافقوا على جودته.

و حكي أن صانعا اتّخذ ثوبا ديباجا عليه صورة السنابل وقعت عليها العصافير، فعرضها الملك على أرباب الخبرة و استحسنوها إلّا صانع واحد؛ قال: العصافير