الأزمنة والأنواء

- إبراهيم بن إسماعيل ابن الأجدابي المزيد...
194 /
7

[المقدمة]

الأنواء عند العرب في الجاهلية

كان العرب قديما في بواديهم الفسيحة في حاجة شديدة إلى معرفة الكواكب الثابتة، و مواقع طلوعها و غروبها، لأن طبيعة الحياة في بيئة الصحراء كانت تضطرهم إلى الارتحال دائما من مكان إلى مكان طلبا للماء و المرعى. و كانت شمس الصحراء الساطعة اللاهبة كثيرا ما تضطرهم إلى السرى، و هو الرحيل في الليل، لينجوا من لهبها في النهار. فكانوا يقطعون الفيافي الموحشة، و الغلوات البعيدة، في ظلام الليالي، مهتدين بالدراري اللامعة في قبة السماء.

و لو لا عيون هذه الدراري التي ترعاهم، و تهديهم السبيل المقصود، لضلت قوافلهم، و هلكت أموالهم من الإبل و غيرها، بين كثبان الرمال المتشابهة و المتلاحقة كأمواج البحر المترامية على مدى البصر و إلى هذه الحقيقة الكبرى تشير الآية الكريمة:

وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ (1).

و كذلك كان العرب في حاجة ماسة إلى معرفة أحوال الهواء، و أوضاع الشمس و القمر، و تغير فصول السنة، و ما يحدث في الجو من حوادث في هذه الفصول، من نشوء السحاب، و سقوط الأمطار، و هبوب الرياح، و اشتداد البرد، و إقبال الحر، و غيرها من عوارض الطبيعة التي تعرض في أوقات معلومة من السنة. ذلك لأن طبيعة حياتهم في بيئة الصحراء كانت تجعل قوام حياتهم مرتبطا ارتباطا وثيقا بهذه الحوادث أيضا. فهم كانوا يحيون و يسعدون بالغيث و الكلأ في خصب الزمان.

و كانوا يشقون و يضيق عيشهم بانحباس الغيث و انقطاع الكلأ في جدب الزمان.

____________

(1) سورة الانعام 6/ 97.

8

و قد بين أبو عثمان الجاحظ هذه الحاجة في كتاب الحيوان، و أجاد في بيانها.

قال: «و من هذه الجهة (1) عرفوا الآثار في الأرض و الرمل، و عرفوا الأنواء و نجوم الاهتداء. لأن كل من كان بالصحاصح الأماليس- حيث لا أمارة، و لا هادي، مع حاجته إلى بعد الشقة- مضطر إلى التماس ما ينجيه و يؤديه. و لحاجته إلى الغيث، و فراره من الجدب، و ضنه بالحياة، اضطرته الحاجة إلى تعرف شأن الغيث. و لأنه في كل حال يرى السماء، و ما يجري فيها من كوكب، و يرى التعاقب بينها، و النجوم الثوابت، و ما يسير منها مجتمعا، و ما يسير منها فاردا، و ما يكون منها راجعا و مستقيما» (2).

و كل ذلك دفع العرب، منذ القديم، أن يرجعوا البصر في السماء، و ينظروا فيها إلى النجوم، و يرقبوا الشمس و القمر، ليعلموا علم حركاتها، و مواقع طلوعها و غروبها. فعرفوا من ذلك، على مر الزمن، أمورا كثيرة، و ربطوا بينها و بين حوادث الطبيعة، و جعلوها مواقيت لها. حتى أنهم نظموا لحركة القمر و سيره في السماء منازل معروفة محدودة، يجري القمر بينها في نظام معروف محدود. و راحوا ينسبون حوادث الطبيعة إلى طلوع هذه المنازل و غروبها وقت الفجر (3). و عرفوا أيضا عددا وافرا من الكواكب الثابتة مع مطالعها و مغاربها. و جعلوا لها أشكالا و صورا.

و سموها بأسماء خاصة ترد كثيرا في أشعارهم و أسجاعهم، مثل الثريا و الشعرى و سهيل و الدبران و العيوق و الفرقدين و السماكين و كشفوا أيضا أمر الكواكب السيارة، و ميزوها عن الكواكب الثابتة. و بذلك نشأ عندهم علم الأنواء و الأزمنة.

____________

(1) أي جهة الحاجة.

(2) كتاب الحيوان 6/ 30. و انظر الآثار الباقية للبيروني 332.

(3) كتاب الأنواء لابن قتيبة 7.

9

و قد ساق أبو عثمان الجاحظ في كتاب الحيوان أخبارا تدل على سعة معرفة العرب بالنجوم، و جودة نظام المعرفة، و تبين، في إيجاز حاسم، علة هذه المعرفة و جودتها.

قال: «و سئلت أعرابية، فقيل لها: أ تعرفين النجوم؟ فقالت: سبحان الله! أ ما أعرف أشباحا وقوفا علي كل ليلة؟ و قال اليقطري: وصف أعرابي لبعض أهل الحاضرة نجوم الأنواء، و نجوم الاهتداء، و نجوم ساعات الليل و السعود و النحوس.

فقال قائل لشيخ عبادي كان حاضرا: أما ترى هذا الأعرابي يعرف من النجوم ما لا نعرف! قال: ويل أمك، من لا يعرف أجذاع بيته؟ قال: و قلت لشيخ من الأعراب قد خرف، و كان دهاتهم: إني لأراك عارفا بالنجوم! و قال: أما إنها لو كانت أكثر لكنت بشأنها أبصر، و لو كانت أقل لكنت لها أذكر. و أكثر سبب ذلك كله، بعد فرط الحاجة، و طول المدارسة، دقة الأذهان، و جودة الحفظ» (1).

و جمع أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي الفلكي العربي المشهور (- 376)، في كتابه المعروف بالكواكب و الصور، أسماء الكواكب المستعملة عند عرب البادية، فبلغ عددها نحو مائتين و خمسين اسما (2). و لسنا في حاجة إلى دليل على سعة معرفة العرب بالنجوم أكبر من هذا الدليل.

و يمكن لنا استخلاص أكثر معارف العرب بالأنواء و الأزمنة من شعرهم القديم في الجاهلية و صدر الإسلام: فقد أكثر شعراء العرب من ذكر هذه الأمور في أشعارهم. و دواوينهم و الشواهد المأخوذة من شعرهم في كتب اللغة و غيرها تفيض‏

____________

(1) كتاب الحيوان 6/ 31

(2) علم الفلك، تاريخه عند العرب في المقرون الوسطى 107.

10

بذلك. و بعد الشعر تأتي الأخبار و الأحاديث و الشروح التي جمعها علماء الأدب و اللغة من البصريين و الكوفيين و غيرهم، أو وضعوها حول هذا الشعر، في القرنين الثاني و الثالث للهجرة، ثم تأتي بعد ذلك أمثال العرب و أسجاعهم الموضوعة خاصة لما يكون من حوادث الطبيعة في أنواء النجوم و مطالعها و مغاربها.

و في مصادرنا القديمة أمثلة مستفيضة من هذه الأمثال و الأسجاع التي تجمع إلى جمال الفكرة العلمية جودة السجع و حسن وقعه في النفوس و إرنانه في الآذان.

و نجد جملة صالحة من هذه الأمثال و الأسجاع في كتاب الأنواء (1) لابن قتيبة (266)، و كتاب الأزمنة و الأمكنة (2) لأبي علي المرزوقي (421)؛ و كتاب المخصص‏ (3) لابن سيده (458) نقلا عن كتاب الأنواء لأبي حنيفة الدينوري (286)، و هو مفقود لم يصل إلينا؛ و كتاب عجائب المخلوقات‏ (4) لزكريا بن محمد القزويني (682)؛ و كتاب المزهر في علوم اللغة للسيوطي (911)؛ و كتب اللغة المعروفة مثل كتاب لسان العرب و غيره.

و قد ساق أبو إسحاق ابن الأجدابي معظم هذه الأمثال و الأسجاع في ثنايا الباب الأخير من كتابه، و هو (باب معرفة الشهور الشمسية و أسمائها عند الأعاجم، و ما يحدث في كل شهر منها من طلوع المنازل أو سقوطها).

و في القرآن الكريم آيات فيها ذكر بعض الكواكب، و إشارات إلى منازل القمر، و غير ذلك من معارف العرب بالسماء و النجوم في القديم. فيمكن لنا بهذا أن نعد القرآن الكريم في عداد المصادر التي تمدنا بطرف يسير من هذه المعارف.

____________

(1) في أثناء كلامه على منازل القمر ص 17- 87.

(2) 2/ 179- 187.

(3) أنظر المخصص 9/ 15- 18،

(4) ص 42- 52.

11

على أن معرفة العرب في الجاهلية في موضوع الأزمنة و الأنواء كانت معرفة عملية، قائمة على التجربة المستمرة خلال السنين و الدهور، و مبنية على مجرد العيان، غير مستنبطة بالنظر العقلي و البحث العلمي، و لجهلهم علوم الرياضيات و الهندسة (1).

و لا يسعنا أن نغفل هاهنا عن الإشارة إلى أن العرب قد أخذوا شيئا من معارفهم في الأزمنة و الأنواء من جيرانهم من الأمم السامية الساكنة في البلاد الواقعة في شمال جزيرة العرب، و لا سيما أهل بابل من الكلدان سكان سواد العراق. فقد برع هؤلاء في الزمن السحيق في معرفة النجوم الثابتة و حركات الكواكب السيارة، لأنهم كانوا أهل زراعة و ري فيما بين النهرين: دجلة و الفرات، و كانوا على مبلغ كبير من الحضارة. و كانت القبائل العربية الضاربة في بوادي نجد و الحجاز، القريبة من سواد العراق، على علاقات وثيقة جدا بسكان السواد، منذ أقدم الأزمان. فلا يبعد، لذلك، أن يكون قد انتقلت أشياء من معارف أهل السواد إلي جيرانهم العرب، من اتصالهم بهم خلال العصور المتطاولة (2). و يغلب على الظن أن العرب قد استمدوا نظام منازل القمر من الكلدان أهل بابل‏ (3).

و تصور أهل بابل في القديم السماء سبع سماوات طباقا، بعضها فوق بعض.

و جعلوا في كل طبقة منها أحد الكواكب السيارة. و اعتبروا كل كوكب في سمائه كأنه الرب الساكن فيه. و قد انتشر هذا الرأي من بابل، و شاع عند الأمم الأخرى‏

____________

(1) الآثار الباقية للبيروني 238- 239. و الأزمنة للمرزوقي 2/ 179- 180

(2) علم الفلك، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى 121- 122.

(3) المصدر السابق في الموضع نفسه.

12

القديمة كاليونان و السريان و غيرهم. و أخذ به العرب في الجاهلية نقلا عن أهل بابل أيضا (1). يدلنا على ذلك جملة من الآيات وردت في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى:

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ‏ (2)؛ و مثل قوله: أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (3).

و نرى أن لفظ طباق، و مفردها طبقة، اللذين شاعا في اللغة العربية، و اكتسبا صفة المصطلح منذ القديم، و وردت أولاهما كذلك في القرآن الكريم، نرى أن أصلهما بابلي سامي، من كلمة طبقت‏Tupuqu t (4).

و يغلب على ظننا كذلك أن لفظ الفلك الذي شاع في اللغة العربية، و اكتسب صفة المصطلح منذ القديم أيضا، مثل كلمة طباق سواء، أصله بابلي أيضا، من كلمة بلكّ‏Pulukku (5).

هذا و قد استعمل العرب في الجاهلية السنة القمرية التي تدور شهورها في أيام السنة، و لا تثبت، لنقصان أيامها عن أيام السنة الشمسية. فكان الشهر من شهورهم يدور في فصول السنة المختلفة، خلال دورة زمنية معلومة. فبينا هو يوافق الصيف في سنة من السنين مثلا، إذا هو يوافي في الشتاء بعد سنوات. كما هي الحال في أيامنا هذه بالنسبة إلى السنة القمرية التي نسميها بالسنة الهجرية فشهر

____________

(1) المصدر السابق 105.

(2) سورة الطلاق 65/ 12.

(3) سورة نوح 71/ 14.

(4) علم الفلك، تاريخه عند العرب في القرون الوسط 105.

(5) المصدر السابق 105- 106.

13

الصوم رمضان مثلا يدور في فصول السنة، و لا يأتي في زمن معلوم لا يحول عنه في كل عام.

فكبس العرب سنتهم القمرية بطريقة خاصة، لتوافق شهورهم أيام السنة الشمسية. و تعلموا ذلك من اليهود (1) الذين وفدوا إلى الحجاز، و استوطنوه، بعد زوال دولتهم في بيت المقدس على أيدي الرومان، و تفرقوا في الأرض تحت كل كوكب.

____________

(1) الآثار الباقية للبيروني 11- 12، 62- 63، و انظر أيضا ص 325، 332 من الكتاب نفسه. و أنظر علم الفلك، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى 90- 100.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

الأنواء عند العرب في الإسلام‏

استقر العرب بعد الإسلام و الفتوح في البلاد المجاورة الواقعة في شمال جزيرة العرب. و لم يلبثوا، بعد الاستقرار، أن بدءوا يهتمون بشئون الحضارة و العمران، منذ أوائل القرن الثاني للهجرة. فأخذوا يدونون شعرهم و لغتهم، و يترجمون العلوم من اللغات الأخرى. و بذلك بدأت نهضة العرب الكبرى في القديم مع استحكام شأن الدولة العربية و ثبات أركانها.

و يغلب على ظننا أن أول كتاب ترجمه العرب من اللغة اليونانية إلى لغتهم هو كتاب عرض مفتاح النجوم المنسوب إلى هرمس الحكيم اليوناني و هو كتاب موضوع على تحاويل سني العالم، و ما فيها من أحكام النجوم‏ (1).

و قد اتسعت نهضة العرب الناشئة، و تعددت مناحيها، مع تقدم الأيام و استمرار نقل العلوم من اللغات الأخرى، حتى غدت حضارة زاهرة عظيمة في عهد بني العباس في بغداد، منذ أوائل القرن الثالث للهجرة، أي بعد مضي قرن من الزمان على بدء تكوينها.

و في هذه الأثناء زادت رغبة العرب في أحكام النجوم، و حبهم للاطلاع على الكتب الموضوعة في هذا الفن. حتى شاع بين الناس، و جرى على ألسنتهم القول الآتي: «إن العلوم ثلاثة: الفقه للأديان، و الطب للأبدان، و النجوم للأزمان» (2).

____________

(1) الفهرست 267، 312، 313،

(2) علم الفلك، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى 143.

16

و كان اهتمام أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني (158) بهذا الفن عاملا كبيرا في نهضته و تقدمه. فقد كان المنصور يقرب المنجمين، و يستشيرهم في أموره. و في خلافته نقل أبو يحيى البطريق كتاب المقالات الأربع في صناعة أحكام النجوم لبطلميوس‏ (1). و في عهده نشأ الفلكي العربي المشهور أبو إسحاق إبراهيم بن حبيب بن سليمان الفزاري. و هو أول عربي صنع اسطرلابا، و الف فيه كتابا (2).

و جاء إلى بغداد في سنة 154 وفد من السند في بلاد الهند. و كان في جملة هذا الوفد رجل هندي ماهر في معرفة حركات الكواكب و حسابها و سائر أعمال الفلك على مذهب علماء الهند، و لا سيما مذهب الكتاب الشهير المعروف بالسندهند. فكلف المنصور هذا الرجل بإملاء مختصر لهذا الكتاب. ثم أمر بترجمته إلى العربية، و استخراج كتاب منه يتخذ العرب أصلا في حساب حركات الكواكب، و ما يتصل به من الأعمال. فتولى ذلك أبو إسحاق الفزاري الفلكي المشهور (3).

و ترجمت كذلك كتب الفرس و اليونان في الهيئة. و أشهرها و أجلها كتاب المجسطي لبطلميوس اليوناني.

استمر العرب في نقل علوم الهيئة و النجوم من اللغات الأخرى. و تدارسوها و تدبروا ما فيها، حتى أتى حين من الدهر نشأت فيه طبقة من العلماء من العرب أنفسهم، يبتكرون أشياء جديدة في هذه العلوم، و يصححون الأخطاء التي وجدوها في الكتب المنقولة، و يستكملون النواقص التي لم يتنبه إليها العلماء القدامى، أو

____________

(1) الفهرست 273، 244.

(2) المصدر السابق 273، 284.

(3) تحقيق ما للهند من مقولة للبيروني 208، 211.

17

لم يصلوا إلى رأي قاطع فيها. و بذلك كانوا يضيفون لبنات محكمة إلى بناء الحضارة النامي على الأيام.

و من أشهر علماء العرب الذين اشتغلوا بعلم الهيئة و النجوم، و ألفوا فيها كتبا المنجم المشهور أبو معشر جعفر بن محمد البلخي (272). و قد ألف كتاب الأمطار و الرياح و تغير الأهوية، و وضعه على مذهب حكماء الهند (1). و منهم أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي (367)، و له كتاب الكواكب و الصور، أحصى فيه أسماء الكواكب التي كانت العرب يستعملونها في القديم. و أبو الريحان البيروني (440)، و أكبر كتبه كتاب الآثار الباقية من القرون الخالية، و كتاب القانون المسعودي. و هي كتب معروفة متداولة في أيامنا.

و كان يرافق نقل علوم الهيئة و النجوم من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية، ثم تأليف الكتب فيها مباشرة، تأليف كتب الأزمنة و الأنواء على مذهب العرب.

فقد وضع كثير من أئمة اللغة، منذ أواخر القرن الثاني و حتى أواخر القرن الرابع من الهجرة، كتبا في الأنواء، ذكروا فيها كل ما كان العرب يعرفونه في هذا الباب، و جمعوا أقوالهم فيها من الأشعار و الأسجاع و الأمثال. و أضافوا إليها ماجد في الإسلام من معارف في هذا الباب أيضا، مثل معرفة سمت القبلة في البلدان المختلفة، و مواقيت الصلوات و الصوم، و ما يتصل بذلك من مراقبة الشفقين و الفجرين، و طلوع الشمس و غروبها، و رؤية الهلال و غير ذلك من المعارف.

____________

(1) الفهرست 277.

18

و من أشهر هؤلاء اللغويين الذين عاشوا في القرن الثالث أو القرن الرابع من الهجرة و كتبوا كتبا في فن الأنواء:

1- أبو يحيى عبد الله بن يحيى بن كناسة (207).

2- أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي (216)

3- أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (276).

4- أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري (282). و كتابه أجود الكتب في فن الأنواء على مذهب العرب، و أتمها، يتضمن كل ما كان العرب يعرفونه عن السماء و النجوم و الأنواء و مهاب الرياح و تفصيل الأزمنة و غير ذلك من أمور هذا الفن‏ (1).

و جماع هذه الكتب مؤلفة على مذهب العرب في الأنواء، و ليس فيها شي‏ء من علوم الأمم الأخرى الذي ترجمت إلى اللغة العربية، إلا أشياء يسيرة جدا، لا يعول عليها في هذا الباب. و كتاب الأنواء لابن قتيبة، و هو مطبوع متداول في هذه الأيام، يقوم وحده دليلا كافيا على ما نقول. فكل ما فيه علي مذهب العرب، إلا ما أورده في باب (ذكر الأزمنة الأربعة و تحديد أوقاتها) (2)، و هو على مذهب أهل الحساب المحدث، و الأشياء يسيرة أخرى تفرقت في تضاعيف كتابه هنا و هناك.

ثم بدأ العلماء الذين كانوا يكتبون في الأنواء يدخلون في كتبهم فصولا كثيرة من معارف الأمم الأخرى في الأزمنة و الأنواء، كالسريانيين و العبرانيين‏

____________

(1) و انظر الجدول المرتب بأسماء العلماء الذين ألفوا كتبا في الأنواء

(2) كتاب الأنواء لابن قتيبة 100- 102.

19

و الفرس و اليونان و القبط، إلى جانب الفصول التي كانوا يكتبونها في الأنواء علي مذهب العرب. و كانوا يضيفون إلى كتبهم، فوق ذلك، أشياء أخرى مقتبسة من كتب علوم الهيئة و النجوم على مذهب أهل الحساب و الرصد.

و أفضل مثال لهذا النوع من كتب الأنواء هو كتاب الأزمنة و الأمكنة لأبي علي المرزوقي (421). فالباب الرابع من هذا الكتاب مثلا هو: (في ذكر ابتداء الزمان و أقسامه، و التنبيه على مبادئ السنة في المذاهب كلها، و ما يشاكل ذلك من تقسيمها على البروج). و الباب الخامس منه هو: (في قسمة الأزمنة و دورانها، و اختلاف الأمم فيها). و الباب السابع منه هو: (في تحديد سني العرب و الفرس و الروم، و أوقات فصول السنة). و لسنا نجد مثل هذه الأبواب في كتاب الأنواء لابن قتيبة.

و يوازن المرزوقي، فوق ذلك، بين معارف العرب في الأزمنة و الأنواء و بين معارف غيرهم من الأمم في تضاعيف كتابه، و يذكر أشياء كثيرة للأمم الأخرى ليشاكل بها ما يذكره للعرب، في مواضع كثيرة من كتابه الكبير. و لسنا نرى شيئا من مثل هذا في كتاب الأنواء لابن قتيبة أيضا.

و كان علماء الهيئة و النجوم، من جهتهم، يذكرون في كتبهم العلمية أطرافا من الأزمنة و الأنواء على المذاهب المختلفة كما فعل المؤلفون في الأنواء في الاقتباس من كتب علوم الهيئة و النجوم سواء. و نظرة منا عجلى إلى كتاب الآثار الباقية من القرون الخالية لأبي الريحان البيروني كافية لإدراك هذه الحقيقة. فقد ذكر البيرون، في كتابه هذا، سنة العرب و شهورهم، و منازل القمر عندهم، و أشياء أخرى في الأنواء على مذهبهم، و أورد كذلك، للأمم الأخرى، كثيرا من الأمور المشاكلة لذلك.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

كتاب الأزمنة و الأنواء لابن الأجدابي‏

قل التأليف في الأزمنة و الأنواء على مذهب العرب القدامى مع تراخي الأيام، و تصرم العصور. حتى كاد العلماء ينقطعون عن التأليف فيها انقطاعا تاما مع إطلالة القرن السادس للهجرة.

و في مكنتنا أن نحصر أسباب هذه الحقيقة في عاملين اثنين. أولهما أن العلماء الذين وضعوا كتبا في الأزمنة و الأنواء على مذهب العرب قد استنفدوا القول في هذا الباب، و لم يتركوا فيه مقالا يقوله متأخر يأتي بعدهم.

و العامل الثاني هو تطور علوم الهيئة و النجوم عند العرب، و تقدمها تقدما كبيرا، خلال القرون المنصرمة قبل القرن السادس للهجرة، و بلوغها أوج الإزدهار في هذا القرن و القرن السابع بعده، و هو القرن الذي نشأ فيه نصير الدين الطوسي (672)، و ألف كتابه تحرير المجسطي، و أقام المرصد الكبير في مراغة الواقعة في شمال إيران إلى الغرب. حتى غدت الأزمنة و الأنواء المعروفة على مذهب العرب القدامى شيئا ساذجا بسيطا، لا يكاد يذكر إلى جانب المعارف العظيمة التي بلغها علماء الهيئة العظام بالترجمة و الدرس و الرصد و الحساب طوال عصور متتابعة.

في هذا العصر الذي قل فيه التأليف في الأزمنة و الأنواء على مذهب العرب القدامى نشأ أبو إسحاق ابن الأجدابي، و ألف كتابه في الأزمنة و الأنواء، و هو هذا الكتاب الذي حققناه. و كان كتابه هذا هو الحلقة الأخيرة في سلسلة كتب الأزمنة و الأنواء الموضوعة على مذهب العرب. و لم نعرف كتابا وضع بعده في هذا الموضوع.

22

و يضم هذا الكتاب بين دفتيه زبدة علم الأزمنة و الأنواء عند العرب في الجاهلية و الإسلام، مضافا إليها فصول من هذا الفن أخذها العرب من الأمم الأخرى التي اتصلوا بها بعد الإسلام. و فصول أخرى مستمدة من علوم الهيئة و النجوم التي نشأت عند العرب بعد الإسلام أيضا. و نظرة نلقيها على فهرس أبواب الكتاب تنبئنا بحقيقة ما نذهب إليه في هذا الشأن. فالباب الثاني فيه مثلا باب (ذكر أيام السنة العربية، و أسماء شهورها)، و هو من معارف العرب في الجاهلية من فن الأنواء. و الباب العشرون فيه باب (في معرفة سمت القبلة في جميع الآفاق)، و هو مما حدث في الإسلام من هذا الفن. و الباب السابع فيه باب (في تاريخ الروم و السريان و أسماء شهورهم)، و هو مما أخذه العرب من غيرهم في الأزمنة. و الباب الخامس عشر فيه باب (في أوقات الفصول على مذهب أهل الرصد المحدث)، و هو مستمد من علوم الهيئة و النجوم، لا ريب.

و قد اتبع أبو إسحاق ابن الأجدابي خطة الإيجاز في تأليف كتابه هذا. فلم يحشر فيه الآراء المختلفة و النظريات المتضاربة حشرا، و لم يأخذها بحذافيرها، و لم يذكر تفاصيلها الجزئية الدقيقة. و إنما ذكر منها الخطوط العامة التي تحيط بالقضايا و المسائل الهامة. و عرض الأفكار الأساسية في الأبواب، في بساطة و يسر، و في لغة نقية سهلة، بعيدة عن التعقيد العلمي. و كأني به قد قصد من وضع كتابه إلى تبسيط فن الأزمنة و الأنواء و تقريبه من اذهان جمهور القراء في عصره، و لم يقصد به كبار العلماء من ذوي الاختصاص. فكان موفقا في عرض أبوابه و فصوله في صورة جميلة محببة إلى النفوس، فجاء كتابه لذلك مختصرا لطيفا، يمضي فيه القارئ مضيا سهلا، دون أن يصطدم فكره بمشكلات العلم الصعبة، أو يتعثر في مسالكه البعيدة المجهولة.

23

و كتاب ابن الأجدابي هذا ثالث ثلاثة كتب في الأنواء وصلت إلينا مما ألفه علماؤنا القدامى في هذا الفن. و الكتابان الآخران هما:

1- كتاب الأنواء لابن قتيبة المتوفى سنة 276 (1)

2- الأزمنة و الأمكنة لأبي علي المرزوقي المتوفى سنة 421 (2).

و قد ألمعنا إلى هذين الكتابين في الصفحات السابقة، و بينا، في إيجاز، قيمتهما و مكانهما بين الكتب المؤلفة في الأزمنة و الأنواء. فينبغي لنا هاهنا أن نقول شيئا في قيمة كتاب ابن الأجدابي في تفصيل و فضل بيان.

و قيمة هذا الكتاب متعددة الجوانب: فيها جانب علمي، و آخر أدبي، و جانب ثالث لغوي، و رابع تاريخي.

و تتجلى قيمته العلمية في بيان ما كان معروفا عند العرب في العصر الجاهلي من معارف في الأزمنة و الأنواء، ثم في بيان ما كان معروفا و مستعملا من هذا الفن في البيئة العربية بعد الإسلام إلى عصر المؤلف. و كثير من هذه الأمور التي أوردها المؤلف في كتابه ما زالت معروفة و مستعملة كذلك في أيامنا هذه، و لا سيما الأمور التي تتصل بالسنين و الشهور و فصول السنة على المذاهب المختلفة.

و قد أجاد المؤلف حقا في كلامه على الشهور السريانية التي كانت شائعة مستعملة في المشرق العربي في عصر المؤلف، و في كلامه على ما يكون فيها من المواسم الزراعية و غيرها. و ما زلنا نحن العرب نستعمل هذه الشهور في المشرق العربي إلى اليوم.

____________

(1) طبع في حيدرآباد في الهند سنة 1375/ 1956.

(2) طبع في حيدرآباد في الهند أيضا سنة 1332.

24

أما من الناحية الأدبية فالكتاب يفيدنا في فهم كلام العرب الذي ترد فيه أشياء عن الأزمنة و الأنواء من أشعارهم و أسجاعهم و أمثالهم في الجاهلية و الإسلام، و هي مبذولة مبثوثة في دواوين الشعراء و في كتب الأدب و اللغة. هذا إلى شواهد الشعر و النثر من كلام العرب التي نثرها المؤلف هنا و هناك في ثنايا كتابه، مع شرح لألفاظها؛ و إيضاح لمعانيها، في أغلب الأحيان.

و الباب الأخير من الكتاب، (و هو باب معرفة الشهور الشمسية و أسمائها عند الأعاجم، و ما يحدث في كل شهر منها من طلوع المنازل أو سقوطها) معرض حافل بأسجاع العرب التي قالوها في الأنواء و الأزمنة التي توافق طلوع النجوم الثابتة. و في هذه الأسجاع جمال أدبي خاص، غني بالموسيقى، ينشأ من رشاقة الألفاظ، و إيجاز العبارة، و إرنان السجع. مثل قولهم: «إذا طلع الذراع، كشفت الشمس القناع، و أشعلت في الأفق الشعاع، و ترقرق السراب بكل قاع». و مثل قولهم: «إذا طلع سهيل، برد الليل، و خيف السيل، و كان لأم الحوار الويل». و لم يهمل المؤلف شرح ألفاظ هذه الأسجاع، و إيضاح معانيها أيضا.

و أما في اللغة فالكتاب يفيض بالألفاظ الدائرة في موضوع الأزمنة و الأنواء كثيرا. و معظم هذه الألفاظ قد أصبحت من اصطلاحات هذا الفن مع الزمن. و من استقراء هذه الألفاظ في كتب الأزمنة و الأنواء التي وصلت إلينا، و في كتب اللغة معا، ثم من قياس بعضها ببعض بعد ذلك، يمكن لنا كشف التطور الذي طرأ على مدلولات هذه الألفاظ خلال العصور. و سيكون هذا الاستقرار سبيلا إلى وضع معجم لغوي يضم شتات هذه الألفاظ. كما سيكون هذا المعجم خطوة في سبيل وضع المعجم التاريخي للغة العربية. و ما أحوج العرب في نهضتهم الحديثة إلى مثل هذا المعجم.

25

و للكتاب أخيرا قيمة تاريخية. ذلك أنه يفيد الباحثين في مسألة تاريخ العلوم في الحضارة العربية، و يعتبر مرجعا قيما و وثيقة جيدة في أيدي هؤلاء الباحثين. و هذا إلى أنه يمثل منحى من مناحي الفكر العربي في مرحلة فسيحة من مراحل تاريخه الطويل المجيد.

و من استعراض هذه الجوانب من قيمة الكتاب يتجلى لنا مدى الفائدة التي يجنيها جمهور القراء من قراءة هذا الكتاب، بله العلماء من ذوي الاختصاص في الموضوعات التي تمت إلى فن الأزمنة و الأنواء بصلة أو صلات، مثل علم الفلك و الجغرافية و علم التقويم و الأرصاد الجوية، و بله علماء اللغة و الأدب و الباحثين في تاريخ العلوم و الحضارة عند العرب. فاللغوي يجد فيها معيناثرا من الألفاظ و المصطلحات في فن الأزمنة و الأنواء. و الأديب يجد فيه جلاء لنواح تغمض على فهم كثير من الناس في نصوص الأدب، و لا سيما الشعر القديم منه. و لسنا في حاجة بعد إلى ما يفيده منه مؤرخو العلوم و الحضارة العربية، بعد ما قلناه آنفا في بيان قيمته التاريخية.

و الكتاب مع هذا مرجع لكثير من المعارف التي ما زالت حية متداولة مستعملة في أيامنا الحاضرة. فما زال العرب في جميع أقطارهم، من المحيط إلى الخليج، يستعملون السنة العربية، و هي السنة القمرية التي ندعوها اليوم بالسنة الهجرية. و يستعملون كذلك السنة الشمسية في معظم أقطارهم. و الفصول و أوقاتها مثلا من المعارف الأولية البديهية التي لا يسع أحدا من الناس جهلها في حال من الأحوال. و هي مما يتعلمه الناشئة في مدارسهم أيضا. و أسماء الشهور السريانية في‏

26

بلاد الشام و العراق، و كذلك أسماء الشهور الرومية في مصر و أقطار المغرب العربي ما زالت مستعملة عند العرب إلى اليوم، و قد أصبحت ملكا لهم، لا ينزع منهم إلا الأبد.

27

ابن الأجدابي: حياته و ثقافته‏

هو الفقيه اللغوي أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن عبد الله الطرابلسي المغربي الأفريقي‏ (1). و يعرف بابن الأجدابي نسبة إلى اجدابية، و هي بلدة من نواحي افريقية، تقع قريبا من طرابلس الغرب، إلى الشرق منها قليلا.

و كان أسلافه ينسبون إليها، أما هو فقد كان من أهل طرابلس الغرب، نشأ فيها، و توفي هناك أيضا حوالي سنة 650.

اشتهر أبو إسحاق ابن الأجدابي بالعلم، و كانت له يد جيدة في اللغة و تحقيقها و إفادتها، فعرف لذلك بالاشتغال باللغة خاصة. و قد اتفقت على وصفه بذلك كل المصادر التي ترجمت له دون استثناء. و كان أديبا فاضلا، بلغ مبلغ الشيوخ في العلم، فتصدر للتعليم في بلده.

و ما كنا نعلم أن طرابلس الغرب كانت مركزا من مراكز الفكر و العلم، و ما كنا رأينا كذلك علماء كبارا لهم شأن في علم من العلوم ينشئون فيها. و لكن نشأة أبي إسحاق ابن الأجدابي في طرابلس الغرب، و اشتهاره بالعلم و التعليم فيها، و اشتغاله بالتصنيف في اللغة و غيرها من الفنون، يدل دلالة قاطعة على أن طرابلس الغرب كانت حقا مركزا للعلم، و ان لم تبلغ في ذلك مبلغ حواضر الحضارة و العمران الكبرى في المشرق و المغرب من مثل بغداد و دمشق و حلب و القاهرة و القيروان و قرطبة.

____________

(1) أنظر ترجمته في انباه الرواة 1/ 151، و معجم الأدباء 1/ 130، و معجم البلدان (اجدابية). و بغية الوعاة 178، و كشف الظنون 2/ 399، و هدية العارفين 1/ 10، و الاعلام 1/ 25، و بروكلمان 1/ 83، و ذيله 1/ 541.

28

و عرف أبو إسحاق ابن الأجدابي، إلى جانب اشتهاره بالعلم، بتصنيف الكتب، و الإحسان في التصنيف. و قد ذكرت له المصار الكتب التالية:

1- كفاية المتحفظ، و هي مقدمة لطيفة مختصرة في اللغة. و قد اشتهرت، و اشتغل بها الناس في مصر و المغرب.

2- كتاب الأنواء، و هو كتاب الأزمنة و الأنواء هذا الذي حققناه.

3- اختصار نسب قريش لأبي عبد الله ابن الزبير، مع زوائد و إلحاقات تشتمل على فوائد.

4- شرح ما آخره ياء من الأسماء، و بيان اعتلال هذه الياء.

5- كتاب الرد على تثقيف اللسان في اللغة.

6- كتاب العروض، و هو صغير.

7- كتاب العروض، و هو كبير.

8- المختصر في علم الأنساب.

و لكن هناك شي‏ء يلفت نظرنا و يسترعي انتباهنا بالنسبة إلى هذه الكتب، و هو أن المصادر نعتت أغلب هذه الكتب بما يفيد أنها صغيرة الحجم مختصرة، إلى جانب وصفها بالجودة و النفع. و قد رأينا ذلك حقا حين الكلام آنفا على خطة ابن الأجدابي في تأليف كتاب الأزمنة و الأنواء. و السبب في ذلك، فيما نرى، أن البيئة

29

العلمية في طرابلس الغرب، بلد ابن الأجدابي، كانت ضيقة الحدود، لا تستدعي منه التطويل و التفصيل في التأليف، و يبدو أن أفراد هذه البيئة كانوا يكتفون بأصول العلوم و أسسها، و لا يتطلبون استيعاب الجزئيات و الدقائق وراء ذلك.

هذا إلى أن عادة وضع الكتب المختصرة في العلوم كانت أصلا من أصول التأليف عند العرب، اتبعه العلماء لغاية التعليم و التيسير، منذ القديم. و لكن اتباع هذا الأصل قد شاع و ذاع بعد القرن الرابع للهجرة، بسبب تأسيس المدارس للتعليم في المدن، فكانت هذه المختصرات كالكتب المدرسية في أيامنا، و بسبب انتشار الثقافة بين أوساط الناس، و ازدياد جمهور المثقفين ثقافة وسطا. حتى أن الشيخ من الشيوخ كثيرا ما كان يضع كتابين اثنين في علم من العلوم، يجعل أحدهما مختصرا، يقصد به المبتدئين في التعلم، و يجعل الثاني جامعا مطولا، يضم اشتات العلم. و يحيط بأطرافه.

و قد اتبع أبو إسحاق ابن الأجدابي نفسه هذه الطريقة في بعض كتبه. فقد رأيناه يضع كتابين اثنين في فن العروض، أحدهما صغير، أي مختصر بسيط، و الثاني كبير، أي مطول مفصل.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

مخطوطة الأنواء و عملنا فيها

وقفت على نسخة مخطوطة فريدة من كتاب الأزمنة و الأنواء لأبي إسحاق ابن الأجدابي بين مخطوطات الشيخ اسماعيل صائب سنجر المحفوظة الآن في مكتبة كلية اللغات في جامعة أنقرة. و هي ضمن مجموع صغير عدد أوراقه 64 ورقة، تشغل منها الأوراق 52- 61، و لا أخت لهذه النسخة في العالم، فيما نعلم.

و هي نسخة جيدة، على وجه العموم، بالرغم من كثرة التصحيف، و شيوع الغلط فيها. و قد كتبت في حلب سنة 742 بخط معتاد، مشكول بعض الشكل، و رسمت فيها الأبواب بالحمرة، و بحرف أكبر. قياسها 18 13 سم، و مسطرتها 19 سطرا. و قد خرمت منها بضع و رقات. و سنشير إلى ذلك في موضعه.

كانت غايتي في تحقيق الكتاب تصحيح متنه أولا، و شرح مسائله التي تحتاج إلى الشرح ثانيا.

فسعيت جهدي، في سبيل هذه الغاية المزدوجة، إلى تصحيح التصحيفات التي كثرت في ثنايا الكتاب، و تقويم الأغلاط التي شاعت بين سطوره. و معظم هذه التصحيفات و الأغلاط من ضلال النسخ على الأغلب. ثم عملت، بقدر طاقتي، على إكمال ما اعتوره من نقص و سقط في بعض المواضع. و استعنت في ذلك بكتب الأنواء، و رجعت إلى كتب اللغة و الأدب. و أثبت ذلك كله في حواشي الكتاب.

ثم عدت إلى الكتاب كرة أخرى، بعد تحرير متنه، فشرحت كثيرا من مسائله و مصطلحاته، موضحا غامضها، و مفصلا موجزها، دون الإكثار من التفاصيل،

32

و دون الانسياق وراء الدقائق الجزئية في الموضوع. و اعتمدت في ذلك بعض المصادر و الأصول في موضوع الأزمنة و الأنواء و ما إليها، مثل كتاب الأنواء لابن قتيبة، و كتاب الأزمنة و الأمكنة لأبي علي المرزوقي، و كتب أبي الريحان البيروني، و غيرها.

هذا و لم أهمل، مع ذلك، تخريج الشواهد التي استشهد بها المؤلف في ثنايا الكتاب من أحاديث الرسول، و اشعار العرب و أسجاعهم و أمثالهم. و شرحت منها ما كان في حاجة إلى شرح. و أوردت كذلك صلاتها، زيادة في إيضاحها و توثيقها.

و صنعت للكتاب، وراء ذلك، فهارس فنية عديدة، بقصد تيسير الإفادة منه بأقل جهد و أقرب سبيل.

33

[51 ب- 52 أ] من الأصل المخطوط. و فيه اسم الكتاب و اسم مؤلفه‏

34

[52 ب- 53 أ] من الأصل المخطوط. و هو أول الكتاب.

35

[59 ب- 60 أ] من الأصل المخطوط. و فيه موضع النقص الذي أشرنا إليه في المقدمة

(و صورة السمكة المذكورة في ص 66)

36

[90 ب- 91 أ] من الأصل المخطوط. و هو آخر الكتاب‏

37

الأزمنة و الأنواء

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

[مقدّمة المؤلّف‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. و هو حسبي الحمد للّه ربّ العالمين، و صلى اللّه على محمد خاتم النبيين، و على آل محمد الطيّبين، و صحبه الأكرمين، و سلّم عليهم أجمعين.

هذا كتاب مختصر أودعناه أبوابا حسنة في علم الأزمنة و أساساتها. و الفصول و أوقاتها، و مناظر النجوم و هيئاتها، بأوضح ما أمكننا من التبيين، و بأسهل ما حضرنا من التقريب. و باللّه نستعين على ما نحاول‏ (1) من جميع أمورنا، و إليه يرغب في التوفيق لما يرضيه عنا. و حسبنا اللّه، و عليه توكّلنا.

____________

(1) في الأصل المخطوط. نجاول، و هو تصحيف.

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

باب معرفة الأصل في حساب الأزمنة

الزمان ينقسم عند جميع الأمم بأربعة أقسام:

القسم الأوّل منها يسمّى ساعة، و الثاني يسمّى يوما، و الثالث يسمّى شهرا، و الرابع يسمّى سنة.

فأمّا الساعة فهي جرذ من أربعة و عشرين جزءا من الزمان الجامع الليل و النهار جميعا.

و أمّا اليوم فيستعمل على وجهين: أحدهما أن يجعل اسما للنهار خاصة.

و الوجه الآخر أن يكون اليوم اسما للمدّة الجامعة للزمانين جميعا، أعني الليل و النهار.

و يختلف في ابتدائه‏ (1). فأمّا العرب فابتداء اليوم عندهم من غروب الشمس، و انقضاؤه عند غروبها مرة ثانية. و أمّا العجم فابتداء اليوم عندهم من طلوع الشمس إلى طلوعها مرة أخرى.

و اليوم قسمان: ليل و نهار. و هما يتساويان في المقدار تارة و يختلفان أخرى.

فإذا كانت الشمس في أوّل الحمل أو في الميزان كانا متساويين‏ (2). و إذا كانت الشمس في نصف الفلك الشمالي، و هو من الحمل إلى آخر السّنبلة، و هو من الميزان إلى آخر الحوت، كانت مدّة الليل أطول.

____________

(1) أنظر القانون المسعودي 63، 64.

(2) و يكون هذا في الانقلابين الربيعي و الخريفي. تحل الشمس بأول برج الحمل فيكون الانقلاب الربيعي، و يتساوى الليل و النهار. و حين تحل الشمس بأول برج الميزان يكون الانقلاب الخريفي، و يتساوى الليل و النهار أيضا.

42

و أمّا الشهر فاختلف حساب الامم فيه‏ (1). فمنهم من يجعل الشهر مدّة مسير القمر من حين يفارق الشمس إلى أن يفارقها مرة أخرى‏ (2). و ذلك تسعة و عشرون يوما، و نصف يوم، و ثلثا ساعة على التقريب، إلّا أنّ إثبات هذا الكسر غير ممكن، فأسقطوه من بعض شهورهم، و أكملوا في بعضها يوما. فصار بعض شهورهم ثلاثين يوما، و بعضها تسعة و عشرين يوما لا غير. و هذا مذهب العرب و العبرانيين من العجم و اليونانيين‏ (3).

و منهم من لا يعتبر مسير القمر، و يبني حسابه على مسير الشمس‏ (4) بمقدار برج من بروج الفلك. و ذلك ثلاثون يوما، و ثلث يوم، و سدس يوم على التقريب.

و هذا مذهب الروم و السّريانيين و القبط (5).

و أمّا السّنة فهي المدّة الجامعة للفصول الأربعة التي هي الربيع و الصيف و الخريف و الشتاء. و مقدارها عند الروح و السّريانيين اثنا عشر شهرا شمسية، قد أكمل الكسر في بعضها فصار أحدا و ثلاثين يوما، و أسقط من بعضها فصار ثلاثين يوما لا غير. و مقدارها عند القبط اثنا عشر شهرا شمسية، قد أسقط الكسر من جميعها، فصار كلّ شهر منها ثلاثين يوما؛ و يزيدون على ذلك خمسة أيام تسمّى‏ (6) النّسي‏ء (7) عوضا من الكسور التي أسقطت من كلّ شهر.

____________

(1) في الأصل المخطوط: الأمة، و هو غلط.

(2) أنظر القانون المسعودي 67- 68.

(3) المصدر نفسه 69.

(4) أنظر القانون المسعودي 67- 68.

(5) المصدر نفسه 69.

(6) في الأصل المخطوط: يسمى، و هو غلط.

(7) يريد المؤلف بالنسي‏ء هاهنا كبس الأيام الخمسة التي تزيد عن شهور سنة القبط و إلحاقها سنتهم. و كانوا يلحقونها في كل سنة بعد شهر مسرى، و هو آخر شهور سنتهم، و يسمون ذلك (أبو غمنا) أي الشهر الصغير. و كانوا يكبسون أرباع اليون الزائدة في كل أربع سنين. فيكون (أبو غمنا) ستة أيام كل أربع سنوات.

(أنظر لذلك الآثار الباقية 49- 50، و القانون المسعودي 76).

43

و مقدار السّنة عند العرب اثنا عشر شهرا قمرية. و كذلك هي عند العبرانيين و اليونانين. إلّا أن هؤلاء يزيدون في كلّ ثلاث سنين من سنيهم شهرا، فتكون الثالثة من سنيهم أبدا ثلاثة عشر شهرا قمرية يسمّونها الكبيسة. و ربما كانت زيادتهم لهذا الشهر في مد سنتين، لأنهم يفعلون ذلك في كلّ تسعة عشر سنة تسع مرات‏ (1). يفعلون ذلك في السّنة الثالثة من هذا الدور، و في السنة السادسة منه، و في السّنة الثامنة منه، و في السّنة الحادية عشرة، و في السنة الرابعة عشرة، و في السنة السابعة عشرة و في السّنة (2) التاسعة عشرة، و هي آخر الدّور، ثم يبتدئون دورا ثانيا، فيفعلون فيه كما فعلوا في الدّور الذي قبله. و هذا الدّور هو الذي يسمّى بلغة الروم فيلبس‏ (3).

و إنما فعلوا ذلك ليستوي لهم حساب القمر مع حساب الشمس، فتكون شهورهم ثابتة (4) في الأزمنة غير منتقلة عن أوقاتها من الفصول الأربعة. و ذلك أن السّنة إذا جعلت اثني عشر شهرا قمريّة كانت أنقص من السّنة الشمسية بأحد عشر (5) يوما على التقريب، فتصير شهورها لأجل ذلك دائرة في الفصول الأربعة، غير مستقرة فيها، يكون الشهر منها في زمن شدّة البرد، ثم يرى بعد ذلك في زمن شدّة الحرّ.

____________

(1) أنظر تفصيل ذلك و إيضاحه في الآثار الباقية 53- 55.

(2) في الأصل المخطوط: سنة، و هو غلط.

(3) في الأصل المخطوط: القنقلس، و لم أدر ما هو و لم أجده في المظان التي رجعت إليها، و أغلب الظن أنه غلط، صوابه ما أثبتناه، و أخذناه عن القانون المسعودي 93 لأبي الريحان البيروني.

قال البيروني: «... فيسمي اليهود دور التسعة عشر محزورا. و كل دور من الأدوار المنسوبة إلى فيلبس و شيعته المذكورة في تاريخ المجسطي يشتمل على أربعة محازير فيكون سنوها ستا و سبعين ...»

و فيلبس هذا هو ملك مقدونية على الأغلب، و هو أبو الإسكندر الكبير المقدوني.

(4) في الأصل المخطوط: تانية، و هو تصحيف.

(5) في الأصل المخطوط: بإحدى عشرة، و هو غلط

44

و قد كانت العرب في الجاهلية تفعل مثل هذا، و تزيد في كل ثالثة من سنيها شهرا (1)، على نحو ما ذكرناه عن العبرانيين و اليونانيين.

و كانوا يسمّون ذلك النّسي‏ء. و كانت سنة النّسي‏ء ثلاثة عشر شهرا قمريّة.

و كانت شهورهم حينئذ غير دائرة في الأزمنة، كان لكلّ‏ (2) شهر منها زمن معلوم لا يعدوه. فهذا كان فعل الجاهلية حين أحدثوا النّسي‏ء، و عملوا به. فلما جاء الله تعالى بالإسلام بطل ذلك، و حرم العمل به، فقال: إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ (3). و قال عزّ و جلّ‏ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ‏ (4). فسنة العرب اليوم اثنا عشر شهرا قمريّة دائرة في الأزمنة الأربعة.

____________

(1) أشار إلى ذلك أبو الريحان البيروني في الآثار الباقية 62 و أوضحه، قال «و كانوا في الجاهلية يستعملونها على نحو ما يستعمله أهل الإسلام (أي الشهور). و كان يدور حجهم في الأزمنة الأربعة. ثم أرادوا أن يحجوا في وقت إدراك سلعهم من الأدم و الجلود و الثمار و غير ذلك، و أن يثبت ذلك على حالة واحدة، و في أطيب الأزمنة و أخصبها. فتعلموا الكبس من اليهود المجاورين لهم (أي في يثرب كما ذكر في القانون المسعودي). و ذلك قبل الهجرة بقريب من مائتي سنة.

فأخذوا يعملون بها ما يشاكل فعل اليهود من إلحاق فضل ما بين سنتهم و سنة الشمس شهرا بشهورها إذا تم ..

و يسمون هذا من فعلهم النسي‏ء، لأنهم كان ينسئون أول السنة في كل ستين أو ثلاث شهرا، على حسب ما يستحقه التقدم». و انظر أيضا الآثار الباقية 11- 12، 325، و القانون المسعودي 92، 131 و التفسير الكبير لفخر الدين الرازي 4/ 447.

هذا و قد أنكر المستشرق الأستاذ كرلونلين الإيطالي مسألة النسي‏ء بمعنى كبس الشهور عند العرب لموافقة السنة الشمسية، و ناقش الآراء و الروايات الوارد بذلك، وردها كلها. و منها آراء أبي الريحان البيروني، في كتابه «علم الفلك، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى»

و قال نلينو: (ص 92- 93) «فلا مرية أن هذه الأخبار بوجود الكبس و كيفيته عند عرب الجاهلية جميعها من باب مجرد الظن و التخمين، ذهب إليه الفلكيون في عهد لم يقف فيه أحد على حقيقة النسي‏ء. و قال أيضا في آخر كلامه على هذا الموضوع (ص 104): «فاتضح مما تقدم أن معرفة حقيقة النسي‏ء قد اندرست تماما نحو منتصف القرن الأول للهجرة، كما اندرست معرفة غيره من آثار الجاهلية».

و انظر الصفحات 87- 104 من كتاب نلينو المذكور، ففيه تفصيل و بيان يحسن الاطلاع عليهما:

(2) في الأصل المخطوط: كل، و هو غلط.

(3) تمام الآية: «يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عاماً، وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ ...» سورة التوبة 9/ 37.

(4) تمام الآية: «..... فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ 9 أَنْفُسَكُمْ ...» سورة التوبة 9/ 36.

45

باب ذكر أيام السنة العربية و أسماء شهورها

السنة العربية ثلاثمائة و أربعة و خمسون يوما، و خمس (يوم) و سدس يوم، و ذلك أحد عشر (1) جزءا من يوم، على أن اليوم ثلاثون جزءا. و يجتمع من هذه الأجزاء يوم كامل، و ذلك في الأكثر من ثلاث سنين إلى ثلاث سنين. ففي كلّ سنة ثالثة من سني العرب يوم زائد يجعل في آخر ذي الحجّة. و تسمّى تلك السّنة كبيسة. و يكون أيامها ثلاثمائة يوم و خمسة و خمسين يوما.

و شهور العرب اثنا عشر شهرا، و هذه أسماؤها و عدّة أيام كلّ شهر منها (2).

أوّلها المحرّم، و هو ثلاثون يوما. ثم صفر، و هو تسعة و عشرون يوما. ثم ربيع الأوّل، و هو ثلاثون يوما، ثم ربيع الآخر، و هو تسعة و عشرون يوما. ثم جمادى الأولى، و هو ثلاثون يوما. ثم جمادى الآخرة، و هو تسعة و عشرون يوما. ثم رجب، و هو ثلاثون يوما. ثم شعبان، و هو تسعة و عشرون يوما. ثم رمضان، و هو ثلاثون يوما. ثم شوّال، و هو تسعة و عشرون يوما، ثم ذو القعدة، و هو ثلاثون يوما. ثم ذو الحجّة، و هو تسعة و عشرون يوما. و إذا كانت السّنة كبيسة كان ذو الحجّة ثلاثين يوما.

____________

(1) في الأصل المخطوط: إحدى عشر، و هو غلط.

(2) أنظر الآثار الباقية 60، 61، 69، 325، 335.

46

فهذا الذي رسمه أهل الحساب في مقادير الشهور العربية (1)؛ و هو مبنيّ على حساب المفارقة (2).

و لم تكن العرب تعمل به، و إنما كان اعتمادهم على الأهلّة. فكانوا يفتحون الشهر إذا رأوا الهلال، و يجعلون ابتداءه من أوّل الليلة التي ظهر فيها الهلال.

و كانوا يسمّون تلك الليلة غرّة الشهر لكون الهلال في أوّلها كالغرّة في وجه الفرس. ثم لا ينقضي الشهر عندهم حتى يروا الهلال كرّة أخرى، فيبتدئون حينئذ شهرا ثانيا.

قال الشاعر:

إذا ما سلخت الشّهر أهللت مثله‏* * * كفى قاتلا سلخي الشّهور و إهلالي‏

(3)

يقال: سلخت الشهر إذا خرجت منه. و انسلخ الشهر إذا انقضى. و أهللت الهلال إذا رأيته. فهكذا كانت العرب تعمل في حساب شهورها.

____________

(1) و هو ليس بواقع دائما، و لا يوافق الرؤية، رؤية هلال الشهر، على الأكثر. و قد رد أبو الريحان البيروني على أهل الحساب في هذا الموضوع، و بين غلطهم، و حمل عليهم حملة منكرة لفعلهم هذا، و قال فيهم: «ثم منذ سنين نبتت نابتة و نجمت ناجمة و نبغت فرقة جاهلية، فنظروا إلى أخذهم بالتأويل ...»

أنظر الآثار الباقية 64- 68، و سيشير المؤلف إلى ذلك بعد قليل.

(2) أي مفارقة كل شهر ما قبله بزيادة يوم أو نقصانه، كما ذكر المؤلف. فتكون ستة أشهر من السنة تامة و ستة ناقصة، و كل شهر ناقص منها يتلو تاما. و هو ليس بواقع دائما كما قلنا آنفا. الآثار الباقية 65.

(3) في الأصل المخطوط: هللت، و هو غلط، و التصويب من اللسان. و فيه أيضا: قائلا، و هو تصحيف.

و البيت في اللسان (سلخ).

و قال في اللسان: «التهذيب: يقال سلخنا الشهر، أي خرجنا منه، فسلخنا كل ليلة عن أنفسنا جزءا

47

ثم جاء الإسلام فثبّت ذلك، و ألزم به في الصّوم و الفطر و الحجّ. و وقع عليه التعويل و الاحتساب به في التاريخ، و فيما يحدث‏ (1) (في) شهور العرب من المواقيت و الآجال التي تجري بين الناس. قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ: هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ» (2) و قال رسول الله، (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قد ذكر شهر رمضان: لا تصوموا حتّى ترووا الهلال، و لا تفطروا حتّى تروه. فإن غمّ عليكم فاقدروا له‏ (3)، و في رواية أخرى «فأكملوا العدّة ثلاثين»، و هي مفسّرة للرواية الأخرى‏ (4).

فحساب المفارقة ربما وافق الرؤية، و ربما خالفها (5). و خلافه لها هو الأكثر.

فيكون أوّل الشهر في حساب المفارقة متقدّما للرؤية بيوم في الأغلب، و ربما تقدّمها بيومين، و هو قليل.

____________

(1) في الأصل المخطوط: مجدد، و هو تصحيف.

(2) سورة البقرة 2/ 189.

(3) أنظر الحديث في الأنواء 129، و النهاية 3/ 193، 262، و اللسان (قدر، غمم).

غم عليكم: يريد غم عليكم الهلال، أي إذا حال دون رؤيته غيم أو غيره فلم ير، من غممت الشي‏ء إذا غطيته.

و فاقدروا له: أي قدر روا له المسير و المنازل (الأنواء 129).

و التقدير له كما ذكر ابن قتيبة «أن يكون إذا غم على الناس ليلة ثلاثين، في آخر شعبان، بأن تعرف مستهله في شعبان لليلته. و يعلم أنه يمكث فيها سنة أسباع ساعة من أولها، ثم يغيب. و ذلك في أدنى مفارقته للشمس. و لا يزال في كل ليلة يزيد على مكثه في الليلة التي قبلها ستة أسباع ساعة. فإذا كان في الليلة السابعة غاب في نصف الليل.

و إذا كان في ليلة أربع عشرة طلع مع غروب الشمس، و غرب مع طلوعها. ثم يتأخر طلوعه عن أول ليلة خمس عشرة ستة أسباع ساعة. و لا يزال في كل ليلة يتأخر طلوعه عن الوقت الذي طلع فيه في الليلة التي قبلها ستة أسباع ساعة إلى أن يكون طلوعه ليلة ثمان و عشرين مع الغداة. فإن لم ير صبح ثمان و عشرين علم أن الشهر ناقص، و عدته تسعة و عشرون يوما. و إن رئي علم أن الشهر تام، و عدته ثلاثون».

الأنواء 129- 130 و الأزمنة 2/ 366- 367.

(4) ذكر ابن قتيبة أن هذا حديث آخر من رواية ابن عباس ناسخ للحديث الأول الذي هو من رواية ابن عمر. الأنواء 129 و الأزمنة 2/ 367. و انظر فصل (ذكر القمر) من باب النجوم السيارة الآتي من هذا الكتاب.

(5) شرح أبو الريحان البيروني ذلك في تفصيل و فضل بيان في الآثار الباقية 65- 66، قال: «فأما أصحاب الهيئة و من تأمل الحال بعناية شديدة فإنهم يعلمون أن رؤية الهلال غير مطرد على سنن واحد، لاختلاف حركة القمر المرئية بطيئة مرة و سريعة أخرى، و قربه من الأرض و بعده، و صعوده في الشمال و الجنوب، و هبوطه فيهما، و حدوث كل واحد من هذه الأحوال له في كل نقطة من فلك البروج. ثم بعد ذلك لما يعرض من سرعة غروب بعض القطع من فلك البروج، و بطء بعض، و تغير ذلك على اختلاف عروض البلدان، و اختلاف الأهوية .. و تفاوت قوى بصر الناظرين إليه في الحدة و الكلال ... و إن ذلك كله يتفنن بتزايد عروض البلدان و تناقصها، فيكون الشهر تاما في البلدان الشمالية مثلا، و ناقصا هو بعينه في الجنوب منها، و بالعكس. ثم لا يجري ذلك فيها على نظم واحد، بل يتفق فيها أيضا حالة واحدة بعينها لشهر واحد مرارا متوالية و غير متوالية ..»

48

باب ذكر أس السنة العربية

الأسّ معناه الأصل. فاسّ السّنة عدد يتّخذ أصلا لمعرفة أوائل شهورها.

و يسمّى علامة السّنة أيضا.

فمن أهل الحساب من يعتبر (1) أسّ السّنة بأوّل يوم منها، فيجعل الاسّ واحدا إن كان أوّلها يوم الأحد، و يجعلها اثنين إن كان أوّلها الاثنين، و ثلاثة إن كان أوّلها الثّلاثاء. ثم على هذا المثال بقيّة الأيام.

و منهم من يعتبر أسّ السّنة بآخر يوم من السّنة التي قبلها. و هو في العربية آخر يوم من ذي الحجّة، و في العجمية (2) آخر يوم من أيلول. فإن كان آخر يوم من السّنة الأحد كان أسّ السّنة الداخلة واحدا، و إن كان آخرها يوم الاثنين كان أسّ السّنة الداخلة اثنين. و محصول ذلك أنّ أسّ السّنة هو عدد ما مضى من قبلها من أيام الأسبوع، على أن أوّل الأسبوع يوم الأحد. و بهذا المذهب أخذنا في كتابنا هذا.

فإذا أردت معرفة أسّ السّنة العربية فخذ ما مضى من سني‏ (3) الهجرة بالسّنة التي تريد معرفة أسّسها (4)، فأسقط منها أربعمائة و عشرين. و ما بقي فألقه ثلاثين ثلاثين. و خذ لكلّ ثلاثين ألقيتها خمسة، و اعرف ما يجتمع‏

____________

(1) في الأصل المخطوط: تعتبر.

(2) يريد المؤلف بالسنة العجمية السنة الرومية أو السريانية، كما يذكر في آخر. باب ذكر أيام السنة الشمسية). و هو يريد هاهنا السنة السريانية المستعملة في المشرق العربي، و يذكر المؤلف العجم و العجمية غير مرة في كتابه، و يقصد بذلك غير العرب بصورة عامة ..

(3) في الأصل المخطوط: سنين، و هو غلط.

(4) في الأصل المخطوط: اسمها، و هو تصحيف.

49

لك من الحساب و احفظه؛ و ما لم يتمّ ثلاثين فلا تأخذ له شيئا، و لكن ألقه ثمانية ثمانية. فما بقي من واحد إلى ثمانية فاضربه في أربعة؛ معنى ذلك أن تزيد عليه ثلاثة أمثاله. ثم انظر ما يجتمع منه. فإن كان أكثر من أحد عشر، أو أقلّ من اثنتين‏ (1) و عشرين، فزد عليه واحدا. و إن كان أكثر من اثنتين‏ (1) و عشرين فزد عليه اثنين. ثم أضف إليه ما حفظته من الحساب المأخوذ من كل ثلاثين، و ألق الجميع سبعة سبعة. فما بقي من واحد إلى سبعة فهو أسّ السّنة العربية التي حسبت لها محقّقا إن شاء الله تعالى.

____________

(1) في الأصل المخطوط: اثنتي، و هو غلط.

50

باب في علامات الشهور العربية و معرفة أوائلها

اعلم أنّ علامة الشهر هو أسّه الذي يعرف به أوّله، و هو عدّة ما يفضل من أيام الشهور التي قبله إذا ألقيت أسابيع، و أضيف إلى ذلك أسّ الشهر الأوّل، و هو المحرّم. و لمّا كان المحرّم أوّل شهور السّنة، و لم يكن قبله شهر يستخرج منه أسّه جعلت علامته واحدا، لأن الواحد أوّل الأعداد، فجعل علامة لأوّل الشهور.

فإذا أردت أن تعرف علامة شهر غيره فانظر ما مضى قبله من الشهور. فكلّ شهر عدّته ثلاثون فخذ منه اثنين، و كلّ شهر عدّته تسعة و عشرون فخذ منه واحدا، و لا تأخذ من الشهر الذي تريد معرفة علامته شيئا، و أضف ما أخذت من الشهور بعضه إلى بعض، و زد عليه علامة المحرّم التي هي واحد، ثم ألق ما يجتمع سبعة سبعة. فما بقي دون سبعة أو سبعة فهي علامة الشهر الذي حسبت له.

فإذا عرفت علامة الشهور، و أردت أن تعرف أوائلها، فخذ علامة الشهر الذي تريد معرفة أوّله، و أضفها إلى أسّ السّنة التي منها ذلك الشهر، و ألق من مجموعها سبعة إن كان فيه أكثر، و ما بقي فعدّ على عدده من يوم الأحد، فاليوم الذي ينتهي إليه حسابك هو أوّل ذلك الشهر على المفارقة، و ربما كان موافقا للرؤية.

51

باب معرفة الكبيسة من سني العرب‏

إذا أردت ذلك فاستخرج أسّ السّنة التي تريد أن تعرف أ كبيسة هي أم لا.

ثم زد عليه أربعة، و ألق مما (1) يجتمع سبعة إن كان فيه أكثر، و ما بقي فاحفظه.

ثم استخرج أسّ السّنة التي بعدها، و قايس بينه و بين ما حفظت من أسّ السّنة الأولى بعد أن زدت عليه أربعة، فإن اتّفقا فالسنّة التي زدت على أسّها أربعة غير كبيسة، و إن اختلفا فهي كبيسة. و ليس يكون اختلافهما (2) أبدا إلا بزيادة واحدة في أسّ السّنة الثانية، فتصير هذه الزيادة مثلا على زيادة الكبيس في السّنة الأولى.

و اعلم أن في كل ثلاثين سنة من سني العرب إحدى عشرة (3) كبيسة و هي السّنة الثانية من كل ثلاثين، و السّنة الخامسة و الثامنة، و العاشرة، و الثالثة عشرة، و السادسة عشرة، و التاسعة عشرة، و الحادية و العشرون. و الرابعة و العشرون، و السابعة و العشرون و التاسعة و العشرون‏ (4) فإذا ألقيت سني الهجرة ثلاثين ثلاثين، حتى يكون الباقي منها ثلاثين أو دونها كان الكباس من السنين الباقية معك على ما سمّيت لك. فاعلم ذلك.

____________

(1) في الأصل المخطوط: ما، و هو غلط.

(2) في الأصل المخطوط: اختلافها، و هو غلط.

(3) في الأصل المخطوط: عشر، و هو غلط.

(4) في الأصل المخطوط: و عشرون، و هو غلط.

52

باب ذكر أيام السنة الشمسية

السّنة الشمسيّة ثلاثمائة يوم و خمسة و ستون يوما و ربع يوم. و هي مدّة قطع الشمس الفلك. و ذلك وقت حلولها بأوّل جزء من برج الحمل‏ (1) إلى وقت حلولها به مرة أخرى. و هذا الوقت هو ابتداء سيرها في الفلك. و كلما حلّت الشمس برأس الحمل فقد انقضت سنة من سني الشمس، و دخلت سنة أخرى.

و سنة الشمس هذه منقسمة أرباعا. فالربع الأوّل منها يسمّى الربيع، و الربع الثاني منها يسمّى الصيف، و الربع الثالث منها يسمّى الخريف، و الربع الرابع يسمّى الشتاء.

و اعلم أنّ الروم و السّريانين و القبط بنوا حساب أزمنتهم على مسير الشمس.

فجعلوا مدّة سنتهم ثلاثمائة يوم و خمسة و ستين يوما. و زادوا و المكان الربع الذي فس سنة الشمس يوما في كلّ سنة رابعة. فاتّفق حسابهم و حساب الشمس، لأن كلّ أربع سنين من سنيهم مساوية (2) في عدّة الأيام لأربع سنين شمسية؛ و صارت شهورهم من أجل ذلك ثابتة في أزمنة الشمس، غير منتقلة عن مواضعها منها.

____________

(1) في الأصل المخطوط بعد هذا: إلى وقت حلولها بأول جزء من برج الحمل، و هي زيادة لا لزوم لها، و نراها من ضلال النسخ.

(2) في الأصل المخطوط: متساوية، و هي تصحيف.

53

إلّا أنهم لم يجعلوا ابتداء سنتهم موافقا لابتداء سنة الشمس بل افتتح كلّ فريق منهم السّنة في وقت من سنة الشمس غير موافق لأوّلها. فكان افتتاح السّريانيين سنتهم في الربع الثالث من سنة الشمس، و هو فصل الخريف‏ (1)، و الشمس حينئذ ببرج الميزان. و كانت الروم في أوّل أمرها موافقة لهم على ذلك، ثم افتتحت الروم السّنة بعد ذلك في الربع الآخر من سنة الشمس، و هو فصل الشتاء (2)، و الشمس حينئذ ببرج الجدي. و افتتحت القبط سنتها (3) في الربع الثاني من سنة الشمس، و هو فصل الصيف‏ (4) و الشمس حينئذ ببرج السّنبلة.

و إنما خصصنا هؤلاء بالذكر، دون غيرهم من العجم‏ (5)، لأن حسابهم هو المحفوظ في بلاد المسلمين، و المستعمل فيها. و أشهر ذلك و أغلبه على استعمال الناس حساب الروم و السّريانيين‏ (6). و عليه اعتمدنا في كتابنا هذا في تحديد (7)

____________

(1) قال المسعودي في التنبيه و الإشراف 15 في تعليل ذلك:

«و منهم من اختار تقديم الاعتدال الخريفي لأن جميع الثمار فيه تستكمل، و البذور فيه تبذر. و إنما سمي الخريف لأن الثمار تخترف فيه، أي تجتني. و العرب تسميه الوسمي بالمطر الذي يكون فيه و ذلك أن أول المطر يقع على الأرض و هي بعيدة العهد بالرطوبة، و قد يبست بالصيف، فتسميه بهذا الإسم لأنه يسم الأرض. و هو يبتدئون من الأزمان بهذا الفصل لأن المطر الذي به عيشهم فيه يبتدئ».

(2) افتتح الروم سنتهم بهذا الفصل بسبب ميلاد المسيح، (عليه السلام). ذكر المؤلف ذلك في آخر الباب التالي، و هو (باب في تاريخ الروم و السريانيين ...) و قال" «و كان أول شهر دخل بعد مولد المسيح يناريه، فجعل أول السنة في التاريخ المنسوب إليه».

(3) في الأصل المخطوط: سنينها، و هو تصحيف.

(4) قال المسعودي في الإشراف و التنبيه 15 في تعليل ذلك: «و منهم من اختار تقديم الانقلاب الصيفي، لأنه الوقت الذي فيه كمال طول النهار، و أن مد النيل بمصر فيه يكون».

(5) يريد المؤلف بالعجم غير العرب من الأمم.

(6) اشتهر حساب الروم و شاعت أسماء شهورهم في المغرب العربي. و اشتهر حساب السريان و شاعت شهورهم في المشرق العربي. و سيذكر المؤلف ذلك بعد قليل. و السريان هم نصارى الشام و العراق (الآثار الباقية 59).

و قال أبو الريحان البيروني: «و قد اشتهرت هذه الشهور (أي السريانية) حتى استظهر بها المسلمون، و قيدوا بها ما احتاجوا إليه من أوقات الأعمال». الآثار الباقية 60.

(7) في الأصل المخطوط: تجديد، و هو تصحيف.

54

أوقات تداخل الفصول‏ (1)، و أوقات الطلوع و السقوط، و غير ذلك مما يحدث في الأزمنة، و يختصّ بوقت من أوقات السّنة.

و إذا وقع لنا ذكر السّنة العجمية فمرادنا بذلك سنة الروم و السّريانيين و شهورهم. و هم متّفقون في حسابهم، ليس بينهم اختلاف، إلا في أسماء الشهور.

فإن السّريانيين يسمّونها بلغتهم، و الروم يسمّونها بلغتهم. و هي مستعملة في بلاد المسلمين بكلتا اللغتين. فأهل الشام و الجزيرة يستعملونها بلغة السّريانيين، و أهل الأندلس و صقلّية و إفريقيّة و ما اتّصل بها يستعملونها بلغة الروم. و سنذكر أسماءها بلغة الفريقين‏ (2). ثم نذكر أسماء شهور القبط (3) التي يستعملها أهل مصر، إن شاء الله تعالى.

____________

(1) أي دخول الفصول.

(2) ذكر المؤلف ذلك في (باب تاريخ الروم و السريانيين و أسماء شهورهم و هو الباب التالي و ذكره أيضا في (باب معرفة الشهور الشمسية و أسمائها عند الأعاجم و ما يحدث في كل شهر منها من طلوع المنازل و سقوطها) و هو الباب الأخير من الكتاب.

(3) ذكر المؤلف ذلك في الباب الأخير من الكتاب أيضا مفرقا في الأوقات التي تدخل فيها شهور القبط من شهور السريان.

و شهور القبط هي:

توت، بابه، هتور، كيهك، طوبه، أمشير، برمهات، برمودة، بشنس، بونه، أبيب، مسرى.

و أنظر الآثار الباقية 49- 50، و نهاية الأرب 1/ 159- 161.

و القبط يبدءون سنتهم بشهر توت، و دخوله يوافق أبدا يوم 29 آب.

55

باب في تاريخ الروم و السريانيين و أسماء شهورهم‏

قد ذكرنا أنّ السّنة عند الروم و السّريانيين ثلاثمائة يوم و خمسة و ستون يوما و ربع يوم مثل سنة الشمس سواء. فأمّا شهورهم فهي اثنا عشر شهرا استوفوا فيها أيام السّنة، فصارت مختلفة في العدّة. و هذه أسماؤهم بلغة كل فريق منهم‏ (1)، و عدّة أيام كلّ شهر منها.

أوّلها: تشرين الأوّل بلغة السّريانيين، و اسمه بلغة الروم أكتوبر، و هو أحد و ثلاثون يوما.

ثم تشرين الثاني، و اسمه بلغة الروم نونبر، و هو ثلاثون يوما.

ثم كانون الأوّل، و اسمع بلغة الروم دجنبر، و هو أحد و ثلاثون يوما.

ثم كانون الآخر، و اسمه بلغة الروم يناريه، و هو أحد و ثلاثون يوما.

ثم شباط، و هو بلغة الروم فبراريه، و هو ثمانية و عشرون يوما.

ثم آذار، و اسمه بلغة الروم مارسه، و هو أحد و ثلاثون يوما.

ثم نيسان، و اسمع بلغة الروم أبريل و هو ثلاثون يوما.

ثمّ أيّار، و اسمه بلغة الروم مايه، و هو أحد و ثلاثون يوما.

____________

(1) أسماء الشهور السريانية بعضها عبراني الأصل، أخذوها من اليهود، لأن السريان مزجوا بين شهور الروم و شهور اليهود (أنظر الآثار الباقية 59). أما أسماء شهور الروم فإن أصولها لاتينية.

و انظر لأسماء شهور السريان الآثار الباقية 59- 60، و نهاية الأرب 1/ 160- 163، و لأسماء شهور الروم الآثار الباقية 50- 51، و نهاية الأرب 1/ 160- 161.

و انظر أيضا (باب معرفة الشهور الشمسية و أسمائها) في هذا الكتاب، و هو آخر أبوابه.

56

ثم حزيران، و اسمه بلغة الروم يونيه، و هو ثلاثون يوما.

ثم تمّوز، و اسمه بلغة الروم يوليه، و هو أحد و ثلاثون يوما.

ثمّ آب، و اسمه بلغة الروم أوسه، و بعضهم يسمّيه أغشت، و هو أحد و ثلاثون يوما.

ثمّ أيلول، و اسمه بلغة الروم شتنبر، و هو ثلاثون يوما

و اعلم أنّهم لما وجدوا في أيام السّنة كسرا، و هو الربع الزائد على ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما أسقطوا ذلك الكسر، لأن إثباته يؤدّي إلى فساد و اختلاط في حساب الشهور. إذ لو ثبت في آخر شهر لانكسر سائر الشهور التي بعده، و لم يقع تداخلها (1) في أوائل الأيام. ثم لم يسقطوا هذا الكسر إسقاط ترك و إلغاء، لأن ذلك يخلّ بالغرض الذي قصدوه من مواطأة (2) حساب الشمس، و لكنهم جعلوه موقوفا ينتظرون اتّحاده، لأنه يزيد في كل سنة رابعة (3) من سنيهم يوما، و يجعلونه في آخر شباط، و يسمّون تلك السّنة كبيسة (4) فتكون‏ (5) أيام السّنة الكبيسة ثلاثمائة يوم و ستة و ستين يوما و يكون شباط فيها تسعة و عشرين يوما (6).

____________

(1) يعنى دخول الشهور، أي ابتداؤها.

(2) في الأصل المخطوط: مواطلة، و هو تصحيف.

(3) في الأصل المخطوط: أربعة، و هو غلط.

(4) أنظر الآثار الباقية 10.

(5) في الأصل المخطوط، فيكون.

(6) و قد ذكر أبو الريحان البيروني علة جعل الكبس في شباط فقال: «و إنما أضيف- الكبس إلى شباط دون غيره من الشهور لأن آذار الأول و هو شهر كبس اليهود في العبور (العبور كبس شهر واحد في كل مائة و عشرين سنة) يقع فيه و حواليه».

أنظر الآثار الباقية 252.

و ذكر أيضا علة جعل شباط ثمانية و عشرين يوما: «ثم إنهم كانوا قصدوا قبل ذلك كبش شهر بيوم في كل أربع سنين.

فراموا تمييزه من سائر الشهور لمخالفة عدد أيامه عدد أيامها في كل حال من حالتي السنة، و امتنع المرام فيه لو كان زائدا (أي 31 يوما) أو تاما (أي 30 يوما) أو ناقصا (أي 29 يوما)، و أمكن فيه لو كان قاصرا عن الناقص بيوم، أو مزيدا على الزائد بيوم. لكن القاصر أقرب إلى الشهر الحقيقي الذي هو القمري، و يزداد اقترابا منه و من الشهر الشمسي في سنة الكبس. و المزيد على الزائد أبعد عنه، و يزداد عند الكبس تباعدا عن كليهما. فاستقر الأمر على أن جعلوه لذلك ثمانية و عشرين يوما». أنظر القانون المسعودي 74- 75. و انظر لذلك أيضا الآثار الباقية 251.