الجواهر الثمينة في محاسن المدينة

- محمد كبريت الحسيني المدني المزيد...
248 /
3

ترجمة المصنف‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

هو محمد بن عبد اللّه بن محمد مولده و وفاته بالمدينة.

هو من أحفاد شرف الدين بن يحيى الحمزي الحسيني المولوي المشهور بمحمد كبريت.

أديب قام برحلة إلى الروم [تركيا] سنة 1039 ه، ألف فيها: رحلة الشتاء و الصيف (ط) و زار دمشق و القاهرة و من كتبه:

- الجواهر الثمينة في محاسن المدينة. و هو كتابنا هذا.

- [حاطب ليل‏] كبير جدّا.

- نصر من اللّه و فتح قريب ط. فيه تراجم بعض فضلاء المدينة.

- و الزنبيل اختصر به الكشكول للعاملي.

- و العقود الفاخرة في أخبار الدنيا و الآخرة.

- بسط المقال في القيل و القال.

توفي (رحمه اللّه) سنة 1070 ه.

انظر/ ترجمته في:

خلاصة الأثر (4/ 28)

إيضاح المكنون (1/ 182)

الأعلام للزركلي (16/ 240)

كتبه السيد/ محمد علي بيضون صاحب دار الكتب العلمية.

4

وصف المخطوط للمحقق‏

بفضل اللّه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوّا أحد عثرنا لهذا الكتاب الجليل على مخطوطتين إحداهما في دار الكتب المصرية و الثانية في معهد المخطوطات و ثم ضبط نص الكتاب منهما:

وصف النسخة المرموز لها ب «أ»:

و هي نسخة المعهد المصورة من رضا رمبور و رقمها (3619) و رقم الفيلم 3033 عدد أوراقها [113] خطها واضح.

وصف النسخة المرموز لها ب «ب»:

و هي نسخة خطها واضح و مقروء رقمها 7370

و لا يسعني في النهاية إلا أن أقدم الشكر لمشايخي:

الشيخ: جاد الرب رمضان. (رحمه اللّه)-، الشيخ الحسين الشيخ و الشيخ محمد أنيس عبادة (رحمه اللّه)، و الدكتور كمال عبد العظيم العناني. و الشكر للسيد محمد علي بيضون صاحب دار الكتب العلمية بيروت حفظه اللّه.

طالب العلم/ محمد حسن محمد حسن أ، محمد فارس‏

5

[نموذج من صور المخطوط]

صورة غلاف النسخة «ب»

6

صورة الصفحة الأولى من النسخة «ب»

7

صورة الصفحة الثانية من النسخة «ب»

8

صورة من النسخة «ب»

9

صورة من النسخة «ب»

10

صورة من النسخة «ب»

11

[مقدمة مولف‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

(1) وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏ [آل عمران: 157] الحمد للّه‏ (2) الذي حبب إلينا المدينة، و جعلها من أفضل البقاع الأمينة فنحن من جوار هذا النبي الأمين. من حصن جمع بين شرقي المكان و المكين. أحمده على أن خصنا بملازمة بابه، و الوقوف على أعتابه حمد من عرف أن الكل من عنده. وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏ [الإسراء: 44] و إني إذا لم أجتمع [بجناية] (3) أمر على أبوابه فأسلم و أشكره على نعمة الجوار. و جار الدار أحق بدار الجار. و الجار محسوب على جيرانه جار الكريم مسامح من ذنبه و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أن سيدنا و سندنا محمدا عبده و رسوله و حبيبه [و خليله‏] المبعوث بأشرف الأديان و أكمل الملل النبيّ المرسل. الكريم [المفضل‏] (4) المنادى من الأزل يا محمد. قد [اصطفيناك‏] (5) من الكتاب الأول فما

____________

(1) الباء فيه قيل: إنها زائدة فلا تحتاج إلى ما تتعلق به، أو للاستعانة أو للمصاحبة متعلقة بمحذوف اسم فاعل خبر مبتدأ محذوف أو فعل أي: أؤلف أو أبدأ أو حال من فاعل الفعل المحذوف أي أبتدى‏ء متبرّكا و مستعينّا باللّه أو مصدر مبتدأ خبره محذوف أي ابتدائي باسم اللّه ثابت. و اللّه: علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، و أكثر أهل العلم على أنه اسم اللّه الأعظم. و الرحمن الرحيم: اسمان بنيا للمبالغة من رحم بتنزيله منزلة اللازم أو بجعله لازمّا و نقله إلى فعل بالضم. انظر القاموس المحيط للفيروزأبادي (4/ 292، 344) نهاية المحتاج للشمس الرملي (1/ 16- 20).

(2) افتتح المصنف- (رحمه اللّه)- بعد التيمن بالبسملة بحمد اللّه تعالى أداء لحق شي‏ء مما يجب عليه من شكر نعمائه التي تأليف هذا الكتاب أثر من آثارها و اقتداء بالكتاب العزيز، و عملا بخبر: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم اللّه الرحمن الرحيم فهو أقطع» و في رواية «بالحمد للّه» و في رواية «بالحمد»، و في رواية «كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد للّه فهو أجزم» أخرجه أبو داود و غيره و حسنه ابن الصلاح و غيره. و معنى ذي بال: أي حال يهتم به. و في رواية للإمام أحمد:

«ما لا يفتتح بذكر اللّه فهو أبتر و أقطع».

انظر نهاية المحتاج للشمس الرملي (1/ 24).

(3) ثبت في ب [يجنى‏].

(4) سقط من «ب».

(5) ثبت في «ب» [اصفيناك‏].

12

أعظم قدرك عندنا و أفضل. آدم من دونه تحت لوائك يوم الأرض تبدل، لك الشفاعة و اللوى‏ (1) و الحوض و كل من الأنبياء [يستغيث‏] (2) لنفسه و يسأل فما أسعد من توسل به و نادى الشفاعة أيا من من الشفاعة المعول و الشفاعة يا من يستغيث به [المكروب إذا ضاقت به الحيل‏] (3) الشفاعة يا من قال له جبريل (عليه السّلام) [ها أنت و ربك‏] (4) فدنا و تدلى و الصلاة و السلام على من أبرز من [خدر الغيب شموس‏] (5) معاني عباراته الزاخرة، و اطلع من أفق المثاني أقمار [لطائف إشاراته‏] (6) الفاخرة. اللهم انا نستوهبك [طيب‏] (7) صلواتك و طيب تسليماتك بهذا السيد الذي زينت سماء معجزاته بكواكب خطابك الناقب و نشرت مناشير بنيانه من آفاق المشارق و المغارب و لمؤازريه الذين [نثروا] (8) شمل أعدائه، و نظموا قواعده، صلاة تكون لنا صلة و بأجمل العوائد عائدة.

اللهم صلي و سلم عليه و على إخوانه من الأنبياء و المرسلين و آله [و أصحابه‏] (9) و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين [آمين‏] (10).

أما بعد: (11)

فلما كانت المدينة الشريفة مسقط رأسي و رياضها الوريقة منبت غراسي بلاد بها ينطق على [تماه‏] (12). و أول أرض مس جلدي ترابها فلا برحت تزهو على الأفق بابها [و لا يهمى‏ (13) في ...] (14) الرياض سحابها. و كيف لا فهي مهابط الوحي و منازل النبوة و مساقط الكرم و مغارس الفتوة و منارة النفوس و الجواهر و الرياض [الحسناء] (15) بل الروضة الغناء [بادرتها] (16) المواطن:

بلدة ما رأيتها قط إلا* * * قلت هذي أرضي و مسقط رأسي‏

____________

(1) في أ [يسأل‏].

(2) حديث الشفاعة: متفق عليه: أخرجه البخاري في التوحيد (13/ 403- 404) الحديث (7410)- و مسلم في الإيمان (1/ 180- 181)- الحديث (322/ 193) و ابن ماجه في الزهد (2/ 1442- 1443)- الحديث (2/ 43) و الإمام أحمد في مسنده (3/ 142- 143)- الحديث (12160)- (13569).

(3) غير مقروء في «أ».

(4) سقط من «ب».

(5) سقط من «ب».

(6) في أ [لطائم المنارة].

(7) ثبت في أ، ب [صبب‏].

(8) ثبت في أ [نشروا].

(9) ثبت في ب [و صحبه‏].

(10) سقط من «ب».

(11) تسمى فصل الخطاب. انظر/ السبع كتب مفيدة لعلوي السقاف (ص/ 62).

(12) ثبت في أ [تماتمى‏].

(13) قال في القاموس: همى الماء و الدمع يهمى هميا و هميا و هميانا و العين صبت دمعها. انظر/ القاموس المحيط للفيروزأبادي (4/ 404).

(14) ثبت في «أ» [و لا زال يهمني من‏].

(15) ثبت في ب [الحسني‏].

(16) ثبت في أ [باكرتها].

13

لست أشكر [بها] (1) من العيش إلا* * * أنني لا أزال في جلاسي‏

[يدنو لي‏] (2) مع السماحة و ما* * * و هو متهم يزيد من إيناسي‏

[فتهادى‏] (3) في حرزطة مقيم‏* * * و مسائي ما بين ورد و آسي‏

يا خليلي من دون كل خليل‏* * * و أنيسي من دون أهلي و ناسي‏

بلغ المصطفى بها من سلام‏* * * و ثناء معطر الأنفاس‏

فهو سؤلي من الأنام جميعا* * * طوق جيدي أمنيتي تاج راسي‏

لا [تخيل‏] (4) الأيام صدق ولائي‏* * * و اعتقادي من طيب أصل غراسي‏

فعلى كل من يحل بناديه‏* * * و جمع الرقاق و الجلاس‏

من آله الأنام ألف و ألف‏* * * من سلام تام بغير قياس‏

و لقد جاء [في‏] (5) الأثر عن سيد البشر «حب الوطن من الايمان» (6):

____________

(1) سقط من «ب»

(2) ثبت في ب هكذا [بدأ و إلى‏].

(3) ثبت في ب [فتهارى‏].

(4) ثبت في ب [تحيل‏].

(5) سقط من «ب».

(6) قال الحافظ العجلوني: قال الصاغاني:

موضوع. انظر/ كشف الخفاء للعجلوني (1/ 413).

قال الحافظ السخاوي: لم أقف عليه و معناه صحيح. انظر/ المقاصد الحسنة (ص/ 195).

قال الحافظ العجلوني: ورد القاري قوله [و معناه صحيح‏] بأنه مجيب قال: إذ لا تلازم بين حب الوطن و بين الإيمان. قال ورد أيضا بقوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ‏- الآية، فإنها دلّت على حبهم وطنهم، مع عدم تلبسهم بالإيمان، أن ضمير عليهم للمنافقين، لكن انتصر له بعضهم بأنه ليس في كلامه أنه لا يحب الوطن إلا مؤمن و إنما فيه أن حب الوطن لا ينافي الإيمان. أه.

قال الحافظ العجلوني: كذا نقله القاري ثم عقبه بقوله: و لا يخفي أن معنى الحديث حب الوطن من علامة الإيمان و هي لا تكون إلا إذا كان الحب مختصّا بالمؤمن، فإذا وجد فيه و في غيره لا يصلح أن يكون علامة. قوله: [و معناه صحيح‏] نظرّا إلى قوله تعالى حكاية عن المؤمنين‏ وَ ما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا، فصحّت معارضته بقوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا- الآية. الأظهر في معنى الحديث إن صح مبناه أن يحمل على أن المراد بالوطن الجنة فإنها المسكن الأول لأبينا آدم على خلاف فيه أنه خلق فيها أو أدخل بعد ما تكمل و أتم، أو المراد به مكة فإنها أم القرى و قبلة العالم، أو الرجوع إلى اللّه تعالى على طريقة الصوفية فإنه المبدأ و المعاد كما يشير إليه قوله تعالى: وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏ أو المراد به الوطن المتعارف و لكن بشرط أن يكون سبب حيه صلة أرحامه، أو إحسانه إلى أهل بلده من فقرائه و أيتامه، ثم التحقيق أنه لا يلزم من-

14

و من المحبة نشر المحاسن‏* * * و التشبيب بذكر الأماكن‏

أعد ذكر من حل الغضايا معدني‏* * * و أنا [ضربوا] (1) بالأضالع و الصدر

لا تنس سكان العقيق و إن هم‏* * * على و جنتي أجدره في مدة [الهجر] (2)

خطر ببالي. و لاح في خيالي. أن أذكر بعض محاسنها و أتعرض [لذكر بعض أماكنها و اشبب باللوى و العقيق‏] (3) و النقا و الفريق طور ... أيمان إذا لاقيت ذا يمن.

و إن لقيت معديا فعدناني و قد بدا لي أن يكون هذا المجموع البديع وصفه المنيع جمعه مبنيّا على مقالتين و خاتمة و من اللّه تعالى المسئول حسن الخاتمة. فإذا تجلت شموسه و انجلت عروسه سميته الجواهر الثمينة. من محاسن [أهل‏] (4) المدينة و باللّه التوفيق محاسن تهدي المادحين لوضعها فيحسن فيها منهم النثر و النظم و إذا نفحته نوافح القبول من حضرة السيد الرسول و عوذت محاسن هذه الرسالة بالمرسلات و ارتشف من زهر منثورها المطلول قطر النبات فالأولى بها حيث اشتملت على [أخبار] (5) ديار المصطفى و هو في الحقيقة حبيب القلوب على الإطلاق و انبأت عن آثار أزهارها مآثر النبوة و الصفاء و لا غرو أن تتأرج بهذه الأنفاس المدينة أرجاء الأفاق:

كرر حديثك مخطئا و مصيبا* * * إن كان عهدك بالديار قريبا

فلقد رجعت إلى القلوب بروح ما* * * حدثت أرواحنا و قلوبا

____________

- كون الشي‏ء علامة له اختصاصه به مطلقا بل يكفي غالبا، ألا ترى إلى حديث حسن العهد من الإيمان و حب العرب من الإيمان مع أنهما يوجدان في أهل الكفران. اه. قال الحافظ السخاوي:

و مما يدل لكون المراد به مكة ما روى ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: لما خرج النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- من مكة فبلغ الحجفة اشتاق إلى مكة فأنزل اللّه: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ قال: إلى مكة. قال:

و للخطابي في غريب الحديث عن الزهري قال: قدم أصيل بالتصغير الغفاري على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- من مكة قبل أن يضرب الحجاب فقالت له عائشة كيف تركت مكة؟ قال: اخضرت جنباتها، و ابيضت بطحاؤها و اغدق إذخرها و انتشر سلمها- الحديث، و فيه فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- حسبك يا أصيل لا تحزنيّ. و في رواية «فقال له النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- ويها يا أصيل تدع القلوب تقر». انظر/ كشف الخفاء للعجلوني (1/ 413- 414) المقاصد الحسنة للسخاوي (ص/ 195).

(1) ثبت في أ [أضرموه‏].

(2) ثبت في ب [البحر].

(3) سقط من «ب».

(4) سقط من «ب».

(5) سقط من «ب».

15

أن تلحظها عيون العناية الرحمانية. و تشملها سوابق الرعاية الصمدانية [فتندرج‏] (1) في خزائن الملك المؤبد بالسعد فلا برح قائد اهتمامه المسدد بالتوفيق إلى أقوم طريق فلا زال رفيقه من رحيله و مقامه أو كما قال:

ملك كان الشمس ضوء جبينه‏* * * متهلل [الإمساء (2)] و الإصباح‏

و إذا حللت [ببابه‏] (3) و رواقه‏* * * فأنزل بسعد و ارتحل بنجاح‏

أو كما قال:

ملك إذا عاينت نور جبينه‏* * * فارقته و النور فوق جبيني‏

و لو التثمت‏ (4) يمينه و برزت من‏* * * أبوابه لغم الأنام يميني‏

أعظم من تفخر الأساطين بتقبيل أعتابه و تتباهى السلاطين بخدمة أبوابه. أكرم من أنام الأنام في ظل عدله. و أحيا ميت الإعدام بوافر إحسانه و فضله. مظهر [آيات‏] (5) الألطاف الربانية. مصدر أنوار العنايات الرحمانية. مطرح الأزهار الملكوتية. مسطمح الأنظار اللاهوتية باسط بساط العدل و الانصاف. هادم أساس الجور و الإعتساف. ناصر الشريعة القويمة [مالك‏] (6) [المسالك‏] (7) المستقيمة ظل اللّه تعالى الوريف الممتد على القوي و الضعيف صاحب القرآن السعيد و إسكندر الزمان المديد، الذي أجار الآثام من جور الأيام و أسبل على الأمة سوابغ الكرم و النعمة الأقاليم بأقلامه، و أمنت الأيام من أيامه، ناشر ألوية العدالة و الأمان الممتثل بنص‏ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ [النحل: 90].

نادى به الملك حتى قيل ذا ملك‏* * * دنا به العدل حتى قيل ذا بشر

سقى به اللّه دنيانا فأخصبها* * * و العدل يفعل ما لا يفعل المطر

هو مولانا السلطان الأعظم. و الخاقان المكرم، صاحب البند (8) و العلم و السيف و القلم. سلطان البرين و البحرين خادم الحرمين الشريفين السلطان ابن السلطان [بن السلطان‏] (9) الملك المظفر المعان. مولانا السلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان بن‏

____________

(1) ثبت في «أ» [فشد عرج‏].

(2) غير مقروءة في «أ».

(3) غير مقروءة في «أ».

(4) أي شددت. انظر/ القاموس المحيط (4/ 174).

(5) سقط من أ.

(6) غير مقروءة في أ.

(7) غير مقروءة في أ.

(8) البند: العلم الكبير. انظر/ القاموس المحيط للفيروزأبادي (1/ 279).

(9) سقط من «ب».

16

السلطان محمد خان بن السلطان مراد خان بن السلطان سليم خان بن السلطان سليمان خان بن السلطان سليم خان بن السلطان بايزيد خان السلطان محمد خان بن السلطان مراد خان بن السلطان محمد خان بن السلطان بايزيد خان بن [بلدرم‏] (1) السلطان مراد الغازي بن السلطان أورخان بن السلطان عثمان خان عليهم الرحمة و الرضوان من الرحيم الرحمن.

أولئك الناس إن عدوا و إن ذكروا* * * و من سواهم فلغو غير معدود

لو خلد الدهر ذا عز لعزته‏* * * كانوا أحق بتعمير و تخليد

اللهم أيد الإسلام و أعل كلمة الإيمان بدوام دولة هذا الملك الذي [أقيمت‏] (2) بدولته شعار الدين و أخمدت بصولته نار الملحدين و عمرت بأيامه البسيطة و جعلت ملائكة النصر برايته محيطة اللهم اجعل فروع دولته من أيامه الزاهية الزاهرة يانعة و بهجتها فوق مطالع البدور الباهية الباهرة طالعة و زد من شأنه عظمة و علوّا و اجعل الجوزاء دون منازل مقداره [عزّة] (3) و سموا ما دامت حبول عزمه من ميادين الظفر سابقة و رياض [هممه‏] (4) بعيون كرمه ناضرة باسقة و همته العلياء في البأس و الندى و من الفضل لم تبرح مدى الدهر فائقة فإن براعة استهلاله زاد اللّه تعالى من جلاله برعت أولا ببديع نظامه، و لم تتخلص من الحقيقة إلى مديح غيره و لا تكلمت إلا بحسن ختامه و حيث كانت الثريا أقرب تناولا من ذلك المرام كما يقضي بصدق هذه الدعوى [عز] (5) شرف المقام.

[فيا دارها] (6) بالخيف ان [مزارها] (7)* * * قريب

و لكن دون ذلك أهوال‏

و كان يقال تمني العلا سهل و إدراكه صعب و من تجاوز حده تعرض بجميعه للعطب و كان يقال: أين الماء من السماء و أين موقع السيل من مطلع سهيل أين ورقاء العرش من عنق العرش. أين من فلك المعاني فلك الصورة. و أين من بحر اللآلي‏ء بحر الفكر و أين مطلع صباح البصائر من مطلع صباح الأبصار هذا أفق يتعاقب فيه شمس و قمر و ذاك أفق كله شموس و أقمار و دون رسم الديار حد بسيوف. مانع من دنا لسجف خباء. [لا تخافوا] (8) فلو دنوت إليها أحرقتني أشعة الاحتواء، و بالجملة فما مزية التقرب‏

____________

(1) سقط من «ب».

(2) ثبت في أ [دامت‏].

(3) ثبت في ب [عزّا].

(4) ثبت في ب [همه‏].

(5) ثبت في أ [عزة].

(6) ثبت في ب [دارنها].

(7) ثبت في ب [فرر بها].

(8) ثبت في ب [لا تخافون‏].

17

إلى ابن داود برجل الجراد. و التسحب على البحور [بأوشاذ] (1) التماد. و كيف أعرض على روح القدس و حيّا. و اجلب إلى صنعاء اليمن و شيّا أم كيف أخلع [ربقة] (2) النهى.

و أقابل بين البدر و السهى. أين الهباء من [البهاء] (3) و أين الأغبياء من النبهاء و حيث وقفت الأماني دون تلك المآرب لعزة هاتيك المطالب. و قلت لأصحابي: هي الشمس [ضوؤها] (4) قريب و لكن من تناولها بعد. فلتكن خدمة بخزانة مولى لا زالت عتبته العلية كعبة فضل يقول عليها و سدته السنية مدينة علم يهاجر إليها و لا برحت [وفود] (5) العلماء عاكفة بناديه [و ألسنة] (6) الرجاء من آفاق الثناء تناديه. بسلام فواتح أشواقه. نفر [من‏] (7) بهيج الأزهار، و فواتح أوراقه أعطر من أريج الأشجار. مشفوعا بدعاء يقرع أبواب الإجابة بأنامل الرجاء [و ثناء] (8) يملأ بطيب أرجه سائر [الأرجاء] (9).

أبلج لا يخجل راجي فضله‏* * * و لا يرى الوصمة في سؤاله‏

أكفه على العطاء قد طبعت‏* * * و الطبع لا يطمع من انتقاله‏

سلني به يا من يساميه أقل‏* * * هذا مجال لست من رجاله‏

هو مولانا و أحد العلماء و ماجد العظماء. ابن عباس العلوم محرر المنطوق و المفهوم، إياس القضاة [ركنّا (10) و زهادة] و أويس الزمان عفة و سهادة. مجمع المفاخر. [و الألقاب الفواخر] (11) المحقق دعوى كم ترك الأول للآخر؟

سل عنه و انطق به و انظر إليه تجد* * * ملأ المسامع و الأفواه و المقل‏

أكرم به من قاض تشرفت بأحكامه الشريفة، مصر المحروسة و ما والاها و استوفى المستحق بها من ذمة الزمان ديونه إذ تولاها، فلله إمداد نعمه، و مداد قلمه، إذ لم يشكل أمر الإنزال برؤس الأنامل إبهامه ورد الضلالة بحسن تدبير إلى أهلها و زودهم بالكرامة إنعامه فكيف لا و هو القائل فيه بعض واصفيه:

هنيئا لمصر إذ حوت قاضيّا حوى‏* * * كمالا على تفضيله انعقد النص‏

فلو مثلت كتب النحاة بنعته‏* * * لما جاز أن يجري على نعته النقص‏

____________

(1) ثبت في أ [بأرشال‏].

(2) ثبت في ب [ريقه‏].

(3) ثبت في ب [الهبا].

(4) ثبت في ب [ضويها].

(5) ثبت في ب [و قواد].

(6) في أ هكذا [لي لسنة].

(7) ثبت في أ [منه‏].

(8) في أ [و ثناءه‏].

(9) ثبت في أ [الأزهار].

(10) ثبت في أ [زكنا و إفادة].

(11) سقط من «أ».

18

فهو الغني عن الإطناب بالألقاب‏* * * و المستغني بأوصافه الحسان‏

عن ترجمان البيان [المحفوظ] (1) الملحوظ بعناية المعيد المبدي مولانا شعبان أفندي [لا زال صدر] (2) المعالي بمكانه من انشراح و فوائد و قلائد معاليه من أبهى و شاح. و لا برح الزمان ينفد ما صدر من قضائه و حكمه. و اللّه تعالى يزيده بسطة من علمه و جسمه. مصيبّا به الأغراض من مرامي المرام، محسنّا مطابقته [البديعية] (3) من النقض [و الإبرام‏] (4) فإنه أعز اللّه تعالى ذاته، و أطال و أطاب حياته، لا جملة من أخباره إلا و لها محل من الإعراب عن المقصد الجليل، و لا ضمير إلا و هو من اعتقاده على النحو القديم و الرأي الجميل.

[و ما ألطف ما قال‏]:

فلا زال ميمون اليمين بهمة* * * تعلمنا بالفعل كيف نقول‏

هذا و لما كان من لازم من تمسك بأهداب الآداب اطلاع مواليهم على محاسن ما يستطاب. [و ما زالت‏] (5) الألسنة طائرة و العادة جارية بإهداء النفائس إلى النفيس من المرؤس إلى الرئيس.

و أحسن ما يهدي إلى المرء ماله‏* * * إليه ارتياح و هو ذكرى الحبائب‏

و لم تزل الفضلاء من كل زمان، و النبلاء من كل عصر و أوان يتقربون إلى خواطر [مخاديمهم‏] (6) بأحسن ما يؤلفون و أبدع ما يصنفون.

فلا غرو من إهداء هذا الوضع البديع إلى ذلك الجناب [البديع‏] (7) فإن لكل جديد بهجة و لكل ناطق لهجة. و الجزئي كلي عند الكريم و القليل جليل [مع‏] (8) ملاحظة التعظيم، و إن كنت من ذلك كمن أهدى الزهر إلى غصنه و القطر إلى مزنه. و البحر يمطره السحاب و ماله منّ عليه لأنه من [مائه‏] (9). هذا و لقد عرضت حكمة على لقمان و أهديت جرادة إلى حضرة السيد سليمان.

قال بعضهم من صدر كتاب له: و لما كانت الهدايا تزرع الحب و تضاعفه و تعضد

____________

(1) ثبت في ب [المحظوظ].

(2) ثبت في ب [لأن الصدر].

(3) في ب [في النقص‏].

(4) في ب [و الأبوام‏].

(5) في ب [و لا زالت‏].

(6) في أ [مخاديهم‏].

(7) ثبت في ب [المنيع‏].

(8) في ب [عند].

(9) في ب [هاله‏].

19

الشكر و تساعفه. أحببت أن أهدي إليه هدية فائقة تكون من سوق [فضائله نافقة] (1) فلم أجد إلا العلم الذي شغفه حبّا و الحكم التي لم يزل لها صبا. و الأدب الذي اتخذه كسبا و رأيت فإذا التصانيف من كل فن لا تحصى. و الأمالي من سطور العلماء و طروس‏ (2) الحكماء أوسع دائرة من أن تستقصى، إلا أن التأنق من التحبير من قبيل إبراز الحقائق في الصور و لكل جديد لذة و لا خلاف من ذلك عند أهل النظر رحمهم اللّه تعالى.

ما كان من حمل اليراع بكاتب‏* * * خطا يباري بهجة و بيانا

أخذ العصا بالكف ليس بمعجز* * * الشأن من تحويلها ثعبانا

و كان يقال: الوضع وضعان: وضع له افتخار و وضع له تجار.

و حسن التأليف مواهب‏* * * و للناس مما يعشقون مذاهب‏

و معلوم أن الجنون فنون‏* * * و كل حزب بما لديهم فرحون‏

و قد يلام الغني من الشي‏ء يصنعه‏* * * و ليس يلحقه لوم إذا تركه‏

هذا مع اعترافي بأني من فنون الذوق قليل البضاعة و من شجون الشوق كليل الصناعة و لكن دأبي التقاط درر العبارات من حياض العلماء و ديدني أخذ غرر الإشارات من عياض الحكماء فهو لسان إخوان الصفاء لا لساني و بيان خلان الوفاء لا بياني.

كمن يجد و ليس له بعير* * * و من يرعى و ليس له سوام‏

و من يسقى و قهوته شراب‏* * * و من يدعو الضيوف [و لا] (3) حكام‏

و بالجملة فإن المرء ما بين هاج و مادح و منتصر و قادح:

على أنني لم أخل من حاسد و من‏* * * عدو و لكني له باسط العذرى‏

و هذه بنات فكر عاجز و بينات ذهن بينه و بين المعاني حاجز قد ترهبت إما من الكساد [فليست‏] (4) من المداد مستحّا أو من الوجل فجاءت تمشي على استحياء صفحّا و قد أطاع القول على هذا العذر المنصوص. و أبت كؤوس المعاني إلا أن ترقص بما فيها رقص القلوص.

سقوني و قالوا لا تغني و لو سقوا* * * جبال حنين ما سقوني لفنت‏

____________

(1) سقط من ب.

(2) التطريس: تسويد الباب و إعادة الكتابة على المكتوب. انظر/ القاموس المحيط (2/ 226).

(3) ثبت في ب [و ليس‏].

(4) ثبت في أ [فلبست‏] بالموحدة التحتية.

20

و من وقف على تحقيق هذا الكلام. أنشد من تصديق هذي الدعوى إذا قالت حذام و إن كنت فيما أعاينه أتعوض عن الجوهر بالخرز و أكتفي عن المعاني الجليلة بما هو سداد من عوز. لكني ممن يعرف [الدرر و ان‏] (1) لم يملكه، و ينقل التبر و إن لم يسبكه. و لقد جاء بعناية اللّه تعالى و نظره السعيد نزهة للنظر. هذا و إن السعادة كما يقال [لتلحظ] (2) الحجر.

فكأنه من حسن رقة لفظه‏* * * ذكرى حبيب فاق كل حبيب‏

ما شيق إلا صريع عنده‏* * * و لشعره يشتاق كل لبيب‏

[فليكن‏] (3) كتابا بسببه ذكره الشريف يؤرخ، و كافور القرطاس بغالية أوصافه من معناه يضمخ:

ما تنسخ الأيدي يبيد و إنما* * * يبقى لنا ما تنسخ الأقلام‏

فقد أسارت شفاه الليالي بقايا و أخلفت بواسق النخيل ودايا و على [رفيق‏] (4) خزا من بادية العربية من عضاضة دولة الإسلام. واقيّا لهم على الوردة الفارسة. في حدائق الكلام مآدب تغزو الروح و تهز العطف المروح إفادتها ميامن المستجن بطبه طيبا فسدت بها [اوكية] (5) النطق على فنن اللسان رطيبا.

و أتى على ما في من حضرته‏* * * ليعجبني ظل [حتى‏] (6) المشرع‏

و قد استقرت العزيمة على الاكتفاء. بغيض من فيض. و طل من ويل و نهر من بحر. إذ كل [كتيره‏] (7) عدو للطبيعة. و راكب سهوب الاسهاب مستهدف للوقيعة. و إنما يحمد المرء من اختصار [القيل‏] (8) و إلقاء القول الثقيل أوجزت جمعي و من الايجاز فائدة و للكرام من التطويل تصديع. على أني لا أزعم أنه جمع سلامه. و لا أدعي انه صنيع فاضل يستحسنه النبيه و العلامة و إلا فوحي البلاغة من بعد لم تنقطع و سلوك طريق الايجاز أصلا و رأسّا لم يمتنع. و من لي بخلو البال و استقامة الحال. و معاضدة الزمن الغشوم. بانتفاء الهموم و الشواغل [و مساعدة] (9) القدر بكف أذى اللئام و الأرذال فأخذ من مصنوع الكلام و انني على ذلك المقام. و كيف تصفو القريحة و صفاء الوقت يكدر.

و سبيل المحن من أعلى الروابي تحدر. مع أني من زمن تشابه فيه الضاحك و الباكي.

____________

(1) ثبت في أ [بالدوران‏].

(2) في أ [لتلحظ].

(3) ثبت في ب [فليكنى‏].

(4) في ب [رفيق‏].

(5) ثبت في أ [أيكية].

(6) في أ [الخبا].

(7) في أ [كبيرة].

(8) في أ [القتيل‏].

(9) في أ [و ما عقدة].

21

و قل به الشاكر و كثر الشاكي و فيما رفعت إليه من المضايق و حال دون أمالي من العوائق.

ما يرتج به الكلام على الفصيح و يشتبه الصواب على الحازم المسيح.

فإن اعترافي بالتأخر حيث لا* * * يقدمني فضل أجل و أرجح‏ (1)

و ما أصدق ما قال:

إذا كان عون اللّه للمرء فائدا* * * تهيأ له من غير سعي مراده‏

و إن لم يكن عون من الله للفتى‏* * * فأول ما يجني عليه إجتهاده‏

و أنا اعترافي بالتأخير حيث لا* * * يقدمني فضل أجل و أرفع‏ (2)

و كأني بالحواسد و العذال، نسبوني من ذلك إلى المحال و قال قائلهم مادح نفسه يقريك السلام. فأقول نعم و يهدي من التحية و الثناء ما تتأرج به الرياض باكرتها الغمام [و من هاهنا نشرع من المراد] (3) و اللّه الموفق للسداد و على كرمه التعويل. و بواسطة لطفه التأميل.

مسئلة (4): المدينة من [مدن‏] (5) بالمكان أقام‏ (6)، أو من دان إذا أطاع فالميم زائدة و ذلك لأن السلطان يسكن المدن فتقام له طاعة فيها، أو لأن اللّه تعالى يطاع فيها أو لأنه (عليه السّلام) يسكنها فدانت له الأمم. و هي أبيات مجتمعة تجاوز حد القرى [كثرة] (7) و عمارة لم تبلغ حد الأمصار و قيل يقال لكل مصر، و المدينة علم على طابة مهاجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بحيث إذا اطلق هذا اللفظ لا [ينصرف‏] (8) إلا إليها و النسبة إليها «مدني» و إلى غيرها من المدن مديني للفرق كذا في الوفاء.

مسئلة: المدينة من الأقليم الثاني و هو حيث يكون طول النهار الأطول ثلث عشرة ساعة و نصف ساعة و يرتفع القطب الشمالي فيه مقدار أربعة و عشرين جزء و عشر جزء و مساحة هذا الإقليم أربعمائة ميل و فيه سبعة عشر جبلا و سبعة عشر نهرّا و أربعمائة و خمسين مدينة كذا في الخطط للمقريزي.

____________

(1) سقط من «ب».

(2) في هامش «ب» هذا البيت مقدم.

(3) سقط من «ب».

(4) المسئلة لغة: السؤال. انظر/ القاموس المحيط (3/ 392). و عرفا مطلوب خبري يبرهن عليه في العلم. انظر/ السبع كتب مفيدة لعلوي السقاف (ص/ 62).

(5) ثبت في أ هكذا [مسدن‏].

(6) قال في القاموس: مدن أقام فعل ممات و منه المدينة للحصن يبنى في أصطمّة أرض.

انظر/ القاموس المحيط (4/ 270).

(7) في ب [كثيرة].

(8) في ب [يصرف‏].

22

مسئلة: دور كرة الأرض أربعة و عشرون ألف ميل و ذلك عن ثمانية آلاف فرسخ بحيث لو وضع جبل على نقطة [من‏] (1) الأرض و أدير الجبل على الكرة حتى انتهى الطرف الآخر إلى نقطة الابتداء كانت مساحة الجبل العدد المذكور و كل درجة من درج الفلك يقابلها من سطح الأرض ستة و ستون ميلا و ثلثا ميل [فإذا ضربنا عدد درج الفلك من ستة و ستين ميلا و ثلثي ميل‏] (2) كانت الجملة أربعة و عشرين ألف ميل و هي ثمانية آلاف فرسخ و صحرء [سجار] (3) و وطاءة الكوفة من الأراضي [المتساوية] (4) انتهى من كتاب سر الفلك.

مسئلة: أعظم جبل على وجه الأرض ارتفاعه فرسخان و ثلث فرسخ و نسبة ارتفاعه إلى كرة الأرض سبع [عرض‏] (5) شعيرة إلى كرة قطرها ذراع و غاية ما يرتفع الطير في الهواء اثني عشر فرسخّا و تنقطع الكيفيات من وراء ثمانية عشر فرسخّا و لا يخلو وجه الأرض المعمور من [المشرق‏] (6) من وقت إبداء فالوقت الواحد يكون شروقّا عند قوم زوالا عند غيرهم غروبّا عند آخرين و أصغر كوكب يرى من الثوابت كالسها أكبر من زحل و زحل مثل الأرض إحدى و تسعين مرة و النجم تستصغر الأبصار رؤيته، و الذنب للعين لا للنجم في الصغر.

مسئلة: ان قيل تقرر من الشرع و من علم الهيئة أن الأرضين سبع كالسموات فلم لم يذكر في الكتاب العزيز إلا الأرض؟ .. الجواب أنه (عليه السّلام) «رقي إلى السموات السبع» (7) فلتشرفها به ذكرت أو لأن الانتفاع من أرض الدنيا فقط بناء على أنها طبقات و لم يتشرف به غيرها و من كتاب «المواهب اللدنية» قد جاء أن السموات شرفت بموطى‏ء قدميه (صلّى اللّه عليه و سلم)، بل لو قال قائل: إن جميع بقاع الأرض أفضل من جميع بقاع السماء لشرقها بكونه (صلّى اللّه عليه و سلم) حالا فيها لم يبعد بل هو الظاهر المتعين و حكاه بعضهم عن الأكثرين لخلق الأنبياء منها و دفنهم فيها لكن قال النووي: الجمهور على تفضيل السماء على الأرض ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة.

مسئلة: هل للمدينة حرم كما بمكة أم لا؟ الجواب أنها ليست بحرم عندنا و المراد

____________

(1) سقط من «ب».

(2) سقط من «ب».

(3) ثبت في ب [سنجار].

(4) في أ [المساوية].

(5) في ب [عرضي‏].

(6) في ب [الشمس‏].

(7) رقية- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- أخرجه:

البخاري في الأنبياء (6/ 431)- الحديث (3342). و مسلم في الإيمان (1/ 145)- الحديث (259/ 162)- (163/ 263). و الإمام أحمد في مسنده (5/ 172- 173)- الحديث (326).

23

من الوارد الحرمة الحاصلة لها بتوطينه (عليه السّلام) إياها و دفنه فيها و معنى حرمت أوجبت حرمتها و حماها بإقامتي فيها فصارت حمى محروسّا من الآفات كما ورد «عن كل نقب‏ (1) منها ملك يحرسها» (2) و لذا يصرف عنها الدجال و يؤيده انه كان صغير بالمدينة و كان (عليه السّلام) يقول له: «يا أبا [عمير] (3) (4) فافعل النغير

كالصعو يرتع في الرياض و إنما* * * حبس الهزار لأنه يترنم‏

(5) (6)» فلو كانت كمكة لما جاز ذلك» انتهى من كتاب زهر البساتين قال الملا على القاري من شرح لباب المناسك و عباب المسالك عند قوله و إذا دنا من [حرم‏] (7) المدينة المشرفة أي حولها من الأماكن المحترمة إذ لا حرم للمدينة عندنا كحرم مكة من أحكامها.

قلت: و فيما ورد من الأحاديث من ذلك ما يقضي للمدينة المنورة بأنها حرم‏

____________

(1) النقب: بفتح النون و القاف بعدها موحدة. قال ابن وهب: المراد بها المداخل. و قيل:

الأبواب، و أصل النقب الطريق بين الجبلين. و قيل: الأنقاب الطرق التي يسلكها الناس و منه قوله تعالى: فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ. انظر/ فتح الباري (4/ 114).

(2) أخرجه البخاري في فضائل المدينة (4/ 114)- الحديث (1881). و مسلم في الفتن (4/ 1265)- الحديث (123/ 2943). و الإمام أحمد في مسنده (5/ 41)- الحديث (20370).

و الحاكم في المستدرك (4/ 427).

(3) قال الحافظ: هو بالتصغير، و في رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عند الإمام أحمد «كان لي أخ صغير»، و هو أخو أنس بن مالك من أمه ففي رواية المثنى بن سعيد المذكورة «و كان لها أي أم سليم ابن صغير» و في رواية حميد عند الإمام أحمد «و كان لها من أبي طلحة ابن يكنى أبا عمير»، و في رواية مروان بن معاوية عن حميد عند ابن أبي عمر «كان بني لأبي طلحة»، و في رواية عمارة بن زاذان عن ثابت عند ابن سعد «أن أبا طلحة كان له ابن قال أحبه فطيمّا». انظر فتح الباري (10/ 559).

(4) ثبت في أ [عمر].

(5) بنون و معجمة وراء مصغر، و هو طير صغير واحدة نغرة و جمعه نغران. قال الخطابي: طوير له صوت. قال الحافظ ابن حجر: و فيه نظر، فإنه ورد في بعض طرقه أنه الصعو بمهملتين بوزن العفو كما في رواية ربعي: «فقالت أم سليم ماتت صعوته التي كان يلعب بها، فقال: أي أبا عمير مات النغير» فدل على أنهما شي‏ء واحد، و الصعو لا يوصف بحسن الصوت.

قال الشاعر:

كالصعو يرتع في الرياض و إنما* * * حبس الهزار لأنه يترنم‏

قال القاضي عياض: النغير طائر معروف يشبه العصفور. و قيل: هي فراخ العصافير. و قيل: هي نوع من الحمر بضم المهملة و تشديد الميم ثم راءه قال: و الراجح أن النغير طائر أحمر المنقار.

قال الحافظ ابن حجر: قلت: هذا الذي جزم به الجوهري. قال: و قال صاحب «العين و المحكم»: الصعو صغير المنقار أحمر الرأس. انظر/ فتح الباري (10/ 600).

(6) ستأتي في الآخر محمد فارس.

(7) سقط من ب.

24

كمكة (1) من أحكامها (2) فقد أطال الكلام على ذلك السيد السمهودي في تاريخه الوفاء.

و أنشد عليه بعضهم:

إن المدينة لا يشك كمكة* * * حرم و لكن بالنبي تفضل‏

فهي الأمان لخائف و لعاكف‏* * * فيها معاش ليس فيه معضل‏

____________

(1) قال الشيخ النووي: فرع: في بيان الأحاديث الواردة في بيان حرم المدينة: منها: عن الخليفة علي- (عليه السّلام)- مرفوعا: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور» أخرجه البخاري و مسلم و في رواية للبخاري «ما بين عائر إلى ...» كذا. قال أبو عبيد و غيره من العلماء: عير و يقال له عائر جبل معروف بالمدينة قالوا: و أما ثور فلا يعرف أهل المدينة بها جبلا يقال له ثور، و إنما ثور جبل بمكة قالوا: فنرى أن أصل الحديث ما بين عير إلى أحد و لكنه غيره غلط الرواة فيه و استمرت الرواية. و قال أبو بكر الحازمي في كتابه المؤتلف في الأماكن: الرواية الصحيحة ما بين عير إلى أحد. قال: و قيل: إلى ثور. قال: و ليس له معنى. هذا كلامهم في هذا الحديث، و لا يبعد أن الجبل كان يسمى ثورّا ثم هجر ذلك الاسم. و عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- مرفوعّا: «ما بين لابتيها حرام» متفق عليه و اللابتان الحرتان تثنية لابة هي الأرض الملبسة حجارة سوداء و المدينة بين لابتين في شرقها و غربها- و عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- يقول: إني حرمت ما بين لابتي المدينة كما حرم إبراهيم مكة» أخرجه مسلم. ثم قال: و عن عدي بن زيد الخزاعي الصحابي قال: «حمى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- كل ناحية من المدينة بريدّا بريدّا لا تخبط شجرة و لا تعضد إلا ما يساق به الجمل». أخرجه أبو داود بإسناد غير قوي. قال الشيخ النووي:

«فالحاصل أن حرم المدينة ما بين جبليها طولا و ما بين لابتيها عرضا». انظر/ شرح المهذب (7/ 477- 479).

(2) قال الشيخ ابن الجوزي: صيد المدينة و شجرها محرم و هو قول مالك و الشافعي و أحمد. و قال الإمام الأعظم أبو حنيفة: ليس بمحرم. و اختلفت الرواية عن أحمد هل يضمن صيدها و شجرها بالجزاء أم لا؟ فروى عنه أنه لا جزاء فيه و به قال مالك. و للإمام الشافعي قولان كالروايتين. و إذا قلنا بضمانه فجزاؤه سلب القاتل يتملكه الذي سلبه. و يفارق مكة في أن من أدخل إليها صيدا لم يجب رفع يده عنه، و يجوز له ذبحه و أكله، و يجوز أن يؤخذ من شجرها ما تدعو الحاجة إليه للرحل و الوسائد، و من حشيشها ما يحتاج إليه للعلف بخلاف حرم مكة.

انظر/ مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن لابن الجوزي- قيد الطبع بتحقيقنا. محمد فارس- شرح المهذب (7/ 480- 481). المغني (3/ 354)- فتح الباري (4/ 100). صحيح:

أخرجه البخاري في الأدب (10/ 543)- الحديث (6129). و مسلم في الأدب (3/ 1692- 1693)- الحديث (30/ 2150). و الترمذي في البر و الصلة (4/ 357)- الحديث (1989).

و أبو داود في الأدب (4/ 294)- الحديث (4969). و ابن ماجه في الأدب (2/ 1226)- الحديث (3720).

25

و في الصحيح اللهم إن إبراهيم حرم مكة و إني حرمت ما بين لابتيها» (1) (2).

و على القول بأنها حرم فهي بريد من بريد و ذلك ما بين عير إلى ثوربيان يحدها من الجنوب إلى الشمال و هما مأزماها و ما بين لابتيها أي حدتيها الشرقية و الغربية.

و نظم ذلك من قال:

حرم المدينة حده فيما حكوا* * * عيرّا و ثورّا قبلة و شمالا

و اللابتان تحدها يا ذا النهى‏* * * شرقّا و غربّا فاعتمده مقالا

مسئلة: صح أنه عليه الصلاة و السلام التفت إلى المدينة الشريفة و قال: «إن اللّه برأ هذه الجزيرة من الشرك» (3).

____________

(1) وقع في حديث جابر عن الإمام أحمد «و أنا أحرم المدينة ما بين حرتيها» قال الحافظ ابن حجر: فادعى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب لأنه وقع في رواية «ما بين جبليها»، و في رواية «ما بين لابتيها» و في رواية «مأزميها». و تعقب بأن الجمع بينهما واضح، و بمثل هذا لا ترد الأحاديث الصحيحة، فإن الجمع لو تعذر أمكن الترجيح. قال: و لا شك أن رواية «ما بين لابتيها» أرجح لتوارد الرواة عليها، و رواية جبليها لا تنافيها فيكون عند كل لابة جبل أو لابتيها من جهة الجنوب و الشمال و جبليها من جهة الشرق و الغرب و تسمية الجبلين في رواية أخرى لا تضر. و أما رواية مأزميها فهي في بعض طرق حديث أبي سعيد، و المأزم بكسر الزاي المضيق بين الجبلين، و قد يطلق على الجبل نفسه. قال: و احتج الطحاوي بحديث أنس في قصة أبي عمير ما فعل النغير قال: لو كان صيدها حرامّا ما جاز حبس الطير. و أجيب: باحتمال أن يكون من صيد الحل. قال الإمام أحمد: من صاد من الحل ثم أدخله المدينة لم يلزمه إرساله لحديث أبي عمير و هذا قول الجمهور. قال الحافظ: لكن لا يرد ذلك على الحنفية لأن صيد الحل عندهم إذا دخل الحرم كان له حكم الحرم، و يحتمل أن تكون قصة أبي عمير كانت قبل التحريم. ثم قال الحافظ: و قال الطحاوي: يحتمل أن يكون سبب النهي عن صيد المدينة و قطع شجرها كون الهجرة كانت إليها فكان بقاء الصيد و الشجر مما يزيد في زينتها و يدعو إلى ألفتها كما روى ابن عمر «أن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- نهى عن هدم آطام المدينة» فإنها من زينة المدينة فلما انقطعت الهجرة زال ذلك. قال الحافظ: و ما قاله ليس بواضح لأن النسغ لا يثبت إلا بدليل، و قد ثبت على الفتوى بتحريمها سعد و زيد بن ثابت و أبو سعيد و غيرهم كما أخرجه مسلم. انظر/ فتح الباري (4/ 99- 100).

(2) متفق عليه: أخرجه البخاري في الأنبياء (6/ 469)- الحديث (3367). و مسلم في الحج (2/ 991)- الحديث (456/ 1361). و الترمذي في المناقب (5/ 721)- الحديث (3922).

و الإمام مالك في الموطأ في الجامع (88912)- (10). و الإمام أحمد في مسنده (4/ 174)- الحديث (7277!).

(3) رواه العباس بن المطلب مرفوعا أخرجه: أبو يعلى و البزار و الطبراني في الأوسط كما في المجمع و قال: فيه قيس بن الربيع و ثقه شعبة و الثوري و ضعفه الناس، و بقية رجال أبي يعلى ثقات قال: و له طريق في الأدب. انظر/ مجمع الزوائد للهيثمي (3/ 302)- تهذيب التهذيب (8/ 339).

26

و قال بعضهم: قلت هنيئا لأهلها فإنهم برآء من الشرك بشهادة.

[قال بعضهم هذا] (1):

هذا الأثر. و بشرى لهم بتسميتها «دار الأبرار» و دار الأخيار و العاصمة و المرحومة و المرزوقة. و الناجية. و المقدسة و الجابرة و دار السلامة.

أسامينا لم تزده معرفة* * * و إنما لذة ذكرناها

و بالجملة فإن فضل المدينة لا ينكر و محاسنها الغراء لا تحصى و لا تحصر و جيران صاحب «الحوض و الكوثر» (2) «المغفور له من ذنبه ما تقدم و ما تأخر» (3) على يقين إن شاء اللّه تعالى من السلامة في المعاد و ثقة بالكرامة في يوم الأشهاد.

و ما أحسن ما قال:

تلك دار إن لم تكن هي‏* * * ذات النفس مني فإنها [مشتهاها] (4)

لو تمكنت أن [أقضي‏] (5) بها* * * [العمر] (6) جميعا لما قصدت سواها

و ما أحسن ما قال الشيخ محمد البكري:

دار الحبيب إخوان تهواها* * * و نحن من طرب إلى ذكراها

و على الجفون متى هممت بزورة* * * يا ابن الكرام عليك أن [تغشاها] (7)

فلا أنت أنت إذا [حللت‏] (8) بطيبة* * * و ظللت ترتع في ظلال رباها

عنا الجمال مني الخواطر و التي‏* * * سلبت عقود العاشقين خلاها

لا تحسب المسك الزكي كتربها* * * هيهات أين المسك من رباها

طابت فإن تبغ التطيب يا فتى‏* * * فأدم على الساعات لم تراها

و أبشر ففي الخبر الصحيح مقرر* * * أن الإله بطابة سماها

____________

(1) سقط من «أ».

(2) أخرجه مسلم في الصلاة (1/ 300)- الحديث (53/ 400). و أبو داود في السنة (4/ 237)- الحديث (4747). و البيهقي في البعث و النشور (ص/ 110- 111)- الحديث (114).

(3) أخرجه البخاري في التفسير (8/ 448)- الحديث (4836- 4837). و مسلم في المنافقين (4/ 2172)- الحديث (81/ 2820). و الإمام أحمد في مسنده (6/ 129)- الحديث (24898).

(4) في ب [مستهاها].

(5) في ب [أحضى‏].

(6) في ب [الفجر].

(7) في ب [تغسّاها].

(8) في أ [حلت‏].

27

و اختصها بالطيبين لطيبها* * * و اختارها و دعا إلى سكناها

لا كالمدينة منزل و كفى لها* * * شرفّا حلول محمد بفناها

حظيت بهجرة خير من وطئ الثرى‏* * * و أجلهم قدرّا فكيف تراها

كل البلاد إذا ذكرت كأحرف‏* * * من اسم المدينة لا خلت معناها

حاشى [مسمى‏] (1) القدس فهى قريبة* * * منها و مكة إنها إياها

لا فرق إلا أن ثم لطيفة* * * منها بدت يجلو الظلام سناها

جزم الجميع بأن خير الأرض ما* * * قد حاط ذات المصطفى و حواها

و نعم لقد صدقوا بساكنها علت‏* * * كالنفس حين زكت زكا مأواها

و بهذه ظهرت مزية طيبة* * * قعدت و كل الفضل في مغناها

حتى لقد خصت بروضة جنة* * * الله شرفها بها و حباها

ما بين قبر للنبي و منبر* * * حي الإله رسوله و سقاها

هذي محاسنها فهل من عاشق‏* * * قلق شحيح باخل بنواها

إني لأرهب من توقع بينها* * * فيظل قلبي موجعا أواها

[و لقلما] (2) أبصرت حال مودع‏* * * إلا رثت نفسي له و شجاها

فلكم أراكم قافلين جماعة* * * من [أمر] (3) أخرى طالبين سواها

قسمّا لقد أذكى فؤادي بينكم‏* * * نارّا و فجر مقلتي [أمواها] (4)

إن كان أعجزكم طلاب فضيلة* * * فالخير أجمعه لدى مثواها

أو خفتم ضررّا بها فتأملوا* * * بركات بلغتها فما أزكاها

أف لن يبقى الكثير لشهوة* * * و رفاهة لم يدر ما عقباها

و العيش ما يكفي و ليس هو الذي‏* * * يطغى النفوس و لا خسيس مناها

يا رب أسأل منك فضل قناعة* * * بيسيرها أو [تحببا] (5) لحماها

و رضاك عني دائما و لزومها* * * حتى توافي مهجتي أخراها

فإن الذي أعطيت نفسي سؤلها* * * و قبلت دعوتها فيا بشراها

بجوار أو فى العالمين بذمه‏* * * و أعز من بالقرب منه يباها

من جاء بالآيات و النور الذي‏* * * داوى القلوب من العمى فشفاها

____________

(1) في ب [مسلمى‏].

(2) في أ [و لعلما].

(3) في ب [إثر].

(4) في ب [أتواها].

(5) في ب [تحنيا].

28

أولى الأنام بخطة الشرف التي‏* * * تدعي الوسيلة خير من يعطاها

إنسان عين الكون سر وجوده‏* * * [يس‏] (1) إكسير المحامد طه‏

حسبي فلست أفي بذكر صفاته‏* * * و لو أن لي عدد الحصى أفواها

كثرت محاسنه و أعجز حصرها* * * فغدت و ما تلقى لها أشباها

إني اهتديت من الكتاب بآية* * * فعلمت أن علاه ليس يضاها

و رأيت فضل العالمين محددا* * * و فضائل المختار لا تتناها

كيف السبيل إلى تقصي مدح من‏* * * قال الإله له و حسبك جاها

إن الذين يبايعونك إنما* * * فيما تقول يبايعون الله‏

هذا الفخار فهل سمعت بمثله‏* * * واها لنشأته الكريمة واها

صلوا عليه و سلموا فبذلكم‏* * * تهدى النفوس لرشدها و غناها

صلى عليه اللّه غير مقيد* * * و عليه من بركاته أتماها

و على الأكابر إله سرج الهدى‏* * * أحبب بعترته و من والاها

و كذا السلام عليه ثم عليهم‏* * * و على عصابته التي زكاها

أعني الكرام أولى النهى أصحابه‏* * * فئة التقى و من أهدى بهداها

و الحمد لله الكريم و هذه‏* * * نجزت و ظني أنه يرضاها

____________

(1) ثبت في ب [ليس‏].

29

[المقالة] (1) الأولى‏

فيما يتعلق بالمكان و يشتمل على أبواب. هي بالقبول إن شاء اللّه تعالى مفتحة لأولى الألباب.

أبواب إقبال تفتح بالهنا* * * أيام شعبان لها أبان‏

قال الزمان و قد رأى إقبالها* * * يا ليت دهري كله شعبان‏

باب: فيما تميزت به المدينة الشريفة عما سواها، و ذكر بعض محاسنها التي يطرب لها المحب و يرضاها، و لا أتعرض لحصر ألقابها فيعترض دونها الحصر، بل كحضور الملاح لرشاقتها تختصر [شعر] (2)

أملياني حديث من سكن الجزع‏* * * و لا تكتباه إلا بدمعي‏

فإنني أن أرى الديار بطرفي‏* * * فلعلي أرى الديار بسمعي‏

و من أحسن محاسنها السنية: إشتمالها على البقعة التي انعقد الإجماع على تفضيلها على سائر البقاع، و إن كان صلوات اللّه و تسليماته على فروعه و أصوله روح وجود الكائنات و سر الموجود جلية و جميلة.

لا تقل دارها [بشرقي‏] (3) (4) تجد* * * كل نجد

للعامرية دار

و لها [قنن‏] (5) على كل بنآء* * * و على كل دمنة (6) آثار

و ما أحسن ما قال:

أحن إليه و هو قلبي و هل ترى‏* * * سواي أخا وجد يحن لقلبه‏

و يحجب طرفي عنه إذ هو ناظري‏* * * و ما بعده إلا لإفراط قربه‏

____________

(1) سقط من «أ».

(2) سقط من «ب».

(3) في ب [شرقي‏].

(4) في أ [منزل‏].

(5) جمع قنة و هو: الجبل الصغير. انظر/ القاموس المحيط (4/ 261).

(6) الموضع القريب من الدار جمعها دمن.

انظر/ القاموس المحيط (4/ 223).

30

و قال آخر:

أمر له و به و منه تعينت‏* * * أعياننا و وجودنا المتلبس‏

و حقيقة طوت البعيد خرامة* * * نجد و ليت [ألقاب‏] (1) طي العس‏

و وراء ذلك و لا أشير لأنه‏* * * سر لسان النطق عنه أخرس‏

و قال:

وجود غيرك يأكل المنى عدم‏* * * و أي غير و أنت الكل لو علموا

هام الورى بمعان [فيك‏] (2) قد جمعت‏* * * و كلهم لك عشاق و ما فهموا

و من محاسنها أن سائر بلاد الإسلام [فتحت‏] (3) بالسيف. و افتتحت حصن بالقرآن العظيم، و أنه يبعث [منها] (4) أشراف هذه الأمة يوم القيامة. على ما نقله القاضي عياض من المدارك عن مالك.

و من محاسنها «تحريكه (عليه السّلام) دابته عند قدومه إليها إذا أبصر منازلها (5) و دعاؤه لها بالبركة» (6) (7). و قوله: «غيروا فقد سبق المفردون» (8).

____________

(1) في ب [الغابي‏].

(2) في أ [قبل‏].

(3) في أ [افتتحت‏].

(4) سقط من ب.

(5) أخرجه البخاري في فضائل المدينة (4/ 117)- الحديث (1886). و الترمذي في الدعوات (5/ 499)- الحديث (3441)- و البغوي في شرح السنة (7/ 315)- الحديث (2011).

(6) استدل به عن تفضيل المدينة على مكة و هو ظاهر من هذه الجهة لكن لا يلزم من حصول أفضلية المفضول في شي‏ء من الأشياء ثبوت الأفضلية له على الإطلاق، و أما من ناقض ذلك بأنه يلزم أن يكون الشام و اليمن أفضل من مكة لقوله في الحديث الآخر «اللهم بارك لنا في شامنا» و أعادها ثلاثّا. فقد تعقب بأن التأكيد لا يستلزم التكثير المصرّح به في الحديث.

و قال ابن حزم: لا حجة في الحديث بأن تكثير البركة بها لا يستلزم الفضل في أمور الآخرة. ورده عياض بأن البركة أعم من أن تكون في أمور الدين أو الدنيا، لأنها بمعنى النماء و الزيادة، فأما في الأمور الدينية فلما يتعلق بها من حق اللّه تعالى من الزكاة و الكفارات و لا سيما في وقوع البركة في الصاع و المد. انظر/ فتح الباري (4/ 187). قال الشيخ النووي: و الظاهر من هذا كله أن البركة في نفس المكيل في المدينة بحيث يكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها و اللّه أعلم. انظر/ شرح صحيح مسلم للنووي (9/ 142). قال الحافظ ابن حجر: و قال القرطبي: إذا وجدت البركة فيها في وقت حصلت إجابة الدعوة و لا يستلزم دوامها في كل حين و لكل شخص.

انظر/ فتح الباري (4/ 118).

(7) متفق عليه: أخرجه البخاري في فضائل المدينة (4/ 117)- الحديث (1885.

و مسلم في الحج (2/ 994)- الحديث (466).

(8) لم أجده، و التقصير منا- طالب العلم:

محمد فارس.

31

و من محاسنها تأسيس مجسده على يده الكريمة (1) و كون «ما بين بيته و منبره‏ (2) روضة من رياض الجنة» (3) (4) (5). و ان ذلك يعم مسجده و لو اتصل بصنعاء و كون «المنبر على ترعة من رياضة الجنة» (6).

و ما أحسن ما قال عبد اللّه الفيومي:

____________

(1) متفق عليه: أخرجه البخاري في الصلاة (1/ 624)- الحديث (428). و مسلم في المساجد و مواضع الصلاة (1/ 373- 374)- الحديث (9/ 524). و أبو داود في الصلاة (1/ 121)- الحديث (453)- و النسائي في المساجد (1/ 259)- الحديث (781). و ابن ماجه في المساجد (1/ 245)- الحديث (742).

(2) و منبره- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- على [حوضه‏] قال الحافظ: أي ينقل يوم القيامة فينصب على الحوض. قال: و قال الأكثر: المراد منبره بعينه الذي قال هذه المقالة و هو فوقه- و قيل:

المراد المنبر الذي يوضع له يوم القيامة، قال الحافظ: و الأول أظهر و يؤيده حديث أبي سعيد و قد رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي واقد الليثي رفعه: «إن قوائم منبري رواتب في الجنة» و قيل معناه: أن قصد منبره و الحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض و يقتضي شربه منه. قال: و نقل ابن زبالة أن ذرع ما بين المنبر و البيت الذي فيه القبر الآن ثلاث و خمسون ذراعّا. و قيل: أربع و خمسون و سدس. و قيل: خمسون إلا ثلثي ذراع و هو الآن كذلك فكأنه نقص لما أدخل من الحجرة في الجدار.

انظر/ فتح الباري (4/ 120).

(3) أي كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة و حصول السعادة بما يحصل من ملازمة حلق الذكر لا سيما في عهده- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- فيكون تشبيهّا بغير أداة، أو المعنى أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة. قال الحافظ: هذا محصل ما أدله العلماء في هذا الحديث و هي على ترتيبها هذا في القوة. انظر/ فتح الباري (4/ 120).

(4) استدل به على أن المدينة أفضل من مكة لأنه أثبت التي بين البيت و المنبر من الجنة، و قد قال الحديث الآخر «لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا و ما فيها» و تعقبه ابن حزم بأن قوله أنها من الجنة مجازا إذ لو كانت حقيقة لكانت كما وصف اللّه الجنة إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَ لا تَعْرى‏، و إنما المراد أن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة كما يقال في اليوم الطيب هذا من أيام الجنة، و كما قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- «الجنة تحت ظلال السيوف» قال ثم و لو ثبت أنه على الحقيقة لما كان الفضل إلا لتلك البقعة خاصة. فإن قيل: إن ما قرب منها أفضل مما بعد لزمهم أن يقولوا إن الجحفة أفضل من مكة و لا قائل به. انظر/ فتح الباري (4/ 120).

(5) متفق عليه: أخرجه البخاري في فضل الصلاة (3/ 84)- الحديث (1195). و مسلم في الحج (2/ 1010)- الحديث (1390/ 500)- (501/ 1390). و الترمذي في المناقب (5/ 719)- الحديث (3916)- و النسائي في المساجد (1/ 275)- في الكبرى الحديث (2/ 774).

و الإمام مالك في الموطأ في القبلة (1/ 197)- (11).

(6) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (2/ 478)- الحديث (8742).

32

سكان طيبة أبلى الحب صبكم‏* * * و الشوق باق ليوم العرض في طول‏

تالله لم ينسه المقياس [روضتكم‏] (1)* * * و لا تسلى عن الزرقاء بالنيل‏

[و من محاسنها] (2) إن ترابها شفاء من الجذام كما هو الوارد (3). و شفاء من كل داء بالتجربة الصادقة. المعروفة عند الخلف و السلف و ما أوقع ما قال:

و لو قيل للمجنون ليلى أحب [أم‏] (4)* * * جنان [بها]

(5) حور حلت نعم الخد

لقال غبار من تراب يقابلها* * * أحب إلى قلبي و أشهى من الخلد

فائدة: ذكر علماء الخواص أن من قدم أرضّا فأخذ من ترابها فجعله في مائها ثم شربه [عوفي من بلائها] (6).

و قيل: يستحب للمسافر أن يصحب معه تراب أرضه التي ولد بها فإذا قدم أرضّا أخرى جعل منه شيئّا في مائها و شرب منه فإنه يسلم من ضررها و هو من المجربات.

و من محاسنها: أن من أصابه عرض أو مرض. و أقبل على الشباك الشريف متضرعّا مستغيثّا. لم يبرح حتى يفرج اللّه تعالى كربه و الناس في ذلك تتفاوت بحسب الاعتقاد و الاستعداد.

و إذا لم تر الهلال فسلم‏* * * لأناس رأوه بالأبصار

و كان يقال: الفوائد في العقائد.

و كان يقال: المخ مواهب و المواهب مخ، و لذلك يفتح لشخص دون آخر من الأبواب ما لا يتطرق إليه بسبب من الأسباب و كان يقال:

فما كل عين بالجمال قريرة* * * و لا كل من نودي يجيب إذا دعى‏

فقل للعيون الرمد للشمس أعين‏* * * سواك تراها من مغيب و مطلع‏

و كان يقال:

دنت بأناس عن ثناء ديارهم‏* * * و شط بليلى عن دنو مزارها

و إن مقيمات بمنعرج اللوى‏* * * لأقرب من ليلى و هاتيك دارها

____________

(1) ثبت في ب [روضكم‏].

(2) سقط من «ب».

(3) لم أجده في مظانه، و التقصير منا. طالب العلم: محمد فارس.

(4) سقط من «ب».

(5) سقط من «ب».

(6) سقط من «ب».

33

و قال آخر:

يقولون لي دار الأحبة قد دنت‏* * * و أنت كئيب إن ذا العجيب‏

فقلت و ما نفعي بدار قريبة* * * إذا لم يكن بين القلوب قريب‏

و أقول كما قال المتقدم:

صبرّا إن ذاك الحسن عني محجب‏* * * أ ليس [بزيادة شرف‏ (1) تشهد

الصبا]

إذا رمت أن تبدي مصونان خدره‏* * * فحدث بذاك الحي عن ذاك الخبا

و ما أحسن ما قال:

و إني لمشتاق إلى أرض طيبة* * * و إن خانني بعد التفرق إخواني‏

سقى اللّه أرضا لو ظفرت بتربها* * * كحلت به من شدة الشوق [أجفاني‏] (2)

و بالجملة فكل مقصور على سربه و ذوقه، الناتج عن حبه و شوقه و كان يقال. لا يفتح القال العيوب إلا من سلم من العيوب و إما من عرى عن الكشف و الشهود، و استنطاق ضمائر صحائف الوجود فحرام عليه التفكر في الآثار الكونية و الأسرار اللدنية، فليلزم لسان الاعتراض و لا يبرز رعونات الأغراض، فإنه يخشى عليه سلب السابقة في عالم الأرواح و الخاتمة في عالم الأشباح، و ليرجع إلى نقض فطرته و قصور باعه في ميدان حكمته، فلا يشهد حقيقة الكمال، و لا يظفر من أبكار المعاني بلذة الوصال، و ليقل بلسان التسليم‏ وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ‏ [يوسف: 76].

و قال ابن رافع رأس في شذور الذهب:

و حظ العيون الرمد من نور وجهها* * * لسدته خط العيون العوامش‏

فلا أخصبت إلا لذي الحلم و التقى‏* * * و لا أجدبت إلا لأهل الفواحش‏

و الحمد للّه الذي أطلع من اجتباه من عباده الأبرار على خبايا الأسرار، و أسمع من ارتضاه من أصفيائه الأخيار من الغيب تغريد سواجع‏ (3) قضايا الأقدار، و أودع قلوبهم من جواهر المعرفة ما تحتار عيون البصائر و الأبصار، و أطمع نفوسهم من إحراز رموز كنوزها بيد الإظهار من سجف‏ (4) حجب الأستار الذي قدر حكم أحكامه و كل شي‏ء

____________

(1) ثبت في ب هكذا [يرحاه يرف نسمة لصبا].

(2) في [لكفاني‏].

(3) قال في القاموس: و سواجع و سجع ذلك المسجع قصد ذلك المقصد. انظر/ القاموس المحيط (3/ 36).

(4) قال في القاموس: السجف الستر أو الستران المقرونان بينهما فرجة أو كل باب ستر بسترين مقرونين فكل شق سجف و سجاف.

انظر/ القاموس المحيط (3/ 150).

34

عنده بمقدار، و بصر من شاء لإكرامه بنور الهامة، فاستخرج غرائب الأسرار بنواقب الأفكار و صلّى اللّه تعالى على سيدنا و سندنا محمد المصطفى المختار و مؤازريه الأئمة الأطهار، صلاة متصفة بالاستمرار متلوة آناء الليل و أطراف النهار.

تنبيه‏ (1): قال العلامة ابن حجر في كتابه الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم:

حرم عند أرباب القلوب على كل قلب شغل بالإرادات الدنية. و الشهوات الدنيوية أن يصل إليه المدد النبوي. بل ربما يخشى [عليه‏] (2) من الوقوف بين يديه (صلى اللّه تعالى و سلم عليه) فيجب الاجتهاد في تصفية الجنان مع ملاحظة الاستمداد. من سعة العفو عما لا وصول إليه، فإنه يمد كلا بما يناسب حاله، و لا وصول إلى الحضرة الإلهية إلا من بابه كما قيل:

و أنت باب اللّه أي امرى‏ء* * * أتاه من غيرك لا يدخل‏

- إسعاد و إمداد-

حكى القاضي شهاب الدين بن خلكان في ديوانه أن الفقيه منصور التميمي أصابته مسبغة في سنة شديدة القحط، فرقى سطح داره ليلا و نادى بأعلى صوته:

الغياث الغياث يا أحرار* * * نحن خلجانكم و أنتم بحار

إنما نحسن المواساة في الشدة* * * لا حين ترخص الأسعار

قال: فأصبح على بابه مائة حمل من البر. توفي الفقيه منصور الشافعي سنة ست و ثلثمائة.

و ما أحسن ما قال:

لا تحزنن و لا تخف‏* * * ودع التفكر و الأسف‏

أين عودك الجميل‏* * * فقس على ما قد سلف‏

لوائح و حوائج حكى بعض الأمراء: يسمع عن رجل من أهل اللّه تعالى أنه قال:

«من رآني ضمنت له على اللّه تعالى الجنة» فقال الأمير: كيف ساغ لهذا الرجل أن يقول‏

____________

(1) التنبيه لغة: الإيقاظ. انظر/ القاموس المحيط للفيروز أبادي (4/ 293). و اصطلاحا: عنوان البحث اللاحق الذي تقدمت له إشارة بحيث يفهم من الكلام السابق إجمالا، أي لفظ عنون به و عبر به عن البحث اللاحق. انظر/ السبع كتب مفيدة لعلوي السقاف (ص/ 63).

(2) سقط من «ب».

35

مثل هذا الكلام مع أن رؤية أبي جهل للنبي (صلى اللّه تعالى و سلم عليه) لم تفده فقال له بعض من سمعه: إنما أراد الشيخ بقوله «من رآني» رؤية ولاية [و أبو جهل‏] (1) لو رأى النبي (صلى اللّه تعالى و سلم عليه) رؤية نبوة لم [تفده‏] (2) السعادة على أنه «قيل بتخفيف العذاب عمن تشرف برؤيته».

يا أرمد العين قم قبالته‏* * * فدو باللحظ (3) نحوه رمدك‏

فائدة (4): رأيت في بعض التذاكر. أن من أصابه رمد يقف تجاه الحضرة الشريفة، و ينشد هذين البيتين مرات، فإنه يزول رمده.

قال و قد أصابني الرمد مرة [فقلت‏] (5) كذلك فزال ما اشتكيته و البيتان هما هذان:

أنت الملاذ و أنت الغوث للبشر* * * من معجزاتك رد العين [للنظر] (6)

فانظر إلي لعلي أن أرى فرجا* * * فبحر جودك يبرى‏ء شدة الضرر

و من الفوائد الشرجية ما يقرأ أو يكتب للرمد قول:

إذا ما مقلتي رمدت فكحلي‏* * * تراب مس نعل أبي تراب‏

هو البكاء في المحراب ليلا* * * هو الضحاك في يوم الضراب‏

و مما يكتب للرمد، و هو مروي عن ابن عجيل اليمني‏ (7):

يا ناظري بيعقوب أعيذكما* * * بما استعاذ به إذ مسه الكمد

قميص يوسف قد جاء البشير به‏* * * بحق يوسف اذهب أيها الرمد

قال في المواهب اللدنية: أنبئت أن العلامة أبي عبد اللّه ابن رشد قال: لما قدمنا المدينة الشريفة سنة أربع و ثمانين و ستمائة كان معي رفيقي الوزير أبو عبد اللّه بن أبي قاسم [بن‏] (8) الحكيم و كان أرمد العين فلما وصلنا ذا الحليفة نزلنا عن الأكوار و قد قوى الشوق لقرب المزار فنزل و بادر إلى المشي على قدميه. احتسابا لتلك الآثار و إعظامّا [لمن جل‏] (9) هاتيك الديار فأحس بالشفاء، [فأنشد لنفسه في وصف الحال‏] (10).

____________

(1) هكذا ثبت في أ [أبو عن‏].

(2) هكذا ثبت في أ [تفنه‏].

(3) كذا في الأصل.

(4) الفائدة لغة: ما استفيد من علم أو مال.

انظر/ القاموس المحيط (1/ 324).

و اصطلاحّا: المسئلة المرتبة على الفعل من حيث هي كذلك. و عرفت بأنها كل نافع ديني أو دنيوي. انظر/ السبع كتب مفيدة لعلوي السقاف (ص/ 63).

(5) ثبت في أ [ففعلت‏].

(6) في أ [للبشر].

(7) هو من العباد. انظر/ البداية و النهاية لابن كثير (13/ 306).

(8) سقط من «ب».

(9) في أ [لمرحل‏].

(10) سقط من «أ».

36

و لما رأينا من [ربوع‏] (1) [حبيبنا] (2)* * * [بيثرب‏]

(3) أعلامّا أثرن لنا الحيا

و بالترب منها إذ كحلنا جفوننا* * * شفينا فلا بأسّا نخاف و لا كربا

و حين تبدي للعيون جمالها* * * و من بعدها عنا أديلت لنا قربا

نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة* * * لمن حل فيها أن نلم بها ركبا

تسح سجال الدمع في عرصاته‏* * * و تلثم من حب لواطئه التربا

و ان بقائي دونه [لخسارة] (4)* * * و لو أن كفي تملك الشرق و الغربا

فيا عجبّا ممن يحب يزعمه‏* * * يقيم مع الدعوى و يستعمل الكثبا

و زلات مثلى لا تعده [كثرة] (5)* * * و بعدي عن المختار أعظمها ذنبا

[و من نبويات‏] (6) المواهب:

ألا مع برق يغتدي و يروح‏* * * أم النور من أرض الحجاز يلوح‏

أريج الصبا هبت بطيب عرفهم‏* * * أم الروض من وجه الصباح يفوح‏

إذا ريح ذاك الحي هبت فإنها* * * حياة لمن يغدو لها و يروح‏

ترفق بنا يا حادي العيس و التفت‏* * * فللنور بين الواديين وضوح‏

فما هذه إلا ديار محمد* * * و ذاك [شأنها] (7) من البقاع [يلوح‏] (8)

و ألا فما للركب هاج اشتياقهم‏* * * فكل من الشوق الشديد يصيح‏

و أتت مطايا القوم حتى كأنها* * * حمام على قصب الأراك تنوح‏

و قد مدت الأعناق شوقا و طرفها* * * إلى النور من تلك الرياح لموح‏

رأت دار من تهوى فزاد حنينها* * * و مدمعها في الوجنتين سفوح‏

إذا العيس باحت بالغرام و لم تطق‏* * * جفاء فما للصب ليس ينوح‏

قال في المواهب:

و لما قربنا من المدينة المنورة و أعلامها، و تدانينا من معاينة رباها الكريمة و آكامها، و انتشقنا عرف لطآئف أزهارها و بدت لنواظرنا بوارق أنوارها، و ترادفت واردات المنح و العطايا و نزل القوم عن المطايا.

أنشدت ممتثلا:

____________

(1) في أ [ريبوع‏].

(2) في أ [جيبنا].

(3) في أ [سرت‏].

(4) في ب [كخسارة].

(5) ثبت في أ [كثيرة].

(6) سقط من «أ».

(7) في ب [سناها].

(8) في ب [صريح‏].

37

أتيتك زائرّا و ودت أني‏* * * جعلت سواد عيني أمتطيه‏

و ما لي لا أشير على [المآقي‏] (1)* * * إلى قبر رسول الله فيه‏

و لما وقع بصري على القبر الشريف، و المسجد المنيف، فاضت من الفرح سوابق العبرات، حتى أصابت بعض الثرى و الجدارات، و كان ما كان مما لست [أذكره‏] (2) فظن خيرّا و لا تسأل عن الخبر.

[أنشد لنفسه أبو العباس أحمد بن محمد] (3)

أيها المغرم [المشوق‏] (4) هنيئّا* * * ما أنالوك‏ (5) من

لذيذ التلاقي‏

قل لعينيك تهملان سرورا* * * طالما أسعداك يوم الفراق‏

أبدل الوجد بالسرور ابتهاجا* * * و جميع الأشجان و الأشواق‏

و أمر العين أن تفيض سجالا* * * و توالي بدمعها المهراق‏

هذه دارهم و أنت محب‏* * * ما بقاء الدموع في [الأماق‏] (6)

[أنشد لنفسه أبو العباس أحمد بن محمد] (7)

إذا ما حدى‏ (8) الحادي يا جمال بيثرب‏* * * فليت المطايا فوق خدي

تعتق‏

فما عبق‏ (9) الريحان الا و تربها* * * أجل من الريحان طيبا و أعبق‏

و من محاسنها: حديث «من صلّى في مسجدي هذا أربعين صلاة كتب له براءة من النار و براءة من العذاب، و براءة من النفاق» (10).

و منها: «أنه من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة فيه كان بمنزلة حجة» (11).

____________

(1) في ب [اللأماق‏].

(2) كشط في «أ».

(3) كشط في «أ».

(4) في ب [المسلوق‏].

(5) قال في القاموس: اللوك أهون المضغ أو مضغ صلب أو علك الشي‏ء. انظر/ القاموس المحيط (3/ 318).

(6) في ب [الآفاق‏].

(7) سقط من «ب».

(8) سقط من «ب».

(9) أي لصق. انظر/ القاموس المحيط (3/ 260).

(10) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 191)- الحديث (12590). و الطبراني في الأوسط (5/ 325)- الحديث (5444).

و قال: لم يرو هذا الحديث عن أنس إلا نبيط بن عمر تفرد به ابن أبي الرجال. اه.

قال الحافظ الهيثمي بعد ما عزاه للإمام أحمد و الطبراني: و رجاله ثقات. انظر/ مجمع الزوائد للهيثمي (4/ 11).

(11) ضعيف جدّا: البيهقي في شعب الإيمان في فضل الحج و العمر (3/ 500)- و فيه يوسف بن طهمان، قال الحافظ ابن حجر:

واه. انظر/ لسان الميزان (6/ 322)- (1157).

38

و «أن إتيان مسجد قباء يعدل عمرة» (1).

«و أن صيام شهر رمضان في المدينة كصيام ألف شهر فيما سواها» (2) و كذا سائر أفعال البر فيها.

و كل عبادة شرعت بالمدينة فهي [بها] (3) أفضل منها و منها أن ما بين منبره و مسجده روضة من رياض الجنة و هذا جانب كبير من هذه البلدة المشرفة [بمكة] (4) و منها «حثه (عليه السّلام) على الموت بها و الوعد على ذلك بالشفاعة و الشهادة» (5).

و إني إذا أوعدته [أو وعدته‏] (6)* * * لمخلف إبعادي و منجز وعدي‏

و ما أحسن ما قال:

[لست آسى على تفرق شملي‏* * * غير قبري بأي أرض يكون‏] (7)

أ بأرض البقيع تحت تراب‏* * * فيه جدي و والدي مدفون‏

بين قوم أعزة من حماهم‏* * * و لهم عند ربهم تمكين‏

____________

(1) أخرجه الترمذي في الصلاة (2/ 145- 146)- الحديث (324). و قال: حسن غريب.

و النسائي في المساجد (1/ 258)- الحديث (77812). و ابن ماجه في إقامة الصلاة (1/ 453)- الحديث (1412). و الإمام أحمد في مسنده (3/ 591)- الحديث (15987). و ابن حبان في صحيحه (ص/ 256)- الحديث (1038/ موارد الظمآن) و الحاكم في المستدرك في الهجرة (1213) و قال: صحيح الإسناد و لم يخرجاه، و وافقه الذهبي. و الطبراني في الكبير (6/ 74- 75)- الحديث (5558- 5561). و البيهقي في شعب الإيمان في فضل الحج و العمر (3/ 499)- الحديث (4190). و ابن سعد في الطبقات (1/ 6). و أورده الحافظ السيوطي في الدر المنثور (3/ 277- 278). و أورده كذلك الحافظ الذهبي في الميزان (1/ 360).

(2) ضعيف: أخرجه الطبراني في الكبير (1/ 372)- الحديث (1144). و البيهقي في شعب الإيمان 30/ 486- 487)- الحديث (4147). و (4148) و قال: هذا حديث إسناده ضعيف بمرة. قال الحافظ الهيثمي بعد ما عزاه للطبراني: فيه عبد اللّه بن كثير و هو ضعيف. انظر/ مجمع الزوائد (3/ 304).

(3) سقط من «ب».

(4) سقط من «أ».

(5) أخرجه الترمذي من حديث عبد اللّه بن عمر و فيه [فإني أشفع لمن يموت بها» و قال: حديث حسن غريب. و أخرجه بنفس اللفظ الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد اللّه بن عمر (2/ 102)- الحديث (5436). و ابن ماجه في المناسك (2/ 1039)- الحديث (3112).

و البيهقي في شعب الإيمان في فضل الحج (3/ 497)- الحديث (4182).

(6) ثبت في أ [أ و ق عنه‏].

(7) سقط من «ب».

39

أم بأرض أخرى فيا ليت أني‏* * * من سوى أرض طيبة لا أكون‏

تلك أرض لخاطري مثل ليلى‏* * * و فؤادي بحبها المجنون‏

و ثراها لمقلتي أن تراها* * * إثمد منه تستنير العيون‏

إن ظني بخالقي لجميل‏* * * ليس في مثله تخيب الظنون‏

[و من محاسنها] (1): ان أهلها أول من يشفع لهم مع الاختصاص بمزيد الإكرام «و أنه يبعث الميت بها من الآمنين» (2).

«و انه يبعث من بقيعها سبعون ألفّا على صورة القمر يدخلون الجنة بغير حساب» (3).

و توكل ملائكة بمقبرة البقيع كلما امتلأت أخذوا بأطرافها، فكفوها من الجنة «و يبعث أهلها من قبورهم قبل سائر الناس» (4).

و ما أصدق ما قال:

____________

(1) سقط من أ.

(2) ضعيف: أخرجه الطبراني في الكبير (6/ 240)- الحديث (6104). و في الصغير (2/ 22)- و الدارقطني في سننه (2/ 278)- (193). و البيهقي في الكبرى (5/ 403)- الحديث (10273). و في شعب الإيمان (3/ 496- 497)- الحديث (4180، 4182).- أما سند الطبراني الكبير: ففيه عبد الغفور بن سعيد و هو متروك قاله الهيثمي. انظر/ مجمع الزوائد (2/ 322).- و أما سند الطبراني في الصغير: ففيه عبد اللّه بن المؤمل المكي و هو ضعيف. انظر/ تهذيب التهذيب (4316)- (3772).- و أما سند الدارقطني ففيه: هارون بن أبي قذعة، و قيل: هارون ابن قذعة، قال البخاري: لا يتابع عليه، و قال الأزدي هارون يروى عن رجل من آل خطيب المراسيل. انظر/ لسان الميزان (6/ 180).- و أما سند البيهقي في الكبرى فقال فيه مصنفه: إسناده مجهول.- و أما سند البيهقي في الشعب ففي إسناده الأول عبد الغفور بن سعيد قال البيهقي: و هذا ضعيف و روى بإسناد آخر. أه يعني الحديث (4182) و فيه عبد اللّه بن المؤمل و هو ضعيف. انظر/ تهذيب التهذيب (4316)- (3772)- تقريب التهذيب (ص/ 325) (3648)- إرواء الخليل للألباني (4/ 344)- (1127).

(3) أخرجه الطبراني في الكبير (25/ 181- 182)- الحديث (445). و قال الحافظ الهيثمي بعد ما عزاه للطبراني: فيه من لم أعرفه. انظر/ مجمع الزوائد (4/ 16). و أخرجه الحاكم في المستدرك في معرفة الصحابة (4/ 68).

(4) أخرجه الترمذي في المناقب (5/ 622)- الحديث (3692). و قال: حديث غريب، و عاصم بن عمر ليس بالحافظ. قال الحافظ ابن حجر: متروك. انظر/ تهذيب التهذيب (5/ 48)- (3173)- و الطبراني في الكبير (2/ 3051)- الحديث (13190)- و الحاكم في المستدرك في التفسير (2/ 465- 466)- و قال: صحيح الإسناد و لم يخرجاه و تعقبه الذهبي و قال: قلت:

عبد اللّه ضعيف.

40

ألا أيها الباكي على ما يفوته‏* * * من الحظ في الدنيا جهلت و ما تدرى‏

على قوت حظ من جوار محمد* * * حقيق بأن تبكي إلى آخر الدهرى‏

ستدري إذا قمنا و قد رفع اللوى‏* * * و أحمد هادينا إلى موقف الحشرى‏

من الفائز المغبوط في يوم عرضه‏* * * أجار النبي المصطفى أم أخو الوفر

[و منها] (1): «شفاعته أو شهادته (عليه السّلام). لمن صبر على لأوائها» (2) (3) و شدتها. «و وجوب شفاعته لمن زاره بها» (4).

قم وزر حجرة الرسول و يمم‏* * * كعبة الجود معدن الأسرار

و إذا لم تجد إليه سبيلا* * * زر حماه بالوصف و الأخبار

و منها: «اللعنة و الوعيد الشديد لمن أخاف أهلها أو ظلمهم» (5) و ان من «أرادها و أهلها بسوء أذابه اللّه كما يذوب الملح [في الماء] (6) (7)». و عنه عليه الصلاة و السلام‏

____________

(1) سقط من أ.

(2) أي شدتها. انظر/ القاموس المحيط (4/ 384).

(3) صحيح: أخرجه مسلم في الحج (2/ 1004- 1005)- الحديث (1377/ 481). و الترمذي في المناقب (3918). و الإمام مالك في الموطأ في الجامع (2/ 885- 886)- الحديث (3).

و الإمام أحمد في مسنده (2/ 162)- الحديث (6006). و البغوي في شرح السنة (7/ 324)- الحديث (2019).

(4) ضعيف: أخرجه الدارقطني في سننه (2/ 278)- (194) و البزار و فيه عبد اللّه بن إبراهيم الغفاري ضعيف. كما في مجمع الزوائد (4/ 5). و أورده الحافظ ابن حجر في اللسان و ضعفه. انظر/ لسان الميزان (6/ 136).

(5) متفق عليه: أخرجه البخاري في فضائل المدينة (4/ 97- 98)- الحديث (1870). و مسلم في الحج (2/ 994)- الحديث (1370). و أبو داود في المناسك (2/ 223)- الحديث (2034). و البغوي في شرح السنة (7/ 307)- الحديث (209).

(6) سقط من «ب».

(7) صحيح: أخرجه مسلم في الحج (2/ 1007- 1008)- الحديث (492/ 1386). و ابن ماجه في المناسك (2/ 1039)- الحديث (3114). و الإمام أحمد في مسنده (2/ 474)- الحديث (8708). و البغوي في شرح السنة (7/ 318)- الحديث (2014). و أخرجه البخاري في فضائل المدينة عن سعد مرفوعّا بلفظ «لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء». في فضائل المدينة (4/ 112)- الحديث (1877). قال الحافظ ابن حجر: إنماع أي ذاب ثم ذكر الرواية المخرجة ثم قال: نعم في أفراد مسلم من طريق عامر بن سعد عن أبيه في أثناء حديث «و لا يريد أهل المدينة بسوء إلا أذابه اللّه في النار ذوب الرصاص أو ذبح الملح في الماء». قال: قال القاضي عياض: هذه الزيادة تدفع إشكال الأحاديث الآخر، و توضح أن هذا حكمه في الآخرة، و يحتمل أن يكون المراد من أرادها في حياة النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-

41

«ما من مسلم يسلم [علي‏] (1) في شرق و لا غرب إلا انا و ملائكة ربي ترد (عليه السّلام)» (2) فقيل له فما بال أهل المدينة فقال: و ما يقال لكريم من جيرانه و جيرته، إن مما أمر به من حفظ الجوار حفظ الجار.

و قال بعضهم: تأكدت وصيته صلّى اللّه تعالى عليه و سلم بقوله «حقيق على أمتي حفظ جيراني». و قوله «لا يزال جبريل يوصيني بالجار» (3) (4)، و لم يخص جارّا دون جار و فهم منه أن سكان بلده قريبهم و بعيدهم حاضرهم و غائبهم. مليهم و عاجزهم، على حد السواء في استحقاق الرعاية من حيث الجوار، و إنما التفاضل بالتقوى و حسن الأدب، فنسأل اللّه تعالى كما من علينا بنعمة الإسلام، و خصنا بجوار نبيه عليه أفضل الصلاة و أزكى السلام. أن يوفقنا سلوك [الأدب‏] (5) في هذا المقام و أن يرزقنا و المسلمين شفاعته في يوم الزحام و ان [يلهم‏] (6) من ولي شيئّا من أمورنا الرفق بنا و حسن القيام.

____________

- و سلم- بسوء اضمحل أمره كما يضمحل الرصاص في النار، فيكون في اللفظ تقديم و تأخير، و يؤيده قوله «أوذب الملح في الماء»، و يحتمل أن يكون المراد لمن أرادها بسوء و أنه لا يمهل بل يذهب سلطانه عن قرب كما وقع لمسلم بن عقبة و غيره فإنه عوجل عن قرب و كذلك الذي أرسله. قال: و يحتمل أن يكون المراد من كادها اغتيالا و طلبا لغرتها في غفلة فلا يتم له أمر، بخلاف من أتى جهارا كما استباحها مسلم بن عقبة و غيره. انظر/ فتح الباري (4/ 112- 113).

(1) سقط من «ب».

(2) ضعيف جدّا: أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (6/ 349) و فيه عبيد اللّه بن محمد العمري اتهمه الذهبي بالوضع. انظر/ ضعيفة الألباني (1/ 371)- (5).

(3) اسم الجار يشمل المسلم، و الكافر، و العابد، و الفاسق، و الصديق، و العدو، و الغريب، و البلدي، و النافع، و الضار، و الغريب، و الأجنبي و الأقرب دارّا و الأبعد، و له مراتب بعضها أعلى من بعض، فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها ثم أكثرها و هلم جرّا إلى الواحد و عكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك فيعطي كل حقه بحسب حاله، و قد تتعارض صفتان فأكثر فيرجح أو يساوي. انظر/ فتح الباري (10/ 456).

(4) متفق عليه: أخرجه البخاري في الأدب (10/ 455)- الحديث (6015)- و مسلم في البر و الصلة (4/ 2025)- الحديث 14/ 2624 و أبو داود في الأدب (4/ 340- 341)- الحديث (5151). و الترمذي في البر و الصلة (4/ 332- 333)- الحديث (1942)- و ابن ماجه في الأدب (2/ 1211)- الحديث (3673)- و الإمام أحمد في مسنده (6/ 209)- الحديث (25594).

(5) سقط من «أ».

(6) في ب [يراهم‏].

42

يروى عن مالك (رحمه اللّه تعالى): أنه دخل على المهدي فقال له [أوصني فقال‏] (1): أوصيتك بتقوى اللّه، و العطف على أهل بلد رسول اللّه (صلى اللّه تعالى و سلم عليه) و جيرانه، فإنه بلغنا أنه قال «المدينة مهاجري، و منها مبعثي، و بها قبري، و أهلها جيراني و حقيق على أمتي حفظ جيراني، فمن حفظهم كنت له شفيعّا و شهيدا يوم القيامة و من لم يحفظ وصيتي في جيراني. سقاه اللّه من طينة الخبال» (2).

و ما أحسن ما قال:

لي فيك يا ربع الحبيب معاهد* * * قلبي المقيم على العهود موادد

و لساكنيك علي حفظ مودة* * * ما خنتهم أبدّا و ربي شاهد

و منها الوعيد لمن لم يكرم أهلها و إن إكرامهم و حفظهم. حق على الأمة قال بعضهم: ليس المراد إكرام أهل النعم منهم و المستورين بالأداب فإن [قال‏] (3) أولئك تقضي بإكرامهم، و إنما الكلام في إكرام المبتلي منهم و من عدم الأدب و الفضيلة، و ألبسته الفاقة رداء المذلة، و كان يقال: إذا أقبلت الدنيا على قوم، ألبستهم محاسن غيرهم، و إذا دبرت عن قوم سلبتهم محاسن أنفسهم و هذه الدسائس أيضّا تكشف عند التأمل، و التوفيق لمن يدعي [محبة] (4) آل النبي (صلى اللّه تعالى و سلم عليه). و ما أحسن ما قال:

يا أهل طيبة قد سكنتم أضلعي‏* * * فودادكم نام و شوقي محكم‏

لا غرو أن أبغي هواكم منشدّا* * * من أجل عين ألف عين تكرم‏

[و منها] (5) حديث «من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي» (6).

____________

(1) سقط من «ب».

(2) ضععيف جدّا: أخرجه الطبراني في الكبير (20/ 205)- الحديث (470). و في سنده عبد السلام بن أبي الجنوب: قال ابن المديني و الدارقطني منكر الحديث. و قال أبو حاتم: شيخ متروك. و عزاه الحافظ الهيثمي للطبراني قال: فيه عبد السلام بن أبي الجنوب. انظر/ مجمع الزوائد (3/ 313)- (تهذيب التهذيب (6/ 278)- 4214.

(3) في أ [حالة].

(4) في ب [حب‏].

(5) سقط من أ.

(6) منقطع: أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 480)- الحديث (15233) و فيه زيد بن أسلم و هو لم يسمع من جابر- رضي اللّه عنه- قال الدوري عن ابن معين: لم يسمع من جابر و لا من أبي هريرة. انظر/ تهذيب التهذيب (3/ 345)- (2206).

43

و ما ألطف ما قال:

فنحن بقربه فيما اشتهينا* * * و أحببنا و ما اخترنا و شينا

يقينّا لا نخاف و إن ظننا* * * به خيرّا أراناه يقينا

نميل على مكارمه كأنا* * * إذا قلنا نميل على أبينا

[و منها] (1) حديث «من غاب عن المدينة ثلاثة أيام جاء و قلبه مشرب جفوة» (2).

[و ما أحسن ما قال‏] (3):

و مسك حديثي في هواها لأهله‏* * * [يضرع‏] (4) و في سمع الخلبين

ضائع‏

سلا و هل سلا قلبي هواها و هل له‏* * * سواها إذا اشتدت عليه الوقائع‏

و قولا لها يا قرة العين هل إلى‏* * * لقاك سبيل ليس فيه موانع‏

و ما أحسن ما قال:

قنعنا بنا عن كل من لا يريدنا* * * و إن حسنت أوصافه و نعوته‏

نحن جاءنا يا مرحبا بمجيئه‏* * * يجد عندنا ودّا صحيحا ثبوته‏

و من صد عنا حسبه الصد و القلا (5)* * * و من فاتنا يكفيه أنا نفوته‏

و منها ما يوجد بها من رائحة الطيب الزكية و طيب العيش بها خصوصّا لأهلها الذين لا تغلق لهم بالدول و الدنيا.

[رياض‏] (6) نجد عرفها ضائع‏* * * و نشرها الأرجاء قد [عمنا]

(7)

و من يقل في المسك اين الشذا* * * كذبه في الحال من [شما] (8)

قال القزويني:

في كتابه آثار البلاد و أخبار العباد عند ذكر المدينة المنورة:

و للطيب فيها فضل رائحة* * * عليه منه في غيرها

و ما أحسن ما قال:

____________

(1) سقط من أ.

(2) أخرجه الطبراني في الأوسط (1/ 269)- الحديث (876). و قال الحافظ الهيثمي بعد ما عزاه للطبراني في الأوسط: فيه علقمة بن علي و لم أعرفه. انظر/ مجمع الزوائد للهيثمي (3/ 313)- مجمع البحرين (1817) و الصواب أنه [عقبة بن علي‏] قاله طارق بن عوض اللّه.

(3) ثبت في ب [و قال بعضهم‏].

(4) في أ [يضوع‏].

(5) غاية الكره. انظر/ القاموس المحيط (4/ 380).

(6) ثبت في ب [ريانن‏].

(7) في أ [عما]

(8) في أ [سما].

44

يا خير من دفنت في التراب أعظمه‏* * * فطاب من طيبهن [القاع‏] (1)

والاكم‏

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه‏* * * فيه العفاف و فيه الجود و الكرم‏

و قال آخر:

أكرم بها بقعة بالمصطفى شرفت‏* * * على البقاع فضمت أكرم الرسل‏

أجل من وطى‏ء القبر و أفضل من‏* * * مشى على الأرض من حاف و منتعل‏

و لله در القائل:

طاب الصعيد بجسمه فكأنه‏* * * روض [ينم‏] (2) بعرفه المثارج‏

ما جسمه مما يغيره الليلا* * * و الروح منه كالصباح الأبلج‏

و منها أن من عاب قرابتها أو [انتقص‏] (3) سكانها استحق التعزير.

و قد عزر مالك (رحمه اللّه تعالى) شخصّا لنقص تربتها بأنها سبخة.

و ما ألطف ما قال:

دار طه هي التي أتوخى‏* * * و لطه تشتاقها الأعضاء

فعليها من المهيمن نور* * * و على التراب راية بيضاء

و لله در الأمير أبي فراس حيث يقول:

على الربع العامرية وقفة* * * ليملي على الشوق و الدمع كاتب‏

و من مذهبي حب الديار لأهلها* * * و للناس فيما يعشقون مذاهب‏

قال في الوفاء و لا يجوز لغير أهل المدينة المنورة أن يماروا أهل مكة المكرمة، أو ينافسوهم لأن اللّه تعالى فضلهم على سائر البلاد.

و من محاسن المدينة « [زيادة] (4) البركة بها على مكة» (5) و أن المدعو به بها من البركة ستة أضعاف ما لمكة من البركة» (6) و منها أن خبر الواحد إذا عارضه إجماع أهل المدينة (7) قدم إجماعهم، كما نقل عن مالك (رحمه اللّه تعالى).

و قيل: البقاع لا أثر لها في ذلك و فيه نظر.

____________

(1) في أ [الإقاع‏].

(2) سقط من «ب».

(3) في أ [أنقص‏].

(4) سقط من «ب».

(5) تقدم تخريجه.

(6) لم أجده في مظانه.

(7) ليس إجماع أهل المدينة إجماعا بمعنى [اتفاق المجتهدين ... إلخ‏] لأنهم بعض المجتهدين، و الإجماع اتفاق كل المجتهدين الموجودين في عصر واحد، و من هنا قال جمهور العلماء إن إجماع أهل المدينة ليس حجة على غيرهم إذا خالفهم-

45

و تأمل في الأرض آيات فلا تك منكرّا* * * و عجائب الأشياء من ملكوته‏

و منها: حديث «يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل فلا يجدوا عالما أعلم من عالم المدينة» (1).

قيل معناه: أن العالم من أهل المدينة أعلم منه من غير أهلها، و فيه إشارة إلى أن للبقاع أثرّا في ذلك و في الأرض قطع متجاورات فافهم.

و قول ابن عيينة: نرى هذا العالم مالك بن أنس لا يمنع من ذلك، لأن مالكا كان إذ ذاك من علماء المدينة [و يؤيده‏] (2) قول سفيان، و قد قيل له ما قاله ابن عيينة. «إنما العالم من يخشى اللّه تعالى. و لا يعلم أحد كان أخشى للّه تعالى من العمري قتيبة.

____________

- لأن الأدلة إنما أثبتت عصمة الكل عن الخطأ و لم تثبت عصمة البعض عنه، فكان قول الكل هو الحجة. و قال الإمام مالك- رضي اللّه عنه-: إن إجماعهم حجة إذا كانوا من الصحابة أو التابعين و استدل على ذل بما يأتي: أولا: قوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- «إن المدينة طيبة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد». و وجه الدلالة: أن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- أخبر عن المدينة بأنها طيبة و أنها تنفي الخبث، و المراد نفي الخبث عن أهلها فلا يقع الخبث منهم و الخطأ نوع من الخبث فلا يقع من أهل المدينة خطأ، فيجب قبول قولهم لعصمتهم و هو المدّعي. و ثانيّا: ان الصحابة و التابعين- (رضوان اللّه عليهم أجمعين) أعرف الناس بأحوال الرسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- و خصوص من وجد منهم بالمدينة لأنهم شاهدوا التنزيل و سمعوا التأويل، فإذا أجمعوا على أمر أحالت العادة أن يكون ذلك الإجماع عن دليل مرجوح و قضت بأن يكون عن دليل راجح فيقبل قولهم لذلك و يكون حجة على غيرهم. و الجواب عن الدليلين: أما الدليل الأول:

فأولا: لا نسلم أن الخطأ نوع من الخبث بل هو مباين له لأن الخطأ معفو عنه و الخبث منهي عنه، يدل لذلك قوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- «رفع عن أمتي الخطأن»، و قوله «الكلب خبيث و ثمنه خبيث و مهر البغي خبيث». و ثانيّا: سلمنا أن الخطأ نوع من الخبث و لكن نقول: إن الأخبار عن المدينة بأنها طيبة تنفي الخبث لا ينافي أن غيرها كذلك، و تخصيصها بالذكر لإظهار شرفها و خطرها فيكون خبر غيرهم مقبولا كخبرهم متى تحققت فيهم العصمة. و يناقش الدليل الثاني: بأن ما قيل في أهل المدينة من الصحابة و التابعين يتحقق في الصحابة و التابعين من غير أهلها كأهل البصرة و الكوفة، و كان مقتضى هذا أن يكون إجماعهم حجة مع أن مالكا لم يقل بذلك و إذا علم أن مدار الاجتهاد في الأحكام على النظر و البحث و الاستدلال و ذلك لا يختلف بالقرب و البعد و لا باختلاف الأماكن، علم أن تخصيص إجماع أهل المدينة بالحجية لا وجه له. انظر/ المستصفى للغزالي (1/ 187). فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت (2/ 232). إحكام الأحكام للآمدي (1/ 349). أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير (3/ 154).

(1) أخرجه الترمذي في العلم (5/ 47)- الحديث (2680)- و النسائي في الكبرى في الحج (2/ 489)- الحديث (1/ 4291). و الإمام أحمد في مسنده (2/ 400)- الحديث (7999)- و ابن حبان في صحيحه (ص/ 574)- الحديث (2308/ موارد الظمآن و الحاكم في المستدرك في العلم (1/ 90- 91).

(2) في أ [و يؤيد].

46

و من محاسنها: قلة المظالم بها [و شذور] (1) التظاهر فيها بالمنكرات بالنسبة إلى غيرها من بلاد الإسلام.

[و ما أصدق القائل‏] (2):

[قل‏] (3) لمن أبصر حالا منكرة* * * و رأى من دهره ما حيره‏

ليس بالمنكر ما أبصرنه‏* * * إن من عاش يرى ما لم يره‏

و قال آخر:

قل لمن شاهد أمرّا أقلقه‏* * * و رأى ما يستحيل الفسقة

سترى هذا الذي تنكره‏* * * مستحبّا بعد تلك الطبقة

[و من محاسنها] (4) حديث «المدينة كالكير (5) تنفي [خبثها] (6) (7) (8) (9)».

____________

(1) في ب [و سدود].

(2) في أ [و ما أصدق ما قال‏].

(3) في أ [من‏].

(4) في ب [و منها].

(5) بكسر الكاف و سكون التحتانية، و فيه لغة أخرى كور بضم الكاف، و المشهور بين الناس أنه الزق الذي ينفخ فيه لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير حانوت الحداد و الصائغ. قال ابن التين: الكير هو الزق و الحانوت هو الكور. و قال صاحب المحكم: الكير الزق الذي ينفخ فيه الحداد. قال الحافظ: و يؤيد الأول ما رواه عمرو بن شبة في أخبار المدينة [قيد الطبع بتحقيقنا محمد فارس‏] بإسناد إلى أبي مردود قال: رأى عمر بن الخطاب كير حداد في السوق فضربه برجله حتى هدمه.

انظر/ فتح الباري (4/ 105).

(6) الخبث: بفتح المعجمة و الموحدة بعدها مثلثة أي وسخه الذي تخرجه النار، و المراد أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل، بل تميزه عن القلوب الصادقة و تخرجه كما يميز الحداد ردي‏ء الحديد من جيده.

و نسبة التمييز للكير لكونه السبب الأكبر في اشتعال النار التي يقع التمييز بها. انظر فتح الباري (4/ 105).

(7) استدل بهذا الحديث على أن المدينة أفضل البلاد. قال المهلب لأن المدينة هي التي أدخلت مكة و غيرها من القرى في الإسلام فصار الجميع في صحائف أهلها، و لأنها تنفي الخبث. قال الحافظ ابن حجر:

و أجيب عن الأول بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة فالفضل ثابت للفريقين و لا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين. و عن الثاني: بأن ذلك إنما هو في خاص من الناس و من الزمان بدليل قوله تعالى: وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ»، و المنافق خبيث بلا شك، و قد خرج من المدينة بعد النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- معاذ و أبو عبيدة و ابن مسعود و طائفة ثم علي و طلحة و الزبير و عمار و آخرون و هم من أطيب الخلق، فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس و وقت دون وقت. قال ابن حزم: لو فتحت بلد من بلد فثبت بذلك الفضل للأولى للذم أن تكون البصرة أفضل من خراسان و سجستان و غيرهما مما فتح من جهة البصرة و ليس كذلك. انظر/ فتح الباري (4/ 105- 106).

(8) سقط من ب.

(9) متفق عليه: أخرجه البخاري في فضائل-

47

قيل: معناه تصفي أهلها من الكدورات، حتى يكونوا محلا للفيض الرحماني.

و قيل هو على بابه و يكون إخراج الخبيث منها زيادة في [حسرته‏] (1) و هذا بعيد مما أعتقده. أو هو من باب الترهيب.

فهذا اختياري فوافق ان رضيت به‏* * * او لا فدعني و من أهوى و اختاره‏

و ما أحسن ما كتب به بعضهم إلى أبي الوفا:

أيجوز أن أظمأ و ماء غديركم‏* * * عذب و فيه من الزلال‏ (2) رحيق‏

و يضيمني دهري و في عتباتكم‏* * * تلقى الرجال و تستريح النوق‏

«فكتب له الجواب»

أهلا و سهلا إن أتيت و مرحبّا* * * ما في حمى كرم الأحبة ضيق‏

لا [تيأس‏] (3) من روح من أحببته‏* * * فعلى الأحبة [للمحب‏] (4) حقوق‏

و ما أحسن ما قال:

و بعد ذاك الجفا إن جئت معتذرّا* * * إلى حمانا تجد عفوّا و غفرانا

حتى تظن بأن الوصل ما برحت‏* * * أيامه و كأن الهجر ما كانا

و من محاسنها أنه (عليه السّلام). «رأى أنه أصبح على بئر من آبار الجنة».

فأصبح على بئر غرس. و «رؤيا الأنبياء حق» [عليهم الصلاة و السلام‏] (5) (6).

____________

- المدينة (4/ 115)- الحديث (1883). و مسلم في الحج (2/ 1006)- الحديث (489/ 1383). و الإمام أحمد في مسنده (3/ 479)- الحديث (15225). و الإمام مالك في الموطأ (2/ 886)- الحديث (4).

(1) سقط من «ب».

(2) الماء الزلال: البارد العذب الصافي. انظر/ القاموس المحيط (3/ 389).

(3) في أ [تنأس‏].

(4) سقط من «ب».

(5) سقط من أ.

(6) بلفظ «رؤيا النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- حق» أخرجه: الإمام أحمد في مسنده (5/ 276)- الحديث (22096).

48

و منها [أن‏] (1) العجوة من الجنة (2). فقد اشتملت المدينة المنورة على شي‏ء من أرض الجنة [و مياهها] (3) و ثمارها ... و ما أحسن ما قال:

رياض نجد بكم جنان‏* * * فضية حورها حسان‏

و ترب واديكم بنجد* * * مسك و حصباؤها جمان‏

و الجار في ربعكم عزيز* * * و الحد في أرضكم مصان‏

و الريح من [شعبكم‏] (4) عبير* * * و الزهر ورد و زعفران‏

يا من لهم في الفؤاد مثوى‏* * * عذابه يشهد الجنان‏

كم حن قلبي إلى لقاكم‏* * * [و بيننا] (5) الغور و الرعان‏

و كنت أخفي الهوى و دمعي‏* * * من شدة الوجد ترجمان‏

و بالجملة فقد اشتملت المدينة الشريفة على محاسن تعشقها العقول و أوانس ما بين القلب و همومه تحول. و لطائف تعطر أندية الأفكار طيبا، و تعطى من تعرض لنفحاتها من عرفها الطيب نصيبّا.

و حدثتني يا سعد عنها فزدتني‏* * * شجونّا فزدني من حديثك يا سعد

فما أحلى ذاك الحديث و هو حبيب النفس و عشيق الطبع و سمير ضمير الجمع. تتولع به الأرواح لا الرياح، و تزهى به الألسن لا الأغصن، و تبدو به طلعة البئر لا الشجر [و يحلو] (6) بجناه. الجنان لا الجنان [يجلو به‏] (7) المنطق السحار لا الأسحار.

أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره‏* * * هو المسك ما كررته [يتضوع‏] (8)

فإن قر قلبي فاتهمه و قل له‏* * * بمن أنت بعد العامرية [تولع‏] (9)

قال المجد الشيرازي في المغانم المطابة في مقام طابة: و بعد فإن العناية بالمدينة

____________

(1) سقط من «ب».

(2) أخرجه الترمذي في الطب (4/ 401)- الحديث (2068). و ابن ماجه في الطب (3/ 1143)- الحديث (3455).

و الدارمي في الدقاق (2/ 436)- الحديث (2840). و الإمام أحمد في مسنده (3/ 520)- الحديث (4/ 155). و البغوي في شرح السنة (11/ 326).

(3) في أ [و ميائها].

(4) في ب [أرضكم‏].

(5) في أ [و بغينا] هكذا رسمت.

(6) في أ [و يسمح‏].

(7) في أ [و يجلوه‏].

(8) في أ [ينضوع‏].

(9) في أ [مولع‏].

49

الشريفة متعينة و الرعاية لتعظيم حرمتها لكل خير متضمنة و الوسيلة [تبشر] (1) شرفها شائعة و الفضيلة لا شتات معاهدها جامعة لأنها طابة ذات الحجر المفضلة، و دار الهجرة المكملة و حرم النبوة المشرف بالآيات المنزلة و البقعة التي تهبط الإملاك عليها «و المدينة التي يأرز (2) الإيمان إليها» (3) (4) و المشهد التي تفوح أرواح نجد من ثياب زائريه و المورد الذي لا تروى من الشوق إليه غلة واردية و البقعة التي خصها اللّه تعالى بالنبي الأطهر «و الحومة التي فيها الروضة المقدسة بين القبر و المنبر» (5) و التربة التي سمت على الآفاق بساكنها و فضلت على جميع بقاع الأرض بالبقعة [التي‏] (6) هي أفضل أماكنها.

بقعت ضمت الرسول تسامت‏* * * و علا قدرها على الآفاق‏

فهي عند الجميع لا شك خير* * * من جميع الثرى على الإطلاق‏ (7)

و جدير [لمواطن‏] (8) عمرت بالوحي و التنزيل. و تردد فيها الأمين جبريل [عليه‏

____________

(1) في ب [تنشر].

(2) بفتح أوله و سكون الهمزة و كسر الراء، و قد تضم بعدها زاي، و حكى ابن التين عن بعضهم فتح الراء و قال: إن الكسر هو الصواب، و حكى أبو الحسن بن سراج بضم الراء، و حكى القابسي الفتح و معناه ينضم و يجتمع. انظر/ فتح الباري (4/ 111).

(3) قال الحافظ ابن حجر: كل مؤمن له في نفسه سائق إلى المدينة لمحبته في النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- فيشمل ذلك جميع الأزمنة لأنه في زمن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- للتعلم منه، و في زمن الصحابة و التابعين و تابعيهم للاقتداء بهديهم، و من بعد ذلك لزيارة قبره- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- و الصلاة في مسجده و التبرك بمشاهدة آثاره و آثار أصحابه. و قال الداردي أكان هذا في حياة النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- و الفرق الذي كان منهم و الذين يلونهم و الذين يلونهم خاصة. و قال القرطبي: فيه تنبيه على صحة مذهب أهل المدينة و سلامتهم من البدع و أن عملهم حجة كما رواه الإمام مالك اه. قال الحافظ: و هذا إن سلم اختص بعصر النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- و الخلفاء الراشدين و أما بعد ظهور الفتن و انتشار الصحابة في البلاد و لا سيما في أواخر المائة الثانية و هلم جرّا فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك. انظر/ فتح الباري (4/ 112).

(4) أخرجه البخاري في فضائل المدينة (4/ 111)- الحديث (1876). و مسلم في الإيمان (1/ 131)- الحديث (147/ 233). و الترمذي في الإيمان (5/ 18)- الحديث (2630). و ابن ماجه في المناسك (2/ 1038)- الحديث (3111).

(5) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 79)- الحديث (11616). و البيهقي في الكبرى في الحج (5/ 404)- الحديث (10281). و الطبراني في الكبير (12/ 294)- الحديث (13156).

(6) سقط من «ب».

(7) في أ [عمرت‏].

(8) سقط من «أ».

50

السلام‏] لمواطن صح و اشتملت تربتها على جسد سيد البشر، و انتشر عنها من دين اللّه تعالى ما انتشر. مدارس آيات و مساجد صلوات، و مشاهد خيرات، و معاهد معجزات، مناسك دين، و مسالك تمكين، مواقف سيد المرسلين، و متبوء خاتم النبيين، حيث انفجرت النبوة و فاض عبابها و مواطن [مهابط] (1) الرسالة و أول [أرض‏] (2) مس جلد المصطفى ترابها، أن تعظم حوماتها و تستنشق نفحاتها، و تقبل ربوعها و ساحاتها.

دار خير المرسلين و من به‏* * * هدى الأنام و خص بالآيات‏

عندي لأجلك لوعة و صبابة* * * و تشوق متضاعف الزفرات‏

و علي عهد إن ملأت محاجري‏* * * من تلكم الحومات و الساحات‏

لأعفرن مصون وجهي [بينها] (3)* * * و أقبل الآثار و الحجرات‏

قال في المواهب اللدنية: و قد أطلت في الاحتجاج لتفضيل المدينة على مكة، و إن كان مذهب إمامنا الشافعي تفضيل مكة لأن هوى كل نفس حيث حل حبيبها على أن للقلم في أرجاء تفضيل المدينة مجالا واسعا و مقالا جامعا، لكن الرغبة في الاختصار تطوي أطراف بساطه و الرهبة من الإكثار [تصدق‏] (4) و عن تطويله و إفراطه و أنت إذا تأملت قوله (عليه السّلام) «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه و قريبه هلم إلى الرخاء و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون و الذي نفسي بيده لا يخرج أحد منها رغبة عنها إلا أخلف اللّه فيها خيرا منه» (5) ظهر لك أن فيها [إشعارا يذم‏] (6) الخروج من المدينة بل نقل المحب الطبري عن قوم انه عام أي مطلقّا [أبدا] (7) و قال انه ظاهر [اللفظ] (8) انتهى.

و أقول [في المعنى‏] (9)

أيا ساكني أكناف طيبة حسبكم‏* * * من السعي [للعليا] (10) جيرة أحمد

____________

(1) في ب [مرابط].

(2) في ب [جلد].

(3) في ب [بنيها].

(4) سقط من «ب».

(5) أخرجه مسلم في الحج (2/ 1005)- الحديث (487/ 1381). و الإمام مالك في الموطأ في الجامع (2/ 887)- (7).

و الإمام أحمد في مسنده (2/ 611)- الحديث (1006).

(6) كشط في «أ».

(7) سقط من «أ».

(8) في أ [اللغة].

(9) سقط من «أ».

(10) في ب [للعمياء].

51

فمن يبتغي عنها بلادا و إن سمت‏* * * لأمر من الدنيا فليس بمهتد

و ما أحسن ما قال [الناظمي‏] (1) محمد بن مسدد

علي عهود عن دياركم لا [أخطو] (2)* * * و لو [طال‏]

(3) فيها العيش أو طاول القحط

على أنني فيها على خير حالة* * * عزيز جناب لا يزاولني البسط

أبى اللّه أن ترضى سواها [حيلتي‏] (4)* * * [فتنتقل‏] (5) أقدامي إلى غيرها الوخط (6)

أأرحل عمن لا يضام نزيله‏* * * و من لا يطيق الخطب في جاره [يسط] (7) (8)

[أأضرب‏] (9) صفحا عن شفيعي و نافعي‏* * * إذا أعرضت عن الأقارب [و الرهط] (10)

فما أسعد القوم الذين [رضوا] (11) به‏* * * معينا و في أكنافه أبدا حطو

أولئك يمحو اللّه عنهم ذنوبهم‏* * * و لو عظمت فحشا و لم يمحوها ضبط

[فكم‏] (12) عسرات إلي أقيلت ببائه‏* * * و من شدة حلت و قد أحكم الربط

و لى هفوات قد كثرت و لا أرى‏* * * لها غير جاه المصطفى نافعا قط

فيا سيدي سل لي من اللّه عطفة* * * و طيب رضى لا يختشى بعده سخط

و جبر الكسير ظالما قد شكوته‏* * * إليك فداركني ليجبر الوهط (13)

و خذ بيدي يا أكرم الخلق عند ما* * * أقدم يوم العرض إذ ينصب القسط

هناك لك العليا هناك لك الرضا* * * هناك لك العز الذي ماله خلط

عليك صلوات اللّه ثم سلامه‏* * * و آلك و الأصحاب ما اضطرب الخمط (14)

____________

(1) في أ [النظمى‏].

(2) في ب [أحل‏].

(3) في أ [ضاق‏].

(4) في أ [جيلتي‏].

(5) في أ [فتنقل‏].

(6) الوخط: خفق النعال. انظر/ القاموس المحيط (2/ 390).

(7) السط: الجور. انظر/ القاموس المحيط (2/ 364).

(8) في أ [يسطو].

(9) في أ [أأطرب‏].

(10) في أ [الرمط] و هو مجتمع. انظر/ القاموس المحيط (2/ 361).

(11) في ب [ارتضوا].

(12) في ب [فلم‏].

(13) الوهط: الطعن أو الخصومة. انظر/ القاموس المحيط (2/ 392).

(14) الخمط: كل شجر لا شوك له و ثمر الأراك و ثمر قسوة الضبع. انظر/ القاموس المحيط (2/ 359).

52

باب فيما يتعلق بالحجرة المعطرة

و المنبر الشريف و ذكر فضل الروضة [المطهرة] (1) و المسجد المنيف [نفائس هذا الباب‏] (2) أنفاس روضة. و نظم المعاني سلسبيل و سلسل.

لما بنى النبي صلى اللّه عليه و سلم مسجده بنى لنسائه حجرا على نعت بناء المسجد من اللبن و جريد النخل و هي تسعة أبيات على أبوابها مسرح الشعر الأسود طول كل ستر ثلاثة أذرع [و] (3) و العرض ذراع، فلما كانت أيام الوليد بن عبد الملك أمر بإدخالها في المسجد و لم تكن منه قبل بنائها.

[و عن‏] (4) سعيد بن المسيب انه قال «وددت انهم لو تركوها على حالها ينشأنا شي‏ء من المدينة و يقدم قادم من الآفاق فيرى ما اكتفى به رسول اللّه (صلى اللّه تعالى و سلم عليه)، في حياته فيكون ذلك فيما يزهد الناس في التكاثر و التفاخر.

قلت: و حيث قامت بأوصاف هذه الحجر أقلام الأعلام فهي بأبصار التصور لذي الاعتبار مشاهدة و لكن المحسن و المقبح كما يقال هو العرف فيا ليت شعري ما الفائدة:

أرى الصمت خيرا من [عظات‏] (5) بليغة* * * إذا لم يكن للسامعين قبول‏

و أما الحجرة الشريفة النبوية فقد بنيت مرات و من أحسن ما [حكي‏] (6) في ذلك أن السلطان نور الدين [الشهيد] (7) حفر حولها خندقا إلى الماء و ملأه بالرصاص المذاب و ذلك في سنة سبع و خمسين و خمسمائة بسبب واقعت النصرانيين. فصار [ذلك‏] (8) صورّا محكمّا على الحجرة و اما المقصورة الآن و القبة المشرفة ففي غاية الاتقان و الاحكام و هي ملحوظة بعناية اللّه تعالى للولادة و الحكام [و لسنا] (9) في صدد اخبار

____________

(1) سقط من ب.

(2) سقط من ب.

(3) في ب [في‏].

(4) بياض في أ.

(5) في ب [أخبار].

(6) في ب [ذكر].

(7) سقط من ب.

(8) سقط من أ.

(9) في أ [و لنا].