الدر المنظوم في ذكر محاسن الأمصار والرسوم‏

- حمود بن أحمد بو سعيدي المزيد...
119 /
3

مقدمة المراجع‏

وحده المسافر يختبر جمال الانتماء و أهمية الأرض الأولى، و يتغلغل بعيدا في اكتشاف ذاته. و بعيدا عن السائد حول مدرسة السفر و فوائدها السبعة التي يمكن أن يجنيها المسافر و المتمثلة في تفريج الهم و اكتساب المعيشة و تحصيل العلم و صحبة الأماجد، فإن في السفر تأصيل للانتماء الأول بما يثيره من أشواق إليه عند ما تبعد بنا المسافات، و بما يتوفر لنا من فرصة لتأمل بعض أشياء الوطن لم نكن لنتأملها و نحن نرتع في مرابعه أو سهوبه الخضراء أو أراضيه القاحلة، لا فرق بينها جميعا من جهة الانتماء.

هذه الأشياء قد تكون وجبة غذائية اعتدنا عليها بطقس خاص أو جلسة مع أصدقاء يمنحون اللقاء خصوصية أو شجرة أو نهرا أو وقتا ما أو نسمة بواد معين أو رائحة كرائحة طلع النخيل أو صوتا كصوت هدير الفلج، أو غير ذلك من تجارب شديدة الخصوصية.

استحضر هذه المعاني و أنا أقرأ هذه المادة الفريدة المتصلة بأدب الرحلة الذي هو من أمتع الأجناس الأدبية و أقربها إلى المتلقين جميعا باختلاف ثقافاتهم و معارفهم، لما يبرزه من خصوصية و ذاتية هي أسمى ما في الأعمال الأدبية. إضافة إلى الجانب الشائق في السرد

4

و متعته في استقصاء العجيب و الجميل، ربما لا يقترب جنس آخر إلى هذا الفن سوى أدب السيرة الذاتية. و مخطوطة «الدرّ المنظوم في ذكر محاسن الأمصار و الرسوم» للسيد حمود بن أحمد بن سيف ابن محمد البوسعيدي لا تخيب ظن قارئها و توقعاته بأن يجد مادة بها من الفائدة و التسلية ما يدفعه لمواصلة القراءة حتى الكلمة الأخيرة.

و على مستوى أسلوب السرد و لغته فإن القارئ سيجدها بحق فريدة في بابها و انعكاسا لثقافات عربية أفريقية صيغت معا لتبرز الهوية السواحلية بامتياز.

1- كتاب الدرّ المنظوم.

انطلقت الرحلة من ميناء بندر زنجبار يوم 25 من شوال سنة 1288 ه، بعد صلاة الصبح الموافق 8 يناير 1872 م. و كان الكاتب برفقة السلطان برغش بن سعيد بن سلطان البوسعيدي (1870- 1888) حاكم زنجبار آنذاك، متوجهين إلى الحجاز لأداء فريضة الحج.

و هدف الرحلة- كما يؤكد الكاتب- هو إحياء شعيرة السياحة التي هي «من سنن الأنبياء و السادة الأتقياء، و فيها تضرب الأمثال و العبر»، و هذا هو السبب الديني.

5

و ثمة سبب آخر يتصل بفوائد السفر المعروفة مما أشرنا إليه آنفا في صدر هذه المقدمة من الفوائد العلمية و النفسية التي تعود على السائح. و الكاتب يقول فيما يضمّن من شعر إن التنقّل اللذيذ الذي يشير إليه الشعراء عادة لا يقتصر على التنقّل بين محبوبات عديدات بل يمكن أن يتوسع في مفهومه ليشمل التنقّل بين الأماكن، أي السفر، و العبّ من ملذات كل مكان:

تنقّل فلذات الهوى في التنقّل‏* * * ورد كلّ صاف لا تقف عند منهل‏

ففي الأرض أجناب و فيها منازل‏* * * فلا تبك من ذكرى حبيب و منزل‏

و بعد سفر ثمانية عشر يوما، أي في 14 من ذي القعدة يصلون إلى ميناء بندر جدة بأرض الحجاز، ثم منها إلى مكة المكرمة لأداء شعيرة الحج. ثم إن السلطان برغش يسافر إلى المدينة المنوّرة لزيارة قبر الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم)، عائدا إلى جدة فزنجبار.

أما الكاتب فقد بقي في مكة المكرمة «مجاورا لبيت اللّه الحرام و زمزم و المقام». ثم يزور في الحجاز مدينة الطائف، ليبدأ بعد ذلك رحلة أخرى تنفتح على بلدان تقع ضمن نفوذ الدولة العثمانية هي مصر التي يزور فيها القاهرة و الإسكندرية و بو سعيد، و ما كان يعرف بأرض الشام، زائرا فيه دمشق و القدس و بيروت.

6

و يكشف النص عن إعجاب السيد حمود البوسعيدي بما رأى من مظاهر الحياة العصرية في الأماكن التي زارها مما يتصل بالصناعة و الاتصالات و النقل و القصور و الحدائق و الحياة العلمية الزاهرة، مما يغيب أو يحضر بضعف في البيئة التي قدم منها. و هو يسمي الماكينات عامة بالكرخانة، فيتحدث عن مشاهدته لكرخانة الكتب في القاهرة أي مطبعة الكتب، و أن بها عشرة من العلماء لتصحيح الكتب، و متحدثا عن صناعة الورق و طريقتي الطبع المختلفتين؛ بالحجر و الرصاص. أما كرخانة السراج فهي المولدات الكهربائية الكبيرة التي راعه كيف أنها تشعل المصابيح في البيوت و الطرقات.

أما في دمشق فتستوقفه آلة صب الحديد و برمه، فيقول: «و رأينا فيها كارخانات تعمل الحديد و آلة مراكب الدخان و الكراكات التي تحفر البحر، و المحل الذي يصلحون فيه المراكب، و فيها يصبون الحديد مثل الرصاص، و عندهم آلات تقطع الحديد و تبرمه و تسحله مثل الشمع ليس مثل الخشب بل الخشب أقوى منه و هو بارد بلا إدخال النار. تكفي حكمتهم. و لا تسمع له حسا وقت القطع. و شي‏ء من الآلات تطرق الحديد و تشرخ الأخشاب و تقطعه للنجار، و هي تعمل بالنار. و هذه الكرخانات للفرنسيس».

و هو يقف مسجلا ما يراه في رحلته من أمور عجيبة كما فعل في‏

7

حديثه عن أهرامات مصر و خبر بنائها الذي هو كالأسطورة ينقله عن كتب التاريخ، نعرض عن سرده هنا حتى يراه القارئ في محله. ثم ينقل بيتين محكمين لأحد الشعراء يصف فيهما الهرمين اللذين قال أنهما منسوبان لشدّاد بن عاد:

خليليّ ما تحت السما من بنيّة* * * تماثل في إتقانها هرمي مصر

بناء يخاف الدهر منه، و كلّ ما على‏* * * ظاهر الدنيا يخاف من الدّهر

و في الشام يصل يافا أولا و يروقه تنظيمها إذ هي: «متفردة بشكلها فوق جبل. و البيوت فوق بعضها البعض، و شي‏ء من الطرق يوصل للغرف العالية. و بنيانها أغلبه بالحجارة المنحوتة». و يشير إلى جودة فواكهها و إلى سكانها من النصارى الذين أثنى كثيرا على أقوالهم و أفعالهم الموافقة للمسلمين، و يتعرف هناك على الفرق بين القسيسين و الرهبان. فالقسيسون يخالطون الناس في الكنائس و غيرها، و الرهبان ينقطعون في الصوامع و لا يخالطون الناس.

و تكون بينه و بينهم حوارات عديدة.

و يسافر على الخيل إلى بيت المقدس، فيجدها مدينة كبيرة عليها سور و أرضها غير مستوية، و بيوتها قديمة، و أغلب سكانها نصارى و يهود، و المسلمون بها قليل. و يقدم و صفا دقيقا للمسجد الأقصى،

8

فيقول: «و هو مسجد عظيم لا مثيل له، يعجز الوصف عن وصفه.

و فيه محاريب الأنبياء (عليهم السلام). و نزلنا أسفله و رأينا بناءه القديم الذي بناه النبي سليمان بن داؤد (عليهما السلام)، و هو بالحجارة.

و البناء الثاني وضع على أساسه السابق، و كل محراب في محله على أساسه، هكذا أخبرونا». ثم يستطرد في وصف جمال بنائه و فخامته.

كما يقدم و صفا آخر عن كنيسة القيامة التي تعود إلى زمن الجاهلية، و ما بها من زينة و زخرف و أواني ذهب و فضة و تماثيل، و ينقل ما رأى بأسلوبه الفريد في التصوير: «و زعمهم (أي النصارى) أنه الموضع الذي قتل فيه سيدنا عيسى (عليه السلام)، ما تركوا شيئا من ذلك حتى الدم مصور، و موضع ما دفن صورة قبر على حجر مثل الكهرب و عليه شي‏ء كثير مما ذكرته. و صورة سيدتنا مريم في صباها و عليها من اللباس و الحلي و الجواهر ما لا يوصف. الحاصل أن العقل لا يسع ما رأينا و يعجز الواصف عن وصفه».

كما يشير إلى أمر غريب رآه و تأكّد منه بنفسه، و هو أن قرب قبر النبي موسى كليم اللّه في الجبال لا يتيسّر الحطب و الناس يشعلون الحجر فيوقد نارا و يطبخون عليه. و قد جرّب الكاتب ذلك الأمر فوجده‏

9

صحيحا، و ذلك كرامة من اللّه لأن تلك الجبال عديمة الشجر. و ينقل الكاتب أن هذا الحجر إذا خرج من القدس بطل عمله.

و من القدس يذهب إلى بيروت التي لا يقيم بها طويلا و يصفها وصفا سريعا، فهي «مدينة طيبة فيها من المأكل الفاخر من الفواكه و غيرها شي‏ء كثير. و أكثر سكانها نصارى و يهود، و بقدر الربع المسلمون فيها، و الثلاثة الأرباع كفرة. و فيها جملة أسواق و بيوت فاخرة و بساتين، و أغلب طرقها مفروشة بالحجر. الحاصل أنها بلد حسنة و هواؤها صحيح». و يبدو أن بيروت لم تكن سوى محطة في طريقه إلى دمشق.

و في عربة تجرها الخيل، يسميها الكروسة، سافر السيد حمود البوسعيدي إلى دمشق، فوجدها «... مدينة عظيمة، و فيها جملة أسواق و مساجد و حمامات، شي‏ء كثير. و في أسواقها شي‏ء كثير من بضائع و غيرها من المآكل و المشارب و الفواكه الفاخرة شي‏ء لا يوصف. و حولها البساتين، و الجبل دائر عليها محدق بها كلجّة البحر. و يدور الجبل حول البساتين كالسور. و تسقيها سبعة أنهار كبار و تتفرق على جملة أنهار أصغر. و ما رأيت بلدا مثلها، كثيرة المياه في كل بيت بركة أو بركتان ...». ثم يذكر قدم البلد و الجامع‏

10

الأموي فيها، مقدما و صفا تفصيليا عن بنائه. و هي عنده جنة الدنيا، كما يقول، و يصدق فيها قول القائل:

عرّج ركابك عن دمشق لأنّها* * * بلد تذل لها الأسود و تخضع‏

ما بين جانبها و باب بريدها* * * بدر يغيب، و ألف بدر يطلع‏

و لا يخفى الغزل في نساء دمشق في البيت الثاني.

و من الشام يعود المؤلف إلى مصر فالحجاز حيث يبلغ بندر جدة في الأول من شعبان سنة 1289 ه، الموافق 4 أكتوبر 1872 م، و منها إلى مكة المكرمة حيث ينتهي سرد أحداث رحلته. و لا يذكر كم مدة بقي في جدة، و لا يذكر متى غادر إلى مكة، و لكننا نرجّح أن مقامه بجدة لم يطل، و ما كانت إلا نقطة و صوله البحرية للعبور إلى الديار المقدسة. و قد سبق أن زارها من قبل و لم يطل المكث فيها. و وجدنا من عادته في تأليفه هذا أن يذكر مدة الإقامة حين تزيد و إن قليلا.

و عند ما نحاول التعرف على شخصية الكاتب من خلال رحلته فأول و أبرز سمة هي سمة الالتزام الديني. فبين أيدينا نص لفقيه و قور ممتثل لأوامر الشريعة فيما يأتي و يترك. و قد رأينا أن أهم سبب لرحلته هذه كان سببا دينيا، إذ هو «... إحياء سنة من سنن الأنبياء و السادة الأتقياء»، كما قال. و هنا نشير إلى أن بداية الرحلة الحقيقية

11

هي الأراضي المقدسة انطلاقا من مكة المكرمة، و كذلك كانت نهايتها في مكة المكرمة. فهي بشكل تقريبي سياحة روحية لكسب المعرفة و تعزيز الشعور الديني، و لذا فإنه يهتم كثيرا بزيارة قبور الأنبياء (عليهم السلام) و الصحابة و الأولياء الكرام، ذاكرا مشاهداته بتفصيل محب في ثنايا عرضه لخط رحلته. و دلالة على الأهمية المركزية لهذه المزارات نجده يعود و يفرد لها فصل خاصا يجمع فيها تلك المزارات و أماكنها تسهيلا للمطالع للكتاب. و عند ما لا يتمكن من الوصول إلى بعض المزارات في الشام، نجده يعتذر بشدة عن تقصير اضطر إليه بسبب عارض المواصلات، يقول: «و ما بين بيروت و دمشق يذكرون قبور أنبياء منهم إلياس و شيث (عليهما السلام) و هما في ناحية من الطريق، هكذا أخبرونا لأننا مررنا بعيدا عنها، و لم يمكن لنا الوصول إليها لحثّ‏ (1) أهل الكروسة لا يمكنهم الانتظار، و لأجل ذلك صحّ لنا مانع، و قرأنا لهم الفاتحة من بعد، و نرجو من اللّه القبول».

و ملمح آخر من ملامح شخصية الكاتب مما يفهم من هذه الرحلة هو حب الاستطلاع و النزوع إلى المغامرة المحسوبة في بعض المواقف مما يعطي النص بعدا شائقا إضافيا. و من بين تلك المواقف ما يحكيه‏

____________

(1) الحثّ: العجلة.

12

عن زيارته لقلعة بمصر و البئر التي يذكر أن سيدنا يوسف (عليه السلام) أجلس فيها. و هو لا يكتفي بمشاهدتها من الخارج بل ينزل إلى طريقها المظلمة للتحقّق، يقول: «و رأينا ضرب خانة القروش في القلعة، و كذلك سجن النبي يوسف (عليه السلام) و هي بئر كبيرة عميقة في القلعة و نزلنا إلى بعضها، و رأينا الموضع الذي كان يجلس فيه النبي يوسف (عليه السلام)، و هو في جانب من البئر. و طريقها مظلمة ينزلون إليها بالشموع، و هم يجذبون الماء منها للقلعة على راسين من الخيل، لأنها بئر عظيمة هائلة، و ماؤها عذب».

و من ذلك أيضا أنه في كنيس يهودي عرف أنه في بطن محراب من محاريبه صورة للنبي موسى (عليه السلام) فتقدم محاولا كشفها فمنعوه، لأنهم يكشفونها يوم السبت عند عبادتهم فقط.

كما أن الكاتب مولع بالدقة و مقارنة ما يراه في رحلته بما يعهده و يعهده- ربما- قارئه المتخيّل في زنجبار. ففي وصف خط رحلته نجده حريصا على ذكر الزمن الذي احتاجه للتنقل بين نقطتين و ذكر الوسيلة و قيمة الأجرة التي أنفقها. ثم إنه إلى جانب ذكره ذلك في تضاعيف رحلته نجده يعود في آخر كتابه فيفرد فصلا يجعله خاصا لما: «يتعلق بنول البوابير و شروطها و كراء الدواب». و من بين هذه‏

13

المواقف الدالة هو نقله لشروط النقل البحري التسعة و إجراءاته الدقيقة و الرسوم الموضوعة للنقل و الصحة و الجمارك بحذافيرها حتى تكون بين يديّ قارئه.

و فيما يتصل بالمقارنة نجده غالبا يقارن ما يراه بما يعرفه في زنجبار.

و من ذلك وصفه لمدينة القاهرة كما تبدوله من فوق تلة القلعة و عظمتها و كثرة بيوتها، و أن زنجبار في السعة و القيمة عن محلة واحدة في القاهرة التي يسميها- كما جرت العادة- مصرا، يقول البوسعيدي:

«و نظرنا البلد كلها من القلعة فوجدناها بلدة عظيمة على الوصف و زيادة. و زنجبار كلّها ببيوتها في السعة و القيمة عن محلة من مصر على القياس. و الحاصل أنها بلدة يكلّ البليغ عن وصفها، و ليس الخبر كالعيان». و هذه المقارنة بزنجبار ليست ناتجة عن أن المؤلف يقارن ما لا يعرف بما يعرف فقط، بل إضافة إلى ذلك أنه يتوجه مباشرة إلى قارئ معين من زنجبار. و ربما كان هذا الكتاب موجّه إلى سلطان زنجبار آنذاك السيد برغش بن سعيد بن سلطان كما جرت العادة مما نجده في مؤلفات مشابهة أخرى مثل «تنزيه الأبصار و الأفكار»، حيث يقول جامعه و مرتّبه القس يحيى لويس صابونجي: «و سلكت في تصنيفه مسلكا سهل المطالعة قريب المناولة، و جلوته بتصاوير بهيّة تشخّص مناظر البلاد و صور الرجال ذوي المناصب و الأمجاد،

14

عسى يحوز القبول بأعين سعادة السيد برغش أعزّه اللّه» (1). و لا بد من التذكير هنا أن المؤلف رافق السلطان في بداية الرحلة من زنجبار إلى مكة المكرمة ثم اختلف سيرهما حيث عاد السلطان لمقر حكمه و واصل السيد حمود البوسعيدي أسفاره في الحجاز أولا ثم إلى مصر و الشام، فكأنّه يقدم للسلطان الجزء الآخر من الرحلة الذي لم يشهده.

و هذا الاهتمام بالشأن الزنجباري لا يقتصر على مظهر المقارنة و إنما نجده يبرز خلال نقاشات البوسعيدي مع قساوسة النصارى الذين التقى بهم في يافا، و أعجب أيّما إعجاب بسيرتهم و التزامهم بدينهم التي وجدها موافقة لمقتضيات الشريعة الإسلامية، يقول:

«و المذكورون نصارى الشام من العرب ليس بينهم افرنج بل إنهم ملة واحدة، و لباسهم مثل المسلمين. و يتعجب الإنسان من أقوالهم و أفعالهم أغلبها موافقة للمسلمين. و اطلعت على تفسير كتبهم؛ بها أحوال كثيرة موافقة للشريعة، و بها مواعظ و حكم». و يسجل بفرح تعرّفه على طبقاتهم المختلفة و الفوارق بينها القساوسة و الرهبان و البطارقة. ثم إنه يجري معهم حوارا حول تحريم الرقيق و موقف‏

____________

(1) زاهر بن سعيد، تنزيه الأبصار و الأفكار في رحلة سلطان زنجبار، (وزارة التراث القومي و الثقافة: مسقط 1981 م)، ط 1، رتبه و صوبه لويس صابونجي، ص 233 ..

15

الدين المسيحي منه. يقول في نص تكشف أجواؤه عن تقدير لهم، و يختص- أي النص- بطائفة منهم لهم مذهب في الاغتسال من النجاسة يقترب مما عند المسلمين: «و النصارى المذكورون يذكرون أنهم يستنجون من البول و الغائط و كذلك الجنابة لها استنجاء خاص و ليس غسل تام. و هم ينكرون على باقي النصارى و يخطئونهم لأنا اجتمعنا بواحد من المتفقهين في دينهم و رأينا منه الإحسان التام، ليته كان مسلما. و رأينا عندهم جواري سود، و سألناهم عن ذلك، فقالوا: معنا جائز البيع و الشراء في الرقيق. قلنا: كيف يمنع الإنجليز ذلك؟ قالوا: فعلهم مخالف للإنجيل، لأن الإنجيل محلل بيع الرقيق، بل الذي يدخل في ديننا نكره بيعه لأنه قد دخل في الدين و صار مثلنا، و ذلك لا يخرجه من الرق بل نكره بيعه، و هو ليس بحرام مطلقا».

و هذه المناقشة تأتي على خلفية المعاهدات التي وقعها السلطان برغش بن سعيد لمنع تجارة الرقيق، مما ترتب على ذلك من خسائر مادية كبيرة على حكومة زنجبار و أتباعها.

و قد بحثنا فلم نجد للسيد حمود البو سعيدي مؤلفا غير هذا الذي بأيدينا. و حسبنا أن نشير في هذه العجالة إلى ملاحظة لا بد و أن قارئنا الكريم أدركها حتى الآن، من خلال ما أوردناه من نماذج و إن كانت قصيرة من هذه الرحلة، إلى أن لغة الكاتب بعدت كثيرا

16

عن لغة المصنفات الفقهية و مالت إلى التسهيل و إلى الاقتراب من العامية في كثير من المظاهر اللغوية مما يتصل بالألفاظ و ما يتصل بالتراكيب. فالكاتب يستعير ألفاظا من لهجات الأمصار التي يمرّ بها و يستخدمها بسلاسة و دون تردد، و منها على سبيل التمثيل فقط: البرتقان/ البرتقال، المزيقة/ الموسيقى، الكرنتينة/ الحجر الصحي، اللوكانته/ المقهى أو المطعم، و هكذا. كما يستخدم ألفاظا من اللغة السواحلية مما قد يكون له أصول عربية أحيانا، مثل: الحل/ زيت الوقود، الماشوة/ السفينة، الشامبة/ البستان، البندر/ المدينة. و تأتي بعض التراكيب من اللهجة العمانية من مثل:

ما يحتاج طبيخ و نفيخ/ سهل الاشتعال، لا سوجة و لا موجة/ البحر هادئ. و هناك ظواهر تركيبية أخرى في النفي و التقديم و التأخير مما يستحق دراسة مفردة. و قد حرصت أن أبقي أسلوب الكاتب دون تغير يذكر إلا أن يكون خطأ نحويا. و لغته، على الرغم من عدم ألفتها أحيانا، و ربما لضعفها اللغوي أحيانا أخرى، إلا أنها تحمل قيمة تاريخية لتبدّل اللغة و تطورها تأثّرا بالعوامل الجغرافية و السياسية، و هي بقدر ما تكشف عن الكاتب تكشف عن المجتمع و تنبئنا عنه.

17

2- التعريف بالمؤلّف.

و قد عرف عن السيد حمود بن أحمد البوسعيدي اهتمامه الشديد بأعمال الخير و الصلاح في خدمة المسلمين مدفوعا بعاطفة الفقيه التقي الجيّاشة، فما يكاد يذكر اسمه إلا و تبادرت إلى الأذهان أوقافه الكثيرة في المصالح العامة و أبرزها بيت الرباط الذي أوقفه للحجاج العمانيين بمكة المكرمة. و هكذا كان أخوه السيد هلال بن أحمد الذي أوقف الأوقاف العديدة للمصالح العامة في عمان، و من بينهما مسجد الخور بمسقط، الذي كانت تقام فيه الدروس التعليمية. (1)

و قد أخبرني السيد سعود بن حمد بن حماد البوسعيدي‏ (2) عن مدّ السيد المترجم له هنا أنابيب الماء العذب من منطقة في زنجبار تسمى «مبوبو» على بعد ثمانية أميال إلى المدينة، و أنه أوقف بيوتا كثيرة لشارع بأكمله في منطقة «درجاني» في زنجبار أيضا لصيانة هذه الخدمة الجليلة؛ خاصة و أن زنجبار جزيرة يشحّ فيها الماء العذب. و يذكر السيد سعود أن من أعماله الخيرية أيضا بناء مسجد في «ماليندي فرضاني» بزنجبار. و قد وقفت على هذا

____________

(1) كما أخبرني بذلك الشيخ أحمد بن سعود السيابي في زيارتي له بمكتبه بوزارة الأوقاف و الشؤون الدينية، في يوليو 2006 م.

(2) في لقاء معه بمنزله العامر بمرتفعات القرم، بمسقط مارس 2006 م.

18

المسجد أثناء رحلتي الأخيرة لزنجبار في شهر يونيو سنة 2006 م.

و هو مسجد عامر قبالة شاطئ البحر المسمّى «فرضاني». و سألت القائمين على المسجد و هما الشيخ سليمان بن خلف بن سنان الجابري و الشيخ حميد بن سعيد بن عبد اللّه بن حميد البحري عن أوقافه إن كانت معلومة لديهم، فقالوا إنهم سمعوا بها و لكنها ضاعت بعد الاضطرابات السياسية العنيفة التي مرت بها زنجبار، «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ». (1)

و قد أسهب الشيخ سعيد بن علي المغيري في ذكر مناقب السيد حمود و خصص له فصلا في كتابه المهمّ «جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار»، بعد أن ذكر السلطان برغش بن سعيد و أعماله الجليلة.

يقول المغيري: «إن من أحسن ما ينبغي لنا نزيّن به صفحات هذا التاريخ هو ذكر السيد المحسن الجليل حمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي. و يناسب أن نخلّد ذكره بجوار ذكرى مآثر هذا السلطان العظيم، ربّ المحامد و المكارم السيّد برغش بن سعيد، حيث إن السيد برغش هو نادرة سلاطين زنجبار فكذلك السيّد حمود بن‏

____________

(1) جلست إليهما في المسجد المذكور، و سألت الشيخ الجابري عن عمره فقال:

ثمانون سنة، و هكذا بدا لي عمر الشيخ البحري. يجد القارى‏ء صورا في آخر الكتاب لهذا المسجد.

19

أحمد نادرة رعاياه عرب زنجبار». (1) ثم يذكر المغيري مآثر السيد البوسعيدي و هي وقف بيت الرباط بمكة المكرمة، و أوقاف أخرى بها لخدمة هذا الوقف، و مدرسة لتعليم القرآن، و مسجد جامع بمنطقة بو بو بو، (2) و قصر فاخر تتصل به أرض واسعة بها معصرة حديد لعصر قصب السكر و مطاحن للدقيق تدور دواليبها بقوة جري ماء أجراه من عين موينايا. و من أعماله الجليلة عتق ألف و مائتي مملوك.

و يشير المغيري إلى هذه الرحلة التي بين أيدينا قائلا: «و في عام 1288 ه صاحب السيد حمود بن أحمد السيد برغش بن سعيد إلى مكة المشرفة لأداء فريضة الحج، و جاور فيها، و زار الطائف، و مصر، و الشام، و فلسطين القدس الشريف». ثم يذكر طرفا عن أسرته فيقول: «و تزوج بالسيدة زمزم بنت سعيد بن سلطان بن الإمام.

و والدة السيد سعيد غنى بنت سيف عمّة السيد حمود هذا».

و حول موته يذكر المغيري: «و قد زهد في آخر أيامه و لازم سكنى بو بو بو، و بالأخصّ البيت الذي كان قرب المسجد. و لزم المحراب إلى أن توفاه اللّه تعالى باليوم العاشر من ربيع الأول سنة 1298

____________

(1) سعيد بن علي المغيري، جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، (وزارة التراث القومي و الثقافة:

مسقط 1979)، تحقيق عبد المنعم عامر، ص ص 255- 7.

(2) تبعد عن مركز زنجبار حوالي ثلاثة أميال، و بها كانت محطة للقطار فسماها الناس بو بو بو، محاكاة لصوت القطار البخاري.

20

ه [1881 م‏]، و دفن بجوار مسجده في بو بو بو. أقول مات و لكنه حي بآثاره الجميلة و غيره ميت و إن كان حيا».

3- نسخ المخطوط و ضبط العنوان‏

و أثناء إعدادي لنشر هذه الرحلة الفريدة عثرت على مخطوطة قديمة لها، و هي من جملة تركة الشيخ المؤرخ سعيد بن علي المغيري صاحب جهينة الأخبار، بيد حفيده الأخ علي بن سعيد بن علي المغيري‏ (1). و المخطوطة من القطع الصغير و ملحق بها قصيدة شعرية جيدة غير القصيدتين اللتين وردتا في النسخة الأخرى التي سيشار إليها لاحقا. كما تتميز هذه المخطوطة إضافة إلى قدمها بوجود صفحة العنوان. و لكن- و للأسف- عدت عليها الأرضة فمخرت وسطها من بداية المخطوطة إلى قرب نهايته التي سلمت.

و أورقها مفككة و ضعيفة و تحتاج إلى ترميم سريع.

و يظهر من العنوان التالي: [هذا كتاب الدّر المنظوم في ذكر محاس ... الرسو ... تأليف السيد الأمجد حمود بن أحمد بن سيف بن محمد البوسعيدي نفع اللّه به المسلمين و جزاه عنا خيرا، أمين‏].

و نون كلمة محاسن التي في العنوان لا تظهر بدقة و كذلك لام‏

____________

(1) زيارة لمنزله في ولاية بوشر بمحافظة مسقط، ابريل 2006 م.

21

كلمة الرسوم. و غيّبت كلمة بينهما هي كلمة الأمصار. و عليه يكون العنوان على النحو التالي «الدّر المنظوم في ذكر محاسن الأمصار و الرسوم»، كما نفهم ذلك من مخطوط ثالث للكتاب نفسه. و قد عرفنا عن وجود مخطوط رابع لهذا الكتاب بالمكتبة البريطانية و نحن جادون في البحث عنه.

و خاتمة المخطوط كالتالي: [قد تم الكتاب بعون الملك الوهاب يوم 22 من شهر شوال في سنة 1289 للسيد الأمجد الكريم الأرشد حمود بن أحمد بن سيف بن محمد البوسعيدي بمكة المكرمة]. و هي إشارة على جانب كبير من الأهمية فقد نسخ هذا المخطوط في العام نفسه الذي أتمّ فيه السيد حمود البوسعيدي رحلته، و في المكان ذاته الذي انتهت إليه رحلته و هو مكة المكرمة، و أمر ثالث و أخير و هو أن هذه النسخة للمؤلف نفسه، كما يفهم من اللفظ و السياق. و لم يذكر الناسخ اسمه. و بعد الخاتمة و بالخط نفسه قصيدة جيّدة في تقريظ هذا الكتاب أولها:

إذا رمت ضربا فامتطي اليمّ و اتقي‏* * * جميع الهوى و الحوب و الفلك ارتقي‏

و أمّ القرى أمّ القرى لبّ و اعتمر* * * بحجّ و عجّ ثمّ ثجّ المدفّق‏

22

و كن حارما عند الدخول و حازما* * * و طف بطواف مودع منك مشفق‏

إلى أن يقول:

و سل سيدا ذاك الهمام ابن أحمد* * * حمودا عن الأنوار بالغار كم لقي‏

متى سار للقدس المقدّس تربها* * * و قد فاز بالفعل الجميل الموفّق‏

مناقبه بالغرب و الشرق أشرقت‏* * * سخيّ نقيّ كامل صادق تقي‏

و قد أوقف القصر المنيف بمكة* * * رباطا لأهل الحقّ شنآنه شقي‏

و بخط مخالف و بعد انتهاء المخطوط نجد يوميات في الانتقال من عمان إلى زنجبار، و لعلها عن الشيخ المغيري، و لم نستقصها لضيق الوقت و خروجها عن موضوعنا الحالي. و لعلنا نعود إليها لا حقا أو غيرنا من الباحثين المهتمين بأدب الرحلة أو بسيرة الشيخ المغيري.

و بعد هذا التاريخ بخمس عشرة سنة تقريبا تنسخ مخطوطة أخرى للكتاب نفسه، و هي محفوظة بوزارة التراث و الثقافة برقم عام‏

23

2587، و خاص 43، و بعنوان موضوع هو [أسفار السيد حمود بن أحمد البوسعيدي‏]. و بياناته كالتالي كما ورد فهرس المخطوطات بعد العنوان: «نسخ زهران بن سيف الريامي، 1315 ه. 138 صفحة، (11) سطرا؛ 24* 19 سم. خط نسخي و بعض رؤوس الموضوعات بالأحمر. أوله: أما بعد فيقول الفقير إلى اللّه تعالى حمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي لما كانت السياحة من سنن الأنبياء و السادة الأتقياء. و آخره:

صلاة و تسليم مدى الدهر كلّه‏* * * من الله للهادي النبي محمد

المحتوى: يتضمن شرح أسفار السيد حمود بن أحمد البوسعيدي و ما لاقاه فيها من الفوائد و الفضائل.

المخطوط بحالة جيدة. به تعقيبات. غير مرقّم. الناسخ نسخه للشيخ عبد اللّه بن ناصر بن سليمان اللمكي. العنوان من صنع المفهرس». (1)

و الغريب من أمر المفهرس هذا أنه يجد مخطوطا آخر يشير إليه في الصفحة المقابلة ذاتها من الفهرس ذاته للمؤلف نفسه و الموضوع‏

____________

(1) فهرس المخطوطات، (وزارة التراث و الثقافة: مسقط 1995)، مج 2، ص 22.

24

نفسه و اللفظ نفسه، ثم لا يستفيد من العنوان الأصلي البارز في المخطوط المتأخر لتحديد عنوان المخطوط الذي ضاعت صفحته الأولى، ثم يجتهد في وضع عنوان من عنده حيث لا موضع للاجتهاد. و مع أن ذلك سهو لا شك فيه لكن لا ينبغي السكوت عليه فحال المخطوط العماني من الضياع بحيث لا يحتمل خللا كهذا. بل يحتاج الأمر إلى قدر كبير من المسئولية و التأني و الكفاية العلمية في التعامل معه و تقديمه للباحثين بشكل دقيق.

و قد اطلعت على المخطوط الأصلي بنفسي لمراجعة بعض المواضع فيه. و هو نفسه مخطوط الدر المنظوم دون أدنى شك. و يثبت هذا المخطوط قصيدتين أخريين في تقريظ الكتاب، الأولى ركيكة النظم، و مطلعها:

أجواهر سطعت برحلة ماجد* * * يرقا إلى العليا و المحاسن‏

و الثانية أقوم منها نظما، و مطلعها:

فمن كان مسعاه كمسعى بن أحمد* * * فذاك إلي طرق الهداية يهتدي‏

و المخطوط الثالث في الترتيب الزمني موجود أيضا بوزارة التراث و الثقافة و هو نفسه الذي أشرنا إليه آنفا. عنوانه: [الدر المنظوم في‏

25

ذكر محاسن الأمصار و الرسوم‏]، و رقمه 2393، و بياناته بعد العنوان كما ورد في فهرس المخطوطات الجزء الثالث: ممباسا. نسخ راشد بن سليمان بن سليم بن سالم الحسيني 1124 ه. 102 صفحة (15) سطرا؛ 23* 18 سم. خط نسخي، مداد أسود و بعض السطور بالأحمر.

و تاريخ النسخ غير دقيق إذ يجعل النسخ و كأنه قد وقع قبل الرحلة نفسها التي تمت بعد ذلك بين عامي 1288 و 1289 من الهجرة النبوية. و الأمر يحتاج إلى مزيد من التدقيق، بالاستفادة من الإشارة المهمة التي يسوقها الناسخ من أنه كتب الكتاب في ممباسا إذ هو في ضيافة الوالي سالم بن خلفان بن عامر البو سعيدي.

أوله: أما بعد فيقول الفقير إلى اللّه تعالى حمود بن أحمد بن سيف لما كانت السياحة من سنن الأنبياء و السادة الأتقياء.

آخره: السيد محمد الظلمات بمعرفة باناجي في دمشق الشام. الشيخ محمد بن راشد الجلاد و الشيخ سعيد الغبرة المدرس في الجامع الأموي. (1)

و قد اطلعت عليه كما أسلفت فوجدته ضعيف الخط مستقيم العبارة و به زيادات لم أجدها في غيره. أوراقه مفكّكة و قد ورد فصل يتصل‏

____________

(1) المصدر نفسه ص 23.

26

بنول البوابير و شروطها و كراء الدواب، و فصل يتصل بأسماء الذين خدموا السيد حمود في رحلته، في غير موضعه. حيث جاءت بعد الخاتمة، و ذلك لخطأ من قبل مجلّد المخطوط. و ترد القصيدة القافية التي أشرنا إلى جملة من أبياتها آنفا هنا أيضا. و بعد ذلك نجد أبياتا شعرية متفرقة و أوفاقا في المحبة فالخاتمة المشار إليها.

و لم نتمكن من الحصول على نسخة كاملة من المخطوط الأول و إنما حصلنا على بعض صفحات لأول المخطوط و آخره، بعد الإطلاع السريع عليه. و قد توفّرت بأيدينا حال المراجعة مصورتان عن المخطوطين الثاني و الثالث فاعتمدناهما، و كانت لدينا فرصة العودة للأصل متى ما أردنا ذلك. و لعل أحدا من الباحثين يجمع شتات تلك المخطوطات المتعددة فيحقق هذا العمل المهم في مجاله، و يبرزه في حلة علمية دقيقة محققا و دارسا لمادته. و اللّه الموفق، و هو الهادي إلى سواء السبيل.

د. محمد المحروقي العذيبة، في 13/ 8/ 2006 م‏

27

النسخة الأولى‏

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

النسخة الثانية

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

النسخة الثالثة

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

مقدمة الكتاب‏

هذه سيرة سيدنا و ذخرنا و ملاذنا السيد الورع النزيه الكامل الفاضل السيد حمود بن أحمد البوسعيدي، (رحمه اللّه) تعالى و غفر له، فإنه قد توجّه للسياحة لإحياء دينه و عبرة في أخذ طريقه لما لاقاه من الفوائد و الفضائل في سياحته حتى قيل إنّه بلغ السقف المرفوع. رفع اللّه درجته و أعلى مرتقاه في الدارين جميعا، إن شاء اللّه. نفع اللّه به عباده المسلمين و المؤمنين.

و الحمد للّه رب العالمين، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم.

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

الباب الأول في صفة أرض الحجاز و ما اشتملت عليه‏

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

أحمدك اللهم يا من سمك السماء بناء، و جعل الصعود إليها معراجا، و جعل فيها شمسا و قمرا منيرا و سراجا وهاجا، و أودعها بروجا و أنزل من المعصرات ماء ثجاجا، و جعل الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا، و خلق شمس الليل و النهار آيتين و جعل في الأرض أزواجا، و أجرى فيها الأنهار فمنها العذب الفرات، و جعل فيها بحرا أجاجا، و قدّر فيها السير أفواجا. اللهم إني أشكرك شكرا بعدد القطر و جريان البحر، و مثاقيل الجبال و عدد الحصى و الثرى، و ما كتب به القلم و ما جرى، و عدد النجوم و ورق الأشجار، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد المبعوث من مضر، الذي قال أنا سيد ولد آدم و لا فخر، و على آله و أصحابه و أزواجه و علماء أمته الذين اتبعوه في الأثر. فيقول الفقير إلى اللّه تعالى حمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي، إن السياحة من سنن الأنبياء، و السادة الأتقياء، و فيها تضرب الأمثال و العبر، و هي عبرة لمن اعتبر. و ذكروا أنه أول من ساح في الأرض نبي اللّه دانيال عليه الصلاة و السلام. و ذكروا أنه هو الذي حفر الدجلة و أوصلها بالفرات، و كانت سابقا مقطوعة، و كانت عنده الأسماء التي خرج بها آدم عليه الصلاة و السلام من‏

38

الجنة، ثم من بعده توارثها أولاده. و أكثر من ساح من الأنبياء عيسى عليه الصلاة و السلام. ثم من هذه الأمة المحمدية الإمام البخاري (رحمه اللّه) و غيره في طلب الأحاديث و جمعها.

و في الأسفار تفريج الهمّ و تعلّم الأخبار و تذكرة لأولى الأبصار، و قد قال بعض الأفاضل شعرا:

تنقّل فلذات الهوى في التنقّل‏* * * ورد كلّ صاف لا تقف عند منهل‏

ففي الأرض أجناب و فيها منازل‏* * * فلا تبك من ذكرى حبيب و منزل‏

و لا تستمع قول امرى‏ء القيس إنّه‏* * * مضل، و من ذا يهتدي بمضلل‏ (1)

فعلى كل حال كانت أول سياحتي التوجّه إلى بيت اللّه الحرام، و معاهد التجليات طلبا للغفران من الملك العلام. و كان أول توجهنا من بندر زنجبار يوم ستة و عشرين من شوال سنة 1288 بعد صلاة الصبح، بصحبة السيد الهمام و الأسد الضرغام، برغش بن سعيد بن سلطان ابن الإمام. فكان وصولنا إلى بندر جدة ليلة أربع عشرة من شهر القعدة، و أقمنا يومنا بجدة، و بعد العصر ليلة خمس عشرة سرنا إلى مكة فدخلناها ليلة ست عشرة في شهر القعدة. و ليلة أربع عشرة

____________

(1) في الأصل «و من لا يهتدي بمضلل».

39

من شهر الحج توجه السيد برغش و من معه إلى المدينة المنورة.

و يوم حادي محرم حرام الساعة الثامنة من النهار سافروا من بندر جدة إلى زنجبار، و كان وصولهم من المدينة يوم سبعة و عشرين من شهر الحج سنة 1288. و كنت أنا قد بقيت بمكة المشرفة مجاورا لبيت اللّه الحرام و زمزم و المقام، و أتطيب بمسك تراب تلك المشاعر العظام بمكة، قال الشاعر:

بمكة لي غناء ليس يفنى‏* * * جوار اللّه و البيت المعظّم‏

ثم في اليوم التاسع من شهر ربيع الآخر و كان يوم الأحد سنة 1289 توجهت إلى الطائف، و كانت الساعة الثامنة من النهار.

و أصبحنا يوم الاثنين في سوله و أقلنا بها، و رحلنا في الساعة السابعة من النهار، و أصبحنا في التبيل و أقلنا هناك و رحلنا في الساعة السابعة من النهار يوم الثلاثاء، و أصبحنا يوم الأربعاء بالطائف و دخلنا البلد بعد طلوع الشمس بساعة. و بعد الاستراحة سرنا نزور قبور سادتنا عبد اللّه ابن العباس و أولاد النبي الطيب و الطاهر و ولد سيدنا علي بن أبي طالب محمد بن الحنفية و زبيدة بنت أبي جعفر المنصور العباسي و من معهم في القبة.

ثم زرنا قبور الصحابة الاثنى عشر، و هم شهداء الطائف. ثم زرنا

40

سيدنا زيد بن ثابت الصحابي و من معه. و من بعد سرنا إلى وادي النمل، و هو واد عظيم و عليه مزارع في جوانبه و قرى، يشرح الخاطر و في أوله مسجد و بعده الطائف بمقدار أربعين أو خمسين دقيقة على الحمير بجدة السير. ثم سرنا إلى جهة المثنّاة و رأينا بئر التفلة و بستان عباس، و مع البئر مسجد. و هي بئر خالية (جافة)، و كذلك في البستان مسجد صغير. و هذا البستان دخله النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لما آذاه آل ثقيف أهل الطائف، و أسلم عداس فيه على يديه حين جاءه بطبق من عنب من البستان.

و تفرجنا على بساتين أهل الطائف و وجدنا أفخرها شيرة؛ بستان أمير مكة الشريف عبد اللّه، و البهجة؛ بستان الشريف عبد المطلب.

و هما من جنات الدنيا. و الطائف بلدة طيبة منبسطة، (1) و في قوة الحر باردة مثل الشتاء في غيرها، و في الشتاء يجمد الماء من قوة بردها.

[الطائف‏]

و هي قرية عليها سور و فيها قلعة فائقة في الحسن، و أسماء أبوابها الحزم و باب ابن عباس و باب الربع، و فيها باب صغير من القلعة غير الثلاثة المذكورة. و أكبر مساجدها مسجد ابن عباس و فيه تقام الجمعة، ثم من بعد مسجد الهادي أسفل البلد و فيه تقام الجمعة أيام الموسم.

____________

(1) في الأصل وردت كلمة «شمرحة»، و لم أعرف لها أصلا سوى أن تكون من ألفاظ اللهجة المحكية، فيقال «مكان شرح» بكسر الأوليين أي منبسط.

41

و قد أخبرني بعض من له خبرة بتلك الجهات أن حول الطائف من سائر جهاته الأربع جملة قرى محتوية على بساتين و أنهار متفجرة و مزارع و ثمار متنوعة، و كل هذه الثمار ترد إلى مكة المشرفة، فلذا تجد بمكة دائما الفواكه في غير أوانها. قال فمن جملة الوديان و القرى المذكورة وادي المثناة و وادي الرهط و وادي السلامة و وادي العقيق و وادي الحال و وادي القيم و وادي العرج و وادي ليلة و وادي قرن، و غير ذلك مما يشرح الخاطر و يسر الناظر.

و توجهنا منها يوم سابع و السبت من جمادى الأولى إلى مكة المشرفة، فمن يوم خروجنا من مكة إلى يوم رجوعنا إليها شهر كامل. ثم سافرنا من مكة المشرفة ليلة اثنتي عشرة و الجمعة من جمادى الأولى من السنة المذكورة إلى جدة فدخلناها يوم السبت بعد طلوع الشمس. و في يوم الأحد زرنا قبر أمنا حواء و طوله أربعون ذراعا على حد قولهم، و وجدناه كما قالوا، إن لم يزد لم ينقص. في وسطه قبة قيل إنها على سرتها.

[درابزان بودقلين‏]

ثم ركبنا البحر و سافرنا يوم خمسة عشر و الاثنين الساعة الأولى من النهار في بابور الدولة العثمانية المسمى درابزان بودقلين، طوله مائتان و ثمانون فوتا، و اسم قبطانه ربوان بابا. و يوم ثمانية عشر و الخميس أصبحنا مقابلين جبل طور سيناء، و أمسينا آخر

بركة فرعون،

42

و هو الموضع الذي غرق فيه فرعون لعنه اللّه. و صباح تسعة عشر و الجمعة في الساعة الأولى و النصف من النهار وصلنا إلى السويس، و كرتنونا (1) أربعا و عشرين ساعة، و نزلنا يوم السبت بعد تمام مدة الكرنتينة و صارت علينا من المشقة ما لا مزيد عليه من الزحام، لأن المركب فيه جملة خلق من عسكر و غيرهم، حتى اشترينا مغلقا فيه نسوان و نحن جملتنا خمسة أنفار، نولنا (2) ستون ريالا.

[السويس‏]

و نزلنا بالسويس عند الجودي، و هو جودي فاخر، و رأينا ما حوله من البناء و الآلات ما لا يوصف، و مسافته عن البلد مقدار نصف ساعة على الدواب‏ (3). و سافرنا من السويس في بابور الدخان‏ (4) على البر يوم الحادي و العشرين و الأحد، بعد مضي ساعة و عشرين دقيقة من النهار.

____________

(1) يقصد به الحجز الصحي، كما ذلك يفهم من السياق و من موضع آخر في الرحلة.

(2) النول: الأجرة.

(3) في الأصل البهائم.

(4) يقصد القطار البخاري.

43

الباب الثاني في ذكر مصر و عجائبها

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

و وصلنا مصر الساعة الحادية عشرة إلا عشرين دقيقة في يومه‏ (1).

و كان قد وقف بنا في خمسة عشر موضعا لأجل الاستراحة و قضاء الحوائج. و منها رجوعه إلى بلد تسمى إسماعيلية مرسى المراكب التي تمر في البحر الجديد (2). و تركنا مدة الإقامات‏ (3) فكان باقي مسيرنا من ذلك كلّه من السويس إلى مصر ست ساعات و عشرين دقيقة. و كان في سابق الأمر على الجمال سير ثلاثة أيام بجمال أهل مصر لأنها في السير أسرع من جمال الحجاز. و النهر من النيل، و البحر الجديد بداية سايرناه من السويس إلى الإسماعيلية، و السلك‏ (4) كذلك يسايرنا من جانبين و ذلك مقدار نصف الطريق.

الغاية إنها (البحر و خط الهاتف) مقابل المحطة التاسعة، ثم انقطع عنا البحر الجديد و السلك من جانب واحد، و سار البحر إلى جانب آخر إلى نبط سعيد و بقى معنا النهر الحالي و السلك من جانب واحد سايرنا إلى مصر.

[وادي مصر]

و عند وصولنا إلى وادي مصر و هو معقل العسكر، بعده عن البلد

____________

(1) أي يوم الأحد الذي غادر في الساعات الأولى منه.

(2) يريد قناة السويس.

(3) أي الوقوف في المحطات المذكورة.

(4) خط الهاتف.

46

سبع محطات، كلّه عمار من مزارع و نخل و أشجار، و تفرع النهر في مواضع شتى يسمونها الترع؛ منها ترعة إلى السويس تمر فيها المراكب عند جودي، و منها ترعة عند الإسكندرية، و ترعة تشق مصر.

و كلها من البحر الكبير و تفاريعه في سائر أرض مصر من سائر البلدان.

و جميع هذه الترع تجري فيها السفن من كبار و صغار، و يأكلون من حيتانها. و الحاصل أننا رأينا شيئا عظيما يقصر دونه الوصف.

[السويس‏]

و السويس بلدة صغيرة و لا عليها سور، و لا فيها شي‏ء من القلاع غير البوابير الحربية في مرساها. و فيها قلعة محكمة متكلفة بلك و خمسين ألف ريال‏ (1). إنه هذا ما بلغنا. و ليست هي بلدة مزارع إنما تجي‏ء إليها الفواكه و المأكولات من مصر و غيرها.

و أما العجائب في مصر- و ما سميت مصر إلا لأنها مصر كما قالوا- و فيها من البساتين آية و شي‏ء يبهر العقول حتى في بعض الأماكن يمشي البابور ما بين الأشجار و الأنهار. و تفرجنا على كارخانة (2) طبع الكتب، و الذي يصحح الكتب في المطبعة عشرة من العلماء.

و كذلك تفرجنا على كارخانة عمل القرطاس و هي تعمل أصنافا من القرطاس. و هو يعمل من الخرق البالية و الجواني و ورق الموز.

____________

(1) اللك: كلمة من لغة الأردو مقدارها مائة ألف.

(2) ماكينة الطبع.

47

و أما طبع الكتب فهو على نوعين؛ نوع بالحجر و نوع بالرصاص.

و تفرجنا على كارخانة السراج التي تشتعل منها المصابيح في البيوت و الطرقات. و الحاصل أن ما رأينا من هذه الكارخانات شي‏ء مما لا يناله الوصف.

[بيت الفرجة]

و دخلنا بيت الفرجة و هو بمحل يقال له بولاق و هم يسمونه الانتيكة، و معناه العمل القديم. و رأينا فيه صور الفراعنة و غيرهم و حليهم السابقة من ذهب و فضة، و بعض من حوائجهم و أسبابهم و سائر صنائعهم. و فيهم أموات على حالهم في صناديق، أحدهم منذ ثلاثة آلاف سنة و ثماني مائة سنة، تواريخهم مكتوبة عليهم.

أخرجهم النصاري من الأرض، بعضهم في زمن محمد علي باشا و البعض من بعده. أصلها مقابر قديمة بمصر، يحفرونها و يخرجون منها صورا من المتقدمين و أمواتهم و حوائجهم. هكذا أخبرونا و اللّه أعلم. و فيهم صور هائلة موحشة، أحد منهم يقارب سبعة أذرع طولا و أزيد، و الجرم على قدر الطول. و أحد من الأموات بأكفانهم و شي‏ء من كسوتهم كذلك باقية لم تتغير، واحد منهم كالأسد، و غرائب لا تحصى، يحتار فيها اللبيب، و يهابها الطبيب، و هي شكل غريب.

و كذلك تفرجنا على نيل مصر الكبير و ما فيه من المراكب و السفن، و رأينا مجاري الترع منه إلى باقي البلدان من السويس و غيره، و السفن‏

48

الجارية فيها تحمل أشجارا و خضرة و فواكه و حبوب و غير ذلك من مهمات العالم إلى سائر الجهات. و كل هذه الفرجة ببولاق، و هي حارة من حوائر مصر شهيرة. و الآن هم مجتهدون في حفر ترعة إلى السويس غير الأولى للمراكب. و رأينا القناطر الصغار و رأينا القناطر الدورانية على النيل.

[الإسماعيلية]

و رأينا الموضع المسمى الإسماعيلية، الذي يعمره إسماعيل باشا بمصر من بولاق في محل يقال له الجزيرة، و بما فيه من البناء الفاخر. و رأينا بستانه المسمى الجنينة و بما فيه من القباب المزخرفة و الأنهار الجارية و الأشجار المظلة الدانية، و الجبل المصور و الماء ينحدر من أعلاه إلى بحيرة في وسط البستان، و عليها القناديل دائرة على صفة بيض النعام، و كلها تسرج في يوم الزينة بالجاز.

[الجاز]

و الجاز حل‏ (1) الولاية، و في وسطها قبة صغيرة للطير، و فيها من الأشجار الفاخرة ما لا نهاية. و فيه قبة مخصوصة تضرب فيها المزيقة (2)، و هي آلة الطرب الافرنجية. و كذلك باقي القباب بها أنواع من الآلات الملهية، و فيهن من القناديل و السرج ما لا نهاية.

____________

(1) زيت الوقود.

(2) الموسيقى.

49

و على الأنهار و الأشجار قناديل. و يصير فيه مجمع كبير في الأسبوع مرتين، لأنه مجعول للفرجة مما يؤدي لكل متدين بدينه أن ينكر.

[الجامع الأزهر]

و رأينا الجامع الأزهر و هو مقر العلماء و المتعلمين، إنه جامع كبير، و فيه مواضع و محاريب جملة، و مدارس و خلوات للمتعلمين.

و من جملة المحاريب، محراب في وسطه ما بين العواميد، و عواميده كلها حجر رخام. و الذي وافقناهم‏ (1) فيه من المتعلمين و غيرهم بقدر ثلاثمائة إلى أربعمائة، و ذلك في غير وقت الصلاة، عند الإشراق.

و فيه جملة من علماء يدرّسون في حلقات عديدة، يسمع لهم دويّ عظيم. و أخبرونا أن الذي رأيناهم أناسا قلة، أكثرهم في هذه الأيام ساروا إلى زيارة الشيخ البدوي، و معهم اجتماع عظيم. و جميع المتعلمين في هذا المسجد لهم جوائز من الدولة. الحاصل أنه مسجد عظيم و فيه خلق كثير. و فيه جملة صناديق تضم كتبا كثيرة، و هي في التحري بقدر مائتي صندوق، قد تزيد قليلا و قد تنقص. و الحاصل أننا لا نستطيع وصف كل ما رأيناه، بل وصفنا البعض فقط.

[رأس الحسين‏]

ثم زرنا رأس الحسين بن علي بن أبي طالب، و هم يذكرون أنه جاء به أحد ملوك مصر بعد وفاة يزيد بن معاوية، و عليه قبة عظيمة

____________

(1) أي وجدناهم أثناء زيارتنا.

50

بها مسجد عظيم. و زرنا الأمام الشافعي، و السيدتين نفيسة و سكينة نفيسة بنت الحسين بن علي، و السيدة زينب بنت سيدنا علي بن أبي طالب. و هذه المزارات كلها عليها قبب صغار، و في الوسط قبة كبيرة و فيها من النقوشات و الكتابات. و في مصر مساجد كثيرة من جوامع و غيرها، قيل لنا إنها تحوي ثلاثة آلاف مسجد.

[مسجد محمد علي باشا]

و صعدنا القلعة، و رأينا مسجد محمد علي باشا الذي ليس له نظير، كلّه من رخام مثل الكهرب، و عليه قبب صغار، و في وسطه قبة كبيرة و فيه من النقوشات بالذهب و غيره ما لا يوصف، و بجانبه عن يمين الداخل قبره و هو في بطن القلعة على جبل، و حوله البساتين و فيه موضع للنزهة، شي‏ء لا يوصف.

و إذا كنت بجانب المسجد ستكشف مدينة مصر كلها. و في هذا المسجد من ثريات و قناديل و فرش ما لا يوصف، و الماء صاعد للمسجد و الجبل، و كذلك القلعة كلها على الجبل كاشفة على مصر الجديدة و القديمة. فيه جملة أبواب، و كل باب عليه عساكر و فيها جملة بيوت. و الحاصل أنها حلّة تامة، تطلع إليها عربات الخيل من غير مشقة.

51

و نظرنا البلد كلها من القلعة فوجدناها بلدة عظيمة على الوصف و زيادة. و زنجبار كلها بيوتها في السعة و القيمة عن محلة من مصر على القياس، الحاصل أنها بلدة يكلّ البليغ عن وصفها، و ليس الخبر كالعيان.

[بيت فرعون‏]

و رأينا بيت فرعون موسى و هو قد خرب، بل باق شي‏ء من حيطانه و موضع جلوسه للبروز للناس في دكة مرتفع، علّوها من الأرض في بناء نحو عشرين ذراعا، قياسا على التحرّي.

و أخبرنا شيخ من شيوخ الأزهر أن جملة علماء جامع الأزهر المدرسين مائتان، و تلاميذهم خمسة آلاف و ثمانمائة، و الجملة ستة آلاف نفر، الذين لهم جوائز من الدولة المصرية، و هم مكتوبون في دفاترهم. و عند الدرس يمتلئ المسجد الأزهر المتقدم ذكره كله مع الأماكن التي حوله حتى لا يقدر أحد أن يجوز في وسطه من كثرة الخلق، لاصقين ببعضهم بعضا. و أخبرني غير الشيخ المذكور بذلك، كما أخبرني الشيخ تصديقا لقوله‏ (1).

و أخبرونا عن قبور أهل مصر، يجعلون سراديب في الأرض‏

____________

(1) هكذا في الأصل يخرج عن وصف الأزهر ثم يعود إليه، و لعلها مادة تهيأت له لاحقا بعد أن خرج عن وصف الأزهر فأضافها في غير محلها.

52

و يبنونها و ينوّرونها و يجعلون على أبوابها الحجر المنحوت و إذا مات لهم ميت كشفوا الحجر و أدخلوه، و تجتمع أموات كثيرة في كل سرداب. و طوارق‏ (1) النساء يزينونها و يجعلون على رأس الميتة عودا مستمرا بالنعش، و فيه شعر يزينونه بالحلي، و يلقون في الشعر مشاخص ذهب و شيئا من زينة النساء. رأيناهم يمرون بطارقة على هذه الصفة، و أخبرونا بذلك و عندهم تخرج النساء خلف الجنائز، يكون الرجال أمام الطارقة و النساء خلفها. و طوارقهم بخلاف طوارقنا يحملها ثلاثة أنفار؛ اثنان قدام و واحد خلفها، و النساء نائحات خلف الجنازة مخالفين للسنة.

[بيت النزهة]

و أيضا دخلنا بيت النزهة الذي هو في بستان القلعة مزخرف مما لا نهاية، و فيه ديوان المناصب إذا تولى حاكم يقعد فيه للتهنئة، و كذلك أيام الأعياد يقعد فيه والي مصر. و فيه مواضع إذا دخلت موضعا تراه أحسن من الآخر. و الحاصل أنه محل مملكة. و قد بلغنا أن السلطان عبد العزيز حين قدم إلى مصر سنة ثلاث و ثمانين و مائتين و ألف نزل فيه.

____________

(1) جمع طارقة، و هي آلة خشبية يحمل عليها الميت.