الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

- سليمان دخيل المزيد...
353 /
5

مقدمة المحقق‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ و به نستعين

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على أفضل خلق اللّه الصادق الأمين صاحب السيرة الزكية محمد بن عبد اللّه و على أله و صحبه و بعد:

علم التاريخ من العلوم الإنسانية التى لها دورا أساسى فى حياة الأمم و الشعوب و الحضارات على مر العصور و الأحقاب و الأزمنة، بل لا يوجد شى‏ء فى الوجود إلا و له تاريخ، فلهذا حرصت كل الحرص على تقديم كتابا هاما للمكتبة العربية «الفوز بالمراد فى تاريخ بغداد» لسليمان الدخيل المؤرخ. فقبل تناولنا محتويات الكتاب نلقى الضوء على مدينة بغداد على مر العصور حتى سقوطها فى أيدى الأتراك فيقول الدكتور عصام عبد الرءوف فى كتابه الحواضر الإسلامية.

تمهيد: خطط بغداد و تطورها فى العصر العباسى الأول:

كان من الطبيعى و من المنتظر أن يرفض العباسيون- بعد أن أقاموا دولتهم على أنقاض الدولة الأموية- الأبقاء على مدينة دمشق حاضرة للخلافة ذلك أن بلاد الشام كانت مقر بنى أميه، و بها عصبيتهم من العنصر العربى الذى يناصرهم، و يرفض انتقال الخلافة إلى غيرهم، لذا نقل العباسيون حاضرة دولتهم إلى العراق قريبا من أنصارهم الفرس الذين أقاموا ملكهم على أكتافهم، و بذل الفرس أموالهم و دمائهم فى سبيل إقامة صرح دولتهم، يضاف إلى ذلك أن بلاد العراق غنية بمواردها الطبيعية، و فى مأمن من غارات البيزنطيين لبعدها عن‏

6

حدودهم‏ (1). و أصبح العراق بعد انتقال قصبة الدولة اليه- حلقة الأتصال بين العنصرين العربى و الإيرانى اللذين يتألف منهما الجماعة الإسلامية (2).

و لم تكن كل من الكوفة و البصرة- و هما المدينتان الكبيرتان اللتان كانتا موجودتين منذ الفتح العربى الأول للعراق- تصلح لأن تكون حاضرة للدولة الجديدة ذلك أن أهل الكوفه كان معظمهم شيعة يعارضون الحكم العباسى بل و يسعون إلى نقل الخلافة للعلويين، أما البصرة فلم تكن تصلح هى كذلك لوقوعها فى الجنوب لذلك أقام أبو العباس السفاح- أول خلفاء الدولة العباسية- فى الحيرة (3). و فى سنة 134 ه انتقل إلى الأنبار و بنى مدينة على شاطئ الفرات، سماها الهاشمية نسبة إلى جده هاشم بن عبد مناف‏ (4)، و توفى أبو العباس قبل أن يتم بناء المدينة، و لما ولى أبو جعفر المنصور الخلافة سنة 136 ه لم يشأ أن يقيم فى مدينة أخيه و سلفه أبى العباس، إذ بنى مدينة بين الكوفة و الحيرة سماها الهاشمية أيضا، و أقام بها لكنه لم يلبث أن كره سكناها لما ثارث عليه الراوندية (5). كما أن قربها من الكوفة- و معظم أهلها يناصر العلويين- جعلته لا يشعر بالطمأنينة، لأنهم قد يثورون عليه فى أى وقت، و فعلا أفسدوا جنده و أنصاره عليه‏ (6).

و على ذلك فقد عول المنصور على تأسيس حاضرة جديدة لدولته، فخرج بنفسه يرتاد لها موضعا يتخذه مسكنا لنفسه و جنده و بنى به مدينته، فبدا فانحدر إلى جرجرايا (7) ثم صار إلى بغداد، ثم مضى إلى الموصل ثم عاد إلى بغداد

____________

(1) اليعقوبى: البلدان ص 221

(2)ENCY of ISLAM :Art Baghdad

(3) الطبرى: تاريخ الأمم و الملوك، حوادث سنة 134 ه.

(4)

le Strange: Beghdad during the Abbasid caliphote p. s

(5) الراوندية قوم من أهل خراسان كانوا يقولون تناسخ الأرواح، و يزعمون أن روح آدم أنتقل إلى رجل من كبارهم، و أن ربهم الذى يطعمهم و يسقيهم هو المنصور، و طافوا: بقصره و قالوا: هذا نصر ربنا. فأمر المنصور بالقبض على رؤسائهم فغضب الباقون و ثاروا عليه، فأخذ المنصور ثورتهم، و نكل بهم.

(6) ابن طباطبا: الفحرى فى الآداب السلطانية ص 143.

(7) بلد من أعمال النهروان الأسفل بين واسط و بغداد (ياقوت: معجم البلدان ج 3 ص.

7

و ضرب عسكره على الصراة، و تدبر موقعها فاعجبه و قال: هذه دجله ليس بيننا و بين الصين شئ يأتينا فيها كل ما فى البحر و تأتينا الميرة من الجزيرة و أرمينية (1) و ما حول ذلك، و هذه الفرات يجئ فيها كل شئ من الشام و الرقة و ما حول ذلك، كما أنه لا حظ خصب البقعة التى تقع فيها بغداد، الأمر الذى ييسر لسكانها رغد العيش، يضاف إلى ذلك سهولة الدفاع عن موضوع بغداد، فإن هاجمها أحد كانت دجلة و الفرات و روافدهما خنادق لها، فإذا خربت القناطر احتاج العدو إلى العبور، لذلك فإن الهجوم عليها أمر صعب‏ (2).

أصاب المنصور فى اختياره لبغداد حاضرة لدولته، و قد ذكر ابن خلدون فى مقدمته عن الشروط الواجب توافرها فى الحاضرة فقال: أما أن تقع على هضبة متوعرة من الجبل، و أما باستدارة بحر أو نهر بها حتى لا يوصل إليها بعد العبور، و طيب الهواء للسلامة من الأمراض، و قرب الزرع منها ليحصل الناس على الأقوات.

و كانت الأرض التى تقع فيها بغداد منذ القدم من أهم مراكز الحضارة، و ازدهرت فيها بصفة خاصة الثقافة الشرقية القديمة، و كانت من أهم المراكز التجارية حيث تلتقى فيها عدة طرق تصلها بمختلف البلاد، و شهدت هذه الأرض الحواضر (3) عظيمة مثل بابل و سلوقية و المدائن و ورثت بغداد هذه بل و استخدم فى بنائها انقاض مدينة المدائن التى تبعد عنها بضعة كيلو مترات‏ (4).

أحاط بتأسيس مدينة بغداد روايات من نسج الخيال رواها الكتاب العرب، فذكروا أن رهبان الدير القريب من مدينة بغداد سأل المنصور عن الرجل الذى يريد بناء المدينة، فقيل له المنصور، فقال الراهب للرجل: اذهب إلى صاحبك و قل له لا يتعب نفسه فى بناء هذه المدينة، فأنا نجد فى كتبنا أن رجلا اسمه‏

____________

(1) الطبرى: تاريخ الأمم و الملوك- حوادث سنة 145 ه.

(2) مقدمة: ابن خدون ص 343.

(3)Ency .of Islam .Art Baghdad

(4)Hitti :Hist ,of the Arabs P .242 .

8

مقلاص يبنى ههنا مدينة، و يكون لها شأن من الشأن، و أن غيره لا يتمكن من ذلك، فجاء الرجل إلى المنصور و أخبره بما سمع، فقال المنصور: أما و اللّه كان اسمى مقلاصا، أطلقته على مربية عجوز لى‏ (1) و الدليل على عدم صحة هذه الرواية أن الغيب لا يعلمه إلا اللّه.

و يرجع ترديد الكتاب العرب لهذه الرواية إلى أن الاعتقاد فى التنجيم كان شائعا فى ذلك العصر حتى أن المنصور وضع أساس مدينته فى الوقت الذى اختاره له المنجمون، و بشروه بطول بقائها و كثرة عمارتها (2) على أننا نلاحظ أن الأساطير أحاطت بتأسيس المدن الكبرى مثل أتينا و روما و دمشق.

كانت بغداد قبل تمصيرها قرية قديمة بناها بعض ملوك الساسانيين المتأخرين و تقع على الشاطئ الغربى لنهر دجلة فى أعلى المكان الذى يلتقى فيه نهر الفرات بدجله، و كان يعقد بها سوق شهرى يأتيه التجار من بلاد الفرس و الصين، و تعرضت للغزو العربى سنة 13 ه حينما هاجمها المثنى بن حارثة الشيبانى، و استولى عليها، و غنم من غزوها مغانم كثيرة (3)، و قد أثبت البحث الحديث وجود مدينة قديمة فى موضع بغداد أثبته المكتشف الإنجليزى السير هنرى رولنسون سنة 1848 م، و ظهر اسم بختنصر الثانى على أحجار هذه المدينة، و قامت فى هذا المكان أيضا مدينة تشبه فى تسميتها بغداد (4).

اختلف الكتاب و المؤرخون حول معنى كلمة بغداد فيعتقد البعض أن بغداد كلمة فارسية تتركب من باغ و معناها بستان وداد رجل، و قيل أن بغ اسم لصنم وداد أعطى و قيل أن تسمية بغداد باغ داذوية لأن موضع بغداد كان باغا لرجل من الفرس يسمى داذويه، و لكننا نرجح أن كلمة بغداد معناها عطية اللّه أو هبته‏ (5).

____________

(1) الطبرى: تاريخ الأمم و الملوك حوادث سنة 145 ه.

(2) المصدر نفسه السابق حوادث سنة 145 ه.

(3)

le strange: Baghdad during the Abbasid Caliphate p. 9

(4) ياقوت: معجم البلدان ج 2 ص 232.

(5)

le strange: Baghdad during the Abbasid Caliphate p 27.

9

و سميت بغداد أحيانا بغداد، و أحيانا أخرى بغداد (1). على أنها اشتهرت باسم مدينة السلام، و اختلف المؤرخون كذلك حول هذه التسمية فبعضهم ذكر أنها سميت بهذا الإسم قبل أن يبنيها المنصور، و يرى البعض أن اسمها اشتق من اسم نهر دجله المدعو نهر السلام. و لكن الأرجح أن المنصور رغب فى اطلاق تسمية عربية على بغداد فدعاها دار السلام، لأن اللّه هو السلام أو لعل المقصود هنا الجنة فقد ورد فى القرآن الكريم عن الجنة لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ سورة الأنعام الآية 127.

«و اللّه يدعو إلى دار السلام و يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم، و مهما يكن من أمر فقد كان الشعراء و الأدباء و سائر الناس يطلقون على الحاضرة الجديدة بغداد أو بغداد، و أحيانا يطلقون عليه الزوراء لأن قبلتها غير مستقيمة، يحتاج المصلى فى المصلى فى مسجدها الجامع إلى أن ينحرف جهة اليسار (2)، أو أن أبوابها الداخلة مزورة عن الأبواب الخارجية أى ليست على سمتها، على أننا نلاحظ أن كثيرا ما كان يتردد ذكر دار السلام فى المكاتبات الرسمية و على العملة (3).

تأسست مدينة بغداد فى موضع عدة قرى منها بغداد و المخرم و بستان القس و العتيقة، و حرص المنصور على أن يطمئن على أحوال هذه القرى الصحية و المعيشية، فاستدعى رؤساءها و سألهم عن أحوال قراهم، فطمأنوه على حسن اختياره، و لم يكتف بذلك بل عهد إلى بعض رجاله بأن يبيتوا فى هذه القرى، و يدرسوا أحوالها، فلما انتهوا من مهمتهم، قدموا على المنصور، و أجمعوا على أفضلية هذه عما سواها فازداد المنصور تفاؤلا بنجاح المشروع الذى أقدم عليه‏ (4).

____________

(1) الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد ج 1 ص 26.

Hitti: Hist. of the Arabs p. 292

(2) الفخرى فى الأداب السلطانية ص 145- 146.

(3) الطبرى: تاريخ الأمم و الملوك حوادث سنة 145 ه.

(4) الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد ج 1 ص 17- 18.

10

عول المنصور على الإستفادة بكافة الخبرات الموجودة فى مملكته فى انجاز مشروعه الكبير، فاستدعى إليه من كل بلد من بلدان دولته المهندسين، و أهل المعرفة بالبناء و العلم بالزرع و المساحة و قسمة الأرضين و البنائين و الفعلة و الصناع من الحدادين و الحفارين و النجارين حتى أجتمع لديه على ما قيل- نحو مائة ألف من أرباب المهن و الصناعات، و حدد لهم رواتب و أجور معلومة، و أسند مهمة الإشراف على عملية البناء إلى رجال ممن يثق بهم من ذوى الفضل و العدالة و الفقه و الأمانة و المعرفة بالهندسة، فكان ممن أحضر لذلك الحجاج بن أرطأة و أبو حنيفة النعمان بن ثابت‏ (1).

أشرف المنصور بنفسه على تخطيط مدينته الجديدة، فأمر بوضع خطوط بالمرماد تمثل رسم المدينة الهندسى الذى أقره، و دخل من كل باب من أبوابها و عبر فى فصلانها و طاقاتها و رحابها، و شاهد تخطيطها على الطبيعة، و لم يكتف بذلك، بل أمر بوضع حب من القطن على الخطوط المرسومة فى موضع بغداد، و صب، النفظ عليها و نظر إلى موضع المدينة، و النار تشتعل، فشاهد رسمها، و اطمأن إلى حسنه و قال: «الحمد للّه الذى أخرها لى» و أغفل عنها كل من تقدمنى «و اللّه لأبننيها ثم اسكنها أيام حياتى، و يسكنها ولدى من بعدى، ثم لتكونن أعمر مدينة فى الأرض» (2).

افتتح المنصور مشروع تأسيس مدينته فى يوم تاريخى مشهود حضره كبار رجال الدولة (3)، و وضع أول لبنة بيده و قال: «بسم اللّه و الحمد للّه، و الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين‏ (4) ثم أمر عماله بأن يبدأوا فى البناء على بركة اللّه».

على أن بناء بغداد لم يقدر له أن يتم سريعا، فلما بلغ سور بغداد مقدار

____________

(1) ابن الأثير: الكامل فى التاريخ حوادث سنة 145 ه.

(2) اليعقوبى: البلدان ص 241.

(3)Hitti :Hist .of the Arabs p .242 .

(4)

le strange: Baghdad during the Abbasid Coliphate p. 9

11

قامة، أمر المنصور بوقف البناء بعد أن نمى إلى علمه انتقاض محمد ذى النفس الزكية بالمدينة المنورة عليه، و أقام بالكوفة حتى فرغ من قمع ثورة العلويين بقيادة الأخوين محمد و إبراهيم، و عاد إلى بغداد ليستأنف عملية البناء، و كان مولاه أسلم قد أحرق ما أعد لبناء المدينة من الخشب و الساج خوفا من أن ينتصر العلويين و يزحفوا إلى بغداد و يستولوا على أدوات بنائها (1).

و مهما يكن من أمر فقد استأنف المنصور بناء مدينة بغداد، و جعلها مدورة، و يذكر اليعقوبى‏ (2) أنه لا يعرف فى جميع أقطار الدنيا مدينة مدورة غيرها.

و بنيت المدينة مدورة لئلا يكون الملك إذا نزل وسطها إلى موضع منها أقرب منه إلى موضع‏ (3).

أحاط المنصور مدينته بسورين، و جعل للبلدة أربعة أبواب للسور الداخلى و نظير لهذه الأبواب بالسور الخارجى، و أول هذه الأبواب باب خراسان و يسمى باب الدولة لاقبال الدولة العباسية من خراسان، و الثانى باب الكوفة و هو تلقاء الكوفة، و الثالث باب الشام و هو من ناحية الغرب، و الرابع باب البصرة و هو بمقربة من دجله‏ (3) فكان القادم إلى بغداد أو من الشرق يدخل من باب خراسان، و القاصد من الحجاز يدخل من باب الكوفة، و القاصد من المغرب يدخل من باب الشام، و القاصد من فارس و الأهواز و واسط و البصرة و اليمامة و البحرين يدخل من باب البصرة (4)، و كان بين كل باب من أبواب المدينة و الباب الآخر مسافة تقدر بميل‏ (5).

عنى المنصور بتحصين مدينته، فأحكم بناء السورين، و جعل للمدينة أبوابا متينة من واسط و الكوفة و الشام، و نصبها على أبواب خراسان و الكوفة

____________

(1) الطبرى: تاريخ الأمم و الملوك حوادث سنة 146 ه.

(2) اليعقوبى: البلدان ص 24.

(3)

le strange: Baghdad during the Abbassid Coliphate p. 9

(4) ابن طباطبا: الفخرى فى الآداب السلطانية ص 145- 146.

(5) ياقوت معجم البلدان ج 2 ص 235.

12

و البصرة، أما باب الشام فقد صنع فى بغداد، و كان أضعف الأبواب‏ (1).

أقيم على كل باب من الأبواب الأربعة سواء السور الداخلى أو أبواب السور الخارجى طاقات، و على كل باب من أبواب السور الداخلى قبه معقودة مذهبة، و يصعد إلى هذه القباب على عقود مبنية بالجص و الآجر، و بعضها باللبن، و لكل باب من هذه الأبواب التى على السور الداخلى قائد فى ألف جندى، يتولون مراقبة القادمين و الخارجين من المدينة و تمكنهم القباب على الأبواب من رصد الحركة المتجهة إلي بغداد من مساقات بعيدة (2).

حرص المنصور على تقوية وسائل الدفاع عن مدينته، فشيد لها سورين- كما قلنا- سور داخلى و سور خارجى، و يحيط بالسور الخارجى من الخارج خندق عميق أحكم بناؤه، و له حافتين بالجص و الأحر، و أجرى فيه الماء تأخذ من نهر كرخايا، و كان عرض السور الداخلى من أسفله خمسون ذراعا و من أعلاه عشرون ذراعا، و يطلق عليه اليعقوبى السور الأعظم، أو سور المدينة، أما السور الخارجى فكان إرتفاعه ثلاثون ذراعا و عرضه كعرض السور الداخلى، و بين السورين فصيل، و كان يسمى سور الفصيل، و على السور أبراج، و بنيت عليه شرافات، و بين حائط السور حائط الفصيل مائة ذراع‏ (3).

قلنا أن مدينة بغداد بنيت مدورة، و كان قطرها من باب خراسان إلى باب الكوفة 205 ذراع و من باب البصرة إلى باب الشام كذلك، و اتخذ المنصور المسجد الجامع و قصره فى الرحبة التى هى فى وسط المدينة أو بعبارة أخرى مركز الدائرة للمدينة (4) و عنى المنصور تشييد قصره و سماه باب الذهب، و كان فى وسطه القبة الخضراء، التى كانت ترى من أطراف بغداد، و كان على رأس القبة

____________

(1)Hitti :Hist .of the Arabs p .392 .

(2) اليعقوبى: البلدان ص 40.

الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد ج 10 ص 74- 75.

(3) حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسى ج 2 ص 371.

(4)

le strange: Baghdad during the Abbasid Coliphate p. 71

13

تمثال على صورة فارس فى يد رمح، و تحت القبة مجلس بمستوى سطح الأرض مساحته عشرة أمتار فى مثلها، و فى صدر المجلس الأسفل ايوان عظيم على الطراز الفارسى، و ارتفعت القبة الخضراء على علو يزيد على ثمانين ذراعا ليشرف منها على جهات المدينة و ما يجاورها من البساتين، كما أنه عنى بتجميلها بالرسوم البديعة ليكون منها للدلالة على سعة ملكه و الشهادة باقتدار على عظائم الأعمال، فظهرت و كأنها أكليل من نور قد تدلى على قصر السلام‏ (1).

اتخذ المنصور و معظم خلفاؤه فى العصر العباسى الأول قصر باب الذهب أو قصر السلام مقرا لهم، و لم يقم فيه الخليفة الرشيد غير أن الأمين اتخذه مقرا له و أضاف إليه بناءا جديدا، و اعتصم الأمين بهذا القصر أثناء حصار قوات المأمون لبغداد و تعرض القصر للتخريب و التدمير من ضربات طاهر بن الحسين العنيفة.

أما القبة الخضراء فظلت قائمة على حالها، و بلغت مساحة قصر باب الذهب 000، 160 ذراعا مربعا (2).

روعى فى تأسيس المدينة الإسلامية بناء مسجد جامع لها، فأنشاؤه يدل على طابعها الإسلامى، و قد أقام المنصور مسجد بغداد الجامع مجاورا لقصر باب الذهب و كان محرابه منحرفا عن القبلة، و بناه المنصور باللبن، ذلك أنه شيد بعد بناء القصر، و لكى يكون وضعه متناسبا مع وضع القصر أصبح منحرفا محرابه عن القبله و كان سقف المسجد قائما على أساطين من خشب، و لكل أسطوانه تاج مدور مصنوع من قطعة خشب، و بقى هذا الجامع بهذه الصورة حتى ولى الرشيد الخلافة فعول على تجديده سنة 192 ه، فأمر بهدمه و أعاده بنائه بالجص و الآجر، و كتب عليه اسم الرشيد و ذكر اسماء بنائيه و مشيديه و تاريخ البناء و قد تم ذلك سنة 193 ه و صار يعرف هذا الجامع بالصحن العتيق‏ (3).

قلنا أن مركز الدائرة بها القصر و المسجد الجامع، و لم يكن حولهما بناء و لا دار

____________

(1) اليعقوبى: البلدان ص 241.

(2)

le strange: Baghdad during the Abbasid Coliphate p. 91

(3) الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد ج 1 ص 76.

14

و لا مسكن لأحد إلا دار من ناحية باب الشام للحرس و سقيفه كبيرة ممتدة على عمد مبنية بالآجر و الجص، يجلس فى أحداهما صاحب الشرطة و فى الأخرى صاحب الحرس، و حول الرحبه تدور منازل أولاد المنصور الأصاغر و مماليكه و بيت المال و خزانة السلاح و ديوان الرسائل و ديوان الخراج و ديوان الخاتم و ديوان الجند و ديوان الحوائج و ديوان النفقات و مطبخ العامة (1).

على أن المنصور لم يكف بقصر باب الذهب، إنما عول على إتخاذ قصر آخر له باطراف المدينة، و لعل المنصور بعد أن شيد مدينة بغداد شعر أنه منعزل فى قصر باب الذهب فى وسط المدينة لتزايد السكان من حوله، فأقام لنفسه قصر الخلد، و أصبح أجمل المواضع التى ببغداد و يقع على الضفة الغربية مما يلى باب خراسان، و سماه الخلد نسبة إلى حدائقه الواسعة و تشبيهها بجنة الخلد و ما يحويه من كل منظر رائق و مطلب فائق و غرض غريب و مراد عجيب، و فضل الرشيد الإقامة فيه بدلا من قصر باب الذهب، و عاش فيه طوال خلافته تقريبا (2).

اشتملت مدينة بغداد على أربع شوارع رئيسية، تفرعت من أبواب السور الداخلى الذى يحيط بالرحبة، و هذه الشوارع تتخذ صورة محاور الدائرة، و يتجه إلى خارج المدينة و تنتهى عند الخندق‏ (3)، و قد أقيمت على جانبى هذه الشوارع الأبنية العالية التى بنيت على نمط واحد و أحسن تنسيقها، و تفرعت من هذه الشوارع سكسكا (4) و دروبا عرفت باسم قواد المنصور و مواليه أو الإسم الذى يغلب على سكان السكة أو الدرب. و على سبيل المثال لا الحصر، الشارع الممتد من باب البصرة إلى باب الكوفة تتفرع منه سكة المطبق، و المطبق سجن بغداد، وثيق البنيان محكم السور، و الشارع من باب البصرة إلى باب خراسان سكة

____________

(1) ابن طباطبا: الفخرى فى الأداب السلطانية ص 221.

le strange: Baghdad during the Abbasid Coliphate p. 62.

(2) الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد ج 1 ص 75.

(3)

le strange: Baghdad during the Abbasid Coliphate p. 23.

(4) اليعقوبى: البلدان ص 241.

15

الحرس و سكة الربيع و هكذا، و من باب الكوفة إلى باب الشام شارع يخرج منه سكة العلاء و سكة نافع ... الخ.

و الشارع من باب الكوفة إلى باب خراسان يتفرع منه سكة الحكم بن يوسف و سكة صاعد مولى أبى جعفر.

و فى كل سكة من هذه السكك جلة القواد الموثوق بهم و جلة موالى الخليفة المنصور، و من احتاج إليهم فى مهام الأمور، و حرص المنصور بأن يراعى فى تخطيط السكك و الدروب ما يحتاجه الناس من مرافق كالمساجد و الحمامات و الأسواق و أن تتسع هذه السكك لإقامة المساكن و المنازل و المساجد.

و لكى ييسر المنصور أمر تشييد مدينته، قسم المدينة إلى أربعة أرباض أى نواحى، و عهد إلى أربعة من رجاله المقربين إليه بأن يشرف كل واحد منهم على تأسيس ربض، و منحه الأموال اللازمة لتأسيس ربضه، و أمرهم بأن يتوسعوا فى إقامة الأسواق فى الأرباض بحيث يكون فى كل ربض سوق جامعة يضم مختلف التجارات و أن يجعلوا لكل ربض من السكك و الدروب النافذة و غير النافذة ما يعتدل بها المنازل، و أمرهم بأن يجعلوا عرض الشارع خمسين ذراعا، و الدرب ستة عشر ذراعا و أن يبنوا فى جميع الأرباض المساجد و الحمامات ما يكتفى بها فى كل ناحية و محله، و أمر أن يجعلوا من قطائع القواد و الجند ذراعا معلوما للتجار يبنونه و ينزلونه هم و أهل البلدان الأخرى‏ (1).

و لما فرغ المنصور من عمارة بغداد أقطع أعيان دولته قطائع من الأرض رغبة فى تخفيف الضغط على بغداد من جهة و مكافأة لهم على ما قدموه من الخدمات الجليلة من جهة أخرى، و سرعان ما عمرت هذه القطائع و ازدحمت بالسكان و أصبحت كل قطعة منها تعرف باسم الرجل أو الطائفة التى تسكنها، فمن بينها قطيعة العباس بن محمد بن عبد اللّه بن العباس على الصراة و قطيعة الصحابة و هم من سائر قبائل العرب من قريش و الأنصار و ربيعة و مضر، و كانت على‏

____________

(1) ابن طباطبا: الفخرى فى الأداب السلطانية ص 221.

16

الصراة أيضا، و قطيعة الربيع بن يونس- مولى المنصور- و كان بها تجار خراسان من البزازين، و قطيعة صالح بن المنصور و قطيعة الحرب بن عبد اللّه- أحد أصحاب المنصور- و سرعان ما اتسعت هذه القطائع، و ازداد إقبال الناس على سكناها، و ظلت تحمل اسم أصحابها مثل العباسية و الصالحية و الحربية (1).

حرص المنصور على توفير المياه بأرض بغداد، فأمر بشق قناة تأخذ من نهر كرخايا- أحد روافد الفرات- تمر بداخل بغداد، و قناة أخرى تأخذ من دجلة مباشرة، و سماها دجيل، و جر لأهل الكرخ و ما اتصل به نهر يقال له نهر الدجاج و أدى توفر المياة إلى غرس الناس النخيل الذى جلب من البصرة و غرسوا الأشجار، فأثمرت و أينعت، و بذلك أمتلأت المدينة و ضواحيها بالحدائق و المنتزهات البديعة (2). و عنيت الحكومة فى بغداد بنظافة المدينة، فلم يكن يسمح قط بإلقاء القاذورات على جانبى الطرق أو الأزقة، و أنما كانت الشوراع تكنس و ترش بأحسن نظام‏ (3).

يبالغ اليعقوبى‏ (4) فى ذكر عدد مساجد و حمامات و أسواق بغداد فيذكر أن المساجد كانت ثلاثين ألفا، و الحمامات عشرة آلاف، و هذه الأرقام مشكوك فى صحتها. لأن مدينة بغداد بتصميمها و مساحتها لا يمكن بحال من الأحوال أن تتسع لهذه الأرقام التى ذكرها اليعقوبى، على أننا نعتقد أن ما رواه اليعقوبى يدل على كثرة مرافق هذه المدينة.

على كل حال عنى المنصور بتأسيس مدينته، و أقام لها المرافق الضرورية و الأسواق فى كل ربض، على أن المنصور عاد فأمر بنقل الأسواق إلى الكرخ خارج المدينة، و جعل لكل تجارة شوارع معلومة و صفوفا فى تلك الشوارع و حوانيت، و يرجع السبب فى نقل المنصور الأسواق من داخل المدينة إلى‏

____________

(1) اليعقوبى: البلدان ص 250.

(2) ياقوت: معجم البلدان ج 2 ص 236.

(3) المصدر السابق ذكره ج 2 ص 236.

(4) البلدان ص 251.

17

خارجها إلى أنه خشى أن يضم الغرباء الذين يبيتون فى السوق جواسيس، و جعل مدينته للشرطة و الحرس و سائر السكان. و كان الكرخ- و هو السوق الذى اختاره المنصور- يقع ما بين الصراة و نهر عيسى، ثم أمر ببناء مسجد فى السوق الجديد، و لما كثر الناس ضاقت عليهم هذه الأسواق، فبنوا أسواقا من أموالهم حتى اتسع الكرخ‏ (1). و مع ذلك فقد أمر المنصور بأن يبقى فى كل ربض يقال واحد لبيع الأشياء اليومية التى لا غنى للناس عنها. و بمرور الزمن اتسعت بغداد حتى صار الكرخ فى وسطها (2).

لم يكتف المنصور بتأسيس مدينة على الضفة الغربية لدجلة، بل عول سنة 151 ه، على توسيعها، و ذلك بإقامة مدينة جديدة على الجانب الشرقى لدجلة، و أقامها فعلا و سماها الرصافة، و عمل لها سورا و خندقا و مسجدا جامعا و قصرا، و أجرى لها الماء، و يرجع السبب فيما شرع فيه المنصور أنه خشى من اجتماع جنده فى مكان واحد، أقصد الضفة الغربية، فرأى تفريقهم على جانبى دجلة، فإذا ثار عليه جند الضفة الغربية ضربهم بجند الضفة الشرقية، و أمر أبنه المهدى بالإقامة فى الرصافة مع عسكره، و أقطع المنصور أخوته و قواده نواحى فى البلدة الجديدة، و تنافس الناس فى النزول بالرصافة لمحبتهم المهدى و لاتساعة عليهم بالأموال و العطايا، و لأن الرصافة كانت أوسع الجانبين أرضا. ذلك أن الناس قد سبقوا إلى الجانب الغربى، و لم تلبث أن عمرت الرصافة بالأسواق و منازل التجار و الجند و سائر الناس‏ (3).

اتسع الجانب الشرقى من بغداد و استقرت فيه الأسر الغنية و أتباعها من الموالى و العبيد الذين يبلغ تعدادهم بضعة آلاف، و شيدت فى الرصافة قصور فخمة أهمها قصر جعفر بن يحيى البرمكى، و أتخذه للهو و الطرب و كان القصر فى موقع حسن لإطاله على دجله و صار إلى المأمون منزل صيده و قنصه، و بنى حوله‏

____________

(1) ياقوت: معجم البلدان ج 2 ص 223.

(2) اليعقوبى: البلدان ص 236.

(3) ياقوت: معجم البلدان ج 4 ص 254.

18

و قريبا منه منازل لخاصته و أصحابه و حاشيته سميت بالمأمونية (1). كذلك توسع الناس فى البناء فى القسم الشرقى، فبنوا فيه القصور المنيفة و المنازل المزخرفة، اتخذوا الأسواق و المساجد و الحمامات، و أقطع المهدى رجاله مواضع بها، و بنواحيها، و نشأت فى الرصافة عدة محلات أهمها أبى حنيفة و بها مقبرة الإمام أبو حنيفة و محلة باب الطاق، و الطاق قسما من أقسام قصر لإحدى بنات المنصور، ثم صار فى زمن الرشيد مجمعا للشعراء، و إلى جوار هذا الطاق سوق الصاغة و دار صاحب شرطة المهدى، كذلك نشأت محلة دار الروم نسبة إلى أسرى الروم الذى أنزلوا فيها فى عهد الخليفة المهدى، فشيدوا هناك ضيعة و دورا لهم.

و ازدهرت محلة الشماسية فى عهد الرشيد لأن البرامكة اتخذوا قصورهم بها، فشيد يحيى بن خالد قصره المعروف بقصر الطين بها، كذلك اتخذوا ولديه جعفر و الفضل قصرين هناك. و امتدت قطائع البرامكة من الشماسية حتى البردان‏ (2).

كذلك برزت محلات أخرى فى الرصافة نخص بالذكر منها سوق الثلاثاء، و قد نشأت إلى جوار هذه المحلة محلتان على ضفاف دجله تسمى إحداهما محلة دار دينار الكبرى و الأخرى دار دينار الصغرى نسبة إلى دينار بن عبد اللّه- من موالى الرشيد- و كان من أجل القواد فى زمن المأمون.

و صفوة القول أن بغداد صارت من أمهات المدن الإسلامية، بل و العالمية فى العصر العباسى الأول، و مركز العلم و الثقافة، و أهم مراكز النشاط التجارى فى العالم، و كثرت ثروتها و ازدهرت فى عهد الخليفة الرشيد، و تجلى ذلك فى بلوغ العمران بها غايته و ازدحام الناس بانحائها، و تموجهم كالبحر فى أرجائها، حتى قيل أن تعدادهم زاد على مليون و نصف نسمة (3). و هذا العدد الهائل يدل على أنه ليس فى المدن أعين و لا أيسر من الموضع الذى يتكوفون فيه تكوف الرمال‏ (4).

____________

(1) ابن الساعى: نساء الخلفاء ص 71.

(2) اين الساعى: نساء الخلفاء ص 71.

(3) المدور: حضارة الإسلام فى دار السلام ص 93.

(4) المدور: حضارة الإسلام فى دار السلام ص 93.

19

على أن مدينة بغداد لم تنعم بازدهارها طويلا، بل تعرضت بعد عامين من وفاة الرشيد إلى التخريب و التدمير، ذلك أن الخلاف نشب بين الأمين و المأمون- ولدى الرشيد- و ما لبث أن تطور هذا الخلاف إلى حرب بين الأخوين، و حاصرت قوات المأمون بغداد، أربعة أشهر بقيادة هرثمة بن أعين و طاهر بن الحسين- قائدى المأمون- و عزل هرثمة الجانب الشرقى عن الجانب الغربى، و هدم سوره، بينما حاصر طاهر بن الحسين الجانب الشرقى‏ (1).

و اشتبكت قوات طاهر بن الحسين مع قوات الأمين فى معارك متعددة كان من نتيجتها تدمير حى الحربية بعد أن رمى بالنفط و النيران و المنجنيقات و أرسل طاهر إلى أهل الأرباض يطلب منهم التسليم، فمن أجابه كف عنه، و من لم يجبه و دخل فى طاعته قاتله و أحرق منزله، و ظل يغدو و يروح بفرسانه و قواده و رجالته، و يشن هجماته على بغداد و نواحيها حتى أوحشت مدينة المنصور، و خاف الناس أن تبقى خرابا، و أسمى طاهر الأرباض التى خالفه أهلها و مدينة أبى جعفر الشرقية و أسواق الكرخ و الخلد و ما والاها دار النكث، و أستولى على كل أملاك من خالفه من بنى هاشم و القواد و الموالى، فذلوا و انكسروا و انقادوا، و اشتد القتال و ضعف أنصار الأمين، و تعرضت المدينة للسلب و النهب حيث و اتت الفوضى التى حلت بالمدينة الفرصة للصوص و قطاع الطرق و الرعاع و أهل السوقه لسلب الناس و الاعتداء عليهم، و هدم طاهر بعض قناطر بغداد، و شن هجماته‏ (2) على الكرخ، و حاصر بغداد، و هاجم قصر أم جعفر و قصر الخلد و نصب المنجنيقات خلف سور بغداد، و قذف المدينة، و تفرق جنده فى السكك و الطرق لا يلوى منهم أحد على أحد، و تحصن محمد الأمين بالمدينة هو و أنصاره، و شدد طاهر الحصار، و فى سنة 198 ه وقع الأمين فى الأسر بعد أن حوصر فى قصر الخلد، و لم يلبث أن قتل، و توقفت الحرب بعد أن تحولت بغداد

____________

(1) الطبرى: تاريخ الأمم و الملوك حوادث سنة 198 ه.

(2) المصدر السابق ذكره حوادث سنة 198 ه.

20

إلى خرائب و رماد حتى أتت النيران على أحياء باكملها و دمرت هذه الحرب قصرى الخلافة، باب الذهب فى وسط المدينة، و الخلد على دجلة (1).

و كان لمقتل الأمين أثر سئ فى نفوس أهل بغداد، فاشتدت معارضتهم للمأمون و ثاروا على وزيره الحسن بن سهل حتى غادر بغداد سنة 201 ه، و زاد أهل بغداد، معارضة المأمون حين بايع لعلى الرضا بولاية العهد و أمر الناس يلبس الخضرة- شعار العلويين- بدلا من السواد- شعار العباسيين- لذلك بايعوا إبراهيم بن المهدى و لقبوه المبارك و ظل يحكم بغداد مدى عامين، غير أن خيانة قواده له، و تمردهم عليه أجبرته على تسليم المدينة و زمام الحكم إلى المأمون، و نزل المأمون بالجانب الشرقى حيث نقل إليه مقر حكمه فى قصر من قصور البرامكة و قام بتوسيعه‏ (2).

و قدر لبغداد أن تنزل عن مركزها الممتاز بعد أن انتقلت حاضرة الدولة إلى سامرا، ذلك أن المعتصم جمع جيشا من الترك بلغ عدة آلاف و ألبسهم أنواع الدبياج، و المناطق الذهبية و الحلية المذهبة، و أبانهم عن سائر جنوده، و كان الأتراك يؤذون الناس بمدينة السلام بجريها الخيول فى الأسواق، و ما ينال الضعفاء و الصبيان من ذلك‏ (3) و ضاقت بهم بغداد و تأذى بهم الناس بعد أن زاحموهم فى دورهم و تعرضوا بالنساء، فتذمر أهل بغداد و تقدموا بالشكوى إلى المعتصم، فرأى الخليفة ضرورة الإنتقال من بغداد مع عسكره، و وقع اختياره على سامرا، و شيدها سنة 221 ه، و أتخذها حاضرة بدلا من بغداد. و بذلك فقدت بغداد أهميتها كحاضرة إسلامية كبرى.

حقيقة ظلت بغداد محتفظة بقدر كبير من النشاط الأدبى و الإزدهار الإقتصادى، لكن انتقال حاضرة الخلافة عنها، أفقدها السيادة على المملكة الإسلامية الكبرى.

____________

(1) المسعودى: مروج الذهب ج 2 ص 166.

(2) ابن طباطبا: الفخرى فى الأداب السلطانية س 111.

(3) المصدر السابق ذكره.

21

الحالة الإقتصادية فى بغداد فى العصر العباسى الأول‏ 1- الثروة الزراعية.

2- مظار تقدم الصناعة.

3- النشاط التجارى.

4- الإدارة المالية.

5- المعاملات المالية و التجارية.

6- الدواوين المالية.

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

الحالة الإقتصادية فى بغداد فى العصر العباسى الأول‏

1- الثروة الزراعية:

عنى الخلفاء العباسيون الأوائل بتنمية الثروة الزراعية فى منطقة بغداد، فعملوا على تيسير الرى حتى يتمكن الزراع من زراعة الأرض دون جهد و مشقة، من ذلك أنهم شقوا للترع و أقاموا المصارف و شيدوا القناطر، و لما كانت الأرض الواقعة بين نهرى و الفرات خصبة، زاد إنتاجها بمد تحسين ريها.

استغل الخليفة المنصور نهر دجلة الغزير المياه، فأمر بشق عدد من الجداول و الترع تستمد مياهها منه، تيسر رى الأراضى القريبة منه مثل قناة دجيل، كما أحسن أستغلال نهر الفرات- على الرغم من قلة مياهه، و ذلك بإقامة قناة تخذ من كرخايا- إحدى روافد الفرات- و تجرى فى عقود وثيقة من أسفلها محكمة بالآجر من أعلاها، و تنفذ فى أكثر شوارع بغداد صيفا و شتاءا، و صممت بحيث لا ينقطع ماؤها فى وقت من أوقات السنة، كما أمر المنصور بشق قناة تجرى إلى الكرخ و ما اتصل به، سميت نهر الدجاج، و نهر يسمى نهر طابق، و نهر عيسى الأعظم الذى يستمد معظم مائه الفرات، و يتفرغ منه أنهار تحترق بغداد- و من بينها الصراة- و يصب فى دجلة (1). و كذلك شق المنصور فى الرصافة نهر المهدى‏ (2). و كان لتوفر المياه فى منطقة بغداد أكبر الأثر فى وفرة إنتاجها الزراعى.

____________

(1) ياقوت: معجم البلدان ج 2 ص، 236

(2) اليعقوبى: البلدان ص، 353

24

و استخدم العباسيون الأسلوب العلمى فى الزراعة، فدرسوا الوسائل التى تؤدى إلى خصوبة الأرض، و أنواعه النباتات، و نوعية التربة التى تصلح لكل نبات‏ (1)، و رشحت المستنقعات بنظام دقيق‏ (2).

كانت أرض العراق من الناحية القانونية ملكا للدولة، و أبقاها الخلفاء فى أيدى أصحابها يزرعونها و يؤدون خراجا عنها، و قد حرص الخلفاء العباسيون على عدم اثقال كاهل الأهلين بضريبة الأرض الأمر الذى شجعهم على بذل الجهود لزيادة إنتاج الأرض، و بذكر الجهشيارى‏ (3) أن الخليفة المهدى نهى عمال الخراج عن التعسف و إلحاق الجور بالمزارعين و كان الوالى الذى يلحق الأذى بأهل الخراج يعزل أو يعاقب‏ (4).

و كانت الحكومة تمتلك أرضا آلت إليها من الأمويين الذين صودرت أملاكهم، أو مات أصحابها دون أن يتركوا من يرثهم، أو أراضى صادرها الخلفاء عقوبة لأصحابها، و أرض الدولة هذه يقطعها الخلفاء إلى رجال يثقون بهم، أو ممن أدوا خدمات جليلة لأمتهم، و قد عمروا هذه الإقطاعات، و سميت بأسمائهم، من ذلك أن المنصور أقطع العباس بن محمد بن على الجزيرة بين الصراتين، فجعلها العباس بستانا ينمو فيه مختلف الزروع، و لا تنقطع غلاتها صيفا و لا شتاءا، و سميت بالعباسية (5)، و أقطع المأمون وزيره الحسن بن سهل الصلح، و هى كورة فوق واسط لها نهر يتفرع من دجله على الجانب الشرقى يسمى فم الصلح‏ (6).

و لم يكن إقطاع الأرض مقصورا على الخليفة وحده، بل إن صاحب الأرض الواسعة كان يقطع أحيانا بعض المزارعين جزءا من أرضه فيقومون بزراعتها.

____________

(1) حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسى ج 2 ص، 307

(2) سيد أمير على: مختصر تاريخ العرب و التمدن الإسلامى ص، 364

(3) الوزراء و الكتاب ص، 143

(4) الجهشيارى: الوزراء و الكتاب ص، 219

(5) اليعقوبى: البلدان ص، 259

(6) الطبرى: تاريخ الأمم و الملوك حوادث سنة 221 ه.

Hitti: Hist. of the Arabs p. 043.

25

و يمدهم بما يحتاجون إليه من مواد و أدوات فى الزراعة، و ييسر لهم سبل الرى، و يمنحهم جزءا من المحصول، و يقوم المقطع بأداء الخراج عن الأرض المقطعة بواقع العشر فقط، و تظل الأرض ملكا له يتوارثها أبناؤه من بعده‏ (1).

و قد يحدث أحيانا أن يرغب صغار ملاك الأراضى الزراعية فى الإفلات من عب‏ء الخراج العادى، فدونوا ضياعهم مع ضياع كبار ملاك الأراضى الأقوياء، فكانوا يدفعون عنها العشر فقط، كما هو الحال فى الإقطاعات، على أن هذا التصرف لم يمنعهم من ممارسة حقوق ملكياتهم لأراضيهم، فظلوا يتبايعونها و يتوارثونها، و إن كانت بأسماء كبار الملاك المدونة مع ضياعهم‏ (2)، فالجهشيارى‏ (3) يذكر أن رجلا من أهل الأهواز قدم إلى أبى أيوب الموريانى- وزير المنصور- و قال له: إن ضيعتى بالأهواز قد حمل على فيها العمال، فإن رأى الوزير أن يعيرنى اسمه أجعله عليها مقابل قدر من المال، فوافق الوزير على أن يهب اسمه للرجل.

شاع نظام الضمان على جباية الخراج، فكان على الضامن أن يقدم للحكومة مبلغا معينا من المال سبق أن اتفق مع الحكومة عليه، و إذا ما أخل الضامن بالتزامه، فإن الحكومة تفرض عليه عقوبات، و قد ألحق الضمان ضررا كبيرا بأهل الخراج من المزارعين و بالأرض، لأن الضامن كان يلجأ فى بعض الأحيان إلى استخدام العنف للحصول على المال المحدد بالضمان فيسلمه إلى الحكومه فضلا عن الربح الذى يحرص على جمعه من أهل الخراج، فيضر ذلك بهم، فيخربوا ما عمروا (4).

و كانت المزارع سيحا أو بواسطة الآلات الرافعة، و أكثر هذه الآلات شيوعا، الدالية و الناعورة و الدولاب (الساقية) قالدالية دولاب يجره ثور أو بقرة، أما

____________

(1) أبو يوسف: الخراج ص، 33

(2) عصام الدين عبد الرءوف: تاريخ الإسلام فى جنوب غرب أسيا فى العصر التركى ص، 182

(3) الوزراء و الكتاب ص، 118

(4) أبو يوسف: الخراج ص، 60

26

الناعورة دولاب يديره تيار النهر، و الدولاب أكثر الثلاثة تعقيدا يديره حصان أو ثور (1).

و تقع بغداد فى منطقة خصبة، تضم قرى تنمو و تزدهر فيها الكثير من الغلات، و شجع توفر المياه أهل بغداد على غرس النخيل الذى حمل من البصرة، حتى صار فى بغداد أكثر منه فى البصرة و الكوفة، كما غرسوا الأشجار، و أنتجت أجود الثمار، و انتشرت الحدائق و البساتين فى كل ناحية من نواحى بغداد (2).

و ازدهرت قرى بغداد التى توفر فيها المياه، فكانت بلدة المحول التى تقع عند الموضع الذي يتفرع منه نهر الصراة و نهر عيسى بها سد على النهر الرئيسى- عيسى الأعظم- لتنظيم المياه فيه، و تقسيمها بين فرعى الصراة و عيسى الذين ينحدران شرقا إلى بغداد، لذا اشتملت على البساتين الرائعة التى تنمو فيها مختلف المزروعات‏ (3) و يذكر الأصطخرى‏ (4) أن بادوريا- إحدى قرى بغداد- كانت خصبة الأرض غنية بمزارعها لحسن ريها، وجودة أرضها.

و من المزروعات التى أنتجتها بغداد الحنطة و الشعير و التمر و الأرز و الفواكه كالعنب و المشمش، و الخضروات و الرياحين و أنواع الأزهار كالنرجس و الياسمين و الورد، و كذلك الجوز و الموز و اللوز و القرنفل‏ (5) و كان ببغداد سوق البطيخ يباع فيه الفواكه‏ (6) و جلب إلى بغداد النارنح من الهند، و حسنت زراعته فيها.

2- مظاهر تقدم الصناعة:

عنى الخلفاء العباسيون بتحسين الصناعات فى بغداد و تيسير أمرها للعاملين‏

____________

(1) الدورى: تاريخ العراق الاقتصادى ص، 51

(2) اليعقوبى: البلدان ص، 293

Hitti: Hist. of the Arabs p. 043

(3) ياقوت: معجم البلدان ج 4 ص، 214

(4) المسالك و الممالك ص، 85

(5) الدورى: تاريخ العراق الاقتصادى ص، 53

(6) اليعقوبى: البلدان ص، 264

27

فيها، فشيد الخليفة المعتصم مصانع فى بغداد لصناعة الصابون بالدهون و العطور، و كانت بغداد تنتج أنواع الزيوت‏ (1). كذلك أنشأ العباسيون مصنعا للورق فى بغداد، و جلبوا له الصناع و أرباب الحرف من مصر التى اشتهرت بهذه الصناعة منذ وقت بعيد (2)، و كان ببغداد عدد كبير من المصانع حتى قيل أنه كل بها أربعمائة رحى مائية و أربعة آلاف معمل لصنع الزجاج، و بضعة آلاف معمل لصنع الخزف، و كان لكل صناعة سوق خاص‏ (3).

و ازدهرت فى بغداد صناعة الأدوات الجديدية و الخشبية المختلفة فى سوقى الحدادين و النجارين، كذلك كانت تصنع السفن و القوارب فى بغداد سواءا الحربية أو التجارية أو الترفيهية. و يذكر الطبرى‏

قد ركب الدلفين بدر الدجى‏* * * مقتحما فى الماء قد لججا

فأشرقت دجله فى حسنه‏* * * و أشرف الشطان و استبهجا

خص به اللّه الأمين الذى‏* * * أضحى بتاج الملك قد توجا

(4) أن الأمين أمر بعمل خمس حراقات فى دجلة على خلقة الأسد و الفيل و العقاب و الحيه و الفرس، و أنفق فى عملها مالا عظيما، كما ابتنى سفينة عظيمة أنفق على بنائها ثلاثة آلاف درهم، و اتخذ أخرى على شكل دأبه بحرية قيل إنها تنقذ الغريق أسمها الدلفين.

و تقدمت صناعة حياكة الثياب الحريرية و القطنية و الأقمشة بأنواعها فى بغداد، و كان ببغداد سوق للبزازين، و يباع فيه بالإضافة إلى الأقمشة و المنسوجات، للعمائم الدقيقة من صنع بغداد و المناديل، و كان السقلاطون و هو نسيج حريرى سميك- يصنع فى بغداد، و فى محلة العتابية تصنع الثياب العتابية، و هى ثياب مخططة تصنع من خيوط قطنية و حريرية (5)، و تقدمت صناعة البسط فى بغداد، و يصنعونها من القطن و الكتان‏ (6) و يذكر صاحب كتاب الفخرى (7) أن الحسن بن‏

____________

(1) الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد ج 1 ص 75-Hitti :Hist .of the Arabs p .043

(2) مقدمة: ابن خلدون ص، 245

(3) أمين زكى: كتاب عمران بغداد ص، 50

(4) تاريخ الأمم و الملوك، حوادث سنة 198 ه.

و قال أبو نواس فى ذلك:

قد ركب الدلفين بدر الدجى‏* * * مقتحما فى الماء قد لججا

فأشرقت دجله فى حسنه‏* * * و أشرف الشطان و استبهجا

خص به اللّه الأمين الذى‏* * * أضحى بتاج الملك قد توجا

(5)Hitti :Hist .of the Arabs p .543 .

(6) الدورى: تاريخ العراق الاقتصادى ص 93، 141

28

سهل، فرش للخليفة المأمون يوم زواجه من ابنته بوران حصيرا منسوجا من الذهب، و صنع للسيدة زبيدة زوجة الرشيد بساطا من الدبياح، جمع صورة كل حيوان و طائر من جميع الأجناس، و أنفقت عليه نحوا من ألف ألف دينار (1) و أتخذ المأمون فى قصوره ثلاثة آلاف و ثمانمائة بساط منها ألف و مائتين مزركشه بالذهب‏ (2).

و أنشأ العباسيون فى بغداد- كما فعل الأمويون فى دمشق من قبل- دور الطراز، فكانت تنقش أسماؤهم أو علامة مميزة تختص بهم على الأثواب التى يرتدونها، و كذلك ملابس أجنادهم و رجال دولتهم، و عليها شارة الخليفة أو لقبه و بعض عبارات الدعاء (3)، و الكتابة تحاك بخيوط من الذهب أو من خيوط ذات ألوان زاهية و كان القائم بالنظر فى دور الطراز يسمى صاحب الطراز (4) و هو ينظر فى أمور الصباغ و الحاكة، و يشرف على أعمالهم و يجرى عليهم أرزاقهم، و تنتج دور الطراز البسط و الثياب و الأعلام و البنود و الفرش، و يستعملها الخليفة أو يمنحها لكبار عماله‏ (5).

و اشتهرت بغداد بالصناعات الزجاجية، أخذوها عن الفرس، و بلغت درجة كبيرة من الدقة و الأتقان، و بلغ من مهارة الصناع أن الزجاج كانوا يرصعونه بالجواهر و يكتبون عليه بالذهب المجسم و يصنعون أقداحا بديعة الصنع.

كذلك ظهر فن الصناعة على المبانى، فكان على الجدران و السقوف نقوش فى رسم ملون أو فسيفساء من ذهب، و على دائر الأبواب كتابة من الزجاجة الملون و يحوطونها بخشب أسود من الأبنوس و غيره، و يعلق الصناع رسوما من النحاس تمثل غصونا و ثمارا أو أزهار إلى غير ذلك من الأشكال التى تؤكد براعة الصانع و ذوقه الفنى و دقته و مهارته‏ (6).

____________

(1) ابن طباطبا ص، 203

(2) ابن الابشيهى: المستطرف ج 1 ص، 89

(3) المدور: حضارة الإسلام فى دار السلام ص، 95

(4) مقدمة ابن خلدون ص 210-، 211

(5) الدمبرى: حياة الحيوان الكبرى ص، 79

(6)Hitti :Hist .of the Arabs p .543

29

3- النشاط التجارى:

لم يأل الخلفاء العباسيون جهدا فى سبيل تشجيع التجارة على اعتبار أنها مصدر هام من مصادر الثروة.

و كانت التجارة داخل بغداد مركزها الأسواق، و قد حرض الخليفة المنصور عند تأسيس مدينة بغداد على انعاش الحالة التجارية فيها فأمر المشرفين على تشييدها أن يراعوا فى تخطيط المدينة ما يحتاجه كل ربض من أسواق و حوانيت، و أن يتوسعوا فى إنشاء الحوانيت ليكون فى كل ربض سوق جامعة تجمع التجارات، «و كان لكل نوع من التجارة شوارع معلومة و صفوف فى هيئة الشوارع و حوانيت، و ليس يختلط قوم بقوم و لا تجارة بتجارة، و لا يباع صنف مع غير صنف، و لا يختلط كل فئة من التجار بغيرهم، و كل سوق مفرده و كل أهل منفردين بتجارتهم» (1).

ازدهرت التجارة فى أسواق بغداد حتى أن الكبش كان يباع بدرهم و الحمل بأربعة دوانق، و ينادى على لحم الغنم كل ستين رطلا بدرهم، و لحم البقر كل تسعين رطلا بدرهم، و التمر كل ستين رطلا بدرهم، و الزيت ستة عشر رطلا بدرهم، و السمن ثمانية أرطال بدرهم، و العسل عشرة أرطال بدرهم، و لهذا الأمن و الرخص كثر سكان بغداد، و كثر الدارج فى أسواقها، حتى أن المار لا يستطيع أن يجتاز أسواقها لكثرة زحام أهلها (2).

على أن المنصور لم يلبث أن أمر التجار بالخروج من المدينة، كما سبق أن أوضحنا- و أمر ببناء سوق للتجار ما بين الصراة و نهر عيسى‏ (3)، و شيد بحيث يكون صفوفا، و رتب كل أهل تجارة فى موضع، و أمر بجعل سوق القصابين فى آخر السوق لأن فى أيديهم الحديد (4). و هذا السوق الجديد يعرف بالكرخ، و كان‏

____________

(1) اليعقوبى: البلدان ص، 230

(2) ابن كثير: البداية و النهاية ج 10 ص، 99

(3) ياقوت: معجم البلدان ج 7 ص، 223

(4) اليعقوبى: البلدان ص، 250

30

يباع فيها مختلف البضائع، و لقد أعفا المنصور التجار من الضرائب تحقيقا عليهم، و تشجيعا لهم على مواصلة عملهم، و لما استخلف المهدى فرض الضرائب على الحوانيت‏ (1)، و بمرور الزمن كثر التجار فى الكرخ، و ضاق بهم، فبنى التجار أسواقا من أموالهم حتى اتسع الكرخ‏ (2).

و كانت التجارة فى الرصافة تتركز فى محلة باب الطاق فى طرف الجسر المركزى، و من ساحة هذا الجسر يتفرع سوقان، سوق الأساكفة و سوق الطيب حيث تباع العطور و الزهور، و يلى هذا السوقان سوق الخبازين و سوق القصايين، و سوق الصاغة و سوق الوراقين‏ (3) و ظلت التجارة مزدهرة فى هذه الأسواق حتى عهد الأمين فتعطلت بسبب الحصار، و فى بداية عهد المأمون ارتفعت الأسعار بسبب الأضطرابات التى حدثت داخل بغداد.

كانت بغداد ملتقى التجارة فى العصر الساسانى، و ازدهرت التجارة فيها بعد تأسيسها مباشرة، فقد سكنها أناس من مختلف الأمصار، و آثارها السكان الجدد على أوطانهم «فليس من أهل بلد إلا و لهم فيها محلة و متجر و متصرف، فاجتمع بها ما ليس فى مدينة أخرى» و أدى موقعها التجارى الممتاز، و جريان دجله و الفرات فى حافتيها إلى أن كانت التجارة تأتيها برا و بحرا بأيسر السبل حتى أجتمعت بها بضائع المشرق و المغرب من أرض الإسلام و غير أرض الإسلام، فتأتيها التجارة من الهند و السند و الصين و التبت و بلاد ما وراء النهر و الترك و الخزر و الحبشة و سائر البلدان‏ (4).

و من أسباب اختيار المنصور لموقع بغداد حاضرة لدولته موقعها التجارى، رآها جزيرة بين دجلة و الفرات، دجلة شرقيها و الفرات غربيها فتأتيها من دجلة تجارات واسعة، من البصرة و الأبلة و الأهواز و فارس و عمان و البحرين و اليمامة و ما

____________

(1) ياقوت: معجم البلدان ج 7 ص، 223

(2)Le Strang :Hist .of Baghdad p .181 .

(3)Ibid pp .172 -272 .

John Glubb: The Empire of the Arabs, p 033.

(4) اليعقوبى: البلدان ص، 234

31

يتصل بذلك، و كذلك ما يأتى من الموصل و ديار ربيعة و أذربيجان و أرمينية مما يحمل فى السفن فى دجله، و يأتى من ديار مضر و الرقة و الشام و الثعور و مصر و المغرب مما يحمل فى السفن فى الفرات من أهل الجبل و كور خراسان و أصفهان‏ (1).

خرجت من بغداد رحلات تجارية من مختلف البلدان، و برز رحاله يسروا للناس أمر الوصول إلى البلدان المختلفة، فابن خرداذبه وضع دليلا للمسافرين وصف فيه الطريق البحرى الذى يبدأ من مصب دجلة عند الأبله، و ينتهى إلى بلاد الهند و الصين‏ (2).

و كانت رحلات العرب البحرية تبدأ من بغداد و تسير فى الخليج الفارسى حتى تصل إلى شبه جزيرة ملقا (الملايو) و كانوا يمرون بعدة موانى تمكنهم من إبتياع بضائع الهند و الصين و غيرها (3). و جدير بالذكر أن طرائف الصين كانت تباع فى سوق خضير بالرصاقة.

و يتفرع من بغداد طرق تجارية أبرزها طريق شرقى الى حلوان و منها إلى إيران و أواسط آسيا ثم البصرة و طريق شمالى إلى الموصل و الجزيرة و طريق جنوبى إلى واسط ثم البصرة و طريق جنوبى غربى إلى الكوفه و منها إلى الجزيرة العربية حيث ينتهى عند الحجاز، و طريق غربى إلى الرحبه و منها إلى سوريه فمصر (4).

قلنا إن التجار حملوا السلع من مختلف البلدان إلى بغداد فحملوا الحديد من خراسان و الرصاص من كرمان و الآنيه و التوابل من الهند و النسيج الملون من كشمير، و العود و المسك و سائر العطور من الصين، و العطر و أنواع الطيب من اليمن، و من إفريقية الذهب و الأبنوس، و الكافور و العود و الثياب و القطنية من السند، و من سرنديب اليواقيت المختلفة، و الماس و الدر و اللؤلؤ و المرجان من‏

____________

(1)

Heyd: Hist du commerce de Levant au Moyen Age. I. p. 72.

(2) اليعقوبى: البلدان ص، 253

(3) المصدر السابق ص، 253

(4)Hitti :Hist .of the Arabs p .543 .

32

سواحل الخليج، و الجلود و الرقيق من بلاد الروم، و السلاح و الحديد و الجلود من بلاد الروس‏ (1)، و كانت السفن تأتى إلى بغداد محملة بالبضائع خصوصا الدقيق و الخضراوات من سورية فى الفرات ثم تسلك نهر عيسى إلى بغداد (2). و من بلاد ما وراء النهر كانت بغداد تشترى القطن و المنسوجات الحريرية و الملابس الصوفية و الفرو و الرقيق التركى و الأسلحة و الكاغد، و من أرمينية البسط و الطنافس و السجاد و ثياب الكتان و الثياب الرقاق و الطيالس من الصوف و القلانس‏ (3).

و اشتهرت شمال فارس بجودة فواكهها، و بصفة خاصة مرو التى كانت تنتج أجود أنواع البطيخ‏ (4)، و كان يقدم و يحمل إلى العراق و كان يحمل هذا النوع من البطيخ إلى الخليفة المأمون ثم إلى الواثق فى قوالب الرصاص المعبأة بالثلج‏ (5).

و كان التجار فى عداد الطبقة المتوسطة، لذلك أنف من الاشتغال بها عليه القوم، فلما اعتزم يحيى بن خالد البرمكى الاشتغال بالتجارة و اتصل ببعض التجار لهذا الغرض، قال له أحدهم: أنت رجل شريف و ابن شريف و ليست التجارة من شأنك‏ (6) و كان وزير المعتصم محمد بن عبد الملك الزيات أبوه تاجرا موسرا و نشأ محمد و تأدب و كان ذكيا فبرع فى كل شى‏ء، و كان يقول: الحمد للّه الذى نقلنى من ذل التجارة إلى عز الوزارة (7)

4- الإدارة المالية:

حرصت الدولة العباسية على تحقيق التوازن بين مواردها و مصروفاتها، و من أهم الموارد الثابتة لبيت المال الجزية و الخراج و المكوس.

1- الخراج: هو ضريبة الأرض، و يحدد طبقا للمحصول التى تنتجه الأرض،

____________

(1) المدور: حضارة الإسلام فى دار الإسلام ص، 116

(2) اليعقوبى: البلدان ص، 250

(3) الجاحظ: التبصر بالتجارة ص 344-، 346

Hitti: Hist. of the Arabs p. 343.

(4) الثعالبى: لطائف المعارف ص، 129

(5) محمد جمال الدين سرور: تاريخ الحضارة الإسلامية فى الشرق ص، 128

(6) الجهشيارى: الوزراء و الكتاب ص، 186

(7) الجهشيارى: الوزراء و الكتاب ص، 213

33

و نوع التربة. و طريقة ريها، و نوع الزرع، و مساحة الأرض، و كانت سياسة عمر ابن الخطاب. كما رأينا من قبل- عدم تقسيم الأرض بين الغزاة الفاتحين، فتركها فى يد أهلها يزرعونها يؤدون خراجها، و قال: قد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها، و أضع عليهم فيها الخراج، و فى رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئا للمسلمين المقاتلة و الذريه و لمن يأتى من بعدهم، و المقاتلة الذين يذودون عن الثغور و يعسكرون فى المدن الكبرى و قال: فمن أين يؤتى هؤلاء إذا قسمت الأرضون و العلوج؟ (1). و يقول أبو يوسف‏ (2): إن ما رآه عمر بن الخطاب من جمع خراج ذلك و قسمته بين المسلمين عموم النفع لجماعتهم، لأن هذا لو لم يكن موقوفا على الناس فى الأعطيات و الأرزاق لم تشحن الثغور و لم تقو الجيوش على السير فى الجهاد، و لما أمن رجوع أهل الكفر إلى مدنهم إذا خلت من المقاتلة و المرتزقة.

عنى المنصور عناية كبيرة بالخراج، فراقب عمال الخراج مراقبة شديدة و أمرهم ألا يقبلوا من الناس إلا النقد الموثوق بسلامته و نفاوته لمن يدفع نقدا، و المكيال الصحيح لمن يؤدى الخراج عينا (3) و لضبط الخراج العينى استحدث كيلا جديدا، و أدخل المهدى نظاما جديدا فى جباية الخراج، فبعد أن كان الخراج يؤدى على حسب مساحة الأرض، بصرف النظر عن نوع المحصول و طرق الرى، قرر المهدى إدخال نطام المقاسمة، و بمقتضاه كانت الدولة تقاسم المزارعين المحصول بنسب معينة بغض النظر عن مساحة الأرض. و قد حدد المهدى نسبة المقاسمة بمقدار نصف المحصول‏ (4).

و مما لا شك فيه أن نظام المقاسمة ضمن للدولة الحصول على نصيبها من الخراج بعد تحديده، و أراح الناس، فنشطوا فى زراعة الأرض و أطمأنوا على‏

____________

(1) أبو يوسف: الخراج ص، 14

(2) الخراج: ص، 15

(3) البلاذرى: فتوح البلدان ص، 1469

(4) الفخرى فى الآداب السلطانية ص، 198

34

أحوالهم المعيشية بعكس نظام المساحة الذى كان يضر ببعض الزراع لأنه يفرض عليهم خراجا على الأرض زرعت أو لم تزرع.

كانت دواوين الخراج فى الدولة تقوم مقام خزائن الدولة، فتستوفى من مال الخراج النفقات و أعطيات الجند، ثم يحمل ما تبقى إلى بيت المال العام بمدينة بغداد، و لذلك فإن بيت المال فى بغداد لم يكن يعنى إلا بدار الخلافة و حاجاتها و بشؤون الدواوين‏ (1).

انتظم الخراج فى عهد الرشيد بعد الإصلاحات التى استحدثها البرامكة فى الزراعة و الرى، كما شعر الزراع بالأمان بعد أن نظر البرامكة فى ظلماتهم، و ألغوا المبالغ المتأخرة على الزراع العاجزين عن السداد و قد أوصى القاضى أبو يوسف الرشيد بأن تقوم الدولة بحفر الترع و القنوات و تيسير سبل الرى‏ (2). و كان الرشيد لا يتهاون مع عمال الخراج الذين يلحقون الأذى بالأهلين، و يحملونهم فوق طاقتهم.

ظل نظام المقاسمة معمولا به حتى ولى الرشيد الخلافة فخفض المقاسمة بحيث أصبحت فى السواد، كما حددها القاضى أبو يوسف‏ (3) على الحنطة و الشعير خمسين و النخل و الكروم و الرطاب و البساتين الثلث، و أما غلال الصيف فعليها الريع، و تكون المقاسمات فى أثمان ذلك بعد تحديد قيمتها تحديدا عادلا لا يكون فيه إحجاف بأهل الخراج، و ظل الحال كذلك حتى أيام المأمون إلا أنه آحدث كيلا جديدا فى تقدير الخراج‏ (4).

و أما القطائع فيحدد خراجها تبعا لطريقة ريها فما كان ريها سيحا فعليها العشر، و ما سقى منها بالدلو أو بمشقة نصف العشر، و يعفى بعض أنواع المحاصيل مثل الخضروات و البطيخ، و ما يكال الفقير و يوزن بالأرطال فهو مثل الحنطة و الشعير

____________

(1) متز: الحضارة الإسلامية ج 1 ص، 143

(2) أبو يوسف: الخراج ص، 27

(3) أبو يوسف: الخراج ص 27-، 28

(4) ابن كثير: البداية و النهاية ج 10 ص، 251

35

و الذرة و الأرز و الحبوب و السمسم، إذ عليه العشر إذا كان ريه سيحا و نصف العشر إذا كان ريه بمشقة (1).

و أما الإقطاعات التى كانت فى الأصل صوافى- و هى أرض كانت لكسرى و مرازبته و أعوانه و أنصاره، أو التى فر أصحابها أو قتلوا فى الحرب و آلت إلى الدولة الإسلامية- فكان عمر بن الخطاب يقطعها لمن له مواقف فى الإسلام، و عليها العشر، و يلزم صاحب الأقطاع تيسير أمر ريها و إصلاحها، و من الناحية النظرية كان كل من يعتنق الإسلام تصبح أرضه أرض عشر بعد أن كانت أرض خراج‏ (2).

2- الجزية: الجزية واجبة على جميع أهل الذمة، و تجب على الرجال منهم دون النساء و الصبيان، على الموسر ثمانية و أربعون درهما و على الوسط أربعة و عشرون، و على المحتاج الكادح اثنى عشر درهما، يؤخذ منهم ذلك فى أول كل سنة قمرية، و لا تؤخذ الجزية من المسكين الذى يتصدق عليه و لا من أعمى لا حرفة له و كذلك المترهبون فى الديارات إذا كانوا فقراء، و لا تؤخذ من الشيخ الكبير الذى لا قدره له على العمل.

و كان ولاة الخراج فى العراق يبعثون رجالا من قبلهم ينقون بدينهم و أمانتهم، يأتون القرية فيأمرون صاحبها بجمع من كان فيها من اليهود و النصارى و المجوس و الصابئين و السامرة، فإذا جمعوهم أخذوا منهم الجزية على قدر طاقاتهم‏ (3).

3- الضرائب التى تفرض على تجار أهل الذمة و تسمى المكوس و قد حددت بمقدار 20/ 1 من قيمة بضائع التجار، إن كانوا يقيمون فى الدولة الإسلامية، و تجبى مرة فى السنة، بشرط أن تزيد قيمة التجارة عن عشرين دينار أو مائتى درهم، و عشر قيمة بضائع التجار القادمين من خارج البلاد الإسلامية، إن زادت‏

____________

(1) أبو يوسف: الخراج ص، 28

(2) المصدر السابق ذكره ص، 37

(3) أبو يوسف: الخراج ص، 70

36

القيمة على عشرين دينار أو مائتى درهم، و كان جباة هذه الضريبة يتخذون أماكنهم فى طرق التجارة البرية و النهرية (1)، و يمنح التاجر إيصالا بتأديته الضريبة يسرى لمدة سنة. و كان العراق كثير المراصد فى البر و النهر و البحر، كذلك فرضت ضرائب على الأسواق و على الأوزان و المكاييل و الطواحين، و نظم الرشيد المراصد على الحدود، و أمر بتفتيش التجار المارين بها تفتيشا دقيقا، و عند ما حوصرت بغداد فى عهد المأمون، عمد بعض قادة طاهر بن الحسين إلى فرض ضرائب على التجار (2). و فرضت الدولة ضرائب على سك النقود فى دار الضرب بنسبة 1% عما يضرب بها من دنانير و دراهم‏ (3).

و كانت الدولة العباسية يرد إليها أموال من الدولة البيزنطية فى بعض السنوات التى تحرز انتصارات عليها، فلما غزا الرشيد دولة الروم سنة 190 ه طلب منه نفقور فوكاس- إمبراطور الروم- الهدنة مقابل جزية سنوية قدرها ثلاثمائة ألف دينار سنويا، فوافق الرشيد (4).

شكلت المصادرات موردا ماليا هاما، فصادر الرشيد أموال البرامكة. فكانت ...، 676،. 3 (5) و صادرت أموال على بن عيسى بن ماهان- واليه. على خراسان- فكانت ...، ...، 80 من الدراهم و صادر الأمين أموال أخيه المأمون و ضياعه فى بغداد و نواحيها لما نشبت الفتنة بينهما (6)، و صادر المعتصم أموال وزيره الفضل بن مروان‏ (7).

تدفقت الأموال على بغداد فى العصر العباسى الأول بفضل استقرار الدولة الذى كفله لها الخليفه المنصور و خلفاؤه من بعده خصوصا الرشيد، و امتلأ بيت المال بالذهب و الفضة حتى بلغ دخل الدولة فى بعض السنوات المبكرة من الحكم‏

____________

(1) سيد أمير على: مختصر تاريخ العرب ص، 262

(2) البغدادى: تاريخ بغداد ص، 70

(3) اليعقوبى: البلدان ص، 122

(4) ابن كثير: البداية و النهاية ج 10 ص، 203

(5) الجهشيارى: الوزراء و الكتاب ص، 235

(6) المصدر السابق ذكره ص، 293

(7) الفخرى فى الآداب السلطانية ص 212.

37

العباسى خمسمائة ألف ألف درهم من الفضة و عشرة آلاف دينار من الذهب ما عدا الغلال و المصنوعات التى تشتهر بها البلاد العباسية (1) و جدير بالذكر أن المنصور خلف لأبنه المهدى قبل وفاته من الأموال ما إن كسر عليه الخراج عشر سنين كفاه لأرزاق الجند، و سائر النفقات، و كان ما خلفه فى بيت المال أربعة عشر ألف ألف دينار و ستمائة ألف ألف درهم‏ (2). و بلغ دخل الدولة فى عهد الرشيد خمسة آلاف ألف دينار، و من الدراهم أربع مائة ألف ألف و أربعة آلاف ألف و سبع مائة و ثمانية آلاف درهم‏ (3).

حرص الخلفاء العباسيون على التمييز بين أموالهم الخاصة و الأموال العامة.

فلما شعر المنصور بدنو أجله، استدعى ابنه المهدى و قال له: على دين أحب أن تقتضيه و تضمنه قدره ثلاثمائة ألف درهم و نيف و ليست أستحلها من بيت المال، فاضمنى عنها (4).

كانت الدولة تنفق الموارد السابق ذكرها فى دفع أجور العمال و الموظفين و قد بلغ رزق كل كاتب من رؤساء الكتاب 300 درهم شهريا (5) و الكاتب المبتدئ عشرة دنانير (6) و كاتب ديوان القضاء و الجند 200 درهم، و أنفق المنصور أموالا طائلة فى تشييد مدينة بغداد، و حدد أجور الموظفين و العمال الذين عملوا فى بنائها، و بعد تشييدها مثل أئمة المساجد و المؤذنين الذين عملوا فى مساجد المدينة، و كذلك الكتاب الذين اشتغلوا فى دواوينها (7).

و كان الخلفاء يفرقون الأموال الكثيرة على أفراد البيت العباسى حتى أن المنصور أطلق فى يوم واحد لبعض أعمامه ألف ألف درهم، و فى هذا اليوم فرق‏

____________

(1) المسعودى: مروج الذهب ج 2 ص، 243

(2) الجهشيارى: الوزراء و الكتاب ص، 288

(3) الجهشيارى: ص 282 و ما بعدها:

(4) الطبرى: تاريخ الأمم و الملوك حوادث سنة 158 ه.

(5) ابن كثير: البداية و النهاية ج 10 ص، 100

(6) الجهشيارى: الوزراء و الكتاب ص، 126

(7) المصدر السابق ذكره ص، 139

38

فى بيته عشرة آلاف درهم‏ (1) و ازداد عدد أفراد البيت العباسى فى عهد المهدى، فحدد لهم رواتب و مخصصات بلغت ستة آلاف درهم فى السنة غير المنح و الهبات و استمر هذا الوضع من بعده، و كان للخليفة حرس خاص من أهل بغداد لهم رواتب كبيرة (2).

أنفق الخلفاء أموالا جليلة فى المنح و الهبات و العطايا للأدباء و الشعراء و العلماء و الندماء و من يلوذبهم من ذوى الحاجة.

كانت الدولة تنفق أموالا باهظة فى إعداد الجيوش و تجهيزها بالمؤن و العتاد، ففى سنة 154 ه أعد المنصور جيشا بقيادة يزيد بن حاتم، و أمره بقتال الخوارج فى إفريقية و أنفق على هذا الجيش نحوا من ثلاث و ستين ألف درهم‏ (3)، و فى سنة 165 ه جهز المهدى ولده الرشيد لغزو الروم، و أعد له من النفقة مائة ألف دينار، و أربعة و تسعون ألف دينار، و أربعمائة و خمسون دينارا، و من الدراهم إحدى و عشرون ألف ألف و أربعمائة ألف و أربعة عشر ألفا و ثمانمائة درهم‏ (4) و فى سنة 195 ه عقد الأمين لعلى بن عيسى بن ماهان الأمارة على الجبل و همذان و أصبهان و قم و تلك البلاد، و أمره بحرب المأمون‏ (5)، و جهز معه جيشا كثيرا، و أنفق فيه نفقات عظيمة، و أعطاه مائتى ألف دينار و لولده خمسين ألف دينار، و فى سنة 222 ه جهز المعتصم جيشا كثيفا مددا الأفشين على محاربة بابك الخرمى، و بعث إليه ثلاثين ألف ألف درهم نفقة للجند (6).

كذلك كان العباسيون يعملون على استرضاء بعض الثائرين خصوصا- العلويين بالمال. ليكفوا عن مناوأة الدولة، فأطلق الرشيد من بيت المال أربعمائة

____________

(1) ابن كثير: البداية و النهاية ج 10 ص، 126

(2) البغدادى: تاريخ بغداد ج 5 ص، 393

(3) ابن كثير: البداية و النهاية ج 10 ص، 111

(4) المصدر السابق ج 10 ص، 147

(5) المصدر السابق ج 10 ص، 226

(6) المصدر السابق ج 10، 283

39

ألف دينار ليحيى بن عبد اللّه العلوى‏ (1) و أوصى المأمون أخاه المعتصم بالعلويين خيرا، و أن يواصلهم بصلاتهم فى كل سنة (2).

و كان الخلفاء العباسيون ينفقون الأموال الجزيلة على أهل مكة و المدينة. ففى سنة 160 ه حج المهدى، و فرق فى أهل مكة و المدينة ثلاثين ألف ألف درهم و مائة ألف ثوب، ورد من مصر ثلاثمائة ألف دينار و من اليمن مائتا ألف دينار، فأعطاها كلها لأهل مكة و المدينة (3).

و كانت الدولة تكافأ قوادها الذين أظهروا براعة و شجاعة فى التغلب على أعدائها، فالخليفة المعتصم كافأ الأفشين عقب انتصاره على بابك و أسره و القضاء على ثورته بأن قلده و شاحين من جوهر، و أطلق له عشرين ألف ألف درهم، و كتب له بولاية السند (4).

و كان تأخر رواتب الجند من الأمور التى تحدث الاضطرابات و القلافل فلما خلع أهل بغداد بيعة المأمون سنة 202 ه و بايعوا إبراهيم بن المهدى، طلب منه الجند أرزاقهم فماطلهم ثم أعطى لكل واحد منهم مائتى درهم، و كتب لهم بتعويض من أرض السواد، فخرجوا إلا يمرون بشئ إلا انتهبوه، و أخذوه حاصل على الفلاح و السلطان‏ (4).

حرص الخلفاء العباسيون على تحسين أحوال الدولة المالية، فعرف عن المنصور الخبرة الواسعة فى إدارة المال‏ (5) حتى أنه فرض رقابة شديدة على عمال الخراج، و أمرهم بعدم قبول الدنانير و الدراهم من الناس إلا الموثوق بسلامتهما من الغش و التزييف، و كان يقول: لو لا أن المال حصن للسلطان و دعامة للدين و الدنيا ما بت ليلة و أنا أحرز منه دينارا و لا درهما لما أجد لبذل المال من اللذة، و لما أعلم فى إعطائه من جزيل المثوبة (6).

____________

(1) المصدر السابق ج 10 ص 168

(2) المصدر السابق ج 10 ص 281

(3) المصدر السابق ج 10 ص، 132

(4) ابن كثير: البداية و النهاية ج 10 ص، 285

(5) المصدر السابق ج 10 ص، 248

(6) ابن كثير: البداية و النهاية ج 10 ص، 129

40

و مع حرص المنصور على المال إلا أنه كان ينفق الأموال الكثيرة فى تعمير البلاد و حماية الثغور و تحصينها و تجهيز الجيوش، و قد عرف عنه الدقة الشديدة فى حسابات الدولة، فأنفق فى بناء بغداد أربعة آلاف ألف و ثمانى مائة و ثلاثة و ثلاثين درهما، و لما فرقت حاسب القواد بما كان حول عليهم لعمارتها، فألزمهم بالبواقى حتى استوفى من بعضهم ما أقتضاه الحساب خمسة عشر درهما (1)، و كان يباشر بنفسه جميع العمال و أصحاب الحرف و يحدد لهم رواتبهم‏ (2).

و لم يكن المهدى كأبيه المنصور فى حرصه الشديد على المال، بل عرف بسخائه، و إجزاله و العطايا و المنح، و عمل على تخفيف أعباء الناس المالية، و أنتعشت الأحوال المالية فى عهد الرشيد بفضل كفاءة البرامكة و حسن إدارتهم للدولة، و آخذت موارد الدولة المالية تتضاءل فى عهد الأمين بسبب الحروب التى نشبت بينه و بين أخيه، و أنفقت الأموال الكثيرة فى إعداد الجيوش و استماله الأنصار كما أن بعض ولايات الدولة لم تعد تلتزم بإرسال ما عليها من أموال إلى بغداد فى خضم الفوضى التى عاشت فيها إبان الفتنه.

كفل المأمون للدولة الاستقرار و الهدوء فتحسنت موارد البلاد المالية، و لما ولى المعتصم الخلافة أنفق الأموال الكثيرة فى شراء الترك و إعدادهم للجندية، و مع ذلك فقد حرص على المحافظة على حقوق الدولة المالية (3)، و أمر الواثق بعقوبة عمال الدواوين لاستخلاص الأموال منهم بعد أن ظهرت له خياناتهم، و أخذهم أموال الدولة بدون وجه حق (4).

5- المعاملات المالية و التجارية:

ظهرت بيوت مالية فى بغداد كانت تقوم مقام البنوك من تقديم القروض، و إيداع الودائع، و التوسط بين الناس و دار الضرب و الإنجار فى المعادن النفيسة و النقود و السندات الممثلة للنقود، و هذه البيوت المالية يمتلكها الجهابذة، و كانت‏

____________

(1) الفخرى فى الآداب السلطانية ص 145.

(2) ابن كثير: البداية و النهاية ج 10 ص 300.

(3) المصدر السابق ذكره.

41

تسند إليهم مهمة جباية الخراج، و يوكل إليهم أيضا مهمة العمل فى بيت المال لخبرتهم المالية الواسعة، و قد أتهم خالد البرمكى حين حكم عليه المنصور بأداء مبلغ من المال، بأنه يودع أمواله عند أحد الجهابذة (1).

أدى ازدهار التجارة و العمليات التجارية إلى اتخاذ أساليب جديدة فى العمليات المالية، تيسر للعملاء التعامل فى أمن و طمأنينة و يسر، و من هنا استعمل الناس السفاتج، و السفتجة حواله خطاب يشمل على قيمة معينه من المال قابل للصرف من أى مكان من عملاء و جهابذه الشخص الذى له السفتجه، فكانت تدفع النقود فى أى بلد من البلاد و يحصل صاحبها على سفتجه بقيمة ماله، و يحملها معه فى رحلته الطويلة و هو آمن على ماله لأنه لم يكن يجوز صرف أى مبلغ إلا لصاحب السفتجه، و قد استخدم التجار هذه الوسيلة لإنجاز عملياتهم التجارية، و شاع استخدام السفاتج حتى أن أموال الجبايات من الولايات العباسية كانت ترسل إلى بغداد بسفاتج، و كانت السفاتج تصرف فى أوقات محددة، و لقد نظم الجهابذة التعامل بالسفاتج، و السفتجه كانت تصرف فى موعدها مجانا، أما إذا تأخر صرفها صرفت بعموله‏ (1).

أما الصك، فأشبه بالشيك فى عصرنا الحالى، يثبت فيه قيمة القرض أو الأستحقاق، و موعد استحقاق صرفه، و قد استخدمه بعض الأفراد فى معاملاتهم، و كان الجهابذة يصرفون هذه الصكوك لأصحاب الأموال المودعة لديهم نظير مبلغ معين من المال، و يشهد على الصك عادة اثنين ثم يختم، و فى بعض الأحيان يوقع عليه ضامن يتعهد بأنه يدفع قيمة الصك فى حالة عجز المدين عن دفع قيمته، و فى بعض الأحيان كانت أرزاق الجند و الموظفين تكتب قيمتها صكوكا يوقع عليها رؤساء دواوينهم: و أحيانا الخليفة، و يصرفونها من بيت المال‏ (2)، و الصلات التى يقررها الخليفة فى بعض الأحيان يكتب بها صكوكا، و جدير بالذكر أن الإمام العلوى محمد بن إبراهيم ركبه دين، فقصد الفضل بن‏

____________

(1) الجهشيارى: الوزراء و الكتاب ص 100.

(2) الدورى: تاريخ العراق الاقتصادى ص 123- 124.

42

يحيى فقال له: قصرت بنا غلاتنا، و أغفل أمرنا خليفتنا، و تزايدت مؤونتنا و لزمنا دين احتجنا لأدائه إلى ألف ألف درهم، فتوسط الفضل لدى الرشيد فى فك ضيق الرجل، فكتب الرشيد صكا إلى محمد بن إبراهيم بالمبلغ الذى طلبه‏ (1). و اشترى الفضل بن يحيى ضيعه، كتب بثمنها صكا إلى صاحبها (2).

شاع استعمال الدرهم فى بغداد فى العصر العباسى الأول، على أن وزنه نقص قليلا عما كان عليه فى العهد الأموى، و حرص العباسيون علي نقش أسمائهم على العملة التى بدأوا فى ضربها منذ فجر دولتهم‏ (3)، فأبو العباس السفاح أول خلفاء بنى العباس- ضرب درهما بالأنبار، و نقص وزنه حبة واحدة ثم حبتين فى خلافه المنصور، و ظل الحال على ذلك حتى سنه 178 ه حيث نقص ثلاث حبات و ذلك فى عهد الخليفة الرشيد. و لم يستمر الحال على ذلك، بل أخذ الدرهم فى النقصان، ففى سنة 184 ه بلغ النقص قيراطا و حبة و نصف‏ (4).

و الأمر الجدير بالأعتبار فى هذه العملة هو وزنها لا قيمتها الأسمية، و كان يشرف على دار ضرب النقود جعفر بن يحيى البرمكى فلما قتل، فوض الرشيد أمر دار الضرب إلى السندى بن شاهك فضرب الدراهم على العيار الصحيح، و حرص على نقاوة الذهب و الفضة (5).

ضرب المنصور الدنانير الهاشمية، و يبلغ وزن الواحد منها مثقالا بصريا. و فى سنة 191 ه نقصت الدنانير الهاشمية نصف حبه، و لكنها تبودلت على أعتبار أنها مثاقيل كاملة بالرغم من أنها لم تضرب بوزنها الصحيح إلا فترة قصيرة (6)، و نلاحظ أن اسعمال الدراهم فى بغداد كان أكثر شيوعا من الدنانير (7).

____________

(1)Kremer .Orient under the Califate ,p .514 .

(2) الجهشيارى: الوزراء و الكتاب ص 196.

(3) المصدر السابق ص 214.

(4) المقريزى: شذور العقود ص 8.

(5) الجهشيارى: الوزراء و الكتاب ص 238.

(6) المقزيزى: شذور العقود ص 8.

(7) الدورى: تاريخ العراق الاقتصادى ص 227.

43

و استعملت فى بغداد أجزاء من الدراهم و الدنانير مثل الثلث و الربع و الخمس و السدس، كذلك ضرب العباسيون مضاعفات للعملة، ففى عهد الخليفة المأمون ضربت دنانير قيمة الواحد منها دينارين، و عليها الكتابة الآتية: ضرب العصر الحسنى لخريطة أمير المؤمنين و يذكر الجهشيارى‏ (1) أن جعفر بن يحيى ضرب دنانير وزن كل دينار مائة دينار و دينار، و على كل دينار من أحد جانبيه.

و أصفر من دار الملوك‏* * * يلوح على وجهه جعفر

و من الجانب الأخر:

يزيد على مائة واحدا* * * إذا ناله معسر ييسر

و استعمل الناس فى معاملاتهم اليومية البسيطة أجزاءا من العملة الفضية مثل القيراط و الحبة و الدانق و الطسوج، كما استعملت الفلوس النحاسية (2). كذلك شاع نظام المقايضة.

و كانت النقود تضرب فى دار ضرب النقود، و لا يجوز أن تضرب فى غيرها خوفا من الغش و التزييف، و يرى الماوردى‏ (3) وجوب تعامل الناس بالنقد المطبوع بالسكة السلطانية الموثوق بسلامة طبعه، المأمون من تبديله و تلبيسه، و كان من حق كل فرد أن يضرب ما معه من ذهب و فضة دنانير و دراهم.

و يجدر بنا أن نشير إلى المظهر العام للدينار الأموى ظل قائما فى عصر العباسيين بنفس العبارات المسجلة على وجه السكة الأموية، و كانت دراهم المهدى مستدير الشكل، و ظهر عليها إسمه و قد نقش العباسيون منذ عهد المهدى اسمه و اسمى ولديه موسى و هارون، كما نقش الهادى اسمه و اسم هارون على العملة (4) و كان الرشيد أول خليفة نقش اسمه على الدنانير، كما نقش اسم ابنيه‏

____________

(1) الوزراء و الكتاب ص 241.

(2) الدورى: تاريخ العراق الاقتصادى ص 229.

(3) الأحكام السلطانية ص 150.

(4) المقريزى: شذور العقود ص 10.

44

الأمين، و المأمون، و وهب الحقوق نفسها لوزرائه و ولاته و عمال المال‏ (1) و كان الرشيد لا يباشر بنفسه عيار الدراهم و الدنانير، و كان الخلفاء قبله يتناولون النظر فى العيار، كما نقش الأمين اسمه على العملة مع أخيه المأمون، و لو أنه أسقطه بعد ذلك، و نقش اسمه ابنه موسى بعد أن بايعه بولاية العهد بدلا من المأمون، و ضربت فى عهد الأمين أنواع مختلفة من الدنانير، و كتب على بعضها عبارة «ربى اللّه» و على الوجه الاخر «محمد رسول اللّه» (2).

نقش المأمون أسمه، و أسماء بعض أولاده، و بعض عماله و المدينة التى ضربت العملة فيها، و ضرب دينارا كتب عليه اسم ولى عهده «على الرضا» و فى سنة 207 ه أضاف المأمون على السكة بعض الآيات القرآنية على وجه الدينار، و أكملت عبارات أخرى على ظهر الدينار محمد رسول اللّه أرسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون‏ (3).

و قد ضرب المعتصم أول دينار له سنة 219 ه نقش عليه اسمه و لقبه، و اسم ولى عهده.

6- الدواوين المالية:

كان فى بغداد ديوانان لبيت المال أحدهما ديوان بيت المال العام و هو خزانة الدولة الذى يثبت فى سجلاتها أموال الدولة العامة التى ترد إليها من الولايات، أما بيت المال الخاصة، فهو خزانة الخليفة، و يحمل إليه أنواع معينة من الأموال، و يعتبر ديوان بيت المال العام من أهم الدواوين لأنه كان يضم دفاتر لكافة إيرادات الدولة العباسية، و لديوان بيت المال المركزى فى بغداد فروع فى مختلف الولايات‏ (4) و إيراداته تشمل موارد الدولة الرئيسية و هى الخراج و المكوس و أموال المصادرات و هذه الموارد تنفق- كما أشرنا- فى أوجه مصارف الدولة، مثل إعداد

____________

(1) الجهشيارى: الوزراء و الكتاب ص 204.

(2) المقريزى: شذور العقود ص 87- 88.

(3) عبد الرحمن فهمى: فجر السكة العربية ص 834.

(4) الخوارزمى: مفاتيح العلوم ص 60.

45

الجيوش و تجهيزها للغزو، و دفع رواتب الموظفين، و إصلاح شؤون الزراعة و الرى.

و كانت لكل ولاية من الولايات العباسية بيت المال- كما أشرنا- و تتولى الولاية- جميع نفقاتها من إيراداتها الخاصة، و إرسال فائض الأموال إلى بيت المال المركزى فى بغداد، و كانت هذه الأموال ترسل كما أوضح الجهشيارى‏ (1) نقدا عينا، و الكتب المتعلقة بالشئون المالية تعرض على صاحب ديوان المال قبل إرسالها إلى الديوان الأخرى، و اعتبر توقيع صاحب بيت المال على الصكوك و الأوامر المالية من الأمور اللازمة لصحتها (2).

عنى الخلفاء العباسيون عناية كبيرة بديوان بيت المال، فحرص المنصور على وجود احتياطى فى بيت المال، يفيد الدولة فيما عسى أن تتعرض له من طوارئ، و خصص مكانا فى بغداد لبيت المال يقع إلى جوار قصر باب الذهب فى وسط بغداد (3) و عين عليه الفرج بن فضاله التنوخى‏ (4).

ظل بيت المال يتضمن فائضا سنويا حتى ولى الرشيد الخلافة، فأسند الإشراف على بيت المال إلى جعفر بن يحيى البرمكى، فازدادت إيراداته بشكل ملحوظ، فلما استخلف الأمين و نشبت الحرب بينه و بين المأمون استنقذ خزانة الدولة فى إرضاء أنصاره، و فى الدفاع عن بغداد، و ظل بيت المال يعانى عجزا فى إيراداته حتى أستقرت خلافة المأمون، و لما اختط المعتصم سامرا نقل إليها بيت المال.

ديوان النفقات:

اختص ديوان النفقات بالإشراف على نفقات الخلافة و احتياجاتها، و يشترط على رئيسها أن يكون على دراية تامة بالحساب و المكاييل و الموازين و الأسعار، و قد أشرف هذا الديوان على صرف استحقاقات رجال البلاط، و محاسبة التجار الذين‏

____________

(1) الجهشيارى: الوزراء و الكتاب ص 204.

(2) متز: الحضارة الإسلامية ج 1 ص 100.

(3) اليعقوبى: البلدان ص 240.

(4) الجهشيارى:: الوزراء و الكتاب ص 112.

46

يتعاملون مع قصور الخلافة مثل توريد احتياجات قصور الخلافة، و كان من اختصاصه الإشراف على أعمال التشييد و التعمير التى يأمر بها الخليفة و مهمة صاحب هذا الديوان مرتبطة بيت المال العام و الخاص إرتباطا وثيقا لأنه يتولى بنفسه الحصول على استحقاقات الخليفة من بيت المال‏ (1)، و الإشراف على نفقاته و كان لهذا الديوان مبنى خاصا فى بغداد بالقرب من قصر الخليفة و دولى الإشراف عليه فى عهد المهدى يحيى بن خالد البرمكى، و فى عهد الرشيد الفضل بن الربيع‏ (2).

ديوان الخراج:

يحتفظ ديوان الخراج بسجلات يدون فيها تقديرات الخراج على مناطق الدولة المختلفة، و التعديلات التى قد تطرا عليها، و تحديد أنواع الأراضى فى كل منطقة من حيث أرض خراج و أرض عشر و أرض صوافى .. الخ و يرجع إليها صاحب هذا الديوان عند جباية الخراج، و كان لديوان الخراج المركزى فى بغداد فروع فى سائر الولايات، و يشرف صاحبه على مبالغ الخراج الواردة من الولايات إلى ديوان الخراج المركزى فى بغداد.

كان يعمل فى ديوان الخراج عدد من الكتاب الذين يباشرون أمور السجلات، و موظفون يقومون بجباية الخراج من نواحى الأقاليم و كان المساحون يقومون بمسح الأرض و تحديد الجزء المزروع منها، و يقدرون كمية المحصول الناتج منها، و كان عامل الخراج يتبع الخليفة مباشرة و سجلاته التى يدون فيها الخراج و تقديراته، و الجبايات التى ترد إلى ديوانه تسمى قانون الخراج‏ (3).

و كان على عامل الخراج أن يراعى الرفق فى الأستيفاء، و الصبر على الزراع حتى يتيسر لهم أداء ما عليهم و أعفاء من يستحق الأعفاء، و يجب على عامل‏

____________

(1) محمد جمال الدين سرور: تاريخ الحضارة الإسلامية فى الشرقى 9 ص 100.

(2) اليعقوبى: البلدان ص 240.

(3) الخوارزمى: مفاتيح العلوم ص 54.

47

الخراج الدراية التامة بالحساب و المساحة، و أن يكون معروفا بالعدالة و الأمانة، و لا نخاف من جور فى حكم إذا حكم‏ (1).

أسندت إدارة ديوان الخراج إلى خالد بن برمك، فنظم شؤونه بحنكة و دراية، و عامل الناس برفق، و أجرى المهدى- كما أشرنا- تعديلا فى الخراج، فأحل نظام المقاسمة محل المساحة، و تطلب ذلك زيادة العمل فى ديوان الخراج، حيث أصبح على عامل الخراج أن يقدر قيمة المحاصيل و يحدد أماكن خزنها، و يقدر قيمة المقاسمة على أساس ذلك، و يحصل منها حصة الحكومة، و قد أنشأ المهدى ديوان زمام الخراج لضبط حسابات الجبايات و الإيرادات‏ (2).

و قد أشرف على ديوان الخراج فى عهد الرشيد يحيى بن خالد البرمكى، و أجاز الخليفة له أن يكتب إلى عمال الخراج فى الولايات دون الرجوع له، و حرص الخلفاء العباسيون على إتباع منهج السلف فى تقدير الخراج و الجزية و سائر أمور الدولة المالية، لذلك طلب الرشيد من الفقيه أبى يوسف تصنيف كتاب فى الخراج يحدد فيه ما يجب اتباعه فى الأوراق المالية، فصنف أبو يوسف كتاب الخراج.

____________

(1) المسعودى: مروج الذهب ج 2 ص 223.

(2) أبو يوسف: الخراج ص 70.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

الحياة الأجتماعية فى بغداد فى العصر العباسى الأول‏ 1- عناصر السكان و أثرها فى الحياة الاجتماعية.

(أ) العرب و الفرس و الترك.

(ب) أهل الذمة.

(ج) الرقيق.

2- الحياة العامة فى بغداد (أ) القصور و الدور فى بغداد فى العصر العباسى الأول.

(ب) المواكب و الأعياد و المواسم.

(ج) الموسيقى و الغناء و أنواع التسلية.

(د) المرأة فى بغداد و أثرها فى المجتمع.

(ه) الأخلاق و العادات.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

و يقول أستاذنا الجليل الدكتور عصام عبد الرءوف فى كتابه الحواضر الإسلامية عن:

الحياة الاجتماعية فى بغداد فى العصر العباسى الأول‏

1- عناصر السكان و أثرها فى الحياة الأجتماعية:

(أ) العرب و الفرس و الترك‏

. العرب:

أنقسم شعب بغداد إلى عناصر رئيسية هى العرب و الفرس و الترك و ينقسم العرب إلي قيسيه و يمينة، و أنقسم السكان عموما إلى مسلمين و أهل ذمة، و المسلمون انقسموا إلى سنة و شيعة.

قامت الدولة العباسية على أكتاف الفرس، و كان من الطبيعى أن ينالوا حظوة فى دولة بنى العباس، و فعلا اعتمد عليهم العباسيون فى تدبير كثير من أمور دولتهم، و لم يكن الحال كذلك فى العهد الأموى، إذا اعتمد الأمويون على العرب اعتمادا كليا فى تدبير ملكهم.

على كل حال ازداد نفوذ الفرس فى بغداد على نفوذ العرب فى بضع سنين من الحكم العباسى فى العصر الأول، و ليس فى كل سنى هذا الحكم، ذلك أن الخلفاء العباسيين لا يمكنهم مجال من الأحوال أن يتجاهلو أصلهم العربى، فهم عرب هاشميون يعتزون بعروبتهم و يفخرون بها، و حتى الفترات التى طغى فيها نفوذ الفرس على نفوذ العرب فلاحظ أن الخلفاء الذين مكنهم الفرس من السلطة و السلطان هم أنفسهم الذين يقلبون عليهم ظهر المحن، و يتخلصون منهم، كما تخلص المنصور من أبى سلمة الخلال و أبى مسلم الخراسانى، و المهدى من وزير يعقوب بن داود، و الرشيد من البرامكة، و المأمون من الفضل بن سهل.

52

و يذكر الجاحظ أن دولة بنى العباس أعجمية خراسانية، و يردد بعض المؤرخين أن العرب ذلوا و ضعف شأنهم فى العصر العباسى الأول فالمسعودى‏ (1) و السيوطى‏ (2) يرويان أن المنصور أول خليفة استعمل مواليه و غلمانه، و صرفهم فى مهماته و قدمهم على العرب، فاتخذت ذلك الخلفاء من بعده من ولده سنه، فسقطت و بادت العرب، و زال بأسها، و ذهبت مراتبها. و لا يمكن قبول هذه الرواية لأن العباسيين اعتمدوا على بعض رجال من العرب فى إدارة أمور دولتهم، و وقف بنو جلدتهم من العرب إلى جانبهم فى الشدائد، فحينما ثار الراوندية الفرس على المنصور، و كادوا أن يفتكوا به لم ينقذه إلا رجل من سادات العرب هو معن بن زائدة الشيبانى، لذلك كافأه المنصور و أسند إليه ولاية اليمن‏ (3)، و أسند العباسيون بعض مناصب الدولة الكبيرة لرجال من العرب حتى لم يخل عصر خليفة من خلفاء العصر العباسى الأول من عرب يتقلدون فى بغداد مناصب الوزارة و الحجابة و الكتابة و القضاء، و فى أشد فترات ازدياد النفوذ الفارسى.

فحينما سيطر البرامكة على أمور الدولة فى عهد الرشيد كان الفضل بن الربيع- و هو عربى- يتقلد منصبا كبيرا، و يستثيره الرشيد، و يأنس به، و ولى الرشيد أبا يوسف منصب قاضى القضاة فى مملكته كلها، و هو أول من شغل هذا المنصب فى الإسلام، و كان له ابن يسمى يوسف ولى القضاء فى حياة أبيه‏ (4) و ظل يشغله حتى سنة 192 ه. و من أشهر رجالات الدولة العباسية المسيب بن زهير بن عمر أبو مسلم الضبى، ولى شرطة بغداد أيام المنصور حتى عهد الرشيد فى سنة 175 ه (5).

____________

(1) مروج الذهب ج 2 ص 223.

(2) تاريخ الخلفاء ص 105.

(3) ابن طباطبا: الفخرى فى الأداب السلطانية ص 143.

(4) ابن النديم: الفهرست ص 286.

(5) الجهشيارى: الوزراء و الكتاب ص 134.

53

لذلك نرى إنه لا صحة لما ذهب إليه بعض المؤرخين من أن الخلفاء تجاهلوا العرب. و اعتمدوا على الفرس اعتمادا كاملا، بل كان الخلفاء العباسيون يحرصون على رفع منزلة العرب، و يأنفون من إذلالهم، فيروى الطبرى‏ (1) أن المنصور رأى خادما له من أصل عربى سبى من اليمن، و بيع إلى بعض بنى أمية ثم إلى المنصور فاعتقه المنصور و قال: لا يدخل قصرى عربى يخدم جرمى، و أقدم على الهادى شهود على رجل أنه شتم قرشا، فجلس الهادى مجلسا فيه فقهاء أهل زمانه، و من كان بالحضرة على بابه و أحضر الرجل، و أحضر الشهود، و أقروا بما سمعوا عن الرجل فقال الهادى: إنى سمعت أبى المهدى يحدث عن أبيه المنصور عن أبيه على بن عبد اللّه بن عباس قال: من أهان قريشا أهانه اللّه.

و عاقبه الهادى أشد عقاب‏ (2). و حتى الخليفة المأمون الذى تأثر كثيرا بالفرس لما اعترضه رجل من العرب و قال له: يا أمير المؤمنين أنظر العرب كما نظرت لأهل خراسان قال المأمون: و اللّه ما أنزلت قيسا عن ظهور الخيل إلا و أنا أرى أنه لم يبق فى بيت مالى درهم واحد (3). و حتى الفرس على الرغم مما بلغوه من حظوة فى بعض فترات الحكم العباسى ظلوا يعتقدون أن العنصر العربى أفضل منهم.

بدليل أنهم احتاجوا فى كثير من الأحيان إلى الانتماء إلى العرب بالولاء حتى أصحاب المكانة الكبيرة منهم، فأبو مسلم الخراسانى يزعم أنه من أصل عربى حتى يحظى بتقدير الناس و تأييدهم، فادعى أنه من ولد سليط بن عبد اللّه بن عباس‏ (4) و حمزة بن ميمون- أحد المقربين إلى المهدى- يغضب و يعاتب الخليفة حينما قدمه إلى أحد جلسائه القرشيين على أنه مولى‏ (5). و إسحاق الموصلى ذهب إلى خازم بن خزيمة- و هو عربى- و طلب منه أن يكون مولى له، فيقبل ذلك منه‏ (6)

و مهما يكن من أمر فقد ظهر فى بغداد منذ نشأتها عنصران رئيسيان من سكانها

____________

(1) تاريخ الأمم و الملوك حوادث سنة 158 ه.

(2) ابن كثير: البداية و النهاية ج 10 ص 169.

(3) الطبرى: تاريخ الأمم و الملوك حوادث سنة 218 ه.

(4) المصدر السابق حوادث سنة 137 ه.

(5) الجهشيارى: الوزراء و الكتاب ص 142.

(6) الأصفهانى: الأغانى ج 5 ص 269- 270.

54

يتناقسان حول الأستئثار بالسلطة و النفوذ فى حاضرة الخلافة، و كان لا بد للخلفاء من حفظ التوازن بين الفريقين حتى لا يطغى فريق على فريق. و نلاحظ فى دراستنا لهذا الموضوع أن الخلفاء استعانوا بالفرس كما أستعانوا بالعرب، و حينما طغى نفوذ الفرس، نكلوا بهم و أبعدوهم، و استعانوا بالعرب، و مكنوا لهم، و أدى ذلك إلى الصراع مرير بين العنصرين استمر حتى خلافة المعتصم.

حرص الخليفة المنصور على عدم التمكين لأحد العنصرين- العرب و الفرس- من ازدياد نفوذه على حساب العنصر الآخر، فكان للخليفة قواد و ولاة من العرب، و قواد و ولاة من الفرس، و كون جيشه من مضر و اليمن و ربيعة و الخراسانية (1)، و كما استوزر المنصور أبا يعقوب الموريانى- و هو فارسى- فقد استوزر الربيع بن يونس- العربى الأصل- و كان جليلا منفذا للأمور فصيحا حازما، أصطحب المنصور فى رحلته الأخيرة إلى مكة المكرمة و أوصاه المنصور قبل موته. و أخذ البيعة لخليفته المهدى، و لعيسى بن موسى من بعده، و لما فرغ من بيعة بنى هاشم، دعا بالقواد فبايعوا، و بلغ من حرص المنصور على حفظ التوازن بين عنصرى السكان فى بغداد أنه لما شرع فى تأسيس بغداد قسمها- كما قلنا- أربعة أرباض و عهد إلى أربع من كبار رجال دولته بالإشراف على عمارة هذه الإرباض فكما جعل ربضا يشرف على تأسيسه الربيع بن يونس، عهد إلى أبى يعقوب الموريانى- وزيره الفارسى- بالإشراف على أحد الأرباض‏ (2).

سار المهدى على سياسة أبيه فى حفظ التوازن بين عنصرى السكان فى بغداد، فأسند حجابته إلى الربيع بن يونس، و أختص به كما كان مع أبيه‏ (3)، و أستوزر أبا عبيد اللّه بن معوية بن يسار مولى الأشعريين و فوض إليه تدبير مملكته فعهد إليه بالإشراف على الدواوين، و تنظيم أمر الخراج، و صنف فى الخراج كتابا ذكر فيه أحكامه الشرعية، و دقائقه و قواعده، و حرص هذا الوزير العربى على إبعاد الفرس عن المهدى، حتى يصفو الأمر للعرب ذون سواهم، فلما رأى تقرب‏

____________

(1) الطبرى: تاريخ الأمم و الملوك حوادث سنة 151 ه.

(2) ابن طباطبا: الفخرى فى الآداب السلطانية ص 160.

(3) الجهشيارى: الوزراء و الكتاب ص 100.