تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر

- محمد بن عمر طيب بافقية المزيد...
520 /
5

[مقدمة المحقق‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم.

شغل المؤرخون في حضرموت بكتابة تاريخ القرن العاشر الهجري في أعمال متتابعة كثيرة يلحظها الباحث في تاريخ الحركة الثقافية في ذلك البلد. فبعد أن كتب المؤرخ الحضرمي الهندي العلامة عبد القادر بن شيخ العيدروس كتابه المشهور «النور السافر في أخبار القرن العاشر» أتى بعده مؤرخان يتبعان أثره، أحدهما: هو صاحب كتابنا هذا المؤرخ الطيب محمد بافقيه ليحصره في أخبار مدينة الشحر خلال هذا القرن مع ما استقاه من نتف أخرى من كتاب النور السافر تتعلق بأخبار القرن العاشر خارج منطقته المعنى بها. ثم جاء بعده مؤرخ آخر هو العلامة محمد بن أبي بكر الشلي المتوفى 1093 ه فوجد كتاب النور السافر على الرغم من ضخامته و استطراده لكثير من التراجم و الأشعار الأدبية وجده ينقصه الكثير من التراجم التي فاتت مؤلفه، و هذا يقع لكثير من المؤرخين القدامى نظرا لصعوبة الحصول على المصادر قبل ظهور آلة الطباعة؛ فما كان منه إلا أن ألحق النص بما فات مؤلفه الأول من تراجم كثيرة ضمنها كتابه هذا مع حرصه على إيراد ما جاء في الكتاب الأم. و مع ذلك فإن لكتاب النور السافر رونقه و طابعه الخاص بما حواه من تراجم يمنية في حين أغرق الشلي كتابه بتراجم مبتسرة لكثير من رجال العالم الإسلامي يجدها الباحث في مصادر أخرى معروفة.

6

و هناك كتاب رابع يتعلق بأخبار القرن العاشر لا يمكن تجاهله على الرغم من صغر حجمه و كونه ذيلا لكتاب كبير آخر ألفه مؤلفه في مناقب الشيخ الصوفي معروف بن عبد اللّه باجمال المتوفى سنة 964 ه ذلك هو كتاب «الدر الفاخر في تراجم أعيان القرن العاشر» لمؤلفه العلامة محمد بن عبد الرحمن باجمال المتوفى سنة 1016؛ و هو يتميز عمّن سبقه ممن كتب في هذا الموضوع بأصالة مادته، و أنه لم يعتمد فيه على النقل من كتب أخرى و إنما رجع إلى ما سمعه و شاهده من تراجم عصره.

و لعلنا ندرك السر بولع الحضارمة بأخبار القرن العاشر الهجري- مع أنهم لم يكتبوا شيئا من تاريخ القرون الأخرى- باستثناء ما كتبه الشلي عن تاريخ القرن الحادي عشر في كتابه «الجواهر و الدرر»- إذ أعلمنا أن ذلك وصلهم عن طريق التقليد و المحاكاة، و ذلك عندما وقف المؤرخ عبد القادر بن شيخ العيدروس على كتاب «الضوء اللامع في تراجم أعيان القرن التاسع» للمؤرخ محمد عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة 902، فما كان منه إلا أن قفّاه بأخبار القرن العاشر، و ظلت هذه العادة مضطردة عند أهل اليمن حتى عصرنا الحاضر عندما وجدنا المؤرخ الكبير محمد بن محمد زبارة يكتب مؤلفه الشهير في أخبار القرن الثالث عشر المسمى «نيل الوطر في أخبار القرن الثالث عشر».

و لا يفوتنا و نحن في معرض الحديث عن القرن العاشر و ولع المؤرخون الحضارم بتاريخه أن نرجع أساس الظاهر، إلى تاريخ مفقود ينقل عنه مؤرخنا الطيب بافقيه كثيرا، و هو كتاب المؤرخ الحضرمي عبد اللّه بن أحمد باسنجلة المتوفى سنة 977 الذي وقف على نسخة منه في زمننا هذا المؤرخ علوي بن طاهر الحداد في كتابه الشامل و قد أبان عنوانه أنه من النوع الذي يعنى بأخبار القرن العاشر. فقد ذكر المؤرخ الحدّاد أنه يسمى «العقد الثمين الفاخر من أوائل القرن العاشر» و يقول إنه «مختص بما بعد التسعمائة من السنين إلى عام سبع و سبعين» و بهذا يكون المؤرخ‏

7

باسنجلة صاحب الريادة في تاريخ القرن العاشر على الرغم من عدم اطلاع صاحب النور السافر على هذا التاريخ بل عدم علمه به تماما.

و هذه الكتب الثلاثة أعني كتاب النور السافر و تاريخ الطيب بافقيه و السناء الباهر للشلي- ليس فيهما من الجهد الذاتي و الإضافات الخاصة بهم سوى ما نقلوه من الكتب الأخرى و ضموه إلى مؤلفاتهم. فليس في كتاب النور السافر ما يمكن أن ينسب إليه من أخبار سوى ما استله من كتاب المؤرخ عبد الرحمن بن علي ابن الديبع المتوفى سنة 944 ه المسمى «بغية المستفيد و ذيله الفضل المزيد» و ما نقله من كتب التراجم الأخرى المتعلقة بأخبار المصريين و الشاميين و الحجازيين و غيرهم. و كذا يقال عن كتاب السناء الباهر.

على أن كتاب تاريخ الطيب بافقيه على الرغم من اعتماده الكلي على غيره و استقاء مادته من مصادر أخرى إلا أنه رجع في كتابه- بجانب ما استوعبه من كتاب النور السافر- إلى مصدرين هامين يعتبران في حكم المفقودين:

الكتاب الأول: «تاريخ القرن العاشر» للمؤرخ عبد اللّه بن أحمد باسنجلة السابق. و هذا الكتاب هو الذي أعطى كتابنا هذا التخصص في تاريخ الشحر لأن الكتاب المذكور جعله صاحبه أساسا في تاريخ تلك المدينة (1)، و هو يعتبر من الكتب المفقودة، و لا نعلم بوجود نسخة منه سوى ما ذكره المؤرخ علوي بن طاهر الحداد من أنه رجع إلى نسخة منه لا نعرف إلى الآن مصيرها.

____________

(1) يذكر شيخنا العلامة الأديب المرحوم محمد عبد القادر بامطرف في كتابه الشهداء السبعة: 12 كتابا في تاريخ مدينة الشحر هو كتاب «بهجة السمر في أخبار بندر سعاد المشتهر» للمؤرخ الملاح سالم بن عوض باسباع، قال إنه من أهل القرن العاشر «توفي سنة 950 ه» فيكون هذا أقدم من المؤرخ باسنجلة، و هو أول من عنى بأخبار مدينة الشحر «بندر سعاد» و أول من رصد أحداثها في القرن العاشر، و لعله مصدر باسنجلة المتوفى سنة 977 و اللّه أعلم.

8

و الكتاب الثاني- و هو الأهم- هو حصول مؤلف كتابنا على مسودة مذكرات تاريخية للفقيه المؤرخ عبد اللّه بن عمر بن عبد اللّه بامخرمة المتوفى سنة 972 و قد أراد بها التذييل على تاريخ عمه المؤرخ الطيب عبد اللّه بن عبد اللّه بن أحمد بامخرمة المتوفى سنة 947 المسمى «قلائد النحر في وقائع الدهر» الذي انتهى فيه إلى سنة 927 ه. و هذه المذكرات لا يذكرها أحد من المؤرخين في ترجمة المذكور، و إنما علمنا بها من كتابنا هذا، بل إن الفقيه عبد اللّه بن عمر بامخرمة لم يعرف كمؤرخ و إنما اشتهر بين الناس كفقيه ضليع، و هو صاحب الفتاوي الفقهية المشهورة بين العلماء و المعروفة بالفتاوي الهجرانية. و له مؤلفات فقهية أخرى. و قد صرح المؤلف (رحمه اللّه) أنه ينقل عن هذه المذكرات التي يسميها التقييدات و قد بدأ النقل منها من حوادث سنة 908 فما بعدها، و هذا يدلّ على أن بامخرمة الثاني لم يكن يذيّل على تاريخ عمه، و إنما كان يجمع تاريخا مستقلا به. لأن تاريخ قلائد النحر لبامخرمة ينتهي إلى حوادث سنة 927 كما أسلفنا فيكون عمل ابن أخيه عمل آخر، و إن كنا نجد صاحب تاريخ الشحر هذا يرجع في النقل في حوادث السنوات الأولى من القرن العاشر حتى سنة 927 إلى تاريخ قلائد النحر و نجد عباراته بالنص دون زيادة أو تغيير، إلّا أن يكون بامخرمة الثاني قد استوعب تاريخ عمه في حوادث هذه السنوات و أضافها إلى ما قام به، و اللّه أعلم.

و حفظ كتابنا هذا لمذكرات المؤرخ الفقيه عبد اللّه بن عمر بامخرمة المتوفى سنة 972 يعتبر ثروة ثمينة تعطي الكتاب هذا أهمية قصوى لأن هذه المذكرات حوت معلومات تاريخية معاصرة لكاتبها تتعلق بأخبار عدن و الشحر و حضرموت لا توجد في كتاب غيره، و تجد المؤلف ينقل تلك المذكرات بحرفية و سذاجة أحيانا، فهو ربما نقل نص المؤرخ بامخرمة بصيغة المتكلم كما هو موجود عنده فيقول بامخرمة- مثلا- متحدثا عن حجه سنة 946: «و في سلخ ذي الحجة عزمنا للحج إلى بيت اللّه الحرام‏

9

و تحيرنا في البندر لقوة الأزيب و عسر الخروج» الخ فينقل المؤلف هذه العبارة كما هي دون أن ينسبها إلى قائلها و كأن المتحدث هو صاحب الكتاب نفسه مع أنه يذكر عن نفسه أن ميلاده كان سنة 970. و كذا نجده فيما ينقله عن صاحب النور السافر متحدثا عن نفسه كأن يقول العيدروس «و أنشدني صاحبنا الفقيه عبد اللّه بن فلاح» فينقل المؤلف العبارة كما هي.

على أن المؤرخ الطيب بافقيه فيما نقله عن باسنجلة و بامخرمة يعتبر مصدر موثق عن مدينة الشحر و تاريخ حضرموت و عدن. و لو لا أنه أتخمه بتراجم مطولة نقلها من النور السافر لأتى تاريخه خاصا بتاريخ الأحداث السياسية التي شهدتها البلاد خلال القرن العاشر. و لأعطى كتابه طابعا متميزا يمكن أن نعده من ضمن تواريخ حضرموت المتخصصة. و مع ذلك فإن رجوعه إلى تاريخ النور السافر على الرغم من شهرته و تعدد طبعاته نجده قد كشف عن عيوب بارزة في المطبوعة المتداولة من النور السافر، و هو أنه يورد في كتابه معلومات تتعلق بأصحاب التراجم لا توجد في المطبوعة، و هذا يوحي أن الطبعة المعروفة من هذا الكتاب كانت غير كاملة، و اللّه أعلم.

و بالجملة فإن الكتاب في عمومه مكوّن من الثلاثة الكتب المشار إليها و هي تاريخ باسنجلة و مسودات بامخرمة و النور السافر. و لذا نجد المؤلف عندما فرغ من حوادث تاريخ الشحر الموجودة في تاريخ باسنجلة و التي انتهت بموته سنة 986 جاءت بقية سنوات الكتاب خالية من الحوادث التاريخية و اكتفى بما نقله عن تراجم من النور السافر، بل نجد بعض سنواته فارغة من الوقائع و بعضها مقتضبة. و هذا يدل دلالة أكيدة على أن المؤلف اكتفى بما حصّله من الكتب الثلاثة و لم يكلف نفسه عنا الرجوع إلى كتب أخرى تعنى بالموضوع أو الرجوع إلى رواية الشيوخ المعاصرين للأحداث، و اللّه أعلم.

10

المؤلف: 1

ليس بأيدينا مصدر يترجم للمؤلف، و كان الأولى بالشلي أن يترجم له ضمن أعيان القرن الحادي عشر في كتابه الجواهر و الدرر لكنه لم يذكره لبعده عن حضرموت أثناء تأليف كتابه هذا إذ كان بمكة، و كل ما نعرفه عنه أن اسمه الطيب محمد بن عمر بافقيه. و أسرة بافقيه فرع من أسرة آل عيديد المعروفة بحضرموت. و قد ذكر هو عن نفسه أنه ولد سنة 970 و ليس صحيحا ما ينقله بعضهم من أن وفاته سنة 1011 (1) لأنه ذكر وفاة السلطان عمر بن بدر الكثيري سنة 1021. و الأهم من هذا و ذاك أنه ينقل عن كتاب النور السافر، و وفاة مؤلف النور كانت سنة 1038 ه فلا يعقل أن تكون وفاته قبل وفاة العيدروس صاحب النور السافر المذكور. و قد ذكر عن نفسه أيضا أنه حج سنة 989 فيكون ذلك و هو ابن 19 سنة. و أغلب الظن أنه عاش إلى ما بعد الأربعين من القرن الحادي عشر. و وجدت في ديوان الشيخ عبد الصمد بن عبد اللّه باكثير المتوفى سنة 1024- إذا صح هذا التاريخ- مديحة في شخص يسمى محمد بن أبي بكر ابن الطيب الشحري نزيل تبالة. فلعله نفس مؤرخنا. و اللّه أعلم.

____________

(1) قلت: وجدت هذه الوفاة في كتابنا هذا ص: 382 لقريب المؤلف السيد محمد بن أبي بكر بن الطيب بافقيه و هو ممدوح الأديب عبد الصمد باكثير. و لكن لا يبعد أن يكون المذكور له مشاركة في تأليف هذا الكتاب بدليل أننا نجد إشارة إلى ما يوحي بذلك في حوادث سنة 974 عند نقله لسنة وفاة شهاب الدين ابن حجر انظر ص:

382 فلعل الطيب محمد بن عمر بافقيه قد أكمل ما وجده عند الأول. و يبقى الأمر معلقا بين الرجلين حتى يتحقق الأمر بوجود نسخة كاملة تحوي على مقدمة للكتاب يشرح فيها أحدهم قصة التأليف و سببه و اللّه أعلم.

11

مخطوطات الكتاب و عنوانه 2

جاءت مخطوطتا الكتاب التي رجعنا إليها تحمل اسم تاريخ الشحر، و في نسخة أخرى لم أقف عليها جاء عنوانها هكذا «تاريخ حوادث السنين و وفاة العلماء العاملين و السادة العاملين» انظر «سرجنت: حول مصادر التاريخ الحضرمي: 22» إلا أنه ذكر عن هذه المخطوطة أنها تنتهي إلى سنة 1224 ه فلعلها نسخة ملفقة من عدة كتب تاريخية أخرى. و في الواقع أن الكتاب بما نقله من كتاب النور السافر حوى على تراجم كثيرة ليس لها صلة بتاريخ الشحر، فلا يمكن أن نعتبره تاريخا خاصا لهذه المنطقة و لكن يمكن أن نعتبر هذا شيئا يخص النور السافر وحده أو كالملحق به، و يبقى ما أورده عن باسنجلة و بامخرمة فيما يتعلّق بتاريخ الشحر و ما يتبعها من أخبار حضرموت- إذ حضرموت كان يطلق عليها عند بعض المؤرخين اسم بلاد الشحر و الأحقاف «انظر تحقيق ذلك في كتاب الشامل للمؤرخ علوي بن طاهر الحداد ص: 20»- أمرا مميزا بتاريخ الشحر.

و قد عرف عند سائر المؤرخين باسم تاريخ الطيب بافقيه الشحري و كذا ورد اسمه في المختصر الذي قام به في القرن الثالث عشر العلامة عمر بن سقاف السفاف المتوفى سنة 1216 ه.

أما المخطوطتان التي رجعنا إليها:

فأولاها: مخطوطة توجد بمكتبة الأحقاف كان يملكها المؤرخ البحاثة عبد اللّه بن حسن بافقيه، و هي نسخة جيدة و عليها آثار الصحة و الضبط لو لا ما يتخللها من بتر و نقص من أول الكتاب و أثنائه. و قد رمزنا لها ب «ح».

و الثانية: نسخة المكتبة السلطانية التي عرفت فيما بعد بالمكتبة الشعبية بمدينة المكلا. و قد كنت وصفت هذه المخطوطة في كتابي فهرس‏

12

المخطوطات اليمنية عندما زرت تلك المكتبة سنة 1969 م.

و هذه النسخة جيدة الخط كاملة، و لولاها ما أقدمنا على تحقيق الكتاب لبتر الأولى و نقصها. و قد رمزنا إليها ب «س».

ثم رأيت بعد ذلك أن استأنس بتاريخ الشحر المسمى بالنفحات المسكية في تاريخ الشحر المحمية للأديب العلامة عبد اللّه بن محمد باحسن جمل الليل المتوفى سنة 1347 ه و هو كتاب حوى جل تراجم أعلام الشحر لخصها من كتاب المشرع الروي و غيره ثم أرفق الجزء الثاني بنبذة مختصرة من تاريخ تلك البلدة نقلها في عمومها من تاريخ باسنجلة و قد رجعنا إليه في هذا الباب عند ورود بعض الأخبار التي جاءت في كتابنا هذا مشابهة لما عنده و هي قليلة جدا.

و قد قمت بالمقابلة بالمخطوطتين و تاريخ الشحر لباحسن المذكور بعد الرجوع إلى مصادر الكتاب و توثيق نصوصه بقدر الطاقة و الإمكان. و لم نشأ أن نتدخل في أسلوب الكتاب و عباراته بشي‏ء من التبديل و الحذف حفاظا على أصل الكتاب و أسلوب الكاتب على الرغم مما يتخلله من عبارات ركيكة و ألفاظ دارجة. خاصة بأهل القرن العاشر لم نقف على بعضها. و أكثرها من عبارات أهل مدينة الشحر في القرن العاشر و بعض مصطلحات البحارة و لعل في بعضها ما يحل مشكله أهل هذا الفن من تلك البلاد، و في الختام لا يسعني إلا أن أشكر صاحب السمو الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حفظه اللّه الذي أمدني بكل عون في سبيل التفرغ لهذا العمل العلمي الجليل، و قد تم لنا بحمد اللّه ذلك. و من اللّه نستمد العون و الإمداد.

عبد اللّه بن محمد الحبشي صنعاء 5/ 2/ 1994

13

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ و به ثقتي.

[في سنة تسعمائة] 3

من هجرة الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) و هي أول القرن فيها: و قيل في السّنة التي قبلها:

[وصول السلطان جعفر بن عبد اللّه بن عمر الكثيري‏] 4

وصل السلطان الأعظم فارس العرب ... (1) ليث الهيجا و شجاعها و مبيد العساكر و جماعها أبي عبد اللّه السلطان جعفر بن عبد اللّه بن عمر الكثيري هو و ولده عبد اللّه، و كان وصوله من ظفار الحبوظي إلى الشحر باستدعاء حلفائه بيت زياد (2) من المهرة، و حصر الشحر بعسكر كثير من آل كثير و غيرهم، و ذلك في شهر رمضان من السنة المذكورة أو التي قبلها، فلبث يقاتل أهلها نحو عشرين يوما و لم يحصل منها على طائل فانتقل منها إلى «تبالة» قرية من أعمال الشحر على نية العزم إلى حضرموت، فجاء الخبر إلى صاحب الشحر يومئذ و هو سعد بن مبارك بن فارس بادجانة الكندي بأن السلطان جعفر تفرّقت عساكره، و تشتتت جموعه، و لم تبق عنده إلّا شرذمة قليلة، فاستفزه الفرح و لم يدر ما في طي الليالي من الترح، و أوهمه القضاء و القدر أنها فرصة يدرك بها الظّفر (3) و كان ذلك المخرج خاتمة عمله فجهز عسكرا إلى تبالة غالبهم‏

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) قبيلة توجد على ساحل سيجون و المناطق السفلى من وادي المسيلة يتكلمون باللهجة المهريّة انظر «القبائل اليمنية: 375».

(3) بياض في الأصل.

14

بيت زياد من المهرة و حلفائهم و غيرهم، فلما فصلوا من البلد شاروا على سعد بادجانة جماعة من أهل البلد بترك الخروج و أن لا فائدة له في ذلك‏ (1).

كفاك تصبّرا على عدوك ...

فقالوا له: فإذا لم يكن بد من ذلك فأنت ...

... و لم يخرج بنفسه.

فلما خرج العسكر إلى «تبالة» ... و أصحابه لقتالهم فالتقوا فلم يكن إلّا كلالا حتى انهزموا هزيمة منكرة و رجعوا هاربين متفرقين شذر مذر أيدي سبا، منهم من كانت هزيمته إلى جهة قصعر (2) من أعمال ريدة المشقاص، و منهم من كانت إلى جهة غيل أبي وزير، و لم يدخل البلد أحد منهم إلا مستخف ... (3)، منهم خلقا كثيرا و تبعهم السلطان جعفر و عسكره إلى الشحر و طلب الأمان سعد بادجانة فأمنه، و قيل خفر هو و جماعته و طلعوا البحر، و صاروا المهرة يومئذ منقسمين بيت زياد مع جعفر و بيت محمد (4) مع بادجانة، و كان أخذ بادجانة الشحر سنة ثلاث و ثمانين و ثمانمائة من بدر بن محمد الكثيري‏ (5)، و قيل خرج طريق السّاحل و قيل سافر في بعض الخشب‏ (6) بأهله و حريمه، و قيل: إنه بنفسه عزم إلى جهة ميفعة (7)، و اللّه أعلم.

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) كذا في الأصل، و لعلها قصيعر بصيغة التصغير بلدة من أعمال ريدة المشقاص كما ذكر المؤلف.

(3) بياض.

(4) فرع من بيت رعفيت من المهرة انظر القبائل اليمنية: 375.

(5) انظر تاريخ شنبل: 200 بتحقيقنا و فيه سنة 887.

(6) جمع خشبة و هي نوع من السفن المستخدمة في ذلك الوقت، انظر «البحر الأحمر و المحاولات البرتغالية الأولى» لعبد العال: 107.

(7) واد من وادي حجر و هو ما يلي الساحل «انظر الشامل: 74».

15

و في بعض التعاليق: أن أخذ بادجانة الشحر من بدر بن محمد سنة أربع و تسعين و ثمانمائة، و ملك السّلطان جعفر الشحر من حينئذ، و استمرت ولاية آل كثير فيها إلى وقتنا هذا خلّد اللّه ملكهم و كبت أعدائهم، و كانت الوقعة المذكورة المشهورة بوقعة «تبالة» يوم الاثنين سادس شهر شوال و قيل سابع شوال في السنة المذكورة انتهى كلام المؤرخ‏ (1)، و وجد بخط الفقيه العلامة عبد اللّه بن عمر بامخرمة: سنة تسعمائة يوم الإثنين سادس شوال: أخذ جعفر بن عبد اللّه الكثير الشحر من سعد بن مبارك بادجانة، و اللّه أعلم و سيأتي قتل سعد بادجانة.

[و فيها] (2): أعني سنة إحدى و تسعمائة 5

توفي الملك الأشرف قايتباي‏ (3) أبو النصر الشركسي 6

صاحب مصر و الشام و الحجاز .. (4) شهر الحجة من السنة المذكورة و كان ولي السلطنة يوم [خلع الظاهر أبو] (5) سعيد و ذلك يوم [الاثنين سادس رجب‏] (6) سنة اثنتين و سبعين و ثمانمائة باتفاق الأمراء و وجوه النّاس بعد امتناعه من ذلك فألحوا عليه و لم يعذروه، ولد تقريبا سنة بضع و عشرين و ثمانمائة، و قدم مع تاجره محمود بن رستم في سنة تسع و ثلاثين فاشتراه الأشراف برسباي، ثم صار إلى الملك الظاهر فاعتقه، و لم يزل بعده يترقّى من مرتبة إلى مرتبة إلى أن صار إلى الملك الظاهر [و حج و زار في‏] (7) سنة أربع و ثمانين و ثمانمائة و بنى بمكة مدرسة

____________

(1) سقط اسم المؤرخ المذكور و لعله المؤرخ باسنجلة أو باسخلة.

(2) بياض في الأصل أكملناه من عندنا.

(3) بياض في الأصل أكملناه من عندنا. و انظر حول المذكور كتاب قايتباي المحمودي «ضمن سلسلة أعلام العرب: 20».

(4) بياض في الأصل.

(5) بياض في الأصل و أكملناه من قلائد النحر لبامخرمة لوحة 182، و هو الظاهر جقمق العلائي أحد ملوك الدولة الشركسية «توفي سنة 857 ه «الضوء اللامع 3: 71».

(6) بياض في الأصل و أكملناه من قلائد النحر.

(7) بياض في الأصل و أكملناه من قلائد النحر.

16

معظمة و أوقف عليها وقفا جزيلا بمكة، و لما توجّه إلى مصر أخذ حاصل الحرم النبوي من قناديل الذّهب و الفضة و غير ذلك، فنقم ذلك عليه من لم يعرف مقصده و لما بلغ مصرا اشترى بذلك أراض مزدرعة (1) بمصر، و كان يحمل مغلها (2) كل سنة إلى المدينة فيقسم على كل من بها من متوّطن و مجاور من رجل و امرأة و صبي و بالغ و حر و عبد بحيث يصل إلى كل أحد من أهل المدينة كفايته من الحنطة و حصل بذلك النفع العام لأهل المدينة و حمدوه في فعله، و أراد أن يجعل ذلك كسماط الخليل المستمر بالقدس، و لم يزل ذلك جاريا إلى أن توفي‏ (3)، و لم يزل بعد وفاته تارة يسبرونهم و تارة [يقطعونهم و تارة] (4) بالبعض و ذلك لاستيلاء أيدي [الخونة] (5) على الأراضي المذكورة، و احترق الحرم الشريف النّبوي في زمنه في سنة ثلاث و ثمانين و ثمانمائة (6) فعمره على يد الخواجا بن الزمن عمارة جيدة أكيدة و أصرف عليه مالا جزيلا و كان الفراغ من عمارته سنة ثمان و ثمانين و ثمانمائة .... (7) قتله سنة (8) بني أمية بالشام فسبحان الحكيم انتهى ما ذكره المؤرخ و ما نقله [من تاريخ‏] (9) الطيب بامخرمة، و أما (10) ما نقلته من تاريخ سيدنا السيد الشريف عبد القادر بن شيخ العيدروس [فإنه‏] قد طول في ترجمته‏ (11) قال: و لما استقر في المملكة

____________

(1) في الأصل من روعه و أصلحناه من قلائد النحر.

(2) قلائد النحر: معها.

(3) انظر في ذلك وفاء الوفاء 2: 714.

(4) ساقط من قلائد النحر.

(5) ساقط في الأصل و أضفناه من قلائد النحر.

(6) قلائد النحر: ست و ثمانين و ثمانمائة. و هو كذا في وفاء الوفاء للسمهودي 2: 633.

(7) بياض في الأصل.

(8) بياض في الأصل.

(9) بياض في الأصل.

(10) بياض في الأصل.

(11) النور السافر: 16 ط العلمية و الضوء اللامع 6: 201- 211.

17

أخذ في الحل و العقد و العزل و العهد، و لم يكن له في زمنه منازع و لا مدافع، و طالت أيام دولته السعيدة و سار في الناس السّيرة الحميدة، و اجتهد في بناء المشاعر العظام بحيث وقع له من ذلك ما لم يتفق لغيره من ملوك الإسلام كعمارة مسجد الخيف بمنى، و حفر بنمرة صهريجا ذرعه عشرين ذراعا، و عمر بركة خليص و أجرى العين الطيبة إليها، و أصلح المسجد الذي هناك، بحيث عمّ الانتفاع به للقاطن و السلاك‏ (1) و عمر عين عرفة (2) بعد انقطاعها أزيد من قرن و عمر سقاية سيدنا العباس، و أصلح بئر زمزم و المقام، و جهز في سنة تسع و سبعين للمسجد الحرام منبرا عظيما، و نصب في ذي القعدة و كان يرسل للكعبة الشريفة بكسوة فائقة جدا في كل سنة، و أنشأ بجانب المسجد الحرام عند باب السلام مدرسة عظيمة بها صوفية و تدريس و فقراء و خزانة للربعات، و كتب العلم، و بجانبها رباط للفقراء و الطلبة مع أجراء القوت لهم في كل يوم و سبيل عظيم للخاص و العام، و مكتب للأيتام، و عمل ببيت المقدس مدرسة كبيرة بها شيخ و صوفية و درسة، و غير ذلك مما يطول ذكره، قال السخاوي‏ (3): و بالجملة فلم يجتمع لملك ممن أدركناه ما اجتمع له و لا حوى من الحذق و الذكاء و المحاسن مجمل ما اشتمل عليه و لا مفصلة [و ربّما] (4) مدحه الشعراء (5)، و لم يلتفت إلى ذلك و صلي عليه يوم الإثنين و كان له مشهد عظيم و لم يخلفه [مثله في الجراكسة] (6) بل قيل أنه لم يمكث أحد في المملكة قدر [مدته‏] فكانت قريب من ثلاثين سنة و صلّى عليه في المساجد الثلاثة [و ختم له‏] فيها بعدة ربعات، أحد ملوك المصرية و الحادي و الأربعين [من ملوك‏]

____________

(1) النور السافر: السالك.

(2) الأصل غزوة.

(3) الضوء اللامع 6: 207.

(4) بياض في الأصل.

(5) عبارة الضوء «و ربما مدحه الشعراء فلا يلتفت لذلك».

(6) بياض في الأصل.

18

الترك البهية بقية الملوك [العظام و خاتمة] النظام، و بعد وفاته تولى ولده محمد و سيأتي الكلام عليه و على عبده قانصوه الغوري في سنته، انتهى ملخصا من تاريخ السيد عبد القادر بن العيدورس نفع اللّه به آمين المسمى بالنور السّافر عن أخبار أهل القرن العاشر (1).

و منه‏ (2):

فيها توفي [الشيخ‏] عبد الرحمن بن علي بن صالح أبو زيد المكودي 7

نسبا القاسمي المكي شارح الجرومية و غيرها من الكتب المفيدة (رحمه اللّه تعالى).

و فيها (3) قدم إلى مدينة زبيد بكتاب «فتح الباري شرح صحيح البخاري» للعلامة الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني (رحمه اللّه تعالى)، اشتراه الملك الظافر من مكة بمائة و خمسين أشرفي، و دخلت عليه نسخة أخرى أوقفها بجامع زبيد.

و فيها (4): توفي الشيخ قاسم بن عبد اللّه بن عبد اللطيف العراقي 8

بعدن، و كان شيخا صالحا من الأخيار (رحمه اللّه تعالى).

و فيها: (5) حصل طوفان عظيم بناحية بحر الهند 9،

و غرق ببندر الديو (6) عشرة مراكب، و في الباحة أربعة [مراكب‏] (7) و تلف فيها من الأموال و الأنفس ما لا يحصى‏ (8)، و الذي سلم من المراكب انكسرت أدقالها (9)

____________

(1) النور السافر: 15- 17.

(2) النور السافر: 15. و انظر الأعلام 3: 318.

(3) النور السافر: 17 قلائد النحر لوحة 183 الفضل المزيد 94.

(4) لم أجده في النور السافر.

(5) النور السافر: 17.

(6) في الأصل: الدير و أصلحناه من النور السافر.

(7) ساقط من الأصل.

(8) النور: ينحصر.

(9) جمع دقل و هو (صاري المركب).

19

و رموا في البحر بغالب حملهم‏ (1).

و فيها (2): وقعة الخبة 10

بكسر الخاء المعجمة و تشديد الباء الموحّدة بعدها، جبل بشبام حضرموت في شهر ربيع الأول لثمان منه و ذلك بين آل كثير و هم آل محمد بن عبد اللّه بن علي الكثيري و حلفائه آل يماني و المحلف و أعلى المسفلة حاصرين عبد اللّه بن جعفر في شبام، و كان والده السلطان جعفر بالشحر فاشتد الحصار فانتدبوا آل عامر و من تبعهم من حلفائهم و رئيسهم و أصحابه‏ (3) جعفر (4) الهجرين محمد بن علي بن محفوظ الكندي و آل بور و رئيسهم جعفر بن عبد اللّه لينقذ أخيه عبد اللّه بن جعفر فالتقى الجمعان شبام بعرض الجبل المسمى الخبة فلما التقى الجمعان خرج السلطان‏ (5) عبد اللّه بن جعفر المحصور من الحصن، و حمل على الأعداء حملة عظيمة و سلك إلى‏ (6) أصحابه و أبان عن شجاعة و نجدة و ثبات جنان، و اهتزموا آل محمد و المحلف هزيمة عظيمة، و قتل من آل محمد رئيسهم عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن علي أخي السّلطان بدر بن محمد، و كان بدر بن محمد يومئذ بهينن، و قتل عمر بن السّلطان بدر بن محمد، و صاحب أمرهم يماني بن راصع حليف، و قتلوا نحو المائة من أهل المسفلة و غيرهم، و أخذوا شبام آل جعفر، و إلى هاتين الوقعتين العظيمتين المشهورتين تبالة و الخبة أشار الفقيه شجاع الدين عمر بن عبد اللّه بن أحمد بامخرمة (7) في قصيدته اللّامية التي مدح فيها السّلطان عبد اللّه بن جعفر، و ذكر فيها وقائع آل كثير المشهورات، التي سارت بها

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) تاريخ شنبل: 213.

(3) بياض في الأصل.

(4) بياض في الأصل.

(5) من هنا تبتدي نسخة (ح).

(6) في (س) عن.

(7) أديب سيأتي ذكره ضمن الوفيات.

20

الركبان و انتصفوا فيها من الأعداء كل مكان حيث يقول:

و تبالة فيها أتوا بعجائب‏* * * ينبيك عنها كل خشف مطفل‏

و شبام يوم الخبة انظر كم بها* * * من هارب أو عاطب بالمفصل‏ (1)

انتهى كلام المؤرخ، قلت: و وجدت القصيدة كلها كاملة بخط ولده الفقيه العلامة عبد اللّه بن عمر بامخرمة فاثبتّها هنا بكاملها لحسنها و هي‏ (2):

كفى ملامك يا سعاد فإن لي‏* * * قلبا نهاني عن سماع العذل‏

و اللّه ما أصغي لقول معنف‏* * * لو أن فيما لام عنه مقتلي‏

إني عن اللاحي أصم أبكم‏* * * فازدد عذولي همة لا تأتل‏

أقسمت بالقبر المطيب بطيبة* * * قبر الحبيب محمد المزمل‏

لا أنثني دأبا لأني مولع‏* * * بثلاث حالات فأقصر أو طل‏

حب الغواني الساكنات على اللوى‏* * * بين الحديبة و الكثيب الأهيل‏

حمر الشفاة الساحبات ذيولها* * * تيها ببانات الغوير و حومل‏

هيف تميل إذا احتسى خمر الصبا* * * تمشي الهوينا في المدارج و الحلي‏

أتراب عن حي‏ (3) جهينة دابها* * * صرع الأسود بكل طرف أكحل‏

ترنو بلحظات المها لكن لها* * * في كل قلب خرق ذات الأنصل‏

يا طالما قد نلت منها مسمرا* * * في حندس الليل البهيم الأليل‏

إذ غيّب الواشي و نام رقيبها* * * عنا و بات الحاسدون بمعزل‏

حيّا الحيا تلك الربوع بموشح‏* * * سامي الذرا الطود المنيف الأجبل‏

و غدت معالية (4) السماك و روحة* * * تهمي على مغناه بالأمر العلي‏

دار نشوت بها و كنت مصدرا* * * في كل ناد للفخار و محفل‏

حالا هوى سلمى و ثاني حالة* * * جودي بموجودي لكل مؤمل‏

____________

(1) في (س): المفصل.

(2) انظرها في ديوان بامخرمة (خ) و العدة للكندي 1: 35 (تحقيقنا).

(3) بياض في (س).

(4) في (س): معاليل.

21

و اللّه ما خيبت طالب حاجة* * * لو أنها تقضي ببيع المنزل‏

و ختام حالاتي الثلاث و خيرها* * * صوغى المدائح في الهمام أبي علي‏

الماجد الملك المظفر خير من‏* * * يدعى [إلى‏] (1) الخطب المهول المعضل‏

رب الفصاحة و السماحة و الندا* * * غوث البرايا في الزمان الأمحل‏

مولى ملوك الأرض عبد اللّه لا* * * زالت به عنا الشغائب تنجلي‏

رحب الفنا للنازلين ببابه‏* * * جّم الجدا للطارق المستعجل‏

وهّاب ما ظن الكرام به على‏* * * طلابه من غير منّ مبطل‏

أفديه سلطانا إذا شبّت لظى‏* * * حرب عوان كان أول مصطل‏

و هناك يبدوا ضاحكا متبسّما* * * و الخيل عثرى من صعاد العسل‏

يا فاتحا بالسيف كل مدينة* * * و مذيق أهليها مرير الحنظل‏

نبطت بك العليا فقمت بحقها* * * و فتحت منها كل باب مقفل‏

و أتيتنا طفل بكل عجيبة* * * عنها يقصّر كل شيخ لو بلي‏

و سلكت كل طريقة (2) مرضية* * * في نصرة الدّين الحنيفيّ الجلي‏

و بنيت بيتا في المعالي‏ (3) عاليا* * * حتى سما فوق السماك الأعزل‏

فانهض و كف عن لبس كل مطرف‏* * * لاه و بالدّرع الثقيل استبدل‏

و اشهر مواضي العزم و اركب للوغا (4)* * * في سبق الفلك العتاق الكمل‏

فالملك ليس وريفة أغصانه‏* * * حتى تطا الغنا نعال الجحفل‏

و تقود نحو تريم كل طمرّة* * * تعدوا بليث بالحديد مسربل‏

نبغى عليها كل يوم غارة* * * شعوى يذوب بها صميم الجندل‏

يمسون أسرى بعد قتل رماتهم‏* * * و نطا على هاماتهم بالأرجل‏

____________

(1) ساقط من (س).

(2) بياض في (س).

(3) بياض في (س).

(4) بياض في (س).

22

فدهاهم شعت النواصي‏ (1) فوقها* * * أولاد جعفر الكريم المفضل‏

فتيان حرب أيقنوا أن الغنا* * * تحت القنا عين الفخار الأكمل‏

قوم يذيقون الجياد هوانها* * * إن قال حي على الكريهة عبدل‏

كم طعّنوا بالسيف من خصم عتا* * * و استسلمت أرواحهم من معقل‏

سل عنهم «باجلحبان» و وقعة* * * في «باعطيس» و عج بحبان سل‏

و استفت سكان الخليف و خيلة (2)* * * ما شاهدوا من باسهم في المدخل‏

و تبالة فيها أتوا بعجائب‏* * * ينبيك عنها كل خشف مطفل‏

و شبام يوم الخبة انظر كم بها* * * من غارة أو عاطب بالمنصل‏

ورثوا المكارم كابرا عن كابر* * * و أخيرهم ينبيك فعل الأول‏

فاخرب بها دور الأعادي جهرة* * * و ابحث على عرق‏ (3) الخصوم و زوّل‏

و احذرو حاشاك أن تكون مصدقا* * * أو واثقا بمودة في مسفل‏

يبدو لنا ودا و يخفو ضده‏* * * عنا و ظنوها علينا تنطلي‏

و لئن تلاقينا و وافينا الرّدى‏* * * كلنا جزاهم كيل مديون ملي‏

نقضيهم بالمدصاعا وافيا* * * تبا لغاويهم و للمتبتل‏

هذا و ختمي بالصلاة بحقها* * * أزكى السلام على النبي الأفضل‏

و الآل و الأصحاب ما هبّ الصبا* * * أو زمزم الحادي بعيس بزّل‏

[و للفقيه‏] (4) عبد اللّه فيه و في ولده بدر بن عبد اللّه [القصائد] (5) العظام المطولات قال المؤرخ: ذكر الإمام ابن حسان في تاريخه: [أنه في سنة] (6) ثلاث و سبعين و خمسمائة وقعت الخبة بشبام قتل فيها عبد

____________

(1) في الديوان: تدهمهم شعث النواصى.

(2) محلتان من تريم.

(3) في الأصل «رق».

(4) ساقط من (س).

(5) ساقط من (س).

(6) ساقط من (س).

23

الباقي بن راشد ابن الدّغار و جماعة من آل شبام‏ (1).

[وفاة الشيخ العلامة الحافظ أبو عبد اللّه شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي‏] 11

[و في‏] (2) يوم الأحد بعد العصر الثامن و العشرين من شهر رمضان‏ (3) توفى الشيخ العلامة الحافظ أبو عبد اللّه شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي‏ (4) الأصل القاهري الشافعي بالمدينة حال مجاورته الأخيرة بها، و عمره إحدى و سبعين سنة و صلّى عليه بعد صلاة الصبح يوم الاثنين ثاني تاريخه بالرّوضة الشريفة و وقف بنعشه تجاه الحجرة الشريفة، و دفن بالبقيع بجوار مشهد الإمام مالك و كانت جنازته حافلة و لم يخلف بعده مثله في مجموع فنونه، و كانت ولادته في ربيع الأول سنة إحدى و ثلاثين، و حفظ القرآن العظيم و هو صغير وجوده ثم حفظ المنهاج الأصل‏ (5) و ألفية أبن مالك و النخبة و ألفية العراقي و شرح النخبة، و غالب الشاطبية و مقدمة الشاوي في العروض، و كلما انتهى حفظه لكتاب عرضه على شيوخ عصره، و برع في الفقه و العربية و القرات و غيرها و أمّا مقرؤاته و مسموعاته فكثيرة، و شارك في الفرائض و الحساب و أصول الفقه و التفسير و غيرها، و أخذ عن جماعة لا يحصون، حتى بلغت عّدة من أخذ عنه زيادة على أربعمائة نفس، و أذن له غير واحد بالإفتاء و التّدريس و الإملاء، و سمع الكثير من الحديث على شيخه إمام الأئمة الشهاب ابن حجر، و حجّ بعد وفاة شيخه ابن حجر مع والديه، و لقي جماعة من العلماء و أخذ منهم كأبي الفتح الأغر (6) و البرهان الزمزمي و التّقي بن فهد و أبي السّعادات ابن ظهيرة و خلائق، و زار المدينة الشريفة و رجع الى القاهرة ملازما للسّماع و القراءة و الاستفادة من الشيوخ‏

____________

(1) ساقط من (س). و انظر خبر هذه الوقعة في تاريخ شنبل: 47 بتحقيقنا.

(2) انظر تاريخ شنبل: 47.

(3) النور: شعبان.

(4) انظر ترجمته في الضوء اللامع 8: 32 الكوكب السائرة 1: 53 و شذرات الذهب 8:

15 و الأعلام 6: 195.

(5) النور: الأصلي.

(6) كذا في الأصل و النور السافر لعل صوابه: المراغي أحد شيوخ السخاوي.

24

و الإقراء من غير فتور عن ذلك، و تصانيفه إليها النهاية في الشهادة له بمزيد علوه و فخره، و رويت تصايفه و أسانيده‏ (1)، و ثبتت سيادته في هذا الفن النفيس، و تقررت، و لم يخالف أحد من العقلاء في جلالته و وفور ثقته و ديانته و أمانته بل صرحوا بأجمعهم بأنه هو المرجوع إليه في التّعديل و التجريح و التحسين و التصحيح بعد شيخه شيخ مشايخ الإسلام ابن حجر حامل راية العلوم و الأثر [قال‏] (2) بعض العلماء: لم يأت بعد الحافظ الذهبي أحد سلك مسلك هذه المسالك غيره، و لقد مات فن الحديث من بعده، و أسف الناس على فقده و لم يخلف بعده مثله إنتهى، و ولي تدريس.

الحديث في مواضع متعّددة و عرض عليه قضاء مصر فلم يقبله (رحمه اللّه تعالى)، نقلت هذه الترجمة من كتاب النور السافر (3) ملخصا.

(و فيها) في شهر ذي القعدة توفي الفقيه الصالح جمال الدين محمد المقبول بن أبي بكر الزيلعي 12 (4)

صاحب قرية اللحية نفع اللّه به‏

و فيها: توفي الفقيه العلامة جمال الدنيا و الدين محمد الطاهر بن عبد الرحمن بن القاضي محمد بن مسعود باشكيل 13 (5)

و كان فاضلا عالما، ولد بعد وفاة جّده بقليل سنة اثنتين و سبعين و ثمانمائة آخر شهر صفر من السنة المذكورة، و دفن في قبر جّده القاضي محمد بتربة الشيخ جوهر بعدن (رحمه اللّه تعالى).

و فيها (6) بشهر رمضان: قيد الظّافر عامر بن عبد الوهاب عالم الإسماعيلية سليمان بن حسن بتعز، و أودعه دار الأدب 14

لتحديثه بما لا يعنيه من المغيبات و المستقبلات، و أمر بإحضار كتبه ثم أمر بإتلافها فأتلفت، و للّه الحمد، ثم أطلقه في شوال و عفا عنه.

____________

(1) بياض في الأصول.

(2) بياض في (س).

(3) النور السافر: 18- 23.

(4) النور المسافر: 23. و الفضل المزيد: 108 ط الكويت.

(5) قلائد النحر 3: لوحة 182.

(6) النور المسافر: 23 الفضل المزيد 106.

25

سنة ثلاث بعد التسعمائة 15

[وفاة الفقيه عبد اللّه بن أحمد بن علي [بن أحمد] بن إبراهيم الشهير بأبي مخرمة] 16

يوم السبت حادي و عشرين من المحرم: توفي‏ (1) الإمام العلامة مفتي مدينة عدن و مدرسها و خاتمة العلماء بها شيخ الإسلام وحيد عصره و فريد مصره صاحب الفتاوى المفيدة و التّصانيف العديدة أبو الطيب الفقيه عبد اللّه بن أحمد بن علي [بن أحمد] بن إبراهيم الشهير بأبي مخرمة الحميري السيباني بالسين المهملة الهجراني الحضرمي العدني الشافعي، ولد ببلدة الهجرين ليلة الأربعاء الثاني عشر من شهر رجب سنة ثلاث و ثلاثين و ثمانمائة [كما] (2) وجد بخطه (رحمه اللّه)، و بعد أن حفظ القرآن ببلده حج من بلده ماشيا طريق البر سنة ثلاث و خمسين و أسقط فرضه، فلما رجع من الحج دخل عدن و تفقه على الإمامين محمد بن مسعود باشكيل، و محمد بن أحمد باحميش، و أقبل عليه أبو حميش إقبالا كليا لما رأى من نجابته و ذكائه و أجاز له إجازة عامة، و دخل شبام حضرموت فأجاز له عالمها الإمام الصالح وجيه الدنيا و الدين الشيخ الفاضل الكامل عبد الرحمن باهرمز إجازة عامة، و قرأ على القاضي محمد بن مسعود باشكيل كثيرا من كتب الحديث و التفسير و غيرها فأجاز له إجازة عامة في جميع أنواع العلوم، و زوجه القاضي أبو شكيل ابنته و ولي قضاء عدن مدة يسيرة، و كان في خلقه حدّة و خرج من عدن متخفّيا متبرما من القضا، فقصد

____________

(1) قلائد النحر 3: 182. النور السافر: 30.

(2) زيادة من قلائد النحر.

26

الشحر فأكرمه واليها السلطان العادل الفاضل الكامل بدر بن عبد اللّه بن علي الكثيري و صحبه، و كان بينهما ألفة أكيدة و مودة شديدة، ثم رجع إلى عدن و قد تولّى القضاء بها القاضي عبد الرحمن بن عبد العليم القماط، و لم يزل يتردّد بين الشحر و عدن و أكثر إقامته بعدن، و قرأ عليه جمع كثير صاروا أئمة، منهم شيخنا الإمام عبد اللّه بن عبد الرحمن فضل (رحمه اللّه)، و الإمام جمال الدين محمد بن عمر قضام، و الفقيه العلامة الشيخ عثمان بن محمد العمودي، و القاضي الإمام الفقيه العلامة جمال الدين محمد بن عمر بحرق و غيرهم من الأكابر، و كان من العلوم بحيث يقضى له في كل فن بالجميع، و كان مهابا حتى أن العلامة الصالح عفيف الدين الفقيه عبد اللّه بن عبسين (رحمه اللّه تعالى) يقول: أني لا أخاف أحد من العلماء إلا الفقيه عبد اللّه بن أحمد بامخرمة، فإني أكاد أرعد من هيبته، و كان الملوك في زمانه يخضعون له و يخافونه، و كان امرا بالمعروف ناهيا عن المنكر لا يراعي في الحق أحد، و لا يخاف في اللّه لومة لائم، و كان صاحبه الإمام الولي الّصالح جمال الدنيا و الدين محمد بن أحمد بافضل كثير التّعظم له، و بلغني أن الفقيه عبد اللّه (رحمه اللّه) سئل: أي أعلم أنت أم الفقيه محمد، فقال: أنا أعلم منه و هو أورع مني، أو قال أدين مني، و من مصنفاته فتاواه المجيدة الجيدة الوضع مجموعة و رتبها على أبواب الفقه، و عمل على جامع المختصرات نكتا في مجلدة، و كذا على ألفية النحو في كراريس مفيدة و شرح ملحة الحريري شرحا حسنا، و لخص شرح ابن الهائم على هائميته، إلى غير ذلك من الرسائل من الهندسة و غيرها، قال الطيب بامخرمة في تاريخه: له النكت التي على جامع المختصرات للنشائي يذكر فيه المواضع التي ذكرها و وقعت في الكتاب على غير الصواب، و له أيضا تأليف لطيف يذكر فيه المسائل التي ذكرها في الكتاب في غير مظنتها (1) على نمط «خبايا الزوايا» للزركشي، و له شرح ابن ياسمين في الجبر

____________

(1) قلائد: مظنها

27

و المقابلة، و بالجملة فإنه كان بقية العلماء العاملين ليس له نظير في زمانه و لم يخلفه بعده مثله (رحمه اللّه)، و كان بعض الأولياء يقول في حقه: أنه من الأربعة الأوتاد الذين يحفظ اللّه بهم البلاد و العباد و يغيث بهم الحاضر و الباد، و كان (رحمه اللّه) يقول: عمري سبعون سنة فكان كذلك، و كان يصحب السيد الشريف سراج الدين عمر بن عبد الرحمن باعلوي صاحب الحمراء و يصحب الشيخ الكبير العارف باللّه تعالى شهاب الدين أحمد بن الشيخ محمد العمودي صاحب قيدون، و كان له فيهما عقيدة و حسن ظن، و عزم صحبة السيد الشريف عمر المذكور إلى تعز في سنة تسع و ثمانين و ثمانمائة فتوفي السيد عمر بتعز في شهر رمضان من السنة المذكورة (1) و مرض الفقيه ثم نقه من مرضه، و لم يزل المرض مستمرا به تارة يقوى و تارة يهون إلى أن توفي ليلة الاثنين سحرا لتسع بقين من المحرم من السنة المذكورة و دفن بتربة الشيخ جوهر (2) الجندي نفع اللّه به قبالة ضريح شيخه القاضي جمال الدين محمد بن مسعود أبي شكيل رحمهما اللّه انتهى كلام الطيب بامخرمة

و فيها توفي الأمير الكبير جمال الدين محمد بركات‏ (3) صاحب مكة و الحجاز، 17

في الليلة التي توفي فيها الفقيه أبو الطيب عبد اللّه بن أحمد بامخرمة ليلة الاثنين الحادي و العشرين من المحرم، و كانت وفاته بوادي الأبيار خارج الحرم فحمل إلى مكة و دفن بالمعلاة، و ولي الحجاز أكبر أولاده الشريف بركات بن محمد.

و فيها (4): يوم الخميس عاشر المحرم توفي الفقيه الصالح العلامة جمال الدين محمد بن إبراهيم المكدش بفتح الميم و سكون الكاف و كسر الدال المهملة و اخره شين معجمة، فقيه اللامية و مفتيها ببلدة سامر، و كان له بها مشهد عظيم (رحمه اللّه تعالى).

____________

(1) في الأصل: في سنة. و أصلحناه من قلائد النحر.

(2) في الأصول. مطموسة. و أثبتناه من قلائد النحر.

(3) قلائد النحر لوحة: 183. الفضل المزيد: 109.

(4) النور السافر: 36. الفضل المزيد: 108.

28

قلت: و بنو المكدش هؤلاء أخيار صالحون شهر منهم جماعة بالولاية التامة و ظهور الكرامات و تربتهم يقال: لها الأنفة و هي بفتح الهمزة بعد الألف و اللام و فتح النون و الفاء و آخره ها تأنيث بجهة الوادي سهام، و هي محلة مقصودة للزيارة و التبرك، و نسبهم في الصميين، و هم قبيلة مشهورة من قبائل عك بن عدنان و مسكنهم في ما بين الوادي وادي سهام و وادي سردد، و من مشاهيرهم يوسف بن أبي بكر المكدش كان من كبار الأولياء و له كرامات خارقة ذكره الشرجي في الطبقات‏ (1)، و أثنى عليه و ذكر شيئا من أحواله في تاريخ‏ (2) سيدنا عبد القادر بن شيخ العيدروس.

و منه أيضا

و فيها (3): توفي الفقيه العالم العارف باللّه تعالى السيد الجليل الرباني جمال الدين محمد بن احمد باجرفيل 18

قيل‏ (4) الدوعني (رحمه اللّه تعالى) بغيل أبي وزير من أعمال الشحر، و جرفيل بجيم ثم راء ثم فاء ثم ياء، و كان مولده يوم الاثنين ثاني عشر من ربيع الأول سنة عشرين بعد الثمانمائة، غلب عليه التصوف فخاض غماره، و حّقق أسراره و صار من كبار مشايخ الطريقة و أعلام أئمة الحقيقة يقتدى بآثاره، و يهتدى بأنواره، و حكي عنه أنه قال: لم أصحب مع كثرة من صحبته من العارفين باللّه مثل الشيخ علي بن أبي بكر فلازمته أربعة أشهر على أن يقول لي: أنت منا أهل البيت، كما قال ذلك النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) لسلمان الفارسي رضي اللّه عنه، فلم يقل و لم يجبني إلى ذلك، فلما ألححت عليه و تحقق صدق ودي و محبتي لأهل البيت فقال: يا فقيه أن الدين النصيحة لا يجيبك إلى مقصودك إلّا الشيخ أبو بكر بن عبد اللّه العيدروس، فإنه القطب الوارث للقطبيّة من صغره بعد موت أبيه الشيخ عبد اللّه بن ابي بكر، و نحن نكتب إليه أن يجيبك إلى‏

____________

(1) طبقات الخواص: 369 ط الدار اليمنية.

(2) النور السافر: 36.

(3) النور السافر: 23.

(4) كذا في الأصل و هذه اللفظة لا توجد في النور المسافر.

29

مرادك، قال: و الشيخ أبو بكر يومئذ باليمن، فكتب الشيخ علي إليه، و كتبت أنا أيضا إليه، فأتانا بحمد اللّه الجواب بالقصد و المراد، قال العلامة بحرق: و لقد كنت استشكل أشياء تصدر من سيّدي الشيخ أبي بكر العيدروس (قدس اللّه روحه) تقصر عنه عقول أمثالنا القاصرة و لكني كنت بتوفيق اللّه أعرضها على أرباب البصائر فما منهم إلّا يأمرني بالتّسليم و يشهد عندي بعلو مقام سيدي و أنه على هدى من ربه العليم، منها: إني عرضت على الفقيه محمد بن احمد باجرفيل تصّرفات مالية يباشر سيدي في قبضها و صرفها في ظاهر الأمر في غير مصارفها، فقال: أنا أشهد أنه أمير المؤمنين المالك للتولية و العزل و الحل و العقد و التصرفات كلها و أشهد أنه أفضل أهل الأرض ظاهرا و باطنا، فقلت له: أمّا الباطن فبصائرنا عنه قاصرة، و أما الظاهر فما وجهه، فقال وجهه: أن أهل البيت أفضل من سائر النّاس و آل باعلوي اليوم أفضل من سائر أهل البيت باتباعهم السنّة و ما اشتهر لهم من العبادة و الزهادة و الكرم و حسن الأخلاق، و الشيخ أبو بكر أفضل آل باعلوي بالاتفاق فهو أفضل أهل زمانه، و توفي بغيل أبي وزير و دفن بتربة المشايخ آل باوزير.

و فيها (1) يوم السبت خامس عشر شوال: توفي الفقيه المنور المتفق على جلالة قدره علما و عملا و ورعا جمال الدين أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن عبد اللّه الشهير بابن علي بافضل السّعدي 19،

نسبة إلى سعد العشيرة الحضرمي ثم العدني (رحمه اللّه تعالى) بعدن و حزن الناس عليه و كثر تأسفهم على فقده و كان مولده في حضرموت بتريم سنة أربعين و ثمانمائة و نشأ بغيل أبي وزير و حفظ القرآن و اشتغل بالفقه على الفقيه محمد بن علي باعديله‏ (2) و قرأ الأحيا، ثم دخل عدن قاصدا الفقيه جمال الدين محمد بن أحمد حميش، فقرأ عليه الفقه و غيره فلما توفي شيخه باحميش أقيم مقامه في‏

____________

(1) النور السافر: 24. الفضل المزيد: 119، قلائد النحر لوحة 183.

(2) قلائد النحر «باعديل».

30

التّدريس، و تزوّج بزوجة شيخة فعمر اللّه به الدين و أحيا به معالمه، و قرأ على القاضي محمد بن مسعود باشكيل، و جدّ في الطلب و دأب حتى برع في العلوم و انتصب للتدريس و الفتوى و صار من أعلام الدين و التّقوى، و كان إماما كبيرا عالما عاملا محققا ورعا زاهدا مجتهدا عابدا مقبلا على شأنه تاركا لما لا يعنيه، بمقامات و أحوال و كرامات، و كان حسن التعليم لّين الجانب متواضعا صبورا مثابرا على السنة، و كان هو و صاحبه الفقيه عبد اللّه بن احمد بامخرمة عمدة الفتوى بعدن، و كان بينهما من التودّد و التناصف ما هو مشهور، و بالجملة ففضائله و مناقبه و محاسنه أكثر من أن تحصر، و أشهر من أن تذكر، و له تواليف حسنة مفيدة مشهورة، منها العدة و السلاح في أحكام النكاح، لا يستغني عنه كل من تصدى لعقود الأنكحة، و له شرح المدخل و شرح البرماوية، و له كتاب موضوع على تراجم البخاري يذكر فيه وجه مناسبة الترجمة للحديث، و له رسالة في الربع المجيب، و له مختصر الأنوار المسمى نور الأبصار في الفقه و هو في غاية الحسن، و اختصر قواعد الزركشي، و كان متفننا في جميع العلوم حسن المذاكرة موظف أوقاته على العبادة و الطاعة، لا تلقاه إلا في طاعة من تدريس أو تصنيف أو قراءة قرأن أو ذكر، قال الفقيه الطيب بامخرمة: و غالب ظني أنه مجدّد قرنه، و أورد له السيد عبد القادر العيدروس في تاريخه هذين البيتين في عيادة المريض:

إن العيادة يوما بين يومين‏* * * و اجلس قليلا كلحظ العين بالعين‏

لا تبرمن مريضا في مسائلة* * * يكفيك من ذاك تسآل بحرفين‏

و دفن بالتربة المعروفة بحافة البّصال بعدن (رحمه اللّه تعالى) و نفعنا به.

31

[سنة أربع و تسعمائة] 20

و فيها (1) ليلة الاثنين سلخ ذي القعدة الحرام: توفي السيد الشريف الفقيه الصوفي الأديب الحافظ المحدث البارع في أشتات العلوم بدر الدين الحسين بن الصديق بن الحسين بن عبد الرحمن الأهدل 21

(قدّس اللّه أرواحهم) بمدينة عدن و دفن بتربة أهله بالشاذلية، و كان مولده في ربيع الثاني سنة خمس و ثمانمائة بأبيات حسين، و نشأ بها و بنواحيها و اشتغل بالفقه بها على الفقيهين أبي بكر بن قعيص‏ (2) و أبي القاسم بن عمر بن مطير، و قرأ الحديث على الأمام الحافظ يحيى العامري الأمهات الست، و انتقل إلى بلاد المراوعة و اشتغل بها على الفقيه إبراهيم بن أبي القاسم جعمان و غيره، ثم دخل زبيد في سنة ثمان و ستين فاشتغل فيها بالفقه على عمر الفتى و غيره، و في الأدب على ابن [الزين‏] (3) الشرجي، ثم حج سنة اثنتين و سبعين، و جاور التي تليها، و حكي أنه لما زار النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) وقف على القبر الشريف و أنشد قصيدة يقول فيها:

إن قيل زرتم بما رجعتم‏* * * يا سيد الرسل ما نقول‏

فسمع الجواب من الحجرة الشريفة:

____________

(1) النور المسافر: 27. الفضل المزيد: 19.

(2) كذا في الأصل و النور السافر صوابه: ابن قعيش الفضل المزيد: 270 ط شلحد ط صالحية.

(3) زيادة من النور السافر.

32

قولوا رجعنا بكل فضل‏* * * و اجتمع الفرع و الأصول‏

و سمع بالمدينة الشريفة من أبي الفرج‏ (1) المراغي ثم أنه تصوف و حمل الزّنبيل و دار في الأسواق و بين البيوت كعادة صوفية اليمن، فنقم عليه ذلك فلم يلتفت إلى عذل عاذل، ثم عاد إلى بلده، و كان يسعى بين الدّولة و العرب المفسدين بالدية و الصّلح، ثم دخل عدن و صاهر الكتاب بني إسحاق، و كان يدرس في الحديث و الفقه و النحو في جامع عدن و في بيته، و انتفع به جمع في دينهم و دنياهم، و ذكره العلامة الفقيه جمال الدين محمد بحرق في كتابه مواهب القدوس في مناقب ابن العيدروس، و قال:

اني قلت مرة أن أحوال سيدنا الشيخ أبي بكر أشكلت علي، فقال: دعها تحت حجابها مستورة بسحابها فلو أشرقت مشمسة لأحرقت الوجود كله، أما ترانا نقف على أبوابه و نكتفي بتقيبل أعتابه، قال: و هكذا كان (رحمه اللّه) يقبل العتبة و ينصرف، و رأيت كأنه ورد عليه مرة حال فأخذ بيدي و هو كالذاهل، فقال لي: تريد أن أريك القطب، فقلت: نعم، فمشى حتى أتينا سيدي الشيخ أبا بكر، فقال: هذا هو القطب، و انصرف، و لم يلبث أن امتدح سيدي الشيخ بقصيدته التي أولها:

من الحسان الخرد قد صادني‏* * * غرير يرمي بقوس حاجب‏

و أنشده إياها فلما بلغ المنشد قوله:

يا عيدروس الأولياء يا حائز* * * الكمال القطب أنت الأكمل‏

كان السيد حسين ينظر إلي ثم يشير بيده إلى سيدي الشيخ و يقول:

القطب أنت الأكمل يكررها ليحقق ما كان قاله لي في المنام في حالة ذهول، و له ديوان شعر و كلامه مشهور و له قصائد مدح في النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و منه الوسيلة العظيمة التي أولها:

____________

(1) كذا في الأصل و النور السافر صوابه «أبو الفتح» قلت: هو أبو الفتح محمد بن أبي بكر المراغي المتوفى سنة 859 ه: انظر الضوء اللامع 7: 162.

33

يا رسول اللّه غوثا و مدد* * * انتم الوالد و العبد ولد

و خمسها .... (1) أو الفيومي تخميس عظيم و رأيت للفقيه عبد اللّه بن عمر بامخرمة عليها تخميس أوله:

اسأل اللّه و لا تسأل أحد* * * و توسل بشفيع لا يرد

قل إذا ما شيت تعطى و تمد* * * يا رسول اللّه غوثا و مدد

(رحمه اللّه تعالى) و نفعنا به.

و فيها (2) بسحر ليلة الأربعاء سابع عشر جمادى الأولى توفى الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام قاضي قضاة الأنام أبو عبد اللّه جمال الدين محمد بن حسين القماط 22

(رحمه اللّه)، كان بحرا في العلوم لا يجارى و إماما في المنطوق و المفهوم لا يمارى أحد أعلام الزّمان المشار إليهم بالبنان، ولد في شهر صفر سنة ثمان و عشرين و ثمانمائة في دولة الملك المنصور عبد اللّه بن الناصر أحمد بن إسماعيل الغساني‏ (3) نشأ في عبادة ربه في حجر والده الفقيه الصّالح شرف الدين حسين بن محمد بن حسين القماط، و حفظ القرآن عنده صغيرا عن علماء مدينة زبيد التي ولد بها كالفقيه جمال الدين موسى بن محمد الضّجاعي، و العلامة جمال الدين محمد بن ابراهيم بن ناصر، و القاضي جمال الدين محمد الطيب بن الفقيه احمد الناشري و غيرهم، و تصدر للافتاء في مدينة زبيد في حياة شيخه شيخ الإسلام جمال الدين الطيب الناشري، و اختصر تاريخ ابن خلكان و صنف كتابا في تفسير القرآن سماه «عجائب التنزيل و غرائب التأويل» بلغ فيه إلى أثناء سورة النساء، و انتفع به النّاس انتفاعا كليا لقرب جنابه و غزارة علمه، و سرعة جوابه، و حسن أخلاقه، و طلبه الملك المجاهد نور الدين علي بن طاهر إلى محله، و جعل إليه نظر صدقاته المتقبلة، و انتفع به الناس كثيرا

____________

(1) مطموس في (ح). و بيض في «س».

(2) النور السافر: 37. الفضل المزيد: 114.

(3) أحد ملوك بني رسول حكمه من سنة 827 إلى سنة 830 أنظر الضوء اللامع 5: 5.

34

و لم يزل بمدينة زبيد باذلا نفسه للتدريس و الفتوى، حتى استدعاه الملك المجاهد آخر عمره فولاه القضاء بمدينة عدن فنزل إليها، و خرج منها يوم وفاة الملك المجاهد، ثم لما صار الأمر بعده إلى أبن أخيه الملك المنصور تاج الدين عبد الوهاب بن داؤد بن طاهر أقرّه على ذلك مدة حياته، ثم لما استقل‏ (1) الملك الظافر (2) عامر بن عبد الوهاب بالأمر بعده أقّره أيضا على ذلك إلى شهر جمادى الآخرة سنة تسع مائة، ثم عزل عن القضا بالقاضي شهاب الدين أحمد بن عمر المزجّد، ففرح بذلك أكثر من فرح غيره بالولاية، و رأى ذلك من نعم اللّه الذي تستوجب [الشكر] (3) فوصل إلى بلده زبيد يوم الخميس الخامس و العشرين في شهر رجب الفرد الحرام أحد شهور سنة تسع و تسعين و ثمانمائة، و حمد اللّه على جمع شمله بأهله و عياله، و أقام به حتى توفاه اللّه في السنة المذكورة، و لم يتخلف عن تشييعه أحد من أهل مدينة زبيد، و صلى عليه ولده الفقيه العلامة عفيف الدين مفتي المسلمين عبد العليم، و دفن إلى جنب والده ضحى يوم الاثنين قريبا من قبر الفقيه علي الزيلعي قبلي مدينة زبيد، و كثر الأسف عليه جدا، و لم يخلف بعده مثله (رحمه اللّه) و نفع به، نقلت هذه الترجمة من كتاب فتاويه في أولها، و هو التغلبي نسبا و الشافعي مذهبا و الزبيدي بلدا (رحمه اللّه تعالى).

و فيها (4): توفي محمد الطاهر بن عبد الرحمن بن القاضي محمد بن مسعود باشكيل 23،

ولد بعد وفاة جده بقليل في سنة اثنتين و سبعين و ثمانمائة، و توفي والده و هو ابن سنة فنصب عليه الفقيه عبد اللّه بن أحمد بامخرمة، فعلّمه القرآن و أدبه و هذّبه، و نشأ في طلب العلم و تحصيل الكتب شراء و نسخا و بخطه، حضر درس الفقيه عبد اللّه بن‏

____________

(1) بياض في (س).

(2) الأصل «الظاهر» و أصلحناه من عندنا.

(3) زيادة من عندنا.

(4) قلائد النحر 3: لوحة: 182 و قد سبقت ترجمته قبل قليل.

35

أحمد (1)، و قرأ صحيح البخاري على الفقيه الطيب بن عبد اللّه بامخرمة و غيره، و قرأ على الشريف حسين بن الصديق الأهدل العدة للجزري، و أجازه الشريف المذكور إجازة عامة، و قرأ على الفقيه يعقوب الحباني‏ (2) و كان له حسن ظن و عقيدة في متصوفة الوقت، و حسن أخلاق، و كرم نفس، حج في سنة إحدى و تسعمائة فاستجاز من السيد الشريف السمهودي و غيره من فقهاء الحرمين الشريفين، و صدر الى عدن في المحرم أو في صفر في سنة 902 اثنتين و تسعمائة، فأقام بها بعد وصوله سبعة أيّام صحيحا، ثم حمّ و لم تزل به الحمى إلى أن توفي في أواخر شهر صفر الخير المذكور، و دفن بتربة الشيخ جوهر في قبر جده القاضي محمد بن مسعود (رحمه اللّه تعالى).

و فيها (3): توفي بشهر ربيع الثاني عبد اللّه [المعروف بالعمودي‏] (4) ابن عبد اللّه بن أحمد بامخرمة (رحمه اللّه)، ولد بعدن سنة احدى و ثمانين و ثمانمائة، و حفظ القرآن و له حوالى عشر سنين، و كان فيه فهم و ذكاء مفرط و اشتغل على أخيه الفقيه أحمد في علم الحساب مدّة يسيرة، و قرأ على والده و على أخويه أحمد و الطيب، و له معرفة باللغة و النحو، و له ديوان شعر، و شعره جيد جدا حج على قدم التّجريد و رجع إلى عدن و عزم إلى والده بالهجرين في طريق البر فلما وصل الى الهجرين وجد والده قد خالفه راجعا إلى عدن، فأقام بالهجرين، ثم رجع إلى عدن، و اجتمع بوالده، ثم عزم إلى مكة طريق البر فدخل صنعاء و امتدح إمامها محمد بن الناصر (5) بقصيدة فائقة، ثم عزم إلى جازان و قد هيأ قصيدة عظيمة يمدح‏

____________

(1) يعني بامخرمة السابق ذكره.

(2) كذا في الأصل و في قلائد النحر «الجبائي».

(3) قلائد النحر لوحة: 183.

(4) في الأصل: (بعودي).

(5) هو الإمام المؤيد باللّه محمد بن الناصر محمد حكمه من سنة 867 إلى سنة 908 (أنظر أئمة اليمن: 334).

36

بها الشّريف أحمد بن دريب صاحب جازان فمات بحرض قبل أن يصل جازان (رحمه اللّه تعالى).

و فيها (1): يوم الاثنين الثاني من شهر ربيع الآخر توفي الفقيه الصالح المعمّر جمال الدين محمد النور بن عمر الجبرتي 24

من بقية أصحاب الشيخ اسمعيل الجبرتي عمره خمس و ثمانون سنة، و دفن ضحى يومها قريبا من ضريح شيخه (رحمه اللّه تعالى).

و فيها (2): توفي الفقيه جمال الدين محمد بن عبد الرحمن باصهي 25

(رحمه اللّه).

و فيها (3) بشهر جمادى الأولى: توجه السلطان الظافر عامر بن عبد الوهاب 26

إلى بلاد يافع لذنوب كثيرة سلفت منهم، منها إنهم أتوا إلى خاله عبد اللّه بن عامر بن طاهر و حرضوه على حرب الظّافر، فسار إليهم بجنوده سابع جمادى الآخرة، فلما التقى الجمعان إنهزموا يافع هزيمة منكرة و استولى على حصونهم جميعا في أقرب مدة، و لم يكن منهم أمر متعب مع كثرتهم و اتساع بلادهم و دعاويهم العراض، و كان استفتاح بلادهم من أسهل الفتوح، و دخلوا عليه و أذمهم، و ساروا جماعة منهم تحت ركابه.

و في‏ (4) تاسع عشر الشهر المذكور: لزم الشيخ عبد الباقي بن محمد بن طاهر، و قيد و أودع دار الأدب بتعز.

و فيها: ولد السلطان بدر بن عبد اللّه بن جعفر (رحمه اللّه تعالى) سنة أربع و تسعمائة 27.

و فيها عشية يوم الأحد الرابع عشر من شهر المحرم: توفي العلامة الشيخ الكبير المعمر شيخ الإسلام نجم الدين يوسف المقري بن يوسف 28

____________

(1) النور السافر: 37 الفضل المزيد: 111.

(2) النور السافر: 37.

(3) الفضل المزيد: 114. و قلائد النحر لوحة: 188.

(4) الفضل المزيد: 116. قلائد النحر لوحة: 188.

37

الجبائي‏ (1): (رحمه اللّه) بمدينة زبيد و دفن بعد صلاة المغرب من ليلة الاثنين إلى جنب سيدي الشيخ أحمد الصياد ملاصقا له داخل المشهد من جانب اليمن بوصية منه، و كان له مشهد عظيم لم تر العيون مثله و صلّي عليه بجامع زبيد، وجبا (2) ناحية مشهورة غربي تعز، كان إماما عالما محققا مطّلعا قوي الادراك جيد الفطنة حسن الاستنباط و تفقّه بعلماء قطره، ثم ارتحل إلى عدن و أخذ من إمامها القاضي العلامة ابن كبن و برع و تميز و ساد الأقران و صار واحد زمانه، و ولي قضاء الأقضية في قطر اليمن، و ارتحل إليه الطلبة من كل جهة من جهات اليمن و انتفعوا به كثيرا و سادوا و تميزوا، منهم العلامة موسى ابن الزين الرداد، و القاضي العلأمة شهاب الدين أحمد بن عمر المزجّد و غيرهما، و كان له (رحمه اللّه تعالى) ثروة عظيمة و اتباع و رياسة تشبه رياسة الملوك، و كان عمدة وقته في الفتاوي، و من وقف على كلامه و رأى ما فيه من عظم البلاغة، و حسن الاستنباط و اقتداره على تحرير المواضع المشكلة و حلّها و تقريرها على أحسن الوجوه، علم جلالة الرجل و علم مقامه، و لم يزل على الحال المرضي إلى أن توفي بزبيد (رحمه اللّه تعالى).

و فيها أول السنة (3): تأخر المطر عن أيامه بجهة زبيد و اشتد الأمر، فأمر قاض زبيد الإمام محمد بن عبد السلام الناشري الناس بصيام ثلاثة أيام، ثم خرج بهم في الرابع صائمين بذلة و تخضع و صلى بهم الإمام الفقيه شهاب الدين أحمد بن الطاهر جعمان‏ (4) قاضي حيس و خطب بهم، و كان يوما مشهودا فحصل الفرج العظيم قبل الاستسقاء و بعده 29.

____________

(1) كذا في الأصل و في النور: 38 يوسف بن يحيى الجبائي. و الصواب: يوسف بن يونس بن يحيى الجبائي، أنظر طبقات صلحاء اليمن للبريهي: 244 و الفضل المزيد:

123 و السناء الباهر: 34.

(2) في الأصل: حبان.

(3) الفضل المزيد: 121 في حوادث سنة 904 ه و قلائد النحر لوحة: 188.

(4) في (س) جمعان خطا. و انظر الفضل المزيد: 121.

38

و فيها: قتل سعد بن مبارك‏ (1) بادجانة الكندي بالسّواحل بمدينة منبسة 30،

هو و جماعة من المهرة من بيت محمد و غيرهم، غدروا به فقتلوهم عن آخرهم إلا قليلا هربوا في المراكب.

و فيها: توفي الفقيه الصالح أبو بكر بن محمد بلحاج بافضل، و الولي الوفي الصالح عفيف الدين عبد اللّه بن عمر باهرمز فجاة بمكان يسمى يفل 31

بمثناه من تحت مكسورة وفاء مكسورة و لام ساكنة، من أعمال شبام حضرموت، و الولي الصالح المعلم عبد الرحمن بن أبي بكر باهرمز بشبام أيضا انتهى كلام المؤرخ‏ (2).

و من تاريخ سيدي السيد الشريف عبد القادر العيدروس‏ (3):

و فيها عشية يوم الأربعاء من شهر ربيع الأول: توفيت السيدة الصالحة اسماء بنت الفقيه العلّامة كمال الدين موسى الضّجاعي 32

بمدينة زبيد، و كانت عابدة صالحة قارئة القرآن، تقرأ التّفسير و كتب الحديث و تسمع النساء و تعظهن و تؤدّبهن، و كان لقولها وقع في القلوب، و ربما كتبت الشفاعات إلى السلاطين و القاضي و الأمير، فتقبل شفاعتها و لا ترد و صلى عليها بعد صلاة الصبح بمسجد الأشاعرة، و دفنت بجوار والدها صبح الخميس ثاني موتها رحمها اللّه تعالى، و لم يخلف بعدها مثلها في الدين و الصلاح في بنات جنسها.

و فيها (4): ليلة السبت السادس و العشرين من الشهر المذكور توفي الفقيه العلّامة الخطيب كمال الدين موسى بن عبد المنعم الضجاعي 33

بعد طول مرضه و دفن إلى جنب جده الفقيه الصالح علي بن قاسم الحكمي رحمهما اللّه تعالى.

____________

(1) في (س) امبارك.

(2) يعني به المؤرخ باسخلة و كتابه يعتبر في حكم المفقود.

(3) النور السافر: 38 و الفضل المزيد: 124.

(4) النور السافر: 39 الفضل المزيد: 124.

39

و فيها (1): ليلة الأربعاء سلخ الشهر المذكور توفي الفقيه العلّامة كمال الدين موسى بن أحمد الذّؤالي 34 (2)

المعروف بالمكشكش على قرب مدينة تعز، و قد خرج منها مريضا الى مدينة زبيد فرد إلى مدينة تعر فغسل و كفن و صلي عليه بها، ثم دفن بمقبرتها الأجيناد قريبا من قبر الفقيه نفيس الدين سليمان بن إبراهيم العلوي‏ (3) (رحمه اللّه).

و فيها (4): حصل برق عظيم أصاب رجلا يحرث على ثورين له خارج مدينة زبيد قريبا من تربة الفقيه أبي بكر الحداد بمجنة باب «القرتب» فأحرق الثورين بآلتهن و سلم الرجل بعد أن أصابه منه لفح كاد أن يهلك 35،

فسبحان القادر على كل شي‏ء.

____________

(1) النور السافر: 39 الفضل المزيد: 125.

(2) في الأصول و النور السافر الدّوالي بالدال المهملة خطا.

(3) من علماء الحديث باليمن وفاته سنة 825 (أنظر كتابنا مصادر الفكر الإسلامي في اليمن: 47).

(4) النور السافر: 39. الفضل المزيد: 129.

40

سنة خمس و تسعمائة 36

و فيها: توفي السلطان جعفر بن عبد اللّه بن علي الكثيري 37

فجأة ببلدة بور من أعمال حضرموت، و ولي بعدة ولده السلطان عبد اللّه بن جعفر، و كان عادلا منصفا أحّبته الرّعية و سار فيهم بسيرة جميلة مرضية، و وفق لمراضي اللّه (رحمه اللّه تعالى).

و فيها (1): أول شهر صفر أصبح ولد مخارش صاحب الجوف مقتولا في مخيم الشيخ عبد الوهاب برداع 38

و لم يعلم قاتله، فتعب الشيخ كثير فتفحص عن قاتله حتى بلغه أن قاتله من بني عبد، فجهز يغزوهم فلم علموا بذلك لجأوا إلى اليهودي الناقّض العهد الذي ببيحان، و كان مخالفا على الشيخ عامر ناف للإيمان، يطعن في الإسلام، و يركب الخيل بالسروج المعرقة (2) بالذهب و الفضة، و يتطاول على المسلمين، و تبعه خلق من اليهود خصوصا من تهّود منهم بعد إسلامه، فجهز الشيخ إلى بيحان قوما بعد قوم موهما أن لا غرض له سوى الصيد، فتقّدم الأمير علي بن محمد البعداني‏ (3) في جماعة الأمراء إرسالا إلى أن وصلوا بيحان من الربع الذي هو غير مسكون، و تبعهم الشيخ، فما زال يقطع البلاد حتى بلغ بيحان فدخلها، فلما علم به اليهودي تنحّى هو و أصحابه و من معه إلى ذلك‏

____________

(1) الفضل المزيد: 130 قلائد النحر 3: لوحة 188.

(2) قلائد النحر: المزوقة.

(3) في الأصول: البغدادي و أصلحناه من قلادة النحر.

41

المكان ألذي هو غير مسكون، فلقتهم العساكر الذي تقدمت إلى ذلك المكان، فاتصل‏ (1) الجمعان، و قبض على اليهودي الملعون و من معه من أولاده و قرابته و سائر آلاته، و قبض بنو عبد و لزم قاتل ابن مخارش و أسر اليهودي، ثم توجه الشيخ إلى بلد بني شريف و أخذ حصونها، و أدوا الطاعة ثم عاد إلى رداع.

و فيها: توفي الشيخ الولي الصالح جمال الدين محمد بن أبي شراحيل 39

(رحمه اللّه تعالى).

و من تاريخ سيدنا السيد عبد القادر العيدروس‏ (2):

و فيها: ظهرت‏ (3) على الشمس هالة عظيمة من ضحوة النهار إلى ما بين الظهر و العصر، ثم اضمحلت 40.

و فيها (4): طلع نجم من مشرق، [نجد] (5) نجم ذو ذؤابة 41

و كان طلوعه من برج الحمل و ذؤابته (*) في اليمن و سيره في الشام، فسبحان القادر على ما يشاء.

و منه‏ (6) فيها: أنقض نجم عظيم من المشرق في المغرب، و أضاءت له الدنيا 42،

و وقف ساعة ثم أضاءت السّماء فأضاء المكان الذي أصابه منها إضاءة عظيمة، ثم سقط في جهة المغرب، و بقي ساعة ظاهرا في الموضع الذي أصابه ساعة طويلة ثم اضمحل، و اللّه الفعال لما يريد.

و منه‏ (7)، و فيها: دفع وادي [زبيد] (8) بسيل عظيم لم يعهد مثله،

____________

(1) قلائد النحر: انضم.

(2) النور السافر: 39 الفضل المزيد: 132.

(3) في (س): طوت.

(4) النور السافر: 40 الفضل المزيد: 135.

(5) زيادة من النور السافر. (*) الفضل المزيد: شعاعه.

(6) النور السافر: 40 الفضل المزيد: 136.

(7) النور السافر: 40 الفضل المزيد: 140.

(8) ساقط من الأصول.

42

و سال بخلق و دواب و أخرب قرية مزارع (1) و جاء بشي‏ء من هدم البيوت لا يعلم من أين هو، فسبحان العليم الحكيم، و منه،

و فيها (2): وقع مطر بمدينة زبيد و ما [حواليها] 43

(3) و كان جمع من الرعاة في البادية خارج باب الشبارق فلما وقع عليهم المطر الكبير لجأوا إلى العقد (4) الذي هو غربي دار الطويلع قبالة بستان حائط لبيق و اكتّنوا عندهم جماعة من الناس الذين كانوا بالحائط و غيرهم فبينما هم كذلك، إذ رأوا الغنم تجول بعضها في بعض و تتساقط ميتة حتى سقط منها نحو ستة رؤوس، ثم سكنت بعد ذلك، و نظروا فإذا ثعبان عظيم تحت أرجلها ميتا و قد وطأته إحداهن بظلفها في رأسه فقتلته و دفع اللّه شره.

و منه (5)

و فيها ضحى يوم الاثنين الثالث عشر من شهر شوال: توفي الشيخ الصالح جمال الدين محمد المعروف بن إسمعيل [الجبرتي‏] 44

(6) الصّوفي و صلّى عليه بعد صلاة العصر بمسجد الأشاعرة، و دفن في قبر والده داخل قبة الشيخ الكبير إسمعيل بن إبراهيم الجبرتي، و كان له مشهد عظيم لم تر العيون مثله، و كثر الأسف عليه، (رحمه اللّه تعالى) و نفع به آمين.

43

سنة ست و تسعمائة 45

فيها (1): ليلة الاثنين الثامن و العشرون من المحرم، توفي قاضي الشريعة بزبيد الإمام العلامة جمال الدين محمد بن عبد السلام الناشري 46

(رحمه اللّه تعالى) و صلّي عليه بعد صلاة الصبح بجامع زبيد، و كان له مشهد عظيم لم تر العيون مثله و كان المذكور من عباد اللّه الصالحين و العلماء العاملين، و هو خاتمة القضاة الناشريين بزبيد (رحمه اللّه تعالى).

و فيها (2) يوم الخميس خامس عشر جمادى الأولى: توفي شيخ الإسلام كمال الدين محمد بن محمد بن أبي بكر بن علي بن مسعود بن رضوان بن أبي شريف المرى بالمهملة القدسي الشافعي، و كان مولده في يوم السبت خامس ذي الحجة سنة [اثنتين‏] (3) و عشرين و ثمانمائة، أخذ العلم عن جماعة منهم شيخ الإسلام ابن حجر، و العلّامة ابن الهائم و من في طبقتهم، و من محفوظاته الشاطبية، و المنهاج الفرعي، و ألفية الحديث، و مختصر ابن الحاجب في النحو، و عرض هذه الكتب على الشيخ ابن حجر فأجازه، وجّود القرآن العظيم بعد حفظه، و أخذ عن بعضهم علم الحديث و الأصول و العروض و القافية و المنطق و غيرها من العلوم، و تفقه بابن‏

____________

(1) النور السافر: 41. الفضل المزيد: 141.

(2) النور السافر: 41. و انظر ترجمته في شذرات الذهب 8: 29 و الأعلام 7: 53.

(3) ساقط من الأصول و أضفناه من أصله: النور السافر.

44

شرف‏ (1) ترجم له البقاعي، و وصفه بالذهن الثّاقب و الحافظة الضابطة و القريحة الوقادة و الفكر القويم و النظر المستقيم، و سرعة الفهم و كمال المروءة مع عقل وافر و أدب ظاهر، قال السّخاوي‏ (2): و درس و أفتى و حدث و نظم، و ذكر من تصانيفه حاشية على شرح جمع الجوامع للمحلي، و أخرى على تفسير البيضاوي، و شرحا على الإرشاد لابن المقري و فصول ابن الهائم، و مختصر الشفاء، و غير ذلك، و بالجملة فهو علامة متين التّحقيق حسن التفكير في التأمل، و كتابه أمتن من تقريره و رويّته أحسن من بديهته، مع صيانة و ديانة و قلة كلام و عدم ذكر للّناس، و عاش بعد السخاوي أربع سنين، ذكره مؤرخ دمشق، و ذكر بعض أوصافه الحسنة باختصار، و قال: إنه خلف دنيا طائلة (رحمه اللّه).

و فيها (3) في أول المحرم منها: دخل الظّافر مدينة عدن و هي آخر دخلة دخلها 47،

و لم يدخلها بعد ذلك فيما أظن، و أرسل طوائف من جنده مقدمهم الشريف [عبد اللّه‏] (4) بن علي بن سفيان إلى أهل دثينة، فأسر منهم نحو مائة فيهم كبيرهم جواس و قتل سبعة، و ضيق على أهل دثينة و أدوا الطاعة، و أرسل بالأسرى و القتلى إلى السلطان بعدن، و قدم التجار و النواخيد (5) إلى السلطان الهدايا النفيسة على عادة البلد فأثابهم عليه و أجازهم الجوائز السنية و جهز الموسم، و تصّدق بصدقة جليلة عمت أهل البلد، ثم خرج إلى الحج فأقام أياما فبلغه و هو بالحج خبر موت قاضي زبيد محمد بن عبد السّلام الناشري، فاستدعى الشيخ الإمام العلامة أحمد بن عمر المزجد من عدن، و ولاه قضاء زبيد و استدعى القاضي عبد

____________

(1) الأصل ابن أبي شريف خطا.

(2) السخاوي: الضوء اللامع 9: 64.

(3) قلائد النحر 3: لوحة 189.

(4) ساقط من الأصل و أضفنا من قلائد النحر.

(5) النواخيذ: جمع ناخوذاه و هو مالك السفينة أو المسؤول عنها و اللفظة من الفارسية «الشهداء السبعة: 124».

45

العليم بن محمد القماط من تعز و جعله قاضيا بعدن، و فصل القاضي حسين بن العلامة أحمد بن عمر المزجد من قضاء لحج، و جعله قاضيا بتعز، و ولى قضاء لحج الفقيه شهاب الدين أحمد بن عبد اللّه باحسين الدوعني، ثم عزم إلى بلدة المقرانة فدخلها أول صفر (1).

و فيها (2) بشهر رجب منها: وقع بزبيد مرض عام و مات منه خلائق لا يحصون و اشتد ذلك في شعبان و رمضان، و كان يموت بزبيد كل يوم نحو ستين و أكثر 48.

و في‏ (3) نصف شعبان: أخذ الظافر حصن دثينة و سائر ما هنالك قهرا بعد أن حطّ عليهم بنفسه ثلاثة أشهر و رماهم بالمنجنيقات و ضيق عليهم أشد الضّيق 49

و طلبوا الذمة و بذلوا ما يريد، فقبل منهم و ارتفع إلى بلدة المقرانة و انحسم بذلك مادة الخلاف.

و فيها (4): قدم قاصد صاحب مصر السلطان جنبلاط (5) بهدية عظيمة إلى السّلطان عامر بن عبد الوهاب 50،

من جملتها فانوس بلور قدر قامة الإنسان و صندوقان من بلور و سيوف عظيمة و أشياء نفيسة، و يقال: أنه رأى في [منامه‏] (6) منامات صالحة للسلطان المذكور فكتب إليه بذلك.

و فيها (7) بسحر ليلة الثلاثاء من رمضان توفي الشيخ أبو بكر [بن عبد 51

____________

(1) قلائد النحر: آخر صفر.

(2) قلائد النحر لوحة: 189.

(3) قلائد النحر لوحة: 189.

(4) النور السافر: 42 الفضل المزيد 146.

(5) هو الملك الأشرف جنبلاط يشبك الأشرفي، أبو النصر من ملوك الجراكسة المماليك، تولى الحكم سنة 905 ثم خلع سنة 906 (شذور الذهب 8: 38 و الكواكب السائرة 1: 171 و الأعلام للزركلي 2: 95).

(6) ساقط من الأصل.

(7) النور السافر: 42 الفضل المزيد: 146.

46

اللّه‏] (1): المزجاجي و دفن ضحى يومها (رحمه اللّه).

و فيها (2) ضحى يوم الخميس: توفي الشيخ الصالح وجيه الدين عبد الرحمن بن محيي الدين‏ (3) الجبرتي 52،

و دفن بعد عصر ذلك اليوم (رحمه اللّه تعالى).

و فيها (4) بشوال عيد الفطر: ولي السلطنة الملك الأشرف قانصوه الغوري صاحب مصر و الشام بعد موت محمد بن قايتباي 53،

و هو مملوكهم.

و ذلك لما توفي قايتباي‏ (5) ملك محمد ولده بعده أياما يسيرة ثم مات، ثم تولّى بعده مملوكه قانصوه الغوري، فجهز لحرب الأفرنج تجريدة عظيمة أميرها حسين كردي، و دخل الهند وقف بالديو (6) و متوليها السّلطان محمود، و بالديو من جهته مملوكه الطواشي المسمى ملك الياس رومي اشتراه من بعض التّجار، و كان فيه نجابة عظيمة، و التّجهيز كان في سنة ثلاث عشرة، و تقابل مع الافرنج و اهتزم و رجع إلى بر العرب، قلت: هذا عند أول ظهور الافرنج لعنهم اللّه تعالى في البحر يتخطفون، قال المؤرخ:

أوّل ما ظهر الأفرنج بجزيرة كلوة بكسر الكاف و سكون الّلام و فتح الواو و سكون الهاء جزيرة كبيرة من أرض السواحل على سبيل التجارة، ثم رجعوا إلى أرضهم، و أتوا مرة ثانية بهدايا و مساطير غريبة و كلام منتظم إلى صاحب كلوة، ثم خرج منها إلى السّاحل، ثم إلى بلاد الهند، و أول ظهوره بأرض الهند بقالي قوط (7) و منيبارات وجوه على رأس التسعمائة و هو أول‏

____________

(1) ساقط من الأصل و النور السافر. و أضفناه من الفضل المزيد: 147.

(2) النور السافر: 42 و الفضل المزيد: 148.

(3) في الأصل: محمد و أصلحناه من أصوله.

(4) قلائد النحر 3: 189 «أول الخبر». و انظر ابن إياس: بدائع الزهور 4: 1.

(5) في الأصل قساي.

(6) يرد ذكره هذه البلدة بالدير بالراء المهملة. و الإصلاح من عندنا، و هي جزيرة هندية في بحر عمان جنوبي شبه جزيرة كاتياواز (المنجد في الإعلام: 296).

(7) قلت: هي المعروفة بكلكوتة قال في معجم الأمكنة لمعين الدين الندوي: هي قصبة-

47

القرن العاشر، و كذلك أول ظهوره بجهة بر العرب خذله اللّه تعالى أنه توه‏ (1) بحصن غراب قريبا من الشحر أو سنة ثمان أو تسع في القرن العاشر انتهى.

و فيها (2) نصف من شعبان‏ (3): كانت وقعة الشّريف هزاع مع أخيه بركات ابن محمد بالحجاز 54

انكسر فيها بركات، و هزم هزيمة شنيعة، و ذلك أن الشريف هزاع بن محمد بن بركات بن حسن بن عجلان، كان مظهر التعب من أبيه بسبب تقدمة أخيه بركات عليه، و ظهر منه في حياة أبيه سوء، فلما توفي والده و أسند الأمر إلى بركات، و جعل لهزاع إقطاعات معلومة قبلها في الظاهر و هو غير راض في الباطن، منتهزا للفرصة ملازما لأخيه بركات في الظاهر، فلما تولى الملك العادل طرنباي مصر بعد الملك الأشرف، طرد أمير الأمراء يقال له قانصوه المحمدي، و يعرف أيضا بالبرج و نفاه إلى الحجاز مهانا ذليلا، فلما وصل مكة لم يلتفت له أحد من أكابرها لا بركات و لا القاضي أبو السعود بن ظهيرة مراعاة للسلطان طرنباي، و كان هزاع يواصله و يهاديه و يكثر التردد إليه، فلما فقد (4) طرنباي من مصر، و ولي بعده الأشرف قانصوه الغوري ليلة الفطر كما سبق، كتب لقانصوه البرج إلى مكة، و جعله نائبه بها، فلما وصلت الكتب بذلك جاءه الشّريف بركات و القاضي أبو السعود للسّلام عليه و التهنئة فلم يأذن لهما لما في قلبه منهما في عدم الاحتفال به قبل ذلك، و وعد هزاع أن يجعل له ولاية مكة و يخلع أخاه بركات منها، فأمره بالخروج إلى (ينبع)، و أرسل لأمير الحاج المصري أن يواجه هزاع، و يطلق المراسيم السلطانية عليه و يلبسه الخلعة السلطانية ففعل ذلك، فألبس هزاع الخلعة التي جي‏ء بها لبركات، و ألبس‏

____________

مدبرية مليبار في ولاية مدراس.

(1) توه: ذهب بعيدا عن بلده و هي من عبارات البحارة «انظر الشهداء السبعة: 124».

(2) قلائد النحر 3: 189. و الفضل المزيد: 149. و انظر خلاصة الكلام: 49.

(3) قلائد النحر: آخر ذي القعدة.

(4) الأصل «بعد» و أثبتناه من قلائد النحر.

48

أخاه الجازاني الخلعة التي كان يلبسها قيتباي أخو بركات، و توجه هزاع مع الركب المصري إلى مكة من ينبع، و معه الأشراف بنو إبراهيم في نحو مائة فارس، و معه زبيد أخوال الجازاني، فلما علم بركات بذلك خرج في عسكره إلى وادي مر، و التقى الجمعان هناك الشريفان بمن معهما، و كف الركب المصري نفسه و عسكره عن مساعدة أحدهما، فانكسر هزاع مرات، و قتل من أصحابه نحو الثلاثين، فعبث أصحاب بركات بالركب المصري، و نهبوا أطرافه، فحمل الرّكب مع هزاع حملة رجل واحد، و هزم بركات و قتل ولده إبراهيم أبو القاسم في جماعة من العسكر، و استولوا على محطة بركات بما فيها من الأموال و النّساء و انتهبت حرمه، و عزم بركات إلى جدة فنهبها، و دخل هزاع مكة متولّيا صحبة الركب المصري و اضطربت أحوال الناس، و كثر الخوف و النّهب في الطرقات، و رجع حجاج البحر من الطريق، و كان فيهم من قد أحرم، فرجع قبل التّحلل و ارتكبوا محظورات الإحرام جهلا فلا حول و لا قوة إلّا باللّه، و كان الحج ضعيفا و لم يحج هّزاع، و حج بركات، فلما انقضى الحج عرف هزاع أن لا طاقة له بمقاومة أخيه بركات، و تخوف منه الهجوم بمكة عليه، فخرج صحبة الرّكب الشامي إلى ينبع، و تبعه بركات فحماه الركب الشامي منه، فرجع بركات إلى مكة و استقر بها و أمنت الناس و الطرقات، و في جمادى الأولى جمع هزاع جيشا غالبهم من بني إبراهيم أشراف عسكره فالتقيا بموضع يقال له طرف البرقا، فانكسر الشريف بركات كسرة شنيعة و قتل أخوه أبو وهيج‏ (1) و من الأشراف بنو نمي نحو سبعة نفر و انهزم بركات حتى بلغ سبخة الغراب من ناحية اليمن، و وصل هزاع إلى ظاهر جدة، و نادى بالأمان للناس، و قرر أحوالهم، و أرسل أخاه الجازاني إلى مكة ليقرر أحوال أهلها، ثم خشي بادرته فتبعه إلى مكة في عساكره، و كان العرب و الأشراف الذين مع هزاع شرطوا عليه نهب مكة ان ظفروا بها ثلاثة أيام، فلما ظفر بها لم يسهل عليه‏

____________

(1) قلائد النحر: دعلج.

49

نهبها، فصالحهم عن النهب على مال جزيل نحو سبعة آلاف أشرفي‏ (1) فرضوا بذلك، فأخذ ذلك من تجار مكة بطيبة خواطرهم ليسلموا من النّهب و دفعها إلى من معه، و وصلت المراسيم و الخلع من مصر، و كان الشريف هزاع رجلا حازما سهلا له تدبير و رأي و شفقة تامة على الرعية، و هيبة في صدور الجند، و هم الذين أقاموه و آزروه، و مع ذلك فلم يكن لأحد منهم كلمة، و كان في نفسه من القاضي أبي السعود و تجامله في الظاهر، و مع ذلك فلم يأمن منه القاضي حتى استجار منه بأخيه الجازاني فأجاره.

____________

(1) الأشرفي: عمله ذهبية تسمى أيضا شربفي، و كان الأوربيون يسمونه «السلطاني» و كان وزنه 53 حبة (أي درهم و قيراط) (انظر ليلى الصباغ: من أعلام الفكر العربي:

226). و (الشهداء السبعة: 124).

50

سنة سبع و تسعمائة 55

فيها (1): توفي الشريف هزاع بن محمد بن بركات 56

و لم تطل ولايته لأنه دخل مكة و هو مريض و لم يزل المرض مستمرا به إلى خامس عشر رجب من السنة المذكورة و توفي (رحمه اللّه) بمكة، و تولى بعده أخوه الجازاني بمساعدة القاضي أبو السعود و تدبيره، و كان ذلك سبب تدميره.

و فيها: توفي الولي الصالح الفقيه عمر بن ربيعة (رحمه اللّه) 57،

و قيل في السنة التي بعدها و اللّه أعلم.

و فيها: بشهر جمادى الآخرة بعد العشاء عاشر الشهر ولد الفقيه عبد اللّه بن عمر بامخرمة نقلت ذلك من خطه 58.

و فيها (2): كانت حكاية القاضي أبو السعود قاضي مكة و ابن قاضيها إبراهيم بن ظهيرة الشافعي (رحمه اللّه تعالى) و سبب تغريقه في البحر 59،

و ذلك انه ولي القضاء بعد أبيه و كانت له حرمة و جاه عند الشّريف محمد بن بركات ثم مع ولده بركات بن محمد بحيث إن أوامره بالحجاز أنفذ من أوامرهما رغبة منهما في ذلك و اختيارا لا عن كراهة و اجبار، فلما وقعت الفتنة بين بركات و أخيه هزاع بوادي‏ (3) مر و انكسر فيها بركات كما سبق في‏

____________

(1) قلائد النحر 3 لوحة 189.

(2) قلائد النحر 3 لوحة: 184.

(3) وادي مر: هو مر الظهران موضع على مرحلة من مكة (ياقوت 5: 104).

51

السّنة التي قبلها، خيّل للقاضي إن أيام بركات انقضت و اندرست، و قد إلتجأ إلى الجازاني كما سبق، فخفره من هزاع و حماه منه، فلما أمن من غائلة هزاع أرسل الشريف بركات إلى القاضي يريد منه المساعدة فاعتذر عليه القاضي، فوقع في نفس الشريف بركات منه، فلما توفي هزاع شمر القاضي أبو السعود همته في تولية الجازاني على مكة و أعمالها و كتب بذلك إلى المصريين، و رجح لهم أنه أصلح للحجاز من بركات: و أن بركات ما هو إلا راعي معزا (1)، فتمّ للقاضي ما أراد و وصلت المراسيم و الخلع من مصر للجازاني، فجمع الشريف بركات جندا عظيما من اليمن و الشرق و غير ذلك، و قصد أخاه الجازاني إلى مكة، و علم الجازاني أنه لا طاقة له به فخرج من مكة إلى ينبع و دخلها الشريف بركات بعساكره، و كان يجامل القاضي في الظّاهر كثيرا و يحترز منه و يراعيه و يستشيره، و كان يحذر من هجوم أخيه الجازاني و بني إبراهيم عليه، و لم يزل يحتفظ بالعسكر بمكة، فيقال أن القاضي أشار عليه بأنك أمنت من خصمك و لا حاجة إلى جمع الجند فقد تأذى أهل مكة من انبساطهم و فسادهم، و هذا شهر رمضان مقبل لا يحتمل ذلك فالمصلحة انك تفسح لكل ينصرف الى اهله و بلده فأصغى الشريف بركات إلى مشورته و فرق الجند، و لم يبق معه إلّا خاصته و من يلوذ به، فيقال: إن القاضي كتب إلى الجازاني: أن بركات قد فّرق جنده، و لم يبق أحد عنده فلا يكون أسرع من وصولك إلى مكة على غرة و غفلة لتقبض عليه، و أرسل مكتبا بالورقة، فشاع بمكة إن القاضي أرسل قاصدا إلى ينبع، فأرصد الشريف بركات الطرق لقاصد القاضي فظفروا به و فتّشوه فوجدوا معه الورقة، فأتوا به و بالورقة إلى الشريف بركات فلما وقف على خط القاضي تحقّق أن القاضي ساع في هلاكه، و لم يعلم القاضي بذلك، و يقال إن الورقة مكيدة زورت على خط القاضي توصلا إلى هلاكه و اللّه أعلم بحقيقة الأمر، فلما فرغ القاضي من التدريس بالحرم الشريف بعد

____________

(1) كذا في الأصل و في قلائد النحر: ما هو إلا مغزى.

52

طلوع الشمس، و طاف بالبيت أسبوعا (1) على جاري عادته، أتاه رسول الشريف بركات مستدعيه، فخرج من الحرم إلى دار الشريف قبل أن يصل بيته فدخل و أراد النهوض، فرمى إليه الشريف بالورقة، و قال: كنا نسمع و لم نصدق حتى شاهدنا خطك فيقال: أنه أنكر أن يكون ذلك خطه، و أراد أن يقطعها فأجتذبها الشريف منه، و لطمه الشريف قايتباي لطمة فاحشة حتى أسقط عمامته من رأسه، و أراد هسفه‏ (2) و ضربه فمنعه الشريف بركات من ذلك، ثم أمر به فنقل إلى مجلس آخر و جعل عليه الرّسم، و أرسل في الحال من أحتاط على بيوته فأخرج أولاد القاضي و حرمه من البيت مجّردين ليس معهم سوى ثياب أبدانهم و سمّروا على بيوت القاضي و أملاكه و حواصله جميعها، ثم جمع الفقهاء و أعيان البلاد و أوقفهم على الورقة فقرروا إنها خط القاضي، فكتب محضرا بما اتفق من القاضي، و أخذ عليه خطوط الحاضرين من القضاة و الفقهاء و الأعيان ثم أخذ في مصادرة القاضي و تعذيبه و رسم على كبار عياله كالقاضي صلاح الدين و غيره، ثم سعي بين الشريف و القاضي على أن يبذل القاضي مبلغا جزيلا من المال، و على أن يخرج ولده صلاح الدين يبيع أملاكه و كتبه، و يحصل المبلغ المشروط، فأطلق القاضي صلاح الدين، فباع كتب والده و ملابسه و ذخائره و مصاغه و آلالاته حتى سلّم المبلغ، و بعد ذلك أرسل الشريف بالقاضي إلى جده ثم من جدة إلى جزيرة القنفذة، ثم أتبعه بعياله إلى الجزيرة، فتم بها فلما قرب المركب المصري من وصول مكة، و علم الشريف أنهم ساعين في خلاص القاضي، أرسل بريدا إلى حاكم القنفذة بأنه يغرق القاضي حال أن يصله الكتاب فأركبه في سنبوق و يوهمه‏ (3) أنه سيردّه إلى جدة، فلما توسط به في البحر غرقه فيه، و ذلك من أوائل شهر الحجة في السّنة

____________

(1) كذا لعل صوابه سبعا.

(2) الهسف: التعنيف الشديد و هي من كلام أهل اليمن في ذلك الوقت و لا تزال إلى الآن.

(3) قلائد النحر: و موهما لأنه سائر به.

53

المذكورة، و منذ لزم القاضي إلى أن غرق أعرض عن كل شغل، و اشتغل بتلاوة كتاب اللّه عز و جل لا يفترّ عنها ليلا و لا نهارا، هكذا بلغني، فختم اللّه له بالشّهادة من وجوه: فإنه مات غريبا غريقا مظلوما، و كان (رحمه اللّه) كثير المواصلة، و المراعات للواردين بمكة من الفضلاء و العلماء الأبرار (1) و الأمراء، و غيرهم من ذوي الأقدار (رحمه اللّه) و تجاوز عنا و عنه آمين.

____________

(1) ساقط من القلائد.

54

سنة ثمان و تسعمائة 60

فيها لأربع خلت من شهر ربيع الثاني: توفي الشيخ الإمام العلامة الورع الولي الزاهد بقية السلف عمدة الخلف القاضي الفقيه عفيف الدين عبد اللّه بن محمد بن حسن بن أحمد بن عبسين‏ (1) الشافعي 61

بالشحر و دفن بتربة الشيخ فضل بن عبد اللّه بافضل، و حزن الناس لفقده و تأسّفوا عليه كثيرا، نشأ من صغره في العبادة و الطاعة، و ظهرت عليه من حينئذ لوائح السعادة، و اشتغل بالعلم فبرع و سلك طريق التدقيق فيه، فلحق من قبله وفات من بعده، و تصدر في الشحر للفتوى و التّدريس و تخرج به الطلبة و انتفعوا به كثيرا، و كان سيدا شريف النفس كريما سخيا مفضالا وصولا للطّلبة كثير الإحسان إليهم، و كان يجتهد في جمعهم و ترغيبهم للّطلب و يسعى لهم في الرزق باذلا لهم حسن التعليم لين الجانب في غاية التّواضع، و كان متقشفا في ملبسه طارحا للتكلف آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، ينكر على الملوك و الأمراء فمن دونهم، ساعيا في قضاء حوائج المسلمين، و لا يتأخر بردّ من رده، و لا يكون ذلك منفرا له من العود إلى الشفاعة مرة أخرى، و من فضائله المشهورة و مناقبه المذكورة، سعيه في إخراج وقف الجامع الذي على التّدريس و الدّرسة و غيرهم من يد الدّولة بعد أن استولوا عليه مدة، و كاد أن ينطمس و يندرس، و من ذلك إنه كان‏

____________

(1) النور السافر: 43 في حوادث سنة 907 و السناء الباهر: 62 و النفحات المسكية: 59 (خ).