تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة

- سرحان بن سعيد الأزكوي المزيد...
162 /
3

مقدمة المحقق بقلم: عبد المجيد القيسي‏

يعد هذا الكتاب أول تاريخ جامع واف، كتبه عن تاريخ عمان أحد أبنائها البررة و قد ظل منذ قرنين من الزمان المصدر الأول و الأهم- إن لم يكن الأوحد- الذي عنه نقل الاخرون و منه نهلوا، فهو يعطي للقارئ العجلان صورة شاملة وافية عن تاريخ القوم بأمجاده و ماسيه و هو يتيح للباحث المتعمق مادة أصلية لمزيد من الدرس و الاستقصاء.

فالكتاب ظاهره كتاب تاريخ، و هو يشمل تاريخ العرب منذ أيام الجاهلية حتى أواسط العصر العباسي ثم يعرج على تاريخ عمان فيخصص له فصولا من الكتاب، و بهذا فهو يعتبر المصدر الرئيسي إن لم يكن الأول للتاريخ العماني و عنه نقل من جاء بعده من المؤرخين، لكن الغرض الأهم الذي قصد إليه الكتاب هو البحث في نشوء العقائد الدينية، و هو يعرضها من وجهة نظر خاصة لفرقة إسلامية كريمة ينتظم فيها أغلب أهل عمان و بعض من أهل المغرب و شمال أفريقيا و هي الفرقة الأباضية، و الواقع أن المؤلف أراد من وضع هذا الكتاب الدعوة إلى عقيدته الأباضية أو دفع الشبهات عنها و ليس أدل على هذا من قوله في المقدمة" و صنفت هذا الكتاب ... و جعلت ظاهره في القصص و الأخبار و باطنه في المذهب المختار ... عسى إنهم لأصول المذهب يعرفون و لأهل الحق بالحق يعترفون".

و تقتضينا أمانة البحث أن نسارع إلى القول إن ما ننشره اليوم هو الجزء الخاص بتاريخ عمان من هذا الكتاب فقط، و لهذا اسميناه" المقتبس من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة" و هو و إن يكن جزءا صغيرا منه إلا أنه من‏

4

الوجهة التاريخية الصرفة أهم ما في الكتاب و لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن هذا الجزء هو السبب في شهرة الكتاب و ذيوع اسمه في عصرنا الحالي.

و إنما اخترنا هذا القسم و أسرعنا إلى نشره لشدة الحاجة إليه مصدرا مطبوعا بين أيدي الباحثين و المؤرخين، راجين أن نكون في عملنا قد يسّرنا بعض سبل البحث و قربنا بعيدها و سهّلنا عسيرها، على أننا لن نكتفي من الأمر بهذا القدر فقط و إنما سنسعى إلى إكمال تحقيق بقية أجزاء الكتاب و نشرها في مستقبل قريب نرجو ألا يطول انتظار القراء له. و مع هذا و في سبيل إعطاء فكرة عامة عن منهج الكتاب و محتوياته فقد اثرنا أن ننشر مقدمته و فهرست مواضيعه كما وضعها المؤلف نفسه.

و يبدو أن هناك نسخا كثيرة من مخطوطة هذا الكتاب في مكتبات العالم، فهناك نسخ منها في مكتبة المتحف البريطاني و أخرى في المكتبة الوطنية في باريس و أخرى في المكتبة الظاهرية في دمشق و أخريات في كل من القاهرة و تونس و ميلانو و برلين و الدمام.

لكن هذه النسخ على وفرتها لم تزدنا علما بمؤلف هذا الكتاب فجميعها خلو من اسمه إلا واحدة قيل إنها نسخة الدمام حملت اسما هو سرحان بن سعيد الأزكوي، و لكن ورود هذا الاسم لم يحسم النزاع بين الباحثين حول صحة نسبة هذا الكتاب إلى المؤلف المذكور خاصة و أن مصادر الأخبار العمانية لا تذكر هذا الاسم و لا تشير إليه.

و مما يجدر ذكره في هذا الصدد أن هناك كتابين اخرين في تاريخ عمان يكادان أن يكونا صورة طبق الأصل من هذا الجزء الذي ننشره اليوم من كتاب" كشف الغمة" و الكتاب الأول هو كتاب" قصص و أخبار جرت في عمان" من تأليف أبي سليمان محمد بن عامر بن راشد المعولي، و الكتاب الثاني هو" تاريخ‏

5

عمان" لمؤلف مجهول، و كل الفرق بين هذه الكتب الثلاثة هو أن" كشف الغمة" يقف في أخباره عند العام 1140 ه/ 1728 م في حين يمضي كتاب القصص و الأخبار إلى أبعد من هذا قليلا فيصل إلى عام 1159 ه/ 1746 م و يستمر تاريخ المؤلف المجهول إلى أبعد من ذلك فيصل بأخباره حتى نهاية القرن الثامن عشر و إلى أيام السيد سلطان ابن الإمام أحمد بن سعيد أي إلى حوالي عام 1215 ه/ 1800 م.

و المعولي مؤلف كتاب" قصص و أخبار" رجل معروف أرّخ له المؤرخون العمانيون و ذكروا أنه كان عالما و شاعرا و مؤرخا و فقيها و عددوا له بعض المؤلفات في حين أن سرحان بن سعيد الأزكوي، الذي ينسب إليه كتاب الكشف شخص مجهول لم يرد له- كما قلنا من قبل- ذكر في الأخبار و لهذا فلا نرى من المعقول أن يسطو شخص له مقام المعولي على كتاب لغيره ثم ينسبه إلى نفسه و في استطاعته أن يكتب مثله و أحسن منه، و لعل هذا أن يوحي لنا بأن المعولي نفسه هو مؤلف كشف الغمة. و الله أعلم.

و قد تهيأت الشهرة لهذا الكتاب بسبب ترجمة القسم العماني منه إلى اللغة الإنجليزية و نشره فيها. و قد قام بهذه الترجمة المستر: إي سي. روس‏E .C .Ross و كان معتمدا بريطانيا في مسقط، فعثر في مكتبة سلاطين الالبو سعيد على نسخة من هذا الكتاب فترجم القسم العماني منه إلى اللغة الإنجليزية و نشره في مجلة الجمعية الاسيوية في البنغال عام 1874 بعنوان" أخبار عمان من أقدم العصور حتى عام 1728""Annals of Oman from old days until " 1728 و كان هذا ثاني كتاب يصدر في الإنجليزية عن عمان و كان الأول كتاب الفتح المبين للمؤرخ العماني إبن زريق و الذي ترجمه إلى الإنجليزية المستر بادجرBadger و نشره بعنوان‏Sayyids And Imams in Oman .

6

و قد قامت باحثة ألمانية تدعى هيدويج كلاين في عام 1938 بتحقيق الفصل الرابع من كتاب كشف الغمة (و هو الفصل الأول من كتابنا هذا) و جعلته رسالتها للدكتوراه، و قد اعتمدت الباحثة كلاين على نسخة خاصة كانت في برلين و لم يعد لها أثر الان.

أما كتابنا هذا فيقتصر من كتاب كشف الغمة على أبواب ستة هي الباب 4 و 33 و 35 و 36 و 37 و 38 و هي الأبواب المخصصة لتاريخ عمان في الكتاب.

و قد اعتمدنا في التحقيق على نسخة المكتبة الظاهرية في دمشق (برقم ت 347) و تاريخ تمام نسخها عام 1312 ه/ 1897 م و قابلناها على نسخة مكتبة المتحف البريطاني (برقم 8076) و تاريخ تمامها عام 1290 ه/ 1874 م.

و مخطوطة دمشق- و لعلها هي نفسها نسخة باريس- كتبت بخط جميل منسق واضح و العناية بها ظاهرة واضحة، أما نسخة المتحف البريطاني فذات خط ردي‏ء و إملاء سقيم و قد غلب عليها إغفال تنقيط الحروف و كثر فيها السهو و سقوط الكلمات و الأسطر بل و في بعض الأحيان صفحات كاملات، و بالإجمال، فهي لوحدها لا تصلح أساسا للبحث و الدرس.

و قد عدنا فطابقنا التحقيق ثانية و ثالثة على مخطوطتي المعولي و التاريخ المجهول محاولين الإقتراب بها نحو الدقة و الكمال قدر الإمكان. دون أن نثقل على القارئ بكثرة الهوامش و التعليقات.

و لأجل أن يتكون من هذا الفصول كتاب مستقل قائم بذاته يسهل الرجوع إليه فقد عمدنا إلى تقسيم الكتاب إلى أجزاء قصيرة متعددة و وضعنا لها عناوين خاصة، ثم أضفنا إلى الكتاب فهرسا للأعلام.

7

كما رأينا إتماما للفائدة أن نمضي بالقصة إلى أبعد مما وقف عنده مؤلف كشف الغمة فأضفنا إلى الكتاب ملحقا هو في الواقع الفصل الأخير من كتاب التاريخ المجهول و بهذا وصلنا بالقصة إلى بداية القرن التاسع عشر.

و نكتفي بهذا القدر من الكلام عن الكتاب و تاريخه على أن نعود إلى تفصيل ذلك عند نشر الكتاب كاملا في مستقبل قريب إن شاء الله كما وعدنا بذلك من قبل.

و بعد فنرجو أن نكون قد أسهمنا في جهدنا هذا في أداء قسط جليل من واجبنا في خدمة تاريخ هذه المنطقة كما سبق لنا أن أسهمنا في خدمة حاضرها. فإن يكن الله تعالى قد يسر لنا ذلك و وفقنا إليه فهي نعمة سابغة لا نملك تجاهها إلا الحمد و الشكران للمولى المنان منه.

هذا و لله وحده الكمال و منه تعالى الهداية و التوفيق.

عبد المجيد حسيب القيسي‏

8

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدمة المؤلف‏

الحمد لله الذي رفع السموات بغير عمد و بناها، و سطّح الأرض على وجه الماء و دحاها، و جعل لها الجبال أوتادا فأرساها، و خلق آدم (عليه السلام) من طين و جعل نسله من سلالة من ماء مهين، و أخرج ذريته أطوارا متتابعين، فأمرهم ليمتثلوا أوامره طائعين، و نهاهم ليزدجروا عن نهيه خائفين، فكان أكثرهم لأمره تاركين، و لم يكونوا لنهيه مجانبين، فأرسل إليهم الأنبياء و المرسلين فبينوا لهم الحق المبين، و أوضحوا لهم السبيل المستبين و اتوهم بالحجج القاهرة و البراهين، فمنهم من أطاع و اهتدى و منهم من ضل و غوى‏" لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى" (1) و الصلاة و السلام على نبينا الأمين محمد خاتم الأنبياء و المرسلين و على آله الطيبين الطاهرين و بعد:

قد دعتنى الهمة إلى جمع هذا الكتاب و تأليفه و تخليص معانيه و تصنيفه فلبيتها أهلا و سهلا، و إن لم أكن أنا للتأليف أهلا، و ذلك لما رأيت أكثر أهل زماننا قد غفلوا عن أصل مذهبهم الشريف، و أقبلوا على أئمة مذهبهم بالتعنيف و التعسيف، و مالوا إلى حب السادات ذوي التشريف، قد رغبت أنفسهم عن قراءة الكتب التي خلفها السلف ليعرفوا المحق ممن هو على شفا جرف هار فانهار به إلى التلف، و قد سمعت أحدا ممن يتحلى بالعلم و ينتسب إلى ذوي المعرفة و الفهم، يقول عجل أهل النهر بخروجهم عن طاعة ذي الفخر، و قد عرفت من كثير ممن ينتمي لهذا المذهب، و يعزى إليه و يعرف به و ينسب، خلافا لأئمته الذين أسسوه، و ركونا إلى الذين آنفوا عنه و دنسوه فصنفت هذا الكتاب، و بينت فيه عذر أولي‏

____________

(1)- سورة النجم الآية 31.

9

الألباب، و جعلت ظاهره في القصص و الأخبار، و باطنه في المذهب المختار، لأن الناس لقراءة الأثر لا يستمعون و لاستماع القصص عن اللغو يبتغون فملت إلى رغبتهم لكي يكونوا مستمعين. و لقراءته بصميم القلب مهطعين. عسى أنهم لأصول المذهب يعرفون و لأهل الحق بالحق يعترفون. و سميته:

" كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة" فمن وقف عليه و دخل فيه. فليمهد إلى العذر فيه. لأني ركيك الفهم قليل الحفظ و العلم و إن بان له خطأ في معانيه، فليصلح بفضل منه مبانيه. و على الله أتوكل و هو حسبي و نعم الوكيل و أنا استغفر الله من مخالفة أهل الحق و التفضيل و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.

10

فهرست الأبواب لكتاب كشف الغمة

الباب الأول: في ذكر عبادة الأصنام و اعتقادات أهل الشرك و الضلال.

الباب الثاني: في اراء العرب في الجاهلية و ما كانوا عليه.

الباب الثالث: في ذكر ملوك العجم و العرب و ذكر شي‏ء من أخبارهم.

البابان الرابع و الخامس: في انتقال الأزد من اليمن إلى أرض عمان و إجلاء الفرس من عمان.

الباب السادس: في ظهور النبي محمد (صلى الله عليه و سلم).

الباب السابع: في ذكر المعراج و ذكر طرف من وصف الجنة و النار.

الباب الثامن: في ذكر بيعة العقبة.

الباب التاسع: في ذكر هجرة النبي (صلى الله عليه و سلم) من مكة إلى المدينة.

الباب العاشر: في ذكر قدوم النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى المدينة.

الباب الحادي عشر: في ذكر الأمور الحادثة في السنة الثانية من الهجرة.

الباب الثاني عشر: في ذكر الأمور الحادثة في السنة الثالثة من الهجرة.

الباب الثالث عشر: في ذكر الأمور الحادثة في السنة الرابعة من الهجرة.

الباب الرابع عشر: في ذكر الأمور الحادثة في السنة الخامسة من الهجرة.

الباب الخامس عشر: في ذكر الأمور الحادثة في السنة السادسة من الهجرة.

الباب السادس عشر: في ذكر الأمور الحادثة في السنة السابعة من الهجرة.

الباب السابع عشر: في ذكر الأمور الحادثة في السنة الثامنة من الهجرة.

الباب الثامن عشر: في ذكر الأمور الحادثة في السنة التاسعة من الهجرة.

الباب التاسع عشر: في ذكر الأمور الحادثة في السنة العاشرة من الهجرة.

الباب العشرون: في ذكر الأمور الحادثة في السنة الحادية عشر.

الباب الحادي و العشرون: في ذكر آداب النبي (صلى الله عليه و سلم).

الباب الثاني و العشرون: في ذكر شي‏ء من الأحاديث النبوية.

11

الباب الثالث و العشرون: في ذكر خلافة أبي بكر رضي الله عنه.

الباب الرابع و العشرون: في ذكر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

الباب الخامس و العشرون: في ذكر خلافة عثمان بن عفان و ذكر أحداثه و قتله.

الباب السادس و العشرون: في ذكر خلافة علي بن أبي طالب و ما جرى فيها.

الباب السابع و العشرون: في جواب عبد الله بن أباض لعبد الملك ابن مروان في أمر عثمان و معاوية و علي ابن أبي طالب و ولده الحسن.

الباب الثامن و العشرون: في ذكر الفرق الإسلامية و هي ثلاث و سبعون فرقة و ذكر اعتقاد كل فرقة منها و فيه أربعة فصول:

الفصل الأول: في أسماء فرق المعتزلة و اعتقاد كل فرقة منهم و هم خمس عشرة فرقة.

الفصل الثاني: في الفرقة العثمانية و هي خمسة عشرة فرقة.

الفصل الثالث: في فرق الخوارج و هم ستة و عشرون فرقة.

الفصل الرابع: في فرق الشيع و هم ستة و عشرون فرقة.

الباب التاسع و العشرون: في اعتقاد الفرقة الوهابية الأباضية و هي الفرقة المحقة.

الباب الثلاثون: في ذكر الدولة الأموية و الدولة العباسية.

الباب الحادي و الثلاثون: في ذكر الأئمة الذين باعوا أنفسهم لله في إنكار المنكر.

الباب الثاني و الثلاثون: في ذكر انتشار المذهب الأباضي بأرض المغرب و ذكر أئمتهم و علمائهم.

الباب الثالث و الثلاثون: في ذكر أخبار أهل عمان من أول إسلامهم إلى اختلاف كلمتهم.

12

الباب الرابع و الثلاثون: في ذكر اختلاف أهل الدعوة في ولاية أهل الحرب الواقع بعمان أيام الصلت بن بمالك.

الباب الخامس و الثلاثون: في ذكر الإمامين سعيد بن عبد الله و راشد بن الوليد و من بعدهما من الأئمة إلى عمر بن قاسم.

الباب السادس و الثلاثون: في ذكر الملوك المتأخرين من النباهنة و غيرهم إلى ظهور الإمام ناصر بن مرشد.

الباب السابع و الثلاثون: في ذكر ظهور الإمام ناصر بن مرشد (رحمه الله‏) و ذكر الأئمة من بعده إلى وقوع الفتنة بين اليعاربة.

الباب الثامن و الثلاثون: في ذكر وقوع الفتنة بعمان بين اليعاربة و ما آلت إليه تلك الأمور.

الباب التاسع و الثلاثون: في ذكر تواريخ بعض الصحابة و ذكر علماء الأباضية من عمان و غيرها.

الباب الأربعون: و هو خاتم الكتاب في ذكر عذاب القبر و في الرد على من قال بالرؤية في الاخرة و في ذكر الشفاعة و الميزان و الصراط و في الرد على من قال بالعفو و الخروج من النار لأهل الكبار من ذوي الإقرار.

تمت الأبواب بعون الملك الوهاب و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم و صلى الله على محمد و اله و صحبه الأخيار و سلم.

***

13

فهرست الكتاب‏

الصفحة

مقدمة المحقق 3

مقدمة المؤلف 8

فهرست كتاب كشف الغمة 10

فهرست الكتاب 13

الفصل الأول في انتقال الأزد إلى عمان و إجلاء الفرس عنها 1- دخول الأزد إلى عمان بقيادة مالك بن فهم و طرد الفرس منها 17

2- إنتقال العرب إلى عمان 24

3- أخبار مالك بن فهم 25

4- وفاة مالك بن فهم 26

5- أخبار سليمة بن مالك 28

6- سليمة بن مالك يحكم بلاد كرمان 28

7- عودة الفرس إلى عمان 31

الفصل الثاني في أخبار أهل عمان من ظهور الإسلام حتى اختلاف كلمتهم 8- إسلام أهل عمان 33

9- عمرو بن العاص في عمان و انتشار الإسلام فيها 35

10- إخراج الفرس من عمان 36

11- عودة بن العاص إلى المدينة 37

12- جيوش الحجاج في عمان 39

14

13- عمال بني أمية في عمان 41

14- إمامة الجلندى بن مسعود 41

15- أمر عمان بعد الجلندى 43

16- الإمام محمد بن أبي عفان 44

17- إمامة الوارث بن كعب 44

18- إمامة غسان بن عبد الله 46

19- إمامة عبد الملك بن حميد 47

20- إمامة المهنا بن جيفر 48

21- إمامة الصلت بن مالك 51

22- إمامة الراشد بن النضر 51

23- إمامة عزان الخروصي 52

24- جيوش الخلافة العباسية في عمان 54

25- أحوال عمان في عهد محمد بن نور 56

26- الأئمة المنصوبون في هذه الفترة 58

الفصل الثالث في ذكر الإمامين سعيد بن عبد الله و راشد بن الوليد و من بعدهما من الأئمة 27- الإمام سعيد بن عبد الله 61

28- الإمام راشد بن الوليد 63

29- ذكر الأئمة المعقود لهم في عمان 68

30- خروج أهل شيراز و هرمز على عمان 69

31- الإمام أبو الحسن بن خميس 71

32- الإمام محمد بن إسماعيل و ولده بركات 73

15

33- مآخذ على أعمال محمد ابن إسماعيل و ولده بركات 74

الفصل الرابع ذكر الملوك المتأخرين من النباهنة و غيرهم 34- الملوك النبهانيون المتأخرون 81

الفصل الخامس من ظهور الإمام ناصر بن مرشد حتى وقوع الفتنة بين اليعاربة 35- ظهور الإمام ناصر بن مرشد 94

36- الإمام سلطان بن سيف 108

37- الإمام بلعرب بن سلطان 109

38- إمامة سيف بن سلطان 110

39- إمامة سلطان بن سيف بن سلطان 111

40- إمامة مهنا بن سلطان 112

الفصل السادس في ذكر وقوع الفتنة في عمان و ما آلت إليه تلك الأمور 41- إمامة يعرب بن بلعرب 114

42- خروج بلعرب بن ناصر على الإمام 115

43- إمامة سيف بن سلطان و خروج محمد بن ناصر 118

44- الحرب الأهلية أو الهناوية و الغافرية 122

45- مبايعة محمد بن ناصر بالإمامة 130

46- نهاية زعيمي الفتنة 135

16

الفصل السابع في ذكر نهاية اليعاربة 47- إمامة سيف بن سلطان و بلعرب بن حمير 137

48- الإستعانة بالفرس 138

49- تغلب سيف بن سلطان على الأمر 140

50- إمامة سلطان بن مرشد 141

51- عودة الفرس إلى عمان 143

52- العجم يغزون مطرح 145

53- منازلة الجيش الفارسي حول صحار 146

54- إمامة السيد بلعرب بن حمير 148

الفصل الثامن في ظهور الإمام أحمد بن سعيد الألبوسعيدي 55- مبايعة السيد أحمد بن سعيد بالإمامة 153

56- حملات فارسية جديدة و نصرة البصرة 156

57- تمرد أولاد الإمام على أبيهم 158

58- وفاة الإمام 159

59- إمامة سعيد بن الإمام أحمد 160

60- تغلب السيد سلطان بن الإمام على الأمر في عمان 160

17

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الفصل الأول في انتقال الأزد إلى عمان و إجلاء الفرس عنها

1- دخول الأزد إلى عمان بقيادة مالك بن فهم و طرد الفرس منها:

قال الكلبي: أن أول من لحق بعمان من الأزد مالك بن فهم بن غانم بن دوس ابن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد الأزدي ثم الدوسي، و كان سبب خروجه إلى عمان أنه كان له جار و كان لجاره كلبه و كان بنو أخيه عمرو بن فهم يسرحون و يروحون فيمرون على بيت ذلك الرجل و كانت الكلبة تنبحهم و تفرق أغنامهم فرمى بها رجل منهم بسهم فقتلها فشكا إليه جاره فغضب مالك و قال لا أقيم ببلد ينال عليه هذا من جاري فخرج مراغما لأخيه.

و قيل ان راعيا كان في طريق بيته كلب عقور لغلام من دوس فشد الكلب على الراعي فرماه بسهم فقتله فعرض صاحب الكلب للراعي فخرج مالك من السراة بمن أطاعه من قومه فسمي ذلك النجد" نجد الكلبة" فلما توسط مالك الطريق حنت إبله إلى مراعيها و جعلت تتلفت إلى السراة و تردد الحنين فقال مالك:

تحن إلى أوطانها إبل مالك‏* * * و من دونها عرض افلا و الدكادك‏

و في كل أرض للفتى متقلب‏* * * و ليست بدار الذل يوما برامك‏

ستغنيك عن أرض الحجاز مشارب‏* * * رحاب النواحي واضحات المسالك‏

(*) و هو الباب الرابع من كتاب كشف الغمة.

18

و قال أيضا:

تحن إلى أوطانها بزل مالك‏* * * و من دون ما تهوى المزار المقارف‏

وسيح أبي فيه منع لضائم‏* * * وفتيان أنجاد كرام غطارف‏

فحني رويدا و استريحي و بلغي‏* * * فهيهات منك اليوم تلك المالف‏

ثم سار يريد عمان فكان لا يمر بحي من أحياء العرب من معد أو عدنان إلا سالموه و وادعوه لمنعته و كثرة عساكره و سار حتى نزل برهوت و هو بلد بحضرموت. فلبث فيه حتى راح و استراح و بلغه أن بعمان الفرس و هم ساكنوها فعبأ عساكره و عرضها و يقال إنهم كانوا ستة آلاف فارس و راجل فاستعد قاصدا لعمان و جعل على مقدمته ابنه هناءة و يقال فراهيد في ألفي فارس من صناديد قومه. فلما وصل الشحر تخلف مهرة بن حميدان بن الحاف بن قضاعة ابن مالك بن حمير، فنزل الشحر، و سار مالك حتى دخل عمان بعسكره في الخيل و العدة فوجد بها الفرس من جهة الملك دارا بن دارا بن بهمن بن اسفيديار و هم يومئذ أهلها و سكانها و المتقدم عليهم المرزبان عامل الملك‏ (1).

فعند ذلك اعتزل مالك بمن معه إلى جانب قلهات من شط عمان ليكون أمنع لهم و ترك العيال و الأثقال و ترك معهم من يمنعهم من العسكر و سار ببقية العسكر. و جعل على المقدمة ابنه هناءة في ألفي فارس و سار حتى نزل بناحية الجوف‏ (2) فعسكر عسكره و ضرب مضاربه بالصحراء و أرسل إلى الفرس يطلب إليهم النزول في قطر من أقطار عمان و أن يمكنوه و يفسحوا له في الماء و الكلأ ليقيم معهم.

____________

(1) كان الفرس يحتلون سواحل عمان، و صحار خاصة و لم يكونوا قط أهل البلاد و ساكنيها كما يوحى بذلك نص الخبر.

(2) الجوف أرض فسيحة بداخلية عمان من ناحية نزوى.

19

فلما وصلت رسله إلى المرزبان و أصحابه ائتمروا فيما بينهم و تشاوروا حتى طال ترديد الكلام و التشاور بينهم ثم أجمع رأيهم على صرفه و قالوا ما نحب هذا العربي ينزل معنا فيضيّق علينا أرضنا و بلادنا فلا حاجة لنا إلى قربه و جواره. فلما وصل جوابهم إلى مالك أرسل إليهم:" أنه لا بد لي من النزول في قطر من عمان و أن تواسوني‏ (3) في الماء و الكلأ و المراعي فإن تركتموني طوعا نزلت في البلاد و حمدتكم، و إن أبيتم أقمت على كرهكم فإن قاتلتموني قاتلتكم. فإن ظهرت عليكم قتلت المقاتلة و سبيت الذرية و لم أترك أحدا منكم ينزل بعمان أبدا". فأبوا أن يتركوه طوعا و جعلوا يستعدون لحربه و قتاله و أقام مالك بناحية الجوف حتى أراح و استراح و تأهب لحرب الفرس و قتالهم.

و كان هناك حتى استعدت الفرس لحربه و قتاله. ثم إن المرزبان أمر أن ينفخ في البوق و تضرب الطبول و ركب من صحار في جنوده و عساكره في عسكر جم يقال إنه في زهاء أربعين ألفا و يقال ثلاثين ألفا و معه فيلة و سار يريد لقاء الجوف مالك. و نزل بصحراء سلوت قريبا من نزوى فبلغ ذلك مالك بن فهم فركب في ستة الاف حتى أتى صحراء سلوت، فعسكر فيها بإزاء عسكر المرزبان فمكثوا يومهم ذلك لم يكن بينهم حرب. ثم إن مالك بن فهم بات ليلته يعبي‏ء عساكره يمنة و يسرة و قلبا و يكتب الكتائب و يوقف فرسان الأزد مواقفهم فولى الميمنة ابنه هناءة و ولى الميسرة ابنه فراهيد، و وقف هو في القلب في أهل النجدة و الشدة.

و بات المرزبان يكتب كتائبه و يوقف أصحابه مواقفهم و استعد كلا الفريقين و ركب مالك فرسا له أبلق و لبس درعين و لبس عليهما غلالة حمراء و تكمم على رأسه بكمة حديد، و تعمم عليها بعمامة صفراء. و ركب معه ولده و فرسان الأزد على تلك التعبئة و قد تقنعوا بالدروع و البيض و الجواشن و لم يظهر غير الحدق.

____________

(3) بمعنى تساووني و إياكم.

20

فلما تواقفوا للحرب جعل مالك يدور على أصحابه راية راية و كتيبة كتيبة.

و يقول" أيا معشر الأزد يا أهل النجدة و الحفاظ حاموا عن أحسابكم و ذبوا عن أبنائكم قاتلوا و ناصحوا ملككم و سلطانكم. فإنكم إن انهزمتم تبعتكم الفرس بجنودها فاختطفوكم و اصطادوكم بين كل حجر و مدر، و باد عنكم ملككم و سلطانكم فوطنوا أنفسكم على الحرب و عليكم بالصبر و الحفاظ فإن هذا اليوم له ما بعده". و جعل يحرضهم و يأمرهم بالصبر و الحفاظ.

ثم أن المرزبان زحف بجميع عساكره و قواده و جعل الفيلة أمامه، و أقبل نحو مالك و أصحابه و نادى مالك بالحملة عليهم و قال يا معشر الأزد اعملوا معي فداكم أبي و أمي على هذه الفيلة فاكتنفوها بأسيافكم و أسنتكم.

ثم حمل و حملوا معه على الفيلة بالرماح و السيوف و رشقوها بالسهام فولت الفيلة راجعة على عسكر المرزبان فوطئت منهم خلقا كثيرا و حمل مالك و كافة أصحابه على المرزبان فانتفضت صفوف العجم و جالوا جولة ثم تزاحفت العجم بعضها إلى بعض و أقبلت في حدها و حديدها. و صاح المرزبان بأصحابه و أمرهم بالحملة فالتقى الجمعان و اختلف الطعن و الضرب و الطعان و اشتد القتال و عظم النزال و لم يسمع إلا صليل الحديد و وقع السيوف فاقتتلوا يومهم ذلك إلى أن حال بينهم الليل و انصرف بعضهم عن بعض. و قد كثر القتل و الجراح في الجميع.

ثم ابتكروا من الغد فاقتتلوا قتالا شديدا و قتل من الفرس خلق كثير و ثبتت لهم الأزد إلى أن حال بينهم الليل.

فلما أصبحوا في اليوم الثالث زحف الفريقان بعضهم إلى بعض فوقفوا مواقفهم تحت راياتهم و أقبل أربعة نفر من المرازبة و الأساورة ممن كان يعد الواحد منهم بألف رجل حتى دنوا من مالك فقالوا هلم إلينا لننصفك من أنفسنا

21

و يبارزك منا واحد بعد واحد. فتقدم مالك إليهم و خرج واحد منهم فطارد مالكا ساعة فعطف عليه مالك فطعنه برمحه في صلبه فخر على فرسه إلى الأرض فضربه بالسيف فقتله.

ثم حمل الفارس الثاني على مالك و ضرب مالكا فلم تصنع ضربته شيئا و ضربه مالك على مفرق رأسه فقد البيضة و الرأس و خر الفارس ميتا. ثم حمل على الفارس الثالث فضربه مالك على عاتقه فقسمه قسمين و وصل السيف إلى الدابة فقطعها نصفين، فلما رأى الفارس الرابع ما صنع مالك بأصحابه كاعت نفسه‏ (1) و ولى راجعا نحو أصحابه حتى دخل بينهم و انصرف مالك إلى موقفه و قد تفاءل بالظفر. و فرحت بذلك الأزد فرحا شديدا و نشطوا للحرب.

فلما رأى المرزبان ما صنع مالك بقواده الثلاثة دخلته الحمية و الغضب فخرج من بين أصحابه و قال (لا خير لي في الحياة بعدهم) و نادى مالكا و قال له:

(.. أيها العربي أخرج إلي إن كنت تحاول ملكا فأينا ظفر بصاحبه كان له ما يحاول و لا نعرض أصحابنا للهلاك).

فخرج إليه مالك برباطة جأش و شدة قلب فتجاولا بين الصفين مليا و قد قبض الجمعان أعنة خيولهم ينظرون ما يكون منهما، ثم أن المرزبان حمل على مالك بالسيف حملة الأسد فراغ عنه مالك و ضربه بسيفه على مفرق رأسه فقد البيضة و الدرع و أبان رأسه عن جسده فزحف الفريقان بعضهما إلى بعض و اقتتلوا من نصف النهار إلى العصر و أكل أصحاب المرزبان السيف و صدقتهم الأزد الضرب و الطعان فولوا منهزمين حتى انتهوا إلى معسكرهم و قد قتل منهم خلق كثير و كثر الجراح في عامتهم فعند ذلك أرسلوا إلى مالك يطلبون منه الصلح و أن يكف عنهم الحرب و أن يؤجلهم إلى سنة ليخرجوا من عمان و أعطوه‏

____________

(1) كاعت بمعنى خافت و جزعت (المعجم الوسيط).

22

على ذلك عهدا و جزية فأجابهم مالك إلى ذلك و أعطاهم عهدا لا يعارضهم حتى يبدأوه بحرب و كف عنهم الحرب و عادوا إلى صحار و ما حولها من الشطوط و كانوا هناك و الأزد في عمان.

و انحاز مالك إلى جانب قلهات فقيل إن الفرس في تلك المهادنة طمسوا أنهارا كثيرة و أعموها و كان سليمان بن داود (عليه السلام) أقام بعمان عشرة أيام و قد حفر فيها عشرة الاف فلجا (1) و طمس الفرس أكثرها في مدة الصلح التي طلبوها من مالك بن فهم.

ثم إن الفرس كتبوا إلى الملك دارا بن دارا بقدوم مالك إلى عمان ممن معه و ما جرى بينهم و بينه من الحرب و قتل قائدهم المرزبان و جل أصحابهم و أخبروه بما هم فيه من الضعف و العجز و أستاذنوه في التحمل إليه بأهليهم و ذراريهم.

فلما وصل كتابهم إليه و قرأه غضب غضبا شديدا و داخله القلق و أخذته الحمية عن قتل من قتل من أصحابه و قواده فعند ذلك دعا بقائد من عظماء مرازبته و أساورته و عقد له على ثلاثة الاف من أجلاء أصحابه و مرازبته و بعثهم مددا لأصحابه الذين بعمان فتحملوا إلى البحرين ثم خلصوا إلى عمان و كل هذا لم يدر به مالك فلما وصلوا إلى أصحابهم أخذوا يتأهبون للحرب حتى انقضى أجل العهد فجعل مالك يستطلع أخبارهم و بلغه وصول المدد إليهم فكتب إليهم:- (إني قد وفيت بما كان بيني و بينكم من العهد و تأكيد الأجل و أنتم بعد حلول بعمان، و بلغني أنه قد أتاكم من قبل الملك مدد عظيم و أنكم تستعدون لحربي و قتالي فإما أن تخرجوا من عمان طوعا و إلا رجعت عليكم بخيلي و رجلي و وطيت ساحتكم و قتلت مقاتلتكم و سبيت ذراريكم، و غنمت أموالكم).

____________

(1) الفلج و جمعها أفلاج، قنوات لسحب مياه العيون للإفادة منها في السقاية و الري.

23

فلما وصل رسوله إليهم هالهم أمره و عظموا رسالته لهم مع قلة عسكره و كثرتهم و ما هم فيه من القوة و المنعة و زادهم غيظا و حنقا و ردوا عليه أقبح رد فعند ذلك زحف عليهم مالك في خيله و رجله و سار حتى وطئ أرضهم و استعدت الفرس لقتاله و معهم الفيلة فلما قربوا من عسكره عبأ أصحابه راية راية و كتيبة كتيبة و جعل على الميمنة ابنه هناءة و على الميسرة ولده فراهيد، و أقام هو و بقية أولاده في القلب.

و ألتقوا هم و الفرس و اقتتلوا قتالا شديدا و دارت رحى الحرب بينهم مليا من النهار ثم انكشفت العجم و كان معهم فيل عظيم فتركوه فدنا منه هناءة فضربه على خرطومه فولى و له صياح و تبعه معن بن مالك فعرقبه‏ (1) فسقط. ثم أن العجم ثابوا و تراجعوا و حملوا على الأزد حملة رجل واحد فجالت الأزد جولة و نادى مالك: يا معشر الأزد أقصدوا إلى لوائهم فاكشفوه من كل وجهة. و حمل بهم على العجم حملة رجل واحد حتى كشفوا اللواء و اختلط الضرب و التحم القتال و ارتفع الغبار و ثار العجاج حتى حجب الشمس، فلم يسمع إلا صليل الحديد و وقع السيوف. و تراموا بالسهام فتقصدت و تجالدوا بالسيوف فتكسرت و تطاعنوا بالرماح فانحطمت و صبروا صبرا جميلا، و كثر الجراح و القتل في الفريقين. ثم لم يكن للفرس ثبات و ولوا منهزمين على وجوههم فاتبعهم فرسان الأزد يقتلون و يأسرون من لحقوا منهم فقتلوا منهم خلقا كثيرا و جعلوا يطلبونهم حيث مالقوهم و أدركوهم و لم يفت عنهم إلا من ستره الليل.

و تحمل بقية الفرس في السفن و ركبوا البحر إلى فارس فاستولى مالك على عمان و غنم جميع أموال الفرس و أسر منهم خلقا كثيرا مكثوا في السجن زمانا طويلا. ثم أطلقهم مالك و من عليهم بأرواحهم و كساهم و زودهم و وصلهم في السفن إلى أرض فارس. و ملك عمان و ما يليها من الأطراف وساسها سياسة

____________

(1) عرقب الدابة قطع عرقوبها، و العرقوب عصب خلف الكعبين و المقصود هنا ضرب الفيل على قوائمه فأسقطه‏

24

حسنة و سار فيها سيرة جميلة و له و لأولاده في مسيرهم إلى عمان و حربهم الفرس أشعار كثيرة و شواهد تركتها طلبا للاختصار.

2- انتقال العرب إلى عمان:

ثم جاءت إلى عمان قبائل كثيرة من الأزد، فأول من لحق بمالك من الأزد عمران بن عمرو بن عامر ماء السماء و ولداه الحجر و الأسود. و تفرعت من الحجر و الأسود بعمان قبائل كثيرة. ثم خرج ربيعة بن الحارث بن عبد الله بن عامر الغطريف و إخوته، و خرجت ملارس‏ (1) بن عمرو بن عدي بن حارثة و دخل في هداد، ثم خرجت عمران‏ (2) بن عمرو بن الأزد، ثم خرجت اليحمد ابن حمى، ثم خرجت بنو غنم بن غالب، ثم خرجت الحدان و أخوها زياد و هو الندب الأصغر، ثم خرجت معولة و هم بنو شمس ثم جاء الندب الأكبر، ثم خرجت الضيق، و خرج أناس من بني يشكر و خرج أناس من بني غامد (3)، و خرجت أناس من خوالة و خرجت هذه القبائل كلها على رايتها لا يمرون على أحد إلا أكلوه حتى وصلوا عمان فملؤها و أقاموا في بلد ريف و خير و اتساع.

و قد سميت الأزد عمان عمانا لأن منازلهم كانت على واد بمأرب يقال له عمان و العجم تسميها مزون.

إن كسرى سمى عمان مزونا* * * و مزون يا صاح خير بلاد

بلدة ذات مزرع و نخيل‏* * * و مراع و مشرب غير صاد

فلم تزل الأزد تنتقل إلى عمان حتى كثروا بها و قويت يدهم و اشتدت شوكتهم وملؤها حتى انتشروا إلى البحرين و هجر.

____________

(1) في الأصل (ملادس) و يبدو وجود تحريف في النسخ.

(2) في الأصل (عرمان) و هو تحريف في النسخ.

(3) في الأصل (عامد) فيحتمل وجود تحريف في النسخ، كما يمكن أن تكون (عامر) فبنو عامر بطن من الأزد القحطانية.

25

ثم نزل عمان من غير الأزد سامة بن لؤي بن غالب بتوام و هي الجو (1) في جوار الأزد و كان فيها أناس من بني سعد و أناس من بني عبد القيس و زوج ابنته بأسد بن عمران بن عمرو بن عامر.

و نزل بعمان ناس من بني تميم و منهم ال جذيمة بن خازم، و نزلها ناس من بني النبت و منازلهم عبري و السليف و تنعم و السر، و نزلها أناس من بني الحارث ابن كعب و منازلهم بضنك أيضا، و نزلها اناس من قضاعة نحو مائة رجل و هم بضنك أيضا، و نزلها اناس من بني رواحة بن قطيعة بن عبس منهم أبو الهشم. (2)

3- أخبار مالك بن فهم:

و استقوى ملك مالك بن فهم بعمان و كثر ماله حتى هابته جميع القبائل من يمن و نزار. و كانت له جراءة و إقدام لم تكن لغيره من الملوك، و كان ينزل إلى شاطئ قلهات و ينتقل إلى غيرها و ينزل بناحية ملك من ملوك الأزد يقال له مالك ابن زهير و كان عظيم الشأن و كاد ان يكون مثل مالك في العز و القدرة فخشي مالك أن يقع بينهما تحاسد و أن تقع بينهما حرب فخطب منه ابنته فزوجه على أن تكون لأولادها منه التقدمة و الكبر على ساير الأولاد من غيرها. فأجابه مالك ابن فهم إلى ذلك و تزوجها فولدت له سليمة بن مالك.

و ملك مالك عمان سبعين سنة و لم ينازعة في ملكه عربي و لا عجمي مات و عمره مائة سنة و عشرون سنة و قيل هو الذي ذكره الله تعالى‏" يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً" (3)، و قيل أن الملك الذي ذكره الله هو مسدلة (4) بن الجلندى‏

____________

(1) هي البريمي الحالية، و في الأصل الجوف و هو تحريف في النسخ.

(2) في الأصل أبو الهيثم.

(3) سورة الكهف الاية 79.

(4) في الأصل مندلة.

26

ابن المستكبر. و قيل إنه هو المستنير (1) بن مسعود بن حرار بن عبد عز بن معولة بن شمس بن غانم بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. و ليس هو كذلك، و القول الأول هو الأصح لأن الجلندى هذا و الذي هو أب عباد و جيفر فقد كان قبل الإسلام بقليل.

و قيل إنه أدرك الإسلام كما أدركه ولداه و قصة السفينة في زمن موسى (عليه السلام). و بين موسى (عليه السلام) و نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) أعوام و دهور.

4- وفاة مالك بن فهم:

و قيل إن مالك بن فهم قتله ولده سليمة خطأ. و سبب ذلك قيل إن مالكا جعل على أولاده الحراسة بالنوبة كل ليلة على رجل منهم و معه الجماعة من خواصه و أمنائه. و كان سليمة أحب أخوته إلى أبيه و أحظاهم لديه و أكرمهم عليه و أرفعهم منزلة عنده و كان يعلمه الرمى حتى أحذقه و صار حاذقا ماهرا فحسده أخوته لمكانه من أبيه و كانوا يطلبون له عثرة مع أبيه فلم يجدوا له عثرة. فأقبل ذات يوم نفر منهم إلى أبيهم فقالوا" يا أبانا إنك جعلت على كل رجل واحد منا نوبة من الحرس و كل منا قائم بنوبته ما خلا أخانا سليمة فإنه إذا كانت نوبته انفرد عن الحرس و تشاغل بالنوم عن الحرس. فلا تكن لك منه كفاية و لا غنى".

و جعلوا يوهنون أمره و ينسبونه إلى العجز و التقصير فقال لهم أبوهم" إن كلا منكم قائم بما عليه و ليس بأحد منكم تقصير و قد فهمت قولكم في ولدي سليمة، فإنه لم تزل الأخوة يحسد بعضهم بعضا لإيثار الاباء بعضهم على بعض و إن ظني به كعلمي به" ثم انصرفوا عنه و لم يبلغوا ما أملوه.

____________

(1) في الأصل المستر.

27

ثم إن مالكا داخله الشك فيما تكلموا به من أمر سليمة فأراد أن يختبر دعواهم، فلما كانت نوبة سليمة في الحرس و قد خرج سليمة في فرسان قومه و كان عادته إذا خرج للحرس انفرد عن أصحابه و كمن قريبا من دار أبيه فلما كانت تلك الليلة خرج مع أصحابه و تفرد عنهم كعادته و كمن في مكانه الأول و كان مالك قد خرج في تلك الليلة متنكرا مستخفيا لينظر هل يصح قول أولاده في سليمة، و كان سليمة قد أخذته تلك الساعة سنة و هو على ظهر فرسه. فلما رأى الفرس شخص مالك من بعيد صهلت فانتبه سليمة من سنته مذعورا و رأى الفرس ناصبا أذنيه مقابلا لما يراه و كان معودا إذا رأى شيئا نصب أذنيه مقابلا لما يراه فيرمي الفارس السهم بين أذني الفرس فلا يخطأ ما يراه الفرس ففوق سليمة نحو أبيه مالك و هو لا يعلم أن ذلك الشخص أبوه فسمع مالك صوت السهم و قد خرج من كبد القوس فهتف به:" يا بني لا ترمي أنا أبوك". فقال:

" يا أبت ملك السهم قصده". فأصاب مالكا في لبة قلبه فقال ملك حين أصابه السهم قصيدة طويلة انتخبت منها هذه الأبيات:

جزاه الله من ولد جزاء* * * سليمة أنه ساما جزاني‏

أعلمه الرماية كل يوم‏* * * فلما اشتد ساعده رماني‏

توخاني بقدح شك لبي‏* * * دقيق قد برته الراحتان‏

فأهوى سهمه كالبرق حتى‏* * * أصاب به الفؤاد و ما عداني‏

فلما مات مالك أنشده ولده هناءة يقول:

لو كان يبقى على الأيام ذو شرف‏* * * لمجد لم يمت فهم و ما ولدا

حلت على مالك الأملاك جانحة* * * هدت بنا للعلا و المجد فانقصدا

أبا جذيمة لا تبعد و لا غلبت‏* * * به المنايا و قد أودى و قد بعدا

لو كان يفدى لبيت العز ذو كرم‏* * * فداك من حل سهل الأرض و الخلدا

يا راعي الملك أضحى بعدك لا* * * ندر الرعاة أجار الملك أم قصدا

28

5- أخبار سليمة بن مالك:

و لما قتل سليمة أباه تخوف من إخوته و اعتزلهم و أجمع على الخروج من بينهم فسار إليه أخوه هناءة في جماعة من وجوه قومه و اجتمعوا إليه و كرّهوا إليه الخروج و كان أكثر تخوفه من أخيه معن فقال لهم إني لا أستطيع المقام معكم و قد قتلت أباكم و كان ذلك من سبب حسد إخوتي لي و قد يبلغني من معن ما أكره و إني لأخشى أن يغتالني في بعض سفهاء قومه، فناشدوه الله و الرحم أن يقعد معهم و ضمن له هناءة بتسليم الدية عنه إلى إخوته من ماله و أعفوه عن القود فقبل ذلك سليمة و أقام معهم و سلم هناءة الدية من ماله إلى إخوته فقبل الأخوة و عفوا إلا معن فإنه قبلها و لم يعف، و طمع هناءة أن يصلح ذات بينهم، و كان حسن السيرة في إخوته و قومه.

ثم إن معنا خلا له زمن لا يتعرض لسليمة بسوء حتى أكل الدية ثم جعل يطلب غفلة سليمة و يغري به سفهاء قومه من حيث لا يعلم به أحد، فبلغ ذلك سليمة فأقسم لا يقيم بأرض عمان و أجمع رأيه على ركوب البحر، فخرج هاربا في نفر من قومه فقطع البحر حتى نزل بر فارس و أقام بحاسك و تزوج بإمرأة منهم من قوم يقال لهم" الأسفاهية" فولده منها يسمون" بنو الأسفاهية"، فبينما سليمة ذات يوم قاعدا ذكر أرض عمان و انفراده عن إخوته و ما كان فيه من العز و السلطان فقال في ذلك شعرا:

كفى حزنا إني مقيم ببلدة* * * أخلائي عنها نازحون بعيد

أقلب طرفي في البلاد فلا أرى‏* * * وجوه أخلائي الذين أريد

6- سليمة بن مالك يحكم بلاد كرمان:

ثم إنه رحل و نزل بأرض كرمان، و أقام عند بعض ملوكها و عرّفه بحسبه و نسبه و كيف حسده إخوته و كيف قتل أباه و كيف كان خروجه عن إخوته، فلما

29

عرفوا مكانه و شرفه كتموا أمره مخافة أن يعرض له بسوء لأجل ما كان من أمر أبيه مالك و أخيه جذيمة الأبرش في ملوك فارس و أكرموا مثواه و أعجبهم ما رأوا من فصاحته و جماله و كمال أمره فرفعوا قدره و أرادوا أن يجزوه بكريمة من كرائم نسائهم، و كان ملكهم في ذلك الزمان ولد (دارا بن دارا بن بهمن) و كان كثير العسف و الظلم جبارا غشوما على رعيته و أهل مملكته، و كان إذا تزوجت إمرأة من نسائهم و لم تزف إليه قبل زوجها قتلها و قتل أهلها و بعلها و لا يقدر أحد أن يبني بامرأة إلا بعد أن يغتصبها الملك و يجامعها بكرا كانت أم ثيّبا.

فأخبروا سليمة صنع الملك فيهم و شكوا إليه جوره و أنهم لا يقدرون عليه لكثرة حجابه و حرسه، فقال سليمة ماذا لي عليكم إذا كفيتكموه و أرحتكم منه، فقالوا أنى لك ذلك و لم يقدر عليه من كان قبلنا من أهل العز و السلطان، فقال تدبير الأمر عليّ فماذا لي عليكم؟ قالوا ما شئت: قال إذا كان الغد ليحضر عندي أهل الوفاء و العهد و التقديم منكم.

فلما كان الغد اجتمع إليه عظماء كرمان و أشرافها و أهل الوفاء فجرى الكلام بينهم فقال سليمة إن مكنتموني فيما أشرط عليكم دبرت الأمر، فقالوا كلهم لك ذلك، فقال أريد أن تصيروا لي ملكه و سلطانه لي و لعقبي من بعدي على أن اخذ جميع غلات كرمان و خراجها إلى أن أتمكن، و أنتخب من العرب من أردت و أجعلهم معي و على أن تزوجوني من نسائكم، فأعطوه ذلك و ضربوا على يده، و قالوا لك الوفاء بجميع ما طلبت و شرطت و بايعوه على قتل الملك و أعطوه العهود و المواثيق على الوفاء وكتموا أمرهم.

و كان فيهم من بيت الملك و هم قوامه و نظام ملكه و لكن كثر عليهم ظلمه و كرهوه و أرادوا قتله راحة لهم، فانظروا أيها السامعون في عاقبة الظلم و الجور أدى به إلى أن يقتله أقرباؤه و لو عدل لأحبه البعداء و الأدنياء و تمنوا له طول العمر و النصر على الأعداء.

30

فلما فرغوا من البيعة زوجوه بامرأة من كرايم نسائهم و كل هذا و الملك لم يعلم بشي‏ء منه، فلما فرغوا من أمر التزويج عاهدهم سليمة على ليلة معلومة ليزفوه إلى الملك و قال أشهروا أمر التزويج ليتهيأ له الملك و ليتأهب إلى مباشرة العرس.

فلما كان تلك الليلة أشهروا الزفة و عمدوا إلى سليمة فألبسوه الحلل الفاخرة و الحلي السني و ضمخوه بالطيب و كان شابا حسنا جميلا، و كان قد شحذ سكينا و جعلها في سراويله و زفوه في الخدم و الحشم حتى انتهوا به إلى الحصن ففتحت لهم الأبواب و دخلوا به و نظر إليه الملك في ضوء المشاميع و هو في تلك الهيئة الحسنة الجميلة فهاله منظره و سلب لبه و عقله فأومأ إلى النساء و الخدم لينصرفوا فانصرفوا فأغلق الأبواب و أرخى الستور و بقي هو و سليمة في غرفة واحدة، و أهوى عليه يقبله و يضمه إلى صدره فاسترخى إليه سليمة و جعل يلاعبه و يداعبه، كما تفعل الجارية حتى تمكن منه فأخرج السكين و ضربه في خاصرته و قتله، و لبس سليمة درع الملك و تقلد سيفه و جعل على رأسه البيضة و بات متأهبا و لم يعلم أحد بما صنع بالملك، و بات الذين بايعوه في خوف عظيم لا يدرون ما يكون من أمر سليمة و الملك.

فلما طلع الفجر وثب سليمة إلى الأبواب ففتحها و خرج على الحراس و خاصة الملك و حجابه فوقع فيهم بالسيف حتى أباد عامتهم و الباب العامد مغلوق لم يفتحه، و وقع الضجيج في الحصن و علت الأصوات فأقبل أهل البيعة و غيرهم من أهل البلاد بالسلاح التام فأشرف عليهم سليمة من أعلى الحصن و عليه الدرع و البيضة، و بيده سيف الملك يقطر دما، و رمى إليهم برأس الملك و جثته فلما نظروا إليه هالهم ما رأوه من أمر سليمة و جرأته و سر ذلك كثيرا من أهل البلد و خاف من لم يسره ذلك و لم يقدر يظهر حربا و لا كلاما و استقام الأمر لسليمة بأرض كرمان و سلمت له جميع رعاياها طوعا و رغبة و رهبة.

31

ثم جعلوا في رجل الملك حبلا و أمروا الصبيان أن يسحبوه و يطوفوا به شوارع البلد و سككها، و لما استقر الأمر لسليمة أهدوا إليه عروسه فابتنى بها و تمهد له الأمر و استولى على كور كرمان و ثغورها و نواحيها و أطاعوه و مكنوه في نفوسهم و أموالهم و أعانوه في جميع أموره.

فلم يزل كذلك حتى حسدوه و نقموا عليه و قالوا إلى متى يملكنا هذا العربي و نحن أهل القوة و المنعة و جعلوا يتعرضون له في أطراف ملكه فكتب سليمة إلى أخيه هناءة بن مالك بعمان يستنصره و يطلب منه المعونة و المدد من فرسان الأزد و رجالهم يشد بهم عضده و يقيم بهم أود ما اعوج عليه من أهل مملكته، فأمده بثلاثة الاف من فرسان الأزد و شجعانهم و حملهم في المراكب حتى أوصلهم أرض كرمان فتحصلوا عند سليمة و أقاموا معه فشد بهم عضده و أقام بهم أود من تعاوج عليه من العجم، و لم يزل أمره مستقيما بأرض كرمان فاشتد ملكه و قوى سلطانه و ولد له عشرة أولاد كلهم ذكور و هم عبد و حماية و سعد و رواحة و مجاس و كلاب و أسد و زاهر و أسود و عثمان.

و توفي سليمة بأرض كرمان و اختلف رأي أولاده من بعده و دخل الناس بينهم فكان ذلك سبب زوال ملكهم و رجوع الملك إلى العجم فتغلبت الفرس عليهم و استولوا على ملك أبيهم و اضمحل أمرهم فتقربوا بأرض كرمان. و فرقة منهم توجهت إلى عمان و جمهور بني سليمة بأرض كرمان لهم بأس و شدة و عدد كثير، و بعمان الأقل منهم.

7- عودة الفرس إلى عمان:

ثم لم تكن للفرس رجعة إلى عمان بعد أن جلاهم مالك عنها إلى أن انقضى ملكه و ملك أولاده من بعده و صار ملكها إلى الجلندى بن المستنير المعولي و صار ملك فارس إلى بني ساسان و هم رهط الأكاسرة و كان الصلح بينهم و بين‏

32

الجلندى بعمان، و كانوا يجعلون لهم أربعة آلاف من الأساورة و المرازبة مع عامل لهم بها مع ملوك الأزد، و كانت الفرس في السواحل و شطوط البحر و الأزد ملوكا بالبادية و الجبال و أطراف عمان. و كل الأمور منوطة بهم و كان كل من غضب عليه كسرى أو خافه على نفسه أو ملكه أرسله إلى عمان يحبسه بها و لم يزالوا كذلك إلى أن أظهر الله الإسلام بعمان و الله أعلم.

(م 3- كشف الغمة)

33

الفصل الثاني في أخبار أهل عمان من ظهور الإسلام حتى اختلاف كلمتهم‏

(*) 8- إسلام أهل عمان:

قيل إن أول من أسلم من أهل عمان هو مازن بن غضوبة بن سبيعة بن شماسة بن حيان بن مر بن حيان بن أبي بشر بن خطامة (1) بن سعد بن نبهان ابن عمرو بن الغوث بن طي، و كان يسكن قرية سمايل، و قيل أنه جد سعيد أمبو علي، و كان يعبد صنما يقال له ناجر فذبح يوما له شاة و قرّبها إليه فسمع صوتا من الصنم يقول:

يا مازن اسمع تسر* * * ظهر خير و بطن شر

بعث نبي من مضر* * * بدين الله الأكبر

فدع نحيتا من حجر* * * تسلم من حر سقر

ففزع من ذلك و قال إن هذا لعجب، ثم ذبح قربانا اخر و قرّبه إليه فسمع من الصنم صوتا يقول:

يا مازن أقبل تسمع ما لا تجهل‏* * * هذا نبي مرسل‏

جاء بحق منزل‏* * * فآمن به تعدل‏

عن حر نار تشعل‏* * * وقودها الناس و الجندل‏

فبينما هو كذلك إذ ورد عليه رجل من أهل الحجاز يريد دبا فسأله ما الخبر وراءك، قال إنه ظهر رجل يقال له محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن‏

____________

(*) هو الباب الثالث و الثلاثون من كتاب كشف الغمة.

(1) في الأصل حطامة.

34

هاشم بن عبد مناف يقول لمن جاءه أجيبوا داعي الله فلست بمستكبر و لا جبار و لا محتال. أدعوكم إلى الله و ترك عبادة الأوثان و أبشركم بجنة عرضها السموات و الأرض و أستنقذكم من نار تلظى لا يطفأ لهيبها و لا ينعم من سكنها.

قال مازن: هذا و الله نبأ ما سمعته من الصنم فوثبت عليه و كسرته جذاذا ثم ركبت راحلتي قاصدا نحو رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، فلما قدمت عليه سألته عن ما بعث إليه فشرح لي الرسول الإسلام فأسلمت و نوّر الله قلبي.

ثم قلت للنبي (صلى الله عليه و سلم): ادع الله لأهل عمان، فقال النبي" اللهم أهدهم و ثبتهم"، فقلت زدني يا رسول الله فقال:" اللهم ارزقهم العفاف و الكفاف و الرضا بما قدرت لهم"، قال مازن: يا رسول الله البحر ينضح بجانبنا فادع الله في ميرتنا و خفنا و ظلفنا فقال:" اللهم وسع عليهم في ميرتهم و أكثر خيرهم من بحرهم"، فقلت زدني فقال:" اللهم لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم" و قال لمازن:" قل يا مازن امين فإنه يستجيب عندها الدعاء" فقال مازن: امين.

ثم قال: يا رسول الله إني مولع بالطرب و بشرب الخمر لجوج بالنساء و ليس لي ولد فادع الله أن يذهب عني ما أجد و يرزقني ولدا تقرّ به عيني و يأتينا بالحيا فقال (عليه السلام):" اللهم أبدله بالطرب قراءة القران و بالحرام حلالا و بالعهر (1) عفة الفرج و بالخمر ريا لا إثم فيه و آتهم بالحيا وهب له ولدا تقرّ به عينه" قال مازن فأذهب الله عني ما كنت أجد من الطرب و حججت حججا (2) و حفظت شطرا من القرآن و تزوجت أربع عقائل من العرب و رزقت ولدا و سميته حيان بن مازن.

____________

(1) في الأصل و بالفهر.

(2) في الأصل حجا.

35

و لمازن شعر، منه:

إليك رسول الله خبت مطيتي‏* * * تجوب الفيافي من عمان إلى العرج‏

(1)

لتشفع يا خير من وطئ الثرى‏* * * فتغفر لي ذنبي فأرجع بالفلج‏ (2)

إلى معشر خالفت في الله دينهم‏* * * فلا رأيهم رأي و لا شرجهم شرجي‏ (3)

و كنت امرأ باللهو و الخمر مولعا* * * شبابي إلى أن اذن الجسم بالنهج‏

فبدلني بالخمر أمنا و خشية* * * و بالعهر إحصانا فأحصن لي فرجي‏

فأصبحت همي في الجهاد و نيتي‏* * * فلله ما صومي و لله ما حجي‏

9- عمرو بن العاص في عمان و انتشار الإسلام فيها:

ثم إنه (صلى الله عليه و سلم) كتب إلى أهل عمان يدعوهم إلى الإسلام، و على أهل الريف منهم عبد و جيفر أبنا الجلندى، و كان أبوهما الجلندى قد مات في ذلك العصر، و كان كتابه (صلى الله عليه و سلم):

" من محمد رسول الله إلى أهل عمان. أما بعد، أقروا بشهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله و أدوا الزكاة و أعمروا المساجد و إلا غزوتكم".

و كتب (صلى الله عليه و سلم) إلى عبد و جيفر:

بسم الله الرحمن الرحيم" من محمد رسول الله إلى جيفر و عبد ابني الجلندى، أما بعد فإني أدعوكم بدعاية الإسلام أسلما تسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا و يحق القول على الكافرين، فإن أسلمتما ولّيتكما و إن أبيتما فإن ملككما زائل عنكما و خيلي تطأ ساحتكما و تظهر نبوتي على ملككما".

____________

(1) العرج: موضع قرب المدينة المنورة.

(2) الفلج: النصر.

(3) يقال ليس هو من شرجه أي ليس هو من طبقته و شكله.

36

و كان الكاتب لهذا أبي بن كعب و هو (عليه السلام) المملي عليه، و قد طوى الصحيفة و ختمها بخاتمه و بعث بها مع عمرو بن العاص فقدم بها عمرو إلى عبد و جيفر، و أول موضع نزل به بعمان هو" دستجرد" و هي مدينة بصحار بنتها العجم فنزل بها وقت الظهر، و بعث إلى ابني الجلندى و هما ببادية عمان، فأول من لقيه عبد و هو أحلم الرجلين و أحسنهما خلقا فأوصل عمرو إلى أخيه جيفر و دفع إليه الكتاب مختوما ففض ختامه و قرأه ثم دفعه إلى عبد فقرأه ثم التفت إلى عمرو فقال إن هذا الذي تدعو إليه من جهة صاحبك أمر ليس بصغير و أنا أعيد فكري فيه و أعلمك.

ثم استحضر جماعة الأزد و بعثوا إلى كعب بن برشه العودي فسألوه عن أمر النبي (صلى الله عليه و سلم) فقال إنه نبي و قد عرفت صفته و إنه سيظهر على العرب و العجم و أسلم كعب و عبد و جيفر و بعثوا إلى وجوه الناس فبايعوهم للنبي (صلى الله عليه و سلم) و دخلوا في دينه و ألزمهم تسليم الصدقة و أمروا عمرو بقبضها فقبضها منهم على الجهة التي أمره بها رسول الله (صلى الله عليه و سلم).

10- إخراج الفرس من عمان:

ثم بعث جيفر إلى مهرة و الشحر و نواحيها فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا و بعث إلى دبا و ما يليها إلى اخر عمان فما ورد رسوله على أحد إلا أسلم و أجاب دعوته إلا الفرس الذين كانوا بعمان فحين أبوا عن الإسلام اجتمعت الأزد إلى جيفر و قالوا لا تجاورنا العجم بعد هذا اليوم. و أجمعوا على إخراج عامل الفرس" مسكان" و من معه من الفرس. فدعا جيفر بالأساوة و المرازبة فقال لهم إنه قد بعث نبي من العرب فاختاروا منا إحدى حالتين: إما أن تسلموا و تدخلوا فيما دخلنا فيه و إما أن تخرجوا عنا بأنفسكم، فأبوا أن يسلموا و قالوا لسنا نخرج.

37

فعند ذلك اجتمعت الأزد فقاتلوهم قتالا شديدا و قتل مسكان و كثير من أصحابه و قواده ثم تحصن بقيتهم في مدينة دستجرد فحاصروهم أشد الحصار، فلما طال عليهم الحصار طلبوا الصلح فصالحوهم على أن يتركوا كل صفراء و بيضاء و حلقة و يراع فأجابوا إلى ذلك و خرجوا من عمان و بقيت أموالهم و هذه الصوافي‏ (1).

11- عودة ابن العاص إلى المدينة:

و مكث معهم عمرو و هم له طائعون و لقوله سامعون إلى أن بلغته وفاة النبي (صلى الله عليه و سلم) فأراد الرجوع إلى المدينة فصحبه عبد بن الجلندى و جيفر ابن جشم العتكي و أبو صفرة سارف بن ظالم في جماعة من الأزد فقدموا مع عمرو بن العاص إلى أبي بكر رضي الله عنه فلما دخلوا عليه قام سارف بن ظالم و قال يا خليفة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) و يا معشر قريش هذه أمانة كانت في أيدينا و في ذمتنا و وديعة لرسول الله (صلى الله عليه و سلم) فقد برئنا إليكم منها، فقال أبو بكر: جزاكم الله خيرا و قام الخطباء بالثناء عليهم و المدح فقالوا كفاكم معاشر الأزد قول رسول الله (صلى الله عليه و سلم) و ثناؤه عليكم و قام عمرو بن العاص فلم يدع شيئا من المدح و الثناء إلا قاله في الأزد.

و جاءت وجوه الأنصار من الأزد و غيرهم مسلمين على عبد و من معه فلما كان من الغداة أمر أبو بكر فجمع الناس من المهاجرين و الأنصار و قام أبو بكر خطيبا فحمد الله و أثنى عليه و ذكر النبي فصلى عليه و قال:

معاشر أهل عمان إنكم أسلمتم طوعا لم يطأ رسول الله ساحتكم بخف و لا حافر و لا عصيتموه كما عصيه غيركم من العرب، و لم ترموا بفرقة و لا تشتت‏

____________

(1) الصوافي، هي الأملاك و الأرض التي جلا عنها أهلها أو ماتوا و لا وارث لها، واحدتها صافية، و قيل الضياع التي يستخلصها السلطان لخاصته الصوافي. (لسان العرب).

38

شمل فجمع الله على الخير شملكم، ثم بعث إليكم عمرو بن العاص بلا جيش و لا سلاح فأجبتموه إذ دعاكم على بعد داركم، و أطعتموه إذ أمركم على كثرة عددكم و عدتكم، فأي فضل أبر من فضلكم و أي فعل أشرف من فعلكم، كفاكم قوله (عليه السلام) شرفا إلى يوم المعاد، ثم أقام فيكم عمرو ما أقام مكرما و رحل عنكم إذ رحل مسلما، و قد منّ الله عليكم بإسلام عبد و جيفر إبني الجلندي و أعزكم الله به و أعزه بكم و كنتم على خير حال جميل حتى أتتكم وفاة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فأظهرتم ما يضاعف إلى فضلكم و قمتم مقاما حمدناكم فيه، و محضتم بالنصيحة و شاركتم بالنفس و المال فيثبت الله به ألسنتكم و يهدي به قلوبكم و للناس جولة فكونوا عند حسن ظني بكم، و لست أخاف عليكم أن تغلبوا على بلادكم و لا أن ترجعوا عن دينكم جزاكم الله خيرا" ثم سكت.

و ذكر بعض المحدثين أن عبدا لما قدم على أبي بكر رضي الله عنه استهضه في مقاتله آل جفنة فأجابه إلى ذلك فسير سرية و أمره عليها فخرج عبد على السرية حتى وافى ديار آل جفنة و لهذا حديث يطول شرحه و قد تركته.

و قد شهر مقام عبد و عرف مكانه، و كان في السرية حسان بن ثابت الأنصاري فلما قدموا من ديار ال جفنة قام حسان و قال: قد شهر مقام عبد في الجاهلية و الإسلام فلم أر رجلا أحزم و لا أحسن رأيا و تدبيرا من عبد و هو و الله ممن وهب نفسه لله في يوم غارت صاحبه و أظلم صباحه، فسر ذلك أبا بكر رضي الله عنه و قال هو يا أبا الوليد كما ذكرت و القول يقصر عن وصفه، و الوصف يقصر عن فضله، فبلغ ذلك عبدا فبعث إليه بمال عظيم و أرسل إليه أن مالي يعجز عن مكافأتك فاعذر فيما قصر و أقبل ما تيسر.

ثم إن أبا بكر كتب كتابا إلى أهل عمان يشكرهم و يثني عليهم و أقر جيفر و أخاه عبدا على ملكهما و جعل لهما أخذ الصدقات من أهلها و حملها إليه، و انصرف عنه و من معه شاكرا لعبد و جيفر من المآثر و المناقب ما يضيق بها

39

الكتاب و قد أوردنا لمحة من أخبارهم، و لم يزالا في عمان متقدمين إلى أن ماتا و خلفا من بعدهما عباد بن عبد بن الجلندى في زمن عثمان و علي.

12- جيوش الحجاج في عمان:

فلما وقعت الفتنة و افترقت الأمة و صار الملك إلى معاوية لم يكن لمعاوية في عمان سلطان حتى صار الملك لعبد الملك بن مروان و استعمل الحجاج على أرض العراق و كان ذلك زمن سليمان و سعيد ابني عباد بن عبد بن الجلندى و هما القيمان في عمان فكان الحجاج يغزوهما بجيوش عظيمة و هما يفضان جموعه و يبددان عساكره في مواطن كثيرة.

و كان كلما أخرج إليهما جيشا هزماه و استوليا على سواده إلى أن أخرج عليهما القاسم بن شعوة المزني في جمع كثير و خميس جرار فخرج القاسم بجيشه حتى انتهى إلى عمان في سفن كثيرة فأرسى سفنه في ساحل قرية من قرى عمان يقال لها حطاط فسار إليه سليمان بن عباد بالأزد فاقتتلوا قتالا شديدا فكانت الهزيمة على أصحاب الحجاج و قتل القاسم و كثير من أصحابه و قواده و استولى سليمان على سوادهم فبلغ ذلك الحجاج فأصابه أمر هائل ثم استدعى بمجاعة بن شعوه أخ القاسم أن يندب الناس و يستصرخهم و ينادي في قبائل نزار حيث كانوا و يستعينهم و يستنجدهم، و أظهر الحجاج من نفسه غضبا و حمية و أنفة و كتب إلى عبد الملك بن مروان و أبعد وجوه الأزد الذين كانوا بالبصرة عن النصرة لسليمان بن عباد فوجدت أن العساكر التي جمعها الحجاج و أخرجها إلى عمان كانت أربعين ألفا، فأخرج من جانب البحر عشرين ألفا و من جانب البر عشرين ألفا، فانتهى القوم الذين خرجوا من البر فسار إليهم سليمان بسائر فرسان الأزد و كانوا ثلاثة الاف فارس و أصحاب النجائب ثلاثة الاف و خمسمائة فالتقى بهم عند الماء الذي دون البلقعة بخمس مراحل و قيل بثلاث‏

40

مراحل و هو الماء الذي بقرب قرية بوشر يقال له اليوم البلقعين فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب الحجاج فأمعن سليمان في طلبهم و هو لا يعلم بشي‏ء من عسكر البحر حتى انتهى عسكر البحر بالبونانة من جلفار (1) فلقيهم رجل فأعلمهم بخروج سليمان بسائر العسكر فواصل مجاعة سير الليل بالنهار حتى وصل بركا فنزل إليهم سعيد فقاتلهم قتالا شديدا حتى حجز بينهم الليل، و تأمل سعيد عسكره فإذا هم في عسكر مجاعة كالشعرة البيضاء في الثور الأسود و قد قتل منهم من قتل فاعتزل من ليلته و عمد إلى ذرارى أخيه و ذراريه فاعتزل بهم إلى الجبل الأكبر و هو جبل بني ريام و يقال له الجبل الأخضر و يقال له رضوان (بضم الراء) و لحقه القوم فلم يزالوا محصورين حتى وافى سليمان و كان مجاعة أرسى سفنه ببندر مسكد (2) و كانت ثلاثمائة سفينة فمضى إليها سليمان فأحرق منها نيفا و خمسين سفينة و انفلت الباقون في لجج البحر ثم مضى يريد عسكر مجاعة فتصور مجاعة أن لا طاقة له بسليمان فخرج يريد البحر فالتقى هو و سليمان بقرية سمايل فوقعت بينهم صكة عظيمة فانهزم مجاعة و لحق بسفينة فركبها و مضى إلى جلفار.

و كاتب الحجاج فأخرج له من طريق البر عبد الرحمن بن سليمان في خمسة الاف عنان من بادية الشام و كان فيهم رجل من الأزد و لا يعلمون به أنه من الأزد فهرب في الليل حتى نزل على سليمان و سعيد فأعلمهما بذلك فاستشعرا العجز فحملا ذراريهما و سوادهما و من خرج معهما من قومهما و لحقا ببلد من بلدان الزنج حتى ماتا هناك.

و دخل مجاعة و عبد الرحمن بالعسكر إلى عمان ففعلا فيها غير الجميل و نهباها نعوذ بالله من ذلك.

____________

(1) جلفار هي بلدة رأس الخيمة الحالية. أما البونانة فموضع قربها إلا أنه غير معروف على وجه الضبط.

(2) بندر مسكد هو ميناء مسقط.

41

13- عمال بني أمية في عمان:

ثم أن الحجاج استعمل على أهل عمان الخيار بن سيرة المجاشعي فلما مات عبد الملك تولى من بعده عبد الملك و لما مات الحجاج استعمل الوليد على العراق يزيد بن أبي مسلم فبعث يزيد سيف بن الهاني الهمداني عاملا على عمان و لما مات الوليد بن عبد الملك و ولى أخوه سليمان بن عبد الملك عزل العمال الذين كانوا على عمان و استعمل عليها صالح بن عبد الرحمن بن قيس الليثي، ثم أنه رأى أن يكون عمال عمان على ما كانوا عليه فردهم و جعل صالح بن عبد الرحمن مشرفا عليهم ثم ولى يزيد بن المهلب العراق و خراسان فاستعمل يزيد أخاه زيادا على عمان فلم يزل عاملا عليها محسنا إلى أهلها حتى مات سليمان ابن عبد الملك.

و ولى عمر بن عبد العزيز فاستعمل عدي بن أرطأة الفزاري على العراق و استعمل عدي على عمان عمالا أساءوا السيرة فكتبوا إلى عمر بن عبد العزيز فاستعمل عليهم عمر بن عبد الله بن صبيحة الأنصاري فأحسن السيرة فيهم فلم يزل واليا على عمان مكرما بين أهلها يستوفي الصدقات منهم بطيبة أنفسهم حتى مات عمر بن عبد العزيز فقال عمر بن عبد الله لزياد بن المهلب: هذه البلاد بلاد قومك فشأنك بها و خرج عمر بن عبد الله من عمان و قام زياد بن المهلب في عمان حتى ظهر أبو العباس السفاح و صار ملك بني أمية إليه.

14- إمامة الجلندى بن مسعود:

و ولى السفاح أبا جعفر المنصور على العراق فاستعمل أبو جعفر على عمان جناح بن عبادة بن قيس بن عمر الهناوي و هو صاحب المسجد المعروف بمسجد جناح ثم عزله و ولى ابنه محمد بن جناح فداهن جناح بن عبادة الأباضية حتى صارت ولاية عمان لهم فعند ذلك عقدوا الإمامة للجلندى بن‏

42

مسود فكان سببا لقوة المذهب، و كان عادلا مرضيا ثم خرج عليه شيبان و كان شيبان يطلبه السفاح فلما قدم عمان أخرج إليه الجلندى هلال بن عطية الخراساني و يحيى بن نجيح و جماعة من المسلمين و كان يحيى فضله مشهورا بين المسلمين فدعا بدعوة أنصف فيها الفريقين فقال:" اللهم إن كنت تعلم أنا على الدين الذي ترضاه و الحق الذي تحب أن تؤتى به، فاجعلني أول قتيل من أصحابي ثم اجعل شيبان أول قتيل من أصحابه و اجعل الدائرة على أصحابه، و إن كنت تعلم أن شيبان و أصحابه على الدين الذي ترضاه و الحق الذي تحب أن تؤتى به فاجعل شيبان أول قتيل من أصحابه".

ثم زحف القوم بعضهم إلى بعض فكان أول قتيل يحيى بن نجيح و أول قتيل من أصحاب شيبان شيبان، فلما قتل شيبان وصل إلى عمان خازم بن خزيمة و قال إنا كنا نطلب هؤلاء القوم يعني شيبان و أصحابه و قد كفانا الله قتالهم على أيديكم و لكني أريد أن أخرج من عندك إلى الخليفة و أخبره أنك له سامع مطيع، فشاور الجلندى المسلمين في ذلك فلم يروا له ذلك. و قيل إنه سأله أن يعطيه سيف شيبان و خاتمه فأبى الجلندى فوقع القتال بين خازم و الجلندى فقال هلال للجلندى و لم يبق إلا هو و هلال بن عطية الخرساني فقال هلال للجلندى أنت إمامي و لك عليّ لا أبقى بعدك، فتقدم فكان أصحاب خازم يتعجبون من ثقافته و هم لم يعرفوه ثم إنهم عرفوه و قالوا هلال بن عطية فاحتولوه حتى قتلوه (رحمه الله‏) (1).

و كانت إمامة الجلندى سنتين و شهرا و قيل إن الذي تولى قتل الجلندى خازم بن خزيمة فبلغني أنه لما حضرته الوفاة قيل له أبشر فقد فتح الله عمان‏

____________

(1) الثقافة هنا اللعب بالسيف و قد قال الشاعر: و كأن لمع بروقها في الجو أسياف المثاقف و احتولوه معناها صاروا حوله.

43

على يديك، فقال غررتمونا في الحياة و تغروننا عند الوفاة هيهات هيهات فكيف لي بقتل الشيخ العماني.

و وجدت أن رجلا من أهل عمان خرج إلى الحج و كان في صحبته رجل من أهل البصرة لا يهدأ الليل و لا ينام فسأله العماني عن حاله فقال و هو لا يعرف أن صاحبه من أهل عمان أني خرجت مع خازم بن خزيمة إلى عمان فقاتلنا بها قوما لم أر مثلهم قط فأنا من ذلك اليوم على هذه الحالة لا يأخذني النوم فقال الرجل العماني في نفسه أنت حقيق بذلك إن كنت ممن قاتلهم.

15- أمر عمان بعد الجلندى:

و لما قتل الجلندى و أصحابه رحمهم الله و غفر لهم استولت الجبابرة على عمان فأفسدوا فيها و كانوا أهل ظلم و جور فمن هؤلاء الجبابرة محمد بن زائدة و راشد بن شاذان ابن النظر الجلندانيان و في زمنهما وقع غسان الهنائي الذي هو من بني محارب بنزوى و نهبها و هزم بني نافع منها و بني هميم بعد أن قتل خلقا كثيرا و ذلك في شهر شعبان سنة خمس و أربعين و مائة سنة (1).

ثم إن بني الحارث من أهل إبرا غضبوا لهم و كان في بني الحارث رجل عبدي من بكرة يقال له زياد بن سعيد البكري فاجتمع رأيهم على أن يمضوا إلى العتيك ليقتلوا غسان الهنائي فساروا إليه و جلسوا بين داره و دار جناح بن سعد بموضع يقال له الخور و قد رجع عائدا رجلا مريضا من بني هناءة فمر بهم و هو لا يشعر بمكانهم فقتلوه فغضب لذلك منازل بن خنس و كان مسكنه بنبأ و هو عامل لمحمد بن زائدة و راشد بن شاذان الجلندانيين فساروا على أهل إبرا على غفلة منهم فبرز إليهم أهل إبرا فاقتتلوا قتالا شديدا و وقعت الهزيمة على أهل إبرا فقتل منهم أربعون قتيلا.

____________

(1) الموافقة لسنة 763 م.

44

16- الإمام محمد بن أبي عفان:

ثم منّ الله على أهل عمان بالألفة على الحق فخرجت عصابة من المسلمين فقاموا بحق الله و أزالوا ملك تلك الجبابرة و ذلك أن المشايخ العلماء من أهل عمان اجتمعوا في نزوى و كان رئيسهم و عميدهم موسى بن أبي جابر الأزكي فأرادوا عقد الإمامة لمحمد بن أبي عفان و قد حضر معهم رؤساء لا يؤمنون على الدولة فخاف الشيخ موسى أن لا تكون للمسلمين بدون أن تقع الفتنة، فقال قد ولينا فلانا قرية كذا و ولينا فلانا قرية كذا حتى فرق تلك الرؤساء و قال و قد ولينا بن أبي عفان نزوى و قرى الجوف و أحسب أنه قال حتى تضع الحرب أوزارها فقال الشيخ أبو المنذر بشير بن المنذر قد كان نرى ما نحب و الان قد رأينا ما نكره و الحمد لله، فقال موسى إنا فعلنا ما تحب فاعلمه، إنما أراد أن يفرقهم لئلا تقع الفتنة فلما خرج تلك الرؤساء و نظر كل واحد منهم إلى البلدان التي وليها كتب الشيخ بعزلهم و بعث ولاة إلى تلك البلدان، و أحسب أنهم عرفوا بذلك قبل وصولهم إليها و بقي محمد بن أبي عفان في العسكر.

و ظهرت منه للمسلمين أحداث لم تعجبهم و بلغني إنما الذي أنكروا عليه جوفته للمسلمين ورده للنصائح و الله أعلم، فلم يرضوا سيرته فعملوا له حيلة و أخرجوه من عسكر نزوى فلما خرج اجتمعوا فاختاروا إماما و عزلوا محمدا و كانت إمامته سنتين و شهرا.

17- إمامة الوارث بن كعب:

ثم عقدوا الإمامة للوارث بن كعب الخروصي الشاري اليحمدي الأزدي و ذلك سنة سبع و سبعين و مائة (1) فوطأ الوارث أثر السلف الصالح من المسلمين‏

____________

(1) سنة 177 ه و توافق سنة 973 م.

45

و سار بالحق و أظهر دعوة المسلمين و عز الحق و أهله و أخمد الكفر و دفع الله الجبابرة.

و في زمنه بعث هارون الرشيد عيسى بن جعفر بن أبي المنصور في ألف فارس و خمسة الاف رجل فكتب داود بن يزيد المهلبي إلى الإمام وارث يخبره أن عيسى وصل بعسكره فأخرج إليه الإمام فارس بن محمد و التقوا بحتى فانهزم عيسى بن جعفر و سار إلى مراكبه بالبحر فسار إليه أبو حميد بن أفلح الحداني السلوتي و معه عمرو بن عمر (1) في ثلاثة مراكب فأسره عيسى و انطلق به إلى صحار فحبس بها، فشاور فيه الإمام الشيخ علي بن عزرة فقال له إن قتلته و إن تركته فكله واسع لك، فأمسك الإمام عن قتله و تركه في السجن و بلغنا أن قوما من المسلمين فيهم يحيى بن عبد العزيز (رحمه الله‏) انطلقوا من حيث لا يعلم الإمام حتى أتوا صحار فتسوروا السجن و قتلوا عيسى بن جعفر و عزم هارون على إنفاذ جيش إلى عمان فارتاعوا مدة ثم إنه مات قبل ذلك و كفاهم الله شره.

و بلغنا أن يحيى بن عبد العزيز كان من أفضل المسلمين و لعله لم يتقدم عليه أحد من أهل زمانه في الفضل و لعل كانت شهرته بعمان كشهرة عبد العزيز ابن سليمان بحضرموت. و بلغنا أن الشيخ بشير بن المنذر أنه كان يقول قاتل عيسى بن جعفر لم يشم النار.

و لم يزل الوارث إماما حسن السيرة قائما بالعدل حتى اختاره الله له ما لديه، و كان سبب موته أنه غرق في سيل وادي كلبوه من نزوى، و غرق معه سبعون رجلا من أصحابه و سبب ذلك لعله حبس المسلمين عند سوقم مائل، و كان ناس محبوسين فسال الوادي جارفا فقيل للإمام إن الوادي سيلحق‏

____________

(1) في الأصل عمر بن عمرو.

46

المحبوسين فأمر بإطلاقهم فلم يجسر أحد يمضي إليهم خوفا من الوادي فقال الإمام،" أنا أمضي إليهم إذ هم أمانتي و أنا المسئول عنهم يوم القيامة" فمضى إليهم و أتبعه ناس من أصحابه فمر بهم الوادي فحملهم مع المسجونين.

و قبر الإمام من بعد أن يبس الوادي بين العقر و سعال و قبره معروف و مشهور و كانت إمامته اثنتي عشرة سنة و ستة أشهر إلا أياما و الله اعلم.

18- إمامة غسان بن عبد الله:

ثم ولى من بعده غسان بن عبد الله الفجحي اليحمدي الأزدي فوطئ اثار المسلمين و أعز الحق و أهله و أخمد الكفر.

و كانت في زمنه البوارج‏ (1) تقع على عمان و تفسد في سواحلها، فاتخذ غسان الشذاة (2) لغزوهم و هو أول من أتخذها و غزا فيها فانقطعت البوارج عن عمان.

و في زمنه قتل الصقر بن محمد بن زائدة و كان ممن قد بايع المسلمين على راشد بن النظر الجلندى و أعانهم بالمال و السلاح، و سبب قتله أنه خرج على المسلمين رجل من أهل الشرق و معه بنو هناءة و غيرهم باغيا على المسلمين فألقى على المسلمين أن أخ صقر مع البغاة، فذكروا ذلك لصقر فقال من يقول هذا و إن أخي معي في الدار مريض، فلما هزم الله البغاة تحقق أن أخا صقر معهم فاتهموه بالمداهنة لما ستر عنهم أمر أخيه، و كان صقر يومئذ بسمايل فبعث إليه الإمام الوالي و كان الوالي يومئذ بسمايل أبا الوضاح فمضى الوالي بالصقر مع الشراة خوفا من أن يبطشوا به، و بعث الإمام إليه أيضا سرية أخرى‏

____________

(1) البوارج مراكب كانت لقراصنة من كفار الهنود.

(2) ضرب من السفن اتخذها الإمام لحماية سواحل عمان من القرصان الهنود. و الإمام غسان هو أول من أتخذ له أسطولا من أئمة عمان.

47

و بعث معهم موسى بن علي فالتقوا بنجد السحامات، فبينما هم في مسيرهم إذ اعترض بعض الشراة صقرا فقتلوه فلم تكن لأبي الوضاح و لا لموسى بن علي قدرة على منعهم من قتله و بلغنا أن موسى بن علي خاف على نفسه فلو قال شيئا لقتلوه معه، و لم يبلغنا عن الإمام غسان إنكارا على من قتله و كانت تلك الأيام صدر الدولة و قوتها و جمة العلماء لهذا كان سبب قتل الصقر و الله أعلم.

و من أحكام الإمام الغسان أنه كانت دار لبني الجلندى بسمد نزوى و لعل موضعها اليوم المال‏ (1) المسمى العقودية، و كانت هذه الدار عقودا على الطريق الجائز و عليها الغرف و كانت تلك العقود مظلمة يقعد فيها الفساق و أهل الريبة فقيل إن امرأة مرت بتلك العقود فتعرض لها رجل من أهل الريبة فبلغ ذلك الإمام غسان فحكم على أهل الدار إما أن يهدموا تلك العقود أو يسرجوا فيها بالليل حتى ينظر المار من فيها من أهل الريبة فقيل أن أهل الدار أخرجوا طريقا من أموالهم للناس فكان الناس يمرون بها حتى انهدمت الدار فرجع أهل الدار إلى الطريق التي أخرجوها فأدخلوها في دارهم و رجع الناس يمرون في الطريق الأولى، و لهذه العقود آثار و رسوم جدر سهيلى المسجد الجامع من سمد نزوى.

و لم يزل غسان قائما بالحق و العدل حتى مرض يوم الأربعاء لثمان بقين من ذي القعدة سنة سبع و مائتين‏ (2) و مات من مرضه هذا و كانت إمامته خمس عشرة سنة و سبعة أشهر و سبعة أيام.

19- إمامة عبد الملك بن حميد:

ثم تولى من بعده عبد الملك بن حميد من بني سودة بن علي بن عمرو بن عامر ماء السماء فسار سيرة الحق و العدل و اتبع أثر السلف الصالح و صارت‏

____________

(1) المال: بلغة أهل عمان اسم كل أرض غرست نخلا أو شجرا.

(2) و يوافق 10 نيسان عام 823 م.

48

عمان يومئذ خير دار، و قد ولي يوم الأثنين لثماني ليال بقين من شهر شوال سنة ثماني و مائتين‏ (1)، فلم يزل يقيم العدل حتى كبر و ضعف.

فكانت تقع الأحداث في عسكره فشاور المسلمون موسى بن علي في عزله فأشار عليهم أن يحضر العسكر و يقوم بالدولة فحضر موسى بن علي العسكر و أقام الدولة و منع الباطل و شذ عسكر من المسلمين و عبد الملك في بيته فلم يعزلوه و لم يزيلوه حتى مات و هو إمام لهم و كانت ولايته ثماني عشرة سنة (2).

20- إمامة المهنا بن جيفر:

ثم ولي على المسلمين المهنا بن جيفر الفجحي اليحمدي الأزدي عقد له يوم الجمعة في شهر رجب سنة ست و عشرين و مائتين‏ (3) فوطأ اثار المسلمين و سار سيرتهم و كان له ضبط و حزم و لا يتكلم أحد في مجلسه و لا يعين خصما على خصم و لا يقوم أحد من أعوانه مادام قاعدا و لا يدخل أحد من العسكر ممن تجرى عليه النفقة إلا بالسلاح. و كان مواليا على الصدقة رجلا من بني ظبة من أهل منح يقال له عبد الله بن سليمان، و كان يرسله إلى الماشية فقيل إنه دخل أرض مهرة و وصل إلى رجل منهم يقال و سيم بن جعفر و قد وجبت عليه فريضتان فامتنع أن يعطي إلا فريضة واحدة فقال إن شئت تأخذ فريضة واحدة و إلا فانظر إلى قبور أصحابكم. فسكت عنه و رجع، و كان عنده رجل جمّال فلما وصل إلى عز تأخر عبد الله في عز و كان منزله بها و أرسل الجمّال إلى الإمام فقدم الجمّال على الإمام و هو في مجلسه فلما ارتفع عن مجلسه دعا بالجمّال فسأله عن عبد الله و كيف كان في سفره فأخبره بما كان من‏

____________

(1) و يوافق أول اذار عام 824 م.

(2) أي أنه مات عام 226 ه/ 840 م.

(3) يوافق ذلك أخريات شهر نيسان من عام 840 م.

49

و سيم فقال الإمام للجمّال لا تخبر أحدا بما أخبرتني و اكتم ذلك، و أكد عليه في ذلك. فلما وصل عبد الله ابن سليمان سأله الإمام عن خبر و سيم فأخبره مثل ما أخبره الجمّال فكتب الإمام من وقته إلى والي أدم و والي جعلان إذا ظفرتم بوسيم بن جعفر المهري فاستوثقوا منه و أعلموني، فكتب إليه والي أدم أني قد استوثقت منه و أنه قد حصل، فأنفذ الإمام إليه يحيى اليحمدي المعروف" بأبي المقارش" مع جماعة من أصحاب الخيل، ثم أنفذ كتيبة أخرى فلقوهم في المنايف ثم أنفذ كتيبة أخرى فلقوهم في قرية عز، ثم أنفذ كتيبة أخرى فلقوهم في قرية منح، فلم تزل الكتائب تتراسل و الرماح تحتمله حتى وصلوا به إلى نزوى، فأمر الإمام بحبسه فمكث سنة لا يقدر أحد أن يذكر فيه و لا يسأل عن أمره حتى وصل جماعة من المهرة فاستعانوا على المهنا بوجوه اليحمد فأجابهم إلى إطلاقه و شرط عليهم ثلاث خصال: إما أن يرتحلوا من عمان و إما أن يأذنوا بالحرب و إما أن يحضروا الماشية كل حول إلى عسكر نزوى تشهد على حضورها العدول انه لم يتخلف منها شي‏ء، و تعدل الشهود المعدلون بأدم، فقالوا أما الارتحال فلا يمكننا و أما الحرب فلسنا نحارب الإمام و أما الإبل فنحن نحضرها، فعند ذلك عدل الإمام الشهود فكانوا يحضرون إبلهم في كل سنة تدور، و سمعت من يحكي أن هذه النقصة التي بقرية فرق بنيت في زمن المهنا علامة لبني مهرة ليحضروا إبلهم عندها و الله أعلم بصحة ذلك.

و خرج المغيرة بين روشن الجلنداني و من معه من بني جلندى و غيرهم من أهل الفتنة بغاة على المسلمين فوصلوا إلى توام‏ (1) و كان أبو الوضاح واليا عليها للإمام المهنا فقتلوا أبا الوضاح فلما بلغ ذلك المسلمين و كان أبو مروان (رحمه الله‏) واليا على صحار فسار بمن معه و من قبله من الناس و سار معهم المطار الهندي و من معه من الهند، فلما وصلوا توام و هزم الله بني الجلندى‏

____________

(1) توام هي البلاد المعروفة باسم البريمي الان.

50

و قتل من قتل و هرب من هرب عمد المطار الهندي و من معه من سفهاء الجيش إلى دور بني الجلندى فأحرقوها بالنار، و كان في الدور الدواب مربوطة من البقر و غيرها فبلغنا أن رجلا من السرية كان يلقي نفسه في الفلج حتى يبتل بدنه و ثيابه ثم يمضي في النار يقطع الدواب حبالها فتنجو بأنفسها من النيران فبلغنا أنهم أحرقوا سبعين غرفة أو خمسين، و بلغنا أن نسوة من بني الجلندى خرجن على وجوههن في الصحراء هاربات و معهن أمة فلبثن بها ما شاء الله فاحتجن إلى الطعام و الشراب فانطلقت الأمة إلى القرية في الليل تلتمس لهن طعاما و شرابا فلما وصلت إلى القرية ليلا وجدت شيئا من السويق و سقاء من أسقية اللبن و كسر إناء فعمدت إلى الفلج فحملت في سقائها ماء فبصر بها رجل من السرية و قد توجهت نحو النسوة بالماء و السويق فأدركها الرجل في بعض الطريق فأخذ منها السويق و صبه في الأرض و أخذ الماء فأراقه ثم انصرف عنها، و بلغنا أن أبا مروان لم يأمر بهذا الحرق و لعله قد نهى عنه فلم يقبل قوله و بلغنا أن الإمام بعث رجلين إلى القوم الذين أحرقت منازلهم فدعوهم إلى الإنصاف و أن يعطوهم ما وجب لهم من الحق، و بلغنا أن القوم الذين اجتمعوا مع أبي مروان اثنا عشر ألفا و الله أعلم.

و لم يزل المهنا إماما حتى مات يوم سادس عشر من ربيع الاخر سنة سبع و ثلاثين و مائتين‏ (1) و كانت إمامته عشر سنين و اشهرا و أياما و مات المسلمون عنه راضون و له موالون و مؤازرون إلا أني وجدت في سيرة الشيخ أبي قحطان خالد بن قحطان (رحمه الله‏) و قد ذكر لنا أن الشيخ محمد بن محبوب و بشير اطلعا على حدث من المهنا تزول به إمامته و أنهما كانا يبران منه سريرة و الله أعلم.

____________

(1) يوافق 16 ربيع الاخر لسنة 237 ه يوم 17 ت 1 لسنة 851 م.

51

21- إمامة الصلت بن مالك:

ثم ولى المسلمون من بعده الصلت بن مالك في اليوم الذي مات فيه المهنا و كان هناك يومئذ بقايا من أشياخ المسلمين و كان رئيسهم و إمامهم في العلم و الدين محمد بن محبوب فبايعوا الصلت بن مالك على ما بويع عليه الأئمة العدل من قبله، فسار بالحق و العدل ما شاء الله حتى فني أشياخ المسلمين جملة الذين بايعوه، لا نعلم أن أحدا فارقه. و عمّر الصلت في الإمامة ما لم يعمر أحد قبله‏ (1) حتى كبر و أسن و ضعف و إنما كان ضعفه من قبل الرجلين و أم العقل و السمع و البصر فلا نعلم أن أحدا قال بها ضعف.

فلما بلغ الكتاب أجله و أراد الله أن يختبر أهل عمان كما أختبر الذين من قبلهم فسار إليه موسى بن موسى و من اتبعه حتى نزل فرق فتخاذلت الرعية عن الصلت و ضعف عن الإمامة و اعتزل عن بيت الإمامة.

22- إمامة الراشد بن النظر:

فعقد موسى الإمامة لراشد بن النظر و كان ذلك يوم الخميس و ثلاث ليال خلت من شهر الحج سنة ثلاث و سبعين و مائتين‏ (2) و كانت إمامة الصلت خمسا و ثلاثين سنة و سبعة أشهر و ثمانية أيام و كانت وفاته ليلة الجمعة للنصف من ذي الحجة سنة خمس و سبعين و مائتين‏ (3) و في أيامه توفي العالم العلامة إمام العلماء محمد بن محبوب (رحمه الله‏).

____________

(1) و قد دامت إمامته حوالي 35 عاما، من يوم وفاة المهنا في عام 237 ه حتى تولية خلفه الإمام الراشد في عام 273 ه. و سيأتي القول في ذلك و قد توفي بعد سنتين أو ثلاث من اعتزاله الإمامة.

(2) و يوافق أول مايس من عام 887 م.

(3) و يوافق 21 نيسان 889 م.

52

ثم وقعت بينهم الفتنة في عمان و كبرت المحنة و اختلفوا في دينهم و تفرق رأيهم و وقعت بينهم البراءة و عظمت الإحن و اشتدت العداوات و كثرت بتهم السير و الأقوال و عظم القيل و القال و اشتد بينهم القتال ثم إن موسى برئ من راشد و فسقه و ضلله و سار عليه و عزله.

23- إمامة عزان الخروصي:

ثم ولي عزان بن تميم الخروصي يوم الثلاثاء لثلاث ليال خلون من شهر صفر سنة سبع و سبعين و مائتين‏ (1) و ممن حضر البيعة عمر بن محمد القاضي و محمد بن موسى بن علي و عزان بن الهزيم و أزهر بن محمد بن سليمان.

فلبث موسى و عزان و ليين لبعضهما بعض ما شاء الله من الزمان حتى وقعت بينهم الإحن فعزل عزان موسى عن القضاء و تخوف عزان من موسى فعاجله بجيش أطلق فيه كافة المسجونين فساروا إلى أزكي فدخلوا حجرة النزار و وضعوا على أهل أزكي يقتلون و يأسرون و يلبسون و ينهبون و أضرموا فيها النيران فحرقوا ناسا و هم أحياء و قتل موسى مع حصيات الردة التي عند مسجد الحجر من محلة الجبور و فعلوا في أهل أزكي ما لم يفعله أحد فيما سمعنا، فاشتدت الفتن، و عظمت الضغائن و الإحن، و جعل كل فريق يطلب إساءة صاحبه بما قدر، واوى عزان المحدثين من أصحابه و أجرى عليهم النفقات و طرح نفقة من تخلف عن المسير إلى أزكي و كانت الوقعة يوم الأحد لليلة بقيت من شعبان سنة ثمان و سبعين و مائتين‏ (2).

فمن أجل هذه الوقعة خرج الفضل بن الحواري القرشي النزاري ثائرا بمن قتل من أهل أزكي و طابقته على ذلك المضرية و الحدان و ناس من بني الحارث‏

____________

(1) و توافق 27 مايس عام 890 م.

(2) توافق عام 278 ه العام 891 ميلادي.