تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف‏ - ج1

- محمد بن أحمد ابن ضياء المزيد...
413 /
1

الجزء الأول‏

مقدمة التحقيق‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

إن الحمد لله، نحمده و نستعينه و نستهديه، و نعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، و من سيئات أعمالنا، إنه من يهدم الله فلا مضل له، و من يضلل الله فلا هادى له، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.

[سورة آل عمران: الآية 102]

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً.

[سورة النساء: الآية 1]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً.

[سورة الأحزاب: الآية 70، 71]

أما بعد ...

فإن المتأمل فى أحوال هذا الخلق، يلحظ بعين بصيرته و بصره ربوبية الله تعالى و وحدانيته، و كمال حكمته و علمه و قدرته، و أنه الله الذى لا إله إلا هو، فلا شريك له يخلق كخلقه، و يختار كاختياره، و يدبر كتدبيره، فهذا الاختيار و التدبير، و التخصيص المشهود أثره فى هذا الكون الواسع من أعظم آيات ربوبيته، و أكبر شواهد وحدانيته، و صفات كماله، و صدق رسله، فمن ذلك اختياره- سبحانه و تعالى- من الأماكن و البلاد خيرها و أشرفها، و هى البلد الحرام، و المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة و أزكى التسليم.

خصائص البيت الحرام و فضائله:

فإن الله تعالى اختارهما لنبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و اصطفى البلد الحرام بأن جعله مناسك لعباده، و أوجب الإتيان إليه من القرب و البعد من كل فج عميق، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين، كاشفى رؤوسهم، متجردين عن لباس الدنيا، و جعله حرما آمنا، لا يسفك فيه دم، و لا تعضد به شجرة، و لا ينفر له صيد، و لا يختلى خلاه، و لا تلتقط لقطته للتمليك بل للتعريف ليس إلا، و جعل قصده مكفرا لما سلف من الذنوب، ماحيا للأوزار، حاطّا للخطايا، كما فى «الصحيحين»: عن أبى هريرة قال: قال رسول الله‏

2

(صلّى اللّه عليه و سلّم): «من أتى هذا البيت، فلم يرفث، و لم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه» (1). و لم يرض لقاصده من الثواب دون الجنة، ففى السنن عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«تابعوا بين الحج و العمرة، فإنهما ينفيان الفقر و الذنوب كما ينفى الكير خبث الحديد و الذهب و الفضة، و ليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة» (2). و فى معناه ما جاء فى «الصحيحين» عن أبى هريرة قال قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، و الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (3). ليس ذلك فحسب، بل أقسم الله تعالى به فى كتابه العزيز فى موضعين منه، فقال تعالى: وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏ (4). و قال تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (5). و معنى القسم به فى الموضعين التنويه بشأنه، و الإبانة عن شرفه؛ لما أنه مكان البيت الذى هو هدى للعالمين، و مولد سيد المرسلين، و مبعث خاتم النبيين، فليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعى إليها و الطواف بالبيت الذى فيها غيرها، و ليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله و استلامه، و تحط الخطايا و الأوزار فيه غير الحجر الأسود، و استلام الركن اليمانى، و ثبت عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن الصلاة فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، فعن عبد الله بن الزبير عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال:

«صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، و صلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة» (6). و ثبت فى «الصحيحين» عن أبى هريرة مضاعفة الصلاة فى المسجد الحرام على مسجد المدينة مطلقا، فعن أبى هريرة قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف‏

____________

(1) أخرجه البخارى: كتاب الحج- باب فضل الحج المبرور- ح (1521- فتح)، و مسلم: كتاب الحج- باب فضل الحج و العمرة و يوم عرفة ح (1350) و اللفظ لمسلم.

(2) أخرجه أحمد فى «المسند» (1/ 387)، و الترمذى: كتاب الحج- باب ما جاء فى ثواب الحج و العمرة- ح (810)، و النسائى: كتاب الحج- باب فضل المتابعة بين الحج و العمرة (5/ 115).

(3) أخرجه البخارى: كتاب العمرة- باب وجوب العمرة- ح (1773- فتح)، و مسلم: كتاب الحج- باب فضل الحج و العمرة و يوم عرفة ح (1349).

(4) سورة التين: الآية (3).

(5) سورة البلد: الآية (1).

(6) أخرجه أحمد فى المسند (4/ 5) بسند صحيح كما قال ابن القيم فى زاد المعاد (1/ 48)، و ابن حبان فى صحيحه ح (1620- إحسان).

3

صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» (7). و هذا صريح فى أن المسجد الحرام أفضل بقاع الأرض على الإطلاق، و سيأتى قريبا إيضاح ذلك، و لذلك كان شد الرحال إليه فرضا، و لغيره مما يستحب و لا يجب.

و من خصائصها: كونها قبلة لأهل الأرض كلهم، فليس على وجه الأرض قبلة غيرها، و أنه يحرم استقبالها و استدبارها عند قضاء الحاجة فى الصحراء دون سائر بقاع الأرض.

و من خواصها: أيضا أن المسجد الحرام أول مسجد وضع فى الأرض، كما فى «الصحيحين» عن أبى ذر قال: سألت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن أول مسجد وضع فى الأرض؟

فقال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أى؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم بينهما؟

قال: «أربعون عاما» (8). فإن الذى أسس المسجد الأقصى هو يعقوب بن إسحاق، و كان بينه و بين بناء إبراهيم- (عليه السلام)- هذا المقدار. و الله أعلم.

و مما يدل على تفضيلها أن الله تعالى أخبر أنها أم القرى، فالقرى كلها تبع لها و فرع عليها، و هى أصل القرى، فيجب ألا يكون لها فى القرى عديل.

و من خصائصها: أنها لا يجوز دخولها لغير أصحاب الحوائج المتكررة إلا بإحرام، على أحد القولين للشافعى و أحمد.

و من خواصها: أنه يعاقب فيه على الهم بالسيئات و إن لم يفعلها، قال تعالى:

وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏ (9). فتأمل كيف عدى فعل الإرادةها هنا بالباء، و لا يقال: أردت بكذا إلا لما ضمّن معنى فعل «هم»، فإنه يقال: هممت بكذا، فتوعد من هم بأن يظلم فيه بأن يذيقه العذاب الأليم.

و منها: تضاعف مقادير السيئات فيه، لا كمياتها، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن سيئة كبيرة، و جزاؤها مثلها، و صغيرة جزاؤها مثلها، فالسيئة فى حرم الله تعالى و بلده و على بساطه آكد و أعظم منها فى طرف من أطراف الأرض، و لهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه فى الموضع البعيد من داره و بساطه. و الله أعلم.

____________

(7) أخرجه البخارى: فضل الصلاة فى مسجد مكة و المدينة ح (1190- فتح)، و مسلم: كتاب الحج- باب فضل الصلاة بمسجدى مكة و المدينة ح (1394).

(8) أخرجه البخارى: كتاب أحاديث الأنبياء ح (3366- فتح)، و مسلم: كتاب المساجد و مواضع الصلاة ح (520).

(9) سورة الحج: الآية (25).

4

و منها: حرمة القتال فيه، فقد نهى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أصحابه عن قتال أحد، إلا أن يبدأ أناس المسلمين بالقتال، و إلا ستة أفراد أمر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقتلهم أينما وجدوا.

فأما المشركون و الملحدون فلا يتصور أن يقع قتالهم فيه، فقد ثبت شرعا أنه لا يجوز تمكين أحد يدين بغير الإسلام من الاستيطان بمكة باتفاق الأئمة، بل و من مجرد الدخول إليها عند الشافعية و كثير من المجتهدين؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا (10).

و أما البغاة- و هم من يعلنون البغى على الإمام الصالح- فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن بغيهم إلا بالقتال؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التى لا يجوز إضاعتها، فحفظها أولى فى الحرم من إضاعتها، و صوبه النووى.

و أما إقامة الحدود: فقد ذهب مالك و الشافعى إلى أن الحدود تقام فى الحرم المكى؛ لما رواه البخارى و مسلم من قول عمرو بن سعيد قال: إن الحرم لا يعيذ عاصيا و لا فارّا بدم و لا فارّا بخربة (11). و ذهب أبو حنيفة و هو رواية عن أحمد إلى أنه آمن مادام فى الحرم، و لكن يضيّق عليه و يضطر إلى الخروج منه، حتى إذا خرج استوفى منه الحد أو القصاص، و دليله فى ذلك عموم النهى عن القتال فيه. و الله أعلم.

خصائص المدينة و فضائلها:

لقد كرم الله تعالى المدينة و حباها و شرفها بكثير من الخصائص و الفضائل التى ليست لغيرها، فمن أعظم ما شرفها الله تعالى به أن جعلها مهجرا لنبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كهفا لأوليائه و عباده الصالحين، و معقلا و حصنا منيعا للمسلمين، و دار هدى للعالمين، فهى دار الإيمان و ملجأه فثبت فى «الصحيحين» عن أبى هريرة قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» (12). و فى «الصحيحين» أيضا عن أبى هريرة قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب، و هى‏

____________

(10) سورة التوبة: الآية (28).

(11) أخرجه البخارى: كتاب العلم- باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب ح (104- فتح)، و مسلم:

كتاب الحج- باب تحريم مكة و صيدها و خلاها ... ح (1354).

(12) أخرجه البخارى: كتاب فضائل المدينة- باب الإيمان يأرز إلى المدينة ح (1876- فتح)، و مسلم: كتاب الإيمان- باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا و سيعود غريبا .. ح (147).

5

المدينة، تنفى الناس كما ينفى الكير خبث الحديد» (13). مما جعل الإمام مالك و جمهور أصحابه يذهب إلى تفضيل المدينة مستدلين بهذه الأحاديث، و بما رواه الحاكم و غيره عن أبى هريرة أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «اللهم إنك أخرجتنى من أحب البلاد إلىّ فأسكنى أحب البلاد إليك» فأسكنه الله المدينة (14) قال الحافظ ابن كثير فى «البداية و النهاية»:

و هذا حديث غريب جدّا، و المشهور عن الجمهور أن مكة أفضل من المدينة، إلا المكان الذى ضم جسد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم). اه. و قال ابن عبد البر: لا يختلف أهل العلم فى نكارته و وضعه، و سئل عنه الإمام مالك رضي اللّه عنه فقال لا يحل لأحد أن ينسب الكذب الباطل إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم). اه. و قال الطبرى: و على تقدير صحته فلا دلالة فيه؛ لأن قوله:

«فأسكنى فى أحب البلاد». يدل سياقه فى العرف على أن المراد به بعد مكة، فإن الإنسان لا يسأل ما أخرج منه، فإنه قال: أخرجتنى فأسكنى، فدل على إرادة غير المخرج منه فتكون مكة مسكوتا عنها. اه. و أما الحديث الذى فيه المدينة خير من مكة، لا يرد؛ لأنه ضعيف. بل قيل: موضوع‏ (15)، و قد استدل الجمهور بأدلة كثيرة على تفضيل مكة، و أشهرها ما رواه أحمد عن عبد الله بن الحمراء أنه سمع النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو واقف بالحزورة فى سوق مكة يقول: «و الله إنك لخير أرض الله و أحب أرض الله إلىّ، و لو لا أنى أخرجت منك ما خرجت». و سيأتى تخريجه عند الكلام على أهمية دراسة تاريخ مكة و المدينة.

و من فضائلها: ما ورد فى فضل المسجد النبوى الشريف، من كونه المسجد الذى أسس على التقوى، و ما ثبت فى «الصحيحين» عن أبى هريرة قال قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدى هذا، و المسجد الحرام، و مسجد بيت المقدس» (16). و ثبت فى «الصحيحين» كذلك مضاعفة الصلاة فيه‏ (17). و من فضائلها

____________

(13) أخرجه البخارى: كتاب فضائل المدينة- باب فضل المدينة و أنها تنفى الناس- ح (1871- فتح)، و مسلم: كتاب الحج- باب المدينة تنفى شرارها- ح (1382).

(14) أخرجه الحاكم فى المستدرك (3/ 3) قال الذهبى: لكنه موضوع فقد ثبت أن أحب البلاد إلى الله مكة، و سعد ليس بثقة. اه.

(15) قاله فى الجامع اللطيف (ص 154).

(16) أخرجه البخارى: كتاب فضل الصلاة فى مسجد مكة و المدينة ح (1189- فتح)، و مسلم:

كتاب الحج- باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ح (1397).

(17) قد تقدم تخريجه فى خصائص مكة و فضائلها.

6

كذلك: ما ثبت فى «الصحيحين» عن أنس بن مالك أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفى ما بمكة من البركة» (18). و دعوته (صلّى اللّه عليه و سلّم) مستجابة بلا شك، و منها: ما ثبت فى «الصحيحين» عن عائشة- رضى الله عنها- قالت قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد، و صححها، و بارك لنا فى صاعها و مدها، و حول حماها إلى الجحفة» (19). و منها: شدة محبته (صلّى اللّه عليه و سلّم) للمدينة فقد ثبت فى البخارى عن أنس بن مالك كان النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة أوضع ناقته، و إن كانت دابة حركها قال أبو عبد الله البخارى: زاد الحارث بن عمير عن حميد حركها من حبها (20). و منها: وجود الروضة الشريفة فى مسجده (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقد ثبت فى «الصحيحين» عن أبى هريرة رضي اللّه عنه عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «ما بين بيتى و منبرى روضة من رياض الجنة، و منبرى على حوضى» (21).

و من الفضائل التى جمعت فى مكة و المدينة غير ما سبق‏

ما ثبت فى «الصحيحين» عن أبى هريرة قال قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون و لا الدجال» (22). و فيهما عن أنس عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة و المدينة، ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافّين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج الله كل كافر و منافق» (23). و فضائل مكة و المدينة كثيرة، و فيما ذكرناه كفاية، و سيأتى فى‏

____________

(18) أخرجه البخارى: كتاب فضائل المدينة ح (1885- فتح)، و مسلم: كتاب الحج- باب فضل المدينة ... ح (1369).

(19) أخرجه البخارى: كتاب فضائل المدينة ح (1889- فتح)، و مسلم: كتاب الحج- باب الترغيب فى سكنى المدينة، و الصبر على لأوائها ح (1376).

(20) أخرجه البخارى: كتاب العمرة- باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة ح (1802- فتح).

(21) أخرجه البخارى: كتاب فضل الصلاة فى مسجد مكة و المدينة- باب فضل ما بين القبر و المنبر ح (1196- فتح)، و مسلم: كتاب الحج- باب ما بين القبر و المنبر روضة من رياض الجنة ح (1391).

(22) أخرجه البخارى: كتاب فضائل المدينة- باب لا يدخل الدجال المدينة ح (1880- فتح)، و مسلم: كتاب الحج- باب صيانة المدينة من دخول الطاعون و الدجال إليها ح (1379).

(23) أخرجه البخارى: كتاب فضائل المدينة- باب لا يدخل الدجال المدينة ح (1881- فتح)، و مسلم: كتاب الفتن و أشراط الساعة- باب قصة الجساسة- ح (2943).

7

كلام المصنف بعضها. و بالله التوفيق.

أهمية دراسة تاريخ مكة و المدينة:

لما أظهر الله تعالى سر هذا التفضيل و الاختصاص، لبلده الحرام و مهجر رسول الإسلام، فى انجذاب الأفئدة، و هوى القلوب و انعطافها و محبتها لهما، فعن عبد الله بن عدى بن الحمراء، أنه سمع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو واقف على راحلته بالحزورة (24) من مكة يقول: «و الله إنك لخير أرض الله و أحب أرض الله إلى الله، و لو لا أنى أخرجت منك ما خرجت» (25). فمحبة ما أحب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الإيمان، ليس ذلك فحسب بل كم أنفق فى حبهما من الأموال و الأرواح، و رضى المحب بمفارقة فلذا الأكباد و الأهل و الأحباب و الأوطان، مقدّما بين يديه أنواع المخاوف و المتالف، و المعاطف و المشاق مستصغرا ذلك أمام تحصيل محبوبه.

فلما كان لهما هذه المكانة العالية، فقد لزم على أهل الإيمان معرفة تاريخهما و ما مر بهما من أمور عظام قبل مجى‏ء الإسلام؛ ليرى حفظ الله تعالى لهما، و ما حباهما من رعاية، فإن لذلك عظيم الأثر فى قلوب المؤمنين، زيادة فى محبتهما و توقيرهما، و سيمر بك إن شاء الله تعالى ما يؤيد ذلك من كلام المصنف، و ما سرده من أحداث.

و أما معرفة تاريخهما بعد مجى‏ء الإسلام، فهو أمر لا يخفى على ذى لب أهميته، فهما مهبط الوحى على النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و فيهما عاش أشرف الخلق بعد النبيين- عليهم الصلاة و السلام- و قد صنف أهل العلم مصنفات كثيرة فى تاريخهما، فمنهم من أفرد تاريخ مكة و أخبارها فى تصنيف مستقل مثل:

1- أخبار مكة للأزرقى ت نحو 250 ه.

2- تاريخ مكة لعمر بن شبه ت 262 ه.

3- أخبار مكة للفاكهى ت 272 ه.

4- القرى فى أخبار أم القرى للمحب الطبرى ت 694 ه.

5- العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين للفاسى ت 832 ه.

6- شفاء الغرام للفاسى ت 832 ه.

____________

(24) الحزورة: موضع بمكة.

(25) أخرجه أحمد فى المسند (4/ 305)، و الترمذى: كتاب المناقب- باب فضل مكة ح (3925)، و ابن ماجه: كتاب المناسك- باب فضل مكة- ح (3108) و قال الترمذى:

حسن غريب صحيح، و فى التحفة (5/ 316) قوله: حسن صحيح.

8

7- إتحاف الورى بأخبار أم القرى لابن فهد ت 885 ه.

8- الجامع اللطيف فى فضل مكة و أهلها و بناء البيت الشريف لابن ظهيرة القرشى ت 986 ه.

و منهم من أفرد تاريخ المدينة و أخبارها فى تصنيف مستقل مثل:

1- الدرة الثمينة فى أخبار المدينة لابن النجار ت 643 ه.

2- تاريخ المدينة لعمر بن شبه ت 262 ه.

3- التعريف بما آنست الهجرة محمد بن أحمد المطرى ت 741 ه.

4- تحقيق النصرة فى تلخيص معالم دار الهجرة للمراغى ت 816 ه.

5- التحفة اللطيفة فى تاريخ المدينة الشريفة للسخاوى ت 902 ه.

6- وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى السمهودى ت 911 ه.

و منهم من جمع بين تاريخ مكة و أخبارها و تاريخ المدينة و أخبارها فى تصنيف واحد، كأمثال الإمام العلامة قاضى مكة و مفتيها بهاء الدين أبى البقاء محمد بن أحمد بن عمر بن يوسف القرشى العمرى المكى الحنفى، المعروف بابن الضياء المتوفى سنة أربع و خمسين و ثمانمائة من الهجرة «854 ه.». فى كتابه: «تاريخ مكة المشرفة و المسجد الحرام و المدينة المنورة و القبر الشريف».

أهمية الكتاب:

يعد هذا الكتاب شاملا لكثير من الأحداث و الوقائع التاريخية التى وقعت قبل الإسلام و بعده لبلد الله الحرام و المدينة النبوية، بالإضافة إلى اهتمام المصنف بذكر معالم الحرمين و حدودهما و أهم المواضع و المزارات بهما، مع تأخر وفاة المصنف- (رحمه الله)- مما أمكنه من الاطلاع على كثير من المصنفات التى سبقته فجمع شتات ما تفرق فيها من أقوال و نقولات، و رتبه و نسقه على طريقة لم يسبق إليها، كما ستراه واضحا فى كلامه- (رحمه الله)-.

منهج المصنف فى كتابه:

قسم المصنف- (رحمه الله)- كتابه إلى بابين:

الباب الأول: فى تاريخ مكة المشرفة و ما يتعلق بالكعبة الشريفة و المسجد الحرام و غير ذلك على سبيل الاختصار.

و قد قسم المصنف هذا الباب إلى عدة عناوين، قد رأينا أنه من الأمثل تصديرها بلفظ [فصل‏] و هى مرتبة كالآتى:

9

- ذكر ما كانت الكعبة عليه فوق الماء قبل خلق السموات و الأرض.

- ذكر بناء الملائكة الكعبة قبل آدم و مبتدأ الطواف.

- ذكر هبوط آدم (عليه السلام) إلى الأرض و بنائه الكعبة.

- ما جاء فى رفع البيت المعمور من الغرق و بناء ولد آدم البيت بعده.

- ما جاء فى إسكان إبراهيم ابنه إسماعيل و أمه فى بدء أمره عند البيت.

- ما جاء فى نزول جرهم مع أم إسماعيل الحرم.

- ما جاء فى بناء إبراهيم الكعبة.

- ما جاء فى حج إبراهيم و طوافه و أذانه فى الحج.

- ذكر ولاية بنى إسماعيل الكعبة من بعده و أمر جرهم.

- ذكر ولاية خزاعة الكعبة بعد جرهم و أمر مكة.

- ما جاء فى ولاية قصى بن كلاب البيت الحرام.

- ما جاء فى عبادة بنى إسماعيل الحجارة.

- ما جاء فى أول من نصب الأصنام فى الكعبة و الاستقسام بالأزلام.

- ما جاء فى أول من نصب الأصنام و ما كان من كسرها.

- مسيرة تبع إلى مكة.

- مبتدأ حديث الفيل.

- ذكر الفيل حين ساقته الحبشة.

- ذكر بناء قريش الكعبة فى الجاهلية.

- ذكر الوقت الذى كانوا يفتحون فيه الكعبة و أول من خلع النعل عند دخولها.

- ذكر بناء ابن الزبير الكعبة و ما زاد فيها و ما نقص منها الحجاج.

- ذكر الجب الذى كان فى الكعبة و مالها الذى كان فيه.

- ذكر من كسا الكعبة فى الجاهلية.

- ذكر من كساها فى الإسلام و طيبها و خدمها.

- ما جاء فى تجريد الكعبة.

- ما جاء فى أسماء الكعبة و ألا يبنى بيت يشرف عليها.

- ذكر أول من استصبح حول الكعبة و فى المسجد الحرام.

- ذكر ذرع الكعبة من داخل و خارج.

- ذكر ما يدور بالحجر الأسود من الفضة.

10

- ما جاء فى مقام إبراهيم (عليه السلام).

- ما جاء فى موضع المقام و كيف رده عمر إلى موضعه.

- ما جاء فى الذهب الذى على المقام و من جعله عليه.

- ذكر ذرع المقام.

- ما جاء فى إخراج جبريل زمزم لأم إسماعيل.

- ما جاء فى حفر عبد المطلب بن هاشم زمزم.

- ذكر علاج زمزم فى الإسلام.

- ذكر فضل زمزم و خواصها.

- ذكر ذرع بئر زمزم.

- ذكر سقاية العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه.

- ذكر ذرع حد المسجد الحرام و ما يتعلق بالنوم و الوضوء.

- ذكر ما كان عليه المسجد الحرام وسعته و عمارته.

- ذكر عمل عمر بن الخطاب و عثمان رضى الله عنهما.

- ذكر بنيان ابن الزبير و عبد الملك بن مروان.

- ذكر عمارة الوليد بن عبد الملك.

- ذكر زيادة المهدى الأولى.

- ذكر زيادة المهدى الثانية.

- ذكر ذرع المسجد الحرام.

- ذكر عدد أساطين المسجد الحرام التى بالرواقات.

- ذكر عدد أبواب المسجد و أسمائها و صفتها.

- ذكر منارات المسجد الحرام.

- ذكر درج الصفا و المروة.

- ذكر آيات البيت الحرام زاده الله تشريفا و تعظيما.

- ذكر الأماكن المباركة بمكة المشرفة و حرمها.

- ذكر السقايات بمكة المشرفة و حرمها.

- ذكر البرك بمكة و حرمها.

- ذكر الأبار بمكة و حرمها.

- ذكر عيون مكة و حرمها.

11

- ذكر المطاهر التى تمكنت بمكة المشرفة.

الباب الثانى: فى تاريخ المدينة و ما يتعلق بالمسجد الشريف النبوى و الحجرة المقدسة و المنبر الشريف و زيارة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و مزارات المدينة و الجوار بها و آداب الرجوع.

و قسمه إلى عدة فصول و هى:

- فى أول ساكنى المدينة و سكنى اليهود الحجاز ثم نزول الأوس و الخزرج.

- فى ذكر فتح المدينة و هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه إليها.

- فى ما جاء فى حرمة المدينة و غبارها و تمرها و دعائه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لها بالبركة.

- فى أودية المدينة الشريفة و آبارها المنسوبة إلى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم).

- فى ذكر جلاء بنى النضير من المدينة و حفر الخندق و قتل بنى قريظة بالمدينة.

- فى ذكر ابتداء بناء مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ما زيد فيه أو نقص منه.

- المساجد التى صلى فيها النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) المعروفة بالمدينة و غيرها.

- فى ذكر وفاة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و فيه ذكر وفاة أبى بكر و وفاة عمر.

- فى حكم زيارة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و فضلها و كيفيتها.

و فى أثناء الكتاب يحيل المصنف إلى ما ذكره من فضائل الحرمين فى غير هذا الكتاب.

أهم الكتب التى اعتمد عليها المصنف:

اعتمد فى تاريخ مكة على: أخبار مكة للأزرقى، و أخبار مكة للفاكهى، و الروض الأنف للسهيلى، و القرى للمحب الطبرى، و تفسير ابن عطية، و تفسير القرطبى و التذكرة له. و اعتمد فى تاريخ المدينة على: الدرة الثمينة لابن النجار، و تاريخ المدينة جمال الدين المطرى و غير ذلك من الكتب و ستراها فى موضعها.

توثيق الكتاب:

اقتصر من ترجم للمصنف على ذكر بعض مؤلفاته و لم يستوعبوا ذكرها، و ذكر السخاوى فى «الضوء اللامع» أن المقريزى ذكر له مؤلفات، و لم يذكرها السخاوى فى كتابه المذكور و لا فى «التبر المسبوك»، و لم نقف على اسم كتابنا هذا ضمن ما عد من مؤلفات ابن الضياء، و نص عليه الأستاذ الزركلى و أحال على فهرست الكتبخانة (3/ 67)، و مجلة المنهل للدهلوى (7/ 297)، و بروكلمان‏S .2 .222 ، و فى هامش بروكلمان (6/ 329) كتابه فى أحوال مكة و المدينة مخطوط بالقاهرة، تاريخ (1570)

12

و لكنه ليس فى الكتالوج. اه. و هى نفس النسخة، و لله الحمد. أضف إلى ذلك تصريح المصنف باسم الكتاب فى مقدمته.

وصف النسخة:

اعتمدنا على النسخة المصورة من دار الكتب المصرية برقم (1570- تاريخ)، و هى نفس النسخة الموجودة بمعهد المخطوطات تحت رقم (128- تاريخ)، و هى بخط مشرقى جيد، منقوطة فى أكثرها، و فى مواضع منها كلمات غير واضحة، و فى بعضها طمس، و قد تم استدركها بحمد الله تعالى.

عدد الأوراق: 19؟؟؟ ورقة.

عدد الأسطر: 23 سطرا.

مقاس الصفحة 9 5، 16 سم تقريبا.

نوع الخط: نسخى.

تاريخ النسخ: سنة 924 ه.

اسم الناسخ: أحمد بن عدى بن أبى الليث الحنفى.

تاريخ النقل: سنة 1030 ه.

اسم الناقل: على بن عاشور البرلسى الإدكاوى.

عملنا فى الكتاب:

1- تم نسخ المخطوطة، و مقابلتها على الأصل.

2- قمنا بعمل مقدمة فى خصائص مكة و المدينة و فضلهما.

3- قمنا بعمل ترجمة مفصلة عن المصنف- (رحمه الله)-.

4- تم ضبط النص حسب القواعد الإملائية.

5- حاولنا ضبط النص من خلال الرجوع إلى المصنفات التى ذكرها المصنف و غيرها مما لم يذكره.

6- أثبتنا كلام المصنف كما هو، و نبهنا على وجه الصواب فى الهامش.

7- قمنا بوضع معكوفتين [] لما يحتاجه النص من استدراك، و نبهنا على ذلك فى الهامش.

8- قمنا بوضع معكوفتين [] لما وجد زائدا أو مكررا فى المخطوطة، و السياق يتم بدونه، و نبهنا على ذلك فى الهامش.

9- قمنا بتخريج الآيات القرآنية.

13

10- قمنا بتخريج الأحاديث النبوية، و بيان درجة بعض الأحاديث بالرجوع إلى أقوال أهل العلم بقدر الاستطاعة.

11- شرحنا بعض الكلمات الغريبة.

12- عرفنا ببعض البلدان و الأماكن.

13- قمنا بوضع كلمة [فصل‏] بين معكوفتين لكل عنوان ذكره المصنف فى تاريخ مكة، و قد ذكرها المصنف فى تاريخ المدينة.

14- أعددنا فهارس علمية تفيد القارئ.

و نسأل الله تعالى أن يتقبل عملنا هذا، و يجعله خالصا لوجهه الكريم، و أن ينفع به مؤلفه و محققاه و كل من نظر فيه ... آمين. و الحمد لله رب العالمين.

المحققان‏

القاهرة- حدائق القبة

3/ رجب/ 1417 ه.

13/ 11/ 1996 م.

14

() الورقة الأولى من المخطوطة

15

() الورقة الأخيرة من المخطوطة

16

ترجمة المصنف‏

اسمه و نسبه:

هو بهاء الدين، أبو البقاء، محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد بن محمد بن محمد بن عمر بن يوسف بن على بن إسماعيل المعروف بابن الضياء كأبيه، القرشى العمرى المكى الحنفى.

ولادته:

ولد فى ليلة تاسع المحرم سنة تسع و ثمانين و سبعمائة من الهجرة (789 ه.) فى مكة المكرمة، و هو صاغانى الأصل.

نشأته:

نشأ فى مكة المكرمة، و تلقى العلم على علمائها، فحفظ القرآن فى صغره، و حفظ متونا، و تلا القرآن بقراءة أبى عمرو على الشمس الحلبى، ثم جمع السبع و قرأ بها على محمد الصعيدى، و أخذ الفقه على أبيه بمكة.

أسرته:

بالنظر فى ترجمة المصنف يعلم أنه نشأ فى أسرة تحب العلم، و تشجع عليه، فقد كان والده- (رحمه الله)- من فقهاء الحنفية مهتما بالعلم محبا له، فقد ولد له أربعة من الأبناء كلهم علماء أعلام، منهم المصنف.

و أخوه محمد الرضى أبو حامد، الذى ولد فى أواخر رمضان سنة إحدى و تسعين و سبعمائة من الهجرة (791 ه) و قيل فى التى قبلها، له من التصانيف، شرح الكنز وصل فيه إلى الظهار فى نحو مجلدين، و جمع مجاميع و أشياء مهمة، و حدث و درس و أفتى، و ولى القضاء بعد موت المصنف، و ناب عن والده ثم عن المصنف، يقول السخاوى عنه كما فى الضوء اللامع (2/ 86): و كان إماما علامة مشاركا فى فنون، حسن الكتابة و التقييد، عظيم الرغبة فى المطالعة و الانتقاء. اه. مات بمكة فى رجب سنة ثمان و خمسين و ثمانمائة من الهجرة (858 ه.) (رحمه الله).

و أخوه محمد الجمال أبو الوفاء بن الضياء الحنفى، ولد فى ربيع الثانى سنة ست و تسعين و سبعمائة من الهجرة (796 ه.) و كان قاضيا و إماما و خطيبا بسولة بوادى نخلة، و مات فى يوم الجمعة حادى عشر ربيع الآخر سنة أربع و أربعين و ثمانمائة من الهجرة (844 ه.) بخيف بنى عمير من أعمال مكة، و دفن بالمعلاه- (رحمه الله)-.

17

محمد الضياء الكمال أبو البركات بن الضياء، سمع النشاورى فمن بعده، و من الجمال الأميوطى صحيح مسلم فى سنة تسع و ثمانين و سبعمائة، و حفظ المختار و الكافية فى النحو و غيرهما، و أجاز له العراقى و الهيثمى و ابن حاتم و ابن عرفة و غيرهم، و ناب القضاء عن أبيه ثم عن أخيه، و نزل له أبوه عن تدريس يلبغا و مشيخة رباط السدرة، و نصف تدريس الزنجيلى و غيرها، مات بمكة فى ليلة خامس المحرم سنة ثلاثين بضيق النفس بعد حكم حكمه نهارا- (رحمه الله)-.

رحلاته:

لم يكتف المصنف بتعلم العلم داخل بلده، بل دفعه حب العلم إلى مفارقة أسرته، فقد رحل غير مرة إلى القاهرة، و سمع على العديد من علمائها منهم الشرف بن الكويك، و الجمال الحنبلى، و الشمسين الزراتيتى و الشامى، و الحافظ ابن حجر العسقلانى صاحب الفتح و آخرون.

شيوخه:

و فى مقدمتهم أبوه فقد أخذ عنه الفقه و الأصول و المعانى و البيان و أصول الدين و غير ذلك قراءة و بحثا، و الجمال الأميوطى، و المحب أحمد بن أبى الفضل النويرى، و على ابن أحمد النويرى، و ابن صديق، و الشمس بن سكر، و الزين المراغى و ممن أجاز له:

أبو هريرة بن الذهبى، و أبو الخير بن العلائى، و رسلان الذهبى، و البلقينى، و ابن الملقن، و العراقى، و الهيثمى، و ابن قوام، و التنوخى، و ابن أبى المجد، و طائفة.

و ممن أخذ عنه بحثا:

1- والده- (رحمه الله)- و قرأ عليه المجمع عودا على بدء، و والده أخذه عن النظام أبى الفتوح مسعود و يقال بزغش بن البرهان إبراهيم بن الشرف محمد الكرمانى إجازة عن مؤلفه المظفر أحمد بن على بن تغلب بن الساعاتى.

2- قارئ الهداية فى القاهرة.

3- الشمس المعيد و أخذ عنه النحو بمكة المكرمة.

4- العز بن جماعة و أخذ عنه الأصول و المعانى و البيان فى القاهرة.

5- النجم السكاكينى و أخذ عنه كذلك الأصول و المعانى و البيان.

6- الشمس بن الضياء السنامى و أخذ عنه الأصول.

7- الشهاب أحمد الغزى الشامى و أخذ عنه مختصر ابن الحاجب فى الأصول.

8- الشمس البرماوى و أخذ عنه جميع ألفيته فى الأصول مع غالب شرحها.

18

و قد تقدم معنا الذى قرأ عليهم أثناء رحلاته إلى القاهرة.

الآخذون عنه:

فقد أخذ عنه الأئمة كالمحيوى عبد القادر المالكى، و السخاوى و أجاز له.

المناصب التى تولاها:

ناب فى القضاء بمكة عن أبيه، ثم استقل بالقضاء بعد وفاة والده- (رحمه الله)- ثم أضيف إليه نظر الحرم و الحسبة.

يقول ابن فهد فى إتحاف الورى (3/ 609) فى أحداث سنة سبع و عشرين و ثمانمائة من الهجرة (728 ه.)-: و فيها ولى القاضى أبو البقاء بن الضياء الحنفى نظر الحرم الشريف و الحسبة بمكة، و النظر على المطهرة الزيتية بركة عوضا عن أبى الفضل النويرى، و على رباط كلالة عوضا عن عبد القادر الحنبلى، و كلاهما بحكم وفاته. اه. ثم انفصل عنهما خاصة.

ثناء العلماء عليه:

يقول السخاوى: تقدم و ضرب فى العلوم بنصيب وافر. و يقول أيضا: و كان إماما علامة متقدما فى الفقه و الأصلين و العربية، مشاركا فى فنون، حسن الكتابة و التقييد، عظيم الرغبة فى المطالعة و الانتقاء. و قال أيضا: بلغنى عن أبى الخير بن عبد القوى أنه قال: أعرفه أزيد من خمسين سنة، و ما دخلت إليه قط إلا و وجدته يطالع أو يكتب، حدث و درس و أفتى و صنف.

و قال ابن أبى عذيبة: قاضى مكة المشرفة و عالم تلك البلاد و مفتيها على مذهبه مع الجودة و الخير و الخيرة بدنياه، سافر و طوف البلاد، و مع ذلك لم تفته وقفة بعرفة منذ احتلم إلى أن مات، و دخل بيت المقدس مرتين. اه. و ذكره المقريزى فى عقوده و أثنى على سيرته.

و قال السيوطى فى «نظم العقيان»: تفرد بالشيخوخة فى مذهبه ببلاد الحجاز.

مؤلفات أبى البقاء:

فى التفسير: له كتاب سماه «المتدارك على المدارك» وصل فيه إلى آخر سورة هود، و نقل أن والده- (رحمه الله)- أكمله. و الله أعلم.

و فى الحديث: له «النكت على الصحيح».

19

و فى الفقه: 1- له شرح على مجمع البحرين سماه «المشرع فى شرح المجمع» فى أربع مجلدات، و فى البدر الطالع «المسرع» بالسين المهملة، و الأول هو الصحيح، و ذكره كذلك فى «كشف الظنون».

2- «البحر العميق فى مناسك حج البيت العتيق» فى مجلدين كبيرين و فى الربع الأخير منه، بعض حوادث مكة و الكعبة و المسجد الحرام.

3- «تنزيه المسجد الحرام عن بدع جهلة العوام» فى مجلد.

4- شرح الوافى شرحين مطول و مختصر.

5- و شرح مقدمة الغزنوى فى العبادات، و سماه «الضياء المعنوى» فى مجلدين.

و قال السخاوى فى «التبر المسبوك»: و اسمه «الأدب المعنوى شرح مقدمة الغزنوى».

أصول الفقه: شرح أصول البزدوى، و لم يكمله و وصل فيه إلى القياس.

التاريخ: تاريخ مكة المشرفة و المسجد الحرام و المدينة المنورة و القبر الشريف و هو كتابنا هذا.

وفاته:

ذكرت المصادر أن أبا البقاء توفى فى ذى القعدة سنة أربع و خمسين و ثمانمائة من الهجرة (854 ه.) عن عمر قدره خمس و ستون سنة- (رحمه الله)- و عفا عنه و إيانا.

مصادر الترجمة:

1- الضوء اللامع للسخاوى (7/ 84).

2- التبر المسبوك للسخاوى (ص 334).

3- نظم العقيان للسيوطى (ص 137).

4- البدر الطالع للشوكانى (2/ 120).

5- الأعلام للزركلى (5/ 332).

20

[مقدمة المؤلف‏]

بسم الله الرحمن الرحيم‏ و به ثقتى و صلى الله على سيد المرسلين محمد و آله و صحبه أجمعين‏

و بعد ..

فهذا جزء مشتمل على ما يتعلق بأحوال مكة المشرفة و المسجد الحرام، و المدينة الشريفة و القبر الشريف، و غير ذلك مما يتعلق بالمقصود.

جمعه الفقير إلى الله تعالى، الشيخ الإمام العلامة، حجة الإسلام و المسلمين، مفتى الأنام ببلد الله الأمين، مرجع الطلاب و المدرسين، قاضى القضاة، شيخ الإسلام، أبو البقاء محمد بهاء الدين بن الضياء المكى الحنفى القرشى العمرى العدوى، جمعا مرتبا على بابين لم يسبق إليه و لا سبر غيره عليه؛ رجاء للثواب من الملك الوهاب، و الله المنعم و إليه المآب.

21

قال (رحمه الله):

الباب الأول فى تاريخ مكة المشرفة و ما يتعلق بالكعبة الشريفة و المسجد الحرام و غير ذلك على سبيل الاختصار

22

[فصل‏] ذكر ما كانت الكعبة عليه فوق الماء قبل خلق السموات و الأرض‏

اعلم أن الله تعالى خلق العالم فى ستة أيام، ابتداؤها يوم الأحد و الاثنين؛ لقوله تعالى: أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ‏ (1). و خلق الجبال يوم الثلاثاء، و الماء و الشجر يوم الأربعاء، و السماء يوم الخميس، و الشمس و القمر و النجوم و الملائكة و آدم يوم الجمعة، و لذلك سمى يوم الجمعة؛ لأنه جمع فيه خلق كل شى‏ء (2) قاله الشعبى حكاه الشهرستانى فى «أعلام النبوة» له، و قال محمد بن عبد الله الكسائى فى «بدء الدنيا» له: أول ما خلق الله تعالى اللوح ثم القلم ثم الماء. قال: و كل شى‏ء لا يفتر عن تسبيحه فى وقت/ [1/ أ] عن وقت إلا الماء، و تسبيحه: اضطرابه. و قيل: إنه بدأ بخلق السماوات قبل الأرض يوم الأحد و الاثنين؛ لقوله تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ‏ (3) و قيل: خلق السماء دخانا قبل الأرض، و فتقها سبعا بعد الأرض؛ لقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ‏. (4) قيل: إن ظهور الطاعة منهما قام مقام قولهما.

و قيل: إنه تعالى خلق فيهما كلاما نطق بذلك، فنطق من الأرض موضع الكعبة، و نطق من السماء ما بحيالها، فوضع الله تعالى فيها حرمه، قاله أبو نصر السّكسكى‏ (5). و فى هذا إشارة إلى اتصال حرمة البيت المعمور علويّا بحرمة البيت الحرام سفليّا، و سيأتى الكلام عليه. و قيل: خلق الله الأشياء من يوم الأحد إلى‏

____________

(1) سورة فصلت: الآية (9).

(2) ورد نحو هذا اللفظ مرفوعا من حديث ابن عباس، انظر تفسير الطبرى (25/ 94)، و تاريخ الطبرى (1/ 50)، و أورد الحافظ ابن كثير هذا الحديث المرفوع و قال عقبه: هذا الحديث فيه غرابة. اه.

انظر تفسير ابن كثير (1/ 94). و قال الطبرى فى تاريخه (1/ 45): و أولى القولين (يعنى ابتداء الخلق يوم الأحد أو يوم السبت) فى ذلك عندى بالصواب قول من قال: اليوم الذى ابتدأ الله- تعالى ذكره- فيه خلق السموات و الأرض يوم الأحد؛ لإجماع السلف من أهل العلم على ذلك اه. و قال فى (1/ 54): و الصواب من القول فى ذلك عندنا ما رويناه عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ذكر الحديث عن ابن عباس مختصرا، و قال فى (1/ 55): و الخبر الأول (يعنى: خبر ابن عباس) أصح مخرجا و أولى بالحق؛ لأنه قول أكثر السلف. اه.

(3) سورة فصلت: الآية (12).

(4) سورة فصلت: الآية (11).

(5) ذكره القرطبى فى تفسيره (15/ 344)، و ابن كثير فى التفسير (4/ 93).

23

يوم الخميس، و خلق فى يوم الخميس ثلاثة أشياء: السماوات و الملائكة و الجنة، إلى ثلاث ساعات بقيت من يوم الجمعة، فخلق فى الساعة الأولى الأوقات، و فى الثانية الأرزاق، و فى الثالثة آدم (عليه السلام)(1).

قال الثعلبى فى كتابيه «العرائس»، و «التفسير»- حين ذكر بدء الأرض-:

إن الله تعالى خلق جوهرة خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء، فخلق الأرض من زبده، و السماء من بخاره، فأول ما ظهر على وجه الأرض مكة. زاد غيره ثم المدينة، ثم بيت المقدس، ثم دحى الأرض منها طبقا واحدا، ثم فتقها بعد ذلك و كذلك السماء (2)؛ لقوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما. (3). ثم حمل الأرض على عاتق ملك، و الملك واقف على ياقوتة خضراء، و الياقوتة على سنام/ [ا/ ب‏] الثور، و اسمه يونان حكاه الكسائى. و الثور على صخرة خضراء، و هى المذكورة فى سورة لقمان‏ (4) و الصخرة على النون، و هو الحوت، و اسمه لوثيا، و قيل: بهموت. و قيل:

بنموت، و الحوت على البحر، و البحر على الريح، و الريح على القدرة، و هذا الحوت الذى يأكل أهل الجنة كبده، و هو المذكور فى سورة ن و القلم‏ (5)، و قيل المراد به: الدواة. فهذا بدء الدنيا (6).

و أول من سكن الأرض بعد الجن آدم و ذريته إلى زمن نوح (عليه السلام)، ثم قسم نوح الأرض بين أولاده: سام و حام و يافث. قيل: إن الأرض أربعة و عشرون ألف فرسخ، اثنا عشر ألفا للسودان، و ثمانية آلاف للروم، و ثلاثة آلاف لفارس، و ألف للعرب، و قيل: الدنيا درهم خمسة أسداسه للروم، و حام‏

____________

(1) هذا إشارة إلى الحديث المروى عن ابن عباس و قد تقدم الكلام عليه.

(2) عرائس المجالس (ص 5، 6)، و الجامع اللطيف (ص 18).

(3) سورة الأنبياء: الآية (30).

(4) فى قوله تعالى: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ سورة لقمان: الآية (16).

(5) فى قوله تعالى: ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ‏ سورة القلم: الآية (1).

(6) هذه الأقوال و غيرها ذكرها البغوى فى تفسيره (4/ 374، 375)، و الناظر فيها يعلم أنها مأخوذة عن بنى إسرائيل و من كتبهم و قصصهم و من افتراءاتهم، و لا تصح عن أهل الإسلام، فالأولى ألا يتتبعها العلماء و ألا يعولوا عليها فى تفاسيرهم إلا ليبينوا ما فيها من الأباطيل و الخرافات. و الله أعلم.

24

[أبو] (1) السودان، و يافث أبو الروم و الترك و يأجوج، و سام أبو العرب. و قيل:

سام أبو العرب و فارس و الروم، و فارس و الروم تنسب إلى جدهم روم بن عيص‏ (2). و قيل: بنو الأصفر ملوك الروم، و الأصفر اسم نتالوس بن روم أول ملوك الروم.

و قال وهب بن منبّه فى كتابه «التيجان»: إن إسحاق ولد له يعقوب و عيص، فيعقوب هو إسرائيل أبو الأسباط، و هو بالعربى صفوة الله، و عيص هو الأصفر، سمى به؛ لأن النيروز كان عندهم عيدا فحلته جدته سارة بالذهب فى ذلك اليوم، و دخلت به على إخوته، فقيل له: الأصفر؛ لصفرة الذهب. و قيل:

إنه كان أسمر إلى الصفرة، و هو موجود فى ذريته إلى اليوم‏ (3). و أما العرب فمن ولد إسماعيل؛ لأن ولد إسماعيل نشأوا من عربه، و عربه من تهامة فنسبوا إليها و قال قتادة: الأرض عشرون ألف فرسخ؛ اثنا عشر ألفا للسند/ [2/ أ] و الهند، و ثمانية آلاف ليأجوج و مأجوج، و ثلاثة آلاف للروم و العجم، و ألف للعرب.

و معمور الأرض هو جزء من استواء الشمس على وسط كرة الأرض إلى البحر المحيط بالأرض، و هو المسكون الذى قسمه نوح- (عليه السلام)- بين أولاده، فقسم سام وسط الأرض منه بيت المقدس و النيل و الفرات و دجلة و سيحون و جيحون، و ذلك ما بين قاسيون إلى شرقى النيل، و ما بين منخر (4) الريح الجنوبى إلى منخر الريح الشمالى، و لحام قسمه [الريح‏] (5) النيل [إلى‏] (5) و ما وراءه إلى منخر الريح الدبور، و ليافث من قاسيون و ما وراءه إلى منخر الصّبا. و قيل: إن العجم من وراء البحر مسيرة اثنتى عشرة سنة، و بلاد الروم مسيرة خمس سنين، و بلاد منسك عن يمين الدنيا مسيرة خمسة عشر (6) سنة، و بلاد يأجوج مسيرة مائة سنة، و قيل: الأرض ستة أجزاء خمسة منها ليأجوج و مأجوج و جزء للخلق حكاه‏

____________

(1) فى الأصل «أبى» و الصواب ما أثبتناه.

(2) فى الحاشية كلمة غير واضحة. و الله أعلم.

(3) هذه الحكايات لعلها من القسم المنقول عن بنى إسرائيل، أوردها أهل التواريخ فى كتبهم، لا تصدق و لا تكذب، بل يتوقف فى صحتها و لا يعول عليها. و الله أعلم.

(4) منخر الريح- مأخوذ من نخرة الريح: أى شدة هبوبها. القاموس المحيط «نخر».

(5) كأنه مضروب عليها فى الأصل. و الله أعلم.

(6) كذا فى الأصل، و الجادة «خمس عشرة». و الله أعلم.

25

القرطبى. و قال المنجمون: الأرض أربعة و عشرون قيراطا العامر منها أربعة قراريط و كسر. و قيل: ما العامر فى الخراب إلا كفسطاط فى فلاة من الأرض حكاه [ابن‏] الجوزى‏ (1) فى «درياق القلوب» و قال فى كتابه «المدهش» (2): الإقليم الأول:

إقليم الهند، و الثانى: إقليم الحجاز، و الثالث: إقليم مصر، و الرابع: إقليم بابل، و الخامس: «إقليم الشام» (3)، و السادس: إقليم بلاد الترك، و السابع: إقليم بلاد الصين، «كل إقليم مائة فرسخ» (4)، و «أوسطها» (5) إقليم بابل‏ (6) و فيه العراق التى هى سرة الدنيا (7). و الحجاز هو مكة و المدينة و اليمن و تحاليفها و قراها، و سمى حجازا؛ لأنه حجز بين السرة و نجد و قيل: لأنه حجز بين الشام و البادية و قيل:

/ [2/ ب‏] لأنه حجز بين نجد و العور.

رجعنا إلى ما نحن فيه عن كعب الأحبار قال: كانت الكعبة غثاء على الماء قبل أن يخلق الله السماوات و الأرض بأربعين سنة، و منها دحيت الأرض‏ (8). و عن ابن عباس قال: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السماوات و الأرض، بعث الله ريحا هفافة فصفقت الماء فأبرزت عن خشفة (9). فى موضع البيت كأنها قبة، فدحى الله الأرض من تحتها فمادت ثم مادت فأوتدها بالجبال، و كان أول جبل وضع فيها أبو قبيس فلذلك سميت مكة أم القرى‏ (10). و فى رواية: خلق الله موضع البيت قبل أن يخلق الأرض بألفى سنة، و إن قواعده لفى الأرض السابعة السفلى‏ (11). و أجمع العلماء على أن الكعبة أول بيت وضع للعبّاد، و اختلفوا هل‏

____________

(1) فى الأصل «الجوزى» و لم يذكر «ابن» و الصواب إثباتها. و الله أعلم.

(2) المدهش (ص 57).

(3) فى المدهش «إقليم الروم و الشام».

(4) ليست هذه العبارة فى المطبوع من المدهش.

(5) فى المطبوع من المدهش: «و أوسط الأقاليم».

(6) فى المطبوع من المدهش بعد قوله «إقليم بابل»: و هو أعمرها و فيه جزيرة العرب.

(7) إلى هنا انتهى كلام ابن الجوزى المنقول من المدهش. و الله أعلم.

(8) راجع أخبار مكة للأزرقى (1/ 31)، تفسير ابن كثير (1/ 178)، الروض الأنف (1/ 222).

(9) قال الخطابى: الخشفة واحدة الخشف: و هى حجارة تنبت فى الأرض نباتا. و تروى بالحاء المهملة و بالعين بدل الفاء. «النهاية» (2/ 35).

(10) الجامع اللطيف (ص 19)، و أخبار مكة للأزرقى (1/ 32).

(11) أخبار مكة للأزرقى (1/ 32) و هى عنده من قول مجاهد.

26

هو أول بيت وضع لغيرها أم لا (1)؟ فقيل: كانت قبله بيوت. و جمهور العلماء على أنه أول بيت وضع مطلقا.

و عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «البيت المعمور الذى فى السماء يقال له: الضّراح، و هو على البيت الحرام لو سقط سقط عليه يعمره كل يوم سبعون ألف ملك لم يروه قط، و إن فى السماء السابعة حرما على قدر حرمه» (2). رواه عبد الرزاق و فى رواية «يدخله كل يوم سبعون ألف دحية مع كل دحية سبعون ألف ملك». و الدحية (3): رئيس الجند، و الضراح‏ (4) بالضاد المعجمة و هو المشهور، و قيل بالمهملة مضمومة بعدها راء ثم ألف ثم حاء مهملة، و قال مجاهد: البيت المعمور- يعنى بالضاد- هو الضريح بالمعجمة، و الضريح فى اللغة البعيد. و عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)/ [3/ أ] قال: «هذا البيت خامس خمسة عشر بيتا، سبعة منها فى السماء إلى العرش، و سبعة منها إلى تخوم الأرض، و أعلاها الذى يلى العرش البيت المعمور، لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت، لو سقط منها بيت لسقط بعضها على بعض إلى تخوم الأرض السفلى، و لكل بيت من أهل السماء و من أهل الأرض من يعمره، كما يعمر هذا البيت» (5).

[فصل‏] ذكر بناء الملائكة الكعبة قبل آدم و مبتدأ الطواف‏

عن على بن الحسين- رضى الله عنهما- و قد سئل عن بدء الطواف‏

____________

(1) تفسير ابن كثير (1/ 178، 383) و صحح أنه كانت قبله بيوت، و قال الحافظ فى الفتح (6/ 470): و قد ورد ذلك صريحا عن على أخرجه إسحاق بن راهويه و ابن أبى حاتم و غيرهما بإسناد صحيح عنه. اه. و البداية و النهاية (1/ 185)، و تاريخ الطبرى (1/ 251)، و تفسير الطبرى (2/ 7)، و القرطبى (4/ 137)، و دلائل النبوة للبيهقى (2/ 55).

(2) أخرجه الطبرانى فى المعجم الكبير (11/ 417)، و قال فى المجمع (7/ 114): رواه الطبرانى و فيه إسحاق بن بشر أبو حذيفة و هو متروك. اه. و الأزرقى (1/ 49)، و هو عند عبد الرزاق (5/ 28) من حديث كريب مولى ابن عباس مرفوعا. و الله أعلم.

(3) النهاية (2/ 107).

(4) الضريح: و هو البيت المعمور، من المضارحة، و هى المقابلة و المضارعة. و من رواه بالصاد فقد صحف النهاية (3/ 81).

(5) الأزرقى (1/ 35)، و عنه فى الدر المنثور (1/ 128).

27

بالبيت: إن الله تعالى قال: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (1). قالت الملائكة: أى رب أخليفة من غيرنا ممن يفسد فيها و يسفك الدماء، فغضب عليهم فلاذوا بالعرش و رفعوا رؤوسهم و أشاروا بالأصابع يتضرعون و يبكون إشفاقا لغضبه، فطافوا بالعرش ثلاث ساعات. و فى رواية: سبعة أطواف- يسترضون ربهم- فرضى عنهم، و قال لهم: ابنوا لى فى الأرض بيتا يعوذ به كل من سخطت عليه من خلقى فيطوف حوله كما فعلتم بعرشى فأغفر له كما غفرت لكم فبنوا البيت» (2). و يروى: أن الله تعالى بعث ملائكة، فقال: ابنوا لى بيتا على مثال البيت المعمور و قدره ففعلوا، و أمر الله أن يطاف به كما يطاف بالبيت المعمور. و إن هذا كان قبل خلق آدم (عليه السلام)، و قبل خلق الأرض بألفى عام، و إن الأرض دحيت من تحته، و لذلك سميت مكة أم القرى أى أصل القرى. و يروى: أنه كان قبل هبوط آدم ياقوتة من يواقيت الجنة، و كان له بابان من زمرد أخضر شرقى و غربى و فيه قناديل من قناديل الجنة.

[فصل‏] (3) ذكر هبوط [3/ ب‏] آدم (عليه السلام) إلى الأرض و بنائه الكعبة و حجه و طوافه بالبيت.

عن ابن عباس قال: لما أهبط آدم إلى الأرض كان رأسه فى السماء و رجلاه فى الأرض و هو مثل الفلك من رعدته. قال: فطأطأ الله- عزوجل- منه إلى ستين ذراعا، فقال: يا رب مالى لا أسمع أصوات الملائكة و لا حسهم قال:

خطيئتك يا آدم، و لكن اذهب فابن لى بيتا فطف به، و اذكرنى حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشى. قال: فأقبل آدم يتخطى فطويت له الأرض و صارت كل مفازة يمر بها خطوة، و قيض له ما كان من مخاض أو بحر فجعل له خطوة- و فى رواية: أن خطوه مسيرة ثلاثة أيام- و لم تقع قدمه فى شى‏ء من الأرض إلا صار عمرانا و بركة حتى انتهى إلى مكة فبنى البيت الحرام، و أن جبريل- (عليه السلام)- ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أس ثابت فى الأرض السفلى فقذفت فيه الملائكة الصخر «ما يطيق» (4) الصخرة منها ثلاثون رجلا، و بناه من‏

____________

(1) سورة البقرة: الآية (30).

(2) الأزرقى (1/ 32) مطولا، و الروض الأنف (1/ 222) مختصرا.

(3) ذكر الأزرقى هذا الفصل بعينه و أتبعه بفصول تندرج تحته (1/ 36).

(4) كذا فى الأصل، و أشار محقق أخبار مكة للأزرقى إن كلمة «لا» ساقطة فى جميع الأصول. اه.-

28

خمسة أجبل من: لبنان و طور زيتا و طور سيناء و الجودى و حراء (1) حتى استوى على وجه الأرض. و قال ابن عباس: فكان أول من أسس البيت و صلى فيه و طاف به آدم- (عليه السلام)- حتى بعث الله الطوفان، و كان غضبا و رجسا فحيث ما انتهى الطوفان ذهب ريح آدم، و لم يقرب الطوفان أرض السند و الهند. قال:

فدرس موضع البيت فى الطوفان حتى بعث الله تعالى إبراهيم و إسماعيل فرفعا قواعده و أعلامه، و بنته قريش بعد ذلك. و يروى أنه لما أهبط إلى الأرض بأرض الهند و اشتد بكاؤه و حزنه و تاب الله عليه أمر [4/ أ] بالسير إلى مكة حتى انتهى إليها، فعزّاه الله بخيمة من خيام الجنة و وضعها له موضع الكعبة، و تلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة، فيها ثلاث‏ (2) قناديل من ذهب من تبر الجنة، فيها نور يلتهب من نور الجنة، و نزل معه الركن ياقوتة بيضاء من ربض الجنة و كان كرسيّا لآدم- (عليه السلام)- يجلس عليه، فلما صار آدم بمكة حرسه الله و حرس له تلك الخيمة بالملائكة، كانوا يحرسونها و يذودون عنها ساكنى الأرض، و سكانها يومئذ الجن و الشياطين، و لا ينبغى لهم أن ينظروا إلى شى‏ء من الجنة؛ لأنه من نظر إلى شى‏ء من الجنة و جبت له، و الأرض يومئذ طاهرة نقية لم تنجس و لم تسفك فيها الدماء و لم يعمل فيها الخطايا، فلذلك جعلها الله مسكن الملائكة و جعلهم فيها كما كانوا فى السماء يسبحون الليل و النهار لا يفترون، و كان وقوفهم فى أعلام الحرم صفّا واحدا مستديرين بالحرم كله، الحل من خلفهم و الحرم كله من أمامهم فلا يجوز بهم جنى و لا شيطان، فمن أجل مقام الملائكة حرم الحرم حتى اليوم و وضعت أعلامه حيث كان مقام الملائكة، و حرم الله على حواء دخول الحرم و النظر إلى خيمة آدم من أجل خطيئتها فلم تنظر إليها حتى قبضت، و كان آدم إذا أراد أن يلم بقاء (3) للولد خرج من الحرم كله حتى يلقاها، فلم تزل خيمة آدم مكانها حتى قبضه الله و رفعها، و بنى بنو آدم من بعدها مكانها بيتا بالطين و الحجارة فلم يزل معمورا يعمرونه و من بعدهم حتى كان زمن نوح فنسفه الغرق و خفى مكانه، فلما بعث الله إبراهيم طلب الأساس فلما وصل‏

____________

- يعنى أنها كالأصل و ليست «ما لا يطيق». و الله أعلم.

(1) راجع الجامع اللطيف (ص 77)، و فى الروض الأنف (1/ 223) «طور تينا» بدلا من «طور سيناء».

و الله أعلم.

(2) كذا فى الأصل، و أخبار مكة للأزرقى و الجادة ثلاثة. و الله أعلم.

(3) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «لقاء». و الله أعلم.

29

إليه/ [4/ ب‏] ظلل الله مكان البيت بغمامة فكانت حفاف البيت الأول، و لم تزل راكدة على حفافه تظل إبراهيم و تهديه مكان البيت حتى رفع القواعد قامة ثم انكشفت الغمامة. و يروى‏ (1) أنه لما أهبطه الله إلى الأرض أهبطه إلى موضع البيت الحرام و اشتاق إلى الجنة فأنزل الله عليه الحجر الأسود- و هو ياقوتة من يواقيت الجنة- فأخذه آدم فضمه إليه استئناسا به، فقيل له: تخطى يا آدم فتخطا فإذا هو بأرض الهند فمكث ما شاء الله ثم استوحش إلى الركن، فقيل له:

احجج فحج فلقيته الملائكة فقالوا: بر حجّك يا آدم فقد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام.

و ذكر الأزرقى‏ (2) أن الملائكة لقيته بالمأزمين- و فى رواية بالردم‏ (3)، و فى رواية أخرى فى الطواف‏ (4)- و يروى: أنه أقام بمكة يعبد الله عند البيت فلم تزل داره حتى قبضه الله بها (5) و يروى: أن الله تعالى أنزل البيت الحرام ياقوتة مجوفة مع آدم فقيل له: إن هذا بيتى أنزلته معك يطاف حوله كما يطاف حول عرشى، و نزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة فوضع البيت عليه فلما أغرق الله قوم نوح رفعه إلى السماء و بقيت قواعده‏ (6). و عن ابن عباس قال: كان آدم أول من أسس البيت و صلى فيه‏ (7). و عنه قال: حج آدم فطاف بالبيت سبعا فلقيته الملائكة فى الطواف، فقالوا: بر حجك يا آدم أما إنا قد حججنا قبلك هذا البيت بألفى عام. قال: فما كنتم تقولون فى الطواف؟ قالوا: كنا نقول:

سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر. قال آدم: فزيدوا فيها و لا حول و لا قوة إلا بالله. فزادت فيها ذلك، ثم حج إبراهيم بعد بنائه البيت فلقيته الملائكة فى الطواف فسلموا عليه، فقال لهم إبراهيم: ماذا/ [5/ أ] كنتم تقولون فى طوافكم؟ قالوا: كنا نقول قبل أبيك آدم: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر. فقال آدم: زيدوا فيها و لا حول و لا قوة إلا بالله.

____________

(1) ذكر الأزرقى نحوه بسنده عن ابن عباس (1/ 39).

(2) الأزرقى (1/ 45).

(3) الأزرقى (1/ 44).

(4) الأزرقى (1/ 45).

(5) الأزرقى (1/ 39) عن محمد بن إسحاق.

(6) الأزرقى (1/ 40) عن كعب.

(7) الأزرقى (1/ 40).

30

فقال إبراهيم: زيدوا فيها العلى العظيم ففعلت الملائكة ذلك‏ (1).

و عن وهب بن منبه قال: إن آدم- (عليه السلام)- لما أهبط إلى الأرض استوحش لما رأى من شعثها (2)، و لم ير فيها أحدا غيره، فقال: يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبحك فيها و يقدس لك غيرى. قال: سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدى و يقدس لى، و سأجعل فيها بيوتا ترفع لذكرى و يسبحنى فيها خلقى، و سأبوئك فيها بيتا أختاره لنفسى و أختصه بكرامتى و أوثره على بيوت الأرض كلها، باسمى فأسميه بيتى و أنطقه بعظمتى و أحوزه بحرماتى و أجعله أحق بيوت الأرض كلها و أولاها بذكرى، و أضعها (3) فى البقعة التى اخترت لنفسى فإنى اخترت مكانه يوم خلقت السماوات و الأرض، و قبل ذلك قد كان بغيتى، فهو صفوتى من البيوت و لست أسكنه، و ليس ينبغى لى أن أسكن البيوت و لا ينبغى لها أن تسعنى، و لكنى على كرسى الكبرياء و الجبروت و هو الذى يستقل بعرشى و عليه وضعت عظمتى، ثم هو بعد ذلك ضعيف عنى لو لا قوتى، أجعل ذلك البيت لك و لمن بعدك حرما و أمنا، أحرم بحرماته ما فوقه و ما تحته و ما حوله، فمن حرمه بحرماتى فقد عظم حرماتى، و من أحله فقد أباح حرماتى، و من آمن أهله فقد استوجب بذلك أمانى، و من أخافهم فقد أخفرنى فى ذمتى، و من عظم شأنه عظم فى عينى، و من تهاون به صغر فى عينى، و لكل ملك حيازة ما حواليه و بطن مكة خيرتى و حيازتى و جيران/ [5/ ب‏] بيتى، و عمارها و فدى و أضيافى فى كنفى ضامنون علىّ فى ذمتى و جوارى، فأجعله أول بيت وضع للناس و أعمره بأهل السماء و الأرض، يأتونه أفواجا شعثا غبرا على كل ضامر يأتين من كل فج عميق، يعجون بالتكبير عجيجا، و يرجّون بالتكبير رجيجا، و ينتحبون بالبكاء نحيبا، فمن اعتمره لا يريد غيره فقد زارنى و وفد إلىّ و نزل بى، و من نزل بى فحقيق على أن أتحفه بكرامتى، و حق على الكريم أن يكرم وفده و أضيافه و أن يسعف كل واحد منهم بحاجته، تعمره يا آدم ما كنت حيّا ثم تعمره من بعدك الأمم و القرون [و] (4) الأنبياء، أمة بعد أمة و قرن بعد قرن و نبى بعد نبى حتى ينتهى ذلك إلى نبى من ولدك و هو خاتم النبيين فأجعله من عماره و سكانه و حماته‏

____________

(1) الأزرقى (1/ 45، 46).

(2) كذا فى الأصل، و فى الأزرقى «سعتها». و الله أعلم.

(3) هكذا فى الأصل، و السياق يقتضى «و أضعه». و الله أعلم.

(4) ليست فى الأصل، و السياق يقتضيها. و الله أعلم.

31

و ولاته و سقاته يكون أمينى عليه ما كان حيا، و أجعل اسم ذلك البيت و ذكره و شرفه لنبى من ولدك قبل هذا النبى و هو أبوه يقال له: إبراهيم، أرفع له قواعده و أقضى على يديه عمارته و أنيط له سقايته، و أريه حله و حرمه و أعلمه مناسكه و مشاعره و أجعله أمة واحدة قانتا إلى، بأمرى أجتبيه و أهديه إلى صراط مستقيم، أستجيب له فى ولده و ذريته من بعده و أشفعه فيهم فأجعلهم أهل ذلك البيت و ولاته و حماته، و سقاته و خدّامه و خزانه و حجابه، حتى يبتدعوا و يغيروا، فإذا فعلوا ذلك فأنا أقدر القادرين على أن أستبدل من أشاء بمن أشاء، أجعل إبراهيم أهل ذلك البيت و أهل تلك الشريعة يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الإنس و الجن يطأون فيها آثاره و يتبعون فيها سنته و يقتدون فيها بهديه، فمن فعل ذلك/ [6/ أ] منهم أوفى نذره و استكمل نسكه، و من لم يفعل ضيع نسكه و أخطأ بغيته، فمن سأل عنى يومئذ فى تلك المواطن أين أنا؟ فأنا مع الشعث الغبر الموفين بنذورهم المستكملين مناسكهم المستهدين إلى ربهم، و ليس هذا الأمر الذى قصصت عليك يا آدم شأنه يزايدنى فى ملكى و لا عظمتى و سلطانى، إلا كما زادت قطرة من رشاش وقعت فى سبعة أبحر تمدها من بعدها سبعة أبحر لا تحصى بل القطرة أزيد فى البحر من هذا الأمر فى شى‏ء مما عندى من الغنى و السعة الحديث رواه الأزرقى‏ (1). و يروى عن عطاء أنه أهبط آدم- (عليه السلام)- معه بيت و كان يطوف به و المؤمنون من ولده كذلك إلى زمان الغرق ثم رفعه الله فصار فى السماء و هو الذى يدعى البيت المعمور (2) ذكره الحليمى فى كتاب «منهاج الدين» له، و قال: يجوز أن يكون معنى ما قاله قتادة: من أنه أهبط مع آدم بيت. أى: أهبط معه مقدار البيت المعمور طولا و عرضا و سمطا ثم قيل له:

ابن بقدره و خياله‏ (3) فكان خياله‏ (3) موضع الكعبة فبناها فيه، و أما الخيمة فقد يجوز أن تكون أنزلت و ضربت فى موضع الكعبة فلما أمر ببنائها فبناها كانت حول الكعبة؛ طمأنينة لقلب آدم ما عاش ثم رفعت. فتتفق هذه الأخبار (4).

و فى رواية: لما فرغ آدم من بناء البيت خرج به الملك إلى عرفات، فأراه‏

____________

(1) (1/ 46- 48) و فيه ألفاظ منكرة.

(2) تفسير القرطبى (2/ 121) و ذكر أنه روى عن قتادة، و ما ذكره المصنف بعد ذلك يدل على أنه قوله. و الله أعلم.

(3) كذا فى الأصل، و فى تفسير القرطبى «و بحياله»، و «حياله». و الله أعلم.

(4) راجع تفسير القرطبى (2/ 121).

32

المناسك كلها التى يفعلها الناس اليوم، ثم قدم به مكة و طاف بالبيت أسبوعا، ثم رجع إلى أرض الهند.

[فصل‏] ما جاء فى رفع البيت المعمور من الغرق و بناء ولد آدم البيت بعده و طواف سفينة نوح بالبيت، و أثر/ [6/ ب‏] الكعبة بين نوح و إبراهيم و اختيار إبراهيم (عليه السلام) موضع البيت.

عن مجاهد قال: بلغنى أنه لما خلق الله السماوات و الأرض كان أول شى‏ء وضعه فيها البيت الحرام، و هو يومئذ ياقوتة حمراء لها بابان شرقى و غربى، فجعله مستقبل البيت المعمور، فلما كان زمن الغرق رفع فى ديباجتين و هو فيهما إلى يوم القيامة، و استودع الله الركن أبا قبيس‏ (1). و فى رواية: بعث جبريل حتى خبأه فى أبى قبيس؛ و فى رواية: رفع إلى السماء؛ و قال ابن عباس: كان ذهبا فرفع زمان الغرق‏ (2)، و قال ابن جريج: كان بمكة البيت المعمور فرفع زمان الغرق فهو فى السماء (3). و يروى: أن آدم- (عليه السلام)- قال: أى رب إنى أعرف شقوتى إنى لا أرى شيئا من نورك بعد؛ فأنزل الله البيت المعمور على عرض البيت فى موضعه من ياقوتة حمراء، و لكن طوله كما بين السماء و الأرض و أمره أن يطوف به؛ فأذهب الله عنه الغم الذى كان يجد، ثم رفع على عهد نوح‏ (4).

و عن وهب بن منبه قال: لما رفعت الخيمة التى وضعت بمكة فى موضع البيت و مات آدم، بنى بنو آدم من بعده مكانها بنيانا بالطين و الحجارة، فلم يزل معمورا يعمرونه هم و من بعدهم حتى كان زمن نوح فنسفه الغرق‏ (5)، و فى رواية: أول من بنى البيت بالطين و الحجارة شيث- (عليه السلام)- و عن ابن عباس قال: كان مع نوح- (عليه السلام)- فى السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم، و كانوا فى السفينة مائة و خمسين يوما، و أن الله تعالى وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوما وجهها إلى الجودى فاستقرت عليه فبعث نوح/ [7/ أ]

____________

(1) الأزرقى (1/ 50، 51).

(2) الأزرقى (1/ 51).

(3) فى الأزرقى قال ابن جريج قال جويبر .. و ذكره (1/ 51).

(4) الأزرقى عن مقاتل يرفع الحديث (1/ 51).

(5) الأزرقى (1/ 51).

33

الغراب؛ ليأتيه بخبر الأرض فذهب و لم يرجع فوقع فى الجيف و أبطأ عنه، فبعث بالحمامة فأتت بورق الزيتون و لطخت رجلها بالطين، فعرف نوح أن الماء قد نضب فهبط إلى أسفل الجودى فابتنى قرية، فأصبحوا ذات يوم قد تبلبلت‏ (1) ألسنتهم على ثمانين لغة، أحدها العربى و كان لا يفقه بعضهم كلام بعض، و كان نوح- (عليه السلام)- يعبر عنهم‏ (2).

و عن مجاهد: أنه كان موضع البيت قد خفى و درس من الغرق بين نوح و إبراهيم- (عليهما السلام)- قال: فكان موضعه أكمة حمراء مدرة لا يعلوها السيول، و كان يأتيه المظلوم من أقطار الأرض و يدعو عنده المكروب فقلّ من دعا هنالك إلا استجيب له، و كان الناس يحجون إلى موضع البيت حتى بوأ الله مكانه لإبراهيم‏ (3).

و عن عثمان بن ساج قال: بلغنا أن إبراهيم عرج به إلى السماء فنظر إلى الأرض مشارقها و مغاربها فاختار موضع الكعبة، فقالت له الملائكة: يا خليل الله اخترت حرم الله فى الأرض، فبناه من حجارة و سبعة أجبل، و قيل:

خمسة، و كانت الملائكة تأتى بالحجارة إلى إبراهيم من تلك الجبال‏ (4).

[فصل‏] ما جاء فى إسكان إبراهيم ابنه إسماعيل و أمه فى بدء أمره عند البيت‏

عن مجاهد: أن الله تعالى لما بوأ لإبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام و خرج معه بابنه إسماعيل و أمه هاجر، و إسماعيل طفل مرضع و حملوا على البراق و معه جبريل يدله على موضع البيت و معالم الحرم، و جعل إبراهيم- (عليه السلام)- لا يمر بقرية من القرى إلا قال إبراهيم: أبهذا أمرت؟/ [7/ ب‏] فيقول له جبريل: امض حتى قدم مكة، و هى إذ ذاك عضاه‏ (5) من سلم و سمر، و بها العماليق خارجا عن مكة فيما حولها، و البيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل: أهاهنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم. فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، و أمر هاجر أم إسماعيل تتخذ فيها عريشا، ثم قال: رَبَّنا إِنِّي‏

____________

(1) تغيرت و اختلفت.

(2) الأزرقى (1/ 52).

(3) الأزرقى (1/ 52، 53).

(4) الأزرقى (1/ 53).

(5) يقال لكل شجر عظيم له شوك. النهاية (3/ 255).

34

أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ‏ (1) الآية. ثم انصرف إلى الشام و تركهما عند البيت‏ (2). قال ابن جريج: و بلغنى أن جبريل قال لأم إسماعيل- فأشار بها إلى موضع البيت-: هذا أول بيت وضع للناس، و هو بيت الله العتيق، و اعلمى أن إبراهيم و إسماعيل يرفعانه للناس و يعمرانه، فلا يزال معمورا محرما مكرما إلى يوم القيامة، فاتت‏ (3) أم إسماعيل قبل أن يرفعه إبراهيم و إسماعيل، فدفنت فى موضع الحجر (4).

[فصل‏] ما جاء فى نزول جرهم مع أم إسماعيل الحرم‏

يروى أنه لما أخرج الله ماء زمزم لأم إسماعيل- بينما هى على ذلك- مر ركب من جرهم قافلين من الشام فى الطريق السفلى، فرأى الركب الطير على الماء، فقال بعضهم: ما كان بهذا الوادى من ماء و لا أنيس، فأرسلوا جريين‏ (5) لهم حتى أتيا أم إسماعيل فكلماها، ثم رجعا إلى ركبهما فأخبراهم بمكانهما، فرجع الركب كلهم حتى حيوها فردت عليهم، فقالوا: لمن هذا [المال‏] (6)؟ قالت أم إسماعيل: هو لى. قالوا لها: أتأذنين لنا أن ننزل معك عليه؟ قالت: نعم.

قال النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ألفى ذلك أم إسماعيل، و قد أحبت الأنس» (7). فنزلوا و بعثوا إلى أهاليهم فقدموا و سكنوا تحت الدوح، و اعترشوا عليها العرش فكانت معهم هى و ابنها/ [8/ أ] حتى ترعوع الغلام و نفسوا فيه و أعجبهم، و توفيت أم إسماعيل.

و طعامهم الصيد يخرجون من الحرم و يخرج معهم إسماعيل فيصيد، فلما بلغ أنكحوه جارية منهم. فأقبل إبراهيم من الشام يقول: حتى أطالع تركتى، فقدم مكة فوجد امرأة إسماعيل فسألها عنه، فقالت: هو غائب و لم تكن‏ (8) له فى‏

____________

(1) سورة إبراهيم: الآية (27)، و سقط من الأصل قوله تعالى: ذِي‏.

(2) الأزرقى (1/ 54).

(3) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «فماتت» و بها يتضح المعنى. و الله أعلم.

(4) الأزرقى (1/ 56).

(5) جريين- مثنى جرى-: و هو الرسول. النهاية (1/ 264)، و راجع الفتح (6/ 464).

(6) كذا فى الأصل، و فى الأزرقى «الماء».

(7) أخرجه البخارى كتاب أحاديث الأنبياء باب يزفون النسلان فى المشى ح (3364- فتح) عن ابن عباس، و ذكر فيه القصة بنحوها.

(8) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «تلن» و الذى هنا بمعنى: تسر. و الله أعلم.

35

القول، فقال لها: قولى لإسماعيل: قد جاء بعدك شيخ كذا و كذا، و هو يقرأ عليك السلام و يقول لك: غير عتبة بيتك فإنى لم أرضها لك. و كان إسماعيل كلما جاء يسأل أهله هل جاءكم أحد بعدى؟ فلما رجع سأل أهله، فقالت امرأته: قد جاء بعدك شيخ فنعتته له، فقال لها إسماعيل: قلت له شيئا. قالت:

لا. قال: فهل قال لك شيئا. قالت: نعم، اقرئى (عليه السلام) و قولى له: غير عتبة بيتك فإنى لم أرضها لك. قال إسماعيل: أنت عتبة بيتى فارجعى إلى أهلك، فردها إسماعيل فأنكحوه امرأة أخرى اسمها سامة بنت مهلهل، و قيل: عاتكة (1) ثم لبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم رجع إبراهيم فوجد إسماعيل غائبا و وجد امرأته الأخرى، فوقف فسلم فردت (عليه السلام) و استنزلته و عرضت عليه الطعام و الشراب، فقال: ما شرابكم و طعامكم، قالت: اللحم و الماء. فقال:

هل من حب أو غيره من الطعام؟ قالت: لا. قال: بارك الله لكم فى اللحم و الماء. قال النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لو وجد عندها يومئذ حبا لدعا لهم بالبركة فيه؛ فكانت تكون أرضا ذات زرع». ثم ولى إبراهيم و قال: قولى له: قد جاء بعدك شيخ فقال: إنى وجدت عتبة بيتك/ [8/ ب‏] صالحة فأقرّها (2).

[فصل‏] ما جاء فى بناء إبراهيم الكعبة

قال الله تعالى: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ‏ (3) أى: يبنى القواعد و هى الأساس جمع قاعدة (4). عن ابن عباس قال: لبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم جاء الثالثة فوجد إسماعيل قاعدا تحت الدوحة التى إلى ناحية الستر (5) يبرى نبلا له فسلم عليه و نزل عليه فقعد معه، فقال إبراهيم: يا إسماعيل إن الله قد أمرنى بأمر. فقال إسماعيل: أطع ربك فيما أمرك- و يروى: أنه‏

____________

(1) كذا فى الروض (1/ 17).

(2) الأزرقى (1/ 57، 58)، و الحديث أخرجه البخارى: كتاب أحاديث الأنبياء- باب يزفون النسلان فى المشى ح (3364، 3365- فتح) بنحوه، و مختصرا فى النسائى الكبرى (5/ 100)، و مسند الإمام أحمد (1/ 53، 347، 360)، و راجع تاريخ الطبرى (1/ 255).

(3) سورة البقرة: الآية (127).

(4) تفسير ابن كثير (1/ 175)، و البخارى (8/ 19- فتح)، و تفسير القرطبى (2/ 120)، و تفسير الطبرى (1/ 546).

(5) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «البئر». و الله أعلم.

36

قال: و تعيننى. قال: و أعينك‏ (1)- فقال إبراهيم: أمرنى ربى أن أبنى له بيتا. قال له إسماعيل: و أين هو؟ فأشار له إلى أكمة مرتفعة على ما حولها عليها رضراض‏ (2) من حصباء يأتيها السيل من نواحيها و لا يركبها، فقاما يحفران عن القواعد و يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا تقبل منا إنك سميع الدعاء. و يحمل له إسماعيل الحجارة على رقبته و يبنى إبراهيم، فلما ارتفع البنيان و شق على إبراهيم تناوله قرب له هذا الحجر- يعنى المقام- فكان يقوم عليه و يبنى و يحوله فى نواحى البيت، حتى انتهى إلى وجه البيت، فلذلك سمى مقام إبراهيم لقيامه عليه‏ (3).

و فى رواية لابن عباس: أنه لما جاء إبراهيم إلى إسماعيل و رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الولد بالوالد و الوالد بالولد، و بكيا حتى أبكيا أو أجابتهما الطير (4).

و قال مجاهد: أقبل إبراهيم و معه السكينة و الصّرد و الملك من الشام دليلا، حتى تبوءا البيت الحرام، كما تبوأت العنكبوت بيتا، و كان للسكينة رأس كرأس الهرة و جناحان. و فى رواية:/ [9/ أ] كأنها غمامة أو ضبابة فى وسطها كهيئة الرأس يتكلم، و فى رواية: هى ريح خجوج لها رأس، و فى رواية: لها رأسان، و فى رواية: لها وجه يتكلم و هو بعد ريح هفافة، و فى رواية: لها رأس كرأس الإنسان، و قيل: السكينة الرحمة (5).

قال السهيلى: و السكينة من شأن الصلاة. قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «و أتوها و عليكم السكينة» (6) (7). فجعلت علما على قبلتها حكمة من الله سبحانه. فقالت السكينة: يا إبراهيم ربّض على البيت، فلذلك لا يطوف بالبيت ملك من هذه‏

____________

(1) الأزرقى (1/ 60)، و تفسير الطبرى (1/ 550).

(2) الرّضراض: الحصى، أو صغارها. القاموس المحيط (رضّ).

(3) تفسير ابن كثير (1/ 177)، و تفسير الطبرى (1/ 550)، و الأزرقى (1/ 58، 59)، و تاريخ الطبرى (1/ 259).

(4) الأزرقى (1/ 60)، و تفسير الطبرى (1/ 550).

(5) الأزرقى (1/ 60- 66)، و تاريخ الطبرى (1/ 251)، و تفسير الطبرى (1/ 551).

(6) أخرجه البخارى: كتاب الأذان- باب لا يسعى إلى الصلاة و ليأت بالسكينه و الوقار- ح (636، 908- فتح)، و مسلم: كتاب المساجد و مواضع الصلاة- باب استحباب إتيان الصلاة بوقار و سكينه ح (602) عن أبى هريرة مرفوعا.

(7) الروض الأنف (1/ 223).

37

الملوك و لا أعرابى نافر و لا جبار إلا رأيت عليه السكينة (1). و فى رواية: قالت السكينة و رأيتها تتكلم يا إبراهيم: خذ قدرى من الأرض لا يزيد و لا ينقص، فخط فذلك بكة و ما حواليها مكة (2). و فى رواية: قالت له: يا إبراهيم إن ربك يأمرك أن تخط قدر هذه السحابة، فجعل ينظر إليها و يأخذ قدرها، فقال له رأس السكينة: قد فعلت. قال: نعم، فارتفعت السحابة (3)، و فى رواية: أن الغمامة لم تزل راكدة تظل إبراهيم و تهديه مكان القواعد حتى رفع القواعد قامة، ثم انكشفت الغمامة فأبرز عن أس «يانت» (4) من الأرض فبناه إبراهيم‏ (5)، و فى رواية: فحفر فأبرز عن ربض أمثال حلف الإبل، لا يحرك الصخرة إلا ثلاثون رجلا (6)، و فى رواية: لما بعث الله إبراهيم ليبنى البيت، طلب الأساس الأول الذى وضعه بنو آدم فى موضع الخيمة التى عزى الله بها آدم من خيام الجنة، حين وضعت له بمكة فى موضع البيت، فلم يزل إبراهيم يحفر حتى وصل/ [9/ ب‏] إلى القواعد التى أسس بنو آدم فى زمانهم فى موضع الخيمة، فلما وصل إليها ظلل الله له مكان البيت بغمامة، و لم تزل راكدة تظل إبراهيم و تهديه مكان القواعد حتى رفع القواعد قامة، ثم انكشفت الغمامة، و كان إبراهيم يبنى فى كل يوم سافا، و مكة يومئذ شديدة الحر، و إسماعيل يناوله الحجارة (7).

قال ابن عباس: أما و الله ما بنياه بقصة و لا مدر و لا كان معهما من الأعوان و الأموال ما يسقفانه، و لكنهما أعلماه و طافا به‏ (8)، و فى رواية:

و رضماه رضما فوق القامة و لم يسقفاه. و الرضم‏ (9): أن ينضد الحجارة بعضها على بعض من غير ملاط، فلما ارتفع البنيان قرب إسماعيل لإبراهيم المقام، فكان‏

____________

(1) الأزرقى (1/ 60)، و الربض: الأساس.

(2) الأزرقى (1/ 60، 61).

(3) الأزرقى (1/ 60).

(4) تقرأ هكذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «ثابت» و هو الصواب. و الله أعلم.

(5) الأزرقى (1/ 60) و هى فى هامش النسخة فى (ج) من الأزرقى.

(6) الأزرقى (1/ 60).

(7) الأزرقى (1/ 61، 62)، و الساف: الصف من اللبن أو الحجارة فى البناء.

(8) الأزرقى (1/ 62) و القصّه: الجص.

(9) الرضمة: واحدة الرضم و الرضام، و هى دون الهضاب، و قيل: صخور بعضها على بعض. النهاية (2/ 231).

38

إبراهيم يقيم عليه و يبنى و يحوله إسماعيل فى نواحى البيت.

قال السهيلى: بناه من خمسة أجبل، كانت الملائكة تأتيه بالحجارة منها، و هى: طور سيناء و طور زيتا اللذين بالشام، و الجودى و هو بالجزيرة و لبنان‏ (1) و حراء- هكذا ذكر السهيلى أن لبنان بالحرم، و هما بالحرم- قال: و انتبه لحكمة الله كيف جعل بناءها من خمسة أجبل، فشاكل ذلك معناها إذ هى قبلة للصلوات الخمس و عمود الإسلام و قد بنى على خمسة (2). انتهى. و قيل: إن قواعده من حراء (3). و فى رواية: أسس البيت من خمسة، و فى رواية: و كان ربضه من حراء. قال الخليل: و الربض‏ (4) ههنا الأساس المستدير بالبيت من الصخر (5)، و يروى: أن ذا القرنين قدم مكة و هما يبنيان، فقال: ما هذا؟

فقالا: نحن عبدان مأموران أمرنا بالبناء. فقال: فهاتا البينة على ما تدعيان فقامت خمسة أكبش، فقلن: نشهد أن إبراهيم/ [10/ أ] و إسماعيل عبدان مأموران بالبناء. فقال: قد رضيت و سلمت و مضى‏ (6). فلما انتهى إبراهيم فى البناء إلى موضع الحجر الأسود قال لإسماعيل: اذهب فائتنى بحجر أضعه هنا؛ ليكون علما للناس يبتدئون منه الطواف- و فى رواية: ليقتدى الناس به- فذهب إسماعيل إلى الوادى يطلب حجرا، فأتاه بحجر فلم يرضه، فذهب فطلب حجرا آخر، فجاء جبريل بالحجر الأسود- و فى رواية: نزل به من الجنة- و فى رواية:

جاء به من أبى قبيس؛ لأنه كان استودع أبو قبيس الركن زمان الغرق على ما قيل- و فى رواية: لما غرقت الأرض استودع الله أبا قبيس الحجر الأسود، و قال: إذا رأيت خليلى يبنى لى بيتا فأعطه إياه. فلما ابتغى إبراهيم- (عليه السلام)- الحجر الأسود ناداه من أبى قبيس ألا أنا هذا فرقى إليه إبراهيم فأخذه‏

____________

(1) لبنان- تثنية لبن- و هما جبلان قرب مكة. معجم البلدان «لبن».

(2) الروض الأنف (1/ 223)، و راجع تفسير ابن كثير (1/ 179) فقد ذكر نحوه عن عطاء، و قال:

و هذا صحيح إلى عطاء و لكن فى بعضه نكاره، و الذى فى الروض «طور تينا» بدلا من «طور سيناء» و الذى عند ابن كثير كما هنا. و الله أعلم.

(3) الأزرقى (1/ 63) عن قتادة قال: ذكر لنا ... إلخ.

(4) الرّبض- بضم الراء و سكون الباء-: أساس البناء، و قيل: وسطه، و قيل: هو و الرّبض سواء، كسقم و سقم. النهاية مادة «ربض».

(5) انظر قول الخليل هذا فى تفسير القرطبى (2/ 121).

(6) راجع البداية و النهاية (1/ 155) و نقله عن ابن أبى حاتم.

39

فوضعه بالموضع الذى هو فيه اليوم- و فى رواية: صاح أبو قبيس يا إبراهيم يا خليل الرحمن إن لك عندى وديعة فخذها، فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت الجنة، فجاء إسماعيل فوجد إبراهيم قد وضع الحجر فى مكانه، فقال: يا أبت من أين لك هذا الحجر؟ قال: جاءنى به من لم يكلنى إليك و لا إلى حجرك‏ (1)- و فى رواية: من عند من لم يتكل على بنائى و بنائك- و فى رواية: وضع جبريل الحجر فى مكانه و بنى عليه و هو حينئذ يتلألأ تلألؤا من شدة بياضه، فأضاء نوره شرقا و غربا و يمنا و شاما، فكان نوره يضى‏ء إلى منتهى أنصاب الحرم من كل ناحية من نواحى الحرم، و قيل: إنما شدة سواده؛ لأنه أصابه الحريق مرة بعد مرة فى الجاهلية و الإسلام؛ فأما حريقه فى الجاهلية فإنه/ [10/ ب‏] ذهبت امرأة فى زمن قريش تجمر الكعبة، فطارت شرارة فى أستار الكعبة، فأحرقت الكعبة فاحترق الركن الأسود و اسود و توهنت الكعبة، و كان هو الذى هاج قريشا على هدمها و بنائها. و أما حريقه فى الإسلام ففى عصر ابن الزبير أيام حاصره الحصين بن نمير الكندى، احترقت الكعبة و احترق الركن فتفلق ثلاث فلق حتى شعبه ابن الزبير بالفضة (2)، و قيل: سواده لمعنى آخر و تقدم فى باب الفضائل. و جعل إبراهيم طول البيت فى السماء تسعة أذرع، و عرضه فى الأرض اثنين و ثلاثين ذراعا من الركن الأسود إلى الركن الشامى الذى هو عند الحجر من وجهه، و جعل عرض‏ (3) ما بين الركن الشامى إلى الركن الغربى الذى فيه الحجر اثنين و عشرين ذراعا، و جعل عرض ظهرها من الركن الغربى إلى الركن اليمانى أحدا و ثلاثين ذراعا، و جعل عرض شقها اليمانى من الركن الأسود إلى الركن اليمانى عشرين ذراعا، فلذلك سميت الكعبة؛ لأنها على خلقة الكعب، و كذلك بنيان أساس آدم- (عليه السلام)- و جعل بابها بالأرض غير مبوب، حتى كان تبع أسود الحميرى هو الذى جعل لها بابا و غلقا فارسيا و كساها كسوة تامة و نحر عندها. و جعل إبراهيم الحجر إلى جنب البيت عريّا (4) من أراك يقتحمه الغير فكان زربا لغنم إسماعيل- (عليه السلام)- و حفر إبراهيم- (عليه السلام)- جبّا فى بطن الكعبة على يمين‏

____________

(1) انظر تفسير القرطبى (2/ 122).

(2) أورد الأزرقى هذه القصة بنحوها (1/ 65، 66)، و كذلك ابن أبى حاتم فى التفسير (آل عمران) الآيه: (96)، و كذلك الطبرى فى التاريخ (1/ 251)، و التفسير (3/ 69، 70).

(3) ملحقة فى هامش الأصل.

(4) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «عريشا» و المعنى مستقيم. و الله أعلم.

40

من دخله يكون خزانة البيت، يلقى فيه ما يهدى للكعبة، و هو الجبّ الذى نصب عليه عمرو بن لحى هبل الصنم التى كانت قريش تعبده و تستقسم/ [11/ أ] عنده بالأزلام حين جاء به من هيت من أرض الجزيرة (1). قال القرطبى فى التفسير فى سورة البقرة: روى أن إبراهيم و إسماعيل لما فرغا من بناء البيت أعطاهما الله الخيل جزاء عن رفع قواعد البيت. و عن ابن عباس قال: كانت الخيل وحشا كسائر الوحوش، فلما أذن لإبراهيم و إسماعيل برفع القواعد قال الله تعالى: إنى معطيكما كنزا ادخرته لكما، ثم أوحى إلى إسماعيل أن اخرج إلى أجياد فادع يأتك الكنز، فخرج إلى أجياد و لا يدرى ما الدعاء و لا الكنز فألهمه فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا أجابته، فأمكنه من نواصيها و ذللها له فاركبوها و اعلفوها فإنها ميامين و هى ميراث أبيكم إسماعيل‏ (2). و سمى الفرس فرسا؛ لأنه يفترس مسافات الجو افتراس الأسد و ثوبا و يقطعها بيديه خبطا و تناولا، و سمى خيلا؛ لأنها موسومة بالغر، و سمى عربيّا لأنه أعطيه إسماعيل، و إسماعيل عربى فصارت له نحلة من الله.

قال الثعلبى فى «العرائس»: و كان إبراهيم عبرانيّا و إسماعيل عربيّا فألهم الله أحدهما لسان صاحبه، فكان إبراهيم يقول: رب هب لى كينا- يعنى هات حجرا- فيقول له إسماعيل: هناك فخذه‏ (3).

و قال المرجانى فى «بهجة النفوس»: و كان إبراهيم يتكلم بالعبرانية و كذلك إسماعيل و إسحاق، و ذلك أن إبراهيم لما خرج هرب من كوثى‏ (4) و خرج من النار عبر الفرات و لسانه سريانى فغير لسانه، فقيل: عبرانى حيث عبر الفرات فبعث نمرود فى أثره، و قال: لا تدعوا من يتكلم بالسريانية إلا ائتونى به، فوجدوا إبراهيم يتكلم بالعبرانية فتركوه/ [11/ ب‏] و لم يعرفوه، و كان سن إبراهيم- (عليه السلام)- حين أمر ببناء البيت مائة سنة، و سن إسماعيل ستة و ثلاثين سنة، و فى رواية ذكرها الأزرقى: إن سن إسماعيل يومئذ عشرون سنة.

و اعلم أن إبراهيم- (عليه السلام)- أول نبى بعد نوح، و أول من لبس‏

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى (1/ 64، 65).

(2) تفسير القرطبى (2/ 122).

(3) (ص 88).

(4) كوثى- بالضم ثم السكون، و الثاء مثلثة، و ألف مقصورة تكتب بالياء، لأنها رابعة الاسم، إلى أن قال: و كوثى فى ثلاثة مواضع بسواد العراق فى أرض بابل و بمكة «معجم البلدان» مادة (كوثى).

41

السراويل، و جاريته قنطورا هى أم الترك، اختتن بالقدوم‏ (1)، و قيل: بالقدوم المعروف، و قيل: موضع يقال له: القدوم بالقدوم، و كان له يوم اختتن ثمانون سنة (2)، و قيل: مائة و عشرون، و عاش بعدها ثمانين سنة (3)، و قيل: مات و عمره مائتا سنة (4)، و قيل: مائة و خمس و تسعون‏ (5) سنة، و دفن عند قبر سارة (6)، و اختتن إسماعيل لثلاثة عشر شهرا، و إسحاق لسبعة أيام، و كان عمر إبراهيم يوم ألقى فى النار ستة عشر سنة، و بردت النار تلك الليلة، و فى ذلك الصباح فى سائر أقطار الأرض فلم ينتفع أحد فى الدنيا بنار، و سموا تلك الليلة نيروزا، و النيروز بالسريانى عيد و كان استدلاله بالكواكب و هو ابن خمسة عشر شهرا، و أنزل عليه عشرون صحيفة بالخط السريانى.

و أما نوح- (عليه السلام)- فهو أول رسول أرسله الله إلى الأرض‏ (7) حكاه ابن عساكر، و نزل الطوفان بعد مضى ستمائة سنة من عمره، و قيل: دعا قومه تسعمائة سنة و خمسين سنة، و كان له قبل دعائه ثلاثمائة سنة، و عاش بعد الطوفان ثلاثمائة و خمسين سنة، و قيل: عاش بعد الطوفان خمسمائة عام، و أرسل الطوفان لثلاث عشرة خلت من آب، و ركب نوح الفلك لعشرين خلون من رجب، و صام نوح رجب فى السفينة، و جرت بهم السفينة إلى يوم عاشوراء حكاه‏

____________

(1) القدوم: قيل: هى قرية بالشام، و يروى بغير ألف و لام، و قيل القدوم- بالتخفيف و التشديد-:

قدوم النجار «النهاية» مادة (قدم)، و قال فى الفتح (6/ 449): و الراجح فى الحديث: الآلة. اه. و قال: النووى فى شرح مسلم (15/ 122): و الأكثرون على التخفيف و على إرادة الآلة. اه.

(2) أخرجه البخارى: كتاب الأنبياء- باب قول الله تعالى: وَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ح (3356- فتح). و مسلم: كتاب الفضائل: باب من فضائل إبراهيم الخليل (صلّى اللّه عليه و سلّم). ح (3370) من حديث أبى هريرة مرفوعا.

(3) أخرجه ابن حبان فى صحيحه (6204، 6205- الإحسان)، و كذا فى كتاب العقيقة لأبى الشيخ ذكره فى الفتح (6/ 450)، و فى تاريخ ابن عساكر موقوفا على أبى هريرة، راجع «البداية و النهاية» (1/ 163) و الأوائل لأبى القاسم الطبرانى (36).

(4) هذا على رواية ابن حبان المتقدمة، و فيها «و عاش بعد ذلك ثمانين سنة». و الله أعلم.

(5) كذا فى الأصل، و فى تاريخ الطبرى «مائة و خمس و سبعون» و الله أعلم.

(6) راجع تاريخ الطبرى (1/ 312).

(7) الوسائل إلى معرفة الأوائل (18) و قال السيوطى: أخرجه ابن أبى حاتم عن أنس مرفوعا، و قاله السدى. اه.

42

/ [12/ أ] عكرمة، و قيل: أقام على الماء نحو سنة، و قيل: أربعين يوما، و قيل:

أربعين سنة قاله وهب فى كتاب «التيجان»، و قيل: أمطر أربعين يوما و غاض الماء بعد مائة و خمسين يوما حكاه الشهرستانى، و كان يوم عاشوراء يوم الجمعة و صامه نوح و من معه من الوحش، و قيل: إن يوم القيامة يكون يوم عاشوراء و يوافق يوم الجمعة، و أرست السفينة على الجودى و هو بأرض الجزيرة شمالا و يسمى الناظر، و قيل: هو جبل فردى بقرب الموصل، و كان خشب السفينة من جبل لبنان، و عملها نوح بدمشق و أول ما حمل فيها النملة (1)، و قيل: الأوزة، و آخر ما حمل الحمارة (2)، و لم يكن فى الأرض قبل الطوفان نهر و لا بحر، و مياه البحار بقية الطوفان، و حمل فى السفينة ثمانية أنفس: نوح و زوجته غير التى عوقبت، و بنوه الثلاث و زوجاتهم‏ (3)، و قيل: كانوا سبعة و أسقط امرأة نوح‏ (4). و قيل: كانوا عشرة، و قيل: سبعين و قيل: ثمانين. و عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «بقى من خشبها- يعنى السفينة- شى‏ء أدركه أوائل هذه الأمة». و حمل نوح- (عليه السلام)- جسد آدم معه فى السفينة، و كان مولد نوح بعد موت آدم بثمانمائة سنة، و لم يعقب أحد ممن كان معه بالسفينة و إنما عقب أولاده، قال تعالى: وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ‏ (5). و هم سام و حام و يافث. و بعد الطوفان بستمائة سنة و سبعين، كان تبلبل الألسن فافترقت اثنين و سبعين لسانا: فى ولد سام تسعة عشر، و فى ولد حام سبعة عشر، و فى ولد يافث ستة و ثلاثون، و كان سببه وقوع الصرح الذى بناه/ [12/ ب‏] هامان لفرعون و كان طول الصرح إلى السماء خمسة آلاف ذراع- و قيل: فرسخين، كان فيه خمسون ألف بنّاء فتبلبلت الألسن و مات ألفا ألف.

و مولد الخليل إلى تبلبل الألسن أربعمائة سنة و إحدى عشرة سنة، و من مولده أيضا إلى مولد موسى أربعمائة و خمس و عشرون سنة، و من هبوط آدم إلى مجى‏ء الطوفان- على ما قاله اثنان و سبعون حبرا من بنى إسرائيل نقلوا التوراة إلى اليونانية-: بينهما ألفان و مائتان و اثنان و أربعون سنة، و إلى وفاة موسى ثلاثة

____________

(1) الدر المنثور (3/ 331)، و تفسير الطبرى (15/ 314)، و تاريخ الطبرى (1/ 184) من حديث ابن عباس موقوفا.

(2) تفسير القرطبى (9/ 37) عن ابن عباس موقوفا.

(3) تفسير القرطبى (9/ 35) و هو قول قتادة و الحكم بن عتيبة و ابن جريج و محمد بن كعب.

(4) تفسير القرطبى (9/ 35) و هو قول الأعمش.

(5) سورة الصافات: الآية (77).

43

آلاف و ثمانمائة و ثمانية و ستون سنة.

و قال آخرون من بنى إسرائيل المقيمين على العبرانية التى يتداولها جمهور اليهود فى وقتنا: إن من هبوط آدم إلى مجى‏ء الطوفان ألف و ستمائة و ست و خمسون سنة، و من انقضاء الطوفان إلى تبلبل الألسن مائة و إحدى و ثلاثون سنة، و من التبلبل إلى مولد الخليل مائة و إحدى و ستون سنة، و من مولده (عليه السلام) إلى وفاة موسى خمسمائة و خمس و أربعون سنة، و من وفاته (عليه السلام) إلى ابتداء ملك بختنصر تسعمائة و ثمان و سبعون سنة، [و] (1) إلى ملك الإسكندر ألف و أربعمائة و ثلاث عشرة سنة، و ولد عيسى لسبع مائة و تسع و ثلاثين سنة من ملك بختنصر و لثلاثمائة و أربع و ستين سنة من ملك الإسكندر، و من ملك بختنصّر (2) إلى ابتداء الهجرة ألف و ثلاثمائة و تسع و ستون سنة، و من ملك بختنصّر إلى ابتداء الهجرة تسعمائة و خمس و ستون سنة، فكان بين موسى و ابتداء الهجرة ألفان و ثلاثمائة و سبع و أربعون سنة، و مولد عيسى بعد ألف و سبعمائة و سبع عشرة سنة من موت موسى، و قيل:/ [13/ أ] ستمائة و ثلاثين سنة من ابتداء الهجرة.

و يروى الكلبى عن ابن عباس: إن الناس خرجوا من السفينة ببابل، ثم ضاقت بهم حتى نزلوا موضع بابل اثنا عشر فرسخا فى مثلها، و كان سورها عند النيل و بابها يومئذ عند باب وردان، فملكهم يومئذ نمرود بن كنعان بن حام، فلما كفروا بلبل الله ألسنتهم على اثنين و سبعين لسانا، و فهم الله العربية عمليق و غيرهم من بنى سام، فنزلت العماليق صنعاء ثم تحولت فنزلت بمكة، و قيل: لما تبلبلت الألسن سلبوا اللسان السريانى إلا أهل الجودى، و أجرى جبريل على لسان كل أمة لغة، و أفصح عابر بالعربية و تكلم مع عابر جميع إخوته و بنو عمه ما خلا الفرس فإنها تكلمت بالعجمى، و أول من تكلم باللسان العربى عزقيل بن ساروم ابن خاموز بن قنالخ بن أرفخشذ، و أول من جرت الفارسية على لسانه شاهور بن خاموز بن باقر بن سام، و أول من جرت الحبشية على لسانه سلحب بن باداد بن زباهاش بن شوعان بن كوش بن حام بن نوح، فهذه أصول الألسن. و قال ابن الجوزى: و أول من تكلم بالعربية إسماعيل (عليه السلام)، و أول من كتب بالعربية مرامر بن مروة من أهل الأنبار. و قال السهيلى: و عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «أول من كتب بالعربية إسماعيل». قال أبو عمرو: و هذه الرواية أصح من رواية من روى:

____________

(1) ليست فى الأصل، و السياق يقتضى وضعها. و الله أعلم.

(2) كذا فى الأصل، و لعل الصواب «الإسكندر». و الله أعلم.

44

«أول من تكلم بالعربية إسماعيل». و الحلاف كثير فى أول من تكلم بالعربية، و فى أول من أدخل الكتاب العربى أرض الحجاز فقيل: حرب بن أمية (1)، و قيل:

سفيان بن أمية، و قيل: عبد بن قصى تعلموه/ [13/ ب‏] بالحيرة، و تعلمه أهل الحيرة من أهل الأنبار (2). انتهى.

و أول من نقش على الدراهم بالعربية عبد الملك بن مروان. قال الشعبى:

و كلام الناس يوم القيامة بالسريانى، و روى الأصحاب فى كتبهم عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «العربى و الفارسى لسانا أهل الجنة».

و أما «شيث» مولد بعد مائتين و ثلاثين سنة من عمر آدم- (عليه السلام)-، و مات و له تسعمائة و اثنتا عشرة سنة، فكان قيامه بالأمر بعد آدم مائتين و اثنتا عشرة سنة، و اختتن فى نبوته، و أنزل عليه خمسون صحيفة، و قيل: ثلاثون، و قيل: عشرة، و بنى الكعبة بالطين و حج و ولدته حواء مفردا، و كانت تلد ذكرا و أنثى فى كل بطن فولدته مفردا. قال المرجانى: يعنى بدلا من هابيل. و أما آدم- (عليه السلام)- فيكنى أبا محمد بالنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أبا البشر أيضا، و آدم عبرانى، و قيل: عربى خلقه الله من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنوه على قدر الأرض ذوى ألوان، يروى أنه قال: يا رب لم سميتنى آدم؟ قال: لأنى خلقتك من أديم الأرض، و أديم الأرض وجهها، و خلق الله حواء من ضلعه الأيسر و سميت حواء؛ لأنها خلقت من حى و خلقت قبل دخول الجنة، و اختلف فى الشجرة التى أكلها، فقيل: شجرة الكافور أو الحياة أو الكرمة أو النخلة أو السنبلة أو الحلبة أو التين أو الحنظلة و كانت حلوة، و أهبط على جبل لبنان أو الجودى أو سرنديب أو نوى أو واسم، و حواء بجدة، و إبليس على ساحل بحر أيلة بفتح الهمزة، و قيل: بيسان، و الحية بالبربر و قيل: بأصبهان، و الطاووس بأرض بابل، فأهبط آدم من باب التوبة، و حواء من باب الرحمة،/ [14/ أ] و إبليس من باب اللعنة، و الطاووس من باب الغضب، و الحية من باب السخط و كان وقت العصر، و قيل: أهبط آدم بين الظهر و العصر من باب يقال له: الميرم حذاء البيت المعمور، و قيل: من باب المعراج، و مكث فى الجنة نصف يوم من أيام الآخرة و ذلك خمسمائة عام، و مكث على جبل الهند مائة سنة يبكى و أنبت الله العشب من دموعه منه: الدارصينى و القرفة و القرنفل، و كان رأسه يمس السحاب فصلع‏

____________

(1) فى الروض أن قائله هو الشعبى. و الله أعلم.

(2) الروض الأنف (1/ 13).

45

فتوارثه ذريته، و خفضت قامته إلى ستين ذراعا بذراعه، و حج أربعين حجة، و كانت خطوته مسيرة ثلاثة أيام، و هو أول من ضرب الدينار و الدرهم، و كان أمرد و إنما نبتت اللحى لذريته، و أنزلت عليه حروف المعجم فى إحدى و عشرين ورقة، و نزل عليه عشر صحائف و جميع الصحف مائة و أربعة: كتب على آدم عشر، و على شيث خمسون، و على إدريس ثلاثون، و على إبراهيم عشرة، و التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان نزل بها جبريل (عليه السلام)، و عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، و التوراة لستّ مضين من رمضان، و الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت منه، و الزبور لثمانى عشرة ليلة خلت منه، و الفرقان لأربع و عشرين منه» (1). و بين نزول أول القرآن و آخره عشرون سنة. و كان آدم من المصطفين دون سائر المرسلين، و لم يمت حتى بلغ ولده و ولد ولده أربعين ألفا، و قيل: صلى خلفه ألف رجل غير بنى بنيه، و ورد أن الله شفعه من ذريته فى مائة ألف ألف و عشرة آلاف/ [14/ ب‏] ألف. و قال ابن عباس: تكلم آدم بسبعمائة ألف لغة أفضلها العربية، و كان القمح فى زمنه كبيض النعام و لم يزل إلى أيام إدريس ثم نقص منه قليل، ثم نقص أيام فرعون ثم نقص أيام إلياس فصار كبيض الدجاج، ثم نقص أيام عيسى، ثم نقص أيام يحيى فصار فى أيام بختنصر كالبندق و كذلك كان فى أيام عزير فلما قالت اليهود:

عزير ابن الله، صار قدر الحمص، ثم صار إلى ما ترى قاله كعب الأحبار، و ماتت حواء (2)، قبل آدم بعامين و عمرها سبعمائة سنة و تسع و عشرون سنة، و قيل: ماتت بعده بعامين، و قيل: بست سنين، و مات آدم يوم الجمعة و وافق من شهور السريانى لعشرين من نيسان، مات على الجبل الذى أهبط عليه‏ (3)، و صلى عليه شيث و كبّر عليه ثلاثين و حمله نوح فى السفينة، قيل: و حمل حواء معه،

____________

(1) أخرجه أحمد فى المسند (4/ 107)، و الطبرانى الكبير (22/ 75)، و الدر المنثور (1/ 189)، و تفسير القرطبى (2/ 298) من حديث واثلة بن الأسقع مرفوعا، و قال الهيثمى فى مجمع الزوائد (1/ 197): فيه عمران بن داود القطان، ضعفه يحيى، و وثقه ابن حبان، و قال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث، و بقية رجاله ثقات. اه. و جاء فى الرواية لثمان بغير ياء. و الله أعلم.

(2) ذكر الحافظ ابن كثير فى «البداية و النهاية» (1/ 92) أنها ماتت بعد آدم بسنة واحدة. اه.

و كذا فى تاريخ الطبرى (1/ 161).

(3) قال الحافظ فى «البداية و النهاية» (1/ 92): فالمشهور أنه دفن عند الجبل الذى أهبط منه فى الهند اه. و اسم هذا الجبل: بوذ. ذكره الطبرى فى تاريخه (1/ 161) عن ابن عباس موقوفا.

46

و دفنه ببيت المقدس بعد الطوفان‏ (1)، و قيل: صلت عليه الملائكة و حفروا له بجبل أبى قبيس ثم حمله نوح ثم إلى مكانه بالجبل، و قيل: قبر آدم فى مشارق الفردوس‏ (2). قال المرجانى فى «بهجة النفوس»: و الظاهر أن قبر آدم بالشام- يعنى دمشق- لأنها كانت أرضه و بها مقبرة الفراديس، و قيل: دفنته الملائكة بمسجد الخيف حكاه ابن الجوزى فى «درياق القلوب»، و آدم الآن فى سماء الدنيا، و لا يسمى أحد خليفة الله تعالى بعد آدم- (عليه السلام)- و انقرض نسل آدم بالطوفان إلا نسل شيث.

قال الطوسى: و بلغنى أن من كتب للمطلقة آدم و حواء وضعت. انتهى.

و الله أعلم.

و قدم علينا حاجّا سنة عشر و ثمانمائة رجل شريف/ [15/ أ] دلوالى و ذكر لنا أنه رحل بلاد سرنديب‏ (3) و أن أهلها كفار، و أنه صعد جبل سرنديب و كان صعوده فيه من طلوع الفجر و وصل أعلاه غروب الشمس، قال: و فوق جبل سرنديب جبل آخر على هيئة المنارة و قدرها بل أعلى منها، يصعد إلى أعلى هذا الجبل بسلاسل من حديد يضع الإنسان فيها رجله و يتعلق ثم هكذا إلى أن يصعد إلى أعلاه، و أنه لا يمكن الصعود عليه إلا على هذه الصفة، قال: و فوق هذا الجبل أيضا جبل آخر صغير فيه أثر قدم آدم- (عليه السلام)- غائصا فى الصخرة على سمت القبلة بحيث إن القائم عليه يستقبل القبلة و له خمس أصابع، و ذكر أنه قاس طول قدمه و عرضه و طول إبهامه بمنديل كان معه و علم ذلك علامات، فرأيت هذا المنديل معه فقست طول قدمه من رأس الإبهام إلى آخرها ثلاثة أذرع و ثلثى ذراع و طول الإبهام إلى المفصل شبر و عرض القدم ثلاثة أشبار و أربع أصابع كل ذلك بذراع الحديد، و ذكر أنه لم ير إلا قدما واحدا و أن تحت قدمه غديرا فى صخرة ممتلئ بها ماء أحلى من العسل، و له عينان تجريان إحداهما عن يمين القدم و الأخرى عن يساره ينصبّان إلى أسفل الجبل و إلى البحر، و مسيل ماء العينين يشم‏

____________

(1) البداية و النهاية (1/ 92)، و تاريخ الطبرى (1/ 161).

(2) تاريخ الطبرى (1/ 159) عن ابن إسحاق.

(3) قال فى معجم البلدان (3/ 215): بفتح أوله و ثانيه، و سكون النون، و دال مهملة مكسورة، و ياء مثناة من تحت، و باء موحدة، هى جزيرة عظيمة فى بحر هر كند بأقصى بلاد الهند، طولها ثمانون فرسخا فى مثلها .. و فى سرنديب الجبل الذى هبط عليه آدم (عليه السلام) ... إلخ و فيه ذكر القدم.

فراجعه.

47

و تراب العين اليمنى يسيلان، و إن المطر لا يزال على هذا الجبل فى كل يوم من أيام السنة لا ينقطع أصلا، و لكنه فى بعض الأوقات رشاش، و إن فى كل جهة من جهات الجبل الأربع يدوم المطر فى أرض الهند ثلاثة أشهر على ممر السنين.

و الله أعلم.

[فصل‏] ما جاء فى حج إبراهيم و طوافه و أذانه فى الحج‏

لما فرغ إبراهيم- (عليه السلام)- من بناء البيت الحرام/ [15/ ب‏] جاء جبريل- (عليه السلام)- و فى رواية قال: أى ربّ قد فعلت فأرنا مناسكنا، أى:

أبرزها لنا و علمناها، و قيل: أرنا مناسكنا: مذابحنا، فجاءه جبريل، فقال:

طف به سبعا هو و إسماعيل يستلمان الأركان كلها فى كل طواف، و كان آدم يستلم الأركان كلها قبل إبراهيم- (عليه السلام)- فلما أكملا سبعا صليا خلف المقام ركعتين، قال: فقام معه جبريل فأراه المناسك كلها الصفا و المروة و منى و مزدلفة و عرفة، فلما دخل منى و هبط من العقبة تمثل له إبليس- و فى رواية:

بعث الله- عزوجل- جبريل فحج به حتى إذا جاء يوم النحر عرض له إبليس- عند جمرة العقبة فقال له جبريل- (عليه السلام)-: ارمه فرماه إبراهيم- (عليه السلام)- بسبع حصيات فغاب عنه ثم برز له عند الجمرة الوسطى، فقال له جبريل: ارمه فرماه بسبع حصيات فغاب عنه ثم برز له عند الجمرة السفلى، فقال له جبريل- (عليه السلام)-: كبر و ارمه فرماه بسبع حصيات مثل حصى الخذف فغاب عنه إبليس- و فى رواية: فرماه من الغد و اليوم الثالث كذلك- ثم مضى إبراهيم فى حجه و جبريل يوقفه على المواقف و يعلمه المناسك حتى انتهى إلى عرفات، فلما انتهى إليها قال له جبريل: أعرفت مناسكك؟. قال إبراهيم:

نعم. فسميت عرفات بذلك، فلما فرغ من الحج أمر إبراهيم أن يؤذن فى الناس بالحج- و فى رواية: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: يا رب قد فرغت فأوحى الله إليه أن أذن فى الناس بالحج، فهذه الرواية تقتضى أن الأذان قبل الحج، و الرواية المتقدمة تخالف ذلك فلما أمر أن يؤذن بالحج، قال: يا رب و ما يبلغ صوتى؟/ [16/ أ] فقال الله تعالى: أذن و علىّ البلاغ- و فى رواية: قال:

و كيف أقول؟ قال: قل: يا أيها الناس أجيبوا ربكم ثلاث مرات فعلا إبراهيم على المقام- فارتفع به حتى صار أرفع الجبال و أطولها- و فى رواية: صعد أبا قبيس و أذن بالحج، و فى رواية: علا على شبر- و جمعت له الأرض يومئذ سهلها

48

و جبلها و برها و بحرها و إنسها و جنها حتى أسمعهم جميعا- و تطأطأت الجبال، و فى رواية: خفضت الجبال رؤوسها و رفعت له القرى- فأدخل أصبعيه فى صماخى أذنيه و أقبل بوجهه يمنا و شاما و شرقا و غربا، و بدأ بشق اليمن فقال: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم- و فى رواية: أن الله قد أمركم بحج هذا البيت ليثيبكم به الجنة و يجيركم من عذاب النار فحجوا- فأجابوه من تحت التخوم السبعة و من بين المشرق و المغرب إلى منقطع التراب من أقطار الأرض كلها لبيك اللهم لبيك- و فى رواية: أى كل رطب و يابس، و سمعه من بين المشرق و المغرب و أجابه من كان فى أصلاب الرجال و أرحام النساء- فليس أحد يحج إلى يوم القيامة إلا من أجاب نداء إبراهيم، و إنما حجهم على قدر إجابتهم يومئذ، فمن أجابه مرة حج مرة، و من أجابه مرتين حج مرتين، و من أجابه أكثر فأكثر على حسب إجابته‏ (1).

و يروى أنه كان بين ذلك و بين أن بعث الله محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاثة آلاف سنة، و كان أول من أجاب دعوة إبراهيم بالتلبية أهل اليمن، و ذهب جماعة إلى أن المأمور فى قوله تعالى: وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ‏ (2). سيدنا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و فى رواية استقبل/ [16/ ب‏] إبراهيم اليمن و دعا إلى الله و إلى حج بيته فأجيب أن لبيك لبيك، ثم استقبل المشرق فدعا إلى الله و إلى حج بيته فأجيب أن لبيك لبيك، ثم إلى المغرب بمثل ذلك، ثم إلى الشام بمثل ذلك، ثم حج إبراهيم بإسماعيل و بمن معه من المسلمين من جرهم، و هم سكان الحرم يومئذ مع إسماعيل و هم أصهاره، و صلى بهم الظهر و العصر و المغرب و العشاء بمنى ثم بات بهم حتى أصبح و صلى بهم الغداة، ثم غدا بهم إلى نمرة فقال بهم هنالك حتى إذا مالت الشمس جمع بين الظهر و العصر بعرفة فى مسجد إبراهيم، ثم راح بهم إلى الموقف من عرفة- و هو الموقف الذى يقف عليه الإمام اليوم- فوقف بهم فلما غربت الشمس دفع به و بمن معه حتى أتى المزدلفة فجمع بين الصلاتين المغرب و العشاء الآخرة، ثم بات حتى إذا طلع الفجر صلى بهم صلاة الغداة ثم وقف به على قزح‏ (3) من المزدلفة و بمن معه- و هو الموقف الذى يقف به الإمام اليوم- حتى‏

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى (1/ 66- 68) عن محمد بن إسحاق، و ما بين الاعتراضات روايات ذكرها الأزرقى و غيره، و تفسير القرطبى (12/ 38).

(2) سورة الحج: الآية (27).

(3) القزح: القرن الذى يقف عنده الإمام بالمزدلفة. النهاية مادة (قزح).

49

إذا أسفر غير مشرق دفع به و بمن معه يريه و يعلمه كيف يرمى الجمار حتى فرغ من الحج كله، ثم انصرف إبراهيم راجعا إلى الشام فتوفى بها (1).

[فصل‏] ذكر ولاية بنى إسماعيل الكعبة من بعده و أمر جرهم‏

قال ابن إسحاق: ولد لإسماعيل بن إبراهيم اثنا عشر رجلا، و أمهم السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمى، ثابت‏ (2) بن إسماعيل و قيدار و واصل و ميّاش‏ (3) و طيما و قطور و قيس و قيدمان، و كان عمر إسماعيل مائة و ثلاثين سنة، فمن ثابت و قيدار نشر الله العرب، و كان أكبرهم قيدار و ثابت‏ (2) و كان من حديث جرهم و بنى إسماعيل: أن إسماعيل لما توفى دفن فى الحجر مع أمه فولى البيت ثابت‏ (2) ابن إسماعيل ما شاء الله أن يليه،/ [17/ أ] ثم توفى ثابت بن إسماعيل فولى بعده مضاض بن عمرو الجرهمى- و هو جد ثابت بن إسماعيل أبو أمه- و ضم بنى ثابت و بنى إسماعيل إليه فصاروا مع جدهم أبى أمهم مضاض بن عمرو و مع أخوالهم من جرهم، و جرهم و قطورا يومئذ أهل مكة، و على جرهم مضاض بن عمرو ملكا عليهم، و على قطورا رجلا منهم يقال له: السّميدع ملكا عليهم، و كان حين ظعنا من اليمن أقبلا سيارة، و كانوا إذا خرجوا من اليمن لم يخرجهم إلا و لهم ملك يقيم أمرهم، فلما نزلا مكة رأيا بلدا طيبا و آداما و شجرا فأعجبهما و نزلا به، فنزل مضاض بن عمرو بمن معه من جرهم أعلى مكة و قيقعان فما حاز ذلك، و نزل السميدع أجيادين‏ (4) و أسفل مكة فما حاز ذلك، و كل فى قومه على حياله لا يدخل واحد منهم على صاحبه فى ملكه، ثم إن جرهما و قطورا بغى بعضهم على بعض و تنافسوا الملك بها فاقتتلوا بها حتى نشبت الحرب بينهم على الملك، و ولاة الأمر بمكة مع مضاض بن عمرو بنو ثابت بن إسماعيل و بنو إسماعيل و إليه ولاية البيت دون السميدع، فلم يزل البغى حتى سار بعضهم إلى بعض‏

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى (1/ 70، 71).

(2) كذا فى الأصل، و الذى فى الأزرقى (1/ 81) نابت، و كذلك فى الروض (1/ 134).

(3) فى أخبار مكة للأزرقى: «مياس» و فى هامش النسخة ذكر أنها فى (أ، ج)، و فى (ب) «قياس»، و على هامشها- أى (ب)-: متاس، و فى الطبرى (1/ 314): «ماسن»، و فى سيرة ابن هشام: «ماش». و الله أعلم.

(4) أجيادين: تثنية أجياد و هما أجياد الكبير و أجياد الصغير، و هما محلتان بمكة، معجم البلدان (1/ 105) و ربما قيل لهما: أجادين اسما واحدا بالياء فى جميع أحواله.

50

فخرج مضاض بن عمرو من قيقعان فى كتيبة سائرا إلى السميدع و مع كتيبتة عدتها من الرماح و الدرق و السيوف و الجعاب يقعقع ذلك معهم، و يقال: ما سميت قيقعان إلا بذلك، و خرج السميدع بقطورا من أجياد (1) معه الخيل و الرجال، و قيل: ما سمى أجيادا إلا لخروج الخيل الجياد مع السميدع حتى التقوا بفاضح‏ (2) فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل السميدع و فضحت قطورا، و يقال: ما سمى فاضحا إلا بذلك ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح/ [17/ ب‏] فساروا حتى نزلوا «للصالح شعب» (3) بأعلى مكة يقال له: شعب عبد الله بن عامر بن كويز (4)، فاصطلحوا بذلك الشعب، و أسلموا الأمر إلى مضاض بن عمرو فلما جمع أمر أهل مكة و صار ملكها له دون السميدع نحر للناس و أطعمهم فطبخ الناس و أكلوا، فيقال: ما سمى المطابخ مطابخا إلا بذلك، و كان الذى بين عمرو و السميدع أول بغى كان بمكة فيما يزعمون، و قيل: إنما سميت المطابخ؛ لأن تبع نحر بها و أطعم و كانت منزله بمكة، ثم نشر الله تعالى بنى إسماعيل- (عليه السلام)- بمكة و أخوالهم جرهم إذ ذاك هم الحكام و ولاة البيت، فلما ضاقت عليهم مكة و انتشروا بها انبسطوا فى الأرض و ابتغوا المعاش و التفسح فى الأرض، فلا يأتون قوما، و لا ينزلون بلدا إلا أظهرهم الله- عزوجل- عليهم بدينهم فوطئوهم و غلبوهم عليها حتى ملأوا (5) البلاد و نفوا عنها العماليق و من كان ساكنا بلادهم التى كانوا اصطلحوا عليها من غيرهم، و جرهم على ذلك بمكة ولاة البيت لا ينازعهم إياه بنو إسماعيل لخؤوليتهم و قرابتهم‏ (6).

قال بعض أهل العلم: كانت العماليق هم ولاة الحكم بمكة فضيعوا حرمة الحرم، و استحلوا منه أمورا عظاما و نالوا ما لم يكونوا ينالون، فقام رجل منهم‏

____________

(1) أجياد: موضع بمكة يلى الصفا، معجم البلدان (1/ 105) و ذكر سبب تسميتها و نقل قول ابن إسحاق. قال فى معجم البلدان (1/ 105): و قد قدمنا أن الجوهرى حكى أن العرب تجمع الجواد من الخيل على أجياد و لا شك أن ذلك لم يبلغ السهيلى فأنكره.

(2) فاضح: موضع قرب مكة عند أبى قبيس، معجم البلدان (4/ 231) و ذكر سبب تسميتها.

(3) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «للصلح شعبا» و هو الصواب. و الله أعلم.

(4) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «كريز». و الله أعلم.

(5) كذا فى الأصل، و فى أخبار مكة للأزرقى «ملكوا». و الله أعلم.

(6) أخبار مكة للأزرقى (1/ 80- 84) عن محمد بن إسحاق.