تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف‏ - ج2

- محمد بن أحمد ابن ضياء المزيد...
297 /
5

الجزء الثاني‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدمة الناشر

الحمد للّه ربّ العالمين، حمدا دائما أبدا، الذي علم الإنسان مالم يعلم، و أقسم بالقلم فقال‏ ن، وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ ... و ذلك لعظم شأن العلم، و عظم مرّتبته، و قد كان ذلك شأن دين الإسلام، إذ استفتح الوحى على نبي الإسلام محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقوله تعالى‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ..

لذا فالكتابة و القراءة و ما دوّن من كراريس و دفاتر هي ذخر و فخر لدين اللّه، و ميسم يوسم به ديننا، و ما جاءنا عن أسلافنا من كتب هى مشاعل نور، لذا تسارعت دور النّشر بكلّ طاقاتها و مالديها من قدرات علمية، و حضاريّة إلى إخراج مخطوطات تراثنا العظيم من دياجير الظّلام إلى ربوع النّور ليستهدى بها فى عصرنا الحاضر عصر العلم و الآفاق و النّشر و الإعلام حتّى لما هو خبيث خسيس، فحقيق بدور النّشر أن تبادر إلى إخراج نفيس العلم، و بثّه بين النّاس، و مخطوطاتنا هى ذاكرة أمتنا الحيّة، فهي حاوية لمجدها و تاريخها و مبادئ دينها و صفوة فكر علمائها، على مدار تاريخها التّالد الشامخ لذا خدمة المخطوطات تعدّ من الواجبات المقدّمة المقدّسة علينا، لذا تتشرّف مكتبة نزار مصطفى الباز بأن تساهم بيد بيضاء و جهد و ضاء فى إثراء المكتبة الإسلامية بإخراج هذا الكتاب القيم بهذه الحلة القشيبة و هو كتاب تاريخ مكة.

فنسأل اللّه العلي القدير أن يقبل هذا الجهد قبولا حسنا، و أن ينفع به المسلمين، و أن ينالنا الرّضا من الجميع، و أن يعيننا على تواصل إخراج المفيد للأمة الإسلاميّة خدمة لدين اللّه و للثقافة العربية جمعاء.

و اللّه ولي التوفيق و هو حسبنا و نعم الوكيل الفقير إلى اللّه تعالى نزار مصطفى الباز

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الإهداء

إلى أمى و روح أبى ..

اعترافا بالجميل عادل‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بسم الله الرحمن الرحيم‏

تقديم‏

وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها صدق اللّه العظيم.

الحمد للّه الذى رفع البيت على يدى عبده إبراهيم و ابنه إسماعيل.

الحمد للّه الذى أدام على بيته الهيبة و عظم داخله و زائره و مجاوره.

الحمد للّه الذى أمن الحرم و من استجار به.

و الصلاة و السيلام على خاتم النبيين و المرسلين؛ أرسله اللّه بالهدى و دين الحق، ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون.

و بعد:

إن هذا الكتاب الذى بين يدى القارئ هو الكتاب الرابع فى موسوعة مكة و المدينة، زادهما اللّه شرفا و تعظيما و مهابة و أمنا بعد كتاب «تاريخ مكة» لأبى الوليد الأزرقى، بتحقيقنا بالاشتراك مع الأصدقاء: هشام عبد العزيز، و أشرف الجمال، و نادى رجب، و تحت إشراف الأستاذ سعيد عبد الفتاح.

و كتاب «شفاء الغرام» لتقى الدين الفاسى، بتحقيقنا بالاشتراك مع الصديقين: أشرف الجمال و هشام عبد العزيز، و تحت إشراف الأستاذ سعيد عبد الفتاح.

و كتاب «الإعلام بأعلام بلد اللّه الحرام» لقطب الدين النهروانى، بتحقيق الباحث هشام عبد العزيز، و إشراف الأستاذ سعيد عبد الفتاح.

و نحن إذ نقدم «تاريخ مكة المشرفة و المسجد الحرام و المدينة الشريفة و القبر الشريف» لابن الضياء المكى، نأمل أن نكون قد أضفنا كتابا جديدا لم ينشر من قبل للمكتبة العربية خلال هذه الموسوعة.

10

و جدير بالذكر أن الكتاب الرابع هو أول كتاب فى موسوعة مكة و المدينة يتعرض لتاريخ المدينة المنورة، إذ قسمه المؤلف إلى بابين:

الأول: فى تاريخ مكة و ذكر جبالها و أوديتها و سيولها، و الأخبار التى مرت بها.

و الثانى: فى تاريخ المدينة، يتحدث منه عن جبالها و أوديتها، و ذكر مساجدها و شى‏ء من أخبارها.

و بهذا يعتبر هذا الكتاب تمهيدا مناسبا لتقديم كتب- نرجو من اللّه أن يطيل فى أجلنا لإنجازها- فى تاريخ مدينة الرسول ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و أخيرا أتقدم بالشكر للأستاذ المشرف الذى حظيت معه، برجاحة رأيه، باختيار هذا الكتاب، كى نخرجه للقارئ، و جهوده المضنية طول فترة التحقيق.

عادل عبد الحميد العدوى 17 شعبان سنة 1416 ه 8 يناير سنة 1996 م‏

***

11

ترجمة المؤلف‏

ابن الضياء المكى:

هو محمد بن محمد بن محمد بن محمد المكى الحنفى؛ المعروف ب:

«ابن الضياء المكى»؛ جمال الدين. فقيه، توفى بمكة.

من آثاره: «تكملة شرح والده ل «كنز الدقائق» فى فروع الفقه الحنفى.

معجم المؤلفين: 11/ 189.

هكذا ورد فى «معجم المؤلفين» لرضا كحالة، الذى اعتمد فى ترجمة المؤلف على «هدية العارفين» فقط (6/ 211).

لكننا لم نكتف بهذا، و طلبنا الكثير من المعلومات مما دفعنا إلى البحث عن المؤلف فى المراجع المعروفة، لكننا بحثنا عن شى‏ء يشفى الغليل فعثرنا على مرجع وحيد هو الذى ترجم للمؤلف، و أطال فى ترجمته، و هو كتاب:

«الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوى.

و لنترك «السخاوى» يحدثنا عن مؤلفنا:

«محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد بن عمر بن يوسف بن على بن إسماعيل الجمالى؛ أبو النجاء بن البهاء، أبى البقاء بن الشهاب، أبى الخير بن الضياء القرشى العمرى الصاغانى الأصل المكى».

هكذا ذكر السخاوى لنا اسم المؤلف كاملا دون لبس، فهو قاضى مكة، و كان أبوه قاضيها أيضا، كما كان ابنه أيضا قاضيها، فهى إذن أسرة متفقهة، العلم هو عملهم و القضاء وظيفتهم.

ولد ابن الضياء سنة 829 ه بمكة، فهو مكى المولد، برغم من أن أصله صاغانى، و لكنه ولد بمكة و نشأ بها و تعلم، فحفظ القرآن، و درس الفقه و النحو و أصول الدين، و عرض على جماعة من المكيين كأبى السعادات و ابن ظهيرة، و السراج، و العلاء الشيرازى و غيرهم.

12

و أجاز له نخبة من العلماء أمثال: الواسطى، و الشمس الشامى، و الكلوانى، و الزين الزركشى، و نور الدين الشلقامى، و النجم ابن حجر، و الزين ابن الصحان، و التاج ابن بردس، و ابن المصرى، و التدمرى، و التقى الفاسى، و الجمال الكازرونى.

و قد صاحب والده فى بداية حياته، و هو صبى و كانت تلك الصحبة باب الخير عليه، إذ رحل مع والده إلى الشرق و الغرب و زار بلدان كثيرة، و سمحت له هذه الرحلة أن يلتقى بعلماء أجلاء، و أتاحت له التعلم على يد هؤلاء العلماء، فقد زار مصر عدة مرات، أولها مع والده سنة 846 ه، و سمع من شيوخها مثل ابن الديرى، و سمع دروسه فى الفقه. و كذا زار مع أبيه بيت المقدس، و دخل الشام و الرملة و غزة و حضر بها دروس الشمس الإياسى فى الفقه و النحو و غيرهما.

ثم دخل القاهرة مرة أخرى بعد موت أبيه سنة 855 ه، و فى تلك المرة أخذ عن الأقصرائيين.

ثم دخلها ثالثا، و قد زار المدينة المنورة غير مرة، و ناب عن والده فى القضاء بها، ثم ولى القضاء بعد والده بتفويض من السلطان، حين كان عمه قاضيا فى سنة 858 ه، ثم انفصل عن القضاء سنة 866 ه، ثم أعيد فى أثناء السنة و استمر.

و تصدى للتدريس و الإفتاء، و درس بدرس يلبغا الذى تلقاه جده من الواقف، ثم بعده ابنه؛ أبو البقاء، ثم ابنه هذا، و فى درس إيتمش و الزنجيلى و خيربك، و مدرسة الأشراف قايتباى من واقفها.

توفى ابن الضياء المكى سنة 885 ه، و دفن من يومه بعد الصلاة عليه عقب صلاة العصر عند باب الكعبة، و كان الجمع فى جنازته حافلا جدا و دفن بالمعلاة جوار أبيه.

و لم يذكر له السخاوى نسخا و لا مؤلفات، و لم يشر إلى غير هذه الإشارة التى وجدناها فى معجم المؤلفين، و ربما نعثر على مرجع آخر يفتح لنا مجال البحث عن هذه الشخصية التى نرى أن الغموض حولها كثير.

***

13

النسخ المخطوطة

لقد اعتمدنا فى تحقيق كتاب «تاريخ مكة و المدينة» لابن الضياء المكى على نسختين بدار الكتب المصرية:

النسخة الأولى:

هى النسخة رقم (8409 خ) نسخة مكتوبة بخط عادى، واضحة، مقروءة، ليس بها أخطاء إلا نادرا.

و تلك النسخة نسخها عاشور بن عبد الكريم بن محمد بن رجب بن محمد البرنسى الشافعى، و قد فرغ من كتابتها يوم الأحد الموافق سابع عشر رجب سنة 1103 ه، و تقع هذه النسخة فى 187 ق، مسطرتها 23 سطر، 8- 9 كلمة فى السطر.

و فى الورقة الأولى من تلك النسخة تجد تواريخ امتلاك النسخة، و أسماء ملاكها، و فى الورقة الأخيرة، بعد خاتمة المؤلف يذكر الناسخ الآتى:

تم الكتاب بعون الملك الوهاب على يد الفقير عاشور بن عبد الكريم بن محمد بن رجب بن محمد البرنسى أصلا الأدكاوى مولدا الحسينى الشافعى، أصلح اللّه شأنه، و صانه مما شانه.

و ذلك فى يوم الأحد المبارك سابع عشرى رجب الفرد الحرام سنة ثلاثة و مائة و ألف.

و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين و الحمد للّه رب العالمين.

و هذه النسخة محفوظة بدار الكتب المصرية تحت ميكروفيلم رقم (28528).

و قد رمزنا لهذه النسخة بالرمز (أ).

14

النسخة الثانية:

و هى النسخة الثانية التى اعتمدنا عليها و هى رقم (1570 تاريخ) و هى منسوخة بخط معتاد منظم إلا أنها بها أجزاء ساقطة قد تصل أحيانا إلى عدة صفحات، و هى منسوخة بمداد أسود، عناوينها بنفس الخط و نفس الحجم و هى تشبه كثيرا النسخة (أ) و نعتقد أنها منسوخة عنها.

و تقع هذه النسخة فى 186 ق، و مسطرتها 23 سطر، كل سطر 8 كلمات.

و هذه النسخة تحت ميكروفيلم رقم (3068)، و هى محفوظة بدار الكتب المصرية.

و قد رمزنا لها بالرمز (ب).

***

15

منهج التحقيق‏

لقد كان وضوح النسخ التى اعتمدنا عليها خير عون على عملية التحقيق، و التقارب الشديد بين النسختين، من حيث المواصفات، ساعدنا على قراءة النص قراءة تتسم بالمرونة و الوضوح بعيدا عن التأويلات المضنية، و ذلك كله كان عونا لنا على أن نقدم الكتاب للقراء كما لو كان مؤلفه أراد ذلك.

و يكاد يكون الاختلاف بين النسختين معدوما، و هذا واضح لو ما ألقيت النظر على المقابلات التى أثبتناها بالهوامش، و هى لا تؤدى- بأى حال- إلى التأثير على السياق، و رؤيته العامة، الأمر الذى جعلنا لا نشير فى مواطن كثيرة إليها، و اكتفينا بتصويب الأخطاء النحوية مثلا دونما إشارة إلى ذلك.

و لم يكن هناك نسبة تذكر للسقط بين النسختين، و على كل فقد أثبتنا ما فى النسخة (أ) إلا ما كان مؤثرا على فهم السياق.

و أما ألفاظ الثناء و الترحيم مثل: (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و عزّ و جلّ، و (رحمه الله)، و رضى اللّه عنه، فقد أثبتنا ما فى النسخة (أ)، و ما سقط فى النسخة (ب) لم نشر إليه، و لعدم تأثيره فى قراءة النص.

قمت بتخريج الآيات القرآنية من المصحف الشريف مبينا رقم الآية، و اسم السورة، و مدنية أو مكية.

كما قمت بالتعليق على بعض الأعلام الذين رأينا أنه لا بد من التعريف بهم للقارئ، و كذلك فى بعض القبائل.

و أشرت إلى بعض الكتب التى اعتمد عليها المؤلف بشكل أساسى فى كتابة مؤلفه، كما عرفت بمؤلفيها.

16

كما قمت بضبط النص بقدر استطاعتى، و كنت شديد الحذر فى تدخلى لضبطه، و كان ذلك نادرا بحيث تتم كتابة النص كما أراد له مؤلفه.

و فى النهاية قمت بعمل مجموعة فهارس شاملة متوخيا فى ذلك المنهج العلمى، و يتضمن ذلك الآتى:

1- فهرس الآيات القرآنية؛ مبينا رقم الآية و اسم السورة و مدنية كانت أو مكية.

2- فهرس الأحاديث النبوية التى وردت بالكتاب.

3- فهرس الأعلام.

4- فهرس الأشعار.

5- فهرس البلدان و الأماكن و المواضع.

6- فهرس القبائل.

7- كشاف عام للأصنام و الحيوانات و الأيام و غير ذلك.

8- فهرس الكتب الواردة بالكتاب.

9- فهرس المراجع التى اعتمد عليها فى التحقيق.

10- فهرس المحتوى.

و أخيرا أرجو أن أكون قد وفقنى اللّه سبحانه و تعالى فى إخراج نص جديد كان قد علاه صدأ النسيان، و اللّه الموفق.

المحقق عادل عبد الحميد العدوى‏

***

17

صور و نماذج من المخطوطات‏

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

ورقة الغلاف من النسخة (أ)

20

الورقة الأولى (أ) من النسخة (ب)

21

الورقة رقم (90 ب) من النسخة (أ)

22

الورقة رقم (80 أ) من النسخة (ب)

23

الورقة الأخيرة من النسخة (أ)

24

الورقة قبل الأخيرة من النسخة (ب)

25

[مقدمة الناسخ‏]

بسم الله الرحمن الرحيم و به ثقتى.

و صلى اللّه على سيد المرسلين؛ محمد و آله و صحبه أجمعين، و بعد:

فهذا جزء مشتمل على ما يتعلق بأحوال مكة المشرفة و المسجد الحرام، و المدينة الشريفة و القبر الشريف، و غير ذلك، مما يتعلق بالمقصود.

جمعه الفقير إلى اللّه تعالى الشيخ الإمام العلامة حجة الإسلام و المسلمين؛ مفتى الأنام ببلد اللّه الأمين؛ مرجع الطلاب و المدرسين؛ قاضى القضاة؛ شيخ الإسلام؛ أبو البقاء؛ محمد بهاء الدين ابن الضياء المكى الحنفى القرشى العمرى العدوى جمعا مرتبا على بابين، لم يسبق إليه و لا عثر غيره عليه؛ رجاء للثواب من الملك الوهاب، و اللّه المنعم و إليه المآب.

***

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

قال ((رحمه الله)):

الباب الأول فى تاريخ مكة المشرفة و ما يتعلق بالكعبة المشرفة و المسجد الحرام و غير ذلك (على سبيل الاختصار)

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

ذكر ما كانت الكعبة عليه فوق الماء قبل خلق السموات و الأرض‏

اعلم أن اللّه تعالى خلق العالم فى ستة أيام؛ ابتداؤها يوم الأحد و الاثنين، لقوله تعالى: ... أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ... (1).

و خلق الجبال يوم الثلاثاء، و الماء و الشجر يوم الأربعاء، و السماء يوم الخميس، و الشمس و القمر و النجوم و الملائكة و آدم يوم الجمعة؛ و لذلك سمى: يوم الجمعة، لأنه جمع فيه خلق كل شى‏ء، قاله الشعبى‏ (2)، حكاه الشهرستانى فى «أعلام النبوة»؛ له.

و قال محمد بن عبد اللّه الكسائى فى «بدء الدنيا» له: «أول ما خلق اللّه تعالى: اللوح، ثم القلم، ثم الماء. قال: و كل شى‏ء لا يفتر عن تسبيحه فى وقت عن وقت إلا الماء، و تسبيحه: اضطرابه.

____________

(1) الآية رقم 9 من سورة فصلت، مكية.

(2) الشعبى؛ هو: عامر بن شراحيل الشعبى أبو عمرو الكوفى. أدرك خمسمائة من الصحابة، و كان عامل ابن الزبير على الكوفة، و كان نحيفا ضئيلا. و من أقواله: «ما كتبت سوداء فى بيضاء قط، و لا حدثنى رجل بحديث فأحببت أن يعيده علىّ، و لا حدثنى رجل بحديث إلا حفظته». و هو من حمير، ينسب إلى جبل باليمن، و كان مولده لست سنين مضت من خلافة عمر بن الخطاب؛ على المشهور، و قيل: لست سنين مضت من خلافة عثمان. و مات سنة 103 ه على الأرجح، و قيل: سنة أربع، و سنة خمس، و سنة سبع، أو عشر. انظر كتاب: طبقات الحفاظ: 32، شذرات الذهب: 1/ 126، المعارف: 449، 450، 451 وفيات الأعيان: 1/ 44، النجوم الزاهرة: 1/ 253، الطبقات الكبرى: 6/ 171.

30

و قيل: إنه بدأ بخلق السموات قبل الأرض يوم الأحد و الاثنين، لقوله تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ‏ (1).

و قيل: خلق السماء دخانا قبل الأرض، و فتقها سبعا بعد الأرض، لقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ‏ (2).

قيل: إن ظهور الطاعة منها قام مقام قولهما.

و قيل: إنه تعالى خلق فيهما كلاما نطق بذلك؛ فنطق من الأرض موضع الكعبة، و نطق من السماء ما يحيا لها، فوضع اللّه تعالى فيها حرسه، قاله أبو نصر السكسكى.

و فى هذا إيصال حرمة البيت المعمور علويا بحرمة البيت الحرام سفليا، و سيأتى الكلام عليه.

و قيل: خلق اللّه الأشياء من يوم الأحد إلى يوم الخميس، و خلق فى يوم الخميس ثلاثة أشياء: السموات و الملائكة و الجنة، إلى ثلاث ساعات بقيت من يوم الجمعة؛ فخلق فى الساعة الأولى: الأوقات، و فى الثانية: الأرزاق، و فى الثالثة: آدم ((عليه السلام)).

قال الثعلبى فى كتابيه؛ «العرائس»، و «التفسير»، حين ذكر بدء الأرض: «إن اللّه تعالى خلق جوهرة خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة، فصار ماء، فخلق الأرض من زبده، و السماء من بخاره، فأول ما ظهر على وجه الأرض مكة» زاد غيره: «ثم المدينة»، ثم بيت المقدس.

ثم دحى الأرض منها طبقا واحدا، ثم فتقها بعد ذلك.

و كذلك السماء، لقوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما (3)، ثم حمل الأرض على عاتق ملك،

____________

(1) الآية رقم 12 من سورة فصلت، مكية.

(2) الآية رقم 11 من سورة فصلت، مكية.

(3) الآية رقم 30 من سورة الأنبياء؛ مكية.

31

و الملك واقف على ياقوتة خضراء، و الياقوتة على سنام الثور؛ و اسمه:

«يونان»، حكاه الكسائى.

و الثور على صخرة خضراء؛ و هى المذكورة فى سورة «لقمان»، و الصخرة على النون؛ و هو الحوت؛ و اسمه: لوتيا، و قيل: بهموت، و قيل: بنموت، و الحوت على البحر، و البحر على الريح، و الريح على القدرة.

و هذا الحوت هو الذى يأكل أهل الجنة كبده، و هو المذكور فى سورة «ن وَ الْقَلَمِ»، و قيل: المراد به: الدواة، فهذا بدء الدنيا.

و أول من سكن الأرض بعد الجن آدم و ذريته، إلى زمن نوح ((عليه السلام))، ثم قسم نوح الأرض بين أولاده؛ سام و حام و يافث.

قيل: إن الأرض أربعة و عشرون ألف فرسخا؛ اثنا عشر ألفا للسودان، و ثمانية آلاف للروم، و ثلاثة آلاف لفارس، و ألف للعرب.

و قيل: الدنيا درهم؛ خمسة أسداسه للروم. و حام أبو السودان، و يافث أبو الروم و الترك، و يأجوج و سام أبو العرب.

و قيل: سام أبو العرب و فارس و الروم. و فارس و الروم تنسب إلى جدهم روم بن عيص.

و قيل: بنو الأصفر ملوك الروم، و الأصفر اسم لبالوس بن روم؛ أول ملوك الروم.

و قال وهب بن منبه‏ (1) فى كتابه «التيجان»: «إن إسحاق ولد له يعقوب‏

____________

(1) وهب بن منبه: من أبناء الفرس؛ الذين بعث بهم كسرى إلى اليمن و يكنى وهب:

أبا عبد اللّه، و له من األإخوة: همام و معقل و عمر، و كلهم روى عنهم، و كان همام روى عن أبى هريرة، و هو أكبر من وهب و مات قبله. مات وهب بصنعاء سنة 110 ه، و قيل:

سنة 114 ه. له من الكتب: «أخبار الملوك المتوجه من حمير»، «الإسرائيليات»، «تفسير القرآن»، «فتوح البلاد»، «قصص الأخبار».

انظر كتاب المعارف: 459، هدية العارفين: 6/ 501، طبقات الحفاظ: 41، شذرات الذهب: 5/ 306.

32

و عيص، فيعقوب هو إسرائيل؛ أبو الأسباط، و هو بالعربى: صفوة اللّه، و عيص هو الأصفر، سمى به لأن النيروز كان عندهم عيدا، فحلّته جدته؛ سارة بالذهب فى ذلك اليوم، و دخلت به على إخوته، فقيل له: الأصفر، لصفرة الذهب.

و قيل: إنه كان أسمر إلى الصّفرة، و هو موجود فى ذريته إلى اليوم.

و أما العرب: فمن ولد إسماعيل نشأوا من عربة، و عربة من عهامة فنسبوا إليها».

و قال قتادة (1): الأرض عشرون ألف فرسخ؛ اثنا عشر ألفا للسند و الهند و ثمانية آلاف ليأجوج و مأجوج، و ثلاثة آلاف للروم و العجم، و ألف للعرب، و معمور الأرض هو جزء من استواء الشمس على وسط كرة الأرض إلى البحر المحيط بالأرض، و هو المسكون الذى قسمه نوح ((عليه السلام)) بين أولاده: فقسم سام وسط الأرض، منه: بيت المقدس، و النيل، و الفرات، و دجلة، و سيحون، و جيحون، و ذلك ما بين قاسيون إلى شرقى النيل، و ما بين منخر الريح الجنوبى إلى منخر الريح الشمالى.

و لحام قسمه: الريح و النيل إلى ما وراءه إلى منخر الريح الدبور (2).

و ليافث: من قاسيون و ما وراءه إلى منخر الصبّا.

____________

(1) قتادة؛ هو: قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسى، يكنى: أبا الخطاب البصرى، الأكمه، و كان أبوه أعرابيا، و كذلك أمه من مولدات الأعراب، روى قتادة عن أنس، و عبد اللّه بن سرجس، و أبى الطفيل، و سعيد بن المسيب، و الحسن، و ابن سيرين. و روى عنه أبو حنيفة، و أيوب، و شعبة، و مسعر، و الأوزاعى، و حماد بن سلمة، و أبو عوانة. قال سعيد بن المسيب: ما أتانى عراقى أحفظ من قتادة. و قال أحمد: كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لم يسمع شيئا إلا حفظه. ولد قتادة سنة 60 ه، و توفى سنة 117 ه. انظر كتاب: المعارف: 462، طبقات الحفاظ: 46، شذرات الذهب: 1/ 153، طبقات المفسرين: 2/ 43، ميزان الاعتدال: 3/ 385، وفيات الأعيان: 1/ 427.

(2) الريح الدّبور: ريح تهب من المغرب، و هى ريح الصبّا، و الجمع: دبر و دبائر.

المعجم الوسيط: 279.

33

و قيل: إن العجم من وراء البحر مسيرة اثنتى عشرة سنة، و بلاد الروم مسيرة خمس سنين‏ (1)، و بلاد منسك عن يمين الدنيا مسيرة خمسة عشر سنة، و بلاد يأجوج مسيرة مائة سنة.

و قيل: الأرض ستة أجزاء؛ خمسة منها ليأجوج و مأجوج، و جزء للخلق، حكاه القرطبى.

و قال المنجمون: الأرض: أربعة و عشرون قيراطا، العامر منها أربعة قراريط و كسر.

و قيل: ما العامر فى الحراب إلا لفسطاط فى فلاة من الأرض، حكاه ابن الجوزى‏ (2) فى «درياق القلوب»، و قال فى كتابه «المدهش»: «الإقليم الأول: الهند. و الثانى: إقليم الحجاز، و الثالث: إقليم مصر، و الرابع:

إقليم بابل، و الخامس: إقليم الشام، و السادس: إقليم بلاد الترك، و السابع: إقليم بلاد الصين.

كل إقليم مائة فرسخ، و أوسطها إقليم بابل؛ و فيه العراق؛ التى هى سرّة الدنيا، و الحجاز هو مكة و المدينة و اليمن و تحاليفها و قراها، و سمى: حجازا لأنه حجز بين الشراة و نجد.

____________

(1) فى (ب): سنوات.

(2) ابن الجوزى: جمال الدين عبد الرحمن بن على بن عبد الرحمن بن على بن على بن عبد اللّه القرشى البكرى الصديقى البغدادى الحنبلى الواعظ؛ أبو الفرج. سمع من ابن الحصين و أبى غالب بن البناء و خلق كثير، و حدث عنه بالإجازة الفخر على و غيره، و كتب بخطه الكثير. ولد سنة 510 ه أو قبلها، و مات فى يوم الجمعة ثالث عشر رمضان سنة 597 ه، و من كتبه: «زاد المسير» فى التفسير، و «جامع المسانيد»، و «المعنى» فى علوم القرآن، و «تذكرة الأريب» فى اللغة، و «الوجوه و النظائر»، و «الموضوعات»، و له «المنتظم» فى التاريخ. انظر كتاب: طبقات الحفاظ: 477، 478، البداية و النهاية:

12/ 319، شذرات الذهب: 4/ 271، وفيات الأعيان: 1/ 280، مرآة الجنان:

3/ 422، معجم المؤلفين: 5/ 157، هدية العارفين: 3/ 520، 523، كشف الظنون:

1/ 573- 2/ 1750- 1850.

34

و قيل: لأنه حجز بين الشام و البادية.

و قيل: لأنه حجز بين نجد و الغور (1)، رجعنا إلى ما نحن فيه.

عن كعب الأحبار (2)، قال: كانت الكعبة غثاء على الماء، قبل أن يخلق اللّه السموات و الأرض بأربعين سنة، و منها دحيت الأرض.

و عن ابن عباس‏ (3)، قال: لما كان العرش على الماء، قبل أن يخلق اللّه السموات و الأرض، بعث اللّه ريحا هفافة، فصفقت‏ (4) الماء، فأبرزت عن حشفة (5) فى موضع البيت، كأنها قبة، فدحى اللّه الأرضين من تحتها، فمادت‏ (6)، ثم مادت، فأوتدها بالجبال، و كان أول جبل وضع فيها: «أبو قبيس»، فلذلك سميت مكة: أم القرى‏ (7).

و فى رواية: خلق اللّه موضع البيت قبل أن يخلق الأرض بألفى سنة، و أن قواعده لفى الأرض السابعة السفلى.

____________

(1) فى (ب): و العور.

(2) كعب الأحبار: هو كعب بن مانع، يكنى: أبا إسحاق، و هو من حمير، من آل ذى رعين، و كان يهوديا، أسلم فى اليمن ثم قدم المدينة فى خلافة عمر بن الخطاب، ثم خرج إلى الشام، فسكن حمص. توفى فى خلافة عثمان سنة 32 ه. انظر كتاب:

المعارف: 430.

(3) عبد اللّه بن عباس: هو عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب؛ أبو العباس الهاشمى الإمام البحر، عالم العصر، ابن عم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الذى دعا له النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أن يفقهه فى الدين، و يعلمه التأويل. توفى ابن عباس بالطائف سنة 68. انظر كتاب: أسد الغابة:

3/ 290، طبقات الحفاظ: 10، العبر: 1/ 76، الإصابة: 1/ 322، شذرات الذهب:

1/ 75، النجوم الزاهرة: 1/ 182، تاريخ بغداد: 1/ 173.

(4) صفق الشى صفقا، و صفقة، و تصفاقا: حزبه و حركه. المعجم الوسيط: 537.

(5) حشفة: الحشفة هى رأس عضو التذكير، و يكشف عنها الختان. و هو أيضا قرحة تخرج فى حلق الإنسان و البعير، و هى: صخرة تكون فى البحر، و الجمع: حشاف.

و أيضا: أصل الزرع يبقى بعد الحصاد، و أيضا: الخميرة اليابسة، و هى العجوز الكبيرة، و الجمع: حشف و حشاف. انظر: المعجم الوسيط: 183.

(6) ماد: الشى‏ء ميدا، و ميدانا: تحرك و اضطرب. انظر: المعجم الوسيط: 929.

(7) فى (ب): بأم القرى.

35

و أجمع العلماء على: أن الكعبة أول بيت وضع للعباد.

و اختلفوا: هل هو أول بيت وضع لغيرها أم لا؟

فقيل: كانت قبله بيوت.

و جمهور العلماء على: أنه أول بيت وضع مطلقا.

و عن ابن عباس (رضى اللّه عنهما): أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «البيت المعمور؛ الذى فى السماء يقال له: الضرّاح‏ (1)، و هو على البيت الحرام؛ لو سقط سقط عليه، يعمره كل يوم سبعون ألف ملك، لم يروه قط، و إن فى السماء السابعة حرما على قدر حرمه»، رواه عبد الرزاق‏ (2).

و فى رواية: «يدخله كل يوم سبعون ألف دحبة، مع كل دحبة سبعون ألف ملك». و الدحبة: رئيس الجند.

و الضراح: (بالضاد المعجمة و هو المشهور. و قيل: بالمهملة): مضمومة بعدها راء، ثم ألف، ثم حاء مهملة.

و قال مجاهد (3): البيت المعمور، يعنى بالضاد (هو الضريح) المعجمة.

و الضريح فى اللغة: البعيد.

____________

(1) فى (أ): الصّراح.

(2) عبد الرزاق؛ هو: عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميرى؛ مولاهم، أبو بكر الصنعانى. روى عن أبيه و ابن جريج و معمر و السفيانين و الأوزاعى و مالك و خلق كثير.

و روى عنه أحمد و إسحاق و ابن المدينى و أبو أسامة و وكيع. قال أحمد: أتيناه و هو صحيح البصر و من سمع منه فهو ضعيف السماع. مات عبد الرزاق سنة 211 ه. انظر كتاب:

طبقات الحفاظ: 154، 155، الفهرست لابن النديم: 228، ميزان الاعتدال: 2/ 609، طبقات المفسرين: 1/ 196، وفيات الأعيان: 1/ 303، المعارف: 519.

(3) مجاهد: هو مجاهد بن حبر؛ أبو الحجاج المكى المخزومى، مولى السائب بن أبى السائب. عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. ولد سنة 21 ه، و توفى سنة 100 ه، و قيل: 101 أو 102، أو 103 أو 104 ه. انظر كتاب: شذرات الذهب: 1/ 125، العبر: 1/ 125، ميزان الاعتدال: 3/ 439، طبقات المفسرين: 2/ 305، طبقات الحفاظ: 35، 36.

36

و عن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «هذا البيت خامس خمسة عشر بيتا؛ سبعة منها فى السماء، و سبعة منها إلى تخوم الأرض، و أعلاها الذى يلى العرش؛ البيت المعمور، لكل بيت منها حرم لحرم هذا البيت، لو سقط منها بيت لسقط بعضها على بعض إلى تخوم الأرض السفلى، و لكل بيت من أهل السماء، و من أهل الأرض من يعمره كما يعمر هذا البيت».

*** ذكر بناء الملائكة الكعبة قبل آدم و مبتدأ الطواف‏

عن على بن الحسين (رضى اللّه عنهما)، و قد سئل عن بدء الطواف بالبيت: أن اللّه تعالى قال: .. إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ... (1).

قالت الملائكة: أى رب، أخليفة من غيرنا؛ ممن يفسد فيها و يسفك الدماء؟

فغضب عليهم، فلاذوا بالعرش، و رفعوا رؤوسهم و أشاروا بالأصابع؛ يضرعون و يبكون إشفاقا لغضبه، فطافوا بالعرش ثلاث ساعات.

و فى رواية: سبعة أطواف؛ يسترضون ربهم، فرضى عنهم، و قال لهم: ابنوا لى فى الأرض بيتا يعوذ به كل من سخطت عليه من خلقى، فيطوف حوله كما فعلتم بعرشى، فأغفر له، كما غفرت لكم، فبنوا البيت.

و يروى: أن اللّه تعالى بعث ملائكة، فقال: ابنوا لى بيتا على مثال البيت المعمور، و قدره، ففعلوا أوامر اللّه؛ أن يطاف به كما يطاف بالبيت المعمور.

و إن هذا كان قبل خلق آدم ((عليه السلام))، و قيل: خلق الأرض بألفى عام و إن الأرض دحيت من تحته، و لذلك سميت مكة: أم القرى، أى: أصل القرى.

و يروى: أنه كان قبل هبوط آدم ياقوتة من يواقيت‏ (2) الجنة، و كان له بابان من زمرد أخضر شرقى، و غربى، و فيه قناديل من قناديل الجنة.

***

____________

(1) الآية رقم 30 من سورة البقرة؛ مدنية.

(2) فى (ب): ياقوت.

37

ذكر هبوط أدم ((عليه السلام)) إلى الأرض و بنائه الكعبة و حجه و طوافه بالبيت‏

عن ابن عباس‏ (1) قال: لما أهبط أدم إلى الأرض، كان رأسه فى السماء، و رجلاه فى الأرض، و هو مثل الفلك من رعدته. قال: فطأطأ اللّه عزّ و جلّ منه إلى ستين‏ (2) ذراعا، فقال: يا رب، ما لى لا أسمع أصوات الملائكة، و لا حسهم؟ قال: خطيئتك يا آدم، و لكن اذهب، فابن لى بيتا فطف به، و اذكر من حوله، كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشى.

قال: فاقبل أدم يتخطى، فطويت له الأرض، و صارت كل مغارة يمر بها خطوة، و قبض له ما كان من مخاض أو بحر فجعل له خطوة.

و فى رواية: أن خطوة: مسيرة ثلاثة أيام.

و لم يقع قدمه فى شى‏ء من الأرض إلا صار عمرانا و بركة، حتى انتهى إلى مكة، فبنى البيت الحرام، و إن جبريل ((عليه السلام)) ضرب بجناحيه الأرض، فابرز عن أسّ ثابت فى الأرض السفلى، فقذفت فيه الملائكة الصخر، ما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلا، و بناه من خمسة أجبل، من لبنان، و طورزيتا، و طور سيناء، و الجودى، و حراء، حتى استوى على وجه الأرض.

و قال ابن عباس: فكان أول من أسس البيت و صلى فيه و طاف به أدم ((عليه السلام)) حتى بعث اللّه الطوفان؛ و كان غضبا، و رجسا، فحيث ما انتهى الطوفان ذهب ريح أدم، و لم يقرب الطوفان أرض السند و الهند. قال:

فدرس موضع البيت فى الطوفان؛ حتى بعث اللّه تعالى إبراهيم و إسماعيل فرفعا قواعده، و أعلامه، و بنته قريش بعد ذلك.

و يروى: أنه لما أهبط إلى الأرض بأرض الهند، و اشتد بكاؤه، و حزنه، و تاب اللّه عليه، أمر بالسير إلى مكة حتى انتهى، فعزّاه اللّه بخيمة من خيام‏

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

(2) فى (ب): ستون.

38

الجنة، و وضعها له موضع الكعبة. و تلك الخيمة ياقوتة حمراء؛ من يواقيت الجنة؛ فيها ثلاث قناديل من ذهب من تبر الجنة، فيها نور يلتهب من نور الجنة، و نزل معه الركن ياقوتة بيضاء من ربض الجنة، و كان كرسيا لأدم ((عليه السلام))، يجلس عليه، فلما صار أدم بمكة حرسه اللّه، و حرس له تلك الخيمة بالملائكة؛ كانوا يحرسونها و يذودون عليها ساكنى الأرض، و سكانها يومئذ الجن و الشياطين، و لا ينبغى لهم أن ينظروا إلى شى‏ء من الجنة، لأنه من نظر إلى شى‏ء من الجنة، وجبت له؛ و الأرض يومئذ طاهرة نقية لم تنجس، و لم يسفك فيها الدماء، و لم تعمل فيها الخطايا (1)، فكذلك جعلها اللّه مسكن الملائكة، و جعلهم فيها كما كانوا فى السماء؛ يسبحون الليل و النهار، لا يفترون، و كان وقوفهم فى أعلام الحرم صفا واحدا، مستديرين بالحرم كله، الحل من خلفهم، و الحرم كله من أمامهم، فلا يجوز بهم جنى، و لا شيطان، فمن أجل مقام الملائكة حرم الحرم، حتى اليوم، و وضعت أعلامه حيث كان مقام الملائكة، و حرم اللّه على حوّاء دخول الحرم، و النظر إلى خيمة أدم من أجل خطيئتها، فلم تنظر إليها حتى قبضت. و كان أدم إذا أراد أن يلم بها للولد خرج من الحرم كله حتى يلقاها، فلم تزل خيمة أدم مكانها حتى قبضه اللّه، و رفعها، و بنى بنو أدم من بعدها مكانها بيتا بالطين و الحجارة، فلم يزل معمرا يعمرونه و من بعدهم، حتى كان زمن نوح، فنسفه الغرق، و خفى مكانه، فلما بعث اللّه إبراهيم، و طلب الأساس، فلما وصل إليه ظلل اللّه مكان البيت بعمامة، فكانت حفاف البيت الأول، و لم تزل راكدة على حفافة تظل إبراهيم، و تهديه مكان البيت، حتى رفع القواعد قامة، ثم انكشفت الغمامة.

و يروى: أنه لما أهبطه إلى الأرض أهبطه إلى موضع البيت الحرام، و اشتاق إلى الجنة، فأخذه أدم فضمه إليه استئناسا به، فقيل له: تخطا يا أدم فإذا هو بأرض الهند، فمكث ما شاء اللّه، ثم استوحش إلى الركن، فقيل‏

____________

(1) فى (ب): الخطيئة.

39

له: احجج، فحج، فلقيته الملائكة، فقالوا: بر حجك يا أدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألقى عام.

و ذكر الأزرقى: «أن الملائكة لقيته بالمازمين، و فى رواية: بالردم، و فى رواية أخرى: فى الطواف».

و يروى: أن اللّه تعالى أنزل البيت الحرام ياقوتة مجوفة مع أدم، فقيل له:

إن هذا بيتى أنزلته معك، يطاف به كما يطاف حول عرشى، فنزلت معه الملائكة، فرفعوا قواعده من حجارة، ثم وضع البيت عليه، فلما أغرق اللّه قوم نوح رفعه إلى السماء، و بقيت قواعده.

و عن ابن عباس، قال: كان أدم أول من أسس البيت، و صلى فيه.

و عنه قال: حج أدم؛ فطاف بالبيت سبعا، فلقيته الملائكة فى الطواف، فقالوا: بر حجك، أما إنا قد حججنا قبلك هذا البيت بألفى عام.

قال: فما كنتم تقولون فى الطواف؟ قالوا: كنا نقول: سبحان اللّه و الحمد للّه، و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر. قال أدم: فزيدوا فيها و لا حول و لا قوة إلا باللّه، فزادت فيها ذلك، ثم حج إبراهيم بعد بناءه البيت، فلقيته الملائكة فى الطواف فسلموا عليه، فقال لهم إبراهيم: ماذا كنتم تقولون فى طوافكم؟ قالوا: كنا نقول قبل أبيك أدم: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر، فقال أدم: زيدوا فيها: و لا حول و لا قوة إلا باللّه، فقال إبراهيم: زيدوا فيها: العلى العظيم، ففعلت الملائكة ذلك.

و عن وهب بن منبه قال: إن أدم ((عليه السلام)) لما أهبط إلى الأرض استوحش لما رأى من شعثها، و لم ير فيها أحدا غيره، فقال: يا رب أما لأرضك هذه عامر يسجد فيها، و يقدس لك غيرى؟ قال: سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدى، و يقدس لى، و سأجعل فيها بيوتا ترفع لذكرى، و يسبحنى فيها خلقى، و سأبوئك فيها بيتا اختاره لنفسى، و اختصه بكرامتى، و أوثره على بيوت الأرض كلها، أسميه: بيتى، و أنطقه بعظمتى، و أجعله أحق بيوت الأرض كلها، و أولاها بذكرى، و أضعها فى البقعة التى اخترت‏

40

لنفسى، فإنى اخترت مكانة يوم خلقت السموات و الأرض، و قبل ذلك قصى كان بعينى، فهو صفوتى من البيوت، و لست أسكنه، و ليس ينبغى لى أن أسكن البيوت، و لا ينبغى لها أن تسعنى، و لكنى على كرسى الكبرياء و الجبروت، و هو الذى يستقل بعرشى، و عليه وضعت عظمتى، ثم هو بعد ذلك ضعيف عنه، لو لا قوتى أجعل ذلك البيت لك، و لمن بعدك حرما، و أمنا أحرم بحرماته ما فوقه، و ما تحته، و ما حوله، فمن حرمه بحرماتى، فقد عظم حرماتى، و من أحله فقد أباح حرماتى، و من أمن أهله فقد استوجب بذلك أمانى، و من أخافهم فقد أخفرنى فى ذمتى، و من عظم شأنه عظم فى عينى، و من تهاون به صغر فى عينى.

و لكل ملك حيازة ما حواليه، و بطن مكة خيرتى و حيازتى، و جيران بيتى و غمارها وفدى، و أضيافى فى كنفى، ضياء متون علىّ فى ذمتى و جوارى، فأجعله أول بيت وضع للناس، و أعمره بأهل السماء و الأرض، يأتونه أفواخا شعثا غبرا على كل ضامر يأتين من كل فج عميق، بالتكبير عجيجا، و يرجون بالتكبير رجيجا، و ينتحبون بالبكاء نحيبا.

فمن اعتمده لا يريد غيره، فقد زارنى، و وقد إلىّ، و نزل بى، و من نزل بى فحقيق علىّ أن أتحفه بكرامتى، و حق على الكريم أن يكرم وفده و أضيافه، و أن يسعف كل واحد منهم بحاجته.

تعمر يا أدم ما كنت حيا، ثم تعمره من بعدك الأمم و القرون الأنبياء أمة بعد أمة، و قرن بعد قرن، و نبى بعد نبى؛ حتى ينتهى ذلك إلى نبى من ولدك، و هو خاتم النبيين، فأجعله من عماره، و سكانه، و حماته، و ولاته، و سقاته، يكون أمينى عليه ما كان حيا، و أجعل اسم ذلك البيت و ذكره و شرفه لنبى من ولدك قبل هذا النبى، و هو أبوه، يقال له: إبراهيم، أرفع له قواعده، و اقضى على يديه عماته، و أنيط له سقايته، و أريه حله و حرمه، و أعلمه مناسكه و مشاعره، و اجعله أمة واحدة قانتا إلىّ بأمرى، أجتبيه، و أهديه إلى صراط مستقيم، أستجيب له فى ولده، و ذريته من بعده، و اشفعهم فيهم، فاجعلهم أهل ذلك البيت، و ولاته، و حماته، و سقاته،

41

و خدامه، و خزانه، و حجابه، حتى يبتدعوا، و يغيّروا، فإن فعلوا ذلك، فأنا أقدر القادرين على أن استبدل من أشأ بمن أشأ، أجعل إبراهيم أهل ذلك البيت، و أهل تلك الشريعة، يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الإنس و الجن، يطئون فيها آثاره، و يتبعون فيها سنته، و يقتدون فيها بهديه، فمن فعل ذلك منهم أوفى نذره، و استكمل نسكه، و من لم يفعل ضيع نسكه، و أخطأ بغيته، فمن سأل عنى فى تلك المواطن أين أنا؟ فأنا مع الشعث الغبر؛ الموقنين بنذورهم، المستكملين مناسكهم، المستهدين إلى ربهم.

و ليس هذا الأمر الذى قصصت عليك يا أدم شأنه يزايدنى فى ملكى، و لا عظمتى و سلطانى، إلا كما زادت قطرة من رشاش وقعت فى سبعة أبحر يمدها من بعدها سبعة أبحر لا تحصى، بل القطرة أزيد فى البحر من هذا الأمر فى شى‏ء مما عندى من الغنى و السعة». الحديث رواه الأزرقى.

و يروى عن عطاء: «أنه أهبط أدم ((عليه السلام)) معه بيت، و كان يطوف و المؤمنون من ولده، كذلك إلى زمان الغرق، ثم رفعه اللّه فصار فى السماء، و هو الذى يدعى: البيت المعمور».

ذكره الحاكمى فى كتاب «منهاج الدين» له، و قال: يجوز أن يكون معنى ما قاله قتادة من أنه أهبط مع أدم بيت، أى: أهبط معه مقدار البيت المعمور طولا، و عرضا، و وسطا، ثم قيل له: ابن بقدره و خياله، فكان خياله موضع الكعبة، فبناها فيه.

و أما الخيمة: فقد يجوز أن تكون نزلت، و ضربت فى موضع الكعبة، فلما أمر ببنائها، فبناها، كانت حول الكعبة طمأنينة لقلب آدم ما عاش، ثم رفعت، فتتفق هذه الأخبار.

و فى رواية: لما فرغ آدم من بناء البيت خرج به الملك إلى عرفات، فأراه المناسك كلها؛ التى يفعلها الناس اليوم، ثم قدم به مكة، و طاف بالبيت أسبوعا، ثم رجع إلى أرض الهند.

***

42

ما جاء فى نزول جرهم مع أم إسماعيل الحرم‏

يروى: أنه كما أخرج اللّه ماء زمزم لأم إسماعيل، بينما هى على ذلك مر ركب من جرهم قافلين من الشام، فى الطريق السفلى، فرأى الركب الطير على الماء، فقال بعضهم: ما كان بهذا الوادى من ماء، و لا أنيس، فأرسلوا جريين لهم، حتى أتيا أم إسماعيل، فكلماها، ثم رجعا إلى ركبهما، فأخبراهم بمكانهما، فرجع الركب، كلهم حتى حيوها، فردت عليهم، فقالوا: لمن هذا الماء؟ قالت أم إسماعيل: هو لى، قالوا لها:

أتأذنين لنا أن ننزل معك عليه؟ قالت: نعم.

قال النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «ألفى ذلك أم إسماعيل، و قد أحبت الأنس».

فنزلوا، و بعثوا إلى أهاليهم، فقدموا، و سكنوا تحت الدوح، و اعترشوا عليها العرش، فكانت معهم هى و ابنها، حتى ترعرع الغلام، و نفسوا فيه، و أعجبهم، و توفيت أم إسماعيل.

و طعامهم الصيد، يخرجون من الحرم، و يخرج معهم إسماعيل، فيصيد، فلما بلغ أنكحوه جارية منهم، فأقبل إبراهيم من الشام يقول: حتى أطالع تركتى، فقدم مكة، فوجد امرأة إسماعيل، فسألها عنه، فقالت:

هو غائب، و لم يكن له فى القول، فقال لها: قولى لإسماعيل قد جاء بعدك شيخ كذا و كذا، و هو يقرأ عليك السلام، و يقول لك: غير عتبة بيتك، فإنى لم أرضها لك.

و كان إسماعيل كلما جاء يسأل أهله: هل جاءكم أحد بعدى، فلما رجع سأل أهله، فقالت امرأته: قد جاء بعدك شيخ. فوصفته له، فقال لها إسماعيل: قلت له شيئا؟ قالت: لا، قال: فهل قال لك شيئا؟ قالت:

نعم؛ اقرأى (عليه السلام)، و قولى له: غير عتبة بيتك، فإنى لم أرضها لك. قال إسماعيل: أنت عتبة بيتى، فارجعى إلى أهلك. فردها إسماعيل، فأنكحوه امرأة أخرى، اسمها: أمامة بنت مهلهل، و قيل: عاتكة، ثم‏

43

لبث إبراهيم ما شاء اللّه أن يلبث، ثم رجع إبراهيم، فوجد إسماعيل غائبا، و وجد امرأته الأخرى، فوقف فسلم، فردت (عليه السلام)، و عرضت عليه الطعام و الشراب، فقال: ما شرابكم و طعامكم؟ قالت: اللحم و الماء.

قال: هل من حب، أو غيره من الطعام؟ قالت: لا. قال: بارك اللّه لكم فى اللحم و الماء.

قال النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «لو وجد عندها يومئذ حبا لدعا (1) لهم بالبركة فيه، فكانت تكون أرضا ذات زرع».

ثم ولى إبراهيم، و قال: قولى له: قد جاء بعدك شيخ. فقال: إنى وجدت عتبة بيتك صالحة. فأقرّها.

*** ما جاء فى بناء إبراهيم الكعبة

قال اللّه تعالى: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ... (2) أى:

يبنى القواعد، و هى الأساس، جمع قاعدة.

عن ابن عباس قال: لبث إبراهيم ما شاء اللّه أن يلبث، ثم جاء الثالثة، فوجد إسماعيل قاعدا تحت الدوحة التى ناحية الستر، يبرى نبلا له، فسلم عليه، و نزل عليه، فقعد معه، فقال إبراهيم: يا إسماعيل، إن اللّه قد أمرنى بأمر، فقال إسماعيل: أطع ربك فيما أمرك.

و يروى أنه قال: و تعيننى؟ قال: و أعينك.

فقال إبراهيم: أمرنى ربى أن أبنى له بيتا.

قال له إسماعيل: و أين هو؟ فأشار له إلى أكمة، مراجعة على ما حولها، عليها ضراض من حصباء، يأتيها السيل من نواحيها، و لا يركبها، فقاما يحفران عن القواعد، و يقولان: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏، رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إنك سميع الدعاء (3)، و يحمل له إسماعيل الحجارة

____________

(1) فى النسخة (أ): دعى.

(2 و 3) الآية رقم 127 من سورة البقرة، مدنية.

44

____________

على رقبته و يبنى إبراهيم، فلما ارتفع البنيان، و شق على إبراهيم تناوله قرب له إبراهيم هذا الحجر- يعنى: المقام- فكان يقوم عليه و يبنى، و يحوله، فى نواحى البيت حتى انتهى إلى وجه البيت، فلذلك سمى: إبراهيم لقيامه عليه.

و فى رواية لابن عباس: أنه لما جاء إبراهيم إلى إسماعيل، ورآه، قام إليه، فصنعا كما يصنع الولد بالوالد، و الوالد بالولد، و بكيا حتى أبكيا، أو أجابتهما الطير.

و قال مجاهد: أقبل إبراهيم و معه السكينة و الصرد و الملك من الشام دليلا، حتى تبوأ البيت الحرام كما تبوأت العنكبوت بيتا، و كان للسكينة رأس كرأس الهرة، و جناحان.

و فى رواية: كأنها عمامة، أو صبابة فى وسطها كهيئة الرأس يتكلم.

و فى رواية: هى ريح خجوج لها رأس.

و فى رواية: لها رأسان.

و فى رواية: لها وجه يتكلم، و هو بعد ريح هفافة.

و فى رواية: لها رأس كرأس الإنسان.

و قيل: السّكينة: الرحمة.

قال السهيلى: و السّكينة من شأن الصلاة، قال ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «و أتوها و عليكم السّكينة» فجعلت علما على قتلتها حكمة من اللّه سبحانه، فقالت السّكينة: يا إبراهيم، فلذلك لا يطوف بالبيت ملك من هذه الملوك، و لا أعرابى نافر، و لا جيار، إلا رأيت عليه السّكينة.

و فى رواية: قالت السكينة: يا إبراهيم، خذ قدرى من الأرض لا تزود و لا تنقص، فخط فذلك بكة.

و فى رواية: قالت له: يا إبراهيم، إن ربك يأمرك أن تخط قدر هذه السحابة، فجعل ينظر إليها، و يأخذ قدرها. فقال له رأس السكينة: قد فعلت؟ قال: نعم. فارتفعت السحابة.

45

و فى رواية: أن الغمامة لم تزل راكدة تظل إبراهيم، و تهديه مكان القواعد، حتى رفع القواعد قامة، ثم انكشفت الغمامة، فأبرز عن أس بانت من الأرض، فبناه إبراهيم.

و فى رواية: فحفر، فأبرز عن ربض أمثال حلف الإبل، لا يحرك الصخرة إلا ثلاثون رجلا.

و فى رواية: لما بعث اللّه إبراهيم ليبنى البيت طلب الأساس الأول؛ الذى وضعه بنو آدم فى موضع الخيمة التى عزّى اللّه بها آدم من خيام الجنة حين وضعت له بمكة فى موضع البيت، فلم يزل إبراهيم يحفر حتى وصل إلى القواعد التى أسس بنو آدم فى زمانهم فى موضع الخيمة، فلما وصل إليها ظلل اللّه له مكان البيت بغمامة، و لم تزل راكدة تظل إبراهيم، و تهديه مكان القواعد، حتى رفع القواعد قامة، ثم انكشفت الغمامة، و كان إبراهيم يبنى فى كل يوم سافا، و مكة يومئذ شديدة الحرّ، و إسماعيل يناوله الحجارة.

عن ابن عباس، قال: كانت الخيل وحشا كسائر الوحوش، فلما أذن لإبراهيم و إسماعيل برفع القواعد قال اللّه تعالى: إنى معطيكما كنزا ادخرته لكما، ثم أوحى إلى إسماعيل: أن اخرج إلى أجياد، فادفع يأتك الكنز.

فخرج إلى أجياد، و لا يدرى ما الدعاء، و لا الكنز، فألهمه، فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا أجابته، فأمكنه من نواصيها، و ذللها له، فاركبوها و اعلفوها، فإنها ميامين، و هى ميراث أبيكم إسماعيل، و سمى الفرس فرسا لأنه يفترس مسافات الجو فترات الأسد و ثوبا، و يقطعها بيديه خبطا و تناولا، و سمى خيلا لأنها موسومة بالعز، و سمى عربيا لأنها عطية إسماعيل، و إسماعيل عربى، فصارت له نحلة من اللّه.

قال الثعلبى فى «العرائس»: «و كان إبراهيم عبرانيا، و إسماعيل عربيا، فألهم اللّه أحدهما لسان صاحبه، فكان إبراهيم يقول: ربّ هب لى كسا- يعنى حجرا- فيقول له إسماعيل: هناك فخذه».

و قال المرجانى فى «بهجة النفوس»: «و كان إبراهيم يتكلم بالعبرانية،

46

و كذلك إسماعيل، و إسحاق، و ذلك أن إبراهيم لما خرج هرب من كونى و خرج من النار عبر الفرات، و لسانه سريانى، فعبر لسانه، فقيل عبرانى حيث عبر الفرات، فبعث نمرود فى أثره، و قال: لا تدعو من يتكلم بالسريانية إلا ائتونى به، فوجدوا إبراهيم يتكلم بالعبرانية، فتركوه، و لم يعرفوه، و كان سن إبراهيم ((عليه السلام)) حين أمر ببناء البيت مائة سنة، و سن إسماعيل ستة و ثلاثين سنة.

و فى رواية ذكرها الأزرقى: أن سن إسماعيل يومئذ عشرون سنة. و اعلم أن إبراهيم ((عليه السلام)) أول نبى بعد نوح، و أول من لبس السراويل، و جاريته قنطورا؛ هى أم الترك، أختتن بالقدوم، قيل: بالقدوم المعروف، و قيل: موضع يقال له: القدوم بالقدوم، و كان له يوم اختتن ثمانون سنة، و قيل: مائة و عشرون، و عاش بعدها ثمانين سنة، و قيل: مات و عمره مائتا سنة، و قيل: مائة و خمس و تسعون سنة، و دفن عند قبر سارة، و اختتن إسماعيل لثلاثة عشر شهرا، و إسحاق سبعة أيام، و كان عمر إبراهيم يوم ألقى فى النار ستة عشر سنة، و بردت النار تلك الليلة، و فى ذلك الصباح فى سائر أقطار الأرض، فلم ينتفع أحد فى الدنيا بنار و سموا تلك الليلة نيروزا، و النيروز بالسريانى: عيد، و كان استدلاله بالكواكب و هو ابن خمسة عشر شهرا، و أنزل عليه عشرون صحيفة بالخط السريانى. و أما نوح ((عليه السلام)) فهو أول رسول أرسله اللّه إلى الأرض. حكاه ابن عساكر.

و نزل الطوفان بعد مضى ستمائة سنة من عمره، و قل دعاء قومه تسعمائة سنة، و عاش بعد الطوفان خمسمائة عام، و أرسل الطوفان لثلاث عشرة خلت من آب، و ركب نوح الفلك لعشرين خلون من رجب، و صام نوح رجب فى السفينة، و جرت بهم السفينة إلى يوم عاشوراء. حكاه عكرمة.

و قيل: أقام على الماء نحو سنة، و قيل: أربعين يوما، و قيل: أربعين سنة. قاله وهب فى كتاب «التيجان».

و قيل: أمطر أربعين يوما، و غاض الماء بعد مائة و خمسين يوما. حكاه الشهرستانى.

47

و كان يوم عاشوراء يوم الجمعة، و صامه نوح، و من معه من الوحش، و قيل: إن يوم القيامة يكون يوم عاشوراء، و يوافق يوم الجمعة، و أرست السفينة على الجودى؛ و هو بأرض الجزيرة شمالا، و يسمى: الناظر، و قيل:

هو جبل فردى بقرب الموصل، و كان خشب السفينة من جبل لبنان، و عملها نوح بدمشق، و أول ما حمل فيها النملة، و قيل: الأوزة، و آخر ما حمل الحمارة، و لم يكن فى الأرض قبل الطوفان نهر، و لا بحر، مياه البحار بقية الطوفان. و حمل فى السفينة ثمانية أنفس: نوح، و زوجته- غير التى عوقبت- و بنوه الثلاث، و زوجاتهم. و قيل: كانوا سبعة، و أسقط امرأة نوح. و قيل: كانوا عشرة. و قيل: سبعين، و قيل: ثمانين.

و عنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «بقى من خشبها- يعنى السفينة- شى‏ء أدركه أوائل هذه الأمة».

و حمل نوح ((عليه السلام)) جسد آدم معه فى السفينة، و كان مولد نوح بعد موت آدم بثمانمائة سنة، و لم يعقب أحد ممن كان معه بالسفينة، و إنما عقب أولاده. قال تعالى: وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ‏ (1)، و هم: سام و حام و يافث.

و بعد الطوفان بستمائة سنة و سبعين كان تبلبل الألسن، فافترقت اثنين و سبعين لسانا: فى ولد سام تسعة عشر، و فى ولد حام سبعة عشر، و فى ولد يافث ستة و ثلاثون، و كان سببه وقوع الصرح الذى بناه هامان لفرعون، و كان طول الصرح إلى السماء خمسة آلاف ذراع. و قيل: فرسخين، كان فيه خمسون ألف بناء، فتبلبلت الألسن، و مات ألف ألف.

و مولد الخليل إلى تبلبل الألسن أربع مائة سنة و إحدى عشرة سنة، و من مولده أيضا إلى مولد موسى أربعمائة و خمس و عشرون سنة، و من هبوط آدم إلى مجئ الطوفان على ما قاله اثنان و سبعون حبرا من بنى إسرائيل؛ نقلوا التوراة إلى اليونانية، بينهما ألفان و مائتان و اثنان و أربعون سنة.

____________

(1) الآية رقم 77 من سورة الصافات، مكية.

48

و قال آخرون من بنى إسرائيل؛ المقيمين على العبرانية التى يتداولها جمهور اليهود فى وقتنا: أن من هبوط آدم إلى مجئ الطوفان إلى تبلبل الألسن مائة و إحدى و ثلاثون سنة، و من التبلبل إلى مولد الخليل مائة و إحدى و ستون سنة، و من مولده ((عليه السلام)) إلى وفاة موسى خمسمائة و خمس و أربعون سنة، و من وفاته ((عليه السلام)) إلى ابتداء ملك بخت نصر تسعمائة و ثمان و سبعون سنة و إلى ملك الإسكندر ألف و أربعمائة و ثلاث عشر سنة، و ولد عيسى لسبع مائة و تسع و ثلاثين سنة، و من ملك بخت نصر إلى ابتداء الهجرة تسعمائة و خمس و ستون سنة، فكان بين موسى و ابتداء الهجرة ألفان و ثلثمائة و سبع و أربعون سنة، و مولد عيسى بعد ألف و سبعمائة و سبع عشرة سنة من موت موسى.

و قيل: ستمائة و ثلاثين سنة من ابتداء الهجرة.

و يروى الكلبى عن ابن عباس: أن الناس خرجوا من السفينة ببابل، ثم ضاقت بهم حتى نزلوا موضع بابل اثنا عشر فرسخا فى مثلها، و كان سورها عند النيل، و بابها يومئذ عند باب ورقان، فملكهم يومئذ نمرود بن كنعان بن حام، فلما كفروا بلبل اللّه ألسنتهم على اثنين و سبعين لسانا، و فهم اللّه العربية عمليق، و غيرهم من بنى سام، فنزلت العماليق صنعاء، ثم تحولت فنزلت بمكة، و قيل: لما تبلبلت الألسن سلبوا اللسان السريانى إلا أهل الجودى، و أجرى جبريل على لسان كل أمة لغة، و أفصح عابر بالعربية، و تكلم مع عابر جميع أخوته، و بنو عمه ما خلا الفرس، فإنها تكلمت بالعجمى، و أول من تكلم باللسان العربى عزقيل بن ساروم بن خامور بن قنالح بن أرفخشد، و أول من جرت الفارسية على لسانه شاهور بن خامور ابن باقر بن سام، و أول من جرت الحبشية على لسانه سلحب بن باداد بن أرباهش بن شوعان بن كوش بن حام بن نوح، فهذه أصول الألسن.

و قال ابن الجوزى: «أول من تكلم بالعربية إسماعيل ((عليه السلام))، و أول من كتب بالعربية مرامر بن مروة؛ من أهل الأنبار».

و قال السهيلى: «و عنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أنه قال: «أول من كتب بالعربية إسماعيل».

49

قال أبو عمرو: و هذه الرواية أصح من رواية من روى: أول من تكلم بالعربية، و فى أول من أدخل الكتاب العربى أرض الحجاز، فقيل: حرب ابن أمية، و قيل: سفيان بن أمية، و قيل: عبد بن قصى؛ تعلموه بالحيرة، و تعلمه أهل الحيرة من أهل الأبنار» انتهى.

و أول من نقش على الدراهم بالعربية عبد الملك بن مروان.

قال الشعبى: و كلام الناس يوم القيامة بالسريانى.

و روى الأصحاب فى كتبهم، عن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أنه قال: «العربى و الفارسى لسانا أهل الجنة».

و أما شيث: فولد بعد مائتين و ثلاثين سنة من عمر آدم ((عليه السلام))، و مات و له تسعمائة و اثنتا عشرة سنة، فكان قيامه بالأمر بعد آدم مائتين و اثنتا عشرة سنة. و اختلف فى نبوته، و أنزل عليه خمسون صحيفة، و قيل:

ثلاثون، و قيل: عشرة، و بنى الكعبة بالطين، و حج و والدته حرا مفردا؛ و كانت تلد ذكرا و أنثى فى كل بطن، فولدته مفردا.

قال المرجانى: يعنى: بدلا من هابيل.

و أما آدم ((عليه السلام))، فيكنى: أبا محمد؛ بالنبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و أبا البشر أيضا، و آدم عبرانى، و قيل: عربى. خلقه اللّه من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنوه على قدر الأرض؛ ذوى ألوان.

يروى: أنه قال: يا رب لم سميتنى آدم؟

قال: لأنى خلقتك من أديم الأرض. و أديم الأرض: وجهها، و خلق اللّه حواء من ضلعه الأيسر، و سميت: حواء لأنها خلقت من حى، و خلقت قبل دخول الجنة، و اختلف فى الشجرة التى أكلها، فقيل: شجرة الكافور، أو الحناء، أو الكرمة، أو النخلة، أو السبلة، أو الحلبة، أو التين، أو الحنطة، و كانت حلوة، و أهبط على جبل لبنان، أو الجودى، أو سرنديب، أو واسم، و حواء بجدة، و إبليس على ساحل بحر أيلة (بفتح‏

50

الهمزة) و قيل: بيسان، و الحية بالبربر، و قيل: بأصبهان، و الطاووس بأرض بابل.

فأهبط آدم من باب التوبة، و حواء من باب الرحمة، و إبليس من باب اللعنة، و الطاووس من باب الغضب، و الحية من باب السّخط، و كان وقت العصر.

و قيل: أهبط آدم بين الظهر و العصر من باب يقال له: الميرم، حذاء البيت المعمور، و قيل: من باب المعراج، و مكث فى الجنة نصف يوم من أيام الآخرة، و ذلك خمسمائة عام، و مكث على جبل الهند مائة سنة يبكى، و أنبت اللّه العشب من دموعه؛ منه: الدارحينى، و القرفة، و القرنفل.

و كان رأسه يمس السحاب، فصلع فتوارثه ذريته، و خفضت قامته إلى ستين ذراعا؛ بذراعه، و حج أربعين حجة، و كانت خطوته مسيرة ثلاثة أيام، و هو أول من ضرب الدينار و الدرهم، و كان أمرد، و إنما نبتت اللحى لذريته، و أنزلت عليه حروف المعجم فى أحد و عشرين ورقة، و أنزل عليه عشر صحائف، و جميع الصحف مائة و أربعة: كتب على آدم عشر، و على شيث خمسون، و على إدريس ثلاثون، و على إبراهيم عشرة، و التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان أنزل بها جبريل (عليه السلام).

و عنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أنه قال: «أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، و التوراة لست مضين من رمضان، و الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت منه، و الزبور لثمانى عشرة ليلة خلت منه، و الفرقان لأربع و عشرين منه، و بين نزول أول القرآن و أخره عشرون سنة».

و كان آدم من المصطفين دون سائر المرسلين، و لم يمت حتى بلغ ولده، و ولد ولده أربعين ألفا.

و قيل: صلي خلفه ألف رجل غير بنيه.

و ورد: أن اللّه شفعه من ذريته فى مائة ألف ألف و عشرة آلاف ألف.

و قال ابن عباس: تكلم آدم بسبعمائة ألف لغة، أفضلها العربية، و كان‏

51

القمح فى زمنه كبيض النعام، و لم يزل إلى أيام إدريس، ثم نقص منه قليل، ثم نقص أيام فرعون، ثم نقص أيام إلياس، فصار لبيض الدجاج، ثم نقص أيام عيسى، ثم نقص أيام يحيى، فصار فى أيام بخت نصر كالبندق، و كذلك كان فى أيام عزير، فلما قالت اليهود: عزير ابن اللّه صار قدر الحمص، ثم صار إلى ما يرى. قاله كعب الأحبار.

و ماتت حواء قبل آدم بعامين، و عمرها سبعمائة سنة و تسع و عشرون سنة، و قيل: ماتت بعده بعامين، و قيل: لست سنين.

و مات آدم يوم الجمعة، و وافق من شهور السريانى لعشرين من نيسان، مات على الجبل الذى أهبط عليه، و صلى عليه شيث، و كبر عليه ثلاثين، و حمله نوح فى السفينة.

قيل: و حمل حواء معه، و دفنه ببيت المقدس بعد الطوفان، و قيل:

صلت عليه الملائكة، و حفروا له بجبل أبى قبيس، ثم حمله نوح، ثم إلى مكان الجبل.

و قيل: قبر آدم فى مشارق الفردوس.

قال المرجانى فى «بهجة النفوس»: «و الظاهر أن قبر آدم بالشام- يعنى دمشق- لأنها كانت أرضه و بها مقبرة الفراديس، و قيل: دفنته الملائكة بمسجد الخيف». حكاه ابن الجوزى فى «درياق القلوب».

و آدم الآن فى سماء الدنيا، و لا يسمى أحد خليفة اللّه تعالى بعد آدم ((عليه السلام))، و انقرض نسل آدم بالطوفان إلا نسل شيث.

قال الطوسى: «و بلغنى أن من كتب للمطلقة آدم و حواء وضعت».

انتهى. و اللّه أعلم.

و قدم علينا حاجا سنة عشر و ثمانمائة رجل شريف دلوالى، و ذكر لنا أنه رحل بلاد سرنديب، و أن أهلها كفار، و أنه صعد جبل سرنديب، و كان صعوده فيه من طلوع الفجر، و وصل أعلاه غروب الشمس. قال: و فوق‏

52

جبل سرنديب جبل آخر على هيئة المنارة، و قدرها، بل أعلى منها، يصعد إلى أعلى هذا الجبل بسلاسل من حديد، يضع الإنسان فيها رجله، و يتعلق، ثم هكذا، إلى أن يصعد إلى أعلاه، و أنه لا يمكن الصعود عليه إلا على هذه الصفة.

قال: و فوق هذا الجبل أيضا جبل آخر صغير، فيه أثر قدم آدم ((عليه السلام)) غائصا فى الصخرة على سمت القبلة، بحيث أن القائم عليه يستقبل القبلة، و له خمسة أصابع. و ذكر: أنه قاس طول قدمه و عرضه، و طول إبهامه بمنديل كان معه، و علم ذلك علامات، فرأيت هذا المنديل معه، فقست طول قدمه من رأس الإبهام إلى آخرها ثلاثة أذرع و ثلثى ذراع، و طول الإبهام إلى المفصل شبر، و عرض القدم ثلاثة أشبار و أربع أصابع؛ كل ذلك بذراع الحديد.

و ذكر أنه لم ير إلا قدما واحدا، و أن تحت قدمه غديرا فى صخرة، ممتلئ ماء أحلى من العسل، و له عينان تجريان؛ إحداهما عن يمين القدم، و الأخرى عن يساره، ينصبان إلى أسفل الجبل، و إلى البحر، و مسيل ماء العينين يشم، و تراب العين اليمنى يسيلان، و إن المطر لا يزال على هذا الجبل فى كل يوم من أيام السنة، لا ينقطع أصلا، و لكنه فى بعض الأوقات رشاش، و أن فى كل جهة من جهات الجبل الأربع يدوم المطر فى أرض الهند ثلاثة أشهر على ممر السنين، و اللّه أعلم.

*** ما جاء فى حج إبراهيم و طوافه و آدابه فى الحج‏

لما فرغ إبراهيم ((عليه السلام)) من بناء البيت الحرام جاء جبريل ((عليه السلام)). و فى رواية: قال: أى رب قد فعلت، فأرنا مناسكنا- أى ابرزها لنا، و علمناها- و قيل: أرنا مناسكنا: مدائحنا.

فجاءه جبريل، فقال: طف به سبعا. هو و إسماعيل يستلمان الأركان كلها فى كل طواف، و كان آدم يستلم الأركان كلها قبل إبراهيم ((عليه السلام))، فلما أكملا سبعا صليا خلف المقام ركعتين.

53

قال: فقام معه جبريل، فأراه المناسك كلها؛ الصفا، و المروة، و منى، و مزدلفة، و عرفة، فلما دخل منى، و هبط من العقبة تمثل له إبليس.

و فى رواية: بعث اللّه عزّ و جلّ جبريل، فحج به، حتى إذا جاء يوم النحر عرض له إبليس عند جمرة العقبة، فقال له جبريل ((عليه السلام)):

ارمه. فرماه إبراهيم ((عليه السلام)) بسبع حصيات، فغاب عنه، ثم برز له عند الجمرة الوسطى، فقال له جبريل: ارمه. فرماه بسبع حصيات، فغاب عنه إبليس.

و فى رواية: فرماه من الغد، و اليوم الثالث كذلك، ثم مضى إبراهيم فى حجه، و جبريل يوقفه على المواقف، و يعلمه المناسك، حتى انتهى إلى عرفات، فلما انتهى إليها قال له جبريل: أعرفت مناسكك؟ قال إبراهيم:

نعم. فسميت عرفات بذلك، فلما فرغ من الحج أمر إبراهيم أن يؤذن فى الناس بالحج.

و فى رواية: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: يا رب قد فرغت.

فأوحى اللّه إليه: أن اذن فى الناس بالحج.

فهذه الرواية تقتضى: أن الآذان قبل الحج، و الرواية المتقدمة تخالف ذلك، فلما أمر أن يؤذن بالحج قال: يا رب، و ما يبلغ صوتى؟ فقال اللّه تعالى:

أذن و علىّ البلاغ.

و فى رواية: قال: و كيف أقول؟ قال: قل: يا أيها الناس أجيبوا ربكم (ثلاث مرات)، فعلا إبراهيم على المقام، فارتفع به، حتى صار أرفع الجبال و أطولها.

و فى رواية: صعد أبا قبيس، و أذن بالحج.

و فى رواية: علا (1) على شبر، و جمعت له الأرض يومئذ؛ سهلها، و جبلها، و برها، و بحرها و إنسها، و جنها، حتى أسمعهم جميعا تطأطآت الجبال.

____________

(1) فى (أ): على.

54

و فى رواية: خفضت الجبال رؤوسها، و رفعت له القرى، فأدخل إصبعه‏ (1) فى صماخى أذنيه، و أقبل بوجهه يمنا و شاما، و شرقا و غربا، و بدأ بشق اليمن، فقال: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربكم.

و فى رواية: إن اللّه قد أمركم بحج هذا البيت ليثيبكم به الجنة، و يجيركم من عذاب النار، فحجوا. فأجابوه من تحت التخوم السبعة، و من بين المشرق و المغرب إلى منقطع التراب من أقطار الأرض كلها: لبيك اللهم لبيك.

و فى رواية: أى كل رطب و يابس. و سمعه من بين المشرق و المغرب، و أجابه ممن كان فى أصلاب الرجال، و أرحام النساء، فليس أحد يحج إلى يوم القيامة إلا من أجاب نداء (2) إبراهيم، و إنما حجهم على قدر إجابتهم يومئذ، فمن أجابه مرة حج مرة، و من أجابه مرتين حج مرتين، و من أجابه أكثر فأكثر، على حسب إجابته.

و يروى: أنه كان بين ذلك و بين أن بعث اللّه محمدا ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ثلاثة آلاف سنة، و كان أول من أجاب دعوة إبراهيم بالتلبية أهل اليمن.

و ذهب جماعة إلى أن المأمور فى قوله تعالى: وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ‏ (3) سيدنا رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و فى رواية: استقبل إبراهيم اليمن، و دعى إلى اللّه، و إلى حج بيته، فأجيب أن: لبيك، لبيك، ثم استقبل المشرق، فدعى إلى اللّه، و إلى حج بيته، فأجيب أن: لبيك، لبيك، ثم أتى المغرب بمثل ذلك، ثم إلى الشام بمثل ذلك، ثم حج إبراهيم بإسماعيل و من معه من المسلمين من جرهم و هم سكان الحرم يومئذ مع إسماعيل؛ و هم أصهاره، و صلى بهم الظهر و العصر و المغرب و العشاء بمنى، ثم بات بهم حتى أصبح، و صلى بهم الغداة، ثم غدا بهم إلى نمرة فقال بهم هنالك حتى إذا مالت الشمس جمع بين الظهر و العصر بعرفة فى مسجد إبراهيم، ثم راح بهم إلى الموقف من عرفة؛ و هو

____________

(1) فى (أ): إصعبه.

(2) فى (أ): ندا.

(3) الآية رقم 27 من سورة الحج، مدنية.