خطط الشام‏ - ج3

- محمد الكرد علي المزيد...
270 /
3

الجزء الثالث‏

العهد العثماني «من سنة 1200 إلى 1247»

الجند أداة الظلم و التدمير:

كان الشام في هذا القرن مهد القلاقل و الثورات، يقع الاعتداء في الأكثر على النصارى و اليهود و أهل السكينة من المسلمين. و أكثر الفوضى ناشئة من الجند الجاهل الذي تمادى في اللؤم و الدناءة حتى آض كالوحوش الضارية. و يقسم هذا الجند إلى ثلاثة أقسام: الإنكشارية و القبوقولي و هما القسمان القويان، و القسم الثالث حرس الولاة الخاص و هو يتألف من المغاربة و التكارنة و الترك و الأرناؤد و الدالاتية و غيرهم، و العداوات متأصلة بينهم.

و لطالما قامت بسبب ذلك فتن، و وقعت و يلاتها على الشعب فيهرق دمه و تنهب أمواله، و تغلق حوانيته، و تقف الأعمال، و لا سيما في الحواضر كدمشق و حلب. و لا تنفض هذه المشاكل إلا بتدخل الولاة أو أحد الأعيان، و يتكرر ذلك أبدا لأن العلة الأولى فيها لم تستأصل ما دام المجرمون لا يعاقبون و الأوباش لا يحملون على حرمة الشريعة. و لذلك كانت شوارع المدن و أحياؤها كثيرة الأبواب و الأرتجة و تقفل أيام الثورات، و ساعة المخاصمات و المشاغبات، و الأزقة ضيقة معوجة لتصلح لحرب المتاريس.

و أكثر رجال الجندية نفوذا الإنكشارية لكثرتهم و شدتهم و صداقتهم للوالي. و كان زعماء الجند يلقبون بالأغاوات. و يرسمون على أيديهم الوشم شعار الفرقة التي ينتمون إليها، و يرسم على أبواب المقاهي اسم الفريق الذي يختلف إليها، و ليس لهم نظام خاص. و المحلات تخضع للآغا المقيم فيها

4

و هو يخضع لزعيم الفرقة. و لم تكن تكفيهم إدراراتهم التي يتناولونها من مال الخزينة لكثرة أتباعهم، فيضطرون للعمل يذهبون إليه و هم مسلحون ليسهل عليهم الانضمام إلى فرقتهم متى دعت الحاجة، و لا شأن للخاملين و أهل الفسق إلا الاجتماع في المقاهي و الحانات، و إطالة أيدي الأذى على الناس يصادرون أموالهم و يفترسون نساءهم و صبيانهم، و كثيرا ما يقتلون أحد أبناء السبيل لغير سبب كأن يجربوا بنادقهم أو سيوفهم في أول من تقع أعينهم عليه.

تمادى الرعاع في قحتهم و فجورهم إلى الغاية، لضعف الحكام و قصورهم عن ردع القوي عن الضعيف، فنشأت فئة من الناس مسلمين و مسيحيين، اتكلوا في حفظ أنفسهم و أهلهم على أنفسهم و شدة بأسهم في الدفاع. و كان القوم يحترمون هؤلاء الأشداء و يخافونهم، و كان منهم من عرف بالشهامة و الشمم بما يغبطون عليه و يخفف و يلات الشرور اللاحقة بالرعايا من اعتداء الجند أحيانا. و بلغ التعصب الديني أقصى شدته في هذا العصر حتى تجاوز القوم فيه حد الإفراط، يحسب المرء كل من لم يتدين بدينه ممن يجوز له قتله أو الاعتداء عليه، و ابتزاز ماله و انتهاك عرضه، و انتشر هذا الروح حتى عمّ السواد الأعظم من الناس. قال مشاقة بعد إيراد ما لخصناه: و كان فريق من العلماء و أهل التقوى يرون معاملة الذميّ بالحسنى تبعا لقواعد الدين الشريفة و لكنهم لم يوفقوا لردع الرعاع في زمن عمت فيه الفوضى و ساد الجهل و الهمجية على القوم.

من أجل هذا ساغ لنا أن نستنتج أن الشام كان أهلها و حكومتها بين ظالم و مظلوم، يشتد الوالي في إعنات الرعية لسلب أموالهم و يرسل إلى العاصمة بالمقرر عليه، و كثيرا ما يشاكسونه فلا يدفعون المفروض عليهم، أو ينتقضون عليه بإيعاز بعض أهل النفوذ و قد يكون الحق معه، و الرعايا عرضة لاعتداء الجند و أغواتهم و الأعيان و أتباعهم، تساوى في الظلم المدني و القروي، و ربما كان المدني أكثر تعرضا للمهالك لقربه من هذه العوامل التي أخذت على نفسها تمثيل التخريب في مسارح الجهل على ضروبه و أشكاله. ظلمات بعضها فوق بعض، و سلاسل مفرغة من المصائب لا يدرى أين طرفاها. و ليت‏

5

شعري ما يرجى من عناية دولة بأمتها و هي تعطي الوزير ثلاثة أطواخ و الأطواخ أذناب خيل فالذنب معلق من أسفله في رأس عصا و طولها نحو ثلاثة أذرع و شعره مسدول عليها، فإذا سافر الوزير يرسل الطوخ الواحد قبل سفره بيوم إلى محل نزوله فيستعدون لاستقباله و تهيئة ما يلزمه من المآكل و العلف للدواب بلا ثمن. و أما الطوخان الباقيان فيحملان أمام الوزير في السفر. و معنى الأطواخ أن الدولة تحكم البلاد بأذناب خيلها- قاله مشاقة و نحن نقول:

إن الدولة التي يبلغ من غرورها هذا المبلغ لا تنجح في الحكم بحال.

قال جودت في حوادث سنة ألف و مائتين: «إن وظيفة جابي المال في حلب كانت منذ أربعين سنة مطمح أنظار الموظفين في الدولة لأنها تأتيهم بثروات إذا جاءوا بها إلى الإستانة ينالون بواسطتها رتبة الوزارة و رتبة مير ميران، و ممن كان منه ذلك أحمد باشا فإنه أخذ العلم و الطوخ و اشتهر شهرة عظيمة، و ما برحت هذه الوظيفة تباع و تشترى بالمزاد، و كثيرا ما كانت الدولة ترسل بمفتشين يشاركون المرتكبين من هولاء الجباة، و كثيرون ممن يتولون هذه الوظائف يرحلون بالأموال ينفقونها في شهواتهم حتى يهلكوا فقرا و قهرا، و لذلك كانت أموال الدولة تبدد و يسرف فيها.»

حوادث الجزار و فتن الإنكشارية و غيرها:

بدأ القرن و أعظم وزير مسموع الكلمة في الإستانة قوي الشكيمة في ظلم الرعايا بالشام، أحمد باشا الجزار، تولى دمشق بعد ولاية عكا، و ذهب أميرا مع الحج فرفع الدمشقيون الشكاوى عليه إلى دار الملك فعزل و ذهب إلى الإستانة فعينته الدولة وزيرا على صيدا، و أقام في عكا و حصنها و ضبط أملاك بيت شهاب في بيروت و رفع أيديهم عن حكمها، و أنشأ للثغر أرتجة و سورا فسر المسلمون بذلك، و نصب على دمشق إبراهيم دالاتي باشا سنة إحدى و مائتين و ألف و كان جسورا مهيبا فحدث بينه و بين الأهالي اختلاف و تعصبوا عليه و حدثت فتنة، فأغلق أحمد آغا الزعفرنجي شيخ الإنكشارية القلعة و قتل من عسكر الوالي ثلاثمائة رجل و أراد أن يضرب الوزير، فخرج‏

6

هذا إلى حمص و حماة و جمع عسكرا كثيرا، و أو عزت الدولة إلى الجزار و إلى الأمير يوسف الشهابي أن يعاوناه بعسكرهما ففعلا، و عاد الوالي إلى دمشق فارتاع أهلها و أرسلوا النساء إلى الجامع الأموي فكلمه أعيان المدينة فاشترط عليهم أنه يلتزم الرحمة إذا خرج الزعفرنجي من القلعة و تسلمها رجاله، و دخل البلد و قتل بعض الأردياء قيل: إنهم مئة و خمسون رجلا من جماعة القلعة، و كان جاء الوالي في عسكره الى باب اللّه و اجتمع العسكران و وقع قتال فهلك فيه من الفريقين خلق. و ملك الوالي الميدان، و استمر ذلك مدة و العسكر محيطة بالقلعة حتى سلمت. و أقام هذا الوالي أربع سنين في دمشق، و ذهب أمير القلعة إلى أمير عرب الموالي فارّا منه فأوعز إلى متسلم حماة أن يقتص من عربه لفسادهم في تلك الأرجاء، فساق عليهم من حلب و حماة جيشا قتل منهم نحو ألف إنسان و انهزم الباقون. و كان عرب الموالي ثاروا هذه السنة في ضواحي حمص و حماة فنهبوا القرى و فتكوا بأغوات الدنادشة حكام المدينتين منهم و قتلوا كلا من شيخ الكلبيين و شيخ النصيرية و عاثوا في تلك الجهات و فتكوا بأعيانها. و في سنة 1201 دخل عثمان باشا الى أنطاكية و نزل عسكره على الحريم و فعل فيها أفعالا قبيحة، و أتى إدلب و صادرها و خرب جميع القرى التي مرّ عليها، و خرب الراموسة، و اشتبك القتال بينه و بين أهل الشيخ سعيد عدة أيام فقتل من عسكره بالطاعون و السلاح عدد كبير، و نهب قرى في تلك الأرجاء، هذا و الطاعون في حلب و أرجائها يفتك فتكا ذريعا.

و خربت القرى و هلك الفقراء في فتنة الأمير جهجاه الحرفوش (1202) و كان قوي على إبراهيم باشا والي دمشق، و سرت شرارة فتنة الزعفرنجي إلى أهل دمشق حتى طلب الوالي عسكرا من جبلي نابلس و الشوف و دقت طبول الوالي (1203) من دومة و فرق العساكر ثلاث فرق فدخل عمر آغا من الزفتية، و ابنه على صفّ الجوز، و الوزير على السلطاني، و أحرقوا القبيبات و حارة التركمان، و جرت الدماء من الصباح إلى العصر حتى أطاع أهل دمشق السلطان عبد الحميد الأول، و خرب الوالي القلعة و أهلك متوليها بمدافعه شرذمة قليلة من عسكر الوزير، و بقيت الحرب بين الفريقين ستة أيام بلياليها.

و في أيام إبراهيم باشا الكردي (1203) انتشبت الحرب في وادي أبي‏

7

عباد فوق كامد اللوز في البقاع بين عسكر الجزار و عسكر الشهابيين أمراء لبنان و وادي التيم انكسر فيها عسكر الجزار كسرة عظيمة. و وقع بين عسكر الجزار و الهوارة و الدروز في جب جينين قتال انكسر فيه عسكر الأمير و قتل منه مقتلة عظيمة، ثم جمع الأمير يوسف عسكر لبنان و أرسلهم مع سليمان باشا و الهوارة إلى عين دارة، فالتقوا بعسكر الجزار في قب الياس فانكسر أيضا عسكر الأمير يوسف و حدثت عدة وقائع بين عسكر الأمير في جزين و عسكر الجزار في جباع كسر فيها عسكر الأمير يوسف. و كان عسكر الزعفرنجي يعيث خلال ذلك في مرج الغوطة، فيهلك الفلاحين و لا إهلاك الأوبئة و يرعى رجاله الزروع و لا أكل الجراد.

عهد سليم الثالث و فتن و كوائن:

هلك السلطان عبد الحميد الأول سنة 1203 و خلفه السلطان سليم الثالث و كانت أيامه كلها غوائل و فتنا: استقلت فيها القريم و أصبحت روسيا بما أخذته من أملاك الدولة على البحر الأسود دولة بحرية مهمة، و قبل بمعاهدة كوجك قينارجه (1188) مع روسيا و بها انحط مقام الدولة، و حارب روسيا مرتين. و قال مترجموه من الترك: إنه كان عادلا حليما تحبه رعيته.

و يقول من عاصره: إن عبد الحميد الأول كان أخرق للغاية و إنه كان جاهلا و ليس فيه من جودة الرأي و الحزم و المضاء شي‏ء، و لم يستطع أن يستفيد من الثورة السياسية و الدينية التي نشبت في القافقاس، و لم يحسن الانتفاع من أسباب النجاح التي كانت متوقعة من بحريته و جيشه.

و في سنة 1204 وقعت فتنة بين الأمير قاسم الحرفوش و ابن عمه جهجاه في سهل أبلح بالبقاع، فدحر قاسم عسكر الأمير بشير الشهابي فشق عليه فأرسل نجدة أخرى للأمير قاسم، فلما علم ذلك جهجاه هرّب سكان بعلبك و أتلف ما فيها و لم ينالوا من جهجاه، ثم استصرخ الجزار فأمر بأن يمد بجيش فأرسل معه عسكر المغاربة و الدولة و مشايخ الدروز فانتشبت الحرب بينهم و بين ججهاه فاندحروا و قلق الناس، و رحل كثير من السكان من تلك‏

8

الأرجاء، ثم تغلب جهجاه على قاسم. و في السنة التالية وقعت وقعة بين جهجاه و حاكم بعلبك إسماعيل فانهزم هذا و قتل من رجاله نحو مائتي رجل و لم يقتل من رجال جهجاه أحد. و في سنة 1205 أحرقت عساكر الدولة و قيل عسكر الأمير بشير حاصبيا و أكثر القرى التي حولها.

مظالم الجزار و اختلال الإدارة:

تولى أحمد باشا الجزار دمشق للمرة الثانية سنة 1205 و ظل مقيما في عكا و أرسل متسلمين منهم أرفه أميني و كان كما قال مشاقة ظالما قاسيا يشبه أستاذه في إنشاء المظالم و الحوادث الصعبة على المسلمين و النصارى و اليهود.

و كان الجزار مغتاظا من أهل دمشق لعرضهم على الدولة مساوئه مما أدى إلى تنحيته عن عمله سنة إحدى، فأراد الانتقام من الساعين به هذه المرة.

و بالحقيقة أن مدة حكم الجزار في دمشق و هي خمس سنين لم يرتح فيها الناس شهرا واحدا من طلب الأموال ظلما و طرح المعاملة المتصل التي حدثت بها خسائر عظيمة و طرح بضائع متنوعة، ينهبها من جهات و يطرحها بأسعار زائدة على أخرى، و ليس هناك صغير و لا كبير إلا و يناله الظلم و القهر، و نزح كثير من السكان و تركوا أوطانهم و عيالهم. سلسلة من المظالم لا حد لها. و كان كل سنة يقتل في قلعة دمشق بدون تحقيق أناسا و قد قتل في إحدى السنين مئة و ستين رجلا خنقا و ذلك في ثاني سنة من ولايته. و في السنة الثالثة قتل نحو ستين و كان كلما جاء دمشق مرة في السنة و هو ذاهب ليحج بالناس أو آيب منه يعمل هذه الأعمال للإرهاب و لم يقف أمر المظالم عند حد أوامر الجزار المجنونة، بل كانت الفتن في جهات أخرى من الشام على عادتها في القرون الماضية، من ذلك أنه جرت سنة 1206 عدة وقائع كانت سجالا بين الجبل و عسكر الدولة الذين كانوا مع الأمير بشير، و أحرقت عسكر الدولة غريفة و سبت نساء و أولادا. و اشتد الخصام بين بشير قاسم و حيدر ملحم الشهابيين على الإمارة في لبنان، و كان بشير تعهد للجزار بخمسة آلاف كيس على مثل ما تعهد به يوسف، فأخذ يصادر كل من مالأ الأمير يوسف،

9

و مال الناس إلى الأمير حيدر للتخلص من الضرائب التي سامهم الأمير بشير دفعها، و سادت الفتن في اللبنانين الغربي و الشرقي، و هاجم والي دمشق بعلبك للانتقام من الأمير جهجاه لأنه لم يخلد إلى السكينة، و قتل عشرات من الناس في بعلبك و سغبين و قتل من العسكر أكثر من ذلك.

و هجمت أهالي حلب على بطال آغا نوري و محمد آغا و على عسكره و حصل بينهما مناوشة أدت إلى انهزامه خارج حلب، و توجه إلى عينتاب و حاصرها خمسة أشهر إلى أن قتل و حمل رأسه و رأس أربعة و عشرين من العصاة إلى الإستانة. قال جودت: و كان هؤلاء الخونة يتقربون إلى رجال الإستانة بالأمور الدنيئة فينصبونهم حكاما في بعض المقاطعات فيفسدون في الأرض و يتسلطون على عباد اللّه حتى ترفع الرعية علم العصيان و تقاوم الحكومة و لا تبعة في ذلك إلا على رجال الدولة.

و في سنة 1206 ه (1791 م) أخرج الجزار الفرنج من بيروت و بنى السور بحجارة أبنية الشهابية التي دكها و دك كنائسهم و جعلها إصطبلات.

و في هذه السنة قتل رجل من أهل بيروت خارج البلد فأغلقوا الأبواب و قبضوا على كل من وجدوه من أهل الجبل و كانوا نحو ستين رجلا فقتلوهم جميعا. و حدثني الثقة من أهل بيروت عن أبيه عن جده أن حكام بيروت المسيحيين اشتدت مظالمهم و عتوهم على المسلمين فكان الأمير يمر في شهر رمضان في المدينة يحملون أمامه الغليون للتدخين فينتصب المسلمون على الأقدام يحيونه فلا يتنازل أن يجيبهم بل يقول الخادم من ورائه: سلّم الأمير. فضاقت الحال بالمسلمين فشكوا أمرهم إلى قائد الأسطول العثماني و كان يأتي كل سنة ليحمل الأموال المقررة فقال لهم: الخطب سهل و هو أن تغلقوا أبواب المدينة متى رأيتمونا أقلعنا بسفننا و تذبحوا النصارى و بذلك ترتاحون منهم ففعل غوغاء المسلمين و قتل بهذا التدبير الجائر كثير من الأبرياء، و بذلك تبين أن الدولة لم تكن تهتم إلا لجبايتها، فإذا استوفتها فسواء لديها تقاتل رعاياها أم تصالحوا، و الغالب أنها تحبهم أن يكونوا على خصام أبدا حتى يخلو لها الجو، و قاعدة «فرق تسد» من أهم قواعد حكمها.

و في سنة 1207 وهب الشهابيون الهرمل للأمير جهجاه الحرفوش فلم‏

10

يذعن له سكانها فحاربهم و قتل منهم نحو أربعين رجلا و أحرق البلدة و في سنة 1208 قامت الفتن بين الأشراف و الإنكشارية في حلب دامت عشرين يوما قتل فيها بعض أهل اليسار و الشرف ثم انكسر الأشراف و حصرهم الإنكشارية في جامع الأطروش و جرى من القبائح ألوان و أشكال.

و في سنة 1209 صدر أمر الجزار بمصادرة بعض صيارف دمشق من الإسرائيليين و قتل بعضهم و أدخل الرعب على أبناء نحلتهم، و نال مثل ذلك بعض أغنياء الأهالي على اختلاف مذاهبهم، و بدأ القتل و الصلب و قطع الأنوف و حبس خلق و جرم الأبرياء و هام الناس على وجوههم، و في هذه السنة غزا عسكر دمشق بعلبك فهرب الأمير جهجاه إلى رأس بعلبك فأحرق بعض بيوتها و كان رجال الدولة يحاذرون من شي‏ء يقع على الشام بعد أن اعتصم الظاهر عمر بروسيا فقد ذكر شاني‏زاده أن والي صيدا عبد اللّه باشا كتب إلى الدولة بأن كنيستي عكا و الناصرة و قلعة حيفا كلها مستحكمة البناء لا تخلو من محذور فاستفتى السلطان فأفتى بأن تهدم الكنيسة القديمة و الجديدة معا لثبوت مضرتها و نفذ الحكم. و كثيرا ما كان الولاة في العهد العثماني يوجسون خيفة من الديارات و البيع إذا كانت مستحكمة البناء فقد أخرج السلطان سليمان النصارى من ديرهم في سفح جبل بالقرب من قرية البعنة في صفد و كان قديما يعرف بدير الخضر و أمر أحمد بن أسد البقاعي من الصوفية بالإقامة فيه مع أولاده.

و في سنة 1210 تولى دمشق عبد اللّه باشا العظم و القطر في حالة مزعجة و قد دام في ولايته هذه ثلاث سنين و بقي الجزار في عكا و في هذه السنة وقع القتال بين عسكر أولاد الأمير يوسف في جبيل و بين الذين كانوا في قلعتها من عسكر الأمير بشير و كسروهم. و في سنة 1211 أرسل عبد اللّه باشا العظم عسكرا الى البقاع فأرسل الأمير بشير و الجزار والي عكا عسكرا فالتقاهم الجزار، و وقع القتال في مندرة من قرى البقاع، فانكسر عسكر دمشق كسرة عظيمة و قتل منه جماعة. و لم يزل عسكر لبنان و الهوارة مجدا في آثارهم إلى وادي المجدل و غنموا خيلهم و سلاحهم و ذهب بعض اللبنانيين و أحرقوا البترونة قرب الزبداني. و في سنة 1212 توجه والي دمشق إلى التفتيش كالعادة فلقي الطريق ممسوكة منافذها من عسكر الجزار فساءت حال رجاله ثم توجه إلى جينين‏

11

فطمع الأهلون فيه و لم يعطوه مال الدورة، فألحق به الجزار جنده قاصدا قهره و عسكره. فركب و ركب العسكر و توجه نحو عسكر الجزار فدارت بين الفريقين حرب انتصر فيها والي دمشق على الجزار، و قتل الأول من عسكر الثاني خلقا، و رجع لم يعترضه أحد و قد جمع الأموال الأميرية برمتها.

و فيها قامت الإنكشارية على أعيان حلب و قتلوا كثيرا منهم حتى كانوا يقتلون السيد و هو يصلي في المحراب، فعرض الحال على الدولة فجاء شريف باشا واليا على حلب فمنعته الإنكشارية من دخولها، فتعهد بأن يكون مسعفا لهم فدخل و أتته الأشراف فقوي بأسهم على الإنكشارية و بعد ذلك أرسل إلى الإنكشارية سرا أن يثوروا بالسادات فكبسوهم ليلا و قتلوا منهم مائتين و خمسين نفسا و أخذ منهم شريف باشا خمسمائة ألف قرش و قدمها للدولة، و قويت شوكة الإنكشارية في حلب.

و في سنة 1213 ضرب الجند الدالاتية جميع قرى دمشق و أكلوا مغلها و حرقوا دوابها و صار منهم قتل و سلب- قاله ابن آقبيق: و قال أيضا في حوادث هذه السنة: إنه كثرت الفتن و انحل الحكم حتى بقي إطلاق البارود من القلعة سبعة أيام. و انتشرت الفوضى في الأحياء و البلاد لا حكم فيها لحاكم و لا متسلم، و أفندية البلد (دمشق) مسجونون عند الباشا في المخيم و بقي ذلك حتى رحل الباشا، و بقي عسكره يومين و ليلتين نهبوا في خلالها ما في القرى من مأكول و منظور و عزم غالب أهلها على الرحيل لما أوقع فيهم الجند من الضرر.

محاولة نابوليون فتح الشام و استيلاؤه على غزة و يافا:

بينا كانت الفتن الأهلية بين العمال على المال، و الشام قد ضعفت فيها كل قوة، و الدولة كلما رأت عاملا قويا تكتفي بأن تضع في جواره عاملا آخر تملي له من قوتها حتى يظل في خصام مع جاره، و الضعف في الإدارة ظاهر كل الظهور، و الناس من الجزار في قسم عظيم من ديار الشام في أمر مريج، و هي مفتحة الأبواب خالية من أسباب الدفاع إلا ما كان من أسوار

12

أمهات مدنها أتى نابوليون بونابرت مصر (1213) و فتحها و لما شعر باجتماع الجيوش لمحاربته و أنه إن لم يفاجى‏ء الدولة العلية في الشام قبل أن تتم استعداداتها الحربية تكون عواقب الأمور و خيمة عليه و أن من يحتل مصر لا يكون آمنا عليها إلا إذا احتل القطر الشامي فلهذه الدواعي قام من مصر و معه ثلاثة عشر ألف مقاتل قاصدا الشام من طريق العريش.

و لما بلغ أحمد باشا الجزار قدوم الجيش الفرنسي من مصر إلى عكا أسرع- على رواية نقولا الترك- بتدبير ما يحتاج إليه في الحصار، و أرسل إلى يافا العسكر و حصنها بالمدافع و القنابر، و امتد إلى مدينة غزة بعساكره و عشائره و وصلت جيوشه إلى قلعة العريش. و أقاموا فيها و تنبهت الغز للجهاد. و في شهر شعبان سنة 1213 خرجت العساكر الفرنسية إلى مدينة بلبيس و الصالحية و كتب إلى الجنرال كليبر أن يتوجه من دمياط في البر على طريق قطية. و لما سيّر بونابرت العساكر أحضر علماء الدين و قال لهم:

إن الغز المماليك الهاربين مني قد التجأوا إلى أحمد باشا الجزار فجمع لهم العساكر و حضر إلى العريش و عزموا على الحضور إلى الديار المصرية فلذلك أخذتني الغيرة و عزمت أن أسير اليهم بالعساكر و أن أخرجهم من قلعة العريش، ثم جاء الفرنسيون إلى هذه القلعة و كان فيها ألف و خمسمائة مقاتل فحاصرها ثمانية أيام، و لما فرغت مؤونتهم و بارودهم أرسلوا يطلبون الأمان، و أن يخرجوا من القلعة بغير سلاح، و بعد ذلك حضر قاسم بك المسكوبي في عسكر و مهمات فبلغ بونابرت وصوله و ربطوا عليه الطريق و كبسوه ليلا و ذبحوا عساكره و لم يسلم منهم إلا القليل. و عندئذ أمر الجنرال دوكوا قائد مصر و وكيل بونابرت التجار أن تسير بالقوافل إلى الشام لينتفع بالمكاسب أصحاب التجارة و ينتفع سكان الشام ببضائع مصر حسب العادة السابقة.

و سار أمير الجيوش بالعساكر من قلعة العريش إلى خان يونس و استخلص غزة من الغز عساكر الجزار فوجد في غزة حواصل ذخيرة من بقسماط و شعير و أربعمائة قنطار بارود و اثني عشر مدفعا و مستودعا كبيرا من الخيام و القنابر.

و لما بلغ يافا بنى المتاريس أمامها و أرسل يطلب إلى حاميتها التسليم و كانت نحو ثمانية آلاف فأبت و قتلت الرسول فأدار عليها المدافع و قوي الصدام فقتل‏

13

من العسكر ما ينيف على خمسة آلاف و من أهالي البلد ألفان و هجم الفرنسيون على المراكب التي في الميناء و أخذوا منها بضاعة ثمينة. و من الغد أطلق أمير الجيوش الأسارى و سرح الشاميين و المصريين و أمر بقتل الهوارة و الأرناؤد جميعا لأن بعضهم كان في قلعة العريش و حين أطلقهم أمرهم أن يذهبوا إلى بيوتهم فأتوا يافا و حاصروا بها فقتلهم و استبقى بعض الأغاوات الكبار.

وجد الفرنسيون في قلعة يافا ثمانين مدفعا و غنموا غنائم كثيرة من المراكب و غيرها.

وقائع نابليون على عكا و في مرج ابن عامر:

و سار بونابرت بالعسكر قاصدا مدينة عكا على طريق الجبال، و لما وصلوا إلى أرض قاقون كانت عساكر الجزار و النابلسيون في الوادي، و حينما بلغهم قدوم الفرنسيين أخرجوا منهم من فم الوادي خمسمائة مقاتل و بدروا يرمحون تجاه العسكر و كان قصدهم أن يجروهم إلى ذلك الوادي، فلما علم أمير الجيوش مقصدهم قسم عساكره أثلاثا و نشبت الحرب فقتل من عسكر المسلمين و ولى الباقون منهزمين، و من الغد سار عسكر الفرنسيين إلى وادي الملح و كان بلغ الجزار اقترابهم من تلك الديار فأرسل إلى حيفا فأحضر الذخائر الحربية و العسكر، و عندما وصل الفرنسيون إلى حيفا خرج أهاليها لمقابلتهم و سلموا أمير الجيوش مفاتيح البلد و القلعة، و دخل الفرنسيون إلى حيفا فوجدوا بها قاربا صغيرا فيه جماعة من مراكب الإنكليز فأخذوهم أسرى، و بعد ذلك انتقل أمير الجيوش بالعساكر إلى مدينة عكا و نصبوا المضارب و الخيام في محل يقال له أبو عتبة، و بنوا المتاريس الحصينة و وضعوا فوقها المدافع و سار الجنرال كليبر و الجنرال منو إلى الناصرة و نصب حاكم إفرنسي على شفا عمرو و ابتدأت الحرب على عكا خامس يوم من شوال سنة 1213 و دامت أربعا و عشرين ساعة و الجيش الفرنسي يضرب المدافع و القنابر، و المراكب العثمانية و الإنكليزية تطلق المدافع من البحر حتى خيل للناظرين و السامعين أن مدينة عكا لم يبق فيها حجر على حجر، و همّ الجزار أن يخرج فطمنه‏

14

الإنكليز و قالوا له: إننا أسرنا في عرض البحر ثلاثة مراكب مشحونة ذخيرة فضعف أمرهم، ثم أسر الفرنسيون مركبين كانا قادمين من الإستانة فيهما ذخائر و مدافع و ستة و ثلاثون ألف دينار مرسلة للجزار فسرّي عن الفرنسيين، و حضر إلى أمير الجيوش قرب عكا الشيخ عباس بن ظاهر العمر فرحب به و أعطاه السلاح و الكسوة و عشرة أكياس و كتب له أن يكون متوليا على مقاطعة أبيه. و حضر أيضا مشايخ بني متوال فوسد إليهم حكم إقليمهم و ساروا من عند أمير الجيوش إلى صور و قدموا له الذخائر و تسلموا القلعة التي كانت لآبائهم.

و كان قد اجتمع من دمشق جند من المغاربة و الهوارة و العربان و الغز بلغوا ثلاثين ألف مقاتل بين فارس و راجل و انتهوا إلى مرج ابن عامر فبلغ كليبر خبرهم فسار إليهم في ألف و خمسمائة مقاتل، و حينما وصلوا و شاهدتهم تلك الجموع انهزموا أمامهم مكيدة لهم، و لم يزل الفرنسيون في أثرهم حتى وصلوا إلى أطراف المرج و من هناك أحاطوا بالفرنسيين من كل جانب، و لما رآهم القائد كليبر قد أحاطوا بالعسكر قسم رجاله أربعة أقسام مع كل قسمة منهم مدفع. شاهد أهالي الناصرة كثرة جيوش دمشق و أن الفرنسيين إلى قلة فبادروا و أخبروا أمير الجيوش فأحضر حالا القائد لترك و أمره بتحضير ثلاثة آلاف عسكري و أخذوا معهم أربعة مدافع، و أمر الجنرال بونابرت أن يسيروا على وادي عبلين و بعد ثلاث ساعات من مسيرهم ركب أمير الجيوش و سار وراءهم طالبا أثرهم، و وصل في منتصف الليل بعسكره إلى بئر البدوية و عند الصباح سار بالعسكر إلى أن نفذ إلى مرج ابن عامر و صعد إلى تل عال فكشف أرض المرج و نظر إلى الجنرال كليبر في وسط البيداء و عساكر المسلمين محيطة به و الهجوم من كل ناحية و ليس لهم عليه سلطان، ثم شاهد جبلا بعيدا و عليه المضارب و الخيام و كان هذا جيش الغز، فنزل أمير الجيوش و عزل خمسمائة مقاتل، و أمرهم أن يقصدوا الجبل و يكبسوا الجيش و توجه قسم منه حتى صارت العساكر المحاربة في وسطهم و أحاطوا بهم، و لما وصل أمير الجيوش إليهم ضرب مدفعا واحدا ثم ضرب القسم الثاني ثم الثالث و حينما سمعت العساكر المحاربة المدافع و رأوا قدوم النجدة و علموا أنهم صاروا

15

في وسطهم ولوا منهزمين، و لما أصبح الصباح أرسل خمسمائة جندي إلى جينين و أمرهم أن ينهبوها و يحرقوها و أخرب قرى جبل نابلس لأنهم لم يطلبوا منه الأمان.

و لما بلغ أمير الجيوش قدوم عسكر دمشق إلى صفد أمر الجنرال مرات أن يسير بخمسمائة راكب فرحل بعسكر دمشق إلى جسر بنات يعقوب، و علم الجنرال منو و هو في الناصرة أن في مدينة طبرية عسكر الجزار فنشب القتال بينهم، فانكسر عسكر الجزار و انهزم بعد أن قتل منه مائتا جندي، و ظهر الطاعون في عسكر فرنسا فمات منهم خلق. و كانت الحروب قائمة على مدينة عكا الليل و النهار و هم يهجمون على الأسوار و القنابل تنهال عليهم كالمطر، و قد أهلكوا من العساكر الإسلامية و الإنكليزية خلقا كثيرا و هدموا أبراج عكا و أسوارها. و لما هلك بعض قواد الفرنسيين على أسوار عكا مع جملة صالحة من جندهم بدأ بونابرت يرجع إلى وطنه لأمر طرأ على مركزه هناك.

و كانت إنكلترا أهاجت ملوك الفرنج على فرنسا فاضطر الفرنسيون أن يرجعوا عن عكا بعد أن فقدوا على سورها ثلاثة آلاف و خمسمائة جندي، و مات في الطاعون و على الطريق ما ينيف على ألف. و في 11 ذي الحجة أمر أمير الجيوش بالقيام بجميع المضارب و الخيام و انتقل إلى مدينة حيفا و كان فيها عدة حواصل قطن للجزار فأمر بإحراقها. و سار إلى يافا فأخذ ما كان لهم من الأمتعة و المدافع الكبار و دفنوها في الرمال، و قد كانوا أخذوا من العساكر العثمانية أربعة آلاف بندقية فألقوها في البحر و أحرقوا المراكب التي كانوا غنموها من المسلمين و أخذوا من فيها أسرى و سخروهم في نقل الجرحى و المرضى من عسكر الفرنسيين يحملونهم على ألواح خشب إلى مصر.

خطيئات نابليون في الشام:

هذا ما رواه المؤرخ نقولا الترك في دخول نابليون جنوب الشام و خروجه منها و ما وقع له من الوقائع و كانت مدة مقامه في الشام شهرين لم تستفد منها

16

فرنسا سوى قتل بعض أبنائها، و كذلك خسرت الشام خسارة الضعيف مع القوي. و نابليون و إن عدّوه نابغة القواد في عصره أخطأ كثيرا في توسعه في فتوحه. و فتحه الشام و مصر من جملة خطيئاته، و لم تربح أمته من حملتها على هذين القطرين إلا نشر مدنيتها على أيدي من استصحبهم نابوليون معه من العلماء و المهندسين و الطبيعيين، و كانت مصر مباءة علمهم و عبقريتهم.

و قد آخذ صاحب تاريخ الدولة العلية القائد بونابرت بأنه ارتكب قبل مغادرته يافا أمرا شنيعا لم يسبق في التاريخ و هو قتله الجرحى و المرضى من عساكره حتى لا يعوقوه في سيره. و في تاريخ فلسطين أن جنود الجزار في يافا يوم نابوليون كانت مؤلفة من عرب و أتراك و مغاربة و أرناؤد و أكراد و جركس، فانسحبوا لما فتحها نابوليون إلى بعض الخانات و أبوا التسليم قبل أن يؤمنهم على حياتهم فأجابهم القائد الفرنسي إلى طلبهم فاستأمن له أربعة آلاف شخص فساقهم إلى المعسكر. و لما رآهم نابوليون سأل قائده عن هذه الجموع المحتشدة فأخبره أنها حامية المدينة التي سلمت إليه أمانا و قبلهم حقنا للدماء فبهت و حار في أمره و قال: ماذا تريدون أن أفعل بهذا العدد أعندكم زاد يكفيهم ألكم مراكب تنقلهم إلى مصر أو فرنسا؛ و من يتولى خفارتهم إذا أرسلناهم؟ يجب أن تعطوا الأمان إلى الأطفال و النساء و الشيوخ لا للرجال الأشداء المقاتلين، ثم استشار ضباطه في قتلهم فخالفوه و لكنه أصر على رأيه و أمر بهم فقتلوا رميا بالرصاص في 10 آذار سنة 1799 ا ه.

و يقول مشاقة: إن بونابرت أمر قبل أن يغادر يافا إلى عكا بقتل الأسرى الذين وقعوا في قبضته ثلاثا: في العريش و في غزة و في يافا، و كان يطلق سراحهم كل مرة بعد أن يأخذ عليهم العهود أن لا يعودوا إلى قتاله، و لما أسرهم هذه المرة و عددهم يربو على ثلاثة آلاف حنق عليهم و علم أنهم لا يراعون ذمة و لا يحترمون الشرف العسكري، فأمر جنوده بإطلاق النار عليهم و لم يواروهم التراب، و بقيت أجسامهم طعاما للطيور، و ظلت رفاتهم مكشوفة مدة ا ه.

و هذا السبب معقول و له من القوانين الحربية ما يشفع به بعض الشي‏ء أكثر من الرواية الأولى. و انتقد مسترمان على نابوليون ذبحه حامية يافا و كانت مؤلفة من أربعة آلاف أرناؤدي و وضعه السم لجنوده لدن عودته لأنهم أصيبوا

17

بالطاعون. و في رواية أنه وجد فيها ألفين من الأسرى الذين أطلقهم و كانوا عاهدوه في العريش ألا يحاربوه فقتلهم و الحرب غشوم.

و قال مشاقة: إن بونابرت بعد أن فرق جموع الأتراك على الحدود السورية أرسل كتابا إلى الجزار ينصح له أن يجنح معه إلى السلم فلم يتنازل الجزار إلى إجابته، فأرسل إليه رسولا ثانيا فقتله الجزار فحنق نابوليون و تقدم برجاله البالغ عددهم عشرة آلاف مقاتل إلى غزة، و هزم من رجال الجزار أربعة آلاف فارس، و أسفرت وقعة يافا عن قتل ثلاثة آلاف من الجنود التركية، و دخلت رجال نابوليون يافا، و تصرفت بما عثرت عليه من مال و متاع، و هذه هي المرة الأولى و الأخيرة التي سمح بها نابوليون لرجاله بالتصرف و التمتع بمال المغلوب و أملاكه. و قال الشهابي: إن العساكر الفرنسية حاصرت يافا ثلاثة أيام و ملكوها بالسيف، و كان عسكر المسلمين فيها ينيف على اثني عشر ألفا فما سلم منه إلا القليل، و قتل كثير من النساء و الأولاد حتى جرى الدم في أسواق يافا، و أرسلت دمشق عشرين ألف جندي إلى عكا فالتقاها ألف جندي من الفرنج و كسروها و قتلوا منها مقتلة عظيمة.

و لما جاءت الأخبار إلى دمشق بأن عسكر الجزار و عسكر الإنكليز قتلوا من جند نابوليون ثلاثة آلاف جندي زينت دمشق و ضربت المدافع من قلعتها، و قد أصيبت الأقاليم التي وقعت فيها تلك الوقائع و ما إليها بالخراب، و من أهم خرابها تسلط الجند على ضعاف الرعايا فقد نهبت العساكر التي ذهبت من دمشق لمقاتلة الفرنسيين (1213) مدينة صفد و عملوا المنكرات أثناء طريقهم.

فأصيبت فلسطين هذه المرة بغوائل كانت سواحل فينيقية و أعمالها تصاب بمثلها أو أكثر منها في القرنين الماضيين. و أصبحت مثل هذه الوقائع في هذا الجزء من الشام أي في اللبنانين الغربي و الشرقي و ما جاورهما من الأمور العادية، و ما ذلك إلا لقيام أمثال بني حمادة و بني معن و بني حرفوش و بني شهاب ممن كانوا يحاولون أن يظهروا بمظهر كبار الأمراء و هم صغار بمواقعهم و نقص تربيتهم الحربية و ضعف أخلاقهم و قلة معارفهم، فكانوا بمقاومتهم (3- 2)

18

بعض المقاومة لعمال الدولة من الترك يخربون ديارهم، و يهلكون من أخذوا على أنفسهم حمايتهم من ضعاف السكان.

حال الشام بعد رحيل نابليون عنه:

كان يظن بعد رحيل نابوليون و معاونة الإنكليز للدولة العثمانية على إخراجه من الشام، أن الدولة تبدل شيئا من أصول إدارتها و ترجع عن استسلامها لعمالها الذين يجبون الجبايات و يرضونها بجزء منها و يحتفظون بالباقي لأنفسهم. و لكن الأحوال بقيت بحالها، و ظن الجزار نفسه أنه هو الذي دفع جيش نابوليون عن الشام، فعاد يمثل مظالمه و يحمل على الناس مغارمه، و يتناول استبداده المسلمين و النصارى و اليهود على السواء، و جنونه فنون.

و لم يكف فلسطين ما حلّ بها من ظلم الجزار ثم وقائع نابوليون حتى قام محمد باشا أبو المرق يسومها العسف و الخسف، يجور على أهل بيت المقدس و الخليل و غزة و الرملة ولدّ، حتى اضطر السادات الأشراف الأبرياء لكثرة مظالمه أن يبيعوا أولادهم كما تباع العبيد و الجواري على ما ذكر ذلك أحمد باشا الجزار في كتاب صدر عنه سنة 1217 إلى وكيله في دمشق.

و من أحداث هذا الدور نهب العسكر الدمشقي (1214) جميع القرى في طريقه إلى غزير في لبنان، و تفرقت عساكر الدولة في ضياع كسروان و نهبوا كل ما وجدوه و ذلك للضرب على أيدي الأمير بشير الذي كان على ما يظهر يحاول أن يأكل الخراج، و لذلك قاتله جيش الدولة (1215) مرة أخرى لما جاء إلى نواحي بعبدا في لبنان و قتل من أدركه في المتن، و رجع بشير إلى عاريا و كان عسكر الدولة أحرق عدة بيوت من بعبدا و الحدث و سبى النساء و قتل العجائز و الأولاد فاجتمع معه أربعة و خمسون رأسا من القتلى فأرسلوها إلى الجزار و نهبوا أموالا و مواشي و أحرقوا عاريا. و ذهب والي دمشق سنة 1217 إلى حماة و فتحها و بالغ في الظلم حتى فر غالب أهالي حماة عن بلدهم اتقاء شره، و تفرقوا في دمشق و حلب و طرابلس و أصبحت حماة كالقرية لقلة سكانها.

19

قال ابن آق بيق: و في سنة 1217 شغلت دمشق بالظلم و إكرامية الباشا من البلاد و اشتغل حسن آغا بالظلم في دمشق و إرهاق القرى بالطروحة و الإكراميات و فرض الذخائر و معاونة الجردة و غير ذلك من المظالم التي لم يسمع لها أثر في السابق قال: و لما خرج عبد اللّه باشا العظم من دمشق سنة 1218 قاصدا إلى طرابلس ليحارب أهلها، و ضرب عسكره بعض القرى و نهبها و ظلوا على هذا التخريب حتى بلغوا طرابلس فحاصرها و خرج أهلها هائمين على وجوههم و وقع القتال بين عسكره و عسكر المتسلم و قتل من الفريقين خلق. و كان أحمد باشا الجزار يرسل النجدات إلى عبد اللّه باشا العظم.

و قال أيضا: إن الجزار كان يطلب من الأغنياء أموالا يأخذها منهم بعد الحبس و الضرب و بقي الطرح على جميع الأصناف و أغلقت الدكاكين بدمشق و بات الناس في كرب و العسكر يحيط بالبلد، و الأكراد و الشيخ طه الكردي و جنوده يعذبون الخلق أنواع العذاب حتى يقروا لهم بالأموال، و الطرح على الخلق أشكال و ضروب من بنّ و تنباك و ألاجه و حرير و شاشات و زنانير و استصفاء بيوت و خانات و بساتين و غير ذلك، و ظهر في دار ابن عقيل وكيل الجزار بدمشق طمائر ذهب قدرت بنحو خمسمائة كيس. و لم يكن يمر يوم دون أن يقبض على أربعة أو خمسة من أرباب الوجاهة و الثروة يسجنون في سجن القلعة و يعذبهم أكراد الجزار بالكماشات و الحديد و العصي إلى أن يشرف المعذّبون على الموت و يشتط العمال في طلب المال من المصادرين و يطوفون بهم في المدينة، فيضطرون إلى بيع جميع ما يملكون ليكفّ عنهم، و وصلت الحال بالأغنياء إلى التسوّل، و كان قتل النفوس على الأكثر في سبيل أخذ المال مشروعا كان أو غير مشروع. فقد حدثت فتنة طفيفة بين ملتزم أموال بلاد بشارة، فأرسل الجزار على العصاة عسكرا قتلوا منهم ما ينيف على ثلاثمائة رجل و أسروا عدة، و أرسلوهم إلى عكا جعلوا على الأوتاد ثم أخذ الجزار أموالا جزيلة من السكان.

و من الحوادث في أيام عبد اللّه باشا العظم بدمشق أن القبوقول قصدوا إثارة فتنة (1214) فأغلق آغا القلعة بابها، و حاصره الباشا فاضطر إلى التسليم بعد مدة، فقتل آغا القلعة و همدت الفتنة، ثم سار عبد اللّه باشا لمحاربة

20

مصطفى بربر متسلم طرابلس و حاصر قلعتها بشدة، و طال الأمر فالتجأ بربر إلى الجزار فسكت و لم يجبه لأنه كان يفاوض الإستانة لأخذ ولاية دمشق، و بينا الحال مشتدة على بربر و عبد اللّه باشا يحاصره بعسكره أرسل الجزار إلى وكيله بدمشق محمد بن عقيل ألفي جندي و أمره أن يقبض على عبد الرحمن المرادي و حسن دفتردار المتسلم و ابن سبح متسلم حمص و يقتلهم حالا و نادوا باسم الجزار واليا. فبلغ ذلك عبد اللّه باشا و علم أن الدولة متغيرة عليه، فخاف كثيرا و هام على وجهه في البادية يختبى‏ء عند العرب. أما بربر طرابلس فرضي عنه الجزار و أقره متسلما على بلده، ثم لامت الدولة الجزار على ما أتاه من قتل ابن المرادي كما يقتل العامة فتخلص الجزار مما أتاه و ألقى تبعة قتله على وكيله ابن عقيل و قطعه إربا مع أن الجزار هو الذي أمره خطا بقتله.

مساوى‏ء أحكام الجزار:

توفي الجزار سنة 1219 (1804) بعد أن ضرب الأهالي ضربة لم تصب بمثلها منذ أزمان. أصله بشناقي من جماعة علي بك أمير مصر هرب إلى الشام لما قتل مولاه، و أقام يختلف إلى لبنان فاطلع على أحواله و أحوال الديار التي كانت تحت حكم الظاهر عمر من أرض الجليل. ثم توجه إلى الإستانة فعين وزيرا على صيدا أولا و حصّن عكا و رفع عن بيروت حكم بيت شهاب و ضبط أملاكهم. و كان أحمد البشناقي هذا جزارا سفاكا لأنه لما كان كاشف البحيرة في مصر عهد إليه الانتقام من عربها لقتلهم عبد اللّه بك من المماليك فأسرف في القتل فلقب بالجزار. و لا غرو فالدم البشري في نظر أحمد باشا الجزار، كدم الخرفان في نظر القصاب و الجزّار. هاج المماليك على الجزار مرة يريدون قتله فيما يقال و لو لا حذره الشديد لقتل، و تحصنوا في برج داخل عكا فطلبوا الأمان، و لما علم أن خيانتهم كانت بالاتفاق مع بعض سراريه غضب عليهم جميعا و خنقهم بالماء الحار. حج الجزار مرة بالناس فلما عاد ترامى إلى سمعه اتهام مماليكه بحريمه فلم يلبث أن أرسل المماليك في حملة على لبنان و أوقد نارا كبيرة في داره، فكان خصيانه يأتونه بنسوته واحدة بعد

21

أخرى فيقبض بنفسه على عنق الواحدة و يطرحها في النار على وجهها، و يدوس على ظهرها و يضغط على رأسها، حتى يتم شيّها في النار و تهلك فيرفعها و يحضر غيرها، و على هذه الصورة الشنعاء أهلك الجزار سبعا و ثلاثين امرأة و لم تنج غير فتاة في الثامنة من عمرها.

كان الجزار يقتل الكبير و الصغير من وزراء و أفندية و علماء و أغوات، و يرضي السلطان بالمال و يداريه فيتغاضى عنه، و كان إذا عامل أحد المغضوب عليهم بالرفق و عزف عن قتله يجذم أنفه، ثم يصلم أذنه اليمنى ثم يقلع عينه اليمنى و لو كان من خواص خدامه. و كم من بيت خربه بسلب ماله ظلما، و كم من رجل قتله بعد أن صادره، و كان لا ذمة له و لا ذمام، خدمه رجال من بيوت معروفة فلما بدا له قتلهم و صادرهم و اختلق لهم ذنوبا و ألقاهم في البحر. و لقد أكرمه الأمير يوسف الشهابي حاكم لبنان لما كان الجزار صعلوكا متشردا لأول أمره و عاونه لما أصبح واليا، فكانت النتيجة أن شنقه و ألقاه ثلاثة أيام معلقا، و لطالما أخذ النوتية و الركاب في مراكب كانت قادمة من مصر قبل مجي‏ء الفرنسيين إليها، و قتل جميع من فيها من أبناء مصر أو الشام و صادر جميع ما يحملون من البضائع.

تفنن الجزار في إهراق الدماء و حكم المؤرخين عليه:

و كان من عادة الجزار بعد أن يصادر المصادرين أن يقتلهم كما فعل سنة 1205 فقبض في دمشق على أولاد عبيد و أخذ منهم ستين ألف قرش ففروا إلى حلب ثم قبض على ثلاثين من أتباعه و سجنهم في القلعة ففدوا أنفسهم بمائتين و خمسين ألف قرش ثم قتلهم ليلا، و قبض على خازن أمواله و أسبابه و نفاه إلى مصر، و قبض على مفتي عكا و إمامها و على رئيس مينائها فقتلهم صبرا.

و ظلم جميع أكابر دمشق و سلب أموالهم.

و خرج ذات يوم في عكا قبل الشمس إلى باب السراي و أمر بإغلاق أبواب المدينة و قبض على كثيرين من العمال و الكتاب و الأهالي فسجنهم، و كانوا مائتين و ثلاثين إنسانا و قبض على النواب و سجنهم، و كان كلما تقدم إليه‏

22

إنسان يكشف رأسه و ينظر في وجهه فالذي يقول فيه نيشان يرجعونه إلى السجن، و الذي يقول ما فيه نيشان يطلق، ثم إنه أحضر الفعلة أيضا و صنع بهم كذلك و قبض منهم جملة و أحضر التجار و أرباب الصنائع و الحمالين و على هذا المنوال عامل الجميع فامتلأت السجون، و من الغد أحضر المغاربة و أمر أن يخرجوا السجناء كلهم خارج البلد و يقتلوهم ففعلوا ما أمرهم به؛ قال مدوّن وقائعه: و كان يوما عصيبا لم تكن تسمع فيه إلّا صراخ المقتولين ظلما و عويلهم و أنينهم، و بقي القتلى كالغنم مطروحين خارج البلد، ثم أمر أن ينادي المنادي في شوارع عكا ليخرج أهل القتلى لدفن موتاهم، و أشار إلى أن كل امرأة ترفع صوتها تقتل حالا، فخرج الناس و دفنوا القتلى. ثم ابتدأ يرسل جنوده يقبضون على الفلاحين و مشايخ القرى و أصحاب المقاطعات فمنهم من يقتله و منهم من يصلم أذنه و يجدع أنفه و يطلقهم.

و لم يذكر المؤرخون علة استرسال الجزار في قتل الناس على هذه الصورة من غير سبب و لعله أصيب بمس من الجنون أو ان جنونه أطبق هذه المرة فأزهق الأرواح، و إن امتاز في أدوار حياته بالسفك و الفتك. و ذكر المؤرخون أن الجزار قبيل وفاته أمر أن يغرقوا من كان في سجنه في البحر فنفذ أمره.

و في التاريخ العام أن الجزار أوقد جذوة التعصب بين المسلمين في بيروت و أغراهم بقتل الموارنة حتى يضمن حكمه على بيروت. و لم يكن يعرف فيما إذا كان الجزار خادما مخلصا للسلطان أو عاصيا وقحا. و كان كثيرا ما تجيئه رسل جاويشية من الإستانة تحمل إليه بعض الأوامر فيجز رأس القادم و يبعث به إلى ديوان الإستانة، و هناك يغدق الذهب على الوزراء و الخصيان و نساء الحرم السلطاني. و كثيرا ما كان يقول و هو في حال السكر للمسيو دي‏توليس: السلطان كالبنات يعطي نفسه لمن يعطيه أكثر، فإذا حاول أن يقاومني فأنا أرده إلى الصواب بأن أهيج عليه مصر و الشام و آسيا الصغرى، و أزحف على الإستانة في جيش «القابسز» و أكون قادرا مثل لويس الكبير امبراطور فرنسا.

و قد وصف مشاقة الجزار وصفا معقولا قال فيه: إنه كان داهية ذا بأس و حنكة واسعة، سلمت إليه الدولة إدارة شؤون إيالتها و عولت عليه في‏

23

إخضاع الشام و ضمه تحت جناحها، على طريقة الغدر و الخداع و إلقاء الفتن و الحروب الأهلية بين الأمراء و المشايخ الذين كانوا يحكمون الرعية بالجور و العسف و يسومونهم الذل أنواعا و الظلم أشكالا، و شريعة الرجل منهم إرادته السخيفة، و الحاكم يشنق و يقتل و يشوه أخلاق الشعب، و كأن الحال قيضت لهم رجلا كالجزار ينتقم منهم، و كان هؤلاء العتاة لاهين بالمنازعات العائلية و الحروب الأهلية يكرهون العدل و يعشقون الظلم، لا يرحمون ضعيفا و لا قريبا، و لم تكن معاملة الجزار للأمير يوسف أقسى من معاملة هذا الأمير لأنسبائه و إن ما لحقه من الجزار هو مما يستحقه. و قس على الأمير بقية المشايخ و الأمراء الذين كانوا يستبيحون أموال الرعية و أعراضهم في سبيل أهوائهم.

قال إن الجزار ظلم و لكنه خدم الدولة و الشعب، و عادت خدماته على الدولة بالنفع فأخضع القطر لشوكتها فأطاع، ورد عنها بثباته أمام نابوليون خطرا كان يهددها يوم حصار عكا، و أفاد الرعية بأن أزال عنهم ضغط المشايخ و الأمراء المستبدين فكان جوره بالنسبة لجور الأمراء و المشايخ قبله أقل وطأة.

و لما جاءهم وضع حدا لظلمهم و زعزع سلطتهم و أرغم أنوفهم و أطلق الفلاح من عقالهم. و على الجملة فإنه عمل بما يوافق عصره و ينطبق على أبنائه، فبموته سرّي عمن كان غضبه يهددهم و يوشك أن يوقع بهم. و قال إن الجزار على قبح أعماله حفظ المساواة بين الرعية مع تفرق مذاهبها، فيحبس علماء المسلمين و قسوس النصارى و حاخامي اليهود و عقال الدروز سوية، و هكذا في إجراء العذابات الجهنمية عليهم لا يفرق بينهم، و أكبر ما يحصى عليهم من الذنوب التوقف عن أداء الأموال التي يطلبها منهم و ربما نشأ تلكؤهم من عجزهم.

و قال إن الجزار كان يتأخر عن دفع الأموال الواجب عليه أداؤها للسلطنة و يعتذر عن الدفع بأنه محتاج إلى العساكر لإدخال لبنان في الطاعة، فسئمت الدولة من تعللاته الطويلة و كتبوا له أن المدة طالت و يظهر أنك غير قادر على تمهيده، فلذلك صممت الدولة على إرسال وزير مقتدر بعساكر كافية لإخضاع لبنان لسطوتها فكان جوابه أنني بعد أيام قليلة إن شاء اللّه أبشركم بفتحه لأنه ظهر عليهم الضعف عن المقاومة، و قد منعنا وصول الذخائر إليهم من البقاع و السواحل و هم لا يقدرون على العيش بدونها، لان أراضي الجبل قليلة بالنسبة

24

لسكانه. و بعد مدة وجيزة بشر الدولة بشارة كاذبة مع الساعي فادعى أنه فتح الجبل و أنه وجد فيه من السكان النصارى مائة و عشرين ألف رجل و من الدروز ستين ألفا و من الشيعة ثلاثين ألفا و مثلهم من السنة، فأتحفته الدولة بسيف مجوهر و مدحته على همته، و أرسلت إليه بعد مدة أوراق جزية النصارى المعتادة و زادوا عليها مائة و عشرين ألف ورقة برسم نصارى لبنان، فسقط في يد الجزار و استدعى المعلم حاييم فارحي مدير خزانته و استطلعه طلع رأيه في هذه القضية فأجابه يجب الآن دفع هذه القيمة من خزانتك لما عرضته للدولة عن فتح الجبل و عن عدد النصارى فيه. ثم ننظر في هذه الزيادة فدفع ثمن هذه الأوراق. و بعد أشهر أرسل بشارة للدولة بأن نصارى الجبل دخلوا في الإسلام. و لما دخلت السنة الثانية أرسلت الدولة للجزار أوراق جزية لبنان كالسنة الماضية فأرجع الزيادة بقوله: إن نصارى لبنان تقدم العرض عن دخولهم في الإسلام و ارتفعت عنهم الجزية شرعا. قال: و هكذا كانت أمور الدولة في ذاك العهد تجري بلا تحقيق في صحة ما يعرضه عليها مأموروها.

و لما هلك الجزار أرسلت الدولة راغب أفندي الذي صار واليا على حلب بعد ذلك لضبط متروكاته، و كانت قوانين الدولة يومئذ تقضي بأن يؤخذ كل ما يخلفه مستخدموها من أملاك و أموال و عروض، فحررت التركة مع سندات الأموال التي كان يحررها على الأمراء و المشايخ عدا الأموال الأميرية، فحسبت هذه الديون الظالمة من حقوق الدولة، و لما رأوا أنها وافرة و أنه من المتعذر تحصيلها جعلوها مقسطة على رعايا أولئك الأمراء و المشايخ على عدة سنين، فكان لبنان يدفع المال مضاعفا، فالمال الواحد يبلغ أربعمائة كيس و كان يجبى من لبنان مال الجوالي على النصارى و مال فريضة على الدروز، فكان القسط الواجب على اللبنانيين أداؤه من مطلوبات الجزار يبلغ مقدار ستة أموال أميرية و صار الأهالي يدفعون كل سنة مالين.

و لم يعلم ما خلف الجزار من الأموال بعد حكم تسع و عشرين سنة و لكن الذي قاله المؤرخون أن أحد رجاله الشيخ طه الكردي أخذ ألف كيس و أرسلت الدولة رجلين من الإستانة للبحث عن موجوده، فما رأوا شيئا مهما غير ما كان أرسله إسماعيل باشا للدولة مع القبطان باشي في أول الأمر من مال‏

25

و تحف، يقال إنها بلغت ثمانية آلاف كيس بيد أن إسماعيل باشا صرف أموالا كثيرة على العساكر و الأغوات، و على كل فهي قليلة بالنسبة لطول عهده، و الغالب أنه كان معتدلا في أخذ المال غير اعتداله في سفك دماء الرجال، أو أنه ادخر كميات من الذهب غير ما عثر عليه منها فضاعت عند وكلائه و خواصه.

قاعدة المبالغة في الثروة و الفقر، و الظلم و العدل، و العلم و الجهل، و القبح و الجمال تناولت أعمال الجزار أيضا، و لو كان في قلبه بعض رحمة و عزوف عن سفك الدم الحرام إلا بما تقضي به الشريعة لعد مصلح عصره قياسا مع الصفات التي أوردها مشاقة. لا جرم أن التبعة في بعض أعماله تعود على عماله و رجاله، و أكثرهم من أبناء هذه الديار.

المتغلبة على الأحكام بعد الجزار:

خرج الشام بعد هلاك الجزار مقلّم الأظفار، معروق العظام، بل مقطع الأوصال، سي‏ء الحال، و أحدث موته فراغا ففقدت به الدولة أعظم قوة تمثلها و نفّس بهلاكه خناق أرباب المقاطعات المتغلبين من الأعيان، و كان في سجن الجزار في عكا رجل يقال له إسماعيل باشا أرناؤطي الأصل، و أصله من جملة عساكر الوزير الأعظم حين حضر إلى مصر لاستخلاصها من الفرنسيين. و لما قام الفرنج على المسلمين و أخرجوهم من مصر و تشتت العساكر في تلك الأقطار قصد إسماعيل باشا أحمد باشا الجزار، فدعاه إلى فتح يافا فظهرت منه خيانة مع محمد باشا أبو المرق فقبض عليه الجزار و سجنه و عذبه، كما كان يفعل بمن يقبض عليه و بقي في سجن الجزار إلى أن هلك هذا، فخرج إسماعيل باشا من محبسه و جعل مكان الجزار فاستولى على متروكاته حتى اضطرت الدولة إلى قتاله لعصيانه في قلعة عكا و أرسلت عليه حملة و دام الحصار أربعة أشهر حتى أخذ و قتل فاستراحت الأمة من أحمد الجزار و من خلفه.

و عصا أهل وادي التيم فأرسل عليهم إسماعيل باشا جندا كبس القرى و قتلوا زهاء مائتي قتيل و أخذوا مائتي أسير، و كبس الأمير بشير جنبلاط

26

بعساكر الدروز بعض قرى عكا و قتل من عساكر إبراهيم باشا جماعة، و إبراهيم باشا هو إبراهيم باشا الحلبي الذي نصبته الدولة مرة ثانية على دمشق و كان واليا على حلب. و كان حدث بموت الجزار اضطراب و خلت دمشق من الأحكام، فمهد الأمور و عهدت إليه الدولة مع ولاية دمشق بصيدا و طرابلس و أوعزت إلى الأمير بشير الشهابي حاكم الجبل أن يكون في طاعة إبراهيم باشا و عونا له على إصلاح حال صيدا و الساحل، فصدع والي الجبل بالأمر لأنه كان داهية يراعي الدولة و لا يتأخر عن قضاء لباناتها، و لا سيما الخراج و الجزية يؤديهما في أوقاتها.

حاولت الدولة غير مرة القبض على مصطفى بربر متسلم طرابلس و ظلّ في منصبه يسوم الناس مظالمه، و ما لبث خصمه اللدود عبد اللّه باشا العظم أن تولى دمشق للمرة الثالثة بعد أن كانت الدولة غضبت عليه بوشايات الجزار و شردته في البادية و لكنه دعاها إلى الرضى عنه و داواها بما تداوى به في العادة بأكياس من الذهب. و خرج عبد اللّه باشا من دمشق بالمحمل (1220) فحدثت بينه و بين الوهابيين أمور عظيمة، و كانوا قد استولوا على الحجاز و تقدموا إلى الشام فهلك غالب عسكره و انتهب الحاج.

عين سليمان باشا الكرجي من مماليك الجزار واليا على عكا فأقام حاكما على يافا و على غزة محمد آغا أبو نبوت أحد مماليك الجزار، و بقي حاكمها إلى أن طمع بالاستقلال فيها، و عندما تحقق سليمان باشا ذلك ركب عليه بالعسكر فهرب إلى مصر ثم إلى الإستانة و شفع فيه الشافعون فنال رتبة الوزارة.

و سليمان باشا هو الذي أراد أن يرفع بعض المظالم عن الرعايا و يحملها على الأجانب في عكا كأن يبيع الغلات و القطن و الزيت من الأجانب فقط، تبتاع الحكومة ما يفضل عن عوز الأهلين و تخزنه في مخازن لها تبيعه من التجار الأجانب القادمين في مراكبهم بالأسعار التي تريدها.

و من الأحداث في سنة 1221 ما حدث من فتنة بين العسكر الوطنيين و جند الحرس في دمشق، فحاصرت القلعة و أغلقت المدينة كلها، و وضعت المتاريس داخل المدينة، و جرت بين العسكرين حرب المتاريس في الأزقة و الشوارع و السطوح و الأسواق و المآذن فغلب الوطنيون الحرس و كسروهم‏

27

و هزموهم إلى مأذنة الشحم ثم ارتدوا عليهم و أخذوا طالع الفضة، و نهب الخلق تلك الجهة كلها، وراح الحرس مكسورين ثم عادوا و هزموا الوطنيين عند الشيخ عمود فنال الفريقان أحدهما من الآخر على غير طائل. و لم يقف شقاء دمشق عند حد التقاتل بين الجند بل أسرف الوالي كنج يوسف باشا (1222) في ظلم الناس و أراد ستر ذنوبه فأرسل إلى الدولة ألف كيس من المال لإنعامها عليه بإمارة الحج و إيالة طرابلس مع ولاية دمشق و ذهب إلى نابلس و قهر أهلها وجبى منهم أموالا عظيمة ثم ذهب إلى جبل النصيريين و قاتلهم و انتصر عليهم و سبى نساءهم و أولادهم، و كان خيّرهم بين الدخول في مذهب أهل السنة و الخروج من جبالهم فامتنعوا و حاربوا و خذلوا، و بيعت نساؤهم و أولادهم، فلما شاهدوا ذلك أظهروا التسنن فعفا عنهم و تركهم في أرضهم بعد أن حاربهم شهرين و نهب قراهم، ثم رحل إلى طرابلس ليقبض على مصطفى بربر متسلمها، فتحصن هذا في القلعة فوقع القتال، و كان الحصار أحد عشر شهرا و طرابلس خلال هذه المدة خالية من سكانها و قد جمعوا في الخانات سلعهم و متاعهم و ماعونهم، ثم دخل يوسف باشا البلد و أطلق لعسكره الأكراد و الأرناؤد و غيرهم النهب فلم يبقوا على شي‏ء فيها و أنزل عسكره في الدور فخربوها بأخذ خشبها للدف‏ء و الوقود. و توسط سليمان باشا والي صيدا عند الدولة فعفت عن مصطفى بربر و تسلم يوسف باشا القلعة. و كان مصطفى بربر من خدام الأمير حسن أخي الأمير بشير فتوصل بذكائه و شجاعته إلى المناصب العالية و حاز اعتبار الوزراء و خشية الرعية.

مقتل سليم الثالث و مصطفى الرابع و تولي محمود الثاني:

في غضون سنة 1221 خلع سليم الثالث بيد الإنكشارية و قتل لأنه أراد أن ينفذ خطة في إصلاح الإدارة على الرغم من حروبه مع روسيا و النمسا و غيرهما من دول الغرب، و ينشى‏ء عسكرا جديدا يستعيض به عن الإنكشارية و كان هذا السلطان واسع النظر لكن الدهر خانه فلم يقدر أن يطبق إصلاحه،

28

و كان أراد أن يخفق علم التمدن الأوربي فوق مملكته فاستدعى إليه من فرنسا ضباطا و مهندسين و رجالا من أرباب الصناعات فجاءه العدد الكثير منهم.

و خلفه مصطفى الرابع فألغى جميع خطط الإصلاح، و لكنه قتل كما قتل سلفه سليم و لم يطل عهده أكثر من أربعة عشر شهرا، و خلفه محمود الثاني (1223) متشبعا بروح إصلاح سليم الثالث، يريد إخراج الدولة من سباتها، معتقدا أنه لا سبيل إلى نجاتها إلا بإيجاد قوة لها من غير عسكر الإنكشارية الذين عراهم الانحلال منذ مئة سنة، و أصبحوا يقتلون الملوك و الوزراء و يخونون الدولة في ساحات الوغى، و يعبثون بشغبهم و مؤامراتهم بكيان الدولة، ذاهبا إلى أن من جملة الأسباب في بقاء الدولة أن يقلّد الفرنج في مناحيهم و عاداتهم.

و هو الذي لبس الطربوش و الألبسة الغربية. و أخذ يقيم الحفلات و المراقص و حفلات السماع على الطريقة الأوربية.

و في سنة 1223 مرّ ببلاد النصيريين طبيب إنكليزي فقتله الرعاع هناك، فصدرت الأوامر بالقبض على القتلة فأرسل سليمان باشا والي صيدا عسكرا بزعامة مصطفى بربر فاكتسح ديارهم و قتل سبعين رجلا من كبارهم، وحشا رؤوسهم تبنا و بعث بها إلى الباشا، ثم امتنع النصيرية عن أداء المال فأرسل عليهم مصطفى بربر فنكل بهم و قتل خمسة و أربعين من رجالاتهم فأخلدوا إلى الطاعة. و كان من مقتل الطبيب وسيلة إلى الغارة على ضعاف الرعايا في زمن أصبح فيه شنّ الغارات صناعة يحترفها أناس مخصوصون في خدمة متغلب من المتغلبين.

و في سنة 1224 قوي الاختلاف بين والي دمشق و ابن الشهابي و ابن جنبلاط و كانا استوليا على أملاك عظيمة من الفلاحين في البقاع فلم يزرع أحد في تلك الأرجاء. و كان الوهابيون قد استولوا خلال هذه المدة على الحجاز و أخذو يجاذبون عمال الدولة حبل السلطة في الأرجاء التي بين الحجاز و الشام.

و ذكر بعض المؤرخين أنهم ارتكبوا في بلاد حوران سنة 1225 أفعالا بربرية من سبي النساء و قتل الأطفال و نهب الأموال و إحراق المنازل و الغلال حتى قيل إنهم أتلفوا نحو ثلاثة آلاف ألف درهم و في تاريخ نجد (1225) أن سعودا اجتاز بالقرى التي حول المزيريب و بصرى فنهبت الجموع ما وجدوا فيها من‏

29

المتاع و شعلوا فيها النيران ثم رجع إلى وطنه و معه غنائم كثيرة من الخيل و المتاع و الأثاث و الطعام و قتل من أهل الشام عدة. و ساق والي دمشق يوسف باشما حملة على مصطفى بربر متسلم طرابلس و استنجد بالأمير بشير الشهابي حاكم لبنان فلم ينجده معتذرا بفتن النصيرية و الإسماعيلية و أن الجند اللبناني مضطر الى أن يرابط في الجبل، فنال والي دمشق من متغلب طرابلس بالإجاعة و طول الحصار.

فتنة كنج يوسف باشا:

صدر الأمر السلطاني في سنة 1225 إلى سليمان باشا والي صيدا أن يقتل والي دمشق كنج يوسف باشا و يصادر أمواله. لأن يوسف باشا عجز عن سوق قوة لقتال ابن سعود و رأى كما قال جودت، اشتغال الدولة بمشاكلها الداخلية و الخارجية فرصة لادخار المال، و أكثر من الاعتداء على الأهلين و ظلمهم، و اختلس زيادة على هذا أموالا كثيرة من مرتبات الحج. و مما قاله السلطان لوالي صيدا في أمره الصادر بهذا الشأن: إني آمل منك صداقة و حسن خدمة لأنك تربية الغازي الجزار أحمد باشا حتى لا يقال إن هذا راح و لم يخلف إنسانا!. و معنى ذلك أن الدولة كانت راضية عن الجزار إذا ذكرته تذكره بأنه مثال رجالها الأمناء، و ما ذلك إلا لأنه كان يؤدي لها الخراج في الجملة و يقاتل أعداءها و يرشي جماعة الإستانة بالمال على الدوام. أما سوء سيرته في الرعية و ظلمهم و تقتيلهم فهذا لا ينقص بزعمها قدر الرجل، بل يجب على العمال أن يتقيلوا مثاله.

و لما جاء سليمان باشا في جند من الدروز و غيرهم لأخذ دمشق من كنج يوسف باشا تعصب الدمشقيون لواليهم القديم، و وقع القتال في أرض الجديدة و داريا، فانهزم الدمشقيون و ظفر العسكر اللبناني و العكاوي و قتل كثير من الدمشقيين. و في هذه الوقعة يقول المعلم نقولا الترك في مدح الأمير بشير:

و خاض غمار الحرب تحمل خلفه* * * ثلاثة آلاف تصول و تخطر

فلاقته فرسان المنايا مغيرة* * * تنادي على الباغين: اللّه أكبر

30

و ثار الوغى و السيف قد قارع القنا* * * و غطى الفريقين الغبار المكدر

فولى على أعقابه كل ظالم* * * و في سهل داريا الأعادي تقهقروا

و كم من سراياهم ترامت جماجم* * * كأوراق أشجار على الأرض تنثر

و كان والي دمشق القديم قد جمع أمواله فبلغت كما قيل اثني عشر صندوقا من الذهب و عشرة أحمال من الفضة، فتعرض بعض الجند لجماعته أثناء خروجهم ليلا من السراي، فأفلت هو و وقع المال في أيدي الجند و العامة، فتقاسموه و اغتنى أناس من هذه الغارة على أموال الوالي التي سببت نكبته، و جمعها من أموال الدولة و دماء الأمة، و توجه يوسف باشا كنج إلى مصر فتوسط له محمد على الكبير بالعفو ثم بعثت الدولة بعض رجالها فضبطوا ما خلفه الوالي السابق من الأموال في دمشق بعد أن نهب ما نهب، فكانت نحو ثمانية آلاف كيس من صافي الصابون و بعض أشياء كان يتجر بها.

سليمان باشا و أمراء راشيا و كوائن حلب:

و عدّ مشاقة من حسنات سليمان باشا ضمه إقليم البلان إلى ولاية دمشق بعد أن كان مستقلا تحت لواء أمراء راشيا الشهابيين قال و ذلك لأن حكام ذلك الإقليم مستبدون، و كانت الأهالي تقاسي عذابا و جورا لا يطاقان، و الأمراء يدفعون عن الإقليم مالا معلوما لحفظ استقلالهم به و براشيا معا، و الحكومة مشطورة مع الأهالي إلى شطرين حزب يناصر الأمير فندي و آخر الأمير منصورا، و كان كل واحد منهما يراقب الآخر و يترصد الفرص ليفتك به، فيحتاج كل منهما بالطبع إلى عصابة و مال و حاشية. و قد أثنى مشاقة على سليمان باشا و قال: إنه خدم الدولة و الرعية خمسة عشر عاما بالعدل و الأمانة، و كان الأسف عليه عاما حتى شعرت الدولة بفقده (1819 م) و قال: لما سلبت بلاد بشارة من أيدي مشايخها كثرت التعديات و اضطرت حكومة صيدا إلى وضع عساكر كثيرة، فلما جاء سليمان باشا الكرجي واليا على عكا اقتصر على مائتي جندي من المشاة و خمسمائة فارس و أربعمائة خيال من الهوارة يتبعهم مشاة ضبطية في باب السراي و جماعة المدفعيين على أسوار المدينة و أقام في كل بلدة من المدفعيين و الضابطة كفايتها.

31

و سليمان باشا من مماليك الجزار اشترك مع سليم باشا في حرب الجزار، و لما أفسد الجزار هذا العسكر على باب عكا هرب سليم باشا و سليمان باشا، إلا أن هذا عاد إلى مولاه تائبا فوجه عليه متسلمية صيدا. و كان سليمان باشا هذا لا يسمع وشاية و يحمي من يعينهم من جماعته و لا يسمع فيهم كلاما، و إذا عين أحدهم لا يرفعه مهما وقعت عليه من الشكاوي، و إذا توفي أحد خدامه مسلما كان أو مسيحيا يضع ولده مكانه إن كان له ولد و يجري عليه رزقه و إن كان لا ولد له يدرّ راتبا على عياله، و كان يعطي كل واحد من خدام بابه على حسب حاله من القرش إلى العشرة قروش كل يوم، و هذا لأكبر ما يكون من أرباب الوظائف. قال العورا مدون و قائعه: و كان عنده لما مات 22 «دعبولة» في كل دعبولة ألف كيس ريال فرنسا (كل ريال بأربعة قروش) عدا ما كان تحت يد صرافه حاييم و أخيه موسى و هو يربو على اثني عشر ألف كيس و عدا الديون التي للخزينة على تجار عكا و بيروت و ما عند حريمه من الجواهر و التحف و خلا ما عنده من الغلات و الكراع.

هذا الرجل الذي خلف هذه الثروة و ما ذلك بالأمر المستنكر على ولاة عصره، كان يتبجح بكلام العادلين و المصلحين مع أفراد من حاشيته و من يغشون مجلسه، ليدل على حبه لإحقاق الحق و زهده في حطام الدنيا. شنشنة معروفة في بعض من يتولون الأمر يبرئون أنفسهم من حب الدنيا و هم سراق منظمون، و يستحلون في السر كل كبيرة و في جهرهم أعفة أتقياء. هذا الرجل قال لوكيله و صرافه حاييم و كاتبه حنا العورا يوم استولى على دمشق و خلصها من يوسف كنج باشا: أنا قضيت حياة رأيت فيها الحلو و المر، فإذا أردتم أن تخدموني بالصداقة فأنا أشترط عليكم أن لا تظلموا أحدا، فلا أريد الظلم و لا أذية أحد و لا خراب بيت أحد. و لا عيني بمال أحد، و أريد ما أمكن سد باب الظلم، و ليس لي حاجة في غير لقمة خبز طيبة و حصان مليح و «جوبق» دخان و الكسوة الاعتيادية و امرأة واحدة و لست آذن و لا أرخص لأحد منكم أن يجمع لي مال عباد اللّه بالظلم و لا بالخطف و لا بالحيلة و لا بوجه من الوجوه، و لا أريد إلا أخذ الأموال المرتبة بأمر السلطان فقط و لا

32

أشكر من يسعى لي بجلب الأموال من غير حلها بل أغضب عليه، و ها أنذا أشهد اللّه و ملائكته و رسوله عليّ و عليكم بهذا جميعه، و أنا بري‏ء الذمة من كل ما تفعلونه في هذه الدنيا و في الآخرة، فهل تقبلون بشرطي هذا كي أسلمكم زمام أموري و أريح فكري، فأجابوه: نعم قبلنا و سمعنا و أطعنا فحينئذ قال لهم: و أنا سلمتكم مصلحتي بتمامها تصرفوا بها بحسب صداقتكم، و قد توكلت على اللّه و هو نعم الوكيل. كلام أشبه بكلام عمر بن عبد العزيز لأناس من حاشيته من زهاد التابعين و تابعي التابعين!

و في سنة 1226 حدثت فتنة بين الدروز القاطنين في الجبل الأعلى من عمل حلب و بين أهالي تلك الأرجاء و جرت بينهم وقائع فاتفق جميع أهل تلك الأطراف فأرسلوا يستشفعون بالأمير بشير فكتب إلى حكام حلب، و أرسل مباشرين لإحضار الدروز من هناك و كانوا أربعمائة بيت و أعطاهم مئة ألف درهم لمعاشهم.

و كثيرا ما كان يجري الخلاف في دمشق بين آغا القلعة و الوالي فيعتصم الآغا و جماعته في القلعة و يشرع بإطلاق الرصاص و البارود و المدافع على جماعة الوالي و يصيب الأهالي من ذلك خطوب جسيمة كما وقع سنة 1227 فأخذ عسكر الوالي يحيط بالقلعة و يطلق من المآذن المجاورة النار عليها و الجنود يطلقون النيران، و دام ضرب المدافع و الحصار الشديد ليلا و نهارا بلا فتور، و قتل أناس خارج القلعة و احترقت بعض الأماكن، ثم وضع عسكر الوالي سلالم و دخلوا القلعة من سورها و جرت المذبحة بين المحاصرين و المحصورين و نهب عسكر الوالي القلعة، و كان من يذهب قتلا من الجند على نسبة من يقتل من الرعية. و القلاع آية البلاء على الرعية و لا ينتفع بها عند الاقتضاء إلا الوالي أو المتغلب انتفاعا موقتا.

و من الولاة الذين ملأوا حلب و أرجاءها ظلما ابن جبار جلال الدين باشا (1227) كان مثلا في المصادرات و قتل من يأبى إعطاء المال و لا يكاد يمضي يوم إلا و يقتل إنسانا و قد احتال على ثمانية عشر شخصا من رؤساء الإنكشارية في حلب و أهلكهم فسكنت الفتن قليلا و قطع من أوصال الإنكشارية و قبض على القياد بشدته و قلة ذمته في إهراق الدماء. و روى في أعلام النبلاء أن‏

33

ابن جبار هذا عين اثنين يتجسسان أخبار الناس الذين تجب مصادرتهم فكان يرسل اثنين حاملين بلطة يأتيان بمن يجب مصادرته، فيزج في الحبس و يوضع في رقبته سلسلة لها شوك، ثم يطالب بما قرر عليه و هو جرم أو جرمان، و الجرم أربعون كيسا و الكيس خمسمائة قرش، فمن لم يدفع الجرم في ثلاثة أيام يخنق و يرمى تجاه باب القلعة، و كلما خنقوا واحدا أطلقوا مدفعا فكان يعلم عدد المخنوقين في الليلة من عدد المدافع، و كان الوالي إذا أراد النزول إلى السوق أمر فزينت له الأسواق نهارا فينزل و معه «البلطجية» و العساكر عن يمينه و شماله فيدور في الأسواق، و متى أدار وجهه إلى رجل فإن البلطجية يأتون و يضربون رقبة صاحب ذلك الحانوت، يفعل ذلك بثلاثة أو أربعة أشخاص ثم يعود، و لما تكرر منه هذا العمل الفظيع سأله وجوه البلد عن سبب قتل هؤلاء و ما ذنبهم فكان يقول: لا ذنب لهم غير أني أقصد إرهاب الناس.

و تعذيبه الناس و أخذهم بالتهم الباطلة من المأثور عنه المشهور به.

و جاء بعده خورشيد باشا و كان يصلي و يصوم لكن أتباعه يفعلون كل كبيرة و هو عنهم ساكت، و حدث أن الأهالي هجموا على دار رئيس دائرته سليمان بك و قتلوه و حملوا سائر أتباعه بما عندهم من أدوات الفحش و الخمر إلى القاضي فعد الوالي ذلك نشوزا على السلطنة من أهل حلب فاستدعى عسكرا فجاءته جملة مستكثرة منهم، فوقعت وقعة بين العسكر و العصاة في محلة قسطل الحرامي (1235) فانكسر العصاة و هاجم العسكر البلدة و أخذوا يطلقون المدافع على أسوارها فخربوا جانبا منها و دام الحصار 111 يوما و جرى القتال داخل البلد في الشوارع و الأسواق، و كان القتال سجالا بينهم الى أن فر العصاة من الأهالي و دخل الولاة فيمن معهم من العسكر و احتلوا البلدة و قتلوا سبعة من كبار العصاة و أرسلوا برؤوسهم إلى الإستانة. و قد قال الأهالي إنهم ثاروا لشدة ما كانوا يلقونه من العنف و ما كانوا ينوءون تحته من ضريبة الدور التي ضربت عليهم في سنة قحط و غلاء، و قد قتل بالطبع من الثائرين و الأهالي و الجند مئات.

تولى دمشق سنة 1232 صالح الكوسج باشا «و كان عادلا حليما فهما» وراقت الحال في أيامه و لم يحدث إلا نشوز عرب فليحان فأرسل عليهم جندا (3- 3)

34

فتحصنوا في اللجاة فقتلهم العرب و لم يسلم من الجند إلا القليل، و بعد سنتين تولى دمشق سليمان باشا و كان عادلا إلا أنه محب للمال. و ذكر جودت أن جماعة من الحشاشين و الأشقياء (1235) أخلوا بالأمن في حلب حتى كان الولاة يضطرون أن ينزلوا خارج البلد في مكان اسمه الشيخ بكير و أنه لم يمض على الثمانية عشرة شقيا الذين كان قتلهم بالخدعة جلال الدين باشا جبار و اليها، حتى عاد الأشقياء فكثروا و أرادوا القيام بثورة، فتدارك الوالي الأمر باستدعاء الجنود الكثيرة، و حسم هذه النازلة. قال بعد أن ذكر أربعة أبرياء قتلوا في حلب بدلا من أربعة مجرمين بواسطة أحد الأعيان: كان على ذلك العهد بين الأعيان كثير من الأردياء الأشرار، و هذه الحالة لم تكن خاصة بالإستانة و لا بالولايات، و كان قتل الإنسان في سهولته كتقطيع لحم الدجاج، حتى حدث مرة أن الأراجيف كثرت في الإستانة و بينا كان مجلس الوكلاء ينظر في طريقة لحسم مادتها قال حالت أفندي: إن أحسن طريقة أن يقطع رأس الحلاق المقيم في «أوقجيلر باشي» و بذلك يحدث للناس خوف و دهشة و تنقطع مادة الأراجيف، فقال له أحد الحضور: عفوا إن هذا حلاقي فقال حالت أفندي: ليس هذا الذي أردت أن أضرب عنقه بل الحلاق الذي يسكن في في الطرف الآخر و بذلك يحصل المقصود. قال و بالجملة فقد كثر في تلك الأيام في الإستانة و خارجها من اسودت قلوبهم و قست أفئدتهم من الناس، و كانت الإدارة من كل وجه مختلة بحيث لا يتيسر وصفها و لم يبق من وسيلة إلا تجديد الأصول و إصلاح أمور الدولة و تنظيمها، و قد نال هذا الشرف والي مصر محمد علي باشا و الفضل للمتقدم ا ه. و هذا كلام مؤرخ رسمي يكتب للسلطنة، و الحقيقة أن الحالة كانت أسوأ مما وصفها به.

وقعة المزة و استسلام الدولة لوالي عكا:

تولى دمشق سنة 1235 درويش باشا، و في أيامه اعتدى جماعته على مزارع ابن شهاب و ابن جنبلاط في البقاع فاضطر والي الجبل إلى إرسال جند لمحاربته، و أرسل والي عكا جندا و وقع القتال فانتصر والي الجبل على والي‏

35

دمشق، و بعثت الدولة والي حلب للنظر في هذه الفتنة بين الولاة، فرأى أن السبب في ذلك عبد اللّه باشا والي عكا، فحاصره والي حلب في عكا على غير طائل، ثم عزل درويش باشا عن إيالتي دمشق و صيدا و عفي عن عبد اللّه باشا، و هلك جمهور من الجند و الناس في هذه الفتن التي كان منشؤها فيما قيل دسيسة من بعض الإسرائيليين هلك أحد أنسبائهم و تقربوا من درويش باشا فأثروا فيه. و ذكر الشهابي في هذه الوقعة المعروفة بوقعة المزة لأن هذه القرية حرقت فيها، أن عبد اللّه باشا استمال بعض مشايخ جبل نابلس و وقعت الفتنة بين أهالي ذاك الإقليم فانقسموا فئتين و وقع القتال بينهم، و قالوا: إن سبب هذه الفتنة أن درويش باشا كان يريد تسلم عكا من عبد اللّه باشا بأمر الدولة فتشيّع الأمير بشير الشهابي لوالي عكا، و سار في عسكره من المشاة و الفرسان من أهل الشوف و المناصف و المتن، و عسكر عبد اللّه باشا في الدالاتية و الهوارة، و جعلوا مصافهم من كوكب إلى المعظمية من إقليم البلان و خرج درويش باشا إلى المزة فأقبل الأمير بشير، فلما علم عسكر درويش باشا بقدومه تحصنوا للحصار، و انتشب القتال بين الطرفين و أطلقت عساكر دمشق المدافع و الزنبركات أي المدافع الصغيرة، فهجم الأمير بعسكره هجمة واحدة و هدم أسوار البلدة، و كانت مبنية باللبن و امتلكها، ففرت عساكر دمشق و قد قتل منهم نحو مائتين و خمسين رجلا و أخذوا منهم خمسمائة أسير، و غنم عسكر الأمير خياما و ذخائر و خيلا و سلاحا، و رجع إلى المعظمية و بلغت أسرى عسكر دمشق من أهلها 374 رجلا عدا من قطعوا رؤوسهم.

و مضت عدة أيام و في نهر بردى تطفو الغرقى من عسكر درويش باشا حتى بلغ عددهم ألف رجل و مائتي رجل بين قتيل و جريح، و قتل من عسكر عكا نحو سبعين رجلا. و انتشب القتال بين الأمير خليل بن الأمير بشير و بين فيزو باشا أحد أتباع والي دمشق و هو قادم من نابلس في قرية مرجانة فقبض عسكر عبد اللّه باشا على مائة و خمسين أسيرا و قطعوا خمسة و عشرين رأسا و انهزم فيزو باشا إلى دمشق.

و أرادت الدولة أن تضرب على يد عبد اللّه باشا (1237) والي عكا فأمدت والي دمشق بواليي حلب و أذنة ليتعاونوا على ضربه و قد تحصن فيها

36

بألفي جندي، فحاصره الولاة المذكورون تسعة أشهر فلم يستطيعوا الاستيلاء على عكا مع أنهم كانوا في ستة عشر ألف جندي. و لما عجزت الدولة عن أخذ هذا الثغر من عبد اللّه باشا و أصبح في يده معظم القطر الشامي حقيقة رتبت عليه خمسة و عشرين ألف كيس و هي تساوي نحو نصف مليون ليرة، و ذلك بدل نفقات عسكرها في حصار عكا، و كان عبد اللّه باشا يوقع كتاباته هكذا «أمير الحاج السيد عبد اللّه والي الشام و صيدا و طرابلس و متصرف ألوية غزة و يافا و نابلس و سنجاق القدس الشريف حالا».

سياسة الأمير بشير في لبنان و تقاتل الولاة و ارتباك الدولة:

تولى دمشق مصطفى باشا (1237) و في أيامه حدثت فتنة بين الأمير بشير و ابن جنبلاط و علي العماد كتبت النصرة فيها للأمير، و هرب المشايخ المذكورون إلى حوران فأمسكوا و قتلوا، و اضطر الأمير بشير الشهابي بعد ذلك إلى التغيب في دمشق و حوران، ثم عاد بعد مدة إلى لبنان و تسلم زمام الأمر و طلب الأموال المتأخرة من اللبنانيين فثاروا عليه في اثني عشر ألف فارس و قيل في ثلاثة عشر ألف مقاتل و ليس معه فيما قيل سوى ثلاثمائة، فقتل منهم على قلة عديده و أخضعهم لسلطانه، و عاونه الشيخ بشير جنبلاط على كبح جماحهم و كذلك والي عكا أرسل إليه عساكر الأرناؤد و الهوارة و المغاربة و الأكراد فنشب القتال بين الفريقين فقتل من جماعة الأمير بشير 15 رجلا و أحضروا 29 رأسا من رؤوس محاربيهم. ثم قلب الأمير الشهابي ظهر المجن للشيخ جنبلاط و سعى بقتله، كما قتل أناسا من أهله و حاشيته و سمل عيونهم ليأمن شرّهم بزعمه، و ذلك لأن ابن جنبلاط قويت شوكته و أثرى و كثر مشايعوه، فما كان من أمير الجبل إلا أن سعى بإهلاكه و ألقى الفتنة بين الحزب اليزبكي و الجنبلاطي ليخلو له الجوّ و سلم معظم لبنان لأناس من مشايخ الموارنة يحكمونه و يأتونه بالجزية و الخراج ليدفع هو المقرر عليه لوالي صيدا أو عكا، و يأمن جانب الدولة فتصفو الولاية له. و كان من سياسته أن يظاهر صاحب الظهور و القوة شأن الأمراء اللبنانيين في معظم أدوار تاريخهم.

37

و كثر الخلاف بين والي طرابلس و والي دمشق و والي صيدا و والي عكا، و الناس يقتلون بسبب هذا الاختلاف بينهم، و حاكم دمشق يحاصر حاكم عكا، و الدولة ترضى عن هذا و تغضب على ذاك، و تسلب ولاية زيد لتعطيها لعمرو، تلاحظ في ذلك التوازن بين القوات، و تتحاشى رجوع الذين يعصون أمرها من الولاة. و أعقل الولاة و أدهاهم من كانت تدوم ولايته سنتين و كانت الوظائف الحسابية في هذا الدور بيد الإسرائيليين و الكتابية بيد المسيحيين، و كان الولاة يصادرون بعض الإسرائيليين و يحبسونهم و ربما يقتلونهم لاستحصال المال فيحتال هؤلاء لتمشية أمورهم، و حدث أن معظم الحامية و الموظفين في دمشق كانوا مرة من أهل بغداد و الموصل و كركوك فغضب الوالي عليهم فأمر بترحيلهم فهلك بعضهم في الطرق.

كانت الشام تتخبّط بأيدي الولاة و أرباب الإقطاعات، و الدولة غير مستريحة في داخليتها و خارجيتها، فاستقلت اليونان (1830 م) بعد حرب هائلة فقدت فيها الدولة أسطولها و ذهب قسم من الأسطول المصري، و كان الأسطول اليوناني ضرب بيروت 1241 (1825)، و توسعت اختصاصات إمارتي الأفلاق و البغدان (رومانيا) حتى بلغتا الاستقلال أو كادتا، و فتحت روسيا لها طريق البحر الأسود، و ما زالت حال الدولة على ذلك حتى نشأت ثورة الإنكشارية في الإستانة (1242) و كانت الدولة أخذت تنظم جندا جديدا على الأصول الحديثة، فاستراحت بعض الشي‏ء بعد إهلاك الإنكشارية، و كذلك حال الأمة المسكينة التي قاست الأهوال من اعتداءاتهم، و كان الفضل الأكبر في ذلك لمصلح الدولة السلطان محمود الثاني الذي أظهر من الثبات و قوة الإرادة في هذا الشأن ما لم يعرف به أجداده الذين قتلوا بأيدي الإنكشارية، و استناموا لما يأمرون به مخافة أن تزهق أرواحهم. و قضى أيضا على أهل الطريقة البكداشية في الإستانة و ما إليها مما ذكره له التاريخ بالإعجاب، و عاب بعضهم عليه شدته و أعجب بأعماله معاصروه من الأعاظم. فقد قال سفير روسيا في الإستانة بعد سنتين من قرض جيش الإنكشارية: إن السلطان محمودا بقضائه على هذا الجند المختل الذي تصعب إدارته قد ظفر بنور من النبوغ‏

38

بمثله تنجو الممالك من المهالك. و قال دي لاجونكيير: إذا كان السلطان محمود أقل سعادة من بطرس الأكبر في إرادة التجدد فإن منشأ ذلك بأن بطرس الأكبر قد وجد أمة لا تزال على الفطرة أي جديدة، و كان من الأسهل أن تنظم و تصاغ، و على العكس في محمود فإنه صادفته عقبات من الأوضاع القديمة، أوضاع نشأت و كبرت مع المملكة و كان منها فيما مضى قوتها و قدرتها، أوضاع وضعها السيف و أيدها الظفر و قدّسها الدين.

تولى دمشق صالح باشا ثلاث سنين و ثلاث مرات كل مرة سنة و أظهر شدة زائدة ثم تولاها ولي الدين باشا (1242) و كان أحمق مغفلا مهملا ثم عزل و نصب عبد الرؤوف باشا (1243) و كان عادلا لطيفا و طمعت الشام به لعدله و في 1243 أحدث وزير دمشق مظلمة على سبع عشرة قرية من البقاع فأمر الأمير أهل تلك القرى اللبنانيين أن يرجعوا بمالهم إلى إقليمهم فرجعوا فخرب البقاع فارتضى وزير دمشق حينئذ بأخذ عشرين ألف قرش من تلك القرى و كتب إلى الأمير أنه رتب العشرين ألف قرش عوضا عن المال الميري و القسم أي الثلث.

محاولة الدولة قتل النصارى و فتنة نابلس:

و أرادت الدولة أن تنتقم من نصارى الشام بل من النصارى في أنحاء المملكة لثورة اليونان عليها و مطالبتها بالاستقلال يوم ثورة المورة (1244) و جزائر البحر المتوسط فأمرت والي دمشق أن يقتل المفسدين من كبراء طائفة الروم فعقد مجلسا من أعيان دمشق و تلا أمر الإستانة على مسامعهم، فكان جوابهم أنه لا يوجد من النصارى عندنا المفسدون و جميعهم ذميون سالكون بشروط الذمة فلا تجوز أذيتهم. لهم ما لنا و عليهم ما علينا، و أن الرسول (عليه السلام) أوصى بالذميين و قال: من آذى ذميا كنت خصيمه يوم القيامة. و نحن لا نقدر أن نتحمل هذه التبعة، و كتبوا محضرا للدولة بحسن سلوك نصارى الإيالة و طاعتهم و دفعهم المرتبات الأميرية و أنهم يستحقون حسن الرعاية و المرحمة من السلطنة السنية. و لعمري أي علاقة للثائرين في جزائر البحر و المورة مع الآمنين من الرعايا في الشام، فقد أبان عقلاء دمشق إذ ذاك عن رأي سديد، و لكن لا

39

ندري إذا كان رأيهم راق لدى ولاة الأمر في الإستانة. و أي أمر جائر أكثر من هذا كأن النزّاع إلى الاستقلال من اليونان كانوا يصدرون عن آراء مسيحيي الشام أو آسيا الصغرى، أو أن هؤلاء يحثونهم على نزع أيديهم من أيدي الدولة، و لو استطاع المسلمون أنفسهم في ذلك الوقت أن يستقلوا عن الدولة لينجوا من خلل إدارتها لما تأخروا عن ذلك ساعة.

و في سنة 1246 (1829) طلب والي عكا من الأمير بشير الشهابي أن يفتح قلعة صانور و كان أهل نابلس عصوا عليه و تحصنوا في قلعة صفد و أعجزوه فلم يقدر عليهم لأن معظم الأهالي انضموا إلى الثائرين، و كانت صانور منذ القرن الماضي تشغل بال رجال الدولة في عكا و صيدا و القدس، فنشبت بينه و بينهم عدة وقائع و بعد حصار ثلاثة أشهر و تخريب عدة قرى، أمر الوزير بهدم القلعة و دكها إلى الأساس و دك مغائرها و هدم آبارها، و سبب هذه الثورة الضريبة التي فرضها والي دمشق على الثائرين، و لما عجز عن جمعها أحيلت إلى عبد اللّه باشا فتعهد للدولة بدفع ألف كيس و أمر بجمعها من أهل نابلس، و كان من زعماء النابلسيين إذ ذاك أسعد بك طوقان و الشيخ القاسم الأحمد، و فشل النابلسيون و لم يبق في القلعة عند تسليمها سوى 367 و كان فيها أكثر من ألف و مائتي نسمة قتل بعضهم و ضرب الآخرون و ذكر مشاقة أن سبب عصيان نابلس سلخ عبد اللّه باشا لها بأمر الدولة عن إيالة دمشق، لأن والي دمشق ادعى أن المطلوب منها ستمائة كيس لا تتحصل إلا بسوق حملة تستغرق المبلغ المتحصل منهم، فتعهد عبد اللّه باشا بأن تضم إليه و يدفع ألفي كيس عنها، و أن عسكر أمير الجبل الذي جاء نجدة لعبد اللّه باشا كان نحو خمسة آلاف رجل، و أن النابلسيين نزلوا على حكم الأمير بشير الشهابي فعفا عنهم جميعا و هدم القلعة و حصل الأموال الأميرية بعد مناوشات طفيفة.

مقتل سليم باشا والي دمشق:

انقضى النصف الأول من هذا القرن أو كاد و القطر نهب أيدي الطامعين من الولاة و المتسلمين، يسيئون في الرعية الاستعمال، و يعبثون بما خولتهم‏

40

دار الملك من السلطة فيمثلون أعظم مظهر من مظاهر الحكم الاستبدادي الفردي الجاهل. و لم يكن يخطر في بال الدولة أن رعاياها يقوون على الانتقام من أعظم عمالها، و هم الموصوفون في معظم أدوارهم بالطاعة للملوك و الزعماء و الرضى بما تقضي به الأقدار، و لو صحت عزيمة المظلومين مرة أو مرات أن يهلكوا من يحاول إهلاكهم و خراب أرضهم و ديارهم، لما ساءت الحال، و بلغت الشام ما بلغته من الاختلال، نريد أن نقول إن الرعايا طالت أيديهم فقتلوا واليا عظيما من ولاة السلطنة. و نعني به سليم باشا الصدر السابق مبيد جيش الإنكشارية.

نصبت الدولة هذا الشيخ واليا على حلب ثم على دمشق سنة 1247، و كان ظاهره شجاعا مهيبا و باطنه جبانا و قد همّ أن يغتال بعض أعيان المدينة فبدأ بمدينة حماة، و قتل بعضهم فأيقن القوم أن هذا القاتل لا يصعب عليه أن يهلك أناسا في دمشق ليصفو للدولة الحال بزعمه، فلما جاء عاصمة الشام أراد أن يضع على كل سكرة أي عقار في دمشق «مصريتين» كما هو الحال في الإستانة فثارت العامة بإشارة الأعيان و كانوا عند المصائب الشديدة تتحد على الأغلب كلمتهم، اتقاء شرّ عظيم يقعون فيه، و كثيرا ما كانوا يدخلون الأوهام على الولاة؛ لئلا يشتطوا في مطالبهم و تكون المغانم مناصفة بين الأعيان المتغلبة و الحاكم المنصوب، فضرب الوالي العامة من أبراج القلعة بالقنابل، حتى إذا ضاق عليه الخناق جاء في بعض رجاله إلى دار قرب باب البريد فتأثره العامة و هدموا على رأسه سقف المخدع و أحرقوه.

و ذكر بعضهم أن هذا الوالي تحصن برجاله في جامع المعلق أولا و السكمان بالقلعة، فبدأ الحريق من باب الهواء و أخذ يمتد، فلما رأى ذلك داخله الوهم لقلة رجاله و كثرة الدماشقة فتحصن بالقلعة، و أخذ يحرق دار الحكومة ليشغل الناس و يفوز بنفسه، و كان الحريق هائلا خرب كثيرا، ثم اعتمدوا على حصار القلعة و أخذ الوالي يطلق المدافع على البلد، و أقام الناس متاريس حول القلعة ثم في الحارات و حاصروا العسكر المرابط في جامع المعلق، و قتل في هذه المناوشات كثير من الأهالي و جماعة الوالي، و طال المطال و تألب الناس على الوالي حتى إن والي عكا أخذ يقوي أهل دمشق عليه، و لما ضاق به الحصار

41

خرج إلى بيت القاضي بجانب دار المشورة، فجاء سبعة رجال و كسروا الباب و النافذة عليه و ألقوا النار بعد أن أخرجوا من عنده ابن أخيه و الكيخية، ثم قطعوا أعناقهما افتراء و عدوانا كما قال مدون هذه الوقعة إذ ليس لهما ذنب يوجب القتل حتى إن الباشا نفسه افتروا عليه لأنه لم يظهر منه أدنى أذى إليهم غير تمسكه بإتمام الأوامر التي بيده من الإستانة، و ربما كان يضمر للأعيان شرا لا نعلمه و أما في الظاهر فليس لهم عذر سوى أنهم افتروا عليه و على جماعته على نوع مستغرب مناف للشرائع كلها ثم أخذوه عريانا إلى القلعة، مع الاثنين خاصة بعد أن داروا برؤوسهم و دفنوهم داخل القلعة و تولى الشربجي الداراني و رشيد نسيب الشوملي أمر البلد، و بات الناس يتوجسون خيفة من رجال الإستانة، و لو كان ما أتوه في حالة راحة الدولة لأرسلت عليهم جنودها يفعلون بالأبرياء و الجناة الأفاعيل المنكرة، و لكن الدولة كانت تتوجس خيفة من محمد علي والي مصر و ما بلغه من القوة بجنده و بحريته و استعداده، و لها مشاكل في أوربا تخاف أن تتجزأ قوتها إذا أرادت تأديب الدمشقيين. و لذلك لم تحب أن تناقش الأهالي الحساب و لم تسؤها فجيعتها بشيخ همّ قاتل، و القاتل مبشر بالقتل، و من عادة الدول على الأغلب أن تفتك بعد حين فيمن استعملته آلة للفتك، و لذلك نرى مؤرخي الترك قد نطقوا بلسان الحكومة و لم يحركوا ساكنا كأنهم رأوا لعمل الدمشقيين مبررا من حسن نيتهم.

و قال مشاقة: لما قتل الدمشقيون سليم باشا اجتمع أعيانهم و رتبوا حكومة موقتة و أخذوا يترقبون ورود عسكر الدولة للانتقام منهم، فورد الخبر بخروج عساكر مصر لتأتي الشام فسكن روعهم بعض الشي‏ء، و لما خرجت عساكر مصر صرفت الدولة النظر عما عمله أهالي دمشق و أرسلت واليا عليهم اسمه علي باشا. و أخذت الدولة تؤول عمل أهل دمشق و أصبحت كالمحامية عنهم تختلق لهم الأعذار عما بدر منهم لأن السياسة اضطرتها إلى ذلك. فقد جاء في تاريخ لطفي نقلا عن جريدة تقويم الوقائع الرسمية أن سليم باشا لم يعمل بحسب الوقت لما جاء دمشق، و قد عين الحاج علي باشا والي قره‏مان لاستئصال الفتنة التي كان شبوبها يترامى إلى المسامع، بيد أن سليم باشا قتل قبل وصول خلفه، و تبين أن للغرباء يدا في هذه الفتنة، و أن تأديب المشاغبين بسوق قوة على دمشق يضر بأهاليها!

42

و قال المؤرخ إن سبب عصيان الدمشقيين أن سليم باشا مر بحماة عند شخوصه إلى دمشق و قتل بضعة رجال من عرب عنزة و قيد البرازي في القيود و أتى به معه إلى دمشق فدهش أهلها، و كان اقتراحه وضع ضريبة فأوقد جذوة الفتنة.

و ذكر أن الأهالي هجموا على السراي أولا و أغلقوا دكاكينهم و انتشرت الفوضى. و قد كتب السلطان على محضر قدمه بهذا الشأن عاطف بك ابن خليل شقيق سليم باشا قال فيه: قد يتبادر إلى الذهن أن لبعض الأطراف يدا في حادثة دمشق، و من الجائز أن يكون ذلك بصنع والي صيدا لأن هؤلاء ليسوا على ثقة تامة من دولتنا العلية و هم ينفرون منها على الدوام، و على هذا فإن أمور إيالة الشام إذا دخلت في النظام على ما يجب يحدث ذلك ضررا لهم، و قد عرفوا هذا حق المعرفة، فيجوز أن يكونوا سبب هذه الفتنة لإيصال الحالة إلى تلك الصورة.

و قد ظهر من الأوراق الرسمية الأخرى التي نشرها لطفي في تاريخه أن السلطان ذهب مذهبين في هذه الفتنة فكان يقول في بعض أوامره قبل مقتل سليم باشا القائم بتطبيق قانون رسوم الاحتساب سدا لنفقة الجند: إن أهالي دمشق و حواليها و إن كانت أرضهم مباركة، لا يستنكف أكثرهم عن عار و لا يعرفون الحياء، و ظاهر أنهم أشرار و سيرون بحول اللّه و قوته من أسباب التأديب ما يقفون به عند حدهم. و قال في كتاب آخر: إن وقوع هذه الحادثة في دمشق ليست منبعثة من جسارة الأهالي فقط، بل نشأت بلا ريب من إغواء الأطراف و تحريكها. و ذكر المؤرخ أن السبب في فتنة سليم باشا تحريك محمد علي والي مصر ليجعل مقدمة لدخوله الشام، و في رواية أخرى أن والي عكا عبد اللّه باشا كان هو السبب في ذلك.

و قصارى القول أن سليم باشا مبيد جيش الإنكشارية الذي عجنت طينته بالدماء فقتله أعيان دمشق مخافة أن يبطش بهم كما بطش في حماة، خافوه و وجدوا فرصة للنيل منه لما جاء يطبق قانون الاحتساب، فأثاروا الرأي العام عليه ففعلوا و ربما كانوا يريدون الاكتفاء بتهديده ليحملوه على الهرب، و لكن الأمر خرج من أيديهم إلى أيدي العامة فقتلوه غير حاسبين للعاقبة

43

حسابا، فكان قتله على غير رضى العقلاء من الأعيان، و كان هلاكه مخيفا لمن يأتي بعده من الولاة.

الحكم على الموقف السياسي في نصف قرن:

و يجوز لنا بعد نقل حوادث نصف قرن أن نلخصها و نستنتج منها على الصورة التالية (أ) كان الظلم يقع على المسلمين و المسيحيين و الإسرائيليين على السواء، و لما كان المسلمون هم السواد الأعظم من السكان كان تأثير الظلم في مجموعهم أقل من تأثيره في مجموع الإسرائيليين مثلا. (2) أوغل أرباب الإقطاعات في الظلم فقلّم الجزار من أظافرهم ليستأثر وحده بالظلم و القتل، فحالفه التوفيق بطول المدة إلى الضرب على أيديهم بعض الشي‏ء، فلما هلك عادت الحالة الأولى إلى سابق تعاستها من ظلم المستضعفين و الفلاحين.

(3) مرّت حملة نابليون بونابرت على جنوبي الشام كالسحابة، و كان من الجزار أن ضمّ قوى الأقاليم برأي انكلترا التي تولت حربه بحرا بأسطولها، و ساعد أن حكومة الديركتوار في باريز استدعت نابوليون فعاد أدراجه مسرعا لا يلوي على شي‏ء كما رجع ريشاردس قلب الأسد ملك انكلترا في الحروب الصليبية بعد أن عقد مع صلاح الدين يوسف ميثاقا أنقذ به الصليبيين و محاربيهم من القتل و القتال. (4) الظلم الواقع على النصيرية و إرادتهم على تغيير معتقداتهم و اتخاذ مقتل رجل غريب يمتّ بنسبه إلى دولة أجنبية قوية ذريعة إلى تخريب جبالهم و قتل زعمائهم بدون تحقيق، على حين كان زعماء الأرجاء الأخرى من القطر يفعلون فعلهم و زيادة، و لا من يردعهم أو يقوى على نزع سلطانهم و تخفيف و طأتهم، مثل محمد باشا أبو مرق الذي عجت الأرض إلى السماء في فلسطين من مظالمه حتى أخذ الناس يبيعون أولادهم كما تباع الجواري و الإماء فرارا من ظلمه و قياما بما يفرضه عليهم من المغارم. (5) قيام مصطفى بربر متسلم طرابلس و استعانته بكافل عكا على كافل دمشق و ظلمه الرعية و محاولة الدولة غير مرة أن تستريح من تسلطه فلم تستطع ذلك إلى أن هلك حتف أنفه. (6) انقضاء دولة بني العظم بهلاك عبد اللّه باشا آخر من ولي‏

44

منهم سنة 1223 و لم يقم بعده أحد من ذريتهم لتولي الأحكام. (7) اشتغال الدولة بالغوائل التي أصابتها و لا سيما استقلال اليونان و محاولتها لما نال اليونان ما أرادوا أن تنتقم ممن يدينون بدينهم في الشام، فرد حزم الحازمين إرادة المختلين من ولاة الأمر الظالمين بحجة دينية أيضا. (8) عدم توفيق سليم الثالث في تطبيق خطط الإصلاح و كذلك مصطفى الرابع حتى تولى السلطنة محمود الثاني فبدأ في إنفاذ إصلاحه بمقياس واسع، كان أوله مقتل جيش الإنكشارية في العاصمة و الولايات، فعدّ مصلح عصره الذي أدخل دولته في المدنية الغربية طوعا و كرها، و جعل لها مقاما بين الدول لم يكن لها من قبل على اتساع أقاليمها، و خروج أكثر القاصية من حكمها فتبين لها أن عظمة الممالك بحسن إدارتها و كثرة مدنيتها لا بعظم رقعتها و خصب بقعتها، و أن دولة غناماها في عنفوانها و بذخها كما هي في ضعفها و شيخوختها، توليّ رقاب الأمة و لو بالصورة الظاهرة، و جبوة خراجها و لو بالتغاضي عن بعضه للجباة لا للرعية لا تصلح و يصلح أهلها.

45

دور الحكومة المصرية «من سنة 1247 إلى سنة 1256»

حالة الدولة العثمانية عند إذلال جيش محمد علي الكبير لها:

كانت الدولة العثمانية إلى أواخر منتصف القرن الثالث عشر جسما كبيرا تعروه نوبات عصبية من حين إلى آخر فيردها بقوته، أو يطول زمنها عليه حتى تنتهي بطبيعتها. و صاحب المرض إذا طالت عليه معاودة النوبات قد يألفها و يظن أنه بري‏ء من كل خطر، على حين تكثر آلامه، و تقرب منه حمامه، و الأدوار العصبية أشد ظهورا في ألم الجسم، و إذا تكررت على المصاب يصير إلى العجز فلا يستطيع أن يدفع ضرا و لا يجلب خيرا. فكانت الدولة العثمانية إذا نظر إلى ظواهرها يظن معها قوة، و في الحقيقة هي إلى ضعف لكثرة ما استحكم فيها من أمراض و ساورها من أوجاع، غفلت عن تعهد قوتها الحقيقية، فكانت تعلو و تسفل و تطفو و ترسب، بحسب مقدرة القائمين عليها من الصدور و السلاطين، تقوم بالفرد و لا شأن للجماعة في معالجة ما يصلحها من تقنين و أصول إدارة، و أهم ما امتاز به جندها الطاعة للرؤساء إلا أنها أصبحت في حروبها تستهلك أكثر مما تستحصل، لأن جيش الإنكشارية و هم مستندها في قوتها عراه الانحلال فغدت الوقعة التي كان يكتفى فيها بعشرة آلاف مقاتل تسوق إليها ثلاثين ألفا ثم يشغب و لا يعمل عملا. و لا عبرة بالعدد إذا كان المجموع أقرب إلى التفسخ، و معنويات المقاتلين إلى الضعف.

إن بعض الغوائل التي أصيبت بها المملكة و الشام من جملتها في هذا القرن و الذي قبله كانت بصنع جيش الإنكشارية و تمرده على رؤسائه، و بضعف‏

46

الزعماء و اختلافاتهم المتصلة مع الولاة في الخارج، و الوزراء و الملوك في دار الملك، فكان وضع السيف فيهم على عهد محمود الثاني، و صدور الأمر بقتلهم في الولايات مما نفس خناق الأمة. و إن كانت العقوبة التي نزلت بهم في الشام أخف، لأن بعضهم و فيهم الرؤساء كانوا من الأهلين، فلما نزل ما نزل بجماعتهم غيروا ألقابهم و بدلوا طرازهم و ثيابهم، و بعد أن تخلصت الدولة و الأمة منهم صعب على العثمانية في بضع سنين أن تصلح ما فسد في عشرات بل في مئات، و هل من سبيل إلى ارتجال جيش منظم إلا إذا ساد السلام أعواما طوالا، و انتشر العلم و تعلم القواد على الأقل، و كيف يتأتى ذلك و طالع الدولة الحرب على الدوام لا تفتأ متنقلة من أزمة إلى أزمة، و كانت في هذه الحقبة خرجت من حرب الوهابية في الحجاز و دخلت في حرب اليونان.

و لم يخطر ببال الدولة يوم قام محمد علي في مصر أن يتدرج بعد قتل المماليك في مراتب القوة و السيادة، حتى يقبض على زمام الأمر (1804 م) و ينظم قوتيه البرية و البحرية، و ينشط الزراعة و التجارة و تسمو به الهمة، أن لا يكتفي بما يملك بل ينزع إلى التوسع في فتوحه، لإيقانه أن الدولة و إن كانت في صدد إدخال الإصلاح على أوضاعها بفضل محمود الثاني سلطانها العاقل، لا تستطيع أن تلحق غبار مصر التي جرت على الأصول في تنظيم جيشها و إدارتها و سلطان العثمانيين على اتساع ولاياته و كثرة خيراتها، يتعذر عليه أن يقوم في مملكته بما قام به محمد علي في ولايته، لأن الإصلاح في الجسم الثقيل المختلف الأمراض، أصعب منه في جسم له مرض واحد، إذا عولج كان أقرب إلى الصحة و الاستمتاع بالسلامة.

كان الغرب في هذا القرن يسير إلى الارتقاء بخطى واسعة سريعة، و الدولة العثمانية تنظر إلى هذه المظاهر باهتة، و قلما يبدو لرجالها أن يتحدثوا في سر هذا الارتقاء و عواقبه عليهم و على جيرانهم، إن لم يجاروهم في هذا المضمار.

فأصبحت دولة بني عثمان لا تكفى عادية دولة من دول الغرب إلا إذا استعانت بأخرى عليها، و استفادت من تخالفهم و تباين أغراضهم، بعد أن كانت أيام شبابها تنال من دولها مجتمعات و منفردات. و لكن الجيش الذي يصل إلى أسوار فينا على عجلات البقر، و يقاتل المحاربين و المسالمين بالسيف و النشاب‏

47

غدا يحتاج إلى أسباب في النقل أسرع، و سلاح في الفتك أقطع، غدا يحتاج إلى علم و عدد، أكثر من احتياجه إلى أسماء ضخمة و عدد، و أصبحت السبياسة و الإدارة و الحرب علوما عملية، و الدربة و التنظيم رأس كل أمر، و الجيوش بنظامها و قيادتها و عددها و ذخيرتها و بالفكرة المتشبع بها أفرادها، فكيف تنجح بعد الآن دولة تعد الجهل من مظاهر القوة، و كيف لا تتجلى الفروق بين دولة جمدت و لم تعمل، و دول تحركت و نمت و ربت، و بين أمة فتحت أقطارا واسعة منذ قرون و بقيت طول حياتها الطويلة تصارع عناصرها و يصارعونها، و هي عنهم غريبة و هم عنها غرباء لم تتمثلهم و لم تتمثل فيهم كما فعل محمد علي فتمثل في مصر و المصريين.

لماذا تراجعت الدولة العثمانية:

نسب ميشو انحطاط الدولة العثمانية و إخفاقها في حكم الولايات التي افتتحتها إلى عدة أسباب أهمها الجهل و الجمود و الغرور قال: «و من حسن طالع النصرانية أنه لما فترت الهمة في الحروب الصليبية التي يراد بها حماية أوربا، أخذ الأتراك يضيعون شيئا من قوتهم العسكرية التي أخضعوا لسلطانها الشعوب النصرانية، فكان العثمانيون بادى‏ء بدء الأمة الوحيدة التي كان لها جيش دائم منظم تحت السلاح، و به أحرزت الدولة التفوق على الأمم التي تريد إخضاعها لسطوتها. و غدت أوربا في القرن السادس عشر، و لمعظم ممالكها جيوش يقاومون بها أعداءهم، و سرعان ما انتشر النظام و التربية العسكرية بين شعوب النصرانية. و أخذت المدفعية و البحرية تزيد كل يوم نظاما ورقيا في الغرب، على حين كان الأتراك يزهدون في التجارب التي وصلت إليها الجيوش البرية و البحرية، و لا يستفيدون بتاتا من العلوم التي انتشرت بين أعدائهم و جيرانهم، و يزاد على ذلك ما عبث بكيان الأتراك من الخرافات و قلة التسامح، فحال ذلك دون فتوحهم. كانوا إذا استولوا على ولاية يحاولون أن يحكموها بأنظمتهم، و يغرسوا فيها عاداتهم و عباداتهم، فاقتضى لهم من ثم أن يبدلوا وجه كل شي‏ء و يقضوا على حياة كل شي‏ء في‏

48

الأمصار التي ينزلونها، و أن يقضوا على أهلها أو يضعوهم بحيث لا يستطيعون أن يناجزوهم الشر، و يرفعوا رؤوسهم فيهم، و لذلك يلاحظ أن الأتراك استولوا مرارا على المجر، فكانوا يرحلون عنها بعد كل حملة يحملونها عليها، و لم يستطيعوا أن يؤسسوا فيها مستعمرة أو موطنا ثابتا، و هم في انتصار يتلوه انتصار. و الشعب العثماني الذي كفى لاحتلال ولايات مملكة الروم و استعبادها لم يكف لسكنى أقطار أبعد و الاحتفاظ بها، و بهذا نجت ألمانيا و إيطاليا من غارات الأتراك، و ربما استطاع العثمانيون أن يفتحوا العالم لو قدر لهم أن يخلّقوا الأقاليم التي ينزلونها بأخلاقهم و ينزلوا فيها كثيرا من أبنائهم.

قال: «من الأسباب الرئيسة التي أضعفت القوة الجندية في الأتراك، الحروب التي كانوا أعلنوها على أوربا و فارس. فقد صدهم جهادهم الفرس عن حملاتهم على النصارى، و جهادهم في النصارى أضر بنجاحهم في حروبهم في آسيا. و كانت طريقة الأتراك في حربهم الفرس و الشعوب النصرانية متباينة، فبعد أن قاتلوا زمنا مقاتلة ما وراء النهر و القفقاس، أصبحوا عاجزين عن قتال أوربا، فضعفوا عن قتال الفرس و عن قتال النصارى من أمم الغرب. و ظلوا بعدئذ بين عدوين تقريبا يهمهما زوالهم و يتحمسان بالحماسة الدينية. حمل الأتراك معهم مثل جميع البرابرة الذين أتوا من شمال آسيا نظام حكومة الإقطاعات، و كان أول عمل يأتيه أولئك الشعوب الرحالة تقسيم الأراضي بوضع بعض القيود و الشروط لمقتطعيها، و من هذا التقسيم نشأ نظام الإقطاعات.

و الفرق بين الأتراك و سائر البرابرة الذين فتحوا المغرب هو أن استبداد السلاطين المبني على الحسد و الغيرة لم يترك مجالا قط للإقطاعات أن تكون وراثية ليكون بجانبهم طبقة من الأشراف كما هو الحال في الحكومات الأوربية المطلقة، و هكذا لم تكن تشهد في المملكة العثمانية سوى سلطة رئيس مطلق إلى جانبها ديمقراطية عسكرية.

«شبهوا الأتراك بالرومان. و كانت بداءة هذين الشعبين واحدة، و ما أشبه أشياع روملوس بأتباع عثمان. و يتفاوت الشعبان في نظر التاريخ، ذلك لأن العثمانيين ظلوا كما كانوا في الأصل. أما الرومان أيام فتوحهم فلم يزهدوا في معارف من فتحوا ديارهم. و لم يستنكفوا من الأخذ بعاداتهم و معبوداتهم.

49

و لم يقتبس الأتراك من الأمم المغلوبة شيئا، و تشددوا في أن يظلوا على بربريتهم.

و لم تتأصل الأرستقراطية الوراثية في جانب الاستبداد المطلق، و ربما كان ذلك أحد الأسباب التي قضي بها على الأمة العثمانية أن تبقى في حالة الهمجية.

و كل من درسوا سير المجتمعات يدركون أن بالأرستقراطية تتهذب الأخلاق و تتثقف عادات الشعوب، و بالطبقة المتوسطة تنتشر المعارف و تبدأ المدنية.

«إن فقدان طبقة الأشراف أو العالية في الحكومات الشرقية لم يبين لنا سرعة انحلال هذه الحكومات فقط، بل إنه حلّ لنا معنى جمود الفكر الإنساني في هذا الضرب من الحكومات، و كيف لم يتقدم قيد غلوة. و ما كان في المساواة المطلقة، و من حكومة تغار من كل ما لا تكون هي منشأه و مصدره شي‏ء من المنافسة و القدوة و حب المجد، و بدون هذه الأسباب يقضى على كل مجتمع أن يبقى في الجهل الأعمى الذي كان عليه لأول أمره، و أن يفقد معظم مزاياه و مصالحه. و بالنظر لزهد الأتراك في العلوم و الآداب ظلت أعمال الصناعة و الزراعة و الملاحة في أيدي مواليهم و كانوا في الحقيقة أعداءهم، ذلك لأنهم كانوا يشمئزون من كل جديد، و من كل ما لم يحملوه معهم من آسيا، فاضطروا أن يلجأوا إلى الأجانب في كل ما اخترع و نظم في أوربا، و هكذا لم يكن لهم نقض و لا إبرام في مصادر سعادتهم و قوتهم، و في متانة جيوشهم و أساطيلهم.

و لا يخفى ما أضاعه الأتراك بونائهم عن السير في معارج الرقي العسكري الذي أصاب منه الأوربيون قسطا موفورا، و لما كان الشأن في حروبهم لجيوش متحمسة بالتعصب كانت الغلبة لهم، فلما جاء دور العلوم البشرية و ما أبرزته عقول الناس من المخترعات و المكتشفات، كان العقل المساعد هو المحد من الشجاعة.

«شبه بعضهم جيش الإنكشارية العثمانية بطوائف البرتوريان من الرومان، في حين كان هؤلاء منتخبين، و ما جرى على خاطر الأتراك قط أن يختاروا أميرهم سواء في ذلك شعوبهم و جيوشهم. و كانت مصلحة الإنكشارية تقضي أن يلقوا الاضطراب في المملكة لئلا يخلو لها الجو فتستفيد شيئا من الجديد.

أما الأتراك الذين توطنوا في يونان فكانوا يحترمون العادات القديمة أكثر من‏

50

غيرهم، كما يحترمون الأوهام و حب العمالات التي ينزلونها. و لما استولوا على مدينة الإستانة كانوا يوجهون أنظارهم على الدوام إلى المواطن التي أنشأتهم و تناسلوا فيها، فكانوا أشبه بسياح و فاتحين عابري سبيل في أوربا: من ورائهم قبور أجدادهم، و مهاد عبادتهم و كل ما يقدسونه و يحترمونه، و أمامهم شعوب يكرهونها، و أديان يريدون القضاء عليها، و أقطار يتراءى لهم أن الباري تعالى يلعنها. و أهم ما أخر الأتراك و قادهم إلى انحطاطهم، ذكرى مجد سالف، و إعجاب وطني لا تناسب بينه و بين ثروتهم و قوتهم، فكانوا يستهينون، و لهم القوة، بالأخطار التي تهددهم، فإذا كتب لهم النصر سكروا و قربوا القرابين و إذا غلبوا حملوا على رؤسائهم».

هذا رأي المؤرخ الفرنسي في العثمانيين و علة انحطاطهم و قال غيره و أغرق:

إن شأن الأتراك العثمانيين في الولايات التي يفتحونها إذا رحلوا عنها شأن جماعة من البدو نزلوا منزلا موقتا ضربوا خيامهم فيه، إذا ترحلوا عنه من الغد لا تشاهد بعدهم في الأرض التي نزلوها سوى آثار أطنابهم، و عمد خيامهم فقط.

حملة محمد علي على الشام و هزيمة الأتراك:

أظهر والي مصر محمد علي و هو بعض عمال الدولة العثمانية مثالا مجسما من التجدد في الممالك، و بدت أمارات قوته بعد أن قرض المماليك من مصر، فلم يسع الباب العالي إلا الاعتراف بسلطته و محاسنته، شأنه مع كل عامل أحرز قوة، على شرط أن يؤدي الجزية، و يعرف كيف يصانع رجال الدولة و سلطانهم. و كان محمد علي أسعد طالعا من سلطانه، لأنه لم يصطدم يوم قام بإصلاحه بما اصطدم به السلطان محمود في تطبيق الإصلاحات، رأى من المصريين قبولا لدعوته، و استعدادا للمدنية، و هو لم يقاوم الطبيعة كما قاومها الترك العثمانيون في السياسة التي استخدموها للقضاء على العناصر، بل استعرب و تمصر و ألف بطانته من كل من يخدم مصر بدون عصبية.

قام بما أراد في مملكته الصغيرة أحسن قيام، و فتح صدره لكل جديد،

51

بل فتحت مصر بفضله صدرها لذلك. بيد أن محمد علي لم يقف عند الحد الذي بلغه من الاستئثار بوادي النيل، و طمح إلى التوسع في الملك، شأن عظماء الفاتحين الطامعين في بسطة السلطان، و لكن أي البلاد يفتح؟ هل يتوسع في إفريقية؟ في صحراء ليبيا و صحراء النوبة و هي أصقاع لا توازي العناء. و ربما صدمته دول الاستعمار عن التوغل في شمالي إفريقية أو في أواسطها، أم يقصد الشام و هي مفتاح كل فتح، و فيها من العمران ما يوازي العناء في استصفائها، و بينها و بين سكان مصر من وجه الشبه ما لا ينكر محله، ثم لا يصعب عليه إذا خفقت عليها أعلامه، أن يتقدم إلى الأمام، و يملك من أرض العرب و الترك ما طاب له، و لا يعلم ما تحدثه الأيام.

بحث محمد علي عن وسيلة لذلك فلم يلبث طالعه السعيد أن خلق له سببا معقولا لفتح الشام، و ذلك أن بعض فلاحي الشرقية بمصر ضاقت نفوسهم من إعنات عماله بالجندية و الضرائب، فهاجروا إلى جهات غزة ملتجئين إلى والي عكا، و كان عددهم ستة آلاف، فطلب منه محمد علي إرجاعهم خوفا من كثرة عدد من يتبعهم إلى الشام، فامتنع الوالي من ذلك بدعوى أن القطرين تابعان لسلطان واحد، فاستشاط محمد علي غضبا خصوصا و هو الذي استرضى خاطر الدولة على والي عكا و كانت غضبت عليه، و دفع عنه ستين ألف كيس غرامة اقتضتها منه لترضى عنه، فاتخذ عزيز مصر من ذلك حجة لفتح الشام فأمر سنة 1247 ه بإعداد جيش للسفر إليها عن طريق العريش و طريق البحر في آن واحد، و ذلك لمحاصرة عكا من جهتين، و عين ولده إبراهيم باشا قائدا عاما للجيوش، و سليمان بك الفرنساوي قائم مقام له، و جنّد ستة ألايات من المشاة و أربعة من الفرسان، و معهم أربعون مدفعا و كثير من مدافع الحصار الضخمة، و ما يلزم ذلك من الأعتاد و المؤن. فوصل إبراهيم باشا مع الأسطول إلى يافا و فتحت له كما فتحت القدس و نابلس أبوابها، و كانت عكا أشهر مدن الشام بحصانتها و فيها خمسة آلاف مقاتل، فدام حصارها سبعة أشهر تحاصرها من البحر بوارج حربية مسلحة بالمدافع الكبيرة، و من البر ثلاثون ألف جندي، و بريطانيا العظمى متغاضية عنه طوعا أو كرها، إذ كان لمحمد علي من فرنسا نصير و ظهير، و ليست بريطانيا حرة مطلقة، في‏

52

البحر المتوسط لتضرب أسطول محمد علي منذ أقلع من الموانى‏ء المصرية إلى السواحل الشامية. قال المؤرخون: و لما كانت الجيوش المصرية تحاصر عبد اللّه باشا في عكا جاءه من نابلس ستمائة رجل و اخترقوا صفوف العسكر المصري و دخلوا عكا لمساعدة وزيرها شاهرين سلاحهم ضاربين من عارضهم.

و بعد فترة قليلة تمكنت الدولة من تجنيد عشرين ألف مقاتل بقيادة عثمان باشا والي حلب، فترك إبراهيم باشا قسما من الجيش على عكا، و التقى في ضواحي حمص مع القسم الآخر بالجيش العثماني الذي كان كأخلاط الزمر لا نظام له و لا دربة، و أبلى المصريون بلاء حسنا حتى أوصلوا العثمانيين إلى العاصي و غرق كثير منهم فيه، و اختفى عثمان باشا في حماة، ثم احتل إبراهيم باشا بعلبك و عاد إلى عكا و شدد الحصار عليها ففتحها بمعاونة العرب و الدروز و الموارنة الذين أتوه بأنفسهم طوعا بعد أن ظهر على الأتراك في أرض حمص، و أتاه الأمير بشير الشهابي إلى المعسكر يريد الدخول في طاعته. فتحت عكا بضرب المدافع ثلاث ثغرات من سورها و استمر القتال بالسلاح الأبيض فاستسلمت الحامية، و أخذ عبد اللّه باشا و اليها أسيرا و حمل إلى مصر مكرما، ثم فتح الأسطول المصري سواحل الشام كاللاذقية و طرابلس و بيروت و صيدا و صور. و بعد أن فتح إبراهيم باشا عكا قصد دمشق و معه الأمير بشير و أمراء حاصبيا و راشيا فجمع علي باشا والي المدينة عسكرا من الأكراد و أحداث البلد قدّر بعشرة آلاف، و كشف إبراهيم باشا بمنظاره خيول الأكراد و مقاتلة الدماشقة فوجه خيل الهنادي لمقاتلة الأكراد، و نبه على العسكر النظامي أن يقاتلوا الدمشقيين و لا يؤذوهم، بل يطلقون البنادق في الفضاء، فلما سمع الدمشقيون أصوات النار تهاربوا و قاتل الأكراد جهدهم حتى غلبوا، و في إثرهم خيل الهنادي تقتل من تلحقه منهم.

تقدير مؤرخين و شاعر لغلبة محمد علي:

يؤخذ مما قاله البيطار أن إبراهيم باشا قد ساعده الأمير بشير الشهابي و رؤساء جبل نابلس، لأن عبد اللّه باشا والي عكا كان حاصر قلعة صانور و هدمها