خطط الشام‏ - ج4

- محمد الكرد علي المزيد...
256 /
3

الجزء الرّابع‏

التاريخ المدني العلم و الأدب‏

ما يراد بالعلم و الأدب:

نريد بالعلم علم الدين و الدنيا، فالعالم بالحديث عالم، و العالم بالطب عالم، و العالم بالكلام عالم، و العالم بالهندسة عالم. و الكيمياء علم، و البيطرة علم، و التاريخ علم و الجدل علم، و شرف هذه العلوم بشرف مقاصدها، و أشرفها في نظر الإلهيين ما هذب النفس و أعدها للحياة الخالدة. و علوم الدنيا هي الوسيلة إلى تلك السعادة كما قال حجة الإسلام الغزالي: إن الفقيه معلم السلطان و مرشده إلى طريق سياسة الخلق و ضبطهم، لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا، و لعمري إنه متعلق أيضا بالدين و لكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا. فإن الدنيا مزرعة الآخرة و لا يتم الدين إلا بالدنيا.

كان البشر قبل ظهور الأديان المشهورة يستخدمون علوم الدنيا للدنيا، و كانت بسائط على حالة ابتدائية بالطبع، و يعكفون من جهة أخرى على تماثيلهم و أربابهم و معابدهم يجوّدون صنعها، و يمجدونها و يتغنون بمدحها، فلما جاءت الأديان المعروفة تغير الشكل بصورة أخرى، و بقيت العناية بالعلوم تختلف باختلاف الأصقاع و الدول. أما الأدب فالذي كانت العرب تعرفه هو ما يحسن الأخلاق و يدعو إلى المكارم. و اصطلح الناس بعد الإسلام بمدة طويلة على تسمية العالم بالشعر أديبا و علوم العربية أدبا. و المراد بالإسلام كما قال‏

4

النووي من حين انتشر و شاع في الناس و ذلك قبل الهجرة النبوية بنحو ست سنين.

للأهوية و الأهواء تأثير في العلم، و العلوم ربيبة الأرض المعتدلة أو الباردة أكثر من الحارة و الوبيئة، لأن أهل هذه قصيرة آمالهم في الحياة، محدودة مطالبهم، فاترة هممهم، مثلوم حدهم، متداعية صحتهم. و من صرف وكده أيضا إلى الأهواء المذهبية ضعف سلطان العلم فيه، لتوزع قواه، و انصراف رغبته عن الفانية إلى الباقية، و اشتغال ذهنه بأمور لا يتسع لغيرها في الأغلب.

و كلما توغلت أمة في مضمار المدنية نظرت إلى علوم الدين و علوم الدنيا نظرة واحدة، و شرّفت ما تشتد حاجتها إليه منها، و أقبلت بكليتها على المشتغلين بها. فقد رأينا جامعات اوربا في القرون الوسطى تنشأ لغرض الدين على الأكثر، فلما عظمت مطالب البشر، و أخذت المدنية تسير سيرها، أصبحت العلوم الدينية في جامعاتهم تقرأ كما يقرأ التاريخ و الأدب و الطبيعة، لا فضل لديني لاهوتي على طبيعي رياضي، إلا بالأثر الناتج عن درسه و بحثه، هذا إن لم يرجحوا في عرفهم العالم الثاني. و بينا نجد تماثيل العلماء بالمئات في شوارع الغربيين و ساحاتهم و متاحفهم و دور العلم و الصناعات عندهم، لا نشهد من علماء الدين إلا نفرا قليلا أقيمت لهم التماثيل داخل البيع و الكنائس فقط.

كان الاقتصار على العلم الديني في الصدر الأول للإسلام، ثم تسربت العلوم الدنيوية بسرعة، و رأى علماء الأمة أنها نافعة لقوام الدين و الدنيا، و بذلك أقنعوا العامة و من فوق درجتهم، فأقبل الناس عليها، و كانت العناية أولا بعلوم القرآن و السنة، ثم أقبل الناس على الفقه لأن حالة الزمن اقتضت الإقبال عليه لتعدد الخصومات بين الناس و اتساع المملكة الإسلامية و ما حدث فيها من المشاكل و العضل، ثم أقبلوا على علم الكلام، لما رأوا الحاجة الماسة إليه خصوصا و قد دخلت فلسفة القدماء و صادفت لها أنصارا و عشاقا، ثم مالوا إلى المناظرة في الفقه و بيان الأولى من مذاهب الشافعي و أبي حنيفة، ثم كثرت العلوم بين العرب في المدن و ضعفت و ضعف سندها في القرن العاشر للهجرة، إلى أن أخذت تتطور تطورا جديدا أواخر القرن الثالث عشر و أوائل هذا القرن على ما سيجي‏ء.

5

و أهم العوامل في اضمحلال العلم في ديار الإسلام زهد الملوك و الأمراء فيها و اشتغال الناس بالفتن و الغوائل. و مذ أخذ العلماء يتعلمون علوم الدين للجاه و المال، ضعفت علوم الدين و الدنيا معا. و أصبح السلطان للممخرقين و المعطلين و المتهوسين بمسائل الكشف و الولاية من علماء الرسم، و ليس الغرض من العلوم كما قال ابن ساعد الاكتساب بل الاطلاع على الحقائق، و تهذيب الأخلاق، على أن من تعلم علما للاحتراف لم يأت عالما و إنما يجي‏ء شبيها بالعلماء. و لقد كوشف علماء ما وراء النهر بهذا الأمر، و نطقوا به لما بلغهم بناء المدارس ببغداد، فأقاموا للعلم مأتما، و قالوا كان يشتغل به أرباب الهمم العلية و الأنفس الزكية الذين يقصدون العلم لشرفه و الكمال به، فيأتون علماء ينتفع بهم و بعلمهم، و إذا صار عليه أجرة تدانى إليه الأخساء و أرباب الكسل، فيكون ذلك سببا لارتفاعه، و من هنا هجرت علوم الحكمة و إن كانت شريفة لذاتها.

إن الذين يولعون بالعلم للعلم في هذا العالم قلائل جدا، و لكنهم يكونون على الأكثر ممن نسميهم أو أكثرهم بأهل النبوغ و العبقرية، يتفانون في مقصدهم و يأتون بالجديد يبدعون و يبرّزون على من اتخذوا العلم آلة للمظاهر و عنوانا للتصدر، و هم هم الذين يذهبون بفضل الشهرة في الأرض، و تبقى أعمالهم شاهدة لهم بعد موتهم أحقابا و دهورا، و من هذا الفريق أنجبت الشام قديما و حديثا جماعة افتخرت بهم، و عدّوا بأعمالهم بالقياس إلى حال هذا القطر و إلى مجموع علماء الأمة كتلة صالحة أثرت تأثيرا محمودا في العلم و المدنية، و قد عرفنا تراجم أكثر رجال العهد العربي لقربه منا، و لا طراد التدوين في العرب في أغلب العصور على طريقة حسنة في الجملة، فوقفنا بها على منازعهم و أعمالهم. و غابت عنا تراجم كثير من المهندسين و النقاشين و المصورين و الموسيقيين لأن القوم على ما يظهر يحسبون هذا الصنف النافع من الناس من أهل الصناعات فقط لا من أهل العلم. كأن العلم كله على اختلاف ضروبه ليس صناعة من الصناعات. و قد اصطلح المتأخرون على أن المراد بالعلم إذا أطلق يقصد منه العلم الديني. و من الغريب أن بعض المتأخرين ممن دوّنوا تراجم أهل عصورهم حرصوا على تراجم المجاذيب و الممخرقين و لم يذكروا مثلا تراجم أهل تلك‏

6

الأيام من المقدرّين و البنائين و غيرهم ممن خلدوا بأعمالهم مدنية أعصارهم.

لم يتسلسل العلم قرونا طويلة في الشام تبعا لتغير الدول و انصراف الهمم «و العلم مذ كان محتاج إلى العلم» ذلك لأن الشام كان في جميع أدواره ممرا للفاتحين يطمع فيه جيرانه، بل البعيدون عنه لتوسطه بين برّ آسيا و إفريقية و أوربا. و القدر الذي عرفناه من رسوخ العلم في ديارنا كاف و لا شك في إنشاء مدنية صالحة خصوصا إذا دعمها ما كان ينهال عليها من علوم أهل العراق و الجزيرة و مصر و الأندلس و فارس و غيرها. و كأن الشرق مني بالتساهل و الإهمال، و عدم التسلسل في الفكر و الاطراد في العمل، فكان مظهر الحياة الفردية في الأعم الأغلب من حالاته، و على العكس في الغرب فإنه كان و لا يزال مثال الحياة الاجتماعية و التعصب للفكر و الاستماتة فيه، و التسلسل في الأفكار.

و لقد رأينا الغرب في قرونه الوسطى قبيل عهد النهضة يشتد في إرهاق الأفكار الحرة، و ديوان التفتيش الديني يحرق الأنفس البشرية بالعشرات للقضاء على الفلسفة و التجدد، بيد أن الغرب كان إذا هلك فيه رجل بطريق الإلحاد و الخروج عن مألوف القوم، يقوم غيره من أخلافه في الحال يتناول ما بدأ به سلفه، ناسيا أن الهلاك يحل به إذا اشتهر أمره. و رأينا في هذا الشرق القريب أناسا ينزعون إلى التجديد و الإبداع كان نصيبهم من الحياة ضرب أعناقهم، أو إدخال الرعب على قلوبهم حتى قضوا أعمارهم في خمول و تقية، و كان نصيب الأمة العربية أن يقل فيها جدا ظهور من يخلفهم في دعوتهم، و قد يأتي العصر و العصران و لا يظهر فيهما نابغة يذكر و عالم مبدع، و جاء زمن و هو ليس ببعيد، و قد أصبح الناس ينكرون البديهيات في العلم، و يحرمون ما حلل اللّه من ضروبه النافعة، فغارت ينابيعه من أرضنا و فاضت في الغرب و زادت مع الأيام فيضانا، و قويت تقية العلماء و دخل في غمارهم الجاهلون فسقطت هيبة العلم. و كان من نتائج عمل الغربيين تلك الحضارة الحديثة المدهشة و من تفاشلنا و تجاهلنا هذا الانحطاط المحسوس و إضاعة مدنية الأجداد.

العلم ابن الحرية، و الأدب ربيب التسامح، و قد شاهدنا أجدادنا في هذه الديار المثال الصالح في هذا الباب على اختلاف العصور و المذاهب، و كان‏

7

العرب في أدوارهم المختلفة يمثلون أجمل صورة من هذا القبيل. فإن كانت أنطاكية و بيروت قبل الإسلام عاصمتي الحكمة و الأدب و الشرائع، فقد امتازت بعدهما حلب و المعرة و طرابلس و دمشق و حمص بهذه الخصائص.

و العلم بضاعة ثمينة لا تروج الرواج المطلوب إلا في ظل السلام و صلاح السلطان.

هذا شأن العلم، أما الأدب و هو منظوم الكلام و منثوره و الخطب و الرسائل فيتصرف أيضا على هذا المثال، و به أدركنا بعض الحالة الاجتماعية و الروحية التي كانت عليها تلك الأعصر، و رأينا فيه تبدلا محسوسا في القرون التالية، فكانت الآداب في الشام في القرن الأول غيرها في القرن الثاني و الثالث، و قد استحكمت أسباب الحضارة و عم الترف، و نقلت علوم الأوائل و راجت سوق الشعر في الرابع و الخامس في الشمال، و ما لبثت في أواخر هذا القرن أن عراها الكساد قليلا، ثم هبت إلى الحياة بعض الشي‏ء في السادس و السابع تبعا للحالة السياسية التي كان عليها القطر زمن الحروب الصليبية، و لم ينشأ في الشام خلال القرنين الثامن و التاسع شاعر يجوز عدّه في مصاف المفلقين على مثال شعراء القرن الثالث و الرابع، أما في القرون الأربعة التالية فضعفت حالة الشعر أكثر من ذلك بما لا يقدر، و أصبح نظما لا شعرا فقد من أكثر ما نقل من الشعر الروح و بقي جسما له من الشعر قوافيه و أوزانه، يطرس فيه المتأخر على مثال المتقدم و تتأثر أنفاس الابن بأنفاس أبيه و جده.

إن حكمنا على المنظوم يسوغ أن نورده في المنثور، كان الإنشاء في القرنين الأولين للإسلام يسير مع الطبع غالبا و نبغ في الشام أفراد كعبد الحميد بن يحيى الذي وضع أساس الكتابة المرسلة، و رأينا عمر بن عبد العزيز يكتب الكتاب في الإدارة أو السياسة أو القضاء أو في أمر مهم من أمور الدولة في سطرين أو ثلاثة ليس فيه شي‏ء من الكلفة بتة بل هو آية الفصاحة و البلاغة، و هكذا معظم آل بيته من بني أمية و بني مروان، و من نشأ في دولتهم أمثال الحجاج بن يوسف الثقفي و زياد بن أبيه و عتبة بن أبي سفيان و شهدنا التكلف باديا في كتابة القرون التالية التي انتقلت فيها صناعة الكتابة إلى بغداد أو القاهرة و ضعف أمرها في الشام. و كان الشام يتبع العراق تارة و مصر تارة أخرى، حتى إذا كان القرن السادس، و نبغ في الدولة الصلاحية القاضي الفاضل‏

8

بطريقته المستملحة في الكتابة المسجعة على الأغلب، و حذا حذوه العماد الكاتب ثم ضياء الدين ابن الأثير صاحب المثل السائر و غيرهما من كتاب الدولة أخذت تضيق حلقة الكتابة و هي احتذاء مثال المجودين من القدماء لحصرها في قيود الجناس و البديع و الأسجاع فجمدت القرائح و قل المبرزون فيها المجيدون لصناعتها، فما بالك بالإنشاء الذي هو ابتكار المعاني و الإبداع في القوالب.

و إذا استطعنا أن نعد عشرة كتاب في القرن الواحد لا نقوى على عدّ منشئ واحد فيه. و حكمنا هذا مبنيّ على ما قرأناه فيما خلفه السلف في هذه الديار من الكتب و الآثار المبعثرة في بطون الدفاتر، و ربما كان في المفقود الذي لم يصلنا من هذا النوع ما يؤهلنا لو ظفرنا به، أن نصدر حكما أصح من هذا على فنون الإنشاء و الكتابة و الشعر و النظم، و الإنشاء من الكتابة كالشعر من النظم.

و لو لم ينبغ في الكتابة من المؤلفين أمثال القفطي و ياقوت و ابن أبي أصيبعة و ابن العديم ثم الصفدي و ابن فضل اللّه و المقريزي و الشهاب الحلبي و أمثالهم في القرنين السابع و الثامن لقلنا إن الانحطاط في الكتابة بدأ في الشام منذ القرن السادس، بيد أنها أصبحت في الحقيقة سجعا كسجع الكهان بظهور ابن عربشاه الدمشقي و ابن حجة الحموي و أمثالهما في القرن التاسع، أما في القرن العاشر و ما بعده فإن الكتابة كالشعر كانت إلى التكلف و السجع غالبا، و من أفلت من المؤلفين من قيود التكلف، و نجا من الترصيع و التسجيع، جاء كلامه مقبولا في الجملة و قليل ما هم.

بقيت الكتابة و الشعر ترسفان في قيودهما القديمة إلى أوائل القرن الرابع عشر أيام نشأ للأمة في مصر بضعة شعراء و منشئين أدخلوا الآداب في طور جديد و نزعوا عنها ثيابها البالية، و ألبسوها حلة قشيبة، فقام من المنشئين أمثال محمد عبده و إبرإهيم المويلحي ثم المنفلوطي و طه حسين و العقاد و أضرابهم.

و من الشعراء محمود سامي و إسماعيل صبري ثم حافظ إبراهيم و أحمد شوقي و تلك الحلبة، و انتشرت كتاباتهم و قصائدهم في العالم العربي و منها اقتبس شعراء الشام و كتابه و بطريقتهم اقتدوا و غيروا أسلوبهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون. و ما أسلوبهم إلا الجمع بين متانة القدماء ورقة المحدثين،

9

و أصبح لهذا العصر طراز خاص عرف به لم يكن له منذ عرف تاريخ الأدب العربي أي منذ زهاء خمسة عشر قرنا. و كان للصحف و المجلات و لانتشار الآداب الانكليزية و الفرنسية و التركية و غيرها تأثير كبير في هذا الانقلاب الأدبي في ديارنا، و المبرزون فيه ما زالوا قلائل جدا، و يرجى أن لا يمضي عقدان أو ثلاثة من السنين حتى تكون الشام أخت مصر في هذا الشأن مع مراعاة النسبة بين حالة القطرين السياسية، و النظر إلى وفرة السكان و الغنى، و توفر أسباب التعليم العربي في القطر المصري.

العلم و الأدب عند أقدم شعوب الشام:

صمت تاريخ العلم في هذه الديار عن ذكر الرجال الذين اشتهروا مثلا على عهد الحثيين و من كان قبلهم من القبائل التي نزلت الشام، و خلفت فيها آثارا في العمران لا تقوم بغير العلم، و لم ينقل إلا أسماء قليلة اشتغل أربابها بالعلم الديني و الدنيوي على عهد بعض الدول الخالفة، و لا سيما الكلدان و العبران و الرومان و اليونان، و لو لا بعض عاديات أثرت عن الأمم التي تأصل حكمها في بعض أرجاء القطر، و أخبار نقلتها التواريخ الصحيحة لقلنا إن أكثرهم كانوا أمما بدوية على الفطرة. و أهم ما أثر عن الفينيقيين مما ساعد العلم بالنسبة لعصورهم اختراعهم حروف الكتابة، بل تحسين أصولها و جعلها مطابقة للأصوات، و نقلهم لها إلى الأمم التي أبحروا و اتجروا معها، و عنهم أخذتها أمم الحضارة الحديثة النازلة على شواطى‏ء البحر المتوسط و ما إليها. و هذا الاختراع أهم ما عرف في القديم كما كانت الطباعة في القرون الحديثة أهم اختراعاتها في نظر العلم. قال بورتر: لا يستحق الذكر من علوم الفينيقيين سوى علم الكتابة بحروف هجائية، و ليس هم أول من استعملوا الكتابة لأنا علمنا من الآثار أنها كانت عند المصريين و الكلدانيين قبل عهدهم، غير أن كتابتهم لم تكن بحروف وفق الأصوات البشرية الأصلية كالحروف الهجائية التي استنبطها الفينيقيون و اعتبروا بها كل الاعتبار لأنهم أتقنوا الكتابة و نشروها بين أكثر الأمم المتمدنة لاتساع تجارتهم، فإن الحروف الهجائية في لغات أوربا و غربي آسيا و شمالي إفريقية مشتقة من حروفهم.

10

و أخبار العلم قبل الإسلام في الشام ضئيلة و منها يستدل بعض الاستدلال على مكانة العقل فيه و سلامة أذواق بنيه. و كان النور يسطع بين أهل هذا القطر على حالة متقطعة لا مطردة، و يخرج العلماء و الفلاسفة فرادى، انتقلت إلينا أسماء بعضهم ممن كانوا يعملون برأسهم أو يعملون مجتمعين مع أقرانهم في ظل الحكومات مثل يوسيفوس المؤرخ اليهودي في سنة 100 م و له عدة تواريخ و قد صار واليا على الجليل، و كتب بالسريانية ثم ترجمت كتاباته باليونانية، و منهم يوستوس الطبراني اليهودي المؤرخ و فيلون اليهودي الجبلي و فيلودومر الابيكوري من جدر و تيودور الخطيب من عسقلان و أقليدس المهندس النجار الفيلسوف الرياضي الذي نبغ في صور، كما نبغ فيها فرفوريوس الفيلسوف، و كان بعد زمن جالينوس، و نبغ في العلم بولودر المهندس الدمشقي الذي أقام عمود تراجان في رومية و بنى جسرا على نهر الطونة (الدانوب) و جاء في رفنية ارسطيفس الرفني و فلسفته هي الفلسفة الأولى قبل أن تتحقق الفلسفة، و ثاوذوسيوس الفلكي كان في القرن الأول قبل المسيح في مدينة طرابلس، و ممن نشأ في اللاذقية نيقولاوس صاحب جوامع الفلسفة و توفلس صاحب الحجج في قدم العالم.

و اشتهر في هذه القرون الأولى هرمپوس البيروتي تلميذ فيلون المؤرخ الفينيقي في فنون الأدب، و طوروس البيروتي في الحكمة، و لوپركوس البيروتي في اللغويات و الفلسفيات، و مناسياس البيروتي في الخطابة، و اشتهر في الآداب مرقس كالريوس پروبس البيروتي، و في الجغرافيا مارينوس الصوري، و كان معاصرا لبطليموس القلوذي في القرن الثاني للمسيح. و كانت أنطاكية على عهد خلفاء الإسكندر اوسلوقس نيقاتور و من جاء بعده مباءة أدب و حكمة، و نبغ فيها من الشعراء و رجال الدين و الأدب و الخطابة على عهد انتشار النصرانية رجال عظام مثل القديس يوحنا فم الذهب اليوناني، و القديس لوقا، و الشاعر ارستياس. و كما كانت أنطاكية دار حكمة و علم، كانت بيروت تدعى مرضعة الحكمة على عهد الرومان، و كانت فيها مدرسة الفقه التي أسسها على الغالب بعض أباطرة الرومان من الشاميين- و قد نشأ من حمص و بصرى أباطرة لبسوا تاج المملكة الرومانية و حكموها- و كانت اللغة اللاتينية لسان‏

11

العلم في تلك المدرسة، و يدرس فيها الفقه و الآداب و اللغة يقصدها الطلاب من جميع أنحاء المملكة حتى من روم القسطنطينية و من أبناء العرب، و قد تخرج بأساتذتها أناس تأفقت شهرتهم في الأدب و الشريعة، و كان قضاة الرومان من خريجيها مدة أربعة قرون، و كان اثنان من تلامذتها من جملة أعضاء المجمع الذي ألفه الامبراطور يوستنيانوس لتدوين الفقه و قيل ثلاثة و هم اودكسيوس و اناطوليوس و دوروتاوس، و من أساتذتها اميل بابنيان من بيروت و كان من أشهر فقهاء الرومان، عد من جملة الفقهاء الخمسة الذين تنزل أقوالهم منزلة شريعة، و إذا تعارضت أقوالهم فالعمل بقوله، و منهم اولبيان و هو من المشهورين من فقهاء الرومانيين ذهب بعضهم إلى أن مولده في بيروت و غيرهم إلى أنه في صور، و منهم يوليوس بولس الحمصي و هو مشهور في الفقهاء الرومان، و منهم مكسيموس الصوري و هو فيلسوف أفلاطوني، و منهم لوسيان السميساطي كان نقاشا فقيها فيلسوفا بليغا، و منهم اسباسيوس الجبيلي الخطيب المؤرخ، و لنجينوس صاحب زينب ملكة تدمر الذي جلبته كما جلبت بولس دي ساموزات أسقف أنطاكية لينشر العلم في أرجاء مملكتها.

و ممن كان في تدمر و في أرجاء الشام على ذاك العهد كيّكلراتيس الصوري و عالم المؤرخين پوسانياس الدمشقي و نيكوماخوس المؤرخ. و ممن أفضلت عليه زينب صاحبة تدمر و كانت تعرف التدمرية و المصرية و اليونانية و اللاتينية و العربية على الأرجح و أسماء أولادها عربية- كاسيوس و يونيسيوس و أوريجانس فيلسوف قيسارية. و من علماء بيروت الأقدمين هرمبوس له تآليف عديدة و سيلير الفيلسوف و مناسيا ألف كتابا في البيان و الفيلسوف الأفلاطوني طورس و الطبيب اسطرابون و ساويرس بطريرك اليعاقبة و هذا كان في القرن الخامس للميلاد. و كثر في القرن الثالث للميلاد الكتاب و أرباب القرائح و أهل العلم و الحصافة و الحكمة، و ممن نشأ من الأدباء و الفلاسفة لوسين و جامبلتوس و بلوتين.

قال سنيوبوس: حفظت في مدارس الروم في دمشق و الإسكندرية علوم الروم من فلك و جغرافيا و رياضيات و طب فجمع علماء الامبراطورية البيزنطية رومهم و عربهم و فرسهم هذه العلوم و أكملوها و نشروها.

12

مواطن العلم في القطر قديما:

كان العلم يدرس في تلك الأحقاب في أربع مدارس و هي القسطنطينية و الإسكندرية و رومية و بيروت، و قد أنشأ الرومان مدرسة في قيسارية، و أخرى في آثينة، و كان لصيدا على ذلك العهد مدرسة حكمة ذات شأن، و لكن دون مكانة مدرسة جارتها بيروت. و قد ألغى يوستنيانوس مدارس قيسارية و آثينة و الإسكندرية، و أبقى مدارس رومية و القسطنطينية و بيروت و لقب بيروت بأم العلوم و ظئر الشرائع. و أعفى ديوقليسيانوس قيصر الفقراء المتخرجين في مدرسة بيروت من الرسوم تنشيطا لهم. و قد خربت مدرسة بيروت قبل الإسلام بالزلازل التي تواترت على الثغر في القرن السادس للميلاد ثم حريق سنة 560 م الذي التهم بيروت و مساكنها و معاهدها.

و كان في غزة مدرسة قديمة تفاخر بمشاهير علماء البيان فيها و كان فصحاؤها على العهد اليوناني المرجع الأول في الفصاحة و البلاغة، و كان في قيسارية في القرن الثالث للمسيح مدرسة علمية يعلم فيها أوريجين أحد رجال الكنيسة و تخرج منها الأسقف أوزيب أبو التاريخ الكنسي و قيل: إنه كان في أريحا مدرسة أسسها ايليا.

قال استرابون الجغرافي اليوناني من أهل القرن الأول قبل الميلاد: لم يبق في صور و صيدا فينيقيون يضربون في الآفاق للتجارة، بل كان فيهما كثير من أصحاب علم الهيئة و العلوم الرياضية و الخطباء و الفلاسفة، و مدارس تقتبس فيها كل العلوم البشرية، و قد أنشأت صيدا في أيامنا كثيرا من الفلاسفة منهم بواتيوس تلميذنا و ديودوت أبوه، و نشأ في صور انتيباتر و قبله أبولون، و كان في أيامنا فيلسوف اسمه بوسيدونيوس كان شيشرون يسمع خطبه.

و كانت اللغة اللاتينية ثم اللغة اليونانية لغة العلم في هذه الأحقاب، و لم يكن السريان السكان الأصليون دون الرومانيين و اليونانيين في تخريج الرجال، و لا سيما في عهد النصرانية. فقد هبت في المئة الرابعة للميلاد اللغة الآرامية السريانية بحلب و جوارها من رقدتها، فسار في طليعة أهلها كيرتونا الشاعر الكبير، نشأ في حلب أو في صقعها و درس الآداب السريانية في مدرسة الرّها،

13

و هي إحدى المدارس العالية في العالم السرياني، و نشأ منهم سمعان العمودي و بالاي و القديس إسحاق الأنطاكي، و من فحول شعراء السريان، اخسنايا المنبجي أحد غلاة المنوفسية (الطبيعة الواحدة) و يوحنا بن افتون القنسريني شيد ديرا على ساحل الفرات عرف بدير قنسرين، و كان جامعة للآداب و المعارف الآرامية عصرا طويلا مات سنة 538 و توما الحرقلي نشأ في دير ترعيل قرب حلب و تلقى العلم في قنسرين و قد ترجم الأناجيل و غيرها من الأسفار المقدسة من اليونانية إلى السريانية.

و من المدارس التي أنشأها السريان في غير أرض الشام، و لكنها خرّجت للشاميين رجالا أيضا، و سرى من علومها على هذا القطر نسمات مباركات، مدرسة حران، و قد أخذت الشام و لا سيما شماليها منذ القرن الخامس تغص بالمدارس و الأديار حيث تدرس الآداب السريانية، و يتنافسون مع المدارس العالية الأخرى في ديار السريان، و كانت حران بمثابة آثينة العالم الآرامي، كما انبعثت من مدرسة نصيبين في ديار مضر في القرن الرابع شعلة الآداب الكلدانية الآرامية. و في تاريخ كلدو و أثور أن مدرسة نصيبين كانت أول مدرسة في الشرق، أزهرت في القرن الخامس و السادس و السابع و بلغت عزها و مجدها، و اشتهرت مدرسة نصيبين أكثر من مدرسة اورهاي اشتهار مدرسة المدائن و غيرها، و كان صيتها في فارس و الروم و إيطاليا و افريقية، و هي أول كلية لاهوتية بل أول جامعة درّس فيها علم الإلهيات، و ظهر منها علماء كفاة كتبوا في الفنون و لا سيما في الإلهيات. و اشتهر اليعاقبة كالنساطرة في العلم و التأليف. و النسطوريون أكثر عددا، و اليعاقبة أكثر مادة. و كان يرشح من علوم هؤلاء الأشوريين على الشام شي‏ء كثير للاشتراك في اللغة و الدين إذ ذاك.

هذا بعض ما انتهى إلينا من أخبار العلم و نوابغه في الشام من الفينيقيين و السريانيين و الرومانيين و البيزنطيين و ما زالت بعض آثارهم و أخبارهم شاهدة بفضلهم، و أنهم ليسوا دون من خلفهم في أمور كثيرة، مما اهتدى إليه العقل البشري، فإن حرمنا كتبهم لأن الكتابة كانت على حالة ابتدائية فلم نحرم كتابات لهم مزبورة على بعض الأحجار، دونوا فيها أعمالهم‏

14

الحربية و مآثرهم العلمية، لا جرم أن من ينشى‏ء هذه المصانع و ينزل فيها لا بد أن يكون على جانب من الغنى، و هذا لا يزكو إلا بالعلم المختلف الضروب و في ظل حضارة بديعة.

ما حمل العرب من العلم إلى الشام:

تاريخ العلم في العرب من أغرب ما سمع في تاريخ البشر، كانوا أول ظهورهم نصف متمدنين يكثر فيهم الأميون و يقل من يكتب فيهم حتى في أهل الطبقة الأولى، و يعد فيهم من الممتازين من يحسن الكتابة، خرجوا فجأة من ظلمات الجهل إلى أنوار العلم، و من ضيق البداوة إلى متسع المدنية. و لما جاء الإسلام لم يكونوا مولعين بغير الشعر و الخطب، لا يعرفون غير الفصاحة و البلاغة، و هما في نظرهم جماع كل العلوم، ينقلون أنسابهم و أخبارهم في الصدور، و علومهم في الطب و النجوم عبارة عن تجارب شخصية أو تقليدية، و لم يكن التدوين يعهد عندهم، و كانت حدثت هذه الكتابة بالخط العربي قبل الإسلام بقليل نقلها إلى الحجاز حرب بن أمية، و كان قدم الحيرة فعاد إلى مكة بهذه الكتابة. أخذت الكتابة من واضعها مرامر بن مرة. و أول من علم بمكة الكتابة عبد اللّه بن سعيد بن العاص بن أمية أمره الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) أن يعلم الكتاب بالمدينة، و كان ممن أسر ببدر و لا مال له، فقبل منه أن يعلم عشرة من غلمان الأنصار الكتابة و يخلي سبيله، فيومئذ تعلم الكتابة زيد بن ثابت.

و لما فتحت الشام و كانت أشبه بنصف عربية بمن حكمها من الغسانيين في الجنوب و الوسط و التنوخيين في الشمال من عمال الروم و من كان ينزلها من القبائل و البطون العربية في أرجاء تدمر و الفرات و غزة و سينا، كان الشعر مما يفاخرون به، و إذا نشأ فيهم شاعر رفعوا من شأنه و اعتمدوا على قريحته في الشدائد. و كان جبلة بن الأيهم من ملوك الغسانيين شاعرا مجيدا يعجب بالشعر و يجيز عليه و هو ممدوح حسان بن ثابت و من أهل بيته فصحاء لا يستهان بهم.

جاء الشام في الجاهلية كثير من شعراء جزيرة العرب و كأنهم كانوا ينزلون على أهل جيلهم و قبيلهم، و منهم امرؤ القيس و قد ذكر في شعره بعض أرجاء

15

الشام. و كذلك حسان بن ثابت ذكر أرض الغساسنة و منازلهم. و أقام المتلمس المتوفى سنة 580 م في حوران عند الغساسنة إلى وفاته.

جمع القرآن و نشره في الشام:

جمع القرآن على عهد رسول اللّه (عليه الصلاة و السلام) على ما روى ابن سعد أبيّ بن كعب و معاذ بن جبل و أبو الدرداء و زيد بن ثابت و سعد بن عبيد و أبو زيد ثابت. و كان مجمّع بن جارية قد جمع القرآن إلّا سورتين أو ثلاثا. و كان ابن مسعود قد أخذ بضعا و تسعين سورة و تعلم بقية القرآن من مجمّع. قال و كان بقي على مجمع بن جارية سورة أو سورتان حين قبض النبي و في رواية أن من جمّاع القرآن عدا من ذكروا، علي بن أبي طالب و عبيد بن معاوية.

و قال محمد بن كعب القرظي: جمع القرآن في زمن النبي صلى اللّه و سلم خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل و عبادة بن الصامت و أبيّ بن كعب و ابو أيوب و أبو الدرداء فلما كان زمن عمر بن الخطاب كتب إليه يزيد بن أبي سفيان: إن أهل الشام قد كثروا و ربلوا و ملأوا المدائن، و احتاجوا إلى من يعلمهم القرآن و يفقههم، فأعنّي يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم. فدعا عمر أولئك الخمسة فقال لهم: إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلمهم القرآن و يفقههم في الدين، فأعينوني رحمكم اللّه بثلاثة منكم، إن أجبتم فاستهموا، و إن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنا لنتساهم. هذا شيخ كبير لأبي أيوب، و أما هذا فسقيم لأبيّ بن كعب. فخرج معاذ و عبادة و أبو الدرداء.

فقال عمر: ابدأوا بحمص فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة منهم من يلقن، فإذا رأيتم ذلك فوجّهوا إليه طائفة من الناس، فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد، و ليخرج واحد إلى دمشق و الآخر إلى فلسطين. و قدموا حمص فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة، و خرج أبو الدرداء إلى دمشق، و معاذ إلى فلسطين. و أما معاذ فمات عام طاعون عمواس، و أما عبادة فصار بعد إلى فلسطين فمات بها، و أما أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتى مات.

و هذه أول بعثة علمية حجازية أتت الشام لتعلم أهلها و تثقفهم. و يرجع الفضل الأول في اقتراح إنفاذها لأحد أبناء أبي سفيان النجباء كما كان أبو سفيان‏

16

و أبو حرب نقلا الخط العربي إلى الحجاز، و الشام مدينة لأمية في أمور كثيرة لاشتراكها في خدمة الحضارة اشتراكا عمليا.

قال زيد بن ثابت: أرسلت إلى أبي بكر فأتيته فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال لي إن القتل قد استحرّ بالقراء يوم اليمامة و إني أخشى أن يستحر القتل في القراء في المواطن كلها فيذهب كثير من القرآن، فأرى أن يجمع القرآن بحال فقلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه؟ فقال عمر: هو و اللّه خير فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتى شرح اللّه له صدري و رأيت ذلك الذي رآه عمر. قال زيد بن ثابت: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك. قد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه فتتبّع القرآن و اجمعه، قال زيد: فو اللّه لنقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ من الذي أمرني به من جمع القرآن، أجمع من الرقاع و اللخاف‏ (1) و العسب‏ (2) و صدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره. فكانت الصحف عند أبي بكر حياته حتى توفاه اللّه ثم عند عمر حتى توفاه اللّه، ثم عند حفصة ابنة عمر- رواه صاحب الفهرست.

و أمر عثمان بن عفان رضي اللّه عنه سنة ثلاثين بنسخ المصحف الذي كتب في زمن سلفه أبي بكر و تفريقه في الأمصار، و كان بلغ عثمان ما وقع في أمر القرآن من أهل العراق فإنهم قالوا: قرآننا أصح من قرآن أهل الشام، لأنا قرأنا على أبي موسى الأشعري، و أهل الشام يقولون: قرآننا أصح لأنا قرأنا على المقداد بن الأسود، و كذلك غيرهم من الأمصار، فأجمع رأيه و رأي الصحابة على أن يحمل الناس على المصحف الذي كتب في خلافة أبي بكر رضي اللّه عنه، و كان مودعا عند حفصة زوج النبي، و يحرق ما سواه من المصاحف التي بأيدي الناس، ففعل ذلك و نسخ من ذلك المصحف مصاحف و حمل كلا منها إلى مصر من الأمصار. و كان الذي تولى نسخ المصاحف العثمانية بأمر عثمان زيد بن ثابت و عبد اللّه بن الزبير و سعيد بن العاص و عبد

____________

(1) اللخاف ككتاب حجارة بيض رقاق.

(2) العسب بضمتين جمع العسيب و هي جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها.

17

الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. و قال عثمان: إن اختلفتم في كلمة فاكتبوها بلسان قريش فإنما نزل القرآن بلسانهم.

فتح العرب الشام و لم يحملوا إليه غير دين يبعد عن الشرك و عبادة الأصنام، و غير بلاغة الشعر و الخطب المغروسة في طباعهم، و فطر سليمة جبلت عليها نفوسهم، فاقتبسوا في الحال مدنية من نزلوا عليهم و تمثلوها و هضموها في أقصر مدة، و أتوا بعدها بأمور جديدة، على ما قاموا بمثل ذلك في بغداد و مصر و فارس و الأندلس و غيرها. و لقد أظهروا و هم في أوج عزهم من التسامح مع السكان ما دهش له المخالفون و استغربه الموافقون، و لا غرو إذا فتحوا صدورهم لتعلم العلوم بعد أن ثبت أن الرسول (عليه السلام) أمر زيد ابن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود أي يتعلم لغة غير لغة العرب.

العلم و الأدب في القرن الأول:

من شعراء الأمويين جرير و الفرزدق و كانت للأخطل الشاعر صحبة بيزيد ابن معاوية مدحه و هجا الأنصار، و ما فيهم بيت إلا و يقول الشعر و لم يمسه أحد بسوء، و كان خلفاء الشام يقربونه على حين كان أهل نحلته يتبرمون بسلاطة لسانه، حتى إن الأسقف حبسه مرة في الكنيسة بدمشق لشتمه أعراض الناس، و استرساله في هجوهم، هذا و الملوك تهابه، و الخلفاء تكرمه، و ذكره في الناس عظيم. و منهم مسكين الدارمي و الراعي و الراجز العجلي و الأحوص و عدّي بن الرقاع القضاعي و علقمة بن عبدة و جناح بن روح و الربيع بن مطر التميمي و حكيم بن عباس بن الأعور الكلبي و الحسين بن عبيد الكلابي و أنيف العذري و أسباط بن واصل الشيباني صديق الخليفة يزيد بن الوليد و جواس ابن القعطل الكلبي و عثمان بن الوليد القرشي. و كان معاوية و من خلفه من خلفاء بني أمية و بني مروان يفضلون عليهم، و من شعرائهم نابغة بني شيبان كان يفد على المروانيين فيجزلون عطاءه، و كان الأمويون يرسلون لأبي العباس الأعمى أحد شعرائهم بعطائه إلى مكة، و غالوا في الحرص على إكرام الشعراء ما خلا عمر بن عبد العزيز فإنه كان يقصي الشعراء عن حضرته لارتكابهم المطاعن و التشبيب في أشعارهم، و لكنه كان رضي اللّه عنه يفضل (4- 2)

18

على العلماء فقد كتب إلى والي حمص: «انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه و حبسوها في المسجد عن طلب الدنيا فأعط كل رجل منهم مائة دينار يستعينون بها على ما هم عليه من بيت مال المسلمين حين يأتيك كتابي هذا و إن خير الخير أعجله و السلام». و ظلت القبائل في الإسلام إذا نشأ منها شاعر تغتبط و تفاخر، و إذا عدمته ذلت، لأنها تعده لسانها الناطق و مدون مفاخرها.

و قد أعطى النعمان بن بشير عامل حمص أعشى همدان شاعر اليمن عشرين ألف دينار من مال اليمانية، اقتطعها برضاهم من عطائهم دينارا دينارا، و كان من خلفاء الأمويين مثل يزيد الأول و الوليد الثاني من يقول الشعر الجيد و كان عبد الملك من أكثر الناس علما و أبرعهم أدبا.

و قد نشأ في القرن الأول من الفقهاء و المحدثين جملة صالحة في الشام منهم عبد الرحمن بن غنم بن سعد الأشعري الصحابي، بعثه عمر بن الخطاب إلى الشام يفقه الناس فتفقه عليه عامة التابعين بالشام (78) و منهم فضالة بن عبيد الصحابي ولي قضاء دمشق لمعاوية و أمّره غزو الروم في البحر (53)، و أبو الدرداء الخزرجي الزاهد الحكيم المقري ولي قضاء دمشق في خلافة عثمان مات (سنة 32) و أول من أحدث رواية القرآن بدمشق هشام بن إسماعيل و بفلسطين الوليد بن عبد الرحمن. و من علماء الشام أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري و أوس بن أوس الصحابي الشاعر سكن بيت المقدس و الرملة (سنة 32)، و من أخبارييهم عبيد بن شرية الجرهمي وفد على معاوية بن أبي سفيان و أملى أشياء في أخبار الملوك أخذ عنه علاقة بن كرسم الكلابي أيام يزيد بن معاوية، و كان عارفا بأيام العرب و أحاديثها و هو أحد من أخذت عنه المآثر و ربما جاز أن يعدّ أول من دوّن التاريخ في الشام.

و من علماء الشاميين أبو إدريس الخولاني فقيه الشام و قاضيه، و عمرو البكالي المحدث الفقيه، و بشير بن الوليد الأموي كان يقال له عالم بني مروان، و إبراهيم بن كثير بن المرتجل الرملي، و كان عبادة بن الصامت والي بيت المقدس لعمر بن الخطاب قرأ عليه أبو سلام الحبشي و اسمه محظور و يقال الباهلي الدمشقي و شهر بن حوشب الأشعري المحدث (100)، و بلال بن أبي الدرداء الأنصاري‏

19

قاضي دمشق (93)، و أبو مسلم الخولاني شيخ الفيحاء و زاهدها من سادات التابعين، و روح بن زنباع يكنى بأبي زرعة، و يقال بأبي رنباع الجذامي الفلسطيني كان له اختصاص بعبد الملك بن مروان، و رجاء بن أبي سلمة الفلسطيني المحدث. و مالك بن دينار أحد الأعلام أقام في القدس (23) و جبير بن نفير الحضرمي عالم أهل الشام (79) و غيلان بن مروان الدمشقي من كبار المعتزلة و كان الحسن يقول إذا رأى غيلان في الموسم «أترون هذا هو حجة اللّه على أهل الشام و لكن الفتى مقتول» و كان أوحد دهره في العلم و الزهد قتله هشام بن عبد الملك و قتل معه صاحبه صالحا لأنه كان ينال من بني أمية. و إسماعيل بن عبد اللّه بن أبي مهاجر مولى بني مخزوم من أهل دمشق كان يؤدب أولاد عبد الملك بن مروان.

و نشأ من الكتاب في هذا القرن عبد اللّه بن أوس الغساني سيد أهل الشام و أسود بن قبيس الحميري من كتاب بني أمية بدمشق، و في الفلسفة ساويرا سابوخت أسقف قنسرين اليعقوبي كان على عهد السفيانيين في الشام ممثل الحركة الأدبية و قد جادل الموارنة بحضرة الخليفة معاوية سنة (659 م) و ألف رسائل و مقالات عديدة في الحساب و الفلك و الاصطرلاب و الفلسفة و اللاهوت، و يعقوب الرّهاوي و غيرهم، و نشأ في القرن السابع للميلاد أي في القرن الأول للهجرة كالينيكيوس البعلبكي و هو مهندس كيماوي قيل إنه مخترع النار اليونانية المركبة من النفط و الكبريت و القطران و غيرها، و كان أبو قرة أول كاتب نصراني ديني كتب بالعربية. و من مشاهير النصارى في القرون الأولى القديس يوحنا الدمشقي (780 م) كان علما في عصره و ألف كتبا كثيرة في اللاهوت و منهم قزما المنشى و قزما البار و ندراوس الاقريطشي و البطريرك صفرونيوس.

عناية خالد بن يزيد بالنقل و أوائل التدوين:

كانت الكتب التي ترجمت لأبي هاشم خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي حكيم آل مروان و عالم قريش، أول نقل أو تعريب كان في الإسلام في عاصمة الشام. و خالد بن يزيد هذا زهد في الخلافة و عشق العلم، و إذا أنشأ جده معاوية ملكا في الشام دام ألف شهر، فإنه أنشأ بعلمه مملكة

20

باقية بقاء الدهر، فقد «أمر باحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مصر و قد تفصح بالعربية، و أمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني و القبطي إلى العربي» و الصنعة صنعة الكيمياء. فترجمت له كتب فيها كما ترجمت له كتب في الطب و النجوم. و ممن نقل له اصطفن القديم، نقل كتب الكيمياء، و كان خالد بصيرا بالطب أخذه عن يحيى النحوي و أخذ الكيمياء عن مريانس الرومي و أتقن هذين العلمين و ألف فيهما و له رسائل و كتب في غير هذه الأغراض، دالة على معرفته و براعته، و له شعر كثير و مقاطيع دالة على حسن تصرفه و سبقه. و كان من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام و قيل عنه قد علم علم العرب و العجم، و كان خطيبا شاعرا، فهو أول من أعطى التراجمة و الفلاسفة، و قرب أهل الحكمة و رؤساء أهل كل صناعة، و ترجم كتب النجوم و الطب و الكيمياء و الحروب و الآلات و الصناعات.

و في الفهرست: و يقال و اللّه أعلم إنه صح له عمل الصناعة و له في ذلك عدة كتب و رسائل و له شعر كثير رأيت منه نحو خمسمائة ورقة و رأيت من كتبه كتاب الحرارات، كتاب الصحيفة الكبير، كتاب الصحيفة الصغير. كتاب وصيته إلى ابنه في الصنعة.

جاء في التاريخ العام: لما جاءت العرب وجدت المدنية اليونانية راسخة في جميع الأقطار التي داهمتها أولا مثل الشام و مصر و العراق فاقتربت من المملكة البيزنطية و بدا لها من وراء مدنيتها النبوغ اليوناني كما تجلى لها من الفرس المدنيات القديمة من الهند و الصين على نحو ما وجدت في بلاد كنعان و مصر تذكارات من الأمم القديمة التي لا تزال عليها مسحة الأجيال العريقة في القدم و مصانعها و أعمالها.

و لما بلغت الدولة العربية غاية عزها، ثم تمزقت و تقسمت أصبح دينها واحدا و لسانها واحدا و قوانينها المعمول بها واحدة، و ذلك من نهر السند إلى أعمدة هركول و تمت الوحدة بين أولئك الشعوب المختلفة ديارهم، و أخذوا يقتبس بعضهم عن بعض من تبادل التجارة و سياحة الأفراد و تنقل الجيوش و الأمم و انتشار المعتقدات و الأخلاق و الأفكار يتصادمون و يتمازجون و يتحدون و يتداخلون و كل شعب ينقل إلى الآخر عاداته و تاريخه و ملكاته الطبيعية.

21

فالمدنية التي عمل فيها هذا العدد الكثير من المؤازرين المختلفين ليست إذا عربية صرفة، بل هي بحسب النموذجات التي تشبعت بروحها و المحيط الذي كبرت فيه: يونانية و فارسية و شامية و مصرية و إسبانية و هندية، و لكن إذا وجب أن يذكر لكل واحد قسطه من العمل لا يسع المنصف إلا أن يقول بأن قسط العرب منه كان أعظم من غيرهم فلم يكونوا واسطة فقط لنقل هذه المدنية ينقلون إلى الشعوب الجاهلة في إفريقيا و إسبانيا و أوربا اللاتينية معارف الشرق الأدنى و الأقصى و علومه و اختراعاته، بل أحسنوا استخدام المواد المبعثرة التي كانوا يلتقطونها من كل مكان، فمن مجموع هذه المواد المختلفة التي صبّت فتمازجت تمازجا متجانسا أبدعوا مدنية حية مطبوعة بطابع قرائحهم و عقولهم. و بفضلهم تيسر للحضارة الإسلامية في القرون الوسطى التي عاونت فيها أيد أخرى أن تكون ذات وحدة موصوفة، فالتقليد فيها محسوس و لكنه تقليد غير أعمى، و سلطة الأساتذة الأقدمين لا تحول دون الأبحاث العلمية و الاختراعات الحديثة كما أن متشهد البدائع القديمة و درسها لا يحول دون انتشار التفنن و لطافة الإبداع في الاختراع. و في الشرق نشأت هذه المدنية و كانت دمشق إحدى مراكزها و منبعث أنوارها ا ه.

و بعد فإن خالد بن يزيد أول من جمعت له الكتب و جعلها في خزانة في الإسلام، و في دمشق على الأرجح أنشئت أول دار للكتب في العالم العربي، و دمشق أول عاصمة أنشئت فيها دار ترجمة فأولى أبو هاشم بعمله هذه الأمة و هذه العاصمة شرفا لا يبلى على الأيام. و إن الشام ليفخر بأن قامت فيه أول دولة عربية ممدنة، و تمت فيه كثير من مشخصات الأمة العربية، و من أولها التدوين و الترجمة، فالشام أول سوق نفقت فيها بضاعة العلم و الأدب فباعتها من غيرها و هذا يعدّ من مفاخرها التالدة. و خالذ بن يزيد أول من عني بعلوم الفلسفة و لم يتفرد بذلك المنصور العباسي خلافا لما قاله كاتب چلبي من أن علوم الأوائل كانت مهجورة في عصر الأموية. قال الأصفهاني كان خالد ابن يزيد ينزل حلب و توفي سنة 85 ه.

و بذا رأينا أن التدوين حدث في القرن الأول في العلوم الدنيوية و يرى نالينو أنه ربما كان أول كتاب ترجم من اليونانية إلى العربية كتاب أحكام‏

22

النجوم المنسوب إلى هرمس الحكيم، و كان مطمح‏نظر المدونين ضبط مقاصد القرآن و الحديث و معانيهما ثم دوّنوا فيما هو كالوسيلة إليهما.

و حدث التدوين في عصر الصحابة الكرام على ما في «توجيه النظر» فقد ذكر بعض الحفاظ أن زيد بن ثابت ألف كتابا في علم الفرائض و ذكر البخاري أن عبد اللّه بن عمر كان يكتب الحديث، و ذكر مسلم في صحيحه كتابا ألف في عهد ابن عباس في قضاء علي. و ذكر صاحب الفهرست أنه رأى في مدينة الحديثة على الفرات خزانة للكتب فيها بخطوط الإمامين الحسن و الحسين، و أمانات و عهود بخط أمير المؤمنين علي و بخط غيره من كتاب النبي، و من خطوط العلماء في النحو و اللغة مثل أبي عمرو بن العلاء و أبي عمرو الشيباني و الأصمعي و ابن الأعرابي و سيبويه و الفراء و الكسائي و من خطوط أصحاب الحديث مثل سفيان بن عيينة و سفيان الثوري و الأوزاعي و غيرهم.

و ذكر المؤرخون أن أول كتاب نقل إلى العربية كتاب أهرن بن أعين في الطب و جده عمر بن عبد العزيز في خزائن الكتب فأمر بإخراجه للناس و بثه في أيديهم. و عمر بن عبد العزيز هو الذي قال: كنت أصحب من الناس سراتهم، و اطلب من العلم شريفه، فلما وليت أمر الناس احتجت إلى أن أعلم سفساف العلم، فتعلموا من العلم جيده و رديئه و سفسافه.

علماء القرن الثاني و الأدب و النقلة و المنشئون فيه:

مضى القرن الأول و جاء الثاني فكثر القراء و المحدثون و الشعراء و النقلة و المترسلون و الكتاب بكثرة الفتوحات و فرط العناية بالعلم و الأدب، و قد نبغ في هذا القرن كثير من أهل العلم منهم رجاء بن حيوة الفلسطيني الكندي الأردني الفقيه العالم الذي كان يجالس عمر بن عبد العزيز (101) و مكحول مولى بني هذيل فقيه الدمشقيين و أحد أوعية العلم و الآثار (113) و عبد اللّه ابن عامر اليحصبي القارى‏ء المحدث أحد القراء السبعة من التابعين من أهل دمشق (118) و سليمان بن موسى الأشدق الفقيه و كان أعلم أهل الشام بعد مكحول (119) و ربيعة بن يزيد شيخ دمشق بعد مكحول (123) و سليمان ابن حبيب المحاربي قاضي دمشق أربعين سنة (126) و يحيى بن يحيى بن قيس‏

23

الغساني كان ثقة إماما عالما بالفتوى و القضاء و سيد أهل دمشق (135) و يزيد ابن يزيد بن جابر الأزدي إمام فقيه (134) و العلاء بن الحارث الحضرمي الفقيه (136) و يحيى بن الحارث الذّماري المقرئ الدمشقي و عليه دارت قراءة الشاميين (145) و عبد الرحمن بن يزيد بن جابر المحدث (154) و عبد الرحمن ابن عمرو الأوزاعي البيروتي (157) كان إمام أهل الشام و عالمهم قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة، و صار يعمل بمذهبه في الشام نحو مائتي سنة و آخر من عمل بمذهبه أحمد بن سليمان بن حذلم قاضي الشام و عمل أهل الأندلس بمذهبه أربعين سنة ثم تناقص بمذهب الإمام مالك. و كان الأوزاعي عظيم الشأن بالشام و أمره فيهم أعز من أمر السلطان. و كان مع علمه بارعا في الكتابة و الترسل.

و من علماء الشام يونس بن ميسرة بن حلبس و ثور بن يزيد الكلاعي الحمصي، و كان ثقة في الحديث (153) و الوليد بن مسلم الدمشقي صاحب الأوزاعي و كانوا يقولون علم الشام عند إسماعيل بن عياش و الوليد بن مسلم فأما الوليد فمضى على سننه ميمونا عند أهل العلم متقنا صحيح العلم (195 أو 194) و من المحدثين الفقهاء في دمشق المطعم بن المقدام الصنعاني و أبو مرثد الغنوي و ابراهيم بن جدار العذري و مبشر بن إسماعيل الحلبي مولى كلب كان ثقة مأمونا (200) و يحيى بن عمرو السّيباني من أهل الرملة (و سيبان بفتح السين المهملة بطن من حمير) (148) و صعصعة بن سلام الدمشقي المحدث كان أول من أدخل علم الحديث إلى الأندلس. و صدقة بن عبد اللّه السمين من كبار محدثي دمشق (166) و الهقل بن زياد مفتي الوليد بن مسلم و له تصانيف تبلغ السبعين (195) و عبد اللّه بن أبي زكريا الخزاعي الفقيه كان عمر بن عبد العزيز يكرمه و يجلسه معه على السرير (117) و نمير بن أوس الأشعري المحدث (121) و ربيعة بن يزيد القصيري من أئمة التابعين (122) و ابراهيم ابن أبي عبلة من علماء التابعين (152) و عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان المحدث (165) و سعيد بن عبد العزيز التنوخي الفقيه العالم (167) و محمد بن الوليد الزّبيدي كان أعلم أهل الشام بالفتوى و الحديث (148) و يحيى بن حمزة كان كثير الحديث و كان قاضيا بدمشق (183) و بقية بن الوليد الحمصي‏

24

المحدث (197) و أسد بن وداعة الطائي الحمصي المحدث (137).

و حرص المسلمون في الصدر الأول بعد علم الدين على علم الطب، و كان من الأطباء في القرنين الأول و الثاني زمرة صالحة مختلفة مذاهبهم منهم الحكم ابن أبي الحكم الدمشقي الطبيب و كان أبوه أبو الحكم طبيبأ في صدر الإسلام، و كان أبو الحكم يستطبه معاوية و يعتمد عليه اعتماده على ابن أثال من الأطباء المتميزين بدمشق. و منهم عيسى بن حكم الدمشقي المشهور بمسيح صاحب الكناش الكبير. و تياذوق كان في أول دولة بني مروان و مشهورا عندهم بالطب و منهم عبد الملك بن أبجر الكناني كان طبيبا عالما ماهرا يقيم في أول أمره في الإسكندرية لأنه كان المتولي للتدريس بها بعد الإسكندرانيين، و لما ملك المسلمون الإسكندرية أسلم ابن أبجر على يد عمر بن عبد العزيز فاستطبه و اعتمد عليه في صناعة الطب.

و كان عبد الحميد بن يحيى الكاتب إمام الإنشاء العربي و واضع أساسه و كان عالما في كل فن من فنون الأدب (132) و هو الذي فك قيود الإنشاء و ضبط أصوله و كان ختنه سالم و يكنى أبا العلاء أحد الفصحاء و البلغاء. و قد نقل من رسائل أرسطاليس إلى الإسكندر و نقل له و أصلح هو، و له رسائل و مجموع نحو مائة ورقة. و من الكتاب قنان بن متى و ابنه قيس و حفيده الحصين و منهم أسامة بن زيد أبو عيسى الكاتب التنوخي و يقال الكلبي. و من المشهورين بالبلاغة و الخطابة عبد الملك بن صالح الهاشمي نسب إلى منبج، و خالد بن عبد اللّه القسري الخطيب المفوّه (126) و أبو السامي و عبد اللّه بن خداش و أبو مسلم الشامي.

و من الناقلين أي المترجمين جبلة بن سالم، و كان ناقلا من العربي إلى الفارسي، و نقل بعضهم شيئا من تواريخ الأمم عن الفارسية. و لم يلبث النقل أن صار إلى بغداد بانتقال الخلافة إليها، فانتقل بذلك المترجمون الذين أنبغتهم الشام مثل قسطا بن لوقا البعلبكي الفيلسوف الطبيب المهندس المترجم المصنف، و كان يحسن العربية و السريانية و اليونانية، جيد النقل فصيح اللسان، و مثل أبي عثمان الدمشقي و عبد المسيح بن عبد اللّه الحمصي الناعمي المعروف بابن الناعمة، و زروبا بن ماجوه الناعمي الحمصي و كلاهما من النقلة، و هلال‏

25

ابن أبي هلال الحمصي صحيح النقل و لفظه مبتذل و حنين بن إسحاق البغدادي المولد نشأ في الشام و تعلم فيه.

و للشاميين منذ القديم ميل إلى النقل عن الأمم الأخرى، هكذا فعلوا في كل قرن فقد كان الناقلون منهم في القرنين الأول و الثاني و كذلك في القرون التاليّة إلى يومنا هذا و هم أقدر الأمم على تعلم اللغات الغريبة و التفصح فيها.

و كان أكثر النقل عن السريانية، و هذه نقلت عن العبرانية، و هذه نقلت عن اليونانية، و لذلك تعب فلاسفة المسلمين في حلّ رموز الفلسفة اليونانية لأنها نقل عن نقل، و ذكر أحد المعاصرين من الإفرنج أن كتب أرسطو كانت تنقل ليفهمها أهل القرون الوسطى من اليونانية إلى السريانية و منها إلى العربية و منها إلى العبرية و من هذه إلى اللاتينية و كان التراجمة بادى‏ء بدء لا يدركون فهم المعاني من كتب العرب و ينقلونها إلى اللاتينية حرفا بحرف. و قال نالينو:

إن أكثر نقلة القرن الثاني كانوا ضعافا في العلوم يترجمون بالحرف دون فهم الموضوع و كثيرا ما ترددوا في تعريف المصطلحات العلمية المجهولة عند العرب في ذلك العصر، و من المعلوم أن طريقة التعريب لم تتقن إلا في القرن الثالث.

العلم و الأدب في القرن الثالث:

لم يكن للقرن الثالث ما كان للقرن الذي سلفه من النهضة، و تجلي آثار النبوغ و التجدد، بل كان كالتتمة لبعض ما سمت له الهمم في القرنين الماضيين، و على صورة ربما كانت أضعف، زاد التدوين فيه أكثر من ذي قبل، و أخذت بغداد حظها من العلماء الذين قصدوها من القاصية و بقيت الشام بمعزل، راحت العلوم الفلسفية في بغداد أواخر القرن الثاني و الثالث و سرى منها شعاع إلى الشام ثم عراها ما خنقها. و ممن أفضل على الشام الخليفة المأمون فإنه أنشأ فيها مرصدا فلكيا عمله له يحيى بن أبي منصور و هو أحد أصحاب الأرصاد المشهورين في أيامه و كان ذلك في سنة خمس عشرة و ست عشرة و سبع عشرة بعد المائتين. و قام في الشام محمد بن عائذ صاحب المغازي و الفتوح و غير ذلك من المصنفات (233) و عبد اللّه بن ذكوان القارى‏ء الحافظ (242) و هشام بن عمار خطيب دمشق و قارئها و فقيهها و محدثها (245) و أحمد

26

ابن أبي الحواري من كبار المحدثين و الصوفية (246) و محمود بن سميع صاحب الطبقات و أحد الأثبات الثقات (259) و أبو زرعة الدمشقي النصري عبد الرحمن ابن عمرو المحدث صنف كتبا (281) و أبو مسهر عبد الأعلى الغساني شيخ دمشق و عالمها كان راوية سعيد بن عبد العزيز التنوخي و غيره من الشاميين (218) و صفوان بن صالح المؤذن المحدث (239) و القاسم بن عثمان الجوعي شيخ دمشق و زاهدها (248) و الحافظ زكريا بن يحيى السّجزي المعروف بخياط السنة (287) و عبد الغفار بن عثمان و الوليد بن مزيد العذري البيروتي كان من أهل العلم و الرواية و كان الأوزاعي يقول، فيما عرفت ما حمل عني أصح من كتب الوليد بن مزيد (203) و ولده أبو الفضل العباس بن الوليد البيروتي كان من أهل العلم و الرواية (270) و الإمام محمد بن إدريس الشافعي المطلبي أحد الأئمة ولد بغزة هاشم سنة خمسين و مئة و توفي بمصر سنة 204 و هو أول من صنف في أصول الفقه. و من أعيان العلماء محمد بن عوف الطائي الحمصي (269) ذكر عند عبد اللّه بن أحمد بن حنبل في سنة 273 فقال:

ما كان بالشام منذ أربعين سنة مثل محمد بن عوف. و عبد اللّه بن اسماعيل بن زيد بن صخر البيروتي و محمد بن عبد اللّه بن عبد السلام بن أيوب البيروتي و آدم بن أبي إياس العسقلاني من مشايخ البخاري (221) و هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي الصيداوي (256) و أبو بكر محمد بن بركة القنسريني الحافظ ببرداعس سكن حلب ثم قدم دمشق و حدث بها عن أبي جعفر أحمد ابن محمد بن رجاء المصيصي و يوسف بن سعد بن مسلم و هلال بن أبي العلاء الرقي.

و لقب حافظ كان يطلق على من يحفظ ألوفا من الأحاديث بأسانيدها و كانوا يطلقون اسم المسند على من يروي الحديث بإسناده سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد رواية، و يطلقون اسم المحدث على من كان أرفع منه و العالم على من يعلم المتن و الإسناد جميعا، و الفقيه على من يعرف المتن و لا يعرف الإسناد. و كان السلف يطلقون المحدث و الحافظ بمعنى و المحدث من عرف الأسانيد و العلل و أسماء الرجال و العالي و النازل و حفظ من ذلك جملة مستكثرة من المتون و سمع الكتب الستة و مسند أحمد بن حنبل و سنن البيهقي‏

27

و معجم الطبراني و ضم إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية. هذا أقل درجاته فإذا سمع ما ذكر و كتب الطباق و دار على الشيوخ و تكلم في العلل و الوفيات و المسانيد كان في أول درجات المحدثين.

و ممن كان في الشام الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة كان من أهل حرستا من غوطة دمشق. و عثمان بن خرّزاذ الأنطاكي المحدث. و أبو الحسن محمد الغساني الصيداوي المعروف بابن جميع الحافظ المحدث و أبو عبد اللّه محمد بن علي الصوري الحافظ. و احمد بن الخليل الحلبي المحدث و أحمد ابن المسيب الحلبي المحدث و عبد اللّه بن إسحاق الصّفرّي المحدث و مؤمل الرملي و أبو توبة الربيع بن نافع و يزيد بن خالد الرملي روى عن الليث بن سعد و المفضل ابن فضالة و روى عنه أبو العباس محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني و أبو زرعة الرازي و موسى بن سهل الرملي (262) و عبد اللّه بن محمد بن نصر بن طويط و يقال طويث أبو الفضل البزاز الرملي الحافظ. سمع في دمشق هشام بن عمار ودحيما و هشام بن خالد بن أحمد بن ذكوان، و وارث بن الفضل العسقلاني، و نوح بن أبي حبيب القومسي.

و من شعراء هذا القرن البطين الشاعر الحمصي و عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن من شعراء بني العباس و أصله من سلمية و إدريس بن يزيد النابلسي الأديب الشاعر و أدهم بن محرز و العتابيّ و أبو تمام. و اشتهر في هذا القرن بالهندسة أبو بكر البناء المهندس الذي بنى لابن طولون ميناء عكا.

الأدب في القرن الرابع و نهصته على عهد سيف الدولة و أبي العلاء المعري:

قل في القرن الثالث في الشام الشعراء و الأدباء، و لم ينبغ فيه إلا رجال في الحديث، و المغازي و الفقه، فطلع القرن الرابع و قد ظهر فيه الأدب العربي في مظهر عظيم لم يسبق له عهد بمثله، و لا جاء في القرون التالية شبه له و نظير، اللهم إلا إذا كان على عهد الأمويين، و لم تبلغنا جميع أخبار شعراء سيف الدولة بن حمدان في حلب، و قد قصده نوابغ الشعراء و الأدباء، قال الصفدي و كانوا يسمون عصر سيف الدولة الطراز المذهب لأن الفضلاء الذين كانوا عنده و الشعراء الذين من حوله لم يأت بعدهم مثلهم.

28

ذكر الثعالبي من شعراء الشام المحدثين العتابي و منصور النمري و الأشجع السلمي و محمد بن زرعة الدمشقي و ربيعة الرقي قال على أن في الطائيين (أبي تمام و البحتري) اللذين انتهت إليهما الرياسة في هذه الصناعة كفاية و هما هما.

و من مولدي أهل الشام المعوج الرقي و المريمي و العباس المصيصي و أبو الفتح كشاجم و الصنوبري و أبو المعتصم الأنطاكي، و هؤلاء رياض الشعر و حدائق الظرف. و يقال إنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء، ما اجتمع بباب سيف الدولة من شيوخ الشعر و نجوم الدهر، و إنما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها، و كان أديبا شاعرا أورد صاحب اليتيمة من شعرائه و من كانوا يقصدونه من الآفاق لينفقوا من أدبهم في سوقه ما هو بهجة النفوس مدى الأيام.

و كان في هذا القرن أكثر الجهابذة و الصياغين و الصيارفة و الدباغين بالشام من اليهود، و أكثر الأطباء و الكتبة نصارى و انحطت مدن الشام في العلم انحطاطا كثيرا و منها حمص. ذكر السيوطي أنه نزلها خلق من الصحابة و انتشر بها الحديث زمن التابعين و إلى أيام حريز بن عثمان و شعيب بن أبي حمزة ثم إسماعيل بن عياش و بقية و أبي المغيرة و أبي اليمان ثم أصحابهم ثم تناقص ذلك في المائة الرابعة و تلاشى ثم عدم بالكلية.

كان أبو فراس الحمداني الذي قال فيه الصاحب بدى‏ء الشعر بملك و ختم بملك، يعنى امرأ القيس و أبا فراس- ابن عم سيف الدولة و أعطاه على بيت واحد ضيعة بمنبج تغل ألف دينار. و لطالما أعطاه و أعطى الشعراء في بابه و لا سيما أبو الطيب المتنبي عشرات الألوف من الدنانير دع الإقطاعات و الضياع، و كان أبو بكر و أبو عثمان الخالديان من خواص شعراء سيف الدولة و كانا على خزانة كتبه كما كان عليها أيضا السلامي و الببغاء و الوأواء. و ربما قلّ في الملوك من مدح بمثل ما مدح به سيف الدولة حتى إن كلا من أبي محمد عبد اللّه بن محمد الفياض الكاتب و أبي الحسن علي بن محمد السميساطي قد اختار من مدائح الشعراء لسيف الدولة عشرة آلاف بيت. و كان أبو محمد الفياض كاتبا لسيف الدولة و نديمه معروفا ببعد المدى في مضمار الأدب و حلبة

29

الكتابة، أخذ بطرفي النظم و النثر، و كان سيف الدولة لا يؤثر عليه في السفارة إلى الحضرة أحدا، لحسن عبارته، و قوة بيانه، و نفاذه في استغراق الأغراض، و تحصيل المراد.

و من خواص شعراء سيف الدولة أبو العباس أحمد بن محمد النامي و كان عنده تلو المتنبي في المنزلة و الرتبة، و منهم أبو الفرج عبد الواحد الببغاء من أهل نصيبين و من شعرائه أو ما قربوا من عصره الخليع الشامي و الوأواء الدمشقي و أبو طالب الرقي و أبو حامد أحمد بن محمد الأنطاكي المعروف بأبي الرقعمق، و أبو القاسم الحسن الواساني الدمشقي و أحمد بن محمد الطائي الدمشقي و ابن أبي الجوع و ابن رشدين و كشاجم (و أقام كشاجم في الرملة كثيرا فسمي الرملي 360) و الصنوبري و أبو الفتح البكتمري و أبو الفرج العجلي و أبو حصين الرقي و أبو الفرج سلامة بن بحر. و من علماء الأدب و اللغة ابن خالويه و ابن جني. و من الشعراء أبو محمد جعفر و أبو أحمد عبد اللّه ابنا ورقاء الشيباني من رؤساء عرب الشام و قوادها. و كان جعفر بن ورقاء الشيباني (352) من بيت إمرة و تقدم و آداب، و كان المقتدر يجريه مجرى بني حمدان و تقلد عدة ولايات، و كان شاعرا كاتبا جيد البديهة و الروية، و من الشعراء منصور و أحمد ابنا كيغلغ و أبو علي أحمد بن نصر بن الحسين البازيار و أبو زهير المهلهل نصر بن حمدان و المغنم المصري و اسمه ابو الحسن محمد الشعباني و أبو عبد اللّه محمد بن الحسين و أبو نصر بن نباتة التميمي و الشيظمي و أبو العباس الصّفّري و أبو العباس الناشى‏ء و أبو نصر البنص، و أبو القاسم الرقي المنجم الفلكي و عبد العزيز بن نباتة السعدي كان شاعرا مجيدا و له في سيف الدولة غرر القصائد (405) و من شعراء القرن الرابع الحسين بن عبد اللّه بن أبي حصينة المعري (327) و ممن اجتمع بسيف الدولة و جالسه مدة ثم جاء معه إلى دمشق فتوفي فيها المعلم الثاني حكيم الإسلام أبو نصر محمد الفارابي صاحب التآليف الممتعة في الحكمة (339).

و أهم ما يفاخر به هذا القرن نبوغ أبي العلاء أحمد بن سليمان المعري التنوخي حكيم العرب و أديبهم، و قد كانت المعرة في أيامه كعبة القصاد، من طلاب الآداب، جذبهم إليها أبو العلاء، فجعل بلده دار حكمة و أدب،

30

كما جعل سيف الدولة في القرن الذي قبله مدينة حلب مجمع الأدباء و الشعراء بإحسانه و مشاركته. أحسن نابغة الشام أبو العلاء المعري إلى الآداب العربية أي إحسان، و هو من بيت أدب و فضيلة، كان أبوه عبد اللّه بن سليمان لغويا شاعرا، و أخوه الأكبر محمد بن عبد اللّه و أخوه الثاني عبد الواحد بن عبد اللّه شاعرين مجيدين، و كان الشعر و الأدب متسلسلا فيهم من بطون كما تسلسل في بيتهم القضاء مدة مائتي سنة. و من شيوخ أبي العلاء أبو بكر محمد بن مسعود النحوي و محمد بن عبد اللّه بن سعد النحوي الحلبي، و من تلامذته أبو غالب همام بن الفضل بن المهذب صاحب التاريخ المشهور، و أبو يعلى عبد الباقي ابن أبي الحصين، و أبو محمد عبد اللّه الخفاجي، ورشأ بن نظيف بن ما شاء اللّه المقري، و هذا كان أول من أنشأ في دمشق دارا للقرآن في حدود سنة 444 و الخطيب التبريزي و الحسن بن علي بن همام و الأمير أبو الفتح بن أبي حصينة و عشرات غيرهم من أهل المعرة و كفرطاب و حلب و دمشق و حمص و حماة و طرابلس و الرقة و هكار و المصيصة و بغداد و تبريز و الأندلس إلى غيرهم من التنوخيين أهل بيته، و كان أكثر هؤلاء يقول الشعر الجيد حتى أصبح ذلك من اختصاصهم. و ممن صحب أبا العلاء المعري و أخذ عنه كثيرا علي بن القاضي التنوخي كان من أهل بيت كلهم فضلاء أدباء ظرفاء. و مما يستدل به على انتشار الآداب في هذا العصر و تغالي الناس في الشعر و الأدب ما قيل من أن سبعين شاعرا رثوا المعري على قبره يوم مات، فما بالك بسائر شعراء الشام على ذاك العهد.

و قام في هذا القرن من العلماء إبراهيم بن عبد الرزاق الأنطاكي مقرى‏ء أهل الشام (338) و من المحدثين عمر بن علي العتكي الأنطاكي الخطيب الحافظ صاحب كتاب المقبول و عبد الوهاب الكلابي المحدث (396) و محمد ابن عبيد اللّه يعرف بابن أبي الفضل أبو الحسن الكلاعي الحمصي المحدث (309) و أبو الدحداح أحمد بن محمد بن إسماعيل التميمي محدث دمشق كان يسكن في ربض باب الفراديس في طرف العقيبة (328) قال القاسمي و إليه تنسب مقبرة الدحداح، و عمر بن حسن الخرقي الحنبلي الدمشقي صاحب التصانيف العديدة و أحمد بن شرام الغساني أحد النحاة المشهورين بالشام‏

31

(387) و محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء المقدسي الجغرافي الرحالة صاحب كتاب أحسن التقاسيم المطبوع و أبو مسهر البيروتي المعروف بمكحول الحافظ الثقة الثبت المشهور (321) و أبو طاهر بن ذكوان البعلبكي المؤدب (359) و المنجم الصابي البعلبكي و أبو القاسم علي بن أحمد الأنطاكي كان رياضيا مهندسا و له تصانيف جليلة و كان مشاركا في علوم الأوائل (376) و إبراهيم الأزدي العجلي الأنطاكي الفقيه المقرئ (338) و محمد بن جعفر صاحب التصانيف المشهورة كاعتلال القلوب و غيره توفي في يافا (327) و محمد التميمي المقدسي و الحافظ أحمد بن عمير مولى بني هاشم شيخ الشام في وقته رحل و صنف و ذاكر و حدث (320) و أبو الحسين بن كشكرايا الطبيب العالم صاحب الكناش المعروف بالحاوي و عيسى الرقي المنجم الطبيب و كلاهما من أطباء سيف الدولة. و كان عيسى ينقل من السريانية إلى العربية و يأخذ أربعة أرزاق رزقا بسبب الطب و رزقا بسبب النقل و رزقين بسبب علمين آخرين. و عبد اللّه بن عطية المقرى الدمشقي المفسر كان يحفظ خمسين ألف بيت من شعر العرب في الاستشهادات على معاني القرآن و اللغة (383) و عبد الرحيم بن نباتة الفارقي صاحب الخطب المشهورة كان خطيب حلب و بها اجتمع بأبي الطيب المتنبي في خدمة سيف الدولة (374) و قام في حلب أربعة من الشعراء المعدودين و هم أبو الحسن المستهام الحلبي و أبو محمد الماهر الحلبي و ابن الفتح الموازيني الحلبي و أبو الفرج بن أبي حصين القاضي الحلبي. و من الشعراء الشاميين أبو الجود الرسعيي و اسمه محمد بن أحمد و أبو مسكين البردعي شاعر محدث يتنقل في البلدان و كان مجودا. و الخليع الرقي و اسمه محمد بن أبي الغمر القرشي. و من المهندسين الرياضيين المجتبى الأنطاكي (376) و ديونيسيوس بطريرك اليعاقبة له تاريخ. و قيس الماروني له كتاب حسن في التاريخ.

الآداب في القرن الخامس:

امتاز القرن الخامس بأن نشأت فيه طائفة من الرجال الذين عنوا بالفلك و العلم الطبيعي و الرياضي و الطب، كما امتاز بأن نبغ فيه في الأقطار العربية الأخرى من الفلاسفة أمثال ابن رشد و ابن سينا و البيروني و الغزالي و الرازي‏

32

ممن هم فخر العرب على تعاقب الحقب. و قد انتقلت من كتبهم و أفكارهم أشياء كثيرة إلى الشام. و يصح أن يقال إن العلم اقترب من العلوم المادية في هذا الدور، ذهبت عن الناس الدهشة بالفصاحة و الشعر و نقل الأحاديث و العناية بالدين و تم تدوين أقوال أرباب المذاهب و الشعراء فانصرفت العناية إلى علوم الدنيا. و ممن نشأ في هذه الديار أبو الفضل الحارثي الدمشقي المهندس الرياضي العالم بالحساب و التقسيمات و الهندسة و علم الهيئة و نقش الرخام و ضرب الخيط و الطب و له عدة تآليف (500) و محمد القيسراني الدمشقي العالم بالحساب و النجوم و الهندسة و الهيئة و علم المساحة و الميقات و الفلك (500) و رضوان الخراساني الرياضي و محمد بن عبد الواحد المهندس صنف كتابا في ركاية الزوال بدمشق و معرفة طلوع الفجر بالمنازل منازل القمر (409) و جورجس بن يوحنا اليبرودي العالم بالطب و له عدة رسائل و مقالات. و من المؤرخين حمزة بن أسد أبو يعلى التميمي المعروف بابن القلانسي العميد صنف تاريخا للحوادث بعد سنة أربعين و أربعمائة إلى حين وفاته و قد طبع باسم ذيل تاريخ دمشق. و مبارك ابن شرارة أبو الخير الطبيب الكاتب الحلبي النصراني كان له جرائد مشهورة بحلب عند أهلها يحفظونها لأجل الخراج المستقر على الضياع إذا اختلف النواب في شي‏ء من هذا النوع رجعوا إليها و له تاريخ حلب توفي في حدود سنة (490) في صور. و من الحفاظ محمد بن علي الصوري الحافظ قالوا: كان يذاكر بمائتي ألف حديث. قال غيث: سمعت جماعة يقولون ما رأينا أحفظ منه (441) و الحافظ محمد بن جميع الغساني الصيداني و يقال له الصيداوي (402) و عبد الواحد الشيرازي المقدسي الأنصاري شيخ الشام في وقته نشر مذهب الإمام أحمد بن حنبل أقام بدمشق و له تصانيف (486) و سلامة بن إسماعيل ابن جماعة المقدسي الضرير كان كثير الحفظ ألف تآليف (480) و الحسن ابن عبد الصمد بن الشخباء العسقلاني صاحب الخطب البديعة مشهور بنثره (482).

و من الكتاب و الخطباء صاعد بن شمامة المسيحي الحلبي الكاتب و أبو اليمن المسلم بن الحسن بن غياث الكاتب الحلبي النصراني كان صاحب الديوان بحلب، و تادرس بن الحسن النصراني كان وزير صالح بن مرداس و عبد اللّه بن‏

33

أسعد فقيه حمص يعرف بابن الدهان. و عبد العزيز بن أحمد الكناني الدمشقي الصوفي المحدث (466) نصر بن إبراهيم المقدسي النابلسي عالم الشام له عدة تصانيف درس العلم ببيت المقدس مدة ثم أتى صور ثم جاء دمشق (490) علي بن داود الداراني الخطيب (402) و هو الذي طلع إلى داريا كبراء دمشق لما مات خطيب جامعهم و طلبوه ليكون خطيب جامعهم فوثب أهل داريا بالسلاح و قالوا: لا نعطيكم خطيبنا فقال رئيسهم: أما ترضون يا أهل داريا أن تسمع الناس في البلاد أن أهل دمشق احتاجوا إليكم في إمام. و من مشاهيره الحسين بن علي بن شواش الكناني المقري (497) و الحسين بن علي بن إبراهيم الأهوازي شيخ القراء بدمشق (446) و الخطيب أبو نصر بن طلاب مسند دمشق (470) و أبو الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي الواعظ العالم (456) و من الشعراء عبد المحسن الصوري الشاعر (418) و أبو الفتيان بن حيوس الحلبي الشاعر. و محمد بن سنان الحلبي الشاعر و أبو مشكور الحلبي الشاعر و أحمد بن فضالة الدمشقي شاعر. و علي بن منصور الحلبي الملقب دوخلة يعرف بابن القارح من شيوخ الأدب راوية للأخبار كتب لأبي العلاء المعري رسالته المشهورة فأجابه عنها برسالة الغفران و كلا الرسالتين مطبوع.

و مما يذكر في هذا القرن أن القاضي جلال الملك بن عمار جدد في طرابلس دار العلم و دار الحكمة و ذلك في سنة اثنتين و سبعين و أربعمائة لتكون مركزا من مراكز التشيع، فنشرت العلوم و الآداب و أصبحت طرابلس مباءة علم و درس و مباراة في التعلم و جهز هذه الجامعة الدينية بمئة ألف مجلد و ربما كانت على عهده قبل استيلاء الصليبيين عليها أول بلدة علمية في الشام على ما رأى فان برشم.

العلم و الأدب في القرن السادس:

دخل القرن السادس و على كثرة ما كان فيه من الفتن نشأ للأمة علماء خدموا العلم في فنون مختلفة، و كانت بالشعر أقل من عصر سيف الدولة و عصر أبي العلاء المعري، و إن كان نور الدين و صلاح الدين و أسرتهما ممن يجيزون (4- 3)

34

عليه و يعجبون و يترنمون بسماعه، و كان من أهل بيت صلاح الدين الشعراء المفلقون، و مما عني به نور الدين محمود بن زنكي أنه كان يجلب العلماء من القاصية و يسكنهم بالشام مثل قطب الدين النيسابوري و شرف الدين بن أبي عصرون، يبني لهم المدارس و يغدق عليهم و على مريديهم أنواع الإحسان و يدرّ عليهم الرواتب. و قد أحصي فقهاء مدارس دمشق في عهد صلاح الدين فكانوا ستمائة فقيه، كان يعطيهم من صدقاته. و من كتاب للقاضي الفاضل لصلاح الدين: و مما يجب أن يعلم المولى أن أرزاق أرباب العمائم في دولته إقطاعا و راتبا يتجاوز مائتي ألف دينار و ربما كانت ثلاثمائة ألف دينار.

و أزهرت في هذا القرن مدرسة اليعاقبة في طرابلس و منها نشأ أبو الفرج ابن العبري صاحب التاريخ المطبوع. و تعلم كثير من المحاربين و القواد و الأمراء من الصليبيين اللغة العربية في الشام. في تاريخ اللغة الفرنسية و آدابها: أما بشأن اللغة (أي في عهد الصليبيين) فقد حدث ما يحدث في مثل هذه الأحوال على صورة مطردة، و هو أن لغة الأكثر تمدنا أثر أهلها في غيرهم. و كان أكثر الأمم تمدنا بلا مراء الشرقيون و لا سيما العرب و اليونان. و قد تعلم قليل جدا من العرب و الترك و الفرس لغة الإفرنج ما عدا بعض التراجمة الرسميين.

و على العكس تعلم كثير من الصليبيين لغة الوطنيين عقيب وصولهم إلى فلسطين.

إلى أن قال: و لا ريب أن مجاورة التمدن الإسلامي قد ساعدت على زيادة النفوذ الذي كان العلم العربي و الفنون العربية تؤثرها فينا منذ زمن طويل.

و معلوم ما تدين به لهذا التأثير كل من الفلسفة و الرياضيات و الفلك و الملاحة و تركيب النيران الصناعية و الطب و الكيمياء حتى فن الطبخ فقد أخذنا عن العرب أشياء كثيرة من مثل طريقة الارقام و شروح أرسطو حتى حمام الزاجل و الشعارArmoiries و أدوات الموسيقى و الأزياء و الثياب و الزهور و البقول.

و بعد فإذ حدث أحيانا أن الأشياء التي نقلت لم تكن تسمى إلا بأسماء المدنية الشرقية التي أخذت منها مثل ثوم عسقلان و ثياب دمشق فإن غيرها قد احتفظت بأسمائها العربية مع بعض التحريف و هي كثيرة و يتألف منها في الفرنسية مجموع كبير في الجملة ا ه.

و نبغ في هذا القرن أبو المجد محمد بن أبي الحكم، و كان طبيبا مهندسا

35

فلكيا (570) و أبو زكريا يحيى البياسي من أطباء صلاح الدين و عمل لابن النقاش و هو علي بن عيسى بن هبة اللّه أستاذه في الطب آلات كثيرة تتعلق بالهندسة و كان يعرف النجارة و ابن النقاش هذا كان أوحد زمانه في صناعة الطب و له مجلس عام للمشتغلين عليه و كان يعالج أيضا كتابة الإنشاء (574) و أبو الحكم عبيد اللّه بن المظفر المعروف بالحكيم المغربي و هو عالم بالحكمة و الطب و الأدب و الهندسة (549) (1). و عمر بن علي بن البذوخ الدمشقي عالم بالطب شاعر له تآليف (576) و ابن الصلاح عالم بالحكمة متميز بالطب مليح التصنيف (540) و موفق الدين بن المطران عالم بالطب و الفلسفة متعين في الفنون الأدبية له عدة مصنفات (587) و قد نعى على أهل زمانه فتورهم و زهدهم في العلوم و قلة مضائهم و رغبتهم في الكتب و الآثار و تطير بتفاقم الخطب في هذا الشأن.

و أبو الفضل عبد الكريم الحارثي الدمشقي و هو مهندس طبيب نجار نحات هندس أكثر أبواب المستشفى النوري الكبير اشتغل بالأدب و علم النجوم و الحديث له عده مصنفات (599) و هو الذي أصلح الساعات التي لجامع دمشق. و علي ابن عبد الباقي بن أبي جرادة العقيلي الأنطاكي الحلبي عالم بالأدب و اللغة و الحساب و النجوم و الفلسفة مات سنة نيف و أربعين و خمسمائة. زين الدين علي بن غانم الأنصاري الدمشقي المعروف بابن منجه الحنبلي كان من أعيان أهل العلم و له رأي صائب و كان صلاح الدين يسميه عمرو بن العاص. و محمد بن طاهر المقدسي ذو الرحلة الواسعة و التصانيف و التعاليق (507) و الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر محدث الشام و مؤرخها و من أعيان فقهائها صاحب تاريخ دمشق المشهور (571) و كتابه من أعظم المفاخر في التاريخ معدن أدب و ركاز علم.

و حمزة بن أسد أبو يعلي التميمي الدمشقي العميد بن القلانسي الكاتب صاحب كتاب ذيل تاريخ دمشق المطبوع. تولى رياسة دمشق و جمع بين كتابة الإنشاء و كتابة الحساب توفي في عشر التسعين و أربعمائة، و توفيق بن محمد المهندس المنجم الأديب الدمشقي و له تصانيف (516) و أبو البيان محمد بن محفوظ

____________

(1) قال العماد في الخريدة: إن أبا الحكم كان طبيب البيمارستان الذي كان يحمله أربعون جملا المستصحب في معسكر السلطان محمود السلجوقي حيث خيم.

36

القرشي له عدة تصانيف (501). و مخلص الدين أبو البركات عبد القاهر ابن أبي جرادة الحلبي كان أمينا على خزائن نور الدين و كان كاتبا بليغا و شاعرا مجيدا مستحسن الفنون من التذهيب البديع و حسن الخط المحرر على الأصول القديمة المستظرفة. و عبد الرحيم البيساني المشهور بالقاضي الفاضل الكاتب العالم صاحب الرسائل و التصانيف الجيدة و محيي الدين بن الزكي الفقيه الخطيب (598) و عماد الدين الأصفهاني العالم الكاتب الشاعر صاحب التصانيف و منها الفتح القدسي المطبوع (597) و محمد الشهرزوري الدمشقي الفقيه الأديب الشاعر الكاتب (572) و عبد اللّه بن أبي عصرون الفقيه له عدة مصنفات (585).

و علي بن جعفر البلخي الدمشقي من أئمة الحنفية (548) و سليم بن أيوب أحد أوعية العلم صنف الكثير في التفسير و الحديث و الفقه و العربية نشر العلم في صور (547) و الحافظ محمد بن طاهر المعروف بابن القيسراني المقدسي كان جوالا في الآفاق يجمع بين الذكاء و الحفظ و حسن التصنيف و له تصانيف كثيرة (567) و بهاء الدين بن شداد قاضي العسكر في زمن صلاح الدين يوسف الفقيه الكاتب المؤرخ صاحب التاريخ المطبوع في سيرة صلاح الدين نشأ في حلب و عظم في أيامه شأن الفقهاء لعظم قدره و ارتفاع منزلته و مجد الدين طاهر ابن نصر اللّه بن جهبل الحلبي والد بني جهبل الفقهاء الدمشقيين كان إماما في الفقه و الحساب و الفرائض، و محمد بن خضر المعري شاعر. و تقي الدين عبد الغني الجماعيلي له عدة مصنفات في الرجال (600) و الحسين الأسدي مسند دمشق (551) و قطب الدين النيسابوري العالم الفقيه (578) و الحسن بن هبة اللّه بن صصرى التغلبي المحدث (586) و تاج الدين الخراساني الفقيه الصوفي (584) و تقية بنت غيث الأرمنازي الصوري الشاعرة الأديبة و لها شعر سائر (579) و علي بن الموازيني مسند دمشق (514) و أبو طاهر بركات الخشوعي المحدث امتاز بالسماع (598). و موسى البلاغاشاني الفقيه (506) و علي ابن إبراهيم الحسيني الخطيب (508) و هبة اللّه بن أحمد الأكفاني الأمين المحدث (524) و علي بن مسلم السلمي الدمشقي الفقيه (532) و نصر اللّه بن محمد المصيصي الدمشقي العالم (542).

و من الشعراء و الأدباء أحمد بن الخياط الدمشقي الشاعر الكاتب الأديب‏

37

(517) و أحمد بن منير الطرابلسي الشاعر الهجاء الوصاف المشهور (548) و طراد بن علي المعروف بالبديع كاتب شاعر (524) و أبو الوحش الشاعر و عبد القاهر بن عبد اللّه الوأواء الشاعر الأديب (551) طبع ديوانه. و عرقلة الدمشقي النديم الخليع الشاعر و محمد بن حرب النحوي الأديب (580) و الحسين ابن رواحة الأنصاري الحموي الفقيه الأديب الشاعر (585) و مسلم بن خضر ابن قسيم الحموي الشاعر، و الحسن بن أبي الحسن صافي النحوي المعروف بملك النحاة له مصنفات في الفقه و الأصلين و النحو و له ديوان شعر (568) و حسان بن نمير العقيلي الدمشقي الشاعر (567) و علوي بن عبد اللّه بن عبيد الشاعر الحلبي المعروف بالباز الأشهب الأديب المتفنن (596) و أسامة بن منقذ صاحب كتابي الاعتبار و لباب الآداب و كلاهما مطبوع شاعر كاتب. و زرعة ابن موسى أبو العلاء الطبراني النصراني كاتب الأمراء بني منقذ كان معاصرا لعبد اللّه بن محمد بن سنان شاعر.

و قد جاء حلب الشهاب السهروردي في عهد ملكها الظاهر غازي و هو فيلسوف قتله صلاح الدين بدسائس الفقهاء قتل بقتله الحكمة، و هي صناعة الصنائع حتى إن سيف الدين الآمدي الفيلسوف النظار الكبير في القرن التالي لم يجرؤ أن يقرئ أحدا شيئا من العلوم الحكمية، و بعد ذلك انقطعت الفلسفة من هذه الديار و لا تقرأ إلا أشياء قليلة منها و قل النابغون و المشتغلون بها، و لم نقف على حياة فيلسوف نشأ للشام من بين جميع من قام فيها من الأعلام، و لم ينشأ من الأفراد أمثال قطب الدين النيسابوري و الشهاب السهروردي و سيف الدين الآمدي، و لقد أبان رنان كيف أن الفكر الديني لسوء حظ الإسلام تغلب بعد جدال طويل فخنق الحركة العلمية الفلسفية الباهرة التي جعلت المدنية العربية بتأثيرات الفارسية و اليونانية و النسطورية و اليهودية ردحا من الدهر، وارثة المدنية اليونانية. قال: و أوربا مدينة لمدنية العرب ببقايا العلم الذي قطفت ثماره في القرون الوسطى.

العلم و الأدب في القرن السابع:

لما خرب التتر بغداد سنة (656) انتقلت الحركة الأدبية بحكم الطبيعة إلى‏

38

الشام و مصر و لم تكن انقطعت منها كل الانقطاع من قبل، فهاجر كثير من العلماء من عاصمة العراق إلى دمشق و القاهرة. و في هذا القرن تعينت المسالك العلمية و كثر الإخصائيون و تنوعت العلوم و توفر المشتغلون بها و أنبغ الشام طبقة عالية عدّت تآليفهم من الأمهات في خزانة كتب الأمة العربية، و مرجعا ثقة للأخلاف اقتبسوها من أعمال الأسلاف. فمن المؤرخين عمر بن أبي جرادة الحلبي العقيلي المعروف بابن العديم صاحب تاريخ حلب (660) و هو كمال الدين عمر بن الصاحب السعيد قاضي القضاة نجم الدين أبي الحسن أحمد بن الصاحب السعيد قاضي قضاة جمال الدين أبي غانم هبة اللّه بن قاضي القضاة مجد الدين أبي عبد اللّه محمد ابن قاضي القضاة جمال الدين أبي الفضل هبة اللّه ابن قاضي القضاة نجم الدين أبي الحسن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة. بيت تسلسل فيه العلم خمسة بطون كانوا أجداد كمال الدين عمر أكرم به من بيت فضيلة و علم. و من مفاخر هذا القرن بحلب علي بن يوسف القفطي المعروف بالقاضي الأكرم أحد الكتاب المشهورين المبرزين في النظم و النثر و له تآليف أكثرها في التاريخ و الأدب (646) و كان يقوم بعلوم من اللغة و النحو و الفقه و الحديث و علوم القرآن و الأصول و المنطق و النجوم و الهندسة و التاريخ و الجرح و التعديل و من كتبه المطبوعة مختصر تاريخ الحكماء. و ياقوت الرومي الحموي الجغرافي المؤرخ الرحالة صاحب معجم البلدان و معجم الأدباء و المشترك و غيرها من الكتب الممتعة المنقحة المطبوعة (626) و في حماة إبراهيم بن أبي الدم صاحب التاريخ الكبير المظفري في الملة الإسلامية (642) و قام فيها عبد الرحيم البارزي قاضي حماة و ابن قاضيها و أبو قاضيها. و في حماة أيضا علم الدين قيصر المعروف بتعاسيف المهندس الرياضي (642) و القاضي جمال الدين بن واصل (697) كان إماما مبرزا في علوم كثيرة مثل المنطق و الهندسة و الأصول و الهيئة ألف تاريخا في أخبار بني أيوب و له عدة مصنفات منها الانبرورية في المنطق صنعها للانبرور ملك الإفرنج صاحب صقلية و انبولية و أنكبردة لما توجه إليه رسولا في أيام الظاهر بيبرس سنة (659). و نبغ من المهندسين إبراهيم بن غنائم المهندس باني المدرسة الظاهرية الجوانية بدمشق، و اسمه لا يزال منقوشا على يسار الداخل إليها في زاوية المدخل، و هو الذي هندس القصر الأبلق‏

39

الذي قامت التكية السليمانية في القرن العاشر على أنقاضه. و نبغ في حماة الملك المنصور محمد بن الملك المظفر بن أيوب خلف عدة مصنفات منها المضمار في التاريخ و طبقات الشعراء و كان في خدمته قريب مئتي متعمم من النحاة و الفقهاء و المشتغلين بغير ذلك. و جاء الناصر داود ابن الملك المعظم و كان شاعرا أديبا و في أيامه راجت الفلسفة و أمن المشتغلون بها على أرواحهم. و جاء الأمجد بهرام شاه بن أيوب صاحب بعلبك و كان شاعرا رقيقا و له ديوان (628) و نبغ في دمشق أحمد بن خلكان قاضي قضاتها الفقيه المؤرخ المدقق و صاحب وفيات الأعيان المنقح المطبوع (681) و أحمد بن القاسم بن خليفة المعروف بابن أبي أصيبعة الدمشقي الطبيب الأديب مؤلف طبقات الأطباء المطبوع (668) و عبد الرحمن أبو شامة له عدة تصانيف في التاريخ و غيره (665) و منها تاريخ الروضتين و ذيله و الأول مطبوع. و يوسف بن قزاوغلي سبط ابن الجوزي صاحب مرآة الزمان في التاريخ، المطبوع منه الجزء الثامن و هو الأخير، أقام زمنا في دمشق (654) و عبد المنعم الجلياني الملقب بحكيم الزمان علامة في الطب و الكحل و الأدب و الشعر و له عدة كتب منها عشرة دواوين من منظوم الكلام و مطلقه في مدح صلاح الدين لم يصلنا منها إلا المدبجات. و من النوابغ في دمشق عز الدين الإربلي الفيلسوف الضرير كان بارعا في الفنون الأدبية رأسا في علوم الأوائل يقرئ المسلمين و أهل الكتاب و الفلاسفة (660) و عاش في دمشق أيضا حكيمان عظيمان من حكماء الإسلام و ماتا فيها هما سيف الدين علي الثعلبي الآمدي سيد العلماء و أزكى أهل زمانه و أكثرهم معرفة بالعلوم الحكمية و المذاهب الشرعية و المبادي المنطقية أقام سنين كثيرة في حماة مستترا ممن كانوا تحاملوا عليه و نسبوه إلى الانحلال. و قد صنف في أصول الفقه و أصول الدين و المعقولات عدة مصنفات طبع له كتاب الإحكام و مات في دمشق سنة (631) و الثاني الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي الأندلسي الدمشقي صاحب المذهب المشهور في التصوف و له عدة مصنفات في الأخلاق و كلام القوم منها الفتوحات المكية و فصوص الحكم المطبوعان (638) و نبغ في دمشق شمس الدين الخويي العالم في الحكمة و الشرع و الطب و غيره و له تآليف (637) و رفيع الدين الجيلي عالم بالعلوم الحكمية و أصول الدين و الفقه و العلم الطبيعي و الطب و له تآليف‏

40

(641) و إسماعيل بن عبد الكريم المعروف بابن المعلم كان شيخ الحنفية في وقته و شرف الدين بن الرحبي الطبيب الشاعر الأديب له تآليف (667) و أخوه جمال الدين بن الرحبي الطبيب العالم و رشيد الدين الصوري طبيب متفنن في علوم كثيرة و له عدة تصانيف في الطب. و مهذب الدين يوسف بن أبي سعيد السامري طبيب متميز في العلوم الحكمية و أديب له من الكتب شرح التوراة (624) و الصاحب أمين الدولة أبو الحسن بن غزال عالم بالطب له فيه مصنف لم يوضع مثله (643) و مهذب الدين عبد الرحيم بن علي و يعرف بالدخوار عالم بالطب و هو صاحب المدرسة الطبية المعروفة بالدخوارية بدمشق، و نجم الدين يحيى بن اللبردي عالم في الحكمة و الهندسة و العدد صاحب المدرسة الطبية المنسوبة إليه في دمشق و صاحب دار الهندسة أيضا ألّف و له ثلاث عشرة سنة في الرد على عبد اللطيف البغدادي و له عدة مصنفات (621) و علاء الدين علي بن أبي الحزم بن النفيس الدمشقي صاحب التصانيف الكثيرة كانت تصانيفه يمليها من حفظه و كان مشارا إليه في الفقه و الأصول و الحديث و العربية و المنطق.

و شمس الدين بن المؤيد العرضي الدمشقي من الحكماء الذين كانوا بدمشق و دعاهم نصير الدين الطوسي لبناء المرصد و كان العرضي و ابنه محمد من علماء الفلك و تولى مؤيد الدين الأرصاد في مرصد مراغة و قد وضع محمد كرة لا تزال محفوظة في متحف درسدن في المانيا. و عثمان بن الصلاح المضروب به المثل في كل فن (643) و علي بن محمود اليشكري المنجم له يد طولى في علم الفلك و حل التقاويم شاعر خطاط (680) و بدر الدين ابن قاضي بعلبك عالم بالطب و علوم الأدب له تصانيف طبية (650) و نجم الدين ابن المنفاخ و يعرف بابن العالمة و كانت أمة عالمة بدمشق و تعرف ببنت دهين اللوز طبيب عالم بالحكمة و المنطق و الأدب له مؤلفات (652) عز الدين ابن السويدي الدمشقي عالم بالطب و الأدب شاعر مجيد. يعقوب السامري عالم بالطب و علوم الحكمة له عدة مصنفات (681) و علي بن خليفة بن أبي أصيبعة عالم بالطب و العربية و له كتب في الطب و غيره (616) و عبد العزيز بن رفيع الدين كان متميزا في الحكمة و الطبيعي و الطب و أصول الدين و الفقه و الخسرو شاهي من أصحاب التصانيف الجليلة في المنطق و الحكمة و من تلاميذ فخر الدين الرازي و عفيف الدين التلمساني الدمشقي‏

41

أديب له في كل علم مصنف (690) و عبد الرحمن بن محمد بن عساكر ابن أخي الحافظ أبي القاسم صاحب تاريخ دمشق كان فقيه وقته (620) و أحمد ابن هبة اللّه بن عساكر مسند دمشق (699) و كريمة بنت عبد الوهاب بن علي مسندة الشام أم الفضل القرشية الزبيرية و تعرف ببنت الحبقبق (641) و فاطمة بنت أحمد بن السلطان صلاح الدين المحدثة (678) و فاطمة بنت عساكر محدثة (683) و ست العرب بنت يحيى بن قايماز أم الخير الدمشقية الكندية المحدثة. و ست الكتبة بنت الطراح المحدثة و زينب بنت علي بن أحمد بن فضل الصالحية محدثة. و عائشة ابنة عيسى بن الشيخ الموفق المقدسي المحدثة (697).

و علي بن داود القحفازي شيخ أهل دمشق و خصوصا في العربية. و عبد الوهاب ابن سحنون طبيب و له شعر و أدب و فقه (694) و زيد بن الحسين الكندي علامة في فنون الآداب مفنن عرف بعلو السماع (613) و علم الدين السخاوي المقري النحوي الأديب الفقيه له تصانيف (657) و إبراهيم بن أحمد بن فارس التميمي شيخ القراء بدمشق (676) و القاسم بن أحمد المرسي اللورقي شيخ القراء و المتكلمين (661) و عبد الكريم بن الحرستاني خطيب الشام (662) و عبد العزيز بن عبد السلام الدمشقي شيخ الإسلام له تصانيف (660) و الحافظ شمس الدين محمد بن جعوان الحافظ النحوي (682) و رشيد الدين الربعي مفسر لغوي كاتب (687) و محمد بن سعادة مفسر أصولي فقيه نحوي عالم بالخلاف و الأدب و الفرائض (693) و جاء من المحدثين موسى بن عبد القادر الجيلي مسند دمشق (618) و الحافظ تقي الدين إسماعيل بن عبد اللّه الأنماطي المحدث (619) و مكرم بن محمد بن أبي الصقر القرشي المسند الفقيه (635) و إسماعيل بن أبي اليسر التنوخي مسند الشام (676) و عبد العظيم و هو عبد الرحمن المعروف بالمسجف (635) و القاسم بن أبي بكر الإربلي المقري المحدث (680) و محمد بن علي ابن الصابوني المحدث (680).

و جاء من العلماء في الشام عبد اللّه الجماعيلي الإمام في الخلاف و الفرائض و الأصول و الفقه و النحو و الحساب و النجوم و المنازل (620) و يعقوب بن صقلان المقدسي قرأ الحكمة على الفيلسوف الأنطاكي و عرف بها (626) و نجم الدين النخجواني كانت له عارضة قوية في علوم الأوائل و نفيس الدولة بن طليب‏

42

الدمشقي و ولده صفي الدين النصراني الملكي و محمد بن القيسراني الدمشقي عالم بالأدب و الهيئة (630) و أبو الفضل بن يامين الحلبي عالم بالرياضيات و علم حل الزيج و تسيير المواليد (604) و أحمد بن هبة اللّه المعروف بابن الجبراني الحلبي النحوي اللغوي و عبد اللّه اليونيني المحدث. و نجم الدين القمراوي عالم بالحكمة و الشريعة. و شرف الدين المتاني عالم بالحكمة و الشريعة و هما اللذان ذهبا إلى الموصل مختفيين ليلقيا الفيلسوف الأكبر كمال الدين بن يونس و حلا لغزه في الحكمة، و كان عجز العلماء عن حله، فسألهما عن موطنهما فقالا الشام فقال:

من أي موضع منه قالا من حوران فقال: لا أشك أن أحد كما النجم القمراوي و الآخر الشرف المتاني. و في هذا دليل على شهرتهما في العلوم الحكمية و الدينية.

و قمرا مزرعة يقال لها قميرة اليوم و متان قرية صغيرة و هما من قرى صرخد في جبل حوران.

و كانت بعض المدن عامرة بالعلماء مثل قنسرين التي خربت في القرن الرابع و كفرطاب التي خربت في أواخر الخامس. قال ابن العديم كانت كفرطاب مشحونة بأهل العلم و كان بها من يقرأ الأدب و يشتغل به. و هاتان المدينتان أصبحتا الآن قريتين حقيرتين، و كان في قرى غوطة دمشق علماء و فقهاء و يختلف إليها علماء دمشق يدرسون فيها فمن جملة تآليف الحافظ ابن عساكر كتب في روايات أهل داريا و كفرسوسة و صنعاء دمشق و الربوة و النيرب و من حدث بهما و أهل الحميريين و قبيبة و فذايا و بيت أرانس و بيت قوفا و البلاط و بيت سوا و دومة و مسرابا و حرستا و كفربطنا و دقانية و حجيرة و عين ثرماء و جديا و طرميس و بيت لهيا و برزة. و من هذه القرى ما دثر الآن، و ذكر المحدثين من أهل منين و أهل بعلبك مما دل على العناية بالحديث في القرن السادس.

و محمد بن مياس العرّماني الشاعر الأديب و موسى القمراوي الفقيه الأديب المناظر (625) و مسعود بن أبي الفضل النقاش الحلبي الشاعر و التاج الصرخدي محمود بن عدي التميمي الشاعر المحسن (674) و الرشيد البصروي سعيد بن‏

43

علي أحد أئمة المذهب الحنفي النحوي الشاعر (684) و علي بن بلبان الكركي (684) و الفخر البعلبكي عبد الرحمن الحنبلي الفقيه المحدث (687) و عبد العزيز الأنصاري شيخ شيوخ حماة قال الصفدي: لا أعرف في شعراء الشام بعد الخمسمائة و قبلها من نظم أحسن منه و لا أجزل و لا أفصح و برع في الفقه و حدث كثيرا (662) و نبغ في حماة ابن بركات له تآليف في التاريخ. و أبو بكر بن الخيثمي الحموي كان إماما في الأدب و محمد بن المظفر بن أبي بكران الحموي عالم الأئمة الفقيه المحدث. و عبد العزيز بن حجة الحموي الشاعر الأديب و أبو المحاسن محمد بن نصر بن عنين الدمشقي الشاعر (632) و محمد بن أبي الفضل الدّولعي الفقيه الخطيب الدمشقي (635) و محمد شمس الدين الأنصاري الكاتب بدمشق (650) و محمد بن العفيف التلمساني الشاعر (688) و محمد بن سوار ابن إسرائيل شاعر (677) و محمد بن عبد المنعم التنوخي شاعر (669) و ابن الساعاتي الشاعر الدمشقي صاحب الديوان المطبوع (604) و فتيان الشاغوري الدمشقي الشاعر المبدع (615) و تقي الدين اليلداني المحدث (655) و علي بن عمر المشد شاعر (656) و أبو المحاسن الشواء الشاعر الحلبي (635) و محمد بن أبي اليسر التنوخي الدمشقي الكاتب الشاعر (669) و عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري البدري الدمشقي إمام فقيه ناظم ناثر له تصانيف جيدة (690) و محمد ابن سعادة مفسر أصولي فقيه نحوي عالم بالخلاف و الأدب و الفرائض (693) و عبد العزيز السلمي الفقيه المجتهد له تصانيف (660) و عبد الرحمن بن نجم الحنبلي الواعظ الفقيه (634) و محمد بن عبد الواحد السعدي المحدث الأصولي الفقيه له عدة تصانيف (643) و الحافظ خالد بن يوسف النابلسي (663) و أبو السخاء فتيان الحلبي النحوي. و يحيى بن حميدة الحلبي المعروف بابن أبي طي صاحب التاريخ و طبقات العلماء (630) و يحيى بن محمود الثقفي الحلبي محدث.

و أحمد بن محمد الطرسوسي الحلبي محدث و يعيش بن علي الحلبي النحوي المعروف بابن الصائغ شرح المفصل للزمخشري المطبوع و شرح تصريف الملوكي لابن جني المطبوع منه المتن (643). و كانت حلب لما دخلها ابن خلكان في هذا العصر في سنة (626) للاشتغال بالعلم أمّ البلاد مشحونة بالعلماء و المشتغلين. و مما انفرد

44

به هذا القرن على صورة لم يسبق لها مثال إنشاء ثلاث مدارس للطب و مدرسة للهندسة في دمشق فكان في هذه العاصمة أعظم جامعة إسلامية عربية حوت العلوم الدينية و الدنيوية فلم تكن دون القاهرة بأزهرها الذي بني في القرن الرابع و لا بغداد بمدرستها النظامية.

الإمام ابن تيمية و الإصلاح الديني و الأدب و العلم في القرن الثامن:

اختص القرن الثامن بقيام أعظم مصلح فيه و في قرون كثيرة من قبله و من بعده، أراد إرجاع الدين إلى نضرته الأولى، و تعريته من القشور التي ألصقها به الجهلة المتنمسون، فآذوه و عذبوه، و سجنوه و نفوه، و نعني به شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية نابغة النوابغ في الشرع و صاحب التآليف العديدة الممتعة المطبوعة، و إمام المعقول و المنقول، و سيد العلماء، و رأس الفقهاء (728) و إن دمشق لتفاخر و حق لها الفخر بأنها تجلت فيها روح ابن تيمية، و دفنت أعظمه في تربتها، و لكن عصره يخجل كل الخجل من أعمال من ناهضوه مدفوعين بعامل الحسد، و لا سيما المشايخ بنو السبكي الذين آذوه فأكثروا من أذاه، طمعا في نيل الحظوة من العامة و الملوك و استعانوا بنفوذهم السياسي في حكومة مصر و الشام فاعتقلوه زمانا في القاهرة و الإسكندرية و دمشق، و الأمة و عقلاء علمائها تقدسه حتى لقي ربه. و قد أشبه ابن تيمية في دعوته في الإسلام «لوثيروس» صاحب المذهب الإنجيلي في النصرانية بيد أن مصلح النصرانية نجح في دعوته، و مصلح الإسلام أخفق و ياللأسف.

قال السيوطي: إن دمشق كثر بها العلم في زمن معاوية ثم في زمن عبد الملك و أولاده و ما زال بها فقهاء و محدثون و مقرئون في زمن التابعين و تابعيهم ثم إلى أيام أبي مسهر و مروان بن محمد الطاطري و هشام و دحيم و سليمان بن بنت شرحبيل ثم أصحابهم و عصرهم. و هي دار قرآن و حديث و فقه، و تناقص بها العلم في المائة الرابعة و الخامسة و كثر بعد ذلك و لا سيما في دولة نور الدين‏

45

و أيام محدثها ابن عساكر و المقادسة النازلين بسفحها ثم كثر بعد ذلك بابن تيمية و المزيّ و أصحابهما.

و نبغ أفراد في هذا العصر و لا سيما في الفلك و التاريخ و الجغرافيا و الحديث، و منهم بدمشق البرزالي محدث الشام و صاحب التاريخ و المعجم الكبير (740) و الحافظ جمال الدين المزي صاحب التصانيف (742) و الحافظ محمد بن قايماز الذهبي عالم الشريعة و الأدب و التاريخ و له عشرات من المصنفات أكثرها في التاريخ و الرجال منها تاريخ الإسلام و المشتبه و ميزان الاعتدال و طبقات الحفاظ و هذه الثلاثة الأخيرة مطبوعة (748) و الحافظ عماد الدين بن كثير المفسر المؤرخ الفقيه صاحب التآليف و منها تاريخه المطول المطبوع (774) و محمد بن أبي بكر الزرعي المعروف بابن قيم الجوزية الدمشقي الإمام الحجة المجدد من أكبر أنصار شيخ الإسلام ابن تيمية (751) طبعت بعض كتبه في السنة و من أهمها إعلام الموقعين. و أحمد بن فضل اللّه العمري الدمشقي إمام أهل الأدب و التاريخ و الجغرافية و الأسطرلاب و حل التقاويم و صور الكواكب و له عدة مصنفات منها مسالك الأبصار و التعريف بالمصطلح الشريف و هما مطبوعان. و مسالك الأبصار معلمة أدبية تاريخية كبرى (749) و صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي الأديب المؤرخ صاحب الكتب المهمة من المطبوع منها الوافي بالوفيات (أجزاء) و نكت العميان و شرح قصيدة ابن زيدون و الأرب من غيث الأدب و تشنيف السمع و الغيث المنسجم و نسب الجراكسة و لوعة الشاكي و جنان الجناس إلى غير ذلك (764) و الملك المؤيد إسماعيل أبو الفداء و كان عالما فقيها مؤرخا جغرافيا فلكيا منها تاريخه و كتابه تقويم البلدان و هما مطبوعان (732) و كان يفضل على العلماء كثيرا أوى إليه أثير الدين الأبهري فرتب له ما يكفيه و رتب لجمال الدين ابن نباتة في دمشق كل سنة ستمائة درهم غير ما يتحفه به. و بعمل الملك المؤيد أبي الفداء و عمل أسرته من قبل و من بعد أصبحت حماة مدينة علم و أدب و خرجت رجالا يفتخر بهم في تاريخ العلم و كانت أشبه بالقرى في القرون الأولى للفتح الإسلامي. و مثل هؤلاء الملوك على صغر ممالكهم كانوا مادة العلم و الأدب في تلك العصور، و كثيرا ما كان ملوكنا هؤلاء يحتالون‏

46

لنشر العلم بطرق غريبة حتى إن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل شرط لكل من يحفظ المفصل للزمخشري مائة دينار و خلعة فحفظه لهذا السبب جماعة. و من قرأ المفصل تعلم النحو و الأدب معا. و في أواخر دولة المعظم عيسى هذا و في دولة أبيه داود اشتهر بدمشق الاشتغال بعلوم الأوائل و كثر ذلك فأخمد في الدولة الأشرفية. و لعل ما نال أصحاب ابن حزم الظاهري من الضرب الذي أوعز به ملك مصر إلى فقهاء الشام في القرن الثامن كان من جملة ما ارتآه الجامدون من الأسباب للنيل من المجددين.

و جاء في هذا العصر أبو بكر محمد الأنصاري المعروف بشيخ الربوة الدمشقي كان يعرف الرمل و الأوفاق و نحو ذلك من العلوم و هو صاحب نخبة الدهر في القوزموغرافيا و الجغرافيا المطبوع و السياسة في علم الفراسة (727) و أبو بكر بن عبد اللّه بن أيبك صاحب صرخد له تآليف كثيرة. و محمد الأكمل بن مفلح الدمشقي الفقيه المؤرخ (764) و محمد بن شاكر الكتبي صاحب التصانيف منها فوات الوفيات المطبوع و عيون التواريخ (764). و عمر بن الوردي المعروف بابن أبي الفوارس صاحب التاريخ و ديوان الشعر و المقامات المطبوعة كان فقيها أديبا (749). و علي بن إبراهيم علاء الدين بن الشاطر الفلكي الدمشقي (777) و يعرف أيضا بالمطعم الفلكي، كان أوحد زمانه يعرف تطعيم العاج و عالما بالهيئة و الحساب و الهندسة و كانت له ثروة و مباشرات و دار من أحسن الدور وضعا و أغربها، و له الزيج المشهور و الأوضاع الغريبة التي منها البسيط الموضوع في منارة العروس بجامع دمشق يقال: إن دمشق زينت عند وضعه، و في تاريخ الصالحية أن ابن الشاطر هو صاحب الأسطرلاب و البسيط و كان له نظر على التوقيت بالجامع و ألف الزيج و الكرة و له الرسالة عليها. و يعرف علم الخيط في المزولة و تركيبها.

و من المهندسين محمد بن إبراهيم المهندس و المعلم عمر بن نجيم و المعلم محمد الصفدي و المعلم علي بن محمد التقي المهندس كان معاصرا لابن فضل اللّه و حدثه بأحاديث عن الجامع الأموي و شهاب الدين أحمد الحموي النقاش كتب الختمة

47

الشريفة من أولها إلى آخرها على خوصة مفصلة الأجزاء و السور. و من المحدثين الحافظ علي بن محمد اليونيني البعلي (701) قال الزبيدي و له و لأبيه ترجمة حسنة و إخوته البدر الحسن و القطب موسى و أمة الرحيم حدثوا و من ولده الصدر عبد القادر و عم أبيه الزين عبد الغني و هم بيت علم و حديث. و عمر بن إبراهيم العجمي الحلبي فقيه فرضي حاسب له مصنفات (777) و حسن بن عمر بن حبيب الحلبي له عدة تآليف منها درة الأسلاك في دولة الأتراك و أكثر كتبه مسجعة (779) و علي بن مظفر الوداعي المقرئ المحدث الكاتب وقف التذكرة الكندية في خمسين مجلدا وضعها في المدرسة السميساطية و هي بخطه في فنون مختلفة (716) و قاضي القضاة بدمشق عبد اللّه المقدسي (731) و الجلال القزويني إمام البيان صاحب المصنفات و المثل السائر في الخطابة (739) و علي ابن سليم بن ربيعة الأذرعي فقيه أديب نظم التنبيه في الفقه في ستة عشر ألف بيت و شعره كثير (732) و عبد اللّه بن مروان الفارقي الخطيب الفقيه (703) و أحمد بن إبراهيم بن سباع الفزاري الخطيب النحوي المحدث (705) و محمد ابن أبي بكر الأرموي القرافي صاحب التآليف (714) و صلاح الدين خليل ابن كيكلدي الدمشقي ثم المقدسي أخذ عن مشايخ الدنيا له عدة مصنفات محررة (761) و شيخ قراء دمشق أحمد بن محمد بن أبي الحزم سبط السلعوس (731) و أحمد بن البرهان له مصنفات (738). و محمد بن عبد الهادي البحر الزاخر في العلم (744) و شيخ القراء ذو الفنون إبراهيم بن عمر الجعبري بالخليل (732) و تصانيفه كثيرة. و محمد بن جماعة الكناني الحموي له معرفة بفنون و له عدة مصنفات (733) و محمد بن علي المؤذن المعروف بابن أبي العشائر (789) له عدة مصنفات منها تاريخ قنسرين. و عبد الرحمن الفقيه المواقيتي سبط الأبهري و كان له يد طولى في الرياضي و الوفق و العمليات و مشاركة في فنون (733) وهبة اللّه البارزي الجهني الحموي المؤلف العالم المشهور (738) و عثمان بن محمد البارزي الحموي شرح الحاوي في الفقه (730) و إسماعيل بن محمد بن جمال الدين بن الفقاع الحموي (715) العالم بالقرآات العربية درس في عدة مدارس بحماة و شهاب الدين السبكي الفقيه له تآليف (771) و الكمال ابن الزملكاني الفقيه الأصولي العالم بالعربية صاحب الرسائل (727) و الأمير

48

العالم الشاعر أبو بكر محمد بن صلاح الدين بن صاحب الكرك (730) و سليمان ابن أبي العز الأذرعي الفقيه (707) و القاسم بن محمد الإشبيلي المحدث المؤرخ (739) و محمد بن سليمان الصرخدي المصنف الجامع بين أشتات العلوم (792) و قاضي القضاة يوسف المحجي (738) و ابن أخيه محمود بن محمد ابن جبلة الخطيب و محمد بن إسماعيل الكفربطناوي من فقهاء المدارس، و قاضي قضاة دمشق إبراهيم بن عبد الباعوني و محمد بن يعقوب المعروف بابن الصاحب الحلبي (763) فقيه أديب كاتب و محمد بن عيسى البعلي كان صاحب فنون (730) و أسمى بنت محمد بن سالم بن صصرى التغلبية المسندة المحدثة (733) و زينب بنت الكمال محدثة قرأ عليها كبار العلماء. و ست العرب ابنة محمد بن علي الدمشقية المحدثة كانت حية سنة 766 و من الأطباء سليمان بن داود كبير الأطباء بدمشق (732) و أحمد بن الصلاح البعلبكي الطبيب في بعلبك صاحب التآليف.

و من الشعراء و الكتاب علاء الدين بن غانم كاتب شاعر (737) و الحسن بن علي المحدث الكاتب المجود (732) و محمد بن الحسن الصائغ العروضي الأديب الشاعر له تآليف (722) و أحمد أبو جلنك الشاعر الحلبي (701). و من كتاب هذا القرن الشهاب محمود الحلبي صاحب حسن التوسل في معرفة صناعة الترسل (755) و أحمد الأنصاري. إلى أمثالهم ممن نبطوا العلم و نشروه و أظهروه.

و يلاحظ أن أعلاما من العلماء اشتهروا في هذا القرن و الذي قبله و بعده، و كثير منهم نشأ من قرى الجنوب و الشمال، و القرى ما زالت مادة المدن في العلم و الأدب كما هي في الزرع و الضرع، و من مواطنهم اليوم من لا يعرف شيئا مما يطلق عليه اسم العلم، و بعضها في جاهلية جهلاء، مثل زملكا و حرستا و كفربطنا و المزة و يلدا و داريا و إزرع و محجة و نوى و الجيدور و يبرود و البقاع و عجلون و صرخد و متان و قمرا و حسبان و الكرك و جبرين و يونين و أنطاكية و صفد و بعلبك و المعرة و كفرطاب و شيزر. و توشك بعض تلك القرى أن تدثر، و أعمال النابغين فيها خالدة خلود الدهر فسبحان من هذا شأنه.

49

العلوم في القرن التاسع:

بدأت طلائع الانحطاط في القرن التاسع، فلم ينبغ في الشام رجل أحدث عملا علميا عظيما، أو دل على نبوغ في فرع من فروع العلم، و كثر فيه الجماعون و المختصرون و الشارحون من المؤلفين، و السبب أن حكومة المماليك البرجية و البحرية كانت تشتد في إرهاق المتفلسفة و المتفقهة على غير الأصول المتعارفة التي لم يشتهر منها سوى أربعة أئمة: الحنفي و الشافعي و المالكي و الحنبلي. فكان المخالف قليلا يعزر على مذهب المالكية، و القتل أيسر مراتب التعزير عندهم، ثم زادت الحال اشتدادا في أوائل القرن بانسيال جيوش تيمورلنك على القطر، و قتله لبعض العلماء، و حمله إلى سمرقند كل ممتاز بعلم أو صناعة.

و مع هذا نشأ في هذا القرن أفراد قلائل في العلم ذكر التاريخ تراجمهم، و منهم أبو بكر بن أحمد ابن قاضي شهبة صاحب الطبقات و غيره (851) و أحمد بن علاء الدين حجي الحسباني الدمشقي الحافظ المؤرخ له كتاب سماه الدارس في أخبار المدارس و لعله الأصل لكتاب النعيمي في المدارس و له ذيل على تاريخ ابن كثير و غيره (815) و أحمد بن محمد بن عربشاه له عدة مصنفات في الأدب و التاريخ شاعر كاتب مجيد في اللغات العربية و الفارسية و التركية و من تآليفه عجائب المقدور في أخبار تيمور و هو مطبوع (854) و صالح بن يحيى صاحب تاريخ بيروت و أمراء الغرب المطبوع كان في أواسط القرن التاسع و نقل عن أحمد بن شباط الغربي الأديب المؤرخ أيضا.

و من الفقهاء إبراهيم بن محمد العجلوني الفقيه كان في الشاميين نظير البيجوري في المصريين (825) و إبراهيم بن إبراهيم النووي متميز في الفرائض و الحساب و متعلقاتهما له تآليف (850) و إبراهيم بن علي الحسني البقاعي له مصنفات في الفقه و النحو و المنطق و الحكمة و أدب البحث و غيرها.

و إبراهيم بن محمد بن مفلح فقيه (803) و عبد اللّه بن مفلح رئيس الحنابلة (834) و تقي الدين الحصني عالم له مصنفات في الفقه و غيره (829) و أبو بكر محمد بن مزهر الدمشقي الفقيه انتهت إليه رياسة عصره (832) و علاء الدين البهائي الغزولي عالم دمشق (885) له كتاب مطالع البدور في منازل‏

50

السرور مطبوع، و إبراهيم البقاعي ترك مائة مؤلف كان إماما بالعربية و الأدب و الدين و التاريخ له نظم الدرر في تناسب الآي و السور في التفسير و عدة تواريخ للرجال، و عبد اللّه التنوخي الأمير اللبناني المعروف بالسيد فقيه أديب مشارك في الطب و الفلك طبعت بعض رسائله في الوعظ (884)، و محمد بن أحمد الباعوني (871) له مؤلفات منها منظومات في التاريخ.

و نشأ في هذا القرن أحمد الطولوني كبير المهندسين و كان أبوه وجده مهندسين. و خليل بن جمال الدين الأديب المؤرخ الدمشقي صنف تاريخا للحوادث و غيره (815) و محمود العيني (855) الفقيه المؤرخ له عدة مصنفات في التاريخ و غيره. و عبد الرحمن ابن العيني عالم دمشق في هذا القرن.

و أحمد المقدسي المشهور بابن زوجة أبي عذيبة (856) صاحب تاريخ دول الأعيان.

و أحمد بن حجر العسقلاني الفقيه المحدث المؤرخ (852) صاحب تاريخ الدرر الكامنة (المطبوع) و إنباء الغمر. و أحمد بن خليل المعروف بابن اللبودي له أدب و شعر و بعض تآليف (896) و أحمد بن المحوجب عالم بالدينيات و اللسانيات. و أحمد بن عبد اللّه العامري فقيه أصولي له تآليف.

و أحمد بن محمد الكشك عالم فقيه (837) و زين الدين بن رجب الحنبلي له عدة مصنفات و منها طبقات الحنابلة المطبوع. و أبو العباس المالكي الفقيه العالم المفنن له عدة مصنفات. و عبد الرحيم بن عبد الرحمن الحموي فقيه أديب له مصنفات. و محمد بن خليل القباقيبي الحلبي (849) إمام في القراآت صنف فيها. و عبد اللّه ابن قاضي عجلون فقيه عالم بالمعقولات (865) و قاضي القضاة العوني الناصري خطيب الخطباء (815). و صدقة الجيدوري المقرئ (825) و نور الدين أبو الثناء خطيب الدهشة استوطن حماة له تآليف كثيرة.

و محمد الجزري الدمشقي المقرئ صاحب المصنفات الجليلة منها كتاب الطبقات، و النشر في القراآت العشر طبعا (833) و عائشة بنت عبد الهادي محدثة دمشق (815) و أبو البقاء البدري له تآليف (887) و علاء الدين ابن خطيب الناصرية الحلبي المؤرخ (843) و أبو بكر بن علي بن حجة الحموي الأديب الشاعر صاحب الخزانة و ثمرات الأوراق و غيرهما و هما مطبوعان و كان رئيس أدباء عصره (837). و زين الدين ابن الشحنة الحلبي الفقيه المؤرخ (815) كتب‏

51

في عدة فنون و له أراجيز في اللغة و الدين و التصوف و الأحكام و الفرائض.

و محمود ابن الشحنة الفقيه الشاعر الأديب (890) له عدة تآليف منها الدر المنتخب في تاريخ حلب طبع مختصره. و أحمد السرميني الحلبي الفلكي (824) كان إماما في الهيئة و حل الزيج و عمل التقاويم. و عبد الملك البابي الحلبي (839) علم بالقراآت له نزهة الناظرين في الأخلاق. و عز الدين ابن عبد السلام السعدي المقدسي العالم الرحلة صاحب التآليف (850). و البدر البشتكي محمد بن إبراهيم الدمشقي (830). و علي بن خليل الطرابلسي (844) له كتاب في الفقه اسمه معين الحكام. و ابن حبيب الحلبي (808) له عدة مصنفات.

و عبد اللّه بن جماعة المقدسي صاحب التآليف (865). و البرهان الحلبي المحدث (841) و عبد اللّه توقشندي المقدسي عالم زمانه في الأرض المقدسة (867).

و من علماء السريان نوح البقوفاوي بطريرك اليعاقبة في حلب. و قد امتاز هذا القرن بكثرة المدارس في لبنان قال الدويهي في حوادث سنة 875 ه: و قد أحصينا أسماء من كان من النساخ في ذلك العهد ممن وقفنا على كتبهم فإذا هم ينيفون على مئة و عشرة و في ذلك الوقت أهملوا الخط الاسترنكالي المربع و تمسكوا بالسرياني المدور.

انحطاط العلم و الأدب في القرن العاشر:

زاد انحطاط العلم في القرن العاشر، فلم تكن أيام الترك العثمانيين ميمونة على المعارف في هذه الديار مثل القرنين السالفين. و كانت الآداب تسير إذ ذاك بقوة التسلسل منبعثة من قوتها القديمة، و إذ اختلف لسان الحاكم و المحكوم عليه، و خصت الوظائف الدينية الكبرى بجماعة السلطان من الترك، مالت النفوس عن العلم، اللهم إلا من كانت لهم فطر سليمة عشقوه لفائدته و قليل ما هم. ذكر المقدسي أن أهل الدولة العثمانية كانوا لا يولّون المدارس في الشام أحدا من أبناء العرب، زاعمين أن العلماء في العرب كثير و أنهم إن ولوا عربيا من غير طريقهم، كثر الطالبون من أبناء العرب و عجزوا عن إرضائهم، و ضاق الأمر على ملازمي الروم. و حصر الترك عنايتهم بالاستانة كما حصروها من قبل ببورصة، فجعل الفاتح القسطنطينية عاصمة العلم، بل جامعة ذاك‏

52

العصر، كما قال جودت. و كان العلماء بعد الفتح العثماني يأتون إلى القسطنطينية زرافات، و لذلك لم يكن حظ للولايات دع البعيدة من عناية الدولة العثمانية بها و ترقيتها في العلم و الآداب.

و تسلسل العلم الديني في بعض البيوت بدمشق في هذا القرن و الذي بعده على صورة غريبة مثل بني الغزي و حمزة و فرفور و العمادي و النابلسي و مفلح و ممن نبغ بدمشق محمد بن محمد الغزي العالم بعلوم اللسان و غيرها و له عدة مصنفات (935). و محمد بن بدر الدين الغزي الفقيه المفسر النحوي المحدث المقرئ الأصولي النظار المؤرخ و له مئة و بضعة مصنفات (984). و عبد الرحمن بن فرفور عالم بالتاريخ و الأدب (992). و امتاز في الدينيات محمد بن حمزة (933) و علي بن إسماعيل بن عماد الدين (971) و إسماعيل النابلسي (993). و إبراهيم بن عمر بن مفلح (917). و كان فيه محمد بن علي بن طولون النحوي الفقيه المحدث المؤرخ صاحب مصنفات كثيرة في التاريخ على اختلاف ضروبه و منها المطبوع (953). و عبد القادر النعيمي المؤرخ المحدث ألف كتبا كثيرة منها الدارس (927). و عبد الباسط العلموي اختصر بعض كتب النعيمي و زاد عليها و منها مختصر الدارس (981). و ابن سكيكر الدمشقي المؤرخ له زبدة الآثار في ما وقع لجامعه في الإقامة و الأسفار (987). و بهاء الدين محمد بن يوسف الباعوني و مؤلفاته مثل مؤلفات عمه أراجيز تاريخية (910).

و من علماء القرن في دمشق محمد بن محمد بن سلطان العالم الفقيه صاحب التآليف (950). و محمد بن مكي عالم بالطب و الهيئة و الهندسة و الفلك (938) و عرف بالمهارة في الفقه و غيره. و أبو بكر البلاطنسي (936). و أبو بكر محمد القاري (935) و أبو الفتح البستري (962). و أحمد بن محمد الشويكي له تآليف (966) و إسماعيل الكردي الباني عالم بالمعقولات (956). و عثمان الآمدي و هو خطيب متفنن (985). و محمد بن محمد بن عماد الدين عالم في الدينيات (986). و أحمد بن أحمد الطيبي الفقيه النحوي له عدة مصنفات (979) و أسد الشيرازي عالم في البلاغة و العربية و المنطق و الأصلين و الفقه (998).

و محمد بن هشام نحوي (907)، و محمد بن منيعة (904). و محمد الكنجي له يد في النحو و الحساب و الميقات و القرآن (932). و محمد الكفرسوسي‏