خطط الشام‏ - ج5

- محمد الكرد علي المزيد...
296 /
3

الجزء الخامس‏

التاريخ المدني‏

[الجيش‏]

جيوش الأشوريين و الفراعنة و العبرانيين:

لم تغلب القبائل الأولى التي كانت تسكن الشام على أمرها، إلا يوم جاءها من أشور جيش منظم في الجملة أغار عليها و استصفى أرضها، و إذا عرفنا أن الأشوريين عرفوا بسفك الدماء، و أنهم طالما أسروا شعوبا برمتها، و أنهم يعتقدون في ملوكهم الخلافة عن اللّه في الأرض كما كان الروس و العثمانيون يقولون بذلك إلى عهد قريب- ندرك مبلغهم من الطاعة، و أن الأرواح كانت نهب صاحب الشأن، ينهبها كما يشاء، و يصرفها في السبيل التي يراها. و الدولة التي تستطيع أن تأسر أمة بأسرها، تجيش جيشا يستميت في قيام أمرها، و يطيع قواده طاعة عمياء.

كان الأشوريون أو الكلدان يغزون في فصل الربيع من كل عام، و سلاحهم الرمح و السيف، و الترس، و الدرع، و القوس و النشاب، و لهم من أدوات النقل المركبات و العربات، و اخترعوا آلات لافتتاح المدن و القلاع.

يقسمون جيوشهم ثلاث فرق، فرقة المشاة و هم القواسة، و فرقة الفرسان و هم الرماحة، و فرقة راكبي العربات الحربية و هم حاملو السيوف و الأتراس.

و كانت الأوامر تصدر إلى القواد من الملك مباشرة، و تبلغ إلى من يلزم على نظام غريب، و لم يؤثر أن غلب الجيش الأشوري في وقعة واحدة.

4

و من هذا الجيش ذاقت الشام أيام استيلاء الأشوريين عليها القهر و الذل.

و كان الفراعنة الذين امتد سلطانهم على بعض أرجاء القطر زمنا يجنّدون أحيانا من الشاميين، و لكننا لا نعرف كيف كانوا يجندون، و قد ظهرت نماذج من أنظمتهم الحربية عرفناها بما حفظ من آثارهم في المتحف المصري.

و كانوا إلى العز أيام تماسك جيوشهم، و إلى الذل إذا ضعف نظامهم في جنديتهم، مثل أيام ملوك الرعاة المعروفين بالهيكسوس و هم العرب أو العمالقة.

و اشتهر العبرانيون أولا أنهم أمة حربية، و كان لكل سبط من أسباطهم حامية أو جيش صغير يدفع به عدوه، و قد لا يكون من الأسباط الأخرى.

و لذلك كان بأسهم بينهم على الأغلب، فكان العبراني أسدا على نفسه و على أبناء جنسه، و نعامة يوم يوافيه الغريب، يؤثر أن يرأم للذلة، على أن يرخص روحه في الذود عن حماه. و كان بقاء الشعب الإسرائيلي في التيه على عهد موسى الكليم سنين طويلة من الحكم التي قصد بها انقراض شيوخهم المستضعفين، و تربية الشبان على الأخلاق الحربية، فتجدد شباب هذه الأمة بهذه الرحلة الطويلة. و لما جاءت جيوش بخت نصر الفارسي و أدريانوس الروماني إلى فلسطين أذاقت أبناء إسرائيل الويلات و لم يغن عنهم ما جيّشوه من الجيوش، و لا ما كتّبوه من كتائب.

جيش اليونان و الرومان:

كانت جيوش الأمم القديمة كما هو الحال عند بعض الأمم الحديثة و لا سيما المستعمرة أخلاطا من الشعوب و أجيالا من الناس. و الأمة التي يكون جيشها من عنصر واحد أو سواده الأعظم منه تكتب لها الغلبة على الأكثر، و يكون نظامها أتم و تحمّسها في النيل من العدو أكثر، و ما نظنّ أن الجيش الذي جاء به الإسكندر المقدوني إلى هذه الديار و هو لا يتجاوز الثلاثين ألف راجل و أربعة آلاف و خمسمائة فارس، إلا مؤلفا من عنصر واحد، و هو الجيش الذي غلب الفرس على كثرة جيوشهم و قضى على دولتهم و سلطانهم و فتح الشرق القريب و الأوسط.

5

و كان جيش الإسكندر أحسن جيش عهد في اليونان، و يتألف الجحفل اليوناني من 16 ألفا من الرجال مصفوفين ألوفا ألوفا ستة عشر صفا يحمل كل واحد منها رمحا طوله ستة أمتار، و كان المقدونيون لا يسيرون في ساحة الوغى إلى جهة العدو، بل يقفون و لا حراك بهم، و يضربون عدوهم برماحهم من كل جانب، فيرفع جنود المؤخرة رماحهم من فوق رؤوس الصفوف الأولى، بحيث كان الجيش يشبه حيوانا عظيما قد انتصب و عليه الحديد، و العدو يداهمه فيتحطم، و الجيش مؤلف على الأغلب من خيار فتيان الأشراف.

و اشتهرت الجيوش الرومانية بشدّتها و حسن نظامها، و ما نظن رومية إلا أنها كانت تجند من أبناء هذه الديار كثيرا، لأن الشام أنبغت عدة رجال غدوا أباطرة و قوادا في رومية، فيستحيل ألّا يشترك أبناؤها في جنديتها، و ألّا تكون منهم الكتائب المنظمة و المتطوّعة أو المستأجرة على شروط معينة، خصوصا و الشام كانت ولاية رومانية. و كان يقضى على كل من يدخل الجيش الروماني أن يكون وطنيا رومانيا و أن يكون له مورد ثروة ليجهز نفسه بالسلاح و يأكل و يلبس، و يعفى الفقراء من هذه الخدمة.

و كان من له حق التجند تبعا لقائده من سن السابعة عشرة إلى السادسة و الأربعين، و كان كل فرد في رومية كما كان في المدن الرومانية وطنيا و جنديا معا، و متى احتاجت الدولة إلى الجند يصدر القنصل أمره إلى جميع الوطنيين فيأتون و يحلفون يمين الإخلاص و الطاعة للقائد، و يتعاهدون أن يقاتلوا دون أعلامهم، و يحق للقائد أن يقتل جنديّه أو يبقي عليه، فلا يستطيع جندي أن يفر من الزحف أو يتزحزح عن محله إلا بأمر قائده، و سلاحهم الرماح و السيوف و يستعملون الدروع و الخوذ و الأتراس و يمرنون أبدا جنودهم في إنشاء الطرق و الجسور و المجاري، إذا لم يكن أمامهم عدو يقاتلونه أو متاريس يقيمونها.

الجيش العربي مع الرومي:

فتح الجيش الروماني أعظم مملكة في العصور السالفة، أيام كانت قوته‏

6

تامة، و رابطته متينة، و قيادته موحدة، فلما ضعفت مميزاته، انحلت المملكة و انقسمت إلى مملكتين: مملكة الروم الشرقية و عاصمتها القسطنطينية، و مملكة الروم الغربية و عاصمتها رومية. و كان نصيب هذا القطر أن يقع في حصة المملكة الشرقية في القسمة. و هذه المملكة هي التي حاربتها جيوش العرب لما جاءت لفتح الشام.

و كان الجيش الرومي الذي قاتل العرب على اليرموك و في دمشق و فحل و أجنادين و قيسارية و بيسان و قنسرين و إيلياء مؤلفا من الروم و من العرب المتنصرة و من الأرمن، و جمهرته الروم، و إذ كان جيشا مرتجلا لم يدرب زمنا و كان جيش العرب روحا واحدا، كتبت له الغلبة على قلته و كثرة عدد أعدائه و عددهم، فنال الجيش العربي من الروم، و إن كانوا لأول أمرهم مشهورين بالطاعة لسادتهم، و لما جاءتهم العرب كان أمرهم قد انحلّ، و ميزاتهم قد ضعفت، بل أصبح جيشهم مثال الجيوش المتفسخة، و وقعتهم على الواقوصة في اليرموك مع العرب من أدهش أمارات الضعف و الغفلة.

كان الجيش العربي مشهورا بنظامه و طاعته لقواده، و مهارة هؤلاء و حنكتهم، و كانت للعرب عناية خاصة بالاحتفاظ بخطوط رجعتهم، و لكن أية رجعة لجيش منه من جاء من مكان قصي يبلغ طوله ألفي كيلومتر، و منه من أقل و منه من أكثر، و إذا فرضنا أن مدينة الرسول كانت أس الحركات الحربية، و أن العرب كانوا قد فتحوا الحجاز كله يوم جاءوا لفتح الشام، فجعلوا معسكرهم في أقصى حدودها الشمالية، فخط الرجعة على كل حال لا يقل عن بضع مئات من الكيلومترات، يمر في سباسب و بواد لا ماء في أكثرها و لا كلأ، و كيف كان يتأتى الظفر لو لم يكن قلب كل جندي حصنا قائما بالإيمان، معمورا بالطاعة للسلطان؟

كان الجيش الذي فتح الشام مخفا مقلا من كل شي‏ء، مقلا من الزاد، مقلا من السلاح، مقلا من الظهر، و الخيول قليلة فيه و الإبل أكثر، و الإبل تصبر على العطش أياما، أما الجند العربي فكان يصبر على الجوع و العطش معا. قال جويدي: تعلمت العرب صناعة الحرب من الفرس و الروم و كان ذلك سببا لدخول ألفاظ رومية و فارسية كثيرة في لغتهم.

7

و لما فتحت الشام قسمت خمسة أجناد أي خمسة فيالق بحسب مصطلح هذه الأيام. فسمّيت كل ناحية بجند كانوا يقبضون أعطياتهم فيها، و كان الجنود أولا من عرب الجزيرة ثم دخل فيهم من دان بالإسلام من جميع الشعوب المغلوبة، و كان اليمانيون أكثرية الجيش الشامي، و عليهم جلّ اعتماد رأس بني أمية في الشام. ذكروا أن سفيان بن عوف كان اتخذ من كل جند من أجناد الشام رجالا أهل فروسية و نجدة و عفاف و سياسة و حروب و كانوا عدة له قد عرفهم و عرفوا به.

بعض قوانين الجيش العربي:

و من الجيش ما كان تحت الطلب في كل ساعة، و منه ما يجند أي يجمع في أيام قلائل حين الحاجة، و الأعطيات للجنود دارة في كل شهر، و لهم معظم المغانم في الحروب، يتقاسمونها مع قوادهم بحسب بلائهم و رتبهم و درجاتهم، و للجند مصطلحات معلومة و لهم أمراء و قواد، يعرّفون عليهم العرفاء و ينقّبون عليهم النقباء، لتعرف من عرفائهم و نقبائهم أحوالهم كما قال الماوردي، و لكل طائفة شعار يتداعون به ليصيروا متميزين و بالاجتماع متظافرين، و للأمير «أن يتصفح الجيش (أي يستعرضه و يفتشه) و من فيه ليخرج من كان فيه تخذيل للمجاهدين و إرجاف للمسلمين أو عين لهم للمشركين. و إن احتاج أمير المؤمنين إلى جند و كتب إلى من ولاه ناحية من بلاده بإشخاصهم إليه أو إلى أي ناحية من النواحي أو إلى عدو من أعدائه خالفه أو أراد نقض شي‏ء من سلطانه أن ينفذ أمره و لا يخالفه و لا يقصر في شي‏ء كتب به إليه».

و أوجبوا على أمير الجيش في سياسته عشرة أشياء: أحدها حراستهم من غرة يظفر بها العدو منهم، و ذلك بأن يتتبع المكامن و يحوّط سوادهم بحرس يأمنون به على نفوسهم و رجالهم، ليسكنوا في وقت الدّعة و يأمنوا ما وراءهم في وقت المحاربة. و الثاني أن يتخيّر لهم موضع نزولهم لمحاربة عدوهم، و ذلك أن يكون أوطأ الأرض مكانا، و أكثرها مرعى و ماء، و أحرسها أكنافا و أطرافا ليكون أعون لهم على المنازلة، و أقوى لهم على‏

8

المرابطة. و الثالث إعداد ما يحتاج الجيش إليه من زاد و علوفة، تفرق عليهم في وقت الحاجة حتى تسكن نفوسهم إلى مادة يستغنون عن طلبها ليكونوا على الحرب أوفر، و على منازلة العدو أقدر. و الرابع أن يعرف أخبار عدوه حتى يقف عليها و يتصفح أحوالها حتى يخبرها فيسلم من مكره، و يلتمس الغرة في الهجوم عليه. و الخامس ترتيب الجيش في مصاف الحرب و التعويل في كل جهة على من يراه كفؤا لها. و يتفقد الصفوف من الخلل فيها، و يراعي كل جهة يميل العدو إليها بمدد يكون عونا لها. و السادس أن يقوّي نفوسهم بما يشعرهم من الظفر، و يخيل لهم من أسباب النصر، ليقل العدو في أعينهم فيكون عليه أجرأ و بالجرأة يتسهّل الظفر. و السابع أن يعد أهل الصبر و البلاء منهم بثواب اللّه لو كانوا من أهل الآخرة، و بالجزاء و النفل من الغنيمة إن كانوا من أهل الدنيا. و الثامن أن يشاور ذوي الرأي فيما أعضل، و يرجع إلى أهل الحزم فيما أشكل، ليأمن الخطأ و يسلم من الزلل.

و التاسع أن يأخذ جيشه بما أوجبه اللّه تعالى من حقوقه، و أمر به من حدوده، حتى لا يكون بينهم تجوز في دين، و لا تحيف في حق. و العاشر أن لا يمكن أحدا من جيشه أن يتشاغل بتجارة أو زراعة، لصرفه الاهتمام بها من مصابرة العدو و صدق الجهاد.

و لهم في هذا الباب قوانين مهمة لا تقل في حفظ رابطة الجيش عن كثير من قوانين الجندية في الحرب و السلم في هذا العهد الحديث، منها أنه لا يجوز إذا نقض العدو عهدا أن يقتل ما في أيدي المسلمين من رهائنهم. فقد نقض الروم عهدهم زمن معاوية و في يده رهائن فامتنع المسلمون جميعا من قتلهم و خلوا سبيلهم، و قالوا: وفاء بغدر، خير من غدر بغدر. و منها أنه يجوز لأمير الجيش في حصار العدو أن ينصب عليهم العرادات و المنجنيقات و أن يهدم عليهم منازلهم، و أن يضع عليهم البيات و التحريق. و إذا رأى في قطع نخلهم و شجرهم صلاحا يستضعفهم به ليظفر بهم عنوة أو يدخلوا في السلم صلحا فعل، و لا يفعل إن لم ير فيه صلاحا.

و ذكر ابن خلدون أن الحرب أول الإسلام كانت زحفا كلها، و الزحف أن تمشي الفئتان المتقاتلتان كل فئة مشيا رويدا إلى الفئة الأخرى‏

9

قبل التداني للضراب، و هي مزاحف أهل الحرب، و ربما استجنت الرجالة بجثثها، و تزاحفت من قعود، إلى أن يعرض لها الضراب أو الطعان. و كان العرب إنما يعرفون الكرّ و الفر حملهم على إبداله أمران أول الإسلام، أحدهما أن أعداءهم كانوا يقاتلون زحفا فيضطرون إلى مقاتلتهم مثل قتالهم، الثاني أنهم كانوا مستميتين في جهادهم لما رغبوا فيه من الصبر، و لما رسخ فيهم من الإيمان، و الزحف إلى الاستماتة أقرب. و أول من أبطل الصف في الحروب و صار إلى التعبية كراديس مروان بن الحكم، أبطل الصف فتنوسي قتال الزحف. و زعموا أن امرأة قالت لولدها: إذا رأت العين العين فدغرا و لا صفا، أي ادغروا عليهم أي احملوا و لا تصفوا صفا.

و كان قواد الجيوش يرسمون الخطط الحربية بحسب قواعد لهم قديمة، أو يستنبطونها من الحال و الموقع، كما فعل علي بن أبي طالب يوم صفين فدعا زياد بن النضر و شريح بن هانئ فعقد لكل واحد منهما على ستة آلاف فارس، و قال: ليس كل واحد منكما منفردا عن صاحبه، فإن جمعتكما حرب فأنت يا زياد الأمير، و اعلما أن مقدمة القوم عيونهم، و عيون المقدمة طلائعهم، فإياكما أن تسأما عن توجيه الطلائع و لا تسيرا بالكتائب و القبائل من لدن مسيركما إلى نزولكما إلا بتعبية و حذر، و إذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في أشرف المواضع، ليكن ذلك لكم حصنا حصينا، و إذا غشيكم الليل فحفوا عسكركم بالرماح و الترسة، و ليلهم الرماة، و ما أقمتم فكذلك فكونوا، لئلا يصاب منكم غرة، و احرسا عسكركما بأنفسكما و لا تذوقا نوما إلا غرارا و مضمضة، و ليكن عندي خبركما فإني- و لا شي‏ء إلا ما شاء اللّه- حثيث السير في أثركما، و لا تقاتلا حتى تبدءا أو يأتيكما أمري إن شاء اللّه.

و لقد كان للجيش ثكنات لإيواء الجند، قال ابن حوقل: ليس من مدينة عظيمة إلا و بها دار ينزلها غزاة تلك البلدة، و يرابطون بها إذا وردوها، و تكثر لديهم الصلات، و ترد عليهم الأموال و الصدقات العظيمة، إلى ما كان السلاطين يتكلفونه، و أرباب النعم يعانونه و ينفذونه، متطوعين متبرعين، و لم يكن في ناحية رئيس و لا نفيس، إلا و له عليها وقف من‏

10

ضيعة ذات مزارع و غلات، أو مسقف من فنادق اه. و لقد جعل بعض الأغنياء دأبهم إذا اجتازت بهم الجيوش أن يقروها و يبروها، و من رجال بني أمية من جعل ذلك ديدنه، و أهل الخير على اختلاف طبقاتهم يتصدقون على الجيش.

و اشترط العرب على أهل الذمّة أن يؤووا جندهم ثلاثة أيام على الأغلب و يطعموهم من طعامهم، عناية من الفاتح بجنوده، و حتى لا تتبرم الرعية بنزولهم عليهم إن لم يكن لهم حق النزول. و كانوا لأول أمرهم يختارون النزول في الخيام و المضارب، فإذا كلب الشتاء ينزلون في المدن و القرى، و يأوون إلى دور الروم الذين رحلوا بقدوم الفاتحين، و أول من أنزل الجند في بيوت غيرهم الحجاج، أنزل أهل الشام ببيوت أهل الكوفة.

و كان الأمويون في بعض أدوارهم يجندون الشبان و يجردونهم ليعرفوا عاهاتهم و حالتهم من الصحة. و في الأغاني أن الحجاج ضرب البعث على المحتلمين و من أنبت من الصبيان، فكانت المرأة تجي‏ء إلى ابنها و قد جرد فتضمه إليها و تقول له: بأبي، جزعا عليه، فسمي ذلك الجيش جيش بأبي.

و قد أحضر ابن عبدل فوجد أعرج فأعفي عنه فقال بذلك:

لعمري لقد جزدتني فوجدتني* * * كثير العيوب سي‏ء المتجرّد

فأعفيتني لما رأيت زمانتي* * * و وفقت مني للقضاء المسدّد

و كان غرامهم بالخيل المطهمة يدربونها على الطراد و يربونها و يتعهدونها، و من ملوكهم من يستكثر منها جدا لتكون معدّة ليوم الشدة. روى ابن السائب الكلبي أن هشام بن عبد الملك قال يوما لقوامه على خيله: كم أكثر ما ضمّت حلبة من الخيل في الجاهلية و الإسلام، قالوا: ألف فرس و قيل ألفان. فأمر أن يؤذّن بالناس بحلبة تضم أربعة آلاف فرس فقيل له: يا أمير المؤمنين يحطم بعضها بعضا فلا يتسع لها طريق. قال: نطلقها و نتوكل على اللّه و اللّه الصانع، فجعل الغاية خمسين و مائتي غلوة و القصب مائة و القوس ستة أسهم، و قاد إليه الناس من كل أوب، ثم برز هشام إلى دهناء الرصافة قبيل الحلبة بأيام فأصلح طريقا واسعا لا يضيق بها، فأرسلت يوم الحلبة بين يديه و هو ينظر إليها تدور حتى ترجع و جعل الناس يتراءونها- نقله ياقوت.

11

تعبية الجيش العربي:

و ذكر بعض العارفين من علماء العرب أن أكثر من وضع شيئا في تعبية الحروب جعل أعداد أصحاب السلاح 384، 16 و جعل جيش العزّل نصف هذا العدد، و جيش الفرسان نصف جيش العزّل. و ذلك أن هذا العدد ينقسم بقسمين إلى أن ينتهي إلى الواحد، و إذا جعلنا الصّف المتقاطر ستة عشر رجلا يجب أن يكون في هذا العدد من الصفوف المتقاطرة ألف صف و أربعة و عشرون صفا. و هذه الصفوف تنقسم إلى أنواع، فكل ستة عشر تسمى صفا، و كل صفين من هذه الصفوف المتقاطرة تسمى عصبة، و عدد من فيها من الرجال اثنان و ثلاثون رجلا، و المقدم عليهم يسمى صاحب العصبة، و كل أربعة صفوف متقاطرة تسمى مقنبا، و الذي يرأسه يدعى صاحب المقنب، و عدد من فيها من الرجال أربعة و ستون رجلا، و كل مقنبين يسميان كردوسا، و عدد من فيه من الرجال مائة و ثمانية و عشرون رجلا من الصفوف المتقاطرة ثمانية، و المقدم عليها يسمى صاحب المائة و يدعى رئيس الكردوس، و كل كردوسين يسميان جحفلا، و يسميان أيضا فئة، و عدد من فيها من الصفوف المتقاطرة ستة عشر صفا، و من الرجال مائتان و ستة و خمسون رجلا، و المقدم عليهم رئيس الفئة أو الجحفل، و كل جحفل يجمع من هذا العدد خمسة رجال مختارين و منهم صاحب الراية و صاحب الساقة و صاحب البوق و الخادم.

قال: و الذي أختاره أن يكون غلمانه خلفه، يرتبون كترتيب الصفوف المتقاطرة حتى لا يخرجوا عن الصفوف، و شكل الجحفل مربعا كرقعة الشطرنج ثمانية في ثمانية، و هذا ستة عشر طولا و ستة عشر عرضا. و كل جحفلين يدعيان كوكبة، و عدد من فيها من الرجال خمسمائة و اثنا عشر رجلا، و من الصفوف المتقاطرة اثنان و ثلان صفا، و يسمى المقدم عليهم رئيس الكوكبة، و كل كوكبتين زمرة، و عدد من فيها من الرجال ألف و أربعة و عشرون رجلا، و من الصفوف المتقاطرة أربعة و ستون صفا و يسمى صاحبها صاحب الزمرة، و كل زمرتين طائفة، و عدد من فيها

12

من الرجال ألفان و ثمانية و أربعون رجلا، و المقدم عليهم يسمى رئيس الطائفة، فيها من الصفوف المتقاطرة مائة صف و ثمانية و عشرون صفا، و من الناس من يسمي الطائفة الجماعة التامة، و يسمى المتولي عليها رئيس الجماعة التامة، و كل طائفتين يسميان جيشا و عدد من فيه من الرجال أربعة آلاف و ستة و تسعون رجلا، و فيه من الصفوف المتقاطرة مائتا صف و ستة و خمسون صفا، و المتولي لأمره يدعى رئيس الجيش. و بعض الناس يسميه عسكرا و يسمى المتولي عليها قائد الجيش. و كل جيشين يدعيان خميسا، و عدد من فيه من الرجال ثمانية آلاف رجل و مائة و اثنان و تسعون رجلا، و من الصفوف المتقاطرة خمسمائة صف و اثنا عشر صفا، و من الجيش طائفة و منهم من يسميه قافلة، و المتولي عليه يدعى رئيس القافلة، و كل خميسين يدعيان العسكر الأعظم، و فيه من الصفوف المتقاطرة ألف صف و أربعة و عشرون صفا، و من الرجال ستة عشر ألفا و ثلاثمائة و أربعة و ثمانون رجلا و هو العدد الأول، فيصير مجموع العسكر قافلتين و هما أربعة جيوش و الأربعة جيوش اثنان و ثلاثون كوكبة و هي أربعة و ستون جحفلا، و ذلك مائة و ثمانية و عشرون كردوسا و هي. مائتان و ستة و خمسون مقنبا و ذلك الجمع خمسمائة و اثنتا عشرة عصبة و عدد ذلك من الصفوف ما تقدم.

شدة الأمويين و مثال من أوامرهم:

و كان الأمويون من أشد الدول في الشام على جنودهم، و هم في أحسن جند، لأن الشاميين عرفوا بطاعة السلطان من عامة أهل البلدان، و بهم يضرب المثل في الطاعة و المشايعة، و إن لم يخل كل زمن من قوالين بالحق، ناقمين على القائم بالأمر، داعين إلى مناقشته. قالوا: و إنما وريت زناد معاوية بأهل الشام، لأنه كان في أطوع جند منهم. و كان علي بن أبي طالب في أعصى جند من أهل العراق على الضد. و الطاعة أول خطة يسلكها الجندي، و بفضل هذه الصفة المستحسنة رفعت أعلام الأمويين‏

بيض صنائعنا سود و قائعنا* * * خضر مرابعنا حمر مواضينا

(1) في الصين من الشرق،

____________

(1) اول لواء عقده صاحب الرسالة لواء أبيض لعمه حمزة و قال: «خذه يا أسد اللّه» و أول ما عقدت الرايات في الإسلام يوم حنين، عقد الرسول راية سوداء من برد عائشة و كانوا قبل ذلك لا يعرفون إلا الألوية و كان اسم رايته العقاب. و كان شعار بني أمية من الألوان البياض-

13

و في الأندلس من الغرب و ما بينهما من الأقطار و الأمصار، و كان الأمويون إذا عرض لجيوشهم شي‏ء من الضعف يرمّونها برجل قوي الشكيمة فيرد جماحها، و يجمع على الطاعة قلوبها، كما فعل زياد و الحجاج بالعراق، و لو لا شدتهما لخرج ذاك القطر عن طاعة بني أمية.

شكا عبد الملك بن مروان إلى روح بن زنباع انحلال عسكره، و أن الناس لا يرحلون برحيله و لا ينزلون بنزوله، فقال له: إن في شرطتي رجلا لو قلّده أمير المؤمنين أمر عسكره لأرحل الناس برحيله و أنزلهم بنزوله، يقال له الحجاج بن يوسف. قال: فإنا قد قلدناه ذلك. فكان لا يقدر أحد أن يتخلف عن الرحيل و النزول إلا أعوان روح بن زنباع، فوقف عليهم يوما و قد أرحل الناس و هم على الطعام يأكلون، فأمر بهم فجلدوا بالسياط و طوّفهم في العسكر، و أمر بفساطيط روح فأحرقت بالنار.

فدخل روح على عبد الملك باكيا، و شكا مما أتاه الحجاج مع رجاله فقال له‏

____________

- و شعار بني العباس السواد. و يقال للأمويين المبيضة و للعباسيين المسودة. و كانت راية صلاح الدين صفراء و راية الفاطميين خضراء و راية العثمانيين حمراء و بها هلال و منها راية مصر اليوم فيها بعض التبديل أشبه بشعار و الشعار يختلف أيضا. و كان شعار الظاهر بيبرس الأسد و يقول ابن طولون الصالحي: إن سنجق الجراكسة كان من حرير أصفر أطلسي بطرز مزركش بشراريب و هلاله من ذهب شبه نعل المصطفى. و قال غيره: و كانت للمماليك راية كبيرة صفراء و هي مطرزة بالذهب و عليها ألقاب السلطان و بعدها راية عظيمة صفراء أيضا و في رأسها خصلة من الشعر و هي التي تسمى بالجاليش و يتلو ذلك رايات صفر صغار تسمى الصناجق. و كان اللون الأحمر شعار القيسية و اللون الأبيض شعار اليمانية. و جعلوا لون راية دولة الحجاز أيام استقلت عن الترك في الحرب العالمية الأبيض و الأحمر و الأسود و الأخضر جمعوا فيها ألوان دول قديمة أخذوا ذلك فيما قيل من قول الصفي الحلي:

بيض صنائعنا سود و قائعنا* * * خضر مرابعنا حمر مواضينا

و كانت العرب في كل حروبهم يستميتون دون راياتهم فإذا سقطت الراية فكأن الانحلال دب الى الجيش المحارب. و لما أعلن مجلس نواب الشام استقلال سورية في عهد الملك فيصل جعل رايته راية الحجاز بإضافة نجمة في وسطها. و لما احتل الجيش الفرنسي المنطقة الداخلية جعل شعار الدولة السورية أرضا سماوية اللون و في وسطها دائرة بيضاء، ثم تبدل ذلك عندما اتحدت حلب بدمشق فجعلت الراية زرقاء و خضراء و بيضاء يعلوها في إحدى ناحيتيها العلم المثلث الألوان اي العلم الفرنسي، و جعل علم لبنان أرزة فوقها العلم المثلث. و جعل العلم السوري على الشكل الآتي طوله ضعف عرضه، و يقسم إلى ثلاثة ألوان متساوية متوازية أعلاها الأخضر فالأبيض فالأسود على أن يحتوي القسم الأبيض منها في خط مستقيم واحد على ثلاثة كواكب حمراء ذات خمسة أشعة.

14

الخليفة: عليّ به. فلما دخل عليه قال له: ما حملك على ما فعلت. قال:

أنا ما فعلت، قال: و من فعل؟ قال: أنت فعلت، إنما يدي يدك، و سوطي سوطك، و ما على أمير المؤمنين أن يخلف لروح عوض الفسطاط فسطاطين، و عوض الغلام غلامين، فلا يكسرني فيما قدمني له، فأخلف لروح ما ذهب منه. و لما استقرت البيعة لعبد الملك بن مروان أراد الخروج إلى مصعب بن الزبير فجعل يستنفر أهل الشام فيبطئون عليه فقال له الحجاج ابن يوسف: سلطني عليهم فو اللّه لأخرجنهم معك. قال له: قد سلطتك عليهم. فكان الحجاج لا يمرّ على باب رجل من أهل الشام قد تخلف عن الخروج إلا أحرق عليه داره، فلما رأى ذلك أهل الشام خرجوا.

و من رسالة لعبد الحميد الكاتب على لسان مروان إلى ولي عهده عبد اللّه ابن مروان حين وجهه لمحاربة الضحاك الخارجي و فيها بعض قواعد الحرب المعروفة عند الأمويين قال: «إذا كنت من عدوك على مسافة دانية و سنن لقاء مختصر، و كان من عسكرك مقتربا، قد شامت طلائعك مقدمات ضلالته، و حماة فتنته، فتأهب أهبة المناجزة، و أعدّ إعداد الحذر، و كتب خيولك، و عبّ جنودك، و إياك و المسير إلا مقدمة و ميمنة، و ميسرة و ساقة، قد شهروا بالأسلحة، و نشروا البنود و الأعلام، و عرف جندك مراكزهم سائرين تحت ألويتهم، قد أخذوا أهبة القتال، و استعدوا للقاء، ملحين إلى مواقفهم، عارفين بمواضعهم من مسيرهم و معسكرهم، و ليكن ترجلهم و تنزلهم على راياتهم و أعلامهم و مراكزهم، و عرّف كل قائد و أصحابه موقعهم من الميمنة و الميسرة و القلب و الساقة و الطليعة، لازمين لها غير مخلين بما استنجدتهم له، و لا متهاونين بما أهبت بهم إليه، حتى تكون عساكرهم في كل منهل تصل إليه، و مسافة تختارها، كأنه عسكر واحد في اجتماعها على العدة، و أخذها بالحزم، و مسيرها على راياتها، و نزولها على مراكزها، و معرفتها بمواضعها، إن أضلت دابة موضعها عرف أهل العسكر من أي المراكز هي و من صاحبها، و في أي المحل حلوله منها، فردت إليه هداية و معرفة و نسبة قيادة صاحبها، فإن تقدّمك بذلك، و إحكامك له، اطراح على جندك مؤونة الطلب، و عناء المعرفة، و ابتغاء الضالة.

15

«ثم اجعل على ساقتك أوثق أهل عسكرك في نفسك صرامة و نفاذا، و رضا في العامة و إنصافا من نفسه للرعية، و أخذا بالحق في المعدلة، مستشعرا تقوى اللّه و طاعته، آخذا بهديك و أدبك، واقفا عند أمرك و نهيك، معتزما على مناصحتك و تزيينك، نظيرا لك في الحال، و شبيها بك في الشرف، و عديلا في الموضع، و مقاربا في الصيت، ثم أكثف معه الجمع، و أيده بالقوة، و قوّه بالظهر، و أعنه بالأموال، و اغمره بالسلاح، و مره بالعطف على ذوي الضعف من جندك، و من رخفت به دابته، و أصابته نكبة من مرض. أو رجلة أو آفة. من غير أن تأذن لأحد منهم في التنحي عن عسكره، أو التخلف بعد ترحيله، إلا المجهود أو المطروق بآفة.

ثم تقدم إليه محذرا، و مره زاجرا، و انهه مغلظا بالشدة على من مرّ به منصرفا عن معسكرك من جندك بغير جوازك، شادا لهم أسرا، و موقرهم حديدا.

و معاقبهم موجعا أو موجههم إليك فتنهكهم عقوبة، و تجعلهم لغيرهم من جندك عظة ...

«إجعل خلف ساقتك رجلا من وجوه قوادك، جليدا ماضيا، عفيفا صارما، شهم الرأي، شديد الحذر، شكيم القوة، غير مداهن في عقوبة، و لا مهين في قوة. في خمسين فارسا من خيلك، تحشر إليك جندك، و يلحق بك من يتخلف عنك، بعد الإبلاغ في عقوبتهم و النّهك لهم و التنكيل بهم ...

ليكن رحيلك إبّانا واحدا، و وقتا معلوما. لتخف المؤنة بذلك على جندك.

و يعلموا أوان رحيلهم. فيقوموا فيما يريدون من معالجة أطعمتهم، و إعلاف دوابهم، و تسكن أفئدتهم إلى الوقت الذي وقفوا عليه، و يطمئن ذوو الحاجات إبان الرحيل. و متى يكون رحيلك مختلفا تعظم المؤنة عليك و على جندك، و يخلوا بمراكزهم، و لا يزال ذوو السفه و النزق يترحلون بالإرجاف، و ينزلون بالتوهم، حتى لا ينتفع ذو رأي بنوم و لا طمأنينة.

«إياك أن تنادي برحيل من منزل تكون فيه. حتى يأمر صاحب تعبيتك بالوقوف على معسكرك. آخذا بفوهة جنبتيه بأسلحتهم، عدة لأمر إن حضر. و مفاجأة من طليعة العدو إن أراد نهزة، أو لمحت عندكم غرة، ثم مر الناس بالرحيل و خيلك واقفة، و أهبتك معدّة، و جنّتك واقية،

16

حتى إذا استقللتم من معسكركم، و توجهتم من منزلكم، سرتم على تعبيتكم بسكون ريح، و هدو جملة و حسن دعة ...

«إياك أن يكون منزلك إلا في خندق أو حصن تأمن به بيات عدوك، و تستنيم فيه إلى الحزم من مكيدته، إذا وضعت الأثقال، و خططت أبنية أهل العسكر لم يمد خباء، و لم ينتصب بناء، حتى يقطع لكل قائد ذرع معلوم من الأرض بقدر أصحابه فيحتفروه عليهم، و يبنون بعد ذلك خنادق الحسك، طارحين لها دون أشجار الرماح، و نصب الترسة. لها بابان قد وكلت بعد بحفظ كل باب منهما رجلا من قوادك في مائة رجل من أصحابه.

فإذا فرغ من الخندق كان ذلك القائدان أهلا لذلك المركز ... و إياك أن يشهروا سيفا يتجالدون به، و تقدم إليهم فلا يكون قتالهم بالليل في تلك المواضع من طرقهم إلا بالرماح مسندين لها إلى صدورهم، و النشاب راشقين به وجوههم، قد ألبدوا بالترسة، و استجنوا بالبيض، و ألقوا عليهم سوابغ الدروع، و جباب الحشو، فإن صد العدو عنهم حاملين على ناحية أخرى، كبّر أهل تلك الناحية الأولى و بقية العسكر سكوت، و الناحية التي صدر عنها العدو لازمة لمراكزها، فعلت في تقويتهم و إمدادهم بمثل صنيعك بإخوانهم. و إياك أن تخمد نار رواقك، و إذا وقع العدو في معسكرك فأججها ساعرا لها، و أوقدها حطبا جزلا، يعرف بها أهل العسكر مكانك و موضع رواقك، و يسكن نافر قلوبهم، و يقوى واهن قوتهم، و يشد منخذل ظهورهم، و لا يرجفون فيك بالظنون، و يجيلون لك آراء السوء.

و ذلك من فعلك رد عدوك بغيظه، و لم يستقل منك بظفر، و لم يبلغ من نكايتك سرورا إن شاء اللّه اه».

هذا و قد كانت الشام على عهد أوائل العباسيين كما كانت في العهد الأموي تخرج جندا لغزو الصوائف و الشواتي أي حروب الصيف و الشتاء الموجهة إلى الروم. و إن كانوا في جهادهم على الأكثر لا فرق عندهم في الفصول يصيفون و يشتون و يرتبعون و يخرفون.

ذكر المؤرخون أن المأمون أقطع أخاه أبا إسحاق المعتصم الشام و مصر و فرض على دمشق و حمص و الأردن 4000 جندي لغزو الصائفة. و ذكر

17

قدامة أن راتب مغازي الصوائف و الشواتي في البر و البحر في السنة على التقريب مائتا ألف دينار. و على المبالغة ثلاثمائة ألف دينار. و كان ارتفاع الثغور الشامية- أي طرطوس و أذنة و المصيصة و عين زربة و الكنيسة و الهارونية و بياس و نقابلس- نحو المائة ألف دينار تنفق في مصالحها و سائر وجوه شأنها و هي المراقب و الحرس و الفواثير (الكشافة) و الركاضة (البريديون) و الموكلون بالدروب و المخايض و الحصون و غير ذلك من الأمور و الأحوال، و يحتاج إلى شحنتها من الجند و الصعاليك أي الجند غير المنظم.

و كان إذا عصا بعض عمالهم أو نجم ناجم من الثوار يبعثون بالجيوش من العراق كما أرسلوا جيشا لحرب نصر بن شبث، و جيشا لقتال القرامطة.

و كان الجيش الذي ألفه أحمد بن طولون و أولاده من الأسباب القوية في نزع مصر و الشام من حكم العباسيين بالفعل. و قد قيل: إن الجيش الذي نظمه أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون لم يتفق مثله لأعظم الفاتحين، و كان مؤلفا من صقالبة أي من أهل صقلية من الطليان و الروم و غيرهم من العناصر.

أدوات التدمير و السلاح و المواصلات:

كان جلّ الاعتماد في القتل و التخريب على المنجنيق و النشاب، الأول لتخريب الحصون و دك الأسوار و الثاني لإزهاق النفوس. و المنجنيق (بفتح الميم و كسرها) آلة ترمى بها الحجارة بشد سوار مرتفعة جدا من الخشب، يوضع عليها ما يراد رميه ثم يضرب بسارية توصله لمكان بعيد جدا. و في التاج: آلة قديمة وضعت قبل وضع النصارى البارود و المدافع، و أول من رمى به الرسول (ص) في حصار الطائف، و أول من رمى به في الجاهلية جذيمة الأبرش و هو من ملوك قضاعة. و يستعملون الدبابات و هي أشبه بدبابات هذه الأيام (التانك) و هي جمع دبابة آلة تتخذ في الحصار يدخل في جوفها الرجال ثم تدفع في أصل الحصن فينقبونه و هم في جوفها. و يتخذون أيضا الحسك (السلك الحديد) يتحصنون وراءه و يمنعون العدو بعض الشي‏ء من مباغتتهم. و اخترع بعض الدمشقيين في حصار المسلمين عكا على عهد

18

صلاح الدين سائلا إذا قذف به على الصقالات التي توضع لرمي المنجنيقات تشعلها لحينها، فكان الصليبيون منها في مصيبة. و أهم سلاح عندهم للمهاجمة السيف و الرمح و للدفاع الدرع.

و مما كانوا يتقون به مداهمة العدو أن يضعوا مما يلي البلدان من حد الشرق رجالا لتحرق زرعها و نباتها، و هي أراض مخصبة كانت تقوم بكفاية خيل القوم مرعى، فكانت تحرق إضعافا لهم، و إقعادا لحركاتهم، إذ كانوا من عادتهم أنهم لا يتكلفون علوفة لخيلهم بل يكلونها إلى ما تنبت الأرض، فإذا كانت أرضا مخصبة سلكوها، و إذا كانت مجدبة تجنبوها، و كانوا لا يفطنون لتقصد حريقها ثم فطنوا، فصاروا يربطون عليها الطرق و يمسكون منها بالأطراف، و كان ينفق في هذه المحرقات في كل سنة من الخزانة بدمشق جمل من الأموال، و يجهز فيها أجلاد الرجال. و كان شأنهم في الإحراق استصحاب الثعالب الوحشية و الكلاب المنفرة، ثم يكمن المجهزون لذلك عند أمناء النصاح في كهوف الجبال و بطون الأودية، و تمضي الأيام حتى يكون يوم ريحه عاصف، و هواؤه زعزع، و تعلق النار موثوقة في أذناب الثعالب و الكلاب، ثم تطلق الثعالب و الكلاب في أثرها، و قد جوّعت فتجدّ الثعالب في الهرب، و الكلاب في الطلب، فتحرق ما مرت به و تعلو الريح النار منه فيما جاوره. هذا إلى ما كانت تلقيه الرجال بأيديها في الليالي المظلمة، و عشايا الأيام المعتمة. روى ذلك جميعه ابن فضل اللّه.

و استعمل الملوك و الأمراء النشاب للتسلية و إظهار الشجاعة و معرفة أساليب الرماية، فإذا رموا أصموا، و إذا أفضلوا بالغوا، و قد استعمل الأمين لقتال عساكر أخيه المأمون نصول النشاب من خالص الذهب و نقش عليها هذين البيتين:

و من جودنا نرمي العداة بأسهم* * * من الذهب الإبريز صيغت نصولها

يداوي بها المجروح منها جراحه* * * و يشري بها الأكفان منها قتيلها

و استعمل ذلك كثير من الملوك و منهم السلطان أحمد بن الملك الناصر ابن محمد بن قلاوون، و كان يجلس كل يوم بين شراريف قلعة الكرك و هو محصور و يرمي سبعة سهام صيغت نصولها من فضة موشاة بذهب و قد نقش عليها هذان البيتان.

19

كان اعتماد الملوك في نقل الأخبار على ثلاثة أمور: البريد و أول من وضعه في الإسلام معاوية بن أبي سفيان حين استقرت له الخلافة، فوضع البريد لتسرع إليه الأخبار من جميع أطراف مملكته، أمر بإحضار رجال من دهاقين الفرس و أهل أعمال الروم و عرفهم ما يريد فوضعوا له البرد و اتخذوا له بغالا بأكف كان عليها سفر البريد. و قيل: إن أول من وضع البريد عمر بن الخطاب و إن معاوية أصلحه في سلطانه. و لم يزل البريد قائما حتى آن لبناء الدولة المروانية أن ينقض، و لما أن أغزى المهدي ابنه هارون الرشيد الروم، و أحب ألا يزال على علم قريب من خبره رتب ما بينه و بين معسكر ابنه بردا، كانت تأتيه بأخباره، و تريه متجددات أيامه،

فلما قفل الرشيد قطع المهدي تلك البرد، ثم رتب على عهد الرشيد على ما كان عليه أيام بني أمية، و جعل البغال في المراكز، و كان لا يجهز عليه إلا الخليفة أو صاحب الخبر، ثم جاءت أدوار فلم يكن بين الملوك و ما يريدون معرفته من الأخبار إلا الرسل على الخيل و الإبل. فلما أتت الدولة الزنكية أقامت لهذا النّجابة، و أعدت لها النجب المنتخبة، و دام هذا إلى سقوط دولة بني أيوب. و لما تولى الملك الظاهر بيبرس كان أحرص ما يحرص عليه مواصلته بالأخبار، و ما يتجدد من أخبار التتر و الفرنج.

و قال مرة لكاتب الإنشاء شرف الدين عبد الوهاب: إن قدرت ألّا تبيتني كل ليلة إلا على خبر، و لا تصبحني إلا على خبر فافعل، و اتخذ لذلك هو و من بعده مراكز البريد، تشترى الخيل بمال السلطان و يقام لها السواس و العلوفات. ثم مما يليها خيل البريد المقررة على عربان ذوي إقطاعات عليها خيول موظفة تحضر في هلال كل شهر إلى كل مركز أصحاب النوبة فيه بالخيل، فإذا انسلخ الشهر جاء غيرهم، و هم لهذا يسمون خيل الشهارة، و على الشهارة وال من قبل السلطان، يستعرض في رأس كل شهر خيل أصحاب النوبة فيه، و يدوغها بالداغ السلطاني. و قد جعلوا لها مراكز و محطات و بنوا عليها خانات و فنادق و مساجد في كل طرف من أطراف المملكة.

هذا ما كان من أمر البريد و أنشأوا في الموصل حمام الزاجل، فاقتبسه‏

20

خلفاء الفاطميين بمصر و الشام، و بالغوا حتى أفردوا له ديوانا و جرائد بأنساب الحمام. نقله من الموصل نور الدين محمود سنة (565) و كانوا في النهار يجعلون جل اعتمادهم عليه في نقل الأخبار و لا سيما زمن الحروب الصليبية، و له مراكز في هذا القطر من الجنوب إلى الشمال. و حمام الزاجل قديم في الإسلام و لعلّ عهده يردّ إلى ما قبل الدولة العباسية. و مما ذكره المؤرخون أن أماجور أمير دمشق (256) أرسل إلى اليرموك رجلا و أعطاه طيورا، قال له: أرسل الطيور بخبرك طيرا بعد طير. و من جملة ما يعتمدون عليه في الليل المناور و هي مواضع رفع النار في الليل، و الدخان في النهار، للإعلام بحركات العدو، إذا قصدوا البلاد للدخول لحرب أو لإغارة، و لما يرفع من هذه النيران أو يدخن من هذا الدخان أدلة تعرف فيها اختلاف حالات رؤية العدو و المخبر به، باختلاف حالاتها تارة في العدو و تارة في غير ذلك. و قد أرصد في كل منوّر الديادب و النظّارة لرؤية ما وراءهم و إيراء ما أمامهم. و المناور المذكورة تارة تكون على رؤوس الجبال و تارة تكون في أبنية عالية. و مواضعها تعرف بها أكثر السفارة، و هي من أقصى ثغور الإسلام إلى حضرة السلطان، حتى إن المتجدد بكرة بالفرات كان يعلم به السلطان عشاء في مصر و المتجدد بها عشاء كان يعلم به بكرة. قال صالح بن يحيى: و في سنة (693) جعلت لأمراء الغرب في لبنان درك بيروت ليراقبوا البحر و جعلوا فيها رهجية و حمام بطاقة مدرج إلى دمشق و خيل بريد، فكانت النار للحوادث في الليل و حمام البطاقة للحوادث في النهار و البريد لما يتجدد من الأخبار و كل ذلك فعلوه خوفا من رجوع الإفرنج. إلى أن قال: و ذلك لأجل ما يتجدد من الأخبار و منع الإفرنج عن الاجتماع بأهل كسروان. و الزاجل و المناور تغني عن الهليوستا و الابجكتيف أو البروجكتور عند أهل زماننا.

الجيش على عهد ملوك الطوائف:

كانت جمهرة الجيوش الإسلامية على عهد صلاح الدين مؤلفة من عرب و أكراد و أتراك و كان صلاح الدين كمعلمه نور الدين من عظام القواد

21

يعرف علم التعبية و المصافات و لا يغفل يوما عن تقوية جسمه بالرياضة البدنية و لا سيما لعب الكرة و الجريد و الصيد و القنص ليستعين بذلك على القتال.

و كان أول اتصال صلاح الدين بنور الدين تفوق صلاح الدين بلعب الكرة.

و قد ألف صلاح الدين بين القلوب و جمعها على المقصد الذي أراد حتى لا يشعر المرء في جيشه باختلاف في العادات و المنازع.

و ارتقى فن الحرب في الدولتين النورية و الصلاحية بين الشاميين. و الحرب تعلم في الحرب. و الجيش الذي يقوده قائد كنور الدين بنفسه مستعينا بمشاهير قواده ثم يقوده صلاح الدين بنفسه و مشاهير قواده مكتوب له الظفر لا محالة. و كان الجند موسعا عليه كل التوسعة، و هو على قلة عدده بالنسبة لجيوش الصليبيين منصور في أكثر الوقائع. و كانت نسبته نسبة واحد من المسلمين إلى أربعة من الصليبيين كما كان يوم حطين. و الفرنجي يلبس زرد الحديد من فرقه إلى قدمه، و قد لا يقتل إلا إذا جدّل حصانه، و الشاميون مخفون من السلاح. و كان اعتماد الفريقين على النشاب و النبال يقف جمازة في حومة الوغى يأخذ منها من خلت جعابه و السلطان بنفسه يصف الأطلاب و يجهز أبدا جيشه و يعلمه للبيكار و الجمازة من آلات المحامل و الأطلاب الكتائب و البيكار الحملة أو الحرب. و الجندي الغازي موفور الكرامة و القواد عند السلطان كإخوته و أشقائه و أولاده و الأموال دارة على الجميع كما قال عبد المنعم الجلياني شاعر صلاح الدين:

إن الملوك الذين امتدّ أمرهم* * * لم يخزنوا المال بل مهما حووا بذلوا

كذا السياسة فالأجناد لو علموا* * * بخل الملوك و جاءت شدة خذلوا

ذكر ياقوت أن الملك العزيز صاحب حلب كان طول مملكته من الشرق إلى الغرب مسيرة خمسة أيام و مثلها من الجنوب إلى الشمال. و فيها ثمانمائة و نيف و عشرون قرية كانت تقوم برزق خمسة آلاف فارس مزاحي العلة موسع عليهم، و فيها من الطواشية المفاريد ما يزيد على ألف فارس، يحصل للواحد منهم في العام من عشرة آلاف درهم إلى خمسة عشر ألف درهم و في أعمالها إحدى و عشرون قلعة يقام بذخائرها و أرزاق مستحفظيها.

و كان جيش المماليك (البحرية و البرجية) قوتهم الوحيدة إذا أحسنوا

22

يوما فإساءتهم أيام. و طاعتهم و غناؤهم و بلاؤهم تبع للسلطان، إذا كان على أخلاق و متانة خضعوا و استكانوا و كانوا آلة خير لقتال الأعداء و الخوارج على الملك، و إلا أصبحوا من أعظم أدوات الشر، و كانوا يتمحضون للخدمة و يعيشون بالإقطاعات العظيمة التي كانت لهم، و إذا نشبت الحرب راجت سوقهم و كثر الخير عليهم لأنهم يجهزون من الدولة بالأموال و الألبسة و السلاح و الكراع. و كلما جازوا بلدا أو فتحوا مصرا اعتدوا على السكان و المكان و أخذوا ما استطاعوا أخذه من مال و عروض و ناطق و صامت.

الجيوش الصليبية و التترية:

رأت الشام من ضروب الجيوش على عهد الحروب الصليبية ثم في عهد الحروب المغولية التترية ما يستغرب منه. فإن جيوش الصليبيين كانت مؤلفة من معظم العناصر الفرنجية التي كانت تدين بدين البابوية في أوربا، بل كانوا يجندون من أحبّ من الوطنيين و لا سيما الموارنة. و كانت جيوش هولاكو و غازان و تيمور لنك- مؤلفة من معظم عناصر آسيا. و جميع هذه الجيوش الغربية و الشرقية أضرت بهذه الديار أضرارا فاحشة، لأن النظم الحربية الحديثة لم تكن معروفة إذ ذاك، فكان القائد بحكم الضرورة يتسامح مع أجناده إذا عرقوا لحم من ينزلون عليهم و كسروه سواء كانوا مسالمين أو محاربين. و طول دور الحروب الصليبية في الشام أورث أهله شجاعة و استهانة بالموت حتى كاد يعد جميع أهله جندا. الشدائد معلمة الشعوب، و أي شدة على الشام أعظم من أن تجيش أوربا على هذا القطر الصغير قرنين كاملين. و قد اعترف المسلمون للصليبيين بالشجاعة و الإقدام، و اعترف هؤلاء للمسلمين بمثل ذلك. و من أجمل ضروب الإنصاف أن ينصف المرء خصمه و يذكر محاسنه كما يذكر مقابحه.

الجيوش في القرون الوسطى و جمعيات الفتوة:

كانت طوائف الأجناد عدة كثيرة تنسب كما قال القلقشندي كل طائفة منهم إلى من بقي من بقايا خليفة من الخلفاء الماضين منهم كالحافظيّة و الآمرية

23

من بقايا الحافظ و الآمر أو إلى من بقي من بقايا الوزراء الماضين كالجيوشية و الأفضلية من بقايا أمير الجيوش بدر الجمالي و ولده الأفضل أو إلى من هي منتسبة إليه كالوزيرية أو غير ذلك من القبائل و الأجناس كالأتراك و الأكراد و الغز و الديلم و المصامدة أو من المستضعفين كالروم و الفرنج و الصقالبة أو من السودان من عبيد الشراء أو العتقاء و غيرهم من الطوائف و لكل طائفة منهم قواد و مقدمون يحكمون عليهم.

و كان الجنود في دولة المماليك يقسمون إلى طبقتين: المماليك السلطانية و هم أعظم الأجناد شأنا و أرفعهم قدرا و أشدهم إلى السلطان قربا و أوفرهم إقطاعا، و منهم تؤمّر الأمراء رتبة بعد رتبة. و هم في العدة بحسب ما يؤثره السلطان من الكثرة و القلة. و قد كان لهم في زمن الناصر محمد بن قلاوون ثم في أيام الظاهر برقوق العدد الجم و المدد الوافر، لطول مدة ملكهما و اعتنائهما بجلب المماليك و مشتراها. و الطبقة الثانية أجناد الحلقة و هم عدد جم و خلق كثير، و ربما دخل عليهم من ليس بصفة الجند من المتعممين و غيرهم بواسطة النزول عن الإقطاعات. و قد جرت عادة ديوان الجيش عدم الجمع على الجند كي لا يحاط بعدته و يطلع إليه هذا ما رواه القلقشندي و روى ابن فضل اللّه أنه كان لكل أربعين نفسا منهم مقدم ليس له عليهم حكم إلا إذا خرج العسكر كانت مواقفهم معه و ترتيبهم في موقفهم إليه.

و كان أقوش الأفرم إذا مات لأحد من أجناده فرس يحضر الكفل إلى مطبخه و يأخذ من الديوان ستمائة درهم. و إذا خرج إلى بيكار أي حملة فجميع جنوده إلى أن يعودوا لا يطبخ أحد منهم و لا يشتري تبنا و لا شعيرا. و ذكر الأسدي أن عبرة العساكر في الشام في القرن التاسع كانت أربعة و عشرين ألف فارس و أنه كان في كل مدينة الأمراء و الأجناد. و ذكر الظاهري أن الجيوش كانت تنقسم في القرن التاسع أقساما و هي أجناد حلقة و بحرية و تركمان و عرب و أكراد و غير ذلك. و أجناد الحلقة بدمشق اثنا عشر ألفا، و مماليك كافلها و الأمراء بها ثلاثة آلاف. و أجناد الحلقة في حلب ستة آلاف و مماليك كافلها و الأمراء بها ألفان. و أجناد الحلقة بطرابلس أربعة آلاف و مماليك كافلها و الأمراء بها ألف. و أجناد الحلقة بصفد ألف و مماليك‏

24

كافلها و الأمراء بها ألف. و أجناد الحلقة بغزة و مماليك كافلها و الأمراء بها ألف.

و جيش الحلقة هذا هو الجيش القائم دوما على السلاح و هو ما يقابل باصطلاح هذه الأيام جيش الحامية و كان لكاتب الجيش جريدة بأسماء الأجناد و إقطاعاتهم. و يحتاج صاحب ديوان الإقطاع أن يكون ماضيا فيما يسأل عنه من أمور الأجناد و أحوالهم، متفقدا لمن يغيب منهم بغير دستور. و كان إلى صاحب ديوان الجيش عرض الأجناد و خيولهم و ذكر صلاحهم و شيات خيولهم، أي علائمها و أشكالها، و كان من شرط هذا الديوان عندهم أن لا يثبت لأحد من الأجناد إلا الفرس الجيد من ذكور الخيل و إناثها دون البغال و البراذين، و بين يديه نقباء الأمراء يعرفونه أحوال الأجناد من الحياة و الموت و الغيبة و الحضور و غير ذلك- قاله القلقشندي.

أما أجناس الجيوش في مصر و الشام فكانت منوعة أي من الترك و الشركس و الروم و الصقالبة و غير ذلك من الأجناس المضاهية للترك في الزي. و كانت للعرب على ما يظهر كتائب خاصة بقيادة أمرائهم يستدعون حين الحاجة للقتال على أصولهم. و جيوش بني حمدان و بني مرداس و بني كلاب و بني كلب و آل الفضل و غيرهم من الملوك و الأمراء عرب صرف لأن صاحب العصبية عربي لا يأمن غيرهم. و أكثرية الجيش شراكسة أو أتراك على الغالب و الباقون من الشاميين.

و لقد كان بعض الخلفاء و الملوك و الأمراء إذا شاهدوا أعراض الضعف في قوتهم يعمدون إلى طرق ظاهرها بسيط و باطنها قوة لهم ليتقووا بهم عند الحاجة. أي يكونون جيشا يرتجل في الحال و يغني غناءه. كما فعل الناصر لدين اللّه العباسي سنة أربع و ستمائة فتقدم إلى الوزير بجمع رؤوس الأحزاب و أن يكتب في ذلك منشور فدخل الناس من الخاص و العام في الفتوة و سأل ملوك الأطراف الفتوة فنفذ إليهم الرسل و قد ألبسهم سراويلات الفتوة بطريقة الوكالة. فمما كتبه الوزير أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) هو أصل الفتوة و منبعها، و منجم أوصافها الشريفة و مطلعها، و عنه تروى محاسنها و آدابها، و منه تشعبت قبائلها و أحزابها، و إليه دون غيره ينسب الفتيان. فعل ذلك بمرأى من السلف الصالح و مسمع، و مشهد

25

من أخيار الصحابة فلم يسمع أن أحدا من الأمة لامه، و لا طعن عليه طاعن في حد أقامه، إلى أن قال: إن من قتل له رفيق نفسا نهى اللّه تعالى عن قتلها و حرّمه، و سفك دما حقنه الشرع المطهر و عصمه، و صار بذلك ممن قال اللّه تعالى في حقه‏ وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها أن ينزل عنه في الحال في جمع الفتيان عند تحققه لذلك و معرفته، و يبادر إلى تغيير رفقته، مخرجا له بذلك عن دائرة الفتوة، و إن كل فتى يحوي قاتلا و يخفيه، و يساعده على أمره و يؤويه، ينزل كبيره عنه، و يغير رفاقته و يتبرأ منه، و إن من حوى ذا عيب فقد عاب و غوى، و من آوى طريد الشرع ضل و هوى، فإن الفتى متى قتل فتى من حزبه سقطت فتوته.

و وجب أن يؤخذ منه القصاص، و إن قتل غير فتى عونا من الأعوان أو متعلقا بديوان في بلد سيدنا الإمام الناصر لدين اللّه فقد عيب هذا القاتل في حرم صاحب الحرب بالقتل، فكأنما عيب على كبيرة فسقطت فتوته بهذا السبب. و سلم إلى كل واحد من رؤوس الأحزاب منشور بهذا المثال فيه شهادة اثنين من العدول، فألزم الناس إجراء الأمر على ما تضمنه هذا المرسوم قائلين في تعهدهم و متى جرى ما ينافي المأمور به المحدود فيه، كان الدرك لازما لهم على ما يراه صاحب الحرب أي الخليفة. و هؤلاء الفتيان كانوا يغتالون كل من يخالفهم حتى أفتى الفقهاء بعد ذلك العصر بتحريم الفتوة و أنكروا نسبتها إلى علي بن أبي طالب و هي أشبه بجمعية فوضوية يعمد إلى تقويتها أيام الضعف.

الجيوش العثمانية:

لما جاء العثمانيون لفتح الشام كانت جيوشهم من العسكر المعروف ب (يكي «يني» چري) أي العسكر الجديد، و قد حرف الشاميون و المصريون هذه التسمية بلفظ الإنكشارية، و هو الجيش الذي ألفه السلطان أورخان بن عثمان باقتراح الوزير قره خليل جاندارلي على أن يؤلف من أولاد المسيحيين من العثمانيين كالبوشناق و الروم و الصرب و البلغار و الألبان، يجندون بحسب اللزوم و بموجب قانون التجنيد المعروف عندهم بقانون اللقطاء (دو شرمة) و ذلك‏

26

من أهل الروم ايلي و من سكان الأناضول على قلة، و يعفى من ذلك الأرمن و سكان جزيرتي ساقز و رودس، يأخذونهم من أهلهم من سن العاشرة إلى الخامسة عشرة و يستثنى من ذلك المتزوجون الفتيان، و يربونهم تربية إسلامية ثم يجعلونهم في الثكنات في الإستانة، و منهم من يخدم في قصور السلاطين في أعمال البستنة و غيرها، و منهم من يتعلم سبع سنين اللغة التركية خاصة حتى يصبحوا مسلمين أتراكا ثم ينقلون إلى العاصمة، و كثير منهم ارتقوا في مناصب الدولة حتى أصبحوا وزراء و قوادا عظاما و خدموا العثمانيين خدمة عظيمة، لأن خلّص الأتراك على الأغلب كانوا يفرون من تعليم أولادهم، و إن كان الآباء عظماء في السلطنة. فانتقلت الأحكام بالطبيعة إلى أيدي فئة من هؤلاء المتعلمين من الإنكشارية.

و لما أسس أورخان هذا الجيش قصد ذات يوم آماسية و كان فيها رجل من الصلحاء اسمه حاجي بكتاش، و التمس منه أن يسمي هذا الجيش فسماه الوليّ العسكر الجديد (يكي چري) و دعا له بما معناه: بيض اللّه وجوههم، و قوى سواعدهم، و أرهف سيوفهم، و أهلك الأعداء بسهامهم، و كتب لهم الغلبة و التوفيق. قال هوار: ذهب قره خليل جاندارلي في تأليفه هذه الكتائب من المشاة بهذا الفخر، و كان تأليفها في عصر كانت فيه أوربا في القرون الوسطى، و ليس لها من الجيوش إلا عصابات مسلحة، بل و قبل تنظيم كتائب الرماة في إنكلترا، و قبل أن أسس شارل السابع ملك فرنسا جيشا دائما تحت الطلب بقرن واحد. و قال ميشو: «كان العثمانيون بادئ بدء الأمة الوحيدة التي كان لها تحت السلاح جيش دائم منظم مما كان للدولة به التفوق على الأمم التي تريد إخضاعها لسلطانها. و أصبح لمعظم ممالك أوربا في القرن السادس عشر جيوش يقاومون بها أعداءهم، فانتشر النظام و التربية العسكرية بسرعة بين شعوب النصرانية، و أخذت المدفعية و البحرية كل يوم تزيدان نظاما و رقيا في الغرب، على حين كان الأتراك يزهدون في التجارب التي وصلت إليها الجيوش البحرية و البرية، و لا يستفيدون بتاتا من العلوم التي انتشرت بين أعدائهم و جيرانهم اه».

أسس العثمانيون جيش الإنكشارية على غير مثال في التاريخ، خالفوا

27

فيه الشريعة الإسلامية التي لا تجيز للملك أن يكره الذميين على استرقاق أولادهم، و اتبعوا فيه العرف و المصلحة، ثم دخل فيه سوء الاستعمال في القرن السادس عشر على رأي موردتمان، و ذلك بأن أخذوا يتساهلون بإدخال أناس من المسلمين و اليهود و النور، فأخذ جيش الإنكشارية يشبه جيشا من الأسرى على الأصول الإفريقية الجديدة، و كان ذلك من أسباب تسرّب الفساد إليه.

كان عدد جيش الإنكشارية لأول تأسيسهم ستة آلاف جندي و قيل ألف جندي، ثم جاوزوا المائة ألف و قائدهم العام «آغا» الإنكشارية، و هم يقسمون إلى كتائب و تتألف كل كتيبة من مائة إلى خمسمائة مقاتل، يعلّمون في الولايات على الكرّ و الفرّ و يستخدم بعضهم في خدمة الولاة أو في مزارع أرباب الإقطاعات أو في حوانيت أرباب الصنائع، و يعيش أفراد هذا الجيش من مياوميات طفيفة و هي «اقچه» واحدة لكل فرد في اليوم، و تزيد إذا أثبت المقاتل في الحرب كفاءة، و يقبضون ذلك مرة كل ثلاثة أشهر بأبهة و طنطنة، و توزع الإقطاعات على المبرزين منهم من الضباط و غيرهم يعيشون بها زمن السلم، و يقضى عليهم في الحرب أن يجهزوا أنفسهم على نفقتهم.

و كان أغلب الإنكشارية في الولايات من الفرسان و في العاصمة من المشاة.

و سلاح المشاة الدروع و المغافر و الأتراس و الخناجر مما يخف حمله، و سلاح الغارات السيوف و الرماح و الحراب و المعاول يستعملونها في القرب، و يستعملون في البعد الرماح و البنادق و الغدارات. و أسلحة الفرسان سيوف مستطيلة و بنادق بفتيل و بنادق بصوان و غدارات و قفافيز من حديد. و قد استعمل العثمانيون أسلحة نارية تشبه المدافع في وقعة قوصوة المشهورة. و كانت المدافع و المكاحل في عسكر السلطان سليم على مرج دابق من أسباب ظفره بجيش المماليك لأن هؤلاء كانوا خلوا منها.

قال أحمد رفيق: و لقد كان العثمانيون يستعملون من السلاح ما خف محمله حتى إن نعال خيولهم كانت على غاية الدقة و ذلك لتسير سيرا سريعا.

و كانوا يبدون مهارة فائقة في التقدم و كشف قوة العدو و الإحاطة به و تعجيزه.

28

و يكمنون له و يعنون من وراء الغاية بتعليم الجند و تدريبهم حتى يبلغوا بمن يأخذونهم من الأولاد مرتبة الكمال. يعلمونهم الألعاب الرياضية و استعمال القوس و النشاب ثم الرماية بالبنادق، و يدربونهم على لعب الجريد و المسايفة ليل نهار. و تتبدل الأسلحة بتبدل الزمن.

و كان لكل كتيبة شعار يرسمه المجندون فيها على خيامهم و على أبواب ثكناتهم و يشمونهم أي يستعملون لهم الوشم بأيديهم و أرجلهم. و قد أخذ هذا الجيش يفسد على عهد مراد الثالث لأنه رخص سنة (990) بقبول الرقاصين و المصارعين في الدخول فيه. و بعد ذلك أخذ يدخل في سلكه أخلاط من كل صنف من الناس بالشفاعات و الرّشى ليستفيدوا من امتيازات الإنكشارية.

و في ذلك الوقت أخذ بعض سكان الشام يدخلون في هذا الجيش على ما يظهر. و في سنة (1153) صدر الأمر بأن تباع العلوفات فضعفت قوة الجندية في الإنكشارية و أصبح من كانوا من الجند حقيقة لا يقبضون من العلوفات ما يكفيهم فيعيشون بالنهب و السرقة. و كلما أتى الزمن على الإنكشارية زاد تدخلهم في سياسة الملك في الإستانة و أخذوا يخيفون السلاطين و يخلعونهم و يقتلونهم و يعزلون الصدور العظام و ينصبونهم أو يقتلونهم و يشردونهم. و آخر من قتلوه من سلاطين العثمانيين سليم الثالث.

و لما تربع محمود الثاني في دست الملك و رأى ما تم لعزيز مصر محمد علي من إنشاء جيش له على النمط الغربي صحت عزيمته على أن يعجل في القضاء على الإنكشارية فاستصدر فتوى بقتلهم فقتلهم الأهالي و رجال البحرية و ألغي نظام الإنكشارية سنة (1241) و سموا هذه الوقعة في الإستانة بالوقعة الخيرية. و قد قتل فيها في العاصمة و الولايات ستة آلاف رجل على رواية المؤرخ أسعد افندي. و من ذاك الوقت ألفت الدولة جندا على مثال الجيوش الأوربية. و كان من الإنكشارية في الشام أن خربوا القرى و الضواحي، و كانوا يعتدون على الأعراض و الأموال. و لما صدر الأمر بقتلهم قتل بعضهم هنا و منهم قسم من الأهالي غير اسمه و رسمه فتغاضت الدولة عنه. هذا هو الجيش الذي بقيت الشام تحت رحمته أكثر من ثلاثمائة سنة و رأت سيئاته و تخريباته.

29

و كان من جملة الجيش عسكر اسمه (اللوند) و هو العسكر الخفيف الذي كانت مملكة البندقية تستخدمه قديما، و منهم عسكر اسمه (السكبان)- السكبان كلمة فارسية مركبة معناها حارس الكلب- قال البوريني:

و هم عبارة عن طائفة كان وصفهم أن الواحد منهم يحمل البندقية على ظهره و يقود الكلب في ساجوره (قيده) و يمشي أمام الأمير و الكبير حتى يسير إلى الصيد. قال: و لم يكونوا أولا شيئا حتى جاء الشام أمير يقال له أبو سيفين تولى ولاية نابلس فصحب منهم نحو مائة رجل يستعين بهم على رعايا نابلس لأنهم لا يخلون من نوع شراسة، فاعتاد الأمراء استصحابهم إلى ولاياتهم فكثروا. و قد أضيف هذا العسكر إلى جوقة الإنكشارية. و من الجند صنف يقال له (السباهية) و هو من الفرسان كانوا يعطون عشر بعض الأراضي على صورة إقطاع و يقومون مقابل ذلك مدة الحرب بمعاونة الدولة في القتال، يأتون على خيولهم و الدولة تعطيهم الذخائر و المؤن. و منهم صنف يقال له (جبه جي) و هو من العسكر المدرع (زرهلي) من جيوش العثمانيين، و منهم (القبوقولي) أي الحراس و أصلهم حراس باب السلطان كثروا في آخر القرن الماضي. و منهم (الدالاتية) أي الأدلاء و أصل الكلمة فارسية من داله بمعنى الدليل. و كانوا يلبسون في رؤوسهم قلنسوة كالطرطور على ما في محيط المحيط. و (الهوارة) و هم صنف من العساكر غير المنظمة.

و (التفكجية) مأخوذة من تفنكجي أي صاحب البندقية و هم جند من رماة البنادق و كانوا للمحافظة، و (الشوربجية) و هم ضباط الإنكشارية يعمل لهم الحساء أي الشوربة في قدر خاص، و رتبة الواحد منهم معادلة لرتبة قائد بعرفنا إلى غير ذلك من صنوف الجنود.

الجيوش الحديثة:

كان بعض الأمراء في هذه الديار لا يخلون من مقاتلة على الدوام يستخدمونهم في قيام أمرهم. و من أهمهم في هذا الباب أولاد معن أمراء الشوف و ما إليها فقد كانوا يستطيعون أن يجندوا أربعين ألفا. و ذكر فولني في القرن الثامن عشر أنه رأى الأمير في دير القمر جند خمسة عشر ألف‏

30

جندي في ثلاثة أيام. و من الجيوش التي رأتها الشام و كانت بالنسبة للجيوش التركية تراعي النظام جيوش مصر مدة حكم إبراهيم باشا ابن محمد علي الكبير فكانت مؤلفة من المصريين و الأرناءود و الهوارة و الهنادي من عرب مصر و كلهم يدربهم ضباط ماهرون و كان في رأس القواد بعض ضباط أجانب من الفرنسيين.

و لما انتشر نظام الجند الجديد ضاقت صدور الناس بالجندية لأنها لم تكن آخذة بأسباب الراحة و لأن الأخلاق الحربية أوشكت أن تزول لطول العهد بها و لا سيما من سكان المدن. على أن سكان البادية كانوا يعفون من هذه الخدمة. و السبب في ذلك أن أمراءهم لم يكونوا من جنسهم فكانت اللغة من جهة و الشدة و التقتير عليهم من أخرى من الحوائل دون امتيازهم بالصفات الحربية و إيثارهم التفلت من الجندية إن أمكن.

و لقد أخرجت المدرسة العسكرية في دمشق مدة نصف قرن مئات من الضباط من أبناء الشام خدموا الدولة خدمة صادقة. و كان منهم نبغاء لم يقصروا عن أرقى العناصر العثمانية علما و ذكاء و مضاء. و يقال على الجملة:

إن هذه الديار في الدور العثماني كانت بعسكرها و الحامية الإنكشارية أولا ثم الحامية النظامية آخرا أشبه بمعسكرات عظيمة، يعمل فريق عظيم من الناس لخدمة الجيش. و كانت رواتب الضباط و جرايات الجنود تخف جدا و كذلك علف الدواب فيسدون العجز بطرق مخزية. و مع عدم العناية بمأكل الجند و ملبسه كانوا يوم الغارة أسودا خصوصا إذا حسنت قيادتهم، لأن الشباب كانوا يتدربون على الصراع و المسايفة و الرماية و الألعاب الرياضية بجملتها، فإذا كانت الحرب أو اقتضت الحال الغارة على فريق أو دفع صولة صائل استطاعوا أن يستعملوا السلاح و يحسنوا الطعن و الضرب أول تجنيدهم.

و كانت أنظمة العثمانيين الأخيرة محتذاة من أنظمة الجيش الألماني و الفرنسي و لنا أن نقول بعد هذا: إنه ليس من أوضاعنا ما شابهنا فيه الأوربيين مدة حكم العثمانيين سوى الجيش. جندت الدولة العثمانية في الحرب العامة نحو ربع مليون من الشام أو سبعا و عشرين قرعة و يمكن أن يقال على الجملة: إنه حارب ربعهم و هلك ربعهم و استخدم ربع في خدم خفيفة و هرب الربع‏

31

الآخر. و لما غلبت الدولة العثمانية في الشام و انهزم جيشها و استسلم أكثره و لم يتمكن من الثبات أمام قوى الحلفاء الجديدة فانحل الجيش بالطبيعة.

و قد رأى هذا القطر مدة الحرب العالمية الأخيرة جيوشا من الترك و الأكراد و الألمان و المجر و النمسويين و البوهيميين و غيرهم كما رأى بعد انحلال العثمانية جيوشا من البريطانيين و الكناديين و الأوستراليين و الهنود و الفرنسيين و الجزائريين و المراكشيين و الهنود الصينيين و السنغاليين و السودانيين. و بالجملة رأى جنودا من معظم المستعمرات الخاضعة لبريطانيا و فرنسا فأشبه تبلبل الألسنة في الشام تبلبلها فيه على عهد الحروب الصليبية و المغولية.

و لما أسست الحكومة العربية في المدن الأربع و أعمالها أخذوا يجندون جنودا عربية مأجورة من أهل هذه الديار ثم شرعوا بالتجنيد الإجباري أشهرا قليلة ريثما دخلت فرقة الجنرالين غوابيه ودي لاموط إلى دمشق و حلب و سقطت المملكة في يد الحكومة الفرنسية المنتدبة و فضّ الجيش العربي و صفي.

و كان بضعة ألوف مسجلة على الورق. ثم أخذت فرنسا بتأليف جيش مختلط من السوريين و الفرنسيين أشبه بالدرك و ذلك في الأصقاع الواقعة تحت انتدابها و أبقت فرنسا فرقا من جندها في الولايات التي انتدبت للإشراف عليها، كما جعلت بريطانيا العظمى في فلسطين اعتمادها على جيشها. و في الشرق العربي على جيش صغير من الأهلين يعاونه الجيش البريطاني المرابط في فلسطين عند الاقتضاء. و في ثورة سنة (1344) جندت الدولة المنتدبة كتائب من المتطوعة سمتهم الأنصار و كانت جمهرتهم من الشركس و الأرمن و الإسماعيلية فلقي الأهلون من سوء تربيتهم و قلة نظامهم و اعتدائهم على الأبرياء ما أنسى ذكر الإنكشارية. و كانت حجة الحكومة أنها اصطنعت أشقياء لقتال أشقياء.

و جعل لبنان كتيبة له من الجند سماها القناصة و هم أشبه بالدرك و الشحنة.

و ربت فرنسا الدرك فأحسنت تربيته و هو من خير أدوات الحكومة في سورية و لبنان و دونه الشرطة المستعملة للهيمنة على الأمن في المدن فإن هذا لم تفلح بتربيته على ما يجب.

32

الاسطول‏

[بحرية الفينيقيين و العبرانيين و الفراعنة:]

ليس في الأيدي نص يركن إليه لمعرفة اصطلاح شعوب الشام القدماء في بحريتهم. و سواحل هذه الديار المستطيلة الممتدة من العريش إلى خليج الإسكندرونة تحتاج في اتصالها إلى مراكب للتجارة و غيرها. و لم يعرف أن عظام الأنهار في الشام كالأردن و العاصي كانت تجري فيها سفن إلا الفرات فإنه كان يحمل مغادي و حراقات و جلبات تذهب و تجي‏ء بين الشام و العراق.

و أهم من عرف بمعاناة البحار أهل فينيقية سكان الساحل الأوسط و ما كانوا أعظم شعب بحري درج على هذه الأرض فقط، بل كانوا أعظم الشعوب القديمة في العالم جرأة على الأسفار في البحار، و كانت أصولهم على الأرجح من شعوب بحارة جاءوا من البحرين في خليج فارس و نزلوا هذا الساحل الجميل فظهرت كفاءتهم في اختراق العباب في سالف الأحقاب.

و الصناعات في الناس تكون بالإرث أو ابنة البيئة، و الفينيقيون استوفوا هذين الشرطين فكانوا بحارة بالفطرة و البيئة، بحارة بالتربية و الحاجة.

و مما ساعد الفينيقيين على إجادة صنع السفن كثرة الأخشاب في لبنان و لا سيما شجر الأرز الذي منه كانوا يصنعون مراكبهم الصغيرة و الكبيرة.

و كانت لهم شؤون ما عرفها غيرهم في السير و الإسراء، و الإقلاع و الإرساء، يهتدون بنجمة القطب يستدلون بها على سمت الشمال. و لذلك كانوا يوغلون في البحار، لا يخشون الأخطار، حتى لقد اجتازوا البحر المتوسط إلى‏

33

بحر الظلمات و بحر الشمال و غيره، و لم ينازعهم منازع من الشعوب في هذا الباب، لأنهم كانوا يكتمون سرّ الطرق التي يسلكونها و يتشددون في كتمانها. و ربما أغرقوا سفنهم إذا اطلع بعض البحارة من الغرباء عنهم على خطة رحلاتهم، فضلا عن إغراق مراكب من يحاول سرقة أسرارهم في طرقهم البحرية. و لم يعرف غير الفينيقيين جزائر الكاسيتريد أو جزائر سورلنج في الشاطئ الغربي من الجزائر البريطانية.

و لم يؤثر عن العبرانيين أن كان لهم أسطول بل قوارب لا تبعد كثيرا عن الساحل على النمط القديم. أما الفراعنة الذين حكموا جزءا مهما من جنوب الشام و ساحله مدة فكانت بحريتهم و صناعتهم‏ (1) في مصر أولا، ثم جعلت في طرابلس و صور و جبيل لقربها من مستودع الأخشاب الصالحة لصنع السفن. و لم تكن ملاحة للفراعنة من السلائل الأولى حتى الدولة السادسة و العشرين لأنهم ليسوا أمة حربية.

بحرية الرومان و اليونان:

كانت البحرية في العهد اليوناني في الشام على مثال بحرية تلك الدولة قوية منظمة. و كانت اليونان أمة بحرية من الطراز الأول في القديم. ألفوا اليمّ منذ عرف تاريخهم، و معظمهم جزائريون طالما عاركوا البحر و عركهم.

و انطبع سكان الساحل الشامي بطابعهم و ساروا على أقدامهم في سلوك سبل البحار. و مثل ذلك يقال في الرومان الذين طال عهدهم في الشام، فإن أساطيلهم كانت تحمل من شواطئ إيطاليا و إليها تجارات الأمم التي خضعت لسلطانهم. و صعب أن يحكم على بحرية الشام في الدور الروماني و لعلها لم تخرج في كل حال عن طور اليونان، و لا شك أن بعض المواني الشامية كان لها صناعات كما كان لها في كل دور. و يمكن أن يقال على الجملة: إن الشام لم يعرف له منذ عرف تاريخه إلى الفتح الإسلامي بحرية خاصة وافية بالغرض‏

____________

(1) الصناعة في العرف اسم المكان المعد لإنشاء المراكب و السفن نقلت الى لغات الغرب فصارت ارسنال‏(Arsenal) و عادت الى العرب من طريق الترك باسم «ترسانة».

34

بالنسبة لتلك الأعصر إلا في عهد الفينيقيين و كان في سائر أدواره مندمجا في الأمم القوية التي امتد سلطانها عليه.

العرب و البحار:

كان العرب لا يحبون البحار لبعدهم عنها و لما كان يبلغهم من أخطارها.

و قد اتفق في أوائل الفتوح أن العلاء ابن الحضرمي عمل أسطولا و اجتاز من البحرين إلى فارس و وصل إلى إصطخر، و دمر الأعداء بأسطوله فقتل كثير من رجاله، فغضب عمر بن الخطاب لأن هذا العمل لم يكن عن مشورته. و لما كان معاوية على جند دمشق و الأردن ألحّ على عمر في غزو البحر، فكتب الخليفة إلى عامله في مصر عمرو بن العاص يريده على أن يصف له البحر فكتب إليه «يا أمير المؤمنين إني رأيت البحر خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، ليس إلا السماء و الماء، إن ركد خرق القلوب، و إن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلة، و الشك كثرة، هم فيه كدود على عود، إن مال غرق، و إن نجا برق». فكتب عمر إلى معاوية «لا و الذي بعث محمدا بالحق لا أحمل فيه مسلما أبدا ... و تاللّه لمسلم واحد أحب إليّ مما حوت الروم. فإياك أن تعرض لي، و قد علمت ما لقي العلاء مني و لم أتقدم إليه في مثل ذلك».

و قد علل ابن خلدون امتناع المسلمين عن ركوب البحر بأن العرب لبداوتهم لم يكونوا أول الأمر مهرة في ثقافته و ركوبه. و الروم و الفرنج لممارستهم أحواله، و مرباهم في التقلب على أعواده، مرنوا عليه و أحكموا الدربة بثقافته. فلما استقر الملك للعرب و شمخ سلطانهم، و صارت أمم العجم خولا لهم و تحت أيديهم، و تقرب كل ذي صنعة إليهم بمبلغ صناعته، و استخدموا من النواتية في حاجاتهم البحرية أمما، و تكررت ممارستهم البحر و ثقافته، تاقت أنفسهم إلى الجهاد فيه و إنشاء السفن و الشواني، و شحنوا الأساطيل بالرجال و السلاح، و أمطوها العساكر و المقاتلة لمن وراء البحر.

و اختصوا بذلك من ممالكهم و ثغورهم ما كان أقرب إلى هذا البحر و على ضفته مثل الشام و غيرها.

35

نعم كان العرب بادئ بدء يتخوفون ركوب البحر فقد استعمل الوليد ابن يزيد الأسود بن بلال المحاربي على بحر الشام فقدم عليه أعرابي من قومه ففرض له و أغزاه البحر فلما أصابت البدوي تلك الأهوال قال شعرا منه:

فلله رأي قادني لسفينة* * * و أخضر موّار السرار يمور

ترى متنه سهلا إذا الريح أقلعت* * * و إن عصفت فالسهل منه و عور

فيا ابن بلال للضلال دعوتني* * * و ما كان مثلي في الضلال يسير

لئن وقعت رجلاي في الأرض مرة* * * و حان لأصحاب السفين وكور

و سلمت من موج كأن متونه* * * حرار بدت أركانه و ثبير

لتعترضنّ اسمي لدى العرض حلقة* * * و ذلك إن كان الإياب يسير

و قد كان في حول الشرية مقعد* * * لذيذ و عيش بالحديث غرير

أول خليفة غزا في البحر الشامي و البحرية الأموية:

منع عمر عماله من غزو البحر بعد إخفاق العلاء في غزوته البحرية.

و لما قلد عمر عبد اللّه بن قيس النظر في ثغور الشام جميعها كتب إليه عمر إني لا أحمل المسلمين على أعواد نجرها نجار و جلفطها الجلفاط (و الجلفاط الذي يشد ألواح السفينة) و ما زال به معاوية حتى أقنعه. و في بيروت عمر معاوية المراكب و جهز الجيش إلى قبرس و معهم أم حرام و اسمها الرميصاء بنت ملحان زوجة عبادة بن الصامت فلما رجعت رابطت في بيروت و ماتت فيها. و يقول المقريزي: إن الناس كانوا يغزون بنسائهم في المراكب. و شتا المسلمون بأرض الروم سنة اثنتين و أربعين و هو أول مشتى شتوه بها فاستعمل معاوية على أهل المدينة عبد الملك بن مروان و هو يومئذ ابن ست عشرة سنة فركب عبد الملك بالناس البحر. فلما ولي عثمان بن عفان طلب إليه معاوية أن يغزو البحر فوافقه على ذلك، على أن ينتخب من يحملهم في المراكب و لا يقترع بينهم، فمن اختار الغزو طائعا يحمله و يعينه ففعل. و غزا معاوية الغزوة الأولى فكان أول مسلم غزا في البحر، و استعمل على البحر عبد اللّه بن قيس الحاسي خليفة بني فزارة فغزا خمسين غزوة من بين شاتية و صائفة في البر و البحر و لم يغرق فيه أحد. و أغزى معاوية عقبة بن عامر

36

الجهني في البحر و أمره أن يتوجه إلى أرواد. و فتح هذه الجزيرة جنادة بن أبي أمية فنزلها المسلمون و اتخذوا بها أموالا و مواشي يرعونها حولها، فإذا أمسوا أدخلوها الحصن. و لهم ناطور يحذرهم ما في البحر ممن يريدهم بكيد، فكانوا على حذر منهم، و كانوا أشد شي‏ء على الروم يعترضونهم في البحر فيقطعون سفنهم. و كان معاوية يدرّ لهم الأرزاق و العطاء، و العدو يخافهم.

فلما مات معاوية أقفلهم يزيد بن معاوية. و جنادة بن أبي أمية الأزدي من صحابة الشام كان على غزو الروم في البحر لمعاوية زمن عثمان إلى أيام يزيد إلا ما كان من أيام الفتنة فتنة علي و معاوية و شتى في البحر سنة (59).

و بذلك عرفنا أن معاوية أدرك بصائب رأيه أن سواحل الشام بل الشام لا ينجيها من غزوات الروم إلا إيجاد أسطول عربي يغزو سواحلهم الحين بعد الحين. و إلا تعذرت المحافظة على السواحل و بطلت التجارات. و كان المسلمون قبل ذلك على خطر أبدا يتخطفهم أعداؤهم من عقر دارهم، و يطردونهم حتى في أرضهم و يحملونهم أسرى يبيعونهم بيع الإماء و الرقيق.

أي أن الروم يغزون الشام إذا لم يغزهم أهله فحاول معاوية أن يقنع الخليفة الثاني فتحامى هذا الإذن بركوب البحر خوفا على المسلمين، متأثرا مما أصابهم يوم غزوة البحرين، و لأنه لم ير ما رآه عامله في الشام من الخطر الذي يدهم القطر إن لم تتواز قوته البحرية بقوته البرية.

قال محبوب المنبجي: و في السنة الثالثة لعثمان ركب معاوية البحر و صار إلى قبرس فافتتحها و كان معه ألف و سبعمائة سفينة مملوءة سلاحا و أموالا فسبى منها و من الجزائر المطيفة بها خلقا من الناس، و نزل على جزيرة أرواد (رودس) و لم يصل إليها، و في الربيع رجع في جيوش أعظم و أكثر من الأولى فنزل عليها و ضيق عليهم جدا، فلما رأى أهل أرواد الشدة التي هم فيها و العساكر التي أظلتهم طلبوا الأمان على أن يخرجوا إلى سورية و يسكنوا حيث شاءوا و وفى لهم معاوية بن أبي سفيان و خرجوا منها فأمر بهدم سورها فهدم و أحرق.

و ذكر المنبجي أيضا أنه في السنة الرابعة عشرة لمعاوية غزت العرب الروم في لوقية، فلما توسطوا البحر لحقهم بعض الروم في سفينة فألقى النار في السفن‏

37

فاحترقت كلها و هم أي الروم أول من أخرج النار و صارت لهم عادة.

و قد كان المسلمون في خطب جلل من هذه النار في البحار و هي الصواريخ و كانت إذا أصابت المراكب لا تطفأ بالماء بل تطفأ بالتراب الندي أو الرمل و مخترعها كالينكوس من أهل بعلبك لجأ إلى الروم سنة (673 م) فعلمهم هذا التركيب الذي كان له في الحروب البحرية أهاويل.

و ممن غزا في أيام معاوية في البحر بسر بن أبي أرطاة و فضالة بن عبيد الأنصاري. و في سنة (49) كانت غزوة يزيد بن شجرة الرّهاوي في البحر فشتى بأهل الشام. و غزا في البحر أيضا عمرو بن يزيد الجهني (58).

و روى المنبجي أن معاوية بن أبي سفيان استعد لقصد القسطنطينية في السنة التاسعة لعثمان و الرابعة و الثلاثين للعرب، و أعدّ سفنا كثيرة في مدينة طرابلس على ساحل البحر، و حمل من السلاح أمرا عظيما، و أن الروم أحرقوا سفن العرب فبعث معاوية بجيش من البر ففتح قسما من ديارهم و سبى من أهلها مئة ألف نفس. ثم جاء ملك الروم في سفن كثيرة من البحر فلما التقى الجمعان كانت الهزيمة على الروم، و كاد ملكهم أن يغرق، و تخلص بعد أن قتل من الروم خلق كثير حتى صار البحر دما، و رجع العرب بغلبة كبيرة.

و في هذا برهان جلي على العظمة التي بلغها الأسطول العربي بسرعة، و ما أحرق منه في طرابلس لم يؤثر فيه لأن الصناعة كانت أيضا في عكا و صور و ربما في غيرهما من ساحل الشام، و من عكا ركب معاوية البحر لغزو قبرس، و بعد أن أحرق الروميان اللذان كانا في خدمة الأسطول في طرابلس أسطول هذه الفرضة البحرية بأجمعه، أصبح من المتعذر على معاوية أن يأمن على أساطيله من كان ائتمنهم، و هل أنباط النصارى في رأي بعضهم، ممن جعلتهم العرب ربابنة سفنهم و نواتيهم في مراكبهم الحربية، و الغالب أن العرب تعلموا ثقافة البحر من سكان ساحل الشام ثم اعتمدوا على أنفسهم شأنهم في كثير من مقومات مدنيتهم.

و مع هذا كان أكثر البحرية و الذين يتكفلون بغزو الروم من أهل الإسلام و كان الروم معهم و لا سيما في القرون الثلاثة الأولى للهجرة في أمر مريج.

38

قال المسعودي: أخبرني بعض الروم ممن كان قد أسلم و حسن إسلامه أن الروم صوّرت عشرة أنفس في بعض كنائسها من أهل البأس و النجدة و المكايد في النصرانية و الحيلة من المسلمين، منهم الرجل الذي بعث به معاوية حين احتال على البطريق فأسره من القسطنطينية، فأقاد منه بالضرب ورده إلى القسطنطينية، و عبد اللّه البطال و عمرو بن عبيد اللّه و علي بن يحيى الأرمني و العريل بن بكار و أحمد بن أبي قطيفة و قرنياس البيلقاني صاحب مدينة ابريق (ازنيق؟) و حرس خادس أخت قرنياس و يازمان الخادم في موكبه، و الرجال حوله و أبو القاسم بن عبد الباقي. و من رجال البحر الذين طالما تبرم بهم الروم ليون الطرابلسي و معيوف بن يحيى الحجوري من أهل دمشق و المغيرة بن عبيد الأزدي الخراساني ولي غازية البحر في أيام يزيد بن عبد الملك.

وصف أسطول شامي:

و للبحتري قصيدة في مدح أحمد بن دينار يصف فيها مركبا كان اتخذه و هو والي البحر و غزا فيه بلاد الروم. قال العسكري في ديوان المعاني:

لم يصف أحد من المتقدمين و المتأخرين القتال في المراكب إلا البحتري، و عدوا قصيدته هذه من عيون قصائده و فضلوها على كثير من الشعر و هي التي يقول من جملتها:

و لما خطونا دجلة انصرم الهوى* * * فلم يبق إلا لفتة المتذكر

و خاطر شوق ما يزال يهيجنا* * * لبادين من أهل الشآم و حضّر

إلى أن قال:

و لما تولى البحر و الجود صنوه* * * غدا البحر من أخلاقه بين أبحر

أضاف إلى التدبير فضل شجاعة* * * و لا عزم إلا للشجاع المدبّر

إذا شجروه‏ (1) بالرماح تكسرت* * * عواملها (2) في صدر ليث غضنفر (3)

غدوت على «الميمون‏ (4)» صبحا و إنما* * * غدا المركب الميمون تحت المظفر

____________

(1) شجره بالرمح: طعنه.

(2) عامل الرمح و عاملته: صدره دون السنان و الجمع العوامل.

(3) الأسد الغضنفر كسفرجل: الغليظ الخلق المتغضن.

(4) الميمون: اسم المركب، و المظفر: الممدوح.

39

أطلّ بعطفيه و مرّ كأنما* * * تشرف‏ (1) من هادي حصان مشهر

(2)

إذا زمجر النوتي فوق علاته‏ (3)* * * رأيت خطيبا في ذؤابة منبر

يغضون دون الإشتيام‏ (4) عيونهم* * * و فوق السماط (5) للعظيم المؤمّر

إذا عصفت فيه الجنوب اعتلى لها* * * جناحا عقاب في السماء مهجّر

إذا ما انكفا في هبوة (6) الماء خلته* * * تلفع في أثناء (7) برد محبّر

و حولك ركابون للهول عاقروا* * * كؤوس الردى من دارعين و حسّر

تميل المنايا حيث مالت أكفهم* * * إذا أصلتوا حدّ الحديد المذكّر

إذا رشقوا بالنار لم يك رشقهم* * * ليقلع إلا عن شواء مقتّر (8)

صدمت بهم صهب العثانين‏ (9) دونهم* * * ضراب كإيقاد اللظى المتسعر

يسوقون أسطولا كأن سفينه* * * سحائب صيف من جهام و ممطر

كأن ضجيج البحر بين رماحهم* * * إذا اختلفت ترجيع عود مجرجر (10)

تقارب من زحفيهم فكأنما* * * تؤلف من أعناق وحش منفر

فمارمت‏ (11) حتى أجلت الحرب عن طلى* * * مقطعة فيهم و هام مطيّر

على حين لا نقع، تطوّحه الصّبا* * * و لا أرض تلفى للصريع المقطّر

____________

(1) يقال: أشرف المربأ: علاه كتشرفه و شارفه و مثله تشوف من السطح: تطاول و نظر و أشرف. و الهادي المتقدم من كل شي‏ء أو العنق و يقصد به مقدم السفينة.

(2) المشهر: فرس المهلهل بن ربيعة التغلبي و لعله يريد بالمشهر كل فرس كريم.

(3) العلاة: السندان حجرا كان أو حديدا. و لعل مراده بالعلاة هنا برج السفينة و قد علاه الربان.

(4) الإشتيام (الاستينام) رئيس المراكب البحرية الحربية.

(5) السماط بكسر السين يقال: قام بين السماطين و يقال قام القوم حوله سماطين أي صفين.

(6) انكفأ القوم: رجعوا و تبددوا و انكفأ إلى كذا: مال إليه. الهبوة: الغبرة و يعني بها رشاش الماء.

(7) أثناء: طيات.

(8) المقتر: ذو القتار بالضم و هو الدخان من المطبوخ و الشواء.

(9) الأصهب و الجمع صهب: هو الذي يخالط بياض شعره حمرة، و العثانين: جمع عثنون و هي اللحية يعني بذلك الروم لأنهم شقر اللحى.

(10) مجرجر: من جرجر البعير ردد صوته في حنجرته، و العود: المسن من الإبل و الشاء.

(11) فما رمت: ما برحت مكانك.

40

و كنت ابن كسرى قبل ذاك و بعده* * * مليئا (1) بأن توهي صفاة ابن

قيصر

جدحت له الموت الزعاف فعافه* * * و طار على ألواح شطب‏ (2) مسمّر

مضى و هو مولى الريح يشكر فضلها* * * عليه و من يول الصنيعة يشكر

إذا الموج لم يبلغه إدراك عينه* * * ثنى في انحدار الموج لحظة أخزر

تعلق بالأرض الكبيرة بعدما* * * تقنّصه جري الردى المتمطر (3)

سواحل الشام و نفقات الأسطول و المناور و الرباطات و الفداء:

كانت سواحل أجناد الشام كثيرة، و لكن الصناعة صناعة المراكب كانت في صور و عكا و طرابلس على الأكثر. و سواحل جند حمص في الإسلام انطرطوس و بانياس و اللاذقية و جبلة، و سواحل جند دمشق عرقة و طرابلس و جبيل و بيروت و صيدا و حصن الصرفند و عدلون، و سواحل جند الأردن صور و عكا، و سواحل جند فلسطين قيسارية و أرسوف و يافا و عسقلان و غزة، و سواحل جند قنسرين الإسكندرونة و السويدية. و على امتداد سواحل الشام لم يحدثنا التاريخ أنه أغير عليها إلا من البر، و ما جاءها من الحملات البحرية في عدة أدوار و لا سيما على عهد الإسكندر و الرومان و الصليبيين و الأتراك أو الأسطول الإنكليزي سنة (1799 م) و الأسطول الدولي سنة (1841) و أسطول الحلفاء سنة (1918) لم يكن في الحقيقة إلا ثانويا أريد به دك بعض المواقع الحربية بنيران السفن أو ضمان جلب الذخيرة أو عدم قطع خط الرجعة من البر.

و ذكر قدامة أنه كان يجتمع إلى مراكب الشام التي كانت تغزو من الثغور الشامية مراكب الشام و مصر من الثمانين إلى المائة، و إذا عزموا على الغزاة في البحر كوتب أصحاب مصر و الشام في العمل على ذلك و التأهب له ليجتمع بجزيرة قبرس، و يسمى ما يجتمع منها «الأسطول» كما يسمى ما يجتمع من الجيش في البر «المعسكر»، و المدبر لجميع أمور المراكب الشامية

____________

(1) الملي‏ء بالأمر: المضطلع به القدير عليه.

(2) الشطب: الطويل الحسن الخلق و قد أراد به المركب.

(3) المتمطر: الفرس السريع. و الأرض الكبيرة هي اليابسة التي نطلق عليها اليوم اسم القارة

41

و المصرية صاحب الثغور الشامية، و مقدار النفقة على المراكب إذا غزت من مصر و الشام نحو مائة ألف دينار.

و ذكر المقريزي أن أول ما أنشئ الأسطول بمصر في أيام المعتصم سنة (238) فأنشئت الشواني برسم الأسطول و جعلت الأرزاق لغزاة البحر كما هي لغزاة البر، و اجتهد الناس في تعليم أولادهم الرماية و جميع أنواع المحاربة و انتخب له القواد العارفون بمحاربة العدو، و كان لا ينزل في رجال الأسطول جاهل بأمور الحرب، و قد قويت العناية بالأسطول على عهد المعز الفاطمي، فكانت المراكب تنشأ بمدينة مصر و إسكندرية و دمياط من الشواني الحربية و الشلنديات و المسطحات و تسير إلى الساحل مثل صور و عكا و عسقلان.

و كانت جريدة قواد الأسطول في آخر أمرهم تزيد على خمسة آلاف مدونة، منهم عشرة أعيان يقال لهم القواد و لهم رواتب دارة، و كانت عدة المراكب السائرة في أيام المعز لدين اللّه تزيد على ستمائة قطعة و آخر ما صارت إليه في آخر الدولة نحو مائة قطعة.

و لقد اتخذ المسلمون المناور البحرية لهداية السفن على الشواطئ الشامية، و كانت في معظم السواحل رباطات للنيل من الأعداء إن قدموا بحرا، فأهل دمشق يرابطون في بيروت، و أهل القدس في الرملة أو يافا، و أهل حمص في طرابلس، و كان لقرية كفر سلّام من قرى قيسارية في فلسطين رباطات على البحر يقع فيها النفير، و تقلع إليها شلنديات الروم و شوانيهم معهم أسارى المسلمين للبيع كل ثلاثة بمائة دينار، و في كل رباط قوم يذهبون في الرسالات، و يحمل إليهم أصناف الأطعمة و يضج بالنفير لما تتراءى مراكبهم، فإن كان الوقت ليلا أوقدت منارة ذلك الرباط، و إن كان نهارا دخنوا، و من كل رباط إلى القصبة عدة منائر شاهقة، قد رتب فيها أقوام فتوقد المنارة التي للرباط ثم إلى التي تليها ثم الأخرى، فلا يكون ساعة إلا و قد أنفر بالقصبة، و ضرب الطبل على المنارة، و نودي إلى ذلك الرباط و خرج الناس بالسلاح و القوة و اجتمع أحداث الرساتيق ثم يكون الفداء رجل يشتري رجلا و آخر يطرح درهما أو خاتما حتى يشتري ما معهم. و رباطات هذه الكورة التي يقع بهن الفداء غزة، ميماس، عسقلان،

42

ماحوز، أسدود، ماحوز يبنا، يافا، أرسوف- قاله المقدسي. و الماحوز هو المكان الذي بينهم و بين العدو، و فيه أساميهم بلغة الشام، و منه الحديث فلم نزل مفطرين حتى بلغنا ماحوزنا. و كانت حيفا تشارك هذه المواني في صنع المراكب و تسمى الأبنية الخاصة بالملاحة البحرية بالجودي إشارة إلى سفينة نوح التي استوت على الجودي في الجزيرة.

و كانت الحروب سجالا بين المسلمين و الروم، ينال المسلمون من العدو و ينال العدو منهم، و يأسر بعضهم بعضا لكثرة هجوم أساطيل الإسلام على مواني العدو، و كان أول فداء وقع في الإسلام أيام بني العباس، و لم يقع في أيام بني أمية فداء مشهور، و إنما كان يفادى بالنفر بعد النفر في سواحل الشام و مصر و غيرها، إلى أن كانت خلافة الرشيد فوقع الفداء الأول باللامس من سواحل البحر الرومي قريبا من طرسوس في سنة تسع و ثمانين و مائة على يد القاسم بن الرشيد و هو معسكر بمرج دابق من قنسرين، ففودي بكل أسير كان بالروم من ذكر و أنثى، و حضر هذا الفداء من أهل الثغور و غيرهم من أهل الأمصار نحو من خمسمائة ألف إنسان بأحسن ما يكون من العدد و الخيل و السلاح و القوة و قد أخذوا السهل و الجبل و ضاق بهم الفضاء، و حضرت مراكب الروم الحربية بأحسن ما يكون من الزيّ معهم أسارى المسلمين، فكان عدة من فودي به من المسلمين في اثني عشر يوما ثلاثة آلاف و سبعمائة أسير، و جرى الفداء في أدوار مختلفة. ذكر هذا المقريزي ثم عدد ما وقع من الفداء في أوقات مختلفة إلى القرن الرابع و كان أكثر عدد من فودي به في خلافة الواثق 4362 من ذكر و أنثى.

الأساطيل في القرون الوسطى:

و معلوم ما كان من أسطول الفاطميين من المنافع في زمن الحروب الصليبية فكان ينجد المسلمين في عسقلان و يافا و صور و بيروت و طرابلس و جبلة و اللاذقية. و كانت أساطيل الفاطميين في الساحل مرتبة في عسقلان و عكا و صور و غيرها و ذلك قبل أن يغلبهم الصليبيون على الساحل. و كان الأسطول من جملة العوامل في بقاء الأمل باسترجاع ما جرى احتلاله من الأرض‏

43

و كان الظفر حليف الجيوش البحرية لكثرة ما لها من الامتيازات، و في العادة أن الأسطول إذا غنم ما عساه أن يغنم لا يتعرض السلطان منه إلى شي‏ء البتة، إلا ما كان من الأسرى و السلاح فإنه للسلطان، و ما عداهما من المال و الثياب و نحوهما فإنه لغزاة الأسطول لا يشاركهم فيه أحد.

و لم يقصر صلاح الدين ثم الدولة الأيوبية ثم دولة المماليك البحرية و دولة المماليك البرجية في إنشاء السفن الحربية و التجارية، و إن كانت عنايتهم بجيوشهم البرية أكثر، و ما كان الصليبيون ينالون من المسلمين في الساحل إلا يوم تصل سفنهم من مواني الغرب و يكثر عددها، حتى إذا أقلعت و خلا الساحل تغزوه مراكب الدولة مقلعة من الثغور، أو يمد من يجب إمداده من المسلمين في الساحل الشامي، و على الرغم من المعاهدات التي عقدت بين أصحاب مصر و الشام و بين أمراء ايطاليا و اسبانيا و البرتقال، بعد القضاء على الصليبيين في الساحل، فإن بعض الفرنج و الروم عادوا إلى طريقتهم القديمة من غزو البحر فغزوا صيدا و بيروت و طرابلس، و لما غزوا إسكندرية سنة (767 ه) ارتأى رجال الدولة في مصر أن يعمروا من غابة بيروت مراكب كثيرة، حمالات و شواني، للدخول إلى قبرص، فأحضروا الصناع من جميع المماليك، و عمروا مسطبة بظاهر بيروت، و كانت المراكب تعمل بها على بعد من البحر و أحضر الجند من دمشق فأنزل بين البحر و المراكب حذرا من مراكب صاحب قبرس لئلا يحضر العدو على حين غفلة فيحرق ما يعمل من المراكب، و عملت حمالتان كبيرتان الواحدة باسم (سنقر) و الثانية باسم (قراجا) و هما أميران من أمراء ذلك الوقت، ثم أهمل الأسطول إلى أن جاء الجنوية (784 ه 1382 م) إلى صيدا و أخذوها ثم جلوا منها، ثم عادوا فغزوا بيروت و رمى الفرنج المسلمين بالجروخ‏ (1) و المدافع.- روى ذلك صالح بن يحيى.

و كانت جزيرة قبرس مما يرغب الفاتحون بالاستيلاء عليه لأنها مفتاح الشام، و هي تعد من بحره و قطره، و لذلك كان إذا استولى عليها صاحبها من الروم و قوي سلطانه صانعه صاحب مصر و الشام، و إذا استضعفوه أسروه‏

____________

(1) الجروخ جمع جرخ فارسية معناها الدولاب و هي آلة ترمى بها الحجارة و النفط و غيرهما.

44

و حملوه إلى العاصمة فأهانوه و أذلوه. و كان ملك إنكلترا، أو ملك الانكتار كما يقول مؤرخنا في الحروب الصليبية استعان بهذه الجزيرة، و قد جعلها ريشاردس قلب الأسد لما جاء بأسطوله العظيم لفض الحرب مع صلاح الدين قاعدة أعماله الحربية البحرية. فانظر كيف يعيد التاريخ نفسه، و كيف يتسلسل الفكر في الغرب و ينقطع في الشرق بانقطاع من يبتدعه و يؤسسه.

و كان الجنوية و البياسنة و البنادقة من سكان سواحل إيطاليا قد استولوا على البحار في تلك العصور كما استولت عليها بريطانيا العظمى في العصرين الأخيرين، و كانوا احتلوا بعض جزر البحر المتوسط يأتون بعض السواحل الشامية يغزونها، فكانت حكومات الشام تعنى بالمراكب أشد العناية و الاعتماد في نقل الجيوش من مصر و الشام على طريق البر لأنه أسلم، اللهم إلا في أوقات مخصوصة من السنة و عندما يصافي ملوك الفرنجة و الروم و صاحب قبرس. و ظلت العناية بالأساطيل على عهد حكومات المماليك تختلف باختلاف عقل السلطان المتغلب، و تفرّغ ذهنه لصيانة مملكته من الطوارئ الخارجية.

أما السفن التجارية فزادت العناية بها خصوصا و أهل الشام ما برحوا منذ الزمن الأطول أمة تمارس الأسفار البحرية، و تعرف من أين تؤكل الكتف في المتاجر، و قد شوهدت آثار تجارتها حتى في جزائر بريطانيا و بلاد النروج و فنلندة و معظم سواحل البحر المتوسط.

و كانت الحروب الصليبية معلمة لأهل أوربا على طريق البحار إلى الشرق، و معلمة لأهل الشام على اختراق العباب إلى أوربا، و كل ذلك على سفن و مراكب حفظت أمثلة منها في المتاحف البحرية في الغرب و لا سيما في إيطاليا و فرنسا و إسبانيا. و كانت السفن الحربية تسمى بأسماء كثيرة منها الأغربة و البسطات و الأعواديات و البركوشات و الشلنديات و المسطحات و الحراريق (الحراقات) و اليخوت و الشواني و القراقير. و لكثرة اختلاط النواتية و الملاحين من أهل الشام و غيرهم من السواحل الإسلامية بأبناء حرفتهم النازلين على الشاطئ المقابل للشاطئ الإفريقي و الشامي، أخذ الفرنج كثيرا من المصطلحات البحرية عن العرب، و نقلوها إلى لغاتهم محرفة مرخمة، و لا تزال إلى اليوم تقرؤها في معاجم اللغات اللاتينية خاصة، و منها «أمير الماء» فحرف‏

45

منها الفرنج و صاغوا لفظ «اميرال» و الأصل فيها أمير الماء أي الربان الأعظم و قائد الأسطول، و قد أخذ الفرنج من العرب استعمال إبرة السفينة (الحك أو الحقة) و كان العرب أخذوها عن الصينيين فيما قيل و أخذها الفرنج عنهم في الحروب الصليبية.

و لما فتح العثمانيون الشام و مصر كان الأسطول العثماني في إبان قوته، و كانت بعض سفنهم تقلع من مواني الروم و تأتي ساحل الشام، و بعضها يقف بالمرصاد لقرصان البحر، و إذا حدثت فتنة داخلية كانوا يجهزون بعض مراكبهم لتساحل الشام و تشاطئ الأرض التي نجم فيها الشر، حتى إذا ضعفت بحرية العثمانيين بضعف الدولة- و لا سيما بعد أن أحرق أسطولها و الأسطول المصري في نافارين يوم الفتنة اليونانية سنة (1827) أصبحت السفن التي يتمتع سكان السواحل بمرآها للأمم الحديثة، و لا سيما الروسيون و الجنويون و البنادقة و الفرنسيون و الإنكليز، و قلّت سفن البرتقاليين و الإسبانيين لأن طرق مستعمرات هاتين الدولتين و تجاراتهما لم تكن على بحرنا، و سفنهم تمخر العباب إلى وجهات أخرى في أميركا و آسيا. و الغالب أن الصناعة أي صنع المراكب كان خاصا بالإستانة و لم يعهد في دور العثمانيين أن أنشأوا سفنا في صناعات الشام. و كان للعثمانيين مراكب في الفرات يستخدمونها لنقل جيوشهم من الشام إلى العراق، و لا سيما في زمن الثورات و الأزمات، على ما يفهم من كتاب أسفار البحار لكاتب جلبي.

و انحلت بحرية الترك في أواخر أيامهم حتى صرت لا تشاهد في ساحل الشام إلا على الندر مراكب عثمانية، و هي إذا قيست إلى غيرها تبين الفرق العظيم بين بحرية الأمم المتحركة المتجددة و بحرية الأمة الجامدة الخامدة.

و كانت الدولة إن صحت عزيمتها في أواخر أيامها أن تنشئ لها طرادا أو رعادا أو غواصة أو دارعة أو يختا، توصي عليه في صناعات إيطاليا أو فرنسا أو إنكلترا، لأن العلم بذلك فقد من بنيها، و لم تسر مع العصر في الرقي البحري، كما سارت مع العصر في الجيش البري، بمعنى أن الدولة العثمانية أصبحت قبيل انقراضها دولة برية فقط، و كانت تجمع المزيتين‏

46

البرية و البحرية أيام كانت ترتعد الفرائص منها في الغرب، و يتمنى عظماء ملوكها أن يخطبوا ودها كل ساعة لقوة أساطيلها و جيوشها.

و قد ظهر في حرب چناق قلعة الأخيرة مثال من ترقي بحرية الحلفاء، و نموذج من ترقي جيش العثمانيين، و استبسال قوادهم و ضباطهم و أفرادهم.

و في مغادرة الحلفاء ذاك الشاطئ بعد أن أضاعوا زهاء مئة ألف من جنودهم مدة حربهم عليه سنة و زيادة اعتراف ضمني للعثمانيين بتفوقهم بجيوشهم البرية، و أن العسكري التركي من خير جنود الأرض صبرا و إقداما على الموت.

قصورنا في البر و البحر:

و من الغريب أن أهل الساحل، و منهم قسم يفتخر بأنه من نسل الفينيقيين سادة البحار، لم تتعلق هممهم على كثرة ما بلغه الشامي من درجات الغنى و التمدن في مهاجره، أن ينشئوا لهم أسطولا تجاريا صغيرا على النحو الذي تفعل أضعف الشعوب لتغدو و تروح على الأقل بين سواحل البحر المتوسط و البحر الأحمر و البحر الأسود، يحملون عليها متاجرهم و ينقلون قاصديهم و أبناءهم، و يعتمدون عليها في نقل صادرات القطر و وارداته، على الصورة التي كانت لليونان قبل أن ينادوا باستقلال بلادهم منذ نحو مئة سنة، فكان لهم أسطول تجاري قلبوه أسطولا حربيا يوم استقلوا. و أغرب من هذا أن يقال للقطر الشامي إنه مستقل، و ما شوهدت قط في قديم و لا حديث، أمة مستقلة لا أسطول لها و لا معسكر. و هذا من أغرب ما يدونه المدونون، من أخبار هذه القرون. و لا سبب لذلك إلا أن بعض أهل الساحل يفضلون أن يعيشوا عبيدا على أن يعيشوا سادة مستقلين، و كانوا يرون أن فرنسا حاميتهم و المحمي أبدا مقطور في ذنب حاميه.

47

الجباية و الخراج‏

جبايات القدماء:

عزّ علينا الظفر بنص صريح في أصول الجباية عند الأمم القديمة التي انبسط سلطانها على هذا القطر، و غاية ما عرفنا عن الرومان و هي الأمة الأعرق في المدنية من غيرها و التي طال عهدها سبعمائة سنة، أنه كان يقضى على الشعب الشامي أن يؤدي الجزية و عشر غلاته، و إتاوة من المال، و رسما على كل رأس. و للشعب الروماني مواد مهمة من الجمارك و المناجم و الضرائب و الحقول الصالحة لزرع الحنطة و المراعي يؤجرونها من شركات متعهدين يسمونهم العشارين، يبتاعون من الحكومة حق جباية الخراج.

و في كل ولاية عدة شركات من العشارين و لكل شركة مستخدمون من الكتاب و الجباة يظهرون في مظهر السادة، و يتناولون أكثر مما يجب لهم أخذه، و يسلبون نعمة الأهلين، و كثيرا ما يبيعونهم كما يباع الرقيق. و لما كان الرومان قد جمعوا ثروة الأمم المغلوبة أصبحت الدراهم كثيرة جدا في رومية، و نادرة جدا في الولايات، فكان يتيسر في رومية الاقتراض بفائدة أربعة أو خمسة في المائة، أما في الولايات فلا يقل عن اثني عشر في المائة.

و إذا لم يستطع المدين أن يوفي رأس المال و رباه يعمد الصيارف في تقاضي أموالهم إلى الطرق التي يستعملها العشارون. أوجز أحدهم السياسة الامبراطورية في الرومان بقوله: «الراعي الصالح يجزّ صوف غنمه و لا ينتفه» فمضى قرنان و أباطرة الرومان يكتفون بجز سكان مملكتهم، يسلبون منهم كثيرا من الأموال و لكنهم يحمونهم من العدو الخارجي.

48

و يقول لامنس: إن الرومان ضربوا الجزية على أهالي الشام، على الذكور من سن الرابعة عشرة و على الإناث من الثانية عشرة إلى سن 65 من عمرهم جميعا و فرضوا عليهم خراجا جبوه من الأملاك يبلغ في المئة واحدا و رسموا أيضا ضرائب و مكوسا على الواردات و الصادرات من السلع إلا أن هذه الرسوم مع ثقلها كانت أخف على عاتق الشاميين من المغارم و السخر التي حملهم إياها ملوكهم سابقا، و كانوا يتقاضونها دون نظام معلوم و في أي آن شاءوا. اه.

و في قاموس الكتاب المقدس أن العشار ملتزم الأعشار و الضرائب عند الرومانيين و كانوا مشهورين بالظلم و الصرامة، و أن التعشير جرى قبل أيام موسى بكثير بين الأمم القديمة و لا سيما الآسيوية و أدخلها موسى بإلهام إلهي في شريعته و أعطيت العشور للاويين الذين لم يكن لهم نصيب من الأرض فالتزموا أن يأخذوا معاشهم من إخوتهم، و كانوا يعشرون البقر و بقية المواشي و لم يكن عشر الأعشاب مطلوبا إلا أن الفريسيين كانوا يعشرون النعنع و الشبث و الكمون. أما الجزية على ما يؤخذ من روايات التوراة فقد علم أن الشريعة الموسوية كانت تفرض على كل معدود نصف شاقل ينفق في سبيل خيمة الاجتماع، و في الأيام الأولى من تاريخ العبرانيين إلى أيام الملوك لم تكن للخدمة المدنية و العسكرية و إنما قدم الشعب من عمله و مقنياته تبرعا حتى جعل الملوك جزية أو خراجا على الأرض و أكمل ذلك سليمان إلى درجة ثقيلة جدا على الشعب.

الجباية في الإسلام:

اعتمدت العرب أول الفتح في تنظيم دواوين أموالها على الروم في الشام، ينظرون لهم في مسائل الدخل و الخرج، و وضع التوازن بحسب عرف تلك الأيام، و ذلك لأن العرب كانوا لأول أمرهم نصف أميين أو نصف متحضرين و أهل الشام أعرق منهم في الحضارة و ما ينبغي لها، حتى كان زياد يقول:

ينبغي أن يكون كتاب الخراج من رؤساء الأعاجم العالمين بامور الخراج.

و لقد كان الإسراف يبدو في الأموال أيام الترف و النعيم، و يتجلى الاقتصاد فيها على عهد الجدّ و الإصلاح، و ذلك يرجع على الأغلب إلى من يتولى‏

49

أمر الأمة من خليفة أو سلطان أو ملك أو أمير، فإذا صلح الرأس صلح الجسد كله. و إذ كانت دواعي الإنفاق محصورة في الداخل، و كان النقد أقل من هذه الأيام بالطبع، و التفنن في ضبط الشؤون الاقتصادية لم يبلغ مبلغه في القرون الأخيرة، و حركة المعاملات و المقايضات محدودة، و أضعف من العصور الحديثة- كانت المسائل المالية لعهد العرب إلى السذاجة لأول الأمر شأنهم في عامة أمورهم.

و الجباية أول الدولة كما قال ابن خلدون تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة، و آخر الدولة تكون كثيرة الوزائع قليلة الجملة، فإن كانت الدولة على سنن الدين فليست إلا المغارم الشرعية من الصدقات و الخراج و الجزية، و هي قليلة الوزائع، لأن مقدار الزكاة من المال قليل، و كذا زكاة الحبوب و الماشية، و كذا الجزية و الخراج و جميع المغارم الشرعية و هي حدود لا تتعدى، و إن كانت على سنن التغلب و العصبية فلا بد من البداوة في أولها، و البداوة تقتضي المسامحة و المكارمة و خفض الجناح، و التجافي عن أموال الناس و الغفلة عن تحصيل ذلك إلا في النادر. قال: و الدولة تكون في أولها قليلة الحاجات لعدم الترف و عوائده، فيكون خرجها و إنفاقها قليلا، و يكون في الجباية حينئذ وفاء بأزيد منها، بل يفضل منها كثير عن حاجاتهم، ثم لا تلبث أن تأخذ بدين الحضارة في الترف، فيكثر لذلك خراج أهل الدولة، و يكثر خراج السلطان خصوصا كثرة بالغة، فيزيد في مقدار الوظائف و الوزائع، و يستحدث أنواعا من الجباية يضربها على البياعات، و يفرض لها قدرا معلوما على الأثمان في الأسواق، و على أعيان السلع في المدينة.

ضروب الجباية:

كانت الجباية في الصدر الأول تجمع من الخراج و العشور و الصدقات و الجوالي‏ (1) أي إن لها أربعة موارد رئيسة، ثم صارت أصول جهات‏

____________

(1) «الفي‏ء» ما يؤخذ من أرض العنوة «الخراج» ما يؤخذ من أرض الصلح «العشر» ما يؤخذ من زكاة الارض التي أسلم اهلها عليها و التي أحياها المسلمون من الأرضين أو القطائع-

50

الأموال السلطانية عشرة: الجزية و الخراج و العشور و الأجور و الزكوات و أثمان المبيعات و المقاسمات و الغنيمة و الفي‏ء و المعادن. و زادت أنواع الجباية على عهد الانحطاط و نسي المتغلبون أو الفاتحون «أن تكثير المالك ماله بأموال رعيته بمنزلة من يحصن سطوحه بما يقتلعه من قواعد بنيانه».

قال الظاهري: إن كثرة الأموال و قلتها بقدر المعرفة باجتلابها من جزى مقررة، و متاجر معشرة، و أخرجة محضرة، و عشور محررة، و قسم مقدرة، و غنائم موفرة، و في‏ء من جهات غير منحصرة، هذا إلى زكوات واجبة، و أجور لازمة، و ديات دماء ذاهبة، و محرر مباحات راتبة، و مستخرج معادن غير ناهبة، و عداد نعم سائمة لا سائبة، و وظائف على أكرة عاملة ناصبة، إلى غير ذلك من تربيع مزارع، و توزيع قطائع، و توسيع مراتع، و تفريع مواضع، و ترجيع طوالع. فهذه جهات أموال جعل الشرع بيد السلطنة زمام استخراجها، و مكن من استيفائها بسلوك طريقها و منهاجها، و فوض فيها حقوقا تجب رعايتها، عند صرفها و إخراجها اه

و قال الغزالي: و كل ما يحمل للسلطان سوى الأحياء و ما يشترك فيه‏

____________

- «صدقات الماشية» و هي زكاة السوائم من الإبل و البقر و الغنم دون العوامل و المعلوفة «الكراع» هي الدواب لا غير «الحشري» هو ميراث من لا وارث له «الركاز» دفين الجاهلية «سيب البحر» هو عطاء البحر كاللؤلؤ و المرجان و العنبر و نحوه. و من أبواب المال أخماس المعادن و أخماس الغنائم و جزاء رؤوس أهل الذمة جمع جزية و هو معرب كزيت و هو الخراج بالفارسية «مال الجوالي» جمع جالية و هم الذين جلوا عن أوطانهم و يسمى في بعض البلدان مال الجماجم و هي جمع جمجمة و هي الرأس «المكس» ضريبة تؤخذ من التجار في المراصد «الطسق» الوظيفة توضع على أصناف الزروع لكل جريب و هو بالفارسية تشك و هو الأجرة «الاستان» المقاسمة «الإقطاع» أن يقطع السلطان رجلا أرضا فتصير له رقبتها و تسمى تلك الأرضون قطائع واحدتها قطيعة «الطعمة هي أن تدفع الضيعة الى رجل ليعمرها و يؤدي عشرها و تكون له مدة حياته فإذا مات ارتجعت من ورثته و القطيعة تكون لعقبه من بعده «الإبغار» هو الحماية و ذلك أن تحمى الضيعة او القرية فلا يدخلها عامل و يوضع عليها شي‏ء يؤدى في السنة لبيت المال في الحضرة أو في بعض النواحي. «التسويغ» أن يسوغ الرجل شيئا من خراجه في السنة و كذلك الحطيطة و التريكة «العبرة» ثبت الصدقات لكورة و عبرة سائر الارتفاعات هو أن يعتبر مثلا ارتفاع السنة التي هي أقل ريعا و السنة التي هي أكثر ريعا و يجمعان و يؤخذ نصفهما فتلك العبرة بعد أن تعتبر الأسعار و سائر العوارض الواقعة «التلجئة» أن يلجئ الضعيف ضيعته الى قوي ليحامي عليها و جمعها الملاجئ و التلاجئ و قد يلجئ القوي الضيعة و قد ألجأها صاحبها اليه. (مفاتيح العلوم).

51

الرعية قسمان: قسم مأخوذ من الأعداء و هو الغنيمة المأخوذة بالقهر.

و الفي‏ء و هو الذي حصل من مالهم في يده من غير قتال. و الجزية و أموال المصالحة و هي التي تؤخذ بالشروط و المعاقدة. و القسم الثاني المأخوذ من المسلمين فلا يحل منه إلا قسمان. المواريث و سائر الأموال الضائعة التي لا يتعين لها مالك. و الأوقاف التي لا متولي لها. أما الصدقات فليست توجد في هذا الزمان- أي في القرن الخامس- و ما عدا ذلك من الخراج المضروب على المسلمين و المصادرات و أنواع الرشوة كلها حرام. و قال أيضا: إن أموال السلاطين في عصرنا حرام كلها أو أكثرها و كيف لا و الحلال هو الصدقات و الفي‏ء و الغنيمة لا وجود لها، و ليس يدخل منها شي‏ء في يد السلطان و لم يبق إلا الجزية و إنما تؤخذ بأنواع من الظلم لا يحل أخذها به.

فإنهم يجاوزون حدود الشرع في المأخوذ و المأخوذ منه، و الوفاء له بالشرط.

ثم إذا نسبت ذلك إلى ما ينصبّ إليهم من الخراج المضروب على المسلمين، و من المصادرات و الرّشى و صنوف الظلم لم يبلغ عشر معشار عشيرة.

أول ما فرض من الجباية:

عرف أول شي‏ء من المال فرض على أهل دومة الجندل من الكتاب الذي أرسله النبي مع حارثة بن قطن الكلبي من أهل دومة الجندل يقول فيه: هذا كتاب من محمد رسول اللّه إلى أهل دومة الجندل و ما يليها من طوائف كلب لنا الناجية من النخل و لكم الصامتة من النخل، على الجارية العشر و على الغايرة نصف العشر، لا تمنع سارحتكم، و لا تعد فاردتكم‏ (1)، تقيمون الصلاة لوقتها، و تؤتون الزكاة بحقها، لا يحظر عليكم النبات، و لا يؤخذ منكم عشر النبات، لكم بذلك عهد اللّه و الميثاق، و لنا عليكم النصح و الوفاء و ذمة اللّه و رسوله. شهد اللّه و من حضر من المسلمين اه.

و اختلف مقدار الجبايات باختلاف العصور. و كان لأول الفتح ضرب الخراج على الأرض و الجزية على الرقاب، و راعى الخليفة الثاني حال الشام فعمل في نواحيها غير ما عمل في غيرها من الأرضين التي فتحت في عهده،

____________

(1) الفاردة: الزائدة عن الفريضة أي لا تضم الى غيرها فتعد معها و تحسب. السارحة الماشية.

52

راعى كل أرض ما تحتمله و كانت الجزية في بدء الأمر دينارا في كل حول على كل جمجمة ثم وضعها عمر بن الخطاب على الذهب أربعة دنانير، و على الورق أربعين درهما، و جعلهم طبقات لغنى الغني، و إقلال المقلّ، و توسط المتوسط، و قيل: جعل على كل رأس موسر ثمانية و أربعين درهما و من الوسط أربعة و عشرين درهما و من الفقير اثني عشر درهما. و الجزية تؤخذ من غير المسلمين. و الخراج يشترك فيه كل من يملك أرضا.

و صالح أبو عبيدة بن الجراح نصارى الشام حين دخلها على أن تترك لهم كنائسهم و بيعهم، و عليهم إرشاد الضال، و بناء القناطر على الأنهار من أموالهم، و أن يضيفوا من مرّ بهم من المسلمين ثلاثة أيام. و صالحهم عمر على ضيافة من مرّ بهم من المسلمين ثلاثة أيام مما يأكلون و لا يكلفهم ذبح شاة أو دجاجة، و تبيت دوابهم على غير شعير و جعل ذلك على أهل السواد دون المدن.

و لما مسح عمر السواد وضع على كل جريب‏ (1) عامر أو غامر يناله الماء بدلو أو بغيره زرع أو عطل درهما و قفيزا (2) واحدا. و ألغى عمر النخل عونا لأهل السواد. و أخذ من جريب الكرم عشرة دراهم، و من جريب السمسم خمسة دراهم، و من الخضر من غلة الصيف من كل جريب ثلاثة دراهم، و من جريب القطن خمسة دراهم، ثم حمل الأموال على قدر قربها و بعدها فجعل على كل مائة جريب زرع مما قرب دينارا، و على كل مائتي جريب مما بعد دينارا، و على كل ألف أصل كرم مما قرب دينارا، و على كل ألفي أصل كرم مما بعد دينارا، و على الزيتون على كل مائة

____________

(1) الجريب: عشر قصبات في عشر قصبات، و القفيز: عشر قصبات في قصبة، و العشير:

قصبة في قصبة، و القصبة ستة أذرع، فيكون الجريب ثلاثة آلاف و ستمائة ذراع مكسرة، و أما الذراع فسبعة أصناف و هو يختلف باصطلاح كل بلد و قطر.

(2) القفيز: مكيال ثمانية مكاكيك جمع مكوك. و في القاموس: المكوك مكيال يسع صاعا و نصفا أو نصف رطل إلى ثمان أواقي أو نصف الويبة و الويبة اثنان و عشرون أو أربعة و عشرون مدا بمد النبي (ص) او ثلاث كيلجات. و الكيلجة تسع منا و سبعة أثمان منا و المنا رطلان، و الرطل اثنتا عشرة أوقية و الأوقية إستار و ثلثا استار و الإستار أربعة مثاقيل، و نصف المثقال درهم و ثلاثة أسباع درهم و الدرهم ستة دوانق، و الدانق قيراطان و القيراط طسوجان، و الطسوج حبتان، و الحبة سدس ثمن درهم و هو جزء من ثمانية و أربعين جزءا من درهم.