قواعد الأصول

- السيد يوسف المدني التبريزي المزيد...
415 /
5

مقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه الذى هدانا الى اصول الفروع و فروع الاصول و ارشدنا الى شرايع الاسلام و معالم الدين بمتابعة الكتاب و سنّة الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) الطيّبين الطّاهرين المعصومين؛ الّذين هم مصابيح الظّلام و وسيلة القاصدين الى مدارك الشّريف كل مقام؛

(اللّهم) اهدنا الصراط المستقيم و اجعل نيّاتنا خالصة لوجهك الكريم و وفّقنا لفهم الغوامض و دقائق النّكات و تقرير المعانى و فتح المغلقات من قواعد علم الاصول و فوائده و عوائده و استكشاف الدلائل و استنباط المسائل و منك العون و التّيسير و ما ذلك على اللّه بعسير و منك العصمة و الرّشاد و السّداد و بلوغ المراد؛

6

(ثمّ) انّه لا يشك احد فى انّ الشّريعة الاسلامية المقدّسة تشتمل على احكام الزاميّة من الواجبات و المحرمات المتكفّلة بسعادة البشر و مصالحهم المادية و المعنوية؛

(و هذه الاحكام) ليست ضرورية لكل احد بحيث يكون الكل عالمين بها من دون حاجة الى تكلّف مؤنة الاثبات و اقامة البرهان عليها و كان جلّها نظريات تتوقف معرفتها و تمييز موارد ثبوتها عن موارد عدمها على البحث و الاستدلال؛

(و انّ ذلك) يتوقف على الاطّلاع الكامل من معرفة القواعد و المبادى التى تكون نتيجتها معرفة الوظيفة الفعلية و تشخيصها فى كل مورد و انّ هذه القواعد، هى القواعد الاصولية فيها مباد تصديقية لعلم الفقه المتكفّل لتشخيص الوظيفة الشرعية فى كل مورد بالنظر و الدليل؛

(و العجب ثمّ العجب) ممّن لا اطّلاع و لاحظّ له من المبادى و القواعد الاصولية يباشر الفتوى، و الحال انّه لا بدّ للفقيه من معرفة المقدمات الستّ؛ و هى الكلام و الاصول و النحو و التّصريف و لغة العرب و شرايط الادلّة و الاصول الاربعة و هى الكتاب و السّنة و الاجماع و دليل العقل؛ هذا مضافا الى ان يكون المرجع للتّقليد اجود

7

استنباطا عن غيره و امتن استنتاجا للاحكام الشرعية عن ادلّتها و اشدّ مهارة فى تطبيق القواعد و الكبريات على صغرياتها،

(و المرجع) فى تعيين الاعلم بهذا المعنى هو اهل الخبرة و الاستنباط، لا الذين لا يتمكّنون قرائة العبارة العربية صحيحا و لا يتميّزون صحة الرّوايات الواردة من الائمة (عليهم السّلام) عن سقيمها و لا المتشابه عن محكمها؛

قد روى عن الرضا (عليه السّلام) حيث قال «من ردّ متشابه القرآن الى محكمه هدى الى صراط مستقيم؛ ثم قال انّ في اخبارنا متشابها كمتشابه القرآن و محكما كمحكم القرآن، فردّوا متشابهها الى محكمها و لا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا (1)»،

(و كيف كان) انّ اهل العلم يعلمون انّ افضل العلوم بعد علم الكلام الباحث عن احوال المبدء و المعاد و اشدّ العلوم و اصعبها من جهة الاستدلال و تطبيق الكبريات على صغرياتها علم الفقه لانّه علم يحتاج الى مهارة شديدة فى العلوم العشرة المتقدّمة و انّه علم لا يصاب بالعقول و انّه علم اكثر مسائله يحتاج الى النّصوص الواردة عن المعصومين (عليهم السّلام) و الاطّلاع القوىّ عن سندها صحّة و ضعفا و غير ذلك.

____________

(1)- «وسائل الشيعه، كتاب القضاء، ج 18، صفحه 82» و «كشف الغمة، ج 2، صفحه 294»

8

(العجب ثمّ العجب) انّ عدّة من اهل العلم فى العصر الحاضر لا استنباط و لا مهارة لهم فى العلوم المذكورة يباشرون الافتاء يهلكون و يهلكون.

(و من المضحك) انّهم يعجزون عن تدريس الكتب المؤلفة فى الاصول و الفقه و المؤلّفة فى الادبيّات و المنطق و غير ذلك يباشرون الفتوى و يعرّفون انفسهم بعنوان المفتى و المجتهد.

قد نقل بعض اساتذتنا انّه قد التمس عدّة من اهل الفضل طبع رسالة عمليّة من السيّد الطباطبائى بحر العلوم الذى كان من اعاظم العلماء و امتنع عن طبعها حيث قال انّى لخائف من الآية الشريفة فى قوله تعالى‏ وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ* لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ‏ (1)

(العجب ثمّ العجب) كنّا فى عصر لم يكن فيه من يشترى العلم من اهله و لا من يفرق بين العالم فى علمه و الجاهل فى جهله،

(و يؤيّد ذلك) انّ الكتب المشتملة على المطالب العلميّة فقها و اصولا و ادبا و كان مؤلفوها من فحول العلماء و ينتفع بها المبتدى و الواسطة و الواصل و كانت مورد التدريس فى الحوزات العلميّة سيّما الحوزة العلميّة بقم.

____________

(1)- سورة الحاقّة، الآية 44 الى 46.

9

(و لكن) فى العصر الحاضر كان جميعها متروكة محجورة و لذا صارت اسواق العلوم كاسدة و تجارتها غير مربحة و انّ التقيّة الزّمانيّة مانعة عن تفصيل اوضاع الحوزات العلميّة من حيث الكيفيّة و الكميّة، «انّ العقلاء تكفيهم الاشارة».

(و لا يخفى) ان بعض قواعد علم الاصول كان مورد البحث فى زمن النبى (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) نحو مسئلة الناسخ و المنسوخ فلا يمكن اهمالها و الّا لزم تضييع بعض الاحكام و كذا البحث عن العام و الخاص و المطلق و المقيد؛ فان البحث عنها لم يحدث فى زمان المؤلفين فى علم الاصول و ان كان التفصيل و التحقيق فى مسائله و اطرافها نشاء بعد هذا الزمان.

و قد ذكر امير المؤمنين (عليه السّلام) جملة من مسائله و اشار فى نهج البلاغة الى ما هو موجود فى القرآن من الناسخ و المنسوخ و المطلق و المقيد و المحكم و المتشابه و غير ذلك،

و كان الامام الباقر و الصادق (عليهما السّلام) و من بعدهما يشعرون بما ابتلى به النّاس من تعارض الادلة و الاختلاف فى النقل عنهما (عليهما السّلام) و الحيرة فى الوظائف الدينيّة اذا فقد النصّ و غير ذلك مما يتعلّق بعلم الاصول‏

10

و يحتاج اليه الفقيه فى استنباط الاحكام و بيان الوظيفة العملية اذا فقد النصّ على الحكم الشرعى الواقعى؛

(و قد اشار) الائمة (عليهم السّلام) الى قواعد الجمع بين الروايتين المختلفتين المتعارضتين و قواعد الترجيح لاحدهما على الآخر و قاعدة التخيير بين المتعارضين فى فرض عدم الترجيح لاحدهما و قاعدة العرض على الكتاب و السّنة و ممّا القوه (عليهم السّلام) على اصحابهم جواز العمل بخبر الثقة الذى مباحث حجيّته من اهمّ مباحث علم الاصول و جواز العمل بالظواهر الذى هو مسئلة اصولية عظيمة و منعوا من العمل بالقياس و ممّا القوه ايضا على اصحابهم من القواعد دليل حجية الاستصحاب و اصالة الحلّ و الاباحة و قاعدة التجاوز و القرعة و قاعدة الفراغ و غير ذلك ممّا يستعمله الفقيه عند فقد النصّ او تعارضه سواء كان فى الشبهة الحكمية او الموضوعية؛

(و ممّا ذكرنا) يعلم بطلان توهّم بعض بانّ قواعد الاصول ليس لها مدرك و الحال انّ لكل منها دليلا من القرآن او من الرّوايات الواردة عن الائمة (عليهم السّلام) او من العقل القاطع او العرف و اللغة و السيرة مع امضاء الشارع لها، كما استدل الاعلام على حجية الخبر الواحد بمثل آية النباء و غيرها من الآيات و على حجّية ظواهر القرآن فى قبال‏

11

الاخباريين المانعين عن حجية ظاهر القرآن كما تعرض له الشيخ الانصارى (قدّس سرّه) فى ردّ الاخباريين بانّ الروايات التى استدلّ الاخبارى بها على عدم حجية ظواهر القرآن معارضة باكثر منها يدلّ على جواز التمسّك بظاهر القرآن مثل خبر الثقلين و نحوه؛

(امّا بعد) فهذه رسالة وجيزة فى بيان قواعد علم الاصول باوضح تقرير و اظهر تعبير خاليا عن الاطناب المملّ و الايجاز المخلّ ليكون عونا للفقهاء و العلماء و طلاب علوم الدين و تعريفه باعتبار العلمية هو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الاحكام الشرعية الفرعية؛ فخرج بالقواعد العلم بالجزئيات و بالممهّدة المنطق و العربية و غيرهما ممّا يستنبط منه الاحكام و لكن لم يمهّد لذلك؛ و بالاحكام ما يستنبط منها الماهيات و غيرهما و بالشرعية، العقلية و بالفرعية، الاصولية؛

(و امّا) تعريفه باعتبار الاضافة فليرجع الى قوانين الاصول (و اسئل اللّه سبحانه و تعالى) ان ينفع بها اخواننا المتّقين من اهل العلم و ان يجعلها ذخيرة ليوم الميعاد، يوم لا ينفع مال و لا بنون الّا من اتى اللّه بقلب سليم و ما توفيقى الا باللّه عليه توكّلت و اليه انيب و لا حول و لا قوّة الّا باللّه العلىّ العظيم؛

12

[ (القاعدة الاولى) فى بيان الاصول العملية]

التى هى الوظائف المقرّرة للشاك الذى لم يكن له طريق معتبر الى الواقع،

(و قد عرّفها) بعض المحقّقين بانّها هى التى ينتهى اليها المجتهد بعد الفحص و اليأس عن الظفر بدليل ممّا دلّ عليه حكم العقل او عموم النقل و لا يخفى انّ هذا التعريف، تعريفها بما هو لازمها من باب الاتفاق،

(قيل) انّ الاصول العملية هى الجارية فى الشبهة فى الحكم الكلى الناشئة من فقدان النصّ او اجماله او تعارضه بناء على كونها مرجعا عند تعارض الادلّة الى غير ذلك من التعاريف،

(و كيف كان) انّ الاصول العملية اكثر من الاربعة المعروفة و هى البرائة و الاحتياط «و قد يسمّى باصالة الاشتغال او قاعدة الاشتغال»، و التخيير و الاستصحاب كاصالة الطهارة و اصالة الصحة و اصالة العدم الى غير ذلك من الاصول،

(و لعلّ السرّ) فى عدم ذكر الشيخ الانصارى (قدّس سرّه) فى الرسائل غير الاصول العملية الاربعة هو حصر الاصول العملية الجارية فى الاحكام التكليفية بتلك الاربعة و الّا فلا وجه للحصر بها لانّ غير هذه الاربعة

13

ايضا يكون مرجعا للشاك كاصالة الطهارة او اصالة الصحة و قاعدة الفراغ و اصل العدم الى غير ذلك من الاصول،

(و قد افاد) بعض المحققين فى عدم تعرض الاعلام لغير الاصول الاربعة المعروفة وجهين:

(الاوّل) انّ البحث عن غيرها ليس بمهمّ حيث انّه ثابت بلا كلام من دون حاجة الى مزيد النقض و الابرام بخلاف الاربعة المعروفة فانّها محل الخلاف بين الاصحاب و يحتاج تنقيح مجاريها الى اطالة الكلام و مزيد النقض و الابرام فتعرّضو لها بخلاف غيرها،

(الثّانى) جريانها فى جميع ابواب الفقه من الطهارة الى الديات بخلاف غيرها، فانه لا يجرى الّا فى باب واحد كاصالة الطهارة المختصة بخصوص باب النجاسات من الفقه دون غيره،

(و الاصول العمليّة) تقابلها الاصول الاعتقادية التى يجب الاعتقاد بها و عقد القلب عليها و الاصول اللّفظية التى تساق فى بيان المراد من اللّفظ نحو اصالة عدم التخصيص عند الشك فى انّ المراد من العام هل هو العموم او الخصوص؛ و اصالة عدم التقييد عند الشك فى انّ المراد من المطلق هل هو كل فرد من افراده او المقيد؛ و اصالة عدم‏

14

التجوّز عند الشك فى انّ المراد من اللفظ هل هو معناه الحقيقى او المجازى و نحوها فانّ جميعها فى مقام بيان مراد اصلاح اللفظ من العموم و الاطلاق و الحقيقة بخلاف الاصول الاربعة المعروفة، فانّ مجاريها فى مقام اصلاح العمل عند الشك فى الحكم الواقعى و لذا سمّيت بالاصول العملية؛

(و لا يخفى عليك) انّ انحصار موارد الاشتباه فى الاصول الاربعة عقلى لانّ حكم الشك امّا ان يكون ملحوظا فيه اليقين السابق عليه و امّا ان لا يكون سواء لم يكن يقين سابق عليه ام كان و لم يلحظ،

(و الاوّل) هو مورد الاستصحاب،

(و الثانى) امّا ان يكون الاحتياط فيه ممكنا ام لا و الثانى هو مورد التخيير و الاوّل امّا ان يدلّ دليل عقلى او نقلى على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول و امّا ان لا يدلّ و الاوّل مورد الاحتياط و الثانى مورد البرائة،

(و قد ظهر) ممّا ذكرنا انّ موارد الاصول قد تتداخل لانّ المناط فى الاستصحاب ملاحظة الحالة المتيقنة السابقة و مدار الثلاثة الباقية على عدم ملاحظها و ان كانت موجودة؛

15

(ثم) انّ تمام الكلام فى الاصول الاربعة يحصل باشباعه فى مقامين:

احدهما؛ حكم الشك فى الحكم الواقعى من دون ملاحظة الحالة السابقة الراجع الى الاصول الثلاثة،

الثانى؛ حكمه بملاحظة الحالة السابقة و هو الاستصحاب.

16

[ (القاعدة الثانية) فى الفرق بين التخصيص و الحكومة]

و التخصّص و الورود؛

(امّا التّخصيص) فهو عبارة عن كون المخصّص بيانا للعام بحكم العقل الحاكم بعدم جواز ارادة العموم مع العمل بالخاصّ، فلا بدّ ان يكون المراد من العام هو الخاص و بعبارة اخرى مختصرة التخصيص هو تضييق دائرة الحكم مع بقاء عنوان الموضوع بخلاف الحكومة، فانّ الحاكم مفسّر للمراد من العام و مبيّن له بمدلوله اللّفظى من دون حاجة الى قرينة عقلية؛

(و امّا الحكومة) فهو عبارة عن كون احد الدليلين بمدلوله اللفظى متعرضا لحال الدليل الآخر و رافعا للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض افراد موضوعه، فيكون مبيّنا لمقدار مدلوله مسوقا لبيان حاله متعرضا عليه نظير الدليل على انّه لا حكم للشّك فى النافلة او مع كثرة الشك او مع حفظ الامام او المأموم او بعد الفراغ من العمل فانه حاكم على الادلة المتكفلة لاحكام المشكوك، فلو فرض انّه لم يرد من الشارع حكم المشكوك لا عموما و لا خصوصا لم يكن مورد للادلة النافية لحكم الشك فى هذه الصور؛

17

(و امّا التخصّص) فهو عبارة عن خروج الشيئ عن موضوع الدليل بنفسه كخروج العلم الوجدانى بالحكم عن ادلة الاصول و الامارات؛

(و امّا الورود) فهو عبارة عن الخروج الوجدانى ايضا لكن بالتعبد مع قطع النظر عن ثبوت ما يتعبد به بحكم الشارع موجبا لخروج مورده عن الموضوع كتقديم الدليل على الاصل و كورود الادلة التعبّدية على الاصول العقلية التى اخذ فى موضوعها عدم البيان او عدم المؤمّن او تحيّر المكلف من حيث العمل كاصالة البرائة او الاحتياط او التخيير؛ فانّ نفس وجود التعبد الشرعى كاف فى البيان و المؤمّنية و رفع التحيّر عن المكلّف فهو و ان شارك التخصّص فى ارتفاع الموضوع فى موردهما وجدانا الّا انه يفارقه فى انّ الارتفاع فى مورد الاول تكوينّى خارجى و فى الثانى تشريعى تعبّدى و من هنا يعلم انّ فى اطلاق الوارد على الادلة العلمية بالقياس الى ادلة الامارات و الاصول مسامحة واضحة.

18

[ (القاعدة الثالثة) فى بيان عدم جواز اعمال الوظيفة المقرّرة]

لحال الشك الّا بعد الفحص و اليأس عن وجود امارة على احد طرفى الشك، لانّ الامارة حاكمة على الاصول فلا يجوز الاعتماد على الاصول مع احتمال وجود امارة فى مورد الشك الّا بعد الفحص و اليأس عن الظّفر بالامارة،

(ثمّ) لا يخفى عليك انّ المراد من الشّك المبحوث عنه فى المقام ليس خصوص تساوى الطرفين المقابل للظّن و الوهم، بل المراد منه هو مطلق خلاف اليقين و مطلق استتار الواقع و عدم انكشافه بعلم او علمى و انّ النّزاع بين الاصوليين و الاخباريين فى المقام بعد الفحص عن الدليل على احد طرفى الشك و اما قبله فلا نزاع بينهما فى عدم جواز الرجوع الى البرائة.

19

[ (القاعدة الرابعة) فى بيان الفرق بين الامارات و الاصول العملية؛]

انّ ما له جهة كشف و حكاية عن الواقع يسمّى امارة سواء كانت معتبرة كخبر الثقة و لو فى الاحكام خاصة و البينة مطلقا، و لو فى الموضوعات او لم تكن معتبرة كخبر الفاسق او المجهول و نحوهما؛

(و امّا) ما ليس له جهة كشف و حكاية عن الواقع بل كان مجرد وظيفة للجاهل فى ظرف الشك و الحيرة فيسمّى اصلا كقاعدة الطهارة و الحلّ و اصالة البرائة و نحوها؛

(و امّا الاستصحاب) فقد اختلف الاصحاب فى كونه من الاصول او الامارات فانّ عدّه من الاحكام الظاهرية الثابتة للشيى‏ء بوصف كونه مشكوك الحكم نظير اصالة البرائة و قاعدة الاشتغال مبنىّ على استفادته من الاخبار،

(و امّا) بناء على كونه من احكام العقل فهو دليل ظنىّ اجتهادى نظير القياس و الاستقراء على القول بهما و حيث انّ المختار عند الشيخ الانصارى (قدّس سرّه) هو الاوّل ذكره فى الاصول العملية المقرّرة للموضوعات بوصف كونها مشكوكة الحكم (لكن) كلمات الاكثر

20

كالشّيخ و السيدين و الفاضلين و الشهيدين و صاحب المعالم (رحمه اللّه) كونه حكما عقليا و قد تعرضنا لما ذكرناه فى شرح الرسائل فى باب الاستصحاب؛ فراجع.

(و قد يقيّد) ما يختص باسم الدليل بالاجتهادى من حيث كونه موجبا للعلم او الظن بالحكم الشرعى الواقعى كما انّ الاوّل اى الدليل الدّال على الحكم الظاهرى قد يسمّى بالدليل الفقاهتى من حيث كونه موجبا للعلم بالحكم الظاهرى؛

(و هذان القيدان) اصطلاحان مأخوذان من الفاضل المازندرانى (رحمه اللّه) فى شرحه على الزبدة و قد شاع هذا الاصطلاح فى زمان المحقق البهبهانى (رحمه اللّه) و بعده؛

(و امّا وجه) تسمية الاول بالفقاهتى و الثانى بالاجتهادى فلمناسبة مذكورة فى تعريف الفقه و الاجتهاد، فانّهم عرّفوا الفقه بانّه العلم بالاحكام الشرعية الفرعية عن ادلّتها التفصيلية و مرادهم من الاحكام هو الاعم من الاحكام الظاهرية و الواقعية بقرينة ذكر العلم ضرورة انّ الاحكام الواقعية لا طريق الى العلم بها غالبا لابتناء الفقه غالبا على ما هو ظنّى الدّلالة او السند، فناسب ان يسمّى الدليل الدالّ على الحكم‏

21

الظاهرى بالدليل الفقاهتى،

(و عرّفوا) الاجتهاد بانّه استفراغ الوسع فى تحصيل الظن بالحكم الشرعى الفرعى و من الواضح انّ المراد بالحكم هو خصوص الواقعى بقرينة اخذ الظن فى التعريف فانّه هو الذى قد يحصل الظن به للمجتهد و امّا الحكم الظاهرى فيعلمه المجتهد لا محالة فناسب ان يسمّى الدليل الدّال على الحكم الواقعى بالدليل الاجتهادى لكونه دليلا على الحكم المذكور فى تعريف الاجتهاد.

22

[ (القاعدة الخامسة) فى بيان قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛]

انّ هذه القاعدة من القضايا المسلّمة بين الاصوليين و الاخباريين و لا نزاع بينهم فى هذه القاعدة اذ لا يتوهّم انكارها ممّن له ادنى مسكة و دراية فضلا عن مثل هؤلاء الاجلّة و كذا لا ريب فى انّ من القواعد المسلّمة بين الفريقين قاعدة دفع الضرر المحتمل الاخروى،

(و كذا) لا اشكال ايضا فى ورود القاعدة الاولى على القاعدة الثانية و انّه فى فرض جريانها فى مورد يقطع فيه بعدم العقوبة فلا يحتمل فيه الضرر و العقوبة، كى تجرى فيه القاعدة الثانية و يقع بينهما التعارض فحينئذ النّزاع بين الاخباريين و الاصوليين فى انّ مورد الشّبهة كان مندرجا تحت قاعدة القبح او تحت قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل،

(فذهب الاخباريّون) الى اندراجه تحت القاعدة الثانية بدعوى وجود البيان على التكليف المشتبه من جهة العلم الاجمالى او من جهة اخبار الاحتياط،

(و اما الاصوليّون) فذهبوا الى اندراجه تحت القاعدة الاولى‏

23

بدعوى عدم صلاحية اخبار الاحتياط للبيانيّة و للمنجّزية للتكليف المشكوك امّا بنفسها او من جهة معارضتها بما دلّ على الترخيص فى ارتكاب المشتبه الموجب لحمل اخبار الاحتياط على الاستصحاب او للارشاد؛ فتأمّل جيّدا.

24

[ (القاعدة السادسة) فى توضيح حكم الشبهة الحكميّة التحريميّة]

من جهة اجمال النصّ؛

(فنقول) انّه قد يكون من جهة اجمال ما يدلّ على الحكم، امّا ذاتا كما لو قلنا باشتراك الصيغة فى النهى بين الحرمة و الكراهة و امّا من جهة وجود القرائن الحافّة بالكلام المانعة عن ظهوره فى الحرمة كما فى النّهى عقيب توهّم الوجوب؛

(و قد يكون) لاجل اجمال متعلّق الحكم بحسب ما له من المعنى اللّغوى و العرفى كالغناء اذا قلنا باجماله و تردّده بين كونه خصوص الصّوت المطرب المشتمل على الترجيع و بين كونه مطلق الصوت المطرب و كما فى الفسق اذا قلنا باجماله و تردّده بين خصوص المرتكب للكبائر او ما يعمّ المرتكب للصغاير؛

(ثمّ انّ التردّد) فى المتعلّق تارة يكون بين الاقلّ و الاكثر و اخرى يكون بين المتبائنين كما لو دلّ الدليل على حرمة اكرام زيد تردّد بين شخصين؛ فهذه صور الاجمال فى المسئلة و الحكم باستثناء الصّورة الاخيرة هى البرائة و ذلك امّا فى صورة الاجمال فى ناحية الدالّ على الحكم امّا ذاتا و امّا من جهة احتفافه بما يصلح‏

25

للقرينيّة فظاهر لكون الشكّ حينئذ فى اصل التكليف التحريمى فيكون كصورة فقد النصّ فيجرى فيه جميع ما ذكر من الادلّة الدالّة على البرائة عقليها و نقليها؛

(و امّا) فى صورة اجمال المتعلّق كمثال الغناء او اجمال المراد منه كذلك من جهة انتفاء العلم بالتكليف فى الزائد عن المقدار المعلوم من غير فرق فى ذلك بين ان يكون تعلّق النهى على نحو الطبيعة السّارية او على نحو صرف الوجود، فانّه فى الجميع تجرى البرائة فى المشكوك و يحكم فيه بجواز الارتكاب؛

(و امّا توهّم) انّ المطلوب فى النهى بعد ان كان عبارة عن ترك صرف الطبيعى كان اللّازم هو الاحتياط؛

(فمدفوع) بانّ هذا الاشكال لو تمّ لكان ساريا فى جميع الاقلّ و الاكثر الارتباطيين و لا يكون له اختصاص بالمقام؛

(فتحصلّ) انّ الحكم فى جميع صور اجمال النصّ هى البرائة، الّا فى فرض اجمال المتعلّق و تردّده بين المتبائنين فانّ المرجع فيه هى قاعدة الاحتياط للعلم الاجمالى بحرمة اكرام احد الشخصين؛

26

(و ربّما يتوهّم) اذا كان الاجمال فى متعلّق الحكم كالغناء و شرب الخمر الغير المسكر كان ذلك من قبيل الشبهة الموضوعيّة التى اتّفق الاصولى و الاخبارى على البرائة فيها (و لكنّه فاسد) لانّ الشبهة الموضوعيّة التى تجرى البرائة فيها بالاتّفاق هى ما يكون منشاء الاشتباه فيه الامور الخارجيّة، لا الشكّ فى الموضوع المستنبط الكلّى، لانّه يكون من الشبهة الحكميّة التى معناها عدم العلم بالموضوع او بالمحمول، فتأمل جيّدا.

27

[ (القاعدة السابعة) فى توضيح الشبهة المصداقية و الشبهة المفهومية؛]

(انّ الاوّل) يكون فيما اذا علم معنى اللفظ مثل العالم و المتّقى و شك فى مصداقه كما اذا شك فى زيد انّه عالم او جاهل،

(و الثّانى) هو ما لم يوضح اصل المقصود و المفهوم، كمفهوم المغرب من جهة الشك هل هو غيبوبة الشمس من الافق او ذهاب الحمرة و كذا كلمة الصعيد حيث لا يعلم انّه تراب الخالص او مطلق الارض و كذا الشك فى انّ الفسق هل هو ارتكاب مطلق المعصية او بارتكاب الكبيرة فقط،

(ثمّ) انّه لا يجوز التمسّك بالعام فى الشبهة المصداقية كما اذا ورد «اكرم العلماء الّا فسّاقهم» و شك فى كون زيد عادلا او فاسقا مع العلم بكونه عالما و لا يجوز التمسك باصالة العموم فى هذه الشبهة المصداقية حتى يجب اكرامه اذ لا دلالة فى كلام المولى على كون زيد عادلا او فاسقا، فلا بدّ فى معرفة حكم زيد من الرجوع الى الاصول الموضوعية كاستصحاب فسقه او عدالته لا الى عموم اكرم العلماء؛

28

(نعم) لو كان الشك فى خروج زيد المشكوك عدالته و فسقه مسبّبا عن الشك فى اجمال مفهوم المخصّص و تردّده بين الاقل و الاكثر، بان شك فى انّ الفسق يتحقّق بارتكاب مطلق المعصية او بارتكاب الكبيرة فقط فالظّاهر جواز التمسك بالعموم لانّ مرجع الشك فى الفرض الى الشك فى اصل التخصيص للعام و الاصل عدمه فمرتكب الصغيرة يشمله العام و القدر المتيقن من الخاص هو مرتكب الكبيرة و مرتكب الصغيرة كان داخلا من الاوّل فخروجه بسبب التخصيص غير معلوم، فهذا من قبيل الشبهة المفهومية، فالتمسّك فى مثله بالعام لا بأس به.

29

[ (القاعدة الثامنة) فى توضيح المعنى الحرفى و المعنى الاسمى؛]

(انّ المراد من الاوّل) عدم امكان تصور المعنى مستقلا الّا بتعقل شيئ آخر معه بحيث لا يدركه العقل الّا بتبعه لشيئ آخر و فى ضمن كلام تركيبى؛ فانّ كلمة «فى» التى هى للظرفية لا تتصوّر مستقلة الّا بانضمام كلمة اخرى نحو «زيد فى الدار» و على هذا يحمل ما ورد عن امير المؤمنين (عليه السّلام) الحرف ما اوجد معنى فى غيره،

(و المراد من الثّانى) كون المعنى مستقلا فى عالم التصوّر، بحيث لا يكون تصوره موقوفا على تصور شيئ آخر كمفهوم الانسان و البياض و اجتماع الضدّين، فانّ مفهومها تتصوّر منفردة من دون ضميمة شيئ لها.

30

[ (القاعدة التاسعة) فى البحث عن وقوع التحريف فى القرآن؛]

قال الشيخ الانصارى (قدّس سرّه) فى الرسائل، انّ وقوع التحريف فى القرآن على القول به لا يمنع من التمسّك بالظواهر لعدم العلم الاجمالى باختلال الظواهر بذلك مع انّه لو علم لكان من قبيل الشبهة الغير المحصورة مع انّه لو كان من قبيل الشبهة المحصورة امكن القول بعدم قدحه لاحتمال كون الظّاهر المصروف عن ظاهره من الظواهر الغير المتعلّقة بالاحكام الشرعيّة العلميّة التى امرنا بالرّجوع فيها الى ظاهر الكتاب؛ انتهى‏

(فنقول) انّ المراد من التحريف هنا زيادة شيئ على كلام اللّه تعالى فى القرآن او نقص شيئ منه حرفا كان او كلمة او كلاما و لو كثيرا و امّا التحريف من حيث الزيادة فلا ينبغى احتمالها بل لا يجوز لادّعاء جمع من الاصحاب الاجماع على عدمها؛

(و امّا التحريف) من حيث النقيصة فقد اختلفوا فيه، فالمشهور بين الاصوليون عدمه مطلقا و هو الذى ذهب اليه جمع من المحدثين كالصدوق فى اعتقاداته و غيره و ذهب الى التحريف جمع من قدماء المحدثين كالكلينى و شيخه على بن ابراهيم القمّى صاحب التفسير و

31

النعمانى و سعد بن عبد اللّه الاشعرى و ذهب اليه اكثر الاخباريين و ذهب بعض المحقّقين الى وقوع التحريف بالنقصان فى غير آيات الاحكام و هو مذهب المحقّق القمّى فى القوانين؛

(ثمّ) حاصل ما افاده الشيخ الانصارى (قدّس سرّه) فى المقام انّه على القول بالتحريف لا مانع عن العمل بظواهر الكتاب على مقتضى القاعدة بعد احراز المقتضى للعمل امّا اوّلا فلعدم وجود العلم الاجمالى بانّ التحريف صار منشئا لاختلاف ظواهر الكتاب و امّا ثانيا فلانه بعد تسليم وجود العلم الاجمالى باختلافها تكون الشبهة غير محصورة، لانّ الآيات التى وقع التحريف فيها بالنسبة الى غيرها اقل قليل و قد تبيّن فى محله انّ العلم الاجمالى فى الشبهة الغير المحصورة لا يوجب طرح الاصول و بمثل هذا يمكن ان يجاب عن العلم الاجمالى الذى اورده السيّد صدر الدّين بالنسبة الى المتشابهات و لو سلم كون الشبهة محصورة، لكن نقول بعدم قدح العلم الاجمالى بعد خروج بعض اطرافها عن محل الابتلاء لاحتمال كون التحريف فيما لا يتعلّق بالعمل و قد تقرّر فى المسئلة العلم الاجمالى فى باب الشكّ فى المكلّف به انّ العلم الاجمالى الموجب لتنجيز التكليف و طرح الاصول فى الشبهة المحصورة هو ما كان جميع اطرافه محلا للابتلاء للمكلّف.

32

[ (القاعدة العاشرة) فى تفسير الكشف الحقيقى و الكشف الجعلى؛]

انّ المراد من الاوّل هو انكشاف الواقع الاوّلى انكشافا علميّا كما لو علم الخطاء فى النظر السابق و المراد من الثانى هو انكشاف الواقع انكشافا ظنيّا كما اذا كان بالظنّ الاجتهادى او التقليد؛

(و لا يخفى) انّ الاخذ بما انكشف اتّفاقى اذا انكشف الواقع الاوّلى بالكشف العلمى و امّا الاخذ بما انكشف انكشافا ظنيّا فمحلّ خلاف قد ذهب جماعة الى الاجزاء بالنّسبة الى الاعمال السّابقة و تمام البحث فى مبحث الاجزاء؛

(و قد فصّل) فى هداية المسترشدين بين ما اذا كان الانكشاف بطريق قطعى فيحكم بنقض الآثار و بين ما اذا كان بالظنّ الاجتهادى فلا يحكم به؛

(و لكن) الظّاهر من كلمات الاصحاب هو التفصيل بين ان يتعلّق الفتوى بما يستلزم الاستدامة ما لم يطرء عليه مزيل بحكم وضعى كالفتوى فى العقود و الايقاعات و بين ان يتعلّق بما لا يستلزمها كالفتوى بنجاسة الماء القليل بالملاقاة و عدم نجاسة الماء الكرّ بها و

33

هذا هو الظاهر من المحقّق القمّى (رحمه اللّه) انّه قال فى القوانين فى مبحث الاجتهاد و التقليد و امّا جواز نقض الفتوى بمعنى ابطالها من رأس او تغييرها من الحال مطلقا اى فى العقود و الايقاعات و غيرهما ففيه غموض و اشكال و توضيحه انّ الفتوى على اقسام:

(منها) ما يستلزم الاستدامة ما لم يطرء عليه مزيل بحكم وضعى بان كان الغرض من تشريعه فى نظر الشارع استدامته ما لم يطرء عليه مزيل؛

(و منها) ما لا يستلزمه فالاوّل مثل الفتوى فى العقود و الايقاعات و الثانى مثل الفتوى فى نجاسة الماء القليل بالملاقاة و عدم نجاسة الكرّ و امثال ذلك من حلّية المطاعم و حرمتها ممّا اختلف به و غير ذلك فان فرض ان يفتى احد بعنوان عقد البكر باذنها و فرضنا غيبة ابيها و عقدناها بذلك الفتوى، ثمّ تغيّر رأى المجتهد قبل حضور ابيها و قبل تحقّق المخاصمة و المرافعة بينهما فالعمل على هذه الفتوى و اجراء العقد عليها ممّا يستلزم الدوام، فانّ العقد يقتضى الاستمرار امّا دائما او الى اجل كالمنقطع و قطع الاستمرار فيه يتوقّف على ما وضعه الشارع لذلك مثل الطلاق و الارتداد و انقضاء المدّة او هبتها و حصول الرضاع اللاحق او ثبوت الرضاع السابق اذا لم يعلم الزّوجان‏

34

بحال الرضاع قبل العقد الى ان قال؛

(و امّا الحكم) بوجوب الاجتناب عن الماء القليل الملاقى للنجس فليس حكما بشيئ يوجب الاستمرار و الدّوام اذ وجوب الاجتناب ليس ممّا يستلزم هذا المعنى و كذلك الحكم بجواز الاستعمال لا يستلزم الدّوام و ان استعمله فبعد تجدّد الرأى يحكم بغسل ما لاقاه و وجوب الاجتناب عنه؛

(و الحاصل) انّ جواز نقض الفتوى بالفتوى فى امثال العقود و الايقاعات بعد وقوعها مطلقا مشكل و لم يظهر عليه دليل و ما يظهر من دعوى الاتّفاق من كلام بعضهم فيما لو تغيّر رأى المجتهد فى المعاملة التى حلّلها اوّلا و بنى عليها لنفسها و حرّمها فهو ممنوع، مع انّ دعوى الاجماع على المسائل التى لم يثبت تداولها فى زمان الائمة (عليهم السّلام) بعيدة لا يعبؤ بها، انتهى محلّ الحاجة من كلامه؛

(اقول) انّ المعيار فى الصحّة و الفساد فى المعاملة هو موافقتها مع الواقع و مخالفتها له، فان وافقته صحت و ان خالفته بطلت، لانّها من قبيل الاسباب لامور شرعيّة فالعلم و الجهل لا مدخل له فى تأثيرها و ترتّب المسبّبات عليها؛

35

(و امّا المعيار) فى العبادة فملخّص الكلام فيها موافقتها مع الواقع و تمشّى قصد القربة فان وافقت العبادة مع الواقع و تمشّى قصد القربة صحّت و الّا بان خالفت الواقع او وافقته و لم يتمش قصد القربة لتردّد العامل بالبرائة قبل الفحص و عدم جزمه باحد الطرفين بطلت.

36

[ (القاعدة الحادية عشرة) فى بيان تقسيم القطع الى الطريقى و الموضوعى،]

و الغرض من هذا التقسيم بيان ما ذكره بعض الاخباريين من المنع عن العمل بالقطع اذا لم يكن ناشئا من الكتاب و السّنة و الّا القطع الموضوعى فى لسان الادلّة فى غاية القلّة و لقد عثرت حين تأليف «درر الفوائد فى شرح الرسائل» فى هذا المبحث على كلام يحكى عن عدم وجود القطع الموضوعى فى لسان الادلة و سخافة هذا الكلام ابين من ان يبيّن؛ فتأمّل.

(ثمّ) الفرق بين القطع الموضوعى و الطريقى،

(انّ الاوّل) عبارة عن القطع المتعلّق بالموضوع الخارجى الذى له دخل فى الحكم او المتعلّق بالحكم اذا كان مأخوذا فى موضوع حكم آخر و هذا المعنى عند بعض من علماء الاصول،

(و امّا الّذى) يفهم من كلام الشيخ الانصارى (قدّس سرّه) فى الرسائل فى مبحث القطع فالمراد من القطع الموضوعى ما كان مأخوذا فى لسان الدليل سواء كان له دخل فى الحكم او لا، فان كان له دخل فى الحكم فهو الموضوعى الصفتى و الّا فالموضوعى الطريقى؛

37

(فعلى هذا) ليس الفرق بين الطريقى المحض و الموضوعى على وجه الطريقيّة الّا من جهة كونه مأخوذا فى لسان الدليل كما افاده صاحب بحر الفوائد؛

(و الثّانى) عبارة عن القطع الذى كان طريقا الى الواقع على وجه المرآتية المحضة من دون مدخلية القطع فى الحكم،

(توضيح المقام) على وجه يتضح به المرام، انّ متعلّق القطع امّا ان يكون موضوعا من الموضوعات الخارجية او حكما من الاحكام الشرعية،

(و على الفرض الاوّل) يمكن ان يكون الحكم الشرعى مترتبا على نفس الموضوع الذى تعلّق به العلم من دون مدخلية للعلم فى ترتّبه اصلا و لا شك فى انّ القطع بالنسبة الى الموضوع الخارجى و كذا بالنسبة الى الحكم الشرعى المترتّب على ذلك الموضوع يكون طريقا محضا اذ لا يتعقل كون القطع ذا دخل فى عنوان ذلك الموضوع بل عنوان الموضوع امر واقعى يدور مدار واقعه و امّا على فرض انّ الموضوع الذى تعلّق به العلم لم يكن ذا حكم شرعى بل كان للعلم دخل فى الحكم، فهذا يتصور على وجوه، حيث انّ دخل عنوان القطع‏

38

فى ثبوت الحكم الشرعى قد يكون بنحو تمام الموضوع بحيث يدور الحكم الشرعى مدار العلم وجودا او عدما صادف الواقع او خالف و هذا معنى تمام الموضوع و قد يكون بنحو جزء الموضوع او قيده بحيث كان للواقع ايضا دخل فى ثبوت الحكم الشرعى و المراد من جزء الموضوع ليس الّا هذا المعنى اى كون الواقع ذا دخل فى ثبوت الحكم،

(و على كلا التّقديرين) يمكن ان يؤخذ العلم على وجه الصفتية من جهة كونه ذا دخل فى ثبوت الحكم و صفة خاصة قبال ساير الصفات و يمكن ان يؤخذ على وجه الطريقية، فتحصل ممّا ذكرنا انّ اقسام القطع خمسة:

(الاوّل) القطع الطريقى المحض و مثاله نحو ترتّب جميع الاحكام على الموضوعات التى لم يكن القطع دخيلا فى ثبوته؛

(الثّانى) ما يكون مأخوذا فى الموضوع على صفة خاصة حال كونه تمام الموضوع، كما اذا فرض ثبوت حرمة الشّرب لمقطوع الخمرية و ان لم يكن خمرا فى الواقع و فرض لحاظ الشارع القطع فيه على نحو الصفتية؛

39

(الثّالث) ما يؤخذ جزءا للموضوع على نحو الصفتية، كما اذا فرضنا انّ الشارع اعتبر صفة القطع على هذا الوجه فى حفظ عدد الركعات الثنائية و الثلاثية و الاوليين من الرباعية؛

(الرّابع) ما يؤخذ جزءا للموضوع على نحو الكاشفية و الطريقية، كما اذا فرض ثبوت حرمة الشرب على الخمر المعلوم و فرض لحاظ الشارع القطع فيه على نحو الكاشفية؛

(الخامس) ما يؤخذ على نحو الكاشفية و الطريقية حال كونه تمام الموضوع، كما اذا فرضنا ثبوت حرمة الشرب على مقطوع الخمرية و ان لم يكن خمرا فى الواقع و فرض اعتبار القطع فيه على نحو الكاشفية،

هذا مجمل الكلام فى تقسيم القطع و قد تعرضنا له تفصيلا و لبيان الثمرة بين القطع الموضوعى و الطريقى فى درر الفوائد فى شرح الرسائل؛ فراجع.

40

الكلام فى بيان فائدات‏

[ (الاولى) انّ المراد من وجوب متابعة القطع‏]

وجوب متابعة المقطوع من الواقع المرئى بالقطع و لزوم العمل بما ادّى اليه قطعه و الجرى على وفق عمله و ليعلم ايضا انّ المراد من هذا الوجوب ليس وجوبا شرعيا لما مرّ من انّ طريقية القطع ذاتيّة له لا تنالها يد التشريع؛

[ (الثّانية) انّه لا اشكال فى كون مباحث الامارات و الاصول العملية]

من المباحث الاصولية لكونها واقعة فى طريق استنباط الحكم الشرعى و اما مباحث القطع ففيها ما يكون كذلك و تقع نتيجتها فى طريق استنباط الحكم الشرعى كمباحث العلم الاجمالى من جهة الموافقة القطعية او حرمة المخالفة القطعية و منها ما لا يكون كذلك كالبحث عن حجية القطع و نحو ذلك؛

41

[ (الثّالثة) فى معنى التجرّى و المعصية و الانقياد و الاطاعة]

، انّ «الاول» عبارة عن مخالفة ما اعتقده المتجرى؛ و «الثانى» عبارة عن مخالفة ما هو ثابت فى الواقع اذ قوام المعصية هو المصادفة للواقع و «الثالث» عبارة عن الاتيان على طبق الاعتقاد و «الرابع» عبارة عن الاتيان ما هو ثابت فى الواقع فالمخالفة و الموافقة فى المعصية و الاطاعة حقيقيتان و فى التجرّى و الانقياد حكميتان؛

تنبيه فى بيان الثمرة بين القطع الموضوعى و الطريقى‏

و اعلم انّها يظهر فى موارد منها مسئلة الاجزاء بالنسبة الى الشرايط و الموانع و بيان ذلك انّ المانع من صحة الصلوة بناء على كون القطع موضوعيا هو النجاسة المعلومة و على كونه طريقيا هو النجاسة الواقعيّة مثلا اذا صلّى معتقدا طهارة بدنه او ثوبه او بانيا على اصالة الطهارة فيهما ثمّ ظهر بعد الفراغ من الصلوة نجاستهما.

42

(فعلى الموضوعيّة) يحكم بصحة صلوته اذ المانع حينئذ علمى و هو العلم بالنجاسة و هو هنا مفقود و من هذه الجهة يحكم بصحة الصلوة ايضا لو صلّى الشخص فى مكان مغصوب معتقدا اباحته، ثم علم غصبيته، اذ المانع هم العلم بالغصبيّة لا الغصبيّة الواقعيّة.

(و امّا على الطريقيّة) فيحكم ببطلان الصلوة لوجود المانع الواقعى و هى النجاسة الواقعيّة و لا يخفى عليك انّ هذه الثمرة تنتفى فيما لو كان الحكم مرتبا على الواقع المنكشف بحيث يكون لكل من الواقع و صفة الانكشاف مدخل فى ثبوت الحكم بحيث لو انتفى احد القيدين لا نتفى الحكم الواقعى و بعبارة اخرى يمكن ان يكون الموضوع هو الواقع و انكشافه للمكلّف لا مطلق الانكشاف سواء طابق الواقع ام لا حتى يشمل الجهل المركب ايضا؛ فمقتضى القاعدة هو الحكم ببطلان الصلاة فى الشرايط العلميّة التى يكون كذلك مع انكشاف خلافها و لعلّ اعتبار صفة القطع فى حفظ عدد ركعات الثنائيّة و الثلاثيّة و الاوليين من الرباعيّة من هذا القبيل، فانّ صحة الصلوة و ان كانت مرتبة على الحفظ الّا انّ الظاهر اعتباره ليس من حيث كونه صفة خاصة على احتمال و لذا تقوم البيّنة مقامه بل من حيث كشفه عن متعلقه مع اعتبار مطابقته للواقع فالموضوع هو الواقع المنكشف لا مطلق الانكشاف، فبانتفاء احد القيدين ينتفى الحكم و لذا جعله‏

43

الشيخ الانصارى (قدّس سرّه) مثالا لما كان القطع فيه معتبرا من باب الصفة الخاصة على الفرض و التقدير لا على وجه الجزم؛ فكيف كان لو صلّى معتقدا بعدد الركعات، ثم ظهر الخلاف يحكم ببطلانها و الحاصل انّ الثمرة المذكورة انّما تتم مع فرض العلم جزءا من الموضوع على وجه مطلق الانكشاف لا الانكشاف على الوجه المذكور و غير ذلك من المواضع التى ذكرت فى بيان الثمرة بينهما و قيل انّ الثمرة المذكورة فى مسئلة الاجزاء انّما تتم بالنسبة الى الشرايط دون الموانع، فتأمّل وجهه و ههنا ابحاث لا يسعها هذا المختصر.

(تنبيه آخر (الفرق) بين صفات الذات و صفات الافعال‏

على ما فى مجمع البحرين؛

انّ كل صفة من صفاته تعالى توجد فى حقّه بدون نقيضها كالعلم و القدرة و نحوهما فهى من صفات الذات و كل صفة توجد مع نقيضها فهى من صفات الفعل كالارادة و المشيّة؛

(و فرق آخر) انّ كل صفة من صفاته تعالى متعلّق بها قدرته و ارادته فهى من صفات الفعل و كلّ صفة ليس كذلك فهى من صفات الذّات؛

44

و هذه هى المسائل المتفرقة على الاصل الذى تخيّله السيد الجزايرى و لا يخفى فساد ما بنى عليه المسائل المتفرقة على ما تعرض له ايضاح الفرائد، حيث قال انّه لا يحتاج الى تفصيل بطلان مذهبه فى غير مسئلة الاحباط، فانّ الاخبار على تقدير دلالتها على ما ذكره من الآحاد التى لا توجب علما و لا عملا كمال قال السيد مرتضى (رحمه اللّه) فى ردّ الصدوق (رحمه اللّه) فى مسئلة الاسهاء مع انّها على تقدير حجيّتها فى الاصول معارضة بالادلة القطعيّة العقليّة على خلافها، فلا بدّ من طرحها او تأويلها.

(و امّا مسئلة الاحباط) فتفصيل القول فيها؛ انّ الاحباط قد اطلق على معان:

(احدها) ما نسب الى بعض من احباط الايمان الزلات مطلقا مثل احباط الكفر الاعمال الصالحة كلها فلا عقاب على معصية مع الايمان كما لا ثواب لطاعة مع الكفر؛

(و ثانيها) ما نسب الى جماعة من المعتزلة من احباط الكبيرة الواحدة مطلقا جميع الطّاعات، مستدلّين بقوله تعالى‏ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها (1)؛

____________

(1)- سورة نساء، آيه 14.

45

(و ثالثها) ما نسب الى الجبائيين ابى على و ابنه ابى هاشم من احباط الاعمال اللاحقة للاعمال السابقة لو كانت اكثر منها، بمعنى انّ من زادت معاصيه على طاعاته احبطت معاصيه طاعاته و بالعكس، لكنّهما اختلفا؛ فقال ابو على ينحبط الناقص برمته من غير ان ينتقص من الزائد شيئ و قال ابو هاشم بل ينتقص من الزائد ايضا بقدره و يبقى الباقى و الظّاهر كما نقل عن المعتزلة على الاطلاق القول باحباط السيئات الحسنات على تقدير عدم التوبة و امّا معها فلا كلام لهم فى كونها رافعة للسيئات.

46

[ (القاعدة الثانية عشرة) فى بيان قاعدة حرمة الاعانة على الاثم‏]

بطريق الاجمال،

قال المحقق الاردبيلى (رحمه اللّه) فى آيات احكامه فى الكلام على الآية وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ (1) الظّاهر انّ المراد الاعانة على المعاصى مع القصد او على وجه الذى يصدق انّها اعانة مثل ان يطلب الظالم العصاء من شخص لضرب مظلوم فيعطيه اياها او يطلب القلم لكتابة ظلم فيعطيه اياه و نحو ذلك ممّا يعدّ معونة عرفا فلا تصدق على التاجر الذى يتّجر لتحصيل غرضه انّه معاون للظالم العاشر فى اخذ العشور و لا على الحاجّ الذى يؤخذ منه المال ظلما و غير ذلك ممّا لا يحصى فلا يعلم صدقها على بيع العنب ممّن يعمله خمرا او الخشب ممّن يعمله صنما و لذا ورد فى الرّوايات الصحيحة جوازه و عليه الاكثر و نحو ذلك مما لا يخفى؛ انتهى كلامه رفع مقامه.

(و قد عمّم) بعض الاساطين حرمة الاعانة سواء كانت لفعل الغير او لاعانة نفسه على الحرام و لعلّ هذا لتنقيح المناط لا بالدلالة اللفظية و القائل بالتعميم هو المحقّق الشيخ جعفر النجفى كاشف الغطاء حيث قال بانّ المراد من الاعانة فى قوله تعالى‏ وَ لا تَعاوَنُوا

____________

(1)- سوره مائده، آيه 2

47

عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ هو الاعمّ مما يكون اعانة و مقدمة لفعل الغير و ما يكون مقدمة لفعل المعين نفسه و لعل هذا المعنى اى التعميم فى موضوع الاعانة منه (رحمه اللّه) لتنقيح المناط فى حرمة الاعانة كونها وصلة الى فعل الحرام و هو موجود فى كلتا الاعانتين لا بالدلالة اللّفظية، لانّ الظاهر من الآية الشريفة هو النهى عن اعانة الغير،

(و فيه ما فيه) من انّ اتيان الفاعل للحرام بما يعينه عليه لا يطلق عليه الاعانة على الاثم عرفا و المتبادر منها اعانة الغير على فعله المحرم،

(ثمّ) انّه هل يعتبر فى تحقّق الاعانة قصد حصول الحرام او لا، فيه اقوال:

(الاوّل) ما استظهره الشيخ الانصارى (قدّس سرّه) فى المكاسب من الاكثر و هو انّه يكفى فى تحقّقها مجرد ايجاد مقدمة من مقدمات فعل الغير و ان لم يكن عن قصد؛

(و الثّانى) انّ الاعانة هى ايجاد بعض مقدمات فعل الغير بقصد حصوله منه لا مطلقا و نسب الشيخ (قدّس سرّه) فى المكاسب هذا القول الى المحقق الثانى و صاحب الكفاية و فى الرسائل الى صاحب الفصول؛

48

(و الثّالث) ما نسبه الشيخ الانصارى (قدّس سرّه) الى بعض معاصريه من انّه يعتبر فى تحقق مفهومها وراء القصد المذكور وقوع الفعل المعان فى الخارج؛

(و الرّابع) ما قاله المحقق الاردبيلى (رحمه اللّه) من انّ المراد منها الاعانة على المعصية مع القصد او الصدق العرفى بداهة انّ الاعانة قد تصدق عرفا فى مواضع مع عدم القصد مثل ما مرّ فى اوّل هذه القاعدة (و لا يخفى) انّ اجود الاقوال بنظرى القاصر قول المحقّق الاردبيلى (رحمه اللّه) حيث حقّق و دقّق النّظر و لم يعلق صدق الاعانة على القصد و لا اطلق القول بصدقه بدونه بل علّقه بالقصد و بالصّدق العرفى و ان لم يكن قصد، فتأمّل؛

هذا مجمل البحث فى حرمة الاعانة و قد تعرضنا لنبذة منها فى شرح الرسائل فى باب القطع فى مبحث التجرّى، فراجع.

49

[ (القاعدة الثالثة عشرة) فى تفسير الاجماع البسيط و المركب؛]

انّ الاجماع البسيط هو الاجماع المنعقد على حكم واحد و لو تعدّدت الاحكام و انعقد الاجماع على كل واحد منها فاجماعات بسيطة،

(و يقابله) الاجماع المركب و هو الاجماع المنعقد على حكمين او احكام مع عدم انعقاده على كل واحد، سواء كان فى موضوع واحد كاستحباب الجهر فى ظهر الجمعة و حرمته حيث افترق الاصحاب فيه فرقتين فالقول بوجوبه خرق للاجماع المركب او فى موضوعين فما زاد كتبديل الركعتين من جلوس بركعة من قيام فى الشك بين الثنتين و الثلاث و بين الثلاث و الاربع، فانّ من قال بجواز تبديلهما بها قال به فى المقامين و من منع ما منه منع منه فى المقامين،

فالقول بجوازه فى احدهما دون الآخر خرق للاجماع المركب (و يسمّى) هذا النوع بعدم القول بالفصل ايضا و هو اعم من الاجماع المركب من وجه، لجواز الاتفاق على عدم الفرق بين حكم موضوعين فصاعدا مثلا من غير ان يستقرّ الآراء على التعيين مطلقا على مذهب العامة او فى الظاهر مع القطع بدخول المعصوم (عليه السّلام) مع احتمال‏

50

وجود مانع فى حقّه كالتقية بناء على مذهبنا او لعدم علمنا ممّا استقرت عليه الآراء عند الفريقين،

(و الاظهر) ان يختصّ الاجماع المركب بما يتّحد فيه فى مورد الاقوال و يجعل لما يتعدّد فيه المورد عنوان عدم القول بالفصل لئلّا يلزم التكرار فى بيان اقوال المسئلتين و ذكر احكامهما؛

هذا محصّل ما تعرّض له بعض الاعاظم فى الاجماع البسيط و المركب.

51

[ (القاعدة الرابعة عشرة) فى امكان التعبّد بالامارات الغير العلميّة؛]

و الكلام فيه يقع فى مقامين:

(الاوّل) فى امكان التعبّد بالظن عقلا؛

(و الثّانى) فى وقوعه خارجا بعد الفراغ عن اصل امكانه و البحث عن مقام الثانى تفصيلا و تحقيقا فى درر الفوائد فى شرح الرسائل؛

(و امّا الكلام فى المقام الاوّل) فالمعروف المشهور بين الاصوليين هو امكان التعبّد، بل الظّاهر عدم الخلاف فيه عدى ما حكى عن ابن قبه و بعض آخر من دعوى استحالته و امتناعه لشبهة نقض الغرض و تحريم الحلال و عكسه و تفويت المصلحة و الالقاء فى المفسدة؛

(و تنقيح المقام) على وجه يتّضح به المراد من الامكان المبحوث عنه فى المقام يحتاج الى التّعرض لبعض اقسام الامكان الذى كان دخيلا فى المقام،

(فمنها) الامكان الذّاتى و هو ما لا يمتنع وجوده بالذّات،

(و يقابله) الامتناع الذاتى و هو ضرورة العدم بحسب الذات، كاجتماع النقيضين و الضدين،

52

(و منها) الامكان الوقوعى و هو ان لا يلزم من فرض وجود الشيئ محال، كإمكان صيرورة النطفة انسانا مثلا،

(و يقابله) الامتناع الوقوعى و هو ان يلزم من فرض وجوده محذور عقلى (و قد يستعمل) الامكان بمعنى الاحتمال العقلى بمعنى عدم القطع باحد طرفى الايجاب و السلب و هذا فى الحقيقة ليس من اقسام الامكان و ذكر بعض الاعلام هذا القسم من اقسام الامكان ليس بجيّد؛

(و اذا تبيّن لك هذه الاقسام) من الامكان فاعلم انّ الامكان المبحوث عنه فى المقام ليس المراد منه الامكان الذّاتى فى مقابل الامتناع الذاتى لوضوح انّ التعبّد بالظن ليس من الامور التى يحكم العقل بمجرد تصوره و لحاظه باستحالته كاجتماع النقيضين و الضدين و هكذا ليس المراد منه الامكان الاحتمالى الذى هو المراد من قول الشيخ الرئيس كلّما قرع سمعك فذره فى بقعة الامكان، «ما لم يذرك عنه ساطع البرهان» لوضوح انّ الامكان الاحتمالى امر تكوينى غير قابل للنّزاع؛

(و انّما المراد) ايّها الطالب حقيقة المرام من الامكان المبحوث عنه فى المقام بين المشهور و ابن قبه هو الامكان الوقوعى و الامتناع الوقوعى فالمشهور و منهم الشيخ الانصارى (قدّس سرّه) ادّعوا الامكان الوقوعى‏

53

بخلاف محمد ابن قبه عبد الرحمن بن قبه‏ (1) فانّه ادّعى الامتناع الوقوعى للمحذورات التى ذكرناها فى شرح الرسائل تفصيلا،

(و قد عبّر) بعض عن الامكان الذاتى بالامكان التكوينى و عن الامكان الوقوعى بالامكان التشريعى، حيث قال انّ المراد من الامكان المبحوث عنه فى المقام هو الامكان التشريعى بمعنى انّ التعبّد بالامارة هل يلزم منه محذور فى عالم التشريع ام لا و ليس المراد منه الامكان التكوينى المختص بالامور الخارجية حتى يبحث فى ان الاصل العقلائى هل هو الحكم بالامكان حتى يثبت الامتناع ام لا كما هو واضح.

____________

(1)- «متكلّم عظيم القدر و المنزلة كان من اعاظم المعتزلة ثم تبصر بعون اللّه الملك العلّام».

54

[ (القاعدة الخامسة عشرة) فى بيان انّ البحث عن القطع غير داخل فى مسائل علم الاصول؛]

لانّ الميزان فى كون المسئلة اصولية ان تقع نتيجتها فى طريق الاستنباط بان تكون كبرى كلية لو انضمّ اليها صغراها انتجت حكما فرعيا (و من الضرورى) انّ القطع بالحكم لا يقع فى طريق الاستنباط بل هو بنفسه قطع بالنتيجة و بنفس الحكم الفرعى و هذا فى القطع الطريقى واضح و امّا الموضوعى اعنى القطع المأخوذ فى موضوع الحكم كما اذا قال اذا قطعت بحكم فرعى فتصدّق فهو و ان كان دخيلا فى فعليّة وجوب التصدّق الّا انّ نسبته اليه نسبة الموضوع الى حكمه كالخمر بالقياس الى الحرمة و ليس وجوب التصدّق مستنبطا من القطع بالحكم الفرعى و انّما هو مستنبط من الدليل الدالّ عليه لكن القطع يتعلّق نتيجة علم الاصول اعنى الحكم الفرعى او هو بنفسه نتيجته فله شدّة مناسبة مع مسائله فينبغى ان يبحث عنه فيه استطرادا كما له ايضا من بعض الجهات مناسبة مع علم الكلام الباحث عن المبدء و المعاد و استحقاق العباد،

(و كيف كان) قد قسّم شيخنا الانصارى (قدّس سرّه) فى الرسائل، المكلّف بانّه اذا التفت الى حكم شرعى، فامّا ان يحصل له القطع به او