تذكرة بالأخبار عن اتقافات الأسفار - ج1

- محمد بن أحمد ابن جبير المزيد...
303 /
5

[المقدمات‏]

[تمهيد]

" و في جزيرة صقلية هبط واحد من المسلمين ممن يحفظ اللسان الرومي مع جملة من الروم إلى أقرب المواضع المعمورة منها فأعلمنا أنه رأى جملة من أسرى المسلمين نحو الثمانين بين رجال و نساء يباعون في السوق. و كان ذلك عند وصول العدو- دمره اللّه- بهم من سواحل البحر ببلاد المسلمين، و اللّه يتداركهم برحمته."

نص الرحلة ص 25

" .. و من أعظم ما شاهدناه من عجائبها المنار الذي قد وضعه اللّه، عز و جل، على يدي من سخر لذلك آية للمتوسمين و هداية للمسافرين، لولاه ما اهتدوا في البحر إلى بر الإسكندرية، يظهر على أزيد من سبعين ميلا و في أعلاه مسجد موصوف بالبركة."

نص الرحلة ص 25

" ... و بيت اللّه الآن بأيدي أقوام قد اتخذوه معيشة حرام و جعلوه سببا إلى استلاب الأموال و استحقاقها من غير حل، و مصادرة الحجاج عليها و ضرب الذلة و المسكنة الدنية عليهم، تلافاها اللّه عن قريب بتطهير يرفع هذه البدع المجحفة عن المسلمين بسيوف الموحدين أنصار الدين."

نص الرحلة ص 58

" ... فلما قضينا العمرة و طفنا، و جئنا للسعي بين الصفا و المروة، و قد مضى هدء من الليل، أبصرناه كله سرجا و نيرانا، و قد غص بالساعين و الساعيات على هوادجهن، فكنا لا نتخلص إلا بين هوادجهن و بين قوائم الإبل، لكثرة الزحام و اصطكاك الهوادج بعضها على بعض."

نص الرحلة ص 100

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

استهلال‏

يصدر هذا الكتاب في إطار خطة متكاملة لتحقيق أبرز و أهم المخطوطات العربية و الإسلامية المتوفرة في خزائن المخطوطات في العالم، و المتعلقة بالحج و الحجاج و رحلات العلماء و الأدباء و المتصوفة إلى مكة المكرمة و المدينة المنورة، شرع" المركز العربي للأدب الجغرافي- ارتياد الآفاق" بتحقيقها، و تكفلت" دار السويدي" بنشرها في سلسلة مهداة إلى روح الشيخ زايد باني نهضة الإمارات. من المنتظر في المرحلة الأولى أن تبلغ هذه الموسوعة من الكتب مائة كتاب، موازية لمائة كتاب أخرى مختارة من أدب الرحلات الكلاسيكي العربي، و مائة ثالثة من أدب الرحلة العربي المعاصر.

رحلات الحج تعتبر في الثقافة العربية أدبا قائما في ذاته، و هي فرع من أدب الرحلة له قيمة كبيرة لما يذخر من معارف و علوم مختلفة، و لما يرسمه على طول خط السير و السفر من علامات و إشارات متتالية تصنع كلها عبر توالي المحطات الحضارية التي يمر بها سفرا حضاريا ضخما و متكاملا من أسفار النشاط الإنساني المادي و الروحي عبر العصور.

*** تهدف الموسوعة حماية هذا التراث العربي الإسلامي و الكشف عن المجهول منه و تحقيقه و دراسته و نشره وفق أحدث طرق النشر الورقي (و الإلكتروني لا حقا) تمهيدا لوضعه في متناول الأجيال العربية. و تغطي الموسوعة الرحلات التي قام بها الرحالة العرب و المسلمون من علماء و أدباء، و شعراء و متصوفة، و سائر من أدى فريضة الحج‏

8

و ألف كتابا ينتمي إلى ما يعرف بأدب الرحلة، إن باللغة العربية أو في لغات أخرى، و تشمل الموسوعة النصوص التي وضعها الرحالة و الحجاج إلى مكة المكرمة و المدينة المنورة، أكانوا من الشام أو مصر أو المغرب العربي أو شرق إفريقيا، أو بلدان آسيا الوسطى، و غيرها من دول العالم الإسلامي، و العالم أجمع، حيثما وجدت جاليات إسلامية و خرج من بينها حجاج زاروا بيت اللّه الحرام و دونوا أخبار زياراتهم.

تشمل الموسوعة النصوص التي كتبت عبر أكثر من 8 قرون، و من ضمنها كتابات الرحالة المعروفين إلى جانب الأقل شهرة منهم ... و ستزود الموسوعة في مجلدات منفصلة بالرسوم و الخرائط الضرورية و الصور النادرة، و كذلك بالملاحق و الفهارس التي ترصد (و توثق) مجتمعة لطرق الحج، و المحامل الأساسية، كمحمل الحج الشامي، و محمل الحج المصري، و محمل الحج المغربي، و محمل دارفور إلخ ... إضافة إلى وضع رسوم و خرائط لطرق الحج، و ذلك وفق خطة أكاديمية شاملة يشارك فيها فريق عمل كبير من الأكاديميين و المحققين و المترجمين و الدارسين المتضلعين بتحقيق المخطوطات من مختلف أنحاء العالم العربي.

ستتألف الموسوعة من 100 كتاب تضم النصوص العربية و النصوص المترجمة من اللغات الأخرى، كالتركية و الفارسية و لغة الأوردو، أساسا ثم لغات أخرى كتب بها الحجاج رحلاتهم، كالألبانية و البوسنية و الروسية، و الصينية و غيرها من اللغات التي تنطق بها جاليات إسلامية، فضلا عن اللغات الأوروبية التي ألف بها الحجاج المسلمون من الأوروبيين.

من شأن هذه الموسوعة، التي توضع للمرة الأولى بالعربية، أن ترفع من شأن الإسلام و المعرفة به، و أن تشكل كنزا جغرافيا، و أدبيا و علميا و دينيا لكل باحث عن المعرفة. و الهدف، أخيرا، هو نشر معرفة عميقة بثقافة العلماء و المفكرين و الأدباء و الدعاة العرب و المسلمين الذين ارتبطت أسماؤهم بالحج و ثقافته، و تركيز صورة أكثر وضوحا للإسلام و المسلمين في مسعاهم الحضاري عبر العصور.

و اللّه من وراء القصد.

محمد أحمد السويدي‏

9

المقدمة

هذه أول رحلة حج أندلسية، و لعلها أهم الرحلات التي يمم أصحابها شطر الديار المقدسة في مكة المكرمة و المدينة المنورة. رحلة تمتاز بمكانتها في المكتبة العربية، و من النادر أن نجد ما يماثلها أو يدانيها قيمة تاريخية و جغرافية و دينية، سواء بما اشتملت عليه من إيمان روحي عميق و دقة علمية بالغة و رصد تأملي واسع، أو بالنظر إلى أهمية المرحلة التاريخية التي شهد صاحب الرحلة وقائع منها، و هي عهد صلاح الدين الأيوبي و مقاومة الغزو الفرنجي. هذا، فضلا عن أسلوبها البلاغي الجميل و نسيجها الأدبي الممتع.

إنها يوميات عالم ثاقب البصيرة، واسع الأفق، شديد الملاحظة، تتجلى أهميتها في التفاصيل الدقيقة التي يتأمل ابن جبير ملامحها باهتمام و يتحدث عنها باستفاضة من مدن و أرياف و موانئ و مناسك و آثار مقدسة و معالم عمرانية، فضلا عن الدروس البليغة المؤثرة التي لا يستغني عنها أي مسلم ينوي التوجه إلى الحجاز لأداء فريضة الحج أو العمرة، دون أن نهمل المزايا التاريخية التي حفلت بذكرها.

دقة علمية

الرحالة أديب مرموق في زمنه، و هو يمعن النظر و الفكر و المقارنة، و يقدر المسافة

10

و يجري القياس أحيانا، في كل ما يتعلق بالأماكن الإسلامية المقدسة و ما جاورها أو اقترن بها من مساجد و زوايا و أضرحة و مرافق خدمات و مواقع غزو و صلح، و لا يغفل عن ذكر ما جرى في تلك المواقع من أحداث هامة أخرى كحفر الآبار و إنشاء سبل الماء و ترميم معالمها العمرانية.

و تكشف لنا رحلته هذه مدى اهتمامه بالتفاصيل، على اختلاف موضوعاتها، كالتواريخ اليومية و ظهور الأهلة و رصد و تسجيل كل ما يمر به أو يراه من ملامح الأرض و تشكيلاتها و طرقها و المسافات التي قطعها و أحوال الجو و أنواء البحر، و جرأته في السؤال عما لا يعرف، و ملاحظاته الناقدة لسوء تصرفات العاملين الموكلين بإدارة شؤون الناس، و استنكاره لانحرافهم عن الصراط المستقيم، و لا ينسى أن يركز على ما أنجز صلاح الدين من مدارس و مستشفيات و مساجد و حمامات و غير ذلك من المرافق الحضارية العامة. و يشيد ابن جبير برعاية السلطان للمغاربة و الغرباء، فضلا عن حياته الجهادية المظفرة ضد الفرنجة و تحرير البلاد منهم.

إن ابن جبير يبين لنا، بغير قصد و لا ادعاء، مكانته الرائدة في كتابة المذكرات اليومية. و لا نملك إلا الإعجاب بهذا الرحالة الرائد و تقدير جهوده الميمونة حق قدرها، و نحن نراه منكبا على تسجيل دقائق يومياته في الحل و الترحال، عبر البر و البحر، في حالات السكينة و الأمان و في أوقات العواصف و الأهوال، غير عابئ بالمصاعب و الأخطار التي تواجه الكاتب و تحول دون مواصلة عمله بطريقة ميسورة.

إنه يؤكد بذلك أن الكاتب الصادق فارس قضية و حامل رسالة، و هو لا يبتغي من وراء ذلك أجرا و لا منّة.

اهتمام بالتفاصيل‏

و سوف يرى القارئ شغف الرحالة بوصف الطرق و المدن و ما تضم في حناياها من معالم و مساجد و آثار و أضرحة و أولياء، دون أن يغفل متابعته الوصفية و النقدية لسلوك الناس و أولي الأمر منهم بوجه خاص. و هو لا ينسى أن يدعم مواقفه و آراءه‏

11

بشواهد مستفيضة بما يحفظ من القرآن الكريم و السيرة النبوية المشرفة. إنه رجل قوي الإيمان شديد التقوى، يولي المواقع التاريخية و الآثار المقدسة عناية خاصة و يتبرك بزيارتها، معبرا بذلك عن نفس حرة كريمة عامرة بالصلاح و التواضع و السيرة العطرة.

يكفي هنا أن نشير إلى ما ذكر من تفاصيل في مناسك الحج و المسجد الحرام في مكة المكرمة و زيارته لمدينة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و مسجده المبارك هناك. و لا بد أن نتابعه خطوة خطوة و نعيش بصحبته كل دقيقة، و هو يمضي بنا في أرجاء تلك العتبات و الأماكن المقدسة. و لا ينسى أن يعرج بنا إلى أضرحة الشهداء و الأولياء و الصالحين الأوائل الذين احتضنتهم تلك التربة المطهرة لنتأمل أعمالهم الصالحة، و نستعيد ذكرياتهم و موافقهم المجيدة و هم يحملون مشاعل الخير و الحق و العدالة للبشرية جمعاء، و يخرجون بأجيال الأمة من الظلمات إلى النور وراء الرسول الأعظم، الرائد المطهر الذي لا يكذب أهله، (صلوات اللّه و سلامه عليه). إن صدق الحب و الإيمان و التقوى لا بد أن ينتقل إلى نفس القارئ الكريم، ليشارك هذا الرجل الورع الحليم في كل كلمة طيبة و مع كل التفاتة راضية.

و الكاتب ينعى على المسلمين في المشرق العربي ما حل بهم من خلاف و انحراف عن الصراط المستقيم، و ربما بدا منحازا إلى مذهب دون غيره أو منددا بمذهب آخر لا ينسجم مع عقيدته، إنما لا ينبغي أن ننسى أنه عاش في عصر الحملات الصليبية التي كانت تقتضي موقفا جماعيا موحدا من أجل التصدي لأعداء الأمة الطامعين. و كان صلاح الدين الأيوبي ممثلا لذلك الموقف الجهادي الموحد و قائدا له. و لعل هذا الإخلاص الوجداني العميق هو الذي جعل ابن جبير متشددا إلى حد التعصب الصارم الذي لا يقبل المداهنة أو المداراة. إن كلمة الحق التي تشغل بال المؤمن الصادق لا بد من إعلانها بلا تردد و لا مجاملة، و لا سيما حين يتكاثر عدد المنافقين و يغدو المتمسك بعقيدته كالقابض على الجمر. و ليس لنا أن ننسى أن ديار الإسلام كانت محط أطماع غربية، و هي تواجه هجمات عدوانية ضارية لا يمكن السكوت عنها أو التعامل معها بتسامح بارد و استسلام ذليل.

12

و مع ذلك، فإننا نلمس لديه إحساسا مرهفا بالدعابة اللطيفة المغلفة بالظرف و الطرافة. و يبدو هذا واضحا في رصده لتصرفات الخاتون بنت أمير الموصل، على سبيل المثال. كما أنه حين مر في مدينة حمص، المعروفة بظرف أهلها، سأل أحد أبنائها:

" أليس عندكم مارستان؟" و استنكر الرجل السؤال و أجاب:" حمص كلها مارستانات"!

و في الطريق من بغداد إلى الموصل، كانت الخاتونان: (بنت الأمير مسعود ملك الدروب و الأرمن و أم عز الدين صاحب الموصل) هما قائدتي العسكر المرافق لموكب الحجيج، فلم يتمالك نفسه من ترديد قول الشاعر:

ضاع الرعيل و من يقوده!

زمن الرحلة

امتدت هذه الرحلة سنتين و شهرين و ثلاثة أسابيع‏ (1)، بدأها يوم الخميس في 8 شوال سنة 578 ه، الموافق 3 فبراير (شباط) 1183 م، و ختمها في 22 محرم سنة 581 ه، الموافق 25 أبريل (نيسان) 1185، و لم يدوّن غيرها. و حسبنا هنا أن نتأمل بعض مشاق الطرق البحرية و النهرية و البرية التي سار فيها الرحالة، فضلا عن رحلته في النيل من المتوسط إلى مدينة قوص على الحدود بين مصر و السودان. و لا يمكن أن ننسى الأخطار المحدقة بالمسافرين المسلمين في مراكب الجنويين في تلك الحقبة التاريخية الرهيبة من حملات الغزو و العدوان. فقد كان طريق الحج الشامي عبر العقبة مقطوعا أو غير آمن، و هذا ما دفع بالرحالة و صحبه أن يواصل ترحاله شرقا، مع الحج العراقي من المدينة المنورة إلى بغداد فالموصل فحران ليرجع من هناك عبر سوريا و بعض مدن فلسطين، ثم توجه أخيرا من ميناء عكا عائدا إلى غرناطة بحرا.

____________

(1) يحددها ابن جبير بالتقويم الهجري في ختام رحلته بسنتين و ثلاثة أشهر و نصف الشهر. و لا بد لي من الاعتذار عن خطأ وقعت فيه في مقدمة الطبعة الأولى من سلسلة" ارتياد الآفاق" (سنة 2001) إذ قدرت مدة الرحلة بثلاث سنوات و بضعة أشهر.

13

و كانت رحلته الثانية إلى بيت المقدس، بعد أن استردها صلاح الدين و حررها من الصليبيين. و في هذه الرحلة، خرج من غرناطة في التاسع من ربيع الأول سنة 585 ه/ 1189 م و عاد إليها سنة 587 ه/ 1191 م. و بمناسبة فتح بيت المقدس، مدح صلاح الدين بقصيدة يقول فيها:

أطلت على أفقك الزاهر* * * سعود من الفلك الدائر

ثم قام برحلة ثالثة إلى الحجاز، ملتمسا العزاء إثر وفاة زوجته. و كانت هذه آخر رحلاته، إذ جاور بمكة حينا من الزمن ثم في بيت المقدس، و تجول في ربوع مصر حتى استقر أخيرا في الإسكندرية منصرفا للتدريس إلى أن وافته المنية هناك في التاسع و العشرين من شعبان سنة 614 ه/ 1217 م.

و سواء كان سفره في البر أو البحر، فإن شغف الكاتب الأصيل في رصد أهوال الطريق و مباهجها و أحوال الجو و تقلباته لا يفارقه أبدا. و نراه طوال سنوات الرحلة مواظبا على صلاته في أوقاتها، مستمسكا بالعروة الوثقى لا انفصام لها، حريصا على دينه، مقتديا بالسلف الصالح و مناقبهم، مستنكرا كل زيغ أو انحراف طرأ على معتقدات الناس و عاداتهم و تصرفاتهم. فهو يقوم بمهمة المصلح الاجتماعي، و لا يضن بحمل رسالته في التنديد بكل منكر أملا في إشاعة الفضيلة و حسن المعاملة بين الناس.

لكن القارئ لا بد أن يشعر بفيض من الأسى و العتب على أجدادنا الذين لم يحافظوا على كثير من تلك الآثار المقدسة التي دونها ابن جبير بحرص و محبة و استفاضة، و قد ضاعت مع الأيام و لم يبق منها غير ألق الذكرى، بينما نرى أعداءنا يتخذون من أساطيرهم الخرافية صروحا لا يجرؤ أحد على المساس بها أو الإساءة إليها.

رافق ابن جبير في رحلة الحج هذه أحمد بن حسان، و يكنى بأبي جعفر، و كان مولده و منشؤه في غرناطة. و قد اشتغل بصناعة الطب و أجاد في علمها و عملها و خدم المنصور بطبّه، و توفي بمدينة فاس. و له كتاب (تدبير الصحة) ألفه للمنصور.

14

لمحة عن الرحالة

هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير بن محمد بن جبير بن سعيد بن جبير بن محمد بن مروان بن عبد السلام بن مروان بن عبد السلام بن جبير الكناني، الرحالة الأندلسي. و كان جده الأكبر عبد السلام من أوائل الداخلين إلى الأندلس مع بلج القشيري في سنة 123 ه/ 740 م، فهو أندلسي شاطبي بلنسي. ولد في العاشر من ربيع الأول سنة 540 ه/ 1145 م في بلنسية شرقي الأندلس. و في رواية أخرى أن مولده كان في سنة 539 ه/ 1144 م. و هو ينسب إلى بلنسية بسبب مولده فيها على أرجح الأقوال. أما نسبته إلى شاطبة فهي من جراء إقامته فيها فترة من الزمن، قبل أن ينتقل إلى غرناطة.

نشأ ابن جبير في رعاية والده و تلقى العلم عنه و عن علماء عصره في شاطبة. و كان اهتمامه الأول بالأدب فغدا علما بارعا فيه، كما أتقن صنعة الكتابة. ثم تنقل في مستهل حياته بين عدد من المدن الأندلسية و الإفريقية، فأقام في بلنسية و شاطبة و غرناطة و سبتة و فاس، و تقلّد مناصب كتابية عدّة. و هو يعد أحد كتاب الدولة الموحدية من حكام الأندلس و المغرب، و قد تبوأ لديهم مكانة عالية، تقديرا لعلمه الواسع و موهبته الشعرية و قدرته الجيدة على كتابة النثر.

و تجمع الروايات أنه كان أديبا معروفا و شاعرا مجيدا و عالما فاضلا مشغوفا بالأسفار، نزيه النفس، كريم الأخلاق، أنيق الخط، ذا أسلوب في الكتابة يمتاز بالسهولة ورقة العبارة. و تبدو هذه السمات الفنية واضحة في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب. إن همه الأول أن ينقل إلى قارئه ما يراه و ما يسمعه، في صور طلية واضحة. و هذا يؤكد أنه أديب متمرس في صنعته، متعمق في لغته و بيانه. و يمكن أن نضيف إلى ذلك اهتمامه بالسجع و المحسنات البديعية و اللفظية أحيانا، أسوة بأسلوب أبناء عصره في مشرق الوطن و مغربه، لكننا نلاحظ أن موهبته الأدبية الأصيلة سرعان ما تبعده عن تلك الزخارف الشكلية، فيعود إلى عبارته العفوية السلسة التي تستقر في قلوب قرائه حالما تدخل أسماعهم. و قد أهّلته مزاياه الأدبية و الخلقية إلى تقلد أرفع‏

15

المناصب في الدولة. و يصفه المقري في (نفح الطيب) بالمروءة و حب الخير و حرصه على مساعدة الناس و قضاء حاجاتهم و رعاية الغرباء منهم. و هو يعبر بصدق وجداني عن تلك المزايا الإنسانية في شعره، إذ يقول:

يحسب الناس بأني متعب‏* * * في الشفاعات و تكليف الورى‏

و الذي يتبعهم من ذاك لي‏* * * راحة في غيرها لن أفكرا

و بودي لو أقضّي العمر في‏* * * خدمة الطلاب حتى في الكرى‏

و من حق ابن جبير علينا أن نتركه يتحدث بأسلوبه الطلي البليغ. و سوف يلحظ القارئ كثرة الجمل الاعتراضية في الدعاء للمدن و للناس، أحياء و أمواتا. إن بعض النسح المنشورة مالت إلى الاختصار فحذفت تلك العبارات، لكني آثرت إثباتها احتراما لهذا الرحالة و التزاما بالأمانة التاريخية. كما أني وضعت بعض العناوين الفرعية تسهيلا للقارئ. و لقد آثرت شرح العديد من الكلمات التي قدرت أن الفتيان لا يعرفون معانيها المعجمية، كما رجعت إلى القرآن الكريم و دوّنت أسماء السور و الآيات المباركة التي استشهد بها المؤلف. و يمكن أن أضيف هنا أن كشاف الأسماء الحضارية و الأعلام التاريخية و الجغرافية في الختام قد اعتمدت فيه حالة الرفع كما في (أبو فلان) أو (عباسيون و يمنيون)، و إن كانت واردة في النص في حالت النصب أو الجر. و لا بد لي من الإشارة إلى أني لم أتمكن من العثور على مرجع يبين لي بدقة معنى كلمة (مشرجب) و مشتقاتها، و إن بدا من السياق أن المعنى التقريبي لها يدل على الباب المزخرف أو النافذة ذات الزجاج المعشق. إن كل كلمة دونها المؤلف تحمل أثرا من خلجات قلبه و وجدانه. و ها أنذا أريح القارئ من عب‏ء الاستفاضة في التقديم، لأن متعة القراءة و مشاركة الرحالة في وقائع سفره و معايشته في دقائق يومياته أمتع و أجدى من أي حديث آخر.

علي كنعان‏

أبو ظبي في 28/ 9/ 2006

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

نص الرحلة

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

[شهر شوال سنة ثمان و سبعين و خمسمائة]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ابتدئ بتقييدها يوم الجمعة الموفي ثلاثين لشهر شوال سنة ثمان و سبعين و خمسمائة (1) على متن البحر بمقابلة جبل شلير (2) عرفنا اللّه السلامة بمنه. و كان انفصال أحمد بن حسان‏ (3) و محمد بن جبير من غرناطة، حرسها اللّه للنية الحجازية المباركة، قرنها اللّه بالتيسير و التسهيل و تعريف الصنع الجميل، أول ساعة من يوم الخميس الثامن لشوال المذكور، و بموافقة اليوم الثالث لشهر فبرير الأعجمي. و كان الاجتياز على جيّان لقضاء بعض الأسباب، ثم كان الخروج منها أول ساعة من يوم الاثنين التاسع عشر لشهر شوال المذكور و بموافقة اليوم الرابع عشر لشهر فبرير المذكور أيضا.

و كانت مرحلتنا الأولى منها إلى حصن القبذاق، ثم منه إلى حصن قبرة، ثم منه إلى مدينة إستجة، ثم منها إلى أشونة، ثم منه إلى شلير، ثم منه إلى حصن أركش، ثم منه إلى قرية تعرف بقرية النشمة من قرى مدينة ابن السليم‏ (4)، ثم منها إلى جزيرة طريف‏ (5)،

____________

(1) 25 فبراير 1183.

(2) شلير: جبل على بعد فرسخين جنوبي غرناطة، تكسوه الثلوج صيفا شتاء، و يذكر ابن الخطيب في (الإحاطة ...) أن ستة و ثلاثين نهرا تنساب منه.

(3) أحمد بن حسان، أبو جعفر، ولد و نشأ في غرناطة و اشتغل بصناعة الطب و خدم المنصور بطبه.

(4) مدينة ابن السليم: وردت في أطلس التاريخ الإسلامي باسم: مدينة سالم. أما الحصون و المدن المذكورة سابقا، فيمكن الاطلاع على مواقعها في مصورات الأطلس المذكور.

(5) جزيرة طريف: في مضيق جبل طارق، قرب الساحل الأندلسي.

20

و ذلك يوم الاثنين السادس و العشرين من الشهر المؤرخ. فلما كان ظهر يوم الثلاثاء من اليوم التالي، يسر اللّه علينا في عبور البحر إلى قصر مصمودة (1) تيسيرا عجيبا، و الحمد للّه. و نهضنا منه إلى سبتة (2) غدوة يوم الأربعاء الثامن و العشرين منه، و ألفينا بها مركبا للروم الجنويّين‏ (3) مقلعا إلى الإسكندرية بحول اللّه، عز و جل، فسهل اللّه علينا في الركوب فيه.

و أقلعنا ظهر يوم الخميس التاسع و العشرين منه، و بموافقة الرابع و العشرين من فبرير المذكور، بحول اللّه تعالى و عونه، لا ربّ غيره. و كان طريقنا في البحر محاذيا لبر الأندلس.

[شهر ذى القعدة من السنة المذكورة]

و فارقناه يوم الخميس السادس لذي القعدة بعده عندما حاذينا دانية. و في صبيحة يوم الجمعة السابع من الشهر المذكور آنفا قابلنا بر جزيرة يابسة ثم يوم السبت بعده قابلنا جزيرة ميورقة، ثم يوم الأحد بعده قابلنا جزيرة منورقة (4). و من سبتة إليها نحو ثمانية مجار، و المجرى مائة ميل. و فارقنا بر هذه الجزيرة المذكورة، و قام معنا بر جزيرة سردانية (5) أول ليلة الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور، و هو الثامن من مارس، دفعة واحدة على نحو ميل أو أقل. و بين الجزيرتين، سردانية و منورقة، نحو الأربعمائة ميل، فكان قطعا مستغربا في السرعة.

أنواء عاصفة

و طرأ علينا من مقابلة البر في الليل هول عظيم، عصم اللّه منه بريح أرسلها اللّه تعالى في الحين من تلقاء البر، فأخرجنا عنه، و الحمد للّه على ذلك. و قام علينا نوء هال‏

____________

(1) قصر مصمودة: ميناء صغير على الساحل المغربي.

(2) مدينة مغربية، ما زالت تحت السيطرة الإسبانية.

(3) الجنويون: أبناء مدينة جنوة الإيطالية، و كان لمراكبهم دورها الخطير في الحروب الصليبية.

(4) هذه الجزر الثلاث: يابسة و ميورقة و منورقة، تقع إلى الشرق من دانية و بلنسية.

(5) سردينية، الجزيرة الإيطلية المعروفة.

21

له البحر صبيحة يوم الثلاثاء المذكور، فبقينا مترددين بسببه حول بر سردانية إلى يوم الأربعاء بعده فأطلع اللّه علينا، في حال الوحشة و انغلاق الجهات بالنوء فلا نميز شرقا من غرب، مركبا للروم قصدنا إلى أن حاذانا، فسئل عن مقصده، فأخبر أنه يريد جزيرة صقلية و أنه من قرطا جنة عمل مرسية. و قد كنا استقبلنا طريقه التي جاء من غير علم، فأخذنا عند ذلك في اتباع أثره، و اللّه الميسر، لا رب سواه. فخرج علينا طرف من بر سردانية المذكور، فأخذنا في الرجوع، عودا على بدء، إلى أن وصلنا طرفا من البر المذكور يعرف بقوسمركة، و هو مرسى معروف عندهم. فأرسينا به ظهر يوم الأربعاء المذكور و المركب المذكور معنا. و بهذا الموضع المذكور أثر لبنيان قديم ذكر لنا أنه كان منزلا لليهود فيما سلف.

ثم إنا أقلعنا منه ظهر يوم الأحد السادس عشر من الشهر المذكور، و في مدة مقامنا بالمرسى المذكور جددنا فيه الماء و الحطب و الزاد. و هبط واحد من المسلمين ممن يحفظ اللسان الرومي مع جملة من الروم إلى أقرب المواضع المعمورة منا فأعلمنا أنه رأى جملة من أسرى المسلمين نحو الثمانين بين رجال و نساء يباعون في السوق. و كان ذلك عند وصول العدو- دمره اللّه- بهم من سواحل البحر ببلاد المسلمين، و اللّه يتداركهم برحمته. و وصل إلى المرسى المذكور، يوم الجمعة الثالث من يوم أرسينا فيه، سلطان الجزيرة المذكورة، مع جملة من الخيل. فنزل إليه أشياخ المركب من الروم و اجتمعوا به، و طال مقامهم عنده، ثم انصرفوا و انصرف إلى موضع سكناه. و تركنا المركب المذكور في موضع إرسائه، بسبب مغيب بعض أصحابه في البلد، عند هبوب الريح الموافقة لنا.

و في ليلة الثلاثاء الثامن عشر لذي القعدة المذكور، و الخامس عشر من شهر مارس المذكور أيضا، و في الربع الباقي منها، فارقنا بر سردانية المذكورة، و هو بر طويل جرينا بحذائه نحو المائتي ميل. و منتهى دور الجزيرة (1)، على ما ذكر لنا، أزيد من خمسمائة ميل، و يسر اللّه علينا في التخلص من بحرها، لأنه أصعب ما في الطريق، و الخروج منه يتعذر في أكثر الأحيان، و الحمد للّه على ذلك.

و في ليلة الأربعاء بعدها، من أولها، عصفت علينا ريح هال لها البحر، و جاء معها

____________

(1) دور الجزيرة: محيطها.

22

مطر ترسله الرياح بقوة، كأنه شآبيب‏ (1) سهام. فعظم الخطب و اشتد الكرب، و جاءنا الموج من كل مكان أمثال الجبال السائرة. فبقينا على تلك الحال الليل كله، و اليأس قد بلغ منا مبلغه، و ارتجينا مع الصباح فرجة تخفف عنا بعض ما نزل بنا. فجاء النهار، و هو يوم الأربعاء التاسع عشر من ذي القعدة، بما هو أشد هولا و أعظم كربا، و زاد البحر اهتياجا و اربدت الآفاق سوادا، و استشرت الريح و المطر عصوفا، حتى لم يثبت معها شراع. فلجئ إلى استعمال الشّرع الصغار. فأخذت الريح أحدها و مزقته و كسرت الخشبة التي ترتبط الشرع فيها، و هي المعروفة عندهم بالقريّة (2). فحينئذ تمكن اليأس من النفوس، و ارتفعت أيدي المسلمين بالدعاء إلى اللّه عز و جل. و أقمنا على تلك الحال النهار كله. فلما جن الليل فترت الحال بعض فتور، و سرنا في هذه الحال كلها بريح الصواري سيرا سريعا.

جزيرة صقلية

و في ذلك اليوم حاذينا بر جزيرة صقلية. و بتنا تلك الليلة، التي هي ليلة الخميس التالية لليوم المذكور، مترددين بين الرجاء و اليأس. فلما أسفر الصبح نشر اللّه رحمته، و أقشعت السحاب و طاب الهواء و أضاءت الشمس و أخذ في السكون البحر.

فاستبشر الناس و عاد الأنس و ذهب اليأس، و الحمد للّه الذي أرانا عظيم قدرته، ثم تلافى بجميل رحمته و لطيف رأفته، حمدا يكون كفاء لمنته و نعمته. و في هذا الصباح المذكور، ظهر لنا بر صقلية و قد أجزنا أكثره و لم يبق منه إلا الأقل. و أجمع من حضر من رؤساء البحر من الروم و ممن شاهد الأسفار و الأهوال في البحر من المسلمين أنهم لم يعاينوا قط مثل هذا الهول في ما سلف من أعمارهم، و الخبر عن هذه الحال يصغر في خبرها (3). و بين البرين المذكورين، بر سردانية و بر صقلية، نحو الأربعمائة ميل.

____________

(1) الشآبيب (جمع شؤبوب): زخات المطر الشديدة.

(2) القرية (بفتح القاف و كسر الراء و فتح الياء و تشديدها): العارضة الخشبية في أعلى الصاري.

(3) الخبر (بفتح الخاء و الباء): النبأ، الخبر (بضم الخاء و سكون الباء): الاختبار و التجربة.

23

و استصحبنا من بر صقلية أزيد من مائتي ميل، ثم ترددنا بحذائه بسبب سكون الريح.

فلما كان عصر يوم الجمعة الحادي و العشرين من الشهر المذكور أقلعنا من الموضع الذي كنا أرسينا فيه، و فارقنا البر المذكور أول تلك الليلة. و أصبحنا يوم السبت و بيننا و بينه مسافة بعيدة، و ظهر لنا إذ ذاك الجبل الذي كان فيه البركان‏ (1). و هو جبل عظيم مصعد في جو السماء، قد كساه الثلج. و أعلمنا أنه يظهر في البحر مع الصحو على أزيد من مسيرة مئة ميل. فأخذنا ملججين و أقرب ما نؤمله من البر إلينا جزيرة أقريطش‏ (2) و هي من جزائر الروم، و نظرها إلى صاحب القسطنطينية، و بينها و بين جزيرة صقلية مسيرة سبعمائة ميل، و اللّه كفيل بالتيسير و التسهيل بمنّه. و في طول هذه الجزيرة، جزيرة أقريطش المذكورة، نحو من ثلاثمائة ميل.

و في ليلة الثلاثاء الخامس و العشرين من الشهر المذكور، و هو الثاني و العشرون من شهر مارس، حاذينا البر المذكور تقديرا لا عيانا. و في صبيحة اليوم المذكور فارقناه متوجهين لقصدنا. و بين هذه الجزيرة المذكورة و بين الإسكندرية ستمائة ميل أو نحوها.

و في صبيحة يوم الأربعاء السادس و العشرين منه ظهر لنا البر الكبير المتصل بالإسكندرية المعروف ببر الغرب، و حاذينا منه موضعا يعرف بجزائر الحمّام، على ما ذكر لنا، و بينه و بين الإسكندرية نحو الأربعمائة ميل، على ما ذكر لنا، فأخذنا في السير و البر المذكور منا يمينا.

بشرى بالسلامة

و في صبيحة يوم السبت التاسع و العشرين من الشهر المذكور أطلع اللّه علينا البشرى بالسلامة بظهور منار الإسكندرية على نحو العشرين ميلا، و الحمد للّه على ذلك حمدا يقتضي المزيد من فضله و كريم صنعه. و في آخر الساعة الخامسة منه كان‏

____________

(1) بركان جبل إننا.

(2) أقريطش: جزيرة كريت.

24

إرساؤنا بمرسى البلد، و نزولنا إثر ذلك، و اللّه المستعان فيما بقي بمنّه. فكانت إقامتنا على متن البحر ثلاثين يوما، و نزلنا في الحادي و الثلاثين، لأن ركوبنا إياه كان يوم الخميس التاسع و العشرين من شهر شوال، و نزولنا عنه في يوم السبت التاسع و العشرين من شهر ذي القعدة، و بموافقة السادس.

و العشرين من مارس، و الحمد للّه على ما من به من التيسير و التسهيل، و هو سبحانه المسؤول بتتميم النعمة علينا ببلوغ الغرض من المقصود، و تعجيل الإياب إلى الوطن على خير و عافية، إنه المنعم بذلك لا رب سواه. و كان نزولنا بها بفندق يعرف بفندق الصفار بمقربة من الصّبانة.

شهر ذي الحجة من السنة المذكورة

أوله يوم الأحد، ثاني يوم نزولنا بالإسكندرية. فمن أول ما شاهدنا فيها يوم نزولنا أن طلع أمناء المركب من قبل السلطان بها لتقييد جميع ما جلب فيه. فاستحضر جميع من كان فيه من المسلمين واحدا واحدا و كتبت أسماؤهم و صفاتهم و أسماء بلادهم، و سئل كل واحد عما لديه من سلع أو ناض‏ (1) ليؤدي زكاة ذلك كله، دون أن يبحث عما حال عليه الحول من ذلك أو ما لم يحل. و كان أكثرهم متشخصين لأداء الفريضة لم يستصحبوا سوى زاد لطريقهم، فلزّموا أداء زكاة ذلك دون أن يسأل أحال عليه الحول أم لا.

و استنزل أحمد بن حسان منا ليسأل عن أنباء المغرب و سلع المركب. فطيف به مرقبا على السلطان أولا، ثم على القاضي، ثم على أهل الديوان، ثم على جماعة من حاشية السلطان. و في كلّ يستفهم ثم يقيد قوله، فخلي سبيله، و أمر المسلمون بتنزيل أسبابهم و ما فضل من أزودتهم. و على ساحل البحر أعوان يتوكلون بهم و بحمل جميع ما أنزلوه إلى الديوان. فاستدعوا واحدا واحدا، و أحضر ما لكل واحد من الأسباب،

____________

(1) الناض (بتشديد الضاد): المال النقدي من دراهم و دنانير.

25

و الديوان قد غص بالزحام. فوقع التفتيش لجميع الأسباب، ما دق منها و ما جل، و اختلط بعضها ببعض، و أدخلت الأيدي إلى أوساطهم بحثا عما عسى أن يكون فيها.

ثم استحلفوا بعد ذلك، هل عندهم غير ما وجدوا لهم أم لا. و في أثناء ذلك ذهب كثير من أسباب الناس لاختلاط الأيدي و تكاثر الزحام، ثم أطلقوا بعد موقف من الذل و الخزي عظيم، نسأل اللّه أن يعظم الأجر بذلك. و هذه لا محالة من الأمور الملبّس فيها على السلطان الكبير المعروف بصلاح الدين، و لو علم بذلك- على ما يؤثر عنه من العدل و إيثار الرفق- لأزال ذلك، و كفى اللّه المؤمنين تلك الخطة الشاقة و استؤدوا الزكاة على أجمل الوجوه. و ما لقينا ببلاد هذا الرجل، ما يلم به قبيح لبعض الذكر، سوى هذه الأحدوثة التي هي من نتائج عمال الدواوين.

ذكر بعض أخبار الإسكندرية و آثارها

فأول ذلك حسن وضع البلد و اتساع مبانيه، حتى إنا ما شاهدنا بلدا أوسع مسالك منه و لا أعلى مبنى و لا أعتق و لا أحفل منه، و أسواقه في نهاية من الاحتفال أيضا. و من العجب في وصفه أن بناءه تحت الأرض كبنائه فوقها و أعتق و أمتن، لأن الماء من النيل يخترق جميع ديارها و أزقتها تحت الأرض، فتتصل الآبار بعضها ببعض و يمد بعضها بعضا. و عاينا فيها أيضا، من سواري الرخام و ألواحه كثرة و علوا و اتساعا و حسنا، ما لا يتخيل بالوهم، حتى إنك تلفي في بعض الممرات بها سواري يغص الجو بها صعودا، لا يدرى ما معناه و لا لم كان أصل وضعها. و ذكر لنا أنه كان عليها في القديم مبان للفلاسفة خاصة، و لأهل الرئاسة في ذلك الزمان- و اللّه أعلم- و يشبه أن يكون ذلك للرصد.

و من أعظم ما شاهدناه من عجائبها المنار الذي قد وضعه اللّه، عز و جل، على يدي من سخر لذلك آية للمتوسمين و هداية للمسافرين، لولاه ما اهتدوا في البحر إلى بر الإسكندرية، يظهر على أزيد من سبعين ميلا. و مبناه في غاية العتاقة و الوثاقة طولا و عرضا، يزاحم الجو سموا و ارتفاعا، يقصر عنه الوصف و ينحسر دونه الطرف،

26

الخبر عنه يضيق و المشاهدة له تتسع. ذرعنا أحد جوانبه الأربعة فألفينا فيه نيفا و خمسين باعا، و يذكر أن في طوله أزيد من مائة و خمسين قامة. و أما داخله فمرأى هائل، اتساع معارج و مداخل و كثرة مساكن، حتى إن المتصرف فيها و الوالج في مسالكها ربما ضلّ.

و بالجملة لا يحصّلها القول، و اللّه لا يخليه من دعوة الإسلام و يبقيه. و في أعلاه مسجد موصوف بالبركة يتبرك الناس بالصلاة فيه، و طلعنا إليه يوم الخميس الخامس لذي الحجة المؤرخ، و صلينا في المسجد المبارك المذكور. و شاهدنا من شأن مبناه عجبا لا يستوفيه وصف واصف.

مآثر صلاح الدين‏

من مناقب هذا البلد و مفاخره العائدة في الحقيقة إلى سلطانه: المدارس و المحارس الموضوعة فيه لأهل الطلب و التعبد، يفدون من الأقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكنا يأوي إليه و مدرّسا يعلمه الفن الذي يريد تعلمه و إجراء يقوم به في جميع أحواله. و اتسع اعتناء السلطان بهؤلاء الغرباء الطارئين، حتى أمر بتعيين حمّامات يستحمون فيها متى احتاجوا إلى ذلك، و نصب لهم مارستانا (1) لعلاج من مرض منهم، و وكل بهم أطباء يتفقدون أحوالهم، و تحت أيديهم خدام يأمرونهم بالنظر في مصالحهم التي يشيرون بها من علاج و غذاء. و قد رتب أيضا فيه أقوام برسم الزيارة للمرضى الذين يتنزهون عن الوصول للمارستان المذكور من الغرباء خاصة، و ينهون إلى الأطباء أحوالهم ليتكفلوا بمعالجتهم.

و من أشرف هذه المقاصد أيضا أن السلطان عين لأبناء السبيل من المغاربة خبزتين لكل إنسان في كل يوم بالغا ما بلغوا، و نصب لتفريق ذلك كل يوم إنسانا أمينا من قبله. فقد ينتهي في اليوم ألفي خبزة أو أزيد، بحسب القلة و الكثرة، و هكذا دائما.

و لهذا كله أوقاف من قبله حاشا ما عينه من زكاة العين لذلك. و أكد على المتولين لذلك‏

____________

(1) المارستان: معربة عن بيمارستان (الفارسية) و هي مؤلفة من كلمتين و معناها: دار المرضى، المستشفى.

27

متى نقصهم من الوظائف المرسومة شي‏ء أن يرجعوا إلى صلب ماله. و أما أهل بلده ففي نهاية من الترفيه و اتساع الأحوال، لا يلزمهم وظيف البتة. و لا فائد للسلطان بهذا البلد سوى الأوقاف المحبسة المعينة من قبله لهذه الوجوه و جزية اليهود و النصارى و ما يطرأ من زكاة العين خاصة، و ليس له منها سوى ثلاثة أثمانها و خمسة الأثمان مضافة للوجوه المذكورة.

و هذا السلطان الذي سن هذه السنن المحمودة، و رسم هذه الرسوم الكريمة على عدمها في المدة البعيدة، هو صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب، وصل اللّه صلاحه و توفيقه. و من أعجب ما اتفق للغرباء، أن بعض من يريد التقرب بالنصائح إلى السلطان ذكر أن أكثر هؤلاء يأخذون جراية الخبز و لا حاجة لهم بها، رغبة في المعيشة، لأنهم لا يصلون إلا بزاد يقلهم. فكاد يؤثر سعي هذا المتنصح.

فلما كان في أحد الأيام خرج السلطان المذكور على سبيل التطلع خارج بلده، فتلقى منهم جماعة قد لفظتهم الصحراء المتصلة بطرابلس، و هم قد ذهبت رسومهم عطشا و جوعا. فسألهم عن وجهتهم و استطلع ما لديهم. فأعلموه أنهم قاصدون بيت اللّه الحرام و أنهم ركبوا البر و كابدوا مشقة صحرائية. فقال: لو وصل هؤلاء و هم قد اعتسفوا هذه المجاهل التي اعتسفوها و كابدوا من الشقاء ما كابدوه و بيد كل واحد منهم زنته ذهبا و فضة لوجب أن يشاركوا و لا يقطعوا عن العادة التي أجريناها لهم، فالعجب ممن يسعى على مثل هؤلاء و يروم التقرب إلينا بالسعي في قطع ما أوجبناه للّه، عز و جل، خالصا لوجهه.

و مآثر هذا السلطان و مقاصده في العدل و مقاماته في الذّود عن حوزة الدين لا تحصى كثرة. و من الغريب أيضا، في أحوال هذه البلد، تصرّف الناس فيه بالليل كتصرفهم بالنهار في جميع أحوالهم. و هو أكثر بلاد اللّه مساجد، حتى إن تقدير الناس لها يطفّف. فمنهم المكثر و المقلل، فالمكثر ينتهي في تقديره إلى اثني عشر ألف مسجد، و المقلل ما دون ذلك لا ينضبط، فمنهم من يقول ثمانية آلاف و منهم من يقول غير ذلك. و بالجملة فهي كثيرة جدا تكون منها الأربعة و الخمسة في موضع و ربما كانت مركبة، و كلها بأئمة مرتبين من قبل‏

28

السلطان، فمنهم من له الخمسة دنانير مصرية في الشهر، و هي عشرة مؤمنية (1)، و منهم من له فوق ذلك و منهم من له دونه. و هذه منقبة كبيرة من مناقب السلطان، إلى غير ذلك مما يطول ذكره من المآثر التي يضيق عنها الحصر.

مغادرة الإسكندرية

ثم كان الانفصال عنها، على بركة اللّه تعالى و حسن عونه، صبيحة يوم الأحد الثامن لذي الحجة المذكور، و هو الثالث لأبريل، فكانت مرحلتنا منه موضع يعرف بدمنهور، و هو بلد مسور في بسيط من الأرض أفيح‏ (2)، متصل من الإسكندرية إليه إلى مصر. و البسيط كله محرث، يعمه النيل بفيضه، و القرى فيه يمينا و شمالا لا تحصى كثرة.

ثم في اليوم الثاني، و هو يوم الاثنين، أجزنا النيل بموضع يعرف بصا في مركب تعدية.

و اتصل سيرنا إلى موضع يعرف ببرمة فكان مبيتنا بها، و هي قرية كبيرة فيها السوق و جميع المرافق. ثم بكرنا منها يوم الثلاثاء، و هو يوم عيد النحر من سنة ثمان و سبعين و خمسمائة المؤرخة، فشاهدنا الصلاة بموضع يعرف بطندته‏ (3) و هي من القرى الفسيحة الآهلة، فأبصرنا بها مجمعا حفيلا، و خطب الخطيب بخطبة بليغة جامعة. و اتصل سيرنا إلى موضع يعرف بسبك و كان مبيتنا بها.

و اجتزنا في ذلك اليوم على موضع حسن يعرف بمليج، و العمارة متصلة و القرى منتظمة في طريقنا كلها. ثم بكرنا منها يوم الأربعاء بعده. فمن أحسن بلد مررنا عليه موضع يعرف بقليوب‏ (4) على ستة أميال من القاهرة فيه الأسواق الجميلة و مسجد جامع كبير حفيل البنيان، ثم بعده المنية، و هو موضع أيضا حفيل، ثم منها إلى القاهرة، و هي مدينة السلطان الحفيلة المتسعة، ثم منها إلى مصر المحروسة. و كان دخولنا فيها إثر صلاة العصر من يوم الأربعاء، و هو الحادي عشر من ذي الحجة المذكور و السادس‏

____________

(1) نسبة إلى عبد المؤمن بن علي الكومي، مؤسس الدولة الموحدية.

(2) أفيح (مذكر فيحاء): الواسع، و منه جاء وصف كل من دمشق و البصرة و طرابلس بالفيحاء.

(3) طندته: مدينة طنطا.

(4) قليوب: مدينة القليوبية.

29

من أبريل، عرّفنا اللّه فيها الخير و الخبرة و تمم علينا صنعه الجميل بالوصول إلى الغرض المأمول، و لا أخلانا من التيسير و التسهيل بعزّته و قدرته، إنه على ما يشاء قدير.

و في يوم الأربعاء المذكور، أجزنا القسم الثاني من النيل في مركب تعدية أيضا بموضع يعرف بدجوة، و ذلك وقت الغداة الصغرى، و كان نزولنا في مصر بفندق أبي الثناء في زقاق القناديل بمقربة من جامع عمرو بن العاص، رضي اللّه عنه، في حجرة كبيرة على باب الفندق المذكور.

ذكر مصر و القاهرة و بعض آثارها العجيبة

فأول ما نبدأ بذكره منها الآثار و المشاهد المباركة التي ببركتها يمسكها اللّه عز و جل:

فمن ذلك المشهد العظيم الشأن الذي بمدينة القاهرة حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنهما، و هو في تابوت فضة مدفون تحت الأرض، قد بني عليه بنيان حفيل يقصر الوصف عنه و لا يحيط الإدراك به، مجلل بأنواع الديباج، محفوف بأمثال العمد الكبار شمعا أبيض و منه ما هو دون ذلك، قد وضع أكثرها في أتوار (1) فضة خالصة و منها مذهبة، و علقت عليه قناديل فضة، و حفّ أعلاه كله بأمثال التفافيح‏ (2) ذهبا في مصنع شبيه الروضة يقيد الأبصار حسنا و جمالا، فيه من أنواع الرخام المجزّع‏ (3) الغريب الصنعة البديع الترصيع ما لا يتخيله المتخيلون و لا يلحق أدنى وصفه الواصفون.

و المدخل إلى هذه الروضة على مسجد على مثالها في التأنق و الغرابة، حيطانه كلها رخام على الصفة المذكورة، و عن يمين الروضة المذكورة و شمالها بيتان من كليهما المدخل إليها و هما أيضا على تلك الصفة بعينها، و الأستار البديعة الصنعة من الديباج معلّقة على الجميع. و من أعجب ما شاهدناه في دخولنا إلى هذا المسجد المبارك، حجر موضوع في الجدار الذي يستقبله الداخل، شديد السواد و البصيص، يصف‏

____________

(1) أتوار (جمع تور بفتح التاء و سكون الواو): الأواني الصغيرة التي توضع فيها الشموع لحمايتها من الريح.

(2) تفافيح (جمع تفاح): الأواني الخاصة بحمل القناديل.

(3) المجزع: فيه سواد و بياض.

30

الأشخاص كلها كأنه المرآة الهندية الحديثة الصقل. و شاهدنا من استلام الناس للقبر المبارك، و إحداقهم به، و انكبابهم عليه، و تمسحهم بالكسوة التي عليه، و طوافهم حوله مزدحمين باكين، متوسلين إلى اللّه سبحانه و تعالى ببركة التربة المقدسة، و متضرّعين ما يذيب الأكباد و يصدع الجماد. و الأمر فيه أعظم، و مرأى الحال أهوال، نفعنا اللّه ببركة ذلك المشهد الكريم. و إنما وقع الإلماع بنبذة من صفته، مستدلا على ما وراء ذلك إذ لا ينبغي لعاقل أن يتصدى لوصفه، لأنه يقف موقف التقصير و العجز. و بالجملة، فما أظن في الوجود كله مصنعا أحفل منه، و لا مرأى من البناء أعجب و لا أبدع، قدس اللّه العضو الكريم الذي فيه بمنّه و كرمه.

و في ليلة اليوم المذكور بتنا بالجبانة المعروفة بالقرافة (1)، و هي أيضا إحدى عجائب الدنيا، لما تحتوي عليه من مشاهد الأنبياء، (صلوات اللّه عليهم)، و أهل البيت (رضوان اللّه عليهم)، و الصحابة و التابعين و العلماء و الزهاد و الأولياء ذوي الكرامات الشهيرة و الأنباء الغريبة. و إنما ذكرنا منها ما أمكنتنا مشاهدته. فمنها قبر ابن النبي صالح، و قبر روبيل بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، (صلوات اللّه عليهم أجمعين) ، و قبر آسية امرأة فرعون رضي اللّه عنها، و مشاهد أهل البيت رضي اللّه عنهم أجمعين:

مشاهد أربعة عشر من الرجال، و خمس من النساء، و على كل واحد منها بناء حفيل.

فهي بأسرها روضات بديعة الإتقان عجيبة البنيان، قد و كل بها قومة يسكنون فيها و يحفظونها. و منظرها منظر عجيب، و الجرايات متّصلة لقوامها في كل شهر.

ذكر مشاهد أهل البيت رضي اللّه عنهم‏

مشهد علي بن الحسين بن علي رضي اللّه عنه، و مشهدان لابني جعفر بن محمد الصادق، رضي اللّه عنهم، و مشهد القاسم بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد بن علي زين العابدين المذكور، رضي اللّه عنهم، و مشهدان لابنيه الحسن و الحسين رضي اللّه عنهما، و مشهد ابنه عبد اللّه بن القاسم، رضي اللّه عنه، و مشهد ابنه يحيى بن القاسم، و مشهد علي بن عبد اللّه بن القاسم رضي اللّه عنهم، و مشهد أخيه عيسى بن عبد اللّه،

____________

(1) القرافة (بالعامية المصرية): المقبرة.

31

رضي اللّه عنهما، و مشهد يحيى بن الحسن بن زيد بن الحسن، رضي اللّه عنهم، و مشهد محمد بن عبد اللّه بن محمد الباقر بن علي زين العابدين الحسين بن علي، رضي اللّه عنهم، و مشهد جعفر بن محمد من ذرية علي بن الحسين، رضي اللّه عنهم، و ذكر لنا أنه كان ربيب الإمام مالك، رضي اللّه عنه.

مشاهد الشريفات العلويات رضي اللّه عنهن‏

مشهد السيدة أم كلثوم ابنة القاسم بن محمد بن جعفر، رضي اللّه عنهم، و مشهد السيدة زينب ابنة يحيى بن زيد بن علي بن الحسين، رضي اللّه عنهم، و مشهد أم كلثوم ابنة محمد بن جعفر الصادق، رضي اللّه عنهم، و مشهد السيدة أم عبد اللّه بن القاسم بن محمد، رضي اللّه عنهم.

و هذا ذكر ما حصّله العيان من هذه المشاهد العلوية المكرمة، و هي أكثر من ذلك.

و أخبرنا أن في جملتها مشهدا مباركا لمريم ابنة علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنه. و هو مشهور لكن لم نعاينه. و أسماء أصحاب هذه المشاهد المباركة إنما تلقيناها من التواريخ الثابتة عليها مع تواتر الأخبار بصحة ذلك، و اللّه أعلم بها. و على كل واحد منها بناء حفيل، فهي بأسرها روضات بديعة الإتقان عجيبة البنيان، قد و كل بها قومة يسكنون فيها و يحفظونها. و منظرها منظر عجيب. و الجرايات متصلة لقوّامها في كل شهر.

ذكر مشاهد بعض أصحاب رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم)،

بالقرافة المذكورة و مشاهد التابعين و الأئمة و العلماء و الزهاد و الأولياء المشتهرين بالكرامات رضي اللّه عنهم أجمعين و المقيّد (1) يبرأ من القطع بصحة ذلك، و إنما رسم من أسمائهم ما وجده مرسوما في‏

____________

(1) المقيد (بضم الميم و كسر الياء المشددة): الكاتب، و ابن جبير يعني نفسه. و التجريد من أساليب البلاغة العربية.

32

تواريخها. و بالجملة، فالصحة غالبة لا يشك فيها، إن شاء اللّه عز و جل: مشهد معاذ بن جبل، رضي اللّه عنه، مشهد عقبة بن عامر الجهني حامل راية رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم)، مشهد صاحب برده، (صلى اللّه عليه و سلم)، مشهد أبي الحسن صائغ رسول اللّه، (صلى اللّه عليه و سلم)، مشهد سارية الجبل رضي اللّه عنه، مشهد محمد بن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهما، مشهد أولاده رضي اللّه عنهم، مشهد أحمد بن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهما، مشهد أسماء ابنة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهما، مشهد ابن الزبير بن العوام رضي اللّه عنهما، مشهد عبد اللّه بن حذافة السهمي صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، مشهد ابن حليمة رضيع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

مشاهد الأئمة العلماء الزهاد رضي اللّه عنهم أجمعين‏

مشهد الإمام الشافعي رضي اللّه عنه، و هو من المشاهد العظيمة احتفالا و اتساعا.

و بني بإزائه مدرسة لم يعمر بهذه البلاد مثلها، لا أوسع مساحة و لا أحفل بناء، يخيل لمن يطوف عليها أنها بلد مستقل بذاته، بإزائها الحمّام، إلى غير ذلك من مرافقها، و البناء فيها حتى الساعة، و النفقة عليها لا تحصى. و تولى ذلك بنفسه الشيخ الإمام الزاهد العالم المعروف بنجم الدين الخبوشاني، و سلطان هذه الجهات صلاح الدين يسمح له بذلك كله، و يقول: زد احتفالا و تأنقا، و علينا القيام بمؤونة ذلك كله، فسبحان الذي جعله صلاح دينه كاسمه. و لقينا هذا الرجل، الخبوشاني المذكور، تبركا بدعائه، لأنه قد كان ذكر لنا أمره بالأندلس، فألفيناه في مسجده بالقاهرة و في البيت الذي يسكنه داخل المسجد المذكور. و هو بيت ضيق الفناء فدعا لنا و انصرفنا، و لم نلق من رجال مصر سواه.

مشهد المزني صاحب الإمام الشافعي رضي اللّه عنه؛ مشهد أشهب صاحب مالك رضي اللّه عنه؛ مشهد عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك رضي اللّه عنهما؛ مشهد أصبغ صاحب مالك رضي اللّه عنهما؛ مشهد القاضي عبد الوهاب رضي اللّه عنه؛ مشهد عبد اللّه بن عبد الحكم، و محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم رضي اللّه عنهما؛ مشهد

33

الفقيه الواعظ الزاهد أبي الحسن الدينوري، رضي اللّه عنه؛ مشهد بنان العابد رضي اللّه عنه؛ مشهد الرجل الصالح العابد الزاهد المعروف بصاحب الإبريق، و قصته عجيبة في الكرامة؛ مشهد أبي مسلم الخولاني رضي اللّه عنه؛ مشهد المرأة الصالحة المعروفة بالعيناء رضي اللّه عنها؛ مشهد الروذباري رضي اللّه عنه؛ مشهد محمد بن مسعود بن محمد بن هارون الرشيد المعروف بالسبتي رضي اللّه عنه؛ مشهد الرجل الصالح مقبل الحبشي رضي اللّه عنه؛ مشهد ذي النون بن إبراهيم المصري رضي اللّه عنه؛ مشهد القاضي الأنباري؛ قبر الناطق الذي سمع عند وضعه في لحده يقول:" اللهم أنزلني منزلا مباركا و أنت خير المنزلين" رضي اللّه عنه، مشهد العروس و لها أثر من الكرامة في حال جلوتها على زوجها لم يسمع أعجب منه؛ مشهد الصامت الذي يحكى عنه انه لم يتكلم أربعين سنة؛ مشهد العصافيري؛ مشهد عبد العزيز بن أحمد بن الحسن الخوارزمي؛ مشهد الفقيه الواعظ الأفضل الجوهري، و مشاهد أصحابه بازائه رضي اللّه عنهم أجمعين؛ مشهد شقران شيخ ذي النون المصري؛ مشهد الرجل الصالح المعروف بالأقطع المغربي؛ مشهد المقرئ ورش؛ مشهد الطبري؛ مشهد شيبان الراعي.

و المشاهد الكريمة بها أكثر من أن تضبط بالتقييد أو تتحصل بالإحصاء، و إنما ذكرنا منها ما أمكنتنا مشاهدته.

و بقبلة القرافة المذكورة بسيط متسع يعرف بموضع قبور الشهداء، و هم الذين استشهدوا مع سارية رضي اللّه عن جميعهم. و البسيط المذكور مسنم كله للعيان على مثال أسنمة القبور دون بناء. و من العجب أن القرافة المذكورة كلها مساجد مبنية و مشاهد معمورة يأوي إليها الغرباء و العلماء و الصلحاء و الفقراء، و الإجراء على كل موضع منها متصل من قبل السلطان في كل شهر، و المدارس التي بمصر و القاهرة كذلك، و حقق عندنا أن الإجراء على ذلك كله نيف على ألفي دينار مصرية في الشهر، و هي أربعة آلاف دينار مؤمنية.

و ذكر لنا أن لجامع عمرو بن العاص بمصر من الفائد نحو الثلاثين دينارا مصرية في كل يوم تتفرق في مصالحه و مرتبات قومته و سدنته و أئمته و القراء فيه. و مما شاهدنا بالقاهرة أربعة جوامع حفيلة البنيان أنيقة الصنعة إلى مساجد عدة.

34

و في أحد الجوامع استمعنا إلى الخطبة اليوم. و يأخذ الخطيب فيها مأخذ سنيّ يجمع فيها الدعاء للصحابة، رضي اللّه عنهم، و للتابعين و من سواهم و لأمهات المؤمنين زوجات النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و لعميه الكريمين حمزة و العباس، رضي اللّه عنهما، و يلطف الوعظ و يرقق التذكير حتى تخشع القلوب القاسية و تتفجر العيون الجامدة.

و يأتي للخطبة لابسا السواد على رسم العباسية. وصفة لباسه بردة سوداء عليها طيلسان شرب أسود، و هو الذي يسمى بالمغرب الإحرام، و عمامة سوداء، متقلدا سيفا. و عند صعوده المنبر يضرب بنعل سيفه المنبر في أول ارتقائه ضربة يسمع بها الحاضرين كأنها إيذان بالإنصات، و في توسطه أخرى، و في انتهاء صعوده ثالثة. ثم يسلم على الحاضرين يمينا و شمالا و يقف بين رايتين سوداوين فيهما تجزيع بياض قد ركزتا في أعلى المنبر. و دعاؤه في هذا التاريخ للإمام العباسي أبي العباس أحمد الناصر لدين اللّه، ابن الإمام أبي محمد الحسن المستضي‏ء باللّه، ابن الإمام أبي المظفر يوسف المستنجد باللّه، ثم لمحيي دولته أبي المظفر يوسف بن أيوب صلاح الدين، ثم لأخيه ولي عهده أبي بكر سيف الدين.

القلعة و المارستان‏ (1)

و شاهدنا أيضا بنيان القلعة و هو حصن يتصل بالقاهرة حصين المنعة، يريد السلطان أن يتخذه موضع سكناه، و يمد سوره حتى ينتظم بالمدينتين مصر (2) و القاهرة. و المسخّرون في هذا البنيان و المتولون لجميع امتهاناته و مؤونته العظيمة كنشر الرخام و نحت الصخور العظام‏

و حفر الخندق المحدق بسور الحصن المذكور، و هو خندق ينقر بالمعاول نقرا في‏

____________

(1) المارستان (عبارة فارسية مركبة من كلمتين): دار المرضى، المستشفى.

(2) كانوا يطلقون على المدينة داخل السور اسم القاهرة، و على الأحياء الأخرى اسم مصر. فالأهرام و أبو الهول و جامع عمرو بن العاص تقع في ما يسمى مصر، بينما تقع القلعة و المعالم العمرانية الأخرى في القاهرة. و كان جامع ابن طولون- كما يقول ابن جبير- يقع بين المدينتين.

35

الصخر عجبا من العجائب الباقية الآثار، العلوج الأسارى من الروم و عددهم لا يحصى كثرة، و لا سبيل أن يمتهن في ذلك البنيان أحد سواهم. و للسلطان أيضا بمواضع أخر بنيان، و الأعلاج يخدمونه فيه. و من يمكن استخدامه من المسلمين في مثل هذه المنفعة العامة مرفه عن ذلك كله و لا وظيفة في شي‏ء من ذلك على أحد.

و مما شاهدناه أيضا من مفاخر هذا السلطان المارستان الذي بمدينة القاهرة. و هو قصر من القصور الرائقة حسنا و اتساعا، أبرزه لهذه الفضيلة تأجرا و احتسابا، و عيّن قيما من أهل المعرفة وضع لديه خزائن العقاقير و مكنه من استعمال الأشربة و إقامتها على اختلاف أنواعها. و وضعت في مقاصير ذلك القصر أسرة يتخذها المرضى مضاجع كاملة الكسى. و بين يدي ذلك القيم خدمة يتكفلون بتفقد أحوال المرضى بكرة و عشية، فيقابلون من الأغذية و الأشربة بما يليق بهم.

و بإزاء هذا الموضع، موضع مقتطع للنساء المرضى. و لهن أيضا من يكفلهن.

و يتصل بالموضعين المذكورين موضع آخر متسع الفناء، فيه مقاصير عليها شبابيك الحديد، اتخذت محابس للمجانين. و لهم أيضا من يتفقد في كل يوم أحوالهم و يقابلها بما يصلح لها. و السلطان‏

يتطلع هذه الأحوال كلها بالبحث و السؤال، و يؤكد في الاعتناء بها و المثابرة عليها غاية التأكيد. و بمصر مارستان آخر على مثل ذلك الرسم بعينه.

مسجد ابن طولون و مآثر السلطان العمرانية

و بين مصر و القاهرة المسجد الكبير المنسوب إلى أبي العباس أحمد بن طولون، و هو من الجوامع العتيقة الأنيقة الصنعة الواسعة البنيان، جعله السلطان مأوى للغرباء من المغاربة يسكنونه و يحلقون فيه، و أجرى عليهم الأرزاق في كل شهر. و من أعجب ما حدثنا به أحد المتخصصين منهم أن السلطان جعل أحكامهم إليهم، و لم يجعل يدا لأحد عليهم. فقدموا من أنفسهم حاكما يمتثلون أمره و يتحاكمون في طوارئ أمورهم‏

36

عنده، و استصحبوا الدعة و العافية، و تفرغوا لعبادة ربهم، و وجدوا من فضل السلطان أفضل معين على الخير الذي هم بسبيله.

و ما منها جامع من الجوامع، و لا مسجد من المساجد، و لا روضة من الروضات المبنية على القبور، و لا محرس من المحارس و لا مدرسة من المدارس، إلا و فضل السلطان يعم جميع من يأوي إليها و يلزم السكنى فيها، تهوّن عليه في ذلك نفقات بيوت الأموال. و من مآثره الكريمة المعربة عن اعتنائه بأمور المسلمين كافة، أنه أمر بعمارة محاضر ألزمها معلمين لكتاب اللّه، عز و جل، يعلمون أبناء الفقراء و الأيتام خاصة، و تجرى عليهم الجراية الكافية لهم.

و من مفاخر هذا السلطان و آثاره الباقية المنفعة للمسلمين القناطر التي شرع في بنائها بغربي مصر، و على مقدار سبعة أميال منها، بعد رصيف ابتدئ به من حيز النيل بإزاء مصر كأنه جبل ممدود على الأرض، تسير فيه مقدار ستة أميال حتى يتصل بالقنطرة المذكورة، و هي نحو الأربعين قوسا من أكبر ما يكون من قسيّ القناطر.

و القنطرة متصلة بالصحراء التي يفضى منها إلى الإسكندرية، له في ذلك تدبير عجيب من تدابير الملوك الحزمة، إعدادا لحادثة تطرأ من عدو يدهم جهة ثغر الإسكندرية عند فيض النيل و انغمار الأرض به و امتناع سلوك العساكر بسببه. فأعد ذلك مسلكا في كل وقت إن احتيج إلى ذلك. و اللّه يدفع عن حوزة المسلمين كل متوقع و محذور بمنّه.

و لأهل مصر في شأن هذه القنطرة إنذار من الإنذارات الحدثانية، يرون أن حدوثها إيذان باستيلاء الموحدين عليها و على الجهات الشرقية، و اللّه أعلم بغيبه، لا إله سواه.

الأهرام و أبو الهول‏

و بمقربة من هذه القنطرة المحدثة الأهرام القديمة، المعجزة البناء، الغريبة المنظر، المربعة الشكل، كأنها القباب المضروبة قد قامت في جو السماء، و لا سيما الاثنان منها، فإنهما يغص الجو بهما سموا، في سعة الواحد منها من أحد أركانه إلى الركن الثاني ثلاثمائة خطوة و ست و ستون خطوة، قد أقيمت من الصخور العظام المنحوتة.

37

و ركبت تركيبا هائلا بديع الإلصاق، دون أن يتخللها ما يعين على إلصاقها، محددة الأطراف في رأي العين. و ربما أمكن الصعود إليها على خطر و مشقة، فتلفى أطرافها المحددة كأوسع ما يكون من الرحاب، لو رام أهل الأرض نقض بنائها لأعجزهم ذلك. و للناس في أمرها اختلاف: فمنهم من يجعلها قبورا لعاد و بنيه، و منهم من يزعم غير ذلك. و بالجملة فلا يعلم شأنها إلا اللّه عز و جل.

و لأحد الكبيرين منها باب يصعد إليه على نحو القامة من الأرض أو أزيد، و يدخل منه إلى بيت كبير سعته نحو خمسين شبرا و طوله نحو ذلك. و في جوف ذلك البيت رخامة طويلة مجوفة شبه التي تسميها العامة البيلة، يقال إنها قبر و اللّه أعلم بحقيقة ذلك. و دون الكبير هرم سعته من الركن الواحد إلى الركن الثاني مئة و أربعون خطوة. و دون هذا الصغير خمسة صغار و ثلاثة متصلة، و الاثنان على مقربة منها متصلان.

و على مقربة من هذه الأهرام بمقدار غلوة (1) صورة غريبة من حجر قد قامت كالصومعة على صفة آدمي هائل المنظر، وجهه الأهرام و ظهره القبلة مهبط النيل، تعرف بأبي الأهوال. و بمدينة مصر المسجد الجامع المنسوب لعمرو بن العاص رضي اللّه عنه. و له أيضا بالإسكندرية جامع آخر، هو مصلى الجمعة للمالكيين. و بمدينة مصر آثار من الخراب الذي أحدثه الإحراق الحادث بها وقت الفتنة، عند انتساخ دولة العبيديين‏ (2)، و ذلك سنة أربع و ستين و خمسمائة (3)، و أكثرها الآن مستجد و البنيان بها متصل. و هي مدينة كبيرة و الآثار القديمة حولها و على مقربة منها ظاهرة تدل على عظمة اختطاطها في ما سلف.

و على شط نيلها مما يلي غربيها، و النيل معترض بينهما، قرية كبيرة حفيلة البنيان تعرف بالجيزة. لها كل يوم أحد سوق من الأسواق العظيمة يجتمع إليها. و يعترض بينها و بين مصر جزيرة، فيها مساكن حسان و علالي مشرفة، و هي مجتمع اللهو و النزهة، و بينها و بين مصر خليج من النيل يذهب بطولها نحو الميل و لها مخرج له.

____________

(1) الغلوة: مقدار رمية السهم.

(2) نسبة لعبيد اللّه المهدي، مؤسس الدولة الفاطمية.

(3) سنة 1169 م.

38

و بهذه الجزيرة مسجد جامع يخطب فيه. و يتصل بهذا الجامع المقياس الذي يعتبر فيه قدر زيادة النيل عند فيضه كل سنة. و استشعار ابتدائه في شهر يونيه، و معظم انتهائه أغشت‏ (1) و آخره أول شهر أكتوبر. و هذا المقياس عمود رخام أبيض مثمن، في موضع ينحصر فيه الماء عند انسيابه إليه، و هو مفصل على اثنتين و عشرين ذراعا، مقسمة على أربعة و عشرين قسما تعرف بالأصابع. فإذا انتهى الفيض عندهم أن يستوفي الماء تسعة عشر ذراعا منغمرة فيه فهي الغاية عندهم في طيب العام. و ربما كان الغامر منه كثيرا بعموم الفيض. و المتوسط عندهم ما استوفى سبعة عشر ذراعا، و هو الأحسن عندهم من الزيادة المذكورة. و الذي يستحق به السلطان خراجه في بلاد مصر ستة عشر ذراعا فصاعدا، و عليها يعطي البشارة الذي يراعي الزيادة في كل يوم و الزيادة في أقسام الذراع المذكورة و يعلم بها مياومة حتى تستوفي الغاية التي يقضي بها. و إن قصر عن ست عشرة ذراعا فلا مجبى للسلطان في ذلك العام و لا خراج.

و ذكر لنا أن بالجيزة المذكورة قبر كعب الأحبار رضي اللّه عنه. و في صدر الجيزة المذكورة أحجار رخام قد صورت فيها التماسيح، فيقال: إن بسببها لا تظهر التماسيح فيما يلي البلد من النيل مقدار ثلاثة أميال علوا و سفلا، و اللّه أعلم بحقيقة ذلك.

فضائل صلاح الدين‏

و من مفاخر هذا السلطان المزلفة من اللّه تعالى و آثاره التي أبقاها ذكرا جميلا للدين و الدنيا: إزالته رسم المكس المضروب وظيفة على الحجاج مدة دولة العبيديين. فكان الحجاج يلاقون من الضغط في استيدائها عنتا مجحفا و يسامون فيها خطة خسف باهظة.

و ربما ورد منها من لا فضل لديه على نفقته و لا نفقة عنده فيلزم أداء الضريبة المعلومة، و كانت سبعة دنانير و نصف دينار من الدنانير المصرية التي هي خمسة عشر دينارا مؤمنية على كل رأس، و يعجز عن ذلك، فيتناول بأليم العذاب بعيذاب كاسمها مفتوحة العين.

____________

(1) أغشت: شهر أغسطس.

39

و ربما اخترع له من أنواع العذاب التعليق من الأنثيين أو غير ذلك من الأمور الشنيعة، نعوذ باللّه من سوء قدره. و كان بجدة أمثال هذا التنكيل و أضعافه لمن لم يؤد مكسه بعيذاب، و وصل اسمه غير معلم عليه علامة الأداء. فمحا هذا السلطان هذا الرسم اللعين و دفع عوضا منه ما يقوم مقامه من أطعمة و سواها، و عين مجبى موضع معين بأسره لذلك، و تكفل بتوصيل جميع ذلك إلى الحجاز لأن الرسم المذكور كان باسم ميرة مكة و المدينة، عمّر هما اللّه، فعوض من ذلك أجمل عوض، و سهل السبيل للحجاج، و كانت في حيز الانقطاع و عدم الاستطلاع، و كفى اللّه المؤمنين على يدي هذا السلطان العادل حادثا عظيما و خطبا أليما. فترتب الشكر له على كل من يعتقد من الناس أن حج البيت الحرام إحدى القواعد الخمس من الإسلام، حتى يعم جميع الآفاق و يوجب الدعاء له في كل صقع من الأصقاع و بقعة من البقاع، و اللّه من وراء مجازاة المحسنين، و هو- جلت قدرته- لا يضيع أجر من أحسن عملا. إلى مكوس كانت في البلاد المصرية و سواها ضرائب على كل ما يباع و يشترى مما دق أو جل، حتى كان يؤدى على شرب ماء النيل المكس، فضلا عما سواه. فمحا هذا السلطان هذه البدع اللعينة كلها و بسط العدل و نشر الأمن.

و من عدل هذا السلطان و تأمينه للسبل، أن الناس في بلاده لا يخلعون لباس الليل تصرفا فيما يعنيهم، و لا يستشعرون لسواده هيبة تثنيهم. على مثل ذلك شاهدنا أحوالهم بمصر و الإسكندرية حسبما تقدم ذكره.

شهر المحرم سنة تسع و سبعين عرفنا اللّه يمنها و بركتها

استهل هلاله ليلة الثلاثاء، و هو اليوم السادس و العشرون من أبريل، و نحن بمصر، يسر اللّه علينا مرامنا. و في صبيحة يوم الأحد السادس من محرم المذكور كان انفصالنا من مصر و صعودنا في النيل على الصعيد، قاصدين قوص، عرفنا اللّه عادته الجميلة من التيسير و حسن المعونة بمنّه. و وافق يوم إقلاعنا المذكور أول يوم من مايه،

40

بحول اللّه عز و جل. و القرى في طريقنا متصلة في شطي النيل و البلاد الكبار حسبما يأتي ذكره، إن شاء اللّه. فمنها قرية تعرف بأسكر، في الضفة الشرقية من النيل، مياسرة للصاعد فيه. و يذكر أن فيها كان مولد النبي موسى الكليم، صلّى اللّه على نبينا و عليه، و منها ألقته أمه في اليم، و هو النيل حسبما ذكر.

و عاينا أيضا بغربي النيل ميامنا لنا، و ذلك كله يوم إقلاعنا المذكور و في الثاني منه، المدينة القديمة المنسوبة ليوسف الصديق، (صلى اللّه عليه و سلم)، و بها موضع السجن الذي كان فيه. و هو الآن ينقض و ينقل أحجاره إلى القلعة المبتناة الآن على القاهرة، و هو حصن حصين المنعة. و بهذه المدينة المذكورة أهراء (1) الطعام التي اختزنها يوسف، (صلى اللّه عليه و سلم)، و هي مجوفة على ما يذكر. و منها الموضع المذكور بمنية ابن الخطيب، و هو بلد على شط النيل ميامنا للصاعد فيه، كبيرة فيه الأسواق و الحمامات و سائر مرافق المدن. اجتزنا عليه ليلة الأحد الثالث عشر لمحرم المذكور، و هو الثامن من يوم إقلاعنا من مصر، لأن الريح سكنت عنا فتربصنا في الطريق. و لو ذهبنا إلى رسم كل موضع يعترضنا في شطي النيل يمينا و شمالا لضاق الكتاب عنه، و لكن نقصد من ذلك إلى الأكبر الأشهر.

و قابلنا على مقربة من هذا الموضع، مياسرا لنا، المسجد المبارك المنسوب لإبراهيم خليل الرحمن، (صلوات اللّه عليه) و على نبينا. و هو مسجد مذكور مشهور معلوم بالبركة مقصود،

و يقال: إن بفنائه أثر الدابة التي كان يركبها الخليل، (صلى اللّه عليه و سلم). و منها موضع يعرف بأنصنا، مياسرا لنا، و هي قرية فسيحة جميلة بها آثار قديمة، و كانت في السالف مدينة عتيقة. و كان لها سور عتيق، هدمه صلاح الدين و جعل على كل مركب منحدر في النيل وظيفة من حمل صخرة إلى القاهرة، فنقل بأسره إليها.

و في صبيحة يوم الاثنين الرابع عشر من محرم المذكور، و هو التاسع من إقلاعنا من مصر، اجتزنا بالجبل المعروف بجبل المقلة، و هو بالشط الشرقي من النيل، مياسرا

____________

(1) أهراء (جمع هري- بضم الهاء و سكون الراء): مخازن الحبوب.

41

للصاعد فيه. و هو نصف الطريق إلى قوص، من مصر إليه ثلاثة عشر بريدا، و منه إلى قوص مثلها.

و مما يجب ذكره على جهة التعجب، أن من حيز مصر في شط النيل الشرقي مياسرا للصاعد فيه حائطا متصلا قديم البنيان، منه ما قد تهدم و منه ما بقي أثره، يتمادى على الشط المذكور إلى أسوان آخر صعيد مصر، و بين أسوان و بين قوص ثمانية برد.

و الأقوال في أمر هذا الحائط تتشعب و تختلف، و بالجملة فشأنه عجيب و لا يعلم سره إلا اللّه عزّ و جل. و هو يعرف بحائط العجوز، و لها خبر مذكور، أظن هذه العجوز هي الساحرة المذكور خبرها في المسالك و الممالك التي كانت لها المملكة بها مدة.

ذكر ما استدرك خبره مما أغفل‏

و ذلك أنا لما حللنا الإسكندرية في الشهر المؤرخ أولا، عاينا مجتمعا من الناس عظيما بروزا لمعاينة أسرى من الروم أدخلوا البلد راكبين على الجمال و وجوههم إلى أذنابها و حولهم الطبول و الأبواق. فسألنا عن قصتهم، فأخبرنا بأمر تتفطر له الأكباد إشفاقا و جزعا. و ذلك أن جملة من نصارى الشام اجتمعوا و أنشأوا مراكب في أقرب المواضع التي لهم من بحر القلزم‏ (1) ثم حملوا أنقاضها على جمال العرب المجاورين لهم بكراء اتفقوا معهم عليه. فلما حصلوا بساحل البحر، سمروا مراكبهم و أكملوا إنشاءها و تأليفا و دفعوها في البحر و ركبوها قاطعين بالحجاج، و انتهوا إلى بحر النعم فأحرقوا فيه نحو ستة عشر مركبا، و انتهوا إلى عيذاب فأخذوا فيها مركبا كان يأتي بالحجاج من جدة، و أخذوا أيضا في البر قافلة كبيرة تأتي من قوص إلى عيذاب، و قتلوا الجميع و لم يحيوا أحدا. و أخذوا مركبين كانا مقبلين بتجار من اليمن، و أحرقوا أطعمة كثيرة على ذلك الساحل، كانت معدة لميرة مكة و المدينة أعزهما اللّه، و أحدثوا حوادث شنيعة لم يسمع مثلها في الإسلام، و لا انتهى رومي إلى ذلك الموضع قط. و من أعظمها حادثة تسد المسامع شناعة و بشاعة، و ذلك أنهم كانوا عازمين على دخول مدينة

____________

(1) بحر القلزم: البحر الأحمر، نسبة إلى بلدة قليزمة القديمة القريبة من السويس.

42

الرسول، (صلى اللّه عليه و سلم)، و إخراجه من الضريح المقدس. أشاعوا ذلك و أجروا ذكره على ألسنتهم. فأخذهم اللّه باجترائهم عليه، و تعاطيهم ما تحول عناية القدر بينهم و بينه. و لم يكن بينهم و بين المدينة أكثر من مسيرة يوم. فدفع اللّه عاديتهم بمراكب عمرت من مصر و الإسكندرية، دخل فيها الحاجب المعروف بلؤلؤ مع أنجاد المغربة البحريين. فلحقوا العدو و هو قد قارب النجاة بنفسه، فأخذوا عن آخرهم. و كانت آية من آيات العنايات الجبارية، و أدركوهم عن مدة طويلة كانت بينهم من الزمان نيف على شهر و نصف أو حوله. و قتلوا و أسروا، و فرق من الأسارى على البلاد ليقتلوا بها، و وجه منهم إلى مكة و المدينة، و كفى اللّه بجميل صنعه الإسلام و المسلمين أمرا عظيما، و الحمد للّه رب العالمين.

أسيوط و أخميم‏

و من المواضع التي اجتزنا عليها في الصعيد بعد جبل المقلة الذي ذكرنا أنه نصف الطريق من مصر إلى قوص، حسبما تقدم ذكره، موضع يعرف بمنفلوط، بمقربة من الشط الغربي، ميامنا للصاعد في النيل، فيه الأسواق و سائر ما يحتاج إليه من المرافق.

و هي بلدة في نهاية من الطيب ليس في الصعيد مثلها، و قمحها بجلب إلى مصر لطيبه ورزانة حبته، قد اشتهر عندهم بذلك. فالتجار يصعدون في المراكب لاستجلابه.

و منها مدينة أسيوط، و هي من مدن الصعيد الشهيرة، بينها و بين الشط الغربي من النيل مقدار ثلاثة أميال. و هي جميلة المنظر، حولها بساتين النخل، و سورها سور عتيق.

و منها موضع يعرف بأبي تيج، و هو بلد فيه الأسواق و سائر مرافق المدن، و هو في الشط الغربي من النيل.

و منها مدينة أخميم، و هي أيضا من مدن الصعيد الشهيرة المذكورة بشرقي النيل و بشطه، قديمة الاختطاط عتيقة الوضع، فيها مسجد ذي النون المصري‏ (1)، و مسجد داود أحد الصالحين‏

____________

(1) ذو النون (أبو الفيض ثوبان) المصري: من كبار الصوفية، توفي سنة 254 ه/ 859 م.

43

المشتهرين بالخير و الزهادة، و هما مسجدان موسومان بالبركة، دخلنا إليهما متبركين بالصلاة فيهما، و ذلك يوم السبت التاسع عشر لمحرم. و بهذه المدينة آثار و مصانع من بنيان القبط و كنائس معمورة الآن بالمعاهدين من نصارى القبط. و من أعظم الهياكل المتحدث بغرائبها في الدنيا، هيكل عظيم في شرقي المدينة و تحت سورها، طوله مئتا ذراع و عشرون ذراعا، وسعته مئة و ستون ذراعا، يعرف عند أهل هذه الجهة بالبربا (1). و كذلك يعرف كل هيكل عندهم، و كل مصنع قديم. قد قام هذا الهيكل العظيم على أربعين سارية، حاشا حيطانه. دور كل سارية منها خمسون شبرا، و بين كل سارية و سارية ثلاثون شبرا، و رؤوسها في نهاية من العظم و الإتقان، قد نحتت نحتا غريبا فجاءت مركنة بديعة الشكل، كأن الخراطين تناولوها، و هي كلها مرقشة بأنواع الأصبغة اللازوردية و سواها.

و السواري كلها منقوشة من أسفلها إلى أعلاها. و قد انتصب على رأس كل سارية منها رأس صاحبتها التي تليها لوح عظيم من الحجر المنحوت، من أعظمها ما كلنا فيه ستة و خمسين شبرا طولا و عشرة أشبار عرضا و ثمانية أشبار ارتفاعا. و سقف هذا الهيكل كله من ألواح الحجارة المنتظمة ببديع الإلصاق، فجاءت كأنها فرش واحد. و قد انتظمت جميعه التصاوير البديعة و الأصبغة الغريبة، حتى يخيل للناظر فيها أنها سقف من الخشب المنقوش. و التصاوير على أنواع في كل بلاط من بلاطاته، فمنها ما قد جللته طيور بصور رائقة، باسطة أجنحتها توهم الناظر إليها أنهاتهم بالطيران، و منها ما قد جللته تصاوير آدمية رائقة المنظر رائعة الشكل. قد أعدت لكل صورة منها هيئة هي عليها، كإمساك تمثال بيدها، أو سلاح، أو طائر، أو كأس، أو إشارة شخص آخر بيده، أو غير ذلك، مما يطول الوصف له و لا تتأتى العبارة لاستيفائه.

و داخل هذا الهيكل العظيم و خارجه و أعلاه و أسفله تصاوير كلها مختلفات الأشكال و الصفة، و منها تصاوير هائلة المنظر خارجة عن صور الآدميين يستشعر الناظر إليها رعبا و يتملأ منها عبرة و تعجبا. و ما فيه مغرز أشفى‏ (2) و لا إبرة إلا و فيه صورة أو نقش أو خط بالمسند لا يفهم. قد عم هذا الهيكل العظيم الشأن كله هذا

____________

(1) بربا أو بربة (جعها برابي): معبد أو مدفن مصري قديم.

(2) الأشفى: المخرز.

44

النقش البديع. و يتأتى في صم الحجارة من ذلك مالا يتأتى في الرخو من الخشب، فيحسب الناظر استعظاما له أن عمر الزمان لو شغل بترقيشه و ترصيعه و تزيينه لضاق عنه. فسبحان الموجد للعجائب لا إله سواه. و على أعلى هذا الهيكل سطح مفروش بألواح الحجارة العظيمة على الصفة المذكورة، و هو في نهاية الارتفاع، فيحار الوهم فيها، و يضل العقل في الفكرة في تطليعها و وضعها.

و داخل هذا الهيكل من المجالس و الزوايا و المداخل و المخارج و المصاعد و المعارج و المسارب و الموالج‏ (1) ما تضل فيه الجماعات من الناس و لا يهتدي بعضهم لبعض إلا بالنداء العالي، و عرض حائطه ثمانية عشر شبرا، و هو كله من حجارة مرصوصة على الصفة التي ذكرناها. و بالجملة فشأن هذا الهيكل عظيم و مرآه إحدى عجائب الدنيا التي لا يبلغها الوصف و لا ينتهي إليها الحد، و إنما وقع الإلماع بنبذة من وصفه دلالة عليه، و اللّه المحيط بالعلم فيه و الخبير بالمعنى الذي وضع له. فلا يظن المتصفح لهذا المكتوب أن في الإخبار عنه بعض غلو، فإن كل مخبر عنه، لو كان قسا (2) بيانا، أو سحبان‏ (3) يقف موقف العجز و التقصير، و اللّه المحيط بكل شي‏ء علما، لا إله سواه.

مشاهد و إجراءات مخزية

و ببلاد هذا الصعيد المعترضة في الطريق للحجاج و المسافرين، كإخميم و قوص و منية ابن الخطيب، من التعرض لمراكب المسافرين و تكشفها و البحث عنها و إدخال الأيدي إلى أوساط التجار، فحصا عما تأبطوه أو احتضنوه من دراهم أو دنانير، ما يقبح سماعه و تشنع الأحدوثة عنه. كل ذلك برسم الزكاة، دون مراعاة لمحلها أو ما يدرك النصاب منها، حسبما ذكرناه في ذكر الإسكندرية من هذا المكتوب. و ربما ألزموهم الأيمان على ما بأيديهم، و هل عندهم غير ذلك، و يحضرون كتاب اللّه العزيز، تقع اليمين عليه. فيقف‏

____________

(1) الموالج: المداخل، و لعله يقصد الخفية منها.

(2) قس: هو قس بن ساعدة الإيادي (توفي نحو 600 م): من كبار خطباء العرب، و هو مضرب المثل بالبلاغة و الحكمة. كان من نصارى نجران، و قيل من أحبارها. و كان يعظ الناس في سوق عكاظ.

(3) سحبان وائل، من باهلة (توفي سنة 674 م): خطيب، كان يضرب به المثل بالفصاحة و البيان.

45

الحجاج بين أيدي هؤلاء المتناولين لها مواقف خزي و مهانة تذكرهم أيام المكوس. و هذا أمر يقع القطع على أن صلاح الدين لا يعرفه. و لو عرفه لأمر بقطعه، كما أمر بقطع ما هو أعظم منه، و لجاهد المتناول له، فإن جهادهم من الواجبات لما يصدر عنهم من التعسف و عسير الإرهاق و سوء المعاملة مع غرباء انقطعوا إلى اللّه عزّ و جل، و خرجوا مهاجرين إلى حرمه الأمين. و لو شاء اللّه لكانت عن الخطة مندوحة (1) في اقتضاء الزكاة على أجمل الوجوه من ذوي البضائع في التجارات، مع مراعاة رأس كل حول الذي هو محل الزكاة، و بتجنب اعتراض الغرباء المنقطعين ممن تجب الزكاة له لا عليه، و كان يحافظ على جانب هذا السلطان العادل الذي قد شمل البلاد عدله و سار في الآفاق ذكره، و لا يسعى فيما يسي‏ء الذكر بمن قد حسن اللّه ذكره، و يقبح المقالة في جانب من أجمل اللّه المقالة عنه.

و من أشنع ما شاهدناه من ذلك خروج شرذمة من مردة أعوان الزكاة، في أيديهم المسال‏ (2) الطوال ذوات الأنصبة، فيصعدون إلى المراكب استكشافا لما فيها، فلا يتركون عكما و لا غرارة (3) إلا و يتخللونها بتلك المسال الملعونة مخافة أن يكون في تلك الغرارة أو العكم اللذين لا يحتويان سوى الزاد شي‏ء غيّب عليه من بضاعة أو مال. و هذا أقبح ما يؤثر في الأحاديث الملعّنة، و قد نهى اللّه عن التجسس، فكيف عن الكشف لما يرجى ستر الصون دونه من حال لا يريد صاحبها أن يطلع عليها، إما استحقارا أو استنفاسا دون بخل بواجب يلزمها، و اللّه الآخذ على أيدي هؤلاء الظلمة بيد هذا السلطان العادل و توفيقه، إن شاء اللّه.

معالم في الطريق إلى قوص‏

و من المواضع التي اجتزنا عليها بعد أخميم المذكورة موضع يعرف بمنشأة السودان على الشط الغربي من النيل، و هي قرية معمورة، و يقال: إنها كانت في القديم مدينة كبيرة. و قد قام أمام هذه القرية، بينها و بين النيل، رصيف عال من الحجارة كأنه السور

____________

(1) المندوحة: السعة و الفسحة، و هي هنا بمعنى التساهل و التيسير.

(2) المسال: جمع مسلة، و هي الإبرة الكبيرة لخياطة الأكياس و العدول.

(3) العكم (بكسر العين) و الغرارة: العدل و الكيس الكبير من القنب أو الشعر أو الكتان.

46

يضرب فيه النيل و لا يعلوه عند فيضه و مده، فالقرية بسببه في أمن من أتيه‏ (1). و منها موضع يعرف بالبلينة، و هي قرية حسنة كثيرة النخل، بالشط الغربي من النيل، بينها و بين قوص أربعة برد. و منها موضع يعرف بدشنة بالشط الشرقي من النيل، و هي مدينة مسورة فيها جميع مرافق المدن، و بينها و بين قوص بريدان.

و منها موضع بغربي النيل، و على مقربة من شطه، يعرف بدندرة. و هي مدينة من مدن الصعيد، كثيرة النخل مستحسنة المنظر مشتهرة بطيب الرطب، بينها و بين قوص بريد و ذكر لنا أن فيها هيكلا عظيما، و هو المعروف عند أهل هذه الجهات بالبربا، حسبما ذكرنا عند ذكر أخميم، و هيكلها يقال أن هيكل دندرة أحفل منه و أعظم.

و منها مدينة قنا، و هي من مدن الصعيد، بيضاء أنيقة المنظر ذات مبان حفيلة، و من مآثرها المأثورة صون نساء أهلها و التزامهن البيوت، فلا تظهر في زقاق من أزقتها امرأة البتة، صحت بذلك الأخبار عنهن، و كذلك نساء دشنة المذكورة قبيل هذا.

و هذه المدينة المذكورة في الشط الشرقي من النيل، و بينها و بين قوص نحو البريد.

و منها قفط، و هي مدينة بشرقي النيل و على مقدار ثلاثة أميال من شطه. و هي من المدن المذكورة في الصعيد حسنا و نظافة بنيان و إتقان وضع.

ثم كان الوصول إلى قوص يوم الخميس الرابع و العشرين لمحرم المؤرخ و هو التاسع عشر من مايه، فكان مقامنا في النيل ثمانية عشر يوما و دخلنا قوص في التاسع عشر. و هذه المدينة حفيلة الأسواق، متسعة المرافق، كثيرة الخلق لكثرة الصادر و الوارد من الحجاج و التجار اليمنيين و الهنديين و تجار أرض الحبشة، لأنها مخطر للجميع، و محط للرحال و مجتمع الرفاق، و ملتقى الحجاج المغاربة و المصريين و الإسكندريين و من يتصل بهم. و منها يفوزون‏ (2) بصحراء عيذاب، و اليها انقلابهم في صدرهم من الحج، و كان نزولنا فيها بفندق ينسب لابن العجمي بالمنية، و هي ربض‏ (3) كبير خارج المدينة، على باب الفندق المذكور.

____________

(1) الأتي (بكسر التاء و تشديد الياء): السيل و الفيضان.

(2) فوز (بتشديد الواو): دخل المفازة، و هي الفلاة و الصحراء الواسعة.

(3) الربض: ما حول المدينة، أو خارج سورها، من بيوت و ساحات و مرافق.

47

شهر صفر عرفنا اللّه يمنه و بركته‏

استهل هلاله ليلة الأربعاء، و هو الخامس و العشرون من شهر مايه، و نحن بقوص نروم السفر إلى عيذاب، يسر اللّه علينا مرامنا بمنّه و كرمه. و في يوم الاثنين الثالث عشر منه، و هو السادس من يونيه، أخرجنا جميع رحالنا من زاد و سواه إلى المبرز، و هو موضع بقبلي البلد و على مقربة منه، فسيح الساحة، محدق بالنخيل، يجتمع فيه رحال الحاج و التجار و تشد فيه و منه يستقلون و يرحلون، و فيه يوزن ما يحتاج وزنه على الجمّالين. فلما كان إثر صلاة العشاء الآخرة رفعنا منه إلى ماء يعرف بالحاجر فبتنا به.

و أصبحنا يوم الثلاثاء بعده مقيمين به بسبب تفقد بعض الجمالين من العرب لبيوتهم، و كانت على مقربة منهم، و في ليلة الأربعاء الخامس عشر منه، و نحن بالحاجر المذكور، خسف القمر خسوفا كليا أول الليل و تمادى إلى هدء (1) منه. ثم أصبحنا يوم الأربعاء المذكور ظاعنين، و قلنا (2) بموضع بقلاع الضّياع. ثم كان المبيت بموضع يعرف بمحط اللقيطة، كل ذلك في صحراء لا عمارة فيها.

ثم غدونا يوم الخميس فنزلنا على ماء ينسب للعبدين، و يذكر أنهما ماتا عطشا قبل أن يرداه فسمي ذلك الموضع بهما، و قبراهما به، رحمهما اللّه. ثم تزودنا منه الماء لثلاثة أيام، و فوزنا سحر يوم الجمعة السابع عشر منه، و سرنا في الصحراء نبيت منها حيث جن علينا الليل، و القوافل العيذابية و القوصية صادرة و واردة، و المفازة معمورة أمنا.

فلما كان يوم الاثنين الموفي عشرين منه نزلنا على ماء بموضع يعرف بدنقاش، و هي بئر معينة يرد فيها من الأنعام و الأنام ما لا يحصيهم إلا اللّه عز و جل، و لا يسافر في هذه الصحراء إلا على الإبل لصبرها على الظمأ. و أحسن ما يستعمل عليها ذوو الترفيه الشقاديف، و هي أشباه المحامل، و أحسن أنواعها اليمانية لأنها كالأشاكيز السفرية مجلدة متسعة، يوصل منها الاثنان بالحبال الوثيقة و توضع على البعير و لها أذرع قد

____________

(1) الهدء: هزيع من الليل.

(2) قلنا (من القيلولة) و الفعل: قال يقيل، أي استراح أو نام في منتصف النهار.

48

حفت بأركانها يكون عليها مظلة، فيكون الراكب فيها مع عديله في كنّ‏ (1) من لفح الهاجرة و يقعد مستريحا في وطائه‏ (2) و متكئا و يتناول مع عديله ما يحتاج إليه من زاد و سواه و يطالع متى شاء المطالعة في مصحف أو كتاب. و من شاء، ممن يستجيز اللعب بالشطرنج، أن يلاعب عديله تفكها و إجماما (3) لنفس لاعبه. بالجملة فإنها مريحة من نصب السفر. و أكثر المسافرين يركبون الإبل على أحمالها فيكابدون من مشقة سموم الحر غما و مشقة. و في هذا الماء وقعت بين بعض جمّالي العرب اليمنيين أصحاب طريق عيذاب و ضمّانها، و هم من بليّ من أفخاذ قضاعة، و بين بعض الأغزاز (4) بسبب التزاحم على الماء، مهاوشة كادت تفضي إلى الفتنة ثم عصم اللّه منها.

و القصد إلى عيذاب من قوص على طريقين: أحدهما يعرف بطريق العبدين، و هي هذه التي سلكناها، و هي أقصر مسافة؛ و الآخر طريق دون قنا، و هي قرية على شاطئ النيل. و مجتمع هاتين الطريقين على مقربة من ماء دنقاش المذكور. و لهما مجتمع آخر على ماء يعرف بشاغب، أمام ماء دنقاش بيوم.

فلما كان عشاء يوم الاثنين المذكور تزودنا الماء ليوم و ليلة و رفعنا إلى ماء بموضع يعرف بشاغب، فوردناه ضحوة يوم الأربعاء الثاني و العشرين لصفر المذكور. و هذا الماء ثماد (5) يحفر عليه في الأرض فتسمح به قريبا غير بعيد، إلا أنه زعاق‏ (6). ثم رحلنا منه سحر يوم الخميس بعده و تزودنا الماء لثلاثة أيام إلى ماء بموضع يعرف بأمتان، و تركنا طريق الماء بموضع يعرف با ... يسارا، و ليس بينه و بين شاغب غير مسافة يوم، و الطريق عليه و عر للإبل.

فلما كان ضحوة يوم الأحد السادس و العشرين لصفر المذكور نزلنا بأمتان المذكور،

____________

(1) الكن: الوقاء و الستر.

(2) الوطاء: ما يفترشه المرء و يستريح عليه.

(3) الإجمام: الترويح عن النفس.

(4) الأغزاز (جمع غز، بضم الغين): قوم من الترك، أصلهم من آسيا الوسطى.

(5) الثماد: حفرة أو حوض صخري يجتمع فيه ماء المطر.

(6) الزعاق: الماء المر، لا يطاق شربه‏

49

و في هذا اليوم المذكور كان فراغنا من حفظ كتاب اللّه، عز و جل له الحمد و له الشكر على ما يسر لنا من ذلك. و هذا الماء بأمتان المذكور هو في بئر معينة قد خصها اللّه بالبركة. و هو أطيب مياه الطريق و أعذبها، فيلقى فيها من دلاء الوارد ما لا يحصى كثرة فتروي القوافل النازلة عليها على كثرتها، و تروي من الإبل البعيدة الإظماء ما لو وردت نهرا من الأنهار لأنضبته و أنزفته. و رمنا في هذه الطريق إحصاء القوافل الواردة و الصادرة فما تمكن لنا، و لا سيما القوافل العيذابية المتحملة لسلع الهند الواصلة إلى اليمن، ثم من اليمن إلى عيذاب.

و أكثر ما شاهدنا من ذلك أحمال الفلفل، فلقد خيل إلينا لكثرته أنه يوازي التراب قيمة.

و من عجيب ما شاهدناه بهذه الصحراء، أنك تلتقي بقارعة الطريق أحمال الفلفل و القرفة و سائرها من السلع، مطروحة لا حارس لها تترك بهذه السبيل، إما لإعياء الإبل الحاملة لها أو غير ذلك من الأعذار، و تبقى بموضعها إلى أن ينقلها صاحبها مصونة من الآفات، على كثرة المارة عليها من أطوار الناس.

ثم كان رفعنا من أمتان المذكور صبيحة يوم الاثنين بعد الأحد المذكور. و نزلنا على ماء بموضع يعرف بمجاج بمقربة من الطريق ظهر يوم الاثنين المذكور. و منه تزودنا الماء لأربعة أيام إلى ماء بموضع يعرف بالعشراء على مسافة يوم من عيذاب. و من هذه المرحلة المجاجية يسلك الوضح، و هي رملة ميثاء (1) تتصل بساحل بحر جدة، يمشى فيها إلى عيذاب إن شاء اللّه، و هي أفيح من الأرض مد البصر يمينا و شمالا. و في ظهر يوم الثلاثاء الثامن العشرين من الشهر المذكور كان رفعنا من مجاج المذكور سالكين على الوضح.

شهر ربيع الأول عرفنا اللّه بركته‏

استهل هلاله ليلة الجمعة الرابع و العشرين من شهر يونيه، و نحن بآخر الوضح على نحو ثلاث مراحل من عيذاب. و في وقت الغداة من يوم الجمعة المذكور كان‏

____________

(1) ميثاء: لينة، يسهل السير عليها.

50

نزولنا على الماء بموضع يعرف بالعشراء، على مرحلتين من عيذاب. و بهذا الموضع كثير من شجر العشر، و هو شبيه بشجر الأترج، لكن لا شوك له. و ماء هذا الموضع ليس بخالص العذوبة، و هو في بئر غير مطوية (1). و ألفينا الرمل قد انهال عليها و غطى ماءها، فرام الجمّالون حفرها و استخراج مائها فلم يقدروا على ذلك و بقيت القافلة لا ماء عندها. فأسرينا تلك الليلة، و هي ليلة السبت الثاني من الشهر المذكور، فنزلنا ضحوة على ماء الخبيب، و هو بموضع بمرأى العين من عيذاب، يستقي منه القوافل و أهل البلد و يعم الجميع، و هي بئر كبيرة كأنها الجب الكبير.

فلما كان عشي يوم السبت دخلنا عيذاب، و هي مدينة على ساحل بحر جدّة غير مسورة، أكثر بيوتها الأخصاص، و فيها الآن بناء مستحدث بالجص. و هي من أحفل مراسي الدنيا، بسبب أن مراكب الهند و اليمن تحط فيها و تقلع منها، زائدا إلى مراكب الحجاج الصادرة و الواردة. و هي في صحراء لا نبات فيها، و لا يؤكل فيها شي‏ء إلا مجلوب، و لكن أهلها بسبب الحجاج تحت مرفق‏ (2) كثير و لا سيما مع الحاج، لأن لهم على كل حمل طعاما يحملونه ضريبة معلومة خفيفة المؤونة، بالإضافة إلى الوظائف المكوسية التي كانت قبل اليوم التي ذكرنا رفع صلاح الدين لها. و لهم أيضا من المرافق من الحجاج إكراء الجلاب منهم و هي المراكب. فيجتمع لهم من ذلك مال كثير في حملهم إلى جدة وردهم وقت انفضاضهم من أداء الفريضة. و ما من أهلها ذوي اليسار إلا من له الجلبة و الجلبتان، فهي تعود عليهم برزق واسع. فسبحان قاسم الأرزاق على اختلاف أسبابها، لا إله سواه.

و كان نزولنا فيها بدار تنسب لمونح أحد قوادها الحبشيين الذين تأثلوا (3) بها الديار و الرباع و الجلاب. و في بحر عيذاب مغاص على اللؤلؤ في جزائر على مقربة منها، و أوان الغوص عليه في هذا التاريخ المقيدة فيه هذه الأحرف، و هو شهر يونيه العجمي و الشهر الذي يتلوه. و يستخرج منه جوهر نفيس، له قيمة سنية، يذهب الغائصون‏

____________

(1) طوى البئر: بناها بالحجارة.

(2) المرفق (جمعها مرافق): كل ما ينتفع به.

(3) تأثل بالمكان: أقام فيه و استقر.

51

عليه تلك الجزائر في الزوارق و يقيمون فيها الأيام فيعودون بما قسم اللّه، لكل واحد منهم بحسب حظه من الرزق.

و المغاص منها قريب القعر ليس ببعيد. و يستخر جونه في أصداف لها أزواج كأنها نوع من الحيتان أشبه شي‏ء بالسلحفاة. فإذا شقت ظهرت الشقتان من داخلها كأنهما محارتا فضة، ثم يشقون عليها فيجدون فيها الحبة من الجوهر قد غطى عليها لحم الصدف. فيجتمع لهم من ذلك بحسب الحظوظ و الأرزاق. فسبحان مقدرها لا إله سواه. لكنهم ببلدة لا رطب فيها و لا يابس قد ألفوا بها عيش البهائم؛ فسبحان محبب الأوطان إلى أهلها، على أنهم أقرب إلى الوحش منهم إلى الأنس.

طواغيت و أقفاص دجاج‏

و الركوب من جدة إليها آفة للحجاج عظيمة، إلا الأقل منهم ممن يسلمه اللّه عز و جل، و ذلك أن الرياح تلقيها على الأكثر في مراس بصحارى تبعد منها مما يلي الجنوب، فينزل إليهم البجاة، و هم نوع من السودان ساكنون بالجبال، فيكرون منهم الجمال و يسلكون بهم غير طريق الماء. فربما ذهب أكثرهم عطشا و حصلوا على ما يخلفهم من نفقة أو سواها. و ربما كان من الحجاج من يتعسف تلك المجهلة على قدميه، فيضل و يهلك عطشا. و الذي يسلم منهم يصل إلى عيذاب كأنه منشر من كفن.

شاهدنا منهم مدة مقامنا أقواما قد وصلوا على هذه الصفة، في مناظرهم المستحيلة و هيئاتهم المتغيرة آية للمتوسمين. و أكثر هلاك الحجاج بهذه المراسي؛ و منهم من تساعده الريح إلى أن يحط بمرسى عيذاب، و هو الأقل.

و الجلاب التي يصرفونها في هذا البحر الفرعوني ملفقة الإنشاء، لا يستعمل فيها مسمار البتة. إنما هي مخيطة بأمراس من القنبار، و هو قشر جوز النار جيل‏ (1)، يدرسونه إلى أن يتخيط، و يفتلون منه أمراسا، يخيطون بها المراكب و يخللونها بدسر (2) من عيدان‏

____________

(1) النار جيل: جوز الهند، و الكمة فارسية.

(2) يخللونها بدسر: يدعمونها بمسامير و خيوط من عيدان النخل لتقويتها.

52

النخل. فإذا فرغوا من إنشاء الجلبة على هذه الصفة، سقوها بالسمن أو بدهن الخروع أو بدهن القرش، و هو أحسنها. و هذا القرش حوت عظيم في البحر، يبتلع الغرقى فيه. و مقصدهم في دهان الجلبة ليلين عودها و يرطب، لكثرة الشعاب المعترضة في هذا البحر. و لذلك لا يصرفون فيه المركب المسماري.

و عود هذه الجلاب مجلوب من الهند و اليمن، و كذلك القنبار المذكور. و من أعجب أمر هذه الجلاب أن شرعها منسوجة من خوص شجر المقل. فمجموعها متناسب في اختلال البنية و وهنها، فسبحان مسخرها على تلك الحال و المسلم فيها، لا إله سواه.

و لأهل عيذاب في الحجاج أحكام الطواغيت. و ذلك أنهم يشحنون بهم الجلاب حتى يجلس بعضهم على بعض، و تعود بهم كأنها أقفاص الدجاج المملوءة، يحمل أهلها على ذلك الحرص و الرغبة في الكراء حتى يستوفي صاحب الجلبة منهم ثمنها في طريق واحدة. و لا يبالي بما يصنع البحر بها بعد ذلك، و يقولون: علينا بالألواح، و على الحجاج بالأرواح. و هذا مثل متعارف بينهم. فأحق بلاد اللّه بحسبة يكون السيف درتها هذه البلدة، و الأولى بمن يمكنه ذلك أن لا يراها و أن يكون طريقه على الشام إلى العراق، و يصل مع أمير الحاج البغدادي، و إن لم يمكنه ذلك أولا فيمكنه آخرا عند انفضاض الحاج، يتوجه مع أمير الحاج المذكور إلى بغداد، و منها إلى عكة. فإن شاء دخل منها إلى الإسكندرية، و إن شاء إلى صقلية أو سواهما. و يمكن أن يجد مركبا من الروم، يقلع إلى سبتة أو سواها من بلاد المسلمين. و إن طال طريقه بهذا التحليق، فيهون لما يلقى بعيذاب و نحوها.

و أهلها الساكنون بها من قبيل السودان يعرفون بالبجاة، و لهم سلطان من أنفسهم يسكن معهم في الجبال المتصلة بها. و ربما وصل في بعض الأحيان، و اجتمع بالوالي الذي فيها من الغز إظهارا للطاعة. و مستنابه مع الوالي في البلد، و الفوائد كلها له إلا البعض منها. و هذه الفرقة من السودان المذكورين فرقة أضل من الأنعام سبيلا و أقل عقولا، لا دين لهم سوى كلمة التوحيد التي ينطقون بها إظهارا للإسلام. و وراء ذلك من مذاهبهم الفاسدة و سيرهم، ما لا يرضى و لا يحل. و رجالهم و نساؤهم يتصرفون‏

53

عراة، إلا خرقا يسترون بها عوراتهم، و أكثرهم لا يسترون. و بالجملة، فهم أمة لا أخلاق لهم، و لا جناح على لا عنهم.

مغادرة عيذاب‏

و في يوم الاثنين الخامس و العشرين لربيع الأول المذكور، و هو الثامن عشر من يوليه، ركبنا الجلبة للعبور إلى جدة. فأقمنا يومنا ذلك بالمرسى لركود الريح و مغيب النواتية. فلما كان صبيحة يوم الثلاثاء، أقلعنا على بركة اللّه، عز و جل، و حسن عونه المأمول. فكانت مدة المقام بعيذاب، حاشا يوم الاثنين المذكور، ثلاثة و عشرين يوما محتسبة عند اللّه، عز و جل، لشظف العيش و سوء الحال و اختلال الصحة لعدم الأغذية الموافقة. و حسبك من بلد، كل شي‏ء فيه مجلوب حتى الماء، و العطش أشهى إلى النفس منه. فأقمنا بين هواء يذيب الأجسام و ماء يشغل المعدة عن اشتهاء الطعام، فما ظلم من غني عن هذه البلدة بقوله:

" ماء زعاق و جو كله لهب"

فالحلول بها من أعظم المكاره التي حف بها السبيل إلى البيت العتيق، زاده اللّه تشريفا و تكريما، و أعظم أجور الحجاج على ما يكابدونه، و لا سيما في تلك البلدة الملعونة. و مما لهج الناس بذكره قبائحها، حتى يزعموا أن سليمان بن داود، على نبينا و (عليه السلام)، كان اتخذها سجنا للعفارتة، أراح اللّه الحجاج منها بعمارة السبيل القاصدة إلى بيته الحرام، و هي السبيل التي من مصر على عقبة أيلة إلى المدينة المقدسة.

و هي مسافة قريبة يكون البحر منها يمينا، و جبل الطور المعظم يسارا، لكن للإفرنج بمقربة منها حصنا مندوبا يمنع الناس من سلوكه، و اللّه ينصر دينه و يعز كلمته بمنّه.

فتمادى سيرنا في البحر يوم الثلاثاء السادس و العشرين لربيع الأول المذكور و يوم الأربعاء بعده بريح فاترة المهب. فلما كان العشاء الآخرة من ليلة الخميس و نحن قد استبشرنا برؤية الطير المحلقة من بر الحجاز، لمع برق من جهة البر المذكور، و هي جهة الشرق، ثم نشأ نوء أظلم له الأفق إلى أن كسا الآفاق كلها، و هبت ريح شديدة صرفت‏

54

المركب عن طريقه راجعا وراءه، و تمادى عصوف الرياح و اشتدت حلكة الظلمة و عمت الآفاق، فلم ندر الجهة المقصودة منها، إلى أن ظهر بعض النجوم فاستدل بها بعض الاستدلال و حط القلع إلى أسفل الدقل، و هو الصاري.

و أقمنا ليلتنا تلك في هول يؤذن باليأس، و أرانا بحر فرعون بعض أهواله الموصوفة، إلى أن أتى اللّه بالفرج مقترنا مع الصباح، فلان قياد الريح و أقشع الغيم و أصحت السماء، و لاح لنا بر الحجاز على بعد لا نبصر منه إلا بعض جباله، و هي شرق من جدة، زعم ربان المركب و هو الرّائس، أن بين تلك الجبال التي لاحت لنا و بر جدة يومين، و اللّه يسهل لنا كل صعب و ييسر لنا كل عسير بعزته و كرمه. فجرينا يومنا ذلك، و هو يوم الخميس المذكور، بريح رخاء طيبة، ثم أرسينا عشية في جزيرة صغيرة في البحر على مقربة من البر المذكور بعد أن لقينا شعابا كثيرة، يكثر فيها الماء و يضحل علينا، فتخللنا أثناءها على حذر و تحفظ.

و كان الربان بصيرا حاذقا فيها، فخلصنا اللّه منها، حتى أرسينا بالجزيرة المذكورة، و نزلنا إليها و بتنا بها ليلة الجمعة التاسع و العشرين لربيع الأول المذكور، و أصبح الهواء راكدا و الريح غير متنفسة إلا من الجهة التي لا توافقنا فأقمنا بها يوم الجمعة المذكور.

فلما كان يوم السبت الموفي ثلاثين تنفست الريح بعض التنفس، فأقلعنا بذلك النفس، نسير سيرا رويدا. و سكن البحر حتى خيل لناظره صحن زجاج أزرق. فأقمنا على تلك الحال نرجو لطيف صنع اللّه عز و جل. و هذه الجزيرة تعرف بجزيرة عائقة السفن، فعصمنا اللّه عز و جل من فأل اسمها المذموم، و له الحمد و الشكر على ذلك.

شهر ربيع الآخر عرفنا اللّه بركته‏

استهل هلاله ليلة السبت و نحن بالجزيرة المذكورة و لم يظهر تلك الليلة للأبصار بسبب النوء لكن ظهر في الليلة الثانية كبيرا مرتفعا، فتحققنا إهلاله ليلة السبت المذكور، و هو الثالث و العشرون من شهر يوليه، و في عشي يوم الأحد ثانية أرسينا