رحلة سبستياني‏ - ج1

- جوزبة سباستيني المزيد...
136 /
5

كلمة المعرب‏

تضم كتب الرحلات فوائد و معلومات تاريخية و اجتماعية و تراثية عديدة. لذلك فقد اخذنا منذ فترة من الزمن بالبحث عن تلك الكتب لمطالعتها، و من ثم تقديمها الى القارى‏ء، و غايتنا في ذلك اسداء خدمة لأبناء وطننا العربي.

و قد نقلنا الكتاب الذي نقدمه اليوم عن الايطالية و عنوانه «ايفادات الى الهند الشرقية للمونسنيور سبستياني»

Speditioni All``lndie Orientali di. Monsignor SEBASTIANI

و يقع الكتاب في مجلدين، في الاول وصف للرحلة الاولى، و قد طبع في روما سنة 1666، بينما يضم الجزء الثاني حوادث الرحلة الثانية، و قد طبع في روما ايضا سنة 1672.

و لما كان الكتاب يصف الرحلتين من ايطاليا الى الهند فقد اقتصرنا على ترجمة القسم الخاص بالعراق. و جدير بالذكر ان سبستياني مر بالعراق اربع مرات، اعني في ذهابه الى الهند سنة 1656 و في طريق عودته الى اوروبا بعد سنتين، ثم في البعثة الثانية سنة 1660 و في ايابه سنة 1664.

و قد نقلنا ما جاء في الرحلة بامانة دون ما تغيير او تحوير، و زيادة بالفائدة ترجمنا بعض الشي‏ء من رحلته قبل دخوله العراق، اعني منذ خروجه من حلب، ثم ترجمنا شيئا من الاخبار عند مبارحته العراق، لان لتلك الاماكن علاقة وطيدة بالعراق، و هي اجزاء من الوطن العربي، ففي ترجمتها فائدة اوسع.

و تمسكا بالاصل، فقد احتفظنا بارقام الفصول كما في الكتاب، فكان‏

6

اول ما ترجمناه «الفصل الثاني عشر من الكتاب الاول» حيث يغادر صاحبنا حلب قاصدا الموصل. اما عناوين الفصول ففيها شي‏ء من الاختصار، دون الاخلال بالمعنى.

و قد اطلعنا على طبعة ثانية للرحلة الاولى، طبعت في البندقية سنة 1683، فقابلناها مع الطبعة الاولى التي اعتمدنا عليها، فوجدنا شيئا يسيرا من الاضافات، ادخلناها الى الترجمة و اشرنا الى ذلك.

ثم عثرنا على رحلة الاب فنشنسو، رفيق سبستياني في ايفاده الاول، فقابلناها مع رحلتنا ثم باشرنا بنقلها الى العربية.

*** كانت غاية سبستياني من سفره الوصول الى الهند، لذلك نلاحظ انه لا يهتم كثيرا بالبلدان التي يمر بها، كما نجد في وصفه قفزات غريبة. فبينما يتكلم عن نصيبين، اذا به في سطور قليلة يصل الى الموصل، مكتفيا بذكر اسم قريتين لا اهمية لهما.

و قد جابهتنا في اثناء الترجمة مشاكل و صعوبات بالنسبة الى اسماء الاعلام و القرى، لان صاحبنا يذكر هذه الاسماء بصورة مصحفة او مغلوطة، و الرجل معذور لانه يجهل اللغات الشرقية كما يعترف في مقدمته، و هو يسمع اسماء تلك الاماكن من افواه العامة، و قد حاولنا قدر استطاعتنا ايجاد الاسم الصحيح لتلك المناطق فافلحنا تارة، و اخفقنا تارة اخرى، لذا وضعنا الاسماء بالفرنجية كما وردت في الاصل، لعل هناك من يستطيع ان يجد الاسم الصحيح.

نلاحظ ان المؤلف لم يضع تعليقات او هوامش و له شروح قليلة ادخلها في المتن، لذلك قررنا بعد ان فرغنا من الترجمة، ان نعلق على بعض ما جاء في الكتاب لازالة الالتباس او زيادة في الايضاح، و قد اتسعنا في بعض تلك التعليقات، ففصلناها و جعلناها «ملاحق» ادرجناها باخر الكتاب، اخيرا وضعنا فهارس للكتاب لنسهل على القارى‏ء مراجعة فصوله و معرفة محتوياته.

7

استلفتت البلدان العربية و سائر اقطار الشرق الاوسط، انظار الرحالة الغربيين منذ قديم الزمان، فاخذوا يرتادونها، و يدونون مشاهداتهم، و انطباعاتهم عنها. و قد كانت الدوافع الى تلك الرحلات كثيرة متفاوتة، يدخل فيها العلم و السياسة و الدين و التجارة.

اننا نجد بين اولئك الرحالين: الباحث الآثاري، و المستكشف الجغرافي المحب للاسفار، و منهم من استرعت اهتمامه معادن هذه الاقطار و سائر خيراتها و فيهم رجل الدين، و التاجر، و السياسي و الطبيب و المتتبع لاحوال الشعوب، و المتطلع الى شؤون اخرى في هذا العالم الشرقي المترامي الاطراف، الذي يحوي كل ما تصبو اليه نفوس الغربيين.

و قد كان ما كتبه اولئك الرواد، في شتى الاغراض التي جاءوا من اجلها الى هذه الديار، شيئا يفوق الحصر، و لا نجانب الصواب حين نقول ان عدد الرحلات الاجنبية التي وصفت العراق او تطرقت لذكره، قد يزيد على ثلاثمائة رحلة، كتبت بلغات شتى: الانكليزية، الفرنسية، اللاتينية، الايطالية، الاسبانية، البرتغالية، الالمانية، الهولندية، التركية، الفارسية، و غيرها من لغات الغرب و الشرق. و قد طبع جانب غير قليل منها في اثناء القرون الاربعة الاخيرة، على ان معظم طبعات تلك الرحلات، قد اصبح اليوم عزيزا في حكم النادر.

و احس ابناء العراق بقيمة هذه الرحلات من الوجهة التاريخية و الجغرافية و الاجتماعية و الاقتصادية، فأخذ غير واحد منهم يحاول الوقوف عليها و الاقتباس من فوائدها. و عمد رهط منهم الى امهات تلك الرحلات، فنقلها الى العربية و نشرها بالطبع تعميما لفوائدها. و كان من بينها رحلات كل من:

تافرنيه، نيبور، لانزا، ريج، فريزر، بكنكهام، بج، ديولافوا، الليدي دراور، فانيس، هي، ويكرام، و غيرهم ممن يطول ذكرهم.

و ما هذه الرحلات المنقولة الى اللغة العربية. الا حلقات من سلسلة طويلة، نرجو ان يأخذ بعضها برقاب بعض فتتكامل على مر الزمن. فاذا تم نقلها الى العربية، اتيح لابناء الضاد ان يطلعوا عليها و يمحصوها بالنقد

8

و التصويب و ينهلوا من فوائدها الجمة. فتتسع بذلك مراجعنا عن تاريخ العراق خاصة، و الشرق عامة، خلال القرون الاربعة الاخيرة.

و من نفائس ما يذكر في هذا الباب، رحلتان واسعتان قام بهما رجل ايطالي، يقال له هيرونيموس سبستياني، انتمى في مطلع شبابه الى الرهبنة الكرملية، فصار يعرف بالاب جوزيبه دي سانتا ماريا الكرملي، و توفي عام 1689 م. و صنف رحلته باللغة الايطالية، و طبعت في روما سنة 1666- 1672 م في مجلدين اصبحا من نوادر المطبوعات في عصرنا.

و ما من شك، في ان هذه الرحلات الغربية، كلما تقادم زمنها، صعب على المترجم نقلها الى العربية لما يعتورها من تصحيف و تحريف في اعلام الاشخاص و الامكنة، و لما تتضمنه من اوهام و اقاويل لا تقوى امام البحث و التحقيق في عصرنا.

9

سبستياني و هو الاب جوزيبه دي سانتا ماريا الكرملي 1623- 1689Fr .Giuseppe di S .Maria O .C .D .(SEBASTIANI)

ولد هيرونيموس سبستياني في بلدة كابرارولا(Caprarola) في ايطاليا في 21 شباط سنة 1623. و لما شب عن الطوق انخرط في السلك الرهباني لدى الآباء الكرمليين الحفاة، و اعلن نذوره الرهبانية في 3 اذار 1641 في روما متخذا اسما جديدا عرف في التاريخ و هو «الاخ جوزيبه دي سانتا ماريا».

ارسل فترة من الزمن الى المانيا كما يقول في مقدمة كتابه «قضيت زهرة ايامي في المانيا»، ثم عاد الى ايطاليا و اخذ يدرس الرهبان التعاليم الدينية او اللاهوت.

انتدبته الرئاسة الكنسية للذهاب في مهمة رسمية الى الهند، بصفة مفتش رسولي(Commissarius) لدراسة احوال النصارى في منطقة الملبار، و هي ولاية كيرالا حاليا، فبارح روما في 22 شباط 1656 و شد عصا الرحال الى الشرق، و هو لا يعرف اية لغة شرقية، كما يعترف هو نفسه غير مرة في كتابه.

و رافقه رهبان من ديره. و بعد ان اكمل المهمة التي اسندت اليه عاد الى اوروبا في نهاية سنة 1658. ثم سيم اسقفا على ابرشية هيرابوليس شرفا(Hierapolis) بتاريخ 15 كانون الاول 1659 (ج 2- ص 3) و عاد الى الشرق ثانية لمعالجة المعضلة التي سبق له دراستها عن كثب، فترك روما في 7 شباط 1660، و في منتصف تلك السنة مر بالعراق و واصل سيره الى الهند، و حاول قدر استطاعته ان يشد عرى الوفاق بين المسيحيين و رؤسائهم الدينيين هناك.

و حدث ان استولى الهولنديون على منطقة كوشين حيث كان صاحبنا فاضطر الى الانتقال من مكان الى اخر حتى ارغم على الخروج نهائيا، فقرر العودة الى اوروبا، و في طريق العودة مر بالعراق ايضا.

10

نقلت خدماته الى جزر في بحر ايجه، ثم الى ايطاليا في مدينة بيزينيانو في كالابريا(Bisignano in Calabria) و ذلك في 22 آب 1667، و بعد بضعة اعوام نقل الى جيتا دي كاستيللو في مقاطعة اورمبرياCitta di Castello in Umbria و ذلك بتاريخ 8 تشرين الاول 1672، و هناك وافته المنية في 15 تشرين 1689 تاركا ذكرا صالحا و اسما عطرا بين ابناء شعبه و معارفه.

له الى جانب الرحلة التي نقلنا منها القسم الخاص بالعراق، مؤلفات اخرى لم تر النور تتعلق مواضيعها بالمهمة التي اسندت اليه في الملبار، فهي على شبه تقارير رفعها الى المراجع الدينية الرسمية و هذه هي:

1- رحلته في مجلدين.

2- تقرير عن زيارته للملبار وضعه سنة 1657.

3- تعليمات للمؤمنين سنة 1657.

4- وصف لحالة المسيحيين في الملبار سنة 1659.

5- تعليمات المجمع المقدس و تعليقاته عليها سنة 1659.

6- وصف للحوادث سنة 1659.

تكاد معظم الكتب التاريخية التي تبحث عن الرهبانية الكرملية تنوه به و تتطرق الى نشاطاته، منها:

- Analecta Ordinis Carmelitarum Discalceatorum, vol. XIVan. XIV( 9391 )Roma, PP. 443- 743.

- Hierarchia Carm. Fasc. IvPP. 381- 002.

- Missonsdesperes Carmes 7091- 8091, BrugesP. 24 SS.

- P. EustachiodiS. MariaO. C. D.: Istoriadelven. Mons. Fr. Giuseppe deSebastiani, Roma 9171.

11

كتاب الرحلة:

تتكون رحلة سبستياني من مجلدين، طبع المجلد الاول في روما سنة 1666، و فيه اخبار الرحلة الاولى، اما المجلد الثاني فقد طبع في روما ايضا سنة 1672 و يضم حوادث الرحلة الثانية.

و يتكون المجلد الاول‏

من ثلاثة كتب، و يقسم كل كتاب الى فصول متعددة، و هكذا المجلد الثاني.

و قد وضع المؤلف في مطلع المجلد الثاني معجما للكلمات و التعابير الغريبة عن القارى‏ء الاوروبي (الكلمات العربية و الفارسية و التركية و الهندية)، و هذا المعجم مفيد بالرغم من قلة مادته.

الطبعة قديمة، و الاخطاء المطبعية عديدة، كما يعترف صاحب الرحلة نفسه في المقدمة، و تصعب القراءة في بعض الحالات نظرا لطريقة الطبع القديمة، اذ لا تميز حرف عن و كذلك و فينشأ من جرّاء ذلك بعض الالتباس، خاصة في اسماء الاعلام.

ان لغة سبستياني، بصورة عامة، ليست متينة البناء، و لعل سبب ذلك يرجع الى كونه قضى فترة من حياته في المانيا، و هو من دعاة استعمال الاسلوب اللغوي القديم في الكتابة، كما يصرح هو نفسه في مقدمة المجلد الثاني.

غاية الرحلة:

كانت غاية سبستياني في رحلاته المتعددة الذهاب الى الهند، لزيارة

12

الجماعة المسيحية المنتشرة في اقليم الملبار (ولاية كيرالا حاليا) اذ كان موفدا من قبل الكنيسة الكاثوليكية في روما.

كان الوفد الذي ترأسه سبستياني مكونا من اشخاص ثلاثة آخرين هم الاب فنشنسو مارية دي سانتا كاترينة دي سيينا، و هو ايطالي، و قد الف كتابا وصف فيه احداث هذه السفرة (1) كما رافقه الاب رفائيل دي سان الكسيوس، لكنه لم يواصل السفر الى الهند، بل بقي في جبل الكرمل بفلسطين‏ (2) و لويس دي سان فرنشسكو، و كان من هواة الرسم، و هو فرنسي الاصل‏ (3).

اما الرحلة الثانية فكانت للغاية نفسها، و قد تبع طريق الرحلة الاولى، مع تغييرات حتمتها الضرورة. و رافقه في هذه المرة: انجلو دي سانتا مارية، لكنه مرض و مات في 13 كانون الثاني 1660 (4). و جيوفاني تاديو دي سانتا بريجيدة و الاب كوتيفريدو دي سانت اندريا، الذي كان يتقن لغات عديدة (5) و شاب اسمه فالنتينو كيوسي، و لما مرّ الوفد بلبنان اراد اصطحاب قسيسين ليجيدا اللغة السريانية في الهند و اذ لم يجد، اصطحب مترجما مارونيا (6).

بقي الوفد فترة في الهند، لكن المشاحنات السياسية و التكالب الاستعماري بين البرتغاليين و الهولنديين اثرت في مجاري الامور، فاضطر سبستياني الى ترك الهند عائدا الى اوروبا.

ما ان عاد صاحبنا الى بلاده حتى وضع ذكريات رحلته، و نشرها فيما بعد «نزولا عند طلب بعض الاصدقاء و الحاحهم» (7).

____________

(1) نقلنا هذه الرحلة الى العربية، و نشرنا القسم الاول منها في مجلة مجمع اللغة السريانية. بغداد 1975 ص 179- 203.

(2) المجلد الاول ص 22 من الرحلة.

(3) المجلد الاول ص 1- 11.

(4) المجلد الثاني من الرحلة ص 33- 35.

(5) المرجع نفسه ص 3.

(6) المرجع نفسه ص 19.

(7) مقدمة المجلد الثاني.

13

لاحظنا ان المهتمين بشؤون التاريخ العراقي لم يذكروا هذه الرحلة:

فللاستاذ كوركيس عواد مقالة ضافية عنوانها «المعرب من كتب الرحلات الاجنبية الى العراق» (1) ألحقها بقائمة الرحالة، و لم يذكر سبستياني، كما لم يفعل قبله لدنكريك في كتابه «اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث» بالرغم من ذكره اسماء رحالة كثيرين، و لم ينوه بهذه الرحلة الا الاستاذ يعقوب سركيس‏ (2).

كلمة اخيرة في الرحلة:

كتاب سبستياني ليس رحلة استطلاعية، بل هو مجموعة ذكريات لذلك فهو لا يذكر من مشاهداته الا النزر القليل. و يتسم الكتاب بنظرة دينية او صوفية للامور، فهو يستنتج من الاحداث المختلفة فكرة لتأمله الروحي، فالحر الشديد،- على سبيل المثال- يجره الى التفكير بعذاب النار في جهنم فيستغفر ربه، و يتحمل الحر في الحياة الدنيا كي لا يراه بعد الموت! و خراب المدن التي يمر بها يجعله يفكر بزوال العالم و مجده!.

و لسبستياني نظرة فيها ترفع قومي، و تزمت طائفي احيانا، فمدينة بغداد- مثلا- هي لا شي‏ء حسب قوله بالنسبة الى مدن اوروبا ... و له زلات و شطحات بالنسبة الى الطوائف التي من غير طائفته، و لا نستغرب ذلك عند ما نضع الامور في اطارها الزمني.

____________

(1) مجلة الاقلام 1 (1964) العدد الاول ص 54- 74.

(2) مباحث عراقية (بغداد 1948) ج 1 ص 341- 342.

(بغداد 1955) ج 2 ص 36.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

الرحلة الاولى‏

الفصل الثاني عشر (من الكتاب الاول) (*) الاستعدادات للسفر الى بغداد عن طريق الموصل‏ (*)

41 (1) كان يسيطر على المناطق العربية «القريبة من حلب» في ذلك الحين اميران احدهما مغتصب ظالم و الثاني امير شرعي‏ (2) و كان القتال بينهما سجالا، و كانا يلحقان الاذى بالمسافرين، الذين كانوا يضطرون إلى دفع الاتاوة للطرفين. لقد رأيت احدهما و قد نصب خيامه في ضواحي حلب، فظهرت و كانها مدينة ثانية في جوار حلب ... و من عادات الاعراب البدو ان يرتبوا كل شي‏ء في خيامهم على نمط واحد، و الخيام هي محل سكناهم، لكنها مدن متنقلة ...

جرت العادة ان تسافر (الخزنة)(Casne) في شهر رمضان الى بغداد.

و الخزنة هي عبارة عن الاموال اللازمة لدفع الرواتب الى الجنود. و قد وقع شهر رمضان في هذه السنة في شهر حزيران (1656). فانتهزت هذه الفرصة لا سافر مع قافلة الخزنة، و تأهبت للرحيل، فاشتريت اربعة خيول، و اتخذت‏

____________

* ابتدأنا بتعريف الرحلة من هذا الفصل حيث يبدأ الكلام عن دخول العراق.

* اعتاد سبستياني ان يسمي الموصل نينوى، و بغداد بابل، و هذه عادة نجدها في اغلب الرحلات الغربية. ففضلنا ان نسمي المدن العراقية باسمائها المعروفة، الا عند ما يدور الكلام على نينوى القديمة او بابل الحقيقية.

(1) ابتدأنا الترجمة من صفحة 41، لان ما قبلها يتكلم عن بدء سفره من اوروبا الى حلب.

(2) ان المؤلف يشير الى الحرب التي نشبت على اثر تعيين احمد باشا واليا لحلب، فرفضه الحلبيون لجوره و بطشه فقدم الى المدينة و حاصرها، بينما كان مصطفى باشا والي حلب يدافع عنها. الغزي: نهر الذهب في تاريخ حلب ج 3 ص 285.

16

لي خادما مارونيا اسمه «موسى»، كان يفهم اللغة، كما اقتنيت ألبسة و سلاحا و كل ما هو ضروري للسفر.

و حدث قبل السفر بايام قليلة اني اصبت بحمى قوية (هي حسب قول بعضهم ضريبة لا بد ان يؤديها كل زائر لحلب!) و تخلصت منها بعد ثلاثة ايام بفضل العقاقير التي تناولتها، لكنها تركتني ضعيفا ذابلا، فاعتقد الجميع اني سأعدل عن السفر بسبب الوهن الذي استحوذ عليّ، و لشدة الحر في ذلك الشهر، لكني عزمت على السفر، نظرا الى اهمية الرسالة التي انيطت بي.

فسلمت نفسي الى عناية الرحمان و وضعت في يده الكريمة صحتي و حياتي.

و قد طلبت من القنصل الفرنسي ان يوصي بي خيرا لدى الاغا (1) الذي يرأس القافلة، فقدم له قطعة من القماش، و هذا ما فعله القنصل الانكليزي ايضا، و قمت بدوري فذهبت لزيارة الاغا و قدمت له جبة طويلة مصنوعة من قماش الاطلس الاخضر الفاخر، و غايتي ان يذود عني في السفر و يخلصني من المآزق التي تجابه المسافرين و خاصة المسافر المسيحي المسكين، فوعدني الرجل خيرا، و قال انه سيضعني في مكان الصدارة في قافلته و يعتبرني من رفاقه المقربين.

ذهبت لاقرأ السلام على القنصل الانكليزي قبل سفري و اشكره على حسن صنيعه نحوي، فطلب مني ان احمل معي الى البصرة او الى اصفهان ثلاث قطع من الزمرد النادر الثمين، يقدر ثمنها بنحو ثلاثة الاف قرش‏ (2)، فقبلت عن طيبة خاطر تأدية هذه الخدمة له. و قد اهداني صحنا مليئا بالحلويات فقبلتها بسرور، و قد افادتني كثيرا في اثناء السفر.

ثم ذهبت لاودع الاخوة الرهبان، و رؤساء الافرنج، خاصة قنصل فرنسا (3) (الذي ودعني قائلا: اسأل اللّه ان اسمع انك وصلت بغداد مريضا!

____________

(1) اغا (تركية) تعني السيد او الموظف، و قد يكون عسكريا او مدنيا او مستخدما.

(2) يستعمل المؤلف كلمة بياستراPiastra و قد ترجمناها بكلمة قرش.

(3) راجع الملحق رقم (1) عن القنصل الفرنسي فرنسوا بيكيه.

17

لقد اراد ان يفهمني ان الوصول الى بغداد في هذا الموسم و الخلاص من موت محتم يعد نعمة من اللّه).

عند وصولنا الى باب المدينة، انا ورفاق السفر، ابدلنا ثيابنا، فارتدينا الزي المحلي. و امتطيت الحصان و اسرعت لاكون مع جماعة المسافرين و كانوا لا يزالون بالقرب من المدينة.

و للمرة الثانية جاء اثنان من قبل القنصل الفرنسي و اعادا التوصية بحقي عند الاغا، ثم عادا الى المدينة فجدد الاغا و عده بانه سيحامي عني، و اوصاني ان اكون قريبا منه دائما اثناء الرحيل و عند النزول في (القوناق) (1) محطات الاستراحة.

بدانا السفر اصيل اليوم الثاني من تموز (1656) .. و كنا نسير بسرعة.

نحو عشر ساعات أو اثنتي عشرة ساعة يوميّا. يبدأ السير نحو الساعة الثامنة مساء و يدوم الى الساعة العاشرة صباحا و كان سفرنا ليلا للتخلص من حر النهار المحرق ...

توقفنا اولا في طاطكوTatcu و هي قرية الانكليزي فسلمني رسائل الى البصرة و الى كومبروCombru (2) ... في اليوم التالي وصلنا الفرات فعبرناه مع عدد غفير من الجنود كانوا هناك و لهم قوارب تعلوها رايات مرفرفة. توقفنا عند البيره‏Elbir (3) (و هي بيريا القديمةBerea ) الواقعة الى الجانب الثاني من‏

____________

(1) القوناق: كلمة تركية تعني محط الرحال حيث يستريح المسافرون، او المرحلة بعد قطع مسافة معينة.

(2) كومبروCombru و الاصح غومبرون‏Combrun هو الاسم الذي اعتاد الغربيون اطلاقه على ميناء بندر عباس الذي بناه الشاه عباس الاول ليضاهي ميناء هرمز، استولى عليه البرتغاليون سنة 1614 لكن الايرانيين استعادوه بعد سنتين، راجع:

Wilson: The Persian Gulf P. 241 ss.

(3) البيرة مدينة على الفرات تسمى اليم بيره جك، ذكرها الحموي في معجم البلدان 1/ 787 الغزي: نهر الذهب 1/ 571- 572.

18

نهر الفرات. و كان عليّ ان ادفع «سكنا» واحداZecchino (1) عن كل نفر اذا لم يعترف الاغا بنا اننا من اتباعه. و بالفعل فان الاتراك‏Mori (2) لاحظوا حالا انني من الافرنج بالرغم من ارتدائي ألبستهم. و هكذا عبرنا سورياSoria الى ما بين النهرين‏Mesopotamia .

لقد افقدني الحر الشديد و السير الحثيث المتواصل اثنين من خيولي، فقد مرضا على اثر التعب و الحر، فلم يعودا يقدمان خدمة تذكر، مما اضطرني الى تبديلهما بحصانين آخرين.

توقفنا في جار ملك‏Ciarmelic ثم سرنا في ممرات ضيقة بين الجبال، و في وديان مليئة بالحجارة ... فوصلنا الى اورفاOrfa التي يعتقد الكثيرون انها اور الكلدانيين القديمة، موطن ابينا ابراهيم، لكنهم على خطأ، فالحقيقة التي لا يشوبها شك انها مدينة الرها القديمةEdessa مملكة ابجر (3) (ذاك الذي خص السيد المسيح باعجوبة، فارسل له رسمه الكريم، و هي مدينة بلدوين في عهد السيطرة النصرانية) (4). و في المدينة موضع تقوم عليه كنيسة حيث عاش القديس الكسيوسي‏ (5)S .Alessio و الكنيسة حاليا بيد الارمن.

____________

(1) راجع الملحق رقم (2).

(2) كلمةMoro اطلقها الاوروبيون على المسلمين بصورة عامة و على الاتراك بنوع اخص.

(3) عن «ابجر» راجع الملحق رقم 3.

(4) «بلدوين» اسم خمسة امراء حكموا الرها على اثر الحروب الصليبية و اسسوا «امارة الرها»، اشهرهم بلدوين الاول (1098- 1100) و هو من زعماء النرمنديين الفرنسيين «سار الى الرها فشارك اميرها توروس الارمني في حكمها ثم ما لبث ان استقل بها، مؤسسا فيها امارة لاتينية حاول زيادة العنصر اللاتيني لموازنة العنصر الارمني» راجع: اعمال الفرنجة و حجاج بيت المقدس، ترجمة الدكتور حسن حبشي (القاهرة 1958» ص 8.

Rene Grousset: LEpopee des Croisades, Ed. PlonPariss 2691, Paissim

(5) من اولياء اللّه، عاش متوحدا في نهاية القرن الرابع، و مات نحو سنة 412،-

19

هناك حوض كبير ملي‏ء بالماء القراح، يطلق عليه الاهلون اسم حوض ابراهيم بينما يسميه البعض حوض يعقوب‏ (1) كما يوجد ضريح الشهداء المعظمين شاموني و كوريا و حبيب‏ (2) الذين ذاع اسمهم على اثر معجزة جرت بشفاعتهم لشابة من اهالي تلك المنطقة ... (3)

يكثر الثلج في هذه المنطقة حتى في فصل الصيف. كما تكثر الاشجار المثمرة، خاصة الاعناب و لليعاقبة (4) كروم خاصة بهم. لكن الخمر سيئة، لان رائحة الانية المطلية بالقار التي يحفظون الخمر فيها تؤثر في الخمر فتغير مذاقها.

... وصلنا الى جلاب‏ (*)Giulap ، و في صباح اليوم التالي وصلنا الى تل قوران‏Telcoran ثم تابعنا السير مساء فمشينا طوال الليل. فلما انبلج الصبح راينا اننا قد ظللنا الطريق، فكان علينا ان نفتش عن دليل يعيدنا الى السراط السوي، و بعد جهد عظيم وصلنا الى كفر سوري‏Gaursuri و هي قرية مقفرة كانت سابقا للارمن. و هناك بئر ماؤها زلال، و بالقرب من البئر خيام للبدو، فاشترينا منهم لبنا له طعم بين الحامض و الحلو. و يكثر في تلك الاصقاع و هو مفيد جدا اثناء السفر.

و يعود الفضل اليه في بقائي حيا و متمتعا بصحة جيدة.

في تلك الفترة، كانت ثلة من الجنود الانكشاريين‏ (5) قوامها ستون نفرا،

____________

خصصت الكنيسة الكاثوليكية يوما لذكراه في 17 تموز من كل عام.

(1) يعود المؤلف الى ذكر هذا الحوض في السفرة الثانية و تعطي شرحا اوفى.

(2) من شهداء الكنيسة المشرقية. بيجان: سيرة الشهداء و القديسين (بالكلدانية) ج 1 ص 131- 143 و كذلك ادي شير: اشهر شهداء المشرق ج 1 ص 100- 102 (الموصل 1900).

(3) لا حاجة لذكر دقائق تلك المعجزة فهي من التقاليد الشعبية المتواترة.

(4) هم السريان الارثوذكس، و قد ابقينا التسمية كما هي لورودها في الاصل.

* جلاب بضم اولها، مذكورة في المسالك و الممالك ص 96.

(5) الانكشارية: محرفة عن التركية «ينجري» و تعني «الجند الجديد». و يكتبها الاتراك «يكجري» و يلفظو الكاف نونا، و هم جنود مشاة في الجيش العثماني، دام امر هذا الجيش من القرن الرابع عشر للميلاد إلى أن اباده السلطان محمود الثاني سنة 1826.

و أصل هذا الجيش من الاولاد المسيحيين الذين كانوا يؤخذون كجزية او يؤسرون في الحرب، فيدربون تدريبا عسكريا و يتشبعون بروح النضال من اجل السلطان.

20

في طريقها من بغداد الى الموصل: و اذ كان المناخ حارا لا يحتمل و الرياح قوية، فقد مات منهم اربعون جنديا، لم يوار التراب منهم سوى اثنين، بينما بقيت جثث الاخرين دون دفن، فتكالبت الوحوش عليها (1) في ذلك اليوم نفسه مات رجلان و امرأة من قافلتنا، فكان لموتهم المفجع تأثير في افراد القافلة كلهم ...

لقد كنا، انا ورفاق السفر، غارقين الوقت كله بعرقنا، منذ خروجنا من حلب حتى وصولنا الى بغداد. و قد تهب الريح احيانا فتنشف العرق عن اجسامنا، لكنها كانت ريحا مزعجة للغاية فهي محملة بهواء حار كلهيب النار ... و لقد اصبحنا اكثر من مرة في الرمق الاخير. و هكذا كفرت عن خطاياي امام الرب، و فكرت في اعماق نفسي بجهنم ... و ظهر الموت حلوا لنخلص من العذاب الذي كنت فيه ...

في اليوم الثاني حللنا في مره كثري (؟)Caragheisie و هي قرية للارمن ايضا، و تقع على هضبة في وسط ارض مقفار جدباء لا نهاية لها، و قد احرقتها الشمس.

لم نتقدم كثيرا في ذلك اليوم، لان دليلنا تركنا في ظلام الليل الدامس و هرب. فلما حل المساء عاودنا السفر. و نحو الساعة الثالثة تعالت صراخات حارس مؤخرة القافلة، يدعونا الى حمل السلاح، فاوقع الذعر في نفس الاغا، فاجتمع هو و حراس مقدمة القافلة بالقرب من الخزينة، و التجأت بدوري بالقرب منهم ... و اذا بالقادمين جماعة من البدو كانوا يريدون الانضمام الى قافلتنا و لم يكونوا لصوصا ...

____________

(1) حدثت هذه المأساة في طريق الموصل- بغداد كما سيذكر المؤلف في الفصل التالي.

21

و في اليوم التالي وصلنا الى قومجصار (1)Coccessar ، و هي مدينة كبيرة قائمة في السهل، في الجهة المقابلة لماردين. هناك يرى الزائر اربعة اديرة كبيرة لكنها متهدمة، و تستخدم الان كمساجد و قد احتفل المسلمون هنا بحلول نهاية رمضان (عيد الفطر) فاخذوا يلعبون و يتسابقون و يرمون الرماح الطويلة و هم يطاردون الريح على خيولهم، ثم يتناولون الرماح من الارض و هم راكضين.

مكثنا هناك يومين، اذ كنا ننتظر بغالا محملة بالبضائع متجهة الى ماردين، و حدث في تلك الاثناء ان مات تحت انظارنا احد افراد القافلة، و كان ارمنيا، لكننا لم نكتشف نصرانيته الا و بعد وفاته ...

اتفقت مع احد المسافرين، و كان ارمنيا، ان نسافر سوية الى بغداد بواسطة النهر و ذلك بعد ان نبلغ الموصل، و اسم الارمني اراكيل‏ (2)Arachel و هو من قرية جلوسانوفا (؟)Ciolsanova و كان شابا طري العود، غنيا، و كان يقصد اغره‏Agra في الهند (3) يرافقه رجل ارمني اخر، حلبي الموطن يدعى مرادAmurat كان يطيب له ان يسير برفقتنا، و في كثير من الاحيان كان يترك خيمته ليأتي عندنا و يحاول التحدث معنا، اذ كان يرغب في تعلم اللغة الايطالية تكلما و قراءة، و قد اظهر اجتهادا ملحوظا و استفاد من اختلاطه معنا ...

كانت المحطة التالية قره دره‏Caradera (4) و من ثم نصيبين‏Nisibi و موقع هذه المدينة جميل، هناك رأينا كنيسة للارمن جميلة البناء، فيها ضريح‏

____________

(1) قوج حصار ذكرها الحموي في معجم البلدان 2/ 612 قال «.. من نواحي الجزيرة قرب ماردين بينهما فرسخان ..»

(2) الاسم ارمني تفسيره (المبعوث»، و لا يزال الارمن يتخذونه اسما.

(3) مدينة في الهند على نهر جمنة معروفة بثقافتها الاسلامية، فيها جامع تاج محل الشهير.

(4) هكذا وردت التسمية في «نشوة المدام في العودة الى مدينة السلام» لابي الثناء شهاب الدين محمود الالوسي ص 11 (بغداد 1293).

22

كبير من الرخام الابيض، قيل لنا، انه يضم رفاق القديس يعقوب النصيبي‏ (1) و رأينا كتبا مقدسة، لكن الدود كان قد عبث بها فخرمها. و لم تكن تقام المراسيم الطقسية في الكنيسة على الدوام، و كان الارمن و اليعاقبة يتناوبون في اقامة الطقوس فيها. و في فناء الكنيسة قبور لثلاثة مرسلين (اوروبيين) توفاهم اللّه اثناء مرورهم بهذه المدينة.

ان مياه هذه المدينة غير مستساغة، بالرغم من ان جداول عديدة تمر في أراضيها و تسقي حقولها و مزارعها.

في الثامن و العشرين من تموز مررنا ب «ملالي»Malali و في التاسع و العشرين قدمنا الى قنجا (؟)Cangia و في اليوم التالي نزلنا في البرية، و كان الماء قد شح، و هذا القليل كان عفنا فقد جمعناه من حفر آسنة، فحاولنا تصفيته ... في صباح اليوم التالي مررنا بقلعة متهدمة، اسمها- ان لم تخنني الذاكرة- هيرناجيوني (؟)Hernagioni و كان الماء هناك غزيرا.

لقد حاول مصرف دار الاغا ان يبتز المال منا، فتمصلت من إلحاحه متذرعا بمختلف الحجج، خوفا من ان يقتدي به الخدام الاخرون، ثم فكرت انه من الاحسن ان اقدم له خمسة غروش، لانه اخذ يهدد و يتوعد ...

و بينما كنا نسير في الليلة التالية بانت امام اعيننا معالم مدينة الموصل القديمة و محلاتها المطلة على دجلة. و لما انبلج الصبح دخلت المدينة مع قافلة اخرى كانت تنتظر قرب المدينة. فتركت «الخزنة» و اصحابها في القلعة.

اما نحن و الارمن و بعض انفار القافلة فقد ذهبنا الى خان كان يتولى امره رجل يعقوبي، قدم لنا خدمات مشكورة.

____________

(1) راجع الملحق رقم (4).

23

الفصل الثالث عشر مكوثنا في مدينة الموصل و سفرنا الى بغداد

يمر نهر جدلة بسور هذه المدينة من جهتها الشمالية، و النهر عريض لكنه ضحل و قد نقصت مياهه في هذا الموسم، لانه فصل الجفاف، و لهذا السبب لم يكن بالامكان السفر الى بغداد عن طريق النهر، لا بالقارب و لا بالطواف (الكلك)، و يصنع الكلك من اعواد متماسكة تشد فوق قرب مليئة بالهواء مربوطة الى بعضها بعضا.

عبر افراد القافلة المرافقون للخزنة نهر جدلة و اكملوا طريقهم الى بغداد مساء اليوم التالي لوصولنا، بينما بقيت انا في الموصل تلبية لرغبة رفيق السفر الارمني لكنني، و الحق يقال، ندمت فيما بعد لتأخري عن تلك القافلة، و تكبدت من جراء ذلك بعض الاضرار، بينما استفاد الارمني لكونه تمول ببضائع كثيرة فهبطت تكاليف سفره في طريق البر.

ان الموصل مدينة كبيرة، لكنها لا تقاس عظمة بالنسبة الى نينوى القديمة، التي كانت، حسبما يروون، في الجهة الثانية من النهر، هناك حل الشباب التقي طوبيا (1) و قد اصابها الخراب (يعني مدينة الموصل) كما اصاب مختلف المدن العثمانية، و الحقيقة المؤسفة هي، ان الحكم العثماني اتى الى العالم لا ليبني بل ليهدم، و قد لمست لمس اليد هذا الواقع في كل الاصقاع التي مررت بها خلال سفري، فلم اجد مدينة تستحق الاعتبار، الا حلب، و يرجع الفضل في كون حلب لا تزال جميلة و منظمة الى وجود الفرنج فيها.

____________

(1) يشير الكاتب الى قصة طوبيا كما جاءت في الكتاب المقدس (العهد القديم- سفر طوبيا).

24

زرت في الموصل كنيسة لليعاقبة (1) و يبلغ عددهم 500 (نفس) (2).

و كان مطران الجماعة الكاثوليكية غائبا عن المدينة، فقد حدثت بينه و بين افراد ملته مناقشات، ترك على اثرها المدينة و ذهب الى ماردين.

رأيت كنيسة النساطرة (3)، و هي صغيرة جدا و يبلغ عدد النساطرة في الموصل نحو 1000 نسمة. لكنهم يعدون بكثرة في الجبال القريبة من المدينة، اذ يبلغ عددهم هناك نحو اربعين الفا، يعيشون في مختلف القرى الجبلية، و بالامكان اعادتهم الى احضان الكنيسة المقدسة بجهود بعض المرسلين الغيورين، لكن ابليسا اللعين استطاع، لسبب تافه لا يذكر، ان يبعد الاباء الكبوشيين‏ (4) الذين كانوا في هذه المدينة من اجل تلك الغاية ...

كان المناخ حارا لا يحتمل ليلا و نهارا، فالخان عبارة عن بناء مغلق، و ليس للغرفة نوافذ، ارسلت فاستدعيت بعض اقارب سليمان و ابنه، اما سليمان هذا (5) فقد كان احد مرافقي الاب برنارد ديستل‏P .Bernnardo

____________

(1) لم يذكر المؤلف اسم الكنيسة التي زارها، فلليعاقبة اكثر من كنيسة في الموصل.

انظر: سليمان الصائغ (المطران): تاريخ المصول ج 3 ص 88000 الخ.

Fiey: MOssoul Chretienne P. 631 SS.

(2) لا نعلم ايشير المؤلف الى عدد الأنفس ام الى عدد الاسر، المرجح هو عدد الانفس.

(3) للنساطرة اكثر من كنيسة مهمة و اثرية في الموصل، لا تزال قائمة الى اليوم اقرأ عنها في المرجعين المذكورين اعلاه.

(4) الرهبان الكبوشيون هم من مريدي طريقة القديس فرنسيس الاسيزي. و جاء اسمهم من القلنسوة التي تغطي رؤوسهم (Cappuccio كابوشيو)، و قد قدم بعضهم الى الموصل نحو سنة 1636 ثم اضطروا الى تركها (نصري: ذخيرة الاذهان ج 2 ص 196)، ثم عادوا الى الموصل سنة 1662- 1664 كما ذكر الرحالة تيفنو الفرنسي (مع الشكر للصديق الكريم الاب منصور ليكونت الدومنيكي الذي نقل الينا هذه الملاحظة)، و بارحوها نهائيا نحو سنة 1725.

(5) رجل موصلي من عائلة البناء التقى به سبستياني في نابولي (الرحلة ص 11).

سافر اكثر من مرة الى روما، و توفي في القدس الشريف في نهاية سنة 1669 انظر الهامش 2 و 6 ص 78 من كتاب:

25

Diestel

(1) و استفسرت منهم عن الرجل، فاجابوني ان اخباره قد انقطعت عنهم، فساورني القلق بخصوصه و خفت عليه، اذ كان من المفروض ان يصل الى المدينة قبلي، نظرا لكوني مكثت في مالطة و حلب نحو ثلاثة اشهر.

في 4 آب (1656) تركت الموصل، نحو الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، برفقة قافلة كبيرة، فسرنا بمحاذاة دجلة في اماكن غير مأهولة، و قد انتابني في تلك الليلة شعور الوحدة و القلق، و في الصباح توقفنا قرب النهر في منطقة تكثر فيها الحمامات و آبار القار الاسود، و مياه تلك الحمامات حارة جدا لانها في غليان مستمر (2).

في تلك الليلة مررنا بجهينة (3)Gena و هي مدينة قديمة جدا واسعة الاطراف، لكنها حاليا متهدمة خربة من اساساتها، و لم يبق فيها بيت قائم.

و وجدنا في طريقنا كميات كبيرة من القار، مما اوجب علينا السير بحذر، ثم انزلنا الرحال قرب دجلة، فلمحنا وحشا، لكنه هرب للحال.

و لما عاودنا السير مررنا بسلسلة من التلال تقع بمحاذاة مجرى النهر، و هنا ايضا كان علينا ان نتقدم بحذر و اناة كي نبعد عنا خطر الانزلاق و السقوط في الماء.

ثم توغلنا في بقعة واسعة هي الموضع الذي لاقى فيه اربعون من العسكر الانكشاري حتفهم قبل ايام، فرأينا عظامهم و بقايا جثثهم، فتألمنا جدا لهذا المنظر المروع الذي‏

____________

A. Lampart: Ein Martyrer der Union mit Rom: Joseph I( Einsiedeln- 6691 )

(1) كاهن من اتباع الجمعية اليسوعية، ارسل الى الصين نحو سنة 1658/ (رباط:

الوثائق الخطية 1/ 48) التقى به سبستياني في نابولي و كان يرافقه الاب جيوفاني كوليل و سليمان البناء و ساعاتي الماثي كانوا في طريقهم الى فارس (الرحلة ص 11).

(2) راجع الملحق رقم (5).

(3) جهينة «قرية كبيرة من نواحي الموصل على دجلة و هي اول منزل لمن يريد بغداد من الموصل و عندها مرج يقال له مرج جهينة له ذكر ...» معجم البلدان 2/ 168 و جاء في منية الادباء «.. و اهلها مسلمون عرب» (ص 140) و اضاف محقق الكتاب «و لم تزل خرائبها واسعة و بقربها قرية حديثة باسمها».

26

يفتت الاكباد، و ما كان سبب تلك المأساة الا الحر الشديد و قلة الماء.

واصلنا السير فمررنا ببقعة جميلة تقع الى جانب مياه غزيرة تفرعت عن دجلة، ثم وصلنا الى مدينة تكريت القديمة الواسعة، لكن حالتها الحاضرة تدعو الى الرثاء هذا ما آلت اليه بغداد الثانية.

في الليلة التالية عبرنا دجلة، و كان متاعنا قد قل، و كاد ان ينفد ما حملنا من زوادة من الموصل، و لم نجد محلا نشتري منه زادا. لكن اراكيل قدم لنا شيئا قليلا في اليوم التالي، و كنا لا نزال بالقرب من ضفة الشطر، ثم اكملنا سيرنا في المساء، و عند الصباح وصلنا الى مدينة تركها اهلها كلهم بسبب شحة المياه‏ (1) و لو ارادوا اعادة الحياة الى هذه المنطقة، التي يمكن ان نعتبرها بغداد السفلى، لا مكن ذلك بجر المياه اليها، و هذا العمل يكلفهم نحو 80 الف قرش.

اكملنا سيرنا حتى عثرنا على بعض الآبار، و قد جربنا حظنا بالصيد لنقتات به، و بالرغم من القيظ الشديد فقد مضينا على الطريق بسرعة على امل الوصول الى بغداد في اليوم الثاني. و قد كان بعض الاعراب يختبئون في وسط الخربات ليهاجموا القوافل و المسافرين، حتى بالقرب من بغداد، لكننا كنا حذرين للغاية.

ان بابل الاولى القديمة بعيدة نحو 60 ميلا، و تقع على الفرات، و هي في الوقت الحاضر خراب كلي، فقد تلاشت تلك المملكة التي كانت تلقي الرعب في اسيا كلها، و لم يبق منها الا ذكريات مشينة عن سميراميس و نبوخذنصر و غيرهما من الطغاة (2) بينما قارعت الاجيال ذكرى عطرة عن الفتيان الثلاثة «و النبي» دانيال‏ (3).

منذ بزوع الشمس دخلنا قرية كبيرة تقع في صدر بغداد (4) فأرسلنا التحية

____________

(1) لعل صاحبنا يلمح الى سامراء.

(2) لا نعلم سبب تحامل المؤلف على سميراميس و نبوخذنصر!؟

(3) يلمح المؤلف الى قصة ورد ذكرها في الكتاب المقدس (العهد القديم) نبوءة دانيال الفصل الثالث و الفصل الرابع عشر.

(4) ربما يريد المؤلف موقع الكاظمية.

27

المتعارف عليها بين القوافل عند وصولها الى مدن مهمة، و هي اطلاق عيارات نارية. ثم اتينا الى الجسر المقام فوق قوارب، و هناك التقينا بثلة من العسكر الخيالة، كانت في طريقها الى المدينة لتسلّم الرواتب (نظرا الى ان الخزنة وصلت الى بغداد قبلنا بيومين) فافسحنا لهم في الطريق.

كان على الجسر اربعة من الجنود الانكشاريين مسلحين بهراوات غليظة، و كانت معاملتهم سيئة للغاية، فقد اعتدى احدهم على اراكيل المسكين فضربه و جر شعر لحيته، و سبب كل ذلك ان بغال اراكيل كانت خمسة، لكن الجندي اصر على اعتبارها ثمانية، و ارغمه على دفع الرسوم عن ثمانية احمال و بعد كلام كثير اقنعناه بقرشين و نصف القرش، ثم واصلنا الطريق الى بوابة المدينة حيث رأينا جمعا غفيرا من الناس، فصعب علينا السير، و حاولنا اختراق الصفوف مستعملين العصي تارة، و صارخين تارة اخرى، ليفسحوا في المجال للحصان، اخيرا دخلنا المدينة، فاذا بجندي يهرول في اعقابنا صارخا و مزمجرا طالبا قرشا اخر، و ما تركنا الا بعد ان ارغمني على دفع ذلك القرش، لقد رأيت في صورة هذا الجندي حقيقة سمعته السيئة و قد تجسمت فيه.

وجدت عند ابواب بغداد حراسا متزمتين، اما هياج الشعب و صياحه فحدث عنه و لا حرج، كما رأيت جشعا لا يشبع! اما موظفو الكمرك فكانوا ارمن‏ (1) و هم اكثر تهذيبا و احتراما في معاملتهم، فبعد ان القوا نظرة على امتعتنا، صرفونا و ارسلوا معنا خادما ليدلنا على بيت الاباء الكبوشيين‏ (2) حيث التقينا ببعض البرتغاليين، و براهب فرنسيسكاني هناك في طريق ايابه من الهند قاصدا اوروبا، و كانوا هناك منذ نحو شهر، فبعد وصولنا بيومين تركونا و سافروا مع قافلة سائرة الى ديار بكر.

____________

(1) للمرحوم يعقوب سركيس نبذة عن الكمرك في بغداد فذكر ان موظفيه كانوا أرمن.

انظر مقاله: كمرك بغداد في عهد السلطان مراد الرابع و خلفه السلطان ابراهيم في مباحث عراقية ج 2 ص 231- 242.

(2) راجع الملحق رقم (6)

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

الفصل الرابع عشر مكوثنا في بغداد و سفرنا إلى البصرة

لو قابلنا مدينة بغداد بمدن أوروبا، فانها ليست ذات شأن، لكننا لو وضعناها مقابل مدن اسيا الصغرى، فعندئذ تظهر مكانتها و تكبر قيمتها. ان ابنيتها و تحصيناتها هي أحقر بكثير من اصغر مدننا [في اوروبا]، لكنها في نظر الفرس و الاتراك درع عروشهم المتين، و لذا تتصارع المملكتان عليها، و تستوليان عليها بالتناوب، فيعمدون إلى تقوية حصونها و يدافعون عنها بكل قواهم، و مختصر القول ان المدينة ليست بتلك العظمة التي اشتهرت بها ...

ان اسيا الصغرى بصورة عامة، و جميع الولايات الكبيرة الخاضعة للحكم العثماني، تفتقر الى الجنود، كما ان نسبة السكان هي في هبوط تدريجي، بسبب الحرب مع «جمهورية» البندقية (1) اني شاهد عيان لما اكتبه ...

... تباع الخيول في بغداد باسعار بخسة نظرا لكثرتها، و لذلك عرف بان شراءها هنا يعود بفائدة اكبر نظرا لرخص اثمانها، عما في حلب. و يمكن بيعها من ثم في حلب ...

ذهبت لزيارة سراي الباشا (2)، انه بناء جميل جدا، تتوفر فيه المياه، و فيه حدائق غناء مليئة بالاشجار المثمرة، و يحتفظ الباشا بأسد في حدائقه‏ (3)، و له‏

____________

(1) راجع الملحق رقم (7)

(2) كان والي بغداد انذاك اق محمد باشا (محمد باشا الابيض) 1065- 1067 ه (1654- 1656 م).

(3) كانت الأسود كثيرة الوجود في العراق كما يظهر من الآثار الآشورية القديمة، و يظهر انها كانت لا تزال في عهد سبستياني. و قد ذكرها رحالة اخرون امثال تافرنيه-

30

مجموعة من الجياد الاصيلة، و شاهدت الشرطة الخيالة و هي تتمرن على سباق رمي الرماح، ثم رأيت الباشا نفسه يمارس هذا السباق مع جنوده‏ (1).

يجري عند خروج الوالي من السراي استعراض فخم، فيسير الموكب على صوت الابواق و الطبول، مع ثلة من العسكر الخيالة الرفيعة، و يلبس العسكر و كبار الموظفين ازياء غريبة متنوعة خاصة جلود النمور الرائعة و قماش الاطلس الجميل.

كان الباشا بوسني‏Bosnese (2) انكشاريا، اعني ابن نصارى. و يتألف معظم افراد حرسه الخاص من ابناء مسقط راسه، و كان الباشا يكن للاباء الكبوشيين احتراما كبيرا، لان احدهم كان طبيبا ماهرا، و قد عالجه فشفاه من مرض كان قد ابتلي به‏ (3)، و لذا اخذ الوالي يرسل لهم يوميا صدقة طيبة، و كان قاضي «بغداد» و رئيس الانكشاريين و المفتي يقتدون به «في تقديم الهبات» و لما تراكمت الصدقات و فاضت عن حاجة الاباء اخذوا يوزعونها على فقراء المسيحيين. و يبلغ عدد المسيحيين الكاثوليك في بغداد نحو 30 او 40 (نفسا؟

____________

(العراق في القرن السابع عشر ترجمة بشير فرنسيس و كوركيس عواد (بغداد 1944) ص 72) و كذلك تيفنو (و قد شرعنا بترجمة رحلته الى العربية)، اما الان فلا نسمع بوجود الأسود في العراق.

(1) «... و صار يمارس الصيد و يقضي اوقاته بالنزهة هنا و هناك» كلشن خلفا ص 250، «و كان اذا أبل من مرضه خرج الى الصيد و ركوب الخيل و ما الى ذلك من وسائل الرياضة البرائية. و كان ذا حظ كبير في الشجاعة المعنوية ...» كوك: بغداد مدينة السلام ج 2 ص 46- 47، عباس العزاوي: تاريخ العراق بين احتلالين ج 5 ص 54.

(2) مقاطعة جبلية في البلقان، سكانها صقالبة. خضعت فترة طويلة للحكم العثماني حتى سنة 1878، و هي الآن احدى جمهوريات يوغسلافيا المتحدة.

(3) اجمع المؤرخون على ان الوالي ابتلي بامراض مختلفة، جاء في كلشن خلفا ص 250 «من سوء طالعه ... انه قضى النصف الاول من مدة حكمه بالامراض».

و كذلك كوك المرجع السابق، و لونكريك: اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث ص 111. اما شفاؤه فان مؤلف كلشن خلفا ينسبه الى درويش صوفي اسمه مصطفى دده الخراباتي، و هذا ما يقوله ايضا العزاوي: المرجع المذكور ص 52- 53.

31

اسرة؟) و قد «توسط الاباء لدى الوالي» فانقذوا المسيحيين من دفع ضريبة كبيرة كان الباشا نفسه قد امرهم سابقا بتأديتها (1).

تتألف الجماعات المسيحية الاخرى في هذه المدينة، من ارمن و يعاقبه و نساطرة، و هم باجمعهم لا يتعدون 200 «نفس»، و كثيرا ما يذهبون الى مصلى الاباء الكبوشيين، الواقع داخل حرم ديرهم.

يطرق باب الدير يوميا عدد كبير من المرضى يطلبون العلاج، اذ ليس للاتراك اطباء .. عندما حل يوم عيد انتقال العذراء (2) احتفلنا منذ عشية العيد بفرح و سرور، بالرغم من شدة الحر و في اليوم الثامن عشر «من اب سنة 1656» تركنا بغداد، و استقللنا دانكا (3) تمخر في دجلة، و كانت وجهتنا البصرة املين العثور على مركب يبحر الى الهند (4) و نظرا الى ان شوقي كان عظيما للوصول الى هدفي في اسرع وقت. لذلك عدلت عن خطتي السابقة، فقررت ان ازور فارس في طريق العودة.

ذهبت لالقي السلام على اراكيل، فاستمهلني يومين حتى نسافر سوية، و من ثم استقل مركبا اخر، لكن هذا التريث سيؤخر سفري «الى الهند» عدة اشهر.

____________

(1) يذكر لونكريك ان التساهل الديني في عهد الوالي اق محمد باشا كان منتشرا، فكنيسة النساطرة مفتوحة، و الارساليات الاجنبية حرة في تصرفاتها، (المرجع المذكور ص 113).

(2) يقع هذا العيد في الخامس عشر من شهر اب من كل عام‏

(3) الدانك ضرب من السفن الشراعية، يجمع على دوانبك و دوانيج (بباء بعد النون) و جاء ذكر الكلمة بصورة دونيج و جمعها دوانيج في كتاب عجائب الهند لبزرك بن شهريار الناخذاه المتوفي في المائة الرابعة للهجرة. (عن يعقوب سركين: العمارة و الكوت في مجلة لغة العرب 8 (1930) ص 504) انظر ايضا حبيب زيات:

المراكب و السفن في الاسلام «دونيج وردت في احسن التقاسيم (32) و في كتاب عجائب الهند (29) قال: رموا بانفسهم في الماء و تعلقوا بالقوارب و الدوانيج» مجلة المشرق 1949 ص 334.

(4) لان غاية الرحلة هي الوصول الى الهند.

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

لقد جاد من اوصى بي خيرا عند ربان الدانك، و انا بدوري حاولت كسب رضاه، فاعطيته المال الذي طلبه مني. و لذا اصبح مهذبا جدا في علاقته معي. و من ناحية اخرى، كان للاباء المذكورين براءة سلطانية، و منها نسخة طبق الاصل مصدق على صحتها من قبل والي بغداد، لذا طلبتها منهم، و وعدتهم باعادتها اليهم من البصرة في فرصة سانحة و كانت البراءة المذكورة جزيلة الفائدة لنا.

كان معنا على ظهر الدانك اتراك كثيرون، و دراويش و تجار و جنود انكشاريون، و جماعة من البدو و الهنود، و قسيس نسطوري و اخر يعقوبي، و كاهنان أرمنيان، تقدم احدهما منا منذ بدء السفر ليكون ضيفا علينا بحجة واحدة من عادات البلد «اعني الضيافة الشرقية!». و كان القسيس ياتي عندنا احيانا، ليطلب بلباقة ما يحتاج اليه.

في الايام الثلاثة الاولى كان تقدمنا بطيئا، و كنا نسير بمحاذاة الشاطى‏ء، فرأينا قرى عديدة، و كان الربان رجلا عربيا متعجرفا جدا، و يدعي في غطرسته انه الشخص الوحيد الذي يملك سر فن قيادة المراكب، و لكن لم يمر وقت طويل حتى ظهر جهله المطبق في هذا المضمار، فقد كان التيار يسيره، و كان يصطدم من وقت الى اخر بضفة النهر او باليابسة، و ما اكثر ما كان الكوثل‏ (1) يتحول الى الامام!

و في اليوم السادس من سفرنا اصطدم الدانك بمرتفع رملي، فدعا الربان جميع المسافرين لمساعدته و لما تململ بعضهم، اضطر جنديان الى ضرب المسافرين و ارغامهم على النزول الى النهر لتخليص المركب: و طلبوا مني ان انزل أنا ايضا لكنني امتنعت لاني كنت مريضا، فقد كنت اشعر بالم حاد في الكلى و المعدة، فاسرع الربان نفسه لنجدتي، فبقيت انا ورفاقي فوق المركب، و ذهبت الجهود التي ابداها القوم ادراج الرياح، فكان من الضروري ان ننتقل الى دانك اخر، فحولوا الامتعة و الاموال، و انتقلت انا وزملائي الى المركب‏

____________

(1) الكوثل: مؤخرة السفينة.

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

الجديد مع نساء بدويات عديدات، و في هذه الاثناء سقطت عليّ خشبة غليظة فضربت جنبي الايمن فآلمتني جدا، و في المكان الجديد اصبحنا دون غطاء يقينا الحر، فاحرقتنا الشمس اذ كانت في كبد السماء.

اكملنا انحدارنا بدانكنا الجديد، حتى استطاع الاخرون تخليص الدانك الاول، و في طريقه الينا عاد فاصطدم من جديد بجزيرة صغيرة تكونت على اثر تحول مجرى النهر قليلا ليعود من ثم الى مجراه الاول. و هكذا توقفنا مرة اخرى و قد ملأ السأم و الغضب قلوبنا. و يرجع السبب في بطء سير الدانك الى ان اخشابه قديمة جدا و بناءه بدائي، كما ان عدد الركاب كان كبيرا.

لقد كان للدانك مجذافان فقط، يتكون كل واحد منهما من ثلاث قطع، اما الصارية فمن تسع قطع او عشر، و هكذا القلوع، اما الدفة فمن ست او سبع!! و كان محملا بالاتراك و الجنود و الاعراب و اخرين، بلغ عددهم نحو مئة نفر، و لذا كنت اطلق على الدانك اسم «قارب شارون» (1)Barca di Caronte لكثرة عدد المسافرين و ضجيجهم. اما القتال فيما بينهم فحدث عنه و لا حرج، و كم من مرة ادى عراكهم الى اسالة الدماء!

في اليوم السابع من سفرنا دفعتنا الريح الى ضفة النهر اليمنى، فرأينا بدوا كثيرين و قد اختبأوا وراء الاعشاب و الادغال التي نبتت بكثرة على ضفاف النهر، و كانوا قد اعدوا اسلحتهم، فتأهبنا لمناجزتهم و اعددنا اسلحتنا، فلما لاحظوا استعدادنا لمجابهتهم، و رأوا افواه البنادق موجهة نحوهم، لم يهجموا علينا بل تقدموا نحونا و القوا علينا السلام، فابعدناهم خوفا من تفاهم مسبق و مكر مبطن بينهم و بين البدويين الراكبين معنا، قد ينتج عندها ما لا تحمد عقباه.

كنا نمر باراض شاشعة لا حياة فيها، و في اليوم العاشر مررنا بقرية

____________

(1) ان «شارون» في الاساطير اليونانية القديمة، هو ربان المركب الذي يحمل الهالكين الى جهنم النار، و كان يتقاضى من كل مركب شيئا. و من هناك كان الاقدمون يدسون في فم موتاهم قطعة نقدية قبل ان يواروهم الثرى، ليكونوا على استعداد عند ملاقاتهم بشارون! كما ان شارون كان يرفض نقل ارواح لم تدفن اجسادهم باحترام ...

36

مأهولة بالسكان فاشترينا منها متاعا. و بعد مسافة انقسم النهر الى فرعين.

اما الفرع الاول فكان يفقد مياهه اذ تتبدد في الاراضي الواسعة، فيمسي بعد مسافة جدولا صغيرا تتكاثر في وسطه الجزيرات، و اخيرا يعود ليلتقي بالفرع الثاني في القرنة و يجتمع بالفرات قبل ذلك بقليل.

كان خادمنا موسى قد خبأ في اليوم التالي محفظة احد رفاقي و فيها 30 قرشا، و كان في نيّته ان يصرفها في شؤونه الخاصة. فاعتقدوا ان احد الركاب قد سرقها، فاخبرنا الربان و طلبنا من الجنود ان يحاولوا العثور عليها، ففتشوا بتدقيق كبير، مستعملين التهديد و الوعيد. اخيرا اقر موسى بانه هو الذي اخذ المحفظة ليلقن الاب (حسب قوله) درسا في كيفية المحافظة على النقود! فشعرت اني في ورطة عظيمة، فاذا اعلنت اسم السارق فاني سأعرضه الى خطر جسيم، ففضلت ملازمة الصمت، و فكرت بانه من الاحسن ان يكملوا التفتيش حتى ييأسوا.

لكن الامور اخذت تتعقد بالاكثر، فقد بدأ الراكبون يتراشقون تهمة السرقة، فوقفت في الوسط لاعلن باني اعتقد ان الركاب جميعهم شرفاء، و اني اشك في كون المحفظة قد سقطت في الماء، و لذا اود ان يكفوا عن التفتيش، و اذا حدث و ان عثر احد عليها فليأخذ منها خمسة قروش و يضعها من ثم في محلها اثناء الليل، و على اثر ذلك، اخذ الركاب يستفسرون منا في الايام الثلاثة التالية عما حدث في المحفظة، فكانت اجوبتنا مبهمة لا نعطي فرصة للتشكيك بأحد، و اخذوا يراقبون مجلسنا ليروا كل من يتوجه اليه، و كنت اريد ان ابعد انظارهم عنا، او ان في حوزتنا كمية من المال (و المال، و الحق يقال، ضروري جدا اثناء السفر في تلك الاصقاع). و كان بامكاننا ان نقترض المال عند الحاجة، لان للقوم فكرة طيبة عن الافرنج و ثقة كبيرة بالرهبان، و على اثر هذا الحادث اصبح الجند اكثر تهذبا معنا، بينما اخذوا ينظرون نظرة شك و ارتياب الى الاخرين لانهم فرحوا بفقداننا المحفظة. و كان هذا الموقف الجديد مفيدا لنا. و كان هناك عسكري انكشاري من بوسنة، يطيب له تفقدنا، و كان يجالسنا، بالرغم من عدم تمكننا من التفاهم معه بسبب جهلنا اللغة.

37

الفصل الخامس عشر معاكسات البدو

في اليوم التاسع العشرين (من آب 1656) مررنا بقريتين كبيرتين هما العمارةElemara و المنصوريةMansuria و في اليوم التالي هبت ريح قوية فاقتربنا من ضفة النهر. و كانت هناك خيام للاعراب، فاذا بهم يجتمعون و يتجهون نحو النهر، فشككنا بنواياهم، لذا اعددنا السلاح و اتخذنا اماكن الدفاع. و في هذه الاثناء ارتطم المركب بالقعر، فاضطر المسافرون الى النزول الى الارض، اما الذين تباطأوا في النزول فقد ارغموا على الاسراع بقوة العصي ... اما انا فقد ذهبت الى مكان قصي، و جلست في ظل بعض الشجيرات. فاكتشف وجودي نساء بدويات كن مستلقيات في الظل، فاخذن يصرخن صراخا مزعجا كأن الجن قد مسهن، و علا عويلهن، و حاولت تهدئدتهن بايماءات، لكنهن ازددن صراخا، فانسحبن للحال. و قد حدث لزملائي ما حدث لي فاسرعوا بالعودة الى المركب. ثم ارسلنا خادمنا ليستفسر عن سبب العويل، فكان الجواب، انهن صرخن طالبات النجدة، و انهن ظنن اننا سنسرق اساورهن الفضية، و قد اردن بصراخهن ان يسمعن ازواجهن فيهبوا للدفاع عنهن و يمزقونا اربا اربا!

عدنا الى المركب، فسار بنا فترة من الوقت في وسط النهر ثم توقف في الليل، و قد ارسل قائد مركبنا هدايا لشيخ الاعراب في تلك المنطقة ليتفادى شره، و بالرغم من ذلك فقد كنا حذرين طوال الليل، و اعددنا اسلحتنا للطوارى‏ء و في نحو الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ظهر الاعراب على شاطى‏ء النهر و بانت مشاعلهم، فتهيأنا لمجابهتهم و الدفاع عن انفسنا، لكنهم صرخوا قائلين ان شيخهم أرسلهم للمحافظة علينا، فاطمأننا قليلا و قبل بزوع‏

38

الشمس سمعنا صراخا و عويلا، فنهضنا فزعين معتقدين ان مركبنا وقع لقمة سائغة في ايدي الاعراب، ثم فهمنا ان النساء البدويات المسافرات معنا كن مصدر الصراخ، و سبب عويلهن ان الرجل اليعقوبي اقترب من محلهن ليسترجع عمامته و بعض امتعته التي سرقتها احدى النساء! هدأ الصراخ موقتا، ثم عاد بعد فترة قصيرة اكثر حدة، فقد صعدت المراة البدوية فوق مؤخرة السفينة و بدأت عويلا طويلا و اخذت تصرخ و تدعو زوجها الذي كان قد نزل الى اليابسة مساء اليوم الاسبق، طالبة النجدة و الثأر متهمة الشاب بالاعتداء على شرفها. و لم يكن بالامكان تهدئتها، فقد كانت تزداد صراخا و عويلا.

و اذا بالاعراب المتمركزين عند الشاطى‏ء اخذوا يزحفون للقتال، فقد طلب زوج تلك المرأة النجدة من شيخ تلك المنطقة ليهب للدفاع عنه و عن شرف زوجته.

فصوبوا الينا بنادقهم و وجهوا نحونا سهامهم، و اذا بتاجر مسلم اسمه يوسف، رجل شهم و وقور، قام من مجلسه و رمى بنفسه الى الماء محاولا تهدئتهم، متعهدا بان يقدم اي شي‏ء لترضيتهم، ثم صعد الربان الى المركب، و قال باسم شيخ العرب، بانه يأمر بحضور البدوية و الشاب اليعقوبي الى مجلسه ليحاكمهما، نظرا لكون الجريمة وقعت في منطقته، و الا فان الاعراب سيقضون علينا، و عندئذ احاط الاعراب بنا من كل الجهات ...

عندئذ هبط ربان الدانك مع بعض انفار العسكر فقادوا الشخصين المتخاصمين، و تبعهم مسافرون كثيرون بعد ان اقترب الدانك من شاطى‏ء النهر.

اما نحن فقد لزمنا موضعنا و السلاح في ايدينا و تأهبنا للدفاع ... و قد ارسل الشيخ ابنه و رجلا من اتباعه، فاتوا على خيولهم الى حيث تجمع الاعراب لتهدئتهم و منعهم من الهجوم.

نزل بعض الراكبين الى الساحل، و في نزولهم فقد احدهم عمامته، بينما اضاع واحد اخر سيفه، فعلا الضحك و الاستهزاء و عمت الفوضى، و بعد محاكمة شكلية، حكم الشيخ الظالم على الشاب بانه مذنب، و هذا ما يحدث‏

39

غالبا، كما يقول المثل «اللاتيني»: «يذنب الواحد و يتهم الآخر» فأمره الشيخ بدفع غرامة قدرها سبعة قروش نقدا، و ثلاثة قروش هدية، اضافة الى اشياء اخرى يقدمها الى الاعراب البارزين في القبيلة. و كان من الضروري ان يصعد اربعة من رجال الشيخ الى المركب باسم سيدهم، ليعيدوا الهدوء و الامن و يسكتوا الاعراب المتجمعين على ضفتي النهر. لقد افهمنا هذا الحادث فداحة الخطر الذي كنا فيه يوم امس عندما صرخت البدويات علينا!

لقد وعد كبير القوم بني قومه «أو طائفته» لانهم كانوا يحملون شعارا، اعتادوا على اخذه خلال اسفارهم، و الشعار هو عبارة عن قطعة من النحاس مزخرفة و قد نقش عليها اسما «اللّه و محمد»، و القطعة المذكورة مثبتة على بيرق، فحيثما ينزلون الرحال ينصبون البيرق عاليا، و يقدمونه للتقبيل و التبرك، و يؤكدون ان المؤمنين ينالون به الشفاء من الامراض و الجنون ...

عادت البدويات في اليوم التالي الى الصراخ، لان اليعقوبي نزل من جديد الى مجلسهن، ليسترجع بعض البطيخ «الرقي» الذي سرقته المرأة نفسها، انها و الحق يقال تشبه الباشق و المسخ! و تحول المركب من جديد الى هرج و مرج، و تراشق الطرفان التهم و المسبات فغضب الاخوان الانكشاريان و هجما على الشاب و اشبعاه ضربا و لكما و تشتيما، و لم يتخليا عنه الا بعد ان تركا اثرا للحادثة على عينه! و كانا يلحان عليه كي يعلن اسلامه، لانه اعتدى على احدى نسائهم ... و كان المسكين يدافع عن براءته و ينفي نفيا قاطعا كونه اقترف الاثم المذكور، و هنا دافع عنه، للمرة الثانية التاجر يوسف و خلصه.

و على اثر هذا الحادث امتنع الجميع عن مخالطته او التحدث معه او حتى النظر اليه، و اخذوا يتهمونه بسرقة محفظتنا. فاخذنا نرسل اليه ما يقتات به، و دعوناه للجلوس معنا، عطفا عليه و من اجل ابعاد شبهة السرقة عنه.

في اليوم الثاني، دعا القسيس النسطوري ذاك الشاب اليعقوبي، لانه كان في خدمته، و حثه على تقديم هدية للتاجر الذي دافع عنه اعترافا منه بجميله، و رضي الرجل بشي‏ء قليل رمزي، لكن المسافرين الاخرين تدخلوا و اقنعوا التاجر ان لا يقبل باقل من خمسة قروش، و اخيرا ارتضى بقرشين قدمهما

40

الشاب مع الف شكر و تقبيل الايادي، ليس يد التاجر فحسب، بل ايادي الجنديين الانكشاريين اللذين ضرباه، فاكمل المسكين هذه المراسيم و لسان حاله يردد المثل «أقبل ايادي اتمنى بترها»!

41

الفصل السادس عشر تكملة السفرة الى البصرة

في الايام الاولى من شهر ايلول مررنا بقريتين هما: المجرMaggiar و قصر (؟)Casser . و حدث هنا ان اقترب منا مركب قوي مزود باسلحة على متنه تاجر ارمني حلبي الاصل، قادم من اسطنبول و قبلته البصرة، و كانت غاية سفره استعادة مقدار من المال يبلغ مائتي الف قرش من والي البصرة كان قد اقترضها من اخيه. فدعا احد التجار الذين كانوا معنا، و هو تاجر مسلم حلبي ايضا اسمه جبريل (او عبد الجبار؟(Agebrail) فتمنيت ان انضم اليهم لاصل البصرة باسرع وقت، لاني كنت اخشى ان اتأخر فلا اجد سفينة تقلني الى الهند. لكن صاحب المركب اعتذر متذرعا بان لا مكان عنده على المركب، فبقيت حيث انا اتألم من الضجر و الكسل و الفوضى، و تكرر ارتطام مركبنا يوما بعد يوم و كان الركاب يضطرون الى دفعه. و لذا كانوا يتذمرون، و اخذوا يجاهرون بانهم لن يدفعوا اجور السفر لانهم عوضوا عنها بأتعابهم، و كادوا ان يعلنوا العصيان على ربان الدانك و على العسكريين.

و لما قاربنا منطقة البصرة، لاحظنا تأثير المد و الجزر في النهر، بالرغم من بعدنا عن البحر اكثر من مئة ميل (فالاراضي العربية في تلك المنطقة منخفضة جدا). و كان اصحابي قد نزلوا الى اليابسة لارتطام الدانك من جديد، و باءت المحاولات المتكررة لدفعه بالفشل (كما حدث سابقا اكثر من مرة).

و بعد مدة دفع تيار الماء الدانك الى مكان بعيد في الضفة الثانية، فاضطر الركاب الى خلع ثيابهم و عاموا في النهر مع بعض الاعراب بعد ان تعلقوا بقطعة من الخشب، و ذهبوا الى حيث كان الدانك، و كانت حركتهم بطيئة بسبب انحسار الماء على اثر الجزر، و كانت الارض هناك طينية.

42

ان نهر دجلة بعد ان يتلاشى و يضمحل جدا .. يعود ليسترجع قواه الضائعة و انحداره الجارف، فيسير متبخترا وسط صفوف من النخيل و الاشجار المثمرة المختلفة، و تقوم على جانبيه قرى صغيرة و قلاع متناثرة شيدت باللبن، من هذه القرى‏ (1): بني (خالد؟)Beini و الدكةDechi و (؟)Amma و المنصورية (او بني منصور؟) و القلاع‏Cala او مدينة محمد بن السلطان (لعلها ديار بني محمد!)Mametto figlio del Soldano و المدينةMedina و تقابلها الفتحية او الفتحةElfataia و اخيرا القرنةGorna حيث يلتقي دجلة بالفرات، بعد ان يخلفا بحيرات (اهوارا؟) واسعة على طريقهما، و اخيرا يتنازلان عن اسميهما، ليتخذ النهر الجديد المتكون من اتحادهما اسما جديدا هو حسبما يذكر حزقيال نهر «كوبار» (2) في شط العرب، و هو بالحقيقة نهر عظيم، و جدير بالملاحظة ان هذا النهر في انحداره نحو البحر يحافظ على مياه دجلة عن يساره و على مياه الفرات عن يمينه.

قرر القبطان ان يتقدم الى البصرة ليدفع ضريبة المكس عن البضائع التي يحملها في قاربه، و عن الاخرين، لكن الرياح هبت بقوة فمزقت الشراع من اعلاه الى اسفله و دفعتنا بعيدا، فجاء رجال الكمرك هناك ليستوفوا الرسوم، و لم يلقوا نظرة الى امتعتنا، فقد اعتبرونا دراويش فرنجيين،) و هذه عادة الكمارك العثمانية في معاملتها رجال الدين).

تحيط القرنة اسوار شيدت باعتناء بالغ‏ (3)، لكنها ليست ذات شأن لأنها

____________

(1) ان هذه القرى هي الجزائر المتكونة من سواعد شط العرب: علي ظريف الاعظمي:

تاريخ البصرة ص 130 في الهامش، علي الشرقي: الجزائر: لغة العرب 4 (1927) 526.

(2) يلمح المؤلف الى نبوءة حزقيال 1: 1 في الكتاب المقدس حيث قال «في السنة الثلاثين ... و انا بين الجلاء على نهر كبار ...».

(3) يقول الاعظمي في سياق كلامه على الحرب بين حسين باشا والي البصرة و مرتضى باشا والي بغداد سنة 1063- 1064 ه «فاستعد (حسين باشا) للحرب و حصن القلاع خصوصا قلعة القورنة» المرجع نفسه ص 131.

43

من الطين، و القرنة بلدة كبيرة على ما تظهر، و موقعها مهم نظرا لكونها مشيدة امام هذا النهر الواسع العظيم، والى يسارها فرع كبير من دجلة اذ يلتقي هناك من جديد ...

عند الاصيل نشرت الاشرعة على الصواري، فعاد الدانك يمخر عباب النهر، و لم يكن النهار صحوا، فقد هبت عاصفة، ظننتها في اول الامر كالضباب الكثيف، ثم ظهرت على حقيقتها، فاذا بها عاصفة رملية (و هذا امر عادي في ضواحي البصرة خلال اشهر الصيف). اما الليل فقد كان هادئا جدا، و كان بامكاننا ان نرى على ضوء القمر حركات غريبة كان يقوم بها درويش هرم تدل على انحراف في مسلكه ...

لقد لاحظت المسلمين خلال مدة سفري كلها، ابتداء بمدينة طرابلس والى البصرة انهم يؤدون الصلاة يوميا، منذ الصباح الباكر عند نهوضهم، ثم في منتصف النهار، و في المساء عند الغروب، و هم يصلون بسجدات و ركعات و انحناءات متكررة و لم يتأخروا عن موعد اداء الصلاة، فكانوا ينزلون عن الخيل و يتركون كل عمل اخر من اجل القيام بالصلاة ... و للمسلمين ادعية كثيرة و اوراد يرددونها دائما و نحن في المركب، يطلبون السفر الميمون الموفق ...

اخيرا مررنا بقرية «العين»Lain الصغيرة، و بجزيرة يقوم عليها بستان الوالي، فرأينا عن بعد و الفرح يغمر قلوبنا، مراكب الافرنج، ثم وصلنا الى اسوار جديدة جميلة، لكنها من الطين ايضا.

و يعتقد امير البلدة (واليها) ان بامكانه ادارة البصرة و الدفاع عنها بواسطة هذه الاسوار، و هو يقيم في قلعة كردلان‏ (1) و هي حصن لا باس به.

و بعد ان وزعنا الحلوان (البخشيش) حسب العادة، استقللنا قاربا صغيرا، سار بنا في القناة لان المدينة لا تزال بعيدة نحو ميل، و هكذا بعد سفر

____________

(1) لا تزال معروفة و تعني ارض التل او مأوى التل. و تقع قرية كردلان في الجانب الشرقي من شط العرب في مقاطعة تنومة و هي تجاه البصرة تماما.

44

نهري استغرق 21 يوما، وصلنا الى البصرة في السابع من ايلول، و هو عشية عيد ولادة سيدتنا مريم عليها افخر السلام ... فاستقبلنا الرهبان‏ (1) بفرح لا يوصف.

____________

(1) يتكلم عن الرهبان الكرمليين، انظر الملحق رقم 8.

45

الفصل السابع عشر مكوثنا في البصرة

قدم لزيارتنا في الدير، كثيرون من المسيحيين الجدد، الذين اقتبلوا العماد في كنيستنا، و هم من نصارى القديس يوحنا (1) و يكثر هؤلاء في تلك المناطق. و ليس لهم اسرار مقدسة و لا شريعة دينية، بل يعيشون على الفطرة، و قد ملأت الاساطير و الخرافات عقولهم ....

تقع البصرة في بلاد العرب الصحراويةArabia deserta و هي مدينة كبيرة، لكنها ليست جميلة، و هي غنية بالبضائع التي تردها من بلاد العرب و من اوروبا و ايران و الهند (2) و تكثر فيها الفواكه على انواعها، و الحمضيات بصورة خاصة، و يسكنها شعب من مختلف الاقوام و الجنسيات ...

ان حاكم البصرة «أي الوالي» هو في الواقع ملك مستقل اكثر من باشا عادي خاضع للسلطان. فقد اصبح دست الولاية وراثيا، و لذا فانه يدير شؤون المنطقة حسب هواه. و نظرا الى ان جيشه لم يكن قويا عدة و عددا، كما ان ولايته واقعة بين مملكتين جبارتين اعني العثمانية و الفارسية، فلكي يكسب رضا الطرفين و صداقتهما، و لكي يهرع لنجدته احدهما اذا ما حاربه الطرف الاخر (3)، لذا كان يدفع جزية الى الطرفين، و في الوقت نفسه كان يجتهد في‏

____________

(1) يريد الصابئة المندائيين و سيعود الى الكلام عليهم في الفصول اللاحقة، و هو يعتبرهم فرقة نصرانية، و هذا و هم وقع فيه هو و بعض معاصريه كتافرنيه (انظر رحلته ص 100)

(2) ذكر الاب غودنيهو اليسوعي عن البصرة 1662 انها «اعظم سوق تجاري في هذه البحار» عن لو نكريك: اربعة قرون ص 142.

(3) جاء في كلشن خلفا عن حسين باشا والي البصرة انه اعتمد اكثر من مرة على-

46

تعزيز مركزه و يحصن مدينته و يقيم علاقات جيدة مع الافرنج ليتخلص من «ضغط» المملكتين‏ (1).

و كان الرجل يكن للرهبان احتراما و حبا، و يتحدث معهم كاصدقاء.

و كان تجار البلدة من مسلمين و هراطقة (2) و غرباء يزورون الدير و يطلبون مساعدة الرهبان لتمشية امورهم عند الوالي، و حدث قبل فترة و جيزة من وصولنا اننا ربحنا دعوى بواسطته ضد الاتراك انفسهم، فقد شيدوا مسجدا بالقرب من كنيستنا و عندما فرغوا من بنائه طلبوا هدم الكنيسة، بحجة ان الشريعة تأمر بذلك، و لهم مسجد اخر خارج المدينة باسم عيسى و مريم لان المسلمين يكنون احتراما عظيما للمسيح و لأمه مريم كما ورد في القرآن.

قبل مدة قصيرة، مرت من هناك قافلة مؤلفة من عدد كبير من الابل و الخيول، تقصد مكة، ان المسلمين يعتقدون ان من يقضي نحبه و هو في طريق الحج يعد سعيدا، و من يصل الى هدفه فانه يتقدس و طوبى لمن يموت و هو في مكة. كثيرون هم الذين يأتون كل سنة الى الحج من مختلف الأمصار: من اسيا و افريقيا و حتى من بعض جهات اوروبا ...

عندما قدمنا الى البصرة، وجدنا في الميناء سفية هولندية جميلة تستعد للاقلاع، و اسمها فليخلاندFlichland و كانت وجهتها سورات‏ (3)Suratte

____________

الايرانيين لمقاومة السلطة العثمانية (المرجع المذكور ص 249 و 265- 266 و 272).

(1) قال لو نكريك ان الوالي كان متساهلا مع الاقليات النصرانية الضعيفة (المرجع نفسه ص 139).

(2) الهراطقة في رأي المؤلف هم نصارى غير كاثوليك من ارثوذكس و بروتستانت، و الكلمة في اليونانيةHeresis .

(3) سورات من موانى‏ء الهند، اول مكان استولت عليه شركة الهند الشرقية الانكليزية في القارة الاسيوية و اتخذته مقرا لها و منطلقا لتوسعها، و قد انتزعته من ايدي البرتغاليين بعد معركة دامية سنة 1612، و في السنة التالية حصلت الشركة من حاكم الميناء على اذن بانشاء معمل للحرير.

47

فقررت السفر بها دون تأجيل الى فرصة اخرى (كما كان يحاول اقناعي بعض رفاقي بحجة الاستراحة من و عثاء الطريق). لكنني كنت اقول لهم «ان السفر ضروري، اما الحياة فلا». فاتصلنا بقبطان السفينة و بموظفيها الهولانديين، و دعوناهم الى زيارة الدير، فاظهروا استعدادهم لتسفيري.

و كانت في حوزتي امانة القنصل الانكليزي «في حلب» و هي قطع ثلاثة من الزمرد. فسلمتها الى الاب مدبر الدير ليرسلها الى ايران، و هكذا تخلصت منها، لاني كنت طول الطريق خائفا عليها من الفقدان، و كنت قد ضممتها مع دراهمي و الكتب الرسمية بكل عناية، و كنت اغير مخبأها من وقت الى اخر خوفا من وقوعها بيد الغرباء، فقد اقتل اذا ما اطلع احدهم عليها، لاني كنت احمل كتابا الى شاه فارس و هو عدو السلطان العثماني، ولي كتاب موجه الى ملك المغول و هذا بدوره عدو الشاه الفارسي!

اتخذت خادما جديدا ملباريا يدعى نيقولا، و كان منذ اربع عشرة سنة عند الاباء الرهبان، منذ ان حرروه من الرق و اعادوا اليه حريته، اما موسى فقد تركته ليعود الى اهله لانه لا يفيدني في السفر الجديد و قد اعطيته ما يسره ثم ابدلت ثيابي التركية و ارتديت الثوب الرهباني.

في اليوم الحادي عشر اخذني رفاقي في زورق الى حيث كان الهولنديون، و كان يتبعنا عن كثب قارب عليه مسلمون ايرانيون يقرعون الطبول و يزمرون على الناي، فذهبنا من المدينة الى السفينة، و بعد ان صعدنا اليها، بلغنا سلام زورقنا و قارب الايرانيين، و هو عبارة عن طلقات نارية توديعية.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

الفصل الثامن عشر الإبحار الى كومبرو في فارس و التوجه الى سورات في الهند

رافقنا كثيرون الى المركب، منهم الاب كازميرو الكرملي، احد رهبان ديرنا (في البصرة) و كان عالما فاهما يتقن لغات عديدة، و هو هولندي الاصل، و كان الهولنديون يكنون له احتراما كبيرا، و قد اخلوا السبيل قبل ايام عن احد البحارة الذي كان مسجونا عندهم، نزولا عند طلبه.

في اصيل ذلك اليوم نشرت الاشرعة للريح، فسارت السفينة تمخر عباب الماء حسب اشارات بعض الادلاء الذين كانوا يسيرون امامها ليتحسسوا قاع النهر.

صباح اليوم التالي توفي احد البحارة اذ كان مريضا، فدفن في احدى الجزر الصغيرة، و هذه الجزر تقسم النهر الى اربعة فروع، فدخلت الخليج الذي يبعد عن البصرة نحو اربعين ميلا، السفينة في احد هذه الفروع، و نحو الظهيرة ولجنا ثم عبرنا جزيرة يعقوب (و يزعمون ان يعقوب- (عليه السلام)- كان هنا) فسرنا الى الامام، حتى وصلنا في اليوم التالي الى جزيرة خرق (؟)(Carrach) و هناك تركنا الادلاء لمصيرنا و عادوا ادراجهم، و قد رأينا جزرا عديدة حتى وصلنا الى ميناء كومبرو «بندر عباس»، و هو ميناء يقوم على اليابسة يبعد نحو فرسخ عن هرمز ... فاطلقت سفينتنا طلقات التحية للقلعة الجاثمة هناك فجاءنا الجواب على التحية من مركب انكليزي كان راسيا هناك، و قد نظرت من السفينة الى «جزيرة» هرمز (1) التي كانت حتى فترة قريبة بيد البرتغاليين،

____________

(1) جزيرة تقع في الخليج العربي، عند المضيق المسمى باسمها، احتلها البرتغاليون في مطلع القرن السادس عشر. و عندما قويت شركة الاسطول الانكليزي اخذ يتحرش-

50

و موقعها مهم جدا، بل هي اشهر منطقة تجارية في العالم، و قد قالوا عنها «لو اعتبرنا العالم خاتما، فهرمز هي حجرته الكريمة». و قد استولى العاهل الفارسي عليها بمساعدة الانكليز، فقلت على اثر ذلك اهميتها و فقدت شهرتها، و قد كان هناك حصن قوي يحيط به خندق ملي‏ء بالماء، و كان في السابق مجهزا بنحو 300 مدفع، فأصبح اليوم بسلاح قليل، اذ نقل السلاح القديم الى اصفهان مع النواقيس الكبيرة التي «اشتراها؟» الاباء الاغسطينيون‏ (1). و كان الانكليز قد علقوا آمالا عريضة على هذا الموقع عندما ساعدوا الشاه الايراني في الاستيلاء عليه، فخابت آمالهم، و نعم ما حدث! لذلك ندموا كثيرا على ما فعلوا و على اثر استيلاء الفرس على هرمز انتقلت الحركة التجارية الى كامبرو (بندر عباس)، لكن شتان بين هذا الموقع و ذاك. فهذا مكان متهدم ضيق، و مناخه حار جدا و الجفاف فيه كبير .. «و ذاك بالعكس».

____________

- بالبرتغاليين، ثم رأى الشاه عباس الاول ان احتلال البرتغاليين للجزيرة يقلل من هيبته، فطلب من الانكليز ان يساعدوه ضد البرتغاليين، فبدأت المناوشات سنة 1620- 1621 و في 18/ 2/ 1622 حاصروا الجزيرة الى ان سقطت في 1 ايار.

و على اثر ذلك تحول البرتغاليون الى مسقط فبنوا القلاع و الحصون.

Wilson: op. cit. p. 101 ss.

(1) اتباع رهبنة كاثوليكية غربية، قدموا الى فارس من الهند بامر البابا اقليميس السابع، و حلوا في مدينة اصفهان سنة 1616 (نقاشة: عناية الرحمان ص 18).

51

الفصل التاسع عشر اخبار متفرقة عن فارس‏

... في السنة الماضية سقط الاب كازميرو (1) في البصرة فريسة المرض، و لم يمهله طويلا، اذ توفاه اللّه. و كان بالقرب منه في ساعاته الاخيرة بطرس جويريده و هو ابن اخي السيدة معاني‏ (2) التي كانت زوجة ديللا فاله‏ (3) ... و قد كان «بطرس جويريده» في البصرة ترجمانا للهولنديين ...

و قد استفسرت عما فعل الدهر بالشاب جيوفاني فيريس‏ (4)Giovanni Vieres الذي كنت قد نصرته عندما مررت بهذه المدينة في سفرتي السابقة، فعلمت انه انتقل الى شيراز بعد وفاة سيده، ليعيش هناك تحت انظار الاباء.

و كان يعيش من المساعدات التي كانت تغدقها عليه السيدة الكريمة اسميكان‏Ismikan اخت السيدة معاني المذكورة، و هي عمة السيد بطرس جويريدة ...

فكرت بالذهاب الى اصفهان لاقدم للشاه كتابا وجهه اليه قداسة سيدنا

____________

(1) سبق ذكره في الفصل الثامن عشر من الكتاب الاول من الرحلة.

(2) انظر بحث يعقوب سركيس عن هذه الأسرة لعلاقتها بالسائح الايطالي المشهور ديللافاله في مجلة النور البغدادية 1 (1950) عدد 8 ص 9.

Ettore Rossi: Poesie inedited in Persiano di Pietro della Valle.( RSO, XXVIII.

. (117- 108.، 1953 (مع الشكر الجزيل للاستاذ كوركيس عواد الذي افادنا في ذكر هذا المرجع عن الست معاني جويريدة)

(3) انظر الملحق رقم (9).

(4) هو شاب هندي من الملبار، كان وثنيا فتنصر، ذكره سبستياني في ف 18 من الكتاب الاول ج 1 ص 64).

52

البابا (1) ... لكن القيظ الشديد منعني اضافة الى اني سمعت بان الملك المذكور هو حاليا خارج المدينة على راس جيش لجب، يستعد للهجوم على بغداد (ثم ظهر فيما بعد انه لا صحة لهذا الخبر) فغيرت رأيي خوفا من ان امنع بعدئذ من الدخول الى الاراضي التركية، لذا قررت السفر الى البصرة.

____________

(1) هو البابا اسكندر السابع، و تاريخ الرسالة 18/ 2/ 1656 تجد نصها في:

A Chronicle .. op. cit., vol. I, p. 363.

53

الفصل العشرون الوصول الى البصرة ... و اخبار عن الصابئة

... في مطلع شهر آب «1658» وصلنا الى البصرة، فعلمت ان مبعوث السلطان العثماني‏ (1) كان قد وصل قبل فترة وجيزة الى المدينة، فذهبت لزيارته يرافقني ترجمان يهودي، و قدمت له لوحة جميلة تمثل شجرة الاناناس، و هي شجرة مثمرة معروفة في الهند و كان قد طلبها مني اذ كان برفقتي على السفينة «عمادي‏

Amadi

»، فاعجب بها، لقد رايت الرجل مضطربا، و اخذ يستفسر مني عن اخبار حلب و اسطنبول، و كان خائفا جزعا. و قد سمعت عنه انه ذهب في منتصف الليل بصورة متخفية و دون حرس الى بيت احد الافرنج ليستشيره ...

ثم زاره قبطان السفينة «عمادي» و قائدها، فقدم لهما هدايا حسنة: رداء من الاطلس المطرز الجميل، و قطعا من الديباج المقصب من عمل احمد اباد، و مناديل اسطنبولية منقوشة ...

قبل مدة قصيرة قام الباشا بزيارة ديرنا في تلك المدينة، و قد دخل الكنيسة ... ثم البستان فراها يابسة، فاستفسر عن السبب، فقيل له: قلة الماء، فامر في اليوم التالي ان تشق على نفقته ترعة من النهر الى داخل البستان مباشرة فتم العمل في فترة وجيزة، كما انه سمح للاب منصور، الذي كان صديقه، ان يشيد غرفا جديدة، من اجل راحته، و لفائدة الدير، و هذا ما حدث فعلا.

ان جد هذا الوالي يدعى شاهر او قاه‏Ka و هو اول من اغتصب الولاية و جعلها وراثية (2).

____________

(1). راجع الملحق رقم (10).

(2). راجع الملحق رقم (11) حيث الكلام عن آل افراسياب.

54

فخلفه ابنه علي‏ (1)، ثم جلس بعده حفيده المدعو حسين‏ (2)Osen و لما كان الرجل قد طعن في السن، فقد سلم الباشوية الى ابنه محمد (3)، محتفظا بحقوق الحكم الشرعية، و رغم تقدمه بالسن فقد كانت اخلاقه فاسدة، و بالرغم من علو مقامه، [فقد قام باعمال لا تليق بمركزه‏] (4).

عندما زار هذا الوالي ديرنا، وقع نظره على شاب روسي الاصل كان يخدم هناك فشغف به، و كان الفتى طريفا و خلوقا، فطلبه الباشا من مدير الدير، و قدم ثمنا له 700 قرش ... فاجابه الكاهن بانه يفضل ان يقطع اربا اربا على ان يسلم ذاك الشاب المسكين ... و على اثر ذلك طلب الاب المدبر مني ان اصطحب الصبي الى ايطاليا لان حياته باتت في خطر في تلك الاصقاع، فقبلت المهمة عن طيب خاطر، و كان الشاب يتقن العربية و الفارسية و التركية و له المام بالبرتغالية.

و كان اسمه يوسف و قد استرقه الاتراك اذ كان طفلا مع امه على حدود روسيا فقادوهما الى اسطنبول، و هناك اشتراهما رجل ارمني فتحنن الرجل على الطفل فاودعه الى عناية الاباء الكبوشيين الذين ارسلوه الى ديرنا، و كان الفتى في تلك الاثناء عليلا.

و كان في الدير غلام اخر اسمه اسكندر و اصله من بروت في روسيا، اختطفه التتر و باعوه الى الجركس الذين عادوا فباعوه الى وزير من سادة بلاط اصفهان، و من هناك هرب بمساعدة رهباننا ثم جاء الى ديرنا. و اذ كان في اصفهان اشهر اسلامه و اختتن ... فطلب الاب المدبر اصطحاب الشاب الى اوروبا ...

____________

(1) (2) راجع الملحق رقم (11) حيث الكلام عن آل افراسياب.

(3) هل كان محمد هذا ابن حسين و خليفته ام بالاحرى هو محمد بن فداغ نائب حسين الذي قتل على ايدي الرعاع عند نشوب الحرب بين حسين و ابراهيم باشا الذي قدم الى البصرة على رأس جيش جرار نظرا لاستبداد حسين في الادارة (الاعظمي:

المرجع المذكور ص 132- 133) ام هو محمد باشا ابن علي باشا مير ميران الاحساء؟؟ (لو نكريك: المرجع المذكور ص 140).

(4) قال الاعظمي «حسين باشا ... اساء السيرة و التدبير و ظلم الاهلين حتى كرهوه و نقموا عليه ...» (المرجع المذكور ص 130- 134)