زبدة الحلب من تاريخ حلب‏ - ج1

- عمر بن أحمد ابن أبي جرادة المزيد...
432 /
5

[الجزء الأول‏]

[مقدمة المحقق‏]

بسم اللّه الرّحمن الرحيم‏

تقديم‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

تعدّ مدينة حلب من أعرق مدن بلاد الشام و أكثرها أهمية، و قد شغلت أعظم الأدوار فى تاريخ هذه البلاد فى الاسلام، و على محورها و محور دمشق دارت الأحداث الرئيسية لتاريخ الشام الاسلامي، و منها استردت الشخصية الشامية الثقافية ذاتها بعد ما لحق بها التدمير أثر سقوط الدولة الأموية.

و صحيح أن الأدوار السياسية و العسكرية لحلب عالية جدا، لكن دورها الحضاري أكثر تميزا و تأثيرا و شمولية، و كان التاريخ بين أبرز الحقول الثقافية التي أسهم فيها الحلبيون، و لا أعني سكان المدينة فقط بل سكان الشام الشمالي، لأن حلب غدت منذ القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد مركزا لإمارة، غالبا ما امتدت حدودها جنوبا حتى بلده الرستن على العاصي.

و كان أبو غالب همام بن الفضل بن جعفر بن المهذب المعري، أهم مؤرخي القرن الخامس ه/ الحادي عشر م، هذا و لم أستطع الوقوف على ترجمة منفصلة له، و لكن ابن العديم الذي نقل أجزاء كبيرة جدا من تاريخه‏

8

في كتابه بغية الطلب، قد ذكره بين تلاميذ أبي العلاء المعري [ت 449 ه/ 1057 م‏] و توحي النقول الطويلة التي قام بها ابن العديم بطبيعة كتابه، حيث يبدو أنه كان يتألف من تاريخ حولي عام ركز على تدوين أخبار الأحداث التي وقعت في معرة النعمان و حلب، و تعلقت المعلومات المنقولة بتأسيس الدولة المرداسية في حلب من قبل صالح بن مرداس، ثم بحكم ثمال بن صالح بن مرداس و علاقاته بالخلافة الفاطمية، و ببدايات استيلاء السلاجقة على بلاد الشام بعد العراق، مع حملة السلطان ألب أرسلان ضد حلب.

و كان من معاصري ابن المهذب الطبيب المسيحي أبو الخير المبارك بن شرارة، و كان ابن شرارة كاتبا بالاضافة إلى كونه طبيبا، و قد عاش في مدينة حلب حتى أيام رضوان بن تتش (1095- 1113 م)، و قد هجر مدينته و ذهب أولا إلى أنطاكية و من هناك إلى صور بسبب سوء معاملة رضوان له و طغيانه، و في صور توفي حوالي سنة 490 ه/ 1096 م، و كتب المبارك تاريخا روى فيه بشكل أساسي الحوادث التي وقعت في أيامه، لا سيما الوقائع التي شهدتها حلب، و كان من شهودها. و يبدو أن هذا التاريخ لم يرج كثيرا، و لذلك فقدت نسخه بعد وفاة مؤلفه بأمد قصير، ذلك أن القفطي [ت 646 ه/ 1248 م‏] قال إنه أخفق في الحصول على نسخة منه، و أنه تلقى من مصر نسخة سيئة و مختصرة من هذا التاريخ، كان قد اختصرها مصري غير معروف.

9

و من معاصري ابن شرارة كان منصور بن تميم بن الزنكل، الذي كان شاعرا من سرمين، شهد أحداث وفود التركمان إلى الشام الشمالي، و دوّن بعضها لكن لا نعرف وفق أي منهج، و الذي نعرفه أن ابن العديم نقل عنه بعض الأخبار في كتابه بغية الطلب في تاريخ حلب.

و قام في القرن السادس ه/ الثاني عشر/ م على الأقل ثلاثة من الحلبيين بكتابة تواريخ خاصة بمدينة حلب و هم: حمدان بن عبد الرحيم الأثاربي [ت 1147 م‏] و علي بن عبد الله بن أبي جرادة [ت 1551 م‏] و محمد بن علي العظيمي المتوفى حوالي سنة 1161 م، و من المؤسف أنه لم يتعد ما وصلنا مما كتبة هؤلاء عن حلب بعض النقول الموجودة لدى ابن العديم في كتابه بغية الطلب.

كان حمدان طبيبا و شاعرا، و قد امتلك ذخيرة كبيرة من معارف عصره، و قد خدم في حقب متفاوته في إدارة كل من المسلمين في حلب (أيام زنكي بشكل خاص) و إدارات الصليبيين في أنطاكية و المناطق المحيطة بها، و قد سفر لزنكي حيث بعثه إلى الصليبيين في أنطاكية و إلى مصر و دمشق و لربما إلى بغداد، و قابل في القاهرة الخليفة الفاطمي الآمر [1101- 1130 م‏] و لكن بعد ما برهن أنه شيعي إمامي، و أنه لم يكن من أفراد الاسماعيلية الحشيشية، و تمنحنا سيرة حياة حمدان بعض المعلومات المفيدة حول حياة كل من المسلمين و الصليبيين في الشام الشمالي، و حول العلاقات بينهما في النصف الأول من القرن الثاني عشر.

10

أرخ حمدان لقدوم الفرنجة إلى بلاد الشام، كما و حمل واحد من كتبه عنوان المفوف، و يرجح أنه أوقفه على تاريخ حلب، و اهتم فيه بشكل خاص بالأحداث التي وقعت بعد سنة 490 ه/ 1096 م.

و كان من معاصري حمدان علي بن عبد اللّه بن أبي جرادة، و كان مثله مثل حمدان شاعرا و عالي الثقافة، و أيضا أمامي العقيدة، و قد كتب بالتاريخ كتابا دعاه «تاريخ ملوك حلب»، و عن هذا الكتاب نقل ابن العديم بعض المعلومات المتعلقه بسقوط الامارة المرداسية، و حول الأوضاع الداخلية في مدينة حلب آنذاك.

و كان أيضا من معاصري حمدان و ابن أبي جرادة محمد العظيمي، الذي كان بدوره شاعرا و معلم مدرسة، و قد كتب العظيمي عدة كتب بالتاريخ، أوقف واحدا منها على تاريخ حلب، و حمل واحد منها اسم «الموصل على الأصل المؤصل» و قد كتب هذا الكتاب على شكل حوليات عامة لتاريخ الاسلام، و قد وصلنا ما يمكن عده مختصرا له، أو هو نفسه في نسخة خطية وحيدة (مكتبة بيازيد استانبول رقم 398، و نشر محققا مؤخرا في دمشق سنة 1985 باسم تاريخ حلب). و على الرغم من سيطرة طابع الاختصار و العموميات على هذا الكتاب، فإنه يحتوي في أواخره على معلومات ثمينة جدا تتعلق بحلب خلال أواخر القرن الحادي عشر م، هذا و نقل ابن العديم في كتابه بغية الطلب من كتب العظيمي الأخرى موادا تتعلق بعصر الدولة المرداسية ثم بدايات الحكم السلجوقي لحلب.

11

و مع أن بعض مؤرخي القرن الثاني عشر م قد صنف كتبا تعالج تاريخ حلب فقط، فإن العدد الأكبر منهم قد تابع السير على مذاهب الأوائل في كتابة حوليات عامة، و كان من بين هؤلاء يحيى بن علي التنوخي، و يعرف عادة بابن زريق، و قد ولد عام 1051 م في معرة النعمان، و لعله مات في العقد الأول من القرن الثاني عشر.

و كتب ابن زريق تاريخا حوليا، أوقف أخباره بشكل أساسي على الاحتلال السلجوقي لبلاد الشام، ثم على الغزو الصليبي، و عنه نقل ابن العديم في كتابه بغية الطلب، و من خلال ابن العديم تعرفنا عليه، لأن كتابه بحكم المفقود.

و كانت الأسرة المنقذية قد تأسست في قلعة شيزر، حيث انتقلت إليها من بلدة كفر طاب، و في شيزر أنجبت الأسرة المنقذية عددا من الفرسان و الشعراء و الكتاب، شهر منهم بشكل خاص أسامة بن مرشد [ت 1188 م‏]، و مع أسامة أسهم أثنان من أخوانه بكتابة التاريخ هما: علي و منقذ، فقد صنف منقذ تاريخا حوليا جعله ذيلا لتاريخ ابن المهذب المتقدم الذكر، و كتب أخوه علي أيضا تاريخا حوليا حمل اسمه، أما أسامة صاحب كتاب الاعتبار، فقد صنف عددا كبيرا من الكتب وصلنا بعضها لكن لم يصلنا ما كتبه بالتاريخ العام إلا من خلال النقول التي احتفظ بها ابن العديم في كتابه بغية الطلب.

12

و مثلما نقل ابن العديم عن الأخوة الثلاثة من آل منقذ، نقل عن أبي غالب عبد الواحد ابن مسعود بن الحصين، الذي يرجح أنه كان من أهالي معرة النعمان، و قد صنف تاريخا حوليا، و مثله كان من بين مؤرخي معرة النعمان عبد القاهر بن علوي، و قد ذكره العماد الأصفهاني الكاتب، و بيّن أنه كان شاعرا، شغل منصب قاضي معرة النعمان، و أنه قد لقيه في مدينة حماه في آذار 1176 م، و كتب ابن علوي كتابا بالتاريخ اسمه «نزهة الناظر و روضة الخاطر»، و كان هذا الكتاب أيضا بين مصادر بغية الطلب لابن العديم.

و نقل ابن العديم عن مؤرخ حلبي آخر اسمه أبو منصور هبة الله بن سعد الله بن الجبراني، و لا نعرف تاريخ ميلاد أو وفاة هذا المؤرخ، لكننا نعلم أن واحدا من أولاده و اسمه أحمد قد توفي سنة 628 ه/ 1231 م.

مما تقدم عرضه بايجاز نعلم أن المؤرخين الذين أنجبتهم امارة حلب كثير عددهم خصب انتاجهم، و لقد تأوجت أعمال التدوين التاريخي في الشام الشمالي في القرن السابع للهجرة/ الثالث عشر للميلاد، و أبرز الذين خلفوا لنا العديد من المؤلفات هم: ابن أبي طي‏ء (يحيى بن حميدة- توفي سنة 630 ه/ 1231 م)، و القفطي (علي بن يوسف- توفي سنة 646 ه/ 1248 م) ابن العديم (عمر بن أحمد- توفي سنة 660 ه/ 1261- 1262 م) و ابن شداد (محمد بن علي- توفي سنة 684 ه/ 1285 م).

و يمكن أن نضيف إلى هؤلاء بهاء الدين بن شداد صاحب سيرة صلاح الدين لأنه أمضى سنوات حياته الأخيرة في حلب.

13

و كان القفطي، الذي شغل منصب الوزير بحلب، مصنفا لعدد من الكتب تتضمن عدة موضوعات منها واحد حمل عنوان «الاستئناس في أخبار آل مرداس» لا نعرف نسخة عنه، و فيما عدا ما يوحيه عنوانه لا نعرف شيئا عن محتوياته و لا الطريقة التي كتب بها.

و كتب ابن أبي طي‏ء عدة كتب معظمها بحكم المفقود، و قد ذكر له حاجي خليفة كتابا اسمه «معادن الذهب» في تاريخ حلب، كما و يرجح أنه كتب سيرة لصلاح الدين الأيوبي، و أتى بتفاصيل حوله لا نجدها عند سواه، فقد كان والد هذا المؤرخ من زعماء الشيعة الامامية بحلب، و قد اضطر إلى مغادرة مدينته أيام نور الدين محمود بسبب السياسة الدينية التي اتبعها و لضغطه الشديد على الشيعة، و لذلك جاءت أخبار ابن أبي طي‏ء مشايعة لصلاح الدين مضادة لنور الدين، و مع ذلك هي هامة جدا اعتمدها و استفاد منها كل من ابن العديم و أبو شامة في الروضتين.

هذا و كتب ابن شداد كتاب الأعلاق الخطيرة، و جل مواده عن حلب نقلها عن ابن العديم، و ابن العديم هو أعظم مؤرخ أنجبته بلاد الشام في تاريخها الاسلامي كان غزير الانتاج موسوعي المعارف، و هو خير ممثل للحضارة العربية و الثقافة الشامية قبيل الاجتياح المغولي المدمر.

و ابن العديم هو الصاحب كمال الدين عمر بن أحمد بن هبة الله ...

ابن أبي جرادة، ولد في مدينة حلب في ذي الحجة سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة للهجرة و عند ما بلغ السابعة من عمره حمل إلى المكتب للدراسة، و هناك‏

14

ظهرت استعداداته مما بشر بنبوغه المبكر، و قد كان نحيف البنية لذلك عني به أبوه عناية كبيرة، فحدب على رعاية صحته، و سهر على تربيته و تعليمه، و نظرا لمنزلة والده و لما تمتعت به أسرته من مكانة نال ابن العديم حظه وافيا من معارف عصره الدينية و الدنيوية، و يروى بأن اباه حضه على اتقان قواعد الخط، ذلك أنه- أي الأب- كان ردي‏ء الخط، فأراد أن يجنب ابنه هذه الخلة، و نجح في هذا المجال نجاحا كبيرا جدا، و قد وصف ياقوت اتقان ابن العديم لقواعد الخط العربي بقوله: «و اما خطه في التجويد و التحرير و الضبط و التقيد فسواد ابن مقلة، و بدر ذو كمال عند علي بن هلال»، و يؤكد شهادة ياقوت هذه المجلدات العشرة من كتاب بغية الطلب التي وصلتنا بخط ابن العديم، حيث نرى واحدا من المع النساخ في تاريخ العربية و أكثرهم ضبطا و براعة و أمانة و يقظة و دراية.

و في باب العناية في إنشاء ابنه و تثقيفه صحب أحمد بن هبة الله ولده عمر في رحلاته و أسفاره، حيث زار دمشق أكثر من مرة كما زار بيت المقدس و رحل إلى العراق و الحجاز.

و عندما بلغ سن الشباب وجد ابن العديم السبل أمامه كلها مفتوحة لمستقبل لامع، و كان لمواهبة و ثقافته و أسرته الفضل الأكبر في تحقيق نجاحاته، و هنا يحسن التوقف قليلا للتعرف إلى اسرة ابن العديم، و ذلك قبل متابعة الحديث عن مراحل حياته:

يعرف الجد الأعلى للصاحب كمال الدين باسم ابن أبي جرادة، و كان‏

15

صاحبا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ينتسب إلى ربيعة من عقيل إحدى كبريات قبائل عامر بن صعصعة العدنانية، و كان يقطن مدينة البصرة، و في هذه المدينة عاش أولاد آل أبي جرادة و أحفادهم، و في مطلع القرن الثالث للهجرة قدم أحد أفراد أسرة أبي جرادة إلى الشام في تجارة و كان اسمه موسى بن عيسى و حدث أنئذ أن ألم بالبصرة طاعون، لهذا قرر موسى البقاء في الشام، و استوطن مدينة حلب، و في هذه المدينة التي كانت عاصمة شمال بلاد الشام، و مفتاح الطريق إلى العراق و بلاد المشرق الاسلامي مع آسيا الصغرى و الأراضي البيزنطية، فيها خلف موسى بن عيسى أسرة نمت مع الأيام عددا و مكانة و ثروة و شهرة، و تملكت هذه الأسرة الأملاك، كما ساهمت في جميع ميادين الحياة في حلب من سياسة و علم و قضاء و ادارة و تجارة و غير ذلك، و بهذا غدت أسرة آل أبي جرادة من أبرز أسر حلب، و ظلت هكذا حتى حل بحلب الدمار على أيدي جيوش هولاكو، كما ظلت محتفظة باسمها ذاته طوال تاريخها، إنما في القرن الأخير من حياتها كسبت اسما اضافيا، أخذ رويدا يعم في الاستعمال أكثر من الاسم الأصيل، لكنه لم يلغه و كان الاسم الجديد هو «العديم»، و نحن لا نملك تعليلا لسبب هذه التسمية، فقد قال ياقوت: «سألته أولا لم سميتم ببني العديم؟ فقال:

سألت جماعة من أهلي عن ذلك فلم يعرفوه و قال: هو اسم محدث لم يكن آبائي القدماء يعرفون بهذا».

و دانت أسرة ابن أبي جرادة بالتشيع حسب مذهب الامامية، و ظلت هكذا حتى بدأ التشيع بالانحسار في حلب، و ذلك منذ النصف الثاني للقرن‏

16

الخامس/ الحادي عشر، هذا و ان كنا لا نعرف بالتحديد تاريخ أخذ هذه الأسرة بمذاهب السنة أمكننا أن نقدر ذلك، بحكم سقوط سلطة الشيعة في حلب مع عصر السلطان السلجوقي الب ارسلان (و هو أمر بحثته بالتفصيل في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية) و نظرا لعلاقات أسرة آل أبي جرادة الخاصة مع سلطات حلب، لابد أن الحال اقتضى المسايرة و التحول إلى السنة، و لربما حسب المذهب الحنفي.

و في عودة نحو سيرة الصاحب كمال الدين نجده يحدثنا بأن والده خطب له و زوجه مرتين، فقد اخفق في الزواج الأول، لذلك طلق زوجته و تزوج ثانية بابنة الشيخ الأجل بهاء الدين أبي القاسم عبد المجيد بن الحسن بن عبد الله- المعروف بالعجمي، و كان شيخ أصحاب الشافعي، و من أعظم أهل حلب منزلة و قدرا و ثروة و مكانة سياسية و دينية و اجتماعية، و من زواجه الثاني رزق الصاحب كمال الدين أولاده، و لم يمت والده حتى كان ابنه أحمد طفلا يدب على الأرض، و يمكننا التعرف إلى هذا الابن من خلال استعراضنا لكتاب بغية الطلب حيث سمع الكتاب على أبيه و قام بعد وفاة والده باستدراك بعض المواد التي حالت المنية بين والده و بين تدوينها في كتابه، فمن المقرر أن ابن العديم مات دون أن يقوم باعادة النظر في مؤلفه «بغية الطلب» و لم يقم بتبييضه، و الذي وصلنا هو مسودة الكتاب، إنما نظرا لبراعة المؤلف و حسن طريقته و جودة خطه، نرى أن مكانة الكتاب و أهميته هي هي، ذلك أن أهمية الكتاب نابعة مما حواه من مواد تاريخية نهلها ابن العديم من وثائق و مصنفات غيبها الزمن عنا، فابن العديم كان مصنفا ممتازا

17

و لم يكن «مؤرخا» حسب مصطلحات أيامنا هذه، فهو قد جمع في كتابه المواد الاخبارية و نسقها، لكنه لم يحاول تعليلها و معالجتها كما يفعل الباحث في التاريخ في جامعات أيامنا هذه ...

و منذ أن بلغ الصاحب كمال الدين سن الشباب أخذ يشارك في الحياة السياسية و العلمية لمدينة حلب، فقد كان يحضر مجلس الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين- صاحب حلب- فيكرمه و يقربه و يقبل عليه أكثر من أقباله على غيره على الرغم من صغر سنه، و في ذي الحجة سنة ست عشرة و ستمائة ولي ابن العديم أول عمل رسمي، لقد ولي التدريس في مدرسة شاذبخت، و كانت من أجل مدارس حلب و ارقاها، كل «هذا و حلب اعمر ما كانت بالعلماء و المشايخ، و الفضلاء الرواسخ، إلا أنه رئي أهلا لذلك دون غيره، و تصدر، و ألقى الدرس بجنان قوي، و لسان لوذعي، فأبهر العالم و أعجب الناس» و يبدو أنه تولى بعد هذه المدرسة التدريس بالمدرسة الحلاوية، التي كانت أجل مدارس حلب، و هى مدرسة ما زالت قائمة حتى الآن، تعلو واحدا من جدرانها لوحة حجرية كتبها ابن العديم بخطه.

و مع مرور الأيام علت مكانة ابن العديم، فسفر عن ملوك حلب إلى ملوك الدول المجاورة في بلاد الشام و الجزيرة و آسية الصغرى، و إلى سلاطين القاهرة و خلفاء بغداد، و كانت خزائن كتب و وثائق كل بلد زارها تحت تصرفه، فنهل منها ما لم ينهله سواه، و اودع جل ذلك في كتابه بغية الطلب، و من هذه الزاوية يمكن أن نرى أهمية هذا الكتاب، و من ناحية أخرى يمكننا

18

أن نرى المدى الذي وصلت إليه خزائن المشرق العربي قبيل وقوع الطامة الكبرى على يد المغول بسنوات.

و في كل مكان زاره ابن العديم كان يلقى الحفاوة من رجال السلطة، و كان في الوقت نفسه يلتقي بالعلماء و شيوخ العصر فيأخذ عنهم، و لقد أودع ما أخذه عن علماء عصره، و ما رآه من أحداث أو شارك به، أودعه في كتابه بغية الطلب، حتى غدا هذا الكتاب أشبه بمنجم للمعلومات لا ينضب معينه.

و ظل نجم ابن العديم يصعد في سماء السياسة في حلب و سواها حتى وصل إلى مرتبة الوزير، و لكن مشاغل السياسة و الحياة العامة لم توقف العمل الفكري و لم تعطله، و هكذا صنف ابن العديم عددا كبيرا من الكتب، غلب على معظمها سمة التاريخ، و لعل أشهر كتبه «كتاب زبدة الحلب من تاريخ حلب» و «كتاب الانصاف و التحري في دفع الظلم و التجري عن أبي العلاء المعري» و كتابه بغية الطلب الذي أشرنا إليه حتى الآن كثيرا، و قد طبع كتاب زبدة الحلب في أجزاء ثلاثة في دمشق، و أعدت الآن تحقيقه، أما كتاب الانصاف فقد طبعت قطعة منه للمرة الأولى بحلب ثم اعيد طبعها في القاهرة، و أقول قطعة ذلك أن الكتاب لم يصلنا كاملا بشكل مباشر.

و عندما قلت بشكل مباشر اردت أن أقول بأن الكتاب وصلنا بشكل غير مباشر، فقد روي لي منذ سنوات أن واحدا من أحفاد ابن العديم ممن عاش بعد جده في القاهرة، صنف كتابا حول القاضي الفاضل دعاه باسم‏

19

«سوق الفاضل في ترجمة القاضي الفاضل»، و توجد من هذا الكتاب نسخة خطية في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، و قيل لي إن في ثنايا الكتاب ورد في احدى رسائل القاضي الفاضل بيت شعر من شعر المعري، و اراد حفيد ابن العديم أن يعرف بالمعري، فقال: قال جدي في كتابه الانصاف و التحري: و أثبت نص الكتاب بكماله، و يوجد هذا الكتاب مصورا على شريط في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، و مضيت إلى المدينة المنورة للتأكد من هذا الخبر، فتيقنت من عدم دقته و ان حفيد ابن العديم نقل قليلا من كتاب جده الانصاف و التحري.

و يعود سبب انتقال ابن العديم إلى القاهرة، إلى تعرض مدينة حلب إلى الدمار سنة 657 ه على يد جيوش هولاكو، و كان ابن العديم غادر مدينته إلى دمشق، ثم منها إلى غزة فالقاهرة، و يبدو أنه عاد بعد عين جالوت إلى دمشق، و ربما اراد التوجه إلى حلب، أو توجه إليها فعلا ليعاين الدمار الذي لحقها، و في أثناء ذلك عرض عليه هولاكو منصب قاضي حلب، فرفض، و عاد إلى القاهرة، حيث أمضى بقية حياته، و قد وافته منيته في مصر في العشرين من جمادى الأولى سنة ستمائة و ستين للهجرة.

و كنت في عام 1988 قد حققت الموجود من كتاب بغية الطلب و نشرته بدمشق، و كنت من قبل قد تعاملت مطولا مع كتاب «زبدة الحلب من تاريخ حلب» الذي انتزعه ابن العديم و استخلصه من مواد كتاب «بغية الطلب»، و جاء هذا التعامل لدى اعدادي لرسالة الدكتوراه في جامعة لندن عن امارة

20

حلب في القرن الخامس ه/ الحادي عشر ميلادي، و عندما بدأت بعملي باعداد اطروحتي كان المنشور من كتاب زبدة الحلب الجزء الأول [نشر في دمشق 1951] و الثاني [نشر في دمشق 1954] لذلك قمت بتصوير المتبقي من المخطوط من باريس [نشر الجزء الثالث في دمشق 1968].

لقد تولى المرحوم الدكتور سامي الدهان تحقيق كتاب زبدة الحلب، و نشره في/ 1054/ ص وزعها على ثلاثة أجزاء، و قدم لنشرته بمقدمه مسهبة عن حياة ابن العديم و عن مؤلفاته، و لا شك أنه بذل جهودا طيبة في تحقيق الكتاب الزبدة، لكن يؤخذ على عمله الاطالة، لا بل الاسراف بالاطالة، فهو كان مغرما بالحواشي و باقحام العناوين، و أقحم العناوين في نص الكتاب و كأنها منه، و لم يضعها بين حواصر للأمانة، و في هذا العمل تدليس و تزييف.

أما الحواشي فأكثر من تكرارها فضلا عن أنه اختلق بعضها بلا سبب، حتى أنه كان يدعي وجود طمس بالمخطوط، و من ثم اجتهاده بالقراءة و الضبط، هذا و أخفق الدكتور الدهان في عدة أماكن في قراءة النص إلى حد أن «عين الجر» جاءت عنده «عبر الجسر».

و كان المرحوم الدهان قد وصف المخطوطات التي اعتمدها خاصة الأساسية منها و هي مخطوطة المكتبة الوطنية في باريس (رقم 1666- الرقم القديم 728 مخطوطات عربية) و هي تقع في 268 ورقة بحجم 25* 5، 17 سم، و كتبت هذه النسخة «لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع‏

21

الآخر سنة ست و ستين و ستمائة» أي بعد وفاة ابن العديم بست سنوات، و قد اعتمد ناسخها على نسخه ابن العديم التي كتبها بخط يده.

و كنت قد اشتريت منذ أكثر من عامين بعض مصورات مكتبة المرحوم الدكتور الدهان من ذلك مصورة كتاب زبدة الحلب، و على هذا اعتمدت المصورة نفسها التي اعتمدها.

و من المرجح أن ابن العديم انتزع مواد زبدة الحلب من مواد بغية الطلب لكن قبل اكماله لتصنيف كتاب البغية، و لهذا نلاحظ وجود بعض الفوارق بين روايات الكتابين أحيانا حول الخبر نفسه، و صنف ابن العديم الزبدة تلبية لرغبة الملك العزيز بن الظاهر الأيوبي [613- 634 ه] لكنه لم يقيد نفسه بتاريخ عهده، بل زاد عليه، و من المؤكد أنه لم يبيض كتابه بغية الطلب، بل إن بعضهم يرى إنه لم يكمل تصنيفه.

و كتاب زبدة الحلب يختلف في منهجه عن كتاب البغية، و هو يشبه من بعض الوجوه تاريخ دمشق لابن القلانسي، و كتب الحوليات، و لا شك أنه أهم مصدر في بابه، ظهر فيه ابن العديم بمظهر المؤرخ الأصيل.

و انصب اهتمامي لدى تحقيقي لهذا المصدر الهام على ضبط النص و اخراج جميع الشوائب منه، و خففت من الحواشي قدر الامكان، لكن اضطررت لأسباب فنية إلى اضافة بعض العناوين، فوضعت ما أضفته بين حاصرتين و نبهت على ذلك، و لعل مما ساعدني في عملي أنني أعمل في تاريخ‏

22

حلب منذ أكثر من ثلاثين سنة، و أنني حققت كتاب بغية الطلب، و توفر لي مصادر جديدة، ثم إن اختصاصي الأساسي هو التاريخ الإسلامي.

و الله الموفق إلى السداد و الصلاة و السلام على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

دمشق 5 جمادى الأولى 1417 ه

17 أيلول 1996 م‏

23

الصفحة الأولى من زبدة الحلب- نسخة باريس-

24

الصفحة الغلاف لمخطوط زبدة الحلب- نسخة باريس-

25

الصفحة الأخيرة من مخطوط زبدة الحلب- نسخة باريس-

26

الصفحة الأولى من الدراري بخط ابن العديم‏

27

نموذج من خط ابن العديم بغية الطلب‏

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

زبدة الحلب من تاريخ حلب تأليف المولى الصاحب سفير الخرقة النبوية كمال الدين أبي حفص عمر بن أحمد بن هبة اللّه‏ (1)

____________

(1)- جاء على هذه الصفحة من مخطوط باريس:

- قرى في هذا الكتاب بطرس بن ديب الحلبي من طائفة الملكية رحمة اللّه عليه و على أهله، و على قارى‏ء ذا الخط في باريس في بيت الوزير كولبيرت سنة ألف و ستمية و ثمانين مسيحية.

- رأيت بخيل صان سنداس دارهي و لم نر قبله شخص يحرس الخلا. و ما ذاك إلا النهر ضن النهر يعود طعامك مثل ماكان. رمت أمرءا فاحذر عداوته. من يزرع الشوك لا يحصد به مدو و إن أبدى مسالمة إذا رأى منك يوما فرصه و غيره. في سبع و عشرين ليلة بشهر هلال شباط أتى فيها أن يكون فإنه صيام النصارى فاعلمن ذاك و ادرين.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

[حلب في قديم الزمان‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و ما توفيقي إلا باللّه الحمد للّه مقلّب الأمور. و مصرّف الدّهور. و مالك الأمير و المأمور.

و الصّلاة على نبيّه محمّد المصطفى الصّبور. الذي نسخ بدينه سائر الأديان و قمع به كلّ كفور. و على آله و أصحابه صلاة دائمة إلى يوم النّشور.

و بعد فإنّ بعض من يتعيّن عليّ امتثال أمره. و يجب عليّ الانقياد إلى موالاته و برّه. التمس منّي تعليق ما وقع إليّ من ذكر أمراء حلب و ولاتها.

و ملوكها و رعاتها. فسارعت إلى تحصيل غرضه. و قمت من تلبيته بمفترضه.

و علّقت في هذه الأوراق ذكر من ملكها من الولاة. و بعض من عثرت عليه من الوزراء و القضاة.

و أضفت إلى ذلك ذكر من بناها في قديم الزّمان. و معنى اسمها المختصّة هي به من بين سائر البلدان.

و رسمته: «بزبدة الحلب من تاريخ حلب»؛ لأنّه منتزع من تاريخي الكبير للشهباء. المرتّب على الحروف و الأسماء.

32

و أرجو أن يكون وصل إليّ من ذلك ما لم يصل إلى سواي. و أن أبلغ من عفو اللّه و رحمته نهاية سؤلي و أقصى مناي. و باللّه أستهدي. و إلى فضله و كرمه أستعدي.

و أقول:

اسم حلب عربيّ لا شك فيه‏ (1). و كان لقبا لتل قلعتها (2). و إنّما عرف بذلك لأن إبراهيم الخليل- (صلوات اللّه عليه)- كان إذا اشتمل من الأرض المقدّسة؛ ينتهي إلى هذا التلّ فيضع به أثقاله، و يبث رعاءه إلى نهر الفرات‏

____________

(1)- حلب مدينة عربية موغلة بالقدم، قامت على ضفة نهر قويق اليسرى، وسط منطقة زراعية، تنتج الحبوب و الزيتون، في موقع استراتيجي هام جدا، فقد شكلت صلة وصل بين بلاد الشام و بلاد ما بين النهرين و الهضبة الايرانية و البلدان الآسيوية الشرقية، من جهة الشرق و آسية الصغرى فأوربا الشرقية من جهة الشمال، و شواطى‏ء البحر المتوسط من جهة الغرب.

حافظت على اسمها دونما تبديل، فقد وردت في نصوص ماري باسم حالاب، و خلاب و خالايا و حلبا، و في النصوص المصرية القديمة خرب، و في رسائل تل العمارنة حلب، و في نصوص أوغاريت حلب، و في النصوص الآرامية الصيغة نفسها، و وردت في النصوص الحثية باسم خلب و خالاب و حلباس، و سماها الهلنستيون بيروا، و استردت اسمها الأصيل بعد الفتح العربي، و تعاظمت مكانتها فكانت حاضرة الشمال الشامي، و شغلت دوما أهم الأدوار السياسية و الحضارية و الاقتصادية، و تميزت بتل قلعتها و بنشاط سكانها و عبقريتهم و امكاناتهم المتميزة.

(2)- هناك اجتهادات جعلت إبراهيم الخليل من ايبلا، و هنا يمكن ربطه بتاريخ مدينة حلب، و لا نقيم وزنا للدعاوى الصهيونية التوراتيه بشأن الانتماء إلى إبراهيم الخليل، فبنو اسرائيل اندثروا منذ عدة آلاف من السنين، و ماورد بالتوراة من معلومات تاريخية لم تثبته أعمال الكشف الأثري، و الصهاينة الذين جاءوا من أوربا هم من أصل خزري.

33

و إلى الجبل الأسود (1). و كان مقامه بهذا التلّ يحبس به بعض الرّعاء؛ و معهم الاغنام، و المعز، و البقر. و كان الضّعفاء إذا سمعوا بمقدمه أتوه من كلّ وجه، من بلاد الشمال. فيجتمعون مع من اتبعه من الأرض المقدسة، لينالوا من برّه؛ فكان يأمر الرّعاء بحلب ما معهم طرفي النّهار. و يأمر ولده و عبيده باتخاذ الطّعام فإذا فرغ له من ذلك أمر بحمله إلى الطرق المختلفة بازاء التلّ، فيتنادى الضّعفاء: «إنّ إبراهيم حلب»، فيتبادرون إليه.

فنقلت هذه اللّفظة كما نقل غيرها، فصارت اسما لتلّ القلعة. و لم يكن في ذلك الوقت مدينة مبنيّة.

قيل: إنّ «بيت لاها» (2) كان يقيم به أيضا إبراهيم- (صلى اللّه عليه)- و رعاؤه تختلف إليه. و كان يفعل فيه أيضا، كما يفعل في تلّ القلعة. لكنّ الاسم غلب على تلّ القلعة دون غيره.

____________

(1)- «جبل دون اللكام من شرقيه، و يقال إن إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلّم) كان إذا أقام بحلب يبث رعاءه إليه ليرعوا غنمه فيه، و فيه أشجار كثيرة غير مثمرة» بغية الطلب لابن العديم- تحقيقي ط. دمشق 1988 ص 438، و المراد هنا جبال الأمانوس.

(2)- بهامش الأصل: «و بيت لاها هذا المشار إليه هو جبل اللكام، و يقال له بيت لاها الغربي و بيت لاها الشرقي هو ليلون، و يقال لكل منهما الغربي».

و في بغية الطلب ص 420 لدى الحديث عن جبل سمعان قال ابن العديم: «و في وسط هذا الجبل جبل عال شاهق على الجبال التي حوله، يقال له بيت لاها، و هو بيت لاها الشرقي، لأن جبل اللكام يقال له بيت لاها الغربي، و معناه بالسريانية بيت اللّه، و يقال إن إبراهيم (عليه السلام) لما هاجر إلى الشام، كان يرعى غنمه من أرض حلب إلى بيت لاها، و يقال لما حوله من الجبال جبل ليلون، و قيل فيه لولون».

34

و قيل: إنّ إبراهيم- (صلى اللّه عليه)- لمّا قطع الفرات من حرّان‏ (1) أقام ينتظر ابن أخيه «لوطا»، في كثير ممّن يتبعه في سنة شديدة المحل. و كان الكنعانيون يأتون إبراهيم- (عليه السلام)- بأبنائهم فيهبونهم منه؛ و يتصدّق عليهم بأقواتهم من الطّعام، و الغنم. و صار إبراهيم- (عليه السلام)- إلى أرض حلب فاتخذ الركايا، و كرا الأعين؛ و منها: عين إبراهيم- (عليه السلام)- و هي التي بنيت عليها مدينة حلب.

و كان للكنعانيين بتلّ القلعة في رأسه بيت للصّنم؛ فصار إليه ابراهيم- (عليه السلام)- فأخرج الصنم؛ و قال لمن حضره من الكنعانيين: أدعوا إلهكم هذا أن يكشف عنكم هذه الشّدة. فقالوا: و هل هو إلا حجر؟ فقال لهم:

فإن أنا كشفت عنكم هذه الشّدّة، ما يكون جزائي؟ فقالوا له: نعبدك فقال لهم: بل تعبدون الّذي أعبد؛ فقالوا: نعم.

فجمعهم في رأس التلّ؛ و دعا اللّه، فجاء الغيث. و ضرب إبراهيم- (عليه السلام)- برأس ظلّه حين أقلع الغيث. و توافت إليه رعاؤه؛ فكان يأمر أصحابه بإصلاح الطّعام، و يضعه بين أوعية اللّبن؛ و يأمر بعضهم فينادي:

«ألا إنّ إبراهيم قد حلب فهلمّوا» فيأتون من كلّ وجه، فيطعمون، و يشربون، و يحملون ما بقي إلى بيوتهم. فكان الكنعانيون يخبرون عن مقام‏

____________

(1)- حران الآن قرية مهملة داخل الحدود التركية، قريبة من أطراف محافظة الرقة، و كانت دوما من أهم مدن بلاد الشام لاسيما في الجوانب الفكرية و العقائدية.

35

إبراهيم بما كان يفعله. و صار قولهم «حلب» بطول هذا الاستعمال لقبا لهذا التلّ؛ فلما عمرت المدينة تحته سميت باسمه.

و ذكر بعضهم: أنها إنما سميت «حلب» باسم من بناها، و هو:

حلب بن المهر بن حيص بن عمليق من العمالقة. و كانوا إخوة ثلاثة: بردعه، و حمص، و حلب؛ أولاد المهر. فكلّ منهم بنى مدينة سميت باسمه.

و كان اسم حلب باليونانية «باروا» و قيل «بيرؤأا».

و ذكر ارسطاطاليس‏ (1) في كتاب الكيان‏ (2): أنه لما خرج الاسكندر لقصد دارا الملك، و مقاتلته، كان ارسطاطاليس في صحبته؛ فوصل إلى حلب- و هي تعرف بلسان اليونانية «بيرؤأا»- فلما تحقّق أرسطوطاليس حال تربتها، و صحّة هوائها، استأذن الإسكندر في المقام بها، و قال له: إنّ بي مرضا باطنا، و هواء هذه البلدة موافق لشفائي. فأقام بها فزال مرضه.

و قيل: إنّ الذي بنى مدينة حلب أولا ملك من ملوك الموصل يقال له:

____________

(1)- لأرسطو ترجمة وافية في بغية الطلب ص 1341- 1345.

(2)- قال ابن العديم في بغية الطلب أثناء الحديث عن كتب أرسطو: «و أما الكتب التي في العلوم الطبيعية فمنها ما يتعلم منه الأمور التي تخص كل واحد من الطبائع، فالأمور التي يتعلم منها الأمور التي تعم جميع الطبائع و هو كتابه المسمى «بسمع الكيان» فهذا الكتاب يعرف بعدد المبادى‏ء لجميع الأشياء الطبيعية، و بالأشياء التوالي للمبادى‏ء. و بالأشياء المشاكلة للتوالي، فأما المبادى‏ء فالعنصر و الصورة، و أما التوالي فالزمان، و أما المشاكلة للتوالي: فالخلاء، و الملاء، و ما لا نهاية له ...».

36

بلوكوس الموصلي‏ (1). و يسميه اليونانيون: «سردينبلوس». و كان أول ملكه في سنة ثلاثة آلاف و تسعمائة و تسع و ثمانين سنة لآدم- (صلوات اللّه عليه)- و ملك خمسا و أربعين سنة. و في سنة تسع و عشرين من ملكه و هي سنة أربعة آلاف و ثماني عشرة سنة لآدم، ملكت ابنته «أطوسا» المسماة «سميرم» (2) مع أبيها بلوكوس.

و ذكر أبو الرّيحان البيرونيّ‏ (3) في كتاب القانون المسعوديّ، و قال: بنيت‏

____________

(1)- نقل ابن شداد في كتابه الأعلاق الخطيرة- ط. دمشق 1988 ق 1 ج 1 ص 42: «قال كمال الدين ابن العديم: قرأت في الكتاب الجامع للتاريخ، المتضمن ذكر مبدأ الدول، و منشأ الممالك، و مواليد الأنبياء، و أوقات بناء المدن، و ذكر الحوادث المشهورة، مما عني بجمعه أبو نصر يحيى بن جرير الطبيب، التكريتي النصراني، من عهد آدم إلى دولة بني مروان، و نقلت ذلك من خطه قال: ذكر أن في دولة المواصلة أن بلوكوس الموصلي ملك خمسا و أربعين سنة، و أول ملكه في سنة ثلاثة آلاف و تسعمائة و تسع و ثمانين لآدم (عليه السلام)، قال: كان في سنة تسع و عشرين من ملكه، و هي سنة أربعة آلاف و ثماني عشرة لآدم ملكت أطوسا المسماة سميرم مع بلوكوس أبيها، و بلوكوس هذا هو الذي يسميه اليونانيون سردنيبلوس، و هو الذي بنى مدينة حلب».

(2)- هي سميراميس، بطلة أسطورة آشورية انتشرت في ايطاليا و بلاد الاغريق، قيل كانت أمها دير كيتوربة عسقلان التي كانت تجمع بين وجه امرأة جميلة و جسم سمكة. انظر تفاصيل الاسطورة في معجم الأساطير اليونانية و الرومانية لسهيل عثمان و عبد الرزاق الأصفر، ط.

دمشق 1982 ص 293- 294.

(3)- البيروني هو أبو الريحان محمد بن أحمد [362- 441 ه/ 973- 1050] كان قد عاش في البلاط الغزنوي، بعد سقوط الدولة السامانية، و صنف بالعربية في الجغرافية، و الفلك، و اللغة و الفلسفة، انظر كتابي مائة أوائل من تراثنا- ط. دمشق 1989 ص 496- 499.

37

حلب في أيام بلقورس‏ (1) من ملوك نينوى، و كان ملكه لمضي ثلاثة آلاف و تسعمائة و اثنتين و ستين سنة لآدم- (عليه السلام)- و مدة مقامه في الملك ثلاثون سنة.

و شاهدت على ظهر كتاب عتيق من كتب الحلبيين بخطّ بعضهم:

رأيت في القنطرة الّتي على باب أنطاكية، من مدينة حلب، في سنة عشرين و أربعمائة للهجرة كتابة باليونانية، فسألت عنها، فحكى لي أبو عبد اللّه الحسين بن إبراهيم الحسيني الحرّانيّ- أيده اللّه- أنّ أبا أسامة الخطيب بحلب حكى له: أنّ أباه حدّثه: أنه حضر مع أبي الصّقر القبيصي، و معهما رجل يقرأ باليونانية، فنسخوا هذه الكتابة و أنفذ إليّ نسختها في رقعة و هي:

«بنيت هذه المدينة، بناها صاحب الموصل، و الطّالع العقرب و المشتري فيه، و عطارد يليه، و للّه الحمد كثيرا».

و هذا يدل على ما ذكرناه، و هو أن بلوكوس الموصلي هو الذي عمرها.

و كان قبل الاسكندر.

و ذكر يحيى بن جرير التكريتي‏ (2) في كتاب له ضمّنه أوقات بناء المدن،

____________

(1)- نقل ابن شداد ابن العديم قوله: «و بلقوريس هذا هو بلوكوس الذي قدمنا ذكره، غير أن هذه الأسماء الأعجمية لا يكاد المسمون لها يتفقون فيها على صورة واحدة لاختلاف ألسنتهم». الأعلاق الخطيرة ق 1 ج 1 ص 44.

(2)- أبو نصر يحيى بن جرير التكريتي، شهر بصناعة الطب، توفي بعد سنة 472 ه، و صنف عدة كتب. عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة- ط. القاهرة 1300 ه ج 1 ص 243.

38

ما يدل على أن حلب بعد بناء بلوكوس خربت، و جدد عمارتها غيره، بعد موت الاسكندر فانه قال بعد ذكر دولة الاسكندر و موته باثنتي عشرة سنة:

«بنى سلوقوس‏ (1) اللاذقية، و سلوقية، و أفامية، و باروّا و هي حلب، و اداسا و هي الرّها؛ و كمّل بناء أنطاكية و زخرفها و سمّاها على اسم ولده انطيوخوس و هي أنطاكية، و كان شرع في بنائها قبله أنطيغنوس في السنة السادسة من موت الاسكندر. و ذكر أنه بناها على نهر أورنطس و سماها: «انطوغينا».

و قال: «كان الملك الأول على سوريا، و بابل، «سلوقوس نيقطور» (2) و هو سرياني؛ و ملك في السنة الثالثة عشرة لبطلميوس ابن لاغوس، بعد موت الاسكندر؛ و ألزم اليهود أن يقيموا في المدن التي بناها و قرّر عليهم الجزية».

و سوريا هي الشام الأولى و هي: حلب و ما حولها من البلاد (3)- على‏

____________

(1)- الاشارة هنا إلى سلوقس الثاني كالينيكوس ملك سورية و بابل ابن أنطيوخوس الثاني، خاض عدة حروب و توفي سنة 226 ق. م. الموسوعة العربية الميسرة.

(2)- كان سلوقس نيكاتور [ت 280 ق. م‏] من أبرز قادة الاسكندر المقدوني، أسهم في حروب خلفاء الاسكندر و ملك سورية و بابل، و تولى تأسيس عدد من المدن، و سعى إلى التشبه بالاسكندر، و بعد وفاته خلفه أنطيوخوس الأول. الموسوعة العربية الميسرة.

(3)- كانت بلاد الشام مقسمة في عصور ما قبل الفتح العربي الاسلامي إلى عدة مناطق إدارية هي:

1- سورية و قد انقسمت إلى قسمين هما:

أ- سورية الأولى و مركزها أنطاكية، و من مدنها الرئيسة: سلوقية، و اللاذقية، و جبلة و حلب.

39

ما ذكره بعض الرواة- و في طرف بلد حلب، بناحية الأحص، مدينة عظيمة، و بها آثار قديمة، يقال لها سورية و إليها ينسب القلى السورياني، فلعلّ الناحية كلّها ينسب إليها، و يطلق عليها اسمها، كما أطلق بعد ذلك على جميع الكورة اسم قنسرين.

و قال بعض المؤرّخين من المسيحية: الذي ملك بعد الاسكندر بطليموس الأريب‏ (1) و هو الذي بنى مدينة حلب، و سماها «أشمونيت»: و ذلك‏

____________

- ب- سورية الثانية، أو سورية المجوفة، و مركزها مدينة أفامية، و تبع لها: حماة، و الرستن، و شيزر.

فينيقيا، و قسمت بدورها إلى قسمين هما:

أ- فينيقيا الأولى و مركزها صور، و المدن الرئيسة في هذا القسم: عكا، و صيدا، و بيروت، و طرابلس، و أرواد.

ب- فينيقيا الثانية المواجهة للبنان، و مركزها دمشق، و ضمت حمص و تدمر.

فلسطين و قد قسمت إلى:

أ- فلسطين الأولى، و مركزها قيسارية، و كانت تضم القدس و نابلس، و يافا، و غزة و عسقلان.

ب- فلسطين الثانية و مركزها بيسان، و مدنها الرئيسة جدرة و طبرية.

ج- فلسطين الثالثة، و مدينتها الرئيسة البتراء.

28Palestine under teh muslims ,P

(1)- كان بطليموس الأول (سوتر) المنقذ واحدا من كبار قادة الاسكندر الأكبر، أقيم عقب وفاته واليا على مصر، عمل على تفكيك عرى الامبراطورية المقدونية، و أسس في مصر حكم أسرة البطالمة، اعتنى بالاسكندرية وود جعلها عاصمة الحضارة الاغريقية، جعل عبادة الاسكندر ديانة رسمية و هي العبادة التي تطورت إلى عبادة أسرة البطالمة، و حمل بعض ألقاب الفراعنة، أشرك ابنه بطليموس معه بالحكم قبل وفاته، و كانت وفاته سنة 283/ 282 ق. م.

الموسوعة العربية الميسرة.

40

أنه اختار بناء المدينة في موضع، و أراد أن يكون بها الماء، فخرج و دار حولها، حتى رأى الأعين التي «بحيلان» (1)؛ فأمر المهندس أن يبني عليهنّ بناء، و يحكمه، و أن يجريهنّ إلى المكان الذي هو مرسوم بمنزلة الملك. و جمع الناس للعمل في عمارة المدينة، فاحتفر في وسط المدينة حفيرة بثقها إلى النهر الذي أجراه؛ و أمر بالقساطل أن تعمل فاختلّت، فاتخذت من الحجارة؛ فتمّ ما أراد و بنى به بناء في موضع الريحانيين يومنا هذا؛ و اتخذ عليه قصرا، و بنى المدينة.

و آخر ما بناه «باب أنطاكية» ورّتب فيها ابنته «أشمونيت»؛ و سمّى المدينة باسمها و أضاف لها جندا و زوجّها «بإيلياوس»، أحد أبناء ملوكهم؛ و كان قائد جيش الأريب؛ و صار إلى أنطاكية؛ و ليست من بناء اليونان فإنّ رسمّها قديم؛ فتمم بناءها، و أضافها إلى إيلياوس زوج أشمونيت‏ (2).

و ملك الأريب تسعا و عشرين سنة. و ملك بعده ابنه بطليموس، و لقب باليونانية: «محب أخته» (3)؛ و كانت أخته أشمونيت نائبة عنه؛ فبقي في‏

____________

(1)- حيلان: قرية بهضبة حلب، تبعد عنها 8 كم نحو الشمال، تصلها بحلب طريق مزفتة، و هي تتبع اداريا قرى مركز و منطقة جبل سمعان. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(2)- لم يهتم البطالمة باعمار الجزء الجنوبي الذي حكموه من سورية، و على عكسهم كانت الدولة السلوقية، حيث يبدو أن سلوقس قام بالدور الرئيسي في هذا المجال، فإليه تنسب المدن الأربع: أنطاكية، و أفامية، و سلوقيا، و لاذقية. مدن بلاد الشام حين كانت ولاية رومانية- ط. عمان 1987 ص 36- 41.

(3)- وقعت حلب في ظل حكم البطالمة و هم: بطليموس الثاني محب أخته (308- 246 ق. م) و قد جاء بعد بطليموس، و حافظ على استقلال مصر و خلفه بطليموس الثالث الخير [يورجتيس‏] [246- 221 ق. م‏] و جاء من بعده بطليموس الرابع [فيلوباتور] المحب لأبيه، و خلفه بطليموس الخامس [203- 180 ق. م‏] و جاء بعده بطليموس السادس [فيلومنور]

41

الملك ستا و عشرين سنة. و ملك بعده ابنه بطليموس الاورجاتيس [و لقّب باليونانية بالفاعل فبقي في الملك أربعا و عشرين سنة. و ملك بعده بطليموس فليفاطر] و لقّب باليونانية محب أبيه، و أشمونيت و زوجها و ولدها يتولون حلب. و ملك بعده «بطليموس محب أمه» (1) و هو ابن أشمونيت و كان ينزل حلب، و عمّر على صخرتها قلعة، و حصّنها، فخرج عليه في آخر أيامه «انطياخوس» ملك الروم؛ و استنجد عليه فلم يكن لمحب أمه به طاقه، فخرج عنها مع أمه، فأسرهما أنطياخوس، و عذبهما، و استصفى أموالهما، و شرع في هدم ما جدّدت أشمونيت من بناء حلب. فقيل له إنّ الذي يفعله ليس من عادة الملوك، فكفّ عن هدمها؛ و توّعد من يسكن بحلب، فصار الناس إلى غيرها. و عاد إلى أنطاكية فاستحدث بها أبنية لنفسه. فلذلك يزعم قوم أن أنطاكية من بنائه، و ليس الأمر كذلك؛ و إنما له فيها مثل ما لبطليموس الأريب من التتميم. و يقال: إن أشمونيت و هي حلب تجاوزت عمارتها مارسمه الأريب، حتى صارت العمارة إلى جميع الجوانب. و قيل: إن أشمونيت نصبت حواليها مائة ألف نصبة من الزيتون، و من التين مائة ألف نصبة و غير ذلك من الأشجار الجبلية الشامية. و لم يبق بحلب موضع ينسب إلى أشمونيت غير العين المعروفة بأشمونيت. و ماتت أشمونيت و ولدها في أسر أنطياخوس تحت العقاب.

____________

(1)- المحب لأمه [180- 145 ق. م‏] و كان في السابعة من عمره، فتولت الوصاية عليه أمه كليوبترا الأولى، و بعد وفاتها غزا أنطيوخوس الرابع [170 ق. م‏] مصر. الموسوعة العربية الميسرة.

42

و قيل هو الذي بنى قنسرين، و أجرى الماء إليها في قناة من عين المباركة، و قيل: بناها غيره، و عرف انطياخوس ببطليموس الرابع.

و قيل: إنّ أشمونيت حال محاربتها أنطياخوس أتتها نجدة من مصر، فهزمته فصار إلى الشرق فمات.

ثم ملك حلب بعد أشمونيت «بطليموس ابيفانيس» (1) و هو قائد العسكر؛ و في زمانه اشترت اليهود منه موضع القلعة المعروفة اليوم بقلعة الشريف فتحصّنوا بها؛ و كانوا يعينون الملك في القتال و يحملون له الأموال.

ثم ملك بعده بطليموس فيلو بطر (2)، و هلك انطياخوس في أيامه. ثم ملك بعده جماعة من ملوك اليونان؛ إلى أن صار الملك إلى القياصرة ملوك الروم؛ فملك منهم عدة ملوك إلى أن ملك أوغسطس قيصر بن مويوخس، فاستولى على الدنيا، و قهر الملوك، و قصد مصر ليستولي عليها، فلما بلغ حلب و كان أمره قد عظم، قال: إنّ بطليموس الأريب لم يرض أن ينزل منزلا لغيره. فسار إلى موضع مدينة قنسرين فأمر القواد أن يأمروا من قبلهم بتحويط منازلهم، و أخذ كلّ واحد ببناء ما حوّطه، فبنى قنسرين و سمّاها «مدينة العسكر» (3). و نقل الأسواق من حلب إليها، و لم يبق بحلب إلا من لا

____________

(1)- كذا، و بطليموس أبيفانس هو الرابع [203- 180 ق. م‏] في أيامه فقدت مصر امبراطوريتها. الموسوعة العربية الميسرة.

(2)- هذا بطليموس الرابع- المحب لأبيه، و سلفت الاشارة إليه.

(3)- تبعد بقايا قنسرين عن حلب 7 كم و يضم الموقع تلا فيه بقايا مدينة مسورة، هذا و كان يطلق على المنطقة ما بين العاصي و الفرات اسم خالدين‏Chalcidene و كانت قنسرين‏Chalcis حاضرة هذه المنطقة .. 1866A classical Dictionary ,London

43

حاجة للعسكر به. و كانت هذه أعظم من فعل انطياخوس. و قيل: إنه أمر أن ينفق على القناة إليها فأنفق نائبه مالا على القناة، و أجرى الماء فيها من عين المباركة، و ساقها إلى القناطر إلى قنسرين؛ و بنى بها ثلاث برك على شكل المثلث، و فايضها ينحدر إلى الأرضين التي تحتها.

و صار الملك بعده إلى جماعة من القياصرة ملوك الروم. و صارت أنطاكية دار الملك، و بها مقام ملوك الروم؛ و كانوا يدعونها مدينة اللّه، و مدينة الملك، و أم المدن، لأنّها أول بلد ظهر فيه دين النصرانية (1). و معظم سور مدينة حلب من بناء الروم.

و ملك منهم ملك يقال له: فوقاس‏ (2) فسفك الدماء، و تتبع حاشية كسرى، فقتلهم؛ فتوجه كسرى أنو شروان إلى الشّام فافتتح حلب، و أنطاكية، و منبج، و رمّ ما استهدم من سور مدينة حلب بالقرميد الكبار، و هو ظاهر في سور المدينة الكبير، فيما بين بابي اليهود و الجنان. و جدّد كسرى بناء منبج و سمّاها منبه؛ و هو بالفارسية: أنا اجود، فعرّبت فقيل منبج.

و استحسن أنطاكية فلما عاد إلى العراق بنى مدينة على صورتها، و سماها ريد خسره، و هي التي تسمى رومية، و أدخل إليها سبي أنطاكية، فقيل إنهم‏

____________

(1)- في هذه العبارة دقة كبيرة، فبعد ما نجح بولس الرسول (شاول) في مزج تعاليم السيد المسيح بالغنوصية، بات اسم العقيدة الجديدة النصرانية، و على هذا قال بولس لأتباعه في أنطاكية إثر نجاحه: أنتم آخر الجليليين و أول النصارى. انظر الموسوعة العربية الميسرة.

(2)- وصل فوقاس إلى عرش الامبراطورية البيزنطية سنة 602 م، إثر مقتل الامبراطور موريس، و قد عزل سنة 610 م من قبل هرقل الذي قدم من قرطاج و نصب نفسه امبراطورا.

44

لم ينكروا من منازلهم شيئا فانطلقوا إليها إلا رجل اسكاف، كان على باب داره بأنطاكية شجرة فرصاد (1)، فلم يرها على بابه ذلك؛ فتحيّر ساعة؛ ثم دخل الدار، فوجدها مثل داره.

و لما عاد كسرى عن الشام، قام هرقل بن فوق بن مروقس و جمع بطارقة الروم، و أولي المراتب؛ و ذكر لهم سوء آثار فوقاس ملك الروم؛ و غلبة الفرس على ملكهم بسوء تدبيره، و إقدامه على الدماء؛ و دعاهم إلى قتله فقتلوه؛ و وقع اختيارهم على هرقل فملّكوه.

و في أول سنة من ملكه كانت هجرة نبيّنا محمّد- (صلى اللّه عليه و سلّم)- من مكة إلى المدينة (2)؛ و استولى على حلب، و على جميع البلاد، التي استولى عليها أنو شروان و كان جلّ مقامه بأنطاكية.

فلما افتتح المسلمون أجناد الشام‏ (3)، و كانت وقعة اليرموك، و قتل‏

____________

(1)- الفرصاد شجر التوت، و توسع ابن العديم في كتابه بغية الطلب في هذا الباب انظر ج 1 ص 65، 91- 92، 106- 107.

(2)- اعتلى هرقل العرش في بيزنطة سنة 610 م، و يقابل سنة الهجرة الأولى سنة 622 م. انظر الدولة البيزنطية في عصر الامبراطور هرقل تأليف د. ليلى عبد الجواد اسماعيل- ط. القاهرة 1985 ص 61- 74.

(3)- أشرت من قبل إلى تقسيمات بلاد الشام اداريا قبل الفتح العربي الاسلامي، و بعد الفتح قام العرب باعادة النظر في هذا التقسيم في ضوء تبدل الجغرافية السياسية لبلاد الشام. فهذه البلاد باتت جزءا من دولة الخلافة التي مركزها الآن المدينة المنورة. و لم تعد تتبع روما الغربية أو الشرقية بل تعاديها. لذلك قسم العرب البلاد أولا إلى أربعة أجناد هي: جند دمشق، و جند حمص، و جند الأردن، و جند فلسطين، و في العصر الأموي أيام يزيد بن معاوية قسم جند حمص إلى قسمين هما: جند حمص و جند قنسرين.

45

المسلمون فيها معظم الرّوم، و أمير المسلمين عليهم أبو عبيدة بن الجرّاج- رضي اللّه عنه- انتقل هرقل من أنطاكية، و عبر الفرات إلى «الرها»؛ و جعل بقنّسرين ميناس الملك،- و كان أكبر ملوك الروم بعد هرقل.

فسار أبو عبيدة بعد فراغه من اليرموك إلى حمص ففتحها؛ ثم بعث خالد بن الوليد على مقدمته إلى قنّسرين؛ فلما نزل بالحاضر زحف لهم الروم؛

____________

- و جند دمشق، حاضرته دمشق، و فيه من الكور: بعلبك قاعدة البقاع، و حوران و مدينته بصرى، و البثنية و مدينتها أذرعات، و الجولان و مدينته بانياس، و كورة الشراة و مدينتها أذرح و مناطق أخرى، على رأسها المناطق الساحلية لعرقة و طرابلس و جبيل و بيروت و صيدا. و كانت الغالبية العظمى لسكان جند دمشق من العرب من قبائل أصل يماني.

و جند حمص كان يضم وسط بلاد الشام مع الشمال. من أهم مدنه حماة و شيزر و أفاميا، و تدمر و معرة النعمان، و حلب و البارة، و قنسرين و أنطاكية، مع اللاذقية و جبلة و بانياس و أنطرطوس على الساحل، و كانت تنوخ و طى‏ء تسكن هذه المناطق قبل الفتح و انضاف إليها بعد الفتح القبائل اليمانية التي شاركت في اليرموك و بقية المعارك.

جند الأردن و قصبته مدينة طبرية على شاطى‏ء البحيرة التي حملت الاسم نفسه. و من مدن هذا الجند في الداخل بيسان و فحل و جرش، و في الساحل صور و عكا.

و جند فلسطين و قاعدته مدينة اللد و من مدن هذا الجند القدس و عمواس و نابلس و سبسطيه و بيت جبرين.

و بات لكل جند خراجه و نواة ادارة مستقلة و وال و حامية. فقد تمركزت غالبية القوات التابعة لجند فلسطين في عمواس. و آثر كبار الصحابة سكنى هذه المدينة لوقوعها على مقربة من بيت المقدس.

مختصر كتاب البلدان لابن الفقيه: 102- 105 كتاب البلدان لليعقوبي: 225- 227.

المسالك و الممالك لابن خرداذبه: 75- 76- الأعلاق الخطيرة قسم دمشق: 41. معجم البلدان مواد: عرقة. صيدا، بيروت، طرابلس. الأنس الجليل: 266.

46

و ثار أهل الحاضر بخالد بن الوليد، و عليهم «ميناس»- و هو رأس الرّوم و أعظمهم فيهم بعد هرقل- فالتقّوا بالحاضر؛ فقتل «ميناس» و من معه مقتلة لم يقتلوا مثلها. و مات الروّم على دمه حتى لم يبق منهم أحد.

و أما أهل الحاضر فكانوا من تنوخ، منذ أول ماتنخوا بالشّام، و نزلوه و هم في بيوت الشعر؛ ثم ابتنوا المنازل؛ فأرسلوا إلى خالد: أنّهم عرب؛ و انهم لم يكن من رأيهم حربه؛ فقتل منهم، و ترك الباقين.

فدعاهم أبو عبيدة بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم بعضهم، و بقي البعض على النصرانية؛ فصالحهم على الجزية. و كان أكثر من أقام على النصرانية بنو سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة (1).

و يقال: إنّ جماعة من أهل ذلك الحاضر أسلموا في خلافة المهديّ، فكتب على أيديهم بالخضرة: قنّسرين.

ثم إنّ خالدا سار فنزل على قنّسرين، فقاتله أهل قنّسرين، ثم لجؤوا إلى حصنهم، فتحصنوا فيه، فقال: «إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا اللّه عليكم أو لأنزلكم إلينا» ثم إنهم نظروا في أمرهم، و ذكروا ما لقي أهل حمص فطلبوا منه الصلح؛ فصالحوه على صلح حمص، فأبى إلا على إخراب المدينة فأخربها.

____________

(1)- لمزيد من التفاصيل- انظر البلدان للبلاذري- تحقيقي- ص 170- 172. مغازي ابن حبيش- تحقيقي- ص 225- 226. و مفيد أن نشير إلى أن نظام الحواضر في بلاد الشام قد اندثر الآن، اللهم إلا في مدينة حماة حيث ما يزال الجزء العلوي- الشمالي- منها يعرف باسم الحاضر، و تتركز علاقات هذا الجزء مع أهل البادية.

47

و كان صلح حمص على دينار و طعام على كل جريب‏ (1) أيسروا أو أعسروا. و غلب المسلمون على جميع أرضها و قراها؛ و ذلك في سنة ست عشرة للهجرة.

فتح حلب‏ (2)

ثم إنّ خالدا- رضي اللّه عنه- سار إلى حلب، فتحصن منه أهل حلب. و جاء أبو عبيدة- رضي اللّه عنه- حتى نزل عليهم؛ فطلبوا إلى المسلمين الصلح و الأمان، فقبل منهم أبو عبيدة و صالحهم، و كتب لهم أمانا (3).

و دخل المسلمون حلب من «باب أنطاكية» (4) و حفّوا حولهم بالتراس داخل الباب؛ فبني ذلك المكان مسجدا، و هو المسجد المعروف بالغضائري، داخل باب أنطاكية، و يعرف الآن بمسجد شعيب‏ (5).

و لما توّجه أبو عبيدة إلى حلب بلغه أن أهل قنّسرين قد نقضوا فرد

____________

(1)- الجريب: مكيال قدر أربعة أقفزة، و قيل هو من الأرض ما يساوي ثلاثة آلاف و ستمائة ذراع، أو عشرة آلاف ذراع. القاموس.

(2)- نقل هذا العنوان من هامش الأصل.

(3)- لمزيد من التفاصيل انظر بغية الطلب ج 1 ص 569- 587.

(4)- عدد ابن العديم في بغيته أبواب حلب بعدما وصف أسوارها ج 1 ص 55- 57.

(5)- اسمه الآن جامع النوته في محلة العقبة، لم يبق من بنائه الأول إلا الجهة الغربية لرواق.

الآثار الاسلامية و التاريخية في حلب لمحمد أسعد طلس، ط. دمشق 1956 ص 63- 64.

48

إليهم السمط بن الأسود الكندي، فحصرهم ثم فتحها، فوجد فيها بقرا و غنما؛ فقسم بعضها فيمن حضر، و جعل الباقي في المغنم.

و كان حاضر قنّسرين [لطي‏ء] قديما نزلوه بعد حرب الفساد التي كانت بينهم حين نزل الجبلين‏ (1) من نزل منهم؛ فلما ورد أبو عبيدة عليهم أسلم بعضهم، و صولح كثير منهم على الجزية؛ ثم أسلموا بعد ذلك بيسير إلا من شذّ منهم.

و كان بقرب مدينة حلب حاضر حلب يجمع أصنافا من العرب من تنوخ و غيرهم؛ فصالحهم أبو عبيدة على الجزية، ثم إنهم أسلموا بعد ذلك؛ و جرت بينهم و بين أهل حلب حرب أجلاهم فيها أهل حلب، فانتقلوا إلى قنّسرين‏ (2).

و كانت قنّسرين و حلب إذ ذاك مضافتين إلى حمص فأفردهما يزيد بن معاوية في أيّامه. و قيل: أفردهما معاوية أبوه.

و لما بلغ عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- ما فعل خالد في فتح قنسرين و حلب، قال: أمّر خالد نفسه؛ يرحم اللّه أبا بكر، هو كان أعلم بالرجال منّي. يعني أنّ خالدا كان أمير المسلمين من جهة أبي بكر- رضي اللّه عنه- على الشام؛ فلما وليّ عمر عزله ووّلّى أبا عبيدة (3).

____________

(1)- الاشارة هنا إلى جبلي طي‏ء: أجأ و سلمى انظرهما في معجم البلدان لياقوت.

(2)- انظر بغية الطلب ج 1 ص 562- 564.

(3)- لمزيد من التفاصيل انظر بغية الطلب ج 1 ص 573- 582.

49

ثم ولاه عمر- رضي اللّه عنه- على قنّسرين فأدرب خالد و عياض بن غنم أول مدربة كانت في الإسلام، سنة ست عشرة (1).

و رجع خالد، فأتته الامارة من عمر- رضي اللّه عنه- على قنّسرين، فأقام خالد أميرا، تحت يد أبي عبيدة عليها، إلى أن أغزى هرقل أهل مصر في البحر؛ و خرج على أبي عبيدة في عساكر الروم، و أبو عبيدة بحمص بعد رجوعه من فتح حلب.

فاستمدّ أبو عبيدة خالدا فأمدّه بمن معه؛ و لم يخلف أحدا، فكفر أهل قنّسرين بعده؛ و بايعوا هرقل و كان أكفر من هناك تنوخ.

و اشتور المسلمون فأجمعوا على الخندقة و الكتاب إلى عمر- رضي اللّه عنه- بذلك. و أشار خالد بالمناجزة فخالفوه، و خندقوا. و كتبوا إلى عمر- رضي اللّه عنه- و استصرخوه.

و جاء الرّوم بمددهم؛ فنزلوا على المسلمين؛ و حصروهم. و بلغت أمداد الجزيرة ثلاثين ألفا، سوى أمداد قنّسرين، من تنوخ و غيرهم؛ فنالوا من المسلمين كل منال.

و كتب عمر- رضي اللّه عنه- إلى سعد بن أبي وقاص يخبره بذلك؛ و يأمره أن يبثّ المسلمين في الجزيرة، ليشغلهم عن أهل حمص. و أمدّه عمر-

____________

(1)- روى ابن العديم في بغيته ج 1 ص 569- 572. أن أول من أدرب إلى الأراضي البيزنطية كل من ميسرة بن مسروق العبسي و الاشتر النخعي.

50

رضي اللّه عنه- بالقعقاع بن عمرو، فتوغلوا في الجزيرة؛ فبلغ الروم؛ فتقوضوا عن حمص إلى مدائنهم.

و ندم أهل قنّسرين و راسلوا خالدا، فأرسل إليهم: «لو أن الامر إليّ ما باليت بكم، كثرتم أم قللتم؛ لكنّي في سلطان غيري؛ فإن كنتم صادقين، فانفشوا كما نفش أهل الجزيرة». فساموا سائر تنوخ ذلك، فأجابوا؛ و أرسلوا إلى خالد: «إنّ ذلك إليك، فإن شئت فعلنا و إن شئت أن تخرج علينا فنهزم بالرّوم». فقال: «بل أقيموا؛ فإذا خرجنا، فانهزموا بهم».

فلما علم أبو عبيدة و المسلمون بذلك قالوا: «اخرج بنا»! و خالد ساكت، فقال أبو عبيدة: «مالك يا خالد، لا تتكلم» فقال: «قد عرفت الذي عليه رأيي، فلم تسمع من كلامي». قال: «فتكلم فإني أسمع منك، و أطيع». فأشار بلقائهم.

فخرج المسلمون و التقوهم، فانهزم أهل قنّسرين، و الروم معهم فاحتوى المسلمون على الروم، فلم يفلت منهم أحد (1).

و ما زال خالد على إمارة قنّسرين حتى أدرب خالد و عياض، سنة سبع عشرة، بعد رجوعهما من الجابية (2)، مرجع عمر إلى المدينة، فأصابا أموالا عظيمة.

____________

(1)- لمزيد من التفاصيل انظر بغية الطلب ج 1 ص 576- 578.

(2)- يقع تل الجابية على مقربة من بلدة نوى في حوران- سورية.

51

و قفل خالد سالما، غانما، و بلغ الناس ما أصابوا تلك الصائفة؛ و قسم خالد فيها ما أصاب لنفسه؛ فانتجعه رجال من أهل الآفاق، و كان الأشعث بن قيس ممن انتجع خالدا بقنسرين، فأجازه بعشرة آلاف درهم.

و كان عمر لا يخفى عليه شي‏ء في عمله؛ فكتب إليه من العراق بخروج من خرج منها، و من الشام بجائزة من أجيز فيها. فدعا البريد، و كتب معه إلى أبي عبيدة: أن يقيم خالدا، و يعقله بعمامته، و ينزع عنه قلنسوته. حتى يعلمكم من أين أجاز الأشعث؟ أمن ماله؟ أم من إصابة أصابها؟ فان زعم أنّها من إصابة أصابها فقد أقرّ بخيانة؛ و إن زعم أنّها من ماله، فقد أسرف.

و اعزله على كل حال، و اضمم إليك عمله.

فكتب أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه؛ ثم جمع الناس؛ و جلس لهم على المنبر، فقام البريد فقال: «يا خالد، أمن مالك أجزت بعشرة آلاف، أم من إصابة»؟ فلم يتكلم حتى أكثر عليه، و أبو عبيدة ساكت لا يقول شيئا.

فقام بلال إليه فقال: «إنّ أمير المؤمنين أمر فيك بكذا و كذا». ثم تناول عمامته، فنقضها، لا يمنعه سمعا و طاعة. و وضع قلنسوته، ثم أقامه فعقله بعمامته، ثم قال: «ما تقول أمن مالك أم من إصابة»؟ قال: «لابل من مالي» فأطلقه، و أعاد قلنسوته، ثم عمّمه بيده. ثم قال: «نسمع و نطيع لولاتنا، و نفخم و نحترم موالينا».

و أقام خالد متحيرا، لا يدري أمعزول أم غير معزول. و جعل أبو عبيدة يكرمه و يزيده تفخيما و لا يخبره؛ حتى إذا طال على عمر أن يقدم ظن الذي قد كان. فكتب إليه بالوصول.

52

فأتى خالد أبا عبيدة فقال: «رحمك اللّه ما أردت إلى ما صنعت؟ كتمتني سرّا كنت أحب أن أعلمه قبل اليوم». فقال أبو عبيدة: «إني و اللّه ما كنت لأروعك ما وجدت من ذلك بدّا؛ و قد علمت أن ذلك يروعك».

قال: فرجع خالد إلى قنسرين، فخطب أهل عمله، و ودعهم. و قال خالد: «إنّ عمر ولاني الشام حتّى إذا ألقى بوانيه و صار بثنيّة (1) و عسلا عزلني، و استعمل غيري».

و تحمّل و أقبل إلى حمص فخطبهم، و ودعهم. و سار إلى المدينة حتى قدم على عمر فشكاه؛ و قال: «لقد شكوتك إلى المسلمين و باللّه إنّك في أمري غير مجمل يا عمر». فقال عمر: «من أين هذا الثّراء؟ فقال: «من الأنفال و السّهمان». فقال: «مازاد على الستين ألفا فلك». فشاطره على ما في يده و قوّم عروضه، فخرجت عليه عشرون ألفا؛ فأدخلها بيت المال، ثم قال: «يا خالد! و اللّه إنّك لعليّ الكريم، و إنّك إليّ الحبيب؛ و لن تعاتبني بعد اليوم على شي‏ء». ثم إنّه عوّضه بعد ذلك عما أخذه منه‏ (2).

و استعمل أبو عبيدة على قنسرين حبيب بن مسلمة بن مالك.

____________

(1)- بهامش الأصل: البثنية: الحنطة التي تنبت في البثنية و هي السهل. و جاء في النهاية لابن الأثير: في حديث خالد: فلما ألقى الشام بوانيه عزلني و استعمل غيري؛ أي خيره و ما فيه من السعة و النعمة، و البواني في الأصل: أضلاع الصدر، و قيل الأكتاف و القوائم، الواحدة بانية.

(2)- لخالد بن الوليد ترجمة وافية في كتاب بغية الطلب لابن العديم، منها استخلص ما أورده هنا من معلومات ص 3120- 3173.

53

و أما هرقل فانه تأخر من الرّها إلى سميساط؛ و فصل عنها إلى القسطنطينية؛ فلما فصل علا على شرف؛ و التفت؛ و نظر نحو سورية، و قال: «عليك السّلام يا سورية سلام لا اجتماع بعده؛ و لا يعود إليك روميّ أبدا إلآ خائفا، حتى يولد المولود المشئوم؛ و يا ليته لا يولد، ما أحلى فعله و أمرّ عاقبته على الروم.

و طعن‏ (1) أبو عبيدة- رضي اللّه عنه- سنة ثماني عشرة؛ فاستخلف على عمله عياض بن غنم، و هو ابن عمه و خاله؛ و كان جوادا مشهورا بالجود، فقال عمر: «إني لم أكن مغيرا أمرا قضاه أبو عبيدة».

و مات عياض سنة عشرين، فأمّر عمر- رضي اللّه عنه- على حمص و قنسرين سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي و مات سنة عشرين. فأمّر عمر مكانه عمير بن سعد بن عبيد الأنصاري على حمص و قنسرين.

و مات عمر- رضي اللّه عنه- مقتولا في ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين؛ و عمير بن سعد على حمص و قنسرين؛ و معاوية على دمشق و السواحل و أنطاكية. فمرض عمير في إمارة عثمان مرضا طال به، فاستعفى عثمان؛ و استأذنه في الرجوع إلى أهله، فأذن له.

____________

(1)- حدث في سنة 18 ه طاعون عرف باسم طاعون عمواس، و عمواس بلدة قرب القدس، سكن فيها عدد كبير من الصحابة، و المسلمين و قيل كان عدد الذين ماتوا من المسلمين يتجاوز الخمسة و العشرين ألفا من أبرزهم: أبو عبيدة عامر بن الجراح، و شرحبيل بن حسنة، و معاذ بن جبل. طبقات ابن سعد ج 7 ص 387. الأنس الجليل ص 366.

54

و ضمّ حمص و قنسرين إلى معاوية سنة ست و عشرين؛ فاجتمع ولاية الشام جميعه على معاوية لسنتين من خلافة عثمان؛ فولى معاوية حبيب بن مسلمة بن مالك الفهري على قنسرين، و كان يسمى حبيب الروم لكثرة غزوه لهم.

و مات عثمان- رضي اللّه عنه- مقتولا في ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين، و الشام مع معاوية؛ و حبيب على قنسرين، من تحت يده.

فجرى بين علي- (عليه السلام)- و بين معاوية اختلاف إلى أن سار كلّ منهما إلى صاحبه؛ و التقيا بصفّين‏ (1)؛ و ذلك بعد سنة و شهر من خلافة عليّ، في سنة سبع و ثلاثين.

و كان عليّ في تسعين ألفا و معاوية في مائة ألف و عشرين ألفا (2)، و قتل بها من أصحاب علي خمسة و عشرون ألفا، و من أصحاب معاوية خمسة و أربعون ألفا. و كان مقامهما بصفّين مائة يوم و عشرة أيام. و كانت الوقائع تسعين وقعة؛ ثم اتفقا على التحكيم؛ و التقى الحكمان أبو موسى و عمرو بن العاص بأذرح‏ (3) في شهر رمضان سنة ثمان و ثلاثين.

____________

(1)- المرجح أن موقع صفين هو موقع أبي هريرة، القريب من الرقة حاليا.

(2)- أخبار صفين مجموعة بشكل ملحمي مفصل في كتاب صفين لنصر بن مزاحم المنقري، و في الفتوح لابن الأعثم الكوفي و غيره من المصادر المبكرة، و استخلص ابن العديم جملة من الروايات المتنوعة أودعها في الجزء الأول من بغية الطلب ص 279- 320.

(3)- أذرح معروفة الآن بالمملكة الأردنية.