كفاية الاُصول(حواشي المشكيني) - ج5

- أبو الحسن‏ المشكيني الأردبيلي المزيد...
511 /
11

[تتمة المقصد السابع فى اصول العملية]

[تتمة البحث فى الاستصحاب‏]

خاتمة

لا بأس ببيان النسبة بين الاستصحاب و سائر الأصول العملية، و بيان التعارض بين الاستصحابين:

أمّا الأوّل: فالنسبة بينه و بينها (762)

هي بعينها النسبة بين الأمارة

(762) قوله (قدّس سرّه): (فالنسبة بينه و بينها.). إلى آخره.

أقول: أمّا تقدّم الاستصحاب على العقلي منها فواضح ممّا ذكرنا سابقا، كما أشار إليه الماتن- أيضا- في آخر العبارة.

و أمّا النقلي ففي تقدّمه عليه وجوه: أمّا الحكومة فقد اختارها الشيخ في الرسالة (1)، و قال ما حاصله: إنّ دليل البراءة إمّا أن يكون مفاده مفاد حكم العقل فهو وارد عليه، و إن كان مثل قوله: «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (2) فموضوعه مقيّد بعدم النهي، و حديث «لا تنقض» مثبت للنهي، فيكون حاكما عليه.

و فيه: أنّه إن كان المراد من النهي في الحديث مطلق النهي- و لو كان ظاهريّا ثابتا بمثل عنوان «نقض اليقين بالشكّ»- فهو ملاك للورود، لا للحكومة، و إن كان المراد النهي بالعنوان الواقعي فدليل «لا تنقض» لا يرفعه؛ لا حقيقة و لا تنزيلا.

و قال بعض المحقّقين: إنّه لا شكّ في تحقّق الحكومة في الدليل الّذي يكون لسانه نفي موضوع دليل آخر، و إنّ موضوع الإباحة هو الشكّ، و أنّ «لا تنقض» يدلّ على إلغاء الشكّ باليقين السابق، و حينئذ يتحقّق الحكومة لدليله على دليلها بلا شبهة.

لا يقال: يكون الاستصحاب- حينئذ- في عرض الأمارة؛ لكونهما دالّين على‏

____________

(1) فرائد الأصول: 423- 2- 18.

(2) الوسائل 18: 127- 128- 60 باب 12 من أبواب صفات القاضي.

12

و بينه، فيقدّم عليها، و لا مورد معه لها؛ للزوم محذور التخصيص إلّا بوجه دائر في العكس و عدم محذور فيه أصلا. هذا في النقليّة منها.

إلغاء الشكّ، فيكونان في مورد الاجتماع متعارضين.

فإنّه يقال: إنّه كذلك إذا كانت العناية الملحوظة في تطبيق «لا تنقض» على الاستصحاب إلغاء الزمان حتّى تشمل الشكّ في المقتضي أيضا، و أمّا إذا كانت العناية الملحوظة كون البقاء متيقّنا- لكون مقتضية محرزا؛ حتّى ينحصر في الشكّ في الرافع- فلا؛ إذ حاصل مفاد «لا تنقض»- حينئذ- عدم مزاحمة القضيّة المتيقّنة بالقضيّة المشكوكة، و حاصله- حينئذ- إلغاء الشكّ بالنسبة إلى اليقين، لا بالنسبة إلى كلّ شي‏ء، فإذا ورد أمارة على خلاف الاستصحاب فلا يعارضها؛ إذ دليلها دلّ على إلغاء الشكّ بالنسبة إلى كلّ جهة، و دليله دلّ على إلغائه بالنسبة إلى خصوص اليقين، لا بالنسبة إلى الحجّة أيضا، انتهى.

و فيه أوّلا: منع المقدّمة الثالثة، فإنّه يدلّ دليل الاستصحاب بالمطابقة على حرمة نقض اليقين بالشكّ، و لازمها و إن كان إلغاء الشكّ و جعله كالعدم، إلّا أنّه ملازمة عقليّة غير بالغة إلى مرتبة الالتزام و الدلالة اللفظيّة، التي هي الملاك في الحكومة، و ليس مطلق الملازمة العقليّة ملاكا للحكومة، و إلّا لتحقّقت في دليل البراءة أيضا.

و ثانيا: أنّه لو كان مفاد «لا تنقض» إلغاء الشكّ بالنسبة إلى خصوص اليقين، فلا فرق بين العنايتين أصلا؛ إذ هذه الدلالة إنّما نشأت من تقابل الشكّ مع اليقين.

و ثالثا: أنّ دلالته على إلغاء الشكّ بالنسبة إلى اليقين لا توجب‏ (1) عدم تحقّق التعارض؛ إذ معناه أنّ الشكّ ملغى في مقابل اليقين، و أنّ اللازم أخذ اليقين، و إذا وردت أمارة على الخلاف فاللازم أخذ اليقين السابق، و إلغاء الشكّ الّذي هو

____________

(1) في الأصل: «يوجب».

13

و أمّا العقليّة فلا يكاد يشتبه وجه تقديمه عليها؛ بداهة عدم الموضوع معه لها؛ ضرورة أنّه إتمام حجّة و بيان، و مؤمّن من العقوبة و به الأمان، و لا شبهة في أنّ الترجيح به عقلا صحيح.

موضوع الأمارة بمقتضى دليل الاستصحاب، و قضيّة دليل الأمارة هو الأخذ بها و إلغاء الشكّ الّذي هو موضوع دليله، فيتحقّق التعارض.

و رابعا: أنّه لو سلّم جميع ذلك فهو يتمّ لو قلنا بانصراف دليل الأمارة إلى الشاكّ، و أمّا إذا قلنا بعدم الانصراف، غاية الأمر أنّه قد خرج عنه العام عقلا، فقد توهّم التعارض.

و أمّا التخصيص فلا ملاك له؛ إذ النسبة بين الاستصحاب و بين كلّ واحد من دليلي البراءة و الاحتياط عموم من وجه، و لا أظهريّة في البين حتّى يجب‏ (1) التخصيص.

و أمّا الورود فهو مختار المتن، و استدلّ عليه بقوله: (للزوم محذور التخصيص.). إلى آخره، و أوضحه في حاشية الرسائل‏ (2): بأنّ موضوع الأصول الأخر ليس الشكّ في الحكم الواقعي، بل المشكوك من جهة جميع العناوين؛ بمعنى أنّ المشكوك من كلّ جهة حكمه البراءة أو الاحتياط، و معه يرتفع هذا الموضوع بعد جريان «لا تنقض»؛ لكون الحكم معلوما بعنوان نقض اليقين بالشكّ، بخلاف العكس، فإنّ الشكّ في موضوع الاستصحاب الشك من جهة العنوان الواقعي، و له موضوع بعد فرض جريان الأصلين أيضا.

و لو قيل: لم يؤخذ بدليله حتّى يكون واردا، و لم يؤخذ بدليلهما.

____________

(1) في الأصل: «تجب».

(2) حاشية على فرائد الأصول: 236- سطر 9- 11.

14

..........

فيجاب عنه بما في العبارة التي شرحناها (1) سابقا.

أقول: فيه:

أوّلا: أنّ دعوى كون المراد من الشكّ في دليل الاستصحاب هو الشكّ بالعنوان الواقعي، و في دليلي الأصلين هو الشكّ من كلّ عنوان، تحكّم لا شاهد له، و حينئذ يتعارض‏ (2) الدليلان؛ سواء في ذلك القول بكون كلا الموضوعين من قبيل الأوّل، أو من الثاني.

و ثانيا: أنّه يتمّ بناء على جعل الحكم في الاستصحاب، و هو ممنوع، كما تقدّم سابقا.

و ثالثا: أنّه على تقدير تسليمه يتمّ إذا كان دليله قطعيّا من جميع الجهات؛ سندا و جهة و دلالة، و إلّا فلا يكون الحكم المجعول إلّا ممّا قامت عليه‏ (3) أمارة معتبرة، فلا علم بالحكم، و قد تفطّن لذلك في الدرس في الدرس في الدورة الأخيرة، و لذا التزم بالتوفيق العرفي.

ثمّ إنّه قد يتوهّم من ذلك: بطلان قوله بالإجزاء فيما جرى الاستصحاب في متعلّق التكاليف؛ إذ لا علم بالجعل.

و لكنّه مدفوع: بأنّ الأمارة القائمة على جعل الحكم تدلّ على الإجزاء أيضا؛ إذ الغرض من جعل حجيّة الأمارة ترتيب آثار متعلَّقها أو أحكامه‏ (4) العقلية، فافهم.

____________

(1) في الأصل: «شرحناه».

(2) في الأصل: «يتعارضان».

(3) في الأصل: «عليها».

(4) في الأصل: «آثار متعلّقة أو حكم متعلّقه».

15

..........

و رابعا: لو سلّمنا جميع ذلك، إلّا أنّ المتيقّن كون موضوع الأصلين هو الشكّ من جهة العناوين التي تكون من الحيثيات التقييديّة (1)، و عنوان نقض اليقين بالشكّ ليس كذلك، بل من الحيثيّات التعليلية لثبوت الحكم المستصحب لنفس موضوعه، فافهم.

ثمّ إنّه قد أشكل عليه بعض السادة المعاصرين‏ (2): بأنّه يتمّ فيما كان أصل الإباحة مخالفا للاستصحاب، و أمّا في الموافق فلا؛ إذ بعد جريان الاستصحاب في الإباحة و إن صارت معلومة بعنوان نقض اليقين بالشكّ، إلّا أنّها مشكوكة من الجهات الواقعيّة، فيكون مجرى للبراءة، بل الظاهر عدم المجرى له أصلا؛ لأنّ موضوع البراءة هو الشكّ، و موضوع الاستصحاب نقض اليقين بالشكّ، فهو متأخّر عن الشكّ، فإذا حصل للإباحة عنوانان طوليّان فالمؤثّر- حينئذ- فيها هو المتقدّم رتبة، نعم، لو كان كلا المقتضيين عرضيّين كان‏ (3) الأثر مستندا إلى كليهما؛ دفعا للترجيح بلا مرجّح. انتهى.

و فيه أوّلا: أنّ المفروض كون موضوع البراءة هو الشكّ من كلّ جهة، و حينئذ كيف يتحقّق مجرى البراءة؟! و إذا علم الحلّيّة من جهة عنوان النقض فهو بعينه نظير العلم بالحرمة من جهة ذاك العنوان.

و ثانيا: منع كون المتقدّم رتبة هو المؤثّر، بل الملاك في ذلك هو التقدّم الزماني، و إلّا فإن تقارنا زمانا يكون الأثر مستندا إلى كلا الأمرين؛ اختلفا رتبة أو لا.

و ثالثا: أنّ المفروض كون موضوع البراءة هو الشكّ من كلّ عنوان، و من جملته‏

____________

(1) في الأصل: «التقيّدية».

(2) لم نعثر عليه بمقدار فحصنا.

(3) في الأصل: «يكون».

16

و أمّا الثاني: فالتعارض بين الاستصحابين (763)

:

إن كان لعدم إمكان العمل بهما بدون علم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما، كاستصحاب وجوب أمرين حدث بينهما التضادّ في زمان الاستصحاب، فهو من باب تزاحم [1] الواجبين.

عنوان نقض اليقين بالشكّ، لا مطلق الشكّ، و من المعلوم كون الشكّ المضاف إلى شي‏ء متأخّرا رتبة عن ذاك الشي‏ء، و حينئذ يكون المتقدّم رتبة موضوع الاستصحاب، فافهم.

إذا عرفت عدم تماميّة الحكومة و الورود [و] التخصيص فاعلم: أنّ الحقّ هو التوفيق العرفي؛ و ذلك لأنّ الاستصحاب لمّا كان دليله بلسان جرّ الواقع، و لم يكن له حكاية عن الواقع كالأمارات، بخلاف سائر الأصول، فإنّه مع عدم الحكاية ليس لها لسان جرّ الواقع أيضا، كان برزخا بين الأمارة و سائر الأصول، فإذا عرض دليله مع أدلّتها يحملونها على مورد فقده، و يحكّمونه في مورد التصادق، و قد تقدّم حكايته عن المصنّف في ذيل الإشكال الثالث، و ببالي أنّه قد اختاره في الدرس في تقديم الأمارة على جميع الأصول بعد الإغماض عن الورود، و سيأتي في باب التعادل استظهاره فيه عنه- (قدّس سرّه)- فانتظر.

(763) قوله (قدّس سرّه): (فالتعارض بين الاستصحابين.). إلى آخره.

ليس المراد منه هو التعارض المصطلح؛ بمعنى تساقط كلا المتعارضين بالنسبة

____________

[1] فيتخيّر بينهما إن لم يكن أحد المستصحبين أهمّ، و إلّا فيتعيّن الأخذ بالأهمّ، و لا مجال لتوهّم أنّه لا يكاد يكون هناك أهمّ؛ لأجل أنّ إيجابهما إنّما يكون من باب واحد، و هو استصحابهما من دون مزيّة في أحدهما أصلا، كما لا يخفى؛ و ذلك لأنّ الاستصحاب إنّما يثبت المستصحب، فكما يثبت به الوجوب و الاستحباب، يثبت به كلّ مرتبة منهما، فيستصحب، فلا تغفل [المحقّق الخراسانيّ (قدّس سرّه)‏].

17

و إن كان مع العلم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما: فتارة يكون المستصحب في أحدهما من الآثار الشرعيّة لمستصحب الآخر، فيكون الشكّ فيه مسبّبا عن الشكّ فيه، كالشكّ في نجاسة الثوب المغسول بماء مشكوك الطهارة و قد كان طاهرا، و أخرى لا يكون كذلك.

إلى الحجّيّة- إمّا ذاتا أو فعليّة- بل بمعنى أعمّ يشمله و غيره ممّا يكون أحدهما- معيّنا أو مخيّرا- أو كلاهما حجّة فعلا، كما سيظهر إن شاء اللَّه تعالى.

ثمّ التعارض: إمّا أن يكون ناشئا من غير قبل العلم الإجمالي بانتقاض إحدى الحالتين، و هو على أقسام ثلاثة:

الأوّل: أن يكون لعدم القدرة عقلا [على‏] إتيان‏ (1) كلا المستصحبين في زمان الشكّ، و هو الّذي ذكره في العبارة، و حينئذ إن قلنا بعدم الجعل فاللّازم مراعاة الأهم لو كان، و إلّا فالتخيير، و إن قلنا به فالتخيير مطلقا؛ لأنّ أهمّيّة الواقع لا عبرة بها حينئذ، و في الحكم الظاهري لا يمكن تحقّق موضوعها؛ إذ علّيّة هذا الحكم عنوان نقض اليقين بالشكّ، و هو سواء بالنسبة إلى كلا الحكمين.

الثاني: أن يقوم دليل خارجيّ على عدم وجوب الجمع بينهما، و حكمه مثل الأوّل.

الثالث: أن يقوم دليل على تخصيص أحدهما المعيّن؛ و خروجه عن دليل «لا تنقض»، و يتردّد ذلك في أنظارنا بين الأمرين، و حكمه التساقط، و لا يجوز العمل بعمومه؛ لكونه من قبيل التمسّك بالعموم إذا كان المخصِّص مردّدا بين المتباينين.

و إمّا أن يكون ناشئا من قبل العلم الإجمالي المذكور، و هو على أقسام:

____________

(1) في الأصل: «بإتيان».

18

فإن كان أحدهما أثرا للآخر، فلا مورد إلّا للاستصحاب في طرف السبب، فإنّ الاستصحاب في طرف المسبّب موجب لتخصيص الخطاب، و جواز نقض اليقين بالشكّ في طرف السبب بعدم ترتيب أثره‏

الأوّل: أن يكون عدم واحد معيّن مرتّبا شرعا على وجود الآخر، كما في مثال طهارة الماء مع نجاسة المغسول.

الثاني: أن يكون كذلك عقلا، كاستصحاب عدم الحاجب في موضع الغسل مع استصحاب عدم وصول الماء.

الثالث: أن يكون عدم كلّ واحد مرتّبا على وجود الآخر.

الرابع: أن لا يكون ترتّب في البين أبدا، بل يكون عدم أحدهما المقطوع مسبّبا عن أمر آخر.

و ما قبل الأخير غير معقول و إنّ توهّمه بعض، و الثاني لا مانع من جريان الاستصحاب في كليهما على القول بعدم حجّيّة الأصل المثبت؛ لأنّه لا يثبت- حينئذ- بعدم الحاجب للطهارة، حتّى يعارض استصحاب عدم الوصول المثبت لعدمها: و على القول به يكون من مصاديق القسم الأوّل، كما لا يخفى، و لعلّه لذا لم يتعرّض الماتن إلّا له و للأخير.

فنقول: أمّا الأوّل فلا إشكال في تقدّم السببي منه على المسبّبي، و إنّما الإشكال في أنّه هل هو من قبيل التخصّص أو الورود أو الحكومة.

و أمّا التوفيق العرفي فلا احتمال له، كما لا يخفى.

قد استدلّ للمتقدّم بوجوه:

الأوّل: الإجماع: و هو على تقدير تماميّته مجمل؛ من حيث كون التقديم من جهة الورود أو القرينة (1)، و لكنّه غير تامّ لوجود المخالف أوّلا، فإنّ في المسألة أقوالا

____________

(1) في الأصل: «أو قرينة»، و يحتمل الصحيح: «أو قرينيّته».

19

الشرعي، فإنّ من آثار طهارة الماء طهارة الثوب المغسول به و رفع نجاسته، فاستصحاب نجاسة الثوب نقض لليقين بطهارته، بخلاف استصحاب طهارته؛ إذ لا يلزم منه نقض يقين بنجاسة الثوب بالشكّ، بل باليقين بما هو رافع لنجاسته، و هو غسله بالماء المحكوم شرعا بطهارته.

أربعة، فراجع المطوّلات، و لاحتمال كون مدركه هو الوجوه الآتية ثانيا، بل لا يبعد دعوى العلم بالنسبة إلى بعض المفتين.

الثاني: أنّه لو بني على التعارض لانحصر مجرى الاستصحاب في الحكم، إذ الموضوع لو كان أثره مسبوقا بالعدم لتحقّق التطابق، و لو كان مسبوقا بالوجود لجرى في نفسه من دون حاجة إلى استصحاب موضوعه.

و فيه أوّلا: أنّ الانحصار فيه لا محذور فيه؛ إذ هو كثير، فلا يلزم حمل المطلق على الفرد النادر.

و ثانيا: أنّه يجري في الموضوع إذا لم يكن للأثر حالة سابقة.

و أمّا ما أورد عليه الشيخ (قدّس سرّه)(1): من منع عدم الحاجة في الشِّقّ الثاني؛ لأنّ الشكّ في الموضوع قادح في جريان الاستصحاب في أثره‏ (2)، فحينئذ لا بدّ من استصحابه: إمّا لترتيبه، أو لصحّة جريان الاستصحاب؛ بناء على صحّة الاستصحاب في الموضوع لترتيب صحّة استصحاب الأثر، كما توهّمه بعض.

ففيه: أنّ المراد من الموضوع في باب الاستصحاب هو الموضوع النحوي و هو محرز- غالبا- في الشكّ المسبّبي مع وجود الشكّ في السّببي، إذ المراد به في المقام مطلق ما رتّب عليه المسبّبي؛ و لو لم يكن من قبيل الموضوع النحوي له، و لا يخفى‏

____________

(1) فرائد الأصول: 426- سطر 9- 13.

(2) في الأصل: «في أثر».

20

و بالجملة: فكلّ من السبب و المسبّب و إن كان موردا للاستصحاب، إلّا أنّ الاستصحاب في الأوّل بلا محذور [1]، بخلافه في‏

أنّ هذا الوجه لو تمّ لكان ملاكا للتخصيص.

الثالث: أنّ المستفاد من بعض الأخبار تقدّمه عليه، مثل الصحاح الثلاثة لزرارة (1)، فإنّ أصالة الاشتغال موجودة في مواردها، و مع ذلك قد حكم الإمام بإبقاء الطهارة الحدثيّة في الأولى، و الخبثيّة في الثانية، و إبقاء العدم في الثالثة، و ربّما يستفاد ذلك في غيرها أيضا، و هذا الوجه تامّ‏ (2) إلّا أنّه مجمل من حيث الدلالة على الورود

____________

[1] و سرّ ذلك: أنّ رفع اليد عن اليقين في مورد السبب يكون فردا لخطاب: «لا تنقض اليقين»، و نقضا لليقين بالشكّ مطلقا بلا شك، بخلاف رفع اليد عن اليقين في مورد المسبّب، فإنّه إنّما يكون فردا له إذا لم يكن حكم حرمة النقض يعمّ النقض في مورد السبب، و إلّا لم يكن بفرد له، إذ- حينئذ- يكون من نقض اليقين باليقين؛ ضرورة أنه يكون رفع اليد عن نجاسة الثوب المغسول بماء محكوم بالطهارة شرعا؛ باستصحاب طهارته، لليقين بأنّ كلّ ثوب نجس يغسل بماء كذلك يصير طاهرا شرعا.

و بالجملة: من الواضح- لمن له أدنى تأمّل- أنّ اللازم- في كلّ مقام كان للعامّ فرد مطلق، و فرد كان فرديّته له معلّقة على عدم شمول حكمه لذلك الفرد المطلق، كما في المقام، أو كان هناك عامّان كان لأحدهما فرد مطلق، و للآخر فرد كانت فرديّته معلّقة على عدم شمول حكم ذلك العامّ لفرده المطلق، كما هو الحال في الطرق في مورد الاستصحاب- هو الالتزام بشمول حكم العامّ لفرده المطلق، حيث لا مخصِّص له، و معه لا يكون فرد آخر يعمّه أو لا يعمّه، و لا مجال لأن يلتزم بعدم شمول حكم العامّ للفرد المطلق، ليشمل حكمه لهذا الفرد، فإنه يستلزم التخصيص بلا وجه، أو بوجه دائر، كما لا يخفى على ذوي البصائر. (المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه)).

____________

(1) الأولى: الوسائل 1: 174- 1 باب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

و الثانية: التهذيب 1: 421- 8 باب تطهير البدن و تطهير الثياب من النجاسات.

و الثالثة: الوسائل 5: 321- 3 باب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(2) في الأصل: «تمام».

21

الثاني، ففيه محذور التخصيص بلا وجه إلّا بنحوٍ محال، فاللازم الأخذ بالاستصحاب السببي، نعم لو لم يجر هذا الاستصحاب بوجه لكان‏

و قرينيّته.

الرابع: الورود، و تقريبه من وجهين:

الأوّل: أنّ المراد من الشكّ في دليله هو التحيّر، و مع الشمول للسّبب فلا تحيّر في المسبّب، بخلاف العكس.

لا يقال: إنّه فرع حجّيته في الأوّل.

فإنّه يقال: عدم حجّيّته فيه مستلزم للتخصيص بلا مخصّص، أو بوجه دائر.

و فيه: أنّه لو سُلِّم لا يرفع التحيّر؛ إذ المراد منه عدم طريق إلى الواقع، و هو متحقّق بعد الشمول له أيضا، إذ الاستصحاب ليس طريقاً.

الثاني: ما ذكره في العبارة تبعاً للشيخ- قدس سره‏ (1)- فإنّه- (قدّس سرّه)- و إن سمّاه حكومة، إلّا أنّه ملاك للورود، و هو مركّب من مقدّمتين:

إحداهما: أنّ موضوع الاستصحاب في دليله عنوان نقض اليقين بالشكّ، لا مطلق الشكّ.

الثانية: أنّ المسبّب حيث كان من آثار السّبب، كان الاستصحاب الجاري فيه مُثبِتاً له، و لا عكس، و حينئذٍ يلزم من شمول الدليل له الخروج الموضوعي، لأنّ نقض يقينه- حينئذٍ- بالحجّة، لا بالشكّ، و من شموله للمسبّب الإخراج الحكمي، و هو بلا مخرج، أو بوجه دائر، كما تقدّم تقريبه في تقدّم الأمارة.

لا يقال: إنّه يصحّ في غير صحيحة زرارة الأُولى، و أمّا فيها فلا؛ إذ ذيله- و هو قوله: «و لكن ينقضه ..» إلى آخره- يدلّ على حصر ناقض اليقين في اليقين،

____________

(1) فرائد الأُصول: 425- سطر 4- 13.

22

الاستصحاب المسبّبي جارياً، فإنّه لا محذور فيه- حينئذٍ- مع وجود أركانه و عموم خطابه.

فلا ينقض بغيره؛ سواء كان شكّا أو حجّة.

فإنّه يقال: قد مرّ اندفاعه بوجوه أربعة في تقدّم الأمارة على الاستصحاب.

و لكن هذا يتمّ في السببي المخالف، كما هو محلّ الكلام، و أمّا الموافق فلا، كما تقدّم هناك أيضا.

الخامس: الحكومة: قد قرّبها بعض المحقّقين، و حاصله‏ (1): أنّ دليل الاستصحاب دالّ على إلغاء الشكّ، فيدلّ- حينئذٍ- على إلغاء الشكّ السببي، و حيث كان ذلك سبباً للشكّ المسبّبي، فيدلّ على إلغائه أيضا، بخلاف دلالته على إلغاء الشكّ المسبّبي، فإنّه ليس إلغاء للشكّ السببي، و من المعلوم أنّ الدليل الوارد بلسان نفي موضوع يكون حاكماً، و لا فرق فيه بين أن يكون هذا الموضوع مشمولًا للدليل الآخر أو لهذا الدليل.

و فيه أوّلًا: أنّ دلالة الحديث على إلغاء الشكّ ممنوعة، كما تقدّم سابقاً.

و ثانياً: أنّه لو سُلّم فليس دالّا على إلغاء الشكّ المسبّبي، بل هو دالّ‏ (2) على إلغاء الشكّ السببي فقط.

و ثالثاً: أنّ الشارحيّة و النّظر اللذين من شرائط الحاكم لا يُتصوّران في الدليل الواحد.

و رابعاً: أنّ الحكومة فرع بقاء الموضوع، و قد عرفت عدم بقائه.

السادس: ما ذكره الشيخ في الرسالة (3): من أنّ الشكّ السببي له لازمان:

____________

(1) كذا، و الأقوم في العبارة هكذا: «و قد قرّبها بعض المحقّقين بما حاصله».

(2) في الأصل: «دل».

(3) فرائد الأُصول: 426- سطر 2- 4.

23

..........

عقليّ و هو الشكّ المسبّبي، و شرعيّ و هو حرمة النقض؛ لأنّ الحكم الثابت لموضوع في دليل شرعيّ من لوازم ذلك الموضوع شرعاً، كما في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (1) مثلًا، و حينئذٍ يكون الشكّ المسبّبي متّحداً مع هذا الحكم في الرتبة، فلو فرض دخوله في موضوعه للزم تقدّم الشي‏ء على نفسه رتبة؛ لكونه متقدّماً بما هو موضوع له، و متأخّراً بما هو في رتبته، و لكنّه لو تمّ لكان ملاكاً للتخصيص، إلّا أنّه غير تامّ؛ إذ فيه:

أوّلًا: أنّ كون هذا الحكم لازماً شرعاً للشكّ السببي فرعُ حجّيّة العامّ، و هو أوّل الكلام، و لو ثبت بما ورد من تقريب الورود- من أنّه لو لم يكن حجّة فيه للزم الدَّور أو ما هو نظيره في البطلان- فلا يكون وجهاً آخر.

و ثانياً: أنّ دخوله في هذا الموضوع ليس بلحاظ نظريّ، بل بلحاظ (2) طبيعيّ.

و بعبارة أخرى: قد أُخذ الموضوع على وجه طبيعيّ من دون النّظر إلى الخصوصيّات، و حينئذٍ يكون المتقدّم على الحكم طبيعة الشكّ، لا هذا الشكّ الخاصّ؛ حتّى يلزم تقدّمه على ما في رتبته، فافهم.

و قد تلخّص ممّا ذكرنا: أنّه لا ملاك في تقدّم السببي غير الورود، و أنّ تقديمه في أخبار الاستصحاب من هذه الجهة، و إن كانت‏ (3) نفسها مجملة من تلك الجهة.

و ظهر أيضا اندفاع إشكال على صحيحة زرارة الأُولى‏ (4): من أنّه لا وجه لإجراء الاستصحاب في الطهارة، بعد كون الشكّ فيها مسبّباً عن الشكّ في حصول‏

____________

(1) المائدة: 3، و في الأصل: «حرّمت عليكم الخمر»، و ليست هذه بآية.

(2) في الأصل: «للحاظ».

(3) في الأصل: «كان».

(4) الوسائل 1: 174- 1 باب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

24

و إن لم يكن المستصحب (764) في أحدهما من الآثار للآخر،

النوم، و مع جريانه فيه لا يجري في المسبّب؛ حيث ظهر أنّ ملاك التقديم هو الورود، و أنّه غير محقّق في المتوافقين، فافهم.

(764) قوله (قدّس سرّه): (و إن لم يكن المستصحب.). إلى آخره.

هذا هو القسم الرابع من أقسام صور العلم بالانتقاض، و هو على أقسام أربعة:

الأوّل: أن يكون أحدهما ذا أثر دون الآخر، و لا إشكال في جريان الاستصحاب في الأوّل بلا ملازم لثبوت المقتضي و عدم المانع لا عقلًا و لا شرعاً.

الثاني: أن يترتّب الأثر على كليهما، و لكن يلزم من العمل بكليهما مخالفة عمليّة قطعيّة للتكليف المعلوم، كما في استصحابي طهارتي إناءين علم إجمالًا بنجاسة أحدهما (1).

الثالث: الصورة مع عدم لزوم المحذور المذكور، و لكن يقوم دليل- من إجماع أو غيره- على عدم الجمع بينهما، كما في الماء المتمَّم كُرّاً بماء طاهر إذا فرض قيام إجماع على اتّحاد حكم الماءين بحسب الظاهر أيضا، و إلّا فمجرّد قيامه على اتّحادهما في الحكم الواقعي لا يقدح، و لا إشكال في تساقطهما في الصورتين، إلّا أنّه هل لوجود المانع بعد تماميّة المقتضي في مقام الإثبات، أو لأنّه غير تامّ و إن كان لو فرض تماميّته يكون المانع- أيضا- موجوداً؛ و ذلك لأنّ حجّيّة دليل في مورد يتوقّف على انعقاد ظهور له فيه، مع عدم مخصّص عقليّ أو شرعيّ في البين؟

وجهان، ذهب الشيخ في الرسالة (2) إلى الثاني.

و حاصل ما ذكره- بتحرير منّا-: أنّ أخبار الاستصحاب و إن كانت مطلقة،

____________

(1) في الأصل: «إحداهما».

(2) فرائد الأُصول: 429- سطر 10- 15.

25

..........

إلّا أنّ قوله (عليه السلام) في ذيل صحيحة زرارة الأُولى، يدلّ على وجوب نقض اليقين باليقين، و هذا اليقين الثاني مطلق شامل للعلم الإجمالي أيضا، و حينئذٍ لو شمل الصدر كلا (1) اليقينين في طرفي العلم الإجمالي، للزم التناقض في مدلولي الصدر و الذيل؛ إذ الأوّل يدلّ على حرمة النقض في كليهما، و الذيل يدلّ على وجوبه في أحدهما الإجمالي، و من المعلوم أنّ السالبة الكليّة نقيض للموجبة الجزئية، و حيث كان الذيل أظهر فيكون قرينة على عدم إرادة حرمة نقض اليقينين، و حينئذٍ إن بقي أحدهما معيّناً فهو ترجيح بلا مرجّح، و إن بقي مخيّراً فهو ليس فرداً من العامّ، فيكون قرينة على خروج كليهما معاً، فظهورها منعقد في غير مورد العلم الإجمالي.

و يرد عليه:

أوّلًا: النقض بالقسم الرابع الآتي؛ حيث إنّ حديث التناقض جار فيه حرفاً بحرف، مع التزامه- (قدّس سرّه)- بجريان كلا الاستصحابين فيه.

و ثانياً: منع أظهريّة الذيل، بل غاية الأمر هو الإجمال، و حينئذٍ يكون إطلاق سائر الأخبار محكّماً.

نعم لو كان أظهر، كما أنّه يصير قرينة على الذيل يكون قرينة على الأخبار الأُخر أيضا؛ لكونه أقوى، و لا أقلّ من التساقط؛ لأنّ النسبة بين هذا الذيل و بين إطلاق الأخبار عموم من وجه؛ لشمول الأوّل للعلم التفصيليّ دونها، و شمولها لليقين في موارد الشكوك البدويّة دونه، و تصادقهما في موارد العلم الإجمالي؛ حيث يدلّ الذيل [على‏] وجوب‏ (2) النقض، و هي على حرمته.

و ثالثاً: أنّ ظاهر اليقين في الذيل و إن كان هو الشمول للعلم الإجمالي‏

____________

(1) في الأصل: «لكلا».

(2) في الأصل: «بوجوب».

26

..........

- أيضا- إلّا أنّ له ظهوراً آخر بقرينيّة لفظ النقض، و هو كون هذا اليقين متعلقاً بعين ما تعلّق به اليقين، كما هو كذلك بالنسبة إلى الشكّ، فإنّ ظاهره اتّحاد متعلّق الشكّ و اليقين، كما تقدّم سابقاً، و حينئذٍ يدلّ الخبر على وجوب النقض بالعلم الإجمالي إذا فرض كون العلم الأوّل- أيضا- كذلك، كما إذا علم إجمالًا بنجاسة إناء زيد المردّد بين الإناءين، ثمّ علم بطهارتها كذلك، لا في مثل المقام ممّا كان فيه متعلّق العلم الأوّل الشخصين، و العلم الإجمالي الثاني أحدهما.

و رابعاً: ما ذكره في الحاشية (1): من أنّ الذيل ليس وارداً في مقام البيان، و حينئذٍ لا يستفاد منه الإطلاق بالنسبة إلى العلم الإجمالي؛ لأنّ لفظ اليقين من المطلقات، بخلاف الصدر، فإنّه في مقام البيان، فيستفاد منه الشمول لكلّ يقين و لو فرض العلم الإجمالي على خلافه، و قد ذكر في الحاشية (2) أجوبة أُخرى غير تامّة:

الأوّل: أنّ هذا الذيل ليس حكماً تعبّديّاً، بل هو حكم عقليّ قد ذكر تأييداً لما سبق، فلا مفاد له قبال مفاده، بل ذكر تأكيداً له. انتهى.

يعني: أنّه إذا كان تأكيداً فلا يكاد أن يكون ما يراد منه معنىً منافياً لمؤكّده، فلا بدّ أن يراد منه خصوص اليقين التفصيليّ؛ حتّى لا يكون منافياً له تحقيقاً بمعنى التأكيديّة.

و فيه: أنّه و إن لم يكن تعبّديّاً، إلّا أنّه ليس تأكيداً له، بل هو قاعدة أُخرى عقليّة نبّه عليها الإمام، و حينئذٍ لا بدّ من ملاحظة حال العقلاء، و أنّهم هل ينقضون العلم التفصيليّ بالعلم الإجمالي، أو لا؟

و لعلّه لذلك أمر في آخر كلامه بالفهم.

____________

(1) حاشية على فرائد الأُصول: 252- سطر 21- 22.

(2) المصدر السابق: 252.

27

..........

الثانية: أنّ اليقين في الصدر واقع في تلو النهي، فيفيد العموم، دونه في الذيل، فإنّه واقع في تلو الإثبات.

و فيه: أنّ الأوّل- أيضا- على مذهبه يحتاج إلى إجراء مقدّمات الحكمة بالنسبة إلى سعة العموم، فيكون مثل الأخير، و أمّا على المختار: من كون لفظ النهي قرينة على إرادة الإطلاق من متعلّقه، ربّما يمكن أن يقال بتقدّمه، و إن كان فيه- أيضا- تأمّل فيما كان محفوظاً بما شكّ في قرينيته، فتأمّل.

الثالثة: أنّه في الأوّل واقع في الكبرى، دونه في الثاني، فلا بدّ أن يراد من الأوّل العموم.

و فيه: أنّ عموم الكبرى محفوظ لو أُريد خصوص اليقين الموجود في الشكوك البدويّة أيضا؛ لكون الصغرى المفروضة في السؤال من هذا القبيل.

فظهر: أنّه لا إشكال في مقام الاقتضاء، و حينئذٍ لا بدّ من إخراج الصورتين من الدليل من وجود مخصّص، و هو في الأوّل عقليّ، و هو لزوم المخالفة العمليّة، و في الثاني‏ (1) شرعيّ، و هو الدليل القائم على عدم الجمع.

و لكن ينبغي أن ينبّه في المقام على أمرين:

الأوّل: أنّ لزوم المخالفة ليس مانعاً على الإطلاق، بل فيما أُحرز كون التكليف المعلوم إجمالًا فعليّاً حتميّاً على كلّ تقدير، كما إذا قطع بذلك، أو قام حجّة خاصّة، كما تقدّم تفصيله في باب الشكّ في المكلّف به، فراجع.

الثاني: أنّه كما لا يجوز بقاء كلا المستصحبين مشمولين‏ (2) لدليل «لا تنقض»، فكذا (3) كلّ واحد منهما؛ لأنّ العلم الإجمالي المذكور علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعيّة

____________

(1) في الأصل: «الثانية».

(2) في الأصل: «مشمولًا».

(3) في الأصل: «و كذا».

28

فالأظهر جريانهما فيما لم يلزم منه محذور المخالفة القطعيّة (765) للتكليف الفعلي المعلوم إجمالًا؛ لوجود المقتضي إثباتاً، و فقد المانع عقلًا:

أمّا وجود المقتضي (766)، فلإطلاق الخطاب و شموله للاستصحاب في أطراف المعلوم بالإجمال، فإنّ قوله (عليه السلام) في‏

و الاحتماليّة، كما تقدّم في مبحث الاشتغال.

نعم على القول بالتفصيل بين المرتبتين لا مانع من حجيّة أحدهما تخييراً.

و أمّا ما ذكره الشيخ- (قدّس سرّه)(1) من منع حجّيتهما- أيضا- بناءً على هذا المذهب: من أنّه إذا لم يجز إبقاء كليهما فلا يكون أحدهما المعيّن أيضا؛ لأنّه ترجيح بلا مرجّح، و أحدهما المخيّر ليس من أفراد العامّ.

ففيه: أنّه إذا فرض الاقتضاء بالنسبة إلى وجوب الموافقة- و لو بنحو جعل البدل، كما هو مختاره‏ (2)- يثبت حجّيّة أحدهما المخيّر البدلي بحكم العقل، لا بكونه من مصاديق العامّ، لأنّه بعد انعقاد الظهور، و كون حجّيّة الاستصحاب من باب السببيّة، فلا بدّ من أعماله بقدر الإمكان، و نتيجته هي الحجّيّة التخييريّة.

(765) قوله (قدّس سرّه): (لم يلزم منه محذور المخالفة القطعيّة.). إلى آخره.

و قد تبيّن ممّا ذكرنا: أنّ الأولى له أن يستثني مع هذه الصورة صورة قيام الدليل على عدم الجمع، فإنّ ظاهر العبارة كونه داخلًا في المستثنى منه.

(766) قوله (قدّس سرّه): (أمّا وجود المقتضي.). إلى آخره.

هذا شروع في إثبات حجّيّة كلا الاستصحابين في القسم الرابع.

و أمّا القسم الأوّل فقد عرفت أنّ الحجّيّة فيه لأحدهما دون الآخر، فليس‏

____________

(1) فرائد الأُصول: 429- سطر 10- 15.

(2) فرائد الأُصول: 242- سطر 8- 10.

29

ذيل بعض أخبار الباب: «و لكن تنقض اليقين باليقين»

(1)

لو سُلّم (767) أنّه يمنع‏

(2)

عن شمول قوله (عليه السلام) في صدره: «لا تنقض اليقين بالشك» لليقين و الشكّ في أطرافه؛ للزوم المناقضة في مدلوله؛ ضرورة المناقضة بين السلب الكليّ و الإيجاب الجزئي، إلّا أنّه لا يمنع (768) عن عموم النهي في سائر الأخبار ممّا ليس فيه هذا

(3)

الذيل، و شموله لما في أطرافه، فإنّ إجمال ذاك الخطاب لذلك لا يكاد يسري إلى‏

داخلًا في العبارة.

و أمّا القسم الثالث فهو داخل في المستثنى على ما أشرنا إليه، فإنّه و إن لم يصرّح به فيه، إلّا أنّه مراده قطعاً، كما صرّح به في موارد عديدة.

و أمّا إثبات وجود المقتضي فقد تقدّم تقريبه في القسمين الأوّلين؛ لأنّه مثلهما من هذه الجهة، و قد ذكر تقريب عدمه في هذا القسم.

(767) قوله (قدّس سرّه): (لو سُلّم.). إلى آخره.

إشارة إلى الأجوبة الخمسة الأخيرة.

(768) قوله (قدّس سرّه): (إلّا أنّه لا يمنع.). إلى آخره.

إشارة إلى الجواب الثاني، و أمّا الجواب الأوّل فهو لا يرد في هذا القسم، و إنّما ذكرناه في تقريبه في الأوّلين ردّاً على الشيخ الّذي تمسّك به فيهما (4)، و أمّا من توهّم جريانه في هذا القسم فلا نقض عليه.

____________

(1) التهذيب 1: 8- 11 باب 1 باب الأحداث، باختلاف في ألفاظه، الوسائل 1: 174- 175- 1 باب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

(2) تعريض بالشيخ- (قدّس سرّه)- في فرائده: 429- سطر 10- 15.

(3) لم ترد هذه الكلمة في كثير من النسخ.

(4) فرائد الأُصول: «429- سطر 10- 15.

30

غيره مما ليس فيه ذلك.

و أمّا فقد المانع، فلأجل أنّ جريان الاستصحاب في الأطراف لا يوجب إلّا المخالفة الالتزاميّة، و هو ليس بمحذور لا شرعاً و لا عقلًا (769).

و منه قد (770) انقدح: عدم جريانه في أطراف العلم بالتكليف فعلًا أصلًا و لو في بعضها؛ لوجوب الموافقة القطعيّة له عقلًا، ففي جريانه لا محالة يكون محذور المخالفة القطعيّة أو الاحتماليّة، كما لا يخفى.

(769) قوله (قدّس سرّه): (لا شرعاً و لا عقلًا.). إلى آخره.

أمّا الأوّل فواضح، و أمّا الثاني فلعدم قيام دليل على وجوب الالتزام أصلًا، و على تقدير وجوبه- أيضا- فلا محذور فيه، كما تقدّم تفصيل ذلك في دوران الأمر بين المحذورين، فراجع.

(770) قوله (قدّس سرّه): (و منه قد.). إلى آخره.

أي من أنّ المحذور العقلي مانع عن الجريان، و هو موجود في أطراف العلم المذكور، و هو وجوب الموافقة القطعيّة على ما عرفت سابقا.

31

تذنيب‏

لا يخفى أنّ مثل قاعدة التجاوز في حال الاشتغال بالعمل، و قاعدة الفراغ بعد الفراغ عنه، و أصالة صحّة عمل الغير ... إلى غير ذلك (771) من القواعد المقرّرة في الشبهات الموضوعيّة- إلّا القرعة- تكون مقدّمة على استصحاباتها المقتضية لفساد ما شُكّ فيه من الموضوعات؛ لتخصيص دليلها

(1)

بأدلّتها، و كونُ النسبة بينه و بين‏

(771) قوله (قدّس سرّه): (إلى غير ذلك.). إلى آخره.

مثل قاعدة اليد، فهذه القواعد الأربع مقدّمة على الاستصحاب، إلّا أنّه ربّما يختفي وجهه على المبتدئ، فلا بدّ- حينئذٍ- من التكلّم في مقامات ثلاثة:

الأوّل: في تقدّم قاعدة اليد، و توضيحه يتوقّف على بيان أمرين:

الأوّل: أنّ النسبة بينه و بينها عموم من وجه؛ لجريان القاعدة دونه؛ فيما علم إجمالًا بكون ذي اليد مالكاً للعين تارة، و منتقلة عنه أُخرى، و شكّ في التقدّم و التأخّر، فلا يصغى إلى ما قيل: من أنّه موجود في جميع مواردها.

الثاني: أنّ حجّيّة اليد من باب الأمارة، و الاستصحاب من باب التعبّد، أو بالعكس، أو كلاهما أمارة، أو كلاهما أصل عملي.

و حينئذٍ إن قلنا بالأوّل فلا إشكال؛ لما تقدّم في تقدّم مطلق الأمارة عليه.

و إن قلنا بالثلاثة الأخيرة فوجه التقدّم: لزوم الاختلال، المنصوص على بطلانه في خبر حفص، و كونها أقلّ أفراداً، و لزوم التخصيص الكثير المستهجن، و الإجماع على عدم الفرق بين مواردها، و المذكور في العبارة هو الأخيران.

____________

(1) في بعض النسخ: «دليله».

32

..........

و لكن ثانيهما ممنوع؛ لاحتمال كون مدركه هو الوجوه الأُخر، و كذا الوجه الثاني؛ لأنّ أقلّيّة الأفراد ملاك للأظهريّة، و هي لا تتمّ إذا قلنا بكون الاستصحاب أمارة و القاعدة أصلًا عمليّاً، كما لا يخفى.

الثاني: في قاعدة التجاوز و الفراغ، و توضيح هذا المقام- أيضا- يحتاج إلى بيان أمرين:

الأوّل: أنّ الاحتمالات في حجّيّتهما و حجّيّة الاستصحاب أربعة.

الثاني: أنّ النسبة بينه و بين كلّ واحدة منهما عموم مطلق؛ إذ ما مورد من مواردهما إلّا يكون فيه استصحاب موافق أو مخالف موضوعيّ،- كما إذا كان الشكّ ناشئاً من الشكّ في وجود جزء أو شرط أو مانع مسبوق بالحالة السابقة وجوداً أو عدماً- أو حكميّ، كما إذا لم يكن حالة سابقة لتبادل الحالتين، فإنّه يجري- حينئذٍ- عدم تحقّق أثر المركّب؛ من بقاء الوجوب لو كان في المركّبات الواجبة، و من عدم الأثر الوضعي له لو كان في المعاملات، و حينئذٍ يكون الوجه في تقديمهما أخصيّتهما.

و أمّا الإجماع و الأقلّيّة و الاستهجان فلا:

أمّا الأوّل فلاحتمال كون المدرك ما ذكر.

و الثاني و الثالث فبعدم تحقّقهما في المقام.

نعم يزاد في قاعدة الفراغ لزوم الاختلال؛ إذ حفظ صحّة الأعمال الماضية لا يمكن لغير المعصوم، هذا إذا لم نقل بكونهما أمارة، و بكونه أصلًا، كما أنّ ذلك ليس ببعيد في قاعدة الفراغ بملاحظة حسنة ابن بكير فلاحظ، و إلّا فالتقديم للورود.

المقام الثالث: في قاعدة الصحّة في فعل الغير، و هي في الأمرين مثل سابقتها، و حينئذ إن قلنا بكونها أمارة و الاستصحاب أصلًا فلا إشكال، و إن قلنا بالوجوه الأُخر فللأخصّيّة و لزوم الاختلال.

33

..........

قال الشيخ (قدّس سرّه)- في هذا المقام- ما حاصله‏ (1): إنّه لو كانت أمارة فلا إشكال في التقديم، و إن كانت أصلا فلا إشكال- أيضا- في تقديمهما على الاستصحاب الحكميّة؛ لكون الشكّ في عدم الملكيّة في البيع- مثلا- و عد مما يترتّب عليها، مسبّبا عن الشكّ في التأثّر و الصحّة، و من المعلوم كون الأصل السببي مقدّما على المسبّبي.

و أمّا الاستصحاب الموضوعي- كأصالة عدم البلوغ- فلا إشكال في تقديمه عليها لو لم تكن مشخّصة للموضوع، بل كان مفادها صِرف صحّة الشي‏ء؛ لكون الشكّ فيها مسبّبا عن الشكّ في البلوغ، و إن كانت كذلك- و لو من حيث خصوص الصحّة، لا من حيث جميع الآثار- تحقّق التعارض بينهما؛ لكون مفاده في المثال هو عدم البلوغ، و مفادها البلوغ، إلّا أنّ التحقيق جريانها دونه؛ و ذلك لأنّ الصحّة مترتّبة على صدور البيع عن البالغ، و الجزء الأوّل محرز بالوجدان، و الثاني بأصالة الصحّة، فيترتّب الصحّة، و لكن الاستصحاب لا جريان له؛ لأنّ مجراه هو عدم بلوغ البائع، و هذا ليس له أثر في الدليل، و إنّما الأثر مترتّب على صدور البيع عن البالغ، و هو يستلزم ترتّب الصحّة وجودا عليه، و عدما على عدم صدوره عن البالغ، لا ترتّب عدمها على الصدور عن غير البالغ، نعم هو ضدّ لما رتّب عليه الأثر، و هو صدوره عن البالغ، و ترتّب أثر على وجود الشي‏ء ملازم لترتّب عدمه على عدمه، لا على ضدّه، فيكون الصدور عن غير البالغ- الثابت أوّله بالوجدان، و ثانيه بالاستصحاب- من قبيل اللّامقتضي بالنسبة إلى الصحّة و عدمها.

و قرّره الماتن في الحاشية قائلا (2): نعم لو قلنا بالأُصول المثبتة لتحقّق‏

____________

(1) فرائد الأُصول: 421- سطر 3- 21.

(2) حاشية على فرائد الأصول: 247- سطر 4- 5.

34

..........

التعارض؛ إذ الصدور عن غير البالغ ملازم مع ما هو موضوع للأثر، و هو عدم الصدور عن البالغ.

أقول: فيه:

أوّلا: أنّه لو تمّ لاقتضى عدم جريان الاستصحاب في الشق الأوّل أيضا؛ لأنّ أصالة الصحّة و إن لم تكن مشخّصة، إلّا أنّ الاستصحاب غير جار (1) للمثبتيّة، و حينئذ تجري أصالة الصحّة بلا حاكم عليها، فلا وجه للجزم بتقديمه‏ (2) عليها؛ إذ هو فرع حجّيّته.

و ثانيا: منع عدم جريان الاستصحاب؛ لأنّه إذا أخذ شي‏ء مقيّد بقيد موضوعا للأثر، فكما يجري الأصل في وجود القيد بعد إحراز ذات المقيد، فكذلك يجري في عدمه.

و لا يقال: إنّ موضوع الأثر في طرف العدم هو عدم المقيّد، بل الموضوع فيه عدمان: عدم المقيّد، و عدم القيد، و لذا لا إشكال عندهم في استصحاب عدم الكرّيّة إذا أحرز المائيّة، كما لا إشكال في استصحاب وجودها فيما أحرزت، مع أنّ الموضوع في الدليل هو الماء الكرّ.

و لعمري إنّه واضح، و لا يكاد ينقضي تعجّبي من أنّه كيف صدر ذلك عن هذين العظيمين.

____________

(1) الكلمة في الأصل غير واضحة، فأثبتناها استظهارا.

(2) في الأصل: «لتقديمه».

35

بعضها عموما من وجه (772)، لا يمنع عن تخصيصه بها بعد الإجماع على عدم التفصيل‏

(1)

بين مواردها، مع لزوم قلّة المورد

(2)

لها جدّاً لو قيل بتخصيصها بدليلها

(3)

؛ إذ قلّ مورد منها لم يكن هناك استصحاب على خلافها، كما لا يخفى.

و أمّا القرعة (773) فالاستصحاب في موردها يقدّم عليها؛ لأخصّيّة

(772) قوله (قدّس سرّه): (و بين بعضها عموما من وجه.). إلى آخره.

كقاعدة اليد، و أمّا غيرها- و هو القواعد الثلاث الأخرى- فقد عرفت أنّ نسبته مع دليل الاستصحاب عموم مطلق.

إلّا أن يقال: إنّ الاستصحابات الحكميّة في موارد القاعدة الثلاث مورودة بها؛ لأنّ الشكّ في بقاء الوجوب أو بقاء الشي‏ء على ملك مالكه الأوّل- مثلا- مسبّب عن الشكّ في وجود المشكوك في قاعدة التجاوز، و في الصحّة في الأخيرين، و بعد شمول أدلّتها للمورد لا يكون النقض بالشكّ، بل بالحجّة، و من المعلوم كون النسبة بينها و بين الاستصحاب الموضوعيّة عموما من وجه؛ لتفارقها عنه فيما لم يكن للمشكوك حالة سابقة وجودا و لا عدما؛ لتبادل الحالتين، و على هذا لا يكون ملاك التقديم الأخصّيّة، بل لزوم استهجان التخصيص الكثير، لكنه ممنوع؛ إذ الملاك هو الظهور مع قطع النّظر عن ورود دليل آخر، فيكون العموم المطلق، فافهم.

(773) قوله (قدّس سرّه): (و أمّا القرعة.). إلى آخره.

و توضيح المقام يحتاج إلى بيان أمور:

الأوّل: أنّ النسبة بينه و بينها عموم مطلقا.

____________

(1) في بعض النسخ: «الفصل».

(2) في بعض النسخ: «الموارد».

(3) في بعض النسخ: «بدليله».

36

دليله (774) من دليلها؛ لاعتبار سبق الحالة السابقة فيه دونها،

الثاني: أنّ الاحتمالات في كيفيّة حجيّتها أربعة.

الثالث: أنّ تقديمه عليها فرع حجّيّتها بدليل عام، و أمّا الدليل الخاصّ الدالّ على حجّيّتها في موارد خاصّة، فلا إشكال في تقديمه عليه، و على غيره من القواعد، كما في مسألة الغنم و غيرها.

فنقول: لم يرد في هذا الباب إلّا ما ورد في «التهذيب» (1) و «الفقيه» (2) عن الكاظم (عليه السلام): «كلّ مجهول ففيه القرعة.

قلت: إنّ القرعة تخطئ و تصيب؟

فقال: كلّ ما حكم اللَّه به فليس بمخطئ».

و خبران آخران من طريق العامّة «القرعة لكلّ أمر مشتبه» (3) أو «لكلّ أمر مشكل» (4).

و هذه الثلاثة ضعيفة سندا، فينحصر وجه الحجّيّة في أمرين: جبره بالعمل الاستنادي، و هو غير معلوم، و بالوثوق بصدور أحدها، و هو غير حاصل، مع كون اثنين منها من طريق العامّة، فالأقوى عدم الحجّيّة، فيكون الاستصحاب حجّة بلا مزاحم؛ بلا حاجة إلى الوجوه المذكورة في المتن.

(774) قوله (قدّس سرّه): (لأخصّيّة دليله.). إلى آخره.

و قد استدلّ على تقديمه عليها بوجوه ثلاثة:

الأوّل: ما ذكر، و لا يرد عليه انقلاب النسبة بعد خروج الأحكام الكلّيّة

____________

(1) التهذيب 6: 240- 24 باب البيّنتين يتقابلان ... و حكم القرعة من كتاب القضاء، الوسائل 18: 189- 11 باب 13 من أبواب كيفيّة الحكم.

(2) الفقيه 3: 52- 2 باب 38 في الحكم بالقرعة.

(3) راجع العناوين للمراغي: 111- سطر 16- العنوان الحادي عشر في بيان قاعدة القرعة.

(4) نفس المصدر السابق.

37

و اختصاصها بغير الأحكام إجماعا، لا يوجب الخصوصيّة في دليلها بعد عموم لفظها لها، هذا مضافا إلى وهن دليلها بكثرة تخصيصه؛ حتّى صار العمل به في مورد محتاجا إلى الجبر بعمل المعظم- كما قيل‏

(1)

- و قوّة دليله بقلّة تخصيصه بخصوص دليل.

بالإجماع عن دليلها، لما تقرّر في دفع شبهة النراقي‏ (2) على ما يأتي.

و توهّم: قادحيّته في خصوص المقام؛ من جهة أنّ القرعة أمارة، و الاستصحاب أصل، فتكون واردة عليه في مادّة التعارض، و لا يلزم اللَّغويّة بعد انقلاب النسبة؛ حتى يقال من أجله بتقديم الاستصحاب.

مدفوع: بأنّه يلزم- حينئذ- اختصاص الاستصحاب بالشبهات الحكميّة، و هو مناف لموردها؛ لأنّ جميع أخبار الاستصحاب- غير خبر «الخصال» (3) و موثّق ابن عمّار (4)- وارد في الشبهات الموضوعيّة.

الثاني: موهونيّة دليلها بكثرة التخصيص حتى صار العمل بها في مورد محتاجا إلى الجبر بالعمل.

لا يقال: إنّ بلغت الكثرة إلى حدّ يوجب الاستهجان، فهي كاشفة عن إرادة معنى آخر من القرعة دفعا للمحذور، فحينئذ لا تكون حجّة حتّى يرجّح الاستصحاب عليها و إن لم تبلغ تلك المرتبة فلا وهن؛ إذ التخصيص الخارجي لا يوجب أضعفيّة الدلالة.

____________

(1) فرائد الأصول: 423- سطر 1.

(2) عوائد الأيام: 119- 120، مناهج الأحكام و الأصول الصفحة الأخيرة عند قوله: السابعة ...

(3) الخصال: 619- سطر 16 من حديث الأربعمائة.

(4) الوسائل 2: 1054- 4 باب 37 من أبواب النجاسات، و لكنها- في المصدر كما في «الكفاية»- موثّقة «عمار» فكلمة «ابن» زائدة.

38

لا يقال: كيف يجوز تخصيص دليلها بدليله؟ و قد كان دليلها رافعا لموضوع دليله لا لحكمه، و موجبا لكون نقض اليقين باليقين‏

فإنّه يقال: المراد هو العلم الإجمالي بورود مخصّصات عليها غير بالغة إلى هذه المرتبة.

لا يقال: إنّه- حينئذ- لا تكون حجّة بعد العمل أيضا.

فإنّه يقال: نعم إذا لم تكن أطراف العلم منحصرة في غير موارد العمل، و إلّا يكون العمل كاشفا عن خروج مورده عن أطراف العلم.

الثالث: الورود، و توهّم كونه مورودا بها؛ لكونها أمارة، و هو أصل.

مدفوع: بأنّها أمارة في موضوعها (1)، و هو المشكل، و لا إشكال و لو من جهة ثبوت الحكم بعنوان نقض اليقين بالشّك.

و لكن فيه مواقع للنظر:

الأوّل: أنّ وروده عليها لا يتمّ إذا فرض كونها أمارة و هو أصل- كما هو فرض العبارة ظاهرا- إذ بعد شمول دليل القرعة- أيضا- لا يبقى له موضوع، و لازم ذلك سقوط كلا الطرفين، لا تعيّن العمل بالاستصحاب.

الثاني: أنّ دعوى وروده عليها يصحّ بالنسبة إلى خبر «مشكل» (2)، و أمّا بالنسبة إلى الآخرين فلا؛ إذ الظاهر من لفظي «المجهول» (3) و «المشتبه» (4) كونهما كذلك بالنسبة إلى حكمة الواقعي، لا «المجهول» و «المشتبه» من كلّ وجه و عنوان.

الثالث: أنّ الوجه الثاني لا يوجب تقدّمه عليها؛ إذ في غير مورد العمل ليس‏

____________

(1) في الأصل: «بأنّه أمارة في موضوعه».

(2) و هو: «القرعة لكلّ أمر مشكل»، و قد تقدّم تخريجه قريبا

(3) من خبر: «كلّ مجهول ففيه القرعة»، كذا تقدّم تخريجه.

(4) من خبر: «القرعة لكلّ أمر مشتبه»، أيضا مرّ تخريجه قريبا.

39

بالحجّة على خلافه، كما هو الحال بينه و بين أدلّة سائر الأمارات، فيكون هاهنا- أيضا- (775) من دوران الأمر بين التخصيص- بلا وجه غير دائر- و التخصّص.

فإنّه يقال: ليس الأمر كذلك، فإنّ المشكوك ممّا

(1)

كانت له حالة سابقة؛ و إن كان من «المشكل» و «المجهول» و «المشتبه» بعنوانه الواقعي، إلّا أنّه ليس منها بعنوان ما طرأ عليه من نقض اليقين بالشكّ،

دليل القرعة حجّة، و التقديم فرع الحجّيّة، و في مورده يكون المقدّم هو القرعة إذا كانت أمارة و هو أصل، و يتحقّق التعارض إذا كانا (2) في مرتبة واحدة، و الاستصحاب في العكس للورود لا للوهن.

و التحقيق: ما عرفت من عدم حجّيّة القرعة، و على تقدير تسليمها فالمتيقّن هو الجواب الأوّل، فإنّه يتمّ على جميع التقادير الأربعة، بخلاف الأخيرين، فإنّهما باطلان مطلقا على ما عرفت، أو يلتزم بأنّ الاستصحاب أمارة و القرعة أصل، و هو باطل؛ إذ الأمر بالعكس.

ثمّ إنّ جميع ما ذكرنا جار في جميع الأصول الشرعيّة مع القرعة، فلا وجه لما أفاده الشيخ‏ (3)- (قدّس سرّه)- من تقدّمه عليها و حكومتها على سائر الأصول الشرعيّة، نعم أدلة القرعة واردة على العقليّة منها إذا قلنا بحجّيّتها، كما هو الفرض.

(775) قوله (قدّس سرّه): (أيضا.). إلى آخره.

يعني: أنّه كما يقدّم عليها من جهة الأخصّيّة و الموهونيّة، كذلك من جهة الورود.

____________

(1) في بعض النسخ: «فيما».

(2) في الأصل: «كانتا».

(3) فرائد الأصول: 422- سطر 24- 25.

40

و الظاهر من دليل القرعة أن يكون منها بقول مطلق، لا في الجملة، فدليل الاستصحاب الدالّ على حرمة النقض الصادق عليه حقيقة، رافع لموضوعه أيضا، فافهم (776)، فلا بأس (777) برفع اليد عن دليلها عند دوران الأمر بينه و بين رفع اليد عن دليله؛ لوهن عمومها و قوّة عمومه، كما أشرنا

(1)

إليه آنفا.

و الحمد للّه أوّلا و آخرا، و صلّى اللّه على محمّد و آله باطنا و ظاهرا.

(776) قوله (قدّس سرّه): (فافهم).

إما إشارة إلى تحقّق الورود من الطرفين إذا كانت أمارة و هو أصل، كما هو فرض العبارة، أو إلى غيره؛ لما ذكرنا كلا أو بعضا.

(777) قوله (قدّس سرّه): (فلا بأس.). إلى آخره.

هذه نتيجة الوجوه الثلاثة، و حينئذ لا وجه لتخصيص الوجه الثاني بالذكر في مقام التعليل، بل الأولى تركه بالمرّة، أو ذكر جميعها.

____________

(1) في بعض النسخ: «أشير».

41

تحقيق قواعد فقهيّة أربع‏

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

..........

(تحقيق قواعد فقهيّة أربع):

بقي الكلام: في تحقيق القواعد الأربع المتقدّمة، فإنّها و إن كانت قواعد فقهيّة، إلّا أنّه لا بأس بالبحث فيها في الأصول لسعة دائرتها، كما هو الشأن في الأصول الأربعة، فإنّ الحقّ كونها- أيضا- مسائل فقهيّة، فنقول:

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

..........

[قاعدة اليد]:

تحقيق «قاعدة اليد» يتمّ ببيان أمور:

الأوّل: أنّ ما يمكن الاستدلال به لها- أو استدلّ- أمور:

الأوّل: الإجماع القولي.

الثاني: الإجماع العملي من العلماء.

و لا يخفى ما فيهما، كما نبّهنا عليه مرارا.

الثالث: بناء العقلاء، و هو بضميمة عدم الردع و عدم المانع عنه يثبت حجّيّته.

لا يقال: إنّ المقدّمة الأولى و الأخيرة و إن كانتا ثابتتين، إلّا أنّ الثانية في محلّ المنع.

فإنّه يقال: ليس كذلك؛ لأنّ الردّ: لو كان بدليل خاصّ لنقل إلينا بالتواتر؛ لتوفّر الدواعي؛ لكونها من قبيل العامّ البلوى جدّاً، فيقطع- حينئذ- بعدمه.

و إن كان بدليل عامّ، فليس في البين إلّا عمومات ناهية عن غير العلم أو عن الظنّ، و هي غير قابلة؛ لما حقّقنا في بحث حجّيّة خبر الثقة: من أنّ القدر المتيقّن أو المنصرف منها هو ما لم يكن حجّة، فراجع.

الرابع: حكم العقل المستقلّ بحجّيّتها؛ إذ يلزم من عدمها الاختلال الباطل، و ما يستلزم الباطل فهو باطل، و يكون نقيضه حقّا، و هو الحجّيّة.

46

..........

الخامس: الأخبار:

منها: خبر حفص بن غياث المنقول في الكتب الثلاثة (1) المعتمدة للشيعة، و فيه: «أ رأيت إذا رأيت و في يد رجل شيئا، أ يجوز أن أشهد أنّه له؟

قال: نعم.

قلت: فلعلّه لغيره؟

قال (عليه السلام): و من أين جاز لك أن تشتريه، و يصير ملكا لك، ثم تقول بعد ذلك هو لي و تحلف عليه، و لا يجوز أن تنسب إلى من صار ملكه إليك من قبله؟! ثم قال (عليه السلام): و لو لم يجز هذا لما قام للمسلمين سوق» و دلالته على المدّعى ظاهرة.

و أمّا سنده، فإنّه و إن كان ضعيفا؛ لكون «حفص» من العامّة، و وجود أشخاص أخر في السند غير ثابت حاله‏ (2)، إلّا أنّه يكفي فيه استناد المشهور إليه و وجود الخبر في الكتب الثلاثة، [لا] سيّما مع قول الصَّدوق‏ (3) في أوّل كتابه بما حاصله: الالتزام بعدم الإيراد إلّا ما هو حجّة بينه و بين ربّه.

و منها: خبر «الاحتجاج» (4) مرسلا عن الصادق (عليه السلام)

____________

(1) الكافي 7: 387- 1 باب «بدون عنوان» من كتاب الشهادات، و فيه: «أ رأيت إذا رأيت شيئا في يدي رجل. و الفقيه 3: 31- 27 باب 18 فيمن يجب ردّ شهادته ...، و فيه كما في «الكافي»، و التهذيب 6: 261- 100 باب البيّنات من كتاب القضاء، و فيه: «أ رأيت إذا رأيت شيئا في يد رجل، و الوسائل 18: 215- 2 باب 25 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى، و فيه: «إذا رأيت شيئا في يدي رجل.

(2) كذا، و الصحيح: «أشخاص آخرين في السند غير ثابت حالهم»، أو: «شخص آخر ...».

(3) الفقيه 1: 3.

(4) الاحتجاج: 92- احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) في فدك.

47

..........

و «الوسائل» (1) صحيحا عن تفسير علي بن إبراهيم في قضيّة فدك: «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لأبي بكر: تحكم فينا بخلاف حكم اللَّه تعالى في المسلمين؟! قال: لا.

قال: فإن كان في يد المسلمين شي‏ء يملكونه ادّعيت أنا فيه، من تسأل البيّنة؟

قال: إيّاك كنت أسأل البيّنة على ما تدّعيه.

قال (عليه السلام): فإذا كان في يدي شي‏ء فادّعى فيه المسلمون تسألني البيّنة على ما في يدي، و قد ملكته في حياة رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم و بعده، و لم تسأل المؤمنين على ما ادّعوا عليّ، كما سألتني البيّنة على ما ادّعيت عليهم ...» الحديث.

و دلالته واضحة، و سيأتي دفع المناقشة المتوهّمة فيه.

و منها: موثّقة يونس بن يعقوب‏ (2) في المرأة تموت قبل الرّجل أو الرّجل قبل المرأة، قال (عليه السلام): «ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، و ما كان من متاع الرّجال فهو بينهما، و من استولى على شي‏ء منه فهو له».

و لا إشكال في دلالته في مورده، إلّا أنّه لا عموم فيها؛ لمكان ضمير «منه»، و حينئذ فالتعدّي محتاج إلى أحد أمرين: القطع بعدم الفرق، و الإجماع بعدم الفصل، و كلاهما في محلّ المنع.

و منها: موثّقة مسعدة بن صدقة (3): «كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه، فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب ...» الخبر.

____________

(1) الوسائل 18: 215- 3 باب 25 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى.

(2) الوسائل 17: 525- 3 باب 8 من أبواب ميراث الأزواج.

(3) الوسائل 12: 60- 4 باب 4 من أبواب ما يكتسب به.

48

..........

بناء على كون كلمة «لك» صلة لكلمة «شي‏ء» و المعنى: أنّ كلّ شي‏ء لك استيلاء عليه فهو حلال.

و توضيح المقام: أنّ هذا الخبر يحتمل وجوها:

أحدها: ما ذكر.

الثاني: قاعدة الحلّيّة، و حمل الأمثلة المذكورة على التقريب؛ بمعنى أنّ جعل الحلّيّة في حال الشكّ ليس بمستغرب كما في الأمثلة، و إن كانت الحلّيّة فيها مستندة إلى قاعدة أخرى.

الثالث: الصورة، و التوقّف في حال الأمثلة؛ لظهور الصدر، و كذا ذيل هذا الخبر- و هو قوله (عليه السلام) بعد الفراغ عن الأمثلة: «و الأشياء كلّها على هذا»، في قاعدة الحلّيّة، و لا يضرّه إجمال الأمثلة.

الرابع: التوقّف؛ لكونها من مصاديق ما شكّ في قرينيّته.

الخامس: أنّ الغرض جعل الحلّيّة من جهة أصالة الصحّة في فعل الغير، فإنّها جارية في بيع الثوب و العبد و تزويج المرأة.

السادس: أنّ المراد الحلّيّة المستندة إلى قاعدة الفراغ، فإنّ المفروض حصول الشكّ بعد الشراء في الثوب و العبد و بعد تزويج المرأة.

السابع: أنّ المراد مطلق الحلّيّة المجعولة في ظرف الشكّ، غاية الأمر أنّ المنشأ فيها: تارة هو صرف الشكّ، و أخرى قاعدة اليد ... و هكذا.

و الأولى هو الرابع.

و أمّا الاستدلال له في المقام فهو مخدوش من جهات:

الأولى: ظهور الكلام في كون كلمة «لك» من متعلّقات ما بعده، و لا أقلّ من الإجمال.

الثانية: أنّ مفاده هي الحلّيّة، و الغرض إثبات الملكيّة.

49

..........

الثالثة: أنّ المهمّ في المقام إثبات الملكيّة بالنسبة إلى الغير، و على فرض تسليم دلالتها لا تدلّ إلّا على إثباتها بالنسبة إلى ذي اليد.

و أمّا ما أورده عليه في «الأوثق» (1): من أنّه لا حجّيّة لليد في المثال الثالث.

ففيه ما لا يخفى؛ إذ بعد تسليم الدلالة فلا بأس بالالتزام فيه أيضا.

الأمر الثاني: هل هي حجّة من باب الأمارة، أو من باب الأصل؟

فنقول: إنّ المراد من الأوّل ما كان له حكاية عن الواقع، و كان حجّة من تلك الجهة، و الثاني مقابله، و القاعدة و إن كان لها لسان حكاية؛ لحصول الظنّ النوعيّ الحاصل من الغلبة، إلّا أنّه لم يعلم من أدلّتها كونها حجّة من تلك الجهة: أمّا الأوّلان و الآخران فواضحة.

و أمّا الثالث: فدلالته على ذلك تتوقّف‏ (2) على أمرين:

أحدهما: كون عمل العقلاء عليها لحكايتها عن الواقع، لا للتعبّد؛ إمّا في خصوص المقام، أو لعدم تحقّق ذلك في عمل العقلاء؛ لأنّ المهمّ إحراز الواقعيّات، كما هو ظاهر الشيخ في الرسالة (3).

الثاني: إحراز أنّ الإمضاء تعلّق بها على ما هي عليه عند العقلاء، لا في أصل الحجّيّة فقط.

و لكن يمكن منع الأوّل؛ لعدم العلم بذلك في خصوص المقام، و ما ادّعي من الكلّيّة ممنوع أيضا؛ إذ ربّما يعلمون ببعض الأشياء تعبّدا للتسهيل و الرفاهية، و لعلّ المقام من هذا القبيل.

____________

(1) أوثق الوسائل: 542- سطر 1- 2.

(2) في الأصل: «يتوقّف».

(3) فرائد الأصول: 409- سطر 4- 6 و 21.

50

..........

الأمر الثالث: أنّه لا إشكال في كون اليد مفيدة للملكيّة، و هل هي حجّة في إثبات الزوجيّة؛ بمعنى الحكم بكون المرأة التي تحت يد رجل زوجة له؟

و في إثبات النسب أولا وجهان، الأقرب الأوّل في الأوّل؛ لأنّ الأخبار و إن كانت قاصرة الشمول له، إلّا أنّ بناء العقلاء ليس كذلك، و حينئذ لو ترافع رجلان في زوجيّة امرأة كانت في يد أحدهما، قدّم قول ذي اليد، و قد نقل عليه الإجماع أيضا في كلام بعض المحشّين‏ (1) للرسالة.

و الثاني في الثاني، لعدم إحراز بناء العقلاء فيه و إن حكم في محكيّ‏ (2) «القواعد» (3) بالحجّيّة على إشكال.

الرابع: أنّه لا إشكال في كونها حجّة بالنسبة إلى غير ذي اليد، و هل هي كذلك بالنسبة إلى نفسه؛ بمعنى أنّه إذا شكّ في ملكيّة شي‏ء له يدٌ عليه، يحكم بملكيّته له أو لا؟

وجهان، أقربهما الثاني، لأنّ مورد الأدلّة هو الحكم بها بالنسبة إلى غيره، و ربّما يختار الثاني تمسّكا بموثّقة مسعدة بن صدقة المتقدّمة (4)، و بذيل موثّقة يونس المتقدّمة (5): «من استولى على شي‏ء منه فهو له»، و بصحيحة جميل بن صالح‏ (6):

«رجل وجد في بيته دينارا؟

قال (عليه السلام): يدخل منزله غيره؟

____________

(1) أوثق الوسائل: 541- سطر 9- 10.

(2) المصدر السابق: 541- سطر 10- 11.

(3) قواعد الأحكام: 230- سطر 18- 19.

(4) مرّ تخريجها قريبا.

(5) مرّ تخريجها قريبا.

(6) الوسائل 17: 353- 1 باب 3 من أبواب اللقطة.

51

..........

قلت: نعم كثير (1).

قال: هذا (2) لقطة:

قلت: فرجل وجد في صندوقه دينارا؟

قال (عليه السلام): يدخل‏ (3) أحد يده في صندوقه غيره، أو يضع فيه شيئا قلت: لا.

قال (عليه السلام): فهو له».

و يرد على الأوّل ما تقدّم: من أنّ ظاهر كلمة «لك» هو كونها من متعلّقات قوله: «حلال»، لا من متعلّقات لفظ «الشي‏ء»، و من أنّه على تقدير تسليمه يكون مفاده هو الحلّيّة، لا الملكيّة، و هي المقصودة في المقام.

و على الثاني: أنّ ظاهره كون الحكم بالملكيّة بالنسبة إلى غير ذي اليد.

و على الثالث: أنّه على خلاف المطلوب أدلّ، فإنّ التفصيل فيه بين مداخلة الغير و عدمها شاهد على عدم الاعتبار باليد، نعم يستفاد منه كون ما وجد فيما لم يداخله أحد غيره، محكوما بكونه مالا له، بعد القطع بعدم الفرق بين البيت و الصندوق و بين غيرهما من المختصّات، و هذا غير قاعدة اليد.

الخامس: أنّ الظاهر عدم الفرق في إثباتها للملكيّة، بين الشكّ فيها من جهة الشكّ في قابليّة الشي‏ء للملكيّة، كما إذا كان إنسان في يد آخر مدّع لكونه عبدا له، مع احتمال كونه حرّا غير قابل لها؛ بشرط أن يكون عنوانه معلوما؛ بمعنى حقيقته النوعيّة، كما في المثال، و أمّا إذا شكّ فيه- كما إذا شكّ في كون ما في اليد خمرا أو خلا

____________

(1) في الأصل: «كثيرا»، و أثبتنا عبارة المتن كما في المصدر.

(2) في الأصل: «هذه»، و في المصدر كما أثبتناه.

(3) في الأصل: «فيدخل»، و في المصدر كما أثبتناه.

52

..........

فلا؛ لعدم تحقّق بناء العقلاء؛ من غير فرق بين كون الحالة السابقة هي الخمريّة، أو كانت مشكوكة.

و بين الشكّ في الملكيّة الفعليّة بعد إحراز القابليّة، كما إذا كان شي‏ء من المباحات في يد إنسان بالحيازة، و لم يعلم قصده للتملّك؛ بناء على كونه شرطا فيها.

و بين الشكّ في إضافة الملكيّة إلى ذي اليد بعد إحراز الفعليّة؛ لعدم الفرق في بناء العقلاء.

و حينئذ لا يقدح كون القدر المتيقّن أو المنصرف [إليه‏] (1) من الأخبار هو الأخيرة، و ربّما يفصّل في الأخيرين بين ما أحرز- قبل وقوع اليد عليه- عدم كونه قابلا للنقل- كما إذا كان وقفا، و لكن احتمل طروّ مسوِّغ النقل عليه، و وقع اليد عليه حال كونه ملكا لذيها- و بين غيره، فإنّ الوقف العامّ من قبيل القسم الثاني؛ بناء على كونه فكّ ملك، و الخاصّ من قبيل الثالث؛ لعدم‏ (2) حجّيّة اليد في الأوّل، و حجّيّتها في الثاني، مستدلّا عليه:

أوّلا: بأنّ المتيقّن من أخبار اليد غيره.

و ثانيا: بأنّه على فرض الإطلاق محكوم باستصحاب كون العين على وقفيّتها.

انتهى.

و يرد على الأوّل: تحقّق بناء العقلاء.

و على الثاني: ما يأتي في الأمر السابع من عدم حكومة الاستصحاب عليها، بل هي حاكمة عليه.

السادس: كما أنّ اليد على العين علامة لملكيّتها لذيها، كذلك اليد مفيدة

____________

(1) إضافة تقتضيها سلامة التعبير.

(2) في الأصل: «بعدم».

53

..........

للملكيّة بالنسبة إلى المنافع بعد العلم بكون العين ملكا لغيره.

و توهّم: أنّ المنفعة غير قابلة لوقوع اليد عليها، فلا يشمله الأخبار.

مدفوع: أوّلا: بمنع ذلك فإنّ وقوع اليد عليها بوقوعها على العين.

و ثانيا: أنّ شمول الأخبار لها ليس بالمدلول المطابقي؛ لكون موردها هو الأوّل، بل القطع بعدم الفرق.

و ثالثا: أنّ بناء العقلاء كاف في المقام، بل الظاهر أنّها أمارة لملكيّة الانتفاع إذا علم أنّ الرقبة و المنفعة لغير ذي اليد، بل الظاهر ثبوت أماريّتها على ملك التصرّف إذا علم أنّ الرَّقبة و المنفعة و الانتفاع لغيره، كما في مثل الأوقاف و الوصايا و الأملاك الخاصّة- التي تكون في يد إنسان مدّع للولاية أو الوكالة- كلٍّ لبناء العقلاء.

السابع: أنّ الظاهر اختصاص الحكم باليد البدويّة؛ بمعنى أنّ ما شكّ في كونه ملكا لذي اليد من أوّل وقوعها عليه، يحكم بكونه ملكا له، و أمّا اليد المسبوقة باليد الغير الملكيّة (1)- كما إذا علم أنّ وقوعها عليه أوّلا عدوانيّ، أو من باب الوديعة، أو غير ذلك- فلا تكون‏ (2) اليد حجّة، بل المحكّم في ذلك كلّه هو الاستصحاب؛ لأنّ عمدة الأدلّة: هو بناء العقلاء، و لم يحرز في المقام، و الأخبار، و المنصرف‏ (3) أو المتيقّن منها غيره، ثمّ على فرض الإطلاق هل الحكم فيه هو استصحاب اليد الأولى، أو لا بدّ من العمل بالإطلاق؟

ربّما يتوهّم الأوّل؛ لكون المقام من مصاديق العامّ المخصّص بالمجمل‏

____________

(1) في الأصل: «الغير الملكي».

(2) في الأصل: «يكون».

(3) في الأصل: «فالمنصرف».

54

..........

المصداقي المردّد بين الأقلّ و الأكثر، مثل «أكرم العلماء و لا تكرم فسّاقهم»، فإنّه يسقط- حينئذ- كلا الطرفين عن الحجّيّة، و يكون المرجع هو الأصول، فإذا كان الحالة السابقة للمشكوك هو الفسق يستصحب، و يترتّب حكم المخصّص، فكذلك بعينه في المقام، و إليه يرجع ما في التقريرات الجديدة (1): من أنّ استصحاب اليد الأولى حاكم على اليد، و مخرج للمورد عن موضوع قاعدة اليد، فيكون حاكما عليها، بخلاف ما لم يكن في البين استصحاب عدم الملكيّة النقيض للملكيّة، فإنّ قاعدة اليد المثبتة للملكيّة حاكمة عليه.

و لكنّه مدفوع: بأنّ دليل القاعدة وارد فيما تردّدت اليد بين اليد الملكيّة (2) و غيرها من المذكورات، لا أنّ اليد جعلت مثبتة للملكيّة و خرجت عنه المذكورات، و حينئذ يكون المقام مثل ما إذا فرض ورود: «أكرم من شكّ في فسقه و عدالته من العلماء»، و كان للمشكوك حالة سابقة بالفسق، فإنّه لا إشكال- حينئذ- في كون المتّبع فيه حكم العامّ، لا استصحاب الفسق.

و بعبارة أخرى: إنّ الخارج عن العامّ في المقام و أمثاله هو المعلوم على نحو كان العلم موضوعا بمقتضى كون الحكم في طرف العامّ مرتّبا على المشكوك، و الاستصحاب لا يقوم مقام العلم الموضوعي.

لا يقال: إنّ لازمه عدم قيام الأمارة- أيضا- مقامه.

فإنّه يقال: نعم، إلّا أنّ دليل اليد قاصر [عن‏] الشمول‏ (3) لمورد الأمارة، فالحق بناء على الإطلاق تحكيم اليد.

____________

(1) فوائد الأصول 4: 604- 606.

(2) في الأصل: «اليد الملكي».

(3) في الأصل: «قاصرة الشمول».

55

..........

الثامن: أنّ اليد حجّة في إثبات أصل الملكيّة، لا خصوصيّات أسبابها:

أمّا على القول بأنّها أصل فظاهر.

و أمّا على الأماريّة فلعدم إطلاق في دليل حجّيّتها يشمل إثبات الملزوم.

و حينئذ لو كان مصبّ الدعوى في باب المرافعة نفس الملكيّة، فلا إشكال في تقديم قول ذي اليد، و لو كان مصبّ الدعوى انتقال العين إليه؛ بأنّ يدّعي: أنّه قد بعتها لي، و يدعي الآخر عدم البيع، فلو كان الملاك في المرافعة النتيجة كان‏ (1) مثل الأوّل؛ لكون يده حجّة في إثبات الملكيّة، و لو كان الملاك فيها ما هو مصبّ الدعوى انقلب الأمر؛ لأصالة عدم الانتقال المطابقة لقول غير ذي اليد، و هو- حينئذ- لا يكون من تقديم الاستصحاب؛ لأنّ اليد لا تثبت وقوع البيع، نعم لو قلنا بانتزاع العين من يده قبل قطع الخصومة، لكان ذلك من جهة تقديمه عليها؛ لأنّه لا وجه له- مع إثباتها للملكيّة- لو لا تقديم الاستصحاب عليها، كما لا يخفى.

و لكنّه ممنوع، بل لا ينتزع العين منه، و يحكم بترتيب آثار ملكيّته لها عليها.

و ممّا ذكرنا ظهر ضعف ما عن الشيخ- (قدّس سرّه)- في الرسالة (2): من أنّ حكم المشهور بالانتزاع، و أنّه يلزم عليه إقامة البيّنة إذا اعترف بكون العين ملكا للمدّعي سابقا، ليس لأجل تقديم الاستصحاب، بل للإقرار؛ فإنّك قد عرفت أنّ الحكم الأوّل لا يكون إلّا مع التقديم، نعم الحكم الثاني ليس مبنيّا عليه، بل لما ذكرنا: من أنّ اليد ليست حجّة في إثبات الانتقال الّذي هو مصبّ الدّعوى، فتبيّن: أنّ فتوى المشهور لا تتمّ إلّا على القول بتقديم الاستصحاب و لو في الفرض.

ثمّ إنّه قد يقال: إنّ ظاهر خبر «الاحتجاج» (3) المتقدّم على قدح الاعتراف‏

____________

(1) في الأصل: «يكون».

(2) فرائد الأصول: 409- سطر 12- 14.

(3) الاحتجاج: 92- احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) في فدك.

56

..........

بكونه سابقا ملكا للمدّعي بتقديم قول ذي اليد؛ حيث إنّها صلوات اللَّه عليها و أبيها و بعلها و بنيها- كانت معترفة بتلقّي الملك من رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله) و مع ذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّ البيّنة في الفرض على المسلمين.

و قد أجاب عنه بعض محشّي الرسالة (1): بأنّ غرضه (عليه السلام) التوصّل إلى حقّه بأيّ وجه اتّفق و لو لم يكن طبق موازين القضاء، و هو غير بعيد.

____________

(1) أوثق الوسائل: 544- سطر 32- 37.

57

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

58

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

59

..........

[قاعدة التجاوز و الفراغ‏] و أمّا قاعدة التجاوز و الفراغ، فهل هي قاعدتان، أو واحدة قد تسمّى بهذا و أخرى بذاك؟

قولان، الأقرب الأوّل خلافا للشيخ في الرسالة (1)، و لهذا تكلّف في الجمع بين الأخبار؛ لاختلافهما موضوعا؛ لأنّ موضوع الأولى الشكّ في وجود الشي‏ء و موضوع الثانية الشكّ في صحّة الموجود، و محمولا؛ حيث محمول الأولى موجود، و محمول الثانية صحيح، و ملاكا؛ حيث إنّ ملاك الأولى التجاوز مع الدخول في الغير، و ملاك الثانية الفراغ، و دليلا كما يأتي.

إذا عرفت ذلك فتوضيح الكلام فيهما يتوقّف على التكلّم في مقامات:

الأوّل‏ (2): في إقامة الأدلّة عليها.

[أدلّة قاعدة التجاوز]:

و يمكن أن يستدل للأولى بأخبار:

الأوّل: صحيحة زرارة (3) «إذا خرجت من شي‏ء، و دخلت في غيره، فشكّك‏

____________

(1) فرائد الأصول: 414- سطر 6.

(2) في الأصل: «الأولى».

(3) الوسائل 5: 337- 1 باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

60

..........

ليس بشي‏ء».

و لا يخفى أنّ مفادها هو الشكّ في وجود الشي‏ء، مع كون الحكم هو البناء على وجوده، و هذا هو المراد من قاعدة التجاوز.

الثاني: صحيحة إسماعيل بن جابر (1)- على الظاهر عندي- عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال: «إنّ شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض، و إن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض، كلّ شي‏ء شكّ فيه و قد (2) جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه».

و دلالته مثل الأولى.

الثالث: رواية أبي بصير (3) التي هي مثل سابقتها في المتن.

الرابع: قوله (عليه السلام): «و إن شككت بعد ما خرج وقت الفوت و قد دخل حائل، فلا إعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن» (4).

و في دلالته على العموم تأمّل؛ لاحتمال كون المراد من الحائل هو خصوص الوقت المغاير لوقت المشكوك، لا مطلق الغير.

الخامس: رواية ابن إدريس في «مستطرفات السرائر» (5)، نقلا عن كتاب حريز بن عبد اللَّه، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا جاء يقين بعد حائل قضاه، و مضى على اليقين، و يقضي الحائل و الشكّ جميعا، فإن شكّ في الظهر فيما بينه و بين أن يصلّي العصر قضاها، و إن دخله الشكّ بعد أن يصلّي العصر

____________

(1) الوسائل 4: 968- 1 باب 14 من أبواب السجود، و 971- 4 باب 15 من أبواب السجود.

(2) في المصدر: «ممّا قد».

(3) الوسائل 4: 969- 4 باب 14 من أبواب السجود.

(4) الوسائل 3: 205- 1 باب 60 من أبواب المواقيت.

(5) السرائر 3: 588، الوسائل 3: 205- 2 باب 6 من أبواب المواقيت.