طلوع سعد السعود - ج1

- إسماعيل بن عودة المزاري المزيد...
405 /
1

الجزء الأول‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

كلمة شكر و تقدير

إن كتاب طلوع سعد السعود الذي نقدمه اليوم للقراء، عبارة عن موسوعة كبيرة تاريخية، و ثقافية و جغرافية، و اجتماعية، لعدد من بلدان العالم القديم على مستوى قاراته الأربعة: إفريقيا، و أوروبا، و آسيا، و أوقيانيا.

فقد توسّع مؤلفه الآغا إسماعيل بن عودة المزاري في التأريخ لمدينة وهران، و الجزائر، و الغرب الوهراني، و إسبانيا، و فرانسا، و الأتراك العثمانيين، من غابر العصور إلى عهده عام 1890 م. فأرخ لسير أجيال من العلماء، و الأولياء، و الأمراء، و السلاطين، و الملوك، و الخلفاء. و أسهب في الحديث عن النظام الإداري للأتراك في بلادهم، و في الجزائر، و بلدان المغرب، و عن قبائل المخزن في الغرب الوهراني، مع تتبع أصولها، و فروعها، و أدوارها السياسية و العسكرية خلال عهد الأتراك، و قبلهم، و بعدهم إلى عهده هو. و سلك طريق و أسلوب ابن خلدون في وضع شجرات الأنساب لها.

كما أسهب في التأريخ لأجناس أوروبا، و سكان إسبانيا، و فرنسا، و أقاليم الأرض الجغرافية، و الجزر، و الأودية، و الأنهار، و الخلجان، و المدن، و الموانى‏ء، و في التأريخ لملوك اسبانيا الكاثوليكية الحديثة، و ملوك فرنسا من غابر الأزمان إلى نهاية القرن التاسع عشر.

و توسع في الحديث عن أصل جنس الأتراك في آسيا. و نزوحهم إلى آسيا الصغرى و تكوينهم لدولتهم، و استعرض ملوكهم و سلاطينهم جميعا إلى عهده أواخر القرن 19 م. كما توسع في التأريخ لبايليك الغرب الوهراني، و باياته،

2

و صراعهم ضد الوجود الإسباني في وهران و المرسى الكبير، و استعرض الحكام الأتراك في الجزائر. و تفرغ بعد ذلك لاستعراض مقاومة الأمير عبد القادر بتوسع، و قدم لنا قراءة جديدة لها سوف تسمح بأعادة النظر في فهم و تفسير الكثير من أحداثها. خاصة مواقف قبائل المخزن من الأمير عبد القادر، و مواقفه هو منها.

و أوجز في التاريخ للأندلس الإسلامية، و أورد قوائم للخلفاء الأمويين في الشرق، و الأندلس، و الخلفاء الفاطميين، و سلاطين المرابطين، و الموحدين، و الزيانيين، و المرينيين، و السعديين، في الجزائر، و المغرب الأقصى، و تتبع غارات الإسبان و الفرنسيين، على الجزائر و تونس، في العصر الحديث، و تحدث عن الحروب الصليبية خلال حديثه عن ملوك فرنسا.

و خلال كل هذا، تحدث المؤلف على قضايا كثيرة، تاريخية، و فكرية و أدبية، و ثقافية، و اعتمد على مصادر كثيرة نثرية، و شعرية، مخطوطة، و مطبوعة.

مما أضفى على المخطوط القيمة العلمية المطلوبة. و هذا بغض النظر على أسلوب السجع الممل الذي اتبعه، و ركاكة اللغة في بعض الأحيان.

و إخراج هذا المخطوط إلى حيز الساحة الثقافية بعد مضي قرن كامل على تأليفه، يدخل في إطار إحياء التراث الفكري بمفهومه الواسع للبلدان المغاربية أساسا، و الإسلامية بصفة عامة.

و هذا ما تقوم به مؤسسة: دار الغرب الإسلامي بقيادة رئيسها الفاضل السيد الحبيب اللمسي، الحريص على أن يكون المثل و النموذج لعملية الإحياء هذه، التي بدأها منذ عدة سنوات، و أخرج إلى الساحة الثقافية تراثا حضاريا هاما و متنوعا: في العلوم، و الآداب، و التاريخ، و السير، و اللغة، و الدين، و غيرها، و زوّد المكتبات العربية و العالمية بنصيب وافر، من أمهات الكتب، و نفائس المخطوطات، و قدم للأجيال الصاعدة جهود الأجداد الضخم الذي شاركوا به في خدمة العلم، و الفكر، و الثقافة العربية الإسلامية، و الإنسانية العالمية.

و ما إقدام هذه الدار، و رئيسها الفاضل، على طبع هذا المخطوط، و نشره، إلا دليل آخر على مدى الجهد الذي يبذله في هذا الميدان.

3

هذا و قد أدخلنا تحويرا جزئيا على اسم المخطوط في ظهر الغلاف الخارجي فقط، ليكون أكثر دلالة على محتواه، و هو «طلوع سعد السعود، أو تاريخ و هران، و الجزائر، و إسبانيا، و فرنسا، من غابر الأزمان إلى نهاية القرن 19 م».

فإلى الأخ الفاضل السيد الحبيب اللمسي، و إلى داره العامرة: دار الغرب الإسلامي، نقدم كل التحية، و الشكر، و التقدير، و السلام.

و اللّه الموفق‏

و هران- حي جمال الجمعة 25 رمضان 1410 ه.

20 أبريل 1990 م.

د. يحيى بو عزيز (جامعة وهران)

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

تقديم و توضيح‏

إن مخطوط طلوع سعد السعود في تاريخ و هران و مخزنها الأسود. الذي نقدمه اليوم للقراء. قد استنفد منا عملا شاقا و طويلا، بسبب كبر حجمه، و تعقد إجراءات الحصول على إذن لتصويره. و الوقت الطويل الذي استغرق في نقله باليد، و ضربه على الآلة الكاتبة، و مراجعته، و التعليق عليه.

فقد استغرق الحصول على إذن لتصويره من طرف وزارة الثقافة و السياحة، أكثر من ستة شهور، و كان السبب في ذلك المسؤول عن متحف زبانا بوهران الذي تلكأ و راوغ في تنفيذ أمر الوزارة لأمور لا نعلمها، سامحه اللّه.

و استغرق نسخه باليد قرابة عام كامل، بسبب ضخامة حجمه، و صعوبة ضربه على الآلة الكاتبة مباشرة. و بذل الأخ الطالب صديقي سليمان القنادسي.

جهودا مشكورة في نسخه. و تحمل ذلك و تطوع رغم انشغاله بمتابعة دروسه.

لتحضير شهادة الليسانس في التاريخ، و لو لا جهوده هذه، لتأخر إعداد المخطوط للطبع سنوات أخرى. أو تعذر إطلاقا.

و تطلبت قراءته و تصحيحه، و التعليق عليه، و تبويبه أوقاتا طويلة. و استغرق ضربه على الآلة الراقنة قرابة عام كامل كذلك مع إعادة قراءته و تصحيحه و ترتيبه، و فهرسته، كل ذلك وسط الأشغال و الاهتمامات اليومية التربوية و غيرها. و هنا لا بد من التنبيه على عدة أمور:

أولا: توحد بالمخطوط أخطاء كثيرة جدا. و لا تخلو منها أية صفحة في‏

6

اللغة و قواعد اللغة، و الرسم، و الإنشاء، و الصياغة، فاكتفينا بالإشارة و التنبيه على البعض منها و تركنا الباقي على حالها، لأن الإشارة إليها كلها. سيؤدي إلى تضخيم حجم المخطوط. ثم إنها لا تؤدي إلى عدم فهم المعلومات و الحوادث.

ثانيا: إن التعليقات و الهوامش التي وضعناها للمقاصد الثلاثة الأولى، أثبتت أن المواصلة على ذلك النهج سيؤدي إلى مضاعفة حجم المخطوط مرة أو أكثر، و لذلك خففنا منها كثيرا في المقصدين الباقيين و الطويلين: الرابع، و الخامس. و اكتفينا فقط بالضروري منها.

ثالثا: أورد المؤلف قوائم كثيرة و طويلة لأسماء الأعلام الأجنبية الرومانية، و اليونانية، و الإسبانية، و الفرنسية، و غيرها، فكتب البعض صحيحا، و حرف أخرى، و لذلك حاولنا نحن تصحيح بعضها بكتابتها بالحروف اللاتينية أمامها. أو في الهامش. و تركنا الباقي إلى حين التعرف عليها.

رابعا: ليس للمخطوط عناوين و لذلك وضعنا نحن له عناوين فرعية مستقلة ليسهل التعرف على موضوعاته، و العودة إليها بدون مشقة، و صعوبة، و وضعنا أرقام الصفحات بين قوسين داخل النص.

خامسا: نظرا لطول المخطوط و كبر حجمه، فقد قسمناه إلى جزئين:

الجزء الأول: يشمل المقاصد الثلاثة الأولى. و القسم الأكبر من المقصد الرابع، و ينتهي عند نهاية الدولة الثامنة أو دولة الأتراك العثمانيين عام 1830 م، و يحوي 317 صفحة من المخطوط.

الجزء الثاني: يشمل القسم الأخير من المقصد الرابع، و المقصد الخامس و الأخير و يحتل باقي صفحات المخطوط إلى صفحة 582.

سادسا: بذلنا جهودا مكثفة للحصول على سيرة المؤلف الآغا بن عودة المزاري. فلم نوفق، فقد راجعنا مجلة الجمعية الجغرافية و الأثرية لمدينة و هران.

و رجعنا إلى ما كتبه مارسيل بودان عن المخطوط، و لم نحصل على شي‏ء، وزرنا أفراد عائلة المزاري في سبدو، و مغنية، و استجوبناهم فلم يفيدونا بشي‏ء و يجهلون أصلا هذا الرجل.

7

و سألنا المسنين في مدينة و هران، الذين لهم صلة بالعائلات المخزنية فلم يفيدونا بشي‏ء.

و قد سجل المؤلف حياته و سيرته في مخطوطه، خلال تأريخه لرجال المخزن، بعد أن سجل سيرة والده الحاج محمد المزاري، و عمه مصطفى ابن إسماعيل. في المقصد الخامس و الأخير من مقاصد الكتاب من صفحة 538 إلى صفحة 545. و لكن هذه الصفحات بترت من المخطوط و يبدو أن ذلك تم عن عمد، و قصد. و لذلك بقيت حياة هذا الرجل ثغرة. و لم نجد حاليا ما يملؤها. فأرجأنا ذلك إلى حين العثور على معلومات جديدة عنه، أو العثور على الصفحات المبتورة من المخطوط. و قد قال في صفحة 546 التي بقيت لم تبتر:

«ولي في هذا الوقت ولدان بلامين أكبرهما إسماعيل، و الآخر الحسين».

و الشي‏ء المعروف عنه حاليا هو أنه ابن الحاج محمد المزاري الذي هو ابن أخ مصطفى بن إسماعيل، و كلاهما تولى وظيفة للأمير عبد القادر، ثم للفرنسيين بعد أن انضما إليهم في حدود عام 1835 م. و من بعدهما تولى المؤلف ابن عودة المزاري وظيفة الآغا للفرنسيين، و لكن لا ندري متى تولى هذه الوظيفة، و متى ولد، و متى توفي كذلك، و المؤكد هو أنه توفي بعد عام 1897 م.

و قد يكون عاش إلى مطلع القرن الحالي و لا ندري أيضا أين توفي، و أين دفن، و لعلنا نكتشف في يوم ما الأجوبة على هذه الأسئلة و التساؤلات. فنضمها للطبعة التالية إن شاء اللّه تعالى.

سابعا: وضعنا للمخطوط فهارس، للأعلام، و القبائل، و الجماعات، و الأماكن الجغرافية، و أسماء الكتب. كل جزء بفهارسه الخاصة.

ثامنا: أضفنا إلى المخطوط في الأخير قائمة المراجع ذات الصلة بالموضوع، و منها المراجع التي اعتمد عليها المؤلف و أشار إليها داخل النص.

تاسعا: إذا كان ما بد من شكر أحد فهو الناسخ للمخطوط الأخ الطالب و الأستاذ صديقي سليمان، و المسؤولون عن مديرية التراث بوزارة الثقافة و على رأسهم الأخ عبد اللّه بالسرياني، ثم الأخ الضابط الصديق إيمخلاف رئيس القطاع العسكري بولاية النعامة و الأخ قاسمي الهاشمي بالإذاعة الجهوية بوهران اللذان‏

8

ساعداني في ضرب المخطوط على الآلة الراقنة، فإليهم و إلى غيرهم شكري و تقدري.

عاشرا: و قد زودنا هذه الدراسة في الأخير بقوائم لأسماء أباطرة الرومان و البيزنطيين، و ملوك فرنسا، و إسبانيا، و حكام و هران الأوائل، و السلاطين العثمانيين، و حكام الجزائر في العهد العثماني، و بثلاثة خرائط لوهران؛ و المنطقة الوهرانية التي شهدت أحداث الإسبان، و المرسى الكبير.

حادي عشر: لقد أدخلنا تحويرا جزئيا على عنوان المخطوط الأصلي ليكون أكثر دلالة على محتواه، و ذلك على ظهر الغلاف الخارجي فقط، و أصبح هكذا: «طلوع سعد السعود أو تاريخ و هران و الجزائر و إسبانيا و فرنسا». (من غابر العصور إلى نهاية القرن 219). أما في الداخل فقد أبقينا على العنوان الأصلي للأمانة التاريخية.

و أرجو أن يجد الطلاب و الباحثون، و الأساتذة في المعاهد و الجامعات، ضالتهم في هذا المخطوط الذي لا شك أنه سيزودهم بمعلومات واسعة، عن تاريخ و هران، و الغرب الوهراني و الجزائر، و إسبانيا و فرنسا، و عبر التاريخ خاصة خلال عهد الأتراك العثمانيين و عهد الاحتلال الفرنسي إلى عام 1890 م.

و اللّه الموفق:

وهران- حي الصديقية الخميس 29 شعبان 1409 ه 06 أبريل 1989 م‏

د. يحيى بو عزيز

9

المخطوطات‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الصفحة الأولى من مخطوط: طلوع سعد السعود.

12

الصفحة الثانية من مخطوط: طلوع سعد السعود.

13

تمهيد في التعريف بمخطوط طلوع سعد السعود في أخبار وهران و مخزنها الأسود

للآغا بن عودة المزاري مؤلف هذا المخطوط هو أبو إسماعيل ابن عودة بن الحاج محمد المزري البحثاوي، كما جاء في مطلع الصفحة الأولى منه التي تحمل رقم 2. و يعرف عن الناس في الناحية الغربية بالآغا المزاري. و كان أبوه الحاج محمد المزاري، و عم أبيه مصطفى بن إسماعيل، قد توليا منصب: و وظيفة «الآغا» عند الأمير عبد القادر أولا، ثم عند الفرنسيين بعد أن انضما إليهم في حدود ديسمبر 1835 م الموافق لأواخر شعبان 1251 ه. كما جاء في صفحات 431- 434 من المخطوط نفسه.

و يقع هذا المخطوط في مجلد كبير يحتوي على 582 صفحة من مقاس 19* 25، و تتراوح أسطرها بين 18 و 30 سطرا، و كتب بخط مغربي واضح، و سهل القراءة على طريقة المصحف الكريم المغربي، بحيث تنقط الفاء من أسفل و القاف من أعلى بنقطة واحدة.

ليس للمخطوط عنوان على ظهره بالصفحة الأولى، و لكن ذكر داخل الصفحة الثالثة و في آخرها. و قد بدئى بالصفحة الثانية، بينما أبقيت الصفحة الأولى بيضاء، و لا توجد به صفحة رقم 505، و ذلك لخطأ في الترقيم فقط، إذا انتقل المؤلف من رقم 504 إلى رقم 506 مباشرة. و لكن المخطوط تنقصه ثماني صفحات من رقم 538 إلى رقم 545، إذ اقتلعت منه أربعة أوراق، و ذلك في المقصد الأخير منه. و من سوء الصدف أن الصفحات الناقصة هي التي تتصل‏

14

بحياة المؤلف نفسه، و موقفه من الأمير و المقاومة الوطنية. و يبدو لنا أن هذه الصفحات انتزعت عن قصد و لغرض معين كذلك، و كل صفحة من صفحات المخطوط يبدؤها المؤلف بالعبارة التالية:

«اللهم صلّ على الحبيب محمد و آله و صحبه و سلم». و ذلك على يمين صفحة اليمين، و يسار صفحة اليسار.

و يوجد هذا المخطوط في مكتبة متحف زبانا بمدينة و هران تحت رقم 466، و جلد بغلاف من الورق المقوى ذي اللون البني المائل إلى الخضورة، و كتب على ظهر حاشيته القاعدية الجلدية الحمراء بالحروف اللاتينية، المزري.

تاريخ و هران. و ليس له نظير على ما نعرف، بحيث تتفرد به مكتبة هذا المتحف دون غيرها (1).

و يضم هذا المجلد بين دفتيه ثلاثين كرّاسا، كل منها يتألف من عشرة أوراق ما عدا:

كراس رقم 26 الذي يحتوي على 12 ورقة من صفحة، 480 إلى 504.

و كراس رقم 27 الذي يحتوي على 12 ورقة كذلك من صفحة 506 إلى 529.

و كراس رقم 28 الذي يحتوي فقط على 8 ورقات من صفحة 530 إلى 553، و هو الكرّاس الذي تنقص به الصفحات التي تخص حياة المؤلف و بعض أفراد أسرته.

و كراس رقم 30 الأخير الذي يحتوي فقط على 5 ورقات من 574 إلى 582.

____________

(1) توجد لدى الأستاذ محمد بن عبد الكريم نسخة مصورة من النسخة الأصلية الموجودة بهذا المتحف. و هي مبتورة كذلك على ما ذكره لي الشيخ عبد الرحمن الجيلالي الذي اعتمد عليها. و قد راسلته فلم يجبني أصلا، رغم إلحاح الدكتور سعد اللّه عليه في ذلك.

15

أقسام المخطوط و تاريخه‏

و يتألف هذه المخطوط من خمسة أقسام يحمل كل منها اسم المقصد:

- المقصد الأول: فيمن بنى و هران، و فيمن أمر ببنائها و أي تاريخ بنيت فيه.

و به 8 صفحات من 4 إلى 11.

المقصد الثاني: في ذكر بعض أوليائها و التعريف بهم، و به 20 صفحة من 11 إلى 30.

- المقصد الثالث: في ذكر بعض علمائها و التعريف بهم، و به 9 صفحات من 30 إلى 38.

- المقصد الرابع: في ذكر الدول التي حكمتها و هي تسعة و به 486 صفحة من 38 إلى 523.

- المقصد الخامس: في ذكر مخزنها و هو عين المراد، و به 59 صفحة من 523 إلى 582. و تنقص به ثماني صفحات من 538- 545.

و ليس لهذا المخطوط تاريخ محدد لتأليفه، و لكنه ألف في نهاية عقد الثمانينات و مطلع التسعينات من القرن التاسع عشر، و ذلك استنادا إلى كلام المؤلف نفسه فيما أورده في صفحتي 520 و 521 حول تواريخ حكام الجزائر و وهران. فقد قال عن الحاكم العام تيرمان بأنه «تولى يوم 16 نوفمبر 1881 م و ما يزال عليها حتى الآن سنة 1890 م». و قال عن سعدية كارنو الذي يحكم و هران بأنه «تولى سنة التسليم (و هي 1888) و هذا الرايس هو الموجود الآن في عام التسعين و الثمانمائة و الألف الموافق للعام الثامن و الثلاثمائة و الألف».

و استنادا كذلك إلى التقريظ الذي وضعه للمخطوط في صفحته الأخيرة السيد عبد العالي شبكه و أثبت في نهايته التاريخين 1897 م و 1314 ه و أذن له في طبعه. و إلى التقريظ الذي وضعه له كذلك بعد التقرظ الأول، السيد عبد الرحمن بن سليمان المصري المالكي، و لكنه لم يضع له تاريخا على أي حال.

ليس للمخطوط عناوين مستقلة، ما عدا في المقاصد الثلاثة الأولى و جزء من المقصد الرابع صفحة 57 فإن له عناوين على هوامش الصفحات توضع دائما

16

تحت كلمة: قف، غير أن المؤلف يبرز عناوينه داخل الصفحات بكتابتها بالخط الغليظ، و يستعمل المداد الأحمر في كتابة الكلمات الأولى أو الحروف الأولى للكلمات في بداية الجمل و الفقرات التي من المفروض أن تكون في بداية السطر، لأنه لا يتوقف اطلاقا قبل تمام السطر ليبدأ في الآخر، كما هو متعارف حاليا، غير أنه يستعمل النقط الغليظة للفصل بين الجمل و الفقرات حتى و لو مع عدم تمام المعنى، و يستعمل المداد الأحمر كذلك لوضع سطور تحت الكلمات، و الحروف، و كل عناوين الكتاب من وضعنا نحن.

و يختلف عدد أسطر الصفحات، و شكل الخط، حسب الكيفية التالية:

- فالصفحات الأولى لغاية صفحة 120 تقريبا، عدد أسطرها بين 18 و 19 و خطها واسع.

- الصفحات من 120 إلى 298 عدد أسطرها بين 19 و 20. و خطها مضغوط نوعا ما.

- و الصفحات الباقية من 299 إلى نهاية المخطوط عدد أسطرها بين 24 و 30 و كتابتها مضغوطة جدا و دقيقة.

أغلب الصفحات استعمل فيها المؤلف المداد الأحمر، و الباقي لم يستعمل فيها، و هناك بعض الأوراق يقطعها، و يستبدلها بغيرها و يلصقها الصاقا. و هذا واضح في عدة مواطن من المخطوط. و بما أن المخطوط يتألف من 30 كرّاسا فإن المؤلف رقمها كلها في بدايتها على اليسار بالتتابع من 1 إلى 30 و ذلك بوضع الرقم فوق حرف الكاف هكذا: ك 2. و يعني كراس 2.

و مما تجدر ملاحظته هنا أن كل عناوين الكتاب من وضعنا نحن و لم نحاول أن نشير لكل أخطاء الكتاب اللغوية، و الرسم، لأنها كثيرة جدا. و تتطلب الإشارة إليها زيادة لا أقل من ربع حجم الكتاب. كذلك تجنبنا التعقيب و التدخل كثيرا في المعلومات لأن ذلك يتطلب زيادة حجم الكتاب بالنصف على الأقل.

و قد كانت تجربة التعليقات في المقاصد: الأول، و الثاني، و الثالث، خير دليل على هذا. إذ زادت على حجم كل مقصد على حدة.

17

محتويات المقاصد الخمسة

- المقصد الأول: يقع في عشر صفحات، و موضوعه فيمن بنى و هران و أي وقت بنيت، و من أمر ببنائها، و من أشرف على ذلك، و في وصف الرحالة و المؤرخين لها. و قد ذكر المزري أنها بنيت في القرن الثالث الهجري، و لكن هناك خلاف في السنة. فالحافظ أبوراس له روايتان:

الأولى: في كتابه، عجائب الأسفار، مفادها أن مغراوة هي التي بنتها بأمر من الخليفة الأموي بالأندلس عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، و الذي أشرف على بنائها هو خزر بن حفصى بن صولات بن وزمار ابن صقلاب، بن مغراو الزناتي المغراوي. و هذا يعني أنها بنيت في وسط القرن الثالث لأن عبد الرحمن بن الحكم تولى الخلافة عام 206 ه، و توفي في ربيع الآخر عام 288 ه، كما في المختصر لأبي الفداء.

الثانية: في كتابيه: عجائب الأخبار، و الخبر المعرب، و تفيد أن الذي بناها هو خزر بن حفص حقيقة، و لكن الذي أمر ببنائها هو الخليفة الأموي بالأندلس أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، و ذلك اما سنة 290 أو 291 أو 292. و قد رجح الزياني الذي نقل عليه، التاريخ الثالث و الأخير لأن هذا الخليفة تولى الخلافة عام 275 و توفي عام 300 ه كما في مختصر أبي الفداء. و قد بناها قبل وفاته بعشر سنوات كما في دليل الحيران.

أما عبد الرحمن الجامعي فقد ذكر في شرحه على الحلفاوية أنها بنيت من طرف مغراوة و في أيام أمرائها، و لكنه لم يحدد السنة و تجنب ذلك حتى لا يقع في حرج أو خطأ. بينما أكد كل من محمد بن يوسف القيرواني، و أبي عبيد اللّه البكري، و ابن خلكان، و الرشاطي، و الصفدي، كل في تاريخه بأن الذين بنوها هم: محمد بن أبي عون، و محمد بن عبدوس، و محمد بن عبدون، و جماعة من البحارة الأندلسيين الذين كانوا ينتجعون مرسى و هران، مع نفزة و بني مسقن، و هم بنو مسرغين من أزديجة و كانوا أصحاب القرشي، و هو الخليفة الأموي بالأندلس، و ذلك عام 290 ه.

18

و قد استعرض أوصاف الرحالة و المؤرخين لها كالزياني، و ابن خلكان، و أبي راس المعسكري، كل ذلك نقلا حرفيا عن دليل الحيران لشيخه محمد ابن يوسف الزياني في ست صفحات كاملة.

- المقصد الثاني: في ذكر بعض أوليائها بحسب الاستطاعة و التعرض بالذكر لمن هو منهم شريف، و قد اعتمد فيه على دليل الحيران حرفيا و مما قاله بالحرف الواحد: «اعلم أيدني اللّه و إياك بأنواره و نفعني و إياك بأسراره أن أولياءها عددهم كثير، و حصرهم عسير و لكني أذكر منهم المشاهير كما ذكرهم شيخنا الزياني في الفصل الثالث من دليل الحيران و أنيس السهران.

و قد استعرض المؤلف في هذا المقصد سير و مناقب، و حياة عدد من أولياء و هران عددهم حوالي 53 وليا صالحا، و توسع في ترجمة البعض مثل الشيخ محمد بن عمر الهواري، الذي خصه بثماني صفحات و تلميذه إبراهيم التازي الذي خصه بأربع صفحات و نصف الصفحة. أما الباقي فقد اختصر تراجمهم في ما بين نصف الصفحة، و ثلثها و ربعها و سطر، و نصف السطر، بل أن عددا كبيرا منهم أوردهم بأسمائهم فقط، و ذلك لقلة المعلومات عنهم لديه على ما يبدو.

و من ضمن من ترجم لهم إلى جانب من ذكر: سيدي هيدور، و دادة أيوب، و محمد بن يبقي، و سيدي غانم، و عبد اللّه بن خطاب، و أحمد بن أبي جمعة الوهراني، و بلخير الجماعي، و سيدي الغريب، و سيدي البشير بن يحيى، و بدر الدين، و سيدي السنوسي، و الخروطي، و محمد بن يعزي، و سيدي قتادة بالمختار، و عبد اللّه رحو التيجيني، و فرقان الفليتي، و سيدي أحمد الفيلالي الضرير. كل ذلك في 20 صفحة من المخطوط.

- المقصد الثالث: في ذكر بعض علمائها من حيث بنيت للآن. اعتمد فيه كذلك على دليل الحيران للزياني، و قال: «اعلم أيدني اللّه و إياك بنوره، و نفعني و إياك بسره، و وقانا من ضروره أن علماءها عددهم كثير و حصرهم شديد عسير، و لكني أذكر منهم إن شاء اللّه تعالى المشاهير كما ذكرهم شيخنا الحافظ المحقق سيدي و مولاي، و سمط محياي العالم الرباني الشريف الحسن أبو عبد اللّه محمد ابن يوسف الزياني في الفصل الثالث من كتابه دليل الحيران».

19

و قد ترجم لحوالي 63 عالما، توسع في البعض منهم و اختصر في الباقي كما فعل في مقصد الأولياء. و كرر في هذا المقصد ذكر عدد من أولياء وهران عدهم من العلماء كذلك، و هم: الشيخ الهواري، و إبراهيم التازي و سيدي يحيى البوعناني، و سيدي محمد بن يبقى، و سيدي غانم، و أحمد بن أبي جمعة المغراوي.

و من العلماء الذين ترجم لهم كذلك: أبو إسحاق إبراهيم الوهراني و أبو تميم الواعظ، و أبو زيد عبد الرحمن مقلاش، و أبو عبد اللّه محمد بن أبي جمعة الوهراني المغراوي، و الكاتب المستغانمي محمد بن حسن، و السيد أحمد ابن الخوجة، و مصطفى بن عبد اللّه الدحاوي، و الشيخ الطاهر بن الشيخ المشرفي، و محمد بن عبد اللّه سقاط المشرفي، و الحاج عبد القادر بن مصطفى المشرفي، و الخوجة السيد مسلم بن عبد القادر الذي كان كاتبا لدى الباي الباهي حسن آخر بايات و هران. كل ذلك في تسع صفحات.

- المقصد الرابع: و هو أطول مقاصد الكتاب يحتل خمسة أسداس المخطوط تقريبا. و يشغل 486 صفحة كاملة. و قد تحدث فيه المزاري على الدول التي حكمت و هران و المغربين الأوسط و الأقصى على سبيل الترتيب من يوم بنيت إلى زمن المؤلف و عددها تسعة كما في دليل الحيران دائما، و هي:

1- دولة الأمويين بالأندلس القائمين بأمور زناتة و عمالهم مغراوة و أولهم خزر، و ذلك في 4 صفحات من 38 إلى 41.

2- و العبيديون و هم الشيعة في 15 صفحة من 41 إلى 56.

3- و المرابطون و هم الملثمون في 12 صفحة من 57 إلى 68.

4- و الموحدون في 23 صفحة من 68 إلى 91.

5- و الزيانيون و هم بنو عبد الواد في 13 صفحة من 91 إلى 104.

6- و المرينيون بنو أحمامة ثم الزيانيون في 33 صفحة من 104 إلى 137.

7- و الإسبانيون في 39 صفحة من 137 إلى 176.

8- و الأتراك و هم الترك في 141 صفحة من 176 إلى 317.

9- و الفرنسيين في 208 صفحة من 317 إلى 523.

20

و قد أكثر المؤلف في هذا المقصد من الاستطرادات التي أخرجته تماما عن موضوعه الأصلي، و أغرقت تاريخ و هران في محيط تاريخ العالم كله تقريبا و خاصة بلدان المغرب، و الأندلس، و فرنسا، و البلاد العثمانية بالمشرق، و سنحاول أن نقدم فيما يلي موجزات و مختصرات، لما توسع فيه من تاريخ هذه الدول أو العهود التسعة، للتعريف بمحتوياتها، و التنبيه إلى ما هو مهم منها:

أولا: الدولة الأولى بنو أمية و عمالهم مغراوة و أولهم خزر بن حفص الذي اختطها و بناها في القرن الهجري الثالث، و كان جده الأعلى و زمار بن صقلاب ابن مغراو، قد أسلم على أيدي عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، فأرسله ضمن وفد إلى المدينة لمقابلة الخليفة الثالث لرسول اللّه، سيدنا عثمان بن عفان، فجدد إسلامه على يديه كذلك، و من ثم بقيت مغراوة موالية لبني أمية، مثلما فعلت صنهاجة عند ما بقيت موالية للعلويين العبيديين بإفريقيا.

و قد أورد المؤلف تفاصيل عدة عن أحداث و هران و ولاتها المغراويين بعد خزر مثل ابنه محمد، و الخير بن محمد، و تحدث عن إحراقها عام 297 ه و تجديدها في العام الموالي و عن حروب محمد بن خزر مع أزديجة و عجيسة، و صلات ابنه الخير بالمروانيين بالأندلس خاصة عبد الرحمن الناصر، و اتساع ملكه على معظم المغربين الأوسط و الأقصى إلى السوس الأدنى، و الصحراء، و حروبه مع الشيعة، و غزوه لبسكرة و الزاب و المسيلة و تدويخه للمغرب الأوسط تدويخا كاملا إلى أن حصل خلاف له مع أبيه، شديد، فأرسل الخليفة الناصر من الأندلس قاضي قرطبة الفقيه منذر بن سعيد الولهاصي البلوطي ليصلح بينهما، و يبقى الأمر هكذا حتى سيطر الشيعة العبيديون على و هران. و قد استغرق ذلك أربع صفحات نقلها من دليل الحيران.

ثانيا: دولة الشيعة الرافضة، و العبيديون، و العلويون، و الفاطميون، و قد شرح فيها أسباب تسميتهم بهذه الأسماء و الألقاب و سيطرتهم على و هران.

و انتقال الحكم فيها إلى بني يفرن، و قيام يعلي بن محمد اليفريني ببناء مدينة إيفكان عام 338 ه، في ضواحي بني راشد بسفح جبل أوسلاس، و نقله سكان و هران إليها بعد أن خربها، و نقل مقر حكمه إليها كذلك، ثم شرح بعد ذلك‏

21

كيف مال محمد بن الخير بن خزر المغراوي إلى الشيعة، و التحق بالمعز لدين اللّه الفاطمي في القيروان، و عاد مع جيش جوهر الصقلي إلى تيهرت و تم قتل اليفريني غدرا، و خرب جوهر مدينة إيفكان و عاد محمد بن الخير إلى حكم و هران، فبث فيها و في غيرها الدعوة الشيعية الفاطمية العبيدية، و قد استعرض أحداث الخزريين في هذا العهد الثاني و أشار إلى بناء مدينة و جدة عام 384 ه من طرف زيري بن عطية، و إلى فساد العلاقة بين زيري بن عطية، و المنصور بن أبي عامر بالأندلس، و ختم هذا العهد و هذه الدولة بذكر أسماء حكام و هران خلال العهدين: المغراوي الخزري، و الشيعي الفاطمي، و ذكر أنهم ستة عشر حاكما، عشرة مغراويون، و اثنان من أزديجة و عجيسة، و واحد شيعي، و واحد يفريني، و اثنان صنهاجيان. و أورد كذلك أسماء ملوك الأمويين المروانيين بالأندلس، و عددهم ستة عشر ملكا و أسماء ملوك و خلفاء بني أمية بالمشرق و عددهم أربعة عشر، و أسماء ملوك الشيعة العبيديين، و عددهم أربعة عشر ملكا، و ملوك الأدارسة بالمغرب الأقصى و عددهم ثلاثة عشر. و ملوك السليمانيين بالمغرب الأوسط و عددهم واحد و عشرون: أربعة بتلمسان، و أربعة برشقون و ثلاثة بجراوة، و ثلاثة بتاهرت، و سبعة بتنس. و قد استغرق الحديث عن هذه الدولة 15 صفحة من المخطوط.

ثالثا: دولة المرابطين الملثمين، ابتداء من يوسف بن تاشفين مؤسس مدينة مراكش، و قد استعرض فيها أحداث هذه الدولة في المغربين الأقصى، و الأوسط، و الفتوحات و التوسعات التي قامت بها، و بناء مدينة مراكش، و أحداث و هران و مشاكلها خلال ذلك، و ذكر أن ملوك صنهاجة الملثمين، الذين يبلغ عددهم اثنين و أربعين أميرا ينتمون إلى ثلاثة فرق هي:

1- البولكانية: نسبة إلى بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي، و عددهم خمسة و عشرون ملكا: عشرة بإفريقيا (تونس)، و عشرة ببجاية و واحد بالمغرب الأوسط، و أربعة بالأندلس.

2- المرابطون الملثمون اللمتونيون: و عددهم اثنا عشر.

3- الغانية: أو بنو غانية أولاد المرأة التي يقال لها غانية و هي بنت عم يوسف ابن تاشفين. و عدد ملوكهم خمسة ما بين بجاية و تونس.

22

و قد استغرق الحديث على هذا العهد 12 صفحة من المخطوط.

رابعا: دولة الموحدين، و قد تحدث فيها عن سبب تسميتهم بالموحدين و عن المهدي بن تومرت داعية هذه الدولة، و نسبه، و دعوته، و عن عبد المؤمن و نسبه، و أصله، و سيرته، و أوليات حياته، و بداية حكمه، و فتوحاته، و قيامه بمسح جغرافي لبلدان المغرب من برقة إلى واد نون بالسوس الأقصى، بالفراسخ، و الأميال، طولا و عرضا، مع إسقاط الثلث بعد ذلك الذي يشغل الأودية، و الجبال، و الغابات، و الشعاب، و السباخ، و الطرقات، و الخرابات، و ذلك من أجل تحديد الخراج بها. و تحدث عن قيام عبد المؤمن ببناء مدينة البطحاء بأرض هوارة، و مدينة الفتح بجبل الفتح في الأندلس التي نقل إليها عددا من سكان الحشم بإفريقيا للاستقرار بها.

و بعد ذلك استعرض تاريخ خلفائه من بعده، و أحداثهم و حروبهم أحيانا بإيجاز و أحيانا بالتفصيل، و ختم ذلك بإيراد إحصاء لعدد ملوك و أمراء هذه الدولة الموحدية و عددهم 47 ملكا: منهم 14 بالمغرب الأقصى، و 29 بإفريقيا (تونس)، و 3 ببجاية، و واحدة بالمهدية و طرابلس، و حدد الأقاليم و الأوطان التي وصل إليها حكمهم، و خضعت لهم و استغرق ذلك 23 صفحة من المخطوط.

خامسا: الدولة الخامسة و هم الزيانيون و بنو زيان، و العبد لواديون، و بنو عبد الواد، و قد تحدث فيها عن سبب تسميتهم بذلك، و أصلهم و نسبهم، و كيفية وصولهم إلى الحكم ابتداء من جابر بن يوسف بن ياغمراسن و استقلالهم بتلمسان و المغرب الأوسط، و استعرض أحداث أمراء هذه الدولة و تاريخ و هران و أحداثها خلالها، و أورد بعض الصراعات و الحروب التي كانت تحصل بين بني زيان و بني مرين حول السلطة و النفوذ على كل أقاليم المغرب العربي، و تدخل بني حفص في الصراع كذلك، و ما انجز عن ذلك من التقلبات السياسية و التمردات، و الانقلابات. و قد استغرق ذلك 13 صفحة من المخطوط.

سادسا: دولة المرينيين و يقال لهم بنو أحمامة، و قد تحدث عن تسميتهم، و نسبهم، و مواطنهم بالزاب، و فيقيق، و تافيلالت و ملوية، و عن كيفية وصولهم إلى الحكم، و أول ملكهم بالمغرب الأقصى عبد الحق، و من جاء بعده من الأمراء

23

و الملوك، هذا وراء الآخر، مع اختصار أحداثهم إلى عهد أبي الحسن المريني، و ابنه أبي عنان، و ما حصل بينهما من الأحداث و المشاكل.

و خلال هذا شرح أحداث و هران و تعاقب الحكم فيها بين بني زيان و بني مرين حوالي خمس مرات مثلما حصل لتلمسان و باقي المغرب الأوسط، نظرا لحدة الخلافات و الصراعات بين الفريقين، و قد استغرق ذلك 33 صفحة من المخطوط.

سابعا: «الدولة السابعة و هم الإسبانيون، و يقال لهم السبنيول سموا بذلك نسبة لمدينة إسبانيا بقطع الهمزة المكسورة و سكون السين المهملة، و فتح الباء الموحدة من أسفل بعدها ألف ساكن، ثم نون موحدة من أعلى مكسورة ثم ياء مثناة من تحت بعدها ألف مقصورة». و قد تحدث فيها عن عاصمة إسبانيا ماتريج (مجريط)، و موقعها، و موقع إسبانيا و مساحتها، و الدول و الملوك الذين تعاقبوا عليها، و سكانها، و عددهم و أصولهم، و أقسام إسبانيا السياسية الثلاثة عشرة، الثمانية الساحلية و الخمسة الداخلية، و أشهر مدنها، و جبالها، و أنهارها، و أنهار العالم كلها، و جباله، و موقع إسبانيا في أوربا، و باقي القارات الخمس، و سكانها و دول العالم جميعها، في القارات الخمس. و قد توسع في الحديث عن أصل السكان الإسبان إلى أن وصل إلى عهد فيردينند، و إزابلا، الكاثولكيين في القرن 15 م. و استعرض بعد ذلك أحداث الغزو الإسباني لوهران و المرسى الكبير، و ضواحيهما و أحوازهما بكثير من التفصيل و شرح سعي الإسبان لتركيز وجودهم بهما، و فرض سيطرتهم على المناطق المجاورة و مقاومة السكان لهم، و تحدث عن سكان هبرة، و أصلهم و فروعهم، و استعرض الغزوات الإسبانية، و توسعاتهم خارج و هران على طول سواحل الجزائر، و تونس، و طرابلس، و تتبع تاريخ ملوك الإسبان أمثال فردينند الأول، و فيليب الأول و الثاني، و الثالث، و كارلوس الأول، و الثاني، و الثالث، و الرابع، و استطرد للحديث عن قدوم الأتراك إلى مدينة الجزائر ابتداء من خير الدين و عروج و سعيهم لتحرير و هران ابتداء من حسن بن خير الدين إلى الباي شعبان الزناقي، و اغتنم فرصة حديثه عن محاولة السلطان العلوي إسماعيل تحرير و هران، فأورد أسماء ملوك بني وطاس بفاس،

24

و ملوك العلويين، و أشار إلى التحصينات الإسبانية بوهران، و استغرق ذلك 39 صفحة من المخطوط.

ثامنا: «دولة الأتراك و هي الدولة الثامنة التي حكمت و هران و قد تحدث عن أصل الأتراك، و منبتهم، و بلادهم في أقصى المعمورة و ما وراء النهر إلى الصين، و السد الذي بناه ذو القرنين، و عن انتشارهم في الأرض، و إسلامهم، وجدهم الأول عثمان، و نسبه، إلى آدم (عليه السلام)، و أخذ بعد ذلك يستعرض تاريخ ملوك و سلاطين العثمانيين إلى عهد السلطان عبد الحميد الثاني الذي كان يحكم في عهده أواخر القرن 19 م تم تطرق للحديث عن وصول الأتراك إلى الجزائر، و أسباب ذلك و تاريخه، و استعرض حكامهم و أمراءهم بها، مع أحدائهم ابتداء من عروج و خير الدين إلى الداي حسين باشا آخرهم بالجزائر.

و توقف عند أحداث استعادة الإسبان لوهران عام 1732 بعد أن حررها بوشلاغم قبل ذلك عام 1708 لمدة ربع قرن، و أرخ للأحداث التي تلت ذلك، و الغزوات الإسبانية المتكررة على الجزائر خلال عهد الداي محمد عثمان باشا في أعوام 1775 و 1783، و 1784 م. أثناء حكم الملك الإسباني كارلوس الثالث، و عاد بعد ذلك للحديث عن فتح و هران، و تحريرها التحرير الثاني و النهائي على أيدي البطل الشجاع الباي محمد بن عثمان الكبير، و حشد من طلبة العلم، و الفقهاء و العلماء، و حفاظ القرآن الكريم، و أورد حكايات و تفاصيل كثيرة حول الموضوع. ثم استطرد للحديث و التاريخ عن باقي ملوك إسبانيا قبل أن يعود للتأريخ عن نظام الحكم التركي بالجزائر الإداري و العسكري و أجهزة الحكم، و أقسام البايليكات، و أجهزة الحكم، و الألقاب، و الرتب، و التخصصات، و تحدث عن عواصم بايليك الغرب: مازونة مع باياتها، و تلمسان مع باياتها، ثم قلعة بني راشد، و معسكر، و وهران و مستغانم أخيرا، و شرح أجهزة حكم البايات، و تنظيماتهم الإدارية و السياسية و العسكرية، و الاقتصادية، و اختصاصات الموظفين، و رتبهم، و نظام الدنوش.

و بعد كل هذا شرع في الحديث و التأريخ بالتفصيل، لبايات بايليك الغرب ابتداء من حسن بن خير الدين إلى مصطفى بوشلاغم المسراتي و أبنائه، و الباي‏

25

محمد بن عثمان الكبير و ابنه عثمان إلى أن وصل إلى الباهي حسن آخر بايات و هران و بايليك الغرب و قد خصص حيزا كبيرا للحديث عن البايات المسراتية، و أعمالهم و منشآتهم العمرانية في معسكر، و مستغانم، و وهران، و قلعة سيدي راشد، كما خصص حيزا كيرا للحديث عن ثورة درقاوة، و التيجاني ضد بايات بايليك الغرب، و ما حصل خلالهما من الأحداث و التطورات، و الحروب، و القلاقل و الاضطرابات و تحدث عن قبائل المخزن الخمسة ببايليك الغرب و هي:

الدوائر، و الزمالة، و الغرابة، و البرجية، و المكاحلية، و لم ينس أن يتحدث عن مقتل الرئيس حميد و خلال مواجهته للمراكب الأمريكية في البحر، و عن الصلح الذي تم على أثر ذلك بين الجزائر، و أمريكا، و غارات الإنكليز على الجزائر، إلى أن وصل إلى حملة الاحتلال الفرنسي على الجزائر عام 1830 م، و قد استغرق ذلك 141 صفحة من المخطوط. و قد استقى كل معلوماته و نقلها عن دليل الحيران.

تاسعا: «ثم ملك و هران الدولة التاسعة و هي الفرنسيس و يقال لهم أيضا الفرنج، فتسميتهم بالفرنج قديمة التأسيس ثم سمتهم العامة بعدها بالفرنسيس نسبة إلى بلدة افرانسا بقطع الهمزة، و هي قاعدتهم القديمة، و ملك دارهم القويمة، و تقرأ بالجيم بدل السين أيضا لا حرجا كما قال ابن خلدون».

و قد تحدث عن نسب الفرنسيين، و مملكتهم، و موقعها، و حدودها و عاصمتهم، و موقع فرنسا من أوربا، و سكانها، و نسلهم، و ديانتهم، و عددهم و مساحة فرنسا، و أشهر مدنها، و موانيها، و خلجانها، و جبالها، و أوديتها و جزرها، و بواغيزها، و الشعوب، و الدول، التي توالت عليها من الإغريق إلى اللاتين، و الفرنجة، و الغاليين، و شرع بعد ذلك في الحديث و التأريخ لملوك فرنسا ابتداء من فرامون الذي تولى سنة عشرين من القرن الخامس الميلادي إلى نابليون الثالث، و عددهم ثلاثة و سبعون ملكا فاستعرض أحداثهم أحيانا باختصار، و أحيانا بتوسع، سواء في فرنسا أو خارجها، و ذلك زيادة على رؤساء الجمهوريات الذين جاؤوا بعدهم و قد قسمهم إلى أربع طبقات:

1- الميروفينجيون، و عدد ملوكهم 22.

2- الكارلوفينجيون و عدد ملوكهم 13.

26

3- الكبيسيان و ينقسمون إلى ستة فروع:

أ- الكابي و عددهم 14.

ب- روميارد و فالوا و عددهم 7.

ج- دورليان و عددهم واحد.

د- سيفوائد ديفيلوا و عددهم 5.

ه- بوربون، و عددهم 5.

و- أورليان و عددهم 2.

4- النابوليونيون و عددهم 3.

و قد عدد المؤلف سلاطين فرنسا كما قلت واحدا وراء الآخر من فرامون أوائل القرن الخامس الميلادي إلى شارل العاشر الذي تم في عهده احتلال الجزائر، و لويس فيليب بعده الذي تمت في عهده مقاومة الأمير عبد القادر التي دامت سبعة عشر عاما كاملة، و من الأحداث التي تناولتها: الحروب الصليبية، و دور الأمراء الفرنسيين فيها، و غزو لويس التاسع لمصر، و قصة أسره في المنصورة، و غزوة لتونس، و موته بها، و قد استغرق ذلك 124 صفحة من المخطوط.

ثم تفرغ للحديث بالتفصيل كشاهد عيان، عن أحداث مقاومة الأمير عبد القادر، و جهاده و أحداثه و حروبه الواسعة، و المكثفة، و استطرد للحديث عن أعمال أبيه الحاج محمد المزري و دوره مع الأمير عبد القادر أولا ثم مع الفرنسيين ثانيا، و عن دور عم أبيه مصطفى بن إسماعيل كذلك مع الأمير أولا ثم الفرنسيين ثانيا مثل أبيه، و استعرض قصة تخليهما عن الأمير و التحاقهما بالجيش الفرنسي، و تعرض للحديث بالتفصيل كذلك عن كيفية احتلال فرنسا لوهران، و التفاف زعماء المخزن حول الشيخ محي الدين الغريسي الراشدي، و اتصالهم بسلطان المغرب عبد الرحمن بن هشام، و عرضهم عليه أن يبايعوه سلطانا على المغرب الأوسط كذلك مقابل إمداده لهم بالدعم المادي للمقاومة، و قبوله لذلك و إرساله ابن أخيه علي إلى تلمسان، ثم تراجعه، و قيامهم بالإلحاح على محي الدين لمبايعة ابنه عبد القادر أميرا للجهاد و المقاومة، و مما قاله عن هذه المبايعة بالغمز و اللمز: «و كان أول من مد يده فبايعه من هؤلاء

27

السادة السيد الأعرج بن محمد بن فريحة من أولاد سيدي محمد بن يحيى ...

و لما عقدوا له البيعة ... قال بعض علماء و أولياء اللّه بغريس سبحان اللّه هذه البيعة لا يستقيم لصاحبها حال، و لا يهنأ له قرار و منال، و لا شفقة له و رحمة في الأعيان و غيرم من النساء و الرجال و إنما هو سفاك للدماء، و ليس من السادات الرحماء لكون أول من بايعه اسمه الأعرج، و المحل المبايع فيه اسمه الدردارة، فلا ريب أن أيامه و أحكامه و أحواله عرجاء و لا تستقيم و إنما تبقى مدردارة، و هلا كان اسم و محل غير هذين من الأسماء التي يكون بها التعاون و لا تدل على الريب و البين، قلت و كأنه أخذ في فراسته من قضية المبايعة للإمام سيدنا علي ابن أبي طالب ... لأن أول من بايعه سيدنا طلحة بن عبد اللّه أحد العشرة ...

و كانت يده قد شلت في قضية أحد فيما اشتهر فقال حبيب بن ذؤيب ... إنا للّه و إنا إليه راجعون، و أول من بدأ بالمبايعة يد شلاء لا يتم هذا الأمر. و لما سمع الأمير الراشدي المقاتلة (كذا) أسرها في نفسه و أضمر الفتك بمن سيظفر به من علماء و أولياء غريس، فكان بعد ذلك بينه و بينهم من العداوة الواضحة التغريس» (ص 402).

و بعد هذا استطرد المؤلف للحديث عن المخزن، و إحداث الدواير و الزمالة و استسلامهم للفرنسيين و إمضائهم معهم معاهدة من 12 بندا لتنظيم العلاقة بينهم. و قد تحدث بتوسع عن مقاومة الأمير عبد القادر و معاركه كما قلنا، و ذكر أحداث أسرى سيدي إبراهيم، و عين تيموشنت و بلعباس و تلمسان، و معارك المقطع و الهبرة، و آرزيو، و مستغانم و وهران، و مسرقين، و موقف سلطان المغرب الأقصى عبد الرحمن بن هشام منه، و محاربته له، و مقتل بلأحمر، و بعثة البوحميدي إلى فاس، و أسره و قتله بالسم، و شرح بالتفصيل كذلك بعض خلفيات استسلام الأمير عبد القادر و مما قاله في هذا الصدد: «و لما رأى الأمير قلة جيشه صعد ليلا لبني يزناسن، و من الغد أخذ عياله و صار بمن معه في التردد هل يرجعون لناحية الدولة أو يذهبون على وجدة لناحية توات. و قد سدت عليه الدولة طرق المجاز و هو لا علم له بذلك، ثم أسرع السير بقصد أن يأخذ أسفل الجبل و يصعد على وجدة و يذهب لصحراء المغرب إلى أن يصل إلى توات، و يستريح من جميع المهالك، فبينما هو سائر إذا به وجد نفسه قد دخل بعسة الدولة و كان‏

28

في تلك العسة رجلان أحدهما يقال له محمد بن خوجة الزمالي و الآخر يقال له أحمد بن حطاب الدايري، و هما من أهل السياسة في الفعلة و القولة، فاجتمعا به و عرفاه بأنفسهما و قالا له أيها الأمير أين تريد الذهاب، فأخبرهما بالواقع، فقالا له نحن لا طاقة لنا على إهلاكك و لا تسريحك للجواز بغير ارتياب، و لكن الرأي عندنا الذي ندلك عليه هو أن تسلم نفسك للدولة و تكتب لهم بأنك رجعت لهم برضاك و نحن نضمن لك إن شاء اللّه تعالى أن لا يقع لك شي‏ء و تريح نفسك من هذا التعب و نحن من تلامذتك فقد رأينا لأن لك مصلحة و تصير من أهل الراحة لا من أهل الوصب. فقال، فوافقهما على ذلك و كتب لهما كتابا للجنرال لمنسيير (لامورسيير) يطلب فيه من الدولة الأمن و الأمان، فأخذ محمد بن خوجة الزمالي تلك الرسالة و ذهب مسرعا لولد الرأي، و أبي هراوة (لامورسيير) «ص 508».

و قد ترجم المؤلف للأمير بعد استسلامه و تتبع مراحل حياته باختصار في فرنسا، و دمشق الشام إلى أن توفي عام 1883 م، و أشاد به و بخصاله، و أعماله، و بعد ذلك ترجم لحياة نابوليون الثالث، الحاكم الثالث و السبعون. من ملوك فرنسا، و أشار إلى أحداث ثورة أولاد سيدي الشيخ باختصار، و إلى زيارة نابوليون الثالث للجزائر عام 1860 و عام 1865، و أورد خطابه الذي ألقاه على السكان الجزائريين.

و ختم هذا المقصد الرابع، و هذه الدولة التاسعة، باستعراض أسماء الحكام الفرنسيين الذين حكموا الجزائر إلى عهده و عددهم 27 حاكما، آخرهم ترمان الذي كان ما يزال يحكم تلك السنة عام 1890 و أسماء الضباط الذين حكموا و هران و عمالتها و عددهم 14 حاكما لغاية عام 1890 كذلك.

و ذكر أن مساحة عمالة و هران 972، 572، 11 هكتارا، منها:

- 972، 979، 2 ه تخضع للحكم المدني.

- 800، 572، 8 ه تخضع للحكم العسكري.

و أن فرنسيي الجزائر ينقسمون إلى ثلاثة طوائف:

1- الخاصة: و هم العسكريون و يتوزعون على سبعة أصناف أو طبقات:

29

الكبلار: و المرسلوجي: و الفسيان:(L`officier) .

و القبطان:(Le capitaine) و الكماندات:(Le commandant) و الكولونيل:

( Le colonel )

. و الجنرال(Le General) (1).

2- العامة: و هم المدنيون، و عبر عنهم بطبقة العمومي، و يتوزعون إلى أربع طبقات:

المير:(Le Maire) و الأدمنيستراتور:(L`administrateur) .

و السوبريفي:(Le sous -Prefet) و البريفي:(Le Prefet) .

3- الشرعي: و عددهم أربعة:

الجوج:(Le Juge) و وكيل الدولة:(Procureur D`etat) .

و البريزيدان:(Le President) و البّروكيرو جينيرال:(Procureur General) ) (2).

و قد استغرق هذا العهد التاسع أو هذه الدولة التاسعة 208 صفحة من المخطوط، و هو ما يمثل ثلثي المخطوط كله: و يبدو أنه أراد أن يتقرب من السلطات الفرنسية بتوسعه في عهدهم و فترتهم، و تاريخ بلادهم فرنسا، فأقحم نفسه في موضوع ليس من تخصصه، و لا شك أن أحدا من المتخصصين هو الذي زوده بالمعلومات التي صاغها في مخطوطه بأسلوبه هو، أو أسلوب من كتب المخطوط كله.

- المقصد الخامس: في ذكر مخزنها و هو عين المراد، و استغرق 60 صفحة من المخطوط رغم أنه عين المراد كما ذكر المؤلف نفسه. و قد استعرض فيه المؤلف فرق المخزن و العائلات المخزنية بكثير من التفصيل و أورد شجرات‏

____________

(1) الكلمة الأولى و الثانية لم نفهم معناهما و الباقي وضعنا أمام كل واحدة نصها الفرنسي الأصلي و ترجماتها الحرفية: الضابط، و القائد، و المقدم، العقيد، و اللواء.

(2) الكلمات الفرنسية من وضعنا و معناها على التوالي: شيخ البلدية، و المحافظ، و نائب الوالي، و الوالي، و القاضي، و وكيل الدولة، و الرئيس، و وكيل الدولة العام.

30

النسب لها و لفروعها، و فرقها في الغرب الوهراني، و ذلك منذ عهد الأتراك حتى عهده هو أواخر القرن 19. و قد تتبع أصول هذه العائلات منذ القدم بالجزيرة العربية، و خلال هجرة عرب بني هلال إلى هذه البلاد المغربية، و وضح ذات الأصل العربي من غيره، و تتبع تاريخ زعمائها من العهد التركي إلى عهده هو.

و تأثر بابن خلدون في وضع شجرات نسب فرق و قبائل المخزن.

و قد عرف المزري المخزن بقوله: «إن المخزن هو الناصر للدولة كيفما كانت، و حيثما وجدت و تملكت و باتت، و النسبة إليه مخزني، و مخازني، مفرد المخازنية في تحقيق المباني و سمي بذلك لأنه يخزن بصدره ما يولمه إلى وقت الظفر و حصول الانتقام فيفعله بصاحبه و به يلزمه، و قد يطلق المخزن مجازا على دار الحاكم نفسها في المستبن و منه قولهم إني ذاهب إلى دار المخزن».

ثم ذكر أن مخزن و هران على قسمين و هما: المخزن الشرقي و المخزن الغربي، فالشرقي هو نجع المكاحلية، و أولاد سيدي عربي، و صبيح، و أولاد العباس، و غيرهم من أهل النواحي الشرقية من واد مينا إلى واد الشلف.

و الغربي هو نجع الدواير، و الزمالة، و الغرابة، و البرجية، لا غير. فالدواير و البرجية إخوة يتناوبون الخدمة بينهما و يتداولونها و أصل الرياسة في الدواير للبحايثية، و خلال عهد الأتراك صارت تدور بين ثلاثة فرق و مجموعات هي:

البحايثية، و الكراطة، و البناعدية. و صارت في عهد إيالة الدولة (الفرنسيس) للدوايرية ذات المحايثية. و هي نوبة بين هذه الفرق الأربعة بالترتيب، و لو أن البحايثية هي أكثر الفرق التي تتولى رياسة المخزن.

و أصل الرياسة في البرجية نوبة بين فريقين في إيالة الترك و هما: النقايبية و البلاغة و الزيانيون، و في عهد الأمير (عبد القادر) انتقلت لغيرهما، ثم عادت لهما في عهد الفرنسيس مدة قبل أن تتمخض للنقايبية.

و ينتمي البحايثية إلى أولاد المسعود من سويد، و ينحدرون من عرب بني هلال: المحال، أو المطارف، على خلاف في ذلك بين المؤرخين. و كان جدهم المسعود صاحب الرياسة على سويد خلال عهد بني مرين و بني زيان، و توارث أبناؤه الرياسة أبا عن جد خاصة في عهد الأتراك العثمانيين.

31

و ينقسم البحثاويون أولاد البشير البحثاوي إلى أربع طبقات:

الطبقة الأولى: أولاد إسماعيل البحثاوي، و عددهم سبعة أخوة هم: قدور الكبير، و عثمان، و قدور الصغير، و مصطفى، و عدة، و محمد، و الحاج بلحضري. و قدور الكبير هو والد الحاج محمد المزري والد المؤلف بن عودة المزري.

الطبقة الثانية: أولا عدة بلبشير، و عددهم ستة أخوة ذكورهم: علي و منصور، و قدور، و أعمر، و الحاج محمد، و البرادعي الكبير.

الطبقة الثالثة: أولاد يوسف بلبشير، الذي تولى قيادة الدواير على عهد الأتراك، و خلف ولدين هما: عدة، و علي.

الطبقة الرابعة: أولاد الموفق بلبشير البحثاوي.

أما الكراطة: فهم أولاد الشريف الكرطي، و اسمه عبد اللّه بن عبد الرزاق التلاوي القرطي من شرفاء الراشدية بمدينة الكرط إحدى مدن غريس الغربي.

أما البناعدية: فنسبة إلى جدهم بن عدة بن خدة المنحدر من ذرية الشيخ السنوسي، و أصلهم من أجواد واد الحمام، من أجواد الحشم.

و أما الدوايدية: فأصلهم من هبرة، و كان أبوهم داوود وكيلا على آغا عثمان بن إسماعيل البحثاوي بهبرة، و منهم الكولونيل بن داود.

و أما البرجية: فإن الرياسة فيهم انحصرت في النقايبية، و البلاغة.

فالنقايبية: ينحدر جدهم من قبيلة خلافة، و هم أبناء عم الأمير عبد القادر يجتمعون معه في الجد أحمد بن عبد القادر الشهير بابن خدة، و سموا بالنقايبية نسبة إلى محمد أبي نقاب.

و البلاغة: نسبة إلى جدهم أعمر البلغي الزياني.

و فيما يخص الزمالة و الغرابة: فهم فريق صغير، و أخوة متناصرون. و قد اختصت الزمالة بتولية مناصب: الآغا، و القايد، على القسمة، و العرش، و انحصرت الرياسة في ثمانية أعراش منها و هي:

32

1- المخاليف: نسبة إلى جدهم مخلوف، و أصلهم من بني زروال.

2- القدادرة: نسبة إلى جدهم قدور بن علي بن الحبوشي، و هم أخوة للعلايمية.

3- القرايدية: و يقال لهم المعايزية، نسبة إلى جدهم قرادة أو إلى أحمد أبي معزة بن الحبوشي والد قرادة، و هم أخوة للقدادرة و العلايمية.

4- الوراردية: نسبة إلى جدهم وارد الذي ينحدرون منه.

5- المخاترة: و يقال لهم الزوابيرية، نسبة لجدهم القريب المختار، و لجدهم البعيد الزبير، و يقال لهم أيضا أولاد يحيى بالزبير.

6- الونازرة: نسبة إلى جدهم و نزار الذي جاء على ما قيل من الساقية الحمراء.

7- اليساسفة: نسبة إلى جدهم يوسف.

8- الشوايلية: نسبة إلى جدهم أو جدتهم شايلة، و هم من الحشم بغريس.

و أما الغرابة: فإنهم عرش ملتقط كالزمالة و الدواير. و يطلق لفظ العبيد على الدوار، و قد انقسم عرش الغرابة إلى عرشين: غربي، و شرقي، و انحصرت الرياسة في عرش الغرابة في ثمانية فروع هي:

1- الوراردة: نسبة لجدهم موسى بن وارد.

2- العلايمية: نسبة لجدهم أبي علام بلحبوش، من منطقة تافيلالت.

3- الخدايمية: نسبة إلى جدهم أبي خادم.

4- الوناونية: نسبة لجدهم و نان ابن العبد من أهل غريس.

5- السهايلية: نسبة لجدهم سهلية (أو محمد بن شاعة).

6- المحاميد: نسبة لجدهم محمود بالحشم الشراقة، و أصلهم من حميان.

7- الرفافسة: نسبة لجدهم الرفاس من أولاد عوف.

8- العوايلية: و يقال لهم أولاد بن عوالي نسبة لجدهم بن عوالي، أو جدتهم عوالي، و هم من جبال عمور بشمال الصحراء.

33

بعض الملاحظات حول محتوى المخطوط

ذلك هو ملخص شكل و محتوى مخطوط: طلوع سعد السعود في أخبار و هران و مخزنها الأسود، لمؤلفه الآغا بن عودة المزاري، و من خلاله نخرج بالملاحظات و النتائج التالية:

أولا: ليس هناك توازن بين مقاصده الخمسة التي هي أقسام له. فالأربعة مقاصد من ضمن الخمسة لا تحتل سوى سدس المخطوط، و بالضبط سبعة و تسعون صفحة، بينما المقصد الباقي يحتل خمسة أسداسه، و بالتفصيل:

المقصد الأول يحتل ثماني صفحات، و الثاني عشرين، و الثالث تسعا، و الرابع أربعمائة و ستة و ثمانين صفحة (486) و الخامس تسعة و خمسين.

و مرد ذلك يعود إلى أن المؤلف اتبع و سلك أسلوب و طريقة الأقدمين في التأليف، فحاول أن يتحدث عن كل شي‏ء، و أكثر من الحشو و الاستطرادات، بشكل كبير و واسع، و أخرجه عن الموضوع الذي حدده لنفسه، و جعله يتيه في موضوعات بعيدة عن موضوعه، خاصة في المقصد الرابع الذي يمتد عبر فترة زمنية طويلة على مدى ثلاثة عشر قرنا و الذي جعله يترك تاريخ و هران جانبا، و يؤرخ لمعظم الدول الإسلامية بالمغرب و الأندلس و البلاد العثمانية بالمشرق، و لبلادي فرنسا و اسبانيا.

ثانيا: ليست كل المعلومات التي جاء بها المؤلف في المخطوط صحيحه، خاصة عندما يؤرخ لبلدان أوربية كفرنسا، و اسبانيا، و بلدان شرقية كالدولة العثمانية، أو عندما يتحدث عن المعلومات الجغرافية، للقارات و بعض البلدان الأوربية، فرغم سعة المعلومات التي سردها في مخطوطه الضخم الذي يقع في 582 صفحة، إلا أنه اعتمد على السرد، و النقول الكثيرة من مصادر متعددة و متنوعة نثرية، و شعرية، لكل ما هب و دب، و نادرا ما يدلي برأيه أو يعارض رأي غيره.

ثالثا: لغة المخطوط سهلة، و بسيطة، و لكنها كثيرة الأخطاء و الأغلاط اللغوية، و في قواعد النحو، و الصرف، و الرسم، و البلاغة، و يطغى عليها السجع الممل غير البلاغي، و غير السليم من الأخطاء في اللغة و القواعد، و الذي لا

34

يهدف إلا إلى الملائمة فقط بين خواتم الجمل و الفقرات، و الكلمات، و لو على حساب قواعد اللغة، و الرسم و البلاغة. و قد استعمل هذا السجع حتى في اسمه في صدر الصفحة الأولى من المخطوط حيث قال: «يقول العبد الضعيف الراجي عفو ربه و غفران سائر المساوي، أبو إسماعيل ابن عودة الساري بن الحاج محمد المزري البحثاوي، آمنه اللّه بمنه و كرمه، و لطفه، آمين، آمين، آمين، آمين».

و أشرنا إلى بعضها فقط بكلمة: كذا بين قوسين. و أهملنا الباقي لكثرته.

رابعا: اعتمد المؤلف على مصادر عديدة تفوق الخمسين، نثرية تاريخية، و شعرية أدبية، بعضها عامة، و أغلبها متخصصة، و لكنه لا يشير إلى الصفحات، أو الفصول، أو الأبواب، ما عدا في كتاب دليل الحيران. و أكثر نقوله من كتب أبي رأس المعسكري، و من كتاب دليل الحيران لشيخه محمد بن يوسف الزياني، و اعتماده على هذه المصادر تم على ستة أشكال و طرق.

- الطريقة الأولى: يذكر فيها اسم المؤلف و اسم كتابه بالكامل مثل:

عبد الرحمن بن خلدون في كتاب العبر.

يحيى بن خلدون في بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد.

ابن رشيق في ميزان العقل.

البكري في المغرب في ذكر بلاد إفريقيا و المغرب.

ابن أبي زرع في روض القرطاس.

لسان الدين بن الخطيب في رقم الحلل.

ابن رشيق في ميزان العقل.

ابن أبي دينار في المؤنس في أخبار إفريقيا و تونس.

التنسي في نظم الدر العقيان في شرف بني زيان.

أبو الفوز السويدي في سبائك الذهب.

أبو محمد صالح في الأنيس المطرب بروض القرطاس.

ابن هشام في التيجان.

اليفريني في نزهة الحادي.

ابن خلكان في وفيات الأعيان و أنباء أبناء الزمان.

35

محمد بن يوسف الزياني في دليل الحيران و أنس السهران و في أخبار مدينة و هران.

أبو إسحاق الشاطبي في الجمان.

القسطلاني على شرح البخاري.

ابن بطوطة في تحفة النظار في غرائب الأمصار و عجائب الأسفار.

أحمد بن عبد الرحمن البوشيخي الشقراني في القول الأوسط في بعض من حل بالمغرب الأوسط.

أبو راس المعسكري:

أ- عجائب الأسفار.

ب- عجائب الأخبار.

ج- الخبر المعرب.

د- الشماريخ.

ه- الحلل السندسية أو نفيسة الجمان.

و- روضة السلوان.

- الطريقة الثانية: يذكر فيها اسم الكتاب فقط دون الإشارة إلى مؤلفه مثل: صحيح الحكاية المؤذنة للنصارى بالنكاية.

در الأعيان في أخبار مدينة و هران.

بهجة الناظرين و آية المستدلين.

أنيس الغريب و المسافر.

المجسيطي.

- الطريق الثالثة: يذكر فيها اسم المؤلف مضاف إلى تاريخه هكذا:

الغازي بن قيس في تاريخه.

اليافعي في تاريخه.

أبو فارس في أرجوزته.

عبد الرزاق بن أحمادوش الجزائري في تاريخه.

ابن سعيد المغربي في تاريخه.

36

أبو الفداء الحموي في مختصره.

عبد الرحمن الجامعي في رجز الحلفاوي.

- الطريقة الرابعة: يذكر فيها اسم الكتاب مسبوقا بكلمة صاحب هكذا:

صاحب أثمد الأبصار.

صاحب القرطاس.

صاحب الجغرافية.

صاحب الخميس.

صاحب الخريدة.

- الطريقة الخامسة: يذكر فيها اسم المؤلف فقط مثل:

الرشاطي- الصفدي- القلصادي- ابن رزقون- ابن مطروح- ابن نحيل- الشيخ المشرفي- الشبراملسي.

- و هناك طريقة سادسة: لا يذكر فيها اسم المؤلف و لا كتابه و إنما يقول:

قال بعضهم، أو قال بعض مؤرخي النصارى. و هذا كله في القسم الأول من المخطوط لغاية صفحة 176 تقريبا. أما بعد ذلك و لغاية نهاية التأليف فإنه أهمل كل هذه الطرق و الأشكال و أصبح يستعمل فقط الكلمات التالية: قيل، يقال، قال، يحكى.

أما عندما يستشهد بالأشعار فإنه يذكر أصحابها دائما.

خامسا: و مع كل هذا فإن المخطوط يكتسي أهمية كبيرة من كذا وجه:

أ- في المخطوط تراجم و قوائم لعدد كبير من الشخصيات العلمية و الدينية الصوفية، اشتهرت بهم وهران سواء ممن أنجبتهم، أو عاشوا و توطنوا بها، حتى أصبحوا من أهلها، من القرن الثالث الهجري إلى زمن المؤلف في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، و مطلع القرن الرابع عشر الهجري، و جمع هذا الحشد من تراجم العلماء و الأولياء في مخطوط واحد قلما توجد في غيره ما عدا في دليل الحيران، و ذلك طبعا بالنسبة لوهران، و ليس لغيرها، و لو أن كل المعلومات نقلها عن شيخه الزياني في دليل الحيران كما اعترف هو بذلك.

37

ب- و في المخطوط تفاصيل واسعة و مهمة عن مقاومة الأمير عبد القادر من أولها إلى نهايتها، أوردها المؤلف كشاهد عيان لها تدخل في إطار المذكرات و التقاييد الشخصية له، و هذه التفاصيل تتيح لنا قراءة جديدة لجهاد الأمير، و مواقفه السياسية، و معاركه العسكرية و سلوكه مع رفاقه، و مواقف رجال المخزن منه، و منهم: المزاري نفسه و أبوه الحاج محمد المزري، و عمه مصطفى بن إسماعيل، و الدواير، و الزمالة، و الحشم، و العلماء، و التجار، و اليهود. و مواقف الفرنسيين منه و من العائلات المخزنية و القاعدة الشعبية.

إن هذا القسم سيقدم أشياء جديدة للمكتبة التاريخية الجزائرية الحديثة، و يعطي تفاصيل جديدة، و تقيما جديدا لكفاح و جهاد الأمير عبد القادر. و هذا مما يعطي الأهمية لهذا المخطوط، مع الملاحظة أنه ليس من اللازم أن تكون كل المعلومات التي يقدمها لنا المزاري صحيحة خاصة و أنه في النهاية أصبح خصما للأمير، و صديقا للفرنسيين إن لم يكن عميلا لهم.

ج- يكتسي المقصد الخامس و الأخير أهمية خاصة لأنه أرخ فيه لفرق و قبائل المخزن بالناحية الغربية من عهد الأتراك إلى زمانه و أورد تفاصيل واسعة عن أنسابها، و أصولها، و وظائفها، و سلطاتها، و نفوذها، و أدوارها سواء مع الأتراك، أو مع الأمير عبد القادر، أو مع فرنسا، و قد تأثر فيه بأسلوب ابن خلدون في وضع شجرات الأنساب.

إن هذا المقصد، بأحداثه و تفاصيله الواسعة، يمثل درة المخطوط و يسمح بالقيام بدراسات و استنتجات هامة للحياة الاجتماعية، و السياسية و الاقتصادية، و العسكرية، و يكشف في الوقت نفسه على مدى سعة اطلاع المؤلف، و حسن استيعابه للأحداث و التطورات السياسية و الاجتماعية لهذه البلاد خاصة بايليك الغرب الوهراني منه، هذا كله إن صح أن المخطوط من تأليفه هو.

د- كذلك يكتسي المخطوط أهمية خاصة بالنسبة للقسم الذي أرخ فيه لبايليك الغرب و باياته منذ أن ظهر البايليك في مطلع القرن السادس عشر إلى سقوطه عام 1831 م، و للأحداث التي تخللت ذلك مثل دور رجال و قبائل‏

38

المخزن، و سياسة البايات، و ثورة درقاوة، و ثورة التيجاني، و أجهزة البايليك، و تنظيماته الإدارية، و الاقتصادية و مواقف السكان من الحكام.

و فوق هذا كله يعتبر هذا المخطوط موسوعة بحاله لأحداث كثيرة و متنوعة: تاريخية، و جغرافية، و اجتماعية، و اقتصادية، و سياسية و عسكرية، ليس فقط بالنسبة لوهران و الجزائر، و إنما لكل بلدان المغرب، و الأندلس، و المشرق العربي الإسلامي، و أوربا، و إفريقيا و آسيا، و أمريكا، و الجزر الأوقيانية. و هذا بقطع النظر عن صحة المعلومات وجدتها، فهذا موضوع آخر متروك للباحثين و المحققين. و مرتبط كذلك بشخصية المؤلف نفسه و مستوى ثقافته، و الفترة الزمنية التي أنجزه فيها. كل هذه الأمور و الجوانب تتدخل في ذلك.

ه- في المخطوط مجموعة كبيرة من القطع و القصائد الشعرية الطويلة و القصيرة، الفصيحة و الملحونة. تتخله من أوله إلى آخره. أقصرها بيتان، و أطولها 118 بيتا. و يوردها المؤلف للاستشهاد على حادث من الأحداث، أو تدعيم. رأي أو توضيح مقولة، أو تفنيدها، طبعا نقلا من غيره خاصة دليل الحيران. و كتب أبي راس.

هل مخطوط طلوع سعد السعود من تأليف المزاري؟

هذا سؤال كبير، و تساول، كان مطروحا منذ مطلع القرن الحالي و لربما كان مطروحا في حياة بن عودة المزاري نفسه أواخر القرن التاسع عشر. و هناك خلفيات، و حيثيات كثيرة فرضت إطلاق هذا السؤال، و ذلك التساول، يمكن بعد التعرف عليها و استعراضها، التوصل إلى جواب قد يكون صحيحا مائة في المائة.

و سنوجز هذه الخلفيات و الحيثيات في محورين اثنين:

المحور الأول: يتمثل في الإشاعات التي نقلها لنا مارسيل بودان عام 1924، و لخصها في الأمور التالية:

39

أولا: شاع في أوساط المتعلمين الأهالي بمدينة و هران بأن كتاب طلوع سعد السعود في الحقيقة، و الواقع، هو عمل سي محمد بن يوسف الزياني الذي أرغم على التنازل عنه مقابل «وظيفة قاضي» لأسباب خارجة هنا عن الموضوع، و استقبل من طرف عائلة المزاري، و خدم الأخير كمعلم له.

ثانيا: و من رأي هؤلاء المتعلمين أن ابن عودة المزاري، رجل السيف و البارود (أي الحرب)، و ليس رجل القلم و السجادة، و لا يقدر بواسطة الدروس التي تلقاها عن شيخه محمد بن يوسف الزياني، أن يؤلف كتابا تاريخيا، و ليس بإمكانه ذلك.

ثالثا: إن مخطوط طلوع سعد السعود، مقتبس، و منقول غالبا من مخطوط عن تاريخ و هران بعنوان: دليل الحيران و أنيس السهران في أخبار مدينة و هران.

و هذا المخطوط مؤلفه معروف بالتحديد و هو محمد بن يوسف الزياني و لكنه لم يكن قد رؤي إطلاقا. و افترض البعض أن سي محمد بن يوسف الزياني أعطى اسما جديدا لمؤلفه التاريخي، و ذلك مما منح الحق للمزاري، و سمح له أن يقول بأنه هو المؤلف لمخطوط: طلوع سعد السعود.

و مما ذكره مارسيل بودان في تقييمه لمخطوط طلوع سعد السعود قوله:

«مهما يكن مؤلف طلوع سعد السعود، فمما لا شك فيه أنه تابع لعائلة آغوية من الدواير، أو كان يعيش في وسطها لأنه استطاع أن يقدم لنا فيه معلومات مهمة حول أحداث تخص حكومة الداي حسين، ثم إن طلوع سعد السعود يقدم معلومات مفصلة جديدة غير معروفة، أو يكمل، أو يصحح، معلومات كانت معروفة من قبل.

«و على العكس في بعض الأحيان يسكت إطلاقا عن بعض الأحداث مثل قيام الباي حسن بقتل صهره الخاص مصطفى تشورمي:Tcheurmi و أحيانا يشرح بكيفية سيئة سكوته عن حدث كان بإمكانه أن يوضحه و يعدله، حتى في بلاد الإسلام، حيث حوادث عائلته حصلت بكيفية متواترة».

«و طريقة المؤلف في التأليف واضحة، و سريعة السرد، عن طريق السجع.

40

يتوسع أحيانا، و يفصل أحيانا، و يستعمل أحيانا ألفاظا و جملا لا معنى لها اطلاقا سوى كونها تتلاءم مع السجع» (1).

المحور الثاني: يتمثل في المقارنة بين كتاب: دليل الحيران للزياني، و طلوع سعد السعود للمزاري فيما يخص: المخطط، و العناوين و الأقسام، و الترتيب، و المحتوى. و هذه المقارنة هي التي ستكشف لنا الحقيقة، و أكاد أجزم أنها ستقدم لنا الجواب الصحيح.

المقارنة بين دليل الحيران و طلوع سعد السعود

فيما يلي هذه المقارنة مع العلم بأن كتاب دليل الحيران الذي اعتمدناه في هذه المقارنة، هي النسخة التي حققها و نشرها الشيخ المهدي البو عبدللي البطيوي، و ليس المخطوط نفسه. و هي نسخة مبتورة في الوسط، و في الأخير، و لكنها مع ذلك صالحة للمقارنة كما سنرى:

- قسم محمد بن يوسف الزياني كتابه: دليل الحيران و أنيس السهران في أخبار مدينة و هران إلى أربعة فصول:

الأول: في التعريف بوهران.

الثاني: في ذكر من اختطها و أي وقت و لماذا سميت بوهران.

الثالث: في ذكر بعض علمائها و أوليائها و من جلب لها الماء إلى أن صارت مورد ضمآن.

الرابع: في ذكر من ملكها من حين اختطت إلى هذا الزمان.

- و قسم بن عودة المزاري كتابه: طلوع سعد السعود في أخبار و هران و مخزنها الأسود إلى خمسة مقاصد:

الأول: في من بنى وهران و أي وقت بنيت فيه و وصفها بالتعريف.

____________

(1)

MARCEL BODIN: lA BREVE Chronique du bey hassan. EXTRAITE et TRADUITE de la Tal`AT- OS- SA`D- IS- SO`OUD. de MAZARI. societe de geographie et d`archeologie d`Oran. T. XLIV. I 429. P. 32. 52..

.

41

الثاني: في ذكر بعض أوليائها بحسب الاستطاعة و التعرض بالذكر إلى من هو منهم شريف.

الثالث: في ذكر بعض علمائها من حيث بنيت إلى الآن.

الرابع: في ذكر دولها على سبيل الترتيب من حيث بنيت إلى هذا الزمان، و ما أذكر من غيرهم فذلك رغبة لإتمام الفائدة.

الخامس: في ذكر مخزنها و هو عين المراد و التعرض إلى سيرته الجميلة التي لا يكون فيها الانتقاد.

و يتضح من هذا التقسيم أن المزاري قلد شيخه الزياني في عناويه و نقلها عنه حرفيا و خالفه فقط في إطلاقه على الفصل اسم المقصد، ثم أن المزاري أدمج الفصلين: الأول و الثاني من دليل الحيران، في مقصد واحد بكتابه، و عكسهما فقدم الثاني و أخر الأول. و أهمل الفقرة التي خصها الزياني لاستعراض الأقوال السبعة التي تخص تسمية المدينة بوهران.

و على العكس من ذلك قام المزاري بتقسيم الفصل الثالث من دليل الحيران إلى مقصدين اثنين في كتابه: واحد تحدث فيه عن أولياء و هران، و الآخر عن علمائها. و نقل ذلك حرفيا عن الزياني، و أهمل التفاصيل التي أوردها الزياني عن ركن الدين ابن مجرز و هراني.

أما الفصل الرابع: فقد اتبع فيه المزاري نفس التقسيم الذي وضعه الزياني في دليل الحيران، و نقله عنه حرفيا. و قد قال الزياني: «اعلم أنّ الذين ملكوا و هران من حين اختطت إلى هذا الزمن تسع دول و أما الأدارسة، و السليمانيون فلم أذكرهم لأنهم لم يملكوا و هران».

ثم أخذ الزياني يستعرض الدول التسعة على الشكل التالي:

الدولة الأولى: مغراوة عمال الأمويين أمراء الأندلس و الكلام عليهم في خمسة مواضيع:

الأول: في التعريف بهم و ذكر نسبهم.

الثاني: في بطونهم.

الثالث: في ذكر علمائهم و أوليائهم.

42

الرابع: في ذكر سبب إسلامهم و صيرورتهم موالي لبني أمية.

الخامس: في ذكر من ملك منهم و هران.

و قد نقل المزاري نفس عنوان الزياني، و أغفل الموضوعات الأربعة الأولى و نقل حرفيا الموضوع الخامس بحذافيره.

الدولة الثانية: العبيديون، و هم الشيعة و يقال لهم الرافضة و الكلام عليهم في خمسة مواضيع:

الأول: في ذكر أنسابهم.

الثانية: في ذكر أصحاب الإمامة المعدين للمهدي منهم.

الثالث: في سبب تسميتهم بالشيعة.

الرابع: في سبب مصير الملك إليهم.

الخامس: في ذكر ملوكهم و من ملك منهم وهران.

و قد اختصر المزاري الموضوعات الأربعة الأولى في نصف صفحة، و نقل الموضوع الخامس بحذافيره مع بعض التصرفات الطفيفة، تحت نفس العنوان من الزياني.

الدولة الثالثة: المرابطون، و يقال لهم لمتونة و الملثمون و صنهاجة.

و الكلام عليهم في خمسة مواضيع:

الأول: في نسبهم.

الثاني: في وقت مسيرهم للمغرب.

الثالث: في ذكر قبائلهم و بطونهم.

الرابع: في ذكر علمائهم.

الخامس: في ذكر فرقهم، و من ملك منهم و هران.

و قد نقل المزاري نفس العنوان، و اختصر الموضوعات الأربعة الأولى في نصف صفحة، و نقل الخامس على ما يبدو بحذافره أو على الأقل ما بقي منه.

لأن نسخة دليل الحيران مبتورة هنا ابتداء من قوله: الفرقة الثانية من صنهاجة لمتونة و هم الملثمون. كما ضاع منها موضوع: الدولة السادسة في أولها و هم بنو

43

مرين. فأما أن يكون المزاري قد انتزع هذه الأقسام من دليل الحيران و أدخلها و أدمجها بعينها في كتابه، و أما أن يكون قد نقلها من نسخة أخرى كاملة.

و قد اختصر المزاري موضوع تسمية المرابطين و أصل موطنهم و بلادهم في أربع صفحات، و توسع في الحديث عن ملوكهم و أمرائهم على عادته و بنفس الأسلوب و ختم حديثه عنهم باستعراض الفرق الثلاثة التي انحدروا منها.

الدولة السابعة: الاسبانيون نسبة لاسبانيا، و الكلام عليهم في ستة مواضيع:

الأول: في ذكر نسبهم.

الثاني: في بيان أرض الاسبانيين و حدودها.

الثالث: في بيان مساحتها، و عدد سكانها الآن، و أقسام ولاياتها، و أشهر مدنها، و جبالها، و أوديتها.

الرابع: في بيان محلها من أوروبا.

الخامس: في بيان من ملك تلك العدوة سابقا.

و قد نقل المزاري هذه الموضوعات نقلا يكاد يكون حرفيا بنفس الترتيب مع إهمال ذلك التقسيم.

الدولة الثامنة: الترك و يقال لهم الأتراك و الكلام عليهم في ستة مواضيع:

الأول: في ذكر نسبهم و بطونهم و مسكنهم.

الثاني: في سبب انتشارهم في الأرض.

الثالث: في سبب مجيئهم إلى الجزائر و أي وقت جاؤوا و كم مكثوا بالجزائر.

الرابع: في ذكر ملوكهم في الإسلام و من ملك منهم و هران.

الخامس: في ذكر باشاتهم بالجزائر، و منهم من يجمعهم على باشوات، و من ملك منهم و هران.

السادس: في ذكر معنى الباي و كيفية تصرفه و عمله بالعوائد.

و قد نقل المزاري نفس عنوان الزياني: و تحدث عن هذه الموضوعات الستة بنفس الترتيب دون الإشارة إلى ذلك التقسيم. و يكاد يكون النقل حرفيا.

44

الدولة التاسعة: الفرنسيس، و يقال لهم الفرنج، و الكلام عليهم في سبعة مواضيع. الأول. ا. ه. و قد توقف الزياني عند هذا العنوان و بهذين الحرفين ألف و هاء، دليلا على انتهائه، و عدم اكماله للفصل الرابع كما وعد في بدايته.

أما المزاري فبعد أن نقل هذا العنوان كما هو في دليل الحيران، أرخ لهذه الدولة حسب مخطط الزياني بالتتابع و بالترتيب، دون أن يشير إلى ذلك التقسيم كما هي عادته في الأقسام الماضية، و توسع في هذه الدولة توسعا كبيرا استغرق (208) مائتين و ثماني صفحات و هو ما يعادل أكثر من ثلث المخطوط. و حاول أن يؤرخ لتاريخ فرنسا، و أغرق نفسه في مواضيع ليست في متناوله. و ذلك رغبة منه على ما يبدو في التقرب من الإدارة الفرنسية التي كان يعمل تحت إمرتها، و وفق أوامرها، و تعليماتها.

إن هذه المقارنة تثبت بما لا يدع مجالا للشك، بأن مخطوط: طلوع سعد السعود، إما أن يكون للزياني نفسه و نسبه المزاري لنفسه لظرف من الظروف التي حكى منها شيئا، مارسيل بودان، أو يكون المزاري نقله حرفيا من كتاب دليل الحيران للزياني، و تصرف فيه قليلا بالحذف، و الاختصار، و التقديم و التأخير، و استغل مركزه كآغا ليقنع شيخه الزياني، أو يرغمه على السكوت، و قبول الأمر الواقع، و ليس هناك تفسيرا آخر غير هذين الافتراضين.

و للشيخ المهدي البو عبدلّي البطيوي الذي حقق و نشر مخطوط دليل الحيران للزياني، رأي آخر فيما يخص القسم الأخير الذي عنون له المؤلف، و لم يكمله. فقد قال في المقدمة التي وضعها للكتاب: إن التأليف الذي يحمل اسم «أقوال التأسيس عما وقع و سيقع من الفرنسيس». و نسب إلى أبي راس المعسكري، و وضع ضمن قائمة مؤلفاته، ليس له «لأن المتأمل فيه يدرك من أول و هلة أنه كتب بعد الاحتلال الفرنسي، و أبو راس كما نعلم توفي حوالي سنة 1237 (1) أي قبل الاحتلال الفرنسي بسنوات».

____________

(1) الصحيح أن أبو راس توفي يوم 15 شعبان 1238 الموافق لشهر أبريل 1823 م. و قد حصلنا على قائمة تآليف الشيخ أبي راس التي وضعها بنفسه تحت عنوان: شمس معارف التكاليف في أسماء ما أنعم اللّه به علينا من التآليف. تحمل رقم 136، و تاريخها 22-

45

و من رأي الشيخ المهدي البو عبدللي أن مؤلف هذا الكتاب هو الشيخ محمد بن يوسف الزياني أو أحد سكان قرية البرج مقر أسرة المخفي.

و مما قاله: «و في آخر الجزء الثاني عقد المؤلف عنوانا للعهد الفرنسي فقال: «الدولة التاسعة الفرنسيس و يقال لهم الفرنج و الكلام عليهم في سبع مواضع». لكنه أنهى تأليفه عند هذا العنوان. و لا شك أنه لم يرد أن يتورط، فاختار طريقة أخرى سجل فيها الأحداث الهامة في العهد الأول من الاحتلال و حذر مواطنيه من عواقبها و أفرغ ذلك كله في قالب التنبؤات التي كان أفراد الشعب خصوصا المتدين يؤمن بها، إذ لم تفارق عقيدة المهدي المنتظر «الذي يملأ الدنيا عدلا» الطبقات المؤمنة في بلاد المغرب العربي، و مؤلفنا أمكنه أن يتخلص من الورطة فينسب تأليفه الذي هو عبارة عن صفحات للمؤرخ أبي راس المعسكري الناصري، كما أمكنه أن يسجل هذا التأليف أي عنوانه في آخر رحلة أبي راس التي ذكر فيها تأليفه و قد تناقل هذا التأليف معظم المثقفين، و قد بلغ خبره للسلطات فبذلت جهودا للتحصيل عليه خصوصا في الحرب العالمية الأولى، فقد فتشوا المنازل و سجنوا كثيرا من الطلبة الذين كانوا يشكون أنهم يملكونه، كما أمكن لمؤلفه الحقيقي أن يحتفظ بسره حيث لم يعرف نسبته إليه إلا أقلية و اسم الكتاب: «أقوال التأسيس عما وقع و سيقع من الفرنسيس». و قال أيضا «و هذا التأليف تختلف كثير من نسخه و إن كانت تتفق في جوهر الموضوع الذي هو شبه مذكرات لرجل عاش في الفترة الأولى من عهد الاحتلال الفرنسي و اطلع على نوايا الاستعمار و أهدافه، فسجلها بعد ما أفرغها في قالب التكهنات أو التنبؤات» ثم قال: «و هذه الرسالة هامة تحتاج إلى دراسة خاصة، فالذي نتحققه أن نسبتها للمؤرخ أبي راس مستحيلة فقد كتبت بعد الاحتلال الفرنسي بمدة طويلة و بعد إنهاء الأمير عبد القادر المقاومة، و قد ذكره صاحب الرسالة و في نفسه منه شي‏ء فخصه بسطور نسب فيها لأعوانه الظلم و الفوضى، و لا شك أن-

____________

رجب 1232 ه (4 أبريل 1823 م). و بها، 136 عنوانا آخرها هذه القائمة. و من ضمنها عنوان: أقوال التأسيس عما وقع أو سيقع من الفرنسيس .. و يحمل رقم 85. و قد استعملت الأرقام الغبارية في تعداد هذه القائمة مما يوحي بأنها منسوخة، و ليست الأصلية التي كتبها الشيخ أبو راس نفسه.

46

المؤلف الذي كان من سكان البرج و كان البرج مقر أسرة المخفي، حتى لا زالت تحمل اسمه الآن، الذين كانوا من أعوان الأتراك ثم انضموا إلى الفرنسيس و حاربوا الأمير، فانتقم منهم الأمير شرّ انتقام. فقد أوقد فيها النيران و سجن جل سكانها، فلربما بقي في نفس القاضي البرجي شي‏ء».

و قال كذلك: «و أقل ما نستفيده من هذه الرسالة أو التأليف، بقطع النظر عن مقصد مؤلفه الحقيقي، هو الاطلاع على صفحات من تاريخ الجزائر، تصور انطباعات شاهد عيان، اطلع على أحداث أوائل الاحتلال، إذ المصادر العربية المسجلة لذلك العهد قليلة. و لنرجع إلى الحديث عن النسخة الثانية من: «قول التأسيس مما وقع و سيقع من الفرنسيس» و هي و إن كانت تتفق مع الأولى في جوهرها. يظهر أن صاحبها اختصرها و زاد فيها و تأخرت كتابتها إلى أوائل الحرب العالمية الأولى و اعترف صاحبها بأنه لا يريد أن يطلق العنان لتنبؤه إذ أمر بذلك» (1).

و قد ذكر الشيخ المهدي البو عبدللي بأن مؤلف دليل الحيران الشيخ محمد ابن يوسف الزياني البرجي، ينتمي إلى أسر علمية بنواحي مدينة برج عياش المشهور الآن ببرج ولد المخفي قرب معسكر. و أن جدّه أحمد بن يوسف الزياني كان من العلماء المستشارين عند الباي إبراهيم الملياني (1170 ه). و قد تولى مؤلف دليل الحيران القضاء بمدينة البرج سنة 1861 حسبما وجد ذلك في وثيقة رسمية كاتبه بها الحاكم العسكري الفرنسي للناحية، ثم انتقل عام 1883 إلى مدينة تليلات ليتولى نفس الوظيفة، قبل أن ينقل إلى مدينة سيق كذلك لنفس الوظيفة: قاضيا.

و كان ما يزال حيا في مطلع القرنين: الرابع عشر الهجري، و العشرين ميلادي. و ذكر الشيخ المهدي أنه اطلع على كثير من فتاواه و تعاليقه على بعض الكتب، و على مراسلاته لبعض علماء البلد، و منهم العالم علي بن عبد الرحمن الجزائري مفتي و هران الشهير الذي كاتبه عام 1320 ه (1902- 1903 م).

____________

(1) محمد بن يوسف الزياني: دليل الحيران و أنس السهران في أخبار مدينة و هران. تقديم و تعليق المهدي البو عبدللي (الجزائر- 1978) ص 13- 17.

47

و قد خلف بعد وفاته ابنا فقيها تولى إمامة مسجد بناه له صهره بمدينة سيق و بقي به حتى توفي، كما خلف بنتا ذات شهرة في مدينة و هران و ولايتها، لأنها تمردت على عادات البلاد، و صارت تخرج سافرة، و تمارس أعمال الفلاحة لأسرتها و تشارك زوجها في أعماله و كان غنيا و يملك أراضي شاسعة. و يعمل موظفا لدى الإدارة الفرنسية كذلك، لأن أسرته من أسر المخزن في عهد الأتراك، و أقرها الفرنسيون على ذلك في عهدهم.

و بما أنها كانت تركب الخيل و تشارك في ألعاب الفروسية، و تستقبل زوار زوجها و تشارك في الحفلات التي كان يقيمها الولاة العامون بالجزائر لأعيان البلاد، فإن الناس كانوا يدعونها: «القايدة حليمة». و عند ما حجت أصبحت تدعى: «الحاجة حليمة»، و توفيت أوائل الحرب العالمية الأولى.

إن النسخة التي حققها و نشرها الشيخ المهدي البو عبدلّي لدليل الحيران، ناقصة و مبتورة في الوسط، ينقصها جزء من الدولة الثانية و هم المرابطون، و كل الدولة الرابعة و هم الموحدون، و كل الدولة الخامسة و هم بنو زيان.

و هذا القسم المبتور موجود كله في مخطوط: طلوع سعد السعود.

و ينقصها في الأخير، الدولة التاسعة و يقال لهم الفرنج و الكلام عليهم في ستة مواضيع. الأول. ا. ه.

و هذا القسم طويل جدا في مخطوط طلوع سعد السعود. يقع في مائتين و ثمانية من الصفحات. ألا يكون المزاري أخذ هذه الأقسام الناقصة و المبتورة من مخطوط: دليل الحيران لأستاذه الزياني، و ضمها إلى مخطوطه بعنوانه الجديد، طلوع سعد السعود.

سؤال مطروح. و سيبقى كذلك مطروحا إلى أن يتم العثور على النسخة الكاملة لدليل الحيران، و على بعض الوثائق التي تسمح بالمقارنة و الاستنتاج، و الخروج برأي صحيح و نهائي.

بقيت بعد هذا كلمة أخيرة حول المقصد الأخير من كتاب طلوع سعد السعود الذي خصصه المزاري للتأريخ لمخزن و هران، و هذا المقصد لم يشر

48

إليه الزياني و هو المقصد الوحيد الذي لربما يكون من تأليف المزاري باعتباره من رجال المخزن. أو أحد أقاربه المثقفين من رجال المخزن كذلك، إذا لم يكن الزياني نفسه، لأنه من بلد المزاري، و من العائلات العلمية المشهورة بالمنطقة، له خبرة و دارية بتاريخ العائلات المخزنية.

و هران- حي الصادقية الأربعاء 6 شوال 1407 ه 3 جوان 1987 م‏

د. يحيى بو عزيز جامعة و هران‏

49

طلوع سعد السّعود «في أخبار و هران و الجزائر و اسبانيا و فرنسا إلى أوأخر القرن التّاسع عشر» للآغابن عودة المزاري تحقيق و دراسة الدّكتور يحيى بو عزيز

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}