كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج5

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
694 /
3

[خطبة الكتاب‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف خلقه و أفضل بريّته محمّد و على أهل بيته الطيبين الطاهرين.

حمدا لك اللهم على ما أوليتني من توفيق لتأليف الجزء الخامس من كتابنا كفاية الأصول في أسلوبها الثاني و ابرازه إلى عالم النور.

ربّ فأتمم نعمتك عليّ بقبوله و اجعله خالصا لوجهك الكريم و اجعله موردا لاستفادة إخوتي و أعزتي طلبة الحوزة العلمية.

و كلّي أمل من كل من استفاد منه حرفا التفضّل عليّ و على والديّ بالاستغفار، إنه سميع الدعاء، جواد كريم.

باقر الإيرواني‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[تتمة مبحث الاصول العملية في المقصد السابع‏]

[تتمة البحث في الفصل الثالث (مبحث الاشتغال)]

[تتمة الخاتمة فى شرائط الاصول العملية]

[تتمة مبحث قاعدة لا ضرر]

قوله (قدّس سرّه):

«ثمّ انقدح بذلك حال توارد ...، إلى قوله: فصل في الاستصحاب ...».

(1)

نسبة لا ضرر إلى أدلة الأحكام الثانوية:

ذكرنا فيما سبق أن النقاط التي يبحثها الشيخ المصنف في قاعدة لا ضرر خمس، و لحدّ الآن تمّ التعرّض إلى ثلاث، و من الآن يريد (قدّس سرّه) التعرّض إلى النقطة الرابعة، و هي نسبة لا ضرر إلى أدلة الأحكام الثانوية.

مثال ذلك: ما إذا أراد إنسان حفر بالوعة في داره، و لكن ذلك كان يوجب تضرر جاره، فهنا الأمر يدور بين أن يحفر فيتضرر الجار، و بين أن لا يحفر فيقع هو في الحرج، حيث يلزمه نقل الماء و إراقته في مكان آخر خارج البيت.

إذن يدور الأمر في هذا المثال بين أن يقع الشخص في الحرج و بين أن يتضرر جاره، أي إن الأمر دائر بين تطبيق لا ضرر أو تطبيق لا حرج.

و في هذا المجال ذكر (قدّس سرّه) أنه تارة نحرز وجود كلا الملاكين، أي ملاك هذا العنوان الثانوي و ملاك ذاك العنوان الثانوي الآخر، و أخرى نحرز وجود أحدهما فقط.

فإن أحرزنا وجودهما معا كان المورد من موارد التزاحم بين الملاكين، و في مثله يقدّم الملاك الذي نجزم أو على الأقل نحتمل أهميته حتّى لو كان الآخر أقوى سندا أو دلالة، فالمدار على أهمية الملاك.

____________

(1) الدرس 344: (19/ شعبان/ 1427 ه).

6

و أما إذا أحرزنا وجود أحد الملاكين فيقع التعارض بين الدليلين، إذ كل واحد منهما يقول: أنا الثابت، و حيث نعلم أن أحدهما ليس بثابت جزما فيتحقّق التعارض، فيقدّم أقواهما سندا أو دلالة و لا ينظر إلى أهمية الملاك.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) أنه إذا اجتمع العنوانان الثانويان ففي الغالب يحرز وجود كلا الملاكين فيلزم تقديم الأهم ملاكا لا أنه يكون بينهما تعارض بسبب انتفاء أحد الملاكين.

تعارض الضررين:

و بهذا تمّ الحديث عن النقطة الرابعة، و من الآن يقع الحديث عن النقطة الخامسة، و هي الأخيرة، أعني تعارض الضررين.

و في هذا المجال ذكر (قدّس سرّه) أنه توجد حالات ثلاث، هي:

1- أن يفترض دوران أمر شخص واحد بين ضررين، فإما أن يتضرر بهذا الضرر أو يتضرر بذاك، كما لو فرض أن شخصا دار أمره لسبب من الأسباب بين أن يقطع يده أو يقطع رجله فيلزمه اختيار أقلهما ضررا كما هو واضح، و مع التساوي يتخيّر.

2- أن يفترض دوران أمر شخصين بين ضررين و تحاكما إلى شخص ثالث، أعني القاضي مثلا، فإنه يرجّح أقل الضررين أيضا، و مع التساوي يتخيّر.

إذن حكم هاتين الحالتين واحد.

3- دوران الأمر بين أن يتضرر الشخص نفسه و بين أن يتضرر غيره، كما لو فرض أن شخصا أشعل نارا في داره خوف تضرّره من البرد، و لكن جاره كان يتضرر من تلك النار، فهل في مثل هذه الحالة يجب على الشخص تحمّل ضرر البرد و لا يشعل النار لئلا يتضرر جاره؟

أجاب (قدّس سرّه) بالنفي، و ذكر أنه لا يلزم على الشخص تحمّل الضرر- و لو

7

كان أقل- لدفعه عن جاره، فإن حديث نفي الضرر ورد مورد المنّة، و لا منّة في الإلزام بتحمّل الضرر- و لو كان أقل- لأجل دفعه عن الغير.

اللهم إلّا أن يقال: إن الالزام بتحمّل الضرر ما دام هو أقل لأجل أن لا يتضرر الجار هو منّة بلحاظ نوع الأمة، و الحديث وارد مورد المنّة على النوع دون الأشخاص، فيجب بناء عليه تحمّل الشخص الضرر ما دام أقل لدفعه عن الجار. (1)

هذا كله إذا لم يكن الضرر متوجّها في حدّ نفسه إلى الشخص و إلّا يلزم أن يتحمّله هو دون أن يوجّهه إلى الغير، و هو مطلب واضح، كما لو فرض أن السيل كان باتجاه دار شخص معيّن فإنه لا يجوز له وضع سدّ أمامه ليتّجه الماء إلى غير داره، فإن هذا خلاف المنّة جزما.

توضيح المتن:

ثمّ انقدح بذلك: هذا لم ينقدح مما سبق إلّا بتأويل بعيد، بأن يقال:

إن الجمع العرفي بالحمل على الحكم الاقتضائي أو الحكومة قد اتّضح أنه ممكن فيما إذا كان أحد العنوانين أوّليا و الآخر ثانويا، و أما إذا كانا معا ثانويين فيتضح أنه لا يمكن الجمع المذكور بل يلزم تطبيق شي‏ء آخر عليهما، و هو التزاحم الملاكي أو التعارض.

العارضين: أي العنوانين الثانويين العارضين.

تزاحم المقتضيين: يعني تزاحم الملاكين.

ما كان مقتضيه: أي ملاكه.

____________

(1) يمكن أن يقال: إن عدم إلزام الشخص بتحمّل الضرر و لو كان أقل هو منّة على النوع أيضا، و لا تختص المنّة على النوع بغير ذلك. و لعلّه إلى هذا أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالتأمل.

8

أرجح و أولى: يعني سندا أو دلالة.

ذاك الباب: يعني تزاحم الملاكين. و قوله: (بثبوت) يعني بسبب ثبوت.

لعدم ثبوته إلّا في أحدهما: هذا راجع إلى المنفي دون النفي، يعني راجع إلى تحقّق التعارض و ليس إلى عدمه. و ضمير ثبوته يرجع إلى الملاك.

و أما لو تعارض ...: هذا إشارة إلى النقطة الخامسة.

ضرر شخص واحد: هذا إشارة إلى الحالة الأولى، و المناسب:

ضرري شخص واحد. و قوله: (أو اثنين) إشارة إلى الحالة الثانية، و قوله:

(و أما لو كان بين ضرر نفسه ...) إشارة إلى الحالة الثالثة.

و لا منّة على تحمّل: المناسب: و لا منّة في الإلزام بتحمّل ...

نعم لو كان الضرر متوجّها إليه ليس له دفعه عن نفسه بإيراده على الآخر: هذه الجملة بكاملها معترضة ينبغي وضعها بين شريطين. و الأنسب تأخيرها و ذكرها أخيرا، بأن يقول هكذا في النهاية: هذا إذا لم يتوجّه الضرر بنفسه إلى الشخص و إلّا لم يجز دفعه عن نفسه ...

فتأمل: تقدّم وجهه.

خلاصة البحث:

عند اجتماع العنوانين الثانويين يثبت التزاحم الملاكي عند وجود الملاكين، و التعارض عند إحراز أحدهما.

و لو دار الأمر بين ضررين ففي الحالة الأولى و الثانية يلزم ترجيح الأقل، و في الثالثة لا يجب على الشخص تحمّل ضرره الأقل إلّا بناء على أن المنّة نوعية.

هذا إذا لم يتوجّه الضرر بنفسه إلى الشخص و إلّا لم يجز دفعه عن نفسه بتوجيهه إلى الآخر.

9

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمّ إنه قد اتضح بذلك حال اجتماع العنوانين الثانويين- دليل نفي العسر و دليل نفي الضرر مثلا- فيكونان من المتعارضين عند عدم إحراز الملاكين و إلّا فمن باب تزاحم الملاكين فيقدّم ما كان ملاكه أقوى و إن كان دليل الآخر أرجح.

و لا يبعد أن الغالب في توارد العنوانين أن يكون من تزاحم الملاكين دون التعارض.

هذا لو تعارض الضرر مع عنوان أوّلي أو ثانوي آخر.

و أما لو تعارض مع ضرر آخر فمجمل القول فيه: إن الدوران إن كان بين ضرري شخص واحد أو اثنين فيلزم ترجيح الأقل إن كان و إلّا فالتخيير.

و أما لو كان بين ضرر نفسه و ضرر غيره فالأظهر عدم لزوم تحمّله الضرر و لو كان أقل، فإن نفيه للمنّة على الأمة، و لا منّة في الالزام بتحمّل الضرر لدفعه عن الآخر و لو كان أكثر، إلّا أن يقال: إن نفي الضرر و إن كان للمنّة إلّا أنه بلحاظ نوع الأمة، و اختيار الأقل بلحاظ النوع منّة، فتأمل.

هذا لو لم يكن الضرر متوجّها إليه، و إلّا فليس له جزما دفعه بإيراده على الآخر.

***

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الفصل الرابع: مبحث الاستصحاب‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

قوله (قدّس سرّه):

«فصل في الاستصحاب ...، إلى قوله: و كيف كان فقد ظهر ...».

(1) قبل أن يدخل (قدّس سرّه) في صميم البحث- أعني الأدلة على حجية الاستصحاب و بيان الأقوال فيه- ذكر مقدّمة تشتمل على نقاط أربع:

النقطة الأولى: تعريف الاستصحاب:

كيف نعرّف الاستصحاب؟ و في هذا المجال ذكر (قدّس سرّه) أنه قد عرّف الأصوليون الاستصحاب بتعاريف مختلفة، و لكن الظاهر أن هذه التعاريف المختلفة تريد أن تشير إلى معنى واحد، و لم ينشأ هذا الاختلاف نتيجة للاختلاف في واقع الاستصحاب و حقيقته، و إنما هو اختلاف في التعابير و الألفاظ.

و ما هو ذلك المعنى الواحد؟ إنه عبارة عن الحكم ببقاء حكم شرعي أو موضوع لحكم شرعي شكّ في بقاءه، و مستند هذا الحكم بالبقاء إما هو بناء العقلاء أو الظن أو الإجماع أو الاخبار، و ستأتي إن شاء اللّه تعالى الإشارة إلى هذه المدارك الأربعة لحجية الاستصحاب.

فالاستصحاب إذن هو هذا المعنى الواحد، أعني الحكم ببقاء الحكم أو الموضوع.

و ليس من الصحيح تعريفه من خلال مدرك حجيته، يعني بأن يعرّف‏

____________

(1) الدرس 345: (22/ شعبان/ 1427 ه).

14

هكذا مثلا: إنه عبارة عن حكم العقلاء بالبقاء أو عبارة عن الظن بالبقاء. (1) إن هذا ليس بصحيح لنكتتين، أشار الشيخ المصنف إلى النكتة الأولى في عبارة المتن، و لم يشر إلى النكتة الثانية أو لعلّه أشار إليها من طرف خفي، و النكتتان هما:

1- إن الاستصحاب لو كان هو حكم العقلاء بالبقاء عند القائلين بكون المدرك حكم العقلاء، أو هو الظن بالبقاء عند القائلين بكون المدرك هو الظن بالبقاء، و هكذا، فهذا يعني أن الاستصحاب سوف لا يكون ذا معنى واحد، بل ذا معنى مختلف و متعدد، و بالتالي يلزم أن لا يكون النزاع منصبّا على مورد واحد، بل على موردين، فالقائل بالحجية يقول بها بناء على تفسيره بذلك المدرك بينما المنكر لحجيته ينكره بناء على تفسيره بالمدرك الآخر، و هذا لا معنى له، فإن النزاع و اختلاف الأقوال لا بدّ و أن ينصبّ على مركز واحد.

2- إن واقع الحال يقتضي عدم اختلاف الاستصحاب باختلاف مداركه، فهو مهما اختلف مدركه يبقى عبارة عن الحكم ببقاء ما كان، و معه فلا معنى لتعريفه من خلال مدركه، بل لا بدّ من أخذ ذي المدرك بعين الاعتبار و قطع النظر عن المدرك.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد هذا كلاما كأنه يقصد من وراءه الدفاع عن صاحب التعريف و محاولة رفع الإشكال عنه، و حاصل ما ذكره أن هذا التعريف و ما شاكله لا يقصد به التعريف الحقيقي الذي يكون بالحدّ أو بالرسم، فإن ذلك يتوقّف على معرفة حقائق الأشياء، أي بأجناسها و فصولها حتّى يمكن التعريف بالجنس و الفصل، و حيث إنا لا نعرف حقائق الأشياء فحتما سوف يكون المقصود من التعاريف المذكورة هو

____________

(1) عبارة المتن توحي بأنه يوجد من عرّف الاستصحاب كذلك، و لكن الشيخ في الرسائل الذي نقل تعاريف كثيرة لم ينقل تعريفا كذلك.

15

تعريفها على مستوى اللفظ، أعني توضيح ألفاظها، و ذلك بتبديلها بلفظ آخر، و بناء على هذا يترتب مطلبان:

1- إن من المحتمل أن يكون تعريف الاستصحاب ببناء العقلاء مثلا ليس من باب أخذ بناء العقلاء كركن مقوّم في التعريف بل أخذ من باب المشيريّة و المرآتية، و كأنه يراد أن يقال: إن الاستصحاب هو الحكم بالبقاء من قبل العقلاء، فبناء العقلاء اخذ كمشير إلى الحكم بالبقاء.

و بكلمة أخرى: إنه أريد تعريفه من خلال هذه الجهة، أعني بناء العقلاء، و لا يراد أن يقال إنه نفس هذه الجهة.

2- إن الشيخ الأعظم في الرسائل نقل عن القوم تعريفات كثيرة للاستصحاب و أخذ في مناقشتها بعدم الاطراد أو بعدم الانعكاس. و هذه الإشكالات ليست في محلها، لأن هذه التعريفات ليست تعريفات حقيقية، بل هي لفظية يقصد بها شرح الاسم، و تبديل لفظ بلفظ آخر، و ما دامت لفظية فلا معنى للإشكال عليها بعدم الاطراد أو بعدم الانعكاس.

هذا كله في النقطة الأولى.

النقطة الثانية: هل المسألة أصولية؟

هل البحث عن مسألة الاستصحاب بحث عن مسألة أصولية أو أنه بحث عن قاعدة فقهية؟

و في البداية لا بدّ أن نعرف الفارق بينهما، إن الفارق هو أنه في المسألة الأصولية يكون البحث عن مضمون لا يرتبط بجنبة العمل بشكل مباشر بينما في القاعدة الفقهية يكون البحث عن مضمون يرتبط بجنبة العمل بشكل مباشر.

مثال ذلك: قاعدة كل شي‏ء لك طاهر، فإنها تقول: هذا المشكوك طاهر و تعامل معه معاملة الطاهر و يجوز لك تناوله و الصلاة فيه و هكذا،

16

فهي ترتبط بجنبة العمل بشكل مباشر، و هذا بخلاف مثل مسألة حجية خبر الثقة، فإنها لا ترتبط بجنبة العمل بشكل مباشر، بل بشكل غير مباشر، فإن الخبر إذا كان حجة فيلزم الأخذ بالخبر الدال على حرمة العصير العنبي إذا غلى مثلا، و بالتالي يحكم بحرمة تناوله.

هذا هو الفارق بين الموردين.

و باتضاحه نعود إلى المقام و نقول: إن مسألة الاستصحاب قد يتصوّر أنها مسألة فقهية، حيث فسّرنا الاستصحاب بأنه الحكم بالبقاء، فهو حكم شرعي إذن.

هكذا قد يتصوّر.

و الجواب عن التصوّر المذكور أن مضمون مسألة الاستصحاب ليس مضمونا يرتبط بجنبة العمل بشكل مباشرة، فإن مضمونه الحكم ببقاء ما كان، و هذا مضمون كلي لا يرتبط بجنبة العمل، نعم يترتّب على هذا الحكم ببقاء وجوب صلاة الجمعة فترة الغيبة مثلا، فالاستصحاب إذن يوصلنا بحسب النتيجة النهائية إلى حكم يرتبط بجنبة العمل لا أنه ابتداء يرتبط بجنبة العمل.

و بكلمة أخرى: إن مضمون حجية الاستصحاب مضمون كلي يمكن أن يستنبط منه حكم شرعي، لا أنه بنفسه حكم شرعي، كما هو الحال في سائر المسائل الأصولية الأخرى.

هذا و يمكن أن نضيف إلى ذلك جوابا آخر و نقول: كيف يكون البحث عن الاستصحاب بحثا فقهيا و الحال أن النتيجة التي يؤدي إليها ربما تكون نتيجة أصولية لا فقهية، كما في استصحاب بقاء حجية الخبر لو شككنا في بقاء حجيته، فإن حجية الخبر مسألة أصولية لا فقهية.

إذن البحث عن مسألة الاستصحاب ليس بحثا فقهيّا، و ذلك لنكتتين.

17

هذا كله إذا فسرنا الاستصحاب بالحكم بالبقاء، أما إذا فسّرناه بنفس بناء العقلاء على البقاء أو بالظن بالبقاء مثلا فعدم كون الاستصحاب حكما فقهيّا يصير أوضح، لأن نفس البناء العقلائي أو نفس الظن بالبقاء ليس حكما شرعيا يرتبط بالعمل كما هو واضح جدا.

توضيح المتن:

أقوال للأصحاب: قد أشار الشيخ الأعظم في الرسائل إلى أحد عشر قولا مع ذكر الحجة لكل قول و مناقشتها، و قد أطال (قدّس سرّه) في هذا المجال على عكس ما صنعه الشيخ المصنف حيث لم يتعرّض إلى ذلك.

و لا يخفى أن عبارتهم ...: هذا إشارة إلى النقطة الأولى.

مطلقا أو في الجملة: إشارة إلى أن بناء العقلاء على الاستصحاب ربما يدّعى أنه مطلق، أي يشمل جميع الموارد، و ربما يدّعى أنه خاص ببعض الموارد، كالأمور العدميّة مثلا أو مورد الشكّ في المانع.

تعبّدا أو للظن: أي إن بناء العقلاء يمكن أن يكون تعبّدا- أي لا من جهة حصول الظن بالبقاء- كما يمكن أن يكون لأجل حصول الظن بالبقاء.

و قد تقول: كيف يكون للعقلاء حكم تعبّدا؟ أو ليس العقلاء لا يوجد تعبّد في ساحتهم؟

و الجواب: إن المقصود من التعبّد هو أن العقلاء يبنون على البقاء لا لأجل الظن، و لكن هذا لا يعني عدم وجود أي نكتة عقلائية، فمثلا إذا جاءك شخص و ادّعى أنه فقير و طلب منك تقديم مساعدة، فإن حصل لك ظن بأحد الطرفين عملت به و إلّا فما ذا تفعل؟ إنك قد تبني على مساعدته رغم عدم حصول الظن لك، و هذا ما يقصد من التعبّد.

18

ثمّ إن قوله: (أو للظن) يشتمل على احتمالين، فيحتمل أنه عدل لقوله: (تعبّدا)، و هذا هو ما شرحنا على طبقه العبارة، كما يحتمل أنه عدل لقوله: (بناء العقلاء)، و يؤيّد الأوّل العطف بأو دون إما، و يؤيّد الثاني جعل الظن بالبقاء فيما يأتي عدلا لبناء العقلاء.

عليه كذلك: أي على البقاء إما مطلقا أو في الجملة.

على أقوال: أي إن هناك أقوالا في إثباته و نفيه و أقوالا في وجه حجيته.

و تعريفه بما ...: هذا شروع في الدفاع عن التعريف. و قد تقدّم أنه لا يوجد تعريف كذلك.

فإنه لم يكن به ...: ضمير فإنه للشأن، و التقدير: لم يكن به بأس ما دام ليس بحدّ و لا برسم.

فانقدح: هذا ردّ على ما صنعه الشيخ الأعظم كما ذكرنا.

ثمّ لا يخفى أن البحث ...: هذا شروع في النقطة الثانية.

خلاصة البحث:

إن الصحيح تعريف الاستصحاب بالحكم ببقاء ما كان و ليس ببناء العقلاء على البقاء و لا بالظن، و ذلك لنكتتين.

و الاستصحاب مسألة أصولية لنكتتين أيضا.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

مبحث الاستصحاب:

إن في حجية الاستصحاب إثباتا و نفيا أقوالا.

و عباراتهم في تعريفه و إن كانت شتّى إلّا أنها تشير إلى مفهوم واحد، و هو الحكم ببقاء حكم أو موضوع شكّ في بقاءه إما من جهة بناء

19

العقلاء مطلقا أو في الجملة، أو للظن به، و إما للنص أو للإجماع حسبما يأتي.

و هذا المعنى هو القابل لوقوع النزاع فيه و الخلاف نفيا و إثباتا و في وجه ثبوته على أقوال، إذ لو كان نفس البناء العقلائي أو الظن لما تقابلت فيه الأقوال و لم يكن النفي و الإثبات واردين على مورد واحد.

أجل يمكن أن يقال: إن تعريفه بما ينطبق على بعضها و إن كان يوهم أن لا يكون هو الحكم بالبقاء بل ذاك الوجه غير أنه لمّا لم يكن حدا و لا رسما بل من قبيل شرح الاسم- كما هو حال غالب التعريفات- فلا دلالة على أنه نفس ذلك الوجه بل للإشارة إليه من الوجه المذكور.

و يتضح بهذا أنه لا وقع للإشكال على ما ذكر له من تعريف بعدم الطرد أو العكس ما دام هو ليس بحدّ و لا برسم.

و اتضح أيضا أن ذكر تعريفات القوم له و ما ذكر فيها من إشكال تطويل بلا طائل.

ثمّ لا يخفى أن البحث عن حجيته مسألة أصولية، حيث يبحث فيها لتمهيد قاعدة تقع في طريق الاستنباط و ليس مفادها حكم العمل بلا واسطة و إن كان ينتهى إليه.

كيف و ربما لا يكون مجرى الاستصحاب إلّا حكما أصوليا كالحجية مثلا.

هذا لو كان الاستصحاب ما ذكرنا، و أما لو كان بناء العقلاء أو الظن فلا إشكال في كونه مسألة أصولية.

***

20

قوله (قدّس سرّه):

«و كيف كان فقد ظهر ...، إلى قوله: إن قلت:

كيف هذا ...».

(1)

النقطة الثالثة: أركان الاستصحاب:

إنه اتضح من خلال التعريف الذي ذكرناه للاستصحاب اعتبار ركنين فيه، هما: القطع بثبوت الشي‏ء سابقا، و الشكّ في بقاءه.

أما أن التعريف يدل على اعتبار الشكّ في البقاء فواضح، حيث أخذ الشكّ بعنوانه في التعريف.

و أما أنه يدل على اعتبار اليقين بالثبوت السابق فلأن الشكّ في البقاء فرع اليقين السابق. (2)

ثمّ إنه باتّضاح هذا نقول: إن الشكّ في البقاء- الذي هو الركن الثاني- لا يتحقّق إلّا إذا فرض اتحاد القضية المتيقنة مع القضية المشكوكة في الموضوع و المحمول معا، فلا يكفي الاتحاد في الموضوع وحده، كما لا يكفي الاتحاد في المحمول وحده، فلو كنت‏

____________

(1) الدرس 346: (23/ شعبان/ 1427 ه).

(2) لا يخفى أنه من المناسب فنّيا الاستناد في اعتبار اليقين و الشكّ إلى الروايات و ليس إلى التعريف، فلا بدّ أن يقال: إن اليقين و الشكّ معتبران كركنين في الاستصحاب من جهة أن روايات لا تنقض اليقين بالشكّ قد أخذت عنوان اليقين و الشكّ، و أما التعريف فلا يصلح كمستند علمي.

21

أتيقن من أن زيدا عادل يوم أمس فالعدالة محمول و زيد موضوع، و الشكّ فيما بعد لا بدّ أن يتعلّق بنفس ذلك، أي ببقاء عدالة زيد، لا عدالة عمرو، و لا اجتهاد زيد، و إلّا لم يصدق الشكّ في البقاء كما ذكرنا.

و على هذا فالأركان المعتبرة في الاستصحاب اثنان أو قل ثلاثة بعدّ الاتحاد ركنا ثالثا.

النقطة الرابعة: الإشكال في وحدة الموضوع في استصحاب الأحكام:

إن الاستصحاب تارة يكون في باب الموضوعات، و أخرى يكون في باب الأحكام.

أما باب الموضوعات فيمكن أن يقال: إن الاتحاد بين الموضوع و المحمول متحقّق و لو أحيانا.

مثال ذلك: ما إذا كنّا على يقين من عدالة زيد ثمّ شككنا في صدور الغيبة منه، و بالتالي في سقوط العدالة عنه، إنه في مثل ذلك يكون الموضوع نفس الموضوع السابق، و المحمول نفسه أيضا، فإن صدور الغيبة لا يغيّر من زيد شيئا، كما لا يغيّر من العدالة التي يراد استصحابها شيئا.

نعم إذا كان عندنا ماء بقدر كرين أو ثلاثة مثلا، ثمّ أخذنا منه ماء بمقدار كبير و شككنا في سقوطه عن الكرية و عدمه فربما يقال: إن الموضوع قد طرأ عليه تغيّر، فإن الماء السابق الذي كان كرا يغاير الماء الآن الذي نشكّ في بقاء الكرية له.

و باختصار: إنه في باب الموضوعات يمكن أن يدّعى تحقّق بقاء الموضوع و لو في بعض الصور و الحالات.

و أما في باب الأحكام فربما يقال: إن الاستصحاب لا يجري إما

22

مطلقا، كما هو المنسوب إلى الاخباريين أو في خصوص الأحكام الشرعية المستكشفة بحكم العقل، كما هو المختار للشيخ الأعظم. (1)

أما بالنسبة إلى الشيخ الأعظم فحاصل ما ذكره في الرسائل لتوجيه ذلك هو أن العقل لا يحكم بحكم إلّا إذا كانت حدود حكمه واضحة بحيث يعرف جميع القيود و الشروط و يحدّدها بشكل تفصيلي و إلّا يلزم تردّده في موضوع حكمه، و من ثمّ يلزم أن لا يكون حاكما، و هذا خلف الفرض.

إذن ما دمنا قد فرضنا أن العقل حاكم فلا بدّ من تحدّد موضوع حكمه من حيث القيود و الشروط، و مع تحدّد موضوع حكمه نقول: إن الوصف المنتفي إما أن يكون ذا مدخلية في الموضوع بنحو الجزم أو لا تكون له المدخلية بنحو الجزم، فإن كانت له المدخلية الجزمية فيلزم انتفاء الحكم جزما، و إن لم تكن له المدخلية يلزم بقاء الحكم بنحو الجزم، فالشكّ و التردّد شي‏ء لا معنى له أبدا في باب الأحكام العقلية.

هذا بالنسبة إلى مختار الشيخ الأعظم.

و أما بالنسبة إلى ما نسب إلى الاخباريين فقد يوجّه بأن الشكّ في بقاء الحكم لا يمكن أن نتصوّره إلّا إذا فرض انتفاء بعض الأوصاف، إذ مع بقاء الأوصاف و القيود كما هي فلا يمكن حصول الشكّ في البقاء.

و لازم تغيّر بعض الأوصاف عدم إحراز بقاء الموضوع، إذ نحتمل أن يكون الوصف المتغيّر ذا مدخلية في الموضوع.

____________

(1) و على هذا فالشيخ الأعظم يتبنّى تفصيلين في باب الاستصحاب:

1- إن الاستصحاب لا يجري في الأحكام الشرعية المستكشفة من حكم العقل و يجري في المستكشف من النص.

2- إن الاستصحاب لا يجري إذا كان الشكّ في البقاء من جهة الشكّ في الاقتضاء و الاستعداد، و يجري فيما إذا شكّ من جهة احتمال حدوث المانع.

23

إذن لازم انتفاء بعض الأوصاف الشكّ في بقاء الموضوع، و من ثمّ يلزم عدم إمكان جريان الاستصحاب في باب الأحكام. (1)

و بعد هذا أخذ الشيخ المصنف في الجواب بشكل تندفع كلتا الشبهتين، و حاصل ما ذكره: إن المدار في بقاء الموضوع و المحمول ليس على النظر العقلي الدقيق، و إنما هو على النظر العرفي، و هذا مطلب سوف يأتي التعرّض إليه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

ثمّ أضاف قائلا: إن الأوصاف الثابتة للموضوع هي على نحوين، فبعضها مقوّمة له و تعدّ شيئا أساسيا فيه بحيث لو تبدّلت حصل في نظر العرف تبدّل في الموضوع، و أخرى لا تعدّ مقوّمة بل تعدّ عوارض و حالات جانبية لا يكون‏

____________

(1) لا يخفى أن توجيه حجة الاخباريين لا تحتاج إلى بيان أكثر من هذا، إلّا أن الشيخ المصنف قد ذكر في عبارة المتن بعض الأمور الجانبية التي لا داعي إلى التعرّض لها، فقد ذكر (قدّس سرّه) أن الموضوع إذا لم يتغيّر فلا يمكن الشكّ في بقاء الحكم إلّا بنحو البداء الذي هو مستحيل في حقّ اللّه سبحانه، فإن الموضوع إذا كان باقيا بتمام قيوده فرفع الحكم لا يكون إلّا بنحو البداء، بمعنى أن اللّه سبحانه ظهر له أن رفع الحكم أولى و أن المصلحة لا تقتضي استمراره بل رفعه.

و البداء بهذا المعنى يتحقّق منّا كثيرا في حياتنا، فترى أن أحدنا يصمّم على مشروع معيّن، ثمّ في الأثناء يتراجع عنه لا لتبدّل الظروف و العناوين، بل لأنه ظهر له وجود مفاسد في إنشاءه و لكنها خفيت عليه.

و لأجل استحالة البداء في حقه تعالى فسّر النسخ بالدفع لا بالرفع، فإن معنى الرفع أن اللّه سبحانه أنشأ الحكم واقعا بشكل مستمر إلى يوم القيامة و الآن يرفعه، و هذا لازمه البداء، فلا بدّ أن نفسّر النسخ بأنه سبحانه قد شرّع الحكم إلى فترة معينة، و عند انتهائها سوف يرتفع الحكم بشكل قهري إلّا أن الناس حيث لم يطّلعوا على الواقع فيتصوّرون أن الحكم قد شرع بشكل مستمر، و لكن ذلك في الحقيقة استمرار ظاهري، و قد جاء الناسخ ليحول دون استمراره الظاهري، و هو ما يعبّر عنه بالدفع.

24

تغيّرها موجبا لتغيّر الموضوع، من قبيل الصغر و الكبر في الإنسان، فإنه بسببهما لا يتغيّر- أي الإنسان- في نظر العرف، بل ذلك الكبير هو هذا الصغير.

و لكن نؤكّد أن عدم كون الصفة مقوّمة للموضوع عرفا لا يعني عدم مدخليتها واقعا في الموضوع، بل ربما بزوالها يزول الحكم واقعا.

و باتّضاح هذا نقول: إنه إذا انتفت بعض الصفات التي تعدّ من قبيل الحالات في نظر العرف و ليست من المقوّمات فالموضوع بالنظر العرفي يكون باقيا جزما إلّا أنه حيث يحتمل مدخلية تلك الصفة في ثبوت الحكم واقعا فسوف نشكّ في بقاء الحكم واقعا فيجري استصحابه دون أي إشكال. (1)

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) أنه بهذا يندفع التوجيه الذي ذكره الشيخ الأعظم لمختاره، حيث نقول له هكذا: إنّنا نسلّم أن العقل لا يحكم إلّا إذا حدّد موضوع حكمه بجميع قيوده و شروطه لكن نقول: إن بعض الأوصاف إذا انتفى نجزم بانتفاء حكم العقل و حكم الشرع المستكشف بواسطته، و بعضها الآخر إذا انتفى نجزم بانتفاء حكم العقل و لكن لا نجزم بانتفاء حكم الشرع بل نحتمل بقاءه.

مثال ذلك: إن الكذب لا يحكم العقل بحسنه إلّا إذا اجتمع فيه وصفان: كونه موجبا لإصلاح ذات البين، و أن لا يكون موجبا لإلحاق ضرر ببعض الناس، و لكن الوصف الأوّل لو انتفى زال معه حكم العقل‏

____________

(1) ذكر الشيخ المصنف في هذا المورد مطلبا جانبيا لا داعي إلى ذكره لعدم كونه أساسيّا، و هو أنه متى ما كان الموضوع واحدا عرفا رغم احتمال عدم وحدته عقلا و دقة فيمكن أن يدّعى أن بناء العقلاء يقتضي الحكم بالبقاء، و هكذا الظن و الإجماع و الروايات تقتضي الحكم بالبقاء، يعني أن الأدلة الأربعة- التي سوف نذكرها فيما بعد لإثبات حجية الاستصحاب- تقتضي الحكم بحجية الاستصحاب و جريانه، فالمدار في تلك الأدلة ليس على وحدة الموضوع دقة بل على وحدته عرفا.

25

بالحسن و زال معه حكم الشرع بالجواز الذي استكشف من خلال حكم العقل بالحسن، و هذا بخلاف الوصف الثاني، فإنه إذا زال انتفى معه حكم العقل و لكن لا يجزم بانتفاء حكم الشرع بل نحتمل بقاءه.

و على هذا الأساس لو فرض أن الكذب في قضية معينة كان قد تحقّق فيه الوصفان فسوف يحكم العقل بحسنه و يستكشف حكم الشرع بالجواز أيضا، و لكن بعد فترة إذا زال الوصف الثاني- أي كان الكذب موجبا للإصلاح و لكنه كان يستوجب لحوق ضرر ببعض الناس- فسوف يزول حكم العقل بالحسن جزما و لكن لا نجزم بزوال حكم الشرع بالجواز، بل لعلّه باق فيجري استصحابه.

توضيح المتن:

و كيف كان: أي سواء أ كان مبحث الاستصحاب أصوليا أم فقهيا.

و هذا شروع في النقطة الثالثة.

في مورده: أي في مورد الاستصحاب، و المناسب: في جريانه.

هذا مما لا غبار: المناسب: و هذا، و المقصود أن لزوم الاتحاد أو تحقّق الاتحاد لا غبار ...

ثم إن هذا شروع في النقطة الرابعة.

في الجملة: أي و إن كان في بعضها قد يشكّك في تحقّق الاتحاد، كما في مثال ماء الكر المتقدّم.

سواء كان مدركها العقل: إشارة إلى رأي الشيخ الأعظم، حيث ذهب إلى أن مدرك الأحكام الشرعية لو كان هو العقل فلا يجري استصحابها، و قوله: (أم النقل) إشارة إلى رأي الاخباريين.

26

حدوثا أو بقاء: لا داعي إلى ذكر هذه الأمور الجانبية الصغيرة التي توجب الإشارة إليها ضياع أصل المقصود.

و المقصود من ذلك: إن الوصف الذي زال تارة يفترض أن له احتمال المدخلية في مرحلة الحدوث و البقاء، و أخرى يفترض أن له احتمال المدخلية بقاء فقط، و أما حدوثا فيجزم بمدخليته لا أنه يحتمل.

مثال الأوّل: الأعلمية، فإنه تحتمل مدخليتها في جواز التقليد حدوثا و بقاء، فلا يجوز تقليد شخص إلّا إذا كان أعلم، كما أنه لا يجوز البقاء على تقليده إلّا إذا كان كذلك.

و مثال الثاني: التغيّر في الماء، فإنه مما يتيقن اعتباره في حصول النجاسة حدوثا لا أنه يحتمل، بخلافه في مرحلة البقاء، فإنه يحتمل اعتباره و لا يتيقن.

بالمعنى المستحيل: أي بمعنى ظهور ما خفي، في مقابل البداء بمعناه غير المستحيل، و هو إظهار ما أخفى.

و لذا كان النسخ: أي لأجل أن لا يلزم البداء المستحيل.

بحسبهما: أي بحسب الموضوع و المحمول.

كافيا في تحقّقه: أي في حصول الاتحاد بين القضيتين.

و إن كان واقعا من قيوده: أي يحتمل ذلك لا أنه يجزم.

ضرورة صحة: أي مع الاتحاد العرفي فالأدلة الأربعة يمكن جريانها لإثبات حجية الاستصحاب.

و لو نوعا: أي لا شخصا، و المقصود: لتحقّق الظن النوعي و إن كان لا ظن شخصي بالبقاء.

27

خلاصة البحث:

يعتبر في جريان الاستصحاب اليقين و الشك، و لازم اعتبار الشكّ في البقاء اعتبار وحدة القضيتين.

و قد يشكّك في تحقّق وحدة الموضوع في استصحاب الأحكام بحجة أنه عند تغيّر بعض الأوصاف لا يجزم ببقاء الموضوع، و لكن يردّه أن المدار على وحدة الموضوع بالنظر العرفي فإذا كان الوصف من قبيل الحالة العارضة دون المقوّمة فيجري الاستصحاب دون محذور، و بذلك يندفع كلا القولين في المسألة.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمّ إنه قد ظهر من تعريفه اعتبار أمرين في جريانه: القطع بالثبوت، و الشكّ في البقاء. و لا يتحقّق الشكّ في البقاء إلّا مع اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة بحسب الموضوع و المحمول.

و تحقّق ذلك في الموضوعات لا غبار عليه في الجملة.

و أما الأحكام الشرعية- سواء أ كان مدركها العقل أم النقل- فيشكل حصوله فيها، لأنه لا يشكّ في بقاء الحكم إلّا إذا شكّ في بقاء موضوعه بسبب تغيّر بعض الأوصاف التي تحتمل مدخليته فيه.

و فيه: إن الاتحاد و إن كان معتبرا إلّا أنه بحسب نظر العرف، و بعض الأوصاف قد تكون بحسب النظر المذكور من حالاته و إن كانت واقعا يحتمل أنها من مقوّماته فإذا انتفت أمكن جريان استصحاب الحكم بما في ذلك المستكشف من حكم العقل، فإنه عند انتفاء بعض ما يحتمل دخله في الموضوع واقعا مما لا يراه العرف مقوّما يصير بقاء الحكم الشرعي مشكوكا عرفا لاحتمال عدم المدخلية واقعا و إن كان لا حكم للعقل بدونه قطعا فيجري استصحابه.

28

قوله (قدّس سرّه):

«إن قلت: كيف هذا ...، إلى قوله: فقد استدل عليه بوجوه».

(1)

إشكال و جواب:

عرفنا فيما سبق جواب الشيخ المصنف على رأي الشيخ الأعظم، و حاصله:

إن بالإمكان أن لا يحكم العقل بحسن الكذب مثلا إلّا عند اجتماع وصفين، و لكن الوصف الثاني لا يكون دخيلا في حكم الشرع، فيستمر حكم الشرع من دون أن يحكم العقل، هكذا كانت حصيلة الجواب.

و ذكر الشيخ المصنف أنه قد يورد على هذا و يقال: إن لازم هذا الجواب انفكاك حكم الشرع عن حكم العقل، فالشرع حكم من دون أن يحكم العقل، و هذا خلف قاعدة الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع.

هذا حصيلة الإشكال.

و أما ما ذكره في الجواب فحاصله: إنّنا و إن كنّا نسلّم بالملازمة إلّا أنّنا نسلّمها من طرف الوجود لا من طرف العدم، (2) أي نحن نسلّم أن العقل متى ما حكم بحسن شي‏ء فالشرع يحكم على طبقه، و لكن لا نسلّم‏

____________

(1) الدرس 347: (24/ شعبان/ 1427 ه).

(2) و لكن جاء في عبارة المتن التعبير عن الملازمة من طرف الوجود بالملازمة بلحاظ عالم الإثبات، و عن الملازمة من طرف العدم بالملازمة بلحاظ عالم الثبوت، و هذا قد لا يخلو عن مسامحة، بل لا نرى وجها لهذا التعبير.

29

أنه- العقل- إذا لم يحكم بالحسن فيلزم أن لا يحكم الشرع أيضا، بل بالإمكان أن لا يحكم العقل و لكن يحكم الشرع.

أما كيف يمكن أن نفترض ذلك؟ إنه يمكن افتراض هذا فيما إذا كان العقل لا يدرك حسن الكذب مثلا إلّا عند اجتماع الوصفين: الإصلاح و عدم الإضرار، و لكن يحتمل العقل في نفس الوقت أن الحسن ثابت بمجرد الوصف الأوّل حتّى و إن لم ينضم إليه الوصف الثاني إلّا أنه هو لا يجزم بالحسن إلّا عند اجتماع كلا الوصفين، فإنه في مثل ذلك لا يحكم العقل بالحسن ما دام قد افترض عدم تحقّق الوصف الثاني و لكن بإمكان الشرع أن يحكم بالحسن لإدراكه عدم توقّفه على كلا الوصفين و يكفي الوصف الأوّل.

هكذا يمكن أن نفترض.

كما يمكن أن نفترض وجود ملاك آخر للحسن غير الملاك الأوّل، و هذا الملاك الثاني لم يطّلع عليه العقل و إنما اطّلع عليه الشرع فقط، و هذا الملاك الآخر لا يتوقّف على اجتماع كلا الوصفين بل يكفي فيه الوصف الأوّل.

و فرق هذه الفرضية عن سابقتها أنه فيما سبق كنّا نفترض وجود ملاك واحد للحسن و لكن العقل كان لا يدرك تحقّقه إلّا عند اجتماع الوصفين بينما الشرع يرى كفاية الوصف الأوّل، و أما الآن فنفترض أن الملاك الأوّل يتوقّف على اجتماع الوصفين معا حتّى في نظر الشرع أيضا و ليس في نظر العقل فقط إلّا أن الملاك الثاني الذي لم يطّلع عليه العقل يتوقّف على الوصف الأوّل فقط.

إذن في هاتين الفرضيتين يمكن أن نتصوّر انفكاك حكم الشرع عن حكم العقل.

و إن شئت توضيح المطلب بعبارة أخرى فقل: إن حكم الشرع إنما لا ينفك عن حكم العقل فيما إذا لاحظنا حكم العقل الواقعي الشأني دون ما إذا

30

لاحظنا حكم العقل الفعلي، ففي الحكم العقلي الفعلي يمكن الانفكاك، إذ العقل لا يحكم فعلا بحسن الكذب مثلا إلّا عند اجتماع كلا الوصفين، فإذا لم يجتمعا فلا يحكم العقل و لكن يمكن أن يحكم الشرع، و أما في الحكم العقلي الواقعي الذي يتبع المصالح و المفاسد الواقعية لا المدركة المحرزة فلا ينفك حكم الشرع عن حكم العقل، إذ كلاهما تابع للمصلحة الواقعية.

و لك أن تقول بعبارة أخرى: إن الشيخ الأعظم ذكر أن حكم العقل لا إهمال في موضوعه، بل لا بدّ أن يكون موضوعه محدّدا، و بذلك لا يتصوّر الشكّ، و نحن نقول: إن عدم الإهمال في موضوع حكم العقل هو وجيه في حكم العقل الفعلي، فإنه لا يحكم بالفعل إلّا إذا حدّد موضوع حكمه، و أما في الحكم العقلي الواقعي الشأني فيمكن حصول الإهمال، بمعنى أنه يكون تابعا للمصلحة الواقعية التي قد تكون متقوّمة بالوصف الأوّل فقط و ليس باجتماع الوصفين. (1)

و بهذا ننهي حديثنا عن المقدمة بنقاطها الأربع و ندخل في صميم البحث.

و قد ذكر في هذا المجال أن الأقوال في مسألة الاستصحاب كثيرة حتّى أن الشيخ الأعظم في الرسائل ذكر أحد عشر قولا، كالقول بالحجية مطلقا، و القول بعدم الحجية مطلقا، و القول بالحجية في الموضوعات دون الأحكام، و القول بالحجية في موارد الشكّ في المانع دون الشكّ في المقتضي، إلى غير ذلك من الأقوال المفصّلة في المسألة.

و المناسب عدم التعرّض إلى هذه الأقوال و حججها، فإنه تطويل لا داعي إليه، بل نتعرّض إلى القول الصحيح، و هو الحجية مطلقا، و نبيّن دليله بشكل يتّضح من خلاله بطلان سائر الأقوال بحججها.

____________

(1) هذه التوضيحات الإضافية أمر لا داعي إليه و كان يكفيه ما ذكره في أصل الفرضيتين.

31

توضيح المتن:

كيف هذا: أي كيف يمكن حكم الشرع من دون حكم العقل و الحال أنه توجد ملازمة بين الحكمين.

إنما تكون في مقام الإثبات: التعبير عن الملازمة في مقام الوجود بمقام الإثبات، و عن الملازمة في العدم بمقام الثبوت ليس واضح المناسبة.

فعدم استقلال العقل ...: أي عدم استقلال العقل بالحسن إلّا في حال اجتماع الوصفين لا يلازم عدم حكم الشرع في غير حال اجتماعهما، بل بالإمكان أن يحكم الشرع عند وجود الوصف الأوّل فقط.

ثمّ إن العبارة في النسخة التي عندنا هكذا: فعدم استقلال العقل إلّا في حال غير ملازم لعدم حكم الشرع في تلك الحال، و هذه العبارة واضحة الخلل فإما أن يفترض كون كلمة إلّا زائدة أو نقصان كلمة غير كي تصير العبارة هكذا: فعدم استقلال العقل إلّا في حال غير ملازم لعدم حكم الشرع في غير تلك الحال.

كان على حاله: كلمة كان زائدة، و كان المناسب التعبير هكذا:

لاحتمال أن تكون المصلحة أو المفسدة التي هي ملاك حكم الشرع و العقل واحدة في كلتا الحالتين.

و المراد من الحالتين حالة وجود الوصف الثاني و حالة عدمه.

و إن لم يدركه إلّا في إحداهما: و هي حالة اجتماع الوصفين.

لاحتمال عدم دخل تلك الحالة فيه: علة لقوله: (كان على حاله في كلتا الحالتين). و الأنسب حذفه لعدم الضرورة إليه.

32

أو احتمال أن يكون ...: عدل لقوله: (لاحتمال أن يكون ما هو ملاك حكم الشرع ...).

و التقدير: أو احتمال أن يكون مع الملاك السابق ملاك آخر لا دخل للخصوصية الثانية فيه و إن كان لها دخل في الملاك الأوّل الذي اطلع عليه المكلف.

و موضوع حكمه كذلك: الواو استينافية. و المقصود: إن الموضوع للحكم العقلي الفعلي لا إهمال فيه لأنه حكم بالفعل، و الحكم بالفعل لا بدّ و أن يكون موضوعه محدّدا بالفعل، و عليه فإذا انتفى بعض قيود موضوع الحكم الفعلي فالحكم العقلي لا يبقى و يجزم بعدمه، و لكن لا يلزم من انتفاءه الجزمي انتفاء حكم الشرع، لأن حكم الشرع تابع للحكم العقلي الشأني، و موضوع الحكم الشأني يجوز فيه الإهمال لأنه ليس حكما بالفعل، و معه فإذا انتفى الوصف الثاني فلا يلزم انتفاء الحكم الشأني، و مع عدم لزوم انتفاءه فيحتمل بقاء الحكم الشرعي.

فربّ خصوصية ...: أي إن الخصوصية الثانية يمكن أن تكون لها مدخلية في استقلال العقل في حكمه الفعلي، فمن دون تحقّقها لا يستقل العقل بالحكم بالحسن و لكنه في نفس الوقت يحتمل العقل نفسه بقاء ملاك حكمه الواقعي، و لازم ذلك أنه يحتمل بقاء الحكم الشرعي.

ثمّ إن المناسب تأنيث الضمير، أي مع احتمال عدم دخلها.

و معه يحتمل: أي و مع احتمال بقاء ملاك الحكم الواقعي العقلي سوف يحتمل بقاء الحكم الشرعي جدا، يعني واقعا، لدوران الحكم الشرعي مدار الملاك الواقعي في وجوده و عدمه.

على أقوال شتى: متعلّق بكلمة اختلاف.

33

خلاصة البحث:

إن دعوى إمكان انتفاء حكم العقل مع بقاء حكم الشرع لا تتنافى مع مسألة الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، فإن الملازمة المذكورة هي في جانب الوجود دون العدم، إذ من الممكن أن لا يحكم العقل لانتفاء الوصف الثاني الذي لا يستقل بدونه و إن كان يحتمل هو عدم مدخليته واقعا فيصير بقاء الحكم الشرعي محتملا، أو يفترض وجود ملاك آخر لا يتوقّف على الوصف الثاني.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

إن قلت: كيف هذا مع الملازمة بين الحكمين؟

قلت: ذلك لأن الملازمة هي في مقام الإثبات دون الثبوت، فعدم استقلال العقل في حال لا يلازم عدم حكم الشرع في تلك الحال، لاحتمال أن تكون المصلحة التي هي ملاك حكم الشرع و العقل ثابتة في كلتا الحالتين و إن كان العقل لا يدركها إلّا في إحداهما، كما أنه يحتمل وجود ملاك آخر لا دخل لها فيه أصلا و إن كان لها دخل في الملاك الأوّل الذي اطلع عليه.

و بالجملة: حكم الشرع يتبع ملاك حكم العقل الواقعي لا ملاك حكمه الفعلي، و موضوع حكمه الفعلي و إن كان لا يتطرق إليه الإجمال لكنه يمكن تطرقه إلى ملاك حكمه الشأني، و ربّ خصوصية لها دخل في استقلاله و لكنه يحتمل في نفس الوقت عدم دخلها واقعا الذي لازمه احتمال بقاء الحكم الشرعي واقعا.

ثمّ إن الأقوال في مسألة حجية الاستصحاب مختلفة لا يهمنا نقلها و نقل ما ذكر لها من أدلة، و المهم الاستدلال على المختار- و هو الحجية مطلقا- على نحو يظهر بطلان سائرها.

34

قوله (قدّس سرّه):

«استدل عليه بوجوه ...، إلى قوله: الوجه الرابع ...».

(1)

الأدلة على حجية الاستصحاب:

ذكر القوم في كلماتهم لإثبات حجية الاستصحاب- يعني في جميع الموارد من دون تفصيل- وجوها أربعة، رفض الشيخ المصنف الثلاثة الأولى منها و ارتضى الوجه الرابع فقط. و تلك الوجوه هي كما يلي:

الوجه الأوّل: [التمسك بسيرة العقلاء]

التمسك بسيرة العقلاء، حيث انعقدت على أن الشي‏ء متى ما كان ثابتا سابقا فيبنى على بقاءه لاحقا، بل نتمكّن أن نقول: إن هذه السيرة لا تختصّ بالبشر و إنما تعمّ الحيوانات أيضا، فالعصافير مثلا تعود إلى أو كارها، و بقية الحيوانات تعود إلى مكانها السابق، و هذا معناه أن هذه العادة قويّة و تعمّ جميع الموجودات من البشر و غيرهم، و حيث إنه لم يردع عنها فيثبت بذلك امضاؤها.

و ناقش الشيخ المصنف هذا الوجه بمناقشتين:

1- إن الوجه المذكور أخصّ من المدعى، فإن السيرة المذكورة ليست عامة لجميع المواد، بل تختصّ ببعضها، يعني أن العقلاء لا يبنون على الحالة السابقة بما هي سابقة، بل يعملون على طبقها:

____________

(1) الدرس 348: (6/ شوال/ 1427 ه).

35

أ- إما لأجل أن العمل عليها هو مقتضى الاحتياط، فمن باب الاحتياط يعملون بالحالة السابقة و ليس لأجل أنها حالة سابقة، كما لو فرض أن أحد الأقرباء كان يعقد في كل عام مجلسا خاصا في مناسبة معينة و شككنا في هذا العام هل يعقد ذلك المجلس أو لا، فإنه نذهب إليه رغم عدم علمنا بعقد المجلس، و ما ذاك إلّا للاحتياط رعاية لعلاقة القربة و الرحم.

ب- أو لأجل حصول الاطمئنان ببقاء الحالة السابقة.

ج- أو لأجل حصول الظن الشخصي أو على الأقل النوعي ببقائها.

د- أو لأجل الانسياق مع الغفلة و عدم الالتفات، كما هو الحال في جميع الحيوانات غير الإنسان، فإنها تعمل على طبق الحالة السابقة من باب الفطرة و الغريزة، و ليس من باب قضاء العقل بعد الالتفات، بل إن الإنسان أحيانا يعمل على طبق الحالة السابقة من باب الغفلة أيضا، فالانسباق مع الغفلة قضية لا تختصّ بالحيوانات بل تعمّ الإنسان أحيانا أيضا.

هذه هي مناشئ العمل على طبق الحالة السابقة، و من الواضح أن هذا لا ينفعنا، إذ هو لا يثبت العمل على طبقها بما هي حالة سابقة و إنما يثبت لزوم العمل بها في خصوص الموارد المذكورة، أما إذا فرض الشكّ في بقاء الحالة السابقة من دون اقتضاء الاحتياط العمل بها، و لم يوجد اطمئنان أو ظن ببقائها، كما لا توجد غفلة، إنه في مثل هذه الحالة لا يقتضي الوجه المذكور لزوم العمل على طبق الحالة السابقة، فالوجه المذكور أخصّ من المدعى.

2- إنه مع التّنزل و افتراض عمل العقلاء على طبق الحالة السابقة بما هي حالة سابقة من دون اختصاص ببعض الموارد فيمكن أن نقول: إن هذه السيرة مردوع عنها، إما بواسطة الآيات الناهية عن اتّباع غير العلم- فإنها بعمومها تعمّ السيرة على العمل بالحالة السابقة، إذ أقصى ما يوجد ظن أو شكّ في بقائها و لا

36

يوجد علم بذلك- أو بواسطة النصوص الدالة على أن الوظيفة عند عدم العلم بالتكليف هي البراءة، (1) فإنها بإطلاقها تعمّ السيرة في المقام و تدل على أن الوظيفة فيها هي البراءة دون الاستصحاب.

إذن السيرة المذكورة ليست ممضاة بل هي مردوع عنها إما بما دلّ على النهي عن اتّباع غير العلم‏ (2) أو بما دلّ على البراءة عند عدم العلم.

____________

(1) يعني على رأي الأصوليين، أو الاحتياط على رأي الأخباريين على الخلاف في المسألة.

(2) يمكن التعليق على ما أفاده بأن رادعية الآيات عن السيرة قد رفضها الشيخ المصنف في مبحث حجية الخبر و أجاب عنها بثلاثة وجوه، هي:

1- إن الآيات ناظرة إلى خصوص أصول الدين، ففيها لا يجوز اتّباع غير العلم و ليس في جميع الموارد.

2- إنه مع التّنزل يمكن أن يقال: إنها منصرفة إلى خصوص الظن الذي لم يقم على حجيته دليل، و خبر الثقة حيث إن العقلاء يعملون به فيكون قد دلّ الدليل على حجيته فلا يكون مشمولا لعموم الآيات.

3- إن رادعية الآيات عن السيرة غير ممكنة لأنها دورية، فإن رادعيتها للسيرة فرع عدم كون السيرة مخصّصة للآيات، و كونها غير مخصّصة لعموم الآيات فرع كون الآيات رادعة عن السيرة، و بذلك تكون رادعية الآيات عن السيرة متوقفة على رادعيتها عن السيرة.

و كان من المناسب التمسّك بهذه الوجوه الثلاثة في المقام أيضا، فيقال هكذا: إن الآيات لا يمكن أن تكون رادعة عن السيرة في المقام، لأنها مختصة بأصول الدين أو أن إطلاقها منصرف إلى خصوص الظن الذي لم يقم على حجيته دليل، و الاستصحاب قد قام على حجيته دليل، و هو السيرة، أو يقال: إن الرادعية غير ممكنة لأنها دورية.

و بالجملة: إن الشيخ المصنف كما رفض رادعية الآيات عن السيرة في مبحث حجية الخبر للوجوه الثلاثة كذلك من المناسب رفض الرادعية في المقام للوجوه الثلاثة المذكورة لعدم الفرق من هذه الناحية.

37

الوجه الثاني: [التمسّك بالظن‏]

أن يتمسّك بالظن، فيقال: إن الشي‏ء إذا كان ثابتا في الزمان السابق فيحصل الظن ببقائه في الزمان اللاحق، باعتبار أن الغالب فيما ثبت سابقا استمراره و بقاؤه.

و ناقش الشيخ المصنف ذلك بمناقشتين:

1- لا نسلّم أن الثبوت السابق يوجب الظن الشخصي أو النوعي بالبقاء لاحقا، إذ لا وجه للظن بالبقاء إلّا دعوى أن الغالب فيما ثبت سابقا هو الاستمرار، و نحن ننكر هذه الغلبة، فإن الشي‏ء الثابت سابقا كما يمكن أن يكون مستمرا بقاء يمكن أن لا يكون مستمرا.

2- إنه لو سلّمنا الغلبة المذكورة و سلّمنا تحقّق الظن بالبقاء فلا نسلّم حجية الظن المذكور، إذ لا دليل خاص على حجيته، بل أن الدليل العام قد قام على عدم حجيته، و هو الآيات الناهية عن اتّباع غير العلم أو غيرها.

الوجه الثالث: [التمسّك بدعوى الإجماع‏]

التمسّك بدعوى الإجماع كما جاء ذلك في مبادئ الوصول للعلامة الحلي، (1) و نقل- أي الإجماع- عن غيرها، فالعلامة له كتاب في علم الأصول باسم مبادئ الوصول إلى علم الأصول، و قد ادّعى في الكتاب المذكور إجماع الفقهاء على إجراء استصحاب الحكم السابق، و ذكر في هذا المجال: إنه لو لا الإجماع يكون الحكم ببقاء الحالة السابقة ترجيحا بلا مرجّح، إذ الحكم بالبقاء ليس بأولى من الحكم بعدم البقاء، فالإجماع إذن هو المرجّح للحكم بالبقاء على الحكم بعدم البقاء.

____________

(1) مبادئ الأصول: 250.

38

و ناقش الشيخ المصنف هذا الوجه بمناقشتين:

1- إن اتفاق الفقهاء لم يثبت تحقّقه، كيف و المسألة خلافية، فالبعض ذهب إلى عدم حجية الاستصحاب مطلقا، و بعض آخر ذهب إلى التفصيل و إنه حجة في باب الموضوعات دون الأحكام، أو أنه حجة في موارد الشكّ في الرافع دون موارد الشكّ في المقتضي، أو غير ذلك من التفاصيل، و مع هذا الخلاف كيف يدّعى الإجماع بمعنى الاتفاق.

2- إنه لو سلّمنا الإجماع بمعنى الاتفاق فيمكن أن نقول: إن الإجماع المذكور ليس إجماعا تعبّديا، أي ليس هو كاشفا عن موافقة المعصوم (عليه السّلام)، و من الواضح أن الإجماع إنما يكون حجة لو كان كاشفا عن موافقة المعصوم (عليه السّلام) و وصول الحكم منه يدا بيد و طبقة عن طبقة، و هو إنما يكشف عن ذلك لو لم يكن محتمل المدرك، أما مع احتماله فلا يحصل الجزم بوصول الحكم إلى المجمعين من الإمام (عليه السّلام)، و من المعلوم أنه في المقام نحتمل وجود مدارك متعدّدة لإجماع المجمعين، فيحتمل أن بعضهم حكم بحجية الاستصحاب لأجل السيرة العقلائية، و البعض الآخر ذهب إلى الحجية لأجل الظن، و البعض الثالث ذهب إلى الحجية لأجل الأخبار، و هكذا، و معه فلا جزم بوصول مضمون السيرة من الإمام (عليه السّلام) يدا بيد.

هذا لو كان الإجماع المدّعى هو الإجماع المحصّل. (1)

و أما لو كان هو المنقول فهو لو سلّمنا حجيته في حدّ نفسه- و قد تقدّم في مبحث حجية الإجماع الإشكال في حجيته- فلا نسلّم بحجيته‏

____________

(1) لا يخفى أن الشيخ المصنف في عبارة الكتاب قدّم المناقشة الثانية على الأولى، و كان المناسب أن يصنع كما صنعنا.

39

في خصوص المقام لأجل المناقشتين المذكورتين، أي لأجل وجود الخلاف و احتمال كونه مدركيّا.

و الخلاصة من كل ما تقدّم أن الوجوه الثلاثة المذكورة لإثبات حجية الاستصحاب مرفوضة، لأن كل واحد منها قابل لأن يناقش بمناقشتين.

توضيح المتن:

بل ذوي الشعور: المقصود من الشعور الفطرة و الغريزة.

رجاء و احتياطا: العطف تفسيري.

للظن بالبقاء فعلا: أي شخصا.

مع إمكان أن لا يدوم: المناسب: رغم أنه يمكن أن لا يدوم.

و هو غير معلوم: أي تحقّق الغلبة المذكورة أمر غير معلوم.

و قد نقل عن غيره: المناسب: عن غيرها، أي غير المبادئ.

و فيه أن تحصيل الإجماع: يعني التعبّدي الكاشف عن موافقة المعصوم (عليه السّلام).

خلاصة البحث:

استدل على حجية الاستصحاب بوجوه أربعة، يمكن مناقشة كل واحد من الثلاثة الاول بمناقشتين، و الوجه الصحيح هو الرابع كما سيتضح.

و الوجه الأوّل هو سيرة العقلاء.

و يردّه عدم التسليم بانعقاد السيرة على العمل بالحالة السابقة بما هي حالة سابقة، مضافا إلى أن السيرة المذكورة مردوع عنها بنحوين من النصوص.

و الوجه الثاني هو الظن بالبقاء.

40

و يردّه عدم التسليم بتحقّق الظن، و مع التّنزل لا دليل على حجية الظن المذكور، بل إن الدليل قائم على عدم حجيته.

و الوجه الثالث هو الإجماع.

و يردّه أن الاتفاق غير متحقّق، و على تقدير تحقّقه هو لا يكشف عن موافقة المعصوم (عليه السّلام) بعد احتمال المدركية.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و قد استدل عليه بوجوه:

الأوّل: استقرار بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة، و حيث لم يردع عنه الشارع فيثبت الامضاء.

و فيه:

1- منع استقرار بنائهم على ذلك تعبّدا، بل إما رجاء و احتياطا، أو اطمئنانا بالبقاء، أو ظنا و لو نوعا، أو غفلة، كما هو الحال في الحيوانات، بل في الإنسان أحيانا.

2- سلّمنا لكن الردع متحقّق بالنهي عن اتّباع غير العلم و بما دلّ على ثبوت البراءة أو الاحتياط في موارد الشكّ في التكليف.

الثاني: إن الثبوت في السابق موجب للظن به في اللاحق.

و فيه:

1- منع تحقّق الظن المذكور، فإنه لا وجه له إلّا كون الغالب فيما ثبت هو دوامه، و لكن ذلك ليس مسلّما.

2- و لو سلّم فلا دليل خاص على اعتباره بل إن الدليل العام يقتضي العدم.

41

الثالث: دعوى الإجماع عليه، كما عن المبادئ، و قد نقل عن غيرها.

و فيه:

1- إن تحصيل الإجماع في هذه المسألة التي لها مبان مختلفة أمر في غاية الإشكال.

2- هذا مع فرض تحقّق الاتفاق، و هو غير ثابت بعد ذهاب البعض إلى عدم حجيته مطلقا أو في الجملة.

هذا في الإجماع المحصّل.

و أما المنقول فهو مردود لذلك لو قلنا بحجيته لو لا ذلك.

***

42

قوله (قدّس سرّه):

«الوجه الرابع ...، إلى قوله: و قد انقدح بما ذكرنا ...».

(1)

الوجه الرابع: الأخبار المستفيضة:

و هذا الوجه هو الصحيح و العمدة في نظر الشيخ المصنف، و هو عبارة أخرى عن الأخبار المستفيضة. (2) و من تلك الأخبار ما يلي:

الرواية الأولى:

و هي صحيحة زرارة الأولى. و قد نقلها الشيخ المصنف في عبارة الكتاب باختلاف يسير مع ما هو المثبت في وسائل الشيعة.

و نصّ الرواية كما في الوسائل هكذا: محمّد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، قال: قلت له:

الرجل ينام و هو على وضوء، أ توجب الخفقة و الخفقتان‏ (3) عليه الوضوء؟

____________

(1) الدرس 349 و 350: (7 و 8/ شوال/ 1427 ه).

(2) الاستفاضة هي درجة دون التواتر بقليل.

(3) خفق: حرك رأسه إلى الأسفل قبيل النوم.

ثمّ إنه لا يخفى وجود شي‏ء من التسامح في تعبير زرارة في مقام صياغته للسؤال، فإنه قد افترض في البداية أن الرجل قد نام و هو على وضوء، و بعد فرض كونه قد نام لا معنى لقوله بعد ذلك: أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟

و عليه يلزم أن يكون المقصود من كونه قد نام انشغاله بمقدمات النوم.

43

فقال: «يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن، فإذا نامت العين و الأذن و القلب وجب الوضوء».

قلت: فإن حرك إلى جنبه شي‏ء و لم يعلم به، قال: «لا، حتّى يستيقن أنه قد نام، حتّى يجي‏ء من ذلك أمر بيّن، و إلّا فإنه على يقين من وضوءه، و لا تنقض‏ (1) اليقين أبدا بالشكّ، و إنما تنقضه بيقين آخر». (2)

و

الكلام في الصحيحة المذكورة يقع في عدة جهات:

الجهة الأولى: البحث عن سندها.

و المشكلة في الرواية المذكورة أنها مضمرة، بمعنى أنه لم يذكر أن الشخص الذي ينقل عنه زرارة هو الإمام (عليه السّلام)، إذ هو قد عبّر هكذا: قلت له، و لعلّ الضمير يرجع إلى غير الإمام (عليه السّلام)، و معه قد يقال بعدم حجيتها.

و هذه مشكلة عامة تعمّ جميع المضمرات لا خصوص الرواية المذكورة.

و قد أجاب غير واحد من الأعلام، و منهم الشيخ المصنف بأن الراوي بعد ما كان هو زرارة، الذي هو رجل في غاية الجلالة و يعدّ من الطبقة الأولى من أصحاب الأئمّة (عليهم السّلام)، و لا يليق به أن يروي عن غير الإمام (عليه السّلام) فنفس هذا يصير قرينة على كون الشخص المسئول هو الإمام (عليه السّلام) و ليس شخصا آخر.

و يمكن أن يدعم هذا بأنّا نلحظ من زرارة مزيد اهتمام في مقام السؤال، الأمر الذي يؤكّد كون الشخص المسئول هو الإمام (عليه السّلام).

أما ما ذا يراد من مزيد الاهتمام؟ أجمل الشيخ المصنف كلامه من هذه الناحية. و يمكن أن يقال: إن في مقصوده احتمالين:

____________

(1) في بعض نسخ الحديث: ينقض، أي بالياء دون التاء.

(2) وسائل الشيعة 1: 245/ الباب 1 من أبواب نوقض الوضوء/ الحديث 1.

44

1- إن زرارة قد أبدى مزيدا من الأدب و الاحترام مع الشخص المسئول، الأمر الذي يتناسب مع كون الشخص المسئول هو الإمام (عليه السّلام).

2- إن زرارة قد انتهز الفرصة و أخذ يذكر شقوقا متعددة في مقام السؤال، و هذا لا يتناسب إلّا مع كون الشخص المسئول هو الإمام (عليه السّلام).

و الخلاصة: إنه لا مشكلة من ناحية الاضمار بعد ما كان الراوي من أجلّة الأصحاب. (1)

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى أن المشكلة السندية ليست واحدة بل هي ثنتان، هما:

1- مشكلة الاضمار.

2- و مشكلة أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد.

أما مشكلة الاضمار فهناك حلّ معروف لها، و هو ما أشار إليه الشيخ المصنف من أن كون الراوي من أجلّة الأصحاب هو بنفسه قرينة على كون المسئول هو الإمام (عليه السّلام).

و لكن هذا نصف حلّ و ليس حلا كاملا، أي هو يحلّ المشكلة في خصوص حالة كون الراوي من الأجلة دون ما إذا لم يكن كذلك.

و يمكن أن نذكر جوابين آخرين تثبت بكل واحد منهما لو تمّ حجية جميع المضمرات من دون تفصيل، و قد أشرنا إليهما في كتاب دروس تمهيدية في القواعد الرجالية (ص 212).

إذن الحلول لمشكلة المضمرات ثلاثة، اثنان يحلّان المشكلة في جميع المضمرات، و واحد يحلّها في قسم منها.

هذا بالنسبة إلى مشكلة الاضمار.

و أما مشكلة أحمد فتوضيحها أن الحسين بن سعيد و حمادا و حريزا و إن كانوا ثقات و لا مشكلة من ناحيتهم إلّا أنه لا بدّ من ملاحظة طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد.

و إذا رجعنا إلى التهذيب 1: 8/ الحديث 11 وجدناه يقول: و بهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عن زرارة، أي و بالإسناد السابق في حديث رقم 8، حيث يقول فيه هكذا: ما أخبرني به الشيخ أيّده اللّه، عن أحمد بن محمّد بن الحسن، عن أبيه، عن محمّد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، و عن الحسين بن الحسن بن أبان جميعا عن الحسين بن سعيد عن ...

45

____________

و هذا السند لا مشكلة فيه سوى أحمد بن محمّد بن الحسن، الذي هو أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد الأشعري القمي، فإنه لم يذكر بتوثيق، و قد وصلت كثير من الروايات و الأصول بواسطته فكيف الحلّ؟ و كيف التغلّب على المشكلة من ناحيته؟

إنه في هذا المجال إذا أمكننا الحكم بوثاقته و لو من جهة كونه من مشايخ الإجازة فذاك هو المطلوب، و أما إذا لم نقل بكفاية شيخوخة الإجازة في إثبات الوثاقة فيمكن أن نسلك طريقا آخر، و ذلك بالرجوع إلى فهرست الشيخ في ترجمة الحسين بن سعيد، حيث نجده يذكر طريقا صحيحا إلى جميع كتبه و رواياته، فنعوّض بهذا الطريق الصحيح عن ذلك الطريق الضعيف، فلاحظه حينما يقول: (أخبرنا بكتبه و رواياته ابن أبي جيد القمي عن محمّد بن الحسن عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد.

و أخبرنا بها عدة من أصحابنا عن محمّد بن عليّ بن الحسين عن أبيه و محمّد بن الحسن و محمّد بن موسى بن المتوكل عن سعد بن عبد اللّه و الحميري عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسين بن سعيد). (فهرست الشيخ الطوسي/ اعداد مكتبة المحقق الطباطبائي: 150/ رقم الترجمة 230).

و هذا يدلّ على أن للشيخ في كتاب الفهرست طريقين إلى كتب و روايات الحسين بن سعيد، و إذا كان الأوّل محلا للإشكال من ناحية ابن أبي جيد، حيث لم يذكر بتوثيق فيكفينا الطريق الثاني.

و إذا قلت: لعلّ روايتنا التي نحن بصدد تصحيح سندها هي قد رويت بالطريق السابق المذكور في التهذيب بينما بقية روايات الحسين بن سعيد قد رويت بالطريق المذكور في الفهرست.

قلت: إن ظاهر تعبير الشيخ أخبرنا بكتبه و رواياته أن جميع روايات الحسين قد رويت بطريق الفهرست لا بعضها.

إن قلت: هذا صحيح و لكن من قال أن روايتنا هي من جملة روايات الحسين بن سعيد، فلعلّ أحمد بن محمّد بن الوليد قد كذب على الحسين و نسب هذه الرواية إليه؟

قلت: إن هذه الرواية هي موجودة في كتب الحسين بن سعيد حتما، بقرينة أن الشيخ في التهذيب قد ابتدأ السند بالحسين، و قد ذكر في بداية المشيخة أنه كلما ابتدأ السند بشخص معيّن فقد أخذ الرواية من كتابه. (لاحظ مقدّمة المشيخة المذكورة في نهاية الجزء العاشر من تهذيب الأحكام).

46

الجهة الثانية: البحث عن دلالة الصحيحة.

و ليس المقصود البحث عن دلالتها على حجية الاستصحاب في خصوص باب الوضوء، فإن ذلك تدلّ عليه بوضوح بلا حاجة إلى تقريب و بيان، إذ هي قالت: و إلّا فإنه على يقين من وضوءه، و لا ينقض اليقين بالشكّ، و إنما المقصود دلالتها على الحجية بلحاظ جميع الموارد من دون اختصاص بباب الوضوء ليكون ذلك قاعدة عامة يتمسك بها في جميع الموارد.

و في هذا المجال ذكر (قدّس سرّه) أن زرارة قال للإمام (عليه السّلام): فإن حرّك في جنبه شي‏ء و هو لا يعلم، فأجاب (عليه السّلام) بقوله: «لا»، يعني لا يجب عليه الوضوء، ثمّ قال (عليه السّلام): «حتّى يجي‏ء من ذلك أمر بيّن و إلّا فإنه ...»، و من المعلوم أن كلمة (و إلّا) مركبة من إن الشرطية و لا، أي و إن لم يستيقن أنه قد نام، و نحن نعرف أن كلمة إن الشرطية تحتاج إلى فعل الشرط و إلى جزاء، و فعل الشرط واضح و معلوم و لا خلاف فيه، و هو: و إن لم يستيقن أنه قد نام، و الكلام هو في جواب الشرط، و الاحتمالات فيه ثلاثة، و على الأوّل منها يثبت المطلوب- و هو دلالة الصحيحة على حجية الاستصحاب في جميع الموارد- بينما على الاحتمالين الآخرين لا يثبت، و من هنا يلزمنا أن نحاول إثبات الاحتمال الأوّل و إبطال الاحتمالين الآخرين.

و نعود إلى الاحتمالات الثلاثة، و نذكرها كما يلي:

1- أن يكون الجواب محذوفا، و قد حذف لوضوحه، فإن زرارة سأل الإمام (عليه السّلام) و قال: فإن حرّك في جنبه شي‏ء، فأجاب الإمام (عليه السّلام) بقوله: «لا»، يعني لا يجب عليه الوضوء، إنه من هذا سوف نستفيد جزاء الشرط، و تقديره: و إن لم يستيقن أنه قد نام فلا يجب عليه الوضوء.

إذن الجواب هو: فلا يجب عليه الوضوء، و قد حذف لوضوحه من خلال‏

47

كلمة لا، نعم إنه قد حذف و اقيمت علته مقامه، فجملة فإنه على يقين من وضوءه ... هي تعليل لذلك الجواب المحذوف، و قد اقيم مقامه بعد حذفه، و ما دامت الجملة المذكورة تعليلا للجواب المحذوف فنتمسّك بعموم التعليل، فكما أنه في جملة لا تأكل الرمان لأنه حامض نتمسّك بعموم التعليل كذلك في المقام نتمسّك بعموم التعليل لإثبات وجوب الأخذ باليقين السابق في كل مورد من دون اختصاص بمورد اليقين بالوضوء.

و إذا سألت: إن هذا الاحتمال هل له نظائر في اللغة العربية؟ أي هل يوجد في اللغة العربية حذف الجواب و إقامة علته مقامه؟

و الجواب: إنّنا لا نحتاج إلى نظائر بعد ما كان ما ذكرناه أمرا وجيها و مقبولا بحسب الفهم و الذوق العربي.

هذا مضافا إلى أن له نظائر، من قبيل قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏، (1) فإن جملة فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏، تعليل لجواب من، و التقدير: و من كفر فلا يضرّ اللّه شيئا فإنه غني عن العالمين.

و الخلاصة أنه على الاحتمال الأوّل تكون جملة فإنه على يقين من وضوءه، و لا تنقض اليقين بالشكّ تعليلا للجواب المحذوف فيتمسّك بعموم التعليل لإثبات حجية الاستصحاب في جميع الموارد.

2- أن يكون الجواب نفس جملة «فإنه على يقين من وضوءه و لا تنقض اليقين بالشكّ»، و بناء عليه لا يمكن التمسّك بفكرة عموم التعليل، إذ لا يوجد تعليل بناء على هذا ليتمسّك بعمومه.

____________

(1) آل عمران: 97.

48

و لكن هذا الاحتمال ضعيف في حدّ نفسه، فإن الجملة المذكورة لا يمكن أن تكون جوابا إلّا بعد تحويلها من خبرية إلى إنشائية، و من الواضح أن هذا مطلب هو في حدّ نفسه ضعيف.

أما لما ذا نحتاج إلى تحويل الجملة من خبرية إلى إنشائية؟ ذلك لأنه من دون التحويل المذكور يصير المعنى هكذا: فإن لم يستيقن أنه قد نام فهو له يقين بالوضوء، و من الواضح أن كون الشخص ذا وضوء لا يصلح أن يكون جوابا لعدم الاستيقان بالنوم، و هذا نظير أن يقال: إن لم يستيقن أنه قد نام فالساعة الآن هي العاشرة، إنه لا ربط لهذا بذاك، و إنما المناسب للجواب أن يقال: إن لم يستيقن أنه قد نام فيلزمه الحكم ببقاء وضوءه، أي بقاء ما كان على يقين منه.

3- أن يكون الجواب جملة «و لا تنقض اليقين بالشكّ»، و أما جملة «فإنه على يقين من وضوءه»، فقد ذكرت تمهيدا و توطئة للجواب المذكور.

يبقى أن المناسب لجواب الشرط ذكر الفاء دون الواو فما هو الردّ؟ يمكن الجواب بأن الفاء نقلت من الجواب إلى التمهيد، فذكرت في الجملة الممهّدة، أعني جملة «فإنه على يقين من وضوءه».

و لا يخفى أن هذا الاحتمال أضعف من سابقه، لأنه يحتاج إلى أكثر من تأويل و توجيه كما أوضحنا.

و بهذا يتّضح أن المتعيّن هو الاحتمال الأوّل الذي يصح بناء عليه التمسّك بفكرة عموم التعليل لإثبات حجية الاستصحاب في جميع الموارد.

و بكلمة أخرى: إنه بناء على هذا الاحتمال يكون مقصود الإمام (عليه السّلام) إدخال المورد تحت قاعدة كلية، و هي أن كل يقين- من دون خصوصية لليقين بالوضوء- لا يجوز نقضه بالشكّ، أي إنه يريد التعليل بقضية كلية مرتكزة في أذهان العقلاء لا تختصّ بخصوص اليقين بالوضوء.

49

توضيح المتن:

و إذا نامت العين و الأذن: الوارد في الحديث: فإذا نامت العين و الأذن و القلب وجب الوضوء.

و هذه الرواية و إن كانت مضمرة: هذا إشارة إلى الجهة الأولى.

و تقريب الاستدلال بها: هذا إشارة إلى الجهة الثانية.

عرفا في النهي: أي لا ريب في ظهوره عرفا.

ثمّ إن هذه إشارة إلى الاحتمال الأوّل في جواب الشرط.

نقض اليقين بشي‏ء: أي بأي شي‏ء لا بخصوص الوضوء.

و إنه بصدد بيان ..: عطف تفسير على سابقه.

المستفاد: صفة للجزاء.

و احتمال أن: إشارة إلى الاحتمال الثاني و ردّه.

إلّا بإرادة لزوم العمل: أي إلّا بتفسيره بالحكم التكليفي، و هو إلى الغاية بعيد لأنه يستلزم تحويل الجملة الخبرية إلى إنشائية.

و أبعد منه: هذا إشارة إلى الاحتمال الثالث و ردّه.

خلاصة البحث:

الدليل الرابع على حجية الاستصحاب هو الأخبار، و أوّلها:

1- صحيحة زرارة و هي لا مشكلة فيها من حيث إضمارها بعد كون الراوي من أجلة الأصحاب الذين لا تليق بهم الرواية عن غير الإمام (عليه السّلام).

و تدلّ أيضا حجية الاستصحاب في جميع الموارد تمسكا بعموم التعليل، و الاحتمالان الآخران ضعيفان.

50

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الوجه الرابع:

و هو العمدة في الباب، أعني الأخبار المستفيضة التي منها:

الأولى: صحيحة زرارة: قلت له: الرجل ينام و هو على وضوء، أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: «يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن، فإذا نامت العين و الأذن و القلب وجب الوضوء».

قلت: فإن حرّك إلى جنبه شي‏ء و لم يعلم به، قال: «لا، حتّى يستيقن أنه قد نام، حتّى يجي‏ء من ذلك أمر بيّن، و إلّا فإنه على يقين من وضوءه، و لا تنقض اليقين أبدا بالشكّ، و إنما تنقضه بيقين آخر».

و الكلام فيها في جهات:

1- إن هذه الرواية و إن كانت مضمرة إلّا أن إضمارها لا يضرّ باعتبارها بعد ما كان المضمر زرارة الذي لا يليق به الاستفتاء من غير الإمام (عليه السّلام) لا سيّما مع هذا الاهتمام.

2- و تقريب الاستدلال بها أن ظاهر قوله (عليه السّلام): «و إلّا فإنه على يقين ...» عرفا النهي عن نقض أي يقين بالشكّ و أنه بصدد بيان علة الجزاء المقدّر المستفاد من قوله (عليه السّلام) لا، في جواب فإن حرّك في جنبه ...، و هو اندراج اليقين و الشكّ في مورد السؤال في القضية الكلية الارتكازية التي لا تختصّ بباب دون باب.

و احتمال أن يكون الجزاء قوله (عليه السّلام): «فإنه على يقين ...»، غير سديد، فإنه لا يصحّ إلّا بإرادة لزوم العمل على طبق يقينه، و هو بعيد إلى الغاية.

و أبعد منه كون الجزاء قوله: «و لا ينقض ...»، و قد ذكر فإنه على يقين للتمهيد.

***

51

قوله (قدّس سرّه):

«و قد انقدح بما ذكرنا ...، إلى قوله: فإن قلت:

نعم و لكنه ...».

(1)

تكرار و إضافة:

ذكرنا فيما سبق أن احتمال اختصاص الصحيحة بخصوص باب الوضوء أمر ضعيف للتمسّك بعموم التعليل بالأمر الارتكازي الذي لا يختصّ بمورد دون آخر. و الآن نعود من جديد و نقول: إن احتمال اختصاص الصحيحة بباب الوضوء أمر ضعيف، و ذلك لوجوه ثلاثة:

1- ما تقدّمت الإشارة إليه، و هو أن فقرة «فإنه على يقين من وضوءه و لا ينقض اليقين بالشكّ أبدا» تعليل للجواب المحذوف فيتمسّك بعموم التعليل لإثبات تعميم حجية الاستصحاب لجميع الموارد. و هذا تكرار لما سبق، و ليس شيئا جديدا.

2- إن كبرى «و لا ينقض اليقين بالشكّ» قد طبّقها الإمام (عليه السّلام) في روايات أخرى في موارد أخرى غير الوضوء، كباب النجاسة و الطهارة الخبثية، و باب الشكّ في عدد ركعات الصلاة، و غير ذلك مما تأتي الإشارة إليه في الروايات فيما بعد إن شاء اللّه تعالى، فإن هذا التطبيق يمكن أن يفهم منه أن المراد بقضية «و لا ينقض اليقين بالشكّ» العموم دون خصوص باب الوضوء.

____________

(1) الدرس 351: (12/ شوال/ 1427 ه).

52

و قد جعل (قدّس سرّه) هذا الوجه مؤيدا لا دليلا، و الوجه في ذلك واضح، فإن من المحتمل اختصاص القضية المذكورة بالموارد الثلاثة أو الأربعة المذكورة دون جميع الموارد.

3- إن اللام في كلمة اليقين «و لا ينقض اليقين بالشكّ» هي جنسية تعمّ جميع أفراد اليقين، فإن الأصل فيها- اللام- أن تكون جنسية. و مجرد سبق كلمة اليقين مقيّدة بالوضوء في القضية الأولى الصغرى «فإنه على يقين من وضوءه» لا يصلح أن يكون قرينة على حملها على العهد دون الجنس. (1)

بل نتمكّن أن نقول: إن كلمة اليقين في الصغرى هي مطلقة و ليست مقيّدة بالوضوء، و بذلك يكون الحدّ الأوسط هو كلمة اليقين لا اليقين بالوضوء.

____________

(1) في هذا المجال يمكن أن يعلّق بما يلي:

1- إن دعوى أن الأصل في اللام هو الجنس لا نعرف مدركا لها، بل هي دعوى بلا مدرك.

2- إن هذه الدعوى تنافي ما تقدّم منه في مبحث الفاظ العموم، حيث ذكر هناك أن الأصل في اللام أن تكون للتزيين، حيث قال ما نصه: (فالظاهر أن اللام مطلقا تكون للتزيين)، كما في الحسن و الحسين (عليهما السّلام)، و استفادة الخصوصيات إنما تكون بالقرائن التي لا بدّ منها لتعيينها على كل حال).

3- إنّا نسلّم أن الأصل في اللام هو الجنس، و لكن تقدّم اليقين المقيّد بالوضوء كيف لا يصلح أن يكون موجبا لرفع اليد عن مقتضى الأصل، فإن ظهور اللام في الجنس يتزعزع و يصير مجملا لاحتفافه بما يصلح للقرينية.

4- إنه كان من المناسب التمسّك بكلمة أبدا، فإنها تدل على التعميم بلحاظ جميع موارد اليقين.

و لعلّه إلى بعض هذا أو كله أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالفهم.