إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء - ج6

- محمد راغب الطباخ المزيد...
525 /
7

[الجزء السادس‏]

تتمة أعيان القرن العاشر (1)

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

846- أبو بكر بن عبد الكريم الزاهد إمام البلاطية المتوفى سنة 958

أبو بكر بن عبد الكريم الخليصي الأصل الحلبي الشافعي، إمام المدرسة البلاطية خارج باب المقام المشهور بالزاهد، سبط العالم المفتي الصالح أبي بكر الخليصي ثم الحلبي الشافعي.

و هو شيخ معمر منور ذو زهد و ورع و صلاح و فلاح، لا يراه أهل محلته نهارا إلا في أوقات الصلوات، و هو في غيرها متردد إلى المقابر و مزارات الأولياء و إلى المكان المشهور بقبور الصالحين، و كثيرا ما كنا نراه جالسا و حوله من شاء اللّه من الزوار يسمعون منه ما يقرؤه عليهم من كتاب «رياض الصالحين» أو غيره، و أما الليل فإنه فيه ذو تهجد و ذكر و بكاء.

و قد رافقته يوما في طريق زيارة الصالحين فأخبرني أنه لما حج و زار النبي صلى اللّه عليه و سلم أنشد لدى الحجرة الشريفة النبوية القصيدة الرائية من القصائد المشهورة «بالوترية في مدح خير البرية»، ثم لما أنشدنا إياها و نحن نسمع فلم يتمها إلا و قد غلب عليّ البكاء من بركته و صدق نفسه.

و اتفق له لما تزهد أنه كان معه شي‏ء من حطام الدنيا مما يحتاج إليه لمعاشه و معاده، فدفعه لأخ له بسؤاله إياه فيه لينفق عليه منه شيئا فشيئا، فلما صار إليه قسا قلبه عليه فكل‏

____________

(1) تنبيه: لا تنس ما قدمناه في الجزء الخامس من أن ما نذكره في هذا القرن بدون عزو هو منقول عن «در الحبب» للرضي الحنبلي.

8

من مطالبته إياه و هو يمنعه، ثم دفعه أخوه ذات يوم فألقاه على وجهه و صار التراب على صفحات وجهه، فمرض من تلك فمات سنة ثمان و خمسين (رحمه اللّه).

الكلام على زاوية الحاج بلاط:

قال أبو ذر في الكلام على الزوايا: هذه الزاوية خارج باب المقام، أنشأها الأمير زين الدين الحاج بلاط دوادار الحاج إينال كافل حلب. و سبب عمارته لهذه الزاوية أنه توفي ولد لأستاذه الحاج إينال المذكور و دفن هناك و لم يكن هناك تربة و لا زاوية، و حضرت دفنه فرأيت قد شق هناك أساس و وضع هناك أحجار لأجل بناء تربة، ثم شرع بعد ذلك الحاج بلاط في عمارة هذه التربة و الزاوية و بينهما حوش كبير. و كان هناك بستان فتوصل إليه بطريق شرعي و عمر فيه هذه الزاوية، و جعل هناك حوض ماء أحضره من قرية جبرين و أجرى الماء إليه و إلى التربة و الزاوية من دولاب كان بالبستان المذكور.

و هي وقف على فقراء الطلبة من الحنفية عدة عشرة أنفار، و رتب فيها إماما و مؤذنا و مدرسا، و شرط أن يطبخ للساكنين بها طعام بكرة و عشيا، و لكل واحد من المقيمين و أصحاب الوظائف رغيفين مع زبدية طعام بكرة و عشيا. و رتب ثلاثة أنفار يقرؤون القرآن على تربة أستاذه الحاج إينال ليلة الإثنين و صبيحة الجمعة.

و وقف على الزاوية و التربة ربع سوق الملح و ربع قرية معرة دبسة و نصف باسوقان من جبل سمعان و حصة بالنيرب بقرب حلب، و مهما فضل عن المستحقين يكون له ثم لذريته من بعده ثم من بعدهم للعتقاء من مماليكه و جواريه. ا ه.

و قال في الدر المنتخب: تربة الحاج إينال نائب حلب تجددت في سنة ثلاث و ستين و ثمانمائة و بنى إلى جانبها من جهة الشمال دواداره الحاج بلاط مدرسة، و قد بني الآن لصيق تربتها هذه من الشمال. ا ه.

أقول: مكان هذه الزاوية خارج باب المقام بالقرب من شرقي تربة خاير بك، و بقي من آثارها إيوان كبير لكنه خرب، و أمامه ست حجر عن اليمين و اليسار و يسكن فيه الغرباء. و لا أثر الآن للتربة، و جرن الحوض لا زال باقيا.

9

847- عبد اللّه الحراكي المتوفى سنة 958

عبد اللّه ابن السيد برهان الدين ابن السيد عبد اللّه الحسيني الحراكي المعري ثم الحلبي الفرزلي‏ (*).

شيخ دين خيّر. توفي بحلب سنة ثمان و خمسين و كان جده هذا من أهل الصلاح و له المزار المشهور بفرزل من عمل المعرة ا ه.

و قوله: جده هذا أي الأعلى المتوفى سنة 586 و قد قدمنا ترجمته. و ظفرت في مجموعة الشيخ محمد العرضي بترجمة والده برهان الدين و اسمه إبراهيم، إلا أنه لم يذكر تاريخ وفاته، إلا أنها كانت كما سيتبين لك أواخر القرن التاسع أو أوائل العاشر. قال:

848- إبراهيم بن أحمد الحراكي والد السيد عبد اللّه المتقدم‏

هو إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن حسين بن عمر بن علي بن إبراهيم بن علي زين العابدين بن عبد اللّه الحراكي بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي القاسم ابن علي بن كمال الشرف محمد بن حسن الأعز بن محمد بن علي الزاهد بن محمد الأقساسي ابن يحيى ذي الدمعة بن الحسين ذي العبرة بن زيد الشهيد بن زين العابدين الحراكي، جد والدي، التقوي.

قدم إلى حلب من بلدته معرة النعمان لثائرة فتنة العشير بها سنة ثلاث و خمسين و ثمانمائة و استوطن داخل باب النيرب بالقرب من حمّام الذهب. و جلس في المدرسة الرحبية يذكر اللّه تعالى على طريقة أجداده القادرية مدة من الزمان إلى أن رأى جده الشيخ الكبير السيد عبد اللّه الحراكي صاحب المزار المشهور بالفرزل من عمل المعرة في عالم الرؤيا يقول له:

ارجع لزاوية أجدادك بالمعرة. فعاد إلى معرة النعمان و معه ولده الزيني، و تخلف عنه بحلب كل من جدي التقوي أبي بكر و أخيه الشهابي أحمد و عبد اللّه، فاستوطنوا حلب لطيب هوائها و لطف أبنائها.

و أخو جد هذا الشريف هو الذي ذكره الرضي الحنبلي في تاريخه عند ذكر عبد الرزاق‏

____________

(*) في الأصل. الغزولي.

10

ابن محمد بن الحسن الشيخ شرف الدين الحسيني الكيلاني الحموي القادري، و ذلك عند عده مأخذه من الطريق فقال ما صورته: قال الشيخ شرف الدين: و للمرحوم والدي طريقان أحدهما من والده و الآخر عن الشيخ شمس الدين محمد بن زين العابدين الحسيني الحراكي الأرسلاني قاضي معرة النعمان جدي لوالدتي. انتهى كلامه.

و هذا القاضي هو محمد بن محمد بن أبي بكر المذكور أعلاه.

توفي السيد برهان الدين ببلدة معرة النعمان سنة (لم يذكر) و دفن بمقبرة آبائه عند جده الأعلى.

و من غريب ما اتفق أني بعد ظفري بهذه المجموعة بأيام قلائل ظفرت بوقفيات عند الشيخ محمد ابن الشيخ إبراهيم اللبابيدي بينهن نسب المترجم و هو في ورقة بالية أخنى عليها الدهر محرر سنة 868 ثمانماية و ثمانية و ستين و مذيل بخط قاضي عصره و الشهود الذين شهدوا بصحة نسبه، و قد ذيل آخره بذكر اسم ولده أحمد، و الذيل محرر سنة 871 ثمانماية و إحدى و سبعين و عليه خط قاضي عصره أيضا. و أحمد هذا هو والد إبراهيم المتوفى سنة 978 كما سيأتي، فعلى هذا تكون وفاة المترجم في أواخر القرن التاسع أو أوائل القرن العاشر.

849- محمد بن محمد التقى المتوفى سنة 958

محمد بن محمد بن محمد الأمير ناصر الدين ابن الأمير ناصر الدين ابن الأميري الكبيري الناصري، البابي الأصل الحلبي المشهور بابن التقى.

توفي في سنة ثمان و خمسين و تسعماية، و بوفاته انقرضت ذرية بيت التقى بحلب.

و كان شهما حسن الشكل لطيف العشرة رغد المعيشة مغرما بالصيد مولعا بالمآكل الطيبة و الأسمطة الفاخرة مكفي المؤنة بأوقاف جده لأبيه على ماله من الذرية، و كذا بجهات آلت إليه من قبل جده لأمه أمير كبير حلب سودون المؤيدي أحد مماليك المؤيد شيخ، فكان من يقال (هكذا) (*) بحلب أمير كبير أحد الصناجق الأربعة التي كانت بها في الدولة

____________

(*) في در الحبب: و كان من يقال له بحلب ...

11

الجركسية سوى كافلها، و الثلاثة الباقون حاجب الحجاب و أمير ميسرة و داودار السلطان.

و كان الأمير ناصر الدين قد تزوج بجهة الناصري محمد بن أزدمر كافل حلب في آخر أمره، فظفر منها بجواهر ثمينة في حياتها و بعد مماتها، و مع هذا كله لم يقنع بما استولى عليه حتى استولى على أوقاف جده التي أنشأها بمحلة سويقة علي و محا اسمها و صارت كلاب الصيد تدخلها و تخرج منها، و طيوره توضع فيها فتنجسها، و كان بها إمام و مؤذن فأبطلهما.

ثم إنه ارتضى لنفسه أن يكون أمين الجردة بحلب فصار أمينها، ثم تنقل في الأمانات كأمانة عزاز و نحوها و رضي لنفسه بذل الوقوف بين يدي بعض الدفتر دارية بحلب. و أكثر من الظلم حتى قتل بعض أعوانه فلاحا بمزيد ضربة كأنه أعد لحربه‏ (*)، ثم آل أمر الناصري إلى أن صدع و فجع بموت ولد له نشأ شهما محبوبا في قلوب كفال حلب و قلوب غيرهم، و لم يكن له من الذكور غيره و لا رزق بعده ذكرا، ثم تلاه بالوفاة.

و رآه بعض الناس في المنام و هو يأكل قطرانا أعاذنا اللّه و المسلمين كافة من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا.

850- يحيى بن يوسف الحنبلي المتوفى سنة 959

يحيى بن يوسف بن عبد الرحمن قاضي القضاة نظام الدين أبو المكارم الربعي الحلبي التاذفي الحنبلي القادري، عمي شقيق والدي.

ولد بحلب سنة إحدى و سبعين و ثمانمائة، و تفقه على أبيه و على بعض المصريين، و أجاز له المشايخ الآتي ذكرهم في ترجمة والدي.

و قرأ بمصر على المحب أبي الفضل ابن الشحنة و الجمال بن شاهين سبط الحافظ ابن حجر سنة سبع و ثمانين و ثمانمائة و أجازا له، ثم سمع على الأول بقراءة أبيه ثلاثيات البخاري و تناول منه البخاري مناولة مقرونة بالإجازة، ثم قرأ على الثاني ثلاثيات الدارمي و تناول جميع مسند الدارمي و أجاز له. و قرأ موافقات الدارمي و ثلاثيات ابن ماجة و المجالس‏

____________

(*) في الأصل: حربه.

12

السلماسيات و مسلسل عاشوراء، و سمع على الأثير أبي اليمن بن الشحنة بقراءة السيد الشريف محمد بن منصور الحلبي جزء أكل الحبوب و الدجاج لأبي الفضل العراقي بإجازة الأول و سماع الثاني من الحافظ البرهان الحلبي بحق قراءته على المؤلف.

و كتب لنفسه بخطه شيئا يتضمن مروياته بأسانيدها، ثم لما عاد والده إلى حلب متوليا قضاء الحنابلة ناب عنه فيه و سنه دون العشرين، فلما توفي والده في أوائل سنة تسعمائة استقل به بعده و لبس التشريف و الطرحة في خامس ذي القعدة من السنة المذكورة، و سامحه المقام الشريف في الرسم المقرر على الوظيفة المذكورة و بقي بها ما لم يبق غيره في مثلها إلى انخرام الدولة الجركسية فكان آخر قاض حنبلي فيها بحلب.

و كان توقيعه في صدور الوثائق الشرعية: الحمد للّه، كفى بالموت محذرا، كما كان لوالدي.

و اتفق له يوم قراءة توقيعه بالجامع الأعظم بحلب على العادة القديمة في قراءته تواقيع القضاة به، و يقرأ ههنا مناشيرهم‏ (*) كما هو الاصطلاح القديم أن شخصا من القراء الذين يقرؤون شيئا من القرآن العظيم في مثل هذا اليوم افتتح تلاوة قوله تعالى‏ يا يَحْيى‏ خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ (**) الآية، و هو اتفاق عجيب نظير ما وقع لأمير المؤمنين المستكفي باللّه العباسي الآذن لجدي الجمال يوسف الحنبلي في العقود الحكمية بحلب و عملها، فقد أفاد قاضي القضاة مجير الدين عبد الرحمن العمري المقدسي في تاريخه أن أمير المؤمنين هذا هو أبو الربيع سليمان الذي بويع بعد وفاة أخيه المعتضد باللّه أبي الفتح داود بن المتوكل على اللّه محمد ابن المعتضد باللّه أبي بكر بن المستكفي باللّه سليمان بن الحاكم بأمر اللّه أحمد سنة خمس و أربعين و ثمانمائة، و شهد له أنه ما ارتكب كبيرة و لا صغيرة في عمره، و كتب في تقريره‏ وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (***).

ثم لما استقرت الدولة العثمانية ذهب إلى دمشق فمكث بها مدة، ثم استوطن مصر و ولي بها نيابة قضاء الحنابلة بالصالحية النجمية و بغيرها، و حج منها و جاور، ثم عاد إلى حكمه‏

____________

(*) في «در الحبب»: و يعني بها ها هنا قراءة مناشيرهم.

(**) مريم 19.

(***) النمل: 16.

13

و لم يزل المصريون مقبلين عليه في فصل الحكومات و حسم مادة الخصومات لمزيد عرفانه بدربة القضاء و التوريق و توفيقه لرعاية شروط الوثائق أي توفيق مع طلاقة المحيا و لطف الملتقى لمن أقبل عليه و حياه.

تزوج بمصر بنت المقر المحيوي عبد القادر القصروي ناظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية و سائر الممالك الإسلامية في آخر الدولة الجركسية، فرزق منها ولدا سماه باسم جده لأمه، فنشأ في كنفه مالكا لمباهج الجمال سالكا في مدارج الكمال، فلما كان طاعون سنة خمسين و تسعمائة بعثته أمه إلى الطور حذرا مما هو في الكتاب مسطور، فعادوا به إليها مطعونا، و حق لها أن تقول:

قد كان ما خفت أن يكونا* * * إنا إلى اللّه راجعونا

و بقي والده جزعا لا يرى في الحياة مطمعا، إلى أن توفي بمصر في رمضان سنة تسع و خمسين.

و كان لطيف المعاشرة جميل المذاكرة حلو العبارة حسن السفارة طري النغمة يكشف بتلاوته الغمة، و متى تلا في المحراب أتى فيه بالعجب العجاب، كما وقع له بقبة خير بك كافل حلب التي أنشأها بجوار مزار سعد اللّه الأنصاري حتى أمر بقراءة المولد النبوي بها، فأم به في العشائين و بباقي قضاة القضاة و أعيان حلب حتى فتن السامعين بتلاوته. و كان ينظم الشعر على قلة

لا تقطعن نعمة أجريتها زمنا* * * فلن تنال لدى إجرائها ضررا

قل عن لساني لمولى ما التقيت به* * * إلا و سيف امتداحي فيه مجذوب‏

كم وارد سكب الدموع و صادر* * * لوفاة محيي الدين عبد القادر

(*).

851- إبراهيم بن يوسف الحنبلي والد الرضي المتوفى سنة 959

إبراهيم بن يوسف بن عبد الرحمن الشيخ برهان الدين أبو المقري‏ (**) ابن قاضي القضاة

____________

(*) أورد له في در الحبب مقطوعتين اعتمادا على إحدى النسخ المخطوطة، مطلع الأولى:

لا تقطعن نعمة أجريتها زمنا* * * فلن تنال لدى إجرائها ضررا

و الثانية مما مدح بها بعض المصريين، مطلعها:

قل عن لساني لمولى ما التقيت به* * * إلا و سيف امتداحي فيه مجذوب‏

ثم أورد المؤلف مقطوعة كتبها إليه في رثاء ولده المحيوي، مطلعها:

كم وارد سكب الدموع و صادر* * * لوفاة محيي الدين عبد القادر

(**) في در الحبب: أبو القرى.

14

و شيخ الإسلام جمال الدين أبي المحاسن ابن أقضى القضاة زين الدين أبي البشرى الحلبي الحنفي المشهور بابن الحنبلي، والدي، سبط قاضي القضاة أثير الدين بن الشحنة.

ولد بحلب سنة سبع و سبعين و ثمانمائة، و اشتغل بها في الصرف و النحو و العروض و المنطق على العلاءين الدمشقي المجاور بجامع المهمندار، و الموصلي، و على الفخر عثمان الكردي. و تفقه على البرهان القرصلي و الزيني بن فخر النساء، وجود الخط على الشيخ أحمد أخي الفخر المذكور، و ألم بوضع الأوفاق العددية، و تعلق بأذيال القواعد الرملية و الفوايد الجفرية.

و أجاز له البرهان الرهاوي رواية الحديث المسلسل بالأولية بعد أن سمعه منه بشرطه و جميع ما يجوز له و عنه روايته بشرطه عند أهله، و أجاز له باستدعاء والده، و كذا لوالده و شقيقه و لمن أدرك حياتهم خصوصا و لأهل حلب عموما جماعة كثيرون من المصريين منهم المحب أبو الفضل بن الشحنة و ولداه الأثير محمد و السري عبد البر الحنفيون و القاضي زكريا الأنصاري و الجمال إبراهيم بن علي الشهير بابن القلقشندي و القطب محمد الخضيري و الحافظ عثمان الديمي و الجمال يوسف بن شاهين الشافعيون في آخرين.

و لما قدم حلب البرهان بن أبي شريف سمع عليه ما اختصره من رسالة القشيري بقراءة الشمس السفيري و أجاز لهما في آخرين أن يرووه و جميع ما يجوز له و عنه روايته.

و قد كان لبس الخرقة القادرية من يد الشيخ عبد الرزاق الكيلاني الحموي بسنده، ثم لبستها أنا من يده فلله الحمد. و اتفق له بعد لبسها أن رأى في منامه عجميا صوفيا له عمامة لطيفة من الصوف، فسأله والدي: ما التصوف؟ فقال له: ترك هوى النفس.

و أريد أن يكون قاضيا حنفيا بحلب كما كان شقيقاه قاضيين بها حنبليا و شافعيا، فأبى كل الإباء، و قضى بأن لا يكون له قضاء.

و لم يزل على وفور عقله و نورانية شكله و سنا شيبته و جلال هيبته إلى أن توفي إلى رحمة اللّه تعالى ليلة الأحد حادي عشر ذي القعدة سنة تسع و خمسين، و كنت أنا الذي صليت عليه إماما في مشهد عظيم رفع فيه سريره فوق المعتاد، ثم دفن بتربة والده و تأسف عليه الناس داعين له بالرحمة لكثرة ما كان يتودد إلى الأقرباء و الغرباء و يجبر قلوب الضعفاء و الفقراء و يصبر على الأذى و لا يقابل مناويه بالإيذاء، حتى دارت دوائر السوء على كثير ممن قصده‏

15

بسوء. و طالما حزبه أمر من الأمور فأخذ في أوراد كانت له ففرج عنه.

و كان في آخر أمره قد انقطع للعبادة بالتكية الخسروية إذ كان إماما بها، بل أول إمام أم بها على ما شرطه واقفها، و ذلك بعد أن زوى اللّه عنه الدنيا و صرف عنه سعة المال و منحه التجرد في المآل. و فيها كان إكمال تأليفه الحافل المسمى «بثمرات البستان و زهرة الأغصان». مع ما له من الانتخابات «كالسلسل الرايق المنتخب من الفايق» الذي التقطه الشيخ صدر الدين محمد بن البارزي الجهني من كتاب «مصارع العشاق» و كالذي انتخبه من كتاب «آداب السياسة» و سماه «بمصابيح أرباب الرياسة و مفاتيح أبواب الكياسة» و غير ذلك.

و مما اتفق له بعد الوفاة أنه رؤي في المنام مرات فرؤي تارة و عليه ثوب أبيض، و تلك علامة خير إن شاء اللّه تعالى، و أخرى و هو يسقي الناس ماء، و تارة أخرى و هو يصلي بمحراب الخسروية يكرر تلاوة سورة الضحى لقوله تعالى: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ (*) إلى أن خرج بعد تمام الصلاة إلى سدة المؤذنين و أكمل معهم نوبتهم فيها.

و كان سر المنام الثاني أنه حفر بئرا في شرقية التكية المذكورة. و كان في سنة ثماني عشرة قد وقف حانوتا بمحلة سويقة علي ليجدد بأرضه خير بك كافل حلب حوضا للسبيل، فجدده و جعل له شربا من فايض بركة داره التي أنشأها بالمحلة المذكورة، فانقطع شربه من بعده لاختلاف أمرها، فجعل له والدي شربا من حق قاعته و وقف على مصالحه ثلثي حانوت وقع بينها و بينه حانوتان هما وقف آخر على غيره.

و كان أيضا قد بذل مالا كثيرا في طلب زيادة ماء العين الكائنة في سفح جبل جوشن بالقرب من مشهد الدكة المعروف الآن بمشهد محسّن رضي اللّه عنه حين ازداد ماؤها و اتسعت أرجاؤها و أغنت مجاوريه عن نقل الماء من النهر. و اتفق لحجار طلبه والدي ليعمل بها فقال: بلغني أنه من عمل بها مات سريعا، و لكني أعمل بها و لا أبالي، فعمل بها فمات سريعا إلى رحمة اللّه تعالى.

____________

(*) الضحى: 5.

16

و من شعر والدي (ما كتب) (*) به إلي و هو غايب عن حلب في طاعون سنة ثمان و ثلاثين:

سلم بنيّ النفس و الولدا* * * للّه لا تشرك به أحدا

و الجأ إليه في الأمور عسى* * * تعطي بذاك الأمن و الرشدا

من كان بالرحمن محتسبا* * * و غدا لركن اللّه مستندا

لم يخش من همّ و لا نكد* * * كلا و لا من حاسد حسدا

فكن الرضيّ بما يريد و كن* * * مستمسكا بجنابه أبدا

و قد أجبته بقولي:

من كان بالرحمن معتقدا* * * و عليه معتمدا فقد سعدا

و من التجا في النائبات إلى* * * من دونه فهو الذي بعدا

فاترك طريق البعد عنه تفز* * * و اسلك طريق القرب مجتهدا

و الخير ظنّ و لا تكن جزعا* * * و اسأله من إحسانه المددا

ولدى التظا نار الهموم أنب* * * للّه تلق جحيمها بردا

و النفس و الجثمان إن وعكا* * * فاستعمل الصبر الذي حمدا

و احذر دسائسها إذا جزعت* * * من حادث الأيام لو وجدا

و أدم دعاك و قل بمسكنة* * * يا رب هب لي النفس و الولدا

و كتبت إليه مرة:

لم يشك حشاي حر ضر و ألم* * * بل جمر غضا به إذا الشوق ألم‏

و الدمع على تشوقي يشهد لي* * * باللّه ألم أكن على العهد ألم‏

فأجابني:

لم يشك حشاي من سقام و أسى* * * بل جمر فراق شب فيه و رسا

من أين لي الصبر على البعد و قد* * * أفنى جسدي و ربع صبري درسا

و كتب إليه خاله المقر المحبي عبد الباسط قصيدة مطلعها:

____________

(*) ما بين قوسين ساقط في الأصل.

17

عليك من الصب الذي بات يسهر* * * سلام كنشر المسك بل هو أعطر

فأجابه:

على من بقلبي غيره ليس يخطر* * * سلام مشوق من شذا البان أعطر

و من حكمه فيما مضى فيّ نافذ* * * و من حبه في وسط قلبي مقرر

و من أنا مغمور بإحسانه و من* * * فؤادي معمور بذكراه نيّر

و من كنت في أنس و بسط بقربه* * * و يومي مبيضّ و عيشي أخضر

إلى أن رماني سوء دهري ببعده* * * و صيرني من بعده أتحسر

و أصبحت في حال سأذكر بعضه* * * و من بعضه و اللّه إني مقصّر

فوجدي صحيح و الذي رفع السما* * * و صفو ودادي قط لا يتكدر

و جسمي معتل و همي مضاعف* * * و نومي كحظي ناقص ليس يكثر

و شعري مبيضّ و لوني أصفر* * * و حظي مسودّ و دمعي أحمر

و إني على عهدي مقيم و إنني* * * أموت عليه ثم أحيا و أنشر

و و اللّه ما كان الفراق بخاطري* * * و لكنّ حكم اللّه أمر مقدر

رعى اللّه أياما تقضّت بسيدي* * * المقر المحبي من به صرت أذكر

أبي الفضل من حاز الفضايل كلها* * * فلا حدّ يحويها و لا هي تحصر

و حيا ليالينا التي سلفت لنا* * * فما كان أحلاها به حين نسهر

و صان مكانا كان فيه اجتماعنا* * * كمثل الثريا حين تزهو و تزهر

و قرب جميع الشمل في خير حالة* * * لأحظى برؤياه و قلبي يجبر

بجاه رسول اللّه من جاء بالهدى* * * نبيا رسولا و هو للدين يظهر

عليه صلاتي مع سلامي كلما* * * روى عنه راو أو حكى عنه مخبر

852- السلطانة كوهر ملكشاه المتوفاة سنة 959

كوهر ملكشاه بنت عائشة السلطانة بنت السلطان بايزيد خان بن عثمان.

قدمت حلب و ولدها محمد باشا ابن توقه كين أمير الأمراء بها، فحجت و عادت، فخرج ولدها لملاقاتها و الحلبيون، فدخلت حلب في أبهة زائدة و مشهد عظيم. ثم توفيت‏

18

بها بعد أن كتبت بخطها الحسن وصية حسنة، فبات بدار العدل ليلة دفنها جماعة من الأكابر و العلماء و القراء، ثم فرق يوم دفنها عليهم و على الفقراء مال عظيم، و اشتري لها بيت بقرب من السفّاحية فدفنت به، ثم خرب و جعل به مسجد مجاور لدفنها و رتب به ثلاثون قارئا في كل يوم ختمة بثلاثين درهما.

و كانت وفاتها سنة تسع و خمسين و تسعمائة.

أقول: لا زالت هذه الدار باقية، و هي تجاه جامع السفّاحية و الحمّام المعروفة بحمّام ميخان، لكنها مشرفة على الخراب. و في الطرف القبلي منها حجرة كبيرة في وسطها قبر كوهر ملكشاه و مكتوب فوق باب الدار و كذا فوق باب الحجرة:

(1) هذه تربة ملكة الملكات تاج العلا و السعادات المرحومة كوهر ملكشاه‏

(2) سلطان بنت عائشة سلطان بنت سلطان بايزيد خان من آل عثمان قد حجت إلى بيت اللّه‏

(3) الحرام و عادت إلى حلب ولاية ولدها أمير الأمراء العظام حضرة محمد باشا و انتقلت (4) بالوفاة إلى رحمة اللّه في تاسع شهر ربيع الآخر سنة تسع و خمسين و تسعماية.

853- قاسم ابن شيخ سوق الظاهرية المتوفى سنة 960

قاسم بن محمد بن خليل بن أحمد بن سلماس‏ (*) الخواجا شرف الدين الحلبي.

أحد أعيان التجار بحلب و أحد رؤسائها المشهور بابن شيخ سوق الظاهرية لما أنه كان رباه بعد ما فقد أباه، و إلا فهو لم يكن ابنه حقيقة و إنما كان ابن عم عمه، و بالجملة فقد كان صاحبه.

و شيخ سوق الظاهرية هذا هو الشيخ إبراهيم الماضي ذكره الذي لما أيقن بقرب الوفاة في مرضه و لم يكن له وارث سواه و خشي على تركته من ظلم السلطان الغوري وصى صاحبه خير بك و كافل حلب بأن يجري نظره عليه في أمر التركة، فلما مات طلب الغوري‏

____________

(*) في در الحبب: تسلماس.

19

من تركته أربعة آلاف دينار بمرسوم ورد على يد خاصكي، فراجع خير بك في ذلك إلى أن أخذ نصفها و بقي في التركة مزيد.

ثم كان خير بك ذا صحبة أكيدة للشرفي و معاشرة له في المجالس الخاصة و اهتمام بشأنه و التفات إليه (كأنه يشتم فيه رائحة صاحبه الأقدم) (*).

ثم إن الخواجكي الشرفي اتسع ماله و عظمت ثروته و قويت في السخاء و الكرم رغبته، و علت في المهمات همته، و أنشأ بستانا عظيما يضرب به المثل و قصرا شاهقا فيه تفصيل البناية الجاري في وقف المدرسة الشاذبختية بحلب، حتى أخذ كثير من المتمولين في إنشاء بساتين و قصور فيها على نهج ما أنشأه أو فوقه، لما رأوه من كمال ما أنشأه و لطافته، و ترك كل ما هو فيه من الدنيا و اشتغل بمشارفة بستانه المذكور و عمل العمل فيه على وجه الإحكام لشأنه، لو رأى به قذاة كاد يتلقاها بعينيه، و تمتع كل التمتع بنهره و زهره و ثمره. و أكثر من ترك مخالطة الناس، فقد ذهب الناس الذين هم الناس كل الناس، إلى أن توفي سنة ستين و تسعمائة و دفن بتربة قريبه الشيخ إبراهيم إلى جنبه.

و من جمله خيراته النافعة له إن شاء اللّه تعالى في مماته تجديد عمارة المسجد الكائن بمحلته بالقرب من جقر قصطل بمال جزيل بذله في إتقانه و إحكام بنيانه.

854- محمد بن خليل بن قنبر المتوفى سنة 961

محمد بن خليل بن علي بن أحمد بن ناصر الدين بن قنبر علي، الحلبي مولدا الفارسي محتدا الشافعي المعروف بابن قنبر.

كان واعظا وجيها في مواعظه مهولا محركا في وعظه لنشاط السامعين.

سمع الحديث و قرأه من الشيوخ و عليهم و أجيز له، و شارك في العربية، و كلف بجمع الكتب النفيسة و تحسين جلودها بالترميم و التبديل، و عني بالضن بها إلا على من يأمنه عليها.

و لم يرغب في منصب سوى إمامة جامع الأمير حسين بن الميداني و التولية عليه، و كان له السعي التام في مصالحه و مصالح أوقافه، و ربما أنفق في ذلك من ماله لأنه كان متمولا

____________

(*) ما بين قوسين ساقط في الأصل.

20

من تجار سوق الجوخ بحلب.

و هو الذي لما رأى منارة الجامع المذكور قد اختل نظامها لبنائها على الحوض الخارج عن الجامع المذكور إنشاء الأمير حسين نقضها دورا فدورا إلى أن انتهى بها، ثم أمر المعمار ترصف دورا فدورا إلى تمامها داخل الجامع المذكور تجاه باب قبلته. و لم يزل يعظ الناس بهذا الجامع إلى أن توفي في ربيع الآخر سنة إحدى و ستين و تسعمائة و دفن بمقبرة أقاربه عند جب النور بين قبرين طويلين قيل إنهما من مقابر الشهداء و قد جاوز الستين سنة.

و كان لطيف المحاضرة ظريف المعاشرة مزاحا عارفا باللسانين الفارسي و التركي زيادة على العربي، شديد النكر على شرّاب قهوة البن بالشرط المخالف للشرع، مطروح التكلف، يرى تارة بلباس خشن و أخرى بلباس حسن، حتى إنني وجدته يوما كنت زرته فيه و قد خرج إلى و عليه كينك مقطع نصفه الأسفل، و لبس الأعلى و هو يتبسم، و كانت من عادته كثرة التبسم.

و هو الذي نصب راية الإنكار على العلاء الكيزواني في جملة بعض مريديه على تعليق العظام على أعناقهم و وضع مالا يعتادون لبسه عليهم و أمره و إياه بالطواف في الشوارع و الأسواق بتلك الهيئة و نحوها مما يقتضي كسر سورة النفس مع صدق الطوية و سعي في تهذيبها، بعد أن سعى في إبطال ذلك إلى مشايخ الإسلام، فلم يقدروا على إبطاله إلى أن رجع عن إنكاره.

و سمع أن العلاء معتكف بجامع الصفي خارج حلب فعلق في عنقه أمتعة و دخل عليه متنصلا مما صدر منه في شأنه ا ه.

855- محمد بن محمد درّاج المتوفى سنة 961

محمد بن محمد الشهير بابن درّاج، البنّشي الشافعي، قاضي سرمين استقلالا في الدولة الجركسية و نيابة في الدولة العثمانية.

شيخ فقيه فرضي معمر طوال ذو أعضاء عظيمة، له قوة في النفاق غلب بها المنافقين مع ما كان عنده من العلم. توفي سنة إحدى و ستين و تسعمائة عن أكثر من مائة سنة.

21

856- أحمد بن إبراهيم الشماع المشهور بابن الطويل المتوفى سنة 961

أحمد بن إبراهيم بن أحمد الشيخ شهاب الدين أبو العباس الحلبي الشماع الشافعي الشهير بابن الطويل.

شيخ صالح حسن السمت يميل إلى كلام القوم و كتب الوعظ. و كان في سنة سبع عشرة قد قرأ شيئا من كتب الحديث على المحدث عز الدين عبد العزيز بن فهد المكي الشافعي و سمع عليه غالب البخاري و غالب «مشكاة المصابيح» و جميع «تاريخ مكة» للأزرقي و غير ذلك، و أجاز له رواية ما كان قرأه و سمعه، و ألبسه خرقة التصوف متسلسلة له.

و من شأنه أنه ترك أكل توت حلب قدر ست عشرة سنة تزهدا لما بلغه من بيع ثمره قبل بدو صلاحها. و صار إذا أرسل إليه مأكل نفيس آثر به الفقراء و أكل يابس الخبز منقوعا بالماء.

و كان يذكر أنه وقف كتبه على بعض أهل العلم إلى أن وعك فأوصى أنه ليس له من حطام الدنيا سوى ما كان بحانوته، و أشهد عليه أنه بري‏ء من الدنيا و حطامها.

و توفي سنة إحدى و ستين (رحمه اللّه) تعالى.

857- محمد بن يوسف‏ (*) القسطنطيني المتوفى سنة 961

محمد بن يوسف الحلبي ثم القسطنطيني الشافعي، إمام عمارة محمود باشا بالقسطنطينية.

توفي بها سنة إحدى و ستين و تسعمائة بعد أن مرض و تحامل نفسه فصلى بالقوم، فلم يشعر بنفسه و هو في الصلاة إلا و هو في الصلاة إلا و هو مستقبل الشمال توهما منه أنها القبلة، فذهب إلى داره و انقطع بها إلى أن مات.

و كان و هو بحلب من تلامذة البدر السيوفي و غيره.

و كان حسن السمت و الملبس، من رآه حكم أنه من أهل العلم. و كان يعظ الناس‏

____________

(*) في «در الجبب»: محمد بن سيف.

22

هناك المواعظ الحسنة حتى حصلت له حظوة تامة عند بعض أركان الدولة. و جمع الكتب النفيسة مما وقف عليه و وهب له، و نال من المال الجم، ما كثر و عم، كل ذلك مع أن أباه كان حمّالا ترّاسا كما قيل:

العلم يرفع بيتا لا عماد له* * * و الجهل يخفض بيت العز و الشرف‏

858- نصر اللّه الخلخالي المتوفى سنة 962

نصر اللّه ابن الشيخ الفقيه محمد العجمي الخلخالي الشافعي، مدرس العصرونية بحلب بعد بلدته، شيخ زاده الخلخالي.

ذكي، فاضل، صالح، سني، متواضع، ساكن، مواظب على الصلاة بالجماعة، حسن التعبير باللسان العربي.

توفي مطعونا سنة اثنتين و ستين و تسعمائة و دفن داخل مشهد الحسين (رحمه اللّه) تعالى.

859- محمد بن محمد البيلوني المتوفى سنة 962

محمد بن محمد بن الحسن الشيخ المقري الحافظ الخير شمس الدين أبو اليسر، البابي الأصل الحلبي الشافعي، إمام الحجازية بالجامع الأموي بحلب، المشهور كأبيه و أخيه بابن البيلوني.

سمع على الكمال بن الناسخ ما سمعه أخوه و أجاز له ما أجاز له، و لازم شيخ القراء المحيوي عبد القادر الحموي، ثم الشيخ شمس الدين الأرمنازي في المحافل العظام.

و لم يزل على صلاح و فلاح و تواضع لابسا ما تيسر له من الأثواب إلى أنصاف ساقيه على نهج والده مقدما على حمل طبق العجين على عاتقه مع جلالته و إمامته إلى أن مات مطعونا سنة اثنتين و ستين و تسعمائة، و رفع سريره في مشهد عظيم، و دفن بجوار والده.

و كانت له عمامة لا تصنع فيها و معرفة بالطب جيدة رحمنا اللّه تعالى و إياه.

23

860- درويش بن يوسف معلم السلطان بحلب المتوفى سنة 962

درويش بن يوسف بن علي الحصكفي الأصل، الحلبي الحجّار معلم السلطان بحلب و ابن معلم السلطان بها، المعروف بابن الشاطر.

خلف والده فيما بين المهندسين، و دخل في العمائر العظام فأنشأ بالقدس الشريف سورا عظيما، و عمر بمملكة آدنة قلاعا شتى، كل ذلك في الدولة العثمانية السليمانية، إلا أنه انقطع في آخر عمره بمنزله لضعف قواه لزوجة جديدة تزوجها، فاستولى عليه حب جماعها إلى أن مات في طاعون سنة اثنتين و ستين.

و كانت له شيبة منورة و على وجهه قبول و له أبهة.

861- محمد بن محمد الكواكبي المتوفى سنة 962

محمد بن محمد بن أحمد بن العالم العامل يحيى بن محمد الكواكبي خرفة و نسبا، الماضي ذكر جده الأعلى.

لبس الخرقة من الشيخ شهاب الدين ابن الشيخ مهنا و أصر على الذكر بزاوية جده بالجلّوم في ليالي الجمع في كثير من الواردين عليه من الصالحين و الطالحين.

و شاع أمره بخروجه في جنائز الطاعون سنة اثنتين و ستين و تسعمائة كثيرا و معه شرذمة يذكرون اللّه.

862- محمد بن قاسم الصابوني المتوفى سنة 962

محمد بن قاسم الشيخ شمس الدين ابن القاضي شرف الدين، البيري الأصل الحلبي المولد، المشهور كأبيه بابن الصابوني، أمين المصبنة البيرية و متولي مسجد النحويين بشرط الواقف كما لأبيه و جده أبي أبيه، فكان من ذرية حياة ابن قيس الحراني رضي اللّه عنه من وقف عليه وقفا و جعل مآل التولية عليه إلى جد الشيخ شمس الدين أبي أبيه ثم من يكون من ذريته، و لنعم المتولي هو عليه، فإنه قد تمرن على أن يصرف عليه فوق ما يتناوله من وقفه عليه من غير رجوع عليه. كما تمرن على موادة أهل المودات و الحمية مرة مع الضعفاء

24

في المهمات و الملمات و الديانة و الصيانة و مزيد الأمانة، حتى صار يرغب في طبخ الصابون عنده كثير من وجوه الناس و يردون على مصبنته فيأخذ معهم في ذكر تواريخ من تقدم و من تأخر ممن أدركه.

توفي سنة اثنتين و ستين و تسعمائة.

863- أحمد بن أبي بكر أحمد سبط العجمي المتوفى سنة 962

أحمد بن أبي بكر أحمد بن أبي محمد أحمد بن أبي الوفا إبراهيم، الشيخ موفق الدين أبوذر بن الشمس بن الموفق بن الحافظ برهان الدين، المحدث الحلبي الشافعي شيخ شيوخ حلب.

ولد بحلب سنة ست و ثمانين و ثمانمائة. و كان يسأل عن مولده فيكثر أن يخفيه و يقول:

أقبل على شأنك، ثم يذكر ما ذكره جده أبو ذر في تاريخه و أنه رواه مسلسلا إلى الإمام البويطي، قال: سألت الشافعي عن سنة قال: أقبل على شأنك، قال: سألت مالك ابن أنس عن سنة قال: أقبل على شأنك، ثم قال: ليس من المروءة أن يخبر الرجل بسنه.

قلت: و لم؟ قال: إن كان صغيرا استحقروه و إن كان كبيرا استهرموه. انتهى ما ذكره جده هناك عند ذكر من توفي سنة سبع و ثمانمائة.

و قرأ بحلب على البرهان اليشبكي ألفية النحو و شرحها لابن عقيل، و على البدر السيوفي بعض ألفية الحديث، و سمع عليه الشفا للقاضي عياض، و سمع على الكمال ابن الناسخ الأطرابلسي المالكي تلميذ جده البرهان صحيح البخاري و أجاز له، و لازم الجلال النصيبي.

ثم أخذ في صنعة الشهادة بمكتب العدول الكائن تجاه باب جامع حلب الأعظم من جهة الشرق، و أكب بقوة ذكائه على مطالعة ما عنده من مؤلفات جديه و غيرها و مراجعتها و إيراد بعض نوادرها في المحافل عند اقتضاء المقام ذلك، لا سيما ما كان من تاريخ جده الحافظ أبي ذر، فإذا صار بحيث لا يمضي محفل هو فيه إلا و قد قال فيه: قال جدي في التاريخ و ربما كرر ذلك تكرارا.

25

و ولي مشيخة الشيوخ بحلب في الدولة الجركسية و لذا اشتهر فيها بشيخ الشيوخ، ثم حصلت له الحظوة عند أكابر الدولة العثمانية بحلب من قضاتها و كثير من كفالها كقراجا باشا و من بعده لما له من الشهامة و الوجاهة و لطف المحاضرة و استحضار تواريخ الناس سوى محافيظه من تاريخ جده. و عني بتربية الناس عند الحكام و مساعدتهم لدى قصد إجراء الأحكام.

و لما توفي عمي الكمال الشافعي كان يكثر من ذكر أنه كان يقول له: بعدي و بعدك لا يبقى بحلب من يعرف تواريخ أهلها كما نعرفها.

و تولى في الدولة العثمانية فوق تدريس الظاهرية تدريس الصاحبية الشدادية ثم الصلاحية.

و كانت له الوجاهة و الحشمة و الأبهة و الشيبة المنورة و الملبس الحسن و الرعاية للأنغام الحسنة في مفتتح مواعيده و مختتمها و العمامة العظمى جدا، يحب النظافة و يميل إلى الجماع جدا مع كبر سنه، و إلى المآكل الطيبة و يكثر اللهجة بذكرها. و لم يزل مدة عمره صحيح الجسد لم يوعك أصلا إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا إلى أن كان طاعون سنة اثنتين و ستين، فاتفق أن صلى الجمعة، فكان من عادته أن يصليها بدار القرآن العشائرية المشرف شباكها على الجامع الأموي بحلب، فسقطت عمامته في الصلاة، ثم طعن ثاني يوم، ثم كانت وفاته مطعونا إلى رحمة اللّه تعالى.

و اتفق له أن دفن له حفيدا مطعونا قبل وفاته بقليل فأخبرني و نحن معه بالقرب من قبره أنه كان يتمنى أن لو عاش قليلا ليأذن له في قراءة الحديث على كرسيه بالجامع الكبير و يجلس هو تحت كرسيه ترغيبا للناس فيه بناء على أنه كان حسن الصوت طري النغمة، فلم يتم له ذلك، و بكى عليه بكاء شديدا إلى أن أخذ في ذكر القبر و هوله، و أنه لم يعدّ له شيئا سوى الإسلام.

و بالجملة فقد كان جمال المجالس (و حظوة المجالس) (*) حتى لم يخل عنه غالب المحافل، إلى أن كان بدر جماله هو الآفل.

____________

(*) ما بين قوسين ساقط في الأصل.

26

864- محمد بن محمد بن نفيس المتوفى سنة 963

محمد بن محمد بن ناصر بن خوجه جمال الدين، العجمي الأصل الحلبي المولد و الدار، سبط القاضي أثير الدين محمد بن الشحنة الحنفي، و يعرف بابن النفيس.

توفي سنة ثلاث و ستين و تسعمائة و دفن بجوار جده داخل الزاوية النفيسية (المستدامية).

و كان رئيسا محتشما، لين العريكة، عارفا باللسان الفارسي، مخصوصا بالدواوين الفارسية النفيسة.

لولا نفاسته و نسبته لمن* * * يدعى نفيسا لم يفز بنفيس‏

و كان والده من أرباب الأقاطيع بحلب، و ولي في الدولة العثمانية نظر القدس الشريف، ثم توفي بطرابلس، و جده خوجه جمال الدين هو الشيخ جمال الدين محمد بن نفيس بن عبد الصمد الشرواني الصوفي الطيفوري البسطامي الذي قدم حلب و عمر بها الزاوية النفيسية و دفن بها بمدفن له خاصة، و بقي تاجه و عكازه بها إلى آخر وقت، و قيل إن عكازه سرق مرة فلم يلبث عند سارقه قليلا إلا و أعاده.

865- فتح اللّه المشهدي المتوفى سنة 963

فتح اللّه بن أحمد المشهور بابن المشهدي، شاهد وقف المؤيدية الكائنة بحلب.

كان أبوه الشيخ شهاب الدين يرمى بالتشيع، و كان قد شارك يهوديا شمّاعا يصنع له الشمع و ينشره بجنينة كانت مشتركة بينهما ظاهر حلب، فعمل فيه القاضي شهاب الدين أحمد بن سراج هجوا بناه على قولهم الرافضي حمار اليهودي فقال:

جنة (*) العبريّ قالت* * * مسّني الدهر بناره‏

حين قد أصبحت ملكا* * * لليهودي و حماره‏

و هذا النمط عليه من الهجو ما قيل في البهائي بن حمزة الحلبي و كان يتهم بالرفض، فقيل‏

____________

(*) في الأصل: جنينة. و بها يختل الوزن.

27

في حقه هذه الأبيات:

قيل البهائيّ له فطنة* * * و ما لهذا القول عندي اعتبار

لأنه لو كان من أهلها* * * ما رفض الحق و قالوا حمار

توفي فتح اللّه إلى رحمة اللّه تعالى سنة ثلاث و ستين و تسعمائة. و كانت له دراية حسنة في كتابة قوائم الأخشاب و خط حلو، إلا أنه اعتنى بأكل الحشيشة الخبيثة و التردد من المقصف إلى حجرته التي بالسفّاحية بعد ترك مخالطة الناس الذين هم الناس سامحه اللّه تعالى.

و مما وجدته بخط ابن السيد منصور من شعر أبيه الشيخ شهاب الدين على سبيل التضمين قوله:

و لما سرى ذا البدر في ليلة غدت* * * بها مهجتي من ريقه و شجونه‏

فما راعني فيها سوى ضوء وجهه* * * كأن الثريا علقت في جبينه‏

866- عبد القادر البكراوي المتوفى سنة 963

عبد القادر بن أحمد الشيخ محيي الدين القصيري بلدا البكراويّ شهرة الشافعي الأعرج.

قطن بحلب شيخا بخانقاه أم الملك الصالح الأيوبي و مدرسا بالفردوس، و درس بالأموي بحلب أيضا.

و كان راسخ القدم في الفقه و حيله الشرعية و مسائله الفرضية مع مدخل في القواعد الأصولية، إلا أنه كان يدخل بين الخصوم بحيل الفقه لينال شيئا على خلاف مراد محبيه.

و كان من شيوخه السيد كمال الدين بن حمزة الدمشقي الشافعي و شيخ حلب البرهان العمادي الشافعي في آخرين.

و كان له حظ من نيابة القضاء ببلده.

توفي و هو يذكر اللّه تعالى ذكرا متواليا سنة ثلاث و ستين و دفن بمقابر الصالحين.

28

867- ست المنى بنت محمد بن الزكي المتوفاة سنة 963

ست المنى بنت محمد بن الزكي المشهور والدها بخليفة و ابن أخيها الشرف قاسم بابن خليفة.

شيخة دينة خيرة معمرة، جاورت بالخانقاه العادلية بحلب أكثر من نصف قرن إلى أن ماتت بها سنة ثلاث و ستين و تسعمائة.

و كان من عادتها أحيانا أن تضع تحت لسانها حصاة لتكون مذكرة لها مانعة من أن تنطق بمالا يسوغ شرعا، و هذا كما كان الصدّيق رضي اللّه عنه يضع في فيه حجرا ليمنع نفسه من الكلام حذرا من الشرة فيه لو تكلم بفيه.

868- عبد الرحيم الآمدي الكوّا المتوفى سنة 963

عبد الرحيم بن عبد الكريم بن شرف الدين الآمدي الحنفي الصوفي الخلوتي الكوّا المشهور بحرفته‏ (*).

توفي بحلب في أوائل سنة ثلاث و ستين عن مائة سنة و سبع عشرة سنة و زيادة. و كان أبوه و جده دفتر داري بآمد في دولة شاه إسماعيل صاحب تبريز.

و كان سبب تصوفه أنه حضر مجلس دده عمر الروشني خليفة السيد يحيى الروشني و بين يديه دده أحمد خليفته، فإذا طائر كاد يطير على رأس الشيخ، فقال له دده أحمد بالفارسية: أتسي‏ء الأدب و تطير على رأس الشيخ عبد الرحيم، فرجع الطائر من ساعته، فقوي اعتقادي في الشيخ و أقلعت عما كنت عليه.

قال: و كان لي كمر حسن مصنوع بالذهب مرصّع بالجواهر، فسرق من دارنا، ثم ظهر بيد سارقه في بغداد، فأحضروه و أرادوا قطع يده، فسعيت في الكف عنه و أخذت كمري فتصدقت فيه للفقراء و انجذبت إلى الشيخ، فلما قتل والدي قدمت حلب، و كان سبب قتله أنه كان بآمد نائب من قبل شاه إسماعيل فعزله فعصى بها و منع المتولي من الدخول، فاحتال أبوه و أدخله فأظهر الطاعة، ثم أضاف كلا من المتولي و أبيه، فلما خرج المتولي‏

____________

(*) في در الحبب: بخرقته.

29

من محل ضيافته أشغل أباه بالكلام إلى أن وقع التمكن من قتله فقتله، فخرج ابنه الشيخ عبد الرحيم و أتى حلب و على رأسه تاج الصوفية و تعاطى صنعة كيّ الأقمشة على باب الجامع الكبير بحلب من جهة الغرب، ثم صار له أتباع و مريدون، و انعقدت له المحافل العظام يوم كل جمعة في شرقية الجامع المذكور باجتماع أتباعه و مريديه بها للذكر و السماع، فإنه كان يميل إلى السماع و الناي و تنويع الذكر على أنحاء مطربة، و كان يحضر حلقته إذ ذاك بعض أرباب الإنشادات الحسنة و لكن من غير ناي، و بقي الأمر بعد توفيه على ما كان فيه. و كان من شأنه أن لا ينام على جنبه و لكن محتبيا. و بلغني أنه نظم مثنويا من قوله:

من حديث قند (*) مصر ميكنم* * * شرح چاه رند مصر ميكنم‏

أز فراق يا رمينا لم بسي* * * أشك چون باران ميبارم يسي‏

و قد عربناه فقلنا:

أنا ناي عن قند مصر حديثي* * * و عن البئر بئر صاحب مصر

من فراق الحبيب أبدي أنيني* * * جاعلا دمع مقلتي الغيث يجري‏

869- محمد بن يحيى الحنبلي التادفي المتوفى سنة 963

محمد بن يحيى بن يوسف قاضي القضاة أبو البركات جلال الدين الربعي التادفي الحلبي الحنبلي أولا الحنفي آخرا، ابن عمي، سبط القاضي شرف الدين يحيى كاتب خزانة المقر الأشرف قايتباي الحمزاوي.

ولد في عاشر ربيع الأول سنة تسع و تسعين و ثمانماية، و ولي نيابة قضاء الحنابلة بحلب عن أبيه و عمره ست عشرة سنة، إلى أن انقضت الدولة الجركسية، و كان توقيعه: (الحمد للّه على اللّه توكلنا). و لم يزل يتولى المناصب السنية فيها و في الدولة العثمانية، فكان مما تولاه قديما عمالة الجامع الكبير بحلب و متوليه إذ ذاك كافلها خير بك و قضاء الباب و أعمالها.

و لما كانت الدولة العثمانية ولي بحماة تولية دار الشفا و الجامع النوري و المدرسة المظفرية، ثم بدمشق نظر الجامع الأموي عن والده، ثم ضم إليه نظر الحرمين الشريفين بها و بسائر أعمالها، و استمرا بيده إلى آخر سنة ثلاثين و تسعمائة.

____________

(*) القند: عصارة قصب السكر.

30

ثم سافر إلى القاهرة فناب بمحكمة الحنابلة بالصالحية النجمية، ثم بباب الشعرية، ثم ولي نظر وقف الأشراف بالقاهرة و هي وظيفة غير وظيفة إمارة الأشراف، ثم استقل بقضاء رشيد، ثم تولى قضاء المنزلة مرتين.

و قدم مرة إلى حلب و معه شرح البخاري للكرماني استنسخه في مجلد واحد لقادري جلبي قاضي العسكر بأناطولي. ثم إنه تولى قضاء حوران من بلاد الشام، ثم عزل عنه سنة تسع و أربعين و تسعمائة، فتوجه إلى حماة و نزل بمنزل بني أخيه أولاد الشيخ محيي الدين عبد القادر بن الشيخ شمس الدين محمد الحموي الشافعي أحد من بها من درجة الشيخ الرباني و الفرد الصمداني سيدي عبد القادر الكيلاني رضي اللّه عنه، و ألف هناك كتابا في مناقبه سماه «قلائد الجواهر في مناقب الشيخ عبد القادر» رضي اللّه عنه (مطبوع في مصر) و ضمنه أخبار رجال أثنوا على الشيخ المشار إليه و شرذمة ممن له انتساب إليه من القاطنين بحماة و غيرهم، و جمع من «الروض الزاهر» و غيره ما لا يخفى.

و في سنة خمسين و تسعماية قرأ قطعة من البخاري على الشيخ المعمّر الفاضل الشيخ أحمد بن السراج عمر البارزي الجهني الشافعي و أجاز له و كتب له بالإجازة كتابة حسنة.

و كان له قبل ذلك اشتغال على الشمس السفيري و الشمس ابن الدهن المقري بحلب و الشهاب ابن النجار الحنبلي بالقاهرة، قرأ بها عليه في كتاب «التنقيح» للمرادي الحنبلي، و كذا أخذ بها عن الشمس أبي البقا البساتيني الشافعي شيئا من القراءات. و نظم و نثر و طالما بذل للشعر الجوائز الجسيمة، و تهللت لدى وفودهم عليه طلعته الحسنة الوسيمة، لما استولى عليه من حب الجود و بذل الموجود.

توفي بحلب في أوائل شعبان سنة ثلاث و ستين و تسعماية و دفن بتربة جدنا و لم يعقب ذكرا ا ه.

870- إبراهيم بن خضر باني القرمانية المتوفى سنة 964

إبراهيم بن خضر، باني القرمانية اللارندي، نزيل حلب و أحد أعيان التجار

حرص على جمع الأموال من حرام و حلال، و طال فغني و أثرى و حظي بوساطتها بالقضاة و الأمراء و صار يملك منها ما ينوف على مائة ألف دينار سلطاني بعد أن كان بغّالا

31

يقتني لمن يكتري بغالا، و ملك عدة من المماليك اختلس واحد منهم شيئا من ماله فسعى في قتله و صلبه مخنوقا تجاه خان خير بك على باب سوق الدهشة لكون الاختلاس كان من مخزنه بهذا الخان الذي كان ديدنه الجلوس للتجارة و المعاملة، ثم ملك آخر كاتبا حاسبا حسن الصورة فسلم إليه مقاليده و ألبسه الملبس الحسن، و مع هذا كان يستخدمه في سوق الماء إلى بحرة بيته و نقض الكيزان و وضع السرقين بها في أمكنة بعيدة عن بيته بحيث كان ينزع ملبسه الحسن و يبدله بغيره مع غنيته عن خدمته بمن هو أدنى منه في خدمته، إلى أن اختلس شيئا من ماله و وضعه عند صاحب له، فتفطن له فسعى في قتله عند باشا حلب، فأبى و طلب منه أن يبيعه إياه، فصمم على قتله و العياذ باللّه تعالى من حرص يؤدي إلى قتل النفس التي حرمها اللّه تعالى، فأمر بأن يربط في ذنب فرس و يجر بشوارع حلب إلى أن يموت، ففعل به ما أراد حتى عيب عليه ذلك. ثم صمم على حبس صاحبه مدة قيل ليسعى في قتله أيضا ظلما، فوردت إلى حلب إحدى الخواتين ذوات الجاه من قبل الباب العالي للحج، فبرز أمرها بإطلاقه فأطلق رغم أنفه، ثم لم تمض أشهر إلا و توفي، و ذلك أنه كان قد استولى عليه النقرس و وجع المفاصل مرة فمرة إلى أن أشرف على الموت كرة فكرة. فأنشأ داخل باب الفرج عمارة تشتمل على جامع و مكتب للأيتام و مدفن له، ثم لم تقم بجامعه هذا الجمعة مرارا معدودة إلا و قيل له بعد إخفاء منه أنه قد ظهر فيه نوع انشقاق، فلم يعبأ به فما مضت برهة من الأيام إلا و اتفق فيه الاتفاق الغريب و ذلك أنه انشقت القبلية شرقا و غربا فوقا و تحتا حتى بان نور الشمس، و انشقت عتبة بابها أسوة ما حاذاها من التبليط المنشق مع إحكام بنائها و عرفان مهندسها و بنّائها، و مالت إلى بعض الدور المجاورة بها فارتحل من بها وفر الناس عن إقامة الجمعة بها، فبلغه الخبر فغاظه، فما مضت ثلاثة أيام إلا و أصابه فالج مات به سريعا عاجلا في رمضان سنة أربع و ستين، و صار أمره أحدوثة بين الناس عفا اللّه عنا و عنه ا ه.

الكلام على جامعه:

لا زال معروفا بجامع القرمانية، و قد خربت دائرة الأوقاف قبليته و حجرة بجانبها من جهة الجنوب كانت مكتبا للأيتام و اتخذت مكانهما ثلاثة مخازن واسعة مرتفعة السقف أوجر كل واحد منها بأزيد من خمسين ليرة عثمانية ذهبا، و عمرت القبلية فوق هذه المخازن‏

32

يصعد إليها بدرج عريض من صحن الجامع طوها 56 قدما و عرضها 36 ما عدا الجدران، و جعلت لها أربعة عشر شباكا مستطيلة مقنطرة على الطراز الأندلسي فجاءت غاية في الحسن، و عملت لها منبرا خشبيا مزخرفا جدا و اتخذت سقفها من القضبان الحديدية.

و لارتفاع هذا المكان فإن الناظر من شبابيكه الغربية يرى جبل الجوشن و قرية الأنصاري فيقع نظره على منظر حسن، و قد كان ذلك سنة 1342 بهمة مدير الأوقاف السيد يحيى الكيالي و قد نقش اسمه فوق المخازن و فوق باب القبلية.

و في صحن الجامع عدة قبور معظمها لبني العلبي العائلة المشهورة، و قد كانت ذات ثروة واسعة سيأتي ذكر البعض منها في القرن الآتي إن شاء اللّه تعالى، و بعض هذه القبور درس حين العمارة، و قد كانت أمام الحجرة التي قدمنا ذكرها غربي القبور الباقية.

و حين تخريب هذه الحجرة وجد تحتها مغارة وجد فيها نقود قديمة رومانية ذهبية و فضية حازتها شركة الإنشاءات الإفرنسية التي التزمت عمارة هذا المكان من دائرة الأوقاف.

و في الجهة الشرقية حجرتان مشرفتان على الخراب حبذا لو عمرتهما دائرة الأوقاف مكتبا ابتدائيا للأيتام عوضا عن المكتب المتقدم الذكر.

و في الجهة الشمالية في جدار الجامع منارة قديمة صغيرة لكن ليس فيها من الزخرفة ما يستحق الذكر.

و للجامع ثمانية دكاكين و حمّام و هذه المخازن الثلاثة المتجددة و هي تحت يد دائرة الأوقاف.

871- الشهاب أحمد بن الحسين البيري المتوفى سنة 964

أحمد بن الحسين بن الحسن بن عمر، الشيخ شهاب الدين، البيري الأصل الحلبي الشافعي الصوفي أسوة والده.

لقنه الذكر في أذنه و هو صغير سنة ست الشيخ علاء الدين علي الأنطاكي الخلوتي الروشني الخرقة، و ألبسه الخرقة و التاج الأدهميين مرة شيخ صالح يعرف بالشيخ عبد اللّه الأدهمي كما أخبرني بذلك كله.

33

ثم لم يزل بالألجيهية متوليا عليها في حجرة له يجلس في بابها على كرسي صغير و هو في القبقاب أكثر من نصف قرن لما استولى عليه من الوسواس في أمر الطهارة، حتى كان إذا أدخل المفتاح في قفل بابها و فتح غسل يديه، و ربما لم يصل وراء الإمام خشية أن يكون في طهارته شي‏ء، و يأتي إليه بعض الناس فيحاضرهم و هم على باب حجرته و هو بتلك الحالة.

و كان لا يلبس حسن الملبس و إنما كانت له جوخة بيضاء لا يغيرها و إن تغيرت و خرقة بيضاء يضعها تحت عمامته و يعطفها عليها.

و كان له تردد إلى بعض الأمراء و الوزراء و لهم فيه اعتقاد و له منهم تناول.

و لما توفي سنة أربع و ستين ظهر في حجرته كيس سمح له بعض الوزراء فكتب عليه اسمه. و خلف قريبا من ثلثمائة مجلد لم يظهر منها لتداول الأيدي عليها إلا بعضها، و زاحم في تركته إذ لا ولد له قبل ظهور ذي رحم كان له أمين بيت المال، فأخرجه من حجرته للختم عليها، و اتهم تاجه بأن فيه مالا ففتق، على ظن أنه أودع شيئا (فيه ثم رتق، و مزّق كل ممزّق،) (*) فلم يبد فيه دينار (فضلا عن محلّق، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم) (*) ا ه.

و ترجمه الغزي في الكواكب السائرة فقال: هو أحمد بن الحسين بن حسن بن عمر، الشيخ العلامة شهاب الدين ابن الشيخ العارف باللّه تعالى بدر الدين البيري الأصل، الحلبي الشافعي الصوفي. مولده سنة سبع و تسعين و ثمانماية.

و بعد أن ذكر بعض ما تقدم ناقلا له عن الرضي الحنبلي قال: و قد قصر الحنبلي في ترجمته كثيرا، و كان يقصر من مقامه. و قد ذكر شيخ الإسلام الوالد صاحب الترجمة في فهرست تلامذته و أثنى عليه كثيرا و ذكر أنه اجتمع به في رحلته من حلب إلى دمشق و قرأ عليه مدة.

و بعد أن ذكر ما قرأه عليه قال: و كتب له الشيخ الوالد إجازة حافلة بما قرأه و بالإذن بالإفتاء و التدريس. و لما مر شيخ الإسلام بحلب في رحلته إلى الروم سنة ست و ثلاثين‏

____________

(*) ما بين قوسين ساقط في الأصل.

34

أنزله المذكور بزاوية والده و أخلى له أمكنة متعددة و قام في حقه أحسن القيام. و أثنى عليه الشيخ الوالد في الرحلة كثيرا و نظم فيه مقطوعا لطيفا أورده في إجازته فقال:

فهو الشهاب شبيه البدر في شرف* * * و في علاه و تكميل و تنوير

و البحر فضلا و إفضالا فيا عجبا* * * للبحر كيف انتمى حقا إلى البير

872- خليل بن أحمد الصيرفي المتوفى سنة 964

خليل بن علي بن إبراهيم الصيرفي الأنطاكي ثم الحلبي الحنفي.

قدم حلب كما أخبرني سنة ست، ثم تعاطى صنعة الصرف و اشتهر بها جدا بحسن نقد الدرهم و الدينار، ثم ترك و تفقه على ابن فخر النساء، و أخذ القراءات عن ابن القيما و أشغل غيره فيها بحسب مقامه، و تولى خطابة جامع الصروي.

و أكثر المكث بداره على وجه سلم الناس من لسانه و يده إلا في تهاني أحبابه و تعازيهم و عيادة المرضى. و من هزلياته مع أنه أنطاكي أن جواب المصري على رأس لسانه و جواب الحلبي في بيته و جواب الأنطاكي فيه مهلة إلى ثلاثة أيام.

توفي الشيخ خليل في رمضان سنة أربع و ستين و رفع سريره.

873- محمد بن يوسف العادلي العباسي المتوفى 964

محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الشريف ناصر الدين العباسي الصابوني الحلبي الباحسيتي، المشهور بالسيد العادلي لصحبته الأمير يونس العادلي (المتقدم ذكره المتوفى سنة 936) و قد وقفت على نسب لجده هذا فإذا هو عبد الرحمن بن عيسى بن أحمد ابن محمد بن عبد القادر بن أحمد بن أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور الملقب بالمستنصر باللّه العباسي المتوفى سنة ستمائة و أربعين للمستقر بعده في الخلافة ولده المستعصم باللّه آخر الخلفاء العباسيين ببغداد.

توفي المترجم سنة أربع و ستين و تسعمائة.

35

874- هاشم السروجي الطبيب المتوفى سنة 964

هاشم بن السيد ناصر الدين السروجي الحلبي الحسيني، رئيس الطب بالبيمارستان النوري.

توفي سنة أربع و ستين و تسعمائة.

و كان حسن المعالجة كثير الرعاية للضعفاء من الفقراء منقادا إلى من يطلبه، و كان ممتازا بالكحالة.

875- يحيى بن يوسف الحمزاوي المتوفى سنة 964

يحيى بن يوسف بن قرقماس الجركسي الأصل الحلبي الحنفي، المشهور بابن الحمزاوي المتقدم ذكر والده.

نشأ في حلب في ديانة و صيانة لا كما يفعله كثير من أبناء الأمراء، و تفقه على الشمس ابن بلال، و لم يزل يعينه ببذل الكتب و المال و يسعى له في المناصب بسفارة أخيه الأمير جانم لمزيد اتصاله بخير بك كافل حلب.

و ألم بالميقات و التقويم كأبيه و حظي من الكتب بنفائسها.

و لما هدم ركن الدولة الجركسية هاجر إلى مكة المشرفة فحج و جاور بها سنين مكرما فيها للعلماء و الفقراء ثم استوطن القسطنطينية بعد قتل أخيه الأمير جانم و وفاة أخيه الأمير إبراهيم بها سنين. ثم استوطن القاهرة إلى أن توفي بها سنة أربع و ستين و تسعمائة عن ثلاث و ثمانين سنة، و وقف بها وقفا جليلا، و شرط في كتاب وقفه أن يكون لمجاوري جامع الأزهر في صبيحة كل يوم مائة و ثمانون رغيفا سوى خمسمائة رغيف رتبها أخوه الأمير جانم في عشية كل يوم‏

ثم لما رأى من نفسه مزيد الضعف في جسده تهيأ لما ينفعه بعد موته و فوته فأعتق عدة جيدة من عبيده البيض و السود، و كذا من الجواري.

و كان له سكينة و وقار و مأثور آثار، و ناهيك بها من آثار مما يتبعها شكره سوى ما مر ذكره ا ه.

36

876- محمد بن الأميري أغامن المتوفى سنة 964

محمد بن الأميري العلائي‏ (*) علي الحلبي المشهور بأغامن (أو أغامز).

توفي بدمشق سنة أربع و ستين و تسعمائة فقيرا بعد أن كان أميرا.

و كانت داره كأبيه بزقاق ابن الحراني بحلب، ثم آلت إلى الزيني منصور الشهير بابن حطب، و هي الدار التي اشتملت على القاعة التي اشتهرت بالقصر المطرّف في قديم الزمان ا ه.

الكلام على درب الحرانيين:

قال أبوذر: هو الدرب الآخذ من درب اليهود إلى ناحية سويقة علي، و بأوله مسجد و بقربه مسجد آخر يعرف بالشيخ محمد الحراني. و قد قرأت فيه الحديث على عبد الواحد الحراني. و في وسطه حوض ماء و برأسه في القطيعة حوض آخر، و في الدرب الآخذ إلى قصبة باب النصر مسجد قديم له منارة ا ه.

877- ناصر الدين المصابني المتوفى 964

ناصر الدين بن زين الدين بن محمود الحلبي المصابني، معلم المصابن ابن معلم المصابن ابن معلم المصابن، المعروف بابن زين الدين.

كان يداوم على صيام الخميس و الإثنين، ثم صار يصوم الدهر نحو أربعين سنة مع مواظبته على تلاوة القرآن العظيم و سماع بعض المواعيد، ثم انقطع بداره على طاعته إلى أن توفي سنة أربع و ستين و تسعمائة عن سن عالية كأبيه وجده، فإنه بلغ مائة سنة و سبع سنين كما بلغ أبوه مائة سنة و ست عشرة سنة، و جده مائة سنة و نيّفا و عشرين سنة، و هو من بديع الاتفاق (رحمه اللّه).

____________

(*) في در الحبب: العلوي.

37

878- عبيد اللّه بن محمد قاضي حلب المتوفى بعد سنة 964

عبيد اللّه بن محمد بن يعقوب قاضي القضاة جمال الدين الرومي الحنفي، سبط الوزير أحمد باشا ابن الفناري.

ولي قضاء حلب سنة تسع و عشرين، و في سنة إحدى و ثلاثين في ذي الحجة منها عقيب صلاة عيد الأضحى بالجامع الكبير أمر أن يتقدم الإمام الحنفي فيصلي بالمحراب الكبير الملاصق للمنبر قبل الشافعي و يصلي الشافعي به من بعده، فبقي هذا إلى عامنا الذي نحن الآن في آخره عام أربع و ستين بعد أن عهدنا المحراب الكبير مختصا بالشافعية و الذي عن يمينه و هو الغربي مختصا بالحنفية على وفق ما نقله الزين الشماع في «عيون الأخبار» من تاريخ أبي ذر من أن المحراب الكبير كان مختصا بالأئمة الشافعية و الذي عن يمينه بالحنفية، و المحراب الأصفر الذي عن شماله بالحنابلة، و محراب الغربية كان مختصا بالمالكية.

و كان له مدة إقامته بحلب شغف تام بجمع الكتب سمينها و غثها جديدها ورثها، حتى جمع منه بالجاه ببدل و بدونه ما يناهز تسعة آلاف مجلد، و جعل فهرستها مجلدا مستقلا يذكر فيه الكتاب و من ألفه. و لم يعرف مؤلفي عدة من الكتب فكتب أسماءها و فرقها على علماء حلب ليعرفوه بمؤلفيها. و أحضر مجلدي حلب إلى داره لتجديد جلود و ترميم أخرى. و فتحت له كنوز الكتب حتى أوعى منها ما أوعى.

و كان مع أصالته فاضلا لا سيما في علم القراءة، عارفا باللسان العربي و العبراني، سخيا معطاء، يسامح في كثير من رسوم المحكمة، معتقدا في الصوفية، كثير التردد إلى مجلس الشيخ القدوة علي الكيزواني و التقبيل ليديه من غير حائل‏ (*)، لا يتغالى في ملبسه و لكن في ملبس خدمه، و يميل إلى الرفاهية في مأكله و مشربه، و إلى العمائر و تحسينها بالنقوش، حتى أنشأ بمنزله حمّاما لطيفا و سألني في ثمانية أبيات يكتبها على دورها الأعلى، و كان إنشاؤها سنة ثلاث و ثلاثين و تسعمائة فقلت:

السعد وافى لمولى من موالينا* * * مذ أبدعت هذه الحمّام تكوينا

رغما على أنف قاليه و حاسده* * * تبّت يداه فقل باللّه آمينا

____________

(*) في الأصل: حامل.

38

أحسن بها بقعة ماء الحياة بها* * * و هي النعيم لمن قد حلها حينا

كأنما سفلها قد صيغ من ذهب* * * و العلو من ورق قد زيد تحسينا

و ما بها من مياه فهي طاهرة* * * كأصل منشئها الزاكي و هل شينا

دام التمتع للمنشي بها أبدا* * * ما عمر السعد ربعا للمحبينا

فهو الجدير بأن يحيا لذاك و هل* * * تدري من المنشى‏ء (*) المذكور

تعيينا

قاضي القضاة عبيد اللّه أنشأها* * * في عام ألف سوى سبع و ستينا

فوقعت هذه الأبيات عنده الموقع الحسن للتورية الحسنة في قولنا تكوينا مع ما في قولنا:

كأصل منشئها الزاكي من التلميح إلى ما كان قصه لنا من أن لأبيه أو قال لجد من أجداده نسبة إلى العمرين رضي اللّه عنهما أبا و أما، و أنه كان له مهر فيه فلان العمريني و سماه، ثم أخرج لنا المهر و مهر به في كاغد حتى ظهر لنا ما كتب فيه.

و كان على سعة مصارفه و كثرة عوارفه مع تعلقه بالكيميا مع الشيخ الكيزواني و غيره ذا دين فاحش، لكنه لا يبالي بفحشه و لا يعده شيئا بل و لا شيئا مذكورا.

و كان إذا ذم أحدا من المتولين للأوقاف يقول: من تعاطى الأوقاف فقد تحمل أحدا أوقاف.

879- إبراهيم بن الناصري محمد المعروف بابن حطط المتوفى سنة 965

إبراهيم بن الناصري محمد، من الأمراء العشرات بحلب الصارمي إبراهيم كافل البلاد البهسناوية، ابن المقر الأشرف نائب القلعة المنصورة الحلبية، حطط الدقماقي الحلبي المشهور بابن حطط.

توفي بأنطاكية سنة خمس و ستين، و نقل إلى حلب و دفن بمقابر الصالحين بوصية منه.

و كانت له خيرية و رعاية لأصحابه قولا و فعلا، و شفقة على مديونيه الفقراء و إبراء كثير منهم عما له في دمتهم، و عدم تصنع في مشيته و لا تكبر في سكونه و حركته.

و كان جده حطط أولا من الأمراء العشرات بحلب، ثم نائب القلعة الحلبية، و كان‏

____________

(*) في الأصل: المسوء.

39

عتيقا للمقر الأشرف الكافلي أبي النصر دقماق بن عبد اللّه المحمدي كافل المملكة الحلبية المدفون بتربته المشهورة بالدقماقية.

880- أحمد بن الأمير يونس بن صاروخان المتوفى سنة 965

أحمد بن الأمير يونس ابن الأمير صارم ابن الأمير الكبير علاء الدين علي الحلبي، المشهور كسلفه بابن صاروخان.

كان حاجبا ثالثا بحلب في آخر الدولة الجركسية كما كان أبوه حاجبا ثالثا من قبله.

و كان أميرا هينا لينا سليم الصدر، خرج عن سمت الإمارة بعد انفصام عقد تلك الدولة ولف على رأسه الميزر و أكب على الخمس في أوقاتها، و الناس سالمون من لسانه و يده، إلى أن توفاه اللّه تعالى معمرا سنة خمس و ستين.

و كان جده الأعلى أمير حاج بحلب كالأمير جمال الدين يوسف الحمزاوي.

881- عبد الكريم القلعي المتوفى سنة 965

عبد الكريم بن محمد بن محمد بن محمد بن خالد الخالدي المخزومي الحلبي القلعي الحنفي، إمام الحنفية بالجامع الأموي بحلب.

كان في الدولة الجركسية من سكان القلعة الحلبية أبا عن جد و من أرباب الأقاطيع بها كذلك و من أمراء العشروات بها و من ذوي الثروة و المال مع ما له من الحسب بواسطة ماله من النسب إلى خالد بن الوليد رضي اللّه عنه حسبما ذكره هو لي، قال: و لكني الآن لا أستحضر من بين خالد و خالد رضي اللّه عنه من الأجداد.

و لما صارت القلعة بالأمان إلى السلطان سليم بن عثمان أقر أهلها على المكث بها، ثم آل الأمر إلى أن ساقهم إلا من ندر منهم إلى القسطنطينية، فكان الشيخ عبد الكريم ممن سيق إليها.

ثم عاد بعد مدة إلى حلب و ربّى لرأسه شعرا و جعل عمامته مئزرا و انسلخ عن طور أهل الدنيا و أخذ له حجرة بالجامع الأموي بحلب، فتوفي الشرف يحيى بن أقجا إمام الحنفية

40

به سنة ثمان و ثلاثين، فأعطي وظيفته فباشرها مباشرة لم ينقطع فيها أصلا إلا لمانع شرعي، و لازم حجرته.

ثم تزوج فلازم منزله إلا في وقت الصلاة، و اعتقده كثير من أمراء الطائفة الرومية حتى صارت الفتوحات تنقل إليه.

ثم لما كان طاعون سنة اثنتين و ستين مات له عدة بنين فحزن عليهم الحزن الشديد و صار يتشكى من فقدهم المديد، و كذا من قولنج صار يعتريه و ضعف قوة قد ألم به بعد ما كان عنده في زمن شبابه من القوة على لعب الرمح و الدبوس و جرّقوس كانت له وزنها ستون رطلا و استعمال الملاعيب الشاقة عن إدمانات سابقة.

و كانت عنده بقية من القوة منذ صار إماما بالجامع المذكور، فاتفق له أن كان بسطحه عملة أرادوا منذرته، فطلبوا قوس المنذرة، فأحضر إلى صحن الجامع المذكور ليرفع إليهم من طريق السطح، فأخذه بيده و حذفه إليهم فلم يشعروا به إلا و هو عندهم.

ثم كانت وفاته سنة خمس و ستين بحلب عن أزيد من ثمانين سنة (رحمه اللّه) تعالى.

882- علي بن يوسف كاتب الحرمين المتوفى سنة 965

علي بن يوسف بن مراد الرومي الوديني الحنفي الصوفي الخلوتي، المعروف بملا علي، كاتب الحرمين.

ولد كما أخبرني بودين، بكسر الواو و المهملة، من بلاد روم إيلي سنة اثنتين و تسعين و ثمانمائة، و كان يعرف فيها بابن مراد لكونه من طائفة بها يعرفون ببني مراد، و فيها تسلك و لبس الخرقة و دخل الخلوة على أبيه و صار له ذوق لكلام القوم كالمثنوي الذي لمولانا جلال الدين البلخي ثم الرومي و غيره، و سلسلته في الطريق كما ذكر لي تنتهي إلى خوجه علي أخي خوجه عمر الروشني.

ثم قدم حلب سنة تسع عشرة فحج و دخل القدس و القاهرة و دمشق و تولى بها على البيمارستان النوري. ثم مكث بحلب و صار كاتب الحرمين الشريفين بها من سنة تسع و عشرين و ناظرهما البدر النصيبي و من قبله و بعده. و رسخ في وظيفته هذه دهرا مطولا.

41

و لما كان المقام الشريف السليماني بحلب سنة إحدى و ستين عزم على تركها فأبرم عليها بعض أركان الدولة في أن لا يتركها لرضى أهل الحرمين الشريفين به في مثل هذه المدة المديدة، فبقيت في يده إلى أن مات في ربيع الأول سنة خمس و ستين.

883- محمد بن سويدان العبيي المتوفى سنة 965

محمد بن محمد بن سويدان الحلبي العبيي لبيعه العبي.

شيخ معمر منور صالح همداني الخرقة، أدرك السيد عبيد اللّه التستري الهمداني و تلقن منه الذكر و ذكر معه في حلقته كوالده.

قال: و كان الشيخ لا يزال بين يديه ثلاث عصي متساوية في الطول يذكر بهن من أساء الأدب في حلقة الذكر من الذاكرين بالتفات أو كلام. قال: و كانت هيبته فوق هيبة السلاطين. قال: حتى إن والدي حكى للشيخ أن شخصا أضاف الشيخ الكواكبي في بستان له فلو أضفناك في كرم لنا، فأجابه: إن ذلك ليس من طريقتي، و لكن أرسل إليك خلفائي، قال: فأرسلهم فأضافهم والدي في كرمه و حملني شيئا من أحسن العنب، فجئت به إلى الشيخ فصعدت إلى مكان كان فيه، فإذا هو في رأس السلم، فاستولت عليّ هيبته فسقط وعاء العنب من يدي، فأخذ يسكتني قائلا: يا درويش محمد! يا درويش محمد! يا درويش محمد! هكذا ثلاث مرات.

قال: و مرة دخل تحت عهده رجل يقال له الشيخ إبراهيم بن فستق من أهل حلب، فخرجنا معه إلى جبل الجوشن بالقرب من العمارة المشهورة بالمعز بن صالح و قد خربت في الدولة العثمانية و استعين بأحجارها في عمارة وقعت بقلعة حلب، قال: فأفلتت لنا بغلة حرون، فعجزنا عن إمساكها إلى أن غابت عنا فقال لنا الشيخ إبراهيم و هو حديث عهد بدخوله تحت العهد ليمتحن شيخنا في شأنها، فأجبناه بالسمع و الطاعة، فقال: خذوا معنا في الذكر، فذكرنا ساعة و إذا هي واقفة و راءنا غير مضطربة إلى أن قيدناها.

توفي الشيخ محمد بعد أن آخانا سنة خمس و ستين و تسعمائة (و سنه نحو قرن) (*) (رحمه اللّه) تعالى.

____________

(*) ما بين قوسين في الأصل: بحوقون، و فيه نقص و تصحيف.

42

884- محمد بن محمد الدباغ المتوفى سنة 966

محمد بن محمد السيد الشريف الحسيني (السني) (*)، الصوفي الخرقة الدباغ، أحد مريدي الشيخ محمد المنيّر بسوق باب النصر.

بلغ من العمر ما يزيد على ماية و عشرين سنة فيما ذكر لي. قال: و ممن أدركته السيد علي الهزازي و معاصره الشيخ شمس الدين الشماع الأيوبي. قال: و أنا الآن أذكر إذ أراق مرة أوعية خمرة كانت لبعض مماليك قانصوه اليحياوي كافل حلب فلم يجسروا على أذاه.

قال: و كان أستاذهم يجلس بين يديه زائرا.

و لقد زرت و للّه الحمد و المنة صاحب الترجمة فإذا هو مع علو سنه يتعاطى صنعة طمعا منه كما قال في الإنفاق على نفسه من كسب يده مع غنى أولاده، فسبحان من أعطاه القوة مع علو سنه.

و كانت وفاته سنة ست و ستين و تسعمائة.

885- محمد بن كلجا الكلزي المتوفى سنة 966

محمد بن محمد بن علي بن محمد الحلبي الكلزي الحنفي، الكواكبي الخرقة، المشهور بابن كلجا.

شيخ عابد، ولد بحلب سنة أربع و ثمانين و ثمانمائة، ثم استقر والده كيخيا بكلّز فكان معه، و مات والده فبقي هو بها على نهج حسن إلى أن أنشأ بها زاوية، ثم اتخذ الزاوية جامعا بإذن السلطان سليمان.

ثم اتهم بأن خرقته أردبيلية لأن شيخه الكواكبي كان أردبيليا، و هذه خرقة شاه إسماعيل الشيعي صاحب تبريز عدو والد صاحب السلطنة خلد اللّه ملكه، فخرج حكم شريف بأن لا يسكن بكلّز خشية أن يكون خارجيا بل بحلب، فسكنها مدة، ثم سكت عنه فعاد إلى وطنه من ضيق عطنه، و بها توفي سنة ست و ستين و تسعمائة.

____________

(*) ما بين قوسين ساقط في الأصل.

43

886- فاطمة بنت قريمزان المتوفاة سنة 966

فاطمة بنت عبد القادر بن محمد بن عثمان، الشيخة الصالحة العالمة العاملة الحلبية الحنفية الشهيرة ببنت قريمزان، شيخة الخانقتين العادلية و الزجاجية معا.

انتهت إليها رياسة أهل زمانها بحلب لما لها من الخط الجليل و النسخ الكثير لكتب كثيرة، و العبارة الفصيحة و المثابرة على النصيحة، و التعفف و التقشف.

ولدت كما رأيت بخط عمها الشهاب أحمد رابع المحرم سنة ثمان و سبعين و ثمانمائة، ثم كانت زوجة الشيخ الفاضل كمال الدين محمد بن جمال الدين بن قل درويش الأردبيلي الشافعي نزيل حلب بالمدرسة الرواحية بحلب الذي قيل إن جده هذا أول من شرح «المفتاح».

قالت: و عن زوجي هذا أخذت العلم، و هو الذي كان يقول: قد ملكني ربي ستة و ثلاثين علما أقرؤها عن ظهر قلبي.

و كانت وفاتها سنة ست و ستين و تسعمائة عن تشنج حصل لها منعها من الصلاة إلا بالإيماء، فلم تزل تصلي به إلى الوفاة، و دفنت بالعبّارة بعد أن أوصت أن تكون سجادتها معها في القبر موضوعة عليها.

و كان ممن يحترمها مفتي حلب المشهور بإبراهيم دده الآتي ذكره قريبا، حتى كان هو الساعي لها في مشيخة الخانقاه الزجاجية.

و قد ظفرت و للّه الحمد بشهود جنازتها و حملها فيمن حمل، رحمنا اللّه تعالى و إياها.

887- حمد اللّه الهروي الخلخالي المتوفى سنة 967

حمد اللّه بن أحمد بن نعمة اللّه الهروي الأصل الخلخالي الأنصاري الشافعي، نزيل حلب، المشهور بشيخ زاده.

ولي بها تدريس العصرونية. ثم لما كان المقام الشريف السليماني السلطاني بحلب سنة ست و خمسين و تولى السيد البدر زين العباد أستاذ حيدر باشا الوزير الرابع تدريسا بالقسطنطينية صار هو أستاذه، فصحبه إلى الباب العالي و أثرى بسببه، و نال من مملحة حلب عشرين درهما عثمانيا، إلى أن عزل من الوزارة، ففارقه و عاد إلى حلب و بيده كمية

44

زائدة من الدنيا، فاستولى عليه من خالطه فحمله على استعمال الكيفية، فذهبت بهذه الكيفية تلك الكمية فلا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، نسأل اللّه تعالى حسن الخاتمة.

و قد بلغني أن أباه كان من مشايخ الإسلام، و أنه من بيت علم و رياسة.

و أخبرني هو و كتب لي بخطه اللطيف أنه ابن جمال الدين أحمد بن نعمة اللّه بن جنيد ابن جمال الدين محمد بن أحمد بن مسعود بن عبد اللّه بن جابر بن منصور بن محمود بن جابر ابن عبد اللّه الأنصاري المشتهر بشيخ الإسلام الهروي‏ (1) صاحب كتاب «منازل السائرين إلى الحق (المبين) (*)» و غيره من التأليفات، و ناهيك بجده هذا علما و عملا و سلوكا.

و لا عبرة بما وقع من القدح فيه، فقد ذكر ابن إمام الجوزية في كتابه «مدارج السالكين» أن الشيخ كان شديد الإثبات للأسماء و الصفات، مضادا للجهمية النافين للصفات من كل وجه، مستوعبا لأحاديث الصفات و آثارها في كتاب له هو كتاب «الفاروق» الذي لم يسبق إلى مثله، و أن الجهمية سعوا بقتله إلى السلطان مرارا عديدة و اللّه تعالى يعصمه منهم، و أنهم رموه بالتشبيه و التجسيم على عادة بهت المعتزلة لأهل السنة، إلى أن قال: و لكن طريقته في السلوك مضادة لطريقته في الأسماء و الصفات، فإنه لا يقدّم على الفناء شيئا، و استولى عليه ذوق الفناء و شهود الجمع و عظم موقفه عنده، فتضمن ذلك تعطيلا من العبودية وزان تعطيل الجهمية. قال: و لما اجتمع التعطيلان فيمن اجتمعا له تولد منهما القول بوحدة الوجود المتضمنة لإنكار الصانع و صفاته و عبوديته، ثم أفاد أن اللّه عصم الشيخ فأشرف من عقبة الفناء على وادي الاتحاد فلم يسلكه.

و تولى شرح كتاب «منازل السائرين إلى الحق المبين» أشدهم في الاتحاد طريقة و أعظمهم فيه مبالغة و عنادا لأهل الفرق العفيف التلمساني، و نزّل الجمع الذي يشير إليه الشيخ على جمع الوجود و هو لم يرد به حيث ذكره إلا جمع الشهود. انتهى كلام ابن قيم الجوزية.

توفي صاحب الترجمة بحلب بعد أن تغيرت سحنته و مسخت صورته بما كان يتناوله من المعاجين و الكيفيات سنة سبع و ستين و تسعمائة، عفا اللّه عنا و عنه.

____________

(1) الذي في كشف الظنون أن منازل السائرين لعبد اللّه بن محمد بن إسماعيل الأنصاري الهروي الحنبلي الصوفي المتوفى سنة 481، فلم ينطبق على ما ذكر هنا، ففي انتساب المترجم لشيخ الإسلام الهروي شك و اللّه أعلم.

(*) ما بين قوسين ساقط في الأصل.

45

888- عبد الوهاب العرضي المتوفى سنة 967

عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمود بن علي بن محمد بن محمد بن الحسين الشيخ تاج الدين، العرضي الأصل، الحلبي الشافعي، شقيق أقضى القضاة شمس الدين محمد الماضي ذكره.

تفقه على شيخنا البرهان العمادي و غيره. و في سنة ثمان و عشرين سمع من شيخنا الزين عمر الشماع جميع ثلاثيات البخاري و قرأ عليه جميع جزء أبي الجهم العلاء بن موسى بن عطية الباهلي و أجاز له بسؤاله رواية ما يجوز له روايته بشرطه المعتبر. ثم استجازه الشيخ لينال رواية ما يجوز له روايته بشرطه المعتبر. ثم استجازه الشيخ لينال رواية الأكابر عن الأصاغر، فأجابه، و لكن وقع في المجلس شي‏ء، و ذلك أن شيخنا كان قد ذكر له إذ ذاك أن شيخه العز بن فهد قرأ الجزء المذكور على القاضي جلال الدين عبد الرحمن بن نور الدين على ابن شيخ الإسلام سراج الدين ابن الملقن بسماعه له على البرهان الشامي، فادعى عند شيخنا أن المراد بالبرهان الشامي البرهان الحلبي، فقال له الشيخ: لا بل المراد به التنوخي، فصمم على أن المراد الحلبي، و استدل على ذلك بأن البرهان الحلبي أخذ عن السراج ابن الملقن، فيكون حفيده الجلال أخذ عنه، و بأن أهل مصر يطلقون على من كان من حلب الشامّي مع أن الحق كما قال شيخنا: إن البرهان الشامي هو التنوخي الضرير المتوفى في القرن الثامن.

قال شيخنا في كتابه «عيون الأخبار فيما وقع لجامعه في الإقامة و الأسفار»: و لنا تنوخي‏ (*) آخر اسمه إبراهيم و لقبه برهان الدين، و هو دمشقي يعرف بابن الغرس، و هو ممن توفي في القرن التاسع، و ليت المعترض اشتبه عليه البرهان الضرير بهذا المشهور بابن الغرس. انتهى. أي ليته التبس عليه ذاك الذي قيل له الشامي بمن هو دمشقي لا حلبي، لأنه يقال لمن كان دمشقيا إنه شامي، فهو أقرب إلى الالتباس به، لكن التبس عليه بمن هو أبعد عن الالتباس به، على أن الملازمة التي اعتبرها ممنوعة، إذ لا يلزم من أحد شخص عن آخر أن يكون الآخر فضلا عن حفيده آخذا عن ذلك الشخص، على أن من الجائز أن يكون الحفيد ممن أدرك ذلك الشخص، و أيضا لم يسبق أن تسمية ذلك بالشامي تسمية

____________

(*) في در الحبب: و إن التنوخي.

46

صدرت عن المصريين لتكون على مقتضى عرفهم، فلا وجه لاستدلال الشيخ تاج الدين بكلا شقيه.

ثم إن الشيخ تاج الدين أفتى بحلب و درس بجامعها الأعظم و أمّ به، و تزوج ببنت الشرف يحيى ابن الحاضري و أسكنها بالقاعة الملاصقة لدار القرآن العشائرية المشهورة الآن بالحيشية و حظي بالجلوس بها عند شباكها في محل سجادة شيخنا الصوفي التقي أبي بكر الحيشي و بصلاة عند المخاديم عنده في يوم الجمعة، حتى إن شيخنا المحقق المدقق النظار شهاب الدين أحمد الهندي خرج ذات جمعة من حجرته بالمدرسة الشرفية فصلى بالحيشية، فسأل شيخنا عن قوله تعالى‏ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا (*) بأنه يلزم من ظاهره أنه لو علم فيهم خيرا لتولوا، فما وجه الآية؟ فأجابه بما هو منقول من أن لو في صدر الآية على بابها و في آخرها على أسلوب لو في نحو: نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه، و أن آخرها مستأنف عما قبله، فليس المجموع قياسا منتجا ما ذكرت. فقنع بجوابه أو لم يفهمه. ثم بعث للشيخ عبارة البيضاوي التي غلط فيها الشيخ محيي الدين عبد القادر ابن سعيد و قد علمتها في ترجمته لعل شيخنا يغلط فيها أيضا، فأبى اللّه إلا أن يكون مجيبا مصيبا. ثم كان ذات يوم بصحن الشرفية و الشيخ به، فزعم في كلام وقع في البين أن الكلام جمع كلمة، فلم يفرق بين الكلام و الكلم الذي هو الكلمة في أحد القولين، و قال بما لم يقل به أحد، فكتب شيخنا صورة يستفتي فيها على من يدعي أن الكلام جمع كلمة هل تعد دعواه جهلا أو لا، ثم كتب بخطه: نعم تعد جهلا، ثم طفيت ناره عنه.

و وقفت للشيخ تاج الدين على شرح المراح سماه «فتح الفتّاح بقوت الأرواح» و توّجه بهذه العبارة: قال المفتقر إلى مالك يوم العرض المرتجي فيه سلامة العرض عبد الوهاب ابن إبراهيم العرضي. و هو شرح من نظره يعرفه.

و مما وقع له أنه قدم حلب صاحبنا الشيخ عبد الرحمن البتروني بأن حضر مجالس وعظه و لم يجد له عليه سبيلا، فلما تحنف تغير عليه و انقطع عنه و صار يحول وجهه عنه. و كانت الخواطر تشكى إليه بشمالية الجامع الأعظم في الطرف الغربي منها و يجري هناك رفع الأصوات بالذكر، فمنع من الذكر هناك قائلا: إن رفع الصوت يمنع طلبته القارئين عليه‏

____________

(*) الأنفال: 23

47

بالزاوية العشائرية من تفهم العلم، فما مضت أيام إلا و قد مكن طائفة من المتشبهين بالصوفية من دخول العشائرية و معهم الدفوف و الشبابات و لهم رفع صوت بالذكر في وقت كان الناس فيه رافعي أكفهم بالدعاء و عقب صلاة العصر، مع أخذ بعض منهم في قضاء ما سبقوا فيه له، أليس في هذا منع لحضور قلب الداعين و المصلين بها، فقال: في تجويزه خلاف. ثم عاد إلى حضور مجالسه تحت كرسيه بالجامع الكبير.

و لم يزل الشيخ تاج الدين يفيد فقه الشافعي لطالبيه إلى أن توفي سنة سبع و ستين.

889- أحمد ابن الشيخ عبدو القصيري المتوفى سنة 967

أحمد ابن الشيخ عبدو بن سليمان الكردي القصيري الشافعي الصوفي الخلوتي.

جمع بين طريقي أهل الظاهر و الباطن، فتفقه في المنهاج و الإرشاد على الرمادي تلميذ الشمس البازلي الحموي، و أخذ الطريق و لبس الخرقة عن أبيه الماضي ذكره و صار خليفة في حياته بعد أن لم يرض بما كان عليه أبوه، ثم اهتدى فقدم عليه و قبل يديه نائبا عما فرط منه، ثم صار بعده يشغل الطلبة في العلوم الظاهرية الشرعية، و لكن مع عرائه من علوم العربية إلا قليلا، و يلبس الخرقة و التاج المضرّب دالات من ماله، و يخلف من اختار فيعطيه عصا من عنده مدهونة بالخضرة، و يبسط موائده للواردين من قليل و كثير، و يبرز فوائده للقاصدين من كبير و صغير.

تزوج بأربع نسوة و كبر له أربعة أبناء فزوجهم، و كثر عنده العيال، و ترادفت عليه الواردون في كل حال، حتى لم يخل منزله بجبل الأقرع من قريب من خمسين واردا غريبا يأكلون على سماطه، حتى كان يحتاج في كل يوم إلى قريب من نصف مكوك من الحنطة، لكنه فاضت عليه الفتوحات و كثرت له الوصايا ممن أشرف على الممات لمزيد اعتقاد أهل القصير فيه بحيث نال منهم فوق ما يكفيه مع أخذه فيهم بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و تعاطيه الوعظ فيما بينهم، حتى اشتهر صلاحه و بعد صيته و كثر خلفاؤه و مريدوه كثرة زائدة.

و كم مضت له قدمات إلى حلب صارت له فيها محافل وعظ و ذكر بالجامع الأموي بحلب، منها قدمته سنة أربع و ستين، فإنه قدمها و اجتمع بفرهاد باشا أمير الأمراء بحلب‏

48

و طلب منا حكما بمنع ما بأنطاكية من منكر الزنى الفاشي عن الطائفة المشهورة بالقرجية، فأعطاه و عظمه. و قد صحبناه بحلب مرارا و تبركنا به، و توفي سنة ثمان و ستين رحمنا اللّه و إياه.

890- أبو بكر بن أحمد العطار الشاعر المتوفى سنة 968

أبو بكر بن أحمد بن محمد بن سالم بن عبد اللّه الحلبي الجلّومي الشافعي العطّار.

ولي خطابة الجامع المقابل لحمّام الخواجا.

و كان ناثرا شاعرا حسن الخط ملما بشي‏ء من العروض، جمع له ديوانا يتضمن شعره و سماه «نسمة الصبا من نظم الصبا»، ثم زاد عليه أشعارا أخرى و سمى المجموع «شراب الفتوح و غذاء الروح» و جعل في طيه مقاطيع سماها «عطر العروس و أنس النفوس».

و من شعره ما أنشده في أول ديوانه:

يا ذا الذي أبصر ما* * * أبرزته من فكرتي‏

إذا وجدت خللا* * * باللّه فاغفر زلتي‏

و كن رحيما منصفا* * * و ادع لنا بتوبة

و له مواليا:

يا من لعقد اصطباري في الملا حلّوا* * * و في حميم الحشا و القلب قد حلّوا

باللّه مرّ الجفا بالملتقى حلّوا* * * و لا تكونوا كمن قتل الفتى حلّوا

و له دو بيت:

مولاي بحق خدك النعماني* * * بالخال بما في فيك‏ (*) من عقيان‏

باللحظ بقامة كغصن البان* * * عطفا بمتيم كئيب عاني‏

و له في جهول كان لا يفهم ما يقول:

إني أعاتب نفسي* * * في عرض نظمي و نثري‏

____________

(*) لعل الصواب: بما بفيك.

49

على بليد جهول* * * لا زال يتعب سري‏

أقول هذا و هذا* * * يقول لي لست أدري‏

أقرّض الشعر تبرا* * * بل بالجواهر يزري‏

فتلقه فيّ ساه* * * لم يدر ما صاغ فكري‏

كأنه تيس أعمى* * * أو لا فقل دب برّي‏

و ربما راح يهجو* * * نظمي و يهضم قدري‏

فيضمحل فؤادي* * * منه و ينحل صبري‏

فيا سراة المعاني* * * في كل حي و قطر

لا تركنوا لجهول* * * لو كان في السحب يسري‏

و لا حسود غبي* * * غمر من الخير عرّي‏

يصيّر التبر تبنا* * * قصدا ليهمل أمري‏

فالحق داء عضال* * * للّحم و العظم يفري‏

و ليس يلفى دواء* * * من علة الجهل يبري‏

و له ما رأى في المنام أنه ينشده:

إذا ما العبد أصبح في نعيم* * * فيحمد ربه في كل حين‏

و يسأله المعونة كل وقت* * * و يشكره على مر السنين‏

و أنشد لنفسه سنة إحدى و ثلاثين:

أسرب تمشّين في صحبهنّه* * * أضاعوا شذاهن من طيبهنّه‏

تملكن قلبي و أنحلن جسمي* * * و كلّمن لبي بألحاظهنّه‏

تراهن يغزنّ قلب المعنى* * * و يظهرن صدا و يجلبن فتنه‏

و يخطرن تيها يهيّمن صبا* * * و يهززن عجبا لأعطافهنّه‏

و يمشين هونا فيذهبن عقلي* * * و يسحبن في الترب أذيالهنّه‏

تجدهن يبرزن كالبدر حسنا* * * و يعدلن (قلبي) (*) بأترابهنه‏

كساهنّ ربى ثياب التعالي* * * و قد زاد فضلا لأوصافهنّه‏

إذا ما رآهن حاوي المعاني* * * و نادى من الحور؟ نادينهنه‏ (**)

____________

(*) ما بين قوسين ساقط في الأصل.

(**) ناديت: هنه.

50

هكذا كان أنشدني بخفض سرب و تشديد نون يغزنّ بعد ضم الزاي، مع أن الصحيح يغزون بالواو و تخفيف النون، و إن كان في اللفظ يشاكل جمع الذكور، و أسربا بالنصب، لأن العرب تؤثر نصب النكرة المقصودة على ضمها إذا كانت موصوفة كما في الحديث:

يا عظيما يرجى لكل عظيم، و لهذا نصبنا إذ قلنا في مطلع قصيدة:

يا حبيبا مال عمن رابه لحظ الجمالي* * * كن طبيبا حيث حال الصب أضحى كالمحال‏

فصار بيتنا هذا بيتا لا يضم فيه الحبيب‏

توفي بحلب سنة ثمان و ستين و تسعمائة.

891- محمد بن علي الطباخ المتوفى سنة 968

محمد بن علي بن أحمد الشيخ شمس الدين الحلبي، المعروف بابن الطباخ.

ولد سنة اثنتين و تسعين بالتاء قبل السين و ثمانمائة، و أخذ في التجارة سفرا و حضرا بحانوت له بسوق العطّارين. و عني بسماع الحديث، و أجاز له الشيخ كمال الدين الطويل و غيره. و بقي بخدمة شيخ الشيوخ ابن الشيخ أبي ذر المحدث عشر سنين و زيادة، و أخذ عنه الشفا و الشمائل و منظومة العراقي في سيرة النبي صلى اللّه عليه و سلم و غير ذلك. و حضر تحديث شيخنا البرهان العمادي. و خالط ابن السلطان الغوري مدة مكثه بحلب، و صحب كثيرا من المخاديم، و حفظ تواريخ من أدركه من المتقدمين و المتأخرين لعلو سنه، و صار يحضر مع شيخ الشيوخ عند بعض أركان الدولة فيربيه بأنه قرأ عليه كتاب كذا و كتاب كذا ثم وثم، فيقول الشيخ شمس الدين بعد القيام عن المجلس: يا مولانا الشيخ، أنت ما ربيتني و إنما ربيت نفسك، فيتبسم له.

توفي سنة ثمان و ستين و تسعمائة ا ه.

أقول: و هو من جملة الشهود في وقفية محمد باشا دوقه كين واقف جامع العادلية.

892- القاضي أبو الجود العزازي المتوفى سنة 968

محمد بن بدر الدين محمد بن شمس الدين العزازي الشافعي المشهور بالقاضي، أبو

51

الجود بن الشكي.

ناب في القضاء بعزاز مرارا و بحلب مرة، و ولي الخطابة بجامع عزاز و صار له بها التكريم و الإعزاز.

و كتب بخطه لنفسه و لغيره عدة من الكتب المبسوطة بحيث كاد يخرج من طوق البشر، فكتب البخاري و شرحه لابن حجر، و ناهيك بطوله، و نحو خمس نسخ من القاموس و الأنوار، و عدة من شرح البهجة و شرح الروض في كتب أخرى لا تحصى كثرة. و أما القرآن العظيم فقد كتب منه نحو خمسين مصحفا، كل ذلك مع اشتغاله بنيابة القضاء و غيرها.

و وقف البخاري على طلبة أعزاز قبل وفاته سنة ثمان و ستين و تسعمائة.

893- علي بن عبد الرحمن الدليواتي المتوفى سنة 968

علي بن عبد الرحمن بن أبي بكر الشيخ علاء الدين الحلبي المقشاتي، الصوفي الخرقة، القادري الأردبيلي، حفيد الشيخ أبي بكر الدليواتي صاحب المزار المشهور بحلب.

أدرك جده هذه و لازم حلقة الذكر مع أتباعه بشرقية الجامع الكبير بحلب كأبيه سنين عديدة، فلما عمر اعتراه ما يقرب من السلس، فانقطع عنها و انقطع أتباعه.

و لم يزل على ديانته و نورانيته يتعاطى علم المقشّات بحانوته و الناس سالمون من يده و لسانه، و ربما صحبناه تبركا به كما كان جدنا الجمالي الحنبلي يصحب جده. توفي سنة ثمان و ستين.

894- أبو بكر بن أحمد النقّاش المتوفى سنة 970

أبو بكر بن أحمد النقّاش الحلبي الجلّومي.

شيخ مسن خدم أساتذة النقاشين من الأعاجم و استفاد منهم، و مهر في نقوش البيوت و كتابة الطرازات على طريق القاطع و المقطوع، و في نقوش ما كان لكفّال حلب و غيرهم من الرماح و السروج بالذهب و اللازورد مع معرفة طريقة حله، و في صنعة التركاش وضعا

52

و نقشا و صنعة اللوح الذي يكتب فيه و صنائع أخرى تتم عشرين صنعة.

و كانت له سلعة (*) عظمى تناهز بطيخة بالقرب من كتفه، سببها أنه طلب إلى آمد للنقش في عمارة جددت بها، فرافقه نقاش مشرقي شيعي، فشعر باسمه فضربه على ظهره بخشبة ضربا مبرحا أمرضه مدة و أدى إلى أن كانت له هذه السلعة.

و لما أسن هيأ له كفنا و قبرا و سألني في بيتين ينقشهما عليه فقلت:

أبو بكر النقاش أحوج سائل* * * إلى رحمة تقصيه عن موجب الوزر

فيا أيها المجتاز نحو ضريحه* * * تمهل قليلا داعيا لأبي بكر

ثم مات سنة سبعين بعد تجرده في بيته لتلاوة القرآن.

895- يحيى بن محمد البرهان المتوفى سنة 970

يحيى بن محمد بن عبد الرحمن الشيخ شرف الدين الحلبي المعروف بابن البرهان، صاحبنا.

من بيت كبير قديم بحلب كانوا يعرفون ببيت البرهان. قيل إنه اجتمع منهم أربعون رجلا من الكبراء المتعممين في عصر واحد، و إنهم لم يسموا ببيت البرهان إلا لغلبتهم بالعلم على غيرهم حتى كأنه برهان لهم على غيرهم، لا لأن من أجدادهم من كان يسمى بالبرهان.

صحبنا الشيخ شرف الدين في التفقه على الزين بن فخر النسا، و انفرد هو بالتفقه على الشمس بن بلال و قراءة شي‏ء من المنطق عليه.

و مضى إلى القاهرة تاجرا فاشتغل بها أيضا على الشهاب أحمد بن الصايغ الحنفي في الفقه، و سمع بقراءة غيره عليه في الطب. قال: و كان أمة في الطب يقرأ عليه فيه المسلمون ثم النصارى ثم اليهود. قال: و إنما تعلقت بالطب لاحتراق فاحش حصل لي، فعالجت نفسي منه بنفسي، إلا أنه عرض للشيخ شرف الدين بعد ذلك أن استولت عليه السودا، فبذل ما كان عنده من المال في علاجها و صار من فقراء المسلمين يحسن إليه بعض أفراد الأجواد و هو مجاور بحجازية الجامع الأموي بحلب. و عاد بعض من لا ديانة له يعبث به‏

____________

(*) السلعة: زيادة في البدن كالغدة.

53

حتى يسي‏ء خلقه فيضحك عليه و لا يخشى اللّه تعالى فيه. و صار في آخر أمره من ذوي العاهات البدنية إلى أن توفي إلى رحمة اللّه تعالى سنة 970.

896- محمد بن علي التروسي المتوفى سنة 970

محمد بن علي بن الحسين بن تاج الدين الكيلاني التروسي الشافعي الصوفي، أحد مريدي الشيخ محمد الخراساني النجمي.

شيخ معمر، مكث بديار العرب لا سيما بحلب مدة تزيد على نصف قرن و لزم شيخه هذا إلى أن كانت وفاته بحلب، فخرج في جنازته بمجرد الإزار و هو يضرب صدره بحجرين في يديه لا يعلم ما يفعل.

و صحب سيدي علوان الحموي و أدرك شيخه و صحبه أعني به السيد الشريف علي ابن ميمون. قال: و كان أشد تمكينا من شيخه. و صحب آخرا شيخنا عبد اللطيف الجامي و شيخنا قطب الدين عيسى الصفوي و سافر معه إلى بغداد لزيارة من بها من الرجال ذوي الأحوال.

و لم يزل الشيخ محمد يتعاطى عمل التروس العجيبة الثمينة و يعلم الأطفال أحيانا قراءة القرآن و الكتابة، و هو على سمت الصالحين، حسن العمامة لطيف الملبس، يستحضر شيئا من طب الأبدان كما يستحضر من طب القلوب، إلى أن علت سنة و نحف بدنه، فترك تعليم الأطفال و غيره.

و كان يذكر أن شيخه الخراساني يقول له: ستموت في شعبان، قال: أنا لا أموت إلا أن يدخل شعبان آخر فربما مت فيه، ثم اتفق أن مات في شعبان سنة سبعين و تسعماية و دفن في مقبرة شيخه الخراساني خارج باب الفرج بحلب (رحمه اللّه) تعالى.

897- محمد بن علي ابن الملا المتوفى سنة 971

محمد (1) بن علي ابن شيخ الإسلام شهاب الدين أحمد المشهور بمنلا حاج الحصكفي‏

____________

(1) محمد هذا هو أبو أحمد بن الملا الآتية ترجمته في أول القرن الآتي إن شاء اللّه تعالى، و جده الشهاب أحمد. له-

54

الأصل ثم الحلبي الشافعي المشهور بمنلا محمد الحصني و بالملا.

ولد سنة إحدى و تسعين بتقديم التاء على السين و ثمانمائة، و اشتغل في الفقه على منلا محمد البدليسي الشافعي تلميذ جده، و في النحو على صاحب التصنيف فيه منلا محمد الكردي المعروف بابن القلعي و الشمس بن هلال، و في المنطق على الشمس بن بلال، و في علم البلاغة علينا إذ أهّلنا فتطوّل و ذاكرنا في «المطوّل».

و باشر مناصب عديدة كتولية الجامع الأموي بحلب و نظر الأوقاف و الحرمين الشريفين بها (*) مع تولية التكية السليمية بدمشق و نظر مقام السلطان إبراهيم بن أدهم نفعنا اللّه ببركاته، و كذا باشر نظر المشهدين بالعراق و هما مشهد أمير المؤمنين علي و ولده الحسين رضي اللّه عنهما، ثم عزل عنه سنة أربع و ستين و تسعماية.

توفي في جمادى الآخرة سنة إحدى و سبعين و تسعمائة.

أقول: ذكر وفاته في هذا التاريخ هو من تصرف النساخ أو كتب ذلك بعض الفضلاء على الهامش ثم أدرجه بعض النساخ، لأن الرضي الحنبلي توفي كما سيأتي في جمادى الأولى من هذه السنة.

898- معروف بن أحمد الضعيّف المتوفى سنة 971

معروف بن أحمد القاضي الفاضل شرف الدين، الصهيوني المولد الدمشقي الدار، الشافعي، المعروف بابن الضعيّف، بالتصغير.

لازم في تحصيل العلم التقي البلاطنسي و غيره، و صار فقيها أصوليا محدثا مؤرخا أديبا شاعرا جامعا لفنون شتى حسن المحاضرة لطيف المذاكرة عارفا بصنعة التوريق واقفا فيها على قدم التحقيق منكشف له المروط عن محاسن فن الشروط.

و ولي قضاء حارم من توابع المملكة الحلبية، ثم قضاء صيدا من توابع المملكة الطرابلسية.

____________

- ترجمة حافلة في «در الحبب»، و قد كان من كبار العلماء. توفي و هو قاض بحصن كيفا سنة 895. و يظهر أن عليا والد المترجم هو أول من قطن حلب من بني الملا.

(*) في الأصل: و نظر أوقاف الحرمين الشريفين بها.

55

و قد قدم حلب سنة تسع و أربعين و تسعمائة متوليا قضاءها.

توفي سنة تسعمائة و إحدى و سبعين رحمنا اللّه تعالى و إياه.

899- عبد الباقي القرصلي قاضي حلب المتوفى سنة 971

عبد الباقي ابن العلامة المحقق المؤلف الصوفي علاء الدين علي، القرصلي الأصل، القسطنطيني المولد، الحنفي.

صحبناه بحلب و ابن أم ولد قاضيها (*) و آخيناه، ثم ولي قضاءها سنة إحدى و خمسين، ثم دخلها في السنة التي تليها في يوم الأحد مستهلها و جلس للحكم بها ثاني يوم منها، و نفذ حكمه في حلب بتوريث ذوي الأرحام من الشافعية من مورثهم مخالفا للحكم السلطاني الذي أخرجه القاضي علاء الدين المشهور بقرا قاضي الماضي ذكره بمنع توريثهم و ضبط ما كان لهم أن لو ورثوا لبيت المال.

و لم يزل يتعاطى الأحكام الشرعية من غير ترجمان‏ (**) لقدح وقع في ترجمان المحكمة و تحاشيه لآخر لئلا يقدح فيه أيضا. و صار في منصبه متواضعا مطرحا.

و خرج الناس مرة للاستسقاء فخرج معهم ثلاثة أيام متوالية إلى أمكنة نائية ماشيا بثياب البذلة.

و اهتم بترميم مقام الخليل (صلوات اللّه و سلامه عليه) خارج باب المقام و تنمية أوقافه و اعتاد الخروج إليه كل جمعة في صدر النهار. و لام خطيب الجامع الخسروي إذ وقف بالدرجة العليا من المنبر في أول خطبة وقعت فيه و أمره بالنزول عنها لما أنها محل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقيل إن خطيب الجامع الخسروي الأعظم بحلب و هو الشهاب أحمد الأنطاكي يفعل ذلك، فلامه، فبلغه فأرسل نقلا من شرح منهاج الشافعية للدميري يرجح الوقوف بذلك المكان، و ذلك حيث قال: كان منبره صلى اللّه عليه و سلم ثلاث درج غير الدرجة التي تسمى المستراح، و يستحب أن يقف على التي تليها كما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى أن قال: فإن قيل روي أن أبا بكر نزل عن موقف رسول اللّه‏

____________

(*) هو قاضي القضاة عبد العزيز بن زين العابدين المشهور بابن أم ولد.

(**) العبارة في در الحبب: و لم يتعاط الأحكام الشرعية إلا من غير ترجمان.

56

صلى اللّه عليه و سلم درجة، و عمر درجة أخرى، و عثمان درجة أخرى، ثم وقف عليّ على موقف رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قلنا: كل منهم له قصد صحيح، و ليس فعل بعضهم حجة على بعض، و المختار موافقة النبي صلى اللّه عليه و سلم، فلما بلغه هذا النقل قال: إن الخندكار لا يرضى بهذا، فلم يلتفت الخطباء إلا للنقل.

و صار إذا كتب اسمه كتب: عبد الباقي بن علي العربي، لأنه كان يعرف بابن ملا عرب لاشتهار أبيه في المملكة الرومية بملا عرب، و ذلك حين دخلها في دولة السلطان محمد بن عثمان و صحبه في فتح القسطنطينية، و اشتهر فيها بالفضائل بعد أن درس بأنطاكية قبل أن يدور عذاره ببعض مدارسها. و وضع تفسيرا على تبارك و ما بعدها إلى آخر القرآن على طريق الصوفية لأنه كان صوفيا، أخذ التصوف كما أخبرني ولده هذا عن الشيخ علاء الدين الروشني أخي الشيخ عمر الروشني عن خوجه يحيى الروشني. قال: و كان والدي تلميذا لملا خسرو الذي اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره من قضاء العسكر و الإفتاء و غيرهما، و هو تلميذ ملا حيدر و هو تلميذ سعد الدين التفتازاني.

ثم ولي قضاء مكة و نفذ فيها الحكم السليماني بمنع شرب قهوة البن بمكة و المدينة و سائر البلاد.

ثم ولي قضاء مصر فبلغني أنه تغير طوره و صار يطلب الرشى بفمه حتى جمع فأوعى، ثم عاد إلى قضاء مكة، ثم توفي بالقسطنطينية سنة إحدى و سبعين ا ه.

و ترجمه في العقد المنظوم فقال بعد أن ذكر تقلباته في منصب القضاء: ثم قلد قضاء مكة ثانيا، و قد تيسر لي الحج و هو قاض بها و ذلك سنة تسع و ستين و تسعمائة، ثم عزل بهذه السنة، فلما عاد إلى وطنه مات من الطاعون سنة إحدى و سبعين و تسعمائة و له من العمر ست و سبعون سنة، و لم يعقب ولدا فأوصى بثلث ماله لوجوه الخيرات، فبنوا به بعض الحجرات يسكنها فقراء الملازمين. و كان (رحمه اللّه) من أعلام العلماء و أكابر الفضلاء، صاحب أيد في العلوم (إلى أن قال):

و كان في غاية الميل للرياسة و الجاه، و قد بذل في تحصيل قضاء العسكر أموالا عظيمة.

و قد بنى في زمن قضائه بمدينة بروسة على ماء حار حمّاما عاليا من غرائب الدنيا يحصل منه مال عظيم في كل سنة و وهبه للوزير الكبير رستم باشا. و يذكره الناس بالظلمية، و حكى‏