مباحث الأصول - ج1

- الشيخ محمد تقي البهجة المزيد...
479 /
5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

يمثّل هذا الكتاب الجزء الأوّل من أجزاء أربعة تشكّل عامّة المباحث الأصوليّة التي كتبها شيخنا العلّامة سماحة آية اللّه العظمى بهجت- مد ظله العالي- و اهتمّ بتدريسها على مدى سنوات متطاولة و في خلال عدّة دورات تدريسيّة. و إنّما تشكّلت هذه المباحث بداية الأمر في ضمن دفاتر و أوراق ثم أضاف إليها خلال التدريس و التحقيق فوائد هامّة و دقائق كثيرة.

تطبع هذه الدورة- إن شاء اللّه تعالى- في أربع مجلّدات:

1- المجلّد الأوّل (هذا الكتاب) من أوّل مباحث الأصول إلى نهاية مبحث الإجزاء.

2- المجلّد الثاني من مقدّمة الواجب إلى مباحث القطع.

3- المجلّد الثالث من القطع إلى آخر البراءة.

4- المجلّد الرابع من مبحث الاستصحاب إلى نهاية الاجتهاد و التقليد.

و ما يحسن الالتفات إليه: أوّلا: أنّه- (مد ظلّه)- و إن كان يتعرّض للأقوال الكثيرة و الآراء المختلفة من محقّقى الأصوليّين، لكنّه في مقام النقاش و الإيراد لا يذكر غالبا اسم ذويها رعاية للاحتياط و الاحترام، و لذا نحن أيضا أعرضنا عن التعرّض لذلك في تحقيق هذا الكتاب رعاية لنظره الشريف، مضافا إلى أنّ ذلك كان يعوّق طبع الكتاب أكثر من ذلك.

ثانيا: مبحث «تعارض الأحوال» (من مباحث الألفاظ) رغم كونه مكتوبا عنده بشكل مبسوط، لكنّه- (مد ظلّه)- لم يهتمّ بتدريسه لقلّة جدواه و لم يرغب في إيراده في‏

6

متن الكتاب و لذا أوردناه في نهاية الكتاب في قسم الملحقات محافظة على ما فيه من الفوائد و التحقيقات.

ثالثا: إنّه- حفظه اللّه- حرّر بعض المباحث مرّتين و منها مبحث الإجزاء و لذا أوردنا الكامل منه في متن الكتاب و المشتمل على بعض المباحث في قسم الملحقات كي لا يفوت عن المراجعين الفوائد الموجودة فيه.

رابعا: كلّ ما يذكر في [] و () ليس من المؤلف المعظّم- زيد عزّه-

و في الختام نشكر اللّه تعالى للتوفيق في نشر هذا السفر و نسأله تعالى التعجيل في فرج صاحب العصر الإمام المنتظر (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء) و أن يجعلنا من أنصاره و أعوانه بمنّه و كرمه و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته‏

7

[المقدمة]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّدنا و نبيّنا محمّد و آله الأوصياء المرضيّين، و اللعن الدائم على أعدائهم و غاصبي حقوقهم أجمعين.

أمّا بعد، فهذه مقدّمة للشروع في مباحث علم الأصول، يذكر فيها موضوع العلم و تعريفه و مباديه و الغرض الداعي إليه.

في موضوع العلم‏

أمّا الموضوع للعلم على النحو الكلّي، فهو على ما يقال: «ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتيّة اللّاحقة له بلا واسطة في العروض» (1)؛ و يجعل العارض بلا واسطة، أو بواسطة أمر أعمّ داخلي، أو مساو داخلي أو خارجي، من الأعراض الذاتيّة، و العارض بواسطة أمر خارج أعمّ أو أخصّ، أو بواسطة مباين، غريبا، على خلاف في بعض ما ذكر في كتب المنطق المفصّلة (2).

____________

(1) فإنّه يكون مع الوساطة في العروض، الأولى بذكر المسألة فيه، العلم الباحث عمّا لا واسطة في العروض فيه، فلا بدّ من عدمها، أو كون الواسطة في الثبوت، أو كون الواسطة كالعدم بالنسبة إلى العروض.

(2) قال في «المطالع»: موضوع كلّ علم ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه اللّاحقة لما هو هو. و قال في شرحه: الثاني العرض الذاتي، و هو الذي يلحق الشي‏ء لما هو هو، أي لذاته، كلحوق إدراك الأمور الغريبة للإنسان بالقوّة، أو يلحقه بواسطة جزئه، سواء كان أعمّ، كلحوقه‏

8

و قد يورد على جعل الموضوع في سائر العلوم محدودا بما مرّ، بأنّ الموضوع للمسائل في أغلب العلوم أخصّ، فعارضه غريب بالنسبة إلى الجامع الموضوعي.

و يجاب تارة: بأنّ حيثيّة الانتساب إلى المحمول، مأخوذة في موضوع العلم؛ فموضوع العلم مع هذه الحيثيّة، متّحد خارجا مع موضوعات المسائل.

و فيه- مضافا إلى أنّ المتحيّث بحيثيّة الانتساب إلى المحمول، لا يكون معروضا له، بل المعروض ذات المتحيّث-: أنّ الاتحاد الوجودي حاصل بين النوع و الجنس، و لو لم يؤخذ معه حيثيّة، و ذلك لا ينافي غرابة العروض الملتزم بها مع موضوعيّة النوع للمسألة، لصحّة العروض معها، كان الاتّحاد المذكور، أو لم يكن، و إنّما الأثر لعروض خاصّ.

مع أنّ المتحيّث بحيثيّة الإعراب- مثلا- و إن كان أخصّ من نفس الكلمة، إلّا أنّه أيضا أعمّ من الفاعل الذي يحكم [عليه‏] بالرفع في المسألة و لا يفيد العدول من عامّ إلى عامّ أخصّ بالإضافة إليه، حتى لو جعل الموضوع للعلم «الكلمة المتحيّثة بحيثيّة الإعراب»، كان الفاعل الموضوع للمسألة- مثلا- أخصّ منه، و عاد الإشكال.

____________

التحيّز لكونه جسما، أو مساويا، كلحوقه التكلّم لكونه ناطقا، أو يلحقه بواسطة أمر خارج مساو، كلحوقه التعجّب لإدراك الأمور العجيبة المستغربة. و أمّا ما يلحق الشي‏ء بواسطة أمر أخصّ، كلحوق الضحك للحيوان لكونه إنسانا، أو بواسطة أمر أعمّ خارج، كلحوق الحركة للأبيض لأنّه جسم، فلا يسمّى عرضا ذاتيّا، بل عرضا غريبا؛ فهذه أقسام خمسة للعرض، حصره المتأخّرون فيها، بيّنوا الحصر: بأنّ العرض إمّا أن يعرض الشي‏ء أوّلا و بالذات، أو بواسطة، و الواسطة إمّا داخل فيه أو خارج و الخارج إمّا أعمّ منه، أو أخصّ، أو مساو. و زاد بعض الأفاضل قسما سادسا، رأى عدّه من الأعراض الغريبة، أولى؛ و هو أن يكون بواسطة أمر مباين، كالحرارة للجسم المسخّن بالنار أو شعاع الشمس، و الصواب ما ذكره، انتهى (شرح المطالع ص 18).

9

و أخرى: بأنّ الواسطة إن كانت جهة تعليليّة، فعوارضها عوارض الموضوع الجامع. و فيه: أنّ معروض الرفع مثلا وجود الفاعل، و لا اثنينيّة له مع وجود الكلمة خارجا حتى يكون جهة تعليليّة للعروض، و الفاعليّة و إن كانت حيثيّة تعليليّة لرفع الكلمة، لكنّها ليست موضوعا للمسألة و لا معروض الرفع.

(تفصيل الكلام في الأعراض الذاتيّة و الوسائط)

ثمّ إنّ عوارض الفصل، من الذاتي بالنسبة إلى النوع المتحصّل بذلك الفصل؛ و كذا العكس الراجع إلى عارض المساوي على الظاهر؛ و كذا عوارض الجنس بالنسبة إلى النوع المتضمّن لذلك الجنس المقوّم له.

و لا يرد الإيراد: بلزوم صحّة ذكر مباحث الأدب الباحثة عن عوارض الكلام، في النحو، حتى يجاب بالميز بحيثيّة الإعراب؛ فإنّ الكلام في موضوعيّة النوع للعلم و الجنس للمسألة، لا العكس الذي مرّ الاستشكال فيه. نعم، تنفع حيثيّة الورود في الكتاب و السنّة لدفع أعميّة موضوع المسألة عن موضوع العلم في مثل مباحث الأمر و النهي، مع أنّ موضوع العلم، الأدلّة، كما في «الفصول» (1)، لا العكس؛ فإنّه عارض للأخصّ الذي هو واسطة للعروض للأعمّ، و قد تقدّم عدم إغناء أخذ قيد الحيثيّة في هذا المقام.

(وساطة المساوي الخارجي)

و أمّا المساوي الخارجي- كعروض الضحك للإنسان بتوسّط التعجّب العارض له بواسطة إدراك الكلّيات- فيمكن جعل وساطة التعجّب، من قبيل‏

____________

(1) الفصول الغروية: ص 11.

10

الواسطة في الثبوت، إلّا أنّه تقدّم ما فيه: من أنّ الوساطة، للتعجّب مثلا، و المعروضيّة، للمتعجّب. و اتّحاد الوجود إن كان كافيا هنا، كفى في جعل عوارض النوع ذاتيّة للجنس أيضا، لاتّحادهما في الخارج في الجملة، مع أنّه لا اتّحاد بين التعجّب و المتعجّب، كما أنّ الإجمال لا بدّ منه فيما نحن فيه.

و يمكن أن يقال: إنّ التعجّب و الضحك إن أخذا بالقوّة، فهما بالنسبة إلى الإنسان كالناطق معه، من المساوي الداخليّ، و إن أخذا بالفعل فهما أخصّ من الإنسان، و نسبتهما إليه كنسبة الإنسان إلى الحيوان، و العرض حينئذ غريب.

(هل يكفي اتحاد المعروضين وجودا في حقيقيّة العرض؟)

و يمكن أن يقال: إنّ كون العرض حقيقيّا في عوارض الوجود، يكفي فيه اتّحاد المعروضين وجودا، سمّي بالذاتي أو الغريب في مصطلح أهل الفنّ.

و الأزيد من ذلك لو كان معتبرا في موضوع العلم، فإنّما هو في كونه حافظا للعلم من حيث الجامعيّة و المانعيّة؛ فإن و في لذلك موضوع للعلم، و لو بإضافة قيد التحيّث بالخصوصيّات، فهو، و إلّا فلا بدّ من تشخيص ما هو الموضوع، لحفظه للعلم، لا لمجرّد كون عوارض موضوعات المسائل عوارض له؛ فقد يمكن أنّهم أرادوا بلزوم العرض الذاتي، ما يكون معه هذا الموضوع الجامع المانع محقّقا، و فهموا انحصار ذلك في العرض الذاتي؛ فلا يكتفي بمجرّد اتّحاد الوجود بين المعروضين، بل لا بدّ و أن يكون العروض لأحدهما عين العروض للآخر، عينيّة حقيقيّة؛ فإنّه مع الواسطة في العروض قد يكون العروض المنسوب إلى أحدهما بالذات و الحقيقة، منسوبا إلى الآخر بالعرض و المجاز؛ و الكلام في نفي الواسطة بهذا الوجه؛ فالواسطة إن كانت، لا بدّ و أن تكون في الثبوت، أي في كون أحد العروضين دخيلا في العروض الآخر على الحقيقة، لا المجاز، و لا بمطلق العليّة

11

للعروض؛ فإنّه لا يناسب اتّحاد موضوع المسألة مع موضوع العلم وجودا و صدق أحدهما على نفس الآخر؛ فمع عينيّة المعروضين وجودا و عروضا فلا واسطة، فلا بحث.

(حكم العارض للنوع أو الفصل)

و إن كان العارض، للنوع أو للفصل، أمكن جعله من الذاتي في كلّ للآخر، لاتّحادهما وجودا و عروضا؛ فإنّ العروض منسوب إليهما على الحقيقة، و العروض- كالمعروض- واحد خارجا، و هذا الواحد متّحد في الفعليّة و القوّة، و الضرورة و اللّاضرورة، و غيرها من الجهات و الحيثيّات؛ و حيث إنّ المساواة حاصلة، فلا يضرّ عدم دخول النوع في الفصل، كالدخول في العكس؛ و الاتّحاد في خصوصيّة الجهة معتبر أيضا؛ فضاحكيّة الإنسان، بالقوّة القريبة، و ضاحكيّة الحيوان، بالقوّة البعيدة؛ و ضاحكيّة المتعجّب، بالفعليّة.

(حكم عوارض النوع بالنسبة إلى الجنس)

و أمّا عوارض النوع بالنسبة إلى الجنس، فالاتّحاد الوجودي بين المعروضين و إن كان محفوظا، إلّا أنّ العروض لا يخلو عن تعدّد و مغايرة؛ [و] يشهد لها أنّ الكاتب بالقوّة يحمل على الإنسان، بالضرورة و الفعليّة و الدوام، و على الحيوان، بالإمكان و اللّادوام، مع اتّحاد المعروضين وجودا و وحدة العروض خارجا؛ و إنّما كشف اختلاف جهتي النسبة عن عدم كون العروض ذاتيّا لكلّ منهما، و إلّا لم تختلف جهة الانتساب؛ فالمعروض الذاتي هو حصّة من الجنس متقرّرة في ذات النوع؛ فالعرض الذاتي للنوع ذاتيّ لتلك الحصّة، غريب لذلك الطبيعيّ الجامع بين الحصص.

12

(حكم عوارض الجنس بالنسبة إلى النوع)

و أمّا العكس، فيمكن أن يقال: إنّ ذاتي الذاتي ذاتيّ لذي الذاتي؛ فإذا كان الماشي ذاتيّا للحيوان الذي هو ذاتي للإنسان، فهو ذاتي للإنسان أيضا، يعني أنّ العرض الذاتي لذاتيّ الشي‏ء و مقوّمه، عرض ذاتي، لا غريب لنفس الشي‏ء المتقوّم؛ و المشي بالقوّة لمّا كان ضروريّا للحيوان، فهو ضروريّ للإنسان أيضا، و المشي بالفعل بالإمكان، لكلّ من الحيوان و الإنسان، فلا اختلاف في الوجود، و لا في العروض، و لا في جهة العروض؛ فيتّجه الفرق بين هذه الصورة و السابقة عليها، لكن الممكن للجنس قد يكون ضروريّا للنوع بلا عكس؛ فهذه جهة المغايرة بين العروضين.

(حكم العارض بواسطة أمر خارجي أخصّ أو أعمّ)

و ممّا قدّمناه يظهر حال العارض بواسطة أمر خارجي أخصّ، كالضحك الفعلي العارض للمتعجّب الفعلي المتوسّط به لعروض الضحك الفعلي للإنسان؛ فإنّ الغرابة في الأخصّ المتوسّط به للأعمّ- كما مرّ- مع كون الأعمّ جنسا، تقتضي الغرابة هنا بذلك الملاك المشترك.

هذا في الإنسان مع المتعجّب بالفعل و الضاحك بالفعل؛ و أمّا معهما بالقوّة، فهو كالنوع مع الفصل في المساواة و في ملاك الذاتيّة، على الوجه الذي ذكرناه في الاتّحاد في الوجود و العروض و جهة الانتساب العروضي، و يطّرد ذلك في العارض للشي‏ء بواسطة المساوي الخارجي في ملاك الذاتيّة.

و أمّا العارض بتوسّط أمر خارجي أعمّ، فحيث إنّ هذا الأمر الخارج أيضا عارض، أي عرضي، فإن كانت الذاتيّة محفوظة في العارضين في كلّ مع معروضه‏

13

الأوّلي، و كان الاتّحاد في الوجود و العروض و جهة العروض، محفوظا، فهو ذاتي، لما قدّمناه، و إلّا كان غريبا.

و لا يجري ما قدّمناه في عوارض الجنس مع النوع؛ فإنّ العروض بالذات للعارض بالذات، لا يستلزم العروض للذاتي، و لا أحكام ذلك، كما هو ظاهر؛ فالعبرة، بما قدّمناه من صيرورة العارض الذاتي للذاتي أو العرضي الذاتي الغير الغريب، عارضا ذاتيّا غير غريب للمعروض الثانوي، و لا يتمّ حصر الذاتي فيما ذكروه‏ (1).

ثمّ إنّ الاتّحاد في الوجود بين المعروضين و إن كان معتبرا في العروض الذاتي، بل الاتّحاد في العروض و في جهة العروض- كما مرّ- أيضا معتبر فيه، إلّا أنّه بحسب الظاهر غير معتبر في أصل العروض؛ فمع المباينة في الوجود، يمكن العروض مع المصحّح، كما في حركة السفينة للجالس، و يكون العارض حينئذ غريبا، و لا يلزم الاتّحاد في الوجود في أصل العروض، و لعلّه هو الذي أراده «الحكيم السبزواري» (قدّس سرّه)(2) في أخذ الجنس بشرط لا، في العرض الغريب، يعني في الوجود، لا في العروض.

و أمّا أخذه لا بشرط، فلا يكفي في كون عارض النوع ذاتيّا للجنس، لما قدّمناه من عدم الاتّحاد في جهة انتساب العارض؛ كما أنّ مجرّد البشرطلائيّة، لا يكفي في العروض الغريب ما لم يكن مصحّح له، و إنّما يكفي في عدم العروض الذاتي؛ لكنّه مع المبائنة الوجوديّة و مصحّح العروض، فالعروض مجازيّ غير ذاتي؛ لكنّه لا يرتبط بالمقام المفروض فيه اتّحاد المعروضين وجودا و كون‏

____________

(1) هذا، و ما قدّمناه من أنّ اللّازم، كون الموضوع جامعا مانعا لمسائل العلم، يوجب الغنى عن كثير من التكلّفات في تمييز الذاتي عن الغريب.

(2) الشواهد الربوبيّة تعليقة «الحكيم السبزواري» (قدّس سرّه) على الإشراق 410.

14

موضوع العلم منطبقا على موضوع المسألة، بل في صورة الانطباق لا بدّ من التقسيم و إخراج العرض الغريب و ما ينطبق على موضوع المسألة، مع أنّ محمولها عرض غريب لذلك المنطبق، إذ الغرض هو الجامعيّة و المانعيّة، كما مرّ.

(إشارة إلى أنحاء الجامع و أولويّة الاعتبار بالجامع المحمولي)

و لا يخفى أنّ ثبوت الموضوع على هذا الوجه و إن كان ممكنا في بعض العلوم- و قد مرّ النقض بالغالب من موارد أخصّية موضوع المسألة عن موضوع العلم، و الإيراد على الجواب عنه- إلّا أنّ الكلام في لابدّيّته فيها، بل اللّازم ثبوت تناسب بين مسائل كلّ فنّ، به يصحّ إدخال مسألة فيه، و إخراج مسألة منه؛ و هذا كما يتحقّق بالموضوع الجامع المانع، يتحقّق بالمحمول و الغرض كذلك، بل لعلّ الجامع المحمولي أولى، لأنّه لا يكفي انتزاع أيّ موضوع و لو كان ذاتيّا جامعا مانعا، بل لا بدّ و أن تكون عوارض موضوع المسألة، عوارض لذلك الجامع بنحو الذاتيّة المقابلة للغريب؛ فليس منه الجنس الجامع بين النوع و الفصل إذا وقعا في موضوع المسائل.

فإن كان المحمول [بحيث‏] لا بدّ من ملاحظته في الجامع الموضوعي و ملاحظة عروضه في انتزاع الجامع الموضوعي بحيث تكون عوارض النوع خارجة من مسائل العلم إن كان لا بدّ من موضوعيّة ذلك الجنس، أو يكون الموضوع غير ذلك الجنس ممّا يساوي النوع أو شبهه إن كانت المسألة لا بدّ منها في ذلك العلم، فالاعتبار بالجامع بين محمولات المسائل أولى، كالمحكوم بالإعراب و البناء، أو بالحرمة و العدم، أو بالصحّة و الاعتلال، و نحوها، بلا تقييد بخصوصيّات الموضوعات.

و الأزيد من وجود مناسبة مصحّحة لتميز العلم، باشتماله على مسألة، و فقده‏

15

لمسألة، لا برهان عليه، و هذا المقدار لازم، و إلّا لزم صحّة إدراج أيّ مسألة في أيّ علم، و هو بديهيّ الفساد.

و يمكن استفادة الاكتفاء بما يتحقّق معه التناسب بين المسائل، من محكيّ «شرح الاشارات» (1)، في الاكتفاء بالموضوعات المتعدّدة المتناسبة بالنسبة إلى الفائدة المترتّبة عليها، فليلاحظ.

فائدة: (في نقل آراء من «الإشارات» و غيره في العرض الذاتي و التحقيق فيها)

ذكر في «الاشارات» (2): أنّ العارض للشي‏ء بلا واسطة أو بواسطة المساوي، ذاتي؛ و العارض بواسطة أمر خارجي أعمّ أو أخصّ، غير ذاتي؛ و عرّف الذاتي في شرحه ناسبا له إلى «الشيخ» بما يؤخذ الموضوع في حدّه.

و عمّم «المحقّق الطوسي (قدّس سرّه)» الذاتي- في «الشرح»- للعارض لنوع الجنس المعروض بحسب الاصطلاح، و للعارض لأعراض موضوعه الآخر، أو لأنواع تلك الأعراض الأخر، و عمّم بسبب ذلك، الأخذ في الحدّ.

و حكي في «الأسفار» (3) تصريح «الشيخ» بأنّ المحتاج إلى تخصّص استعداد لقبول العرض، فهو بالإضافة إليه غريب، كالضحك للحيوان المفتقر إلى الإنسانيّة في الضاحكيّة.

و ذكره في «شرح المطالع» (4) مفرّقا بينه و بين تحرّك الجسم، أو سكونه‏

____________

(1) شرح منطق الاشارات النهج التاسع 1: 298.

(2) منطق الإشارات 1: 64.

(3) الأسفار 1: 33.

(4) شرح المطالع: 19.

16

الغير المحتاج إلى حيوانيّته، و قد يعبّر عن المفتقر إليه بالحيثيّة التقييديّة.

و صدق ذلك على العارض للنوع بواسطة جنسه، واضح و إن لم يدخل في قسمي الذاتي فيما تقدّم عن «الإشارات»، لكنّه يمكن فهمه من اعتبار الخروج في المقابل، يعني خروج الواسطة عن ذات المعروض إن استفيد الاعتبار؛ و أمّا خروج العرض، فهو محلّ التقسيم إلى الذاتي و الغريب، كما يمكن إدخال بعض أقسام الخارج من التعريف بتحديد (1) العرض بالموضوع؛ فإنّه يشمل ما ليس فيه ضميمة موجبة لاستعداد المعروض الأوّلي للعلم، للعرض الثاني للمسألة، كان نوعا بالنسبة إلى الجنس، أو أمرا خارجا أعمّ بالنسبة إلى الأخصّ.

و أمّا المحتاج إلى الضميمة، فالتحديد بدونها ناقص غير تامّ و إن أريد به ما يعمّ الرسم؛ فجعل العارض بواسطة الخارج الأعمّ، كالحركة للأبيض بواسطة الجسم، أو أخصّ، كالحركة للموجود بواسطة الجسم، و الضحك للحيوان بواسطة الإنسان- في «الإشارات»- من جهة وجدان الحيثيّة التقييديّة، و حصول التهيّؤ للمعروض بسبب العارض الأوّلي الذاتي، فلا ينافي الذاتيّة فيما لم تكن هذه الحيثيّة التقييديّة المتقدّمة.

(وجه جمع بين هذه الأقوال في العرض)

و لعلّه يمكن الجمع بين الكلمات بذلك، من إدخال ما يعرض للجنس بواسطة النوع، في الذاتي في الاصطلاح في بحث العرض، في «شرح الإشارات»، و إخراج العارض بواسطة الأعمّ أو الأخصّ في كتاب «البرهان»، عن الذاتي، معلّلا للأوّل بعدم كون الحمل أوّليّا، و لأنّه قد يزول العروض بزوال النوع، و للثاني بعدم الكلّية الموجبة لليقين، كعروض الضاحك للحسّاس بواسطة الإنسان؛ و إن كان في‏

____________

(1) [لفظة «بتحديد» متعلّق ب «الخارج» و] علّة الخروج.

17

الأوّل: أنّه خلف العروض للجنس بالذات‏ (1)، لكنّه لعلّه لا يجري فيه الملاك للذاتيّة، لأنّ الذاتيّة للجنس بمعنى، و ذاتيّة الجنس بمعنى آخر؛ فالثاني مقوّم غير مبحوث عنه في العلوم، و الأوّل عارض ذاتي مطلوب في العلوم البرهانيّة.

و هذا بخلاف الاكتفاء في الذاتيّة باتّحاد المعروضين في الوجود؛ فإنّه يعمّ الأقسام المذكورة بحيث لا تبقى صورة منها للغريب.

(المستفاد ممّا سبق)

و ممّا قدّمناه يظهر عدم الاعتبار في الذاتيّة، لعدم الواسطة في العروض، بل المعتبر عدم الواسطة، أو عدم كونها ضميمة للموضوع في معروضيّته بالنحو المتقدّم؛ فتفسير العرض الذاتي بما ليس له واسطة في العروض رأسا، لا يخلو عن مسامحة؛ و يمكن أن يراد به عدم اعتبار عدم الواسطة في الثبوت، و أمّا الواسطة في العروض فقد تضرّ بالذاتيّة و قد لا تكون مضرّة.

(كلام من حاشية الأسفار في الموضوع و الملاحظة فيه)

ثمّ إنّه قد يقال- كما في حاشية «الأسفار» (2)-: يستفاد اعتبار الموضوع في‏

____________

(1) إلّا على كون حمل ذاتي على ذاتي، أو على ذي الذاتي، حملا شائعا، لا ذاتيّا كما قيل، لكنّ الحمل الشائع على هذا، لا يفيد مع كون الجنس داخليّا يعمّ الموضوع بملاك الذاتيّة؛ كما أنّ زوال العروض بزوال النوع، لا يضرّ بكون العروض الثاني في تقدير تحقّق النوع ذاتيّا، لكن المنتفي فيه ملاك الذاتيّة بمعنى الأخذ في الحدّ، لا بمعنى عدم الحيثيّة التقييديّة، و منه يظهر الحال في الثاني.

(2) الأسفار 1: 30 و 31 و 32.

18

العلوم بنحو يكون البحث فيها عن عوارضه الذاتيّة المساوية له، من اعتبار إنتاج مقدّمات البرهان لليقين بالنتيجة؛ فلذا احتاج إلى جعل العارض للأخصّ مع ما يقابله، عرضا ذاتيّا للجامع بين الموضوعين؛ و لازمه الاكتفاء بجعل الجامع بين المحمولات المتقابلة، أعراضا ذاتيّة للجامع بين الموضوعات الخاصّة المتقابلة؛ فيكون حدّ الموضوع محقّقا مع وساطة للأخصّ بهذا التقريب، و إن كان العرض الخاصّ الذاتي لحصّة خاصّة من الموضوع، غريبا بالإضافة إلى موضوع العلم.

لكنّه إنّما يصحّح البحث عن الجامع للجامع، و لعلّه لا ينافي الوساطة في العروض بنحو يحتاج الجامع بين الموضوعات إلى حيثيّة تقييديّة؛ فإنّ الاحتياج في خصوص المحمول الخاصّ، لخصوص الموضوع، لا للأعمّ من المتقابلين محمولا للأعمّ من المتقابلين موضوعا (1).

لكنّ البرهان على لزوم البحث عن الموضوعات المندرجة تحت جامع ذاتي بنحو تكون عوارض العلم ذاتيّة لذلك الموضوع بالنحو المذكور، غير مستفاد من الكلام المتقدّم، لإمكان تباين موضوعات المسائل بنحو يكون ثبوت المحمول لموضوعه في المسألة يقينيّا بلا جامع بين تلك الموضوعات إلّا المردّد بين المتباينات؛ و جعله ذاتيّا لموضوعات المسائل، كما ترى.

____________

(1) هذا، و ليس مسائل الفنّ إلّا باحثة عن ثبوت الخاصّ للخاصّ، و هي على الفرض عن الأعراض الغريبة للأعمّ المحتاج إلى حيثيّة تقييديّة في العروض، لا عن العامّ للعامّ حتّى يصحّ كونها ذاتيّة، و لا عن الخاصّ للعامّ حتى يضرّ كونها غريبة. و لا يعتبر فيه كونه يقينيّا، و لا لوازم اليقين من الشروط المذكورة، بل يلزم التوافق بين العروضين في اليقين و أسبابه.

و لو كان البحث عن العامّ للعامّ، لم يبق محلّ للنقض بما في الغالب من أخصيّة موضوع المسائل من موضوع العلم، مع أنّ ثبوت العامّ للعامّ ربّما يكون بديهيّا، و النظري ثبوت الخاصّ للخاصّ.

19

و قد عرفت تصريح «المحقّق» (قدّس سرّه) في شرح «الإشارات» (1) بإمكان تعدّد الموضوعات المشتركة في النسبة إلى غاية العلم، و ذكره «الشريف» في حاشية «شرح المطالع» (2)، و شيخنا (3) (قدّس سرّه) في بحثه.

و برهان وحدة المؤثّر في الواحد، لا يجري في غير الواحد الشخصي.

ثمّ على تقدير تماميّة ما ذكر، فلا وجه لاختصاصه ببعض العلوم، إذ لا علم لا يعتبر فيه اليقين بثبوت المحمول لموضوعه في كل مسألة، و لا علم يكون اعتباريّا غير حقيقي.

تنبيه (وحدة الغاية معلولة لوحدة الجامع بين المسائل)

يمكن أن يقال: إنّ اختلاف الأغراض و اتّحادها و إن كان هو المهمّ،- و يكفي في تمايز العلوم تمايز الأغراض الداعية إلى تدوينها بما لها من المسائل، و معه لا حاجة إلى تشخيص الجامع الموضوعي أو المحمولي بحيث تكون عوارض الموضوعات للمسائل عوارض ذاتيّة لذلك الموضوع الجامع في الجامع الموضوعي،- إلّا أنّ وحدة الغاية المترتّبة على المسائل الخاصّة، من جهة وحدة العلّة الجامعة بين تلك المسائل؛ فإنّ تعدّد الغايات يكشف عن تعدّد ذيها، و وحدتها عن وحدة ذيها، للزوم السنخيّة بين العلّة و المعلول، فلا يختلفان من حيث الوحدة و الكثرة بما هما كذلك؛ و عدم العلم بالموحّد في ناحية العلّة و أنّه الجامع الموضوعي أو المحمولي، غير عدم لزومه ثبوتا.

____________

(1) منطق الإشارات 1: 298.

(2) شرح المطالع: 18 حاشية السيّد الشريف.

(3) نهاية الدراية 1: 26 ط: مؤسسة أهل البيت (عليهم السلام).

20

نعم يمكن الاكتفاء في هذه الوحدة في ناحية العلّة بكلّ من الاتّحاد الموضوعي أو المحمولي، لا خصوص الأوّل و خصوص العروض الذاتي في الأوّل؛ فتبصّر فيما فعله في «الكفاية» (1) من جعل التمايز بالأغراض فقط مع تقريره ما ذكروه في موضوع العلم، فإنّه يمكن الجمع بين الأمرين بما قدّمناه.

و أمّا تفسير العرض الذاتي بما لا واسطة فيه في العروض، فيفترق عن تفسيرهم له باللّاحق للشي‏ء بما هو هو، مع تفصيلهم بين الأقسام التي قدّمناها في شرح ذلك.

فيمكن جعل ما هو الموضوع في كثير من العلوم أعمّ مطلقا من موضوعات المسائل داخلا في الذاتي بحسب التفسير الأوّل للاتّحاد الوجودي الكافي في عدم الوساطة في العروض فيها، بخلاف التفسير الثاني مع الحصر المتقدّم في الأقسام الثلاثة المتقدّمة، و ذلك بضميمة عدم الإضرار في اختلاف جهة العروض بالضرورة و الإمكان و نحوهما في العروض لموضوع العلم معه لموضوع المسائل.

و ممّا ذكرناه من التفسيرين، يظهر أنّ توجيه «الحكيم السبزواري» (قدّس سرّه) مبنيّ على التفسير الأوّل. و العروض المجازي و الوساطة في العروض يناسب المباينة التي تحقّق أيضا بأخذ موضوع العلم بشرط لا؛ فيكون العرض غريبا على التفسير الأوّل المبني على التجوّز بعلاقة العموم و الخصوص، فلا يكون في توجيهه غرابة.

(موضوع خصوص علم الأصول)

و أمّا الموضوع في خصوص علم الأصول، فقد يقال بامتناع الجامع الموضوعي للموضوعات المتباينة جدّا، حتّى أنّ المحمول في بعض المسائل‏

____________

(1) كفاية الأصول ص 8 ط: مؤسسة أهل البيت (عليهم السلام).

21

موضوع في بعضها. و هو كذلك، لو أريد الموضوع على النحو المتقدّم تقريره لسائر العلوم، مع الإغماض عمّا قدّمناه من كفاية الجامع الغرضي الذي هو التمكّن من الاستنباط بالنحو الآتي، الذي لا يضرّ بكونه الجامع ترتّب مسألة على مسألة و ترتّب الغرض بلا واسطة أو معها.

(الجامع المحمولي لعلم الأصول)

و لو أريد تقريره على ما مرّ، فلا مانع من جعل الجامع الحافظ للوحدة بين المسائل: «الحجّة على الحكم الشرعي»؛ فإنّها جامعة بين محمولات المسائل الباحثة عن حجّية الشي‏ء على الحكم الشرعي.

و أمّا المباحث المعيّنة للأوضاع، فحيث إنّ مآلها إلى البحث عن تحقّق الحجّة و ثبوتها، بنحو مفاد «كان» التامّة، فمرجع مثل البحث عن ظهور الصيغة في الوجوب، إلى تحقّق الحجّة على الوجوب بسبب الصيغة، أي تحقّق الظهور الذي هو من أنواع الحجّة، للأمر في الوجوب مثلا؛ فهو جامع موضوعي بين أمثال هذه المباحث بحسب اللبّ، لا العنوان، أي بدون التخصّص بخصوص الموضوعيّة أو المحموليّة؛ فعلم الأصول باحث عن ثبوت الحجّة، أو حجيّة الثابت بالذات، أو بالفعل، و الأخير مترتّب على الثاني، كما أنّ الثاني متقدّم على الأوّل‏ (1).

____________

(1) و يمكن أن يقال إنّ التحديد بالغرض للجامع الموضوعي لعلم الأصول أشمل و أسهل، لصعوبة تحصيل الجامع بغير ذلك، مع ما ترى من الترتّب بين المسائل بحيث يكون المحمول في بعضها موضوعا في بعضها. و ليس المراد من الدخول في العلم فيهما شي‏ء من الجامع الموضوعي أو المحمولي، إلّا بالترديد الذي ذكرناه في جعله الحجّة على الحكم؛ كما أنّ الجامع الغرضي لا ينفي الواسطة، بل يعمّ المبدئيّة للمسألة إذا كان الغرض من التدوين في العلم مسائل الفنّ، و إن كان مسألة أو مبدأ في سائر العلوم أيضا، لأنّ الاجتماع في الغرض‏

22

و مثل ذلك يجري في البحث عن وجوب المقدّمة الراجع إلى البحث عن ثبوت الحجّة على وجوب المقدّمة بسبب الحجّة على وجوب ذيها؛ و في البحث عن الإجزاء الراجع إلى ثبوت الحجّة على عدم وجوب الإعادة و القضاء بسبب امتثال الأمر الظاهري أو الاضطراري، أو إلى أنّ الحجّة على الحكم قبل الامتثال المذكور حجّة عليه بعده أيضا؛ فلا أثر للامتثال بعد انكشاف الخلاف أو تبدّل الاضطرار بالاختيار.

و في المسألتين نظر، فإنّ البحث عن الحكم محوج إلى البحث عن الدليل و الحجّة على الحكم؛ فلا بدّ من جعل البحث عن حجّية الحجّة على أحد الحكمين على الحكم الآخر، كالبحث عن حجيّة الظهور.

(الجامع الغرضي لعلم الأصول)

كما يمكن حفظ الوحدة بالغرض الوحداني المترتّب على مسائل الأصول، و هو التمكّن من استنباط الحكم الشرعي، ظاهريّا كان أو واقعيّا، أو من إقامة الحجّة على الحكم في المسألة الفرعيّة؛ كذا قيل، و لا يخلو عن إشكال، للاحتياج إلى سائر العلوم، و فيها ما دوّن للاستنباط كعلم «الرجال» و «الدراية»؛ فإنّ الاستنباط أهمّ المقاصد منهما، إلّا أنّ أغلب مسائل الرجال- كاللغة- مسائل جزئيّة، لا قواعد كليّة. و في الكليّة منه و من اللغة و الدراية، فالموضوع فيها مغاير للموضوع في [علم‏] الأصول؛ فإنّه باحث عن الحجّة ثبوتا أو حجّية، بدون تخصّصه بخصوصيّة جهة الصدور مثلا، و إن أخذت الخصوصيّات في‏

____________

أعمّ من الاختصاص بفنّ واحد. و بالجملة فالجامع الغرضي أوسع و أسهل، مع أنّه من حيث العليّة، له التقدّم على سائر الوحدات المعلوليّة، فلا يناسب العدول عن العلّة إلى المعلولات، فتدبّر.

23

موضوعات المسائل لا في موضوع العلم، لكنّ البحث عن وثاقة الرجال، بحث عن تحقّق أخبار الثقة بإخبار «فلان» مثلا؛ فيكون- كالبحث عن تحقّق الظهورات في مباحث الألفاظ- بحثا عن تشخيص الحجّة.

و الذي يسهّل الخطب، كثرة مسائل الرجال المقتضية لأن لا يعامل معها معاملة باب من الأصول، و قلّة مباحث الدراية المقتضية لعدم الفرق بين درجها في الأصول أو في الرجال، لمناسبته معهما، أو إفراده عنهما.

و دعوى كون الأصول جزءا أخيرا للاستنباط- كما ترى- لا تخلو عن الإجمال، إلّا بما يظهر ممّا مرّ من الإشارة إلى أنّ التمكّن الخاصّ الحاصل من مباحث الأصول، كتمكّن النحوي من حفظ اللسان عن الخطأ في إعراب الكلمة و بنائها.

و ذلك، لأنّ القواعد الكلّية النظريّة الممهّدة لاستنباط الأحكام الفرعيّة بردّ الفرع إلى الأصل، منحصرة في علم الأصول، و ينحصر فيها علم الأصول، فلا يحتاج إلى جامع مانع غير ذلك. و منه يظهر تعريفه الخاصّ به.

نعم لا ترفع الحاجة مطلقا في الاستنباط، بسائر العلوم، فهي لتحصيل التمكّن المفقود مع سائر العلوم المعهودة؛ فالحاجة للمستنبط ماسّة إلى الأصول، و إن حصّل سائر العلوم سائر ما يحتاج إليه المستنبط.

(المتحصّل من البحث في موضوع العلم)

فقد تحصّل ممّا قدّمناه: أنّ تحصيل الجامع الموضوعي بين موضوعات مسائل العلم، من لزوم ما لا يلزم؛ و أنّ المناسبة المصحّحة لجمع مسائل خاصّة و فقد غيرها فيها، هي الداعية إلى تدوين علم خاصّ؛ و أنّه يكفي فيها الاشتراك في الموضوع بحيث تكون الواسطة كالعدم، و يكون العروض لذيها حقيقيّا و ذاتيّا،

24

محافظة على عدم المصحّح للإدراج في علم آخر، كما يكون بالاشتراك في الجامع بين محمولات مسائل العلم، و كما يكون بالاشتراك في الغرض المترتّب بنحو الإعداد، على تلك المسائل، و إن اختلفت تلك المسائل بحسب الجامع الموضوعي و المحمولي.

و من الواضح أنّه لا يجري التقسيم إلى العرض الذاتي و الغريب، في الجامع المحمولي، و لا في الجامع الغرضي.

و الالتزام بالجامع الموضوعي هو الموجب لاختلاف مباحث علم الأصول و الالتزام بمبدئيّة بعضها و كون بعضها داخلا في ذي المبدأ و استطراديّة بعضها، مع العلم بعدم إرادة المدوّنين لذلك الاختلاف و اكتفائهم بمطلق المناسبة المصحّحة، و إن سلك المتأخّرون ما يكون كالانتقاد لمسلك المتقدّمين في تدوين مسائل الأصول، بل المناسبة المصحّحة، هي الموجبة لأولويّة الذكر في هذا العلم من سائر العلوم في خصوص كلّ مسألة، بدون إناطة على خصوص الجامع الموضوعي أو المحمولي.

و هذا كما تحقّق في علم الأصول أنّ البحث في مباحث الألفاظ، عن تحقّق الظهور الذي هو حجّة المفروض حجيّته، و في مباحث الحجج، عن حجيّة الأمارات المحقّقة، التي منها الظهور و الصدور الظنّي، فما هو الموضوع في الأوّل محمول في الثاني، كما أنّ الحجيّة الشأنيّة المحمولة في الثانية، موضوع في باب «التعادل» الباحث عن فعليّة الحجيّة لما هو حجّة شأنا مع التعارض و عن تعيين الحجّة.

(ضابط تمايز علم الأصول عن غيره)

و المصحّح للتدوين في علم واحد لجميع هذه المسائل، اشتراكها في غرض واحد، و هو «التمكّن من الاستنباط من قبلها بنحو الإعداد»؛ فلا ينتقض‏

25

بسائر ما يحتاج إليه المجتهد، ممّا لم يدوّن لخصوص الاستنباط، أو دوّن و لكن امتاز بموضوع آخر للعلم، كعلم «الدراية» و «الرجال» بالنسبة إلى قواعدهما الكلّية.

و لو لا ذلك، كان اللّازم تدوين علوم ثلاثة في داخل علم الأصول، كما ظهر ممّا قدّمناه، بعد ملاحظة الجامع الموضوعي و المحمولي بنحويه، بعد البناء على أنّ ترتّب هذه المسائل المجتمعة في الغرض المحفوظ به وحدة العلم، لا يضرّ بوحدة العلم، كترتّب البحث عن شروط حجيّة خبر الواحد على البحث عن حجّية الخبر، فتدبّر.

مبادئ علم الأصول‏

و أمّا المبادئ فهي [إمّا] «تصوريّة» راجعة إلى تحديد موضوعات مسائل العلم أو محمولاتها، أو «تصديقيّة» يتوقّف عليها التصديق بثبوت تلك المحمولات للموضوعات؛ و إنّما يلزم التنبيه عليها في مقدّمة العلم إن كانت غير معدودة في مسائل سائر العلوم و غير مبيّنة فيها.

و قد يقسّم كلّ من القسمين إلى «اللغويّة» و «الأحكاميّة»؛ و لا مقابلة بين البحث عن المعني اللغوي، أو ما بحكمه، تصوّرا أو تصديقا، و بين البحث عن الأحكام تصوّرا أو تصديقا.

و قد جعل البحث عن الخبر و الإنشاء، من اللغويّة التصوريّة، و البحث عن الصحيح و الأعمّ، من التصديقيّة اللغويّة، و كذا الحقيقة الشرعيّة. و المراد من اللغويّة- على هذا- ما يعمّ مطلق اللفظيّة، و جعلهما من المبادئ مبنيّ على جعل المسألة نتيجة البحث في البحثين، أعني ثبوت الإجمال على الصحيح،

26

فلا يتمسّك بالإطلاق، بخلافه على الأعمّ، و لزوم حمل أسامي العبادات على المعاني الشرعيّة، بناء على ثبوت الحقيقة الشرعيّة، مع أنّ النتيجة غير معنونة، لإغناء البحث عن المبدأ عن البحث عن النتيجة.

و لعلّ جعل المبدأين المذكورين لدخلهما في الفقه، من المسائل الأصوليّة- كسائر ما وقع البحث فيه عن الوضع أو تعيين الموضوع له- أولى.

و تخلّل واسطة- معنونة كانت أو لا، للوصول إلى الحكم الفرعي- لا ينافي ذلك، كسائر ما وقع البحث فيه عن الظهورات؛ و عليه، فلا يطرّد صحّة إخراج المبادئ من المسائل، بل لا بدّ في كلّ مبحث من رعاية وجود ملاك المسألة و عدمه.

(ماهيّة البحث عن حقيقة الحكم)

و جعل البحث عن حقيقة «الحكم» و تقسيماته، من الأحكاميّة التصوريّة، و عن جواز الاجتماع و عدمه، من الأحكاميّة التصديقيّة، مع أنّه لا يكفي في كون المبدأ تصديقيّا، كونه بحثا عن ثبوت شي‏ء للحكم في قبال البحث عن تصوّر نفس «الحكم» أو ثبوت نفسه، بل كون ذي المبدأ ممّا يتوقّف التصديق فيه على المبدا، في قبال توقّف تصوّر أطرافه على المبدأ.

و توقّف التعارض على مسألة الاجتماع من جهة توقّف صغرى التعارض على اختيار الامتناع، ليس من توقّف التصديق على مسألة؛ و ليس تنقيح صغرى مسألة لمسألة، موجبا للمبدئيّة المذكورة، و إنّما ذلك فيما كان المتوقّف- بالكسر- التصوّر أو التصديق؛ و المتوقّف عليه، ممّا لا ينطبق عليه موضوع العلم، حتى يجب خروجه عن مسائله بناء على لزوم الموضوع.

27

مع إمكان أن يقال برجوع البحث في مسألة الاجتماع، إلى البحث عن ثبوت الحجّة في مادّة الاجتماع، كثبوتها في مادّة الافتراق و عدمه، فيترتّب على العدم تحقّق التعارض و البحث عمّا هو الحجّة بالفعل من الحجّتين، كما أنّ البحث عن حجّية الشي‏ء، بحث عن الحجيّة الشأنيّة المتحقّقة مع عدم التعارض، إلّا مع المرجّح، أو على التخيير مع عدمه.

و أمّا البحث عن الحكم فهو بالنسبة إلى المباحث التي وقع الحكم فيها موضوعا أو محمولا، مبدأ تصوّري؛ فلعلّ هذا الاحتياج في الفقه إلى مثله، أشدّ منه في مسائل الأصول، إلّا أنّه لبناء المتأخّرين على إدراج لوازم الفقه الخارجة عن مسائله، في الأصول، رجّح الذكر في الأصول، و إن لم تكن الحاجة فيه بتلك المرتبة.

(الغرض من علم الأصول)

و أمّا الغرض المترتّب على الأصول الداعي إليه، فهو «التمكّن من استنباط الحكم الشرعي، المعدود من مسائل الفقه بتعلّم مباديه التصديقيّة لإحراز الحجّة- صغرى و كبرى، ثبوتا و حجيّة- على الحكم الشرعي، سواء كان ظاهريّا أو واقعيّا».

(تعريف علم الأصول)

و أمّا تعريفه فهو «أنّه مقدّمة لعلم الفقه، يبحث فيه عمّا لا يخرج عن دائرة الحجيّة في علم الفقه، من القواعد العامّة المدوّنة للتمكّن من استنباط الحكم- واقعيّا كان أو ظاهريّا- بسببها، لتوقّف التصديق في المسائل الفقهيّة عليها».

28

و منه يظهر أنّ الغرض من معرفة الحجّة- صغرى و كبرى- التمكّن من الاحتجاج في الفقه بسببها- فيشار في مقام الاستدلال على الحكم المختار في الفقه في الكتب الاستدلاليّة- إلى المختار من القواعد العامّة في الأصول، كما يشار إلى ما في سائر العلوم من مبادئ الفقه و الترجيحات الواقعة فيها في صورة الاختلاف إشارة إجماليّة.

فقد تحصّل ممّا قدّمناه: أنّ علم الفقه، ما لا يخرج عن دائرة الحجيّة، إمّا بكون الحجّة موضوعا لمسائله، كمباحث الظهورات الباحثة عن صغرى ما هو الحجّة؛ أو محمولا، كمباحث الحجج الباحثة عن حجيّة خبر الواحد و ظهور «الكتاب» شأنا، أو «التعادل» الباحث عن حجيّة أحد المتعارضين تعيينا أو تخييرا بالفعل.

و جميع هذه المباحث معنونة للحجّة، بمعنى الاحتجاج بها في الفقه، و التمكّن من ردّ الفروع إلى الأصول المتوقّف على فهم الأصول صغرى و كبرى.

(تفصيل في الأصول العمليّة)

و أمّا الأصول العمليّة الجارية في الشبهات الحكميّة، فعلى القول بأنّها من الفقه- للبحث فيها عن حكم نفس العمل، و عدم إضرار توقّفها على الفحص الذي هو شأن المجتهد، ككون التطبيق في قاعدة «ما يضمن بصحيحه»، و «كون الشرط المخالف فاسدا» بيد المجتهد، كما يرشد إليه اتّحاد البحث موضوعا و محمولا و دليلا في الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة، مع مسلّمية أنّ الجارية من الأصول في الشبهات الموضوعيّة من الفقه، كسائر مسائله العامّة؛ فيمكن أن لا يكون انحصار التطبيق للكبرى على الصغرى بالمجتهد، مانعا عن الاندراج في الفقه، كما يقتضيه إطلاق تعريفه، و ما ذكر في موضوعه، كما في سائر المسائل العامّة الفقهيّة المحتاج في تطبيقها إلى الاجتهاد من جهة الفحص عن الحجّة، و من‏

29

جهة الفحص عن وجود المعارض، و تقدّمه و عدمه؛ ففي هذه المسائل يجتمع جهتا الأصوليّة و الفقهيّة- فلا حاجة إلى تعميم الحكم للظاهري، و إلّا احتيج إليه.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

المبادئ التصوريّة اللغويّة

الوضع‏

المعنى الحرفي‏

تحقيق الإنشاء و الإخبار

علائم الحقيقة و المجاز

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

[الكلام‏] في المبادئ التصوريّة اللغويّة، لكونها من مباحث الألفاظ الراجعة إلى شرح الوضع الواقع موضوعا، أو محمولا في كثير من مسائل الأصول و انقساماته؛ و فيها فصول:

الفصل الأوّل في الوضع‏

(تعريف الوضع و بيان اعتباريّته)

«الوضع» [هو] جعل اللفظ مستلزما للمعنى في الإدراك، باعتباره موضوعا عليه؛ فالوضع الاعتباري هو المحقّق للاستلزام في الانتقال.

و حيث كانت الألفاظ الموضوعة لمعنى وحداني مختلفة باختلاف اللغات بلا جامع بينها، فلا مناسبة خارجيّة، بل اعتباريّة ناشئة عن مرجّح في كلّ طائفة لوضع لفظ خاصّ لمعنى واحد، ليعبّروا عنه به في المحاورات و من تبعهم فيه.

فهو علامة الاعتباريّة، لا لزوم اجتماع المتقابلين أو المتماثلين من كون العلقة الوضعيّة خارجيّة أو ذهنيّة، لأنّ الوضع للانتقال، و لا انتقال للمقابل و لا للماثل في الذهن؛ و ذلك لوضوح صحّة الوضع للأشخاص، و لا يفيد إلّا مع الانتقال الذهني في الاستعمالات و المحاورات. و الموجود الذهني و الخارجي إذا وقعا موضوعين أو محمولين، فهو قابل للتصوّر لما يلازم الوجودين لا بقيد الملازمة، و لا يكون التصديق لتلك القضيّة بلا تصوّر.

34

و حيث إنّه يكفي وجود مصحّح للوضع الاعتباري، فلا مانع من وضع لفظين للواحد في المترادفين، و من وضع لفظ واحد للمعنيين في المشترك اللفظي، لأنّ المناسبة الداعية إلى الاعتبار، لا مانع من ثبوتها في لفظين لمعنى واحد و في معنيين مع لفظ واحد، بل في لفظ واحد مع معنيين متضادّين، و في لفظ واحد مع معنى واحد في لغتين متوافقتين، و في لفظ واحد لمعنيين في لغتين.

و مثل الأعلام، الحروف الموضوعة لوجودات النسب، المتصوّرة بتصوّر أطرافها بتصوّر ماهياتها الملازمة لوجوداتها المنتزعة عن تلك الوجودات، في قبال الماهيّات الثابتة في الذهن باختراع العقل أو فرضه لها؛ فإنّه لا يعقل- بعد كون تمام الذات الوجود المتقوّم بوجود الطرف- انسلاخ الذات عن الوجود.

و يمكن أن يقال- بعد وجدانيّة الفرق بين اختراع الذهن و انتزاعه المستلزم للتصوّر للموضوعات الخارجيّة في التصديق، بل لمجرّد التخيّل و التوهّم بلا تصديق حكمي-: إنّ الوجود الذهني للماهيّة الشخصيّة، مرتبة ضعيفة من الخارجي، و المتصوّر يبني على إحضار ما في الخارجيّ في الذهن، و لا يتمكّن إلّا من الإتيان بمرتبته الضعيفة في أفق النفس؛ و قد تكون النفس لكمالها مستغنية عن إحضار الشي‏ء بصورته الذهنيّة، لمكان إحاطتها بما في الخارج؛ و أكمل هذا النحو علم الواجب تعالى المحيط بالموجودات، بلا حاجة إلى [ارتسام‏] الصور، تعالى عن ذلك.

و هناك طريق آخر، و هو أنّ العلم بالأسباب يستلزم العلم بالمسبّبات، فلا محلّ لعلمه بالصورة و عدم علمه بعدم مطابقها في الخارج أو وجوده فيه.

و طريق آخر، و هو أنّ العلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول، فلا معنى لعلمه بكمال العلّة و عدم علمه بأثر الكمال.

35

(تقسيم الوضع إلى ما بالجعل و الاستعمال و المناقشة فيه)

و أمّا تقسيم الوضع إلى ما يكون بالجعل أو بالاستعمال، فقابل للخدشة، بأنّ الاستعمال إن كان بداعي التخصيص الاعتباري و مع الدلالة عليه، فهو جعل بغير لفظ الوضع و شبهه، كان الاستعمال الموجب للجعل حقيقيّا أو غير حقيقي، و إلّا لم يفد الوضع؛ فإن أمكن الجمع بين الوضع الاستعمال الخاصّ بلا تجوّز فهو، و إلّا كان اللّازم ثبوت الواسطة بين الاستعمال الحقيقي و المجازي الذي يراعى فيه العلاقة؛ فإنّه مشترك مع التجوّز، في الحاجة إلى دلالة أخرى كالقرينة، و مع الحقيقة، في عدم العلاقة، فيكون بين المجاز و الحقيقة.

و كذا الحال فيما كان بتكراره بالغا إلى حدّ التخصّص الاعتباري المؤثّر في الاستلزام الانتقالي الذي هو أثر تكويني لهذا الجعل أو الانجعال الاعتباري؛ فإنّه يبلغ إلى حدّ، يرى فيه أبناء اللغة ملاك صحّة الاعتبار، فيعتبرون بها في استعمالاتهم، فيؤثّر في الاستلزام المذكور.

و اختلاف أسباب الاعتبار و مناشئه، و وحدة المعتبر- بالفتح و الكسر- و تعدّده، ممّا لا يتحقّق به التقسيم، كما لا يتحقّق بتعدّد الزمان و المكان، فلاحظ.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ الأنس الحاصل من كثرة الاستعمال مع القرينة حيث كان بحدّ يغني عن القرينة، فذلك غير محتاج في عرفهم إلى وضع و اعتبار، بل يكون اللفظ حينئذ، كالعلم المنصوب للاهتداء في الطريق.

(الجواب عن مناقشة عدم إمكان الجمع بين اللحاظين)

و أمّا المناقشة في التقسيم المذكور من جهة أنّ اللفظ ملحوظ في الاستعمال، آليّا، و في الوضع، استقلاليّا، و لا يمكن اجتماعهما في لحاظ واحد، يتقوّم به‏

36

الاستعمال الواحد، فقابلة للدفع: بأنّ الوضع الاعتباري المصحّح للاستعمال، غير نفس الاستعمال ثبوتا و إثباتا، فإنّه محتاج إلى الدلالة عليه، و لو كان الدليل صون الكلام عن القبيح، إذ إفادة المراد بلفظ لا وضع فيه و لا تجوّز، لأنّ المفروض عدم لحاظ العلاقة بين المراد و شي‏ء آخر يصحّ بها الاستعمال المجازي، بل عدم سبق وضع أصلا يشترط به صحّة الاستعمال المجازي، قبيح و غلط.

و الاستعمال الصحيح الإمكاني، علّة غائيّة لذلك الأمر الاعتباري، و العلّة غير المعلول؛ فلحاظ اللفظ في الوضع استقلاليّا، لا ينافي لحاظه في الاستعمال آليّا و إن تعدّد اللحاظ بتعدّد الموجب له.

يعني أنّ إنشاء الوضع، بإخطار المعنى باللفظ في الاستعمال؛ فهناك وجودان طوليّان: أحدهما و هو الإنشائي الاعتباري في طول الحقيقي الإخطاري، و أحدهما متعلّق باللفظ، و الآخر باللفظ الفاني في المعنى، لا مقيّدا به.

مع أنّ عدم لحاظ اللفظ في الاستعمال، لعدم المقتضي إلّا فيه، لا لاقتضاء العدم؛ فلو تمكّن منه لم يضرّ بالاستعمال؛ فللنفس تصوّر شيئين في زمان واحد، كما في مقام النسبة؛ و مرآتيّة اللفظ للمعنى تؤكّد الوحدة الخاصّة، فلا يقال: «يجوز الأوّل دون الثاني»، فتدبّر.

و الحاصل: أنّ إخطار المعنى باللفظ هو الاستعمال، و هو الإيجاد التنزيلي للمعنى، و الملحوظ آليّا في هذا المقام هو اللفظ بهذه الحيثيّة.

و أمّا كونه إنشاء للوضع و اعتبارا له و ملحوظا استقلاليّا بهذه الحيثيّة، فليس فيه محذور، لأنّه كإيجاد الفسخ في البيع بالتصرّف الإنشائي بالقول أو الفعل في المبيع بما لا يجوز لغير المالك؛ فإنّه يكون إنشاء للفسخ بفعل ما يتوقّف حلّه على الفسخ؛ كما أنّ الاستعمال هنا، يتوقّف صحّته و جريه على قانون الوضع- بنحو تقدّمت إليه الإشارة- على الوضع المتحصّل به بقصد التسبّب به إليه.

37

و ليس أصل الاستعمال معلولا حتى يقال: لا يعقل اعتبار المعلول علّة، كما في الوطي مع الفسخ؛ و اجتماع العلّة و المعلول في الزمان، يوجب حليّة الوطي و صحّة الاستعمال، و كذا الحال في النكاح المعاطاتي الذي هو خلاف ما حكي من الإجماع.

(جواب آخر)

و يمكن الدفع بأنّ الآليّة للمعنى، بمعنى قصد المعنى باللفظ في قبال قصد اللفظ بنفسه لنفسه، كما في إخلاء اللفظ عن المعنى، فلا ينافي قصد اللفظ لإبراز المعنى المقصود و للعبور به إلى المعنى؛ و كيف يكون التلفّظ اختياريّا و اللفظ غير مقصود، بل قصد اللفظ، لنفسه تارة، و للعبور به إلى المعنى، أخرى.

و يرشد إلى أنّ اللفظ مقصود، وقوع إعادة الكلام إذا وقع غلطا أحيانا، و الملازمة على صحّته المطلقة إلى حين الفراغ عنه.

و بالجملة: فقصد اللفظ لإراءة المعنى، ينافي قصده لا لإراءة المعنى، و لا ينافي القصد لغاية أخرى، غير منافية مع الأوّل. نعم، فيه الجمع بين العلّة و المعلول في استعمال لفظي واحد مقصود به الأمران المترتّبان، و لا مانع من الكشف عن الملزوم بإيجاد لازمه، كما في مثل «اعتق عبدك عنّي».

فيمكن إيقاع الملزوم الإنشائي بإيجاد لازمه الذي قد يكون إخبارا محضا، و قد يكون إنشاء ينشأ بوجوده الحقيقي ذلك الأمر الاعتباري الإنشائي الذي هو الملزوم. هذا على تقدير عدم تصوير الإنشاء القلبي، و إلّا فيمكن كشف الاستعمال عن الوضع السابق عليه و لو بإنشائه قلبا.

و بالجملة: فنسبة الوضع إلى الاستعمال نسبة ما بالقوّة إلى ما بالفعل؛ فالأوّل جعل للملازمة الشأنية الاعتباريّة، و الثاني إيجاد للملازمة فعلا؛ فأحدهما غير

38

الآخر و الملحوظ في أحدهما غير الملحوظ في الآخر؛ و الأوّل إنشائي اعتباري، و الثاني فعليّ تكويني؛ و يمكن إنشاء الأوّل بالثاني مع القرينة المصحّحة الكاشفة عن تحقّق الأوّل اعتبارا، و لذا صحّ الثاني تكوينا و لم يكن غلطا و لا مجازا.

و يمكن دعوى غلبة الوضع بالاستعمال في الأوضاع في اللغات، و أنّه لم يعهد وضع لجميع ألفاظ لغة واحدة لمعانيها معا أو مع التعاقب، فضلا عن مجموع اللغات، و إنّما تعاقبت بتعاقب الاحتياجات الداعية إلى الاستعمال و ما يتوقّف عليه من الوضع؛ و لعلّ منشأها تعليم الأسماء للبشر الذي أصله واحد معلّم ملهم بالكلّ.

(مناقشة في الجواب بتغاير الملحوظ)

[هذا] مضافا إلى ما أفيد، من أنّ الملحوظ في الوضع طبيعيّ اللفظ، و في الاستعمال شخصه، و لا اجتماع للحاظين في واحد، و إن كان فيما مرّ كفاية؛ فإنّ مصحّح الاستعمال الوضع المكشوف به، و لا يكون إلّا متعلّقا بالطبيعي و إن كان الكاشف الشخص.

مع أنّه يمكن أن يناقش فيه: بأنّ اللحاظ المصحّح للاستعمال سابق عليه رتبة، متعلّق بطبيعي اللفظ، و إنّما يتشخّص بنفس الاستعمال، لا في مرحلة لحاظ الطبيعي المؤثّر في إيجاد شخصه؛ و اللحاظ المقارن للاستعمال أو المتأخّر عنه و إن تعلّق بالشخص، إلّا أنّه ليس مصحّحا للاستعمال و مشروطا به الاستعمال؛ فقد يكون اللفظ في حال تحقّقه مغفولا عنه رأسا، غير ملحوظ أصلا، و قبل الاستعمال لا يمكن لحاظ الشخص في الأذهان العاديّة، و إنّما الشرط، اللحاظ المتعلّق بالطبيعي، المؤثّر في إرادة إيجاد شخصه، فتدبّر.

39

(الوضع جعل المرآتيّة الشأنيّة و الاستعمال جعل المرآتيّة الفعليّة)

و ليعلم أنّ اللحاظ المصحّح للاستعمال، هو المؤثّر في إيجاد طبيعيّ اللفظ في شخص منه، و لا يكون اللفظ الملحوظ به إلّا ملحوظا استقلاليّا، و تكون إرادة إفنائه في المعنى و إرادة المعنى به، من قبيل العلّة الغائيّة لهذا اللحاظ الاستقلالي المصحّح لإيجاد اللفظ عن إرادة؛ و الفاني في المعنى، هو اللفظ الملحوظ بلحاظ مقارن أو لاحق، غير مؤثّرين في اختيار إيجاد اللفظ.

لكنّ الوضع حيث ليس بنفس الاستعمال، لأعمّيته منه، فاللحاظ المعتبر في الوضع مغاير للمعتبر في الاستعمال و المحقّق فيه؛ فإنّ اللفظ بعض الملحوظ في الوضع المحتاج إلى القرينة، و تمامه في الاستعمال، و الوضع جعل المرآتيّة الشأنيّة، و الاستعمال جعل المرآتيّة الفعليّة، و بينهما تفاوت العلّة و المعلول.

(فرق آخر بين الملحوظ في الوضع و الاستعمال)

و يمكن أن يقال: إنّ الملحوظ في الاستعمال ليس هو الشخص الغير الموجود إلّا بوجود الاستعمال؛ فهو بشخصيّته غير موجود قبل الاستعمال و لا حاله حتّى يلاحظ، بل بعده و بعد تحقّقه المشخّص له؛ و إنّما يلاحظ العوارض المشخّصة قبل الاستعمال و حاله، و هو غير ملاحظة الشخص الموجود.

فالفرق بين الوضع و الاستعمال، في لابديّة لحاظ العوارض الطبيعيّة معا في حال الاستعمال فيما لم تكن من المقارنات دون الوضع؛ و كفى به فارقا و دليلا على المغايرة، فتدبّر.

40

(توضيح لدفع شبهة اجتماع اللحاظين المتقابلين)

و ممّا قدّمناه من أنّ اللفظ- أعني طبيعيّة- ملحوظ في الاستعمالات استقلالا، بلحاظ مؤثّر في إرادة إيجاده في شخص منه، تقدر على دفع شبهة اجتماع اللحاظين المتقابلين في الجمع بين الدعائيّة و القرآنيّة؛ و في استعمال المشترك في معنيين؛ فإنّ المحال- و هو الفناء الوجداني في شيئين- إنّما يكون في اللحاظ المقارن أو اللّاحق، لا السابق المؤثّر في الإيجاد؛ و غيره ربّما لا يكون موجودا، بل يمكن أن يكون اللفظ في غير اللحاظ المؤثّر غير ملحوظ رأسا، و إنّما الملحوظ نفس المعنى و ما أمكن منه؛ و هذا اللحاظ المتعلّق بالمعنى أيضا غير لازم، فقد يغفل عنه، و اللّازم لحاظه قبل الاستعمال كاللفظ بنحو يؤثّران في الاستعمال لأن يكشف اللفظ عن قصده، مع أنّ الفناء في المجموع ممكن في المقامين.

و لعلّ السرّ فيه: أنّ اللفظ جزء الدالّ على الخصوصيّتين، و الآخر، القرينة التي ليست من قرينة المجاز، لعدم لحاظ العلاقة، فلا مانع من العبور باللفظ إلى أمرين:

أحدهما المعنى، و الآخر اللفظ المماثل المنزّل قرآنا مع ضميمة القرينة في كلّ عبور هو المراد من الاستعمال.

(تقسيم آخر للوضع)

و ينقسم الوضع إلى «ما كان الوضع و الموضوع له فيه عاميّن»، كأسماء الأجناس؛ أو خاصّين، كالأعلام، و إلى «ما كان الوضع فيه عامّا و الموضوع له خاصّا» أي كان الملحوظ حال الوضع أمرا عامّا و الموضوع له مصاديقه أو معنوناته، و سيأتي بيان ما يكون من هذا القسم.

41

الفصل الثاني في تحقيق معاني الحروف، و كيفيّة الوضع فيها

أمّا المعنى الحرفي فقد يقال: إنّه «الموجود لا في نفسه المتقوّم بوجود الطرفين»، و لا ذاتيّة له بغير وجود الطرفين؛ فليس له ماهيّة، لغاية نقصه، و لا وجود له غير وجود الطرفين، و إنّه في ذاته متقوّم بوجود الطرفين، كما أنّ الماهيّات العرضيّة في وجودها متقوّمة بالموضوع؛ فمن هذه الجهة يشبه الأعراض و ليس منها، لعدم ماهيّة مقوليّة، و لأنّ التقوّم، في نفس وجوده، لا لوجوده، كما في الأعراض.

و يمكن استفادة هذا الوجه ممّا في «الأسفار» (1)، و قد أوضحه شيخنا (قدّس سرّه) في كتابه‏ (2) في الأصول.

(إشكال اضافة الوجود الواحد إلى الجوهر و غيره)

و يمكن أن يقال: إنّ تقوّم شي‏ء في ذاته بوجود شي‏ء و حقيقته، يقتضي أن يكون ذات المتقوّم، وجودا، لا شيئا آخر له الوجود؛ و حيث إنّ ذلك الوجود مضاف بالذات إلى ماهيّة، فلا إضافة له إلى غيرها بالذات، إذ لا تعدّد له حتى يصحّ كون الإضافتين ذاتيّتين؛ و مع الوحدة فالوجود الواحد كيف يضاف بالذات إلى‏

____________

(1) الأسفار 1: 47.

(2) نهاية الدراية 1: 51، ط: مؤسسة أهل البيت (عليهم السلام).

42

جوهر و إلى ما ليس بجوهر و لا من الماهيّات المقوليّة، أعني النسبة؟

هذا في إضافته إلى الموضوع، مع أنّه مضاف إلى العرض القائم به أيضا؛ فيلزم إضافة وجودين متباينين- أعني الجوهر و العرض- إلى غير ماهيّتهما و إلى ماهيّتهما بالذات.

و حيث إنّ الاضافة المفروضة للموضوع إلى وجود النسبة بالاتّحاد، لأنّه لازم التقوّم بنفس ذلك الوجود بنحو لا ينتهي إلى المعلوليّة، و كذا إضافة النسبة إلى كلّ من الموضوع و العرض المنسوب إليه، فاللّازم اتّحاد العرض و الموضوع، و اتّحادهما مع النسبة الموجودة بعين وجودهما، لأنّ المتّحد مع المتّحد مع شي‏ء، متّحد مع ذلك الشي‏ء، بل هذا يكفي في الإشكال؛ فإنّ لازم التقوّم في نفس الوجود بنفس وجود الموضوع، الاتّحاد؛ فيلزم من اتّحادهما اتّحاد العرض و الموضوع في مثل البياض لوجه «زيد»، و المفروض تعدّد وجودهما.

و أمّا تعدّد الإضافة على ما سبق، فيمكن التفصّي عنه باختلاف الإضافتين معنى، و لا يستلزم تعدّد الواحد هويّة.

(الجواب عن الإشكال)

و يمكن أن يقال: إنّ مدلول الحروف يتضمّنه أو يستلزمه مدلول الهيئات الاشتقاقيّة، كما يشهد [له‏] عدم الجمع بينهما في الكلام في «الظرف المستقرّ» في مثل: «زيد في الدار»، بخلاف «اللغو» في مثل: «زيد آكل في الدار»، لرجوعه إلى نسبتين: إحداهما بين الأكل و «زيد»، و الأخرى بين «أكل زيد» و الدار، و لا جمع في الأخيرة و لا في الأولى؛ فاللّازم أنّ المعنى هو داخل في العرضي المنتزع من اجتماع الموجودين على نحو خاصّ بالذات، أعني العرض و موضوعه، إلّا أنّ العرضي هو المنتسب، لا طرفا النسبة و لا النسبة؛ فالمتهيئ بالهيئة دالّ على‏

43

المنتسب الموجود بالعرض، و الهيئة، على النسبة الموجودة بالعرض؛ فهو موجود بالاعتبار بمصحّحية اجتماع الطرفين وجودا، و ليس موجودا بالذات بوجود متّحد مع الطرفين أو مغاير لهما؛ فكما أنّ العرضي موجود بالعرض، فكذلك النسبة بين الطرفين، موجود بالعرض و الاعتبار.

و لعلّه إلى هذا ينظر كلام‏ (1) الأستاذ (قدّس سرّه) في تنظيره للمعنى الحرفي بوجود المقبول بوجود القابل و ما بالعرض بوجود ما بالذات؛ فلا يلزم المحال من إضافة وجود بالذات و بالفعل إلى شيئين غير متّحدين في الذات.

(الفرق بين المعنى الحرفي و مدلول المشتق)

و يفترق المعنى الحرفي عن مدلول المشتق، بصحّة الحمل على الموجود بالذات في الثاني دون الأوّل؛ فمدلول الحروف- كمدلول الهيئات الدالّة على النسب- كهيئة الأفعال في قبال الهيئة الدالّة على طرف النسبة بما أنّه منسوب إليه، أعني هيئة المشتقّات، و كلّها مشتركة في كونها من الموجود بالعرض، و تفترق بكون المعنى في الأوّلين حرفيّا و في الثاني اسميّا.

و مثل الثاني في الاسميّة مفهوم النسبة؛ فإنّه معنى اسمي مع كونه موجودا بالعرض أيضا، و سيأتي- إن شاء اللّه- الكلام فيه و في منشائه و في شرح المعنى الحرفي بوجه آخر.

و على تقدير اتّحاد مدلول الهيئة و الحروف، فهما دالّان على النسبة الموجودة المنتزعة من وجود الطرفين على النحو الخاصّ بالتخصّصات المقوليّة الخاصّة المفيدة لتعلّق أحدهما بالآخر بالتعلّق الخاصّ الذي يدلّ عليه الحرف‏

____________

(1) بحوث في الأصول، للعلامة الأصفهاني (قدّس سرّه): ص 25

44

أو الهيئة، أعني تعلّق أحدهما بالآخر؛ فلا فرق في الجهة المذكورة بين «زيد ضرب»، و «زيد ضارب» في أنّ الدالّ على النسبة فيهما الهيئة.

(عدم الفرق بين هيئة المشتق و الحرف)

و عليه، فلا فرق بين هيئة المشتق و الحرف، حتّى في صحّة الحمل؛ فإنّ المحمول على الحقيقة في مثل «زيد في الدار»، هو المشتق المقدّر لمعلوميّته؛ و أمّا المشتق فالهيئة فيه، مدلولها ما مرّ، و المادّة فيه، مدلولها العرض، و المجموع عرضي مدلوله المنتسب، أعني المنتزع من الذات في حال تلبّسها بالعرض، و في حال انتساب العرض إليها.

و هذا شاهد على الانتزاع المتقدّم؛ فإنّ الحمل لازمه الاتّحاد، و لا اتّحاد بين وجودين و لا بين العرض و موضوعه؛ فالمتّحد مع «زيد» بنحو يصحّ الحمل بينهما، هو الموجود بعين وجود «زيد» اعتبارا منتزعا عنه في حال قيام المبدا به، إلّا أنّ الدخيل في انتزاع النسبة شيئان: العرض و موضوعه في حال خاصّ، بخلاف دخالة وجود «زيد» في انتزاع وجود ماهيّته الشخصيّة بالعرض، الدخيلة في انتزاع وجود نفس الإنسان بالعرض بواسطة.

فمدلول المشتق، هو المصحّح للحمل الذي ملاكه الهوهويّة ذاتا أو وجودا، و الأوّل في الحمل الأوّلي، و الثاني في الحمل الشائع؛ فالموجود بالعرض هو العرضي الذي هو عنوان له الانتساب إلى العرض، و هو الموجود بالعرض، كما أنّ النسبة موجودة بالانتزاع و الاعتبار؛ فبعد هذا الانتزاع يكون طرفا النسبة ممّا له الواقعيّة المنسوبة إلى ما في الخارج بالذات و إلى عنوانه بالعرض؛ فيتّحد قولنا:

«زيد قائم» مع قولنا: «زيد طرف نسبة القيام» و «زيد في حال القيام»؛ فمدلول‏

45

هيئة «فاعل» الشي‏ء المنسوب إلى الفعل، و كذا المفعول، مع اختلاف كيفيّة النسبتين.

و أمّا كون النسبة التي هي مدلول الحرف، ربطا اعتباريّا انتزاعيّا؛ فلمكان أنّه يحدث بين المعروض و العرض، شي‏ء يعتبر بسبب الاتصاف الواقعي على نحو واقعيّة الطرفين، ربطا و اتّصالا بينهما، كما يتّصل الشيئان بسبب ضمّ أحدهما مع الآخر؛ فالرابط الجوهري هو المعتبر فيما بين العرض و موضوعه في حال الاتصاف.

و حيث إنّ تحقّق الربط على طبق تحقّق الطرفين، فقد يكون أشدّ ممّا بين الجوهرين، كما بين الشي‏ء و علل قوامه، أو بعضها، كما بين الإنسان و الناطق أو الحيوان الناطق.

(تفرقة بين مدلول المشتقّات و هيئتها)

و الذي ينساق إليه النظر الدقيق، أنّ المشتق- على اختلاف أنحائه، أعني الفاعل و المفعول و الماضي و المستقبل و المصدر- يدلّ بمادّته المشتركة بين جميع الصيغ، على ما هو من الأعراض المغايرة تحصّلا مع الجواهر، و لا يمكن حملها على الجواهر إلّا بضرب من التأويل و التجوّز كالمبالغة؛ و يدلّ بهيئته المشتركة بين جميع الصيغ على النسب المختلفة فيها المتحقّقة في الاعتبار بين طرفين، أحدهما المعروض و الآخر العرض.

كما أنّ خصوصيّة مدلول الهيئة- أعني النسبة الخاصّة- بخصوصيّة نفس الهيئة الخاصّة؛ فهيئة «ضرب» تدلّ على النسبة الماضويّة مثلا؛ و المضارع على النسبة التلبّسيّة؛ و هيئة «فاعل» تدلّ على النسبة، و فيها زيادة ماديّة تدلّ على الذات المنتسبة بتلك النسبة، و هذه الزيادة موجودة في «يفعل» و في «مفعول»، فهي الموجبة لصحّة الحمل على الذات.

46

و أمّا فقده في الماضي، فلا يدلّ على كون ملاك الحمل صرف النسبة التي هي مدلول الهيئة، بل لمكان أنّ الدالّ على العرض نفس المادّة بشرط لا عن الزيادة الماديّة في الماضي، أو مع زيادة دالّة على شي‏ء آخر في الماضي، كالمزيد فيه، أو مع عدم الزيادة في صورة التهيّؤ بهيئة أخرى، كالمصدر.

فمدلول المشتق، الذي هو المتهيّئ بهيئة خاصّة في ضمن مادّة خاصّة وجوديّة محضة أو مع العدميّة، هو الذات الواقعة طرفا للنسبة، المدلول عليها بنفس الهيئة، بين الذات و العرض المدلول عليه بنفس المادّة، و الدالّ على النسبة بالمطابقة دالّ على الطرفين على الإبهام بالالتزام؛ فإذا كان في اللفظ دلالة مطابقيّة على الطرفين فهو، و إلّا فملاك الحمل في بعض الهيئات- كالماضي من المجرّد و بعض الصفات المشبّهة- هو المدلول الالتزامي في أحد الطرفين، لا المطابقي الذي هو اعتبار بين شيئين، لا عنوان لأحد الطرفين.

و هناك بعض المشتقّات المشتركة بين المصدر و الصفة، ك «العدل» و لا بحث فيه؛ فإنّه كاشتراك أسامي الأعيان بين المتباينين.

(تحقيق حول دلالة لفظة «الفاعل»)

و يمكن أن يقال: إنّ لفظة «الفاعل» فيها الدلالة على الذات المنسوبة إلى الفعل، و لكلّ جزء من هذا المدلول جزء من الدالّ؛ فإنّ الفعل دالّ على المبدا الذي هو أحد طرفي النسبة المدلول عليها بالهيئة؛ ففي هذه اللفظة، دلالة على من يتلبّس و ينتسب و هو الذات أيضا، و ملاك صحّة الحمل هو مدلوليّة الذات و كون المدلول عنوانا للذات التي هي في الواقع منسوب إليه بتلك النسبة؛ ف «قائم» بمعنى «من يقوم»، اجتمع فيه دوالّ ثلاثة، لكنّ المحمول هو المدلول الذاتي العنواني الغير المعلوم إلّا من طريق طرفيّة النسبة الخاصّة؛ فالدالّان الآخران،

47

لتعيين المدلول العنواني الذي هو المحمول، كصلة المحمول إذا وقع موصولا مبهما في نفسه؛ و يمكن إرجاع غير الفاعل و المفعول من المشتقّات، إليهما بالتأويل إليهما، و إن اختلف وضع الدالّ في غيرهما معهما دون المدلول.

بل يمكن أن يقال: بأنّ الموضوع له لكلمة «فاعل» هو «الشي‏ء المنسوب إليه الفعل»؛ فالموضوع له هو المقيّد، و الدالّ على ذات، المقيّد و التقيّد و القيد، أمور ثلاثة؛ فالأوّل ملاك الاسميّة، و الثاني للحرفيّة، و الثالث للفعل؛ و حيث إنّ الموضوع له معنى اسميّ هو المقيّد، فلا بدّ من خصوصيّة في الدالّ تؤدّي إلى الثلاثة المذكورة بنحو تقيّد معنى الأوّل بالقيد و التقييد، لا بنحو التركّب حتى يكون الدالّ كالمدلول، الاسم و الفعل و النسبة.

(اتحاد النسبة الذهنيّة مع الخارجيّة في الوجود العرضي)

ثمّ إنّ المعنى الحرفي- أعني النسبة الموجودة بوجود الطرفين- كما أنّها موجودة في الخارج بالعرض بعين وجود طرفيها أو أطرافها بالذات، فكذلك لا تكون موجودة في الذهن إلّا بالعرض؛ فلا تكون ملتفتا إليها إلّا بعين الالتفات إلى الطرفين، المنسوب إلى الطرفين بالذات و إليها بالعرض؛ فإنّ الالتفات ليس إلّا الوجود الذهني؛ فالموجود في الذهن حينئذ، أمر مطابق للموجود في الخارج في خصوصيّة النسبة و طرفيها، مخالف في الوجود العيني و الذهني.

فلو وجدت النسبة في الذهن بالاستقلال لا على هذا النحو، لم تكن عين النسبة التي هي معنى الحرف، بل كان معنى اسميّا مستقلّا بالمفهوميّة، موجودا عنوانيّا و بالعرض، أو حقيقيّا مقوليّا، كمفهوم النسبة الابتدائيّة مثلا في الأوّل، و ككون المكان مبتدأ به في مقولة الإضافة.

48

(إشارة إلى أنّ الوضع في الحروف عامّ و الموضوع له خاصّ)

و هذا لازم كون المعنى الحرفي- أعني النسب التي هي مفاد الحروف و الهيئات- معاني غير مستقلّة في شي‏ء من الوجودين، و كون المعنى الاسمي مستقلّا بالمفهوميّة، كان من الموجودات الحقيقيّة أو الاعتباريّة، و ليس المعنى الحرفي إلّا موجودا بالاعتبار، على ما مرّ.

كلّ ذلك من لوازم عدم كون النسبة ماهيّة متأصّلة مستقلّة بالمفهوميّة، لا من المقولات الحقيقيّة، و لا من العناوين الانتزاعيّة المستقلّة في اللحاظ، الموجودة في الخارج بالعرض و بالاعتبار، كعناوين المشتقّات؛ فيمكن أن يكون طريق الوضع في الحروف و ما بمثابتها، هو لحاظ العنوان المنطبق على معنوناته الخارجيّة، و الوضع بمعرّفيّته للأشخاص المعنونات بذلك العنوان؛ فلا يكون الوضع فيها إلّا عامّا و الموضوع له إلّا خاصّا. و سيأتي- إن شاء اللّه- تنقيح ذلك في البيانات الآتية (1).

____________

(1) (ملاحظة في دعوى الوضع للنسبة الكلاميّة) و أمّا دعوى الوضع للنسبة الكلاميّة، فيمكن أن يقال فيها: إنّ الموضوع له إن كان من سنخ الكلام، فهو مقطوع بخلافه، إذ ليس في الكلام سوى الدالّ الموضوع، لا الموضوع له؛ و إن كان من غير سنخه و غير واقع النسبة المحقّقة، كان هناك متكلّم أو حاك، أو لا، فهو أيضا لا برهان عليه، بل البرهان على خلافه، إذ ليس إلّا إفهام المعاني بالألفاظ و حسن التعبير الخاصّ، بخلاف التعبير الآخر.

و كون المدلول في بعض الحروف و الهيئات، النسبة الإنشائيّة الاعتباريّة، ك «حرف النداء» و هيئة «اضرب»، حيث إنّهما لما هو تنزيلا و وضعا نسبة ندائيّة أو طلبيّة، كما تكون إحداهما بالفعل تارة و بلفظ من لغة أخرى، أخرى، لا يقتضي عدم كون المدلول ذا واقعيّة رأسا و اللفظ إخطاريّا أيضا.

49

(إقامة البرهان على أنّ النسبة موجودة واقعا)

و أمّا البرهان على وجود النسبة على النحو العامّ للحقيقيّ و الاعتباري، فهو تعلّق العلم تارة بطرفي النسبة، و الجهل بها، و غير المعلوم غير المعلوم، و صادقيّة «زيد قائم» تارة و عدم صادقيّته أخرى مع العلم بوجود «زيد» و وجود القيام؛ فيعلم ثبوت أمر في الصورة الأولى، منتف في الصورة الثانية.

و أمّا كونها في الغير- أي في الطرفين- فلا يدلّ على عدم وجودها، و إلّا لم يكن العرض موجودا، لأنّه من حالات المعروض و كيفيّاته. و الوحدة للطرف و التعدّد، لا يؤثّر [شي‏ء منهما] في الوجود و العدم‏ (1)، بل لو لم توجد النسبة، لم‏

____________

(1) (تفرقة بين التعبير الاسمى و الحرفى و إن كان الواقع واحدا) و لا يخفى أنّه حيث إنّ الواقع مشتمل على وجود الموضوع و وجود المبدا في المحمول و على وجود الربط بينهما، فهذا الواقع لا يزيد و لا ينقص بسبب التعبير عنه بالاسم، فيقال:

«ظرفيّة الدار لزيد محقّقة»، أو الحرف، فيقال: «زيد في الدار»؛ فلا يمكن أن يكون الوجود الثالث في الطرفين و لا في لا في الطرفين، و موضوعا أو محمولا تارة، و خارجا عنهما أخرى حقيقة أو حقيقيّا في تعبير، و اعتباريّا في الآخر؛ بل مع اشتراكهما في إفادة المراد الواحد، يفترقان بأنّ المحفوفيّة بالطرفين لازمة في المعنى الحرفي، و غير لازمة في المعنى الاسمي و إن كانت تتحقّق تارة، كما في المثال؛ فلو نظر إلى هذا الرابط، لتعرّف حال الطرفين و هذا غايته؛ فلا يمكن أن يكون هذا النظر مقصورا على نفسه و مخبرا عنه أو به؛ فإنّ اللحاظ للغير لا يجتمع مع اللحاظ لا للغير.

فيصحّ أن يقال: إنّ الظرفيّة، من الأعراض النسبيّة، بلا حاجة إلى ذكر الطرفين و معرفتهما، و إن كانت لو تحقّقت لا تتحقّق إلّا لطرفين، بخلاف ما إذا قصد العبور بها إلى معرفة حال طرفيها من حيث الظرفية و المظروفيّة، فلا يمكن الإخبار عن نسبة الظرفيّة، بل يخبر عن أحد طرفيها بالآخر في حال الانتساب المذكور؛ فالمعنى الاسمي هو المعنى الملحوظ في نفسه‏

50

يصحّ للهيئات الاشتقاقيّة في الأسماء و الأفعال معنى معقول، كما في «ضارب» و «يضرب»؛ فإنّهما مع الاختلاف في الاسميّة و الفعليّة و الاتّفاق في الوجود المحمولي الاستقلالي، دالّتان على الذات المنتسبة، لا على الطرفين، و إلّا لم يفترق «ضارب» في المفهوم عن «زيد» و عن «الضرب»؛ و لا على نفس النسبة و إلّا لم يحمل على الذات، بل على المنسوب إلى العرض بنحو؛ فلا يتحقّق معنى معقول‏

____________

و هو المعبّر عنه في الحديث (البحار 40: 162) ب «المسمّى»؛ و ما يجري مجراه في الجملة هو المعنى الملحوظ لطرفيه و في طرفيه، لا أنّه موجود في الطرفين و أنّ الاسم موجود في نفسه؛ فإنّ الواقع لا يتغيّر الموجود فيه بسبب التعبيرين؛ بل مغايرة اللحاظين، لأجل مغايرة الحملين، و المخصوص بأحدهما، الاسم و بالآخر، الحرف؛ و مخالفة قانون الوضع للغايات المتعدّدة المخصوص كلّ واحدة منها بدالّ خاصّ، في قوّة المخالفة في نفس الموضوع له، كما هو ظاهر.

(المعنى الاسمي منظور إليه و الحرفي منظور به) و نتيجة ما مرّ: أنّ المعنى الاسمي هو المنظور إليه، و الحرفي هو المنظور به؛ فقهرا يكون الأوّل طرفا للنّسبة الخارجيّة و الثاني، نفس النسبة الخارجيّة. و كذا مفهوم النسبة معنى اسمي يمكن وقوعه طرفا لنسبة خارجيّة و ملحوظ استقلالي، [مثلا] تقول: «نسبة الابتداء بين السير و البصرة»، و تقول: «مبدأ سيري البصرة». مع أنّ ما في الخارجيّة ليس إلّا النسبة و طرفاه، بأيّ تعبير عبّر عنها، لكن وضع الاسم لمعناه لا يحتاج إلى مزيد تقييد بالملحوظ مستقلّا، بل هو مقتضى طبع وضع الاسم و الفعل، بخلاف الحرف فإنّه موضوع للنسبة المحفوفة بالطرفين الملحوظة لتعرّف حال الطرفين و ما لهما من الوصف الحاصل بالانتساب.

فالفارق بين المعنى الحرفي- و هو حقيقة النسبة- و بين المعنى الاسمي الموافق لذلك المعنى الحرفي في الجملة، أنّ الاسم الدالّ على العنوان و النسبة و الظرفيّة و الابتدائيّة و نحوها، أنّه وضع للحاظ مدلوله مستقلّا بحيث يخبر عنه و به؛ و الحرف وضع للحكاية عن معنى غير ملحوظ إلّا آلة لتعرّف حال الطرفين و وصفهما، و لا يخبر عن ذلك المعنى و لا به، بل به يصحّ الإخبار عن شي‏ء بشي‏ء.

51

للضارب إلّا مع وجود «زيد» مثلا و وجود «ضرب» مثلا، و نسبة بين الضرب و «زيد»؛ و التعبير عن هذه النسبة يكون بالحرف، فيقال: «زيد في اشتغاله بالضرب»؛ و يكون بالاسم أو الفعل بنحو التضمّن أو الاستلزام، فيقال: «ضارب» و «يضرب».

(ملاحظة في سلب الماهيّة أو الوجود عن الحرف)

و أمّا أنّ المعنى الحرفي موجود بلا ماهيّة، أو معها، أو غير موجود إلّا في الاعتبار و الانتزاع من اجتماع وجودين على النحو الخاصّ، فيمكن أن يقال: إنّ وجود الممكن ملازم لماهيّته، و عدم العلم بالماهيّة كما هي، لا يوجب عدمها، أي العلم بعدمها؛ بل ما نقل من «أنّ الحرف ما دلّ على معنى في غيره» (1)، أو «أنّه ما دلّ على معنى ليس باسم و لا فعل» (2)، يرشد إلى أنّ معنى الحرف- بحسب النوع- شي‏ء بين المسمّى و حركته، موجود فيما بينهما، يراه العقل ثابتا، و أنّه لو لا ثبوته لم يحمل عرضي على موضوعه، كما لا يحمل عرض على الموضوع.

و أمّا أنّ الماهيّة متأصّلة مستقلّة بالمفهوميّة، فليس ذلك من لوازم الماهيّة التي تختلف اختلافا فاحشا، فقد تكون جوهرا على أنواعه المختلفة، و قد تكون عرضا ضعيفا في وجوده غايته بالنسبة إلى الوجود الجوهريّ؛ و هذا الموجود أضعف من العرض، لتوقّفه على الطرفين، بخلاف العرض الذي هو الطرفين.

و عدم الاستقلال في المعقوليّة، على وفق عدم الاستقلال في الموجوديّة الخارجيّة؛ فإنّ جميع ما في الذهن، على طبق خارجيّته في الكمال و النقص، عدا المخترعات الفرضيّة الذهنيّة.

____________

(1) الكافية: ص 112، ط: كراچي.

(2) تأسيس الشيعة: ص 61.

52

و أمّا الاتّفاق على عدم الماهيّة هنا لغاية الضعف، كعدمها في الواجب، لغاية الكمال، كما نسب إلى جماعة، فهو لا يناسب اختلافهم في مقولة الإضافة التي هي النسبة المتكرّرة، و أنّها حقيقيّة مقوليّة أو اعتباريّة.

(عدم اختلاف النسبة بتكرّرها، في مقولة الإضافة)

فيمكن أن يقال: إنّ النسبة لا تختلف بتكرّرها في مقولة الإضافة، فإن كانت المتكرّرة اعتباريّة، فكل نسبة كذلك و إن كان لا بدّ من مصحّح للاعتبار و من منشإ خارجي للانتزاع في المتكرّرة أيضا؛ و إن كانت حقيقيّة، ففي غير المقولة كذلك، إذ لا فرق في كيفيّة تحقّق النسبة بين انتساب الأب إلى ذات الابن، أو انتسابه إليه بما أنّه ابن منسوب إلى الأب، بل الأمور المتأخّرة عن انتساب الشي‏ء إلى الشي‏ء و منها الانتساب إلى المنسوب إليه، على النحو المتقدّم؛ فلا يمكن اعتباريّة المتقدّم و عينيّة المتأخّر؛ و على تقدير اعتباريّته و انتزاعيّته، فتكون النسبة بين شيئين اعتبار الربط الخارجي الذي له الماهيّة، كالرابط الجسماني بين جسمين؛ فإنّه المعتبر فيما بين العرض و موضوعه.

(القول المنسوب إلى الرضي (قدّس سرّه) و نقده)

ثمّ إنّ القول المنسوب إلى «الرضي» (قدّس سرّه)، من «أنّ الوضع في الحروف، كالوضع في أسماء الأجناس و أنّه لا فرق بينهما» (1)، قد وافقه في «الكفاية» (2) و ادّعى الاختلاف في كيفيّة الاستعمال، و أنّه وضع ليقصد مرآة لتعرّف حال الغير، بخلاف الأسماء الموضوعة لتعرّف معانيها المستقلّة في اللحاظ.

____________

(1) شرح الرضي على الكافية 1: 10، ط: بيروت.

(2) كفاية الأصول: ص 10 و 11، ط: مؤسسة أهل البيت (عليهم السلام).

53

و يمكن المناقشة فيه، بأنّ غايتيّة الاستعمال الخاصّ إن كانت على وجه تقييد الموضوع له، فيرجع إلى المخالفة في الموضوع له مع أسماء الأجناس، و إلّا فلا فارق؛ و مع عدمه يصحّ استعمال أحدهما بدل الآخر، و هو كما ترى؛ و ليس من الاستعمال بدلا اختلاف التعبير، بأن يقال: «ابتداء سيري الكوفة و انتهاؤه البصرة»، أو أن يقال: «سرت من الكوفة إلى البصرة»، كما هو واضح.

(حكاية أخرى عنه)

لكن هذه الحكاية، منقوضة بالحكاية الأخرى عن «الرضي» (قدّس سرّه)، من إنكار الوضع في الحروف للمعنى؛ و أنّها كالإعراب علامة الفاعليّة و المفعوليّة؛ و أنّ الطرفين ملحوظان على هذا الوجه الخاصّ، مع إمكان المناقشة في الفرق بين العلامة الجعليّة و الوضع؛ فإنّ الإخلاء عن المعنى، مخالف للوحدة المدّعاة بين الأسماء و الحروف.

(ردّ الحكايتين و عدم ورود إشكال السيّد الشريف على الرضي (قدّس سرّه))

لكنّ التأمّل في عبارة «الرضيّ» (قدّس سرّه) في أوّل كتابه‏ (1)، يشهد بخلاف النسبتين للواقع؛ و أنّه في مقام بيان أنّ معنى الحرف ما ينضاف إلى معنى لفظ آخر؛ و أنّه وحده لا يفيد المعنى؛ و أنّ الاسم الموافق له- كالابتداء- معناه في نفسه، و لذا يخبر عنه، بخلاف الحرف؛ فإنّه لا يفيد إلّا خصوصيّة في المعنى الذي عبّر عنه بلفظ آخر وضع له، و لم يوضع الحرف إلّا لإفادة معنى في لفظ آخر، له معنى آخر؛ فلا يستفاد منه إلّا تقوّم الحرف في ماهيّته بالطرف، كما يتقوّم العرض في وجوده بالمعروض.

____________

(1) تقدّم آنفا.

54

و هذا الذي شرح به عبارة «الكافية»" إنّه ما دلّ على معنى في غيره" يوافق ما مرّ نقله عن أهل المعقول من أنّه الوجود لا في نفسه.

و الظاهر، أنّه على تقدير تحقيق المعنى الحرفي، و أنّه هو المتشخّص من حقيقة النسبة بالذات، أو أنّه الموجود بالعرض و الاعتبار، فلا بدّ من اختيار عموم الوضع و خصوص الموضوع له؛ و غير ذلك يتوقّف على اختيار المباني الأخر في تحقيق المعنى الحرفي.

و التأمّل في عبارة «الرضيّ» (قدّس سرّه) من أوّل كلامه في هذا المقام إلى آخره، يشهد بعدم ورود اعتراض «السيّد الشريف» في حاشيته‏ (1) و في رسالته في معنى الحرف، عليه.

(المتحصّل ممّا سبق)

و المتحصّل ممّا قدّمناه: أنّ النسبة هي معنى الحروف و الهيئات الدالّة على خصوصيّات النسب؛

و أنّها أمر ثابت، و هو عبارة عن ثبوت شي‏ء لشي‏ء، لكنّه- مع عدم الاثنينيّة بين شيئين- محض النسبة الحكمية الموجودة في الهليّة البسيطة؛

و أنّ النسبة حقيقتها ما عرفت؛ و البرهان على وجودها ما تقدّم؛

و أنّها سنخ معنى لا يعقل إلّا في ضمن معقوليّة طرفيها، و مع معقوليّة طرفيها فهي في نفسها وجود متوسّط بين الوجودين.

و لازم ذلك: أنّه إذا عقلت النسبة، عقل معها طرفاها، و أنّ تعقّلها تعقّل مرآتي حين النظر إلى ما فيها من الصورة، و أنّها إذا لوحظت بنفسها لم تلاحظ

____________

(1) حاشية السيد الشريف على شرح الرضيّ (قدّس سرّه)، ط: تبريز.