مباحث الأصول - ج2

- الشيخ محمد تقي البهجة المزيد...
570 /
5

مباحث الاصول (ج 2)

[تتمة الاوامر]

الفصل التاسع في الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدّماته‏

ماهيّة البحث‏

و حيث لا إناطة للّفظ في شي‏ء من موضوع البحث أو محموله، فلا محالة لا يكون البحث لفظيّا؛ فيمكن جعله من المسائل الاصوليّة العقليّة، لأنّه يترتّب عليها النتائج الفقهيّة، أعني وجوب الشي‏ء بما أنّه مقدّمة الواجب، و الحاكم به العقل؛ فهو مبدأ تصديقيّ عقليّ للمسألة الفقهيّة.

و أمّا جعله من المبادئ الأحكاميّة، فهو يبتني على ثبوت مسألة اصوليّة يكون هذا البحث مبدأ تصوريّا أو تصديقيّا غير لغويّ لتلك المسألة.

و ليس البحث عن علّية الوجوب لوجوب بحثا عن شرح حقيقة الوجوب المعلومة بحدّها الحقيقيّ؛ كما أنّ كونه بحثا عن ثبوت وجوب المقدّمة بثبوت علّته- و هو وجوب ذيها- ليس مبدأ تصديقيّا إلّا لما يتكفّل البحث عن وجوب شي‏ء أو حكم وجوبه بكون الوجوب محمولا أو موضوعا في تلك المسألة، و الأولى بذلك، الفقه الباحث عن ثبوت التكليف و لا ثبوته لا الاصول.

فهو على هذا، بأن يكون مسألة اصوليّة- حيث كان كبرى الاستنباط، الحكم‏

6

الفرعيّ، أعني وجوب شي‏ء بما أنّه مقدّمة لواجب- أولى، لأنّ الغرض منه، الوصول إلى هذه النتيجة، لا تحقّق الوجوب الواقع في سائر المسائل موضوعا أو محمولا بسبب تحقّق وجوب ذي المقدّمة، كما هو ظاهر.

و يقع البحث عنها في ضمن امور:

1. تقسيم الشرط و المشروط

فمنها: تقسيم الشرط إلى المقارن و المتقدّم و المتأخّر. و المشروط إمّا تكليف، أو وضع، أو متعلّق التكليف.

إشارة إلى الإشكال في الشرط المتقدّم و المتأخّر و دفعه‏

لا إشكال في المقارن، و لا في ما لا يلزم مقارنته من أجزائه العلّة، كالمعدّ و ما بحكمه من العلّة الناقصة غير الجزء الأخير من العلّة التامّة. و ملاك الإشكال في شرطيّة المتقدّم أو المتأخّر- بعد الدخالة في حصول المعلول- تأثير المعدوم في الوجود، بلا فرق بين القسمين.

و يمكن دفعه: بأنّ المعتبر في صورة المتقدّم أو المتأخّر، هو مسبوقيّة شي‏ء بشي‏ء أو ملحوقيّته به، و هما أمران اعتباريّان لا حقيقيّان؛ و لا يعتبر في فعليّتهما تحقّق منشأ الانتزاع في زمانهما، بل في الوجود، كما في تقدّم زمان على زمان و تأخّره عنه؛ و لا يمكن اجتماعهما في زمان، و كذا المتقدّم بالزمان و المتأخّر به.

و قد ذكرنا في بعض المباحث جريان الإشكال في المركّبات التدريجيّة المجعول لها أثر شرعي؛ حيث ينوط تحقّق الأثر بكلّ جزء بتقدّمه، أو تأخّره، أو بهما معا باختلاف ما يتقدّم عليه و ما يتأخّر عنه. و عدم ترتّب الأثر ليس لعدم‏

7

جزء أو شرط مثلا، بل لعدم بعض ما يعتبر مجموعه في الأثر، فليس كالإجارة الناقلة؛ بل عدم الآخر حين الأوّل، كعدم الأوّل حين الآخر؛ فإذا تمّت الوجودات، تحقّق الكلّ الذي يترتّب عليه الأثر مطلقا، لا من قبل هذا الجزء أو هذه المقدّمة.

و بعد التأمّل في ما قدّمناه، يظهر جريان الدفع المذكور في شرائط المأمور به و الوضع و التكليف، كان بعثا اعتباريّا أو إرادة حقيقيّة؛ فإنّ فعليّة إرادة فعل ممّن يدرك زمانان متأخّرا أو يفعل متأخّرا بالزمان، لا محذور فيه، لأنّ الشرط هو كون زمان عمله ملحوقا بالعلم المتأخّر زمانا، أو مسبوقا بالمتقدّم زمانا، أو كونه عازما على العمل المتأخّر، أو واجدا بالفعل لعلامة العامل للعمل المتأخّر و لوصفه و سمته المعلومين له؛ فمع إحراز الشرط يتحقّق المشروط؛ و مع تخلّفه عن علمه، كانت الإرادة في غير محلّها، كالشرط المقارن المعتقد وجوده، و الإرادة الكلّية من الكلّي العالم بالحقائق ينكشف ثبوتها بعلم المأمور؛ و مع المخالفة لاعتقاده مع الواقع ينكشف عدمها من الأوّل في محلّها.

فقد ظهر: أنّ دخالة المتقدّم أو المتأخّر في أمر انتزاعي لا محذور فيه؛ و أنّ الأمر الجعلي لا يخرج عنه؛

و أنّ الإرادة الفعليّة و الاعتبار الفعليّ لا مانع من مشروطيّتهما بالمسبوقيّة بالمتقدّم و الملحوقيّة بالمتأخّر، لأنّ الاعتبار المنتزع مقارن للمعلول، كان حقيقيّا أو انتزاعيّا؛

و أنّ إمكان اختلاف التعظيمات بأسبابها في العادات لاعتباريّة أسبابها؛ و دخل اعتبار في أمر اعتباري أو حقيقيّ، لا يلزم في فعليّة المنشأ في زمانهما، بل في الجملة.

8

تنبيه‏

في استلزام التكليف بالتدريجيّات الموقّتة للاشتراط بالمتأخّر و عدمه‏

قد يقال: إنّ التكليف بالتدريجيّات الموقّتة مستلزم للاشتراط بالمتأخّر، أعني اشتراط الوجوب ببقاء الشرائط إلى آخر وقت العمل، و للتعليق، لأنّ مقتضى وحدة الطلب مطلوبيّة الجزء الأخير من أوّل الوقت.

و اجيب عنه- كما في «أجود التقريرات» (1)-: بأنّ الشرط هو التعقّب لا المتعقّب به؛ و بأنّ فعليّة التكليف بالأجزاء، تدريجيّة بحسب تدريجيّة الزمان المشروط به التكليف.

هذا، و قد مرّ إمكان الاشتراط بالمتأخّر و وجهه. و سيأتي إن شاء اللّه إمكان التعليق في الواجب؛ و أنّ الأوامر المتدرّجة في الفعليّة تخصّصات للأمر الفعليّ بالكلّ؛ و أنّ الأوامر- كالإرادات التشريعيّة الموافقة للتكوينيّة- ليست أوامر متعاقبة بالاتّفاق، و إرادات متعاقبة بالاتّفاق؛ نعم يغني اشتراط كلّ من الوجوب و الواجب بالزمان الأعمّ من الحدوث و البقاء إلى حدّ خاص، عن اشتراط الآخر.

و على أيّ تقدير: لا بدّ من الالتزام بواحد من الشرط المتأخّر و التعليق.

و سيأتي الكلام في إغناء كلّ منهما عن الآخر و عدمه في الواجب التعليقيّ.

و أمّا مطلق الواجبات التدريجيّة، فليس الجزء الأخير فيها مقدورا بالواسطة، بحيث لا مانع عن فعليّة التكليف به بلا حاجة إلى شي‏ء من الأمرين المذكورين؛ و إنّما ذلك في ما لا يتخلّل زمان بين السبب و المسبّب، كالإلقاء و الإحراق.

و أمّا المركّبات التي يتخلّل زمان بين أجزائها، أي يتوقّف على أزمنة متغايرة،

____________

(1) أجود التقريرات: 1/ 213- 214، طبع مؤسسة صاحب الأمر- (عليه السلام)-

9

فالتكليف بالجزء الأخير لا يكون فعليّا إلّا بنحو الواجب المعلّق؛ كما أنّ اشتراط حدوث التكليف بالأوّل بلحوق الآخر و زمانه، من قبيل الاشتراط بالمتأخّر؛ فلا فرق بينهما إلّا في الاشتراط بخصوص زمان في الموقّتة دون غيرها، و إن اعتبر ثاني الأزمنة أو ثالثها في فعليّة الوجوب المتعلّق بالجزء الثاني أو الثالث في زمان فعليّة الوجوب المتعلّق بالجزء الأوّل بلا حالة منتظرة مقارنة.

ردّ على دفع الإشكال بشرطيّة اللحاظ المقارن للجعل‏

و أمّا دفع الإشكال بشرطيّة اللحاظ المقارن للجعل، تعلّق بالمتقدّم أو المتأخّر أو المقارن، ففيه: أنّه إذا لم يلزم محال في فعليّة الحكم المجعول منفكّة عن موضوعه بشرائطه بالتقدّم أو التأخّر، فلا إشكال في مقام الجعل حتّى يدفع بشرطيّة اللحاظ؛ لأنّ من الواضح أنّ تصوّر الموضوع و المحمول مصحّح الحكم، إخباريّا كان أو جعليّا إنشائيّا، و إن لزم منه محال، لاستحالة تخلّف الحكم عن موضوعه بشرائطه و استحالة تأخّر الشرط الذي هو من أجزاء العلّة عن موضوعه بشرائطه بالتقدّم أو التأخّر، فلا إشكال في مقام الجعل حتّى يدفع بشرطيّة اللحاظ؛ لأنّ من الواضح أنّ تصوّر الموضوع و المحمول مصحّح الحكم، إخباريّا كان أو جعليّا إنشائيّا، و إن لزم منه محال، لاستحالة تخلّف الحكم عن موضوعه بشرائطه و استحالة تأخّر الشرط الذي هو من أجزاء العلّة عن مشروطه، كان هو الموضوع أو الحكم، فلا يغني عدم المحذور في مقام الجعل في نفسه. و هذا يتّجه على تقريب ما في «الكفاية» (1) بما في «المقالات». (2)

و أمّا ما في «المقالات» (3) من إرجاع الشرائط إلى معطي القابليّة، و لا محذور في تقدّمه و تأخّره بخلاف المقتضي، ففيه: أنّ من الشرائط ما يعتبر في فاعليّة

____________

(1) كفاية الاصول: 93، طبع مؤسسة آل البيت- (عليهم السلام)-

(2) مقالات الاصول: 1/ 302 و 300، طبع مجمع الفكر الإسلامي‏

(3) نفس المصدر

10

المقتضي بلا تفاوت في القابل كصفات المقتضي. و المعتبر في القابليّة إن كان من المعدّ الحقيقي، فالشرط هو التقريب الحادث بحدوث المعدّ، و هو باق مقارن، و لا يلزم بقاء المعدّ حين تأثير المقتضي، و إلّا فالدخيل في القابليّة- كالدخيل في الفاعلية- لا بدّ من مقارنتها للأثر المترشّح عن المقتضي زمانا.

ثمّ إنّ المقتضي ليس معطيا للوجود، بل هو فاعل ما به الوجود. و أمّا ما منه الوجود، فهو مبدأ فيض الوجود الإمكاني، كما أنّ معطي القابليّة لا يعقل تأخّره عن المعلول، و إن لم يلزم مقارنته له، بل يجوز تقدمه عليه.

و أمّا الإشكال على شرطيّة العلم للجعل بعد تصحيحها، و تقريب ما في «الكفاية» بها بلزوم تأثير المتأخّر في المصلحة الفعليّة للجعل الملحوظ فيه وجود المتأخّر، ففيه: أنّه لا مصلحة للجعل إلّا وجود المصلحة للحكم المجعول في تقدير وجود موضوعه؛ فإن لم يمنع فعليّة الحكم عند وجود موضوعه ملاكا و تحقّقا، كفى ذلك في مصلحة الجعل. و لا يعتبر فعليّة أزيد من الغرض في الشروط المقارنة فضلا عن غيرها في مقام الجعل.

نعم، لا بدّ من تعلّق الغرض بأمر ممكن ذي مصلحة، أي حكم- على تقدير موضوعه- متّصف بالاشتمال على المصلحة و إمكان التحقّق.

و بالجملة: فمصلحة الجعل تابعة لمصلحة المجعول، أو هي عينها.

و أمّا ما في «الكفاية» (1)، فقابل للتأويل إلى ما اخترناه في خصوص اشتراط متعلّق التكليف، لا في اشتراط الحكم التكليفي أو الوضعي، فإنّه غير قابل للتأويل إلى ما قدّمنا اختياره، كما لا يخفى.

____________

(1) كفاية الاصول: 93، طبع مؤسسة آل البيت- (عليهم السلام)-

11

2. تقسى المقدّمة إلى الداخلية و الخارجية

و منها: تقسيم المقدّمة إلى المقدّمة الداخلية و الخارجية، و الخارجيّة: إلى المقتضى و السبب و الشرط.

تعريف المقتضي و الشرط و السبب و المعدّ و المانع‏

و يمكن تعريف «المقتضي»، بأنّه ما يكون استناد المقتضى بالطبع إليه، كاستناد الفعل إلى فاعله الذي يصدر عنه على الحقيقة بنحو صدور الوجود من فاعل ما به الوجود، كما في النار مع الإحراق؛

و «الشرط»: بأنّه ما يلزم من عدمه العدم، و لا يلزم من وجوده الوجود؛ و لا محالة يكون بحيث يتحقّق به ما له دخل في فاعليّة الفاعل، أو قابليّة القابل، أو فيهما؛

فإن كان فعلا اختياريّا يتولّد منه المعلول عرفا، كتولّد الإحراق من الإلقاء، لرجوعه إلى شرطيّة المماسّة و الإمساس، خصّ باسم «السبب».

و إن كان لكلّ من وجوده و عدمه دخل في المعلول- لأنّ الشرط في الحقيقة هو قرب المؤثّر من الأثر، و هو كالمقارن للمعلول لاتّصال زمانيهما- خصّ «بالمعدّ».

فالسبب و المعدّ، قسمان من الشرط. و «المانع»: ما يلزم من وجوده العدم.

فانقدح: أنّ أجزاء العلّة عبارة عن المقتضي و الشرط و عدم المانع.

ملاحظة على تعريف السبب من العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه)

و أمّا ما جعله الشيخ- (قدّس سرّه)- (1) أولى في تعريف السبب، من أنّه ما يستند إليه الأثر في الأفعال الاختياريّة، و إن كان بعد اجتماع الشرائط و دفع الموانع، فالظاهر

____________

(1) مطارح الأنظار: 39، طبع مؤسسة آل البيت- (عليهم السلام)-

12

أنّه لا يوافق إلّا المقتضي، أعني ذات ما له الاقتضاء. و هو مبني على أنّ المقتضي هذه الذات مع سائر الشروط، غير عدم المانع.

و مع هذا، فاستناد الأثر إلى مثل الإلقاء في الإحراق، ليس بأولى من استناده إلى النار، و فرض سائر الشروط لا يفيد هذه الأولويّة، و إلّا لكان الإرادة أو الجزء الأخير المختلف في الموارد، أولى بالاستناد؛ مع أنّ استناد الفعل إلى الفاعل، أولى من الاستناد إلى سائر الشروط، و قد مرّ رجوع السبب إلى الشرط.

الإشكال في مقدميّة الأجزاء للكلّ، و الجواب عنه‏

و أمّا المقدّمة الداخليّة كأجزاء المركّب، فقد يستشكل في مقدّميّتها بأنّ ذوات الأجزاء إن لوحظت مجتمعة، فهي عين الكلّ لا مقدّمات له؛ و إن لم تلاحظ مجتمعة، فلا جزء و لا كلّ، للصدق مع الانفراد.

و قد اجيب- كما يستفاد من «الكفاية» (1) و «مختصر الاصول» (2) للاستاذ- (قدّس سرّه)- بأنّ الجزء هو ذات الجزء لا بشرط الانضمام أو عدمه؛ و الكلّ هو المشروط بالانضمام؛ و اللّابشرط متقدّم على البشرطشي‏ء تقدّم المعروض على عارضه.

و لا يخفى: أنّ لحاظ الشي‏ء لا بشرط الاجتماع و إن كان مغايرا للحاظه بشرط الانفراد، إلّا أنّ الملحوظ بهذا اللحاظ حيث لم يلاحظ فيه الانضمام، فهو صادق على المنفرد قطعا، كما أنّه صادق على المجتمع، و ليس الأوّل بجزء قطعا، بل صالح للجزئيّة، لتضايف الجزئيّة و الكلّية؛ بل الملحوظ بشرط الانضمام هو الذي‏

____________

(1) كفاية الاصول: 90، طبع مؤسسة آل البيت- (عليهم السلام)-

(2) بحوث في الاصول: 134، طبع مؤسسة النشر الإسلامي‏

13

يكون فيه أحد المنضمّين معروضا للجزئيّة، و كلا المنضمّين معروضا للكلّية؛ فشرط الانضمام معتبر في كلّ من الجزء و الكلّ؛ و المغايرة فيهما، في المعروض و هو المجموع، أو كلّ واحد من المنضمّين؛ فمعروض الجزئيّة متعدّد بلا انثلام لتعدّده بسبب فرض اعتبار الانضمام، و معروض الكليّة واحد اعتباري؛ فهناك كلّ واحد و أجزاء متعدّدة، و الجزء اثنان مثلا، و الكلّ واحد هو مجموع الاثنين، و هما في مرتبة سابقة على الطلب؛ و إنّما فرض الطلب، للبحث عن وجوب المقدّمة، لا لإناطة المقدّمية و الكلّية بالطلب. و مجي‏ء كلّية و جزئيه بعد الطلب و من قبله، لا ينافي تحقّقهما سابقا على الطلب.

و البحث بلحاظ ما سبق، ردّ بلحاظ ما تأخّر. و السابق هو الذي يتصوّر في موضوع الطلب تارة، و في متعلّقه اخرى. و أمّا التقدّم و التأخّر، فلمكان أنّ الكلّ بهذا المعني متقوّم بالجزء بهذا المعنى؛ فهو مع المعتبر في القوّة و الفعل متأخّر ذاتا عن الجزء، و الجزء متأخّر طبعا عن ذات ما له الجزئيّة تأخّر المعروض- بما هو معروض- عن ذات المعروض. و لذات العروض علّية ناقصة للمعروض؛ فله هذا النحو من التقدّم عليه أيضا، ما يجري التقدّم بالطبع، و العليّة في الواحد مع الاثنين.

و أمّا اللابشرط القسمي فلا تقوّم له على البشرطشي‏ء، لأنّهما اعتباران متقابلان، و نسبة اللابشرط المقسمي إلى المعتبر- بالاعتبارات الثلاثة- نسبة الكلّي إلى الفرد. و لا اطّراد فيهما للسبق و اللحوق، إلّا في ما قدّمناه من تقدّم ذات المعروض عليه معروضا.

و أمّا دخول الأجزاء في محلّ البحث، فيمكن منعه، من جهة أنّ وجوب الكلّ يتضمّن وجوب الجزء، فلا محلّ لوجوب آخر معلوليّ، لأنّه يستلزم اجتماع‏

14

المثلين.

و حديث التأكّد لا يجري في المقام، لأنّه في ما كان هناك ملاكان لوجوبين مستقلّين، لا في ما كان أحد الوجوبين فرعا للآخر لا يتحقّق إلّا به. و المفروض استحالة اجتماعهما؛ فإنّ ما لا يمنعه غيره- لفرعيّة غيره عليه- يكون محقّقا، و يمنع عن تحقّق مثله كضدّه؛ فيستحيل تأثير الوجوب النفسيّ الضمنيّ العلّي في وجوب الجزء غيريّا معلوليّا، أو في تحقّق وجوب واحد مؤكّد بالنسبة إلى صورة الانفراد.

الفرق بين المقدّمات الداخليّة و الخارجيّة بإمكان التأكّد و عدمه‏

و منه يظهر الفرق بين المقدّمات الداخليّة و الخارجيّة، المغاير فيها المقدّمة و ذوها وجودا، كصلاة الظهر بالنسبة إلى صلاة العصر؛ فلا مانع من تأثير ملاك الوجوب الغيري و ملاك النفسي في وجوب متأكّد بالنّسبة إلى المقدّمة، معلول لمجموع الملاك النفسيّ و المقدّمي بالمقدّمية الخارجيّة؛ فيجتمع فيه الخصوصيّات الوجوديّة لكلّ من الوجوبين، أعني الشرطيّة، و استحقاق العقاب على نفسه بترك نفسه، أعني تعدّد العقاب في المقدّمة و ذيها؛ فيصدق أنّ هذا الوجوب ملاك في نفس الواجب و لملاك في غيره، لا أنّه لنفسه فالبحث منحصر في المقدّمات المغايرة وجودا مع ذويها.

و أمّا مجرّد كون ملاك النفسي قائما بالمجموع و ملاك الغيري قائما بالجزء، فلا يمنع عن التأكّد، لأنّ فروض وجوب الجزء نفسيّا مستلزم لفرض ثبوت ملاك الوجوب النفسيّ فيه، فيجتمع فيه ملاكان، كما اجتمع فيه وجوبان؛ فالمجموع و إن لم يكن فيه ملاك الغيريّ، إلّا أن الجزء فيه ملاك الوجوب النفسي، فيجتمع‏

15

المثلان. و المانع عن التأكّد هو أنّ ملاكيّة الملاك الغيري ملاك للمحال، لأنّه ملاك الوجوب المعلولي؛ الذي لا يتحقّق إلّا باجتماع المثلين. و أمّا ملاكيّة الملاك النفسي للوجوب النفسيّ فهو ممكن؛ فالممكن لا مانع عن وقوعه، و المحال يمتنع بنفسه‏ (1)؛ كما أنّ عدم جريان الحركة بالاشتداد إلّا في بعض المقولات دون الاعتباريّات، ليس بمانع، كما افيد في غير هذا المقام، لإمكان اعتبار الحركة الشديدة و البعث الأكيد؛ فالتأكّد- في ما يلتزم فيه- في المعتبر- بالفتح- لا في الاعتبار. و أمّا صحّة فرض المقدّم و المؤخّر في ما يمكن فيه اتّحاد الوجود فضلا عن التأكّد- كالواحد و الاثنين و الوجود و الماهيّة- فلا تستلزم صحّته في ما لا يمكن فيه اتّحاد الوجود، كالعلّة و المعلول؛ فلا ينوط جميع أقسامه باتّحاد الوجود، فتدبّر.

و لقائل أن يقول: لا يلزم اتّحاد العلّة و المعلول، لإمكان تأثير الملاكين في وجوب واحد متأكّد بالإضافة، من دون أن يتّحد الوجوبان بالآخر، و يتقوّى بالاندكاك؛ فالعبرة، بتأثير الملاك في الوجوب المعلوليّ الذي هو فرع الوجوب العليّ، إذ لازمه التأثير في [المحال‏]، من اجتماع المثلين، كما قدّمناه؛ فيؤثّر ملاك الوجوب النفسيّ، لإمكان المعلول. و لا يؤثّر ملاك الغيريّ، لاستحالة المعلول.

و منه يظهر جريان الإشكال في ذات الجزء لا بشرط الانضمام معه، بشرط الانضمام و هو الجزء، فلا يجتمع في الذات وجوبان، عليّ و معلوليّ، و إن تغايرا

____________

(1) لكنه يبتني على جريان التماثل و التضادّ في الأحكام الخمسة، و هو ممنوع بما ذكر في محلّه؛ فالأقرب إلى الواقع في المقام: أنّ إيجاب المقدّمة الداخليّة غيريّا، في قوّة ايجاب الشي‏ء مقدّميا لوجوبه نفسيّا، لأنّ النفي هو الإيجاب الإضافي فتولّد إيجاب آخر منه في قوة تحصيل الحاصل و إن لم يرجع إلى اجتماع المثلين المستحيل فتدبّر تعرف‏

16

اعتبارا و صحّت المقدّمية أو الفرد و الكلّي، حتّى أنّ حكم ذات الجزء يسري إلى الجزء بلا عكس، فإنّ الإشكال مشترك، فاستقم و هو الهادي، و قد مرّ ما فيه.

و أمّا المقدّمات الخارجيّة فقد وقع فيها التفصيل بين السبب المتولّد منه، و غيره، فلا يجب الأوّل إلّا نفسيّا، لصرف التكليف عن المسبّب إلى السبب، أو لأنّه متّحد مع الواجب النفسيّ، كما يظهر الأوّل من تحرير الاستاذ- (قدّس سرّه)- (1)، و الثاني من التفصيل المحكيّ عن جماعة (2)، و الذي يقتضي التفصيل إمّا أنّ المتولّد قد لا يكون من أفعال المكلّف، فقد يموت الرامي قبل وصول السهم إلى المرمي.

و فيه: أنّ الفاعل إن كان معدّا، فلا يلزم بقاؤه حين حدوث الفعل كبقائه، لأنّ ملاك الإضافة هو الإعداد المفروض حصوله و إن مات بعد حصوله، لأنّ من المقطوع أنّ بقائه بعد الإعداد، لا أثر له في الحصول لنفس الفعل، و عدمه لمانع آخر، أو فقد شرط و إن منع الإضافة في الفرض إلّا مراعاة ببقاء الفاعل؛ فمحلّ الكلام هو الفعل الاختياري المتولّد من فعل اختياري آخر، و لا مجرى للتفصيل فيه؛ مع أنّ كلّ فعل اختياريّ فله علّة، و الجزء الأخير من العلّة التامّة لا ينفك عن المعلول، فلازم التفصيل خروجه بمقتضى هذا الوجه و بعض الوجوه الآتية، عن محلّ النزاع.

و الحقّ أن تعدّد الوجوب في الملاقاة و الحرمة، يقتضي تعدّد الفعل؛ و أنّ اختياريّة المسبّب نفس اختياريّة السبب يتولّد منه المسبّب، و كذا الجزء الأخير من العلّة التامّة بالنسبة إلى المعلول.

____________

(1) بحوث في الاصول: 138، طبع مؤسّسة النشر الإسلامي‏

(2) أجود التقريرات: 1/ 318، طبع مؤسسة صاحب الأمر- (عليه السلام)-

17

و إمّا أنّ المقدور هو السبب، لا المسبّب، و اجيب، بأنّ المسبّب مقدور بالواسطة. و لا يخفى أنّ المقدور بالواسطة إن كان مقدورا بالعرض، فهناك قدرة واحدة، و المقدور بالذات هو الواجب بالحقيقة، و غيره مقدور بالعرض و المجاز، و واجب كذلك، و إن كان هناك قدرتان. و لو كانت القدرة الجسمانيّة متعلّقة بالسبب دون المسبّب، فلا مانع من الوجوبين، أحدهما بالأصالة، و الآخر بالتبع.

و لا يخفى أنّ القدرة على المسبّب- كانت عرضية أو حقيقيّة- تابعة للقدرة على السبب مصحّحة للتكليف بالمسبّب، بحيث لو فرض الانفكاك ما كان المأمور آتيا بالمأمور به، و إن لم يكن عاصيا لو كان معذورا.

نعم، قد يمكن أن يقال: بأنّهما تكليفان مع استلزام أحد المقدورين للآخر، و هذه اللغوية تجري في غير المقام من المقدّمات الغير التوليديّة؛ فيمكن- على تقدير ارتضائها- أن يلتزم بها في السبب، لا في المسبّب، لقيام الغرض النفسي به، و صحّة التكليف به وجدانا؛ فإن كان الاستلزام بين الوجوبين- كالواجبين- مانعا عن اللغويّة في غير المقام، فهو مانع عنه في المقام.

و منها: أنّ المسبّب إمّا واجب بوجود علّته، و هو المسبّب؛ أو ممتنع لعدم علّته، فليس ممكنا يتعلّق به التكليف.

و فيه: أنّ وجوب المعلول، بفرض وجود علّته، و امتناعه بفرض عدم علّته، إيجاب وقوعي و امتناع وقوعي؛ و وجوب المعلول باختيار علّته و امتناعه باختيار عدم علته، وجوب بالغير و امتناع بالغير. و المعتبر في التكليف هو الإمكان الذاتي و الوقوعي المحفوظين إنّا، لعدم فرض شي‏ء من وجود العلّة في التكليف أو متعلّقه أو عدم علّته.

18

و منها: ما يقتضي التفصيل المتقدّم إليه‏ (1) الإشارة، و هو أنّ الإلقاء و الإحراق عنوانان لحقيقة واحدة، فلا تعدّد للوجوب حيث لا تعدّد للوجود؛ فلا يعقل فيها وجوبان: نفسي و مقدّمي، بخلاف ما إذا تغايرا في الوجود، كشرب الماء و رفع العطش، فلا مانع من وجوبين لتحقّق وجودين؛ فيدخل الثاني في النزاع دون مثل الأوّل.

و فيه: أنّ الكلام في الأسباب للمسبّبات التوليديّة، فإن لم يكن الأوّل منها فهو خارج عن البحث في الخروج و عدمه. مع وضوح أنّ الحرمة غير الملاقاة وجودا، و معلول له تحقّقا. و اتّحاد كلّ مع وجوده ذاتا مختلف معه اعتبارا باختلاف الإضافة إلى الفاعل و القابل.

و قد تحصّل ممّا قدّمناه: أنّ الأقرب على تقدير تعدّد القدرة المصحّحة للتكليف، هو تعدّد الوجوب على تقدير الملازمة، و على تقدير الوحدة، هو الصرف المذكور، و اختصاص النزاع بغير المقام. و أنّ العرف يساعد الأوّل، و العقل لا يمنع عنه كما مرّ، و هو العالم.

و ممّا مرّ يظهر ما في كلام صاحب «التقرير» (2)، ممّا حكاه عن الشيخ- (قدّس سرّه)- في تحرير البحث و الاستدلال.

التفصيل بين الشروط الشرعيّة و غيرها و دفعه‏

بقي الكلام في التفصيل بين الشروط الشرعيّة و غيرها، بزعم أنّه لو لا الوجوب، لم تكن المقدّمية و الشرطيّة؛ فمسلّمية وجوبها توجب خروجها عن محلّ البحث.

____________

(1) أجود التقريرات: 318، التحقيق مؤسّسة صاحب الأمر- (عليه السلام)-

(2) مطارح الأنظار: 38- 40، طبع مؤسّسة آل البيت- (عليهم السلام)-

19

و فيه: أنّ الشرطيّة من الأمر بالمشروط؛ كما أنّ الجزئيّة تنتزع من الأمر بالمركّب، قلنا بوجوب الشرط أو الجزء أو لا.

مع أنّ الوجوب- إن كان- فهو معلوليّ، و الأمر بالواجب لا يكون علّة إلّا إذا كان الواجب مشروطا؛ فتعلّق الوجوب بالمشروط علّة للأمر بالشرط، لو كانت علّية؛ فالاشتراط سابق رتبة على الوجوب و لا يكون متوقّفا على الوجوب المتأخّر عنه رتبة، لأنّ الوجوب المعلول للاشتراط عند القائل بالملازمة لا يكون علّة مصحّحة للاشتراط؛ بل الشرطيّة حيث لا تكون جزافا؛ فإنّ الدخيل في مصلحة الواجب إن كان نفس الفعل فلا [موقع‏] للاشتراط؛ و إن كان على القيد؛ فلا موقع للأمر بمجرّد الفعل.

فليس الآمر مخيّرا بين الأمر [بالفعل‏] أو بالفعل المقيّد، فالوجوب المعلول، معلول للوجوب العليّ للمقيّد. و الوجوب العلّيّ بالمقيّد متأخّر عن قيام المصلحة بالمقيّد، دون ذات الفعل؛ فالوجوب المعلوليّ متأخّر عن مصحّح الشرطيّة بمرتبتين.

و إنّما يقع التأمّل في أنّ الوجوب النفسي ينحلّ إلى إيجاب متعلّق بالتقيّد، فيكون هذا الجزء العقلي الانتزاعي كسائر أجزاء المركّب في انبساط الأمر النفسي إليها، و إن اختصّ هذا بالتوقّف على المقدّمة الخارجيّة المبحوث عن وجوبها الغيري، أو أنّ متعلّق التكليف النفسي يفعل، أعني الحصّة المقارنة للقيد؛ فلا توجّه للأمر إلى غير تلك الحصّة؛ و لا انحلال في غير الأجزاء الخارجيّة.

و يمكن أن يقال: إنّ ما به التخصّص و التشخّص إن لم تكن العوارض التي منها الاقتران بالقيد، فغير الحصّة التي هي وجود الطبيعة، خارج عن حريم الأمر؛ فلا وجه لعدم الاجتزاء بغير واجد القيد، لأنّ إضافة الوجود إلى متعلّق الأمر

20

- أعني الطبيعة- لازمة محافظة على الأمر و صحّته يقينا. و المفروض كفاية هذه الإضافة في تخصّص الطبيعة، و عدم احتياجها فيه إلى العوارض المشخّصة، و إن كان العارض ما به التخصّص. و قد فرض الأمر بالحصّة دون مجرّد الطبيعة؛ فلا بدّ إمّا من الالتزام بدخول القيد في المأمور به نفسيّا، أو بدخول التقيّد به فيه، و خروج نفس القيد؛ فمع التسالم على عدم الأوّل يتعيّن الثاني.

و لعلّ وجه التسالم معهوديّة عدم رجوع شرائط الصلاة، إلى مثل الطهارة مع وضوح الاعتبار لو كانت من الأجزاء. و لعدم صدق التلبّس بالصلاة بمجرّد الشروع في الطهارة، مع وضوح الصدق، حتى على الصحيحي، لو كانت من أجزاء الصلاة.

و بالجملة: فعدم جزئيّة مثل الطهارة مسلّم، و الكلام في ثبوت الجزء الانتزاعي و عدمه.

نعم، يمتاز هذا الجزء الانتزاعي عن الأجزاء الخارجيّة، في قيام المصلحة بها دونه؛ فهو غير ما يقوم به المصلحة؛ كما أنّه غير ما له الدخل في تحقّق المصلحة، أعني الشرط، بل هو أمر اعتباري عقليّ منتزع من معيّة المشروط مع الشرط خارجا، و برزخ بين الأمرين اللذين أحدهما يقوم به المصلحة، و الآخر يتحقّق به المصلحة في ذات الواجب النفسي.

و لا ضير في انبساط الوجوب النفسي و الجزئيّة بالمعنى الأعمّ لذات الواجب، و إن لم يكن جزءا خارجيّا، و لا واجدا لحدّه بعد أن ساعد العرف و العقل على تعلّق الوجوب النفسي به، و كونه أمرا اعتباريّا انتزاعيّا يصحّ تعلّق الأمر بالمشتمل عليه، تارة، و المطلق عنه، اخرى.

21

إدخال الشروط الشرعيّة في البحث بانبساط الأمر عليها

و يمكن أن يقال: إنّ الأمر النفسي ينبسط على الأجزاء الخارجيّة، و على الشروط الشرعيّة، أي على تقيّد تلك الأجزاء بالمعيّة مع تلك الشروط؛ فهذه المعيّة- كانت بالمقارنة أو لا- ينبسط عليه الأمر النفسي؛ و حيث يتوقّف على ذات الشرط، فالشرط واجب غيريّ و يكون من المقدّمات الخارجيّة؛ و ما ينبسط عليه الأمر النفسي قد يكون ممّا يقوم به المصلحة بالاقتضاء، كالأجزاء الخارجيّة، و قد يكون ممّا له دخل في ترتّب المصلحة بالفعل على تلك الأجزاء.

و حكم معيّة الصلاة للطهارة بالمقارنة، كحكم ترتيب الأجزاء بعضها مع بعض في أنّ وجوبها نفسي لا مقدّمي مع كونها دخيلة في فعليّة مصلحة الجزء، لا في الاقتضاء، فتدبّر.

فهو برزخ ليس من المقدّمة العاديّة مثلا، فيتمحّض في الوجوب الغيريّ لو كان؛ و لا من الأجزاء، أعني المقدّمة الداخليّة، فيتمحّض في الوجوب النفسي بل هي لدخلها في فعليّة مصلحة الجزء وجوبها النفسي، للغير لا لنفسه، فهو كالأمر بترتيب الموالاة في نفس الأجزاء، و يستفاد الأمر به من الشرع خاصّة، لا منه و من العقل.

فإن كان متعلّق الأمر النفسي التقيّد فيبحث في وجوب القيد عقلا؛ و إن كان نفس القيد، فلا محلّ للبحث فيه في الوجوب المقدّمي عقلا. و الناظر في مصالح الواجب المختلفة، يظهر له ما قدّمناه.

و ثمرة هذا البحث إنّما تظهر في غير هذا المقام، لمتمحّض في البحث عن وجوب المقدّمة الخارجيّة.

22

3. ما استدلّ به على وجوب المقدّمة

ثمّ إنّه قد استدلّ لوجوب المقدّمة بامور:

استدلال البصري و ما فيه‏

منها: ما عن أبي الحسين البصري‏ (1) و هو أنّه لو لم تجب المقدّمة لجاز تركها؛ و حينئذ- أي حين الترك مع الجواز- فإن بقي الواجب على وجوبه، لزم التكليف بما لا يطاق، و إلّا خرج الواجب المطلق عن كونه مطلقا، و قد فرضناه كذلك.

و فيه: أنّه لازم على القول بالوجوب أيضا. و لا فرق إلّا في كونه عاصيا- على هذا القول- لتكليف غيري لا يستتبع عقوبة؛ فالمحذور مشترك بين القولين، لأنّه يترتّب على الترك على تقدير وجوب المقدّمة أيضا.

و دعوى أنّه بسوء اختياره لترك المقدّمة الواجبة عليه، لا يمتنع تكليفه بالممتنع بالاختيار، مدفوعة بقبحه و لو على تقدير الاختيار المحقّق للامتناع.

و مسلّمية العقاب، لما سيأتي، لا للعصيان للتكليف الفعلي نحو ذي المقدّمة؛ مع أنّ المعروف أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، لا أنّ الامتناع بسوء الاختيار لا ينافيه، حتى يحتاج إلى فرض عدم الوجوب، مع ما في تفسير القاعدة من الكلام و أنّ المراد بها ردّ الأشعري القائل بوجوب الفعل بالطاعة و امتناعه بالمعصية؛ فلا موقع للتكليف إن كان متوقّفا على الاختيار و القدرة، بخلاف ما إذا قيل بحسنه و لو مع عدم الاختيار و القدرة.

هذا، و قد وقع النقض و الإبرام في تحرير الدليل و تزييفه بما لا فائدة مهمّة في‏

____________

(1) مطارح الأنظار: 83

23

ذكره؛ و هي و أجوبتها مذكورة في اصول الشيخ- (قدّس سرّه)- (1)، و كذا سائر الأدلّة و أجوبتها.

و الحلّ: أنّ عدم التكليف لعدم القدرة بقاء، و لا يلزم ذلك الخروج عن كونه واجبا مطلقا؛ فإنّ الإيجاب- كغيره من التكاليف- مشروط بالقدرة حدوثا و بقاء؛ فالخروج عن القدرة- لخروج الوقت في الموقّت- لازمه سقوط التكليف؛ فقد يكون لعذر، كما إذا ترك بظنّ بقاء القدرة وسعة الوقت؛ و قد يكون لا لعذر، كما في المقام؛ فيمكن الالتزام بعدم المعذوريّة، لتوفيت التكليف المحقّق حين القدرة عليه بالقدرة على المقدّمة، فعجز نفسه بتركها، حتى امتنع عليه ذو المقدّمة، فسقط التكليف بقاء، و إن قلنا بعدم وجوب المقدّمة؛ فإنّه على القول به، فلا عتاب عليه على تركها؛ فالعقاب المحقّق، على ترك غيرها يقينا، و ليس إلّا ذو المقدّمة.

و لا عصيان، لعدم البقاء، فليس مصحّح العقوبة إلّا التفويت بعد التحقّق.

و قد يجاب بأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. و فيه: أنّه ظن اريد بقاؤه خطابا، فهو خلاف الوجدان؛ و إن اريد بقاؤه عقابا، فهو على مخالفة التكليف، و المفروض عدم بقاءه، إلّا أن يكون على التفويت المتقدّم.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ مقتضى شرعيّة القدرة، أنّ أوّل زمان العجز عن الجميع أوّل زمان سقوط التكليف، فهو آخر الوقت في حقّه، فيتحقّق العصيان حينئذ بالتأخير مع التمكّن قبل من الجمع إلى ذلك الزمان؛ فلا حاجة إلى عنوان التفويت، فتأمّل، تعرف.

و لا يلزم منه الخروج عن الإطلاق، كما لا يلزم في انقضاء الوقت؛ فإنّ شرطيّة الوقت شرعيّة، و شرطيّة القدرة عقليّة.

____________

(1) مطارح الأنظار: 84

24

الاستدلال بحكم الوجدان و التقارن بين التكليف النفسي و الغيري‏

و يمكن الاستدلال للوجوب، بحكم الوجدان بالملازمة بين إيجاب الشي‏ء و إيجاب مقدّماته؛ فإنّ من أراد شيئا، أراد مقدّماته عند الالتفات إليها، كان المراد منه نفسه أو غيره، بل الغير يكون كالنائب عن الآمر؛ فحيث إنّه في إرادته التكوينيّة المتعلّقة بفعل نفسه، يترشّح منها إرادة المقدّمة، فكذلك التشريعيّة المتعلّقة بفعل الغير، يترشّح منها إرادة المقدّمة من الغير، إذ هو مقتضى كونه بحيث لو كان فعل نفسه لفعل، و لو كان فعل غيره لأمر.

و التكوينيّة المعلوليّة، يبعث منها الفعل للمقدّمة؛ و التشريعيّة، ينبعث منها الأمر بالمقدّمة، و كلتاهما معلوليّتان، و هذا ينبعث أحكام إرادة المقدّمة من الملتفت. إلّا أنّ الحكم الشرعي ليس هو الإرادة، و إن اشتراكا في الأحكام العقليّة.

و الاشتراك، للإرادة النفسيّة مع التكليف النفسي، لا للإرادة الغيريّة مع التكليف الغيري في الأحكام العقليّة؛ فلا تكشف الإرادة الغيريّة عن التكليف الغيري المستغنى عنه بالتكليف النفسي، بخلاف النفسيّة؛ بل الحكم التكليفي هو الاعتبار المنتزع من الإنشاء بداعي البعث أو الزّجر؛ و الكلام، في إغناء البعث نحو ذي المقدّمة، عن البعث نحو المقدّم، مع اختصاص منشأ انتزاع الأوّل- و هو الإنشاء- بالأوّل؛ و مع حكم العقل بالإغناء، كيف يكون هناك بعث معلولي للبعث العلّي المنتزع من الإنشائيّ.

و هذا بخلاف المسبّبات التوليديّة؛ فإنّ المقصود الأصلي فيها معلول الفعل المباشري المغاير للتوليدي، وجودا و ماهيّة. و هنا المقصود الأصلي، نفس الفعل المباشري المنتزع منه التكليف؛ فتأثيره في انتزاع التكليف الغيري الآخر، بلا دليل، مع عدم تعلّق القصد به، و إنّما يدعو الداعي إلى التكليف الغيري إلى‏

25

تكليف آخر نفسي لو كان مانع من الثاني دون الأوّل بعد زوال المانع دون العكس.

و دعوى الملازمة بين البعثين كالإرادتين- فلا يحتاج البعث المعلولي إلى غاية مصحّحة لاختياره في نفسيه- قابلة للمنع في غير الإرادتين التكوينيّتين.

و أمّا التشريعيّتان، كالبعثين في الملازمة و عدمها. نعم، هذا البعث المعلولي الّذي لا يتعلّق القصد الأصلي به و ليس له في نفسه شرائط الاختيار، بل في البعث العلّي، لا يزيد في الحكم العقلي على الإرادة المعلوليّة الّتي تسلّمناها حسب الاعقاب، إذ لا قصد بالأصالة مع الاشتراك في المعلوليّة بلا أثر مهم لثبوته.

و أمّا كشف أحد المتلازمين بالآخر، فإنّما يسلّم في ما كان منشأ التكليف الغيري مع ما يعلم به عدم النفسية؛ فإنّه يكشف عن التكليف النفسي دون العكس، لما ذكرنا من الاستغناء عنه.

و يمكن أن يقال: إنّ كشف النفسي بالتكليف الإنشائي الغيري- كما ذكر- ليس إلّا لمكان معلوليّة الغيري للنفسي، بحيث يكشف المعلولي عن العلّي لا بسبب آخر.

و عليه: فلا يمكن كشف المعلول عن العلّة، و عدم كشف العلّة عن المعلول، لاتّحاد مناط الكشف؛ فالحكمان الاختياريّان كالإرادتين الغير الاختياريّتين؛ بل شأن العلّة و المعلول، المعيّة في الوجود؛ فإذا علم بوجود أحدهما، علم بسببه بوجود الآخر، من دون فرق بين ثبوت شرائط الاختيار- كالفائدة المحقّقة للداعي إليه- في المعلول من غير طريق العلّة، و عدم ثبوتها إلّا بطريقها.

و عليه: فكما تكشف الإرادة العلّيّة النفسيّة عن الإرادة الغيريّة- كما هو ثابت بالوجدان- فكذلك التكليف النفسي يكشف عن الغيريّ بالبرهان؛ فلو فرض أنّ‏

26

المقدّمة لها ملاك النفسيّة أيضا، فلا فرق في الكشف عن إيجابها بين تكليف غيري متعلّق بمقدّمتها، أو نفسي متعلّق بذيها.

و عليه: فحال التكليف النفسي مع الغيري، كحال إرادة الإلقاء في النار و إرادة الإحراق في الكشف عن كلّ منهما بمعلوميّة الاخرى، لمكان العلم بمناط الكشف، و هو العلّيّة و المعلوليّة؛ فلا يمكن الالتزام بثبوت أحد الكشفين- و هو المعلول عن العلّة- دون الآخر، و هو كشف العلّة عن المعلول.

فلا يمكن أن يقال: إنّ الالتزام بالكشف عن التكليف النفسي، لمكان اللغويّة المنتفية في العكس؛ فإنّ اللّازم عدم المعقوليّة للمعلول بلا علّة، لا اللغويّة، فذلك اللازم حاصل في العكس؛ فإنّ العلّة بلا معلول، محال، لأنّ عدم المعلول مع وجود العلّة، كوجود المعلول مع عدم علّته في الاستحالة الوقوعيّة.

و ممّا ذكرنا ظهر: أنّ وجوب المقدّمة شرعي معلولي، لا عقلي إرشادي؛ فإنّه بمعنى إظهار العقل رشد العبد في شي‏ء له آثار و تبعات من قبل ذي المقدّمة الواجبة فرضا. و لا يكون حاصله سوى أنه يهلك إن ترك ذا المقدّمة بتركها؛ بل الإرشاد إلى الشرطيّة ممكن في مثل‏ إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا (1) إلّا في مثل «صلّ» الكاشف عن التوضّؤ للصلاة. و ليس المتنازع فيه العقلي المولوي؛ فإنّه- على تقدير صحّته- لا يكشف عن الشرعي هنا، لما تقدّم من أنّه مستغنى عنه، و لو كشف في غير المقام. و لا اللابديّة العقليّة إذا فسّرت بمعنى المقدميّة، بل حتّى على الوجوب الشرعي، و لا الوجوب المجازي المنسوب إلى ذيها حقيقة؛ فإنّ وجوبها تبعيّ لا عرفيّ؛ فالمتنازع فيه وجوب شرعي، لو لا الاستغناء عنه، لما التزم بعدمه. و لو لا لزومه للحاصل، لما قيل بوجوده قبله، فتدبّر.

____________

(1) المائدة: 6

27

و الحاصل: أنّه يمكن توجّه الأمر الشرعي بالمقدّمة بقياس الإرادة التشريعيّة الملازمة للإيجاب الشرعي بالإرادة التكوينية في فعل النفس المستلزمة للتّكوينيّة في المقدّمة، و لا يمكن التفكيك، و كون الإرادة بحيث لو كان فعل نفسه لأثّر في إيجاد المراد، فهو الموجب للتسبّب إلى المراد إذا كان فعل الغير اختياريّا بالأمر به؛ و كما أنّ في الأصل إرادتين تكوينيّتين، ففي المعلول إرادتان تشريعيّتان؛ و كما لا يمكن التفكيك بين العلّة و المعلول فكذا في الثاني؛ و كما لا قصد في الأوّل إلّا الوصول إلى ذي المقدّمة، فكذا في الثاني لا يؤثّر في عقاب على المقدّمة؛ فإنّ الإرادة التكوينيّة و التشريعيّة لا تفترقان بحسب المراد و مقدّماته و لوازمه. و إنّما الاختلاف، في الفاعل بالمباشرة و التسبّب؛ فالعلّيّة و المعلوليّة محفوظتان فيهما، و في معلول التشريعيّة من الأمر بذي المقدّمة و مقدّمتها بلا اختلاف؛ فالحال هنا بعينه الحال في المسبّبات التوليديّة، حيث لا يمكن الأمر بالسّبب دون المسبّب، أو بالعكس؛ و كما لا يكفي الأمر المعلولي، عن العلّي، فكذا العكس.

نعم، لا ثمرة للبحث عن الوجوب الشرعي، لما يذكر في التقرّب و في بحث الاقتضاء، فليتدبّر.

الاستدلال للوجوب الشرعي بمسألة الضد

يمكن الاستدلال للوجوب الشرعي الغيري المعلولي للمقدّمة الخارجيّة، بتقريب أنّ الإيجاب النفسي يقتضي تحريم الضد العامّ لذي المقدّمة، كما هوم مقرّر في البحث عن الاقتضاء، و حرمة الضد العامّ، بمعنى مطلوبيّة ترك ترك الواجب النفسيّ؛ فإذا حرم ترك الواجب، حرم مقدّمة هذا الترك، الّتي لا بدّ معها من ترك‏

28

الواجب، و لا يقدر معها على فعل الواجب. و ترك المقدّمة علّة لترك الواجب، فهو علّة للحرام؛ و علّة الحرام إذا كانت اختياريّة لا يمكن معها من فعل الواجب المضادّ للحرام، محرّمة؛ فترك المقدّمة حرام، و فعلها واجب، و لا وجوب لها إلّا معلوليّا غيريّا.

و أمّا ما مرّ من الاستغناء في البعث عن الأمر المقدّمي، فإنّما ينافي اختياريّة إيجابها في نفسها بداعي جعل الداعي؛ مع أنّ لازم الوجوب الجعلي الشرعي، أنّ المولى يتمكّن من إيجاب المقدّمة و ذيها معا أو ترك إيجابهما معا، لا من التفكيك بين العلّة و المعلول أو بين المتلازمين في غير المقام.

و يكفي في ثبوت الداعي إلى المعلولي ثبوت الداعي إلى العلّي الذي لا ينفكّ عن المعلوليّ؛ كما أنّ له الأمر بالإحراق الواجب المتولّد منه الإلقاء، و له ترك الأمر بالإحراق؛ و ليس له الأمر بالإحراق و عدم الأمر بالإلقاء، بحيث يستوي عنده وجود الإلقاء و عدمه، مع الالتفات و الانحصار.

و لا يعتبر في اختياريّة الأمر الشرعي أزيد من ثبوت الداعي إلى البعث العلّي المستلزم للبعث المعلولي، على حسب استلزم إرادته لإرادته.

و يمكن الاستدلال للوجوب الغيري للمقدّمات، بوجدانيّة الملازمة من جهة وقوع الأمر في العرف و الشرع إلى ما يخفى. و هو كاشف عن الملاك ثبوتا، لأنّ مقام الإثبات محرز عقلائي. و استفادة الشرطيّة في الشرعيّات و كشف الأمر النفسي بالشروط، لا ينافي الإيجاب الشرعي المعلولي بالمقدّمة الشرعيّة التي حالها حال العاديّة في الأمر بها في العرف و الشرع؛ و الفرق بجعليّة الشرط و عقليّته عادة، غير فارق.

29

4. ثمرة البحث عن مقدمة الواجب‏

قد عرفت أنّ وجوب المقدّمة مستغنى عنه، لا يؤثّر في عقاب؛ و أنّه لازم ما لا يستغنى عنه من الوجوب النفسي المؤثّر في العقاب.

و عليه فالمترتّب على البحث عنه، هو ثبوت الوجوب لأشخاص مقدّمات الواجبات من دون أولويّة لبعضها بالبحث، بحيث تكون تلك الأولويّة ثمرة للبحث، أو موجبة لإثمار البحث عنه.

نعم، على القول بالوجوب الشرعي، يمكن التقرّب بالأمر في نفس المقدّمة، و الإتيان بها عباديّة، بخلاف القول بالعدم؛ فإنّه لا يمكن التقرّب إلّا بالملاك، حيث إنّ ما يترتّب على المقدّمة مطلوب للشارع نفسيّا؛ فالتقرّب بالأمر بذي المقدّمة، كالتقرّب بملاك الواجب في كونه مقرّبا عند العقلاء، و ممّا يترتّب عليه الثواب.

و أمّا العقاب فهو عليت تفويت الملاك، و هو هنا بترك الواجب النفسي الذي هو الملاك هنا.

و كون المقربيّة- كنفس الأمر- معلوليّة، لا ينافي إمكان التقرّب بالأمر بالمقدّمة، لأنّ المفروض تحقّق علّة الأمر بها و هو كاف في إمكان التقرّب به بلا قيد، لعدم تقيّد المأمور به؛ فليس الثواب فيه للانقياد المحقّق في موارد تخيّل الأمر و في العدول عن العبادة في الأثناء بعد الشروع فيهما، لعدم الأمر المتقرّب فيهما، بخلاف المقام.

و دعوى أنّ المقربيّة تابعة للأمر بالأصالة لا مطلقا، مدفوعة، بأنّ كلّ أمر- و لو كان تبعيّا- شأنه صحّة التقرّب به بماله من الشأن و الحيثيّة. و إنّما لا يتقرّب بالأمر بالعرض و المجاز، لا ما كان بالحقيقة و لو كان بالتبع و لو كان توصليّا. و ممّا ذكر يظهر ما في ما افيد، من أنّ الأمر المقدّمي لا يؤثّر ثوابا. فتدبّر.

30

المناقشة في صحّة التقرّب في المقام و دفعها

مع إمكان المناقشة في صحّة التقرّب هنا، و إن قلنا بها في الواجب النفسي، لأنّ الملاك فيه مترتّب على الفعل، و المفروض مطلوبيّته شأنا و إيجابه به للمدح و الذّم، بخلافه هنا؛ فإنّه لا يترتّب في غير المقدّمة السببيّة إلّا باختيار آخر؛ فالثواب- كالعقاب- منتظر فيهما تحقّق الفعل الاختياري الآخر أو تركه؛ فلا نسلّم فعليّة الثواب بفعليّة المقدّمة، لتمكّن بها من ذيها و فعليّة العقاب بتركها، إلّا مع فوت زمان فعل ذيها، أو لتفويت ذيها و لو مراعى بمضيّ ذلك الزمان و حياة المكلّف و بقاء شأنيّة التكليف إلى آخر أزمنة ذيها، لا بمجرّد ترك المقدّمة في زمانها، كما هو ظاهر.

و يمكن دفع المناقشة، بتحقّق الإضافة إلى المولى في نفس الحركة إلى المقدّمة، فإنّها مدعوّة لذيها المدعوّ إليه بالأمر به؛ فالداعي إلى المقدّمة التمكّن من ذيها، و الداعي إلى التمكّن هو اختيار الفعل بداعي الأمر بنفسه؛ فالمحرّك الحقيقي نحو المقدّمة هو المحرّك نحو ذيها. و هذا القدر كاف في صحّة التقرّب و أحكامه العقليّة و الشرعيّة كما لا يخفى؛ فانتهاء التحرّك نحو المقدّمة، إلى تحريك الشرع نحو ذيها، لا ريب فيه؛ و الانتظار لا ينافي التقرّب الفعليّ، كما أنّ مصادفة الانقياد بالاحتمال تعتبر في التقرّب الفعلي بالإتيان بداعي احتمال الأمر.

جعل الثمرة، الاجتماع و عدمه و المناقشة فيه‏

و أمّا جعل الثمرة، الاجتماع على الملازمة، و عدمه على العدم، ففيه: أنّه مع الانحصار، إمّا لا وجوب لعدم وجوب ذيها؛ أو لا حرمة لعدم حرمتها؛ فلا اجتماع‏

31

على أيّ تقدير، لكن البحث عن جواز الاجتماع إذا كان جهتيّا، فلا تضادّ في اجتماع الوجوب و الحرمة في نفس المقدّمة بعنوانين؛ و مع عدم الانحصار فالاجتماع و إن كان حاصلا، إلّا أنّه لا يثمر في فساد ذيها و إن توصّل بالحرام في ما كان وجوب المقدّمة توصليّا أو تعبّديّا في بعض أفرادها؛ كما أنّه على التعبّد به في الكلّ فالأمر بالكلّ مسلّم، قيل بالملازمة أو لا، فيفسد المقدّمة العباديّة مطلقا.

إلّا أن يقال: يكفي في العباديّة قصد الأمر بذي المقدّمة العباديّة و لو لم يكن مأمورا بها؛ و حينئذ، فحرمة جميع المقدّمات تزاحم وجوب ذيها، كانت مع العباديّة أو لا، و على تقدير وجوب ذيها، فلا حرمة للجميع، و حرمة البعض تنافي وجوبه، لا مطلقا.

نعم، على تقدير انحصار العباديّة في الأمر الغيري بأن يكون المبحوث عنه في البحث عن الملازمة، الأمر الغيري العبادي، بناء على معقوليّة الأمر العباديّ الغيري، و كونه في ذلك كالنفسي كما لا يبعد؛ فعلى الامتناع لا تصحّ المقدّمة، و على الجواز تصحّ؛ فيكفي هذا ثمرة للبحث، لانتهائه إلى صحّة المقدّمة و فسادها على القول بالامتناع و الجواز، و لازمه صحّة ذيها و فسادها.

لكنّك خبير بأنّ البحث في الملازمة ليس في الوجوب العبادي الغيري، بل في كلّي الوجوب في كلّية الموارد مع أنّ وجود المندوحة ينفي التكليف بالمحال، و يمكن الالتزام بكفاية قصد الأمر بالطبيعة، و إن كانت الخصوصيّة محرّمة فرضا؛ فلا فساد للمقدّمة العباديّة، فضلا عن ذيها الذي إذا فرض وجود المقدّمة المحرّمة، فلا مانع في التقرّب بالأمر بذيها، فتدبّر. و أمّا سائر ثمرات البحث، فأجوبتها مفصّلة في تقرير الشيخ- (قدّس سرّه)- (1)، فليلاحظ.

____________

(1) مطارح الأنظار: 80، طبع مؤسسة آل البيت- (عليهم السلام)-

32

تتميم في الأصل في المقام‏

لا أصل في نفس الملازمة، لأنّ العقل إمّا أن يحكم بها أو لا يحكم. و لا محلّ للشك في الحكم العقلي.

و منه يظهر: أنّ الأصل في غير عنوان البحث المنتج لنتيجة المبحوث عنه- و هو عدم الحكم الشرعي المقدّمي بعد تحقّق النفسي، حيث يشكّ في الملازمة-: و إنّ كان جاريا لاستصحاب العدم، إلّا أنّه لا يفيد، لعدم محلّ للشك في الملازمة. و معه يقطع بعدم التابع تارة، و وجوده اخرى، باعتبار من استقلّ عقله بالملازمة، أو بعدمها، فلا شكّ في وجود التابع المسبوق بعدمه؛ فالأصل- بمعنى الاستصحاب في الحكم الشرعي أيضا- غير مفيد، مع جريانه في غير المبحوث عنه من الملازمة التي لا يعتبر فيها تحقّق الملزوم و اللّازم.

و أمّا الشكّ في كون الوجوب الشرعي المعلوم مقدّميا أو نفسيّا، فهو محلّ للأصل بعد الدليل، لأنّ مقتضى إطلاق على الوجوب الشرعيّ المحتمل فيه الوصفان، هو النفسيّة، لأنّها التي يحمل الإطلاق عليها، فلا يناط وجوبه بوجوب شي‏ء آخر؛ و مع عدم الإطلاق، فمقتضى الأصل عدم الوجوب عند عدم شرط الواجب الآخر الّذي يحتمل كون المشكوك مقدّمة شرعيّة له. فالأصل، مع الغيريّة، كما أنّ إطلاق الدليل، مع النفسيّة.

تحقيق حول قيديّة الإرادة أو الإيصال أو قصد التوصل لوجوب المقدّمة

بقي الكلام في تقيّد وجوب المقدّمة شرعا بأزيد من قيود وجوب ذيها. و حيث إنّ وجوبها معلولي، فهي في الإطلاق و الاشتراط تابعة لوجوب العلّي، فلا يمكن ثبوت المعلول مع انتفاء العلّة أو بالعكس؛ فالتقييد بإرادة ذيها لازمه تقيّد العلي‏

33

بإرادة المتعلّق المسقط لإيجابه. و كذا قصد التوصّل ليس شرطا للوجوب، و لا الواجب؛ فإنّ المعلول وجوب ذات المقدّمة (1)، لا بما أنّها مأتيّ بها بعنوان‏

____________

(1) كيفية تعلّق الإرادة التكوينيّة و التشريعيّة بالمقدّمة قول المؤلف: «فإنّ المعلول وجوب ذات المقدّمة إن تعلّق الطريق الوحيد الموصل إلى إثبات وجوب مقدّمة الواجب بوجوب شرعي إنّما هو مقايسة الإرادة التشريعيّة بالتكوينيّة بمقتضى تطابق العلّة و المعلول؛ و حيث إنّ من أراد شيئا، أراد مقدّماته بلا فرق بين مقام الإرادة العليّة و هي التكوينيّة و المعلوميّة و هي التشريعيّة، فلا [بدّ] من إيجاب التشريعيّة المتعلّقة بذي المقدّمة لإرادة تشريعيّة و إيجاب شرعي متعلّق بالمقدّمة؛ فالعليّة المسلّمة في الأصل لا بدّ من تسلّمها في الفرع أيضا. و ليس يخفى أنّ التكوينيّة المتعلّقة بالمقدّمة إنّما تتعلّق بها من خصوص مريد ذيها قضاء لحق العليّة و المعلوليّة، فلا بدّ من مطابقة التشريعيّة لها في غير خصوصيّة العامل، فلا بدّ من تعلّق التشريعيّة بالمقدّمة من خصوص من اريد منه ذوها تشريعا و من خصوص المكلّف المريد لذيها تكوينا و إلّا لتغاير الإرادة المعلوليّة مع العليّة في غير الاختلاف بالفاعل الخاص.

قلت: الاختصاص بمريد ذي المقدّمة قضيّة مخصوصة بالتكوينيّة؛ فإنّه فيها مقتضى العلّية و المعلوليّة؛ و أمّا التشريعيّة، فهي في الحقيقة بعث تسبّبي و إيجاد للمراد، حيث لا يمكن التسبب إليه إلا بالإيجاب الذي هو جعل الداعي؛ و من المعلوم أنّ الأمر جعل للداعي بالإمكان لا بالفعل؛ و إنّما هو للدعوة لخصوص ما لا داعي له سوى الأمر، لا مطلقا بحيث يعتبر الدعوة الفعليّة، فيكون الأصل العباديّة. فهذا حال ذي المقدّمة، فكيف يكون حال مقدّمته؟ و مقتضى عدم اعتبار فعليّة الدعوة في شي‏ء من الأمرين، عدم اعتبار قصد التوصّل في الأمر أو المأمور به؛ فلا يقال إنّ عدم الانفكاك بين العلّة و المعلول، معلوم إلّا أن المدّعى أنّ المعلول إرادة المقدّمة من مريد ذيها، لا مطلقا حتى يلزم الانفكاك؛ فإنّ ذلك الاختصاص، من لوازم التكوينيّة، فلا يجري في التشريعيّة و ما يلازمها من الإيجاب و يوضح ذلك ملاحظة التوصليّات و أنّه لا معنى فيه لاعتبار التوصّل على حصول الغرض بلا هذا القصد لا في الوجوب، لأنّ المعلول إيجاب المقدّمة عند إيجاب ذيها و معه و من يريد ذيها تشريعا و هو الآمر لا إيجاب المقدّمة على مريد ذيها تكوينا بل على المراد منه ذوها تشريعا و الاختصاص المتقدّم إنّما هو في التكوينيّين، لا ما يعمّ التشريعيّين في العلّة و المعلول. و منه يظهر أنّ المعلول إذا كان وجوب المقدمة ممّن وجب عليه ذوها، فلا محلّ لاعتبار التوصّل في الواجب مع عدم دخالته في مصلحة الواجب المقدّمي و هو إمكان التوصّل بها في مرتبة زائدة على الإمكان قبل وجودها. مع أنّ لازم الاعتبار لما ليس من لوازم التكليف العقليّة، هو الإعادة مع الإتيان بلا قصد التوصّل و هو غريب أمّا في التوصليّات، فواضح؛ و أمّا في التعبديّات، فالمقدّمة بالحمل الشائع إنّما هو العباديّة و بعد إمكان الإتيان بها عباديّة لا بقصد التوصّل، كما يشاهد في عباديّة المأتي بها بقصد الأمر الذي لا يعلم أنّه نفسي أو غيره حيث إنّ الإضافة إلى نفس الأمر الغيري كافية في جواز التقرّب و إن كان في رتبة ذاتيّة بالنسبة إلى ما هو التوصّل أيضا. و كون الأمر لغاية الإخراج من حدّ من الإمكان إلى حد آخر غير اعتبار التوصّل القصدي في متعلّق الأمر؛ فإنّ المدعوّ إليه للآمر إنّما هو الأمر بما يترتّب عليه الغاية لا به بما أنّه يترتّب عليه الغاية لعدم تعلّق الأمر المعلولي إلّا بذات ما يترتّب عليه الغاية. لزوم الخلف على اعتبار قصد التوصّل فقد ظهر أنّ اعتبار قصد التوصّل في وجوب المقدّمة خلف لمعلوليته لما لا يعقل فيه ذلك و القياس بالتكوينيّة بلا جامع ما ترشّح إرادة المقدّمة من إرادة ذيها تكوينا أوجب ذلك فكذا في المأمور إذا ترشّح إرادة المقدّمة تكوينا من إرادة ذيها كذلك، و المدّعى أنّ إرادة المقدّمة تشريعا منوطة بإرادة المأمور لذيها تكوينا؛ فلا محلّ لقياس الفرع بالأصل و كذا اعتبار القصد المذكور في متعلّق الأمر المقدّمي زيادة في حكم المعلوليّة و حكمها حكم النقيصة ينتهيان إلى الخلف. و أمّا المقدّمة العباديّة، فما هو المقدّمة فيه، هو العبادة، لا أنّ المقدمة مقيّدة بالعباديّة؛ فلو فرض توقّف العباديّة على قصد التوصّل مع إمكان عدم التوقّف، فذلك مع اقتضاء عبادية المقدّمة، لا من اقتضاء مقدّميّة العبادة و إلّا اقتضى المقدميّة ذلك في غير المقدمة العباديّة، فتدبر جيّدا. فإنّ الواجب العبادي لا يرفعه عباديّة اخرى بل إذا حصل عباديّا بأي سبب يكون محصّلا للغرض. تحقيق في ما أورده الشيخ الأعظم- (قدّس سرّه)- على صاحب الفصول- (قدّس سرّه)- ثمّ إنّ هنا امورا مرتبطة بما أورده «الشيخ»- (قدّس سرّه)- في تقريراته ردّا على ما عن «الفصول» لا بأس بالإشارة إلى بعضها ملخّصا: منها: قوله في بيان ما عن «الفصول» أنّ المقدّمة لها نوعان و فيه مسامحة؛ فإنّ التنوّع لا يكون باعتبار المفارقات الوجوديّة و السابق و اللاحق، بل تارة يتعقّب المقدّمة ذوها بالاختيار، و تارة لا يتعقّبها؛ و لا فرق بينهما إلّا في انتزاع الملحوقيّة و المسبوقيّة و عدمه، و قوله في الحكاية و بيانها، إذ لا يعقل طلب شي‏ء من غيرها يدعو إلى طلبه. و لا يخفى أنّ الطلب لا يعقل تخلّفه عن ملاكه و لا ملاك للطلب المقدّمي إلّا التمكّن بها من ذيها و فعليّة الترتّب أجنبيّة عن الملاكيّة للطلب المقدّمي و إنّما ملاك الترتّب الداعي إلى إيجاب ذي المقدمة نفسيّا، فإن حصل الغرض الثاني الأقصى بحصول ذي المقدمة، حصل الغرض الأدنى و لا عكس. و أمّا ملازمة اعتبار قصد التوصّل و فعليّة الترتّب، فمنفية للانفكاك من الطرفين حتى في المقدّمة العادية التي تسلم «الشيخ»- (قدّس سرّه)- اعتبار القصد فيها و لم نتسلّم و قوله أنّه مع عدم الترتّب وقوع قصد

التوصّل لا تقع- المقدّمة على صفة الوجوب بناء على ما عن «الفصول» فضلا عن وقوعها على صفة الامتثال و كان عباديّتها أخصّ من وقوعها على صفة الوجوب عند «الفصول». و يمكن أن يقال لا يعتبر القصد في العباديّة لإمكان الأمر الغير المقدّمي بذات المقدمة عباديّا و لإمكان الإتيان بالمقدّمة العباديّة بأمره المقدّمي مع احتمال البداء في فعل الواجب النفسي و هذا القدر كاف في أنّه لا داعي إلى المقدّمة إلّا إيجابها الموجب للإضافة إلى المولى. و أمّا كون الترتّب حيثيّة تعليليّة لا تقييديّة، فقد مرّ ما فيه فإنّ الغائيّة التمكّن من قبل المقدّمة و هو حاصل بفعلها مطلقا؛ فلا يعقل تخلّف الغاية عن ذيها مع التحفّظ على العليّة، فلا أثر لتعدّد الحيثيتين هنا. و قد مرّ أنّ الوجوب المعلولي لا يعقل تعلّقه بأزيد ممّا هو مقدّمة واقعا و ما هو ما له دخل في إمكان ذيها بلا واسطة من قبله؛ فالقيد الزائد على المقدّمة، لا يعقل تعلّق الأمر المعلولي به أو بما يشتمل عليه. ثمّ إنّه قد أفاد «الشيخ»- (قدّس سرّه)- أنّ اعتبار الإيصال يلزم منه عدم الاعتبار، لأنّ ذات المقدّمة مقدّمة للمقدّمة الموصلة، فتجب مقدميّا، لوجوب الإتيان بالمطلق المغاير في الوجوب لقيده ثم اتباعه بالقيد. و يمكن أن يقال إن ذات المقدّمة على الفرض من المقدّمات الداخليّة للواجب المقدّمي المتقيّد بالإيصال و الأمر بالكل و بالتقييد ينبسط إلى الأبعاض و ليس فيه أمران، كما يظهر من ملاحظة للأمر النفسي بالمقيّد، بل الواحد بالمركّب الاعتباري و المقيّد مضاف مع وحدته إلى البعض و إلى الكلّ؛ و ليس فيه تعدّد الأمر يكون أحدهما علّة و الآخر معلولا حتى يلزم من الاعتبار عدمه. و أمّا جعل الثمرة لاعتبار الإيصال صحّة العبادة المضادّة للواجب النفسي لأنّ الترك الواجب مقدميّا هو الموصل لا مطلقا، فلا يحرم الفعل حتى يمنع عن التقرّب بالإيجاب، و نحن نمنع المقدميّة في الضدّين، فلا وقع لهذه الثمرة. و على تقدير المقدميّة، فوجوب الترك الموصل يقتضي حرمة رفعه المختصّ بالفعل تارة و بالترك المجرّد أخرى و كلاهما محرّمان، لأنّهما من لوازم ترك الواجب المقدمي فيجتمع الأمر و النهي في المقدّمة فتفسد بناء على الامتناع‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

المقدّميّة؛ و ثبوت الحرمة في تقدير عدم فعل ذيها المزاحم وجوبه لحرمة المقدّمة المغلوبة، لا ينافي وجوب المقدّمة المطلق، كوجوب ذيها بهذا التقرير؛ فلا يستلزم هذا الخطاب الترتّبي اعتبار القصد في وجوب المقدّمة، و إنّما ينافي إيجاب المقدّمة مشروطا بعدم فعل ذيها، لا إطلاق هذا الإيجاب لصورة عدم فعل ذيها، التي يثبت فيها إطلاق وجوب ذيها و إطلاق وجوب مقدّمته؛ فإثبات تحريم المقدّمة- في تقدير ترك ذيها- لا ينافي حرمة التقدير و إيجاب ذيها. و إيجاب‏

36

المقدّمة و الإدراج في الخطاب الترتّبي- من جهة اجتماعهما في زمان واحد، لو لا مشروطيّة أحدهما بترك متعلّق الآخر- امتنع اجتماعهما، و إلّا لزم اجتماع إيجاب القصد مقدميّا مع تحريمه نفسيّا.

و أمّا اعتبار الإيصال في الواجب المقدّمي- كما نسب إلى «صاحب الفصول»- (قدّس سرّه)- (1)- فقد ظهر أنّ اعتبار أزيد ممّا يتعلّق به مصلحة معلومة و يؤثّر في تلك المصلحة في المتعلّق جزاف؛ فيكون اعتبار التوصّل- كاعتبار قصد التوصّل- زائدا على المكشوف من إيجاب ذي المقدّمة، من إيجاب ما لو لا وجوده لما تمكّن من ذيها بلا واسطة؛ و لا بدّ من حمل اعتبار الإيصال إلى اعتبار الحدّ الملازم لذيها أو المتعقّب بذيها، لا بنحو يدخل المعلول في العلّة حتّى يورد عليه بالواضحات.

لكنّ الإنصاف، أنّه إذا لم يعتبر في الواجب المقدّمي ما يتوقّف على تحقّق ذيه و لو بتقييده بالتعقّب بذيه، أمكن فيه الانفكاك و عدم التوصّل؛ و لو اعتبر، لزم دخول الواجب النفسي في ما يدخل في الواجب الغيري و يتقيّد به، و هو كما ترى.

و جواز المنع عن غير الموصل لجوازه عمّا لم يقصد به التوصّل، لا بدّ له من ملاك آخر، كحرمة المقدّمة نفسيّا، أو تحريم المقيّد بعدم الإيصال. و محلّ الكلام، في ما خلا عن المفسدة الغير المغلوبة لملاك الواجب النفسي.

و الظاهر أنّ التعبير بوجوب المقدّمة من حيث الإيصال مع إنكار تقيّد الواجب بالإيصال، كما نسب إلى «صاحب الحاشية» (2)- (قدّس سرّه)-، مرجعه إلى إهمال الواجب من حيث عدم إمكان التقييد و لا إطلاق، و لازمه عدم التجاوز عن صورة

____________

(1) كفاية الاصول: 117، طبع مؤسسة آل البيت- (عليهم السلام)-؛ الفصول: 86

(2) هداية المسترشدين: 219

37

التعقّب بالوصول إلى ذيها، و هو في قوّة التقييد.

و لعلّ معلوليّة الإيجاب المقدّمي و عدمه انفكاكه عن الإيجاب العلّي المراد به الانبعاث نحو الواجب النفسي، هو الّذي أوجب دعوى التقييد أو الإهمال؛ مع أنّ تلازم الإرادتين تشريعيّا، غير تلازم المرادين تكوينا، و الاستلزام كذلك، و هو محقّق، كان اللازم و الملزوم، أو اللازم فقط، أو لم يكونا في الخارج للعصيان.

ثمّ إنّه- بعد التحفّظ على ما ذكرناه في الخطاب الترتّبي- يظهر: أنّه كما يصحّ الخطاب التحريمي نحو المقدّمة المحرّمة في نفسها معلّقة على ترك ذيها، يصحّ ذلك أيضا مع التعليق على ترك المقدّمة الموصلة إليها، فإنّه في قوّة التعليق على ترك ذيها، كان الواجب خصوص الموصل أو الأعمّ.

نعم، على الأوّل لا يحتاج التحريم إلى الترتّب، لأنّ غير الموصلة ليست واجبة حتى لا يمكن تحريمها مع إيجابها، فيجتمع تحريم المقدّمة مع إيجاب الموصلة.

نعم، تحريم الطبيعي مع إيجاب حصّة منه يستلزم التقييد بغير تلك الحصّة، فهو كالترتّب و التحريم و إن كان بنحو تقييد المتعلّق، لا الحكم و لا [التحريم‏] في سائر موارد الترتّب، فتدبّر.

لكن في العكس يوجب ذلك تقييد الواجب بالخصوص المغلوب فيها المفسدة في قبال عدم التقييد، و ثبوت الإطلاق الحيثيّتي للخصوصيّة الغير المغلوب فيها المفسدة، أعني غير الموصلة تأمّلا؛ فإنّ المسلّم منع ذلك الإيجاب خصوصيّة غير الموصلة. و أمّا الإطلاق فامنع عنه قابل للاستشكال.

و أمّا رجوع الحيثيّة التعليليّة في الأحكام العقليّة، إلى التقييديّة، فإنّما يسلّم في المستقلّات العقليّة، لا في مثل إدراك الملازمة بين إيجابين شرعيّين لا يدرك العقل حسن أحدهما إلّا بعد أمر الشّارع؛ فإنّ المتلازمين لا ينفكّان؛ و الملازم‏

38

- بحسب إدراك العقل- وجوب ذات ما ينوط وجود ذي المقدّمة بوجوده، لا وجوب المأتي به بقصد التوصّل؛ فإنّ إيجاب الشرع إيجاد تسبّبي منه للمقدّمة، كانت موجودة خارجا أو لا، و كان وجودها للتوصّل بها أو لا بل حيث إنّ مصلحة الإيجاب المقدّمي معلومة، و ترتّبها على ما قصد به التوصّل و غيره، معلوم، فلا معنى لاعتبار أزيد ممّا فيه الملاك في الوجوب المكشوف بالعقل، و ليس الوجوب تعبديّا حتى يعتبر فيه لوازم التقرّب.

5. تقسيم الواجب إلى المطلق و المشروط (1)

فمنها: تقسيمه إلى «المطلق» و «المشروط».

اعلم أنّ الواجب إذا قيس وجوبه إلى خصوصيّة وجوديّة أو عدميّة، فإمّا أن يكون مقيّدا بها، أو مطلقا بالإضافة إليها؛ فالأوّل: «مشروط»، أي بما أنّه واجب؛ و الثاني: «مطلق».

فالوصفان، باعتبار المتعلّق؛ و هما من قيود الموضوع الذي هو المبعوث المطلوب منه، لا المتعلّق الذي هو المطلوب المبعوث نحوه؛ و إنّما يختلف الواجبات في غير الشروط العامّة، و إلّا فكلّها من المشروط بالإضافة إليها.

و لا فرق بين كون الخصوصيّة المشروط بها الوجوب، اختياريّة، أو لا؛ و لا بين كونها بما لها من الحيثيّة من مقدّمات وجود الواجب أو لا.

و منه يظهر وجه الخلل في تعريفات القوم، المتقابلة؛ و أنّه لا يلزم تبعيّتهم في ما لا سبيل فيه إلى غير العقل و أحكامه.

____________

(1) و يمكن أن يكون بيانها في ضمن البحث عن مقدّمة الواجب، لما لها من المبدئيّة لبيان أحكام المقدّمة المختلفة

39

ثمّ إنّه لا يخفى عدم انحصار النزاع في وجوب المقدّمة في المقدّمات الوجوديّة للواجب المطلق؛ فمثلها- من الواجب المشروط أيضا- داخل فيه؛ و إنّما يبحث عن وجوبها المعلولي الملازم للوجوب العلّي، الموافق له في كيفيّته من الاشتراط المتعلّق بشي‏ء خاصّ؛ فيقال- على الملازمة- بثبوت وجوبها على نحو ثبوت وجوب ذيها من المشروطيّة، و عدم وجوبها الذي لو كان لكان مشروطا.

عدم سريان وجوب المقدمة إلى مقدّمات الوجوب‏

و أمّا مقدّمات الوجوب، فلا يعقل سريان الوجوب إليها، لأنّ الوجوب متأخّر عنها، فكيف يمكن أن يكون من علل وجودها؟ فلا بدّ في فعليّة وجوب ذيها من فرض فعليّتها؛ و مفروض الفعليّة في مرتبة و زمان، لا يعقل أن يكون مطلوبا في تلك المرتبة و الزّمان، و إلّا كان المفروض تأخّره، و هو وجوب ذيها مقدّما بالعلّية.

و لا ينحفظ التأخّر مع العلّيّة، أعني العلّيّة للوجوب المقدّمي الّذي هو علّة لوجود المقدّمة على تقدير وجوبها؛ فكما لا يجوز أن يقال: «إن ضربت فأضرب» لا يجوز أن يقال: «إن ضربت يجب عليك ما يتولّد من وجوبه وجوب الضرب» يعني ذلك الضرب المفروض وجوده؛ مع أنّ الكلام، في الشرط الذي ينتفي المشروط بانتفائه بدلالة لفظيّة أو غيرها. و عليه، فإذا لم يأت بالشرط عمدا، فلا وجوب لذيها ممّا يترشّح منه وجوبها.

رجوع القيد إلى الهيئة أو المادّة

هل القيد في الواجب المشروط في موارد إنشاء الطلب بالهيئات، يرجع إلى الهيئة

40

و مفادها، أو إلى المادّة؟ يعني في ما كان الطلب فيه مفادا بالهيئات و نحوها، لا في مثل ما إذا قيل: «لا تجب الصلاة قبل الظهر و تجب بعده»؛ فإنّ الشرطيّة مستفادة من غير الظهور الخاصّ.

الإشكال في رجوع القيد إلى الهيئة بالتوسعة و التضييق و الجواب عنه‏

و قد يستشكل في الأوّل، بأنّ مفاد الهيئة هو الوجود الخاصّ، بناء على المختار فيها من «الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ»؛ و التوسعة و التضييق شأن المفاهيم و المعاني، دون الموجودات الخارجيّة.

و يمكن أن يجاب عنه: بأنّ وجود النسبة- و هي معنى الهيئة- متقوّم بالأطراف لا محالة، و أطرافها قابلة للزيادة و النقصان. و لا يلزم من زيادتها تضييق الموجود الخارجي، أي تضييق ما فرض وجوده؛ بل فرض الوجود الضيق بالإضافة، كفرض الوجود الغير المضيّق بالإضافة إلى شي‏ء خاصّ؛ فكما للطلب إضافة إلى الطالب و المطلوب منه و المطلوب، يمكن أيضا أن يزاد في أطرافه المطلوب عليه، فيكون مطلوبا تارة على جميع التقادير، و اخرى على تقدير خاصّ؛ فكما لا يلزم من تخصّصات المطلوب أو المطلوب منه أو المطلوب منه أو المطلوب فيه من الزمان و المكان تضييق الموجود بعد وجوده، فكذلك لا يلزم من تخصّصه بإضافة إلى تقدير تضييق الموجود بعد وجوده أو في فرض وجوده، بل اللّازم وجود المتخصّص بهذه الإضافات. و كما لا يلزم من إضافته إلى الطالب و المطلوب منه إيجابهما، بل لا معنى له، فكذلك لا يلزم من إضافته إلى المطلوب عليه إيجابه، بل لا معنى له في ما كان غير اختياري للمأمور، بل إنّما هو لازم إضافة الطلب إلى متعلّقه المتّصف بالمطلوبيّة فقط.

41

ففرق بيّن بين أخذ الشي‏ء الاختياري و لو بتقييد شي‏ء به في متعلّق الطلب، و ما يتّصف بالمطلوبيّة و المبعوثيّة نحوه؛ فيكون لازم التحصيل، نفسيّا تارة، و مقدّميّا اخرى، و أخذه في المطلوب عليه خارجا عن حريم تعلّق البعث بالمبعوث نحوه، فيكون وجوده كالعلّة للطلب، لا داخلا و مجعولا في معلول الطلب.

اتحاد شروط الطلب و المطلوب منه في الانتساب‏

و ممّا ذكرنا ظهر: أنّ شروط الطلب بالنسبة إلى انتساب الطلب إليها، كنفس المطلوب منه. و من الواضح أنّ عمومه و خصوصه لا يفرق بينهما الحال في ذلك الانتساب، و لا في إضافة شخص الطلب إليهما؛ فلا فرق بين أن يكون المطلوب منه الإنسان، أو يكون هو الإنسان الجائي، أو يكون هو الإنسان إذا جاء لا في مقام الثبوت و لا في مقام الإثبات، إذ كلّ موضوع فهو أخصّ بالإضافة إلى ما فوقه، و أعمّ بالإضافة إلى ما دونه، فمخصوصيّة المطلوب منه و عمومه ممّا لا يفرق بهما في انتساب شخص الطلب حتّى يقال: إنّ الشرط في بعض هذه الصور راجع إلى مفاد الهيئة، و في بعضها راجع إلى المادّة، لا مطلقا، بل تقيّد كونه غير واقع مورد التكليف.

و دعوى أنّ المأخوذ في الموضوع مطلقا، منق يود المادّة، كان من المقدّمات الوجوديّة أو لا، ترجع إلى إنكار الواجب المشروط؛ و أنّ الواجب الغير المطلق [و] هو الواجب المقيّد المنقسم إلى قسمين، مقيّد بعدم كونه موردا للتكليف و غير مقيّد؛ و هو كما ترى واضح الفساد، مخالف لما يفهمه العرف من الخطابات المشروطة. و لا ضرورة تدعو إلى ارتكاب هذا التعسّف الراجع إلى أخذ النتيجة

42

بطريق التكلّف به، كما هو واضح.

مع إمكان المناقشة في التقييد المذكور، بما بنى عليه جماعة من عدم إمكان اعتبار قصد الأمر في المأمور به؛ فإنّ اعتبار عدم ترشّح الأمر الغيري من شخص الأمر النفسيّ في القيد المقيّد به متعلّق الأمر النفسي، بحكم أخذ ما لا يتأتّى إلّا من قبل الأمر في متعلّقه، لاشتراكهما في ملاحظة الأمر في المتعلّق، و إنّ محلّ اللحاظ متعلّق المتعلّق، و الملحوظ عدم شخص الأمر هنا، لا في الأصل؛ فلا يجري هنا ما ذكرناه في تصحيح نظائره؛ فإنّ القيد عدم ترشّح الأمر من ناحية شخص الأمر النفسي بالمقيّد به، لا عدم طبيعي الأمر و لو كان غيريّا، كما لا يخفى؛ فوجه التصحيح هنا غير متّجه.

و قد يجاب بأنّه لا مانع من الإنشاء مقيّدا بخلاف التقيّد اللاحق للإنشاء المستلزم لموجوديّة المنشا. و ذلك إنّما يجدي في ما لو كانت الجزئيّة من قبل الإنشاء، كما هو الصحيح، لا في ما إذا كان نفس المعنى جزئيّا، أو كان هو الوجود الغير القابل للتقييد في ذاته، فلا ينفعه كون الإنشاء مقيّدا.

و الحاصل: أنّ المعنى إذا كان سنخ الوجود، فلا يقبل التقييد بالمقارن و لا بالمتأخّر، كذا افيد. و قد عرفت إمكان التقييد للوجود بحسب المقارنات الوجوديّة، و هذا غير التقييد الراجع إلى المعاني؛ فلا يلزم انقلاب المعنى الحرفي اسميّا بفرض عدم اللحاظ الاستقلالي، لكفاية اللحاظ التبعي في التقييد بالمعنى الذي ذكرناه.

هذا، مع أنّ النسبة الطلبيّة جزئيّتها بجزئيّة الأمر الإنشائي، و لا واقع لا غير الإنشاء، إلّا أن يكون إرادة، لا بعثا إنشائيّا؛ و أمّا تقييد الإنشاء بما أنّه فعل للمنشئ- بالكسر-، فلا معنى له، بل محلّ الكلام تقييد المنشأ- بالفتح-

43

الموجود بالإنشاء اعتبارا.

و سيأتي في آخر البحث جواب آخر عن الاستشكال، من ناحية آليّة اللحاظ الغير الممكن طروّ التقييد فيها المتوقّف على اللحاظ الاستقلالي، من أنّ الإنشاء مسبوق باللحاظ الاستقلالي المتعلّق بالمعنى الاسمي العامّ القابل لورود التخصيص عليه بخصوصين أو أزيد، و يكون المشتمل على اللحاظ التبعي إيجاد معنونه و مطابقه بالإنشاء. و أمّا النظرة الثانية فلا تصحّ التقييد، إذا لا يمكن الانقلاب للواقع غير مقيّد إلّا بالنسخ، و هذا بخلاف ما كان الإنشاء مقيّدا، و إن دلّ على التقييد بالمتأخّر، و إلّا فلا أثر لتصوّرات المولى بعد إنشائه مطلقا أو مقيّدا، فتدبّر.

الشكّ في التقييد أو تعيين متعلّقه‏

منها [أي من المباحث التي يقع في هذا المقام‏]: أنّه إذا شكّ في تقييد الوجوب فالمرجع إطلاق مفاد الهيئة؛ و إذا علم تقييد واحد من المادّة أو الهيئة بشي‏ء و شكّ في التعيين، فمن الواضح امتناع رجوع القيد إليهما معا، لامتناع كون الوجود الخارجي ملحوظا متقدّما على الأمر و متأخّرا عنه حاصلا له. و أمّا على مسلك «الشيخ»- (قدّس سرّه)- (1)، فالوجه حينئذ امتناع كون قيد الواجب متخصّصا بخصوصيّة عدم كونه موردا للتكليف الغيري، و هو شرط الوجوب، و غير متخصّص بهذه الخصوصيّة، و هو شرط الواجب عنده- (قدّس سرّه)-.

فبناء على رجوع شرط الوجوب إلى الوجوب، و أنّ الفرق بينهما في إطلاق القيديّة في المطلق و تقييدها في المشروط، فالمرجع إطلاق القيد المقيّد به‏

____________

(1) مطارح الأنظار: 48

44

الواجب بالنسبة إلى خصوصيّة عدم كونه موردا للتكليف، أعني التكليف الغيري المتولّد من النفسي.

و بناء على مغايرة القيدين و رجوع أحدهما إلى مفاد الهيئة، و الآخر إلى المادّة، فيتعارض الإطلاقان. و كلّ إطلاق إذا تحقّق، فلازمه تقيّد الآخر، فلا بدّ من الفحص عن المرجّح الدلالتي العرفيّ؛ فإن كان في تعيين الاولى بالتقييد أو الإطلاق فهو (1)؛ و إلّا فالمرجع الأصل العمليّ النافي للتكليف عن المقيّد في ظرف عدم وجود القيد اتفاقا.

و لا بدّ من فرض وحدة القيد، كان هو الحدوث، أو الأعمّ منه و من البقاء لأمر اختياري، و لو كان هو التقييد بغير الاختياري؛ فإنّ وجود الغير الاختياري لا محالة يكون من شروط الوجوب، و سيأتي ما يرجع إليه في محلّه.

____________

(1) يمكن أن يقال مقتضى إطلاق الوجوب و تقييده هو تعيين إثبات الوجوب مع عدم القيد و نفيه و مقتضى إطلاق الواجب و تقييده هو تعيين تعدّد الواجب و وحدته بعد تحقّق نفس الوجوب؛ و الشك ثبوتا و عدما في تعلّق الوجوب متأخّر عن الشك في أصل الوجوب ثبوتا و عدما، لأنّه موضوع للشك في المتعلّق و الإطلاق في مفاد الهيئة، يعيّن ثبوت الوجوب؛ و لازمه تقيّد الواجب للعلم الإجمالي بالتقيّد في أحدهما؛ فمنع الأوّل بالدليل الذي معارض له في مرتبته يتعيّن ثبوت الثاني و تعلّق الإيجاب بشيئين.

ذا في القيد الاختياري؛ و أمّا الغير الاختياري، فلا يمكن فيه إلّا الوجوب المشروط بالمقارن أو بالمتأخّر أو التعليق في الواجب؛ و بعد الانصراف عن وجوب القيد لا يؤثّر التردّد إلّا في وجوب المقدّمات المفوّتة و لا يمكن التفويت إلّا مع تقيّد الواجب بالمتأخّر الغير الاختياري؛ فيكون الواجب فيه من المعلّق، سواء كان شرط الوجوب فيه هو التأخّر، أو كان الإيجاب مطلقا بالمتأخّر على القول بإمكانه؛ و في قبالهما الوجوب المشروط بالمقارن، فلا محلّ لوجوب المفوّتات و هذا ليس فيه شي‏ء قابل للترديد و لا يعلم فيه ثمرة عمليّة؛ فلو فرض له ثمرة، فظهور الشرطيّة في المقارن من الدلالات في المقارنة و عدم التعليق و عدم شرطيّة التأخّر؛ كما أنّ مقتضى الأصل العملي عدم فعليّة الوجوب في زمان الشك فيها.

ثمّ إنّه مع التعارض و فرض عدم المرجّح، فليس العلم برجوع القيد إلى واحد من مفاد الهيئة أو المادّة إلّا معارضا لدليل آخر على عدم التقيّد رأسا لو كان لا علما بالتكليف أو حجّة عليه؛ فلا مانع في الفرض من الاصول العمليّة و مقتضاها عدم الوجوب المشكوك مع عدم القيد و لو بالاختيار

45

و لو لم يتّحد القيد، لم يقع التعارض، لإمكان اتّفاقهما في الإطلاق، أو عدمه، أو اختلافهما. و سيأتي وجه تعيين جريان الأصل في نفي التكليف، كان جاريا في نفي تقييد المكلّف به لو كان، أو لا.

و قد يقال: إنّ تقييد الهيئة يبطل محلّ إطلاق المادّة، و لا عكس؛ فكان تقييد الهيئة مستلزما لتصرّفين، و تقييد المادة مستلزما لتصرف واحد، لانحفاظ إطلاق مفاد الهيئة معه. و التصرّف الواحد مقدّم على التصرّفين إذا دار الأمر بينهما.

و لا يخفى: أنّ إبطال محلّ الإطلاق ليس تقييدا مخالفا للأصل، لعدم إحراز موضوعه و مورده مع الشكّ في التقييد الآخر و عدمه؛ فليس المقام، من الدوران بين مخالفة للأصل و مخالفتين له، و إنّما المخالف هو التقييد المحرز موضوعه و مورده؛ فلو لم يتّحد الشرط في ناحية المادّة و الهيئة، و علم بالتقييد في إحداهما دون الآخر، فالتعارض بحاله، للعلم الإجمالي بوحدة التقييد إلّا مع قرائن خاصّة بالموارد المختلفة.

و منه ما لو كان المشكوك شرطيّته للهيئة الحدوث، و للمادّة، البقاء المقابل للحدوث؛ فلا أثر لأحد التقييدين في الإطلاق الآخر، بخلاف العكس؛ فتقييد الهيئة بالبقاء المتفرّع على الحدوث يلغي إطلاق المادة بالنسبة إلى الحدوث، كما هو واضح.

الإشكال في فعليّة البعث قبل القيد و الجواب عنه‏

و أمّا ما قدّمناه في رجوع القيد إلى الهيئة، المستلزم لعدم فعليّة البعث قبل فعليّة القيد فربّما يستشكل فيه، بأنّ الأمر الاعتباري لا يعقل إناطته بالخارج عن افق الاعتبار لأنّه فعل قلبي للمعتبر- بالكسر- و اختياري له؛ فلا يكون القيد هو

46

الوجود الخارجي للشرط، بل الوجود اللحاظي الفرضي. و إذا كان كذلك، فلا حالة منتظرة للبعث الاعتباري؛ فما معنى عدم فعليّته قبل فعليّة الشرط خارجا؟

و يمكن الجواب، بأنّ الاعتبار لا بدّ له من مصحّح و منشئ و هما خارجيان، بل الشوق النفساني كالخوف النفساني، لا بدّ من علل منتهية إلى ما في الخارج بضميمة علم النفس بما في الخارج و مراتب ما في النفس كمراتب ما في الخارج. فإنّ الإنشاء بداعي جعل الداعي إذا تعلّق بالمحقّق من جميع الجهات، اعتبر بعثا فعليّا ليس له حالة منتظرة؛ و إن كان متعلّقا بشي‏ء مفروض وجوده، اعتبر بعثا بالقوّة، يكون بعثا اعتباريّا بالفعل بتحقّق القيد خارجا؛ فالمحقّق بمجرّد الإنشاء هو الأمر الانتزاعي الموجود بالقوّة، و المحقّق بفعليّة الشرط هو الأمر الانتزاعي الموجود بالفعل.

و الفرق بين الحكم بعد الإنشاء و قبل فعليّة الشرط و بينه بعد فعليّة الشرط، هو الفرق بين الموجود بالقوّة القريبة، و الموجود بالفعل. و كون الأمر الاعتباري الانتزاعي ذا مراتب- بحسب القوّة و الفعل- كالوجود الحقيقيّ، ممّا لا محذور فيه؛ كيف و هو اعتبار الوجود، فله أحكام الوجود و مراتبه و آثاره؛ فإنّ مرجع هذا الأمر الانتزاعي، إلى أنّه يعتبره العقلاء بعثا و باعثا بالقوّة قبل وجود الشرط، و بعثا و باعثا بالفعل بعد وجود الشرط.

و الظاهر، أنّه يلزم إرجاع ما افيد- من أنّ مقتضى الحكم على مفروض الوجود، كون ثبوته مناسبا لثبوت القيد المفروض؛ إن تقديريّا فتقديري، و إن تحقيقيّا فتحقيقي- إلى ما بيّناه. و كذا ما افيد، من أنّ مقتضى فرض الشرط عنوانا فانيا في معنونه، ما دام لا ينطبق على معنونه [لا] يتحقّق معنونه خارجا، [و]

47

لا يكون المشروط به بعثا فعليّا.

فإنّه يقال: إنّ الفناء قد حصل بإفناء المولى حين البعث الإنشائيّ؛ فإن لم يتحقّق الاعتبار، فلا شي‏ء يصير فعليّا بعد تحقّق الشّرط، مع أنّ اللازم ما ذكر من دخل الحقيقيّ في الاعتباريّ، و إن تحقّق فلا حالة منتظرة إلا بما قدّمناه، من الفرق بين وجود الاعتباريّ بالقوّة و وجوده بالفعل.

و مرجع ذلك إلى أنّ الإنشاء في الواجب المشروط يعتبر بعثا بالقوّة قبل وجود الشرط، و ذلك الإنشاء بعينه يعتبر بعد وجود الشرط، بعثا حقيقيّا ليس له مرحلة اخرى منتظرة.

و منه يعلم، أنّه لا يلزم منه إناطة الاعتبار بالخارج عن الاعتبار، لا في مرحلة وجوده بالقوّة، و لا في مرحلة وجوده بالفعل. أمّا الأوّل فواضح؛ و أمّا الثاني، فلأنّه كالاعتبار العقلي في غير المشروط، حيث إنّ ما يمكن دخله، أمر محقّق في وجدان المعتبر- بالكسر-، فلا حالة منتظرة لاعتباره.

و لا فرق في ما ذكرنا بين اعتبار الشخص و اعتبار العقلاء، و إن كان ما نحن فيه من الثاني.

و دعوى أنّه مع انصرام الإنشاء كيفى يبلغ إلى حدّ الفعليّة بعد المتأخّر من الشرط، مدفوعة باشتراكها مع المطلق المتقدّم على زمان الانبعاث، إذ لا بدّ من بقاء البعث حتّى في الواجب الموسّع، لتضايف الباعثيّة و المبعوثيّة؛ فالبعث الإنشائي المعتبر بعثا و تحريكا، حادث بحدوث الإنشاء، باق اعتبارا ببقاء الأمر و المأمور و شروط الأمر. و أمّا أنّ الاعتبار اعتبار لما بالقوّة و بالفعل، أو اعتبار بالقوّة يصير اعتبار بالفعل، فلا ثمرة مهمّة لتحقيقه هنا، و إنّما المهمّ دفع الإشكال المذكور.

48

و يمكن تقريب ما ذكرنا، بأن يقال: إذا كان الشرط بوجوده العنواني الفاني في المعنون شرطا فتحقّق المشروط به بلا حالة منتظرة، خلف، لفرض عدم الموضوعيّة للوجود اللّحاظي، إذ لا فرق حينئذ، بين الوجود الاختراعي و الوجود الفاني في الوجود الحقيقي؛ بل مقتضى شرطيّة الأخير، ترتّب حالة منتظرة في فعليّة المشروط على حسب فعليّة الشرط خارجا.

و الظاهر، أنّ هذا الوجه الأخير، هو المراد ممّا أفاده الاستاذ- (قدّس سرّه)-، في «الحاشية» (1). لكنّه لا يرفع إشكال استحالة إناطة الأمر الاعتباري في تحقّقه بالخارج عن افق الاعتبار؛ بل يجتمع مع الإشكال في استحالة جعل العنوان الفاني في المعنون قيدا للأمر الاعتباري الفعلي، لاستلزامه الإناطة المستحيلة المذكورة، إلّا بما قدّمناه في الإشكال من وحدة المورد في حدّي الاعتبار و عدم الحالة المنتظرة في شي‏ء من الحدّين. و الإناطة بما في الخارج بدخالة الامور الذهنيّة ممكنة، بل متعيّنة.

و أمّا الإرادة التشريعيّة- أعني المتعلّقة بفعل المأمور اختيارا- فلا ينبغي الإشكال في ثبوتها، بل في مبدئيّتها للبعث الإنشائي المعتبر بعثا بالقوّة تارة، و فعليّا في غير المشروط أو في ما تحقّق شرطه [اخرى‏]؛ و أنّها ليست هي الشوق المطلق الّذي يتعلّق بالمحال أحيانا؛ كما أنّها ليست هي الإرادة المحرّكة للعضلات بالفعل، بل يتخلّل بين الفعل و بينها، إرادة العبد؛ فهي الباعثة لإرادة العبد في صورة انقيادها، بحيث ليس لها حالة منتظرة إلّا الانقياد، فهي المحرّكة نحو الفعل بالواسطة. لكنّها في الواجبات المشروطة، بل في المطلقة، إذ هي مشروطة

____________

(1) نهاية الدراية: 2/ 57- 56، طبع مؤسسة آل البيت- (عليهم السلام)-

49

بالشروط العامّة أيضا؛ فالتّشريع فعلي قبل وجود العبد و قبل صفاته، و سائر مقارناته ليست محرّكة للمنقاد أيضا، إلّا بعد تحقّق الشروط العامّة و الخاصّة؛ فالملازم للبعث الإنشائي، بل المبدا لها، مرتبة أكيدة من الشوق، لو كان العبد منقادا و تحقّق فيه جميع الشروط، لكانت محرّكة لعضلاته نحو الفعل؛ فقبل تحقّقها هي إرادة بالقوّة، إن كانت الإرادة عبارة عن المحرّكة بالفعل نحو الفعل، أو على تقدير الانقياد، لزيادة تقدير وجود الشرط في المشروط، تكون فعليّته عند تحقّق الشروط و انقياد العبد.

و لا يلزم اتّحاد الإرادتين: التكوينيّة و التشريعيّة في صفة المحرّكيّة، بل المحرّك إلى الفعل في صورة الانقياد هي إرادة العبد، و إرادة الآمر بالنسبة إلى الإنشاء بداعي البعث، محرّكة بلا شرط، و أمّا بالنسبة إلى فعل المأمور فهي محرّكة بشرطين.

نعم، لا بدّ في بلوغ الشوق إلى حد، لو كان فعل نفسه، لباشر الفعل بعد تحقّق الشرط؛ فهذه خاصيّة الإرادة التشريعيّة، تمتاز بها عن التكوينيّة، فهي المحرّكة نحو التشريع في فعل الغير.

إلّا أن يقال: إنّه مقتضى كونها جزءا أخيرا للعلّة التامّة. و يدفعه: أنّه يكون تقدير انقياد العبد خلفا، لكونها بنفسها جزءا أخيرا، و إلّا فلا تضرّ زيادة تقدير وجود الشرط في فعليّة تحريكها، بل اللّازم في الإرادة التشريعيّة مبدئيّتها للإنشاء المعتبر بعثا؛ فكما أنّ معلولها له وجود بالقوّة و وجود بالفعل، فهي بالقياس إلى الموجود بالفعل، بالقوّة؛ و تكون فعليّته بفعليّة معلولها بتحقّق الشرط، و فعليّته تكوينيّة بانقياد المأمور.

50

المتخلّص ممّا سبق‏

فقد تلخّص ممّا قدّمناه: أنّ الإرادة محرّكة بالفعل تكوينا نحو البعث إذا كان [متعلّقها] فعل الغير اختيارا. و أمّا بالنسبة إلى ذلك الفعل فهي محرّكة بالقوّة، أو إرادة بالقوّة، تكون فعليّته بفعلية الشروط العامّة و الخاصّة. و تكون فعليّته تكوينيّة بانقياد المأمور، كما في صورة الإلجاء، مع الفرق بين الاختيار و الاضطرار. و كذا حال البعث، فإنّها بالقوّة، قبل الشروط، و بالفعل اعتبارا، بعدها؛ و تكوينا، بعد الامتثال و الانبعاث الخارجيّ؛ فلكلّ من الإرادة و البعث مراحل من الثبوت من القوّة، و الفعليّة الاعتباريّة، و الفعليّة التكوينيّة.

و معنى كونها بالقوّة- بحسب تعبيرنا، حيث لم نعبّر بالشوق المطلق، أو المؤكّد- أنّ الإرادة التشريعيّة لا بدّ من بلوغ الشوق فيها حدّا، لو كان المشتاق إليه فعل نفس الشائق، لأثّر في تحريك عضلاته إلى ذلك الفعل؛ فإن كان فعل الغير، أثّر في الإنشاء المعتبر بعثا بالمعاني المذكورة؛ و حيث إنّ الإرادة التكوينيّة ليس لها حالة منتظرة، فليس لها قسمان، بخلاف إرادة فعل الغير، فإنّها إرادة على تقدير تارة، كما تحقّق فيه الشروط، و لا على تقدير اخرى.

و ليس في المرادات التشريعيّة ما يكون مطلقة بالنسبة إلى جميع الشروط، إذا لا أقلّ من الشروط العامّة المعتبر حدوثها و بقاؤها؛ فالإرادة التشريعيّة شوق مؤكّد بالفعل، محرّك بالفعل نحو الإنشاء، و بالقوّة، أي إرادة محرّكة بالقوّة نحو الفعل الصادر من الغير، تكون فعليّة، أي مطلقة، كما في غير المشروط يتحقّق الشرط، و فعليّة تكوينيّة بانقياد المأمور؛ لكنّها في التكوينيّة، محرّكة نحو الفعل، بالفعل، و في التشريعيّة، مؤثّرة في تحقّق الإرادة من الغير؛ فمراتب الإرادة تكوينيّة مطلقا؛ و مراتب البعث اعتبارية في غير المرتبة الأخيرة، كما مرّ.

51

و قد ظهر: أنّ الإرادة التكوينيّة لا ينبغي التأمّل في تأخّر وجودها عن وجود شروطها، و أنّ مثلها غير محقّق في التشريعيّة، لا قبل الشرط و لا بعده، إلّا بعد الانقياد بالامتثال، مع قطع النظر عمّا مرّ من أنّ أثر إرادة المولى إرادة العبد، لا فعله بإرادة نفسه.

كما ظهر: أنّ البعث نحو المتأخّر ليس جزافا؛ و أنّه إنّما ينشأ عن الشوق الكامل نحو المتأخّر، بحيث لو كان فعل نفسه و كان الشرط محقّقا، لفعل، لكنّه ربّما تقتضي المصلحة فعليّة البعث نحو المتأخّر بالإنشاء الفعلي، المفروض استواؤه بالنسبة إلى جميع المكلّفين المعدومين وقت الخطاب و الموجودين؛ فتكون الإرادة- بمعنى الشوق المتأكّد في تقدير وجود الشرائط- باعثة إلى الإنشاء الفعلي باشتراك التشريعيّة مع التكوينيّة، في أنّ الثاني مقارنة للفعل، و الاولى مقارنة للتسبّب نحوه، بالإنشاء للبعث على تقدير الشرط أو الشروط، مع كونها بحيث لو كان متعلّقها مباشريّا موجود الشرط، لباشره.

القول برجوع القيد إلى المادة المنتسبة الى الطلب، و ما فيه‏

و قد يقال- كما في «أجود التقريرات» (1) ملخّصا- في رجوع القيد إلى الهيئة أو المادّة: إنّ الحقّ رجوعه إلى المادّة المنتسبة إلى الطلب و نتيجته أنّه ما دام لم يتحقّق القيد لم تكن المادّة متّصفة بالطلب و منتسبة إليه، و إلّا لزم الخلف، لأنّ الشرطيّة تقتضي انعدام المشروط بانعدام شرطه. و أمّا نفس النسبة، فهي ملحوظة آليّا، فلا يمكن فيها الإطلاق و التقييد المتفرّعين على اللحاظ الاستقلالي؛ فلا ينفع‏

____________

(1) أجود التقريرات: 1/ 194- 192، طبع مؤسسة صاحب الأمر- (عليه السلام)-

52

اختيار عموم الموضوع له في الأدوات و ما بمنزلتها في رفع مانعيّة اللحاظ الآليّ عن الإطلاق و التقييد.

و يمكن أن يقال: إنّ التقييد و الإطلاق راجعان إلى الحكم؛ و لا حكم للمادّة المنتسبة بما أنّها منتسبة، لأنّ الحكم هو الانتساب. و إرجاع القيد إلى ذات المادّة مستلزم للتعليق، و إلى الانتساب، مستلزم لرجوعه إلى الملحوظ آليّا، و ورود التقييد في حال الانتساب على المادّة، لازمه تعلّقه بذات المادّة أيضا، فلا يبقى إلّا ورود التقييد على النسبة بالمعنى المتقدّم.

و يندفع شبهة اللحاظ الآلي، بأنّ الملحوظ تبعا للغير قد يلاحظ بتبع الثلاثة من الأطراف، و قد يلاحظ بتبع الاثنين منها؛ فلا تلزم استقلاليّة اللحاظ في هذا الإطلاق و التقييد؛ و إنّما يعتبر في المفاهيم و المعاني الاسميّة التي ليس فيها الملحوظ آليّا؛ بل التقيّد دائما إمّا للموضوع، أو للمتعلّق في الوقوع في طرف النسبة الطلبيّة، و هما من المعاني المستقلّة.

و منه يظهر: أنّ عموم الموضوع له- إن صحّ- يدفع به الشبهة؛ لأنّ المعاني السميّة وضعا عامّة قابلة للإطلاق و التقييد، ملحوظة بالاستقلال في حدود أنفسها، و التشخّص الحاصل بالاستعمال غير المشخّص للمستعمل فيه اللّفظ، كما هو واضح.

إلّا أن يقال: إنّ الموضوع له العامّ للحروف و ما بمثابتها أيضا، لا يقبل التقييد، لأنّها وضعت لأن تلاحظ آلة، لتعرّف الغير، كما عليه «المحقّق الخراساني»- (قدّس سرّه)- (1).

____________

(1) كفاية الاصول: 11، طبع مؤسّسة آل البيت- (عليهم السلام)-

53

و من ذلك يظهر: اختلاف النتيجة في رجوع القيد إلى المادّة أو الهيئة، و أنّ لازم الأوّل وجوب تحصيل القيد في ما كان اختياريّا، لا في ما لم يكن اختياريّا، إن قيل بصحّة التعليق بكون المتقيّد به اختياريّا، و هو من المأمور به و من الامور الاعتباريّة. و التكلّف في رفعه- بما في «التقريرات»- قد عرفت اندفاعه.

كما ظهر: أنّ الخلاف ليس في مقتضى قواعد العربيّة، بل في صحّة ما تقتضيها من الرجوع إلى مفاد الهيئة عقلا و عدم صحّته. و قد مرّ ما استند إليه الشيخ العلّامة الأنصاريّ- (قدّس سرّه)- (1)، في وجه عدم الصحّة عقلا، و الجواب عنه.

و ما افيد- كما في «أجود التقريرات» (2)- من اقتضاء وقوع أداة الشرط موقع التقدير، كون طرفي الربط جملة، و مضمون الجملة نتيجة الحمل في الإخباريّات، و كون المادّة متّصفة بالوجوب مثلا في الإنشائيّات، فهو كلام أدبي متين، إلّا أنّ نتيجة الجملة هي النسبة في الإخباريّات و الإنشائيّات، لا المادّة المنتسبة.

و لا ينفعه كون التقييد بعد الانتساب رتبة، لا خارجا؛ و لا ما صرّح به من كون بعديّة الاتصاف للمادة بالوجوب من الانتساب إلى الطلب رتبيّة، لا خارجيّة، معلّلا بأنّ اتّصاف المادّة بالوجوب فرع وقوع النسبة الطلبيّة عليها؛ و التقييد، بلحاظ هذا الاتّصاف، أي بلحاظ الاتّصاف المتأخّر عن النسبة؛ فالمادة بعد الانتساب تكون متّصفة بالوجوب، و التقييد راجع إلى المادّة المتّصفة.

و قد مرّ ما ظهر منه: أنّ المتّصف عين المنتسب، بلا تقدّم و تأخّر في الرتبة؛ و أنّ المتّصف و المنتسب- بما أنّهما كذلك- لا حكم لهما حتّى يقبل الإطلاق و التقييد؛ و أنّ المتعيّن تقييد حقيقة الاتّصاف و الانتساب المدلول عليهما بالدالّ على‏

____________

(1) مطارح الأنظار: 45 و 46 و 52، طبع مؤسسة آل البيت- (عليهم السلام)-

(2) أجود التقريرات: 1/ 195، طبع مؤسسة صاحب الأمر- (عليه السلام)-

54

النسبة. و معنى تقييدهما زيادة الأطراف على حسب ما فصّلناه.

ثم إنّه قد يجاب- كما في «المقالات» (1)- عن الاستشكال في تقييد مفاد الهيئة من ناحية آليّة اللحاظ في المعاني الحرفيّة: بأنّ اللحاظ التبعي كاف في إرجاع القيد إليه. و لا يخفى عدم غناه عمّا أوضحنا به المقام، من أنّ الملحوظ بالتبع قد يكون بتبع ثلاثة، و قد يكون ملحوظا بتبع اثنين، و بدون ذلك يكون دعوى بلا برهان.

و في كلامه- (قدّس سرّه)- مخالفة من حيث إثبات اللحاظ الاستقلالي في الجملة في ظاهر كلامه أوّلا، و تشبيهه للمعنى الحرفي بالإضافات و الروابط، ثانيا؛ مع أنّ كونه رابطا عين منشأ الإشكال في اللحاظ الآلي.

جواب عن إشكال آخر

و يجاب عن الاستشكال من حيث خصوص الموضوع له في الحروف و ما بمثابتها، بأنّ الموضوع له إن كان هو المتخصّص بالخصوصيّة المفردة، فلا مانع من تضييقها بسبب أخذ الخصوصيّات الطارية من الحالات العارضة للأفراد؛ و إنّما المانع فيما لو كان التخصّص للموضوع له من مثل الحالات الطارية.

و لا يخفى أنّ المانع في هذا الإشكال كون الموضوع له شخصا خارجيّا، و الموجود في الخارج لا يتضيّق بلحاظ انضمام عرض معه، أو وجود آخر معه؛ و لا يتّسع بعدم لحاظهما معه، و إنّما الوسيع و الضيّق الحكم عليه بشي‏ء؛ و قد فرضنا أنّ إنشاء الحكم بالهيئة، بعين إيجاده الذي لا يقبل السعة و الضيق، و القابل لهما

____________

(1) مقالات الاصول: 1/ 321، طبع مجمع الفكر الإسلامي‏