مباحث الأصول / تقريرات - ج1

- السيد كاظم الحسيني الحائري المزيد...
600 /
13

[مقدمة التحقيق‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه ربّ العالمين. و صلّى اللّه على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين.

وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏ صدق اللّه العلي العظيم.

أرى لزاما عليّ في مقدّمة هذا الكتاب الذي هو تقرير لبحث الأصول لأستاذنا الشهيد آية اللّه العظمى السيد محمّد باقر الصدر- (رضوان اللّه عليه)- أن أكتب ترجمة متواضعة عن حياة هذا الشهيد العظيم الذي أنار درب العلم للعلماء، و درب الشهادة للشهداء، و شق السبيل أمام العالمين للإسلام. فبأبي هو و أمّي و نفسي من قائد فذّ لا يجارى، و مرجع كبير لا يضاهي، و سلام عليه يوم ولد و يوم استشهد و يوم يبعث حيا.

أفتتح ترجمتي لحياة أستاذي الشهيد- (رحمه اللّه)- بحديث مختصر عن أسرته الكريمة استللت عمدة ما فيه من رسالة بعثها لي المرحوم العلّامة المجاهد السيّد عبد الغني الأردبيلي- (قدّس سرّه)- و كانت هذه الرسالة مشتملة على ترجمة حياة الأستاذ و أسرته كتبها في النجف الأشرف بقرب المترجم له. و هو تلميذ من تلامذة هذا الأستاذ قد توفي قبل استشهاد أستاذنا و ذلك بتاريخ 28- رجب- 1397 ه. و قد رثاه أستاذنا في ضمن ما رثاه بقوله:

«إذا كان القدر الذي لا رادّ له قد أطفأ في لحظة أملي في أن أمتد بعد وفاتي و أعيش في قلوب بارة كقلبه، و في حياة نابضة بالخير كحياته، فإنّي أتوسّل‏

14

إليك يا ربّي بعد حمدك في كلّ يسر و عسر أن تتلقّاه بعظيم لطفك، و تحشره مع الصدّيقين من عبادك الصالحين و حسن أولئك رفيقا، و أن لا تحرمه من قربي و لا تحرمني من رؤيته بعد وفاته و وفاتي بعد أن حرمت من ذلك في حياته و أرجو أن لا يكون انتظاري طويلا للاجتماع به في مستقر رحمتك» [1].

سبحانك يا ربّ ما أسرعك في استجابة هذا الدعاء النابع من قلب مفجوع بوفاة تلميذه العزيز عليه فألحقته به في مستقرّ رحمتك، و فجع بذلك المسلمون جميعا على الخصوص العارفون بالله العاملون في سبيل اللّه. و هم لا يملكون شيئا إزاء هذه الفاجعة المؤلمة عدا أن يقولوا: «اللّهمّ تقبل منّا هذا القربان».

____________

[1] دروس في علم الأصول- الحلقة الأولى ص 6.

15

الأسرة الكريمة العريقة

أسرة الشهيد الصدر معروفون بالفضل، و التقى، و العلم، و العمل، و مكارم الأخلاق. و قد كانوا مشعلا للهداية و النور، و مركزا للزعامة و المرجعيّة الدينية، و مدارا للإفادة و الإفاضة في مختلف الأجيال. و قد انحدروا من شجرة الرسالة و السلالة العلوية من أهل بيت أراد اللّه ليذهب عنهم الرجس و يطهرهم تطهيرا. و هذه الأسرة العريقة قد اتخذت ألقابا مختلفة باختلاف العصور طيلة ما يزيد على قرنين فكانوا يلقّبون:

تارة بآل أبي سبحة.

و أخرى بآل أبي حسين القطعي.

و ثالثة بآل عبد اللّه.

و رابعة بآل أبي الحسن.

و خامسة بآل شرف الدين.

و أخيرا بآل الصدر.

و ها نحن نشير إلى عدد من الفحول العظام من سلالة هذه الشجرة الطيّبة التي أنجبت أخيرا قائدا فذّا و مرجعا عبقريّا لم تر عين الزمان مثله. ألا و هو شهيدنا الغالي السيّد محمد باقر الصدر (رضوان اللّه تعالى عليه):

16

1- السيد صدر الدين:

السيد صدر الدين محمّد بن السيّد صالح بن السيّد محمّد بن السيّد إبراهيم شرف الدين بن زين العابدين بن السيّد نور الدين الموسويّ العاملي.

هو فخر من مفاخر الشيعة، و عالم فذ من كبار علماء المسلمين، و من نوابغ العلم و الأدب قلّ من يضاهيه في الفضيلة و التقوى.

ولد في قرية (معركة) من قرى جبل عامل. و نشأ و نما علميّا في النجف الأشرف، ثم هاجر إلى الكاظميّة، و منها إلى أصفهان، ثم عاد إلى النجف الأشرف، و توفي و دفن في النجف الأشرف.

والده (السيّد صالح) من أكابر العلماء، كان مرجعا للتقليد، و زعيم الطائفة الإماميّة في بلاد الشام، هاجر من جبل عامل إلى النجف الأشرف فرار من الحاكم الظالم في جبل عامل وقتئذ (أحمد الجزار)، و توفي في سنة (1217) هجرية.

والدته: بنت الشيخ علي بن الشيخ محيي الدين من أسباط الشهيد الثاني.

ولد السيّد صدر الدين في 21 من ذي القعدة من سنة (1193 ه) في جبل عامل. و هاجر في سنة (1197 ه) مع والده إلى العراق، و سكن النجف الأشرف، و اهتم بتحصيل العلوم الإسلاميّة و المعارف الإلهيّة في صغر سنّة، حتّى أنه كتب تعليقة على كتاب قطر الندى و هو ابن سبع سنين. و قد قال هو إني حضرت بحث الأستاذ الوحيد البهبهاني في سنة (1205 ه) و كنت أبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، و كان الأستاذ معتقدا بحجّية مطلق الظنّ و مصرّا على ذلك. و حضرت في نفس السنة بحث العلّامة الطباطبائي السيّد بحر العلوم.

و قد قالوا إن السيّد بحر العلوم كان ينظم آنئذ ما أسماه بالدّرة، و كان يعرضها على السيّد صدر الدين لما لاحظ فيه من كماله في فنّ الشعر و الأدب.

و قد ذكر السيد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل: إن الشيخ جابر الشاعر الكاظمي- مخمّس القصيدة الهائية الأزريّة- قال: ان السيّد الرضي أشعر شعراء قريش و السيّد صدر الدين أشعر من السيّد الرضيّ.

بلغ السيّد صدر الدين مرتبة الاجتهاد قبل بلوغه سن التكليف. و قد أجازه‏

17

بالاجتهاد صاحب الرياض (رحمه اللّه) في سنة (1210 ه) و صرّح بأنّه كان مجتهدا قبل أربع سنين. و هذا يعني أنه قد بلغ الاجتهاد في السنة الثالثة عشرة من عمره الشريف. و هذا ما لم يسمع نظيره إلّا بشأن العلامة الحلي و الفاضل الهندي، على أنه كان يفوقهما في فنّ الشعر و الأدب.

و قد ذكر السيّد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل: إن الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر و الشيخ حسن بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء- و هما من أكابر أساتذة النجف الأشرف- كانا يدينان بالفضل للسيّد صدر الدين عند رجوعه من أصفهان إلى النجف الأشرف، و كانا يجلسان لديه جلسة التلميذ لدى أستاذه.

دخل يوما السيّد صدر الدين على المحقّق صاحب الجواهر (رحمه اللّه) فأقبل صاحب الجواهر إليه آخذا بعضده و أجلسه محلّه و جلس أمامه و تذاكرا في العلم و الفقه، و انجرّ الكلام إلى اختلاف الفقهاء في مسألة ما، فبيّن السيد ببيان فائق اختلاف الآراء الفقهيّة في تلك المسألة مع اختلاف طبقاتهم من العصر الأوّل إلى زمانه، و فرّع الخلاف في ذلك على اختلافهم في المباني و المسالك، و شرح تلك المباني و الفروق فيما بينهما. فتعجّب الشيخ صاحب الجواهر من تبحّر السيد، و قال بعد ذهاب السيد: (يا سبحان اللّه! السيّد جالس جميع العلماء و بحث معهم و وقف على أذواقهم و مسالكهم. هذا و اللّه العجب العجاب، و نحن نعدّ أنفسنا من الفقهاء. هذا الفقيه المتبحر).

و قد روى في تكملة أمل الآمل عن الشيخ الجليل عبد العلي النجفي الأصفهاني: أنّه دخل السيّد صدر الدين في ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك حرم الإمام أمير المؤمنين (ع)، و بعد أن أنهى زيارته للإمام جلس خلف الضريح المقدّس لكي يقرأ دعاء أبي حمزة، و حينما قرأ الجملة الأولى: «إلهي لا تؤدبني بعقوبتك» أخذه البكاء و كرّر الجملة مرارا و هو يبكي إلى أن غشي عليه فحملوه من الحرم الشريف إلى بيته.

و كانت للسيد (رحمه اللّه) كلمات و مقاطع خاصّة لدى مناجاته للّه تعالى منها قوله:

18

«رضاك رضاك لا جنات عدن‏* * * و هل عدن تطيب بلا رضاكا»

تزوّج السيّد صدر الدين- (رحمه اللّه)- ببنت الشيخ الأكبر صاحب كشف الغطاء، و ولدا ابنا اسمه السيد محمد علي المعروف ب (آقا مجتهد) و كان من أكابر عصره و نوادره.

و قد ابتلي السيّد (رحمه اللّه) في أواخر حياته في أصفهان باسترخاء في بدنه شبه الفالج. و رأى ذات يوم في عالم الرؤيا الإمام أمير المؤمنين (ع) قال له:

أنت ضيفنا في النجف الأشرف. و عرف من هذه الرؤيا أنّ وفاته قد اقتربت، فهاجر إلى النجف الأشرف، و توفي في ليلة الجمعة أوّل شهر صفر من سنة (1264) ه و دفن في حجرة في الزاوية الغربيّة من الصحن الشريف قريبا من الباب السلطاني (رضوان اللّه عليه).

مؤلفات السيد صدر الدين:

1- أسرة العترة، كتاب فقهي استدلالي.

2- القسطاس المستقيم، في أصول الفقه.

3- المستطرفات في فروع لم يتعرض لها الفقهاء.

4- شرح منظومة الرضاع، و هي ما نظم بها هو (رحمه اللّه) كتاب الرضاع بأسلوب رائع، ثمّ شرحها. كما شرحها أيضا آية اللّه الميرزا محمد تقي الشيرازي (رحمه اللّه).

5- التعليقة على رجال أبي علي.

6- قرّة العين، كتاب في علم العربيّة كتبه لبعض أولاده، و قد ذكر تلميذه في أوّل معدن الفوائد: إنّ كتاب قرّة العين على صغره تفوق المغني لابن هشام على طوله.

7- شرح مقبولة عمر بن حنظلة.

8- رسالة في حجيّة الظنّ.

9- رسالة في مسائل ذي الرئاستين.

19

10- (قوت لا يموت) رسالة عمليّة باللغة الفارسيّة.

مشايخه:

روى السيد صدر الدين (رحمه اللّه) عن أكثر من أربعين عالما نشير إلى بعضهم:

1- روى عن والده و أستاذه السيّد صالح عن جده السيّد محمّد عن أستاذه الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي. بجميع طرقه المذكورة في آخر الوسائل.

و أيضا روى عن والده عن الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق عن المولى محمّد رفيع عن العلّامة المجلسي (رحمه اللّه).

2- روى عن العلّامة الطباطبائي بحر العلوم المتوفّى سنة (1212 ه) و كان يعبّر عنه بالأستاذ الشريف.

3- روى عن العلّامة المير علي صاحب الرياض المتوفى سنة (1231 ه).

و كان السيّد معجبا بصاحب الرياض و كان يعتقد أنه يفوق المحقّق القمّي صاحب القوانين (قدّس سرّه) في الفقه و قوّة النظر.

4- روى عن المحقّق السيّد محسن الأعرجي صاحب المحصول (رحمه اللّه) و كان السيّد (رحمه اللّه) معجبا بزهده و تحقيقاته توفي في سنة (1228 ه).

5- روى عن شيخ الطائفة الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفّى سنة (1228 ه).

6- روى عن السيد الجليل المتبحّر الميرزا مهدي الشهرستاني الموسوي الحائري المتوفى سنة (1218 ه).

7- روى عن الشيخ الجليل الفقيه الشيخ سليمان معتوق العاملي المتوفى سنة (1228) ه.

طلّابه:

قد ربّى السيّد صدر الدين (رحمه اللّه) علماء تخرجوا على يده منهم:

1- السيّد ميرزا محمّد هاشم، صاحب كتاب أصول آل الرسول.

20

2- السيّد محمد باقر الموسوي، صاحب كتاب روضات الجنات.

3- شيخ الفقهاء و المجتهدين الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه اللّه) صاحب كتاب المكاسب و الرسائل.

4- حجّة الإسلام السيّد محمّد حسن المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه).

5- الشيخ شريف العلماء.

2- السيد إسماعيل الصدر

رئيس الأمّة، و زعيم الملّة، مربّي الفقهاء، و صدر العلماء، أستاذ المجتهدين و المحقّقين، نائب الإمام، سيّد الأنام، حامي الشريعة، و فخر الشيعة، حسنة دهره، و جوهرة عصره، الإمام الزاهد، الورع التقيّ، آية اللَّه العظمى و الحجّة الكبرى (السيّد إسماعيل الصدر) الأصفهاني (قدّس سرّه).

سيد جليل، و عالم كامل، و خبير ماهر، فقيه أصوليّ، محقّق عبقريّ، واحد زمانه في الزهد، و نادرة دهره في التقوى. كان أحد مراجع الشيعة في التقليد.

ولد في أصفهان في سنة (1258 ه).

والده السيد صدر الدين العاملي الأصفهاني الذي مضت ترجمته.

حينما توفي والده في سنة (1264 ه) تربى في كنف أخيه السيد محمد علي المعروف ب (آقا مجتهد) و كان متمتّعا بالذكاء الخارق حتى عدّ في أوائل بلوغه سنّ التكليف من الفضلاء و العلماء.

هاجر في سنة (1280 ه) من أصفهان إلى النجف الأشرف لغرض التتلمذ على يد الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه). و لكن حينما وصل إلى كربلاء توفّي الشيخ (قدّس سرّه) فلم ينثن السيّد (رحمه اللّه) عن عزمه للهجرة إلى النجف الأشرف. فسافر إلى النجف فتتلمذ على يد الفقهاء و العلماء آنئذ، كما و اشتغل بالتدريس و تربية الطلاب أيضا.

اكتسب السيّد (رحمه اللّه) في فترة بقائه في النجف الأشرف إضافة إلى الفقه و الأصول و الحديث معلومات أخرى عقليّة، كعلم الكلام و الفلسفة، و الرياضيات كالهندسة و الهيئة و النجوم على النسق القديم، مع الاطلاع على‏

21

آراء جديدة. و لم نعرف أنّه من أين أخذ هذه العلوم، و على من تتلمذ فيها، و لم يكن يعرف أنّه مطلع على هذه العلوم إلّا حينما كان يتعرّض لها بالمناسبة ضمن أبحاثه الأصوليّة و الفقهيّة.

و أخيرا أصبح من خواصّ تلاميذ و أصحاب المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه).

ثم هاجر أستاذه المجدّد الشيرازيّ إلى سامراء و بقي السيّد الصدر يمارس نشاطه العلمي في النجف الأشرف.

ثم سافر في النصف من شعبان من سنة (1309 ه) إلى كربلاء لزيارة الحسين (ع)، و وصلته رسالة في كربلاء من أستاذه الشيرازي يطالبه فيها بالسفر الى سامراء بلا توان أو تأخر، فاستجاب إلى دعوة أستاذه، و ذهب إلى سامراء و كان عازما على الرجوع إلى دار هجرته النجف الأشرف. لكنه حينما وصل إلى سامراء ألزمه أستاذه على الإقامة فيها، و كان السبب في ذلك أنّ السيد المجدّد الشيرازي كان قد ترك التدريس من سنة (1300) تقريبا لكثرة الاشتغال و المراجعين و ضعف المزاج، فأحلّ السيّد الصدر في سنة (1309) محلّه في التدريس، فأصبح محورا للتدريس في الحوزة في سامراء، و كانت محاور التدريس آنئذ في حوزة سامراء ثلاثة:

1- السيد إسماعيل الصدر الأصفهاني.

2- الميرزا محمد تقي الشيرازي.

3- السيد محمد الفشاركي.

و كان اجتماع أهل الفضل و العلم في درس السيّد الصدر أكثر من غيره.

و هكذا استمرت سامراء محورا لإشعاع العلم و كعبة لآمال العلماء و محطّ أنظار الفضلاء في التعليم و التعلّم و تربية الأخلاق و تهذيب النفس إلى أن فجع العالم الإسلامي و المسلمون بوفاة السيد المجدّد الشيرازي (ره).

و انتقلت المرجعيّة و الزعامة للشيعة من بعد المجدّد الشيرازي إلى السيّد الصدر. و سلّم أولاد المجدّد الشيرازي ما بقي من أموال و حقوق شرعيّة بحوزة السيّد الشيرازي إلى السيّد الصدر.

و كان السيّد الصدر (رحمه اللّه) زاهدا في الزعامة و المرجعيّة و لهذا عزم بعد

22

وفاة أستاذه المجدّد الشيرازي بسنتين على ترك بلد مرجعيّته وقتئذ و هو سامراء فترك سامراء مهاجرا إلى النجف الأشرف و طلب من العلماء و الأكابر أن لا يتركوا سامراء. و حينما وصل في سفره إلى كربلاء استخار اللَّه تعالى على الإقامة في النجف الأشرف، فكانت الاستخارة تدل على النهي فاتخذ من كربلاء مقرّا له. و قد هاجر من سامراء عدد من العلماء و الأكابر رغم طلبه منهم عدم المهاجرة، و التحق بهم بعد ذلك آخرون، و أصبحت كربلاء كعبة آمال العلماء و الفضلاء إلى أن تمرض السيّد الصدر في سنة (1334 ه) فسافر إلى الكاظميّة للعلاج و تحسّن حاله في أوّل الأمر، و لكن تدهورت صحّته بعد ذلك على أثر كبر السنّ و ضعف المزاج و حوادث الدهر و توفي- (رضوان اللّه عليه)- بتاريخ (12- جمادى الاولى- 1338 ه) و دفن بجوار جدّه موسى بن جعفر (عليه السلام) في مقبرة عائليّة لآل الصدر. و رثاه الشعراء و الأدباء و الفضلاء بقصائد و أبيات كثيرة و قال المرحوم آية اللَّه الشيخ مرتضى آل ياسين (رحمه اللّه):

لئن يك أخفى اللَّه شخصك في الثرى‏* * * فهيهات ما أخفى فضائلك القبر

لقد كنت سرّ اللَّه بين عباده‏* * * و من سنن العادات أن يكتم السرّ

فطوبى لقبر أنت فيه مغيّب‏* * * فقد غاب في (أحشاء) [1] تربته البدر

سيرته و أخلاقه:

كان (رحمه اللّه) آية في العفّة و علوّ الهمّة و الاعتماد على النفس و التوكّل على اللَّه و حسن الأخلاق و الزهد في الزعامة و الرئاسة، كان مروّجا للدين مربّيا للعلماء مساعدا للمشتغلين بالعلم عونا للفقراء و المساكين يوصل الأموال إلى‏

____________

[1] هذه الكلمة غير موجودة في النسخة التي أرسلها لي المرحوم السيد عبد الغني الأردبيلي، و لعلها ساقطة من القلم إذ بدونها لا يستقيم البيت.

23

مستحقيها بلا منّ أو شرط، و أحيانا لم يكن يعرف أنّ المال من قبله.

كان (رحمه اللّه) يتتلمذ على يد السيّد المجدّد الشيرازي الذي هو تلميذ لأبيه السيد صدر الدين و لأخيه السيّد محمّد علي المعروف ب (آقا مجتهد)، و لكن لم يكن يعرّف نفسه لدى السيّد المجدّد فهو لم يكن يعلم أنه ابن أستاذه، ذلك لأنه حينما هاجر من أصفهان إلى النجف الأشرف عزم على أن لا يعرّف نفسه لأحد حتى على أولاد عمّه و أسرته في بغداد و الكاظمية كي يبقى مجهولا و يكون أكثر قدرة على التكامل.

إلى أن صادف أنّه تشرّف إلى الحج ثمّ رجع إلى النجف الأشرف فأخبر السيّد الشيرازي بعض تلاميذه ممّن كان يعرف السيّد الصدر بأنّه قد قدم من الحجّ السيّد إسماعيل بن السيّد صدر الدين الأصفهاني، فعزم السيّد الشيرازي (قدّس سرّه) على زيارة ابن أستاذه و هو لا يعلم أنّه تلميذه المحبوب لديه، فحينما زاره في بيته فوجئ بأنّ هذا هو ذاك التلميذ الذي كان موردا لإعجاب الأستاذ، فوقف متعجّبا قائلا: أنت السيّد إسماعيل الصدر ابن السيد صدر الدين الأصفهاني؟! قال: بلى، فيزداد الأستاذ إعجابا بهذا التلميذ و بمكارم أخلاقه.

و قد روي أن السيّد إسماعيل الصدر كان عازما على أن لا يقترض من أحد مالا مدى العمر. و كان وفيا بعهده رغم معاناته في أيام دراسته في النجف الأشرف من الفقر و الفاقة إلى أن صادف ذات يوم أن أصبحت والدته البالغة حد الشيخوخة في حالة لا تطاق فخاف السيّد (رحمه اللّه) على سلامتها و ذهب إلى الصحن الشريف و هو حائر بين أمرين: بين التكليف الشرعي الذي يطالبه بالمحافظة على أمّه و الذي قد يكون متوقّفا على الاقتراض، و بين عهده الذي عاهد نفسه عليه من عدم الاقتراض مدى العمر، فجلس جلسة المتحير المتفكّر في أمره أمام حجرة من حجرات الشمال الغربي، و إذا برجل غير معروف لديه يتمثل أمام السيّد و يسأله هل أنت سيد موسويّ النسب؟ قال:

بلى، فأعطاه خمسة توامين، و قال: هذا نذر للسيّد الموسوي النسب. فأخذها السيد و بقي وفيا بعهده مدى العمر.

24

و كان السيد الصدر (رحمه اللّه) يحدّث أولاده أحيانا بأمثال هذه القصص و الحكايات بهدف تهذيب نفوسهم و تربيتهم على مكارم الأخلاق.

أساتذته:

1- أخوه السيد محمد علي المعروف بآقا مجتهد كان من نوادر دهره، درس على يده السطح العالي و بعض الكتب العربيّة و الرياضيّة.

2- حجّة الإسلام الشيخ محمد باقر الأصفهاني درس على يده بحث الخارج لمدة عشر سنين.

3- الفقيه المتبحّر الشيخ راضي النجفي.

4- الشيخ الفقيه أستاذ العلماء و المحقّقين الشيخ مهدي بن الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء.

5- الأستاذ الأكبر المجدّد الشيرازي.

طلابه:

قد ربّى السيد إسماعيل الصدر (رحمه اللّه) تلاميذ و علماء كثيرين تخرجوا على يده في النجف و سامراء و كربلاء و الكاظميّة نكتفي بالإشارة إلى أكابر طلابه:

1- حجة الإسلام الحاج السيّد أبو القاسم الدهكردي الأصفهاني تتلمذ على يد السيّد الصدر في سامراء، ثم هاجر إلى أصفهان و أصبح مرجعا للعوام و الخواص في تلك الديار.

2- حجّة الإسلام الحاج السيّد حسين الفشاركي الأصفهاني الحائري تتلمذ على يد السيّد الصدر في كربلاء.

3- حجة الإسلام و المسلمين آية اللَّه في العالمين الشيخ عبد الحسين آل ياسين الكاظمي تتلمذ على يد السيّد الصدر في سامراء و كربلاء و الكاظميّة.

و بعد وفاة أستاذه أصبح أحد المراجع الكبار في الكاظمية.

4- حجة الإسلام و المسلمين الميرزا علي آقا الشيرازي ابن المجدّد الشيرازي‏

25

تتلمذ على يده في سامراء.

5- حجّة الإسلام و المسلمين الحاج السيّد علي السيستاني تتلمذ على يده في سامراء و كربلاء، و هاجر أخيرا إلى مشهد الرضا (ع) و أصبح أحد المراجع العظام في تلك الديار. كان عالما فاضلا مطّلعا على أقوال العلماء محيطا بالأحاديث الفقهيّة إحاطة كاملة.

6- حجّة الإسلام و المسلمين أستاذ الفقهاء و المجتهدين آية اللّه العظمى الميرزا محمد حسين النائيني (ره) تتلمذ على يده في سامراء و كربلاء، كما تتلمذ أيضا على يده المجدّد الشيرازي. و هاجر بعد ذلك إلى النجف الأشرف، فصار محطا لأنظار العلماء و الفضلاء إلى أن ربّى جيلا من الفقهاء و المجتهدين و أصبح مرجعا للتقليد في النجف الأشرف.

7- حجّة الإسلام الميرزا محمّد حسين الطبسي تتلمذ على يده في سامراء ثمّ عاد إلى بلاده و أصبح أحد العلماء و الأعلام المدرسين في تلك الديار.

8- حجّة الإسلام و المسلمين السيّد محمّد رضا الكاشاني تتلمذ على يده في سامراء و كربلاء ثم عاد إلى بلاده.

9- حجّة الإسلام و المسلمين الميرزا محمد علي الهروي الخراساني تتلمذ على يده في سامراء و كربلاء ثم ذهب إلى مشهد الرضا (ع) و أصبح أحد المدرّسين و المراجع في تلك الديار.

10- حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّد هادي البيرجندي، عالم فاضل و مدقّق ماهر تتلمذ على يد السيّد الصدر في سامراء و كربلاء، ثم عاد الى بلاده و كان أحد العلماء الأعلام في تلك الديار.

11- آية اللَّه الشيخ محمد رضا آل ياسين تتلمذ على سيده السيد الصدر في كربلاء و كان صهرا له، و كان يستفيد من فيض علومه ليل نهار، و لم يكن يكتفي في الاستفادة منه بمجلس الدرس، ثم أصبح بعد ذلك أحد علماء الشيعة الكبار و المراجع العظام في النجف الأشرف.

12- آية اللَّه المجاهد السيّد عبد الحسين شرف الدين، تتلمذ على يد السيد الصدر في كربلاء و الكاظميّة كما درس أيضا على يد صاحب الكفاية و شيخ‏

26

الشرعية في النجف الأشرف، ثم أصبح أحد علماء و مراجع الشيعة في لبنان إلى أن توفي في (ج 2- 1377 ه-) و حمل جثمانه الطاهر إلى النجف الأشرف و دفن في حجرة في الشمال الغربي للصحن الحيدريّ الشريف.

أولاده:

خلّف من بعده أولادا أربعة كانوا جميعا آية في العلم و محاسن الأخلاق و التقوى و هم:

1- حجة الإسلام و المسلمين آية اللَّه السيّد محمد مهدي الصدر.

2- حجة الإسلام و المسلمين آية اللَّه السيّد صدر الدين الصدر.

3- حجة الإسلام و المسلمين و عماد الأعلام السيّد محمّد جواد الصدر.

4- حجة الإسلام و المسلمين آية اللَّه السيّد حيدر الصدر.

3- السيّد حيدر الصدر

سيد، جليل القدر، عظيم المنزلة، حامل لواء التحقيق، نابغة دهره، و نادرة عصره، عابد، زاهد، عالم، عامل، ابن السيد إسماعيل الصدر الذي سبقت ترجمته، ولد في سامراء في جمادى الثانية- 1309 ه- و قال بعض العلماء العامليين في تاريخ ولادته:

فحيدر و اليمن قد جاء معا* * * فناد بالتاريخ يمن قد ظهر

هاجر بصحبة والده إلى كربلاء في سنة 1314 و درس المقدّمات و العلوم العربية على يد عدة من الفضلاء، ثم درس بحث الخارج على يد أبيه السيّد إسماعيل الصدر، و على يد السيّد حسين الفشاركي و المرحوم آية اللَّه الحائري اليزدي في كربلاء. و أصبح في عنفوان شبابه من العلماء المرموقين المشار إليهم بالبنان.

قال صاحب الذريعة في أعلام الشيعة:

«و قد رأيته مرارا سواء في أيام والده أو بعدها، فوقفت على غزارة علمه و كثرة فضله، و كان دائم الاشتغال كثير المذاكرة، قلّ ما دخل مجلسا لأهل الفضل و لم يفتح بابا للمذاكرة و البحث العلمي، و كان محمود السيرة حسن‏

27

الأخلاق محبوبا عند الجميع».

و قال آية اللَّه السيّد عبد الحسين شرف الدين (ره): فيما نشر عنه في مجلة (النجف) السنة الاولى العدد الثالث 15- جمادى الثانية- 1376 20- كانون الأول 1956 م.

«... عرفته طفلا فكان من ذوي العقول الوافرة و الأحلام الراجحة و الأذهان الصافية. و كان و هو مراهق أو في أوائل بلوغه لا يسبر غوره و لا تفتح العين على مثله في سنّه. تدور على لسانه مطالب الشيخ الأنصاري و من تأخّر عنه من أئمة الفقهاء و الأصوليين، و له دلو بين دلائهم و قد ملأه إلى عقد الكرب، يقبل على العلم بقلبه و لبّه و فراسته، فينمو في اليوم ما لا ينمو غيره في الأسبوع، ما رأت عيني مثله في هذه الخصيصة. و قد رأيته قبل وفاته بفترة يسيرة و قد استقرّ من جولته في غاية الفضل لا تبلغها همم العلماء، و لا تدركها عزائم المجتهدين ...» و قال حجة الإسلام و المسلمين الشيخ محمد تقي آل صادق العاملي فيما نشر عنه في مجلة الغري:

«... لقد كان (رحمه اللّه) آية بليغة في الأخلاق الفاضلة و الصفات الكريمة تلقّاه- و هو بتلك المكانة العلميّة السامية و بذلك الرداء الجميل من الشرف و المجد- طلق المحيا باسم الثغر رقيق الحواشي نديّ الحديث طري الأسلوب ليّن العريكة يتواضع للصغير حتى كأنه بعض سمرائه، و يتصاغر للكبير حتى كأنه دون نظرائه ...».

كان المرحوم آية اللَّه الصدر (رحمه اللّه) آية في الزهد و التقوى و العفة و عدم الاكتراث بالدنيا و الشوق إلى العلم و التحقيق.

روي عن المرحوم حجّة الإسلام السيّد علي الخلخالي (رحمه اللّه) أنه قال:

«إنّ السيّد حيدر الصدر كان يدرّس أثناء إقامته في الكاظميّة، الكفاية، فاتفق أنّ أحد أكابرة الحوزة العلميّة في النجف الأشرف ورد الكاظميّة، و طلب منه السيّد الصدر عقد مباحثة معه في الكفاية خلال الأيام التي سيبقى في هذا البلد المبارك فأبى، فطلب منه التتلمذ لديه في أيام إقامته في الكاظميّة

28

بتدريسه للكفاية فوافق على ذلك. فكان السيّد الصدر يلقي بتدريسه هو للكفاية على جمع غفير من الطلاب ثم كان يحضر باسم التلميذ لدى هذا العالم في درس الكفاية. قال السيد علي الخلخالي: إني سألت السيد الصدر ما ذا صنعت بفلان الذي لم يكن يقبل عقد المباحثة معك في الكفاية؟ فأجاب: إني وصلت الى ما كنت أروم من الإفادة و الاستفادة ذلك أني أحضر لديه بعنوان التلميذة فيقرأ عليّ مقطعا من الكفاية، فينفتح باب المناقشة فنبقى نتباحث و نناقش في الأمر و كان هذا هو المطلوب لنا.

وفاته:

توفي (رحمه اللّه) في الكاظميّة في ليلة الخميس 27- جمادى الثانية- 1356 ه و دفن في مقبرة آل الصدر، و قد روي عن بعض الثقات أنه حدثته زوج المرحوم الصدر- و هي العابدة الزاهدة التقيّة النقيّة بنت المرحوم آية اللَّه الشيخ عبد الحسين آل ياسين- بأنّ العائلة إلى ما بعد مضيّ شهر من وفاة المرحوم الصدر تقريبا كانوا حائرين في لقمة العيش علما بأنّ المرحوم الصدر كان مرجعا من مراجع الشيعة. و هذا يلقي ضوءا على مدى زهده و عدم اكتراثه بالدنيا و عدم تجميع المال طوبى له و حسن مآب.

مؤلفاته:

1- رسالة في مباحث وضع الألفاظ.

2- تعليقة على الكفاية.

3- رسالة في المعنى الحرفي.

4- رسالة في تبعيض الأحكام لتبعيض الأسباب.

5- الشبهة الحيدريّة في تلاقي أحد أطراف العلم الإجمالي.

6- تعليقة على العروة الوثقى.

و عدة رسائل أخرى.

و مما يؤسفنا أنّ هذه الكتب و الرسائل كلها مفقودة اليوم عدا أنّ الشبهة

29

الحيدريّة تعرّض لها آية اللَّه الشيخ آقا ضياء العراقي (رحمه اللّه) في مجلس درسه فكتبت بقلم بعض طلابه في تقرير بحثه.

أولاده‏

خلّف السيّد حيدر الصدر (رحمه اللّه) من بعده ابنين و بنتا يعتبر كل واحد منهم جوهرة ثمينة يقلّ نظيرها في العلم و التقى و هم:

1- حجة الإسلام و المسلمين السيد إسماعيل الصدر (رحمه اللّه) ولد في الكاظمية في شهر رمضان المبارك سنة (1340 ه-) درس المقدّمات و السطح العالي على يد علماء الكاظميّة و هاجر إلى النجف بتاريخ (1365 ه-) فتتلمذ على يد:

1- آية اللَّه العظمى الشيخ محمّد رضا آل ياسين (رحمه اللّه).

2- آية اللَّه العظمى السيّد محسن الحكيم (رحمه اللّه) 3- آية اللَّه العظمى السيّد عبد الهادي الشيرازي (رحمه اللّه).

4- آية اللَّه العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي الذي يعيش الآن في النجف الأشرف.

أجازه في الاجتهاد أستاذه آية اللَّه الشيرازي.

ثم عاد بطلب عدد من المؤمنين في الكاظمية الى بلده و اشتغل بالتدريس و ترويج الدين، و كان آية في الإخلاص و الدفاع عن حقوق المظلومين و فخرا للشيعة.

ألف كتبا في الفقه و الأصول و التفسير و الرجال لم يطبع منها عدا مجلّد واحد في التعليق على التشريع الجنائي الإسلامي، كما طبعت له محاضرات في التفسير الجزء الأول.

توفي في ذي الحجة من سنة 1388 ه- و دفن في النجف الأشرف في مقبرة المرحوم آية اللَّه السيد عبد الحسين شرف الدين.

2- آية اللَّه العظمى مفجّر الثورة الإسلامية في العراق الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه).

30

3- العلوية الفاضلة آمنة المعروفة ببنت الهدى، كانت سيدة، جليلة، عالمة، فاضلة، عارفة، عابدة، مهذبة، تقيّة. ولدت في الكاظميّة في سنة 1356 ه و نمت في كنف العلم و التقى و الفضيلة. درست علوم العربية و مبادئ علم الكلام و الفقه و الأصول على يد أخيها الشهيد الى أن أصبحت من مفاخر الكاتبات الإسلاميّات، و كانت تشرف خلال سبع سنين على أربع مدارس دينية للبنات في الكاظمية و النجف و الكوت. و قد ربّت المئات من البنات الفاضلات العالمات المؤمنات و قد ألفت:

1- صراع من واقع الحياة.

2- الخالة الضائعة.

3- الفضيلة تنتصر.

4- ذكريات على تلال مكّة.

5- المرأة مع النبي.

6- كلمة و دعوة.

7- ليتني كنت أعلم.

8- امرأتان و رجل.

9- لقاء في المستشفى.

10- الباحثة عن الحقيقة.

11- بطولة المرأة المسلمة.

و قد اعتقلها حزب البعث الغاشم العميل بعيد آخر اعتقال لأخيها الشهيد، و اغتالوها بأيد خبيثة خائنة. أسأل اللَّه تعالى أن يسلطنا على هذه الزمرة الكافرة كي نروي الأرض بدمائهم و نأخذ بثاراتنا و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللَّه. و اللَّه لو سقيت الأرض بدمائهم جميعا لما سوى ذلك قلامة من ظفر إبهام شهيدنا الصدر أو أخته العلوية المظلومة.

كانت هذه ترجمة مختصرة لأسرة آل الصدر اشتملت على ترجمة آباء شهيدنا الغالي لثلاث طبقات.

31

والدة الشهيد الصدر

أما والدته المحترمة فهي السيدة العابدة الصالحة التقيّة الزاهدة بنت المرحوم آية اللَّه الشيخ عبد الحسين آل ياسين، و كان أبوها و إخوتها جميعا من الآيات العظام و من أكابر العلماء الأعلام (رضوان اللَّه عليهم أجمعين):

فأبوها هو آية اللَّه الشيخ عبد الحسين آل ياسين أحد أعاظم فقهاء عصره المعروف بالزهد و العبادة و التقوى. ولد في الكاظمية و تربّى في كنف جده المرحوم آية اللَّه الشيخ محمد حسن آل ياسين الذي كان من مفاخر علماء الشيعة و الذي أمضى الإمام صاحب الزمان (عجل اللَّه تعالى فرجه) نيابته عنه على ما ورد في قصّة المرحوم الحاج علي البغدادي المذكورة في مفاتيح الجنان.

و قد قال السيد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل عن الشيخ محمد حسن آل ياسين:

«أنموذج السلف، حسن التقرير، مضطلع في الفقه و الأصول، خبير بالحديث و الرجال، انتهت إليه الرئاسة الدينيّة في العراق بعد وفاة الشيخ العلّامة الأنصاري، كان المرجع العام لأهل بغداد و نواحيها و أكثر البلاد في التقليد و كان المعروف بالفضل، له رسالة و كتب ...».

و المرحوم الشيخ عبد الحسين آل ياسين قد هاجر من الكاظميّة الى سامراء و تتلمذ على يد المجدّد الشيرازي. و بعد أن توفّي جدّه الشيخ محمد حسن انتقلت إليه زعامة الشيعة في بغداد و الكاظميّة، ثم هاجر إلى كربلاء و تتلمذ على يد المرحوم السيد إسماعيل الصدر و وصل إلى مرتبة عالية من الاجتهاد، و عاد الى الكاظميّة و أصبح من مراجع الشيعة في التقليد، و توفّي في 18- صفر- 1351 ه- في الكاظميّة و دفن في النجف الأشرف في مقبرة آل ياسين.

اما إخوتها فهم:

1- آية اللَّه العظمى شيخ الفقهاء و المجتهدين الشيخ محمد رضا آل ياسين، كان أستاذا و مرجعا في عصره في النجف الأشرف، توفّي في سنة 1370 ه و دفن في مقبرة آل ياسين.

32

2- المرحوم الإمام المجاهد الشيخ راضي آل ياسين كان من أكابر علماء الإماميّة في الكاظميّة و هو صاحب تأليفات كثيرة منها كتاب صلح الحسن.

3- المرحوم آية اللَّه الورع التقي الشيخ مرتضى آل ياسين كان من أكابر علماء الإماميّة و مرجعا للتقليد في النجف الأشرف.

33

آية اللَّه العظمى الشهيد الصدر

هو العلم العلّامة، مفتخرة عصره، و أعجوبة دهره، نابغة الزمان، و معجزة القرن، حامي بيضة الدين، و ماحي آثار المفسدين، فقيه أصولي، فيلسوف إسلامي، كان مرجعا من مراجع المسلمين في النجف الأشرف فجّر الثورة الإسلاميّة في العراق و قادها حتّى استشهد.

ولد في 25- ذي القعدة- 1353 الهجريّة القمريّة في الكاظميّة، و تربّى من بعد وفاة والده في كنف والدته و أخيه السيد إسماعيل الصدر.

كانت تبدو عليه من أوائل الصبا علائم النبوغ النبوغ و آثار الذكاء.

و مما يحكى عن أيام طفولته و صباه في المدرسة الابتدائيّة ما كتبه محمد علي الخليلي حاكيا قصّته مع شهيدنا أيام كانا طالبين في مدرسة منتدى النشر الابتدائيّة. و إليك نصّه الذي لم ينشر حتى الآن:

«كانت تجمعنا به مدرسة واحدة و يفرقنا فارق السنّ و المرحلة الدراسيّة إذ كان حينها في الصف الثالث الابتدائي. أمّا أنا فكنت في السنة النهائيّة من هذه المرحلة الدراسيّة.

و طبيعيّ- و للأمرين المذكورين- أن لا يكون اتصال مباشر، و على الرغم من ذلك فقد كان موضوع اهتمامنا و محط أنظارنا نحن تلاميذ المدرسة صغارا و كبارا، كما كان موضوع تقدير و احترام معلميه، و أكثر ما كان يلفت نظرنا هو

34

اهتمام المعلّمين به دون استثناء، فقد كانت له شخصيّة تفرض وجودها و سلوك يحملك على احترامه و النظر إليه نظرة تختلف عن نظرتك لبقيّة زملائه.

كنا نعرف عنه أنه مفرط في الذكاء و متقدم في دروسه تقدّما يبز فيه زملاءه كثيرا أو ندر نظيره. و ما طرق أسماعنا أن هناك تلميذا في المدارس الأخرى يبلغ بعض ما يبلغه من فطنة و ذكاء، لذا اتخذه معلموه، نموذجا للطالب المجدّ و المؤدّب و المطيع. فما من درس يمرّ بنا إلّا و كان حديث المعلّم عنه يطغى على ما يلقّننا من مادة، و كان ذلك يزيدنا احتراما له و إعجابا به، حتّى أخذ بعض الطلبة يجهد نفسه في تقليده في مشيته و في حديثه و في جلوسه في الصف لينال ما يناله من احترام و إعجاب، و قد بلغ احترام زملائه له و جميع تلاميذ المدرسة احترامهم لمعلّميهم إن لم يتعدّاه أحيانا. فهم يتهيّبون التحدث إليه إلّا إذا شعروا برغبة منه في الحديث و إلّا أن يكون هو البادئ في الحديث.

و قد تجاوز هذا الإعجاب به و الحديث عنه جدران المدرسة إلى الشارع و السوق و المدارس الأخرى و في كل مكان، حتّى إنني فوجئت يوما أنّ أبي يدعوني إلى أن أقتدي به في سلوكي و في حديثي مع الناس. و قد كان هذا شأن كثير من الآباء مع أبنائهم لو أرادوا لهم النصح.

و مما زاد تعرّف الناس عليه هو قيامه بإلقاء الخطب و القصائد التي كان يهيّئوها له معلّموه المتمكّنون من اللّغة العربيّة في المواكب الحسينيّة التي تنظّمها المدرسة كلّ عام في يوم عاشوراء أو في وفيات بعض الأئمة الأطهار، حيث كان يرتقي المنبر المعدّ له في الصحن الكاظمي ليلقي القصيدة أو الكلمة في المناسبة عن ظهر القلب و يبدو و كأنّه يرتجل مسترسلا دون توقف أو تلكّؤ و قد تعجب أيها القارئ أنّ فترة حفظه لها لا تتجاوز مسيرة الموكب من المدرسة إلى الصحن الشريف، و كثيرا ما كنت أسمع أنا و غيري من الطّلاب كلمات الاستحسان و التعجّب و التشجيع من قبل الناس المحتشدين حول موكب مدرستنا (مدرسة منتدى النشر في الكاظميّة)، و قد أعطى- و هو في هذه السنّ- لموكبنا منزلة قد تفوق منازل المواكب الأخرى، فقد كان الناس يرافقون الموكب منذ لحظة انطلاقه من المدرسة إلى الصحن الشريف حيث نجد عددا كبيرا من‏

35

الناس ينتظرون الموكب بشوق و لهفة و كان تحشّدهم يزداد إذا كان هو الخطيب في ذلك اليوم. و أما إذا كان غيره ينفض عن الموكب الكثيرون منهم، فقد كان لإلقائه حلاوة و تأثير غريب في نفوس الجماهير يزيده روعة صغر سنّه.

في تلك السنين القليلة عرفنا باقر الصدر- وليتها كانت تطول- و عرفه الناس الذين يقصدون الكاظميّة من بغداد و ضواحيها لحضور المواكب و المجالس الحسينيّة.

و إنّنا زملاؤه في المدرسة عرفناه أكثر في مواقفه هذه، و عرفناه طالبا مثاليّا في سلوكه و في جميع تصرّفاته. و ما أتذكر أنّه كان له حسد من الطلّاب، بل كان حبّهم له يطغى على كلّ شي‏ء يتودّدون و يتقرّبون منه، و ذلك بسبب سلوكه العقلاني معهم و إضفاء حبّه و حنانه على من هو أصغر منه و احترامه لمن هو أكبر منه، و كنّا نشعر- و إن كبرناه سنوات- لقد كان و اللَّه معجزة و آية من آيات خلق اللَّه، و لا أجدني مبالغا مهما قلت عنه و أطنبت في امتداحه و الثناء عليه و تعداد حسناته و صفاته التي لم نجد نظيرا لها في سموّها لدى غيره من كلّ تلامذة المدارس.

كان ينتحي زاوية من زوايا المدرسة انفرد هو بها و لم يقربها غيره احتراما له، و ذلك في كل استراحة بعد كل محاضرة في الصف، و كان يلتف حوله في تلك الزاوية عدد من أترابه التلاميذ و رفاق صفّه أو من الصفوف الأعلى. كنّا نراقب هذا الاجتماع و نرقبه و هو يتحدّث إلى المحيطين و كلّهم إصغاء له، يتحدّث إليهم بهدوء، و يلفّه هدوء، و يغطّيه سكون، و الكلّ صاغون إلى حديثه، ساهمون مسحورون، و قد أثارت فضولنا هذه الحالة و هذا الاجتماع، فهممنا عدّة مرات لأن ننضمّ إليهم و لكنّ فارق السنّ- كما قلنا- كان يحول بين رغبتنا و بين تحقيقها. و جاء ذلك الذي لم أنسه و لن أنساه، كان يوما جديدا لم يمر بنا مثله حين طغت علينا غريزة حبّ الاطلاع فاندفعنا- و كأنّنا منقادون- إلى حيث يعقد اجتماعه، و انضممنا إلى الثلّة التي كانت تحيط به، و قد كانت خطواتنا هذه مفاجأة له، سكت عندها قليلا عن الحديث، و بعد أن ألقى علينا نظرات فاحصة- كأنّه كان يريد أن يقول لنا هل استمر في الحديث؟- و بعدها

36

راح يواصل حديثه، حديث لم نألفه من قبل، فلا هو توضيح و شرح لما نأخذ من دروس عن أساتذتنا. فقد كان حديثا تتخلّله عبارات هي بالنسبة لنا غير مفهومة أو صعب فهمها، و لأوّل مرّة سمعنا فيها كلمة الماركسيّة، و الإمبرياليّة، و الديالكتيكيّة، و الانتهازيّة، و كلمات أخرى أظنها كانت تعني أسماء لفلاسفة و علماء و شخصيات لم يحضرني منها سوى اسم (فيكتور هوغو) و (غوته) و غابت عني أكثرها، إذ مر عليها زمن طويل قارب الأربعين عاما، و لأنّها كلمات كانت في حينها يصعب علينا نطقها و تلفظها، كانت غريبة علينا جدّا و لم نسمع بها أو بمثلها من الأسماء في كتبنا المدرسيّة و لم نقرأ فيها إلّا (إديسون) و (نيوتن) و غيرهما ممّن درسنا عنهم و عن اكتشافاتهم و اختراعاتهم.

لقد كان يهيم في حديثه و يسبح في بحر من الخيال و التسامي، أو يغوص في بحر لجي يلتقط منه العبارات و المعاني و الأفكار.

لقد حملنا شوقنا إلى المعرفة أن نكرّر انضمامنا إلى مجموعته التي أطلق عليها اسم (الحوزة) و كلّنا نرغب رغبة ملحّة في أن نفهم ما يتحدّث به. و نحن لا ندري هل أنّ هؤلاء الصبية و الأطفال المحيطين به يعون و يدركون ما يتحدّث به إليهم و يتفهّمون ذلك؟. و هذا ما كان يثير اهتمامنا بقدر ما كنّا نرغب في التزوّد من معارفه آنذاك و التي كنا نراها أشياء جديدة علينا و لكن فيها متعة و لذة و إن لم ندرك أكثرها، و كنّا نستزيده فيزيد، و نطلب منه أن يعيد علينا ما حدّثنا به قبل يوم فيجيب دون أن يلتمس لنفسه عذرا أو يقابلنا برفض.

فقد كان همّه كلّ همّه أن نفهم و أن نعي ما يحدّثنا و كأنّه نذر ساعات لعبه و سهوه- و هو بهذا السنّ- ليكون معلّما و مفقها، واصلنا حضورنا حوزته هذه حتّى كانت نهاية العام، و بدأت العطلة فافترقنا حيث التحقنا نحن في المدرسة المتوسطة، و بقي هو في مدرسته قليلا حتى علمنا أنّه تركها لينصرف إلى الدرس.

كانت أياما مضيئة و جميلة، و كانت حلما حلوا مؤنسا أخذنا فيها عنه أشياء كثيرة ساعدتنا على أن نتفهم ما نقرأ من كتب غير كتبنا المدرسيّة،

37

كتب كان يزوّدنا بها هو أحيانا كلّما التقى واحدا منا، و قليلا ما كنا نلتقيه إلّا في داره حيث كنا نجده مكبا على قراءة كتب لا نعرف حتى أسماءها، و كتب كنا نقتنيها من المكتبات أو نستعيرها من الأصدقاء زملاء المدرسة أو من المكتبات العامة بإشارة و توجيه منه. و كنّا نهتمّ بكل كتاب ينصحنا بقراءته، و إن غمض علينا شي‏ء منه كان يعيننا على فهمه بكل سرور و رحابة صدر و هو ممتن غير مانّ.

كانت لنا معه أيام حلوة سعيدة عادت علينا بعد ذلك بمرارة لا نتجرعها و لا نتحمّل مرارتها، فقد رحل عنا شهيدنا، اغتالته فئة ضالّة باغية و تركنا إلى حيث يرتع في نعيم دائم و سعادة أبديّة، و بقينا بعده غرقى في شقاء ما مثله شقاء و حياة مليئة بالقسوة و الظلم و الإرهاب، و صارت سنوات تلك الطفولة البريئة المرحة أياما قاسية إلّا أنه ترك فينا وعيا و معرفة أعانتنا على أن نزيدها و نبلغ بها حدا نتفهم فيه كل شي‏ء في الحياة.

تلك كانت أيام طفولتنا و صبانا مع ذلك المعلّم (الصدر) الملي‏ء بالعلم و هو طفل و قد تغذينا في حوزته و نحن أطفال».

انتهى ما كتبه محمد علي الخليلي عن أيّام طفولة الأستاذ الشهيد في المدرسة الابتدائيّة.

أمّا ما جاء فيه من (أنّه- (رحمه اللّه)- كان يحفظ الخطب التي كان يهيّئها له معلّموه فيلقي الكلمة في المناسبة عن ظهر قلب و يبدو و كأنّه يرتجل مسترسلا دون توقّف أو تلكّؤ) فهذا قد يكون صحيحا و لكنّ الذي حدّثني به الأستاذ الشهيد (رحمه اللّه) أنه كان في أيّام صباه ينشئ خطبا على الناس في المناسبات. و لا تنافي بين هذا و ذاك فلعلّه كان أحيانا كهذا و أحيانا أخرى كذاك.

و قبل أن نمضي في درس حياة أستاذنا الشهيد لكي نرى ما ذا كان بعد خروجه من المدرسة نقرأ مقطعا آخر من الحديث عن حياته في داخل المدرسة الابتدائية منقولا عن أحد أساتذة المدرسة فقد نشر في مجلة صوت الأمّة العدد (13) للسنة الثانية- رجب- 1401 ه مقال لشخص تحت اسم (أبو براء) و هذا نصّه:

38

«شاءت الصدف أن أتخذ لي مكانا الى جانبه في أحد المجالس التأبينيّة التي أقيمت تخليدا لذكرى الشهيد الصدر. و في التفاتة منّي إليه غير مقصودة وجدت عليه أمارات الألم و الحزن الشديدين، أمارات لم أجدها ترتسم على وجوه الآخرين بل لا أغالي إذا قلت: كانت عليه سيماء الثكل و لم ينتبه إلى التفاتتي، فقد كان ساهيا منصرفا عن كل ما هو حوله و مثبتا عينيه على صورة للشهيد الصدر كانت معلّقة أمامه، و هو يصدر الآهة إثر الآهة، و يجذب الحسرة تلو الحسرة، و بين كل لحظة و أخرى تنحدر من عينيه دمعتان كان يكفكفهما بمنديل يحمله بيده، كان يبكي و يتألّم بصمت. و قد لفت نظري كثيرا رغم أنّ كلّ من كانوا في الحفل أغرقتهم فاجعة الذكرى بآلامها و أشجانها و ربما علا صوت نحيب من هنا أو هناك لبيت شعر من قصيده شاعر، أو لعبارة من كلمة خطيب تثير في النفوس شجاها و تحرّك عواطفها و أحاسيسها إلّا هذا، فما سمعت منه إلّا الآهات و التنهدات و الأنّات الخفيّة.

إن كلّ الذين كانوا في الحفل أو جلّهم يعرفون الصدر إمّا عن كثب أو من خلال جهاده في سبيل إعلاء كلمة الحق، اذن لا بدّ أن يكون لهذا شأن آخر، هكذا قدّرت و قد أصاب تقديري فسألته و قطعت عليه وجومه و شرود فكره، و قد جاء سؤالي كمتنفّس له وداع إلى بثّ ما في جنبيه من ألم دفين و حزن كمين، و يبدو أنّه عرفني و اطمأنّ اليّ، فراح يحدّثني و بنبرات تقطّعها الآهات و الحسرات.

قال بعد تنهدة عميقة: إنّ علاقتي بالفقيد علاقة الأخ الكبير بأخيه الصغير الوحيد كان ذلك في السنوات الأخيرة من الأربعينات يوم كان طالبا في المراحل الأولى من الدراسة الابتدائية، و كنت معلّما في المدرسة التي كان يتعلّم بها و هي مدرسة منتدى النشر الدينيّة الابتدائية في الكاظميّة، و قد رأيت أنّ هذا التلميذ يوليه المدير عناية خاصة و يرعاه رعاية يشوبها الاحترام و التقدير، فعجبت في بادئ الأمر لذلك، و أخيرا اتضح لي بأنّ هذه العناية لم يكن مبعثها لأنّه ينتمي لعائلة كريمة الحسب عرف كثير من أفرادها و اشتهروا بالعلم و التقى و الورع، أو لأنه يتيم فقد أباه و هو بعد صغير لم يبلغ الحلم. و لكنّ‏

39

عنايته كانت موجهة إليه لأسباب أخرى. فأحببت أن أتعرّف أكثر على هذا الطفل سيّما و أنني حديث عهد بالعلم في المدرسة المذكورة. و شاءت الصدف أن انفرد بالسيّد المدير فأستوضح منه عمّا كان يشغل تفكيري بشأن هذا الطفل فأجابني: أرجو أن ترعاه كما يرعاه زملاؤك من الهيئة التدريسيّة، فقد سبق و أوصيتهم به خيرا لأنّني أتوسّم فيه أن يكون له مستقبل كبير باعث على التفاخر و الاعتزاز بما يقوم به و بالدرجة العلميّة التي أترقّب أنّه سيصلها و يبلغها، فرحت أرقب هذا الطفل عن كثب، فأقرّبه إلى و أتحدّث معه كلّما سنحت الفرصة مظهرا إليه حبّي و ودّي اللذين نميا مع الأيّام بل الساعات، فصار محبّا لي متعلّقا بي لا يفارقني في الصفّ أثناء الدرس أو بعده أثناء فترة الاستراحة.

و قد كان طفلا يحمل أحلام الرجال و يتحلّى بوقار الشيوخ، وجدت فيه نبوغا عجيبا و ذكاء مفرطا يدفعانك على الاعتزاز به و يرغمانك على احترامه و تقديره، كما شهدت كل المدرسين أيضا يكنّون له هذا الاحترام و هذا التقدير.

لقد كان كل ما يدرس في هذه المدرسة من كافة العلوم دون مستواه العقليّ و الفكريّ، كان شغوفا بالقراءة محبا لتوسيع دائرة معرفته ساعيا بجد إلى تنمية مداركه و مواهبه الفذة. لا تقع عيناه على كتاب إلّا و قرأه و فقه ما يحتويه في حين يعزّ فهمه على كثير ممّن أنهوا المرحلة الثانويّة. ما طرق سمعه اسم كتاب في أدب أو علم أو اقتصاد أو تاريخ إلّا و سعى إلى طلبه. كان يقرأ كلّ شي‏ء.

و قد حدّثني أحد الزملاء ممن كان لديهم إلمام بالماركسيّة و اطلاع على كثير من الكتب التي كتبت فيهما قائلا لي: لقد جاءني يوما مبديا رغبته في أن يقرأ بعض الكتب الماركسيّة و نظريّاتها ليطّلع على مكنونات هذه النظرية، تردّدت في بادئ الأمر عن إرشاده إلى ذلك لأنّه طفل، و خشيت أن تتشبع أفكاره بالماركسيّة و نظرياتها. و بعد إلحاح منه شديد و لما كنت لا أحب ردّ طلبه أرشدته إلى بعض المجلّات و الكتب المبسطة في كتابتها عن الماركسيّة و في عرضها لها. و قد أخذت على عاتقي تهيئة ما تيسّر لي من هذه المجلّات و الكتب و هي نادرة و عزيزة لأنها كانت آنذاك من الكتب المحرم بيعها في المكتبات.

و بعد أن تسلّمها منّي تهلّل وجهه فرحا ثم أعادها إليّ بعد أن قرأها مكرّرا

40

طلبه أن أجد له كتبا أكثر موضوعيّة و أعمق شرحا و عرضا لآراء الماركسيّة، فهيأت له ما طلب و كنت أظنّ أنّه سوف لا يفقه منها شيئا لأنني أنا نفسي رغم مطالعاتي الكثيرة في هذا الموضوع أجد أحيانا صعوبة في فهمها. و بعد مدّة أسبوع واحد أعادها إليّ و طلب غيرها، و أضاف المدرس قائلا: أحببت أن أعرف ما الذي استفاده هذا الطفل من قراءته لهذه الكتب و إذا به يدخل في شرح الماركسيّة طولا و عرضا، فأخذت عن شرحه لها كل ما غمض عليّ معناه عند قراءتي لها، فعجبت لهذا الطفل المعجزة و هو لمّا يزل في المرحلة الثالثة من الدراسة الابتدائيّة. و قد زاد في اطمئناني عند ما راح يشرح لي أنّه كان يأتي على مناقشة كل رأي على حدة مناقشة العالم المتبحر في العلم فاطمأننت بأنه لم يتأثّر بالماركسيّة مطلقا، و أنّه كان يقرؤها كناقد لا كدارس لها. و حدّثني عنه مدرّس اللّغة فقال: و اللّه لو لا الأنظمة و القوانين و لو كانت هناك حكومة تقدّر النبوغ و الكفاءة لمنحته الشهادة الثانويّة بأعلى الدرجات، و فتحت له أبواب الكلّيات ليختار منها ما يشاء و كفيته أمر الذهاب الى المدرسة و العودة منها إلى البيت، إنّ إلمامه بعلوم اللّغة العربيّة يفوق حدّ التصوّر لطفل في سنّه و كم من مرّة جعلني أقف أمامه محرجا لا أحير جوابا فأضطر أن أءول الجواب على سؤاله إلى يوم آخر لئلّا أكون في موضع العاجز عن الجواب أمام تلامذتي و قال هذا الشي‏ء عينه مدرّس الدين و أصناف إنه يصلح أن يكون مدرّسا للدين و أصوله.

و قال كذلك مدرّسو العلوم الأخرى مبدين دهشتهم و حيرتهم في نبوغ هذا الطفل و مستواه خائفين أن يقتله ذكاؤه.

كان (رحمه اللّه) أوّل من يدخل الصفّ و آخر من يخرج منه و كان كلّه إصغاء و انتباه الى ما يقوله المدرّس، و كأنّ ما يتلى شي‏ء جديد بالنسبة له، و كأنّه لم يحفظ في ذاكرته أضعاف ما يتلى عليه في الصفّ. و ما وجدته يوما و قد ارتكبه الغرور أو طغى عليه العجب بنفسه أو تعالى على زملائه التلاميذ ممّا عنده من علم و معرفة. كان مؤدّبا جدّا يحترم معلّميه و زملاءه و يفرض احترامه على الجميع و كثيرا ما كنّا نفتقده متغيّبا لشهر أو حواليه من المدرسة ثم إذا به يحضر عند الامتحان فيؤدّيه فينال الدرجة العليا و لو كانت هناك درجة

41

أعلى لاستحقها بجدارة. و كنّا عند تغيّبه نستفهم من الإرادة عن السبب، فيكون الجواب الذي اعتدناه: إنّه يحضر دروسا خاصة تشغله عن حضور المدرسة كنّا نختاره و خاصة مدرس الدروس الدينيّة في درس الصلاة إماما يؤمّ زملاءه في الصلاة فكان و اللّه جديرا بها يؤدّيها بخشوع العابد الزاهد المتوجّه إلى ربه العلي الكريم. و كان يختار من بين طلّاب كل المدرسة لإلقاء القصائد و الكلمات في الصحن الكاظمي الشريف منذ كان في الصفّ الثاني الابتدائي، و ذلك في موكب العزاء الذي اعتادت المدرسة أن تنظّمه كلّ عام.

و ليس عجيبا على مثل هذا الطفل أن يستظهر قصيدة تضمّ ثلاثين بيتا أو أكثر، أو كلمة عن ظهر قلب خلال ربع ساعة بعدها يتلوها علينا بكل فصاحة متجنّبا اللّحن حتى إذا قرئت له ملحونة.

كان شعلة ذكاء و قدوة أدب و مثال خلق قويم و نفس مستقيمة. ما فاه و اللّه بحياته في المدرسة بكلمة إلّا و بعثت في نفس سامعها النشوة و الحبور، و ما التقت عيناه لفرط خجله مرة عيني أحد مدرّسيه، فهو لا يحدّث إلّا و رأسه منحن و عيناه مسبلتان. أحببته طفلا صغيرا بريئا و أجللت فيه شيخا كبيرا لما ألمّ به من علم و معرفة حتى إنّني قلت له ذات يوم: إنّني أتوقّع أن يأتي يوم ننهل فيه من علمك و معرفتك و نهتدي بأفكارك و آرائك، فكان جوابه بكل أدب و احترام و قد علت وجهه حمرة الخجل: عفوا أستاذ فأنا لا أزال و سأبقى تلميذكم و تلميذ كلّ من أدّبني و علّمني في هذه المدرسة و سأبقى تلميذكم المدين إليكم بتعليمي و تثقيفي.

ثم ختم الرجل حديثه بقوله: أ تريدني بعد كلّ هذا أن لا أحزن عليه حزن الثاكل. و لكنّ الذي يبعث لنا السلوى و يمكّننا من الصبر و يسري عن نفوسنا أنّه ترك لنا أسفارا يحدّثنا فيها. فهو اليوم في كلّ بيت من بيوتنا مقيم بين صفحات كتبه و مؤلّفاته نحدّثه و يحدّثنا عن آرائه و أفكاره العلميّة الخالدة و صوره المطبوعة في قلوبنا. ف(رحمه اللّه) و يا ليتنا كنا أو سنكون بركبه سائرين. و أنهى الحديث بآهة و دمعة انحدرت من عينيه.» الآن حال لنا أن نمضي مع حياة هذا الطالب كي نرى ما ذا جرى بعد

42

خروجه من المدرسة الابتدائية.

و نعود هنا مرّة أخرى الى ما استفدناه من رسالة المرحوم السيد عبد الغني الأردبيلي (قدّس سرّه):

قرأ- (رحمه اللّه)- في الحادية عشرة من عمره المنطق و كتب رسالة في المنطق يعترض فيها باعتراضات على بعض الكتب المنطقية.

و قد قرأ أكثر الأبحاث المسماة بالسطح العالي بلا أستاذ.

و في أوائل الثانية عشرة من عمره درس معالم الأصول على يد أخيه المرحوم السيد إسماعيل و كان من شدّة ذكائه يعترض على صاحب المعالم بإيرادات وردت في الكفاية.

منها: إنّه ورد في بحث الضد في كتاب المعالم الاستدلال على حرمة الضدّ بأنّ ترك أحدهما مقدّمة للآخر، فاعترض عليه شهيدنا الصدر بقوله: «إذن يلزم الدور».

فقال له المرحوم السيد إسماعيل: هذا ما اعترض به صاحب الكفاية على صاحب المعالم.

هاجر الأستاذ الشهيد في سنة (1365 ه) من الكاظميّة إلى النجف الأشرف و تتلمذ على يدي علمين من أعلام النجف:

1- آية اللّه الشيخ محمد رضا آل ياسين (رضوان اللّه عليه).

2- آية اللّه السيد أبو القاسم الخوئي الذي لا زال يعيش في النجف الأشرف.

و كان يحضر معه درس المرحوم آل ياسين ثلة من العلماء الأكابر أمثال:

1- آية اللّه الشيخ صدرا البادكويي.

2- و آية اللّه الشيخ عباس الرميثي.

3- و آية اللّه الشيخ طاهر آل راضي.

4- و حجة الإسلام و المسلمين السيد عبد الكريم علي خان.

5- و حجة الإسلام و المسلمين السيد محمد باقر الشخص.

6- و حجة الإسلام و المسلمين السيد إسماعيل الصدر.

و آخرين من أهل الفضل و العلم.

43

و قد انتهى بحث الشيخ آل ياسين يوما إلى مسألة أنّ الحيوان هل يتنجس بعين النجس و يطهر بزوال العين أو لا يتنجس بعين النجس فذكر الشيخ آل ياسين (رحمه اللّه): إن الشيخ الأنصاري- (قدّس سرّه)- ذكر في كتاب الطهارة: إن هنا ثمرة في الفرق بين القولين تظهر بالتأمّل. و قال الشيخ آل ياسين: أنّ أستاذنا المرحوم السيّد إسماعيل الصدر حينما انتهى بحثه إلى هذه المسألة طلب من تلاميذه أن يبيّنوا ثمرة الفرق بين القولين فبيّنّا له ثمرة في ذلك. و أنا الآن أطلب منكم أن تأتوا لي غدا بعد التفكير و التأمل بثمرة القولين.

فحضر شهيدنا الصدر في اليوم التالي قبل الآخرين لدى أستاذه و قال: إني جئت بثمرة للقولين، فتعجّب الشيخ آل ياسين من ذلك لأن صغر سنّه وقتئذ كان يوحي إلى الشيخ آل ياسين بأن حضوره مجلس الدرس ليس حضورا اكتسابيّا بالمعنى الحقيقي للكلمة و إنما هو حضور ترفيهي. فذكر شهيدنا الصدر ما لديه من الثمرة ممّا أدهش الأستاذ آل ياسين لفرط ذكاء هذا التلميذ الصغير و نبوغه و قال له: أعد بيان الثمرة لدى حضور باقي الطلاب.

و حينما حضر الطلّاب الآخرون طالبهم الشيخ الأستاذ بالثمرة، فلم يتكلّم منهم أحد فيقول الشيخ: إن السيد محمد باقر الصدر أتى بثمرة للخلاف غير الثمرة التي نحن أتينا بها إلى أستاذنا. و هنا يبيّن شهيدنا الصدر ما لديه من الثمرة و يثير إعجاب الحاضرين و يعرف من ذلك الحين لدى أكابر الحوزة العلمية بالذكاء و النبوغ العلمي.

قال أخوه المرحوم السيد إسماعيل الصدر (رحمه اللّه): «سيدنا الأخ بلغ ما بلغ في أوان بلوغه».

و في سنة 1370 توفّي الشيخ آل ياسين (رحمه اللّه). و علّق المرحوم الشيخ عبّاس الرميثي بتعليقته على رسالة الشيخ آل ياسين المسماة بلغة الراغبين، و لفرط اعتقاده و شدة إيمانه بذكاء شهيدنا الصدر و نبوغه طلب منه أن يحضر مجلس التحشية، فلبّى الشهيد دعوة أستاذه و اشترك في مجلس التحشية. و هو أيضا كتاب وقتئذ تعليقة على بلغة الراغبين. و كان يقول له الشيخ عباس الرميثي في ذاك التاريخ: إن التقليد عليك حرام.

44

و قد حضر شهيدنا الغالي من سنة 1365 درس أستاذه آية اللّه الخوئي فقها و أصولا. و أنهى تحصيلاته الأصولية في سنة 1378 و الفقهية في سنة 1379.

و كانت مدة تحصيلاته العلميّة من البداية إلى النهاية حوالي سبع عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة. و لكنّ هذه المدّة رغم قصرها زمنا كانت في واقعها مدّة واسعة، حيث إنّ شهيدنا الصدر كان يستثمر من كل يوم 16 ساعة لتحصيل العلم، فمن حين استيقاظه من النوم في اليوم السابق إلى ساعة النوم في اليوم اللّاحق كان يلاحق المطالعة و التفكير عند قيامه و قعوده و مشيه.

بدأ شهيدنا الصدر بتدريس خارج الأصول في سنة 1378 في يوم الثلاثاء 12- ج 2 و أنهى الدورة الأولى في يوم الثلاثاء 12- ربيع الثاني- 1391 و كانت آخر كلماته في البحث ما يلي:

«و بهذا انتهى الكلام في هذا التنبيه و به انتهى الكلام في مبحث التعادل و التراجيح و به انتهت هذه الدورة من علم الأصول».

و بدأ الشهيد بتدريس خارج الفقه على نهج العروة الوثقى في سنة 1381.

إلى هنا انتهى ما استفدناه من رسالة المرحوم السيد عبد الغني الأردبيلي (رحمه اللّه).

45

ذكريات عن حياة شهيدنا الصدر

1- حدثني- (رحمه اللّه)- ذات يوم: أنه حينما كتب كتاب (فلسفتنا) أراد طبعه باسم جماعة العلماء في النجف الأشرف بعد عرضه عليهم متنازلا عن حقّه في وضع اسمه الشريف على هذه الكتاب. إلّا أنّ الذي منعه عن ذلك أنّ جماعة العلماء أرادوا إجراء بعض التعديلات في الكتاب، و كانت تلك التعديلات غير صحيحة في رأي أستاذنا الشهيد، و لم يكن يقبل بإجرائها فيه، فاضطر أن يطبعه باسمه. قال- (رحمه اللّه)- إني حينما طبعت هذا الكتاب لم أكن أعرف أنه سيكون له هذا الصيت العظيم في العالم و الدويّ الكبير في المجتمعات البشرية ممّا يؤدي إلى اشتهار من ينسب إليه الكتاب. و أنا الآن أفكر أحيانا أني لو كنت مطّلعا على ذلك، و على مدى تأثيره في إعلاء شأن مؤلّفه لدى الناس، فهل كنت مستعدّا لطبعه باسم جماعة العلماء و ليس باسمي كما كنت مستعدّا لذلك أو لا؟ و أكاد أبكي خشية أنّي لو كنت مطّلعا على ذلك لم أكن استعدّ لطبعه بغير اسمي.

رحمك اللّه يا أبا جعفر و هنيئا لك على هذه الروح الطاهرة و المعنويات العالية العظيمة، في حين كنت تعيش في مجتمع يتكالب أكثر أبنائه على سفاسف الدنيا أو زعاماتها، أو كسب مديح الناس و ثنائهم، أو جمع ما يمكنهم من حطام الدنيا و نعيمها من حلال أو حرام.

46

2- انفصل أحد طلابه عن درسه و عن خطه الفكري الإسلامي. ثم بدأ يشتمه و ينال منه في غيابه أمام الناس، و كان كثير من كلماته تصل الى مسامع أستاذنا العظيم، و كنت ذات يوم جالسا بحضرته الشريفة فجرى الكلام عن هذا الطالب الذي ذكرناه فقال- (رضوان اللّه عليه)-: أنا لا زلت أعتقد بعدالة هذا الشخص و أنّ ما يصدر منه ناتج من خطأ في اعتقاده و ليس ناتجا من عدم مبالاته بالدين.

3- ذكر (رحمه اللّه) ذات يوم لصفوة طلّابه: إنّ ما تعارفت عليه الحوزة من الاقتصار على الفقه و الأصول غير صحيح، و يجب عليكم أن تتثقفوا بمختلف الدراسات الإسلاميّة، و أمرهم بمباحثة كتاب فلسفتنا فيما بينهم، فعقدوا بحثا في بيتي الواقع وقتئذ في النجف الأشرف في الشارع الثاني مما كان يسمى ب (الجديدة). و في أوّل يوم شرعوا في المباحثة وجدنا طارقا يطرق الباب ففتحت له الباب و إذا بأستاذنا الشهيد قد دخل و حضر المجلس و قال: إنّني إنّما حضرت الآن هذا المجلس لأني أعتقد أنه لا يوجد الآن مجلس أفضل عند اللّه من مجلسكم هذا الذي تتباحثون فيه في المعارف الإسلاميّة، فأحببت أن أحضر هذا المجلس الذي هو أفضل المجالس عند اللّه.

هكذا كان يشوق طلابه و يرغبهم في تكميل أنفسهم في فهم المعارف الإسلامية، و هو الأب الرءوف و العطوف الحنون على طلّابه. فو اللّه إنّنا قد أيتمنا بفقد هذا الأب الكبير فلعن اللّه من أيتمنا و فجع الأمّة الإسلامية بقتل هذا الرجل العظيم، اللّهم مزّق الذين شاركوا في دمه الطاهر تمزيقا و اجعلهم طرائق قددا، و أرنا ذلّهم في الدنيا قبل الآخرة و زدهم عذابا فوق العذاب، إنّك.

أنت السميع المجيب.

4- حضرت بحثه في أوائل أيّام تعرّفي عليه في بحث الترتّب، و لم يكن ذلك منّي بنيّة الاستمرار و بعد إنهائه لبحث الترتّب صممت على ترك الحضور لبعض المشاكل الحياتية و الصحّية التي كانت تمنعني من الاستمرار. فاطلع- (رضوان اللّه عليه)- على تصميمي هذا فطلب مني- (رحمه اللّه)- أن أعدل عن هذا التصميم. و أستمر في الحضور في بحثه الشريف و قال: أنا أضمن لك أنّك لو

47

بقيت مستمرا في هذا البحث مدة خمس سنين ستكون مجتهدا، فشرحت له بعض المشاكل التي تحيط بي و التي تمنعني عن الحضور. فتركت الحضور برهة من الزمن إلى أن انتهت تلك المشاكل المانعة، فاستأنفت مرّة أخرى الحضور في بحثه الشريف الى أن قدّر اللّه لي الهجرة الى إيران. و حينما مضى على حضوري في بحثه الشريف خمس سنين أو أكثر تشرفت بالحضور لدى الأستاذ ذات يوم و قلت له: أنت وعدتني بأني لو حضرت البحث خمس سنين سأكون مجتهدا. و ها هو الحضور بهذا المقدار قد حصل و لم يحصل الاجتهاد. فأجابني- (رضوان اللّه عليه)- بأن مفهوم الاجتهاد قد تغيّر عندك فالاجتهاد بالمستوى المتعارف عليه في الحوزة العلميّة قد حصل، و لكنك تريد الاجتهاد على مستوى هذا البحث.

5- رأيت ذات ليلة في عالم الرؤيا أنّ نبيا من الأنبياء قد حضر بحث أستاذنا، و تشرفت بعد هذا ذات يوم بلقاء أستاذنا الشهيد في بيته الذي كان واقعا وقتئذ في شارع الخورنق و حكيت له الرؤيا. فقال لي: إنّ تعبير هذه الرؤيا هو أنّني سوف لن أوفق لتطبيق رسالتي التي نذرت نفسي لأجلها و سيأتي تلميذ من تلاميذي يكمل الشوط من بعدي. ذكر- (رضوان اللّه عليه)- هذا الكلام في وقت لم يكن يخطر بالبال أنه ستأتي ظروف تؤدّي الى استشهاده.

6- كان يقول- (رضوان اللّه عليه)- إنّني في الأيام التي كنت أطلب العلم كنت أعمل في طلب العلم كل يوم بقدر عمل خمسة أشخاص مجدّين.

7- و قال أيضا- (رحمه اللّه)-: إنّني كنت أعيش في منتهى الفقر و الفاقة، و لكنّني كنت اشتغل منذ استيقاظي من النوم في كل يوم بطلب العلم، كنت أنسى كلّ شي‏ء و كلّ حاجة معيشيّة إلى أن كنت أفاجأ من قبل العائلة بمطالبتي بغذاء يقتاتون به و كنت أحتار عندئذ في أمري.

8- أدركت الأستاذ الشهيد فيما بعد أيّام فقره و فاقته حينما كان مدرّسا معروفا في الحوزة العلميّة في النجف الأشرف و مع ذلك كان يعاني من الضيق المالي، و كان يدرّسنا في مقبرة آل ياسين في حر الصيف و لم تكن وسيلة تبريد في تلك المقبرة، و لم يكن يمتلك وسيلة تبريد في بيته. و كان المتعارف وقتئذ في‏

48

النجف الأشرف عدم وجود عطلة صيفيّة لطلاب الحوزة العلميّة فكان الطلبة يدرسون حتّى في قلب الحر الشديد.

و لا أنس أنّ المرحوم السيد عبد الغني الأردبيلي (رحمه اللّه) تشرّف ذات يوم بخدمته في بيته الواقع في محلّة العمارة فيما بعد الزقاق المسمى ب (عقد الإسلام) و قال له: إنّ الحر شديد و طلابك يعانون من الحر في ساعة الدرس في مقبرة آل ياسين. فأذن لنا بشراء مبرّدة نضعها في المقبرة لتبريد الجوّ، و لي صديق من التركمان في شمال العراق من بيّاعي المبرّدات، و هو مستعد لتزويدكم بمبردة بسعر الكلفة، و هو سعر يسير و يقسّط السعر عليكم أشهرا عديدة لا يأخذ منكم في كل شهر عدا دينارين. فسكت أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) خجلا و حياء من أن يقول إنّ وضعي الاقتصادي لا يسمح بهذا. و لكن المرحوم السيّد عبد الغني اعتقد أنّ السكوت من الرضا فاستورد مبرّدة و وضعها في المقبرة ثمّ أخبر أستاذنا الشهيد بما فعل، فرأيت وجه أستاذنا قد تغيّر حيرة في كيفية دفع هذا المبلغ اليسير. إلّا أنّ المرحوم السيد عبد الغني (رحمه اللّه) لم ينتبه إلى ذلك. و على أيّ حال فقد التزم أستاذنا الشهيد بدفع المبلغ. و لا أعرف كيف كان يؤمّن ما عليه إلّا أنني كنت أعلم أنّه كان يدفع كلّ شهر دينارين إلى السيّد عبد الغني كي يدفعه إلى صاحبه أداء للدين.

9- تربيته لأطفاله كان يقول- (رحمه اللّه)- إنّ تربية الطفل بحاجة الى شي‏ء من الحزم و الخشونة من ناحية، و إلى اللين و النعومة و إبراز العواطف من ناحية أخرى. و قد تعارف عندنا في العوائل أنّ الأب يقوم بالدور الأوّل الأم تقوم بالدور الثاني قال- (رحمه اللّه)-: و لكنّني اتفقت مع (أم مرام) على عكس ذلك فطلبت منها أن تقوم بدور الجزم و الخشونة مع الأطفال لدى الحاجة كي أتمحض أنا معهم في أسلوب العواطف و اللّين و إبراز الحبّ و الحنان. و كان السبب في ذلك أنه كان يرى نفسه أقدر على تربية أطفاله على العادات و المفاهيم الإسلاميّة، فكان يريد للأطفال أن لا يروا فيه عدا ظاهرة الحبّ و الحنان كي يقوى تأثير ما يزقّه في نفوسهم من القيم و الأفكار، فلا بدّ أن تملأ حاجتهم إلى الصلابة و الخشونة

49

عن طريق الأمّ.

كان يقول- (رحمه اللّه)- إني نفثت في نفس ابنتي مرام- و كانت وقتئذ طفلة صغيرة- الحقد على الصهاينة. قال: قد صادف أن حدثتها ذات يوم عن ظلمهم للمسلمين من قتل أو قصف. فبان عليها انكسار الخاطر و تكدّر العيش، فأردفت ذلك بذكر قصة أخرى من حكايات قصف المسلمين لإسرائيل فاهتزّت فرحا و ضحكت و استبشرت لتلك القصة.

و كثيرا ما كان يصله- (رحمه اللّه)- من الحقوق الشرعيّة ما يصل عادة بيد المراجع و لكنّه (رحمه اللّه) قال إني فهمت ابنتي مرام أنّ هذه الأموال الموجودة لدينا ليست ملكا لنا، فكانت هذه الطفلة البريئة تقول أحيانا: إنّ لدى والدي الأموال الكثيرة و لكنّها ليست له، ذلك لكي لا تتربى على توقّع الصرف الكثير في البيت بل تتربّى على القناعة و عدم النظر إلى هذه الأموال كأملاك شخصيّة.

10- في الفترة التي عيّنت حكومة البعث الغاشم ستّة أيّام لتسفير الإيرانيين بما فيهم طلّاب الحوزة العلميّة من النجف إلى إيران رأيت أحد طلبة العلوم الدينيّة في النجف الأشرف مودّعا لأستاذنا الشهيد، فرأيت الأستاذ يبكي في حالة وداعه إيّاه بكاء الثكلي رغم أنّه كان يعرف أن هذا الرجل يعدّ في صفوف المناوئين له.

11- و بعد تلك الأيّام حدّثني الأستاذ (رحمه اللّه) ذات يوم فقال إنّني أتصور أنّ الأمّة مبتلاة اليوم بالمرض الذي كانت مبتلاة به في زمن الحسين (عليه السلام)، و هو مرض فقدان الإرادة فالأمّة تعرف حزب البعث و الرجال الحاكمين في العراق و لا تشك في فسقهم و فجورهم و طغيانهم و كفرهم و و ظلمهم للعباد و لكنّها فقدت قوة الإرادة التي بها يجب أن تصول و تجاهد في سبيل اللَّه إلى أن تسقط هذه الزمرة الكافرة عن منصب الحكم و ترفع كابوس هذا الظلم عن نفسها. و علينا ان نعالج هذا المرض كي تدب حياة الإرادة في عروق هذه الأمّة الميّتة و ذلك بما عالج به الإمام الحسين (ع) عرض فقدان الإرادة في نفوس الأمّة وقتئذ، و هو التضحية الكبيرة التي هزّ بها المشاعر و أعاد

50

بها الحياة إلى الأمّة إلى أن انتهى الأمر بهذا السبب إلى سقوط دولة بني أميّة.

فعلينا أن نضحي بنفوسنا في سبيل اللَّه و نبذل دماءنا بكلّ سخاء في سبيل نصرة الدين الحنيف. و الخطّة التي أرى ضرورة تطبيقها اليوم هي أن أجمع ثلة من طلّابي و من صفوة أصحابي الذين يؤمنون بما أقول و يستعدّون للفداء و نذهب جميعا إلى الصحن الشريف متحالفين فيما بيننا على أن لا نخرج من الصحن أحياء. و أنا أقوم خطيبا فيما بينهم ضدّ الحكم القائم و يدعمني الثلّة الطيّبة الملتفّة من حولي، و نثور بوجه الظلم و الطغيان فسيجابهنا جمع من الزمرة الطاغية و نحن نعارضهم (و لعلّه قال: و نحمل السلاح) إلى أن يضطرّوا إلى قتلنا جميعا في الصحن الشريف. و سأستثني ثلة من أصحابي عن الاشتراك في هذه المعركة كي يبقوا أحياء من بعدي و يستثمروا الجوّ الذي سيحصل نتيجة لهذه التضحية و الفداء.

قال (رحمه اللّه): إن هذا العمل مشروط في رأيي بشرطين:

الشرط الأوّل- أن يوجد في الحوزة العلميّة مستوى من التقبّل لعمل من هذا القبيل. أما لو أطبقت الحوزة العلميّة على بطلان هذا العمل و كونه عملا جنونيّا أو مخالفا لتقيّة واجبة، فسوف يفقد هذا العمل أثره في نفوس الأمّة و لا يوفي ثماره المطلوبة.

و الشرط الثاني- أن يوافق أحد المراجع الكبار مسبقا على هذا العمل كي يكتسب العمل في ذهن الأمّة الشرعيّة الكاملة.

فلا بدّ من الفحص عن مدى تواجد هذين الشرطين: أمّا عن الشرط الأول فصمم الأستاذ (رحمه اللّه) على أن يبعث رسولا إلى أحد علماء الحوزة العلميّة لجس النبض ليعرض عليه هذه الفكرة و يستفسره عن مدى صحّتها و بهذا الأسلوب سيعرف رأي عالم من العلماء كنموذج لرأي يتواجد في الحوزة العلمية. و قد اختار (رحمه اللّه) بهذا الصدد إرسال سماحة الشيخ محمد مهدي الآصفي (حفظه اللَّه) إلى أحد العلماء، و أرسله بالفعل إلى أحدهم كي يعرض الفكرة عليه و يعرف رأيه، ثم عاد الشيخ إلى بيت أستاذنا الشهيد و أخبر الأستاذ بأنّه ذهب إلى ذاك العالم في مجلسه و لكنّه لم يعرض عليه الفكرة

51

و كان السبب في ذلك أنّه حينما دخل المجلس رأي أنّ هذا الشخص مع الملتفين حوله قد سادهم جوّ من الرعب و الانهيار الكامل نتيجة قيام الحكومة الحكومة البعثيّة بتفسير طلبة الحوزة العلميّة، و لا توجد أرضيّة لعرض مثل هذه الفكرة عليه إطلاقا.

و أمّا عن الشرط الثاني فرأي أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) أن المرجع الوحيد الذي يترقّب بشأنه أن يوافق على فكرة من هذا القبيل هو الإمام الخميني- دام ظلّه- الذي كان يعيش وقتئذ في النجف الأشرف فلا يصح أن يكون هذا العمل من دون استشارته، فذهب هو- (رضوان اللّه عليه)- إلى بيت السيّد الإمام و عرض عليه الفكرة مستفسرا عن مدى صحّتها، فبدا على وجه الإمام (دام ظلّه) التألّم و أجاب على السؤال بكلمة (لا أدري). و كانت هذه الكلمة تعني أنّ السيد الإمام دام ظله كان يحتمل أن تكون الخسارة التي ستوجّه إلى الأمّة من جرّاء فقد هذا الوجود العظيم أكبر ممّا قد تترتّب على هذا العمل من الفائدة.

و بهذا و ذلك تبين أنّ الشرطين مفقودان فعدل أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) عن فكرته و كان تاريخ هذه القصة بحدود سنة 1390 أو 1391 ه.

12- كان الأستاذ الشهيد (رحمه اللّه) يصلّي في الحسينيّة الشوشتريّة صلاة الجماعة إماما. فاتفق ذات يوم أنّه غاب عن صلاة الجماعة لعذر له، فطلب جمع من المؤمنين من السيد محمد الصدر ابن المرحوم السيّد محمد صادق الصدر أن يؤمّ الناس في ذاك اليوم بدلا عن الأستاذ، فاستجاب السيّد محمّد الصدر لطلب المؤمنين (و هو من حفدة عمّ الشهيد الصدر و من تلامذته، و كان معروفا بالزهد و الورع و التقوى) فصلّى الناس خلفه جماعة ثمّ اطلع أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) على ذلك، فبان عليه الأذى و منع السيّد محمّد الصدر عن أن يتكرّر منه هذا العمل. و كان السبب في ذلك رغم علمه بأنّ حفيد عمه أهل و محلّ لإمامة الجماعة- أنه تعارف لدى قسم من أئمة الجماعة الاستعانة في غيابهم بنائب عنهم يختار من أقربائهم أو أصحابهم لا لنكتة موضوعيّة بل لأنّه من أقربائه أو أصحابه فقد يحمل ما وقع من صلاة حفيد العم في نظر الناس غير المطّلعين على حقيقة الأمر على هذا الحمل، بينما لا بدّ من كسر هذه العادة

52

و حصر إمامة الجماعة في إطار موضوعيّ صحيح و تحت مقياس دقيق تلحظ فيه مصالح الإسلام و المسلمين زائدا على الشرائط الأوّليّة الفقهيّة لإمامة الجماعة، فلهذا منع حفيد العمّ عن هذا العمل رغم علمه بتواجد الشرائط و المصالح فيه ما دام العمل قابلا في نظر الناس للتفسير غير الصحيح.

13- حدّثني الأستاذ (رحمه اللّه) أنّه كان في فترة من الزمن في أيّام طلبه للعلم يتشرّف يوميّا ساعة من الزمن إلى الحرم الشريف بغرض أن يفكّر في تلك الساعة في المطالب العلميّة و يستلهم من بركات الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). ثمّ قطع هذه العادة و لم يكن أحد مطّلعا عليها و إذا بامرأة في بيت الأستاذ و لعلها والدته الكريمة (الشك مني و ليس من الأستاذ) رأت في عالم الرؤيا أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول لها ما مضمونه: قولي لباقر لما ذا ترك درسه الذي كان يتتلمذ به لدينا؟!.

14- رأى أحد طلّابه ذات يوم في عالم الرؤيا أنّه يمشي هو و زميل آخر له من طلاب السيّد الشهيد بخدمة الأستاذ في طريقهم إلى مقصد ما، و إذا بحيوانات مفترسة هجموا على السيد الشهيد كي يقطعوه ففر الزميلان من بين يديه و جاء ناس آخرون التفّوا حول الأستاذ كي يحموه من تلك السباع فحدّث هذا الطالب بعد ذلك أستاذنا الشهيد برؤياه فقال له الأستاذ: إنّ تعبير رؤياك أنكما ستنفصلان و تبتعدان عني، و يأتي ناس آخرون يلتفّون حولي و يكونون رفاقي في الطريق. و كان هذا الكلام غريبا على مسامع ذاك الطالب لأنّه و زميله كانا آنذاك من أشدّ الملتصقين بوضع الأستاذ و لكن ما مضت الأيّام و الليالي إلّا و ابتعدا عن الأستاذ (أحدهما بالسفر و الآخر بترك الدرس رغم وجوده في النجف).

15- سألت الأستاذ- (رحمه اللّه)- ذات يوم عن أنّه هل قلّد في حياته عالما من العلماء أولا؟ فأجاب- (رضوان اللّه عليه)- بأنّي قلّدت قبل بلوغي سنّ التكليف المرحوم الشيخ محمد رضا آل ياسين، أمّا من حين البلوغ فلم أقلّد أحدا. و لا أذكر أنّه قال: كنت من حين البلوغ أعمل برأيي أو قال: كنت بين العمل بالاحتياط و العمل بالرأي.

53

16- حدّثني- (رضوان اللّه عليه)- بعد رجوع المرحوم آية اللَّه العظمى السيّد الحكيم من لندن (إذ كان ذهب إلى لندن في أواخر حياته للعلاج): أنّه رأى ذات يوم آية اللَّه الحكيم قبل مرضه في حرم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فألهم أستاذنا (رضوان اللّه عليه) بأنّ هذه آخر رؤية له للسيّد الحكيم و سوف لن يتوفّق لرؤيته مرة أخرى إلى أن يتوفّى السيد الحكيم. و بعد ذلك بأيام قلائل تمرض السيّد (رحمه اللّه) و استمر به المرض إلى أن ذهبوا به إلى لندن للعلاج و لم يشف من مرضه. و حينما رجع السيّد من لندن، و كان ينزل في مطار بغداد من درج الطائرة حاول أستاذنا (رحمه اللّه) أن يلقي نظرة على السيد الحكيم كي يراه ليثبت بذلك أنّ ما الهم به كان وهما لا قيمة له، فيأمل أن يشفى السيّد من مرضه و يعيش صحيحا سالما إلّا أنه لم يوفّق الأستاذ لرؤية السيد إلى أن توفي بنفس المرض- (قدس اللَّه روحه الزكيّة).

17- زار زيد حيدر عضو القيادة القومية لحزب البعث السيد الشهيد- (رحمه اللّه)- ذات يوم بصحبة عبد الرزّاق الحبوبي [1] و تكلّم الأستاذ الشهيد (رحمه اللّه) معه في جملة من المؤاخذات على الدولة بالقدر الذي كانت الظروف تسمح بالكلام معه فيها، و كان يعتبر هذا في تلك الظروف موقفا جريئا من الأستاذ (قدّس سرّه). و قد حضر المجلس ثلّة من طلّاب السيّد الشهيد و أصحابه، و كنت أنا أحد الحضّار. و لكن بما أنّ طول الزمان أنساني أكثر مضامين ما دار في تلك الجلسة أكتب هنا ما كتبه أبو محمد (الشيخ عبد الحليم) حفظه اللَّه، و لم يكن وقتئذ حاضرا في المجلس و لكنّ الأستاذ الشهيد (رحمه اللّه) قصّ له القصّة. قال الشيخ عبد الحليم: «تحدث السيد الشهيد أمامي عن طبيعة الحديث الذي دار بينه و بين (زيد حيدر) و بحضور الحبوبي قال (رحمه اللّه): دخلت الغرفة و كان فيها (زيد حيدر) و بعد دقائق دخل الحبوبي الغرفة فسلم عليّ و ابتسم و كأنّه كان مستحيا لأنّه كان يصلّي في الغرفة الثانية و يتظاهر بالخجل من تأخيرها إلى ذلك الوقت عصرا. و بدأت‏

____________

[1] كان عبد الرزاق الحبوبي وقتئذ محافظ كربلاء أو قائم قام النجف.

54

الحديث مع زيد بحضور الحبوبي و شرحت دور الحوزة العلميّة و العلماء في تحريك الأمّة و في تربية الأمة، فعلماء الدين الشيعة يختلفون عن علماء المسيحيّة مثلا، حيث إنّ الأمّة مرتبطة بالعالم الشيعي، و بدأت بسرد الأحداث التاريخيّة التي تدلّ على دور العلماء فثورة العشرين اختلط فيها دم العالم مع دم العامل و الفلّاح مع دم الأمّة و الشعب حيث قاد العلماء الثورة. و السيّد شرف الدين (رحمه اللّه) قاوم الاستعمار الفرنسي في لبنان، و بعد ذلك تعرّض إلى حرق مكتبته و كتبه المخطوطة و غيرها، و كانت عصارة جهده و عصارة حياته و أعزّ شي‏ء عنده (و كذلك على ما أتذكر انه ذكر قصة التنباك) ثم عرجت على دور الحوزة العلميّة في الوقت الحاضر، و ذكرت له إنّ كثيرا من أبناء الشعب يراجعونني حول جواز أو حرمة التأخر عن الدوام الرسميّ، فإذا أفتيت لهم بالجواز أو الحرمة فإنّه يؤثّر على الدولة، و كذلك يسألني الكثير من المقلّدين حول مسألة جواز سرقة أموال الدولة، فإذا أفتيت بالجواز فسوف يؤثّر على الدولة و ...

ثم بيّنت أنّ الدولة حاليّا لا تتعاون مع العلماء حتّى في المسائل الشرعيّة فإنّ مذبحا كبيرا في بغداد غير موجّه على القبلة، و ما ذا يضرّ الدولة إذا كان المذبح على القبلة، بينما إذا كان الذبح غير شرعي فسوف لن تشترى كثير من اللحوم.

يقول الشهيد و في هذا المقطع من الحديث التفت الحبوبي قائلا إنّي أتعجّب أن يكون الذبح هنا غير شرعي علما بأنّي عند ما أسافر إلى الخارج أحاول الحصول على لحم مذبوح على الطريقة الإسلاميّة فكيف يكون ذبح العراق غير شرعي؟ و بعد ذلك تحدّثت عن محاولة الدولة شقّ طريق يقتضي بموجبه أو اقتضى تهديم مقام الحسين بن روح أحد نواب الإمام المهدي (ع) و للشيعة ارتباط تاريخي في هذا المكان و الآن بعض أجزاء مقامه محلات و دكاكين.

هذا مضمون ما أتذكر و اللَّه العالم» انتهى ما كتبه الشيخ عبد الحليم حفظه اللَّه مع تغيير يسير في العبارة.

و من جملة ما قاله الأستاذ الشهيد في حديثه مع زيد حيدر: إنّ الدولة لو أرادت أن تعرف آراء الشعب و نظرياته يجب أن يراجع العلماء فإنهم هم معدن أسرار الأمة و محط ثقتهم و هم لسان الأمة.

55

و في نهاية المجلس خاطب الحبوبي زيد حيدر و قال له: انظر إلى هذا الرجل (يشير الى السيد الشهيد الصدر) كيف يتكلم بكلام لطيف فلنجعله عالما للبعثيين. و هنا ضحك الحضّار فقال لهم الحبوبي لما ذا تضحكون؟ فقال الأستاذ الشهيد (رحمه اللّه): أنا عالم المسلمين و لست عالم البعثيين.

56

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

57

المقام العلمي الشامخ لأستاذنا الشهيد

تتميّز الأبحاث العلمية لأستاذنا الشهيد عن سائر الأبحاث العلميّة المألوفة بالدقة الفائقة و العمق الذي يقل نظيره من ناحية، و بالسعة و الشمول لكل جوانب المسألة المبحوث عنها من ناحية أخرى، حتى أن الباحث الجديد لها قلّ ما يحصل على منفذ للتوسيع أو التعميق الزائدين على ما أتى به الأستاذ.

إضافة إلى كل هذا، نرى من مميزات أستاذنا العلمية أن أبحاثه لم تقتصر على ما تعارفت عليه أبحاث العلماء في النجف الأشرف وقتئذ من الفقه و الأصول، بل شملت سائر المرافق الفكرية الإسلامية كالفلسفة و الاقتصاد و المنطق و الأخلاق و التفسير و التاريخ، و في كل مجال من هذه المجالات ترى بحثه مشتملا على نفس الامتيازين الملحوظين في أبحاثه الأصولية و الفقهية من العمق و الشمول.

ففي علم الأصول‏

نستطيع أن نعتبر المرحلة الّتي وصل إليها مستوى البحث الأصولي على يد الأستاذ، عصرا رابعا من أعصر العلم و تطوراته التي مرّ بها علم الأصول على حدّ مصطلحات أستاذنا في كتاب (المعالم الجديدة للأصول) حيث قسّم- (رضوان اللّه عليه)- الأعصر التي مرّ بها علم الأصول من المراحل الّتي بلغ التمايز النّوعي فيما بينها إلى ما ينبغي جعله حدا فاصلا بين عصرين، قسّمها إلى ثلاثة أعصر:

58

الأول- ما أسماه بالعصر التّمهيدي قال: (و هو عصر البذور الأساسيّة لعلم الأصول و يبدأ هذا العصر بابن أبي عقيل و ابن الجنيد، و ينتهي بظهور الشيخ الطوسي (رحمه اللّه).

و الثاني- ما أسماه بعصر العلم قال: (و هو العصر الذي اختمرت فيه تلك البذور و أثمرت، و تحددت معالم الفكر الأصولي و انعكست على مجالات البحث الفقهي في نطاق واسع. و رائد هذا العصر هو الشيخ الطوسي، و من رجالاته الكبار ابن إدريس و المحقق الحلي و الشهيد الأوّل و غيرهم من النوابغ).

و الثّالث- ما أسماه بعصر الكمال العلمي قال: (و هو العصر الّذي افتتحته في تاريخ العلم المدرسة الجديدة التي ظهرت في أواخر القرن الثاني عشر على يد الأستاذ الوحيد البهبهاني، و بدأت تبني للعلم عصره الثالث بما قدمته من جهود متضافرة في الميدانين الأصولي و الفقهي).

ثم قسّم- (رضوان اللّه عليه)- العصر الثالث من عصور علم الأصول إلى ثلاث مراحل بإمكانك أن تراجع تفصيل ذلك في المعالم الجديدة، قال- (قدّس سرّه)-: (و لا يمنع تقسيمنا هذا لتاريخ العلم إلى عصور ثلاثة إمكانية تقسيم العصر الواحد من هذه العصور إلى مراحل من النمو، و لكلّ مرحلة رائدها و موجّهها، و على هذا الأساس نعتبر الشيخ الأنصاري- (قدّس سرّه)- المتوفّى سنة (1281 ه- ق) رائدا لأرقى مرحلة من مراحل العصر الثالث و هي المرحلة التي يتمثل فيها الفكر العلمي منذ أكثر من مائة سنة حتى اليوم).

و طبعا، بيّن- (رحمه اللّه)- كل هذا بعد توضيح أنّ بذرة التفكير الأصولي وجدت لدى فقهاء أصحاب الأئمة (عليهم السلام) منذ أيام الصّادقين (عليهما السلام).

و أقول: لئن كان الفارق الكيفي بين بعض المراحل و بعض حينما يعتبر طفرة و امتيازا نوعيا في هوية البحث يجعلنا نصطلح على ذلك بالأعصر المختلفة للعلم فحقا إنّ علم الأصول قد مرّ على يد أستاذنا الشهيد بعصر جديد، فلو أضفناه إلى الأعصر التي قسم إليها فترات العلم في المعالم الجديدة لكان هذا عصرا رابعا هو

59

عصر ذروة الكمال، ترى فيه من الأبحاث القيّمة و الجواهر الثّمينة و الدّرر المضيئة ما يبهر العقول، و هي تشتمل على مباحث فريدة في نوعها، و فيها ما تكون- تارة- جديدة على الفكر الأصولي تماما، أي: أنها لم تبحث من قبل، و أخرى تكون مغيّرة لما اختاره الأصحاب في أبحاثهم السابقة ببرهان قاطع و أسلوب فائق، و ثالثة تكون معدّلة لنفس ما اختاره الأصحاب و مصلحة له ببيان لم يسبق له نظير.

فمن القسم الأوّل: ما جاء به من البحث الرائع لسيرة العقلاء و سيرة المتشرعة فقد تكرّر لدى أصحابنا المتأخرين (رضوان اللّه عليهم) التمسك بالسيرة لإثبات حكم ما و لكن لم يسبق أحد أستاذنا- (رحمه اللّه)- فيما أعلم في بحثه للسيرة و إبراز أسس كشفها، و القوانين الّتي تتحكم فيها، و النكات التي ينبني الاستدلال بها على أساسها، بأسلوب بديع و منهج رفيع و بيان متين.

و من هذا القسم- أيضا- بحثه القيّم عمّا أسماه بنظريّة التعويض، و هو و إن كان أقرب إلى فنّ البحوث الرّجالية منه إلى الأصول، و لكنه قد بحثه بالمناسبة ضمن مباحث حجية خبر الواحد و وضّح فيه كيف أننا نعوّض- أحيانا- المقطع السندي المشتمل على الضعف البارز في سند الحديث بمقطع آخر غير بارز لدى الناظر بالنظرة الأوّليّة، و هذا الأمر و إن وجدت بذوره لدى من تقدّم على الأستاذ- (رحمه اللّه)- و لكن لم أر أحدا قبله يتعرض لهذه الفكرة على مستوى البحث العلمي و يدقّق في أسس هذا التعويض و أقسامه.

و من القسم الثاني: بحثه البديع في حجية القطع الذي أثبت فيه أن رأس الخيط في البحث إنما هو مولوية المولى و حدودها، و انحدر من هذا المبدإ الى الآثار التي تترتب على ذلك، و انتهى إلى إبطال ما بنى عليه المحقّقون جيلا بعد جيل من قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و آمن بمنجزية الاحتمال، و أن البراءة التي نؤمن بها هي البراءة الشرعية اما البراءة العقلية فلا.

و من هذا القبيل إبطاله لحكومة الأصول بعضها على بعض حينما تكون متوافقة في النتيجة، كحكومة استصحاب الطهارة على قاعدة الطهارة، أو الأصل السّببي على الأصل المسبّبي الموافق له، و كذلك إبطاله لحكومة الأمارة

60

على الأصل لدى توافقها في النتيجة.

و منه- أيضا- إبطاله لما اشتهر من جريان أصالة الطهارة في ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة على تفصيل يأتي في محلّه إنشاء اللّه.

و منه أيضا بحثه البديع في الوضع و إبرازه لنظرية القرن الأكيد.

و من القسم الثالث بحثه الرائع عن حقيقة المعاني الحرفية، حيث يوافق فيه على أصل ما اختاره المحققون المتأخرون من كون المعاني الحرفية هي المعاني النسبية و المغايرة هوية للمعاني الاسمية، و لكن مع إدخال تعديل و إصلاح جوهريّين على ما أفاده الأصحاب- (رضوان اللّه عليهم)-.

و من هذا القبيل بحثه الّذي لم يسبق له نظير عن الجمع بين الأحكام الظّاهرية و الواقعية، حيث اختار نفس ما أثبته المحققون من إمكانية الجمع بينهما و عدم التنافي و التعارض فيما بينهما، و لكن مع التعديل الجوهري لطريقة الاستدلال و كيفية الجمع.

و قبل أن أترك هذه النقطة لا يفوتني أن أشير إلى أنّ من أبحاثه البديعة أيضا أبحاثه عن الترتب و عن التزاحم و عن قاعدة لا ضرر الّتي تعارف البحث عنها في الأصول رغم أنها قاعدة فقهية.

و هو- (رضوان اللّه عليه)- إضافة إلى ما لديه من تحقيقات جديدة و مطالب فريدة في نوعها في علم الأصول من أوّله إلى آخره، كانت له محاولتان جديدتان في أسلوب عرض علم الأصول على الحوزة العلمية و تربية الطلاب عليها:

الاولى- التغيير في ترتيب مباحث الأصول و تبويبها و التقديم و التأخير فيما بينها و طريقة تقسيم الأبحاث و هذا ما انعكس عملا في كتبه الموسومة ب (دروس في علم الأصول) و فيما كتبه تلميذه السّيّد محمود الهاشمي تقريرا لبحث الأستاذ و هو الكتاب المسمى ب (تعارض الأدلّة الشرعيّة)، و ذلك إيمانا منه (رحمه اللّه) بأن الترتيب الذي تعارف لدى السابقين لمباحث علم الأصول ليس ترتيبا فنّيا قائما على أساس نكات طبيعيّة لتقديم و تأخير الأبحاث فانتهج هو- (رحمه اللّه)- منهجا جديدا في ترتيب علم الأصول راعى فيه نكات فنيّة للتقديم و التأخير.

61

و الثّانية- صياغة علم الأصول فيما يسمّى بالسطح العالي في حلقات مترتبة وفق المراحل التي ينبغي أن يمرّ بها الطالب، حيث كان يعتقد- (رضوان اللّه عليه)- بأنّ ما درجت عليه الحوزات العلميّة من دراسة عدّة من الكتب الأصوليّة كتمهيد للوصول إلى ما يسمى ببحث الخارج و إن كان صحيحا و لكن ما تعارفوا عليه من انتخاب كتب متعددة تمثّل مراحل مختلفة من العصور الماضية لعلم الأصول ليس على ما ينبغي، و الطريقة الفضلى هي أن يصاغ آخر التّطورات العلمية ضمن مراحل متدرجة لتنمية الطالب و تعليمه، كما هو الأسلوب المتعارف في المناهج الحديثة لسائر العلوم، و هذا ما جسّده- (رضوان اللّه عليه)- في كتبه المسماة ب (دروس في علم الأصول) المنهجة على ثلاث مراحل تحت عنوان الحلقات.

و في علم الفقه:

ترى إبداعاته- (رضوان اللّه عليه)- لا تقل عن إبداعاته في علم الأصول، و قد طبع من أبحاثه الفقهية أربعة مجلدات باسم «بحوث في شرح العروة الوثقى» فيها من التحقيقات الرشيقة التي لم يسبقه بها أحد ما لا يحصى، و أشير هنا كمثال إلى بحثين من أبحاثه التي ينبهر بها الفقيه الألمعي.

أحدهما: بحثه الرائع في تحقيق نكات قاعدة الطّهارة الوارد في المجلد الثاني من البحوث المشتمل على عمق و شمول لا تراهما في أبحاث أخرى عن تلك القاعدة.

و الثاني: بحثه القيّم في مسألة اعتصام ماء البئر عن كيفية التخلّص عن الروايات الدالّة على الانفعال، و هو وارد- أيضا- في المجلّد الثاني من البحوث، حيث ساق البحث بأسلوب فائق لم أره لدى باحثي المسألة قبله.

و لم يوفّق- (رضوان اللّه عليه)- لكتابة الكثير عن الفقه المستدل ما عدا المجلدات الأربعة في الطهارة، و ما درّسه من الفقه المستدل أكثر مما كتبه، كما و قد درّس قسما من أبحاث الخمس و غير ذلك.

و الّذي كان يصبو إليه- (رحمه اللّه)- هو تطوير بحث الفقه من عدة جوانب،

62

وفّق لبعضها بمقدار ما كتب أو درّس، و لم يوفق للبعض الآخر. و تلك الجوانب هي ما يلي:

1- تعميق دراسته بنحو لم يسبق له مثيل، و قد وفّق لذلك بمقدار ما كتب أو درّس.

2- تبديل النزعة الفردية و النظرة الموضعية إلى النزعة الاجتماعية و النظرة العالمية في البحوث التي تتطلب ذلك. و هاتان النظرتان أو النزعتان لهما الأثر البالغ في كيفية فهم القضايا الفقهية، فمثلا: أخبار التقيّة و الجهاد تفهم بإحدى النظرتين بشكل و بالنظرة الأخرى بشكل آخر، و أدلة حرمة الرّبا قد تفهم بإحدى النظرتين بشكل يمكن معه تحليل نتيجة الربا ببعض الحيل، و تفهم بالنظرة الأخرى بشكل آخر لا يؤدّي إلى هذه النتيجة. و ما إلى ذلك من الأمثلة الواسعة في الفقه.

3- توسيع أفق البحث الفقهي لشتّى أبواب الحياة بالشكل المنسجم مع متطلبات اليوم، و بأسلوب يتجلى به أن الفقه يعالج كل مناحي الحياة، و يواكب الوضع البشري الفردي و الاجتماعي حتى النهاية، و بشكل يتضح أن البحث الفقهي متحرك يواكب حركة الحياة. و قد شرع- (رحمه اللّه)- لتجسيد هذا الجانب في رسالته العملية المسماة بالفتاوى الواضحة، إلّا أنّ استشهاده قد حال بينه و بين إكمال الكتاب.

4- تطوير منهجة عرض المسائل و تبويبها بالشكل المنعكس في مقدّمة الفتاوى الواضحة.

5- و كان- (رحمه اللّه)- عازما على أن يبحث فقه المعاملات بشكل مقارن بين فقه الإسلام و الفقه الوضعي، كي يتجلّى أن الفقه الإسلامي هو الجدير بإدارة الحياة و إسعادها دون غيره، و قد حالت جريمة البعث الكبرى بينه و بين إتحافنا بهذا البحث القيّم.

و في الفلسفة:

ألّف الأستاذ الشهيد- (رحمه اللّه)- كتاب «فلسفتنا» الّذي قارع فيه‏