مباحث الأصول / تقريرات - ج2

- السيد كاظم الحسيني الحائري المزيد...
731 /
11

الأمارات الظنّيّة

1- المقدمة 2- الظهور 3- الإجماع 4- خبر الواحد الثقة 5- الظن (مقدمات الانسداد)

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ الحمد للّه ربّ العالمين، و أفضل الصلوات على أفضل النبيّين (محمّد) و على آله الطّيبين الطاهرين.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

الأمارات الظنّيّة المقدّمة 1- حجّيّة الظن ذاتا و عدمها 2- استحالة جعل الحجّيّة للظنّ و عدمها 3- مقتضى الأصل عند الشك في الحجّيّة 4- بحث السيرة

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

المقدّمة

بحث المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) قبل شروعه في بيان الأمارات الظنّيّة التي ثبتت حجّيّتها أمورا ثلاثة:

1- حجيّة الظنّ ذاتا و عدمها.

2- استحالة جعل الظن حجّة و عدمها.

3- ما هو مقتضى الأصل عند الشك في الحجّيّة.

و الأوّلان بحثان ثبوتيّان و الأخير بحث إثباتي.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

حجّيّة الظنّ ذاتا و عدمها

أمّا الأمر الأوّل: فقد أفاد المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه): أنّ الظنّ ليس حجّة بالذات لكونه مشوبا بالشك و عدم تماميّة الوصول. و الشي‏ء ما لم يتمّ وصوله إلى العبد لا يتنجّز عليه. هذا في مرحلة ثبوت التكليف، و كذلك الأمر في مرحلة سقوطه، فإنّه إذا صار الاشتغال يقينيّا استدعى ذلك البراءة اليقينيّة و لا يمكن الاكتفاء في البراءة بغير العلم.

أقول: أمّا مسألة لزوم تحصيل العلم في جانب البراءة فسيأتي بحثها- إن شاء اللّه- في مبحث البراءة و الاشتغال، حيث نبحث هناك: أنّه متى يتنجّز التكليف بمرتبة وجوب الموافقة القطعيّة؟. فإذا تنجّز التكليف بهذه المرتبة لم يبق إشكال في عدم جواز الاكتفاء بالامتثال الظنّي أو الاحتمالي، إذ هو خلف.

و أمّا مسألة لزوم العلم في تنجّز التكليف و عدم حجّيّة الظنّ ذاتا الّذي هو محل الكلام. فما أفاده (قدّس سرّه) فيها مبتن على الفكرة المشهورة في باب حجّيّة القطع من أنّ القطع حجّة ذاتا لكونه عين الوصول، و أنّه مع عدمه تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و قد بنوا على هاتين القاعدتين‏

20

أعني قاعدة حجّيّة القطع ذاتا و قاعدة قبح العقاب بلا بيان تمام المباحث العقليّة في علم الأصول.

و قد مضى منّا أنّه لا أساس لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و أنّ قاعدة حجّيّة القطع ذاتا لا تتمّ إلّا على شكل الضروريّة بشرط المحمول، إذ ما لم تفرض مولويّة المولى في أحكامه المقطوعة لا معنى لحجّيّة القطع بأحكامه، كما لا يقول أحد بحجّيّة القطع بحكم زيد أو عمرو أو غيرهما من الناس من الذين لا مولويّة لهم علينا. و إذا فرضت مولويّة المولى في أحكامه المقطوعة فقد فرضت في الموضوع تماميّة التنجيز، فالقول بحجّيّة القطع ليس إلّا ضروريّة بشرط المحمول. و بهذا يظهر أنّ رأس الخيط في التفكير يجب أن يكون عبارة عن مولويّة المولى، و المفروض أنّ أصل مولويّة المولى مفروغ عنها قبل الشروع في علم الأصول، و يبقى هنا التفكير في مدى سعة دائرة هذه المولويّة و ضيقها.

فإن فرض اختصاص دائرتها بالأحكام المقطوعة لم يكن الظن أو الشك منجزا للحكم على العبد، لانتفاء المولويّة في موردهما. و إن فرضت سعة دائرة المولويّة لموارد الأحكام المظنونة و المشكوكة كان الظنّ و الشك أيضا حجّة على حدّ حجّيّة القطع. و بين الفرضين فروض متوسّطة كثيرة، فإذا فرض مثلا أنّ دائرة المولويّة تشمل الأحكام المقطوعة و المظنونة دون المشكوكة كان القطع و الظن حجّة دون الشك.

و التحقيق عندنا- كما مضى في بحث القطع و يأتي (إن شاء اللّه) في بحث البراءة العقليّة-: أنّ العقل العملي يحكم بثبوت المولويّة و حقّ الطاعة للّه تعالى في التكاليف المشكوكة بشرط احتمال اهتمام المولى بهذا التكليف إلى حد لا يرضى بفواته في حال الشك، فيكفي في تنجّز التكليف احتماله مع احتمال كونه على فرض وجوده مهمّا عند المولى إلى حد لا يرضى بفواته عند الشك.

21

و قد تحصّل أنّ بحثهم عن حجّيّة القطع و حجّيّة الظنّ ذاتا و عدمها لا أساس له أصلا.

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

استحالة جعل الحجّيّة للظن و عدمها

و أمّا الأمر الثاني: فتارة يستشكل في جعل حجّيّة الظن من باب منافاته لحكم العقل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان باعتبار أنّ حكم العقل لا يقبل التخصيص، و أخرى يستشكل فيه من باب منافاته للحكم الواقعي في مورده. فهنا مقامان:

منافاة الحجّيّة لقبح العقاب بلا بيان:

أمّا المقام الأوّل: فقد مضى البحث عنه مفصّلا فيما سبق و حاصله:

إنّه بناء على المبنى المختار لا موضوع لهذا الإشكال رأسا، إذ نحن نقول بثبوت حقّ المولويّة بمجرد احتمال التكليف مع احتمال اهتمام المولى به إلى حدّ لا يرضى بفواته في فرض الشكّ، و عدم ثبوت هذا الحقّ عند القطع بعدم اهتمام المولى به إلى هذا الحدّ. و شأن الأدلّة الملزمة هو إثبات اهتمام المولى فيدخل التكليف في موضوع حق المولويّة. و شأن الأدلّة المرخّصة إثبات عدم اهتمام المولى، فيخرج التكليف عن موضوع حق المولوية، و ليس هناك تخصيص لقاعدة عقليّة أصلا. يبقى هنا شي‏ء واحد و هو أنّه كيف يمكن فرض عدم اهتمام المولى بتكليفه في حال الشك‏

24

و رضاه بتركه رغم بقاء أصل التكليف في هذه الحال؟ و لكنّ هذا رجوع إلى بحث المقام الثاني من المنافاة للحكم الواقعي، و سنبحثه إن شاء اللّه.

هذا كله بناء على مبنانا من إنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

أمّا بناء على تسليم تلك القاعدة فيتجه الإشكال و لو صوريّا في خصوص الحكم الظاهري الإلزاميّ، أمّا الترخيص فهو مطابق للحكم العقلي.

و الصحيح في الجواب: أنّ القاعدة لو تمّت فإنّما تتمّ في ما لو شككنا في الحكم و شككنا أيضا في اهتمام المولى به على تقدير وجوده، فيكون لنا شك في شك. أمّا إذا علمنا باهتمام المولى به على تقدير ثبوته فالحكم على تقدير وجوده يكون منجّزا، و احتمال التكليف المنجّز منجّز.

و على هذا نقول: إنّ الحكم الظاهري الإلزاميّ- سواء كان بلسان جعل الطريقيّة، أو جعل المنجّزيّة أو بأيّ لسان آخر- يدلّ بالدلالة العرفيّة على اهتمام المولى بالحكم على تقدير وجوده، كدلالة الإنشاء الواقعي بالدلالة العرفيّة على ثبوت روح الحكم في نفس المولى فارتفع الإشكال.

أمّا ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه اللّه) في مقام حل الإشكال من أنّ الصحيح هو جعل العلم و الطريقيّة، و به يتمّ البيان و يرتفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و هذا بخلاف فرض كون مفاد الحكم الظاهري هو جعل المنجّزيّة، فإنّ تنجيز الحكم الّذي لم يتمّ بيانه ليس بيانا له، بل هو تخصيص لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فالتخلّص من الإشكال إنّما يكون بجعل البيان و العلم تعبّدا.

أقول: ما أفاده (رحمه اللّه) قد مضى فيما سبق مع دفع ما أورد عليه و تسجيل الإيراد الصحيح عليه.

و حاصل الإيراد الصحيح عليه هو: أنّه إن فرض رفع موضوع القاعدة بلسان جعل الطريقيّة من ناحية دلالته العرفيّة على اهتمام المولى بالحكم، فلا فرق في هذه الدلالة بين لسان جعل الطريقيّة و لسان جعل المنجّزيّة و غير

25

ذلك. و إن أنكرنا اختصاص القاعدة بفرض عدم العلم باهتمام المولى، فلا محيص- في مقام فرض تنجّز الحكم في بعض الأوقات بدون ثبوت العلم التكويني- عن دعوى توسعة ما في الغاية، بأن يكون الغاية عبارة عن الجامع بين العلم التكويني و شي‏ء آخر. و ليست دعوى التوسعة من ناحية جعل العلم الّذي ليس إلّا عبارة عن فرض العلم و اعتباره، بأولى من دعوى التوسعة من ناحية أخرى كجعل المنجزيّة و فرضها.

الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ‏

و امّا المقام الثّاني: فالإشكال في الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ تارة ينشأ من ناحية العقل النظريّ، و أخرى ينشأ من ناحية العقل العمليّ:

أمّا الأوّل، فبأحد بيانين:

الأوّل: لزوم اجتماع الضدّين أو المثلين، فلو كان الحكم الظاهري مطابقا للحكم الواقعي لزم اجتماع المثلين، و لو كان مغايرا له لزم اجتماع الضدّين. لتضادّ الأحكام من حيث المبادئ.

و الثاني: لزوم نقض الغرض و هو محال لاستحالة انفكاك المعلول عن علّته، فإنّ الغرض علّة غائيّة لما اشتمل عليه من فعل أو ترك، و الالتفات إليه يحرّك الفاعل نحو الفعل أو الترك، فإذا التفت المولى إلى غرضه الواقعي الّذي يفوت بجعل الحكم الظاهري و لم يتحرك نحو ترك هذا الجعل كان هذا يعني انفكاك المعلول عن علته.

و أمّا الثاني، فبيان أنّ الترخيص في مقابل الأحكام الواقعيّة تفويت للمصلحة على العبد و إضرار به لأدائه إلى فوات ملاكات الأحكام الواقعيّة الناشئة عن المصالح و المفاسد، و هذا قبيح لا يصدر من المولى الحكيم. نعم لا استحالة في صدوره من المولى غير الحكيم. و هذا بخلاف الوجهين الأوّلين غير المربوطين بالعقل العملي، فإنّ اجتماع المثلين أو الضدّين أو انفكاك‏

26

المعلول عن العلة محال حتى لو كان المولى غير حكيم.

هذا. و كأنّ الشيخ الأعظم (رحمه اللّه) شعر بأنّ من المناسب أن يذكر وجه لإمكان الحكم الظاهري في قبال ما فعل من ذكر وجه لاستحالته، فذكر (قدّس سرّه) ما يرجع إلى مقدمتين:

الأولى: إنّا لم نجد وجها للاستحالة لما سوف يأتي من دفع شبهة ابن قبة للاستحالة.

الثانية: إنّ العقلاء يبنون- في مورد عدم وجدان نكتة للاستحالة- على الإمكان و يرتّبون آثاره.

و أورد المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) على الشيخ وجوها ثلاثة، نذكرها على غير ترتيب الكفاية من حيث التقديم و التأخير.

الأوّل: إنّه لا ثمرة لهذا البحث إذ لو قام دليل قطعيّ على الحكم الظاهريّ كان هو دليلا على الإمكان، فإنّ الدليل على الوقوع الّذي هو أخصّ من الإمكان دليل لا محالة على الأعم و هو الإمكان. و لو لم يقم دليل قطعيّ على الحكم الظاهريّ فلا ثمرة لإثبات إمكانه.

و الثاني: إنّ كون بناء العقلاء على أصالة الإمكان عند الشك في ذلك و عدم وجدان ما يدلّ على الاستحالة ممنوع.

و الثالث: إنّه بعد تسليم ثبوت هذا البناء من العقلاء، فغاية ما يمكن افتراضه هي الظن بالإمضاء من قبل الشارع و حجّيّة الظن أوّل الكلام.

و هذا هو المقدار الموجود في عبارة الكفاية في هذا الإشكال.

و التقريب التّام له أن يقال: إنّه لو فرض القطع بإمضاء هذه السيرة فهو قطع بالحكم بأصالة الإمكان من قبل الشارع، و هذا بنفسه حكم ظاهريّ فهذا يعني القطع بإمكان الحكم الظاهري، و هو خلف فرض الشك في الإمكان و البناء على أصالة الإمكان. و إن فرض الظن بإمضائها فحجّيّة الظن أوّل الكلام.

27

و الوجه في هذا التتميم إنه مع قطع النّظر عنه يقال: لما ذا فرض في المقام الظن بالإمضاء؟ و أيّ فرق بين هذه السيرة و مثل السيرة القائمة على حجّيّة الظهورات التي سلّم المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) في محله إفادتها للقطع؟!.

فتتميم الإشكال يكون ببيان الفارق بأن يقال: إنّ إفادتها للقطع فيما نحن فيه خلف الفرض.

هذا. و جاء في الدراسات: إنّ إشكالات المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) إنّما ترد على الشيخ لو كان مراده دعوى أصالة الإمكان مطلقا، لكن من المحتمل أو المطمئنّ به أنّ مراده دعوى أصالة الإمكان عند ما تقوم أمارة ظنيّة معتبرة على الحكم الظاهريّ، كما إذا دلّ ظاهر كلام المولى على جعل حكم ظاهريّ، فإنّه لا إشكال- عندئذ- في أنّ العقلاء يأخذون بهذا الظاهر و لا يرفعون اليد عنه بمجرّد احتمال الاستحالة. و هذا كلام صحيح، فوزان ما نحن فيه وزان ما إذا قال المولى مثلا: (أكرم العلماء) و احتملنا عدم وجود الملاك في إكرام العالم الفاسق المساوق لاحتمال استحالة وجوب إكرامه.

و من الواضح أن العقلاء يأخذون بمدلول هذا الكلام حتى بالنسبة للعالم الفاسق و لا يعتنون باحتمال الاستحالة.

أقول: لعل هذا من سهو القلم، لأنّه لا يعقل جعل البحث في خصوص فرض قيام الأمارة الظنّيّة المعتبرة على الحكم الظاهري، إذ ننقل الكلام عندئذ إلى تلك الأمارة الظنّيّة و نقول: هل ثبتت حجّيّتها بالقطع أو الظنّ، و هكذا إلى أن يتسلسل أو ينتهي الأمر إلى القطع بالحجّيّة. و إذا قطعنا بالحجّيّة فقد قطعنا بتحقّق الحكم الظاهريّ.

و قياس ما نحن فيه بمثال الأمر بإكرام العلماء في غير محله إذ في هذا المثال إنّما فرض الشك في إمكان مدلول الدليل، لا في حجّيّة الدليل التي هي مدلول دليل آخر و المفروض الفراغ عن إمكانها و وقوعها و ثبوت المصلحة في جعل الظهور حجّة و طريقا إلى مقاصد المولى. بينما في ما نحن فيه‏

28

تكون نكتة الشك في إمكان مدلول الدليل سارية إلى حجّيّته التي هي مدلول دليل آخر، لأنّ حجّيّة هذا الدليل بنفسها حكم ظاهريّ شككنا في إمكانه.

أمّا التحقيق في المقام- بغضّ النّظر عمّا أفاده الأعلام- فهو أنّ بإمكاننا دعوى أصالة الإمكان بنحو تسليم عن جميع تلك الإشكالات.

أما إشكال اللغويّة، فبالإمكان علاجه في المقام سواء فرضنا عدم قيام دليل قطعيّ على الحكم الظاهريّ أو فرضنا قيامه عليه.

أمّا على الفرض الأوّل، فتظهر الثمرة فيما إذا كان عدم قطعيّة الدليل الدال على الحكم الظاهريّ من ناحية احتمال عدم الإمكان بحيث لو لا هذا الاحتمال لكان قطعيّا بالفعل، كما إذا كان الدليل عبارة عن السيرة العقلائيّة و عدم ردع الشارع، و كانت السيرة بمستوى نحتمل اكتفاء الشارع في مقام ارتداع الناس باحتمال عدم الإمكان عن التصريح بالردع، فإذا فرض عندئذ جريان أصل عقلائي يقتضي الإمكان بنحو يثبت اللوازم أيضا ثبت بهذا ذاك الحكم الظاهريّ تعبّدا، كما ثبت أصل الإمكان تعبّدا.

و أمّا الإشكال بأنّنا ننقل الكلام إلى نفس هذا التعبّد إذ هو حكم ظاهريّ و القطع به خلف الفرض و حجّيّة الظن به أوّل الكلام، فهذا راجع إلى الإشكال الثالث.

و أمّا على الفرض الثاني، فبيان الثمرة أنّه إذا افترضنا قيام دليل قطعيّ على الحكم الظاهريّ- على أن نقصد بالحكم الظاهريّ الحكم المختص بفرض الشك- فمرجع احتمال عدم إمكان الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ هو احتمال عدم إمكان بقاء الحكم الواقعيّ في حال الشك، فيتمسك في إثبات بقائه الّذي تترتب عليه ثمرات كعدم الإجزاء- على ما قيل في بحث الإجزاء- بإطلاق دليل الحكم الواقعيّ. و حجّيّة الإطلاق و إن كانت حكما ظاهريا لكنّا فرغنا عن إمكان الحكم الظاهريّ بمعنى‏

29

الحكم المختص بفرض الشك، و إنّما نحتمل استحالة مدلول هذا الإطلاق، فهذا يكون عينا من قبيل مثال الأمر بإكرام العلماء مع احتمال استحالة وجوب إكرام العالم الفاسق الّذي مضى أنّ بناء العقلاء فيه على ترتيب آثار الإمكان و الأخذ بظاهر كلام المولى، إذ الشك إنّما هو في إمكان مدلوله، و يكفي في الحجّيّة احتمال الصدق.

و أمّا الإشكالان الأخيران فلا محيص عنهما بناء على المبنى المتعارف في الأصول من أنّ حجّيّة غير القطع يجب أن تكون بجعل من الشارع.

و لكنّنا نقول: إنّ دائرة حقّ المولويّة أوسع من دائرة الأحكام الواصلة بطريق القطع، و تشمل الأحكام الواصلة بالطريق الّذي اتخذه المولى عادة له في مقام إيصال أحكامه. و لا إشكال في أنّ ظهور الكلام من هذا القبيل، فيكون الظهور حجّة لا بمعنى جعل الحجّيّة له كي يتكلّم في إمكان ذلك و استحالته، بل بمعنى أنّ من حقّ المولى امتثال ظاهر كلامه. و عندئذ إذا فرضت دلالة ظاهر كلام المولى على جعل طريق و حكم ظاهريّ، فلا إشكال في أنّ بناء العقلاء على ترتيب أثر إمكان ذلك الحكم الظاهريّ و الأخذ بظاهر كلام المولى، لأنّ الشك إنّما هو في إمكان مدلول ذلك الظاهر لا في حجّيّته، و يكون من قبيل مثال الأمر بإكرام العلماء مع احتمال استحالة وجوب إكرام العالم الفاسق [1] ..

____________

[1] و بهذا يندفع الإشكال الأوّل أيضا و هو إشكال عدم الثمرة.

و واقع الحال أنّنا بالنسبة لإمكان أصل الحكم الظاهري (بمعنى الحكم المختصّ بظرف الشك) في الجملة لسنا بحاجة إلى أصالة الإمكان، لأنّ الحكم الظاهريّ الأوّل في تسلسل الأحكام الظاهريّة و هو حجّيّة الظهور قطعيّ نأخذ به حتى على مبنى القوم من اختصاص الحجّيّة الذاتيّة بالقطع. و بعد ذلك يصبح دليل الأحكام الظاهريّة الأخرى و بقاء الحكم الواقعيّ في ظرف الشكّ حالهما حال مثال الأمر بإكرام العلماء. أي أنّ الشك يكون في المدلول لا في حجّيّة الدليل.

30

بقي الكلام في تحقيق الحال فيما مضت من وجوه استحالة الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ. و قد عرفت أنّها على قسمين إذ بعضها يرجع إلى الإشكال من ناحية العقل النظريّ، و بعضها يرجع إلى الإشكال من ناحية العقل العملي.

الإشكال من ناحية العقل النظريّ‏

أمّا القسم الأوّل، فقد عرفت أنّ له تقريبين: أحدهما: لزوم اجتماع الضدّين أو المثلين. و الثاني: لزوم نقض الغرض. و قد ذكر في مقام الجواب عن هذا القسم وجوه. و لا أقصد بذلك أنّهم أرادوا الجواب عن كلا الإشكالين، إذ لم يذكر كلا الإشكالين بهذا الشكل في كلام كلّ من تعرّض للإشكال و الجواب. و إنّما المقصود: أنّهم دفعوا إشكال استحالة الجمع بين الحكمين من وجهة العقل النظريّ و لو في الجملة بأحد وجوه:

الوجه الأوّل: منع كون الحكم الظاهريّ حكما تكليفيّا كي ينافى الحكم الواقعيّ، و إنّما هو عبارة عن جعل الطريقيّة، أو جعل المنجّزيّة، أو جعل الحجّيّة، أو غير ذلك. على اختلاف تعبيراتهم و تقريباتهم لذلك.

فذكر المحقّق النائيني (رحمه اللّه) جعل الطريقيّة [1]، و ذكر المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) جعل المنجّزيّة [2]، و نحن جعلنا الجميع جوابا واحدا باعتبار ما عرفته من الجامع بينها.

و الواقع إنّ هذا الوجه لا يدفع شيئا من الإشكالين.

أمّا إشكال نقض الغرض، فلأنّ الحكم الظاهريّ بأيّ لسان كان إن لم تترتب عليه صيرورة المكلّف في سعة من ناحية مخالفة الحكم الواقعيّ‏

____________

[1] في الأمارات أو فيها و في الأصول المحرزة أيضا بمعنى من المعاني.

[2] و استثنى في كفايته من هذا الجواب مثل أصالة الإباحة.

31

كان هذا خلفا، و كان الحكم الظاهريّ لغوا، و لم يكن منتجا للأثر المقصود و النتيجة المطلوبة من الأحكام الظاهريّة. و إن ترتبت عليه هذه السعة لزم نقض الغرض، لأنّ المكلّف يترك الواقع المطلوب اعتمادا على هذه السعة الثابتة له من قبل المولى.

و أمّا إشكال اجتماع الضدّين، فلأنّ الإشكال لم يكن متمركزا في نفس صياغة الحكمين التكليفين و كيفيّة الجعل و الاعتبار، كي يقال: إنّ الحكم الظاهريّ ليس حكما تكليفيّا و إنّما هو حكم وضعيّ و جعل للطريقيّة أو لغيرها من الأمور الاعتباريّة. و إنّما التضاد متمركز في مبادئ هذه الاعتبارات من المصالح و المفاسد و ما في نفس المولى من الحبّ و البغض، و لا تؤثّر في حساب ذلك صيغة الجعل و الاعتبار. فما أفادوه في المقام من بيان أقسام جعل الحكم الظاهريّ من جعل الطريقيّة و المنجّزيّة و الحجّيّة و غير ذلك غير مرتبط بالمقام أصلا، و إن أثّر ذلك في تصعيد مستوى علم الأصول على أساس ما ترتبت عليه من ثمار في مقامين:

أحدهما: في تقديم أحد الأدلّة على غيره في مقام التعارض و عدمه، إذ التعارض مربوط بباب اللّفظ و التعبير و تؤثّر فيه الصياغات. و يأتي الكلام في ذلك إن شاء الله.

و الثاني: فيما مضى من بحث قيام الأمارات مقام العلم و قد مضى تفصيله.

الوجه الثاني: إنّ مبادئ الحكمين ليست مرتكزة على مورد واحد حتّى تقع المنافاة. فمبادئ الحكم الواقعي ثابتة في المتعلّق، و مبادئ الحكم الظاهريّ ثابتة في نفس الحكم.

و يرد عليه: إنّ مبادئ الحكم الظاهري لو كانت ثابتة في نفس الحكم- بأن لم يكن وراء إيجاد الحكم غرض للمولى يحصل بالإتيان بمتعلّقه- لم يحكم العقل بلزوم اتباع هذا الحكم أصلا، و بتعبير آخر: قد مضى منّا أنّ‏

32

المحرّكيّة العرضيّة للحكم بواسطة حكم العقل متمّمة للمحركيّة الذاتيّة، و مع فرض عدم تعلّق غرض للمولى وراء إصدار الحكم بالإتيان بمتعلّقه ليست للحكم محركيّة ذاتيّة للعبد- بملاك حبّ العبد لإنجاز أغراض المولى- إذ المولى وصل إلى أغراضه بإيجاد الحكم و لا يريد شيئا آخر.

و إن شئت فقل: إنّ غاية ما يتصوّر في العبد من دافع الامتثال و حالة الطواعيّة و الخضوع للأوامر أن يكون العبد بمنزلة جوارح المولى، و كما أنّ جوارح المولى لا تتحرّك نحو المتعلّق إذا لم يكن غرض فيه كذلك حال العبد المطيع.

و لو أمكن الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ بهذا الوجه لأمكن الجمع بين حكمين واقعيين به أيضا حينما لا يتنجّز كلاهما كي ينتهي الأمر إلى التضادّ من حيث التنجّز. فلو ورد (أكرم العلماء) و ورد (لا تكرم الفساق) ففي مادّة الاجتماع إن لم يتنجّز كلاهما بحصول القطع بعلم زيد و بفسقه مثلا، أمكن الجمع بينهما بافتراض أنّ الملاك في أحدهما في المتعلّق و في الآخر في نفس الحكم.

هذا. و نحن لا ننكر أنّه كثيرا ما يكون ملاك الحكم في نفس الحكم دون متعلّقه، لكن لا بمعنى أن لا يكون هناك غرض للمولى وراء الحكم، بل بمعنى أنّ الإتيان بالمتعلّق بعنوانه الأوّليّ ليس مطلوبا، و إنّما المطلوب هو امتثال حكم المولى فيحكم المولى بالمتعلّق كي يمتثله العبد فتتحقّق هذه المصلحة خارجا. و لعلّ هذه المصلحة هي الملحوظة في جلّ العبادات أو كلّها.

الوجه الثالث: ما أفاده المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) في المقام- بغضّ النّظر عن الجواب الأوّل- و نحن نذكر هنا ما يستنبط عادة من عبارته مع تحقيق الحال في ذلك، تاركين الكلام عن محتملات مقصوده و تحقيق بعض عبائره و خصوصيّات كلامه.

33

فنقول: إنّ ما يفسّر به عادة كلامه هو أنّ للحكم مرتبة الإنشاء، و هي عبارة عن الحكم الّذي يكون مشتركا بين العالم و الجاهل. و مرتبة الفعليّة، و هي التي تكمن فيها مبادئ الحكم. فالمنافاة إنّما تقع بين الحكمين لو فرضا معا فعليّين بينما الحكم الفعلي بشأن المكلّف في موارد وجود الحكم الظاهريّ إنّما هو الحكم الظاهريّ، و أمّا الحكم الواقعيّ فهو إنشائيّ فلا منافاة بينهما.

و ليس الحكم الواقعي إنشائيّا صرفا كي يقال: إنّ لازم ذلك إذن هو عدم تنجّز الحكم الواقعيّ حتى بالعلم إذ لا قيمة للعلم بصرف الإنشاء و الاعتبار، بينما لا إشكال في تنجزه بالعلم، و إنّما المقصود بإنشائيّة الحكم الواقعيّ هو عدم فعليّته من ناحية الشك فقط، أي أنّ كل الأمور الدخيلة في فعليّة الحكم ثابتة عدا العلم بهذا الإنشاء، فالعلم به هو أحد الأمور الدخيلة في فعليّة الحكم و هو منتف حسب الفرض. فالحكم الواقعيّ فعليّ من غير ناحية الشك و يكون العلم به موضوعا للفعليّة الكاملة، فإذا علم به وجب عليه امتثاله، و إذا لم يعلم به جاء الحكم الظاهريّ و كان هو الفعليّ بشأنه، و لا ينافيه الحكم الواقعيّ لأنّه ليس فعليّا من جميع الجهات.

و أورد المحقّق النائيني (رحمه اللّه) على هذا الوجه بأنّ التفكيك بين مرتبة الإنشاء و الفعليّة في المقام غير معقول. فمرتبة الإنشاء عبارة عن مرتبة الجعل و الاعتبار الثابتة بمجرّد إصدار الحكم. كقوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. و مرتبة الفعليّة إنّما تتحقّق بتحقّق الموضوع و هو الاستطاعة في مثال الحجّ مثلا، و هذه هي فعليّة المجعول و المعتبر. و الخلاصة إنّ الحكم بنحو القضيّة الحقيقيّة ما لم يوجد موضوعه خارجا يكون في مرحلة الإنشاء و الجعل، فإذا انطبق خارجا على موضوعه صار فعليّا، و إذا وقع الشك في حكم من الأحكام، فإن فرض العلم و عدم الشك جزءا لموضوع هذا الحكم، إذن فهذا الإنسان الشاك خارج عن موضوع هذا الحكم و لا يوجد بشأنه حكم فعليّ و لا إنشائيّ. و إن فرض عدم‏

34

كون ذلك جزءا للموضوع إذن الحكم بشأنه فعليّ، فالتفكيك بين المرتبتين بلحاظ ما نحن بصدده أمر غير معقول.

و هذا الإيراد من المحقّق النّائيني (رحمه اللّه) على المحقّق الخراسانيّ (قدّس سرّه) خلط بين مصطلحات المحقّق الخراسانيّ و مصطلحات المحقّق النّائيني، و تحميل لمصطلحات المحقّق النائيني (رحمه اللّه) على عبارة المحقّق الخراسانيّ.

فليس مقصود المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) من مرتبتي الإنشاء و الفعليّة هما مرتبتا الجعل و المجعول بالمعنى المعروف عن المحقّق النائيني (رحمه اللّه) كي يرد عليه هذا الإشكال، بل مقصوده هو التفكيك بين مدلولين تصديقيّين للكلام.

توضيحه: إنّ لصيغة (افعل) مثلا دلالة تصوّريّة و هي دلالته على النسبة الطلبيّة مثلا بحسب عالم التصوّر، و دلالة تصديقيّة نهائيّة و هي دلالته على وجود مبادئ الحكم في النّفس، و دلالة تصديقيّة أخرى متوسطة بين الدلالتين، و هي على مذاق المشهور- و منهم المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه)- إيجاديّة، و بهذا يميّزون الإنشائيّات عن الإخبار، فصيغة (افعل) مثلا توجد الطلب في الخارج، و على مذاق آخر ليست إيجاديّة و إنّما هي دلالة على اعتبار نفسانيّ أوجده المولى في نفسه، و هو اعتبار الفعل في ذمّة المكلّف مثلا، و من وراء هذا ما مضى من المدلول التصديقيّ النهائيّ و هو المبادئ.

و هاتان الدلالتان التصديقيّتان قد تكونان تامّتين و قد توجد قرينة على انتفاء الدلالة التصديقيّة النهائيّة. و الحكم المشتمل على كلا المدلولين يصطلح عليه المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) بالحكم الفعليّ. و الحكم المنسلخ عن المدلول النهائيّ يصطلح عليه بالحكم الإنشائيّ. و مقتضى إطلاق دليل الحكم و إن كان هو ثبوت كلا المدلولين في ظرف الشك، لكنّ جعل الحكم الظاهريّ في ظرف الشك بعد فرض استحالة الجمع بينه و بين‏

35

حكم فعليّ آخر قرينة على عدم إرادة المدلول التصديقي النهائيّ [1]، لكن لا مطلقا كي يكون الحكم الواقعي إنشائيّا صرفا و لا يتنجّز بحصول العلم، بل بمقدار وجود الحكم الظاهريّ، إذ في الزائد على ذلك لا قرينة على عدم إرادة المدلول التصديقيّ النهائيّ، و الضرورة تتقدّر بقدرها. كما أنه إنّما يرفع اليد عن المدلول التصديقيّ النهائيّ و هو ثبوت مبادئ الحكم في نفس المولى بمقدار الإلزام دون أصل الرجحان لعدم منافاته مع الحكم الظاهريّ، فأصل الرجحان ثابت و من هنا يتمّ حسن الاحتياط في ظرف الشك. هذا.

و الحكم الإنشائيّ هو المشترك بين العالم و الجاهل و الّذي به ترتفع مشكلة التصويب.

و أورد المحقّق العراقي (قدّس سرّه) على المحقّق الخراسانيّ أنّ لازم ما ذكره عدم تكفّل الخطابات الواقعيّة إلّا لذاك الحكم الإنشائيّ دون المدلول التصديقيّ النهائيّ مطلقا، أي حتّى في ظرف العلم، و ذلك لأنّ الحكم الفعليّ و هو المدلول التصديقيّ النهائيّ مشروط بالعلم- على الفرض- و العلم الدخيل فيه هو العلم بالخطاب لا العلم بنفسه، إذ العلم بشي‏ء يستحيل أن يكون موضوعا لنفس ذلك الشي‏ء، فيكون المدلول التصديقيّ في طول العلم بالخطاب الّذي هو في طول الخطاب، فيستحيل دلالة الخطاب عليه، إذ لا تعقل دلالته على ما في طوله.

و الجواب: إنّ الخطاب بعد فرض التقييد بالحكم الظاهريّ يدلّ على فعليّة الحكم على تقدير العلم بالخطاب. أي يدلّ على قضيّة شرطيّة و هي‏

____________

[1] يشبه حلّ المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) للإشكال- أو يرجع إليه- الحلّ الّذي كان يتبنّاه أستاذنا المرحوم آية اللَّه الشاهرودي (رحمه اللّه) من التفصيل بين الجانب الوضعيّ للتكليف و هو انشغال الذمّة و الجانب التكليفيّ له و هو المطالبة بالأداء، فالأوّل هو المشترك بين العالم و الجاهل، و الثاني هو المختص بالعالم. و كان يعبّر (رحمه اللّه) أحيانا بأنّ الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهريّ- يعني التكليفين- مستحيل.

36

إنه لو علم المكلّف بالخطاب لأصبح الحكم بشأنه فعليّا، فإذا تحقّق الشرط تحقّق الجزاء، و هذا غير افتراض دلالة الخطاب ابتداء على فعليّة الجزاء كي يرد عليه: أن الجزاء في طول العلم بالخطاب فكيف يدلّ عليه الخطاب؟! فهذا خلط بين دلالة الخطاب على الفعليّة التنجيزيّة و دلالته على الفعليّة على تقدير، فإذا علمنا نحن بتحقّق التقدير علمنا بتحقّق الفعليّة.

و قد اتضح أنّ الإشكالين اللذين أوردا على المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) غير واردين عليه.

نعم الكلام في أنّ ما أفاده المحقّق الخراسانيّ هل هو دفع للإشكال أو التزام به؟ [1] و يختلف ذلك باختلاف الاعتقاد بمقدار بطلان التصويب و اشتراك الحكم بين العالم و الجاهل الّذي هو أساس الإشكال في الحكم الظاهري.

فإن قلنا بأنّ المقدار المسلّم اشتراكه بين العالم و الجاهل إنّما هو هذا الحكم الإنشائيّ الّذي هو اعتبار نفساني أو إيجاد للطلب مثلا، فلا يبقى إشكال في الحكم الظاهريّ [2]. و إن قلنا بأنّ المشترك بينهما هو لبّ الحكم و هو المدلول التصديقي النهائيّ، فكلام المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) التزام بالإشكال و إنكار لوجود هذا القدر المشترك، و ليس دفعا للإشكال.

____________

[1] و على تقدير أن يكون دفعا للإشكال و صحيحا. فهو و إن كان في نفسه جوابا صحيحا و يكفي لإبطال شبهة الاستحالة، و لكن بما أنّه يشتمل على رفع اليد عن ظهور الخطاب في الفعليّة لا ينبغي أن يصار إليه ما أمكن حلّ الإشكال مع التحفظ على الظهور، كما سترى إن شاء الله.

[2] لو كان دليلنا على بطلان التصويب هو الاستحالة العقليّة كان حلّ المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) كافيا لعلاج مشكلة التصويب، كيف لا و يكفي للعلاج ما هو أقلّ من فرض الاشتراك في ذاك الاعتبار النفسانيّ أو الأمر الإيجادي، إذ يكفي في رفع استحالة توقف الشي‏ء على العلم به أخذ العلم بالجعل في متعلّق المجعول بالمصطلح الميرزائي، على تحقيق مضى في بحث القطع. و لو كان دليلنا على بطلانه الإجماع فالإجماع إن كان فهو على لبّ الحكم و واقعه لا على الاشتراك في صيغة جوفاء.

37

هذا بغضّ النّظر عن أنّ هذا الاعتبار النفسانيّ أو الأمر الّذي يوجد بالإنشاء غير ثابت في باب الأحكام على الإطلاق، إذ لو بيّن الحكم بغير الإنشاء لم يتحقّق ذلك. أمّا بناء على كون ذلك عبارة عن أمر يوجد بالإنشاء كما هو مبنى المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه). فواضح لفرض عدم الإنشاء. و أمّا بناء على كونه اعتبارا نفسانيا فلأنّ ثبوته لغو صرف، لأنّا لا نحتمل وجود ملاك في نفسه، و في باب الإنشاء كان يوجد هذا الاعتبار تحفّظا على الجهة اللغويّة، إذ المفروض أنّ الإنشاء موضوع لإبراز ذلك. أمّا مع انتفاء الإنشاء فلا وجه لإيجاد هذا الاعتبار أصلا [1].

الوجه الرابع: ما نسب إلى المحقّق العراقي (رحمه اللّه) و هو التبعيض في مبادئ الحكم. توضيحه: إنه كما أن الشي‏ء المركّب من أجزاء قد تتبعّض فيه مبادئ الحكم من الملاك و الإرادة، فيكون الملاك و الإرادة متعلّقين به من جهة الجزء الأوّل مثلا، أو قل: إنّ الملاك و الإرادة متعلّقان بالجزء الأوّل لا بكلّ المركّب، كذلك يمكن افتراض جهات عديدة للوجود بعدد مقدّماته و تبعّض المبادئ بلحاظها، فقد تتعلّق إرادة المولى بذاك الوجود بقدر المقدّمة الفلانية دون سائر المقدّمات، فمن مقدّمات حصول واجب ما من العبد إبراز المولى طلبه لذلك بالخطاب الواقعي، و منها إيصال الحكم إلى العبد بجعل الاحتياط أو غيره، فلذاك الواجب جهتان من الوجود باعتبار هاتين المقدّمتين، فمن الممكن أن تتعلّق إرادة المولى بخصوص الجهة الأولى من جهتي وجوده، و هذا إنّما يستدعي إبراز المولى طلبه بالخطاب الواقعي‏

____________

[1] لا نكتة لوضع الإنشاء لإبراز ذاك الاعتبار دون إبراز مبادئ الحكم رأسا إلّا افتراض أن هذا طبع عقلائيّ و أسلوب يعتمدونه لتنظيم أحكامهم و صياغتها في صيغة عقلائيّة. و لو صحّ هذا الكلام فالإخبار عن الحكم سيكون إخبارا عن هذا الاعتبار. نعم لو كان دليلنا على افتراض إنشاء شي‏ء وراء الحبّ و البغض كون الإنشاء إيجادا و لا يمكن إيجاد الحبّ و البغض بالإنشاء، فهذا الدليل لا يرد في الاخبار. فهذا الإشكال وارد على المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) مبنائيا.

38

و قد فعل، أمّا إيصال ذلك إلى العبد فالمفروض عدم تعلّق إرادة المولى بجهة وجود الواجب من ناحيته، فلا محذور في عدم تصدّي المولى لإيجاد هذه المقدّمة بل تصدّيه لخلافها و جعل أصالة البراءة مثلا.

أقول: إنّ تعدّد الجهات يتصوّر في طرف الوجود بلحاظ الأجزاء لانبساط وجوده على الأجزاء، و لكن لا يتصوّر بلحاظ المقدّمات إلّا في طرف العدم دون طرف الوجود، لأنّ الشي‏ء لا تتعدّد جهة وجوده بتعدّد مقدّماته و أجزاء علّته، و إنّما التعدّد ثابت في ناحية العدم، فإنّه يشترط في وجود الشي‏ء وجود مجموع أجزاء علّته، و لكن يكفي في عدمه عدم واحد منها، فعدم أيّ جزء من أجزاء العلّة باب من أبواب عدم المعلول.

فلكي يرجع هذا الوجه إلى وجه معقول نسبيّا ينبغي أن يكون المراد منه: افتراض أنّ إرادة المولى تعلقت بسدّ باب عدم الشي‏ء من ناحية خاصة دون سدّ باقي أبواب عدمه، فأحد أبواب عدم الواجب كان هو عدم إبراز المولى لإرادته بالخطاب الواقعي و قد سدّه، أمّا الباب الآخر و هو عدم إيصال الحكم إلى العبد بجعل الاحتياط مثلا فلم يسده، لعدم تعلّق إرادته بسدّ كلّ الأبواب، بل تعلّقت إرادته بما ينافي سدّ هذا الباب و يبقيه مفتوحا على مصراعيه بجعل أصالة البراءة مثلا.

فلو ارجع هذا الوجه إلى البيان الّذي بيّناه فجوابه الفنّي أن يقال: إنّه إذا فرض تعلّق إرادة المولى بسدّ باب عدم صلاة الجمعة مثلا من ناحية عدم إبرازه لإرادتها فقد فرضت في المرتبة السابقة على إرادة سدّ باب العدم إرادة أخرى متعلّقة بوجود الصلاة، فيقع الكلام في هذه الإرادة المتعلّقة بوجود الصلاة فإن أرجعت هذه الإرادة أيضا إلى إرادة سدّ باب عدم صلاة الجمعة من ناحية عدم إبراز إرادة الصلاة فقد فرضنا مرة أخرى في المرتبة السابقة إرادة متعلّقة بوجود الصلاة، و هكذا إلى أن يتسلسل أو نستقر على إرادة متعلّقة بوجود الصلاة و إذا استقررنا على إرادة متعلّقة بوجود الصلاة

39

وقعت المنافاة بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ بلحاظ هذه الإرادة [1].

نعم لو فرض سلخ ذاك الإبراز رأسا عن مبادئ الحكم من الملاك و الإرادة رجع هذا إلى الوجه الثالث، و ضمّ بقيّة الخصوصيات إليه من قبيل ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان.

الوجه الخامس: ما أفاده المحقّق العراقي (رحمه اللّه) في مقالاته و هو مبتن على القول بالطريقيّة، لا بمعنى جعل الطريقيّة الّذي يقول به المحقّق النائيني (رحمه اللّه) في قبال جعل المنجّزيّة مثلا، بل بمعنى كون مبادئ الأحكام الظاهريّة هي نفس مبادئ الأحكام الواقعيّة، و أنّها شرّعت للحفاظ على الأحكام الواقعيّة، في قبال السببيّة بمعنى كون قيام الأمارة مثلا محدثا لملاك آخر في مقابل ملاك الواقع. و فرض طريقيّة الحكم الظاهريّ بهذا المعنى يساوق فرض عدم الإشكال من ناحية تضادّ الحكمين، إذ التضادّ بينهما كان من ناحية المبدأين و المفروض عدم وجود مبدأ مستقل للحكم الظاهريّ في قبال مبادئ الواقع.

نعم يبقى إشكال نقض الغرض، حيث يؤدّي الحكم الظاهريّ أحيانا إلى ترك الواجب مثلا، بينما المفروض تعلّق الغرض اللّزوميّ للمولى به في الواقع، و هذا نقض للغرض. و قد تصدّى المحقّق العراقيّ (رحمه اللّه) لدفع هذا الإشكال بجواب يقوم على أساس مقدّمة:

و تلك المقدّمة هي: أنّ مقدّمات الواجب على قسمين:

____________

[1] بل حتّى لو تكلّمنا في مقدّمات أخرى غير إبراز إرادة العمل قلنا: إنّ سدّ أيّ باب من أبواب العدم المنفتح من جهة مقدّمة أو جزء علّة ليس إلّا مقدّمة من مقدّمات وجود المعلول لا عينه أو جزءه كما هو واضح، و معه يستحيل أن تكون إرادته عين إرادة المعلول أو جزؤها، فإنّ معروضي الإرادتين إذا تباينا فلا بدّ من تباين العارضين و هما الإرادتان، فإرادة سدّ باب من أبواب العدم بإيجاد المقدّمة أو جزء العلّة إنّما هي معلولة لإرادة المعلول و مترشّحة منها لا عينها، فالتنافي بلحاظ إرادة المعلول قائم على حاله.

40

القسم الأوّل: ما يكون مقدّمة لنفس الفعل بما هو بغضّ النّظر عن إرادة المولى، كطي المسافة الّذي هو مقدّمة للحجّ مثلا، بلا ربط لذلك بتعلّق إرادة المولى بالحجّ و عدمه.

و القسم الثاني: ما يكون مقدّمة للفعل في طول تعلّق إرادة المولى بالفعل، و هذه المقدّمة تارة تكون راجعة إلى المولى، كإبراز المولى إرادته بالخطاب، فهو مقدّمة لصدور الفعل من العبد، إذ به يتنجّز الحكم على العبد، و يتحرّك بذلك نحو الفعل. و ليس هذا الإبراز مقدّمة للفعل بما هو فعل، بل هو مقدّمة له في طول تعلّق إرادة المولى به، إذ إنّما يكون ذاك الإبراز مقدّمة بما هو كاشف عن الإرادة المولويّة، و الكاشف يكون في طول المنكشف. و أخرى تكون راجعة إلى العبد، كإرادة العبد للفعل، فإنّها من المقدّمات الّتي تكون في طول إرادة المولى، إذ هي الّتي توجب انقداح الداعي و الإرادة في نفس العبد. هذه هي المقدّمة.

و بعد ذلك نقول: إنّ إرادة الفعل إنّما تكون محرّكة نحو مقدّمات الفعل الّتي ليست في طول الإرادة، و لا تحرّك نحو المقدّمات الّتي هي في طولها، لاستحالة محرّكيّة الشي‏ء نحو ما يكون في طوله. و على هذا الأساس يقول المحقّق العراقي (رحمه اللّه): إنّه تستثنى في وجوب المقدّمة من تمام المقدّمات إرادة الفعل فهي لا تتّصف بالوجوب المقدّمي لكونها في طول إرادة المولى.

هذا بلحاظ المقدّمات الرّاجعة إلى العبد.

و كذلك الكلام بلحاظ ما يرجع إلى المولى، فإبراز المولى إرادته بالخطاب لا يعقل تحرّك المولى نحوه بنفس إرادة الفعل لكونه في طولها، و إنّما يكون تحرّكه نحوه بإرادة أخرى في عرض تلك الإرادة، و هذه الإرادة الثانية تختلف باختلاف شدّة ملاك الفعل و ضعفه، فقد يكون ملاك الفعل قويّا إلى حدّ تتعلّق إرادة المولى بسدّ كلّ أبواب العدم الراجعة إلى نفسه، فيبرز إرادته للفعل و يوصلها إلى العبد بأيّ نحو أمكن من الخطاب‏

41

الواقعي، و جعل وجوب الاحتياط، و عنوان صدّق العادل، و لا تنقض اليقين بالشك، و غير ذلك، و قد لا يكون الفعل بهذه الدرجة من الأهمية فلا تتعلّق إرادة المولى بإبراز إرادته للفعل إلّا بمقدار الإبراز الّذي يتحقّق بنفس الخطاب الواقعي مثلا، و أمّا إبرازها بمثل جعل وجوب الاحتياط كي لا يتفق في الخارج ترك المأمور به من ناحية عدم الوصول إلى العبد، فلم تتعلّق إرادة المولى به. بل قد تتعلّق إرادته بخلافه و لا تنافي بين هذه الإرادة و إرادة الفعل، و لا بينها و بين إرادة الإبراز. أمّا الأول: فلأنّ المفروض أن إرادة الفعل لا تحرّك نحو الإبراز كي تنافيها إرادة خلافه. و أمّا الثاني: فلأنّ المفروض ضيق دائرة إرادة المولى للإبراز، و عدم شمولها لمثل جعل الاحتياط فلا تنافي إرادة خلاف ذلك.

هذا ما يستفاد من مقالات المحقّق العراقي (رحمه اللّه) و يرد عليه:

أوّلا:- منع كون مقدّمة الفعل من طرف المولى- أعني إبراز المولى لإرادته- في طول الإرادة (و المقصود كون مقدّميّته في طول الإرادة)، فإن مقدّميته له تكون باعتبار كاشفيته، و دخل الكاشفيّة في ذلك يكون باعتبار كون الانكشاف موضوعا لحكم العقل بالتنجّز، و قد مرّ في بحث التجرّي أن ما هو الموضوع لحكم العقل بالتنجّز هو جامع الانكشاف لا خصوص الانكشاف المطابق للواقع، و جامع الانكشاف ليس في طول الواقع، فمقدّميّة هذا الإبراز ليست في طول الواقع و هو الإرادة الموجودة في نفس المولى، و هو ما يسمّى بالمنكشف بالعرض، و إنّما هو في طول المنكشف بالذّات، و هو عنوان إرادة المولى الموجود في نفس المنكشف له.

و ثانيا:- إنّا لو سلّمنا مثلا أن الإبراز مقدّمة للفعل بماله من الانكشاف المطابق للواقع. قلنا: وقع هنا خلط بين كون ذات المقدّمة في طول الإرادة و كون مقدّميتها في طولها.

بيان ذلك: أنّ ما هو في طول إرادة المولى إنّما هو وجود ذات إبراز

42

الإرادة. و أما مقدّمية هذا الإبراز للفعل- بمعنى توقّف الفعل عليه في لوح الواقع بحيث لا يوجد في الخارج الفعل لو لم يوجد الإبراز المطابق للواقع مثلا- فهي ثابتة سواء تحقّقت الإرادة من المولى أو لا، فما هو في طول إرادة المولى إنّما هو وجود الانكشاف لا مقدّمية الانكشاف، فحال هذه المقدّمة هي حال سائر مقدّمات الفعل الّتي تحرّك إرادة الفعل نحوها، و ذلك لأنّ نكتة المحرّكية نحو المقدّمة هي مقدّميتها لا وجودها. كيف لا؟! و وجود الشي‏ء إنّما يكون موجبا لانتهاء أمد التحرّك نحو إيجاده و انتفائه لا موجبا لوجوده [1].

____________

[1] و ثالثا- هب أنّ مقدّميّة شي‏ء كانت في طول إرادة المولى، فلما ذا يكون هذا سببا لعدم تحريك تلك الإرادة نحو تلك المقدّمة؟ علما بأنّ تحريك تلك الإرادة تكون بمعنى خلقها لإرادة ثانية تتعلّق بالمقدّمة، لا بمعنى تعلّقها هي بالمقدّمة كي يستحيل تعلّقها بما في طولها، فمثلا لو كانت إرادة المولى لكون العبد على السطح سببا لمقدّميّة وضع الدرج للكون على السطح، فلو لا إرادة المولى لذلك لكان العبد قادرا على الكون على السطح بلا حاجة إلى الدرج، و لكن إرادة المولى لكون العبد على السطح خلقت هذه المقدّميّة، أ فلا يشتاق المولى عندئذ إلى وضع الدرج، رغم علمه بأنّ مطلوبه قد توقف لأيّ سبب من الأسباب على وضعه؟! إلّا أنّ الّذي أفهمه من كلام المحقّق العراقي (رحمه اللّه) في مقالاته هو غير ما فهمه أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) من كلامه، فليس المفهوم من كلامه (رحمه اللّه) افتراض أنّ المقدّمة الّتي تكون مقدّميّتها في طول إرادة المولى لا تترشح إليها الإرادة، كما أنّه لم يذكر هنا شيئا عن عدم الوجوب المقدّمي لإرادة المكلف للفعل الواجب (على أنّ مقدّميتها ليست في طول إرادة المولى و إنّما هي ذاتها في طول إرادة المولى).

و إنّما الّذي أفهمه من كلامه (رحمه اللّه) هو أنّ الخطاب إنّما يدلّ على فعليّة الحكم و إرادة المولى له و لمقدّماته بقدر المقدّمات الّتي ليس وجودها في طول الخطاب، أمّا المقدّمة الّتي يكون وجودها في طول الخطاب، من قبيل وصول الخطاب إلى العبد و حصول العلم به للمكلّف، فالخطاب لا يدلّ على لزوم حفظها و حفظ متعلّق الحكم من ناحيتها. إذن: فالخطاب لا يدلّ على وجوب تحصيل العلم به على المكلّف في صورة ما إذا كان المكلّف قادرا على تحصيل العلم، فضلا عما لو لم يكن قادرا عليه، إذ حينئذ لا يكون للعبد محرّك في هذه المرتبة إلّا بإحداث خطاب آخر شامل لمرتبة الجهل بالخطاب الأول كالأمر بالاحتياط، و هذا غير لازم على المولى فله تفويت هذه المقدّمة و الاقتصار على أصل الخطاب الأوّل. و هذا الكلام راجع إلى ما يقرب من الوجه‏

43

..........

____________

الرابع الّذي مضى عن أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) أنّه نسب إلى المحقّق العراقي، من دون تأويله بما مضى عن أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) من مسألة التبعيض و تقطيع الإرادة على أبواب العدم، بل المقصود هو تبعيض فعليّة الحكم بلحاظ جهات الوجود. أمّا الإشكال عليه بأنّ الوجود لا تتعدّد جهاته بتعدد المقدّمات لعدم انبساط الوجود إلّا على الأجزاء فقد يقال: إنّه غير وارد على المحقّق العراقي، فإننا لو تكلمنا في مجموع المقدّمات الّتي تكون كلّ واحدة منها جزء علّة، و لا بد من اجتماعها كي يحصل ذو المقدّمة، و افتراضنا التبعيض في تعلّق الإرادة بتلك المقدّمات بمعنى تصدّي المولى لإيجاد بعضها دون بعض رغم عدم انتهاء ذلك إلى تحقّق ذي المقدّمة لفقدان بعض أجزاء علّته، لورد عليه هذا الإشكال، و لكن المقصود ليس هو هذا، و إنّما المقصود أنّ الخطاب مقدّمة لتحقّق الفعل قد تنتهي إلى الفعل لاقترانها صدفة بالمقدّمات الأخرى كالعلم به، و إرادة المولى للفعل- بقدر ما دلّ عليه الخطاب- لم تثبت بأكثر من أنّ يهتمّ المولى به بقدر إصدار الخطاب برجاء أن ينتهي صدفة إلى صدور الفعل أمّا تعلّقها به بمستوى يوجب تحريك المولى نحو إيجاب تحصيل العلم، أو إيجاب الاحتياط، أو ما شابه ذلك، فلم يدلّ عليه الخطاب كي ينافي الحكم الظاهري، و إن شئت فعبر عن ذلك بأنّ إرادة المولى للفعل كانت بمستوى يدعوه إلى سدّ بعض أبواب العدم لا جميعها.

و لعلّ الّذي جعل أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) يفسّر عبارة المحقّق العراقي (رحمه اللّه) بالتفسير الّذي مضى، هو ما جاء في عبارته من تحديد مقدار دلالة الخطاب بحفظ مرامه بمقدار استعداد خطابه و هو ليس إلّا حفظ المقصود بجميع مقدّماته المحفوظة في الرتبة السابقة عن خطابه، بلا شمول الخطاب بمضمونه للإرادة على حفظ مرامه من قبل المقدّمات المتأخّرة عن الخطاب و لو بمثل تطبيق العبد خطاب مولاه على المورد مقدّمة لحركته ... إلخ. بينما هذا النص لا ينظر إلى المقدّمات الّتي تكون مقدّميتها في طول الخطاب، و إنّما ينظر إلى المقدّمات الّتي تكون بذاتها وليدة للخطاب كالعلم بالخطاب. و لعلّ قوله: (و لو بمثل تطبيق العبد خطاب مولاه على المورد مقدّمة لحركته) هو الّذي فهم منه أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) استثناء إرادة الفعل من الوجوب المقدّمي، بينما الظاهر أن مقصوده بالتطبيق تحصيل العلم، كما يشهد له قوله بعد هذا النص مباشرة: «و حينئذ يخرج مثل هذه المقدّمات عن حيطة فعليّة الخطاب بمضمونه فلا بأس حينئذ من ترخيص المولى على تفويت مرامه و لو بترخيصه على ترك تطبيق خطابه على المورد بتحصيل علمه بخطابه، فضلا عن صورة عدم تمكّن العبد عن التطبيق». نعم من الصحيح أن تستثنى إرادة الفعل من الوجوب المقدّمي من باب أنّها غير اختياريّة، و أنّها تتولد في النّفس من إرادة المولى قهرا.

44

..........

____________

و على أيّ حال فيرد على كلام المحقّق العراقي (رحمه اللّه): أنّ تصدّي المولى لتحقيق المقدّمة الثانية بإيجاب الاحتياط- كما تصدّى لتحقيق المقدّمة الأولى مثلا- لو كان يستدعي منه صرف نشاط إضافي يتعبه مثلا. فقد يقال: إنّ إرادة المولى للفعل لم تكن بمستوى يحرّك المولى نحو تحقيق كلتا المقدّمتين، و إنّما كانت بمستوى يحرّك المولى نحو تحقيق المقدّمة الأولى برجاء حصول باقي المقدّمات صدفة. إذن: فعدم تصدّيه لتحقيق المقدّمة الثانية، لا ينافي تعلّق إرادته الإلزاميّة بذي المقدّمة، و لكن هذا لا يحلّ مشكلة المنافاة بين الترخيص في ترك الفعل عند الشك، و تعلّق الإرادة الإلزاميّة بالفعل، ففرق بين افتراض أنّ المولى رغم تعلّق إرادته الإلزاميّة بالفعل لا يوجب الاحتياط عند الشك فيبقى العبد و ما يحكم به عقله من البراءة العقليّة، فقد يترك الفعل اعتمادا على البراءة العقليّة، و قد لا يتركه لعدم إيمانه بالبراءة العقليّة أو لعدم رغبته في الاعتماد عملا على البراءة العقليّة و اقتراض أنّ المولى رغم تعلّق إرادته الإلزامية بالفعل يرخص في ترك الفعل عند الشك، ممّا قد يؤدي إلى ترك العبد للفعل حتى إذا لم يكن يؤمن بالبراءة العقليّة، أو لم يكن يرغب في الاعتماد عملا على البراءة العقليّة لكن لا مانع لديه من الاعتماد على ترخيص الشارع نفسه، فالإشكال هو أنّ هذا الترخيص نقض للغرض. هذا و جاء في ذيل عبارته (رحمه اللّه) التفكيك بين فعليّة الشوق و فعليّة الإرادة، فذكر ما يستفاد منه: أنّ المصلحة أوجبت الحبّ و الاشتياق، و لكنّها لم توجب فعليّة الإرادة في مرتبة الجهل بالخطاب ما دام المولى لم يوجب الاحتياط. و جعل هذا نكتة لإثبات أنّ الأصل في الأحكام الظاهريّة هو الطريقيّة لا السببيّة، إذ على السببيّة يلزم افتراض رفع اليد عن اقتضاء المصلحة للإرادة بجميع مبادئها حتى عن مقام الحبّ و الاشتياق، كي لا يلزم التضادّ بحسب المبادئ.

أقول: لا يتوهم أنّ افتراض التفكيك بين عالم الشوق و عالم الإرادة قد حلّ الإشكال، فإنّ الشوق إن كان أكيدا فهو الإرادة، و إن لم يكن أكيدا فهذا هو إشكال التصويب. و هذا هو معنى عدم الجمع بين الحكم الظاهري و الحكم الواقعي.

و الخلاصة: أنّ هذا الوجه لم يوضّح لنا كيف يكون الشوق الأكيد فعليّا بالنسبة للواجب، و في نفس الوقت يرخصّ المولى بالترك بمثل جعل البراءة، إلّا إذا فرض حقيقة أنّ لوجود الفعل عدة جهات بعدد المقدّمات، و أنّ إرادة المولى أو شوقه تعلّقت ببعض جهات الوجود لا جميعها، كما يتصور ذلك في باب الأجزاء. و هذا هو الّذي يرد عليه إشكال أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) من الفرق بين باب الأجزاء و باب المقدّمات، فتعدد الجهات و التبعيض في الإرادة إنّها يتصور في باب الأجزاء لانبساط الوجود عليها، أمّا من باب المقدّمات فلا ينبسط الوجود عليها، كي‏

45

الوجه السادس: هو الكلام الموروث من العلمين: الميرزا الشيرازي الكبير و الشيخ الأعظم- (قدّس سرّهما)- من أنّ الحكم الظاهريّ يكون في طول الحكم الواقعيّ، و هما في مرتبتين فلا تنافي بينهما [1].

____________

يعقل التبعيض بهذا الشكل.

و إن شئت قلت: إنّه ينبغي أن يكون كلام المحقّق العراقي (رحمه اللّه) ناظرا إمّا إلى تقطّع الإرادة المتعلّقة بالفعل بلحاظ تعدّد المقدّمات، أو إلى اختلاف درجات الإرادة الإلزاميّة، فبعضها يدعو المولى إلى إيجاد المقدمة الأولى مثلا فحسب، و بعضها يدعوه إلى إيجاد كلتا المقدّمتين، أو إلى تبعيض الإرادة بالاختلاف الحالات بمعنى عدم فعليّة الإرادة في مرتبة الجهل بالحكم.

و الأوّل يرد عليه: ما مضى عن أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) من عدم انبساط وجود الشي‏ء على مقدّماته، كي يتصور التقطيع و التبعيض في الإرادة.

و الثاني يرد عليه: أنّ هذا إن تمّ فإنّما يبرّر عدم حفظ المولى للمقدّمة الثانية، و لكن لا يبرّر تصدّيه للترخيص في الخلاف.

و الثالث يرد عليه: إنّ هذا هو عين العجز عن الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي.

لا يقال: أنّنا نختار الثاني و نقول: إنّا لبراءة الشرعية إخبار عن عدم جعل الاحتياط، لا ترخيص في الخلاف، و التأمين إنّما يتمّ بالبراءة العقليّة.

فإنّه يقال: إنّ نفاد البراءة الشرعيّة هو الترخيص في الخلاف، و لذا يتمسّك بها حتى لو لم نقل بالبراءة العقليّة، و لذا من رأي عدم جريان البراءة العقليّة في الأقل و الأكثر الارتباطيّين و رأى أنّ العلم الإجمالي الموجود فيه لا يمنع عن البراءة الشرعيّة أجرى البراءة الشرعيّة في ذلك. على أنّ دليل الترخيص قد يكون أمارة لا مجرد أصل البراءة، كي يتوهم رجوعه إلى الإخبار عن عدم جعل إيجاب الاحتياط.

[1] حلّ الإشكال بتعدّد الرتبة نسبه المشكيني- في تعليقته على الكفاية- إلى السيّد محمّد الأصفهاني (رحمه اللّه)، و نسبه المحقق النائيني (رحمه اللّه)- على ما في أجود التقريرات إلى العلّامة الشيرازي (رحمه اللّه).

أمّا الشيخ الأعظم (رحمه اللّه) فلم أر له هذا الكلام في رسائله. نعم ذكر في أوّل بحث البراءة الطوليّة و تعدّد الرتبة بين الحكم الواقعي و الظاهري لكن لا كجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري بل نكتة لتقديم الدليل الّذي يثبت الواقع على الأصل الّذي موضوعه الشك في الواقع.

46

و هذا الوجه قد فسّر بتفسيرين: أحدهما على يد المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) و الآخر على يد المحقّق النائيني (رحمه اللّه):

أمّا التفسير الأوّل:- فهو أنّ الحكم الظاهري يكون في طول الشك في الحكم الواقعي، إذ هو موضوع للحكم الظاهريّ، و الشك في الشي‏ء يكون في طول الشي‏ء، فيكون الحكم الظاهري متأخرا عن الحكم الواقعي برتبتين فلا تبقى منافاة بينهما.

و أجاب المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) عن ذلك بأنّ الحكم الظاهري و إن لم يكن يصعد إلى درجة الحكم الواقعي لكن الحكم الواقعي ينزل إلى درجة الحكم الظاهري، و يكون منحفظا معه فيجتمعان في مرتبة واحدة.

و هذا الجواب لا يرجع إلى محصل، إذ بعد فرض أنّه أخذ في موضوع الحكم الظاهري ما هو في طول الحكم الواقعي لا يعقل اجتماعهما في رتبة واحدة، بل دائما يوجدان في رتبتين طوليتين لا يصعد هذا إلى تلك المرتبة و لا ينزل ذاك إلى هذه المرتبة.

و الصحيح في الجواب عن هذا الوجه أمران:

الأوّل:- أنّ التأخّر الّذي يمكن توهّمه للشك في الشي‏ء عن نفس ذلك الشي‏ء هو التأخّر الطبيعي، و التحقيق عدم تأخّر الشّكّ في الشي‏ء عن ذلك الشي‏ء هو بالتأخّر الطبيعي، فإنّ ميزان التأخر الطبعي هو أن يكون الشي‏ء بحيث مهما انعدم ذاك انعدم هذا دون العكس، لا من باب كون الأول لازما للثاني، مثاله: تأخر الاثنين عن الواحد و تأخر المعلول عن جزء العلّة. و هذه النكتة كما ترى غير موجودة فيما نحن فيه، فإنّه قد يشك في الشي‏ء بدون أن يكون ذلك الشي‏ء موجودا [1].

____________

[1] نعم الشكّ في الشي‏ء لا ينفكّ عن المشكوك بالذات، و بالإمكان أن يقال بتأخّره‏

47

الثاني:- أنّا لو سلّمنا تعدّد الرتبة فهو لا يفيد شيئا في المقام، فإنّ مشكلة التضاد لا ترتفع بتعدّد الرتبة، و لذا لو أخذت الحرمة مثلا موضوعا للوجوب و جعل وجوب شي‏ء مشروطا بحرمته لم ترتفع مشكلة التضاد بين الوجوب و الحرمة، كما هو وضاح بالوجدان، كما أنّ مشكلة نقض الغرض لا ترتفع بذلك إذ لو كان في الفعل غرض لزومي و كان الحكم الظاهري المتأخر عن الحكم الواقعي عبارة عن الإباحة مثلا، فإن لم تترتب على هذه الإباحة التوسعة على المكلف بأن لا يكون له مانع شرعي عن الترك فهذا خلف المفروض في الحكم الظاهري و مستلزم للغويّة الحكم الظاهري. و إن ترتّب عليه ذلك كان هذا لا محالة نقضا للغرض، فإنّ تأثير ذلك في ترك العبد للواجب و تفويت الغرض المترتّب عليه غير مربوط بفرض اتحاد رتبة الحكم و تعدّدها.

و أمّا التفسير الثاني:- فهو ما ذكره المحقّق النائيني (قدّس سرّه) بعد نقله للتفسير الأوّل و إيراده عليه بما مضى عن المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) من الإيراد حيث أفاد: أنّ هذا الكلام قد أسي‏ء فهمه و ليس معناه ما ذكر.

و إنّما معناه شي‏ء آخر، فذكر (قدّس سرّه) كلاما يكون بحسب ما في التقرير معقّدا، و مشوّشا بتشويش كثير، و الّذي يتحصّل منه: أنّ الحكم الظاهري يكون في طول الحكم الواقعي بمعنى أنّ الحكم الواقعي هو الّذي يقتضي الحكم الظاهري و يكون سببا لوجوده، و بدونه لا يعقل تحقّق الحكم الظاهري. و على هذا فيستحيل كون الحكم الظاهري دافعا للحكم الواقعي و مانعا عنه و موجبا لانتفائه، إذ الشي‏ء لا يكون مانعا عمّا يتوقف عليه و إلّا لزم من وجوده عدمه.

____________

عن المشكوك بالذات تأخّر العارض عن معروضه، لكن لا ينبغي أن يوجب هذا توهّم تأخّر الشكّ عن المشكوك بالعرض الّذي هو المفيد في المقام.

48

هذا حاصل ما يستفاد من عبارة التقرير و إن لم يكن لها صورة فنيّة بهذا المقدار [1].

و يرد عليه: أنّه لا ثمرة في افتراض كون الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي و متوقفا عليه أصلا، إذ لو سلّم التضاد بين الحكمين بقطع النّظر عن هذا التوقف لم يكن رفع الإشكال بدعوى التوقف، إذ غاية ما يقتضيه التوقف هي أنّ الحكم الظاهري لا يصير مانعا عن الحكم الواقعي، لكن الحكم الواقعي يصير مانعا عن الحكم الظاهري. و بعبارة أخرى نقول: إنّ كون أحد الضدين موجبا لوجود الضد الآخر مستحيل، لاستلزامه اجتماع الضدين، فلا بدّ من دفع التضاد قبل دعوى التوقف‏

____________

[1] الّذي أستفيده من عبارة التقريرين هو أنّ المحقّق النائيني (رحمه اللّه) مؤمن بأنّ تعدّد الرتب يرفع مشكلة التنافي، و يورد على التفسير الأول لتعدّد الرتب في المقام- و هو كون الحكم الظاهري في طول الشك و الشك في طول الحكم الواقعي- بمنع الصغرى، لأنّ الحكم الواقعي موجود في رتبة الحكم الظاهري و إن لم يكن الحكم الظاهري موجودا في تمام رتب الحكم الواقعي. و حينئذ أصبح بصدد بيان تعدّد الرتب في المقام بمعنى آخر و هو أنّ الحكم الظاهري بيان للوظيفة تجاه الحكم الواقعي و الموقف من الحكم الواقعي، و هذا هو تفسير الطولية في المقام بينهما و هذا هو معنى قوله (رحمه اللّه) «إنّ الشك أخذ في موضوع الحكم الظاهري لا بما هو صفة من الصفات و حالة من حالات المكلف، بل بما هو موجب لتحيّر المكلف من حيث العمل».

و الحاصل أنّ البراءة و الاحتياط هما في مرتبة قبح العقاب بلا بيان، أي أنّهما يحقّقان تنجيز الحكم الواقعي أو التعذير عنه و ليسا في رتبة نفس الحكم الواقعي، إذن لا تنافي بينهما و بين الحكم الواقعي. هذا مضافا إلى ماله (رحمه اللّه) من بيان آخر لنفي التنافي بالنسبة لأصالة الاحتياط، و هو أنّها إن وافقت الواقع فهي عين الواقع، و إن خالفت الواقع فليست إلّا خيالا باطلا.

و يرد عليه: أنّ الطوليّة حتى بهذا المعنى لا علاقة لها برفع التنافي، و لا تستوجب عدم كون الحكم الظاهري نقضا للغرض، و عدم كون البراءة العقلية نقضا للغرض ناتج من أنّها ليست عملا للشارع حتى يقال: إنّ الشارع نقض غرضه، و إنّما هو حكم للعقل. و أما البراءة الشرعيّة فهي فعل الشارع، و لم نعرف حتى الآن كيف لا تكون نقضا للغرض، و لا علاقة للطولية بهذا المعنى بنفي كونها نقضا للغرض، كما أنّ كون أصالة الاحتياط عند المخالفة خيالا باطلا ممنوع.

49

و الطولية، و مع دفع التضاد في الرتبة السابقة على ذلك لا تبقى ثمرة لتسليم هذه الطولية أو عدمه.

المختار في المسألة:

بقي الكلام فيما هو المختار في دفع إشكال التنافي بين الحكمين بحسب العقل النظريّ. فنقول: تارة نتكلم بناء على طريقيّة الأحكام الظاهريّة، و أخرى بناء على سببيتها و كون الأمارة سببا لحدوث المصلحة، فهنا مقامان من الكلام:

المقام الأوّل: في دفع الإشكال بناء على طريقيّة الأحكام الظاهريّة، و معنى طريقيّتها أنّه ليست لها مبادئ وراء مبادئ الأحكام الواقعيّة، و يتّضح ذلك مشروحا من ثنايا الكلام. و يظهر ارتفاع الإشكال بذكر مقدمات ثلاث:

المقدّمة الأولى:- أنّ عدم تعين متعلّق الغرض لا يوجب توسعة دائرة الغرض، و إنّما يوجب توسعة دائرة المحركيّة بلا فرق في ذلك بين الغرض التكويني و التشريعي. مثلا لو تعلّق الغرض التكويني للشخص بإكرام العالم، و تردد العالم بين جماعة كلّهم جهلاء ما عدا واحد منهم، فهذا الشخص قد يكون مهتما بإكرام العالم إلى درجة تبعثه نحو إكرام كل هؤلاء حفاظا على إكرام العالم، و لكن هذا لا يعني توسعة دائرة غرضه، فغرضه لا زال متعلقا بإكرام العالم، أمّا إكرام الجاهل فلا غرض له فيه. و تردّد العالم بين جماعة لا يوجب سراية حبّه إلى إكرام باقي الأشخاص الذين هم في الواقع جهلاء و لا يحبّ إكرامهم لا حبّا نفسيا و لا حبّا مقدّميا، أمّا الأول فلأن ملاك الحبّ النفسيّ للإكرام عنده إنّما هو العلم و لم يسر العلم إلى الجهلاء حتى يحبّ إكرامهم. و أمّا الثاني فلأن إكرام الجاهل ليس مقدّمة لإكرام العالم. فإكرامه لتمام هؤلاء الجماعة ليس من باب توسعة الغرض،

50

و إنّما هو من باب محركيّة نفس ذلك الغرض إلى إكرام الجميع، فكما أنّ ذاك الغرض يحرّكه نحو إكرام من يقطع بعالميته و هذا التحريك يكون بواسطة القطع، كذلك يحرّكه- لشدّة اهتمامه به- نحو إكرام من يحتمل انطباق المعلوم بالإجمال عليه و هذا التحريك يكون بواسطة ذاك الاحتمال. هذا في مثال الغرض التكويني.

و قس عليه الغرض التشريعي فإن تعلّق غرض المولى بإكرام عبده للعالم، و تردّد العالم لدى العبد بين جماعة، فقد يأمره المولى- لشدّة اهتمامه بغرضه- بإكرام الجميع، و هذا لا يعني توسعة دائرة الغرض، بل يعني توسعة دائرة المحركيّة، و إنّما الفرق أنّ الغرض هنا تشريعي و هناك تكويني، فكان التحرّك هناك إلى إكرام الجميع مباشرة، و هنا إلى تشريع وجوب الاحتياط و الأمر بإكرام الجميع. و لتوهّم وقوع التوسعة في دائرة الغرض منشئان:

الأول:- توهم أنّ إكرام الجهلاء أصبح مقدّمة لإكرام العالم الّذي وقع بينهم. و لكن نقول كما مضى: إنّ إكرام الجاهل لم يصبح مقدّمة لإكرام العالم، و إنّما أصبح مقدّمة لحصول العلم بإكرام العالم.

و الثاني:- أنّ توسعة دائرة الغرض مقدّمة لوصول المولى إلى غرضه من إكرام العالم، إذ بذلك يجب على العبد إكرام كلّ الجماعة فيحصل ضمنا إكرام العالم، و لو لا ذلك لم يتنجّز على العبد شي‏ء فيترك الإكرام و بالتالي يخسر المولى غرضه.

و فيه: أنّ توسعة غرض المولى ليست اختياريّة للمولى حتى يوسّعها مقدّمة لحصول إكرام العالم، و إنّما الحبّ أمر قهريّ يحصل من ملاك و مصلحة يراها المحبّ في المتعلّق. و قد حققنا في ما مضى: أنّ حصول الحبّ بملاك و مصلحة يراها المحب في نفس الحبّ محال.

هذا مضافا إلى أنّ هذه التوسعة بلا موجب، فإنّه يكفي في تحرّك العبد

51

إبراز المولى شدّة اهتمامه بإكرام العالم بحيث لا يرضى بفواته حتى في هذه الحال، فتتحقّق بذلك المحركيّة العقليّة نحو إكرام الجميع.

و هذا هو الفرق في النتيجة بين القول بكون الحكم الظاهري من باب إبراز شدّة الاهتمام و ناشئا من نفس ملاكات الواقع، و القول بكون الحكم الظاهري ناشئا من ملاك في نفس الحكم، فإنّه على الثاني لا يوجب التحريك لما مضى من أنّ المحركيّة العرضيّة تابعة للمحركيّة الذاتيّة، و إذا كان الملاك في نفس الحكم فقد وصل المولى إلى غرضه بنفس الحكم، و لا يبقى شي‏ء يوجب التحرّك الذاتي للعبد المخلص نحو الامتثال، و فرض الإخلاص على العبد غير المخلص بالعقل العملي، و الإنذار بالنار، و التبشير بالجنّة، لا يزيد على الإخلاص الحقيقي، و إنّما هو مكمّل للإخلاص الحقيقي و متمّم لنقصانه، فإذا لم يكن الإخلاص الحقيقي في العبد المخلص حقيقة محركا نحو شي‏ء فلا يتحرك بفرض الإخلاص عليه و المحرّكيّة العرضيّة. بينما على الأول- أعني كون الحكم الظاهري مبرزا لاهتمام المولى بغرضه الواقعي- تكون المحركيّة الذاتيّة في العبد المخلص موجودة، إذ لو عرف العبد باهتمام المولى بغرضه حتى في ظرف الشك يتحرّك بإخلاصه نحو الاحتياط، فالمحركيّة العرضيّة أيضا موجودة للحكم الظاهري.

المقدّمة الثانية:- إنّ التزاحم على ثلاثة أقسام:

الأوّل:- تزاحم الملاكين في موضوع واحد، كما إذا كانت في فعل ما مصلحة و مفسدة فلا محالة يقع بينهما الكسر و الانكسار، و يكون الحب أو البغض الفعلي على طبق الأهم، و لا يبقى للآخر إلّا الحب أو البغض الشأني، أي لو لا ابتلائه بالمعارض لكان موجبا للحبّ أو البغض، فإنّ اجتماع الحبّ و البغض على شي‏ء واحد مستحيل، و هذا يسبّب تعارض دليلين يكشف كل منهما عن ملاك يزاحم ملاك الآخر في موضوعه. و هذا القسم من التزاحم لا يختص بالحكمين الإلزاميين فقد يجتمع في شي‏ء واحد

52

ملاك للحرمة، مثلا، مع ملاك للإباحة و يقع بينهما الكسر و الانكسار.

الثاني:- تزاحم مبادئ الحكم في موضوعين بلحاظ عالم الامتثال لضيق قدرة المكلف، كما في مثال إزالة النجاسة عن المسجد و الصلاة مع ضيق الوقت. و في هذا القسم أيضا يقدّم ما هو الأهم، لكن لا يوجب تقديمه سقوط مبدإ الحكم بالنسبة للآخر عن الفعليّة. و في هذا القسم لا يعقل التزاحم بين الحكم الإلزاميّ و الحكم الترخيصي، إذ لا امتثال للحكم الترخيصي.

و هذا القسم هو التزاحم المصطلح عند المحقّق النائيني (رحمه اللّه).

الثالث:- تزاحم الحكمين بلحاظ عالم المحرّكيّة، كما لو وجب إكرام العالم و حرم إكرام الجاهل، و تردد العالم و الجاهل بين مجموعة بعضهم عالم و بعضهم جاهل فيقع التزاحم بلحاظ الأفراد لا في التأثير في تحقّق الحبّ و البغض الفعليين، إذ هما على موضوعين لا على موضوع واحد، و لا بين المبادئ بلحاظ عالم الامتثال إذ المكلّف قادر على امتثال كليهما، بل يقع التزاحم في عالم المحركيّة. و هنا أيضا يقدّم الأهم فيجعل المولى الحكم الظاهري على طبق ما هو الأهم الّذي لا يرضى المولى بفواته حتى في هذه الحال. و تقديم الأهم في هذا القسم أيضا لا يوجب سقوط مبادئ الآخر عن الفعليّة، فإنّ تقديم أحد المتزاحمين إنّما يوجب سقوط الآخر عمّا تزاحما فيه و هي المحرّكيّة في المقام لا المبادئ.

المقدّمة الثالثة:- إنّ مبدأ الإباحة قد يقبل التزاحم بالمعنى الثالث بينه و بين مبدأ الأحكام الإلزامية، فإنّ الإباحة تارة تنشأ من عدم مبادئ الوجوب و الحرمة، و أخرى تنشأ من تعلّق المبادئ بمشي المكلّف حسب مقتضى طبعه بقطع النّظر عن الإيجاب و التحريم المولويين، و التزاحم بين مبادئ الإلزام و مبادئ الإباحة في القسم الأوّل غير معقول لعدم المزاحمة بين المقتضي و اللااقتضاء. و لكنه في القسم الثاني معقول كما لو اقتضى ملاك لوجوب إكرام العالم و ملاك آخر لجري المكلّف على مقتضى طبعه في إكرام‏

53

الجاهل، و وقع الاشتباه بينهما فيجعل المولى الحكم الظاهري وفق الأهم منهما الّذي يريد حفظه في هذه الحالة.

و إذا اتضحت هذه المقدّمات قلنا: إنّه لا إشكال في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري، لا بلحاظ التضاد، و لا بلحاظ نقض الغرض:

أمّا بلحاظ التضاد فتارة نفترض الحكم الظاهري إلزاميا و أخرى نفترضه ترخيصيا:

أمّا إذا افترضناه إلزاميا فلا تضاد بينه و بين الترخيص الواقعي أصلا، فإنّ الأحكام الظاهرية الإلزامية تكون عند احتمال الحكم الواقعي الإلزاميّ تحفظا على الأحكام الواقعية الإلزامية، بناء على ما هو المفروض من الطريقيّة. و قد عرفت في المقدّمة الأولى أنّ الغرض لا يتسع بعدم تعيّن مصبّه فلم يسر مبدأ الإلزام إلى موارد الترخيص الواقعي، كي يلزم التضاد بلحاظ المبادئ. كما عرفت في المقدّمة الثانية أنّ تقديم الأهم بحسب عالم المحركيّة لا يوجب زوال المهم، و إنّما يوجب زوال محركيّته. إذا: فتقديم جانب الإلزام بالحكم الظاهري لم يوجب زوال الترخيص الواقعي كي يلزم التصويب.

و أما إذا افترضناه ترخيصيا فالأمر أيضا كذلك. فإنّ هذا الحكم الترخيصي جاء للتحفظ على ملاك الإباحة الواقعية و أهميّته من ملاك الحكم الإلزاميّ فقدّم عليه بدون أن يلزم من ذلك زوال الحكم الواقعي، أو اجتماع الضدين. و هذا متصور في الحكم الترخيصي على ما عرفته في المقدّمة الثالثة من أنّ الترخيص لا يجب أن يكون دائما ناشئا من عدم ملاك للحكم الإلزاميّ، بل قد يكون ناشئا من ملاك في كون المكلّف في سعة من قبل مولويّة المولى و جاريا على ما يقتضيه طبعه بقطع النّظر عن إلزام المولى.

و أمّا بلحاظ نقض الغرض فأيضا يظهر اندفاع هذا الإشكال مما ذكرناه. إذ تبين ممّا مضى أنّ ما وقع من نقض الغرض إنّما هو نقض‏

54

الغرض للتحفظ على غرض أهم، و نقول: إنّ ما فيه المحذور إنّما هو نقض الغرض لا بملاك التزاحم، و أمّا نقض الغرض بملاك المزاحمة لغرض أهمّ فلا محذور فيه بل لا بدّ منه.

هذا و قد ظهر ممّا ذكرناه معنى ما كنّا نقوله: من أنّ الحكم تارة يكون بدرجة من الأهميّة في حال الشك بحيث لا يرضى المولى بفواته في هذه الحالة، و أخرى لا يكون بتلك الدرجة و يرضى بتركه في هذه الحالة، فمعناه أنّه تارة تكون مصلحة الحكم الإلزاميّ غير مزاحمة لمصلحة الحكم الترخيصي بحيث يرضى المولى بفواتها في سبيل درك مصلحة الحكم الترخيصي و أخرى تكون مزاحمة لها بهذا النحو [1].

____________

[1] لا يخفى أنّ افتراض أنّ الغرض و الحبّ و البغض لا تتسع بوقوع التردّد في المصداق قد يكون على ظاهره قابلا للمناقشة، توضيح ذلك: إنّ الحبّ و البغض الراجع إلى الأعيان لا إشكال في أنّها سريان من الصورة الكليّة إلى الصورة الجزئيّة بواسطة مراتب الانكشاف، فمن أحبّ كلّي الإنسان الكريم، مثلا، ثم اعتقد و لو خطاء أنّ زيدا إنسان كريم سرى حبّه إلى زيد، و هذا واضح لا غبار عليه. و إنّما الكلام في ما يتعلّق الحبّ و البغض بإيجاده و هو الفعل، فلو أنّ أحدا أحبّ إكرام الإنسان الكريم، و اعتقد أنّ زيدا كريم فهل يسري حبه إلى صورة إكرام زيد التي هي أضيق من صورة إكرام الكريم أو لا؟.

إنّ القول بعدم السريان يجب أن يرجع إلى إحدى دعويين:

الدعوى الأولى:- دعوى أنّ الحب لا يسري من الجامع إلى الحصص، فالحبّ إذا تعلّق بإكرام الإنسان الكريم لا يسري إلى إكرام هذا الكريم و إكرام ذاك الكريم.

و هذه الدعوى إضافة إلى أنّها خلاف الوجدان يمكن البرهنة على بطلانها، بأنّ نكتة حبّ صورة الجامع و هي فناء الصورة في ذي الصورة المشتمل على المصلحة بالمعنى المعقول من الفناء موجودة في الحصة أيضا، فهي أيضا فانية بالمعنى المعقول من الفناء في ذي الصورة المشتمل على المصلحة، فإنّ المصلحة إذا كانت في الجامع على شكل مطلق الوجود إذن: كل فرد من الأفراد يكون مشتملا على المصلحة. و إذا كانت في الجامع على شكل صرف الوجود، فكل فرد مشتمل على المصلحة على تقدير عدم باقي الأفراد، و هذا يؤدي إلى سريان الحبّ من الجامع إلى كل حصة على تقدير عدم باقي الحصص (و هذا القيد- أعني قيد على تقدير- قيد للمحبوب لا الحب و إن‏

55

..........

____________

شئت فعبّر عنه بحبّ القضيّة الشرطيّة) و قد مضى من أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) في بحث اجتماع الأمر و النهي الاعتراف بسريان الحبّ من الجامع إلى الحصة.

الدعوى الثانية:- دعوى أنّ الحبّ إنّما يسري من الجامع إلى واقع الحصة لا بواسطة مراتب الانكشاف. و هذه أيضا واضحة البطلان، بداهة أنّ من أحبّ إكرام الصديق ثم اعتقد في زيد خطاء أنّه عدوّه بينما كان في الواقع من أشدّ المحبّين له لا يحب إكرامه و لا تكون صورة- إكرام زيد- الّذي هو حصة من إكرام الصديق محبوبة له، و هذا يعني أنّ الملاك في حبّ الصورة إنّما هو مطابقة الصورة لذي الصورة و فناؤها بالمعنى المعقول من الفناء في رؤية المحبّ لا في الواقع، و البرهان على ذلك هو أنّ الفناء بالمعنى المعقول،- و هو النّظر إلى الشي‏ء بالحمل الأولي لا بالحمل الشائع- إنّما يتم بلحاظ رؤية المحبّ و نظره، أمّا الفناء الواقعي فلا معنى له أصلا.

هذا، و السريان بواسطة الانكشاف في الأعيان الخارجيّة كسريان حبّ كلّي الإنسان الكريم إلى زيد الّذي اعتقادنا كرمه لئن كان أكثر وجدانية من السريان في باب الأفعال، فلعل السر في ذلك أنّه في باب الأعيان لا يوجد إلّا الحبّ دون المحركيّة و لكن في باب الأفعال الحبّ سيستتبع التحريك فقد يتوهم أنّ حب الجامع إنّما ولد التحريك نحو الحصّة من دون سريان الحبّ إلى الحصة، و الحاصل أنّه قد يقع الاشتباه بين الحبّ و التحريك في باب الأفعال بينما لا مورد لهذا الاشتباه في باب الأعيان.

ثم إذا فرغنا عن بطلان كلتا الدعويين لم يبق مجال لتوهم عدم توسع دائرة الحبّ بسبب توسّع دائرة التردّد في المصداق إلّا بإحدى دعويين:

الدعوى الأولى:- أنّ يقال: إنّ الحبّ يسري من الجامع إلى الحصّة بواسطة الانكشاف، شريطة أن يكون الانكشاف مطابقا للواقع.

و هذا غير صحيح، لأنّ الفناء بالمعنى المعقول (و هو النّظر إليه بالحمل الأولى لا بالحمل الشائع) الّذي هو سرّ تعلّق الحبّ بالصورة متقوّم بذات الانكشاف، بغض النّظر عن مطابقته للواقع أو مخالفته له.

الدعوى الثانية:- أن يقال: إنّ الحبّ إنّما يسري من الجامع إلى الحصّة بواسطة الانكشاف التام، و هو العلم أمّا الاحتمال و التردّد فقد يوسّع من دائرة المحركيّة حينما توجد أهميّة قصوى للمحبوب و لكن لا يوسّع من دائرة الحبّ. و هذه الدعوى لا برهان على خلافها، و إنّما يمكن نفيها بالوجدان الحاكم بأنّ تلك الأهميّة توجب مباشرة توسيع دائرة الحبّ، و بسبب توسع دائرة الحبّ تتسع دائرة المحركيّة.

56

ثمّ إنّ ما ذكرناه إلى الآن كان مبنيّا على فرض أنّه لا يوجد عنصر دخيل في الحكم الواقعي- الّذي نبحث عن أنّه هل ينافي الحكم الظاهري أو لا؟- غير المبادئ، و التشريع، و الخطاب، و قد ظهر أنّ كل هذا لا ينافى الحكم الظاهري.

و لكن هناك عنصر آخر قد يدّعى دخله في الحكم، و هو عبارة عن كون الخطاب بداعي البعث و التحريك. و عندئذ قد يقال: إنّ هذا العنصر ينافى الحكم الظاهري لعدم إمكانيّة اجتماع داعي البعث و التحريك مع الترخيص في الخلاف، فإذا ثبت الترخيص في الخلاف فقد ثبت انتفاء داعي البعث و التحريك، و هذا يخالف فرض اشتراك العالم و الجاهل في الحكم بناء على أنّ ما ثبت بدليل الاشتراك ليس هو مجرد الاشتراك في المبادئ و الجعل و الخطاب فقط، بل ذلك كلّه مع داعي البعث و التحريك، فإذا لم يعقل بعث و تحريك من كان حكمه الظاهري الترخيص لزم من جعل الحكم الظاهري التصويب.

____________

إلّا أنّ هذه الملاحظة لو تمّت فهي لا تضرّ بصحّة الجمع الّذي اختاره أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) بين الحكم الظاهري و الواقعي، و ذلك لأنّ هذا الكلام إنّما يأتي في الأفعال المباشرة، و في الأحكام المولوية حينما تكون على شكل القضية الخارجية، و يكون أمر تشخيص المصداق بيد المولى، و المولى يأمر بالمصاديق وفق تشخيصه، أمّا الحكم المولوي الّذي يكون على شكل القضية الحقيقيّة، فهو يعني الحب و البغض القائمين على الجامع، أمّا ما يسري في نفس المولى إلى الصور الخاصة بسبب علمه بالانطباق أو تردّده في الانطباق فليس العبد مسئولا عنه، و لذا لو علم المولى خطأ بانطباق ما فيه الغرض على مصداق، و علم العبد بخطإ المولى فعلى العبد أن يعمل وفق علمه هو. و هذا بخلاف الحكم الّذي كان على شكل القضية الخارجية و أمر المولى فيه وفق تشخيصه فعلى العبد عندئذ أن يعمل وفق تشخيص المولى و إن علم خطأه. هذا و التردّد الّذي هو محل الكلام إنّما هو تردّد العبد و ليس تردّد المولى. و من الواضح أنّ تردّد العبد لا علاقة له باتساع دائرة حبّ المولى بلحاظ المصاديق، و إنّما له علاقة بإبراز المولى شدّة اهتمامه بغرضه إلى حدّ لا يرضى بفواته حتى في هذه الحالة، و هذا هو روح جعل الاحتياط.

57

و نحن نجيب على هذا الإشكال تارة على سبيل الإجمال و أخرى على سبيل التفصيل:

أمّا الجواب الإجمالي- فهو أنّ غاية ما يمكن تسليمه هي أنّ المقدار المشترك بين العالم و الجاهل إضافة إلى المبادئ و الجعل و الخطاب هو كون الإبراز بداعي البعث و التحريك، بمقدار ما يقتضيه نفس هذا الإبراز، أي بداعي سدّ باب عدم التحريك من ناحية عدم الإبراز، و هذا المقدار قد حصل لا محالة، لأنّ هذا الباب قد انسدّ بالإبراز و ليس الشي‏ء الواجب اشتراكه هو داعي البعث و التحريك الفعليين، و إلّا لكان الحكم الواقعي منافيا للوظيفة العقلية أيضا، إذ لا يعقل بعث من تمّت عنده البراءة العقلية.

و إن شئت فقل: إنّه يجب أن يكون المراد من الإشكال في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي أنّه يلزم من وجود الحكم الظاهري انتفاء شي‏ء من الحكم الواقعي مشترك بين العالم و الجاهل حتى في مورد البراءة العقلية، فيكون عدم لزوم الاشتراك في داعي البعث و التحريك الفعليين مفروغا عنه، لعدم ثبوته في فرض البراءة العقلية، و إنّما القدر المشترك هو داعي البعث بمقدار سدّ باب العدم من ناحية عدم الإبراز و هذا ثابت حتى مع البراءة الشرعيّة.

و أمّا الجواب التفصيليّ: فتوضيحه (بعد وضوح أنّه لا دليل مباشرة على اشتراك العالم و الجاهل في البعث بعنوانه): أنّ دعوى دخول داعي البعث و التحريك في القدر المشترك بين العالم و الجاهل يجب أن تنشأ من أحد أمور ثلاثة:

الأوّل: أن يقال: إنّ المفهوم من كلمة الحكم يشتمل على داعي البعث و التحريك، أي إنّه لا تصدق هذه الكلمة عرفا إلّا إذا أبرزت المبادئ الموجودة في نفس المولى بالخطاب بداعي البعث و التحريك، و هذا

58

بحث إثباتي تظهر ثمرته فيما إذا رتّب حكم على عنوان الحكم.

و تضمّ إلى هذه الدعوى دعوى أنّ معقد إجماع المخطئة على الاشتراك هو عنوان الحكم، فقالوا: إنّ الحكم مشترك بين العالم و الجاهل و إنّه لا تصويب في الحكم.

و بمجموع هاتين المقدّمتين يثبت أنّ داعي البعث و التحريك داخل في القدر المشترك بين العالم و الجاهل.

و يرد عليه: أولا: إنّ إجماع الإمامية على بطلان التصويب إنّما ثبت متصيّدا من ذوق العلماء و كلماتهم في الموارد و المسائل المختلفة، و ليست هناك عبارة معينة في معقد الإجماع نتمسك بظهورها.

و ثانيا: إنّنا نمنع دخل داعي البعث و التحريك في صدق عنوان الحكم عرفا بأزيد مما يقتضيه نفس الخطاب من البعث و التحريك، و هو سد باب العدم من ناحية عدم الخطاب، و هذا المقدار ثابت حتى مع وجود الحكم الظاهري، لأنّ المفروض أنّ الخطاب قد صدر و قد تمّ سدّ باب العدم من هذه الناحية.

و ثالثا: إنّنا لو سلّمنا أنّ معقد الإجماع هو الحكم، و سلّمنا كون الحكم ظاهرا في داعي البعث و التحريك الفعليين، قلنا: إنّ ظواهر معقد الإجماع ليست كظواهر الآيات و الأخبار فإنه يأتي في محلّه- إن شاء الله- أنّ ظهور معقد الإجماع ليس حجة، و ليس حاله حال ظهور الآيات و الأخبار [1].

الثاني: أن يقال: إنّ صيغة الحكم كقوله: (صلّ) ظاهرة في كونها بداعي البعث و التحريك، و هذا أيضا بحث إثباتي عرفي تظهر ثمرته في‏

____________

[1] أظن أنه (رحمه اللّه) عدل في محلّه عن هذا الرّأي حيث أنّه بعد فرض ثبوت الملازمة بين الإجماع و الحكم الشرعي بأي سبب من الأسباب يكون ظهور معقد الإجماع ظهورا لأحد المتلازمين، و بمقتضى حجّيّة مثبتات الأمارات يثبت الملازم الآخر و هو الحكم الشرعي على طبقه.

59

دلالة الخطاب على ثبوت الملاك بشأن غير القادر و عدمه. فإن دلّ الخطاب على داعي البعث و التحريك فقد يقال بعدم شموله للعاجز لعدم إمكانية بعثه فلا يدلّ على ثبوت الملاك بشأنه، فيكون مقتضى الأصل الأوّلي في الأحكام عدم ثبوت ملاكاتها بشأن العاجز و إن لم يدل على كونه بهذا الداعي شمل العاجز، و يكون الأصل الأولى في الأحكام ثبوت ملاكاتها بشأن العاجز و تترتّب على ثبوت الملاك بشأن العاجز آثار منها عدم جواز التعجيز.

و على أي حال فقد تدّعى في المقام دلالة الخطاب على البعث و التحريك و لذا يكون مختصا بالقادر، و تضم إلى هذه الدعوى دعوى إجماع الإمامية [1] على اشتراك ما هو المستفاد من الخطاب بين العالم و الجاهل.

إذن: فالبعث و التحريك يجب أن يكونا ثابتين بشأن الجاهل، و هذا لا ينسجم مع الترخيص الظاهري في الخلاف.

و الواقع: أنّه إن فرضت دعوى دلالة الخطاب على ذات البعث و التحريك فهذا غير معقول، فإنّ البعث و التحريك أثر للخطاب و في طوله و لا يعقل كشف الخطاب عنه. و أمّا دعوى دلالة الخطاب على داعي البعث و التحريك فقد تفترض أنّها دلالة عقليّة و أخرى تفترض أنّها دلالة عرفيّة:

أمّا الدلالة العقلية فمن المعلوم أنّ وجود الخطاب إنّما يدل عقلا على‏

____________

[1] و حتى لو لم نضم إليها دعوى الإجماع على الاشتراك أمكن القول بأن الخطابات الواقعية عادة لها إطلاق لفرض الجهل بحيث لا نستطيع أن نثبت بدليل الحكم الظاهري عدم الحكم الواقعي في مورده خاصّة في الشبهات الموضوعيّة التي لا يمكن نفي الحكم الواقعي فيها إلّا بنفي الموضوع، و لا يدل دليل الحكم الظاهري على عدم الموضوع، و عليه يقع التصادم بين الحكم الواقعي و الظاهري إلّا أن نفترض أنّنا نرفع يدنا بالنسبة لحالة الجهل عن ظهور الخطاب على تقدير وجوده في داعي البعث جمعا بينه و بين الحكم الظاهري.

60

وجود داعي المحركيّة بالمقدار الّذي يترتّب عليه من المحركيّة دون المقدار المترتب على غيره من المقدّمات، إذ صدور أي فعل من العاقل المختار إنّما يدلّ عقلا على وجود داعي أثره في نفس الفاعل دون داعي أثر آخر، و هذا يعني أنّ الخطاب إنّما دلّ عقلا على داعي سدّ باب عدم التحريك من قبله، و هذا المقدار ثابت حتى مع وجود الحكم الظاهري كما هو واضح.

و أمّا الدلالة العرفية: فالتحقيق أنّ الخطاب إنّما يدل عرفا على كونه بداعي المحركيّة الفعليّة على تقدير الوصول و لهذا يختص بالقادر، إذ لا تعقل المحركيّة الفعليّة بشأن غير القادر على تقدير الوصول، و لذا ترى أنّه لا يصح أن يقال: صلّ سواء قدرت أو لا [1]. و أمّا دلالته عرفا على أزيد من ذلك فممنوعة، و هذا المقدار ثابت حتى مع وجود الحكم الظاهري، إذ على تقدير الوصول ينتفي الحكم الظاهري و يكون الحكم الواقعي محرّكا بالفعل.

____________

[1] إن قلت: كذلك لا يصح أن يقال: صلّ سواء قامت الحجّة على عدم وجوب الصلاة أو لا.

فلئن دلّ عدم صحّة قولنا (صلّ سواء قدرت أو لا) على عدم إمكان اتجاه الحكم إلى العاجز، كذلك يدلّ عدم صحّة قولنا (صلّ سواء قامت الحجّة على عدم وجوب الصلاة أو لا) على عدم إمكان ثبوت الحكم الواقعي عند تحقّق الحكم الظاهري على نفيه.

قلت: ما نحسّه عرفا من عدم صحّة القول: (صلّ سواء قامت الحجّة على عدم وجوب الصلاة أو لا) إنّما هو من قبيل ما نحسّه عرفا من عدم صحّة القول: (صلّ سواء جرت البراءة العقليّة لنفي التنجيز أو لا)، أو (صلّ سواء قطعت بعدم وجوبها أو لا)، أو (صلّ سواء أتيت بالصلاة أو لا).

و كل هذا ليس من قبيل (صلّ سواء قدرت أو لا) و إنّما السرّ في عدم مقبوليّة التصريح بالتسوية في هذه الأمثلة إنّ التصريح بالتسوية بين فرضين في الحكم يفيد عرفا عدم التعرض لحال طرف التسوية من حيث الوجود و العدم، أي عدم اقتضاء الخطاب لهما وجودا أو عدما، بينما يكون من الواضح أنّ صلّ يقتضي وجود الإتيان بالصلاة و عدم تركها، و هذا هو السرّ في عدم صحّة قولنا:

(صلّ سواء أتيت بالصلاة أو لا)، و كذلك يقتضى الخطاب بمرتبة من الاقتضاء وصوله و عدم قيام الحجّة على خلافه، و هذا هو السرّ في عدم صحّة قولنا: (صلّ سواء جرت البراءة العقلية أو لا)، أو (صلّ سواء قطعت بعدم وجوبها أو لا)، أو (صلّ سواء قامت الحجّة على عدم وجوب الصلاة أو لا).