مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام‏ - ج1

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
760 /
3

الجزء الأول‏

مقدمه‏

نحمده على ما كان، و نستعينه من أمرنا على ما يكون، و نسأله المعافاة في الأديان كما نسأله المعافاة في الأبدان. و الصلاة و السلام على أفضل النبيّين و خاتم المرسلين محمّد، و على أهل بيته الطيّبين الطاهرين الّذين هم عي ش العلم و موت الجهل، و اللعن على أعدائهم الخائضين في بحر الأهواء و الفتن الّذين لاعن اللَّه يعقلون و لا في الدين يتفقّهون.

و بعد، يسرّنا أن نقدّم إلى روّاد العلم و طلبة الفضل أثراً قيّماً من عبقريّ قلّما يأتي الزمان بمثله و هو العالم الكامل سماحة آية اللَّه العظمى الحاجّ الشيخ مرتضى الحائري (قدس سره) كتبه في اصول الفقه الفنّ الدارج في الحوزات العلميّة منذ زمن بعيد إلى يومنا هذا، و قد امتاز هذا المجهود المنيف بإبداء الأفكار البديعة و نقد الآراء القديمة باستقلال الرأي و حرّيّة الفكر مجتنباً عن الإطناب المملّ و الإيجاز المخلّ.

و قد وفّق اللَّه تعالى سماحة الحجّة الحاجّ الشيخ محمّد حسين أمراللّهي اليزديّ- دامت تأييداته- بتصحيح و تدقيق هذا الأثر الغالي و تخريجه بهذا الثوب الفنّيّ الجميل.

و نحن نقدّم شكرنا الجزيل لسماحته كفاء ما بذل من الجهد الوفير في إنجاز هذا المشروع، سائلين اللَّه تعالى لُاستاذه الجليل الدرجة الرفيعة و المواهب السنيّة.

مؤسّسة النشر الإسلاميّ‏

التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المقدّسة

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

اصول فقه الشيعة و مدارسها

لا ريب أنّ علم اصول الفقه هو أحد العلوم الّتي تأسّست و نشأت و تكاملت في رحاب الثقافة الإسلاميّة، مع أنّ الحديث ما زال طويلًا حول الّذي كان أوّل مَن تناول هذا العلم و صنّف فيه، و من أيّ نحلةٍ كان؟ و إلى أيّ مدرسة من مدارس الفكر الإسلاميّ كان انتماؤه؟ كما أنّ الاختلاف ليس يسيراً في و جهات النظر المهتمّة بتعريف هذا العلم و موضوعه و غايته و مسائله و مبادئه التصوّريّة و التصديقيّة، لكن هذا الاختلاف يبدو طبيعيّاً لو نظرنا إلى أنّ علم اصول الفقه- كما هو الفقه نفسه- قد أمضى أشواطاً مختلفةً اضيف إليه في كلّ شوطٍ مباحث مستحدثة.

إنّ قراءةً لعلم الاصول في طريق مراحله من جانب و النظر إلى التعاريف المطروحة لهذا العلم في بُعدها التاريخيّ من جانب آخر يتّضح لنا أنّ تعريف اصول الفقه قد واجه تحوّلًا و تغيّراً في جميع أبعاده تبعاً لتغيّر مباحث هذا العلم.

اصطلاح اصول الفقه:

السؤال الأوّل الّذي يجب أنْ يُطرح قبل كلّ شي‏ء هو: ما معنى كلمة «اصول» الواردة في اصطلاح اصول الفقه؟ واضحٌ أنّ «اصول» جمع أصل، لكن للفظة «أصل» معانٍ متعدّدة، فأيّها المقصود هنا؟ هل هو بمعنى القاعدة؟ أم ذلك المعنى المصطلح في الاصول العمليّة؟ أم المراد معنىً آخر غيرهما؟

8

لقد ترجم علماء الغرب اصول الفقه ب «جُذور الفقه (1)»، فهل هذا الاستنباط صحيح؟ و إذا لم يكن كذلك فما معنى الاصول إذن؟

جواب هذا السؤال يتعلّق بتعريف اصول الفقه و بنحوٍ ما يرتبط بموضوعه، و بصورةٍ عامّة يمكن القول: إنّ هذا السؤال هو الوجه الآخر لسؤالنا عن تعريف اصول الفقه و ما هو موضوعه؟ و كما قلنا إنّ الجواب الحاسم و ردّ النظريّات المخالفة ليس بالأمر الهيّن و لا يستوفي الشروط المنطقيّة، و لا يكون صحيحاً من ناحية المنهج التحقيقيّ دون النظر إلى تاريخ نشأة هذا العلم و المراحل المختلفة الّتي طواها.

تشير القراءة في آثار الكتّاب الاولى لعلم اصول الفقه إلى أنّ الاصول في هذا الاصطلاح كانت بمعنى «الأدلّة» و لم يبتعد معناها ذلك الابتعاد حتّى في القرنين الرابع و الخامس الهجريّين (2).

و من المحتمل جدّاً أنْ يكون هذا المعنى قد لفت انتباه المحقّقين الأجانب الّذين نظروا إلى أحد فروع العلم الإسلاميّ من الخارج في ترجمتهم لكلمة «اصول» ب «جُذور»، هذا بالإضافة إلى اعتقادهم بأنّ البحوث الّتي تناولها علم الاصول هي على هيئة اصول مستخدمة في علم الفقه اتّخذت موقع المبادئ له؛ لكن لا يخفى أنّ علم اصول الفقه في مراحله الوسطى لم يُرد له هذا المعنى، فكيف بعصرنا الحاضر! و على الأساس يبقى الإشكال قائماً.

هاهنا نجد المحقّق الحلّيّ (المتوفّى سنة 677 ه) كبير فقهاء المرحلة الوسطى يحلّ الإشكال بأُسلوبٍ منطقيّ جدّاً، حينما بدأ كتابه المبارك «معارج الاصول» بعبارة: لمّا كان البحث في هذا الكتاب إنّما هو بحث في اصول الفقه لم يكن بدّ من معرفة هاتين اللفظتين، ف «الأصل» في الأصل: هو ما يبتني عليه الشي‏ء و يتفرّع عليه. «و الفقه»: هو المعرفة بقصد [المتكلّم‏]، و في عرف الفقهاء: هو جملة من العلم بأحكام شرعيّة عمليّة مستدلّ على-.

1.

Weiss; BG. USUL ALFIQH, the Encyclopdi of Religion, Ed M. Eliade, v. 51, p. 551,( 5991 )..

(2) للحصول على نماذج راجع: التذكرة باصول الفقه للشيخ المفيد: 27- 28، و المستصفى للغزّاليّ: 1/ 4- 5.

.

9

أعيانها. و نعني بالشرعيّة: ما استفيدت بنقل الشريعة لها عن حكم الأصل أو بإقرار الشريعة لها عليه. و «اصول الفقه» في الاصطلاح: هي طرق الفقه على الإجمال (1).

و عبارته (قدس سره) تحلّ الإشكال، لكونها حلقة وصلٍ بين الدورة الاولى و المتأخّرة؛ لأنّه كما لاحظنا أنّ معنى الأصل: «ما يبتني عليه الشي‏ء»، و الاصول عُني بها الامور الّتي يبتني عليها الفقه، و رغم أنّ هذا المعنى اتّخذ تفسيراً جديداً في موقع التوضيح في المراحل المختلفة لتطوّر علم اصول الفقه إلّا أنّه ظلّ قاسماً مشتركاً بين جميع التعاريف المطروحة لعلم الاصول على مرّ تلك المراحل.

ففي المرحلة الاولى أشرنا إلى أنّ علم الاصول كان يعرّف ب: معرفة الأدلّة (2)؛ لكنّه لم يعرّف في المرحلة اللاحقة بهذا التعريف، بل عبّروا عنه بمعرفة القواعد المُمهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة (3).

و على أيّة حال يمكن القول: إنّ تعبير المحقّق الحلّيّ للفظة «أصل» كان يتّفق بنحوٍ ما مع جميع التعاريف المطروحة، و متى قلنا: إنّ تعبيره ينطبق مع تعاريف المتأخّرين كان ذلك لا يخلو من تكلّف.

يبدو أنّ المراد من كلمة «اصول» في هذا المصطلح مع ما يطرحه المتأخّرون في تعريف علم الاصول لم يكن بمعنى الجذور أو الاصول العمليّة أو القواعد؛ بل أنّ اصول الفقه بمعنى طريق التفقّه. و ينطبق هذا المعنى مع تعريف المحقّق الحلّيّ لعلم‏

____________

[1] معارج الاصول للمحقّق الحلّيّ إعداد محمّد حسين الرضويّ: المقدّمة الاولى من الباب الأوّل. قم الطبعة الاولى 1403 ه.

(2) هكذا يقول الشريف المرتضى (المتوفّى 436 ه):

«اعلم أنّ الكلام في اصول الفقه إنّما هو على الحقيقة كلام في أدلّة الفقه، يدلّ عليه أنّا إذا تأمّلنا ما يسمّى بأنّه اصول الفقه وجدناه لا يخرج من أن يكون موصلًا إلى العلم أو متعلّقاً به و طريقاً إلى ما هذه صفته، و الاختبار يحقّق ذلك، و لا يلزم على ما ذكرناه أن تكون الأدلّة و الطرق إلى أحكام فروع الفقه الموجودة في كتب الفقهاء اصولًا للفقه؛ لأنّ الكلام في اصول الفقه إنّما هو كلام في كيفيّة دلالة ما يدلّ من هذه الاصول على الأحكام على طريق الجملة دون التفصيل. (الشريف المرتضى؛ الذريعة: ج 1 ص 7، تصحيح أبي القاسم الگرجيّ).

(3) راجع: قوانين الاصول للميرزا القمّيّ: ج 1 ص 5 طبعة تبريز الحجريّة.

10

الاصول الّذي عبّر عنه ب «طرق الفقه»، كما أنّه ينطبق أيضاً مع تعريف الآخوند الخراسانيّ (المتوفّى سنة 1329 ه. ق» الاصوليّ الشهير في القرن الماضي ب: «أنّه صناعة يُعرف بها القواعد الّتي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام» (1).

نظرة إجماليّة في تطوّر علم الاصول‏

تأسيساً لنظرتنا بأنّ علم اصول الفقه هو عبارة عن مقدّمة للفقه و بالتالي فإنّه علم اسّيّ و قواعديّ له، كان لزاماً علينا أنْ لا نبحث بداية تدوينه و نشأته في القرن الأوّل الهجريّ أبداً، ذلك أنّ علم الفقه لم يكن مدوّناً في تلك الحقبة، و كان يطوي مراحله الابتدائيّة و لم يكن متبلوراً بعد، ناهيك عن مقدّمته، إلّا أنّ التحليل التاريخيّ لمعنى اصطلاح اصول الفقه يدلّنا على أنّ أوّل تعاملٍ نظريّ محض في كيفيّة استخدام الأدلّة الفقهيّة كان في القرن الأوّل حينما طُرح في السنوات الاولى السؤال الآتي: لو فرض وجود حديث معتبر لا ينسجم مع عموم كتاب اللَّه فما ذا يجب فعله؟ و من المعلوم أنّ تخصيص و تقييد الكتاب بواسطة الأحاديث كان يُعدّ أمراً مشكلًا و منهيّاً عنه لعامّة المسلمين، و لبعض التابعين- كسعيد بن جبير- و الأئمّة (عليهم السلام) رأي ملحوظ و صريح في هذا الأمر (2).

و من جانب آخر فإنّ حيرة المسلمين لدى العمل عند وجود الأخبار المتعارضة أوجب عليهم أن يتّخذوا طريقة مستدلّة في قالب نظريّة لقاعدة كلّيّة كي يتمكّنوا من العمل بها و الرجوع إليها في الحالات المشابهة الاخرى (3).

و كذا في مورد الإجماع أيضاً؛ فإنّ أقدم سند لدينا هو رواية قصيرة عن مسيّب بن رافع الأسديّ أحد الفقهاء التابعين في الكوفة المتوفّى في سنة 105 ه، و طبقاً لما نقله فإنّ السلف من المسلمين عند مواجهتهم لقضيّة ليس فيها حديث عن‏

____________

(1) الآخوند الخراسانيّ، محمّد كاظم؛ كفاية الاصول: 23؛ قم: مؤسّسة النشر الإسلاميّ، بدون تاريخ.

(2) راجع سنن الدارميّ: ج 1 ص 145، و الكافي للكلينيّ: ج 2 ص 28.

(3) راجع «اصول فقه» بالفارسيّة للسيّد مصطفى المحقّق الداماد، القسم الثالث: اصول عمليّه و تعارض أدلّه، ص 121، المطبوع في طهران: دفتر نشر علوم اسلامي، 1378 هجرى شمسى.

11

رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) كانوا يجتمعون و يجمعون على رأي ثمّ يعملون به (1). هذا السند ليس تقريراً تاريخيّاً محضاً، بل هو إراءة لنظريّة اصوليّة.

تدوين اصول الفقه‏

الحديث عن أوّل من صنّف في علم الاصول و وضع لبنائه الاولى على هيئة مجموعة متماسكة و بأيّ المدارس الإسلاميّة كان ارتباطه؟ هو حديث من الجدّة بمكان.

يقول الفخر الرازيّ:

«اعلم أنّ نسبة الشافعيّ إلى علم الاصول كنسبة أرسطو إلى علم المنطق و كنسبة خليل بن أحمد إلى علم العروض» (2).

و يقول ابن خلدون أيضاً: «كان أوّل من كتب فيه (علم الاصول) الشافعيّ رضي اللَّه عنه، و أملى فيه رسالته المشهورة و تكلّم فيها في الأوامر و النواهي» (3).

لقد استفاد من هذا الاستنباط الأخباريّون الإماميّة و جعلوه حجّة في استدلالاتهم حيث قالوا: إذا استخدمت القواعد الاصوليّة في استنباط الأحكام الشرعيّة فإنّ الفقه الشيعيّ سيذوب في دائرة الفقه السنّيّ و يخضع له؛ لأنّ مبتكري اصول الفقه كانوا من أهل السنّة (4).

و يعتقد آية اللَّه السيّد حسن الصدر في كتابه «تأسيس الشيعة» أنّ مؤسّس علم اصول الفقه هما الإمامان الهمامان الباقر و الصادق (عليهما السلام) بقوله:

«أوّل من أسّس علم الاصول و فتح بابه و فتق مسائله هو الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام) ثمّ بعده ابنه الإمام أبو عبد اللَّه الصادق (عليه السلام) أمليا على أصحابهما قواعده» (5).

____________

(1) راجع أيضاً سنن الدارميّ: ج 1، الصفحتين 48- 49.

(2) أبو زهرة، الشافعيّ: 196- 197.

(3) ابن خلدون في مقدّمته، ص 355، ط 4، بيروت: دار إحياء التراث العربيّ.

(4) راجع «الفوائد المدنيّة» لأمين الاسترآباديّ، الطبعة الحجريّة، بدون تاريخ.

(5) الصدر، حسن؛ تأسيس الشيعة، ص 310، طبعة شركة النشر و الطباعة العراقيّة المحدودة.

12

مع صرف النظر عمّا إذا كان هذا البحث المذكور ذا فائدة أو لا، نقطع بأنّ الحكم المنصف و الحلّ النهائيّ للاختلاف دون اتّخاذ أيّ موقف متعصّب من شأنه أن يؤدّي إلى فقدان الوجهة المنطقيّة و ضياع المنهج التحقيقيّ العلميّ للبحث يتطلّب فرصة اخرى و رسالةً مستقلّة. و نرجّح لطلّاب العلوم الدينيّة هنا الرجوع مباشرةً إلى التقرير المختصر باللغة الفارسيّة من «سير اصول فقه در مكاتب فقهى شيعه» مع اعتقادنا بأنّه لم يستوف تمام المطلب؛ لكنّنا نراه كافياً في هذا المجال.

الآثار الاصوليّة الاولى للفقهاء الإماميّة

تشير دراسة آثار الفقهاء الإماميّة في دائرة استخدام الأدلّة الفقهيّة إلى عدم وجود وحدة الرأي بينهم في القرنين الثاني و الثالث من الهجرة، كما يلاحظ بوضوحٍ انقسامهم إلى عدّة أقسام متمايزة تماماً.

فمن جهةٍ كانت حلقات الدروس الّتي يقيمها أشخاص أمثال زرارة بن أعين و محمّد بن مسلم و أبو بصير مع حلقة الدرس الّتي يعقدها هشام بن سالم تتميّز بوضوحٍ من الجهة الثانية لحلقات هشام بن الحكم الدراسيّة و أتباعه. و كانت مسألتا اختلاف الحديث و الاجتهاد في الرأي تشكّل يصخب محور مباحث تلك المرحلة و كانت لهم في هذا الخصوص مواقف فكريّة متعدّدة و اختلافات بارزة. و بمراجعةٍ لكتاب «الأخبار و كيف تصحّ» لهشام بن الحكم (1) و كذا لما اثّر عن تلميذه المعروف يونس بن عبد الرحمان (2) في كتاب «اختلاف الحديث» نستطيع أن نلتمس طريقة تفكيرهم، كما أنّ نظرة فاحصة لهذين الأثرين تدلّنا إلى انتمائهما لاتّجاه فكريّ واحد و رؤية كلاميّة مشتركة، كما و تكشف لنا عن نظرتهما المعتدلة نحو القياس. هذا، و كان لهشام بن الحكم أثر آخر في مباحث الألفاظ تحت عنوان «الألفاظ و مباحثها» (3) أو

____________

(1) راجع الفهرست لابن النديم: ص 224، و رجال النجاشيّ: ص 433.

(2) راجع نفس الصفحة في الفهرست لابن النديم، و الفهرست للطوسيّ أيضاً: ص 181.

(3) راجع رجال النجاشيّ: 433.

13

«الألفاظ» (1) و مما يؤسف عليه أنّه لم يبق منه سوى الاسم، إلّا أنّ هذا العنوان وحده يدلّل على أنّ هذا الأثر كان كتاباً تحليليّاً في مباحث الألفاظ، و أصبح في ما بعد باباً من أبواب علم الاصول، كما أنّ معاصرة الشافعيّ لهشام و وجود هذا المبحث في رسالة الشافعيّ تتطلب الانتباه و مزيداً من التأمّل.

في القرن الرابع الهجريّ غلب فكر أصحاب الحديث- أي الانتفاع من النصوص الحديثيّة دون الالتفات إلى التعامل النظريّ المبتني على الرأي- على فقهاء الشيعة؛ لذا قلّ استخدامهم للقواعد الاصوليّة.

و كان ظهور أبي السهل النوبختيّ (المتوفّى 311 ه. ق) المتكلّم الإماميّ الشهير و عرضُه نظاماً جامعاً في الكلام الإماميّ قد ساعد على أنْ يتوغّل في مباحث اصول الفقه أيضاً، و أنْ يقوم بالتنظير على نهج المتكلّمين. و كان أوّل أثر له هو كتابة ردٍّ على رسالة الشافعيّ، و قد ذكره ابن النديم و الطوسيّ (2). و له مؤلّفات اخرى في ردّ الاجتهاد بالرأي و القياس كان أشهرها تحت عنوان «إبطال القياس» و لم يبق أثرٌ لأي منها. (3) هذا.

و يمكن اعتبار نهج ابن أبي عقيل العمانيّ فقيه النصف الأوّل من القرن الرابع الهجريّ مقارباً لنهج المتكلّمين المعتزلة في «الاستخراج»، طبعاً بناءً على تعاليم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام). في حين نرى ابن الجنيد الإسكافيّ في النصف الثاني من القرن نفسه يتناول الفقه بطريقة مقاربة لطريقة أصحاب الرأي، و يصرّح بحجّيّة القياس و العمل باجتهاد الرأي، و يسعى لإبعاد نظريّته عن البدعة في الفقه الإماميّ. و رغم أنّ متون آثاره لم تصل إلينا إلّا أنّ عنوانين متبقيين عن أثرين له يحكيان عن محتواهما بالكامل «كشف التمويه و الالتباس عن أغمار الشيعة في أمر القياس» و «إظهار ما ستره أهل العناد من الرواية عن أئمّة العترة في أمر الاجتهاد (4)».

شهد العقدان الأخيران من القرن الرابع الهجريّ ظهور نجمين لا معين من الشيعة

____________

(1) فهرست الطوسيّ: 181. (2) فهرست ابن النديم: 224.

(3) راجع الانتصار للشريف المرتضى: 238. (4) الانتصار للشريف المرتضى: 238.

14

الإماميّة تمثّلا في الشيخ المفيد (المتوفّى 413 ه ق) و الشريف المرتضى (المتوفّى 436 ه. ق). كان نهج هذين الفقيهين المشهورين في التفقّه مبنيّاً على أساس عدم حجّيّة الخبر الواحد، و هو نفس المنهج المتداول لدى المتكلّمين، و كانا يعملان فقط بالأخبار الّتي يكون مضمونها مصاحباً للقرائن الخارجيّة (1).

كما و قد برز في القرن الخامس الهجريّ الفقيه الكبير الشيخ الطوسيّ (المتوفّى 460 ه. ق) الّذي يمكن اعتباره في هذا الجانب جسراً ممتدّاً بين اصول أهل الكلام و تفقّه أهل الحديث. و قد شكّلت مجموعة نظريّاته الاصوليّة كتاباً عنوانه «عدّة الاصول» الّذي لا يزال من المتون و المصادر المتداولة في المحافل الإماميّة.

و كانت هيبة الشيخ و عظمته مؤثّرة بدرجة صارت فيها نظريّاته تستقبل و تتبع دون مناقشة حتّى جاء سديد الدين الحمّصيّ ليصف الفقهاء الّذين جاءوا بعد الشيخ الطوسيّ بأنّهم مقلّدوه (2).

و قد أحدث الشيخ الطوسيّ تحوّلًا أساسيّاً في دائرة حجّيّة الخبر الواحد، رغم أنّ هذا التحوّل كان على الصعيد النظريّ أكثر ممّا هو على الصعيد التطبيقيّ. و بعبارة اخرى: إنّه كان إعادة نظر في الاصول ... لا يزال إجماع الطائفة لنظريّته الاصوليّة يتمتّع بمقام شامخ و مكانة رفيعة (3).

لم يصلنا من الفترة الممتدّة بين الشيخ الطوسيّ و مؤلّفي اصول الفقه في مدرسة الحلّة سوى كتاب «غنية النزوع» لابن زهرة الحلبيّ (المتوفّى 585 ه. ق) يشاهد في مبحث الألفاظ من هذا الكتاب موضوعات من قبيل الأوامر و النواهي، و العامّ و الخاصّ، و حجّيّة المفاهيم. و يستمرّ بعد ذلك في مباحث الأخبار: الإجماع و القياس و الاستصحاب.

كان للنقّاد المعروفين بعد الشيخ الطوسيّ آثارٌ اصوليّة؛ فمثلًا كان لسديد الدين‏

____________

(1) راجع التذكرة للشيخ المفيد: ص 44؛ و الذريعة للسيّد المرتضى: ج 2 ص 41 و ما بعدها.

(2) راجع المحقّق الداماد، السيّد مصطفى في «دائرة المعارف بزرگ اسلامي» بالفارسيّة، ج 2، مدخل ابن إدريس.

(3) راجع عدّة الاصول: ج 1 ص 339- 340.

15

الحمّصيّ في أواخر القرن السادس أثرٌ فُقد تحت عنوان «عنوان المصادر في اصول الفقه»، و قد قام الحمّصيّ و ابن إدريس و ابن زهرة بنقد الاصول و الطرق الفقهيّة للشيخ الطوسيّ. و كان ابن ادريس أوّل من تحدّث عن الأدلّة الأربعة و عدّ العقل رابعها (1).

بدأ التحوّل في اصول الفقه في مدرسة الحلّة مع ظهور المحقّق الحلّيّ (المتوفّى 676 ه. ق) و وصل ذروته من ظهور العلّامة الحلّيّ (المتوفّى 726 ه. ق). و يبدو أنّه كان هناك تحاورٌ بين اصول فقه الإماميّة و اصول فقه أهل السنّة في تلك المرحلة كما يتجلّى ذلك في حوار الغزّاليّ و ابن الحاجب (2).

وضع المحقّق الحلّيّ هيكليّة جديدة للأدلّة الفقهيّة؛ أوّلًا: أضاف الاستصحاب إلى الأدلّة الأربعة (الكتاب، السنّة، الإجماع، العقل) فجعلها خمسة؛ ثانياً: لم يلحق أصل البراءة بالدليل الرابع (دليل العقل) حسب ترتيبه بل وضعه مع الاستصحاب. ثالثاً:

قسّم دليل العقل إلى قسمين: أحدهما يختصّ بالأدلّة العقليّة المرتبطة بالخطاب بنواحيه الثلاثة: «لحن الخطاب، فحوى الخطاب، دليل الخطاب» و القسم الآخر اختصّ بالمستقلّات العقليّة (3). و يُعدّ كتاب «معارج الاصول» الأثر المهمّ للمحقّق الحلّيّ في علم اصول الفقه.

تابع العلّامة الحلّيّ في آثاره استاذه المحقّق في حوزة الحلّة، و من أهمّها مبادئ الاصول و نهاية الاصول و تهذيب الوصول إلى علم الاصول. و في ما بعد العلّامة الحلّيّ نجد بعض المؤلّفات تنتشر في الحلّة نفسها، و في إيران و البحرين و جبل عامل. و مما يمكن الإشارة إليه مؤلّفات الشهيد الأوّل، الّذي منح في مقدّمة كتابه «ذكرى الشيعة» (4) مساحة أوسع لدليل العقل عند بحثه عن الأدلّة الفقهيّة. و قد قام السيّد بدر الدين الكركيّ (المتوفّى 933 ه. ق) بتأليف كتاب في الاصول تحت عنوان «العمدة الجليّة» إلّا أنّه لم يتمّه حسبما ذكره تلميذه الشهيد الثاني (5).

____________

(1) السرائر، ص 3. (2) راجع «الإجازة» للعلّامة الحلّيّ: ص 104.

(3) راجع «المعتبر»: ص 5 و 6. (4) راجع ذكرى الشيعة: ص 5.

(5) راجع بحارالأنوار للمجلسيّ، كتاب الإجازات، إجازة الشهيد الثاني للشيخ حسين بن عبد الصمد، بيروت، 1403 ه. ق.

16

و يمكن اعتبار تأليف كتاب «معالم الاصول» من قبل الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني منعطفاً بارزاً في تدوين علم الاصول.

في الوقت الّذي تناول فيه المؤلّف نظريّات اصوليّ مدرسة الحلّة بالدراسة و النقد في أكثر مسائلها و قيامه بتحليل ملاحظاته الخاصّة، نشط أيضاً في التنقيح و التبويب و عرضهما بصورة رائعة تناسبت و ذوقه الرفيع ممّا يمكن القول بأنّ هذا الأمر كان سرّ رواج كتابه المذكور كتاباً درسيّاً يتداول في الحوزات العلميّة الشيعيّة إلى يومنا هذا.

ظهور الفكر الأخباريّ‏

في خضم تلك الأيّام شهدت حوزة الحلّة انقداح الشرارة الاولى للفكر الأخباريّ القائل بعدم قبول طرق الاجتهاد المبتنية على اصول الفقه، و حصر مآخذ الأحكام في نصوص الأخبار المنقولة عن الأئمّة (عليهم السلام). فكان السيّد رضيّ الدين بن طاووس (المتوفّى 664 ه. ق) يصرّ على هذا الأمر في آثاره (1)، لكن أفكاره لم تتبلور في زمانه على شكل نظريّة منسجمة.

كان أوّل من نظّر للفكر الأخباريّ و رسم خطوطه العريضة هو محمّد أمين الأسترآباديّ (المتوفّى في سنة 1033 ه. ق)، فهو بتأليفه كتاب «الفوائد المدنيّة»- الّذي أنهاه عام 1031 ه. ق في مكّة المكرّمة- قد وضع نظريّات حوزة الحلّة على طاولة الانتقاد، و وصفها بأنّها مستمدّة من اصول أهل السنّة و متأثّرة بها، و نفى أنْ يكون نهجه هذا مشروعاً جديداً؛ بل عرّفه بأنّه اتّباع للسلف من أصحاب الحديث الإماميّ، و يعتقد أنّ نهج الاصوليّين لا ينسجم مع منهجيّة التفقّه الإماميّ (2)؛ كما يرى أنّه لا حجّيّة لظواهر الكتاب، و السبيل الوحيد للوصول إلى مضامين الكتاب و السنّة النبويّة ينحصر بأخبار الأئمّة (عليهم السلام) (3).

و الإجماع عنده أيضاً لا يملك اعتباراً (4). و قد برز فكره في مواجهة المدرسة

____________

(1) راجع كشف المحجّة: ص 127، طبعة النجف، 1370 ه. ق.

(2) راجع الفوائد المدنيّة: الصفحتين 47 و 48. (3) نفس المصدر: 17. (4) نفس المصدر.

17

الاصوليّة على هيئة مدرسة متماسكة ذات معالم حديثة نهضت لطعن الاصوليّين و القضاء عليهم. و يبدو أنّ هذا التيار لم يخرج منتصراً حاسماً و حاكماً مطلقاً. و لم يهدأ له بال من جهة المخالفين و النقّاد، بل كان دائماً يواجه الحملات الدفاعيّة من قبل الاصوليّين، و الّتي ما برحت تتراءى خلال مخطوطاتهم القيّمة لذوي الخبرة و البصيرة.

نذكر منها:

1- «زبدة الاصول» للشيخ بهاء الدين العامليّ المعروف بالشيخ البهائيّ (المتوفّى عام 1029 ه. ق).

2- حاشية على «معالم الاصول» لسلطان العلماء (المتوفّى عام 1046 ه. ق).

3- «غاية المأمول في شرح زبدة الاصول» لجواد بن سعد الله بن جواد الكاظميّ المعروف بالفاضل الجواد (المتوفّى في أواسط القرن الحادي عشر الهجريّ).

4- «شرح زبدة الاصول» للمولى محمّد صالح المازندرانيّ (المتوفّى عام 1081 ه. ق).

5- حاشية على «معالم الاصول» أيضاً للمولى المازندرانيّ.

6- «وافية الاصول» للفاضل التونيّ (المتوفّى عام 1071 ه. ق).

7- شرح «عدّة الاصول» للملّا خليل القزوينيّ (المتوفّى عام 1089 ه. ق).

8- حاشية على «معالم الاصول» للملّا محمّد الشيروانيّ (المتوفّى عام 1098 ه. ق).

9- حاشية على شرح مختصر العضديّ للآقا جمال الخوانساريّ (المتوفّى عام 1125 ه. ق).

و من الملفت للنظر أنّ مرحلة الاعتدال بدأت أواسط القرن الثاني عشر الهجريّ مع ظهور علماء أخباريّين أمثال السيّد صدر الدين الرضويّ القمّيّ و الشيخ يوسف البحرانيّ؛ حينما قبل كلّ من السيّد صدر الدين في شرحه ل «وافية الاصول» و الشيخ البحرانيّ في مقدّمة «الحدائق الناضرة» قسماً هامّاً من طرق الاصوليّين. هذا و إنّ‏

18

حركة الاعتدال الّتي قام بها العلماء المحسوبون على التيار الأخباريّ قد خلقت أرضيّة مناسبة لظهور الوحيد البهبهانيّ (المتوفّى سنة 1205 ه. ق) الّذي بتأليفه كتاب «الفوائد الحائريّة» أحدث انكساراً عجيباً في صفوف التيار الأخباريّ حيث يقول في بداية كتابه:

«لمّا بعد العهد عن زمان الأئمّة خفيت أمارات الفقه و الأدلّة على ما كان المقرّر عند الفقهاء و المعهود بينهم بلا خفاء بانقراضهم و خلوّ الديار عنهم إلى أن انطمس أكثر آثارهم كما كانت طريقة الامم السابقة و العادة الجارية في الشرائع الماضية كلّما يبعد العهد عن صاحب الشريعة تخفى أمارات قديمة و تحدث خيالات جديدة إلى أن تضمحلّ تلك الشريعة ... توهّم متوهّم أنّ شيخنا المفيد و مَنْ بعده من فقهائنا إلى الآن كانوا مجتمعين على الضلالة مبدعين بدعاً كثيرة، متابعين للعامّة مخالفين لطريقة الأئمّة و مغيّرين لطريقة الخاصّة مع غاية قربهم بعهد الأئمّة و نهاية جلالتهم و عدالتهم و معارفهم في الفقه و الحديث و تبحرهم و زهدهم و ورعهم».

بذل البهبهانيّ و تلامذته قصارى جهدهم في ردّ شبهات الأخباريّين و دفع إشكالاتهم و بالتالي إثبات الاحتياج إلى القواعد الاصوليّة في استنباط المسائل الفرعيّة، و كان من نتاج ذلك تشكيل مجموعة من التراث الاصوليّ الإماميّ؛ منها كتاب «القوانين» للميرزا القمّيّ (المتوفّى سنة 1231 ه. ق)، و «المناهج» لملّا أحمد النراقيّ (المتوفّى سنة 1235 ه. ق)، و «الفصول» للميرزا محمّد حسين الأصفهانيّ (المتوفّى سنة 1254 ه. ق)، و «هداية المسترشدين» للميرزا محمّد تقيّ الأصفهانيّ (المتوفّى سنة 1248 ه. ق)، و غير ذلك كثير.

اصول الشيخ الأنصاريّ‏

كان الفقيه الكبير و الاصوليّ القدير الشيخ مرتضى الأنصاريّ (المتوفّى سنة 1281 ه. ق) نقطة عطف في تطوّر علم اصول الفقه لدى الإماميّة بعد ما سادت أفكاره‏

19

الفقهيّة و الاصوليّة منذ ظهوره و حتّى يومنا هذا على المجامع و المحافل الإماميّة، و أنّ التحقيقات الّتي جرت في هذا المضمار منذ عهده إلى الآن تتفوّق كمّاً و كيفاً على مجموع الآثار الاصوليّة الّتي صدرت في القرون الإحدى عشر الّتي سبقته.

و قد ازدهرت الحياة العلميّة في حوزة النجف الأشرف حينما قرّر الشيخ الأنصاريّ في أواخر عمر المرحوم صاحب «جواهر الكلام» الإقامة في النجف الأشرف بصورة دائمة و تلألأ نجمه اللامع؛ لذا عزف الّذين كانوا قد قرّروا الرحيل عن النجف الأشرف من الفضلاء و المحقّقين الناشطين هناك بعد ما تردّدوا في مواصلة الدراسة فيها لأسباب معيّنة و اختاروا الإقامة ثانية (1). هذا و أنّ الشيخ بإبداعاته و طرحه للمسائل بطريقة جديدة و اقتداره لنقد آراء الماضين جعل قلوب الفضلاء تهوي إليه.

و التاريخ يحدّثنا أنّ الشيخ عند إقامته الدائميّة في النجف كان يحضر درس صاحب الجواهر، و لم يكن للفضلاء حينها معرفة كاملة به، و مما كان في اختباره و تقييمه سؤال أحد البارزين في حلقة الدرس- و الظاهر أنّه كان الميرزا حبيب اللَّه الرشتيّ- عن سرّ ترجيح أحد الدليلين الّذي طُرح في الدرس، فأجابه الشيخ بدون تردّد: لأنّه حاكم عليه. و المعروف أنّ بحث «الحكومة» و «الورود» من ابتكارات الشيخ رغم أنّ كلمة

____________

(1) المشهور أنّ الميرزا الشيرازيّ بعد وفاة المحقّق صاحب حاشية المعالم يرحل إلى النجف الأشرف لغرض الاستفادة من درس الخارج في الحوزة العلميّة هناك، و إذا به لم يجد ضالّته فيها حتّى يرجّحها على دروس بعض أساتذته في أصفهان الّتي كان يحضرها؛ لذلك يصمّم على الرجوع إلى أصفهان. في هذه الأثناء يطّلع صديقه الجديد الآخوند الملّا عليّ النهاونديّ على تصميم الميرزا فيقول له: قبل فترة بدأ شيخ دزفوليّ يدرّس خارج الفقه و الاصول في النجف و هو يتناول المباحث بتحقيق واسع. ثمّ يأخذ الميرزا بإلحاح إلى درس الشيخ. الميرزا يلاحظ درس الشيخ بدقّة و يرى عن كثب كيف أنّه يدافع عن الآراء المختلفة ثمّ ينقدها و يردّها بتحقيقاته البديعة؛ و بعد مشاهدته لقدرة الشيخ العلميّة يتعلّق بدرسه ولهاناً. و عند ما ينتهي الدرس يعرّفه الملّا عليّ النهاونديّ عند الشيخ و يحمد فضله و ذكاءه و يخبره بأنّه يريد العودة إلى أصفهان. لكنّ الميرزا بعد أنْ شغف بدرس الشيخ عزف عن العودة و قرّر البقاء في النجف و قرأ في محضر الشيخ شعراً للشيخ الأجلّ سعديّ الشيرازيّ بالفارسيّة:

چشم مسافر چو بر جمال تو افتد* * * عزم رحيلش بدل شود به اقامت‏

أي إنّ المسافر عند ما وقعت عينه على جمالك بدّل عزمه من الرحيل إلى الإقامة.

20

«حاكم» وردت بصورة متناثرة في كلمات صاحب الجواهر، إلّا أنّ الّذي جاء به الشيخ كان بديعاً تماماً دون أدنى شكّ؛ لذا كان من المناسب حقّاً أن يجلب انتباه مثل الميرزا الرشتيّ ليندفع و يسأل مباشرةً ما ذا تعني الحكومة؟ فأجابه الشيخ بقوله:

يلزمك أنْ تحضر درسي مدّة ستّة أشهر حتّى تعرف تمام الأمر (1).

إنّ كتاب «فرائد الاصول» هو مرجع أساسيّ لدراسة المباني الفكريّة للشيخ في اصول الفقه؛ لأنّ الأثر الوحيد الّذي كتبه الشيخ بنفسه و بيراعه المبارك هو هذا الأثر النفيس. و أمّا «مطارح الأنظار» و «قوامع الفضول» فهي تقريرات لدروسه دوّنها اثنان من تلامذته المعروفين، أحدهما الميرزا أبو القاسم بن الحاجّ محمّد عليّ كلانتر المعروف بالطهرانيّ (المتوفّى سنة 1293 ه. ق)، و الآخر الميرزا محمود الميثميّ (المتوفّى سنة 1310 ه. ق).

و إجمالًا يمكن القول إنّ ما يميّز الشيخ عن غيره في اصول الفقه عدّة امور على رأسها طريقته المتميّزة في عرضه للمسائل و البحوث. و هناك شواهد كثيرة على هذا المدّعى، منها طرحه لبحث كانت بدايته مبحث الاصول العمليّة، و مع أنّ هذا المبحث كان مطروحاً قبله في الآثار الاصوليّة لكنّ الشيخ بنظرة منطقيّة بعد أنْ ربط وضعيّة المكلّف المتحيّر و الباحث عن الحكم الشرعيّ بالحصر العقليّ اعتبرها منحصرة في الحالات الثلاثة: القطع، الظنّ، و الشكّ، ثمّ اكتفى بمقدار الحاجة في طرحه لمباحث القطع و الظنّ، و بعد ذلك خصّص محور الكتاب بتناول دراسة حالات الشاكّ، و جعله ميداناً لإبراز نظريّاته الناقدة. إنّ تنظيم جهاز مبتن على الاصول العمليّة الأربعة و وضعَ خطّة جامعة و مانعة لتعيين تكليف الشخص الشاكّ، هذا العمل كلّه إبداعيّ تماماً.

و مما امتاز به الشيخ عن غيره أيضاً توجّهه للمباحث العقليّة و الفلسفيّة الّتي بدأت معه و انتقلت إلى تلاميذه و ازدادت في كلّ لحظة. و رغم أنّ مسار الشيخ في التعليم و التحصيل ليس واضحاً بالمقدار المطلوب لديّ، إلّا أنّه لا ينبغي إهمال المدّة

____________

(1) راجع اصول الفقه لمحمّد رضا المظفّر: ج 2، ص 220، طبعة النجف الأشرف، 1386 ه. ق.

21

الملحوظة و الملفتة الّتي تتلمذ فيها الشيخ في كاشان لدى استاذه الملّا أحمد النراقيّ الخبير بالعلوم العقليّة، و الّتي تشهد له آثاره العلميّة بذلك (1) و روي أيضاً أنّ الشيخ اتّصل بالحاجّ الملّا هادي السبزواريّ في خراسان و أخذ عنه العلوم العقليّة، و في المقابل أخذ الملّا هادي عن الشيخ العلوم النقليّة. و لم يصلنا في ذلك مسند معتبر البتّة.

إنّ طرح مباحث من مثل القضايا الحقيقيّة و الخارجيّة (2) مع ما يمتلكه الحاجّ السبزواريّ من ذهنيّة اعتبرت قرينة لتلاقي الفقيهين الحكيمين (3).

إنّ ورود المباحث العقليّة في علم الاصول بواسطة تلميذ الشيخ الأنصاريّ المشهور المرحوم الآخوند الملّا محمّد كاظم الخراسانيّ قد بلغ ذروته، و استمرّ ذلك من بعده من خلال آثار تلاميذه بالأخصّ الاصوليّ الكبير و المحقّق القدير المرحوم الحاجّ الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ (المتوفّى سنة 1362 ه. ق)، و كذلك كبيرَي علماء الاصول في القرن المنصرم: المرحوم الحاجّ الميرزا حسين النائينيّ (المتوفّى سنة 1355 ه. ق) و الآقا ضياء الدين العراقيّ (المتوفّى سنة 1362 ه. ق). و إليك نماذج من تلك المباحث: العوارض الذاتيّة و الواسطة في العروض و الثبوت (4)، امتناع صدور الكثير عن الواحد و بالعكس (5)، امتناع توارد علّتين على المعلول الواحد (6)، أصالة الوجود و الماهيّة (7)، الطبيعة بما هي هي ليست إلّا هى (8)، للموجود الواحد ماهيّة واحدة (9)، مفاهيم خارج المحمول (10)،-

(1) على سبيل المثال راجع مناهج الأحكام و الاصول لملّا أحمد النراقيّ، مبحث استصحاب الامور التدريجيّة، الطبعة الحجريّة، لم ترقّم صفحاتها.

(2) راجع «فرائد الاصول»، مبحث استصحاب أحكام الشرائع السابقة.

(3) راجع «شرح مبسوط منظومه» بالفارسيّة للشهيد مرتضى المطهّريّ: ج 1، ص 289.

(4) راجع كفاية الاصول للخراسانيّ: ص 7، قم: مؤسّسة آل البيت، 1409 ه. ق.

(5) راجع نفس المصدر: مبحث الواجب التخييريّ، و كذلك مبحث تعدّد الشرط، ص 201.

(6) راجع نفس المصدر: مبحث الشرط و الجزاء، ص 201.

(7) راجع نفس المصدر: مبحث تعلّق الأمر بالطبائع، ص 139 و مبحث اجتماع الأمر و النهي، ص 159.

(8) كفاية الاصول الخراسانيّ: ص 139 و 160. قم: مؤسّسة آل البيت، 1409 ه. ق.

(9) نفس المصدر: ص 159. (10) نفس المصدر: ص 158.

22

تعدّد الوجوه و العناوين لا يوجب تعدّد المعنون (1) وجود الكلّيّ الطبيعيّ في الخارج (2)، تعدّد وجود الجنس و الفصل في الخارج و عدمه (3)، الحركة القطعيّة و التوسّطيّة (4)، الذاتيّ لا يعلّل (5)، امتناع تأخّر أجزاء العلّة عن المعلول (6)، بساطة المشتقّ (7)، الفرق بين الجنس و الفصل و المادّة و الصورة (8)، القضيّة الممكنة و الضروريّة (9)، الشوق المؤكّد المحرّك للعضلات (10)، مباحث الإرادة و مبادئها (11)، جعلها و تقسيمها إلى الذاتيّ و العرضيّ و البسيط و المركّب (12)، القضايا الحقيقيّة و الخارجيّة (13).

لا يخفى أنّ بعض المباحث الفلسفيّة الّتي ظهرت في آثار الاصوليّين بدءاً من الشيخ الأنصاريّ و المحقّق الخراسانيّ في أثره القيّم «كفاية الاصول»، ثمّ آثار تلامذته في حواشيهم و تعليقاتهم عليها قد خرجت عمّا تعارف عليه الفلاسفة في اصطلاحاتهم أحياناً. على سبيل المثال: إنّ القضايا الحقيقيّة و الخارجيّة الّتي طرحها الشيخ الأنصاريّ لأوّل مرّة في الاصول ثمّ وردت في «الكفاية» و اخذت مأخذ بيت القصيدة لدى المحقّق النائينيّ في مباحثه الفقهيّة و الاصوليّة و تكرّرت في تقريرات تلامذته في جعل الأحكام على نحو القضايا الحقيقيّة المعروفة، لم تنطبق مع ما اصطلحه الشيخ الرئيس أبو عليّ بن سينا بعنوانه مبدعاً لهذا الاصطلاح (14).

و من جملة كبار العلماء الّذين انتقدوا المرحوم الشيخ النائينيّ (قدس سره) في هذا المجال-

(1) نفس المصدر: ص 159. (2 و 3) نفس المصدر ص 159.

(4) نفس المصدر: ص 408، مبحث الاستصحاب. (5) نفس المصدر: ص 68، مبحث الطلب و الإرادة.

(6) نفس المصدر: ص 92، مبحث الشرط المتأخّر.

(7) نفس المصدر: ص 51، و كذلك راجع: «بساطت و تركّب مشتقّ در بستر ادبيات عقلى اسلامى» للكاتب، طبعة طهران: خردنامه صدرا، 1378 هجري شمسي. (8) راجع الكفاية: ص 52، مبحث المشتقّ.

(9) نفس المصدر: ص 53، مبحث المشتقّ. (10) نفس المصدر: ص 102، مبحث الواجب المعلّق.

(11) نفس المصدر: ص 64، مبحث الطلب و الإرادة. (12) نفس المصدر: ص 64، مبحث حجّيّة القطع.

(13) نفس المصدر: ص 413، مبحث استصحاب أحكام الشرائع السابقة.

(14) راجع كتاب «شرح مبسوط منظومه» لمرتضى المطهّريّ: ج 1، ص 289، طهران: انتشارات حكمت، 1404 ه. ق.

23

جامع الحكمتين المرحوم الحاجّ الشيخ مهديّ الحائريّ اليزديّ (طاب ثراه) (المتوفّى سنة 1378 ه. ش). فقد قام محقّقاً في بحثه المختصّ بتحليل القضايا الحمليّة اللابتّيّة و مقايستها بالشرطيّة في القسم الأخير من كتابه باللغة الفارسيّة (كاوشهاى عقلي نظري) (1) عند ما أشار إلى أفكار العلماء الإسلاميّين و ابتكاراتهم في هذا الخصوص و كيف أنّها يمكن أن تنهض بالكثير من المعضلات الفلسفيّة و المنطقيّة في مواجهة الفلسفة الاروبيّة التحليليّة الحديثة، و ها هو بعنوانه مفكّراً إسلاميّاً يفتخر بهذه المعطيات الإبداعيّة الّتي نشأت في ظلّ الفكر الإسلاميّ يقول:

ليس من حقّنا أنْ نشكو كثيراً من الأجانب في محادثاتنا؛ ذلك لفقدانهم الوسائل الكافية حتّى ينتفعوا من تمام ذخائرنا الفكريّة و العقليّة، و لو أنّهم التفتوا إلى الميسور من الأفكار الإسلاميّة فمن المسلّم أنّهم لا يتجاوزون سطوح الأفكار و أطرافها، و أنّهم لا يتمكّنون من الغور في أعماقها، و أنّ ما يؤسفنا أكثر هو اجتناب المفكّرين الإسلاميّين من الإسبار في هذه المصادر العقلانيّة و أخذهم الكلام اللاموزون و عدم مراعاتهم الدقّة اللازمة في نقله من موضع إلى آخر حيث يتعرّض للتحريف حينئذٍ.

و واحدة من الموارد الّتي يجب أنْ نشكو فيها الأقربين هي تأويل المرحوم المحقّق النائينيّ الحمليّات بالقضايا الشرطيّة صراحة، و ذلك حينما يتعرّض للقضيّة الحقيقيّة في مباحثه الاصوليّة عن قول الحكماء العظام، فيقول في هذا الصدد:

معنى هذه القضيّة الّتي نقول: «الخمر مسكر» هو أنّه لو فرض شي‏ء موجود في الخارج يصدق عليه عنوان الخمر فإنّ ذلك الشي‏ء يكون مسكراً؛ و من هنا قال العلماء: إنّ كلّ قضيّة حمليّة تنحلّ إلى قضيّة شرطيّة مقدّمها وجود الموضوع و تاليها ثبوت المحمول له. (من كتاب أجود التقريرات لآية اللَّه الخوئيّ: ص 127، مباحث الألفاظ)، في حين يلاحظ أنّ الحمليّات ترجع إلى القضايا اللابتّيّة لا إلى الشرطيّة، حيث إنّ الشرط و التقدير في مثل هذه الحمليّات من ناحية عقد الموضوع و ليس من كيفيّات النسبة

____________

(1) بحوث العقل النظريّ.

24

حتّى يكون مقدّم تلك الشرطيّة وجود موضوع و تاليها ثبوت محمول. و على قول مولانا صدر الدين الشيرازيّ التفاوت فاحش بين أن يكون الشرط من متمّمات الموضوع أو كيفيّة النسبة الحكميّة بين المقدّم و التالي، و العامل الوحيد الّذي يخرج القضيّة على نحو الشرطيّة هو الاشتراط و التقدير في كيفيّة النسبة الّتي يعبّر عنها بالملازمة و ليس الإبهام و التقدير في الموضوع. «و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيراً كثيراً» (1).

المدرسة الاصوليّة في سامرّاء

تأسّست الحوزة العلميّة الشيعيّة في مدينة سامرّاء في العراق حينما هاجر الفقيه و الاصوليّ المعروف، المرجع الكبير للشيعة في عصره و مجدّد المذهب في رأس القرن الرابع عشر الهجريّ القمريّ الميرزا محمّد حسن الحسينيّ الشيرازيّ (المتوفّى سنة 1312 ه. ق) من النجف الأشرف إلى تلك الديار في شعبان من عام 1291 ه. ق.

و قد تركت مجموعة كبيرة من تلامذته مدينة النجف و تبعته في رحلته إلى سامرّاء و استقرّت فيها. و أثّر التحاق الفضلاء الشباب الناشطين الوافدين من مختلف الأطراف و الأكناف بتلك الحوزة في فاعليّة التحصيل و التحقيق كما تزايد عددهم يوماً بعد آخر. و كان لوجود الميرزا الشيرازيّ دوراً أساسيّاً في بقاء و دوام هذه الحوزة؛ لذا تفرّقت الأكثريّة المطلقة من اولئك الفضلاء بعد وفاته و اتّجهت نحو كربلاء و النجف، و على الرغم من أنّ عمر حوزة سامرّاء كان قصيراً حيث لم يتجاوز منذ بدايته حتّى نهايته أكثر من عشرين سنة، إلّا أنّ معطيات تلك الفترة كانت ذا قيمة عالية، منها نشوء مدرسة خاصّة اشتهرت على لسان أهل الفنّ بمدرسة سامرّاء، ذلك نظراً لحضور الشخصيّات العلميّة الكبيرة و الفاعلة فى دائرة مناهج التحقيق و البحوث الفقهيّة و الاصوليّة. و كانت هذه المدرسة تمثّل في الحقيقة المنهج الّذي اتّخذه الميرزا

____________

(1) الحائريّ اليزديّ، مهدي؛ «كاوشهاى عقلى نظرى». الصفحات الأخيرة، الطبعة الاولى، جامعة طهران، 1347 هجري شمسي.

25

الشيرازيّ في تدريس و تدوين الفقه و الاصول متأثّراً بأساتذته في ذلك، و كان قد مارس هذا المنهج قبل رحيله إلى سامرّاء، و ما وجه تسمية مدرسة سامرّاء إلّا لترويجه لمنهجه و مدرسته الخاصّة هناك. و الشاهد على ذلك تقريرات تلميذه المحنّك المرحوم الملّا عليّ الدوزدريّ لدروسه في الاصول أيّام إقامته في النجف الأشرف، الّتي بالقياس مع آثار الميرزا حبيب اللَّه الرشتيّ الفقيه و الاصوليّ المعاصر للميرزا الشيرازيّ تتبيّن الوحدة في الرويّة تماماً من ناحية طرح المسائل و المنهجيّة.

و الّذي يلفت الانتباه أنّ حوزة النجف الأشرف القديمة لم تفقد عوامل بقائها و استقرارها على الرغم من تأسيس حوزة سامرّاء و الجاذبيّة القويّة الّتي كان يتمتّع بها الميرزا الشيرازيّ و انتقالِ المرجعيّة العامّة من النجف إلى سامرّاء و الصبغةِ العالميّة الّتي اصطبغت بها بعد صدور فتوى تحريم التنباك و تركيع بريطانيا في الاتّفاقيّة الاقتصاديّة لشركة «رجى»، حيث نجد مجموعة كبيرة واصلت حياتها العلميّة في النجف و اختارت البقاء هناك إمّا بدافع [تعبّديّ‏] (1) أو ذاتيّ أو بتوصية من الميرزا الشيرازيّ. و هؤلاء أيضاً اختاروا لأنفسهم منهجاً في الكتابة و التحقيق اشتهر في ما بعد بمدرسة النجف، و كان الآخوند الملّا محمّد كاظم الخراسانيّ على رأس هذه المدرسة.

و يمكن بيان خلاصة ما امتازت به مدرسة سامرّاء الاصوليّة بما يلي:

1. الطرح التفصيليّ لكلّ مسألة من مسائل علم الاصول.

2. طرح جميع المسائل حتّى تلك الّتي لا تملك ثمرة فقهيّة بصورة عامّة، أو الّتي لها موارد تطبيقيّة إلّا القليل.

3. تناول أكثر الأقوال المتوفّرة في كلّ مسألة حتّى واضحة الفساد منها.

4. التوجّه الخاصّ بالجانب النقليّ للمباحث الاصوليّة و الاهتمام الأقلّ بالتحليلات العقليّة.

____________

(1) ورد في الحديث الشريف: المبيت عند عليّ (عليه السلام) عبادة «المترجم».

26

5. قوّة الرؤية البنائيّة الهرميّة و ترجيحها على الرؤية الأُسّيّة المبنائيّة في مجال الأقوال و النظريّات الاصوليّة. و خلاصة ذلك أنّ نهج مدرسة سامرّاء مبنيّ على امتزاج عناصر: التتبّع، التحقيق، التناول التفصيليّ لجميع أو أكثر المباحث الاصوليّة، و التزايد المطّرد للمباحث سواء كانت تطبيقيّة أو لم تكن.

أهمّ الآثار الاصوليّة الّتي دوّنت على نهج مدرسة سامرّاء و تجلّت فيها الخصوصيّات المذكورة آنفاً هي:

1. تقريرات الميرزا الشيرازيّ لملّا عليّ الدوزدريّ.

2. «بدائع الأفكار» للميرزا حبيب اللَّه الرشتيّ.

3. بشرى الاصول (تقريرات المرحوم السيّد حسين الكوه‏كمريّ) تأليف الشيخ محمّد حسن المامقانيّ.

4. رسالة التعادل و التراجيح تأليف الحاجّ السيّد محمّد كاظم الطباطبائيّ اليزديّ صاحب العروة الوثقى.

5. رسالة اجتماع الأمر و النهي للسيّد محمّد كاظم الطباطبائيّ اليزديّ أيضاً.

هذا المنهج جعل علم الاصول «متورّماً» على حدّ تعبير آية اللَّه البروجرديّ؛ و أصبح الاشتغال به موجباً لقلق الفقهاء رغم أنّه علمٌ آليّ و له جنبة مقدّميّة للفقه. و من هنا صار يعرقل حركة الفقه و الباحثين فيه و يمنعهم عن أغراضه الّتي نشأ لأجلها (1).

المدرسة الاصوليّة في النجف‏

نستطيع أنْ نشاهد ردّة فعل مخالفة لمنهجيّة مدرسة سامرّاء في تناول علم الاصول و توسيع رقعته، و ذلك في مدرسة النجف الاصوليّة الّتي يمكن أنْ نعبّر عنها

____________

(1) نقل المرحوم آية اللَّه الحاجّ السيّد عبد الأعلى السبزواريّ صاحب كتاب «تهذيب الاصول و مهذّب الأحكام» عن المرحوم الحاجّ الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ- و هو تلميذ آخر للآخوند الخراسانيّ و الّذي يُعدّ من نوادر القرن من حيث جامعيّته- عبارةً ناقدةً اخرى فيقول: «سمعت من استاذي العلّامة الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ: أنّ الاصول كلب يمنع صاحبه من حديقة الفقه» راجع في ذلك مجلّة النور طبعة لندن.

27

بمرحلة تهذيب و ترتيب علم الاصول.

يعتبر الآخوند الملّا محمّد كاظم الخراسانيّ رائد هذه المدرسة و هو من تلاميذ الشيخ الأنصاريّ و من فحول تلامذة الميرزا الشيرازيّ؛ و كما ذكرنا فإنّه لم يرافق استاذه في هجرته إلى سامرّاء و لعلّ كان بقاؤه في النجف بناءً على توصية من استاذه.

و هو بتأليفه لكتابه القيّم «كفاية الاصول» قد خطا خطوةً كبيرة في هذا الطريق، و كان أوّل من أسّس حركةً جديدة في علم الاصول، و قد واصل تلامذته من بعده نفس الطريق الّذي رسمه استاذهم في هذه الحركة و لم يألوا جهداً في سبيل ذلك قلماً و لساناً. و ما وصلنا من أقوال و حوارات في نقد السامرّائيّين منسوبة إلى تلامذة الآخوند الخراسانيّ يحكي عن عمق الفكرة و وسع الذهنيّة الحاكمة لديهم.

المشهور أنّ المرحوم الآقا السيّد محمّد الفشاركيّ الأصفهانيّ (المتوفّى سنة 1316 ه. ق) انتقل إلى النجف الأشرف بعد وفاة استاذه الميرزا الشيرازيّ. و قد حضر درسه مجموعة من تلامذة الآخوند الخراسانيّ البارزين، و كان من بين اولئك الاصوليّ اللامع في القرن الرابع عشر المرحوم الآقا ضياء الدين العراقيّ الّذي كان يتمتّع بمكانة خاصّة. و قد ترك درس الفشاركيّ بعد مدّة وجيزة و التحق ثانية بحلقة درس استاذه الأوّل صاحب «الكفاية»؛ و عند ما سألوه عن سبب ذلك أجاب قائلًا:

الفرق بين درس الآخوند الخراسانيّ و درس الفشاركيّ هو أنّه لو فرض أنّ شخصاً أراد زيارة مرقد الإمام عليّ (عليه السلام) فدخل مدينة النجف و لم يستطع من ذلك؛ حتّى يأتي شخصٌ يأخذ بيده و يرشده إلى مقصده عن طريق الزقاق الكثيرة و الطرق الملتوية، أو يأتي آخر و يأخذ بيده و يوصله إلى المرقد الشريف في مسير سويّ و واضح، فالدليل الأوّل هو الاستاذ الفشاركيّ و الدليل الثاني هو الاستاذ الآخوند الخراسانيّ.

و في النهاية نرى بعد مرور سنوات على مقولة السيّد المرحوم آية اللَّه البروجرديّ الّذي هو من تلامذة المرحوم الآخوند الخراسانيّ البارزين قد أعرب عن أسفه في نقده للحجم الّذي وصل إليه علم الاصول و تضخّمه، و هذا ما يعكس ذلك الفكر بالضبط.

28

لكن هناك ملاحظة نرى من الضرورة ذكرها، و هي: أنّ هذا النوع من النقد و الإيراد في مورد علم الاصول من قبل هذه المجموعة من العلماء الكبار تناول فقط الطريقة و المنهج الّذي كان حاكماً على الحوزات العلميّة الشيعيّة و بالخصوص حوزة سامرّاء، و لم يكن في مقام الاستهانة بقيمة النتاجات الفكريّة لهذا العلم. و لمّا كان دورُ علم الاصول مقدّميّاً و آليّاً للفقه، و الفقهُ هو الهدف الرئيسيّ لدى هؤلاء النقّاد كان لزاماً أنْ يكون استخدام طريقة عرض المسائل جليّاً و ملموساً في الفقه. إنّ زعماء حركة التصحيح كانوا قلقين من أنْ تأخذ البحوث الفكريّة في علم الاصول دوراً محوريّاً و أساسيّاً و باصطلاحهم تجد «الموضوعيّة» بحيث تغطّي على المقصود الأساسيّ أي الفقه. هدفهم هذا يختلف تماماً عمّا يتمسّك به بعض من لا يملك الخبرة الكافية في عصرنا هذا. هؤلاء كالأطفال يندهشون عند مواجهتم للأشياء، و بدل أنْ يتواضعوا و ينتفعوا يبادرون إلى رمي الحجارة و يفرّون، و يحملون على هذا الميراث الفكريّ العظيم بدون رحمة ليحلّوا عقدة جهلهم، و هذا جحد بيّن في عرصات العلم.

على أيّة حال فإنّ أهمّ الآثار الاصوليّة الّتي أُعدّت و حُرّرت في جوّ حركة التصحيح هي كالآتي:

1- «كفاية الاصول» لزعيم هذه الحركة و مؤسّس المدرسة الاصوليّة في النجف المرحوم الآخوند الملّا محمّد كاظم الخراسانيّ.

2- «مقالات الاصول» للآقا ضياء الدين العراقيّ.

3- «الاصول على نهج الحديث» للحاجّ الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ المشهور بالكمپانيّ.

4- «نهاية الدراية في شرح الكفاية» للكمپانيّ نفسه.

5- «فوائد الاصول» و «أجود التقريرات» كلاهما تقريرات درس الاصول للميرزا حسين الغرويّ النائينيّ (المتوفّى 1355 ه. ق).

6. «بدائع الأفكار» و «نهاية الأفكار» كلاهما أيضاً تقريرات درس الاصول‏

29

للآقا ضياء الدين العراقيّ.

تفوّقت مدرسة النجف الاصوليّة بسرعة على مدرسة سامرّاء و تجاوزت حدودها الجغرافيّة بسرعة أيضاً، فأتبعتها في نهجها جميع الحوزات العلميّة الشيعيّة الّتي تدور في فلكها، و قد صار كتاب «كفاية الاصول» كتاباً درسيّاً معروفاً على المستويات الرفيعة.

مدرسة قم أو مدرسة الاعتدال‏

لعلّه يمكن القول: إنّ ردّة فعل مدرسة سامرّاء الاصوليّة جرّت زعماء الحركة الإصلاحيّة في النجف نحو الإفراط، حتّى ابتلي رائد الحركة في تأليفه «كفاية الاصول» بالانغلاق و الرمزيّة في الوقت الّذي جهد فيه لأجل التلخيص و القناعة بأقلّ العبارات، و برزت في كتابه الجمل المبهمة الّتي أشبهت ما تكون بالألغاز و الكلام المعمّى الّذي صار تفسيره و بيانه في بعض الموارد محلّاً للنقاش و الجدل على مرّ السنين لدى المعلّقين على حاشيته، و إلى الآن نجد ذلك بين الفينة و الاخرى أيضاً.

و من المثير أنْ نشاهد الاختلاف في فهم مراده لبعض المطالب بين تلامذته الأوائل الّذين حضروا دروسه دون واسطة أيضاً.

في تلك الأثناء عزم واحد من أبرز تلاميذ المرحوم السيّد محمّد الفشاركيّ الأصفهانيّ (المتوفّى سنة 1316 ه. ق) و هو الحاجّ الشيخ عبد الكريم الحائريّ اليزديّ (المتوفّى سنة 1315 ه. ش) على تأليف كتاب تحت عنوان «درر الفوائد» (1) الّذي لم يقتد بكتاب «كفاية الاصول» من حيث السبك و صياغة العبارات و طريقة طرحه للمسائل، و لم يتبع فيه منهجيّة مدرسة سامرّاء، بل اشتهر بعد تأليفه بسبكه البديع و طرحه الجديد (2). و بمقارنة صغيرة بين كتاب «درر الفوائد» و بين ما سجّله‏

____________

(1) طبع هذا الكتاب أيضاً تحت عنوان «درر الاصول»، و لعلّ تغيير عنوانه كان من جهة اشتراك عنوانه الأوّل مع كتاب «درر الفوائد» للآخوند الخراسانيّ الّذي هو مجموع الحواشي الّتي كتبها على رسائل الشيخ الأنصاريّ.

(2) سمعت من خالي المعظّم رحمة اللَّه عليه نقلًا عن والده المفضال أنّه قال: بعد فترة من وفاة الفشاركيّ ذهبت إلى النجف، حيث زارني المرحوم الآخوند الخراسانيّ و طلب منّي في تلك الزيارة كتاب الدرر؛ فألقى فيه نظرة، ف‏

30

يراع (1) المرحوم السيّد محمّد الفشاركيّ «(قدس سره)» في «الرسائل الفشاركيّة» يتبيّن أنّ مؤلّف الدرر على الرغم من تأثّره بآراء استاذه العالم المتبحّر، إلّا أنّ أفكاره و آراءه البنّاءة و ابتكاراته الجديدة تتجلّى بوضوح في مواضع عديدة و انتهج بالإضافة إلى ذلك اسلوباً بديعاً اختصّ به في طرحه للمسائل، و من جانب آخر كان يُعدّ من طليعة المنتقدين لآراء صاحب الكفاية الاصوليّة عند أوج شهرته و رواج أفكاره (2). تجلّى هذا المنهج و اشتهر بعد تأسيس الحوزة العلميّة في قم بواسطة صاحب المقام الرفيع مؤلّف «درر الفوائد»؛ لذا نرى من المناسب أنْ نسمّي هذا النهج ب «مدرسة قم».

المميّزات الرئيسيّة لهذه المدرسة الاصوليّة هي عبارة عن:

1. البساطة في كتابة المباحث الاصوليّة و اجتناب التعقيد و الانغلاق فيها.

2. إزالة دقائق الامور الفلسفيّة و العقليّة المحضة من المباحث الاصوليّة (3)

____________

(1) ف و بعد أن قلّب بعض صفحاته قال بإنصاف: لو أنّي كنت رأيت هذا الكتاب من قبل لما كتبت كتاب «كفاية الاصول» بذلك الطرح و بتلك الصياغة.

(1) بصورة أشبهت بالمعجزة وقع بيدي متن تقريرات درس اصول الفقه للمرحوم الفشاركيّ الأصفهانيّ و بقلم و خطّ المرحوم الحاجّ الشيخ عبد الكريم الحائريّ اليزديّ طاب ثراه. يشتمل هذا الكرّاس على مجموعة كاملة من الأدلّة العقليّة. و قد وجد في قرية هزاوة من توابع أراك في منزل سماحة حجّة الإسلام المهدويّ الهزاويّ. و حسب نقله إنّ المرحوم الشيخ المؤسّس كان قد قضى صيفه في هذه القرية في أوّل سفر له لأراك، و عند ما ترك أراك وضع أثاث بيته من جملتها مجموعة من الكتب و الأوراق المخطوطة في غرفة صغيرة أشبهت بالمخزن، ثمّ نسي على الظاهر ما تركه هناك لكثرة مشاغله. و راقم هذه السطور بصدد طبع هذا الكرّاس لينتفع به أهل التحقيق، و يسألكم الدعاء لما هو خير و صلاح.

(2) إنّ كلّ مطلب نقل عن صاحب «كفاية الاصول» و تعرّض للنقد في كتاب «درر الفوائد» كان مصدره المجلّد الأوّل من الكفاية و حواشي صاحبها على رسائل الشيخ الأنصاريّ. و بالالتفات إلى تاريخ الطبعة الاولى للمجلّد الأوّل من الكفاية المؤرّخ 1324 ه. ق و المجلّد الثاني المؤرّخ سنة 1325 ه. ق يمكن معرفة تاريخ تأليف «الدرر» حدساً. لا شكّ أنّ ما سجّله في حواشي الدرر و الّذي يتعلّق بفترة إقامته في أراك و قم نقل مطالب أيضاً من المجلّد الثاني.

(3) إنّ بعض الكتّاب المعاصرين في علم الاصول قد شيّدوا المباني الاصوليّة على اسس فلسفيّة بصورة يمكن أنْ يقال معها: إنّ الاصول فرع من الفلسفة. اعتبر الشيخ المؤسّس هذا النوع من التعامل إفراطيّاً و لم يصادق عليه. و المشهور أنّه كان يقول في بعض أجوبته على الاعتراضات و الانتقادات العقليّة الّتي كان يوردها بعض تلامذته في حلقات الدرس: «على فرض أنّي لم ادرس المعقول لكنّي أملك عقلًا». و المراد من هذه الكلمة: أنّي أعتقد

31

و إحلال العرف و بناء العقلاء محلّها في تشييد القواعد الاصوليّة، و انتخابه اسلوباً عرفيّاً منطبقاً مع الذوق السليم في مباني استنباط الأحكام الشرعيّة.

3. التعامل الجديد مع المباحث الاصوليّة العميقة و المشكلة، و طرح الاستدلالات الجديدة لإثبات الرأي المختار.

الخصوصيّة الأخيرة ساعدت على اهتمام العلماء الكبار الّذين عاصروا المرحوم الشيخ المؤسّس بكتاب «الدرر» و نقد آرائه. من جملة اولئك العلماء البارزين: الآقا ضياء الدين العراقيّ في «مقالات الاصول» و الآقا الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ في «نهاية الدراية» و الحاجّ الآقا رضا مسجد شاهي الأصفهانيّ في «وقاية الأذهان».

و الجدير بالذكر أنّ نفس هذا المنحى و الذوق قد تجلّى في آثاره الفقهيّة أيضاً. و كذلك أنّ ما تركه من آثار فقهيّة يختلف بوضوح عن فقه النجف، فهو ليس مجرّد فقه حِرفيّ كما هو السائد في فقه النجف؛ بل إنّ القسم المهمّ من دقّته الفقهيّة متعلّق بفقه الحديث.

واصل تلاميذ و مريدو الشيخ المؤسّس متابعة نهجه بعمق و استيفاء ممّا أدّى إلى تمايز حوزة قم عن حوزة النجف بصورة أكبر. و يبدو أنّ هذا المنهج كان حاكماً على الجوّ العامّ للحوزة العلميّة المنوّرة في قم بحيث إنّ العلماء الكبار الّذين يردون هذه الحوزة و من جملتهم أيضاً آية اللَّه البروجرديّ تأثّروا من هذا الجوّ في تدريسهم، و من المعلوم أنّهم أثنوا على هذا النهج مرّات عديدة.

سمعت من أشخاص موثّقين أنّ آية اللَّه البروجرديّ «طاب ثراه» قال: يتجلّى بوضوح من «كتاب الصلاة» للمرحوم الحاجّ الشيخ (عبد الكريم الحائريّ اليزديّ) ثبات سليقته و قوّة ذوقه في مباحثه الفقهيّة و استخدامه للقواعد الاصوليّة.

هذا الكتاب‏

الكتاب الّذي بين يديك عزيزي القارئ هو أحد نتاجات مدرسة قم، امتاز-

ف بوجوب استخدام العقل في مجال علم الاصول بعيداً عن الشوائب و المغالطات و المجادلات الفنّيّة، و بعبارة اخرى: العقل قريب من العرف السليم.

32

بطرحه الأفكار البديعة، و بُعد النظر و عمق الفكرة و اجتناب الإطناب المملّ و الاختصار المخلّ. و يُعتبر استقلال الرأي و نقد آراء المشايخ من مختصّات المدرسة الاصوليّة في قم. و الّذي شاهدناه عياناً من العلماء البارزين في هذه المدرسة هو تركيزهم هذا الأمر، و أنّ ما ينقلونه عن الأساتذة هو لمجرّد النقد. بينما نرى أنّ التبعيّة للمشايخ و الاكتفاء بتقرير مطالبهم تعتبر أمراً ممدوحاً في معايير مدرسة النجف.

أدرك مؤلّف هذا الكتاب المرحوم آية اللَّه الحاجّ الشيخ مرتضى الحائريّ في شبابه درس والده المعظّم المرحوم الشيخ المؤسّس، لكن معظم ما استفاده كان من المرحوم آية اللَّه الحاجّ السيّد محمّد حجّت الكوه‏كمريّ (قدس سره)، و بعد ورود آية اللَّه البروجرديّ (قدس سره) كسائر أركان الحوزة في قم حضر دروسه أيضاً، إلّا أنّه لم يلاحظ عليه بأيّ وجه التبعيّة المطلقة لمباني المشايخ. حتّى أنّه لم يمرّ بآراء والده المعظّم في «درر الفوائد» مسلّماً دون مناقشةٍ رغم احترامه و إحساسه العاطفيّ الشديدين تجاهه، حيث أتذكّر أنّ عينيه تغرورقان بالدمع عند ذكر اسمه، إلّا أنّه عند ما يطرح مطلباً من الدرر كان يضيف عليه من فكره العميق و رأيه البديع و يقول: و الحقّ أحقّ أنْ يتّبع.

أستميح القارئ الكريم في ذكر خاطرة تخصّ سماحته تزيّن هذه السطور ليتعرّف الجيل الصاعد على القيم المعنويّة للعلماء أصحاب التقوى من رجال الدين المهذّبين:

في أحد الأيّام في حلقته الدراسيّة حينما أراد أن ينقل مطلباً من «درر الاصول»، سكت لبرهة ثمّ قال منقلباً: عند ما كنت في الليلة الماضية أكتب درس اليوم (حيث كان يُعدّ و يكتب درس كلّ يوم مسبقاً، و هذا الكتاب هو مجموع تلك الدروس) هكذا كتبت: قال والدي المرحوم ... و فجأة حصل لي ترديد بأنّ هذه الجملة هي جملة خبريّة، إذن كيف يمكنني أنْ اخبر بصورة قطعيّة و جازمة عن شمول رحمة الحقّ لأبي! فبادرت لُاغيّر تلك الجملة في قالب الدعاء: قال الوالد رحمة اللَّه عليه و غفر اللَّه له؛ في تلك الليلة رأيت أبي في المنام يقبّل يدي.

نظرة إجماليّة في آثاره الاخرى‏

كان المرحوم آية اللَّه الحائريّ يدوّن ما يلقي من دروس، لذا بقيت مجموعة

33

ثمينة منها، و قد اهتمّ حجّة الإسلام و المسلمين الحاجّ الشيخ محمّد حسين أمراللّهيّ اليزديّ أحد أبرز طلّابه بطبعها و نشرها بإجازة محرّرة بقلم استاذه المرحوم (قدّس اللَّه أسراره)، و هي الآن تطوي مراحلها التدريجيّة نحو الانتشار. و أنا بدوري أشكر سماحته لروحه العلميّة و استثماره المدّة الطويلة (1) الّتي حضرها لدى المرحوم، و الّذي يعتبر بحقّ أحد ذكريات استاذه العلميّة و العمليّة، و أسأل المولى العليّ القدير أنْ يجزيه خيراً. و من الإجحاف بمكان لو لم تُشكر مساعي حضرة حجّة الإسلام و المسلمين السيّد فاكر المدير المحترم لدار النشر التابعة لجامعة المدرّسين في الحوزة العلميّة في قم لما يبذل من جهود خالصة و اهتمامات كبيرة في نشر هذه الآثار، فجزاه اللَّه خير الجزاء.

فهرس الآثار كالآتي:

1. «ابتغاء الفضيلة في شرح الوسيلة» دُوّن هذا الأثر في خمس مجلّدات، حيث تمّ المجلّد الأوّل من هذه المجموعة في سنة 1383 ه. ق، و قد اهتمّ ابن اخت المرحوم و تلميذه الفذّ سماحة آية اللَّه الحاجّ السيّد عليّ المحقّق الداماد دامت بركاته بطبعه و نشره. و هذا الأثر شامل لدروس المكاسب إلى آخر مبحث الشروط، و اختصّ المجلّد المطبوع منه بالمكاسب المحرّمة.

2. «صلاة الجمعة» في مجلّد واحد، و رغم أنّ طباعته بدأت في حياة المرحوم إلّا انّ الأجل المحتوم لم يتح له الفرصة ليشرف على نشره. و قد صدر إلى السوق بعد وفاته.

3. «الخمس» في مجلّد واحد. و قد طبع و نشر هذا الأثر بعد وفاة المؤلّف.

4. «خلل الصلاة و أحكامه» في مجلّد واحد. و طبع و نشر هذا الأثر بعد وفاته أيضاً.

5. حاشية على كفاية الاصول للمرحوم الآخوند الملّا محمّد كاظم الخراسانيّ، في مجلّد واحد.

6. حاشية على مكاسب الشيخ الأنصاريّ، في مجلّد واحد.

____________

(1) أدرك السيّد أمراللّهيّ اليزديّ حلقتين من دروس الاصول و أكثر دروس خارج الفقه من دروس استاذه.

34

7. «صلاة المسافر»، مجلّد واحد.

8. شرح العروة الوثقى للحاجّ السيّد محمّد كاظم الطباطبائيّ اليزديّ، في أربع مجلّدات. و قد حوى مباحث تحليليّة في الموضوعات الفقهيّة من الاجتهاد و التقليد إلى أحكام الأموات (فصل في أنّه يجب المماثلة بين الغاسل و الميّت).

9. «اصول عقائد»، باللغة الفارسيّة و في مجلّد واحد.

10. «دفتر خاطرات» بالفارسيّة، و هي مجموعة خواطر طبعت بدون إذن الورثة تحت عنوان «سرّ دلبران».

11. «الخيارات»، و هي بحوث اخر دورة تدريسيّة له، و مما يؤسف له أنّه وفّق فقط لتدريس و تدوين بعض أقسام الخيار. و يبدو حسب معلوماتي أنّه سيطبع ضمن كتاب «ابتغاء الفضيلة».

12. مقالات متفرّقة في التفسير باللغتين العربيّة و الفارسيّة، و الّتي ينبغي طبعها على شكل مجموعة.

13. «مباني الأحكام في اصول شرائع الإسلام» في مجلّدات ثلاثة تضمّ دورة كاملة في اصول الفقه، يحتوي المجلّد الأوّل منها المباحث الابتدائيّة من علم الاصول إلى نهاية مباحث الألفاظ، و يبدأ المجلّد الثاني منها بأوّل القطع و ينتهي بقاعدة لا ضرر، و يضمّ المجلّد الثالث مباحث الاستصحاب إلى آخر الاجتهاد و التقليد. و من الجدير بالذكر أنّ مطالب من الدورة الثانية لتدريس اصول الفقه اضيفت إلى المجلّد الأوّل و الثاني في قالب الهوامش، و هذا الكتاب هو المجلّد الأوّل من هذا الأثر الّذي كتب حوله باختصار.

14. «دفتر اشعار». كان المرحوم آية اللَّه الحائريّ يتمتّع بذوق شعريّ و قد سمعته يوماً يقول: عند تشرّفي لزيارة ثامن الأئمّة في كلّ سفرة أقوم بها لخراسان كنت أنظم قصيدة في مدح الإمام العظيم، انشدها عند ورودي لمزاره الشريف كنت و اخاطبه بها. و قد رأيت أنا شخصيّاً هذا المشهد ذات مرّة عند ما كنت في خدمته في إحدى السفرات، و كان مشهداً خالداً في ذاكرتي، حيث كان يخرج دفتر ملاحظاته‏

35

من جيبه حال وصوله المرقد الشريف و هو كالعاشق الواصل في حضرة معشوقه، يتحدّث معه و يحلّق في مدحه و ثنائه، مستدرّاً الدمع من عينيه، و في نفس الوقت كان يردّد شعره ولهاً، سعيداً و نشيطاً. و قد قرأ قصيدة كان آخر أبياتها:

گر از تقدير نامم مرتضى شد* * * ز نامى نامش اين عنوان گرفتم (1)

و غير هذه القصائد الشريفة كان ينظم بين الأوانة و الاخرى شعراً يدلّ على روحيّته اللطيفة و حسّه المرهف. و من خلال نظرة في هذه الآثار يتمكّن أهل النظر و الخبرة- الذين لم يروه- من إدراك عظمته الروحيّة بسهولة.

إنّ آثاره الفقهيّة و الاصوليّة تكشف عن عمق فكره الفقهيّ، و أنّ سائر آثاره الاخرى تشير إلى صفائه و خلوصه و تقواه و إيمانه الرفيع. و يظهر من خلال شعره عدم اهتمامه بزهو الدنيا و زخارفها و استهزاؤه بالمقام و الخدم و الحَشَم. و قد أنشد شعراً في فراق صديق تارة و في نعي رفيق اخرى. و على سبيل المثال عند ما سمع بخبر وفاة المرحوم آية اللَّه الحاجّ الميرزا حسن البجنورديّ «طاب ثراه» بكى من شدّة تأثّره و أنشد قصيدة بهذه المناسبة تحت عنوان «تبريك منزل» دالّاً بها على منزله الجديد؛ ذلك أنّ المرحوم البجنورديّ لم يكن يملك منزلًا شخصيّاً مدّة حياته في النجف الأشرف.

و كان المرحوم آية اللَّه البجنورديّ طاب ثراه فقيهاً، اصوليّاً، حكيماً، و متكلّماً و أهمّ من ذلك كلّه كان أديباً مقتدراً. لكنّ الّذي جلب اهتمام المرحوم الحائريّ اليزديّ من جميع تلك الصفات و الكمالات هو زهده و صفاؤه، و هذا الّذي جعله يودّع الدار الدنيا دون أنْ يكون له فيها عقاراً أو ملكاً. بالضبط كما كان يعيش الحائريّ نفسه. و البيت الّذي تركه الحائريّ هو نفس ذلك البيت الّذي تركه له أبوه بدون أيّ تغيير، و إذا حصل تغيير فإنّه كان لأجل درء الخطر عن النفس أو الخوف من التخريب. و يعتقد محرّر هذه الكلمات أنّ حفظ هذا المنزل على هذا الحال سيكون معلّماً خالداً لتعليم الأخلاق و تربية الطلبة.

إنّ الّذي نقلناه هو انموذجٌ من الفضائل الأخلاقيّة و نبراسٌ للوجدان الطاهر

____________

(1) إذا كان القدر قد سمّاني مرتضى فإنّي من شهرة اسمه أخذت هذا العنوان.

36

و الروح العالية ذات الإنصاف و العدالة و الحرّيّة في التفكير و العمل و البعيدة عن كلّ ما يدلّ على التعصّب.

هذا. و أنّ ما أوردناه كان متناسباً مع مقدار البحث و إلّا فإنّ الشاعر يقول:

يك دهان خواهم به پهناى فلك‏* * * تا بگويم وصف آن رشك ملك (1)

أجل إنّ فقدان أصحاب الوجوه النورانيّة و النماذج الأخلاقيّة و مصاديق القيم الإنسانيّة الّتي يذكرنا لقاؤها بحياة الإنسان الكامل و الأولياء الإلهيّين قد جعل الطلبة النجباء اليوم يحملون مصابيح بأيديهم ليبحثوا في ظلام دنيا اللامبالاة الأخلاقيّة و انعدام الفضائل عن أمثال اولئك الأولياء. و لمّا لم يجدوا ما يصبون إليه قد ضجروا من الشياطين المفترسين و مضوا إلى حيث الانتظار و الأمل، وعليه يمكننا أنْ نتمثّل في فقدان آية اللَّه الحائريّ بقول الشاعر:

هيهات أنْ يأتي الزمان بمثله‏* * * إنّ الزمان لمثله لعقيم‏

اللّهمّ اغفر له و لأبيه و لجميع المؤمنين و المؤمنات و عجّل في فرج وليّك و وفّقنا لما تحبّ و ترضى.

مصطفى المحقّق الداماد

____________

(1) إنّني أحتاج إلى فم بوسعة الفلك حتّى أتمكّن من وصف غبطة الملك.

37

و إيّاه نعبد و إيّاه نستعين، ربّنا عليك توكّلنا و إليك أنبنا و إليك المصير

الحمد للَّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّدنا خاتم النبيّين، محمّد و آله الطاهرين، و على جميع الأنبياء و المرسلين، و على الملائكة المقرّبين،

و رحمة اللَّه‏

و بركاته.

38

أصل [في الوضع و أقسامه‏]

قد قسّموا الوضع إلى العامّ و الخاصّ (1) و قالوا: إنّه إذا كان الوضع عامّاً فتارةً يكون الموضوع له عامّاً و اخرى يكون خاصّاً، و أمّا إذا كان الوضع خاصّاً فلا يتصوّر

____________

(1) بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

و له الحمد في الآخرة و الاولى‏

و الصلاة و السلام على رسوله خاتم الأنبياء، و الأئمّة الهدى من اسرته، و على جميع الأنبياء العظام، و رحمة اللَّه و بركاته.

و بعد فهذه تعليقة على كتابنا في الاصول المسمّى ب «مباني الأحكام في اصول شرائع الإسلام»، و نسأل اللَّه التوفيق لما يحبّ و يرضى و التجنّب عمّا يسخطه و ينهى.

(*) لا بأس بالإشارة إلى ما هو حقيقة الوضع، فنقول بعونه تعالى:

إنّهم اختلفوا في كونه هو الأمر الاعتباريّ كالملكيّة و الزوجيّة حتّى يوجد بالجعل و الإنشاء أو كونه التعهّد على الاستعمال و إلقاء اللفظ الخاصّ عند إرادة المعنى المخصوص؟

و التحقيق: أنّه ليس إلّا صدق قضيّة تعليقيّة، و هي جعل اللفظ بدلًا عن المعنى في مقام الإلقاء دائماً أو في مدّة مديدة، فإذا علم بتلك القضيّة التعليقيّة علم بالوضع و ينسبق المعنى عند إلقائه ممّن كان التعليق صادقاً بالنسبة إليه، و الموجد للتعليق المذكور هو التعهّد، لا أن يكون التعهّد حدوثاً أو بقاءً هو نفس الوضع، لوضوح أنّه لو فرض صدق القضيّة التعليقيّة لترتّب الانسباق و التبادر و لو لم يكن تعهّدٌ في البين، كما أنّه لو فرض التعهّد و لكن علم بالغفلة عنه دائماً- مثلًا- فلا ينسبق المعنى. و أمّا الجعل و الاعتبار فليس له مدخل فيه أصلًا، لظهور حصولِه بالتعهّد- و لو لم يكن جعلٌ في البين- و عدمِ حصوله بالجعل المحض إذا فرض خلوّه عن التعهّد. نعم، لا بأس بالقول بتحقّقه بالجعل، من باب كون مفاده التعهّد على ذلك، لا أن يكون مجعولًا بذلك اعتباراً.

39

إلّا كون الموضوع له خاصّاً، فالأقسام ثلاثة، لعدم تصوّر أن يكون الوضع خاصّاً و الموضوع له عامّاً؛ لكنّ بعضاً منهم- كالوالد الاستاذ طاب ثراه في الدرر (1)- تصوّر القسم الرابع و هو أن يكون الوضع خاصّاً و الموضوع له عامّاً.

و تحقيق الكلام في ذلك يحصل بعون اللَّه تعالى في طيّ امور (1):

____________

(1) المقصود من ذكر الامور المذكورة في المتن بيان رفع الإشكالين في المقام ربما يمكن توهّم ورودهما على التقسيم المعروف:

فالأوّل منهما: أنّه بعد كون المقصود من الوضع هو المعنى الّذي يوضع اللفظ بإزائه- من باب أنّه ليس المقصود هو المعنى الّذي لم يوضع له اللفظ- فلا فرق بين الوضع و الموضوع له حقيقةً، فلا معنى للتقسيم المبنيّ على التعدّد بقولهم: إنّ الوضع- مثلًا- قد يكون خاصّاً و الموضوع له خاصّاً أيضاً، لأنّه أمر واحد، و قولهم: إنّ الوضع قد يكون عامّاً و الموضوع له يكون خاصّاً، إذ لا يمكن أن يكون شي‏ء واحد خاصّاً و عامّاً في لحاظ واحد.

و الثاني منهما: أنّهم حكموا بإمكان الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ، بخلاف العكس، مع عدم وضوح الفرق بينهما، إذ كما أنّ الخاصّ بما هو خاصّ لا يكون وجهاً للعامّ لا يكون العامّ بما هو عامّ أيضاً وجهاً للخاصّ، و إن القيت في العامّ حيثيّة عمومه و لوحظ مرآةً للخاصّ فيمكن نظير ذلك في الخاصّ أيضاً.

و ملخّص الجواب عن الأوّل: أنّ المقصود من الوضع هو الموضوع له اللفظ في مقام التعهّد أو الجعل- على اختلاف المسلكين- و من الموضوع له هو ما وقعت العلقة بينه و بين اللفظ بعد التعهّد في مقام الانطباق، و هما متّحدان من حيث الماهيّة في الوضع العامّ و الموضوع له العامّ و الوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ، بخلاف الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ فإنّ بينهما التفاوت، من جهة كون المعنى الملحوظ في مقام الوضع صورة إجماليّة من الموضوع له في مقام الانطباق حيث يستعمل في أفراد ذلك العامّ، فالموضوع له في القسم الثالث هو المعنى العامّ لكن لا بقيد العموم، كما في تعلّق الحكم الانحلاليّ بالعامّ كما في أكرم العلماء.

و بعبارة اخرى: يكون الوضع هو الموضوع له في مقام إيجاد الربط بين اللفظ و المعنى في مقام الإنشاء أو التعهّد، و الموضوع له هو المعنى في مقام حصول الربط بينهما.

و ملخّص الجواب عن الثاني: أنّ العامّ بعد جعله وجهاً للخاصّ و مرآةً للأفراد و الخصوصيّات يكون عامّاً أيضاً و لا ينقلب عن عمومه، و هذا بخلاف الخاصّ فإنّه بعد إلقاء الخصوصيّة ينقلب إلى المفهوم العامّ بمعنى الكلّيّ.

و من ذلك يظهر استحالة كون الوضع عامّاً بمعنى الكلّيّ القابل للصدق على الكثيرين و الموضوع له عامّاً بمعنى الصورة الإجماليّة للأفراد، فيلاحظ- مثلًا- عنوان العامّ و يضع اللفظ لعنوان العلماء، و كذا الوضع العامّ بمعنى الكلّيّ و الموضوع له الخاصّ كما لا يخفى.

فقد تلخّص ممّا ذكرناه في التعليق و المتن أنّ الوضع إمّا يكون خاصّاً فالموضوع له لا بدّ أن يكون خاصّاً، و إمّا-

(1) درر الفوائد: ص 36.

يكون كلّيّاً فالموضوع له لا بدّ أن يكون كلّيّاً، و إمّا يكون عامّاً بمعنى الصورة الإجماليّة من الأفراد- كعنوان العلماء و الأفراد و الخصوصيّات- فالموضوع له يمكن أن يكون ذلك العنوان الإجماليّ، و يمكن أن يكون نفس الأفراد، و يمكن أن يكون مجموع الأمرين كما أشرنا إلى ذلك في المتن، و يمكن أن يكون الوضع و الموضوع له متباينين إذا كان كلّ منهما قابلًا لحمل معنىً واحدٍ عليه لكنّ الوضع مورد للحمل الأوّليّ و الموضوع له مورد للحمل الشائع؛ فالأقسام الممكنة خمسة: فمنها الوضع المباين للموضوع له المباين بالشرط المذكور، و الوضع العامّ بمعنى الصورة الإجماليّة و الموضوع له أمران الخاصّ و العامّ. و الظاهر إمكان قسمين آخرين و هما الوضع العامّ بمعنى الصورة الإجماليّة و الموضوع له العامّ بمعنى الكلّيّ، بأن يلاحظ الصورة الإجماليّة من عدّة كلّيّات و يضع اللفظ لكلّ واحد من الكلّيّات، أو كون الموضوع له مجموع الأمرين من الصورة الإجماليّة و كلّ فرد من الكلّيّات، فالممكن سبعة أقسام؛ و أمّا غيره فهو الوضع الخاصّ و الموضوع له العامّ بأيّ معنىً للعامّ، و كذا الوضع العامّ بمعنى الكلّيّ و الموضوع له العامّ بمعنى الصورة الإجماليّة كما لا يخفى.

40

الأوّل: أنّه ليس المراد بالوضع في التقسيم المشهور المعنى الملحوظ قبل الوضع الّذي به ينتقل الذهن- من باب تداعي المعاني- إلى المعنى الّذي يريد وضع اللفظ بإزائه، و لا المعنى الّذي يحصل أوّلًا في الذهن ثمّ يجعل وجهاً للمعنى الموضوع له إذا لم يمكن تصوّر المعنى الموضوع له إلّا بالوجه الّذي تصوّره في الذهن أوّلًا، و لا ما يكون متصوّراً عند الوضع و يكون وجهاً للمعنى الموضوع له و لكن لم يتعلّق به الوضع، و لا خصوص ما يكون متصوّراً عند الوضع و يكون وجهاً له من باب الاتّحاد:

أمّا الثلاثة الاولى فلأنّه لو كان المقصود ذلك لم تكن الأقسام منحصرةً في الأربعة، بل يمكن أن يكون الوضع مِثلًا و الموضوع له مِثله الآخر، و الوضع ضدّاً و الموضوع له ضدّه الآخر؛ مضافاً إلى أنّه لا فائدة علميّة و لا عمليّة في تقسيم الوضع بذلك المعنى إلى الأقسام المذكورة.

و أمّا الرابع فلأنّ لازمه إمكان أن يكون الوضع مفهوماً مبايناً و الموضوع له مفهوماً آخر مبايناً له متّحداً في الوجود الخارجيّ، كأن يكون المعنى الملحوظ حين الوضع «الحسّاس مستقيم القامة» و الموضوع له «الضاحك»، كلّ ذلك واضح لمن تدبّر.

و ما في تقريرات بعض المعاصرين من «كفاية كون المعنى سبباً للانتقال في التقسيم‏

41

المذكور (1)» ممّا لا يقول به أحد قطعاً، كيف! و لا ينحصر في ما ذكروه، كما هو واضح.

و كيف كان، فإذا عرفت عدم كون المراد بالوضع في التقسيم المذكور ما ذكر من الاحتمالات و التصوّرات فاعلم أنّ المراد بالوضع هو المعنى الّذي تعلّق به الوضع و المراد بالموضوع له (1) هو الموضوع له في مقام الانطباق، فالمراد بالوضع هو الموضوع له في مقام إنشاء الوضع أو تعهّد الاستعمال- على خلاف المسلكين في معنى الوضع- و المراد بالموضوع له هو الموضوع له في مقام الانطباق.

الثاني: أنّ العامّ الّذي ذكر في مقام التقسيم لا ينحصر في مثل أسماء الأجناس الّتي هي من الكلّيّات الطبيعيّة بل مثل «العلماء» و «الأفراد» و «الخصوصيّات» و ما يقوم مقام ذلك أيضاً عامّ؛ و ما لا يمكن أن يكون وجهاً للخصوصيّات هو العامّ بالمعنى الأوّل، لوضوح أنّ الإنسان أو العالم لا يحكي إلّا عن نفس الطبيعة في الخارج و لا يحكي عن الخصوصيّات الفرديّة، و هذا بخلاف «الأفراد» و «الخصوصيّات».

فحينئذٍ يمكن أن يكون المعنى الّذي تعلّق به الوضع هو مثل تلك العناوين، و من المعلوم أنّ الموضوع له في مقام الانطباق هو الخصوصيّات، فالوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ متصوّر في العامّ بالمعنى المذكور جدّاً؛ و أمّا العكس فغير متصوّر، لأنّ الخاصّ مع فرض كونه خاصّاً لا يصير وجهاً للعامّ بحيث يحكي عن نفس الحقيقة الكلّيّة، بخلاف العامّ بالمعنى الثاني فإنّه يحكي عن جميع الخصوصيّات مع وصف العموم.

الثالث: أنّه قد ظهر ممّا ذكرنا أيضاً أنّ الوضع العامّ و الموضوع له العامّ على قسمين:

فتارةً يكون الملحوظ حال الوضع هو العامّ بالمعنى المنطقيّ- أي الكلّيّ الطبيعيّ- و الموضوع له أيضاً ذلك، و اخرى يكون الوضع و الموضوع له هو العامّ الاصوليّ الّذي‏

____________

(1) فقد يتّحد الموضوع له في مقام الإنشاء من حيث الماهيّة مع قطع النظر عن شخص اللحاظ للموضوع له في مقام الانطباق، كما في الوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ، و قد يختلف بحسبها، كما في الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ.

-

(1) تهذيب الاصول (تقريراً لبحث الإمام الخمينيّ (قدس سره)): ج 1، ص 8.

42

لوحظ فيه الأفراد، فيلاحظ مثلًا مفهوم الأفراد و يوضع اللفظ بإزاء ذلك المفهوم.

الرابع: إذا تصوّر الواضع العامّ بالمعنى الثاني فهل يمكن أن يوضع اللفظ له و للأفراد لأنّ العامّ بنفسه و الأفراد ملحوظة بالوجه فيوضع اللفظ في لحاظ واحد للوجه و لذي الوجه أم لا؟ فيه إشكال.

وجه الإشكال هو لزوم كون لحاظ العامّ آليّاً و مرآةً إلى الأفراد من جهة وضع اللفظ لها و استقلاليّاً من جهة كونه بنفسه متعلّقاً للوضع.

و لكنّ الّذي يقتضيه النظر عاجلًا عدم احتياج الوضع إلى اللحاظ الاستقلاليّ، فإنّ اللحاظ الّذي تعلّق بشي‏ءٍ من باب كونه حاكياً و فانياً في الشي‏ء الآخر- كاللفظ بالنسبة إلى المعنى- غير مغفول عنه. و ما هو المعروف من «كون اللحاظ الآليّ مغفولًا عنه» مدفوعٌ بما نشاهد من التوجّه إلى اللفظ عند إرادة المعنى، فإنّ الخطباء و البلغاء متوجّهون حين إلقاء الخطابة إلى الألفاظ و انسجامها مع كمال التفاتهم إلى المعنى، و من المعلوم بالضرورة استحباب التوجّه إلى المعنى في الصلاة و الأذكار الواجبة فيها مع لزوم التوجّه إلى اللفظ من جهة الصحّة و الفساد، فالظاهر تصوير هذا القسم أيضاً بأن يكون الوضع عامّاً و الموضوع له خاصّاً و عامّاً في وضع واحد، فتأمّل.

الخامس: أنّه يمكن تصوير قسم خامس، و هو أن يكون الوضع مبايناً للموضوع له لكن كان مشتركاً معه في الحمل بمعنى أنّه ما يحمل على الوضع بالحمل الذاتيّ يحمل على الموضوع له بالشائع الصناعيّ، و ذلك مثل عنوان «الربط» فإنّ عنوان الربط- الّذي هو معنىً اسميٌّ- مباينٌ لما هو الربط حقيقةً، لأنّ الأوّل ليس بربط بالحمل الشائع و الثاني ربطٌ كذلك، فلا يصدق عنوان الربط على حقيقة الربط إلّا بالتجريد عن الاستقلال المفهوميّ، و لا مانع من تصوّر الواضع عند وضع اللفظ لحقيقة الربط مفهومَ الربط الّذي هو بالحمل الأوّليّ يكون ربطاً (1) و يضع اللفظ لما هو ربط بالحمل الشائع.

____________

(1) أي يصدق عليه مفهوم الربط بالتجريد عن وجوده في الذهن على نحو الاستقلال، كما أنّ مفهوم شريك الباري ينطبق على ذلك بالتجريد عن الوجود الذهنيّ.

43

أصل [في المعاني الحرفيّة]

توضيح الحقّ في المعاني الحرفيّة يتمّ بعون الملك الوهّاب في ضمن امور:

الأمر الأوّل:

أنّه ليس المقصود من المعاني الحرفيّة المبحوث عنها في الاصول خصوص ما يكون مدلولًا لكلمة تسمّى حرفاً، بل المقصود هو الأعمّ منه و مما هو مدلول هيئة الأفعال أو ما يستفاد من الإعراب الدالّ على الإضافة و على المبتدئيّة و الخبريّة المستفاد منه الربط بينهما و ثبوت الثاني للأوّل، و الجامع أنّ المقصود شرح المعاني الّتي بها ترتبط المعاني المستقلّة بالمفهوميّة.

الأمر الثاني:

أنّ المعاني الحرفيّة على قسمين: قسم منها مفاده نفس الربط كالإضافة، فمدلول «غلام زيد» ليس إلّا إضافة غلام إلى زيد بلا دلالة على كيفيّة الإضافة، و قسم آخر منها مدلوله هو المعنى الّذي به يتحقّق الربط أي المعنى الّذي يكون ربطاً، مثل: قولنا «زيد في الدار» فكلمة «في» استعملت في الظرفيّة الّتي هي الربط بين زيد و الدار؛ و أمّا ما يكون معنىً له الربط فليس بحرف، كالأفعال. فتأمّل حتّى لا تشتبه عليك و تقول: إنّه ما الفرق بين «من» و الفعل الماضي مثلًا، إذ كلّ منهما ليس حقيقةً نفس الربط و كلّ منهما شريك في أنّ المفهوم هو المعنى المربوط؟ لأنّك قد عرفت أنّ مفاد الفعل هو المعنى المربوط و مفاد الحرف هو الربط أو المعنى الّذي هو ربط لا المعنى المربوط.

الأمر الثالث:

قال (قدس سره) في الكفاية ما خلاصته أنّ معنى «من» و كلمة «ابتداء» مثلًا

44

واحدٌ من حيث الموضوع له و المستعمل فيه، و إنّما الفرق بينهما في أنّ اللفظ في الأوّل وضع لأن يلحظ المعنى حالةً و آلةً في غيره بخلاف الثاني فإنّه وضع لأن يلحظ المعنى بنحو الاستقلال.

و لا يمكن أن يكون اللحاظ دخيلًا في المستعمل فيه؛ لأنّه لا فرق بين المعنى الاسميّ و الحرفيّ في كون كلّ منهما محتاجاً في حال الاستعمال إلى اللحاظ، فكما أنّ اللحاظ في الاسم ليس دخيلًا في المعنى فليكن في الحرف كذلك؛ و لأنّه لو كان اللحاظ دخيلًا في المعنى للزم تعلّق لحاظ آخر به، من باب أنّ لحاظ المستعمل فيه لازم حين الاستعمال، و المستعمل فيه مشتمل على اللحاظ على الفرض فيجتمع اللحاظان؛ و لعدم انطباق مثل «سر من البصرة إلى الكوفة» على الخارج إلّا بالتجريد، و هو خلاف الارتكاز في مثل تلك الاستعمالات، فالاختلاف إنّما يكون في الوضع لا في الموضوع له و المستعمل فيه (1).

أقول: لعلّ المقصود من الاختلاف في الوضع أنّ تقيّد «من»- مثلًا- بأن يكون اللحاظ آليّاً ملحوظ في ناحية الوضع، فالوضع مقيّد بذلك لا الموضوع له، فهو نظير شرط الوجوب في قبال شرط الواجب.

و كيف كان، ففيه أوّلًا: أنّ تقيّد المعنى باللحاظ خالٍ عن الإشكال؛ فإنّ الأوّلَ ليس إلّا القياس في اللغة؛ مع أنّه يمكن أن يكون الواضع تخيّل في المعنى الحرفيّ أنّ مفاده هو الربط الحقيقيّ، و هو لا يتحقّق إلّا مع تقيّده بالوجود كما توهّمه غير واحد من محقّقي معاصرينا، و هو و إن لم يكن واضح الصحّة إلّا أنّه يمكن أن يكون منشأً لتوهّم الواضع فوضع اللفظ في الحروف لوجود الربط المتحقّق في الذهن؛ و الثانيَ مندفع بكفاية لحاظ واحد عند الاستعمال و لو مع دخالة اللحاظ في المعنى، إذ يكفي في الاستعمال كون المعنى مدركاً، و لا ريب أنّ جزء المعنى مدرك بحصول صورته عند الذهن و نفس اللحاظ مدرك بنفس الحضور في الذهن و لا يحتاج إلى تصوّر

____________

(1) كفاية الاصول: ص 26 و 27.

45

صورة منه فيه بعد حضوره بنفسه في الذهن (1)؛ و الثالث أيضاً مندفع بأنّه لا ينطبق على الخارج إذا لم يؤخذ الوجود الذهنيّ حاكياً عن الخارج، فكما أنّ اللفظ يحمل على الخارج من باب كونه حاكياً عن المعنى و كذا يكون اللفظ في «زيد كثير الرماد» حاكياً عن المعنى الأوّليّ و هو حاكٍ عن الجود فلا غرو أن يكون اللفظ حاكياً عن الوجود الذهنيّ و يكون الوجود الذهنيّ حاكياً عن الخارج، كما هو المعروف في علم الجنس أو العهد الذهنيّ أو الذكريّ.

و ثانياً: على فرض عدم دخالة اللحاظ في المستعمل فيه كما هو الحقّ- لكن لا لعدم إمكانه لما ذكره، بل لما سيجي‏ء إنشاء اللَّه تعالى- فلا وجه لكون معنى «من» و كلمة «ابتداء»- مثلًا- شيئاً واحداً، بل البرهان قائم على أنّه بعد انفكاك المعنى الحرفيّ و الاسميّ عن اللحاظ الّذي هو الوجود الذهنيّ يكون ذات المعنى متفاوتة في مقام الاستعمال بحيث يكون المستعمل فيه في المعنى الحرفيّ معنىً مبايناً للمستعمل فيه في الأسماء.

بيان ذلك: أنّ الخصوصيّة الفارقة بين الاسم و الحرف- الموجودة بالضرورة و بالاتّفاق- إمّا أن تكون بحسب كيفيّة اللحاظ بمعنى أنّ الوجود الذهنيّ بما هو وجود في المعنيين مختلف، و إمّا لا تكون كذلك، فحينئذٍ إمّا أن تكون خارجةً عن المستعمل فيه أو داخلةً فيه، لا سبيل إلى الأوّلين فيتعيّن الثاني:

أمّا الأوّل منهما فلأنّه ثبت و تحقّق و علم بالوجدان أنّ الوجود بما هو وجود لا اختلاف فيه و إنّما الاختلاف في ناحية الذوات؛ مضافاً إلى وضوح أنّ كلّ شي‏ء موجودٍ مركّبٌ من الوجود و حدوده، و الأوّل متّحد بالذات و الثاني ليس إلّا الذات و الماهيّة.

و أمّا الثاني فلأنّه بعد فرض تحقّق الخصوصيّة الفارقة في ذات المعنى فعدمُ لحاظه في مقام الاستعمال. و استعمالُ اللفظ في أصل المعنى المشترك بينه و بين الاسم‏

____________

(1) فالمعنى مدرك بالعلم الحصوليّ، و اللحاظ الذهنيّ مدرك بالعلم الحضوريّ.

46

مستلزم للمحذور من جهات:

الاولى: أنّ انحلال المعنى في الحروف إلى الابتداء و الربط- مثلًا- ليس إلّا بعد التحليل و التعمّل العقليّ، و إلّا فذات المعنى أمر بسيط هو الربط الابتدائيّ أو الابتداء الّذي هو الربط، و لا يمكن أن يكون مركّباً من الربط و الابتداء حتّى يستعمل اللفظ في خصوص الابتداء و يلقى جزءه الآخر، فإنّه خلف بل مستلزم للتسلسل، فإنّ التركّب يحتاج إلى الربط، و هو أيضاً معنىً حرفيٌّ مركّبٌ يحتاج إلى الربط.

و الحاصل: أنّه ليس في البين إلّا المعنى البسيط الّذي هو صورة ما في الخارج، فلا يكون مفهومين حتّى يستعمل الحرف في أحدهما و يلقى الآخر.

الثانية: أنّه لو اغمض عن ذلك و فُرض إمكان تحليله عند العقل فلا ريب أنّه بعد التحليل ليس تفصيلًا للمعنى الحرفيّ بل ينقلب إلى الاسميّ، و هذا بخلاف انحلال الإنسان إلى الحيوان و الناطق أو المشتقّ إلى ذات ثبت له المبدأ، فإنّ التفصيل في الموضعين عين الإجمال و يحمل أحدهما على الآخر، و لكن في المعنى الحرفيّ إذا حلّل المعنى البسيط ليس المفصّل عين المجمل ذاتاً بل يباينه حقيقةً، لاحتياجه إلى الربط كما لا يخفى.

الثالثة: أنّ مفاد بعض الحروف- كأدوات الإضافة- ليس إلّا نفس الارتباط بالغير، فإذا القيت تلك الخصوصيّة فلا يبقى في البين شي‏ء يمكن استعمال الحرف فيه.

الرابعة: أنّه لا داعي إلى إلقاء الخصوصيّة الفارقة و جعلها بلا دالّ مع كون الوضع للإفهام و إلقاء المعاني، و على فرض صدور ذلك من الواضع فلا وجه لتبعيّة العرف له، بل العرف يستعملون الحروف في المعنى الملحوظ مع جميع خصوصيّاته فيصير المعنى حقيقةً فيه قهراً.

و الحاصل: أنّ دخالة الخصوصيّة الفارقة في ذات المعنى واضحة جدّاً بحمد اللَّه تعالى.

الأمر الرابع:

ربما يمكن أن يتوهّم أنّ وجود الربط ذهناً دخيل في المعنى الحرفيّ.

47

و وجه ذلك: أنّ المعاني الاسميّة غير مربوط بعضها ببعض، فلا ربط بين السير و البصرة و الكوفة، و ما يحصل به الربط ليس مفهوم الربط، فإنّه لا يحصل بذلك ربط و لذا لو ضممنا إلى المفاهيم السابقة الربط أيضاً لا يحصل ربط قطعاً؛ فما يحصل به الربط حقيقةً هو وجود الربط، و حيث لا يكون المستعمل فيه في الألفاظ هو الوجود الخارجيّ لوضوحِ تحقّق الاستعمال مع عدم وجود المعنى في الخارج أبداً و وضوحِ تحقّقه في القضايا السالبة فلا محالة يكون المأخوذ فيه هو الوجود الذهنيّ للربط.

و عندي أنّه في غير محلّه كما اشير إليه في الأمر السابق.

و تحقيق ذلك يتوقّف على ذكر مقدّمة:

و هي أنّ المفاهيم الّتي تستعمل فيها الألفاظ و تكون مورداً للانقسام إلى الكلّيّ و الجزئيّ لا يمكن أن تكون هي الوجود الخارجيّ، لتحقّقِ الاستعمال و الانقسامِ المذكور في ما ليس له خارجيّة أصلًا، بل تستعمل الألفاظ في ما يمتنع تحقّقه في الخارج كشريك البارئ و العدم و اجتماع النقيضين و الضدّين؛ و ليس المستعمل فيه هو الموجود الذهنيّ مع دخالة الوجود المذكور في المستعمل فيه بنحو الاستقلال، لوضوح أنّه على ذلك لا ينطبق على الخارجيّات؛ و ليس المستعمل فيه هو الموجود الذهنيّ بما أنّه حاكٍ عن الخارج، لوضوح أنّه يقال: «الإنسان كلّيّ و قابل للصدق على الكثيرين» و لا يكون المحكيّ و هو الخارج قابلًا لذلك.

بل المستعمل فيه- الّذي يقال له المفهوم اصطلاحاً و ينقسم إلى الكلّيّ و الجزئيّ- هو الموجود الذهنيّ مع التجريد عن الوجود الذهنيّ (بمعنى عدم دخالته في تعلّق الاستعمال به و الحكاية عنه) و حمل الكلّيّة و الجزئيّة عليه، فالمراد من المفهوم هو الملحوظ الذهنيّ مع التجريد عن اللحاظ و التوجّه إلى ذات المعنى.

إذا عرفت تلك المقدّمة فنقول:

الحقّ أنّ المعنى الحرفيّ مشترك مع المعنى الاسميّ في كون كلّ واحد منهما من سنخ المفاهيم بالمعنى الّذي عرفت في المقدّمة، فكما أنّ المعنى الاسميّ هو الملحوظ

48

في الذهن لكن مع التجريد عن اللحاظ في مقام الاستعمال كذلك الحرفيّ.

و الدليل على ذلك امور:

منها: أنّ قولنا «سر من البصرة إلى الكوفة» الّذي هو كلّيّ قابل للصدق على الكثيرين دليل على عدم دخالة الوجود في المعنى الحرفيّ حتّى الوجود الحاكي عن الخارج، إذ قد عرفت أنّ المحكيّ لا يكون كلّيّاً.

و منها: أنّ صريح الوجدان يحكم بأنّ مفهوم زيد و مفهوم قيام زيد متساويان في التصوّر و أنّه لا فرق بينهما إلّا في قلّة المفاد و كثرته؛ مع أنّه بناءً على أخذ الوجود في المعنى الحرفيّ لا بدّ أن يقال: إنّه في الأوّل جرّد عن الوجود و في الثاني اخذ فيه الوجود.

و منها: أنّ الأوضح من الوجه المتقدّم حكم الوجدان قطعاً بأنّ نحو استعمال قيامٍ و زيدٍ مع الإضافة الموجبة للربط بينهما واحد مع أنّ مقتضى أخذ الوجود في الحرف و عدم أخذه في المعنى الاسميّ اختلاف المفهوم المركّب المشار إليه في مقام الاستعمال.

و منها: أنّه لا وجه لتقدّم الربط بالوجود إلّا دخالة الوجود في الماهيّة، و هو محال، لأنّ كون الوجود جزءاً للذات أو تمام الذات مستلزم لكون الشي‏ء واجب الوجود كما لا يخفى.

فتحقّق أنّه لا فرق بين المعنى الاسميّ و الحرفيّ في كون المستعمل فيه هو المفهوم الّذي هو موجود في الذهن في متن الواقع لكن لم يلاحظ وجوده معروضاً للاستعمال، فمفهوم «زيد قائم» المشتمل على المعنى الاسميّ و الحرفيّ إذا تصوّر في الذهن تستعمل في مجموعه الجملةُ المذكورة بلا تفاوت بين الاسم و الحرف.

و ظهر ممّا أوضحناه و نقّحناه أنّ ما ذكر في بيان التوهّم لا يخلو عن الخلط، فإنّ ما اشير إليه من «أنّه لا يحصل الربط بصِرف مفهوم الربط» إن كان المقصود عدم حصوله بالمفهوم الاسميّ منه فهو واضح، و كذا إن كان المقصود بالمفهوم هو المعدوم المحض الّذي لا وجود له حتّى في الذهن، و المدّعى غير ذلك، فإنّا نقول بحصول الربط بمفهومه الحرفيّ الموجود في الذهن الّذي لم يلحظ فيه الوجود في مقام‏

49

الاستعمال و في مقام التعلّق بالطرفين؛ فما اشير إليه من «عدم حصول الربط بمفهومه» خلطٌ بين الربط الاسميّ و الحرفيّ و لعلّه اشتباه في المفهوم من المفهوم؛ و ما اشير إليه من أنّ «الربط يحصل بوجود الربط» أيضاً خلطٌ بين واقع الوجود و أخذ الوجود و لحاظه في مقام الاستعمال، فإنّ ما يحصل به الربط هو لا بدّ أن يكون موجوداً لكن لا يلاحظ وجوده في مقامي الاستعمال و الإضافة إلى الطرفين، كما أنّ الأمر كذلك في الطرفين، فإنّ كون الشي‏ء مربوطاً و مربوطاً إليه يحتاج إلى الوجود لكن لا يحتاج إلى لحاظ الوجود، و قامت الضرورة على أنّ ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت المثبت له و أنّ المعدوم لا يخبر عنه، فالإخبار عن زيد بالقيام يحتاج إلى الوجود في الطرفين لكن في عين التحلية به مجرّد عنه في مقام الاستعمال و النسبة.

و السرّفي جميع ذلك أنّ النسبة إنّما تقع بين الذاتين، فحيث إنّه لم يلاحظ الوجود في نفس الاستعمال و لم يلاحظ في مقام نسبة شي‏ء إليه فلا يحتاج الموضوع إلى الوجود، و حيث إنّ الاتّصاف عين العروض الذهنيّ فيحتاج إلى الوجود واقعاً، فالاحتياج إلى الوجود في مقام الانتساب و الاستعمال إنّما هو في مقام العروض لا في مقام الاتّصاف.

الأمر الخامس:

الظاهر كون المستعمل فيه في الحروف هو الربط الخاصّ المتقوّم بالطرفين فيكون جزئيّاً إضافيّاً، لأنّه إن كان الطرفان جزئيّين حقيقيّين يكون الربط المستعمل فيه الحرف أيضاً جزئيّاً كذلك، و إن كان كلّيّاً يكون الربط بينهما كلّيّاً أيضاً.

و البرهان على ذلك أنّه إن لوحظت خصوصيّة القيام بالطرفين الخاصّ في كلّ استعمال يكون المستعمل فيه خاصّاً و إن جرّد عن تلك ينقلب المعنى إلى الاسميّ.

و توضيح ذلك: أنّه قد بيّنّا في الأمر السادس أنّ المعنى الحرفيّ حتّى ما يتضمّن مثل الابتداء و الاستعلاء و الظرفيّة و غيرها يكون مفهوماً بسيطاً، إذ تركّب المعنى الحرفيّ من المفهومين يستلزم الانقلاب إلى الاسميّ و مستلزم للتسلسل؛ ف «من» مستعمل في الربط الخاصّ الّذي هو بسيط كما في الخارج، فإن كان المستعمل فيه في الحروف أصل الابتداء الربطيّ بإلقاء خصوصيّة قيامه بمثل السير و البصرة في المثال‏

50

المعروف فلا بدّ من الانحلال و التجزّي إلى أصل الربط و الخصوصيّة و استعمالِ اللفظ في أصل الربط، و هو ليس إلّا خلفاً، فإنّه ليس بحرف و لا بربط حقيقةً، فكون المستعمل فيه هو خصوص الارتباط القائم بالطرفين في كلّ استعمال لا الارتباط القائم بكلّيّ الطرفين واضح جدّاً.

فتحصّل ممّا ذكرناه أنّ المستعمل فيه في الحروف هو الارتباطات الخاصّة الّتي خصوصيّتها بمقدار تعلّقها بالطرفين فيكون جزئيّاً إضافيّاً على ما أرى.

الأمر السادس:

الظاهر عدم دخالة خصوصيّات الإضافات- غير الخصوصيّة العارضة له من تعلّق المعنى بالطرفين- في المستعمل فيه، بمعنى أنّ وضع المعنى الحرفيّ لا يوجب ذلك بذاته؛ فحينئذٍ لا إشكال في كون المستعمل فيه اللام مثلًا هو الأعمّ من الملكيّة و غيرها في آية الخمس (1) مثلًا، و كذا لا إشكال في استعمال اللام في قوله تعالى: «وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (2)» في الإضافة الأعمّ من كون الناس مقولًا له و مقولًا فيه. و المقصود من ذلك عدم انقلاب المعنى عن كونه حرفيّاً و عدم بأس بذلك من ناحية ذات المعنى الحرفيّ؛ و أمّا من ناحية الوضع فلا بدّ من تتبّع اللغة و موارد الاستعمالات، فإنّ عدم جواز استعمال «من» مثلًا في الأعمّ من الابتداء و الظرفيّة و الاستعلاء ليس إلّا لقصور الوضع لا لعدم صلاحيّة المعنى الحرفيّ لأن يكون جامعاً بين جميع تلك الإضافات.

هذا تمام الكلام في الأُمور الّتي بها اتّضح المعنى الحرفيّ بتوفيق اللَّه تعالى و له الحمد.

لكن بقي في المقام امور:

منها: أنّه يترتّب على ما ذكرناه- من دخالة خصوصيّة الطرفين في المستعمل فيه- عدم رجوع الاستثناء المتعقّب للعامّين فصاعداً إلى الجميع بناءً على عدم جواز استعمال اللفظ في الأكثر من معنىً واحد، لأنّ أداة الاستثناء موضوعة للإخراج الربطيّ‏

____________

(1) «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَى‏ءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ ...» سورة الأنفال: 41.

(2) سورة البقرة: 83.

51

بين المستثنى و المستثنى منه، و من المعلوم عدم لحاظ العامّين في مفروض المسألة إلّا على ما هما عليه من التفصيل، و لم يؤخذ عنوان الجملتين أو العامّين حتّى يصير المجموع بذلك مفهوماً واحداً، و الارتباط الإخراجيّ المتعلّق بأحد العامّين غير الارتباط الإخراجيّ المتعلّق بالآخر، و قد أوضحنا بما لا مزيد عليه دخالة خصوصيّة الطرفين في المعنى المستعمل فيه؛ فحينئذٍ إن استعملت أداة الاستثناء في الربط الإخراجيّ المتعلّق بكلا العامّين على ما هما عليه من الاستقلال- كما هو المفروض- فقد استعملت في المعنيين.

و منها: أنّه لا مانع من الأخذ بإطلاق المعنى الحرفيّ بالنسبة إلى الإضافات الخاصّة إذا كان المقتضي من جهة الوضع موجوداً، كما أنّه يمكن أن يكون من هذا القبيل ما ذكرناه في التعليق على المكاسب المحرّمة للشيخ العلّامة الأنصاريّ (قدس سره) في قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ثمن كلب الصيد، قال:

«لا بأس بثمنه، و الآخر لا يحلّ ثمنه» (1) من إمكان الأخذ بإطلاقه بالنسبة إلى الكلب السلوقيّ الّذي من سنخ الكلاب القابلة للتعلّم و يؤخذ للتعلّم للصيد، فإنّه كلب الصيد أيضاً باعتبار إضافته للصيد من باب كون نوعه يؤخذ لذلك، فإضافة الكلب إلى الصيد شاملة للإضافة الفعليّة فتشمل الكلب غير السلوقيّ الّذي تعلّم الصيد اتّفاقاً، و للإضافة باعتبار اللياقة الثابتة في النوع أو باعتبار ثبوت ملكة العلم بالصيد و إن لم يكن شغله فعلًا ذلك بل صار من الهراش مع العلم بالاصطياد. و دعوى الانصراف في خصوص المسألة الفرعيّة غير ضائرة بما هو المقصود بيانه في المقام من إمكان التمسّك بإطلاق المعنى الحرفيّ بالنسبة إلى أنواع الإضافات (2).

و منها: أنّ ما اشتهر في الألسن و نطق به الكاظميّ (قدس سره) في تقريره لبحث استاذه الميرزا

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 12 ص 83 ح 5 من ب 14 من أبواب ما يكتسب به.

(2) المثال لا يخلو عن المناقشة، من حيث ثبوت الإطلاق على كلّ حال و لو من باب ترك الاستفصال، حيث إنّه واقع في كلام السائل. و الأولى المثال له بالوقف على القمّيّ، حيث إنّه يشمل بناءً على ذلك من كان له إضافة إلى قمّ باعتبار المجاورة و التوطّن فيه و إن لم يكن وطنه الأصليّ، و من صار خارجاً عنه و لكنّه قمّيّ أيضاً. (منه (قدس سره)).

52

النائينيّ روّح اللَّه روحه الشريف من كون المعاني الحرفيّة مغفولًا عنها (1) غير واضح بل الصحيح خلافه، فإنّ المعاني الحرفيّة تقع مورداً للتكليف كما في قوله: «صلّ في الظهر» أو «صم في شهر رمضان» فكيف يكون مغفولًا عنها؟! بل قد يتعلّق الغرض بالإخبار عنها بالخصوص كما في قولنا «زيدٌ على السطح» فإنّ زيداً معلوم و السطح أيضا معلوم و إنّما المقصود الإخبار عن الارتباط الخاصّ بين زيد و السطح فكيف يكون مغفولًا عنه؟!

قال (قدس سره) في تقريره: الرابع: أن يكون المعنى حين إيجاده مغفولًا عنه، و هذا لازم كون المعنى إيجاديّاً و كون موطنه الاستعمال، بداهة أنّه لو كان ملتفتاً إليه قبل الاستعمال أو حين الاستعمال لما كان الاستعمال موطنه بل كان له موطن آخر غير الاستعمال، إذ لا يمكن الالتفات إلى شي‏ء من دون أن يكون له نحو تقرّر في موطن، فحيث إنّه ليس للمعنى الحرفيّ موطن غير الاستعمال فلا بدّ من أن يكون مغفولًا عنه نظير الغفلة عن الألفاظ حين تأدية المعاني بها (2). انتهى ملخّصاً.

و فيه أوّلًا: أنّ الوجدان أصدق شاهد على تقرّر المعنى الحرفيّ مع قطع النظر عن الاستعمال، فهو متقرّر في الذهن كالمعنى الاسميّ قبل الاستعمال، لأنّا نتصوّر قيام زيد قبل التلفّظ به و كذا السير من البصرة إلى الكوفة قبل استعمال اللفظ فيه. نعم، بعض المعاني كالنداء يوجد بنفس التكلّم الاستعماليّ، و هذا ليس مختصّاً بالحروف و لا من شأن الحرف بما هو حرف بل ذلك شأن الإنشاء؛ فالقسم أو النداء سواء انشئ بالمعنى الحرفيّ كالواو و الياء أو انشئ بالمعنى الاسميّ كاقسم و انادي يوجد بنفس التكلّم، و ذلك غير مربوط بكون المعنى حرفيّاً بل ليس ذلك إلّا من باب أنّه قصد به الإيجاد.

و ثانياً: أنّ كون المعنى ممّا يوجد عند الاستعمال لا يوجب امتناع الالتفات إليه قبل حصوله في وعائه، فإنّا نتصوّر ما يوجد بعداً في وعائه قبل حصوله بالضرورة.

و ثالثاً: سلّمنا عدم الالتفات إليه قبل الاستعمال فما البرهان على امتناع الالتفات إليه حين الإيجاد و الاستعمال؟

____________

(1) فوائد الاصول: ج 1 ص 45. (2) فوائد الاصول: ج 1 ص 45.