مباني الفقيه‏

- الشيخ محمد تقي الفقيه المزيد...
258 /
1

[المدخل‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

و الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمد و على آله الطيبين الطاهرين.

و بعد فهذا كتابنا (مباني الفقيه) و هو الجزء الثاني مما كتبناه في الأصول، و هو يتضمن مقدمة و ثلاثة مقاصد و خاتمة:

المقصد الأول: في القطع.

المقصد الثاني: في الظن.

المقصد الثالث: في الشك.

و أما الخاتمة فهي تتضمن أمورا كثيرة و فيها ثلاثة فصول:

الفصل الأول: في جملة من القواعد المهمة كقاعدة الفراغ و التجاوز و الصحة.

الفصل الثاني: في تعارض الأصول.

الفصل الثالث: في التعادل و التراجيح.

2

مقدمة:

علمت أن هذا الكتاب يتضمن مقدمة و مقاصد و خاتمة، و تسمى هذه المقاصد بالأصول العملية تغليبا، و قبل الشروع في المقاصد لا بد من ذكر أمر مهم يوضح وجه انحصار مباحث الكتاب في المقاصد الثلاثة:

و هو واضح لأن المكلف إذا التفت إلى الحكم الشرعي، فإما أن يقطع به أو يظن أو يشك، و يمتنع وجود حالة رابعة له، لتلازم الوهم مع الظن، فإن أحد الطرفين إذا كان راجحا كان الآخر مرجوحا لا محالة، مضافا إلى أن الوهم ليس موضوعا لأثر شرعي.

ثم إن المراد بالقطع ما يمنع من احتمال النقيض، و بالظن الطرف الذي لا يمنع من النقيض، و بالشك تساوي الطرفين.

و يشكل الأمر حينئذ بالنسبة للظن النوعي لاجتماعه مع الشك الشخصي، فيكون داخلا في الظن، لأن النوعي هو المقصود غالبا.

و يشكل أيضا بالنسبة للظن غير المعتبر نوعيا كان أم شخصيا كالاستحسان و القياس، لدخوله في مباحث الشك، و يمكن الاعتذار بدخوله حكما لا موضوعا، و بأن البحث عنه عند عروض هذه الحالات قبل معرفة أحكامها.

ثم إن المكلف على إطلاقه يشمل المجتهد و غيره، و يشكل الأمر بالنسبة لغير المجتهد فإنه لا يمكنه تشخيص موارد الأصول، و لو فحصها لم يجز له العمل بها لأنها أمور ظنية و لا طريق له لإثبات حجيتها بنفسه، بل يمتنع حصول هذه الحالات له لأنه ليس له قابلية النظر فيكون المقسم أعم من الأقسام، و اشتراك المقلد مع المجتهد في بعض مباحث القطع لا يفي بدفع الشبهة، و إرادة خصوص المجتهد حسن، إلا أنها محتاجة إلى القرينة، و هي لا تستلزم الاستطراد بالنسبة

3

لمباحث القطع المشتركة لكونها لازمة للمقصود و ليست مقصودة بالذات، و يمكن أن يكون الالتفات قيدا احترازيا مخرجا للمقلد، لأن المقلد بمنزلة غير الملتفت لأنه ليس له قابلية النظر، و دعوى دخول المقلد لاشتراكه مع المجتهد في العمل بالأصول في الشبهات الموضوعية بل و في الشبهات الحكمية بواسطة المجتهد كما ترى.

ثم إنه أشكل أيضا بأن الغافل قاصر و القاصر عاجز و تكليف العاجز قبيح فهو خارج عن المكلف تخصصا، فيكون التقييد بالالتفات توضيحيا، لأن الاعتذار عنه فرع دخوله في المكلف.

و الجواب: أن القدرة بهذا المعنى بشرط فعلية التكليف لا في أصله و اقتضائه، و لذا يجب عليه القضاء كما يجب على النائم و ليس ذلك إلا لتكليفه اقتضاء و لثبوت الملاك في حقه، و من ثم انطبق عليه عنوان الفوت و خوطب بقضاء ما فات، فالمكلف في العنوان شامل للملتفت و غيره، و لكن البحث هنا لما كان عن الأحكام الفعلية اختص بالملتفت فوجب الاحتراز.

و بعبارة ثانية أن الالتفات بمنزلة الموضوع للقطع و الظن و الشك لامتناع حصول هذه الحالات لغير الملتفت فهو لو لم يكن قيدا كان تمهيدا للحالات الثلاثة.

ثم أن المراد بالحكم الحكم الإنشائي، فإنه هو المعلوم إجمالا بعد العلم بالشريعة الذي تعرض له هذه الحالات الثلاثة.

إذا عرفت هذا فاعلم أن هذه العناوين ليست حدودا، و إنما هي أسماء و مسمياتها مرتكزة في أذهان أهل الفن، و بملاحظة وضوحها عندهم كان النقض و الإبرام.

4

المقصد الأول في القطع:

و الكلام فيه في مقامين: الأول في العلم التفصيلي، و الثاني في العلم الإجمالي.

المقام الأول في العلم التفصيلي:

و الكلام فيه في جهات عشرة:

الجهة الأولى: في معنى طريقية القطع الطريقي.

الجهة الثانية: في أن طريقيته ذاتية.

الجهة الثالثة: في وجوب متابعته في الجملة و ترتيب أثره.

الجهة الرابعة: في لزوم متابعته مطلقا من أي شخص حصل و من أي سبب حصل.

الجهة الخامسة: يتضمن توضيح الخلاف بين الأصوليين و الأخباريين في حجية القطع الحاصل من غير الكتاب و السنة.

الجهة السادسة: في التجري.

الجهة السابعة: في قيام الأمارات و الأصول مقام القطع الطريقي.

الجهة الثامنة: في تقسيم القطع إلى قسمين طريقي و موضوعي.

الجهة التاسعة: في أن إطلاق الحجية عليه ليس بمعناه الحقيقي.

الجهة العاشرة: في أن مؤدى لفظ العلم عند اطلاقه هو الطريقي لا الموضوعي‏ (1).

____________

(1)- قواعد الفقيه القاعدة 48 صفحة 174 الطبعة الثانية.

5

الجهة الأولى: في معنى طريقية القطع الطريقي و كاشفيته:

و لا ريب في كشفه و إراءته و طريقيته للمرئي و المنكشف، و لا نعني بالقطع أكثر من أن يرى القاطع المقطوع به على وجه لا يخالجه فيه شك و لا يخامره فيه ريب، فإن النفس إذا توجهت نحو الموجودات بل الممكنات بأقسامها يكون لها حالات خاصة، فإن جزمت بشي‏ء انتزع عنه القطع، و إن رجحته مع عدم المنع من النقيض انتزع الظن، و إلا فهو الشك، و بهذا الاعتبار انحصرت مقاصد الكتاب في الثلاثة، و أما بقية أقسام التصور كالوهم و التخييل فلا غرض للأصولي بالبحث عنها لأنها ليست موضوعا للأحكام الشرعية.

الجهة الثانية: في أن طريقيته ذاتية:

و لا ريب في أن طريقية القطع المذكورة ذاتية لا تقبل الجعل التشريعي لا رفعا و لا وضعا، بل لا تقبل الجعل التكويني لا استقلالا و لا تبعا، لأن طريقيته من لوازم ذاته نظير زوجية الأربعة، فإنها أمور خارجة عن الذات لا تنفك عنها و لا يمكن جعلها لا تكوينا و لا تشريعا، بل يكون وجود الذات علة لوجودها، لأنها من لوازمها، و هكذا سائر الأمور الانتزاعية كالفوقية و التحتية، فالبحث عن طريقية الطريق كالبحث عن زوجية الزوج.

و البحث عن أن الأمور الانتزاعية هل لها حظ من الوجود أو لا؟ بحث لا غرض لنا فيه. و ربما يفرق بين مشمشية المشمش و الفوقية و التحتية، و لكن الفرق غير واضح، و حينئذ فلو أريد جعلها و إيجادها كان ذلك طلبا للحاصل و هو محال.

و بعبارة ثانية: طريقية القطع إما أن تكون بالذات أو بالغير، و الأول هو المطلوب، و الثاني يستلزم التسلسل، و الملازمة واضحة، لأن طريقية كل شي‏ء لا بد من انتهائها إلى شي‏ء تكون طريقيته ذاتية، و إلا لزم التسلسل، و لا شي‏ء وراء

6

القطع يمكن الانتهاء إليه و الوقوف عنده، و بهذا يتضح كونه مستغنيا عن غيره، و كون غيره مفتقرا إليه.

و بعبارة ثالثة: كل نظري مفتقر إلى دليل، فإن فرض كونه نظريا كان مثله في الافتقار إلى أن ينتهي إلى ضروري، فإن انتهى إليه تمت الحجة و إلا تسلسل أو دار، و هذا معنى القاعدة المشهورة عندهم (كل ما بالغير لا بد و أن ينتهي إلى ما بالذات و إلا دار أو تسلسل).

الجهة الثالثة: في وجوب متابعته في الجملة و ترتيب أثره:

لا ريب في لزوم متابعة الواقع المنكشف و ترتيب آثاره، و ذلك أمر غريزي فطري يشترك فيه كل حساس، و أما متابعة القطع بمعنى ترتيب آثار ما قطع به، فإنها عقلية لأن صفة القطع لا تحصل لغير العاقل، لأن القطع تصديق، و التصديق قسم من العلم و العلم لا يحصل لغير العاقل، و مما ذكرناه ظهر الفرق بين الأمور العقلية و الأمور الفطرية، فإن الأول مختص بالعقلاء، و الثاني مشترك بينهم و بين غيرهم.

و اعلم أن هذه المتابعة عقلية محضة، و لا يمكن أن تكون شرعية سواء قلنا بأن الحجية منتزعة من التكليف بوجوب ترتيب الآثار في مورد يمكن فيه ذلك، أو قلنا بأنها موضوع له، فيكون جعلها بالأصالة و يكون التكليف منتزعا عنها، أعني أن الحجية هي التي تكون مجعولة ابتداء و أن وجوب العمل بها يكون حكما من أحكامها، و ذلك لأمور كثيرة:

منها: أن جعلها إثباتا فقط تحصيل للحاصل و هو محال، و إذا امتنع الجعل إثباتا امتنع نفيا، لأن الممكن ما يتساوى طرفاه من حيث القدرة.

7

و منها: أن جعلها مطلقا نفيا و إثباتا مستلزم للتسلسل، لأن جعل الحجية أو نفيها لا بد من إثباته بدليل، و هذا الدليل لا بد أن يكون قطعيا، لأنه لو لم يكن قطعيا كان ظنا أو شكا أو وهما و كلها لا تثبت حجية القطع، لأنها دونه في المرتبة و الكاشفية بالضرورة، و إذا كان قطعا فهو مثله في الحاجة إلى دليل آخر يثبت حجيته، و هكذا إلى أن يدور أو يتسلسل.

و منها: أن جعلها نفيا فقط مستلزم للتناقض بنظر العقل و الشارع‏ (1).

الجهة الرابعة: في لزوم متابعة القطع مطلقا من أي سبب حصل و لأي شخص حصل:

اعلم أن القطع حجة مطلقا، و لا فرق بين حصوله من الأدلة السمعية كالكتاب و السنة أو غيرها، و لا بين حصوله للقطاع و غيره، و ذلك لأن دليل حجيته عقلي، و الأحكام العقلية لا تقبل التخصيص، و توضيح ذلك أن القطع بعد حصوله تجتمع فيه أربع جهات:

أولها: الصورة الذهنية التي يتعلق بها العلم، فإن العلم يتعلق بالصورة الذهنية.

ثانيها: إراءته للمقطوع به، أعني ادعاء وجود مطابق خارجي للصورة الذهنية، فإن طابقته حقيقة كان علما بالمعنى الأخص و إلا كان جهلا مركبا.

____________

(1)- و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أنه لا ريب في ثبوت الأحكام الشرعية الواقعية لموضوعاتها المرسلة التي لم يجعل العلم بها جزء موضوع، كما أنه لا ريب أن الأحكام الواقعية مشتركة بين العالمين و الجاهلين، و لا ريب أيضا في عدم النسخ، فإذا حكم الشارع بحرمة الخمر ثم علم المكلف بخمرية مائع، و علم بأن الشارع حكم بحرمته يكون حكمه بعد ذلك بجواز مخالفة هذا القطع منافيا لحكم الشارع نفسه بالحرمة، مضافا إلى استلزامه مناقضة العقل لنفسه، لانتهائه بعد إلزامه بإطاعة الشارع و متابعته إلى أطع و لا تطع.

8

ثالثها: حالة الجزم التي هي ضد التردد و هي التي يتعقبها الانبعاث للمحبوب و الانزجار عن المكروه.

رابعها: حالة الجري العملي على وفق العلم بمعنى ترتيب آثاره عليه.

و بالجملة قد عرفت في ما مضى أن طريقية القطع ذاتية، و الأمور الذاتية يمتنع التفكيك بين أصنافها، لكونه من التفكيك بين معلولي العلة الواحدة، و التفكيك بين العلة و معلولها محال بالضرورة.

و من أجل هذا لا فرق في طريقية القطع بين حصوله للقطاع و غيره، و لا بين حصوله من الكتاب و السنة أو غيرهما، فلو ورد في الأدلة السمعية ما يوهم التفصيل وجب تأويله لكونه على خلاف الأدلة العقلية، فيكون العقل قرينة صارفة له عن ظاهره البدوي لأنها أقوى من القرينة اللفظية نظير قوله تعالى‏ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏ (1) بعد حكم العقل بامتناع التجسيم، و نظير قوله تعالى‏ وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ بعد حكم العقل بعصمة الأنبياء، و نظير قوله تعالى (إن اللّه يهدي من يشاء و يضل من يشاء) بعد استقلال العقل باستحالة الجبر و غير ذلك من الآيات.

و أما ما حكي عن بعض فضلاء الأخباريين فهو إما خارج عن محل البحث و إما ناشئ عن قصور، و اللّه المسدد.

____________

(1)- سورة الفتح آية 10.

9

الجهة الخامسة: تتضمن موردا معروفا من موارد الخلاف بين الأصوليين و الأخباريين:

اعلم أن محل الخلاف بينهم غير واضح‏ (1)، فإنه يحتمل أن يكون في حجية القطع الحاصل من غير الأسباب الشرعية، و يحتمل أن يكون في منع حصول القطع من غير الأسباب الشرعية، و يحتمل أن يكون في جواز ممارسة الأمور العقلية لتحصيل الأحكام الشرعية و عدمه، فهذه احتمالات ثلاث.

و الكلام في أصل هذه الجهة ينبغي أن يكون في موضعين:

الموضع الأول: في منشأ الخلاف:

و ربما يكون منشؤه أمران:

الأول: أن التصدي لتحصيل القطع بالأحكام الشرعية من غير الكتاب و السنة موجب لمخالفة الواقع كثيرا.

الثاني: الأخبار و هو العمدة:

منها: قولهم (ع): من دان اللّه بغير سماع من صادق فهو كذا و كذا (2).

و منها: خبر زرارة عن أبي جعفر (ع) و فيه: أما لو أن رجلا قام ليله و صام نهاره و تصدق بجميع ماله و حج جميع دهره و لم يعرف ولاية ولي اللّه فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على اللّه حق في ثوابه و لا كان من أهل الإيمان‏ (3).

____________

(1)- فإن ظاهر كلام الأسترآبادي عدم حجية القطع الحاصل من المواد البعيدة عن الإحساس و عدم جواز ممارستها و الاعتماد عليها، و ظاهر كلام الجزائري و البحراني تعارض القطعين المستفادين من عقليين أو نقليين، إلى آخر ما ذكراه من الصور، و هو من أقبح الأغلاط لأن القطع يمنع من احتمال الخلاف، فكيف يحصل غيره المضاد له.

(2)- المحاسن ص 286.

(3)- الوسائل م 1 باب 29 من أبواب مقدمة العبادة ص 90 ح 2.

10

و منها: قولهم (ع): حرام عليكم أن تقولوا بشي‏ء ما لم تسمعوه منا (1).

و منها: ما عن أبي عبد اللّه (ع): أما أنه شر عليكم أن تقولوا بشي‏ء ما لم تسمعوه منه‏ (2).

و هذه الأخبار إن دلت على ما يخالف العقل من حجية القطع يكون حالها حال قوله تعالى‏ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏ و قوله تعالى‏ وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا و أمثالهما من الآيات القطعية الصدور التي يستقل العقل بعدم جواز الأخذ بظاهرها، فإن ذلك من القرائن العقلية الموجبة لصرف الكلام عن ظاهره الذي لا يجوز الاعتماد عليه، و القرينة العقلية أولى بالصرف من القرينة اللفظية، و الذي تحمل عليه هذه الأخبار يمكن أن يكون هو الإرشاد إلى مواطن السلامة نظير النهي عن اقتناء كتب الضلال، و نظير النهي عن الخوض في القضاء و القدر، و نظير الأخبار الناهية عن الخوض في المسائل الكلامية، و يمكن أن يكون مولويا، و يمكن أن تحمل على غير ذلك، و وجود هذا النوع من الأخبار في كتب الحديث نظير وجود الآيات المجسمة أو النافية للعصمة أو الموجبة للجبر في القرآن الكريم مثل قوله تعالى (يهدي اللّه من يشاء و يضل من يشاء) التي لا يجوز الأخذ بها و يجب تأويلها.

الموضع الثاني: في الاحتمالات التي يمكن أن تنسب إلى الأخباريين‏

و إن كان ذلك ليس مهما لأن محل الخلاف بينهم غير واضح كما تقدم، و هي ثلاثة:

____________

(1)- الكافي ج 2 ص 402.

(2)- الوسائل م 18 باب 7 من أبواب صفات القاضي ص 41 ج 25.

11

أولها: أنه يمكن أن يكون في أن القطع بالحكم الشرعي هل يمكن أن يحصل من غير السماع من المعصوم أو ممن سمع منه أو لا بل لا يحصل إلا من الأدلة السمعية دون ما عداها؟

فالمقدمات العقلية الصرفة أو المقدمات التي يكون بعضها عقلي و بعضها سمعي شرعي لا يمكن تحصيل القطع منها بالحكم الشرعي، و هذا نزاع صغروي لا ينبغي الالتفات إليه، فضلا عن نسبة الخلاف فيه إلى جماعة من العلماء مضافا إلى أنه خلاف الوجدان، فإن القطع بالحكم الشرعي كثيرا ما يحصل من المقدمات العقلية الصرفة أو المنضمة إلى مقدمات شرعية.

ثانيها: أنه يمكن أن يكون محل النزاع في التفصيل بين الأسباب بمعنى تحريم الخوض في غير الأدلة السمعية في مقام تحصيل الأحكام الشرعية، و هذا ممكن ثبوتا إذ للشارع أن يردع عن أخذ أحكامه من غير طريق السماع، و لكنه يرجع للقطع الموضوعي و هو غير محل النزاع.

ثالثها: أنه يمكن أن يكون النزاع في نفس القطع بمعنى أن القطع الحاصل من الأخبار يكون حجة دون القطع الحاصل من المقدمات العقلية أو المقدمات التي يكون بعضها عقليا.

و فيه: أن هذا في القطع الموضوعي ممكن و أما في الطريقي فهو محال لما قدمناه.

الجهة السادسة: في مبحث التجري:

و فيه قولان بل أقوال و يتضح محل النزاع فيه ببيان أمور:

أولها: أن مثاله ما لو اعتقد وجوب شي‏ء فتركه، أو حرمة شي‏ء ففعله، فانكشف خطأ اعتقاده كان متجريا، و له صور أربعة باعتبار أنه قد يعتقد

12

الوجوب فيتركه فينكشف أنه مباح أو مكروه أو مستحب أو حرام، و قد يعتقد الحرمة فيفعله، فينكشف أنه واجب أو مكروه أو مباح أو مستحب، و ربما قيل باختلاف حكمه باختلاف هذه الصور، ثم إن نظير الاعتقاد في كل ما ذكرناه قيام الحجة و مخالفتها و انكشاف الخلاف.

و ربما يقال أن مخالفة الحجة الشرعية أهم من مخالفة الحجة العقلية، لأنه عصى تكليفه العقلي و الشرعي، بخلاف مخالفة القطع لأنه عصى تكليفه العقلي فقط.

و فيه: أن العقل هو المرجع في باب الإطاعة و العصيان، فلو فرض وجود حكم شرعي متعلق بالإطاعة كان إرشاديا.

ثانيها: أن الكلام في التجري إنما هو في مخالفة القطع الطريقي.

ثالثها: لا ريب أن الاعتقاد لا يوجب تحريم ما ليس بحرام، و وجوب ما ليس بواجب، و لا ريب أن النزاع لا يرجع إلى أن العلم هل يوجب تعنون المعلوم بعنوان يوجب قبحه أو حسنه أو لا؟ فالمائع الذي اعتقد خمريته فتجرأ و شربه و كان في واقعه ماء برتقال مثلا، لا يكون شربه قبيحا بواسطة هذا العنوان و إنما يرجع إلى قبح نفس التجري لا غير.

و أما نفس الفعل و متعلقه فلا يخرج عما هو عليه مع قطع النظر عن هذا العنوان.

رابعها: لا ريب أن المعتقد المخالف لما اعتقد معاقب عند نفسه قبل الانكشاف بالضرورة، و الكلام إنما هو بالنظر للواقع و أن العقل هل يحسّن معاقبته أم لا؟

13

خامسها: أن كلماتهم فيه مختلفة كما ستعرفه فيما يأتي عند نقل الإجماع، لأن السلف لم يتعرضوا له بعنوانه الخاص، و لأن من تعرض له اختلف مبناه فيه، كما يظهر من ملاحظة محكي كلماتهم في الرسائل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنه يمكن الاستدلال لحرمة التجري و استحقاق العقوبة عليه بأمور:

الأول: الإجماع المتصيد من كلماتهم في مسألة ظانّ ضيق الوقت إذا أخّر صلاته، و في مسألة ظان الخطر في السفر.

و فيه: أن مسألة التجري ليست محررة، فالإجماع المدعى متصيد و مثله كما ترى، و أن المحصل منه غير حاصل، و المنقول لو وجد غير مقبول، و أن المسألة عقلية لا مجال فيها للإجماع، و أنه قد خالف في الفرض المذكور غير واحد كالنهاية و التذكرة و شيخنا البهائي.

الثاني: تقبيح العقلاء، و فيه: أنه على الفاعل لا على الفعل، و على جهة الصدور لا على ما صدر.

الثالث: استقلال العقل بقبحه، إما بمعنى كونه علة تامة له للزومه لذاته كالظلم، و إما لأنه يقتضيه كالكذب، و اختار الأول في الرسائل و اختار الثاني في الفصول، و من ثم فصّل صاحب الفصول بين أقسام التجري الأربعة الآنفة، لأن ما يعتقد حرمته ثم يفعله قد ينكشف وجوبه فيكون فيه مصلحة تمنع من تأثير اقتضائه للحرمة، بخلاف باقي الأقسام.

الرابع: دليل الاستقصاء و الترديد، و تقريبه: أنا إذا فرضنا شخصين قاطعين بأن قطع أحدهما بكون مائع معين خمرا فشربه، و قطع الآخر بكون مائع آخر خمرا فشربه، فاتفق مصادفة أحدهما للواقع و مخالفة الآخر له، فهنا صور أربع:

14

الأولى: أن يستحق العقاب من لم يصادف الخمر دون من صادف، و لا سبيل إليه بالضرورة.

الثانية: أن لا يستحقا العقاب معا، و هو مثله لا سبيل إليه، لأن أحدهما ارتكب المحرم الواقعي ملتفتا إليه معتقدا به، فهو مستحق للعقاب قطعا.

الثالثة: أن يستحقه من صادف دون من لم يصادف، و هو مستلزم لإناطة العقاب بأمر غير اختياري.

الرابعة: أن يستحقا العقاب معا، و هو المتعين.

و التحقيق في الجواب أن يقال: أن مناط العقاب هو الإقدام على المحرم مختارا بشرط قابلية المحل مع عدم المانع، و توضيح ذلك، أن العلة في باب العلل الحقيقية تتوقف على المقتضي و الشرط و عدم المانع، و لكن الأثر ينسب إلى المقتضي فقط لا إلى الشرط و لا إلى عدم المانع، و إن كان كل من الثلاثة يشترك في قولنا لو لا كذا لما وجد الأثر، فالنار مثلا مقتض للإحراق، و يصح تسمية المقتضي بحامل الأثر، و تكون قابلية المحل و عدم المانع من المهيئات، و هذا أمر واضح.

إذا عرفت هذا فاعلم أن الإقدام من أفعال المكلف الاختيارية بلا ريب، و أنه هو المقتضي للعقاب، و تأثير هذا المقتضي مشروط بقابلية المحلّ للتأثر، و هو أمر خارج عن اختيار المكلف، فالقابلية ليست من أفعال المكلفين الاختيارية، و مصادفتها و عدم مصادفتها ليس دخيلا في العقاب، فإذا اعتقد المكلف وجود الشرط و تبين وجوده كان المؤثر وجود المقتضي و هو اختيار المكلف في الفرض، و هذا هو المصحّح لنسبة الفعل إليه بعد فرض وجود الشرط، أعني قابلية المحلّ، و بعد انتفاء المانع.

15

و إذا اعتقد أنه حرام فأقدم عليه و تبين فقدانه للشرط لعدم قابلية المحلّ، بطل تأثير المقتضي لانتفاء شرط تأثيره، و كذلك لو وجد المقتضي و اقترن بالمانع.

و قد ظهر من هذا أن الاختيار ليس علة تامة بل هو نظير المقتضي في باب العلل التامة، فدعوى علية الاختيار بمعنى المقتضي مسلمة، و لكنه لا يستوجب العقاب و الثواب ما لم يؤثر أثره.

إن قلت: إن جملة من الأخبار دلّت على العفو عمن نوى المعصية و لم يفعلها، و ذلك معناه وجود الاستحقاق.

قلت: إطلاق العفو إما مسامحة أو مجازا بعلاقة المشارفة، مضافا إلى أن جهات الإطاعة و المعصية من وظائف العقل، فالأخبار تكون إرشادية إلى حكمه.

بقي هنا أمور فيها فوائد سيالة:

الأمر الأول: أن الأقوال في التجري أربعة:

أولها: أنه لا يستحق عقابا على الفعل المتجرى به، و بعبارة أخرى أن قبحه فاعلي لا فعلي.

ثانيها: أنه يستحق العقاب مطلقا.

ثالثها: التفصيل بلحاظ ما يتجرى به، فإنه قد يكون فيه مصلحة مزاحمة لقبح التجري، كما لو اعتقد وجوب قتل كافر فتركه فتبين أنه نبيّ، و منه يعلم الحال في مراتب المنكشف من حيث الأهمية، و في اختلاف حكمه من حيث الحرمة و الكراهة و الاستحباب و الإباحة.

رابعها: التفصيل بين أنواع التجري الستة بلحاظ قصد المتجري، و هي القصد المجرد، و القصد مع الاشتغال ببعض مقدماته، و القصد مع التلبس بما يعتقد كونه معصية، و القصد مع التلبس بما يحتمل كونه معصية طمعا في تحقق المعصية،

16

و القصد مع التلبس لعدم المبالاة بمصادفة الحرام، و القصد مع التلبس برجاء أن لا يكون معصية مع الخوف من كونه معصية. و هذه الصور يجمعها عدم المبالاة بالحرام.

الأمر الثاني: أن الأمور منها ما يكون قبحه و حسنه ذاتيا كالظلم و العدل،

و منه التجري و الانقياد، و هي لا تتغير بالعناوين و الاعتبارات، و منها ما يكون حسنه و قبحه اقتضائيا، كالصدق و الكذب و هذه تتغير بالعناوين و الاعتبارات، و منها ما لا اقتضاء فيه.

الأمر الثالث: أن الفعل إنما يتصف بالحسن و القبح إذا صدر عن التفات،

أما مع صدوره غفلة فلا، و حينئذ فإذا اعتقد وجوب قتل انسان فتركه، فتبين كونه نبيا، لم يكن تركه منشأ لانتزاع حسن أو قبح، و كذلك لو تركه تجريا ثم تبين كونه نبيا، لأنه مجهول لدى الفاعل، فلا يقال فعل حسنا بترك قتله.

الأمر الرابع: لا إشكال في تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، و هل هي ذاتية أو أنها تدور مدار العناوين و الاعتبارات، وجهان.

و التحقيق: أن الأشياء منها ما هو علة تامة للحسن و القبح كالعدل و الظلم، و منها ما هو مقتض لها كالصدق و الكذب، و لذا قد يحسن الكذب لأمر أهم كتخليص نبيّ و قد يقبح الصدق إذا كان فيه هلاك ولي.

إذا عرفت هذا فحقيقة التجري تتوقف على تحقيق كون الاعتقاد برجحان الشي‏ء موجبا لتعنونه بعنوان حسن، و الاعتقاد بمرجوحيته موجبا لتعنونه بعنوان قبيح أو لا، احتمالان. و التحقيق هو العدم، لأن الحسن و القبح المبحوث عنهما دائما يكونان في مرتبة سابقة على العلم و الجهل، فإدخاله فيهما خلف من جهة، و فيه تقدم الشي‏ء على نفسه من جهة أخرى، و فيه لزوم التسلسل بعد حفظ

17

طولية الرتبة من جهة ثالثة، و قد أشار إلى شي‏ء من هذا المحقق صاحب الكفاية في مبحث التجري، و أشار إليه المحقق الآشتياني في مبحث آخر.

الأمر الخامس: و خلاصة الكلام في التجري أنه لا ثمرة له فقهيا،

لأن العقاب و الثواب بيد اللّه تعالى، نعم ربما تكون له علاقة في الفقه إذا كشف عن عدم وجود ملكة العدالة، و لأجل هذا ينبغي إهماله من مباحث الأصول، و اللّه العالم.

الجهة السابعة: في قيام الأمارات و الأصول مقام القطع الطريقي:

اعلم أن من خواص القطع الطريقي قيام الأمارات مقامه، لأن العقل هو المرجع في باب الإطاعة و لا فرق في نظره بين إحراز التكليف بالقطع و بين إحرازه بما هو منزّل منزلته عند الشارع، سواء كان إمارة أو أصلا، فإنه حينئذ يستقل بتنجز التكليف به، لأن هذا الظن بعد قيام الدليل القطعي على حجيته يكون منتهيا إلى قطعي، و كل دليل لا يكون حجة إلا إذا كانت حجيته ذاتية و يسمى ضروريا أو كانت حجيته ظنية منتهية إلى القطع و يسمى نظريا، و النظري لا يكون حجة إلا إذا انتهى إلى ضروري.

و أما القطع الموضوعي فالمتّبع فيه دليله، فإن المولى له أن يعتبر ما شاء في موضوعات أحكامه، فله أن يكتفي بإحراز الموضوع بالقطع أو بالأمارة أو بالأصل المحرز أو بغيرهما، و له أن لا يكتفي، و هذا واضح جدا.

و ينبغي أن يعلم أن القطع الموضوعي يكون في سلسلة شروط الموضوع.

و اعلم أن الأمور التي تقوم مقام القطع الطريقي كثيرة:

أحدها: ما ثبت حجيته من أخبار الآحاد في الأحكام.

ثانيها: البينة في باب القضاء.

18

ثالثها: البينة في غير باب القضاء بناء على عموم حجيتها للقضاء و غيره، كما هو الأقوى على ما يستفاد من ذيل رواية مسعدة بن صدقة، و هو قوله (ع):

و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة (1)، و قد ذكر أستاذنا الحكيم في مجلس الدرس أنه تتبع فلم يجد مدركا لعموم حجيتها غيره.

رابعها: خبر ذي اليد بناء على حجيته للسيرة و الإجماع‏ (2).

خامسها: الأصول المحرزة مما كان دليلها مغيّا بالعلم كالاستصحاب.

سادسها: أخبار أهل الخبرة في موارد اعتباره، و منه أخبار المفتي بفتواه.

سابعها: أخبار من لا يعرف الشي‏ء إلا من قبله، في موارد اعتباره كأخبار المرأة بخلوها و طهرها و حيضها و خروجها من العدة.

و المتتبع قد يجد أكثر من هذه الموارد، و ليس للفقيه أن يعتمد على ما ذكرناه إلا بعد المراجعة.

الجهة الثامنة: إذا أخذ لفظ القطع أو العلم أو المعرفة أو اليقين في لسان الدليل كان ظاهرا في الطريقي،

و بعد حجية الظهور يكون ذلك لازم الإتباع، و بهذه الملاحظة يصح أن يقال الأصل في القطع الطريقية، بمعنى أنه إذا ورد في لسان الدليل و شك في كونه على نحو الطريقية أو الصفتية فالأصل فيه أن يكون طريقيا، و لا يعدل عنه إلى الصفتية إلا بقرينة، و من ثم حملنا لفظ العلم المأخوذ في قاعدة الطهارة، و لفظ المعرفة المأخوذ في قاعدة الحل، و لفظ اليقين المأخوذ في أخبار الاستصحاب على الطريقي، و من أجل كونه طريقيا تقوم الأمارات مقامه، و تحكم على القواعد المغياة به.

____________

(1)- الوسائل ج 12 باب 14 من أبواب ما يكتسب به ص 58 ج 4.

(2)- لاحظ قواعد الفقيه قاعدة 60 صفحة 257 الطبعة الثانية.

19

و بالجملة إن مقتضى الجمود على ظاهر اللفظ البدوي و إن كان هو القول بأن العلم إذا أخذ في لسان الدليل هو صفة اليقين التي تمنع من احتمال الخلاف دون طريقيته، لأن تعليق الحكم على شي‏ء يقتضي أن يكون ذلك الشي‏ء موضوعا له، إلا أن الظاهر من لفظ العلم هو الطريقية، و ممن تعرض لهذا الآغا رضا الهمداني في باب الجماعة في مبحث عدالة الإمام.

هذا بالنسبة إلى لفظ العلم، و أما لفظ الوثوق و الاطمئنان و غيرهما فالمتبع فيه هو الظهور الأولي، أعني الموضوعية، إلى أن يثبت له ظهور آخر.

الجهة التاسعة: اعلم أن إطلاق الحجة على القطع مسامحة،

فإنها لغة اسم للغلبة، و في اصطلاح المناطقة اسم لسببها فتكون من باب تسمية السبب باسم المسبب، فهي إنما تطلق على الوسط المتكرر، فإذا قلنا العالم متغير، و كل متغير حادث كانت النتيجة العالم حادث لأنه متغير، فالتغير علة في ثبوت الأكبر و هو الحدوث للأصغر و هو العالم، و القطع معلول للوسط بعد تسليم المقدمات فهو مسبب عن الحجة المنطقية، و من أجل ذلك فهو لا يقع وسطا لأنه يلزم أن يكون علة لنفسه فلا يقال هذا معلوم الخمرية بل يقال هذا خمر.

نعم إذا كان القطع موضوعيا وقع في الشكل، لأنه يكون جزء الموضوع أو شرطه فهو حينئذ من قيود الصغرى.

تنبيه في بيان أقسام العلة:

العلة مرة تكون تكوينية فتسمى منطقية و أخرى تكون شرعية فتنسب للشارع و تسمى شرعية، و بعبارة واضحة العلة أو الوسط تنسب لمن أخذت منه الكبرى فإذا قيل العالم متغير و كل متغير حادث، أو قيل النار محرقة و كل محرق مؤلم كانت منطقية، و إذا قيل زيد في قولنا (جاء زيد) فاعل، و كل فاعل‏

20

مرفوع فزيد مرفوع كانت نحوية، و هكذا قولنا هذا ما قامت عليه البينة و كل ما قامت عليه البينة وجب العمل به كانت شرعية.

الجهة العاشرة في أقسام القطع:

اعلم أن القطع قسمان طريقي و موضوعي، أما الطريقي فقد مرّ الكلام فيه، و أما الموضوعي فيمكن أن يكون تمام الموضوع من حيث الصفة، و أما من حيث الطريقية فقد عرفت استحالته، ثم إن القطع الموضوعي الذي ليس هو تمام الموضوع بل جزؤه قد يكون مأخوذا على نحو الصفتية و قد يكون مأخوذا على نحو الطريقية، و شبهة اجتماع اللحاظين الآلي و الاستقلالي- لأن الموضوعية تستدعي لحاظه مستقلا و الطريقية تستدعي اللحاظ الآلي- مدفوعة بأنه لا مانع من إرادتهما معا في الكلام الواحد إذا كان إلقاء أحدهما إلقاء للآخر كما لو نظر وجهه في المرآة ليختبر صفاتها، و كإلقاء الفردين بلفظ الزوج مثلا نظير لفظ توأم فإن الفرد ملحوظ استقلالا و كونه مولودا مع غيره ملحوظ آلة.

ثم ينبغي أن يعلم أن الطريقية من ذاتيات القطع و لا تنفك عنه و تقسيمه الآنف لا ينافي ذلك، و إنما هو بملاحظات أخرى فليتنبه.

21

المقام الثاني: في بيان كفاية الامتثال الإجمالي و إجزائه مع التمكن من الامتثال التفصيلي أو عدم إجزائه‏

(1).

و توضيح ذلك يتوقف على بيان أمور:

الأمر الأول: للامتثال اليقيني مرتبتان:

أولهما: الامتثال العلمي التفصيلي، كما لو أحرز الصغرى و الكبرى تفصيلا و امتثل.

ثانيهما: الامتثال العلمي الإجمالي، كما لو نحصر الساتر بالثوبين المشتبهين فكرر الصلاة فيهما على وجه يعلم بأنه صلى صلاة بثوب طاهر.

الأمر الثاني: في تحرير محل النزاع،

و لا ينبغي الريب في كفاية الامتثال الإجمالي مع تعذر التفصيلي لاستقلال العقل به حينئذ، و إنما الكلام في الإجتزاء

____________

(1)- كان ينبغي تقديم هذا البحث و جعله فصلا من فصول الإجزاء، فيكون الكلام في الإجزاء في مواضع:

الموضع الأول: في إجزاء الإتيان بالمأمور به عن نفسه، بمعنى إجزاء الإتيان بالمأمور به الواقعي عن الواقعي، و الظاهري عن الظاهري، و الاضطراري عن الاضطراري.

الموضع الثاني: في إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري عن الواقعي، و في إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري عن الواقعي.

الموضع الثالث: هل يجزي الامتثال الإجمالي عن التفصيلي مع قدرته على التفصيلي، بمعنى إجزاء الإتيان بالمأمور به إجمالا عن الإتيان بالمأمور به الواقعي التفصيلي مع قدرته على الإتيان بالتفصيلي، كما لو أمر بالصلاة بالثوب الطاهر فوجد المكلف ثوبين يعلم بطهارة أحدهما و نجاسة الآخر و كان لا يميزهما مع أنه قادر على ذلك، فكرر الصلاة و صلى بكل منهما مستقلا على وجه يعلم بأنه صلى صلاة بثوب طاهر، فإن قلنا بعرضية الامتثالين أجزأه و إلا فلا، و ستعرف ذلك في أصل المسألة.

و ينبغي أن يعلم: أن هذا المبحث قد يعنون بعدة عناوين و مرجعها واحد:

أحدها: مشروعية الاحتياط.

ثانيها: عرضية الامتثال الاجمالي و التفصيلي.

ثالثها: إجزاء الامتثال الاجمالي مع القدرة على الامتثال التفصيلي.

رابعها: اشتراط الجزم بالنية أو اشتراط نية الوجه في صحة الاتيان بالمأمور به.

22

بالامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي، و هو المعبر عنه بعرضية الامتثالين.

و يتفرع على طولية الامتثال الإجمالي أنه لا يجوز للمجتهد و لا للمقلد العمل بالاحتياط إذا كان متمكنا من الامتثال التفصيلي، سواء أ كان توصليا أم تعبديا، و يحتمل التفصيل بين ما يستلزم التكرار و ما لا يستلزمه، و بين التكرار الكثير منه و القليل.

الأمر الثالث: لا ينبغي الريب في خروج التوصلي عن محل النزاع بجميع صوره،

لأن العقل هو المحكّم في شئون الامتثال، و بعد كون غرض المولى يترتب على التوصلي بمجرد حصوله بأي طريق كان فلا مجال للشك في كفايته.

الأمر الرابع: في تنقيح الأصل العملي في المسألة فنقول:

لا ريب أن العقل هو المحكم في شئون الامتثال و ليس للشارع التدخل فيه، لأن ذلك ممتنع عقلا.

و لا ريب أن الأمر يدعو إلى متعلقه و لا يمكن أن يدعو إلى نفسه.

و لا ريب أن العقل لا يفرق بين إحضار المطلوب في فرد أو أفراد في حال التمكن من التفصيلي أو العجز عنه.

نعم إذا كان الامتثال الإجمالي مستلزما لنقص شرط أو جزء في المأمور به، كان الخلل حينئذ ناشئا منه لا من جهة جمعه مع غيره من باب الاحتياط، و هذا أمر مقطوع به عند العقلاء، بل هم يرون المحتاط بالتكرار من أعظم الناس إطاعة و أشدهم عبودية.

23

نعم لو لم يحصل القطع المذكور كان المقام من باب الدوران بين التعيين و التخيير، و الأصل فيه التعيين‏ (1).

الأمر الخامس: في ذكر الأدلة التي استدل بها للطولية و هي تسعة،

و قد ذكرها المحقق الآشتياني في تعليقته على الرسائل، و ربما تستخرج من عبارات الرسائل نفسها:

الدليل الأول: استظهار دعوى الإجماع على المنع من الاكتفاء بالامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال العلمي التفصيلي‏

إذا توقف الامتثال الإجمالي على التكرار كما يظهر من عبارة الرسائل.

____________

(1)- و يمكن إن يقال أن الأصل عند دوران الأمر بين التعيين و التخيير هو البراءة من التعيين تارة، لأن التعيين فيه ثقل و كلفة بخلاف التخيير، و الاشتغال أخرى. إلا أن التحقيق أن العقل مستقل بتعين التعيين و لا ريب أنه أحوط.

و تقريب ذلك: أننا إذا علمنا أن الشارع يريد منا شيئا على وجه التعبد و الإطاعة ثم شككنا في أن الغرض منه هل يترتب على المأمور به سواء وجد في ضمن فرد أو في ضمن أفراد، أو لا يترتب عليه إلا إذا وجد في ضمن فرد معين متميز؟ فإن العقل حينئذ يحكم بتعين الثاني في مقام الامتثال لا لأصالة الاشتغال عند دوران الأمر بين التعيين و التخيير، و لا لأصالة الشغل عند الشك في الشرطية، و لا لأصالة عدم الإجزاء، بل لاستقلال العقل بذلك، هذا ما أفاده المحقق الآشتياني (ر ح).

و فيه: أولا أنا لا نحتمل مثل هذه الخصوصية بل نقطع بعدمها، و ثانيا أن الخصوصية المذكورة المحتملة إن كانت من القيود الشرعية المأخوذة في المأمور به جرى عليها حكم المشكوك في باب الأقل و الأكثر الارتباطيين.

و التحقيق أن المرجع فيه البراءة لا قاعدة الاشتغال، و قد مر تقريبها في مبحث التعبدي و التوصلي في المجلد الأول، و سيجي‏ء أيضا في هذه المسألة في الجواب عن الدليل السابع.

و إن كانت من القيود الراجعة إلى الإطاعة كما هي كذلك امتنع الرجوع فيها للإطلاق اللفظي، لأن الإطاعة حكم عقلي محض و الإطلاق و التقييد من شئون الأدلة اللفظية الشرعية، و لو فرض أن الأوامر الإطاعة شرعية أيضا يكون التمسك بالإطلاق اللفظي ممتنعا، هذا مضافا إلى امتناع ذلك من جهة امتناع أخذها قيدا في المأمور به لكونها من الانقسامات اللاحقة للأمر فلا يعقل أخذها في متعلقه، و إذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق.

نعم يمكن نفيها بالإطلاق المقامي الذي أوضحناه في مبحث التعبدي و التوصلي، مضافا إلى دعوى استقلال العقل بالعدم، و أما أصل العدم ففيه ما فيه.

24

و فيه: أنه مجرد استظهار، و أنه من الإجماع في المسألة العقلية و ليس بحجة، بل المدار في المسائل العقلية على ما يحكم به العقل، و أنه لو تحققت دعواه منه (رحمه الله) كان منقولا، و أنه واضح المدرك، و أنه لم يتضح تحرير المسألة في كلام الجميع فكيف يدعى فيها الإجماع، و لو سلم من جميع هذه المحاذير فهو مختص بصورة واحدة من المقام الأول، و هي ما إذا استلزم التكرار دون ما إذا لم يستلزمه، و بصورة العلم التفصيلي و العلم الإجمالي دون غيرهما.

الدليل الثاني: الإجماع المدعى في كلام السيد الرضي و الرسي،

الذي أقره المرتضى (رحمه الله) المحكي عنه في الروض و الذكرى و الرسائل الرسية كما قيل، إن الرضي سأل أخاه المرتضى، فقال: إن الإجماع واقع على أنه من صلى صلاة لا يعلم أحكامها فهي غير مجزية، و الجهل في أعداد الركعات يعني في باب القصر و التمام جهل بأحكامها فلا تكون مجزية، و أجاب المرتضى بجواز تغير الحكم الشرعي بسبب الجهل و إن كان الجاهل غير معذور.

و فيه أولا: أنه منقول، و قد يضعف هذا بأن المنقول المتلقى بالقبول بمنزلة إجماعات متظافرة، فإن عمل العامل به تقرير له و شهادة منه بصحته، إلا أن يتهم بأنه اعتمد عليهم لحسن ظنه بهم لا أنه عمل به لأنه تتبع بنفسه ثم شهد لهم بصحة ما نقلوه. و ثانيا: أن المسألة عقلية كما مر في الدليل الأول. و ثالثا: أن المشهور بنوا على جواز الاحتياط مع عدم التكرار، و هذه فتواهم في كتبهم تنادي بذلك، بل السيرة العملية عليه بل لعله ضروري، فإن جملة من أجزاء الصلاة و شرائطها و الحج يأتي بها الناس مع جهلهم باستحبابها و وجوبها، بل يفعلونها معتقدين وجوبها فكيف تقبل دعوى هذا الإجماع على إطلاقها، فلا بد من تأويل هذا الإجماع و حمله على بعض المحامل و أقله أن مورده الجاهل القاصر أو المقصر

25

المخالف عمله للواقع، و ما نحن فيه من باب الجاهل الملتفت الباني على إحراز الواقع من طريق الاحتياط الذي يكون موافقا للواقع في النهاية و ينكشف بعد ذلك أنه موافق للواقع إذا بنينا على عدم اعتبار نية الوجه.

الدليل الثالث: أن التكرار مع القدرة على الامتثال العلمي التفصيلي أو الظني خلاف الإجماع العملي و خلاف السيرة المستمرة بين المتشرعة.

و فيه: أنها لا تستلزم عدم المشروعية، و أنها بنحو السالبة الكلية ممنوعة قطعا.

الدليل الرابع: أن المحتاط بتكرار العبادة يعد عابثا بنظر العقل و العقلاء.

و فيه: أن العدول عن الامتثال التفصيلي إلى الإجمالي مع تيسر التفصيلي إن لم يكن فيه غرض عقلائي للفاعل كان فيه شي‏ء من القبح في الفاعل، و لكنه لا بخل بالإطاعة، لأنه لا يستلزم قبحا في الفعل، و لا استخفافا في حق المولى بل يعد فاعله من المعنيين بالمولى و من المهتمين بإطاعته، فهو لا يستلزم عبثا بالأمر و لا بالآمر، و إنما هو نقص في الفاعل فقط، فهو لا بضر بالإطاعة، و لو استلزم الاستخفاف بمقام المولى كان مستحقا للعقوبة من جهة الاستخفاف به لا من جهة عدم إطاعة أمره.

نعم إذا كان المولى عاجزا عن تمييز ما يتعلق به غرضه كان امتثال العبد الإجمالي فيه جهة عبث بالمولى، و لو قصد التعريض بجهل المولى إذا عرضه لمشقة التمييز كان مستحقا للعقاب من أجل ذلك لا من أجل عدم إطاعة الأمر، و ما نحن فيه كله ليس من هذا الباب بالضرورة.

الدليل الخامس: الآيات و الأخبار و الإجماعات الدالة على وجوب تعلم الأحكام،

فإنها تدل على عدم الاكتفاء بالاحتياط.

26

و فيه: أولا: أنه مختص بالشبهات الحكمية، و أما الموضوعية فلا يجب فيها الفحص فضلا عن التعلم.

و ثانيا: أن من عرف الأحكام معرفة إجمالية على وجه يتمكن من الخروج عن عهدتها بالاحتياط لا يعد جاهلا و لا يعد تاركا للتعلم.

و ثالثا: بأن وجوبه طريقي، بمعنى أنه إنما يجب لأجل تحصيل الواقع، و العقل لا يرى فرقا بين تحصيله بالامتثال التفصيلي و بين تحصيله بالامتثال الإجمالي لعدم استلزامه نقصا في المأمور به.

و رابعا: أن وجوب التعلم لا يدل على حرمة الاحتياط إلا من باب مفهوم اللقب، و هو كما ترى.

الدليل السادس: ما دلّ على مشروعية العمل بالأمارات و الأصول،

فإن ظاهره الوجوب التعييني، و هذا يمنع من التخيير بين العمل بها و العمل بالاحتياط.

و فيه: أنه لا يظهر من دليله وجوب العمل بها، و إنما يظهر منه مشروعية العمل بها، و هو لا يقتضي المنع من العمل بغيرها.

الدليل السابع: منافاة الاحتياط للعبودية.

و فيه: أنها دعوى ممنوعة بل الدليل على خلافها، فإن الإطلاق المقامي ينفيها، بيان ذلك:

أن الأمر إذا تعلق بشي‏ء فهو إنما يدعو إليه، فإذا حصل سقط بنظر العقلاء، و معنى العبودية بنظرهم هو الإتيان بالمأمور به عن إرادة اختيارية منبعثة عن إرادة المولى الواقعية، كما في عبادة اللّه سبحانه و تعالى، و كما في عبادات الموالي العرفية، فإذا قام الدليل على أن الفعل الكذائي عبادة لم يقتض أزيد من ذلك،

27

و من البديهي أن الاحتياط لا ينافيه، بل المحتاط بنظرهم أعظم عبودية و إطاعة و انقيادا من غيره.

و دعوى أن الاحتياط مستلزم لخلل في المأمور به دعوى أجنبية عما ذكر في هذا الدليل.

الدليل الثامن: منافاة الاحتياط لقصد الوجه،

أعني الوجوب و الاستحباب و نية التمييز، أعني معرفة أجزاء العبادة و تمييز واجبها من مستحبها، أو معرفة نفس الوجه و إن لم يقصده في مقام الامتثال‏ (1)، فإن الدليل الدال على اعتبارهما يقضي بشرطيتهما في صحة العبادة، فإذا كان الاحتياط ينافيهما أو ينافي أحدهما كانت العبادة فاسدة، لعدم الإتيان لما هو معتبر فيها.

قلت: هذا الدليل أمتن الأدلة لو تمت الصغرى، و الجواب عنه:

أولا: أنه معارض بقصد القربة، فكما أن المحتاط يتمكن من تحصيلها فكذلك يتمكن من تحصيل قصد الوجه.

و ثانيا: أنه منقوض بصحة الاحتياط في صورة تعذر الامتثال التفصيلي.

و ثالثا: بمنع الصغرى للأصل، و يكفي دليلا على عدم قصد الوجه و شبهه أنه لا أثر له في النصوص، و لا في كلمات معظم العلماء، مع كثرة الابتلاء به و مع شدة الغفلة عنه، حتى أنه لم يتنبه له إلا بعض المتكلمين على ما قيل، و مع عدم وجود ما يوجب إخفاؤه، و حكى نظير ذلك في (ك) أي المدارك عن (المع) أي المعالم، و تلقاه هو و غيره بالقبول، و لعمري أن ذلك يفيد القطع بعدم اعتبار قصد الوجه و شبهه، و هو من أظهر الموارد التي يكون عدم الدليل فيها دليل العدم.

____________

(1)- لاحظ المجلد الأول للآشتياني صفحة 49.

28

الدليل التاسع و هو يشتمل على مبحث مهم يتعلق لنا فيه أغراض عدة في هذا المبحث و غيره:

و هو الذي اعتمده شيخنا الكاظمي (ره) في التقريرات، أن المعتبر في العبادة الإتيان بمتعلق الأمر بداعي أمره حيث تكون إرادة الفاعل منبعثة عن إرادة مولاه، و هذا المعنى حاصل في صورة الامتثال التفصيلي بخلاف الامتثال العلمي الإجمالي فإنه منبعث عن احتمال الأمر لا عن الأمر نفسه، و قربه (ره) بقوله‏ (1): (فإن حقيقة الإطاعة عند العقل هو الانبعاث عن بعث المولى، بحيث يكون الداعي و المحرك له نحو العمل هو تعلق الأمر و انطباق المأمور به عليه، و هذا المعنى لا يتحقق بالامتثال الإجمالي، فإن الداعي نحو العمل بكل واحد من فردي الترديد ليس إلا احتمال تعلق الأمر به، فإنه لا يعلم انطباق المأمور به عليه بالخصوص).

ثم أوضح ذلك بكلام لا يزيد عما ذكره هنا.

و بالجملة إن المكلف إن علم الصغرى و الكبرى كان الانبعاث عن الأمر، فلو عرف الماء و علم بوجوب إحضاره، فبعد حذف الأوسط يكون الأكبر هو المحرك على إحضار الأصغر، و المراد بالأصغر هنا هو المشار إليه بقولنا (هذا ماء) و المراد بالأكبر هو قولنا (يجب إحضاره) و هذا المعنى لا يتأتى فيما إذا تردد الماء بين فردين مشتبهين أحدهما ماء و الآخر خل، و لا فيما إذا تردد مفهوم الواجب بينهما بعد معرفتهما، كما لو علم بأن الأيسر ماء و الأيمن خل و علم تعلق إرادة المولى بأحدهما و لم يعلمه بعينه، فإنه في كلا الفرضين لو أحضرهما معا دفعة أو تدريجا كان انبعاثه عن احتمال الأمر لا عن نفسه، لأن الشكل المنتج لوجوب الإحضار في الفرضين لا يتم إلا أن يقول في المثال الأول مشيرا إلى أحد الطرفين‏

____________

(1)- لاحظ تقريرات الشيخ الكاظمي ج 1 ص 26.

29

(هذا محتمل المائية، و كل محتمل المائية يجب إحضاره)، و يقول مثل ذلك في الطرف الآخر، فلو لم يأت بقوله (و كل محتمل المائية يجب إحضاره) لم يكن الشكل منتجا، لعدم تكرر الأوسط، و إلا أن يقول في المثال الثاني (هذا الخل يحتمل وجوب إحضاره، و كل ما يحتمل وجوب إحضاره يجب إحضاره)، فلو لم يأت بقوله (و كل ما يحتمل وجوب إحضاره يجب إحضاره) لم يكن الشكل منتجا لعدم تكرر الأوسط، فلو انبعث في المثالين و فرض أن الانبعاث عن الأكبر، كان الانبعاث حينئذ عن الاحتمال لأنه هو الأكبر المحرك على إحضار الأصغر في الفرضين، و لا ريب أن الاحتمال لا أثر له في الكبريات الشرعية.

و قد ظهر من هذا أن الإطاعة لا تتحقق إلا بعد إحراز الأمر لأنه هو الظاهر من القضايا الشرعية، و هذا في النهاية مساوق لاستظهار اعتبار نية الوجه و التمييز في القضايا الشرعية، فيكون المحذور المقصود للأستاذ (ره) في النتيجة يشبه ما يقوله المعتبرون لنية الوجه أو راجعا إليه على تأمل فعلا.

و فيه أولا: أننا نمنع الكبرى، أعني توقف صيرورة الشي‏ء عبادة على كون الانبعاث عن العلم بالأمر، بل حقيقة العبادة بنظر العقلاء هي الانبعاث عن الأمر، و العلم بالأمر و احتمال الأمر غير دخيلين في حقيقة العبادة بل هما خارجين عنها، لأن المرجع في عبادية العبادة هم العقلاء، و العقلاء يرون المنبعث عن الأمر المعلوم و المحتمل متعبدا و مطيعا، بل يرون المنبعث عن الأمر المحتمل أشد اهتماما و محافظة على رغبات المولى من غيره.

و ثانيا: أنه منقوض بصورة تعذر الامتثال التفصيلي، فإن الاحتياط بالتكرار يصح منه و يكون عبادة باعتراف المستدل و غيره، و لو كان التكرار ينافي العبادة

30

لنافاها حتى مع تعذر التفصيلي لأن المسألة عقلية، و المسائل العقلية لا تقبل التخصيص.

و ثالثا: و هو تنبيه قيم أن احتمال الإرادة و احتمال الأمر كالعلم بهما، فكما أن العلم طريق محض و لا دخل له في المحركية، و المحرك إنما هو المعلوم فكذلك الاحتمال، فإنه ليس محركا و المحرك إنما هو المحتمل، فالعلم و الاحتمال شرطان للمحركية و كلاهما طريق، غاية الأمر أن العلم طريق كامل و الاحتمال فيه جهة طريقية ناقصة، و السر في ذلك كله أن الأمر بوجوده الواقعي لا أثر له في المحركية، بل تتوقف محركيته على الالتفات إليه، سواء علم به أو احتمله لأن العلل الغائية إنما تؤثر بوجودها التصوري و إن لم يكن لها واقع خارجي، مثلا إذا احتملنا وجود سبع مفترس في الطريق لا نسافر، و إذا احتملنا وجود عقرب فيها سافرنا، و لو كان الاحتمال هو المحرك على ترك السفر في صورة احتمال وجود السبع لتركنا السفر في صورة احتمال وجود العقرب لفرض وجود الاحتمال في الصورتين، فترك السفر في الأولى دون الثانية دليل على أن اختلاف المحتملات في الأهمية هو السبب في الانبعاث و عدمه، و مثل هذا يجري في العلم و المعلوم، فإذا علمنا مثلا بوجود السبع في الطريق لم نسافر، و إذا علمنا بوجود العقرب سافرنا.

و قد ظهر من ذلك أن المدار في المحركية على المعلوم و المحتمل و ليس على العلم و الاحتمال.

و نظير هذا الباب باب العلم بالضرر و باب احتمال خوف الضرر فإن المدار فيهما على أهمية المعلوم و المحتمل، لا على مجرد العلم و الاحتمال.

31

إن قلت: في صورة خطأ العلم لا مأمور به مع أنه ينبعث و يتحرك مع اعتقاده الأمر، و ذلك دليل على أن المؤثر هو اعتقاد الأمر لا الأمر و لا المأمور به، لأنهما لا واقع لهما بحسب الفرض.

قلت: العلم إنما يتعلق بالصورة الذهنية، و صورة الأمر موجودة في الذهن حين حصول العلم الخطئي كما أنها موجودة حين حصول الاحتمال الخطئي، فالمأمور به يؤثر بوجوده التصوري الذهني لا بوجوده الحقيقي الخارجي.

تنبيه:

ربما يتوهم متوهم إمكان الاستدلال على مشروعية الاحتياط بالأخبار التي أوردها الشيخ الأنصاري في رسائله في مبحث البراءة (1)، و منها قوله (ع): أخوك دينك فاحتط لدينك، و غيرها من الروايات.

و الجواب: أنها أجنبية عما نحن فيه.

____________

(1)- رسائل الشيخ الأنصاري ج 1 ص 461 طبعة الأعلمي.

32

المقصد الثاني: في الظن‏

مقدمة:

لا ريب أن الظن ليس حجة في نفسه لملازمته للشك في المظنون، و الشك ضرب من ضروب الجهل، فهو إذن ليس كالقطع في الكاشفية، أ لا ترى أن الظان لا يجزم بالمظنون بخلاف القاطع فإنه يجزم بما قطع به؟ و لأجل هذا يرتب القاطع آثار ما قطع به بخلاف الظان.

و لا ريب أن القاطع إذا عمل بقطعه و لم يصب الواقع لم يستحق الذم بنظر العقلاء، بخلاف الظّان إذا عمل اعتمادا على ظنه و لم يصب الواقع.

ثم إن الكلام في الظن يقع في مقامين:

المقام الأول: في إمكان التعبد به ثبوتا و عدمه.

المقام الثاني: في وقوعه إثباتا و عدمه.

33

المقام الأول: في إمكان التعبد بالظن و عدمه:

لا ريب في إمكان التعبد بالظن لوقوعه في الشريعة بالضرورة، و الوقوع كاشف عن الإمكان بطريق الإن، و إن عجزت عقولنا عن إدراك وجهه، و حينئذ فكل ما يذكر مانعا يكون من باب الشبهة في قبال الوجدان، و الشبهات التي تكون مخالفة للوجدان لا يجب على العلماء التوجه إلى إقناع المشتبه في مورد لا ينبغي أن يشتبه فيه، لأن توجههم إلى إقناعه مع عمى بصيرته إتلاف للعمر، فلو أن شخصا أصر على الزيادة في ركعات الصلاة، لأن الزيادة في المطلوب غير مضرة، و لم يدرك الحكمة من بطلانها بالزيادة، لم يجب علينا تطويل الكلام معه لأن بصيرته مريضة.

و ينبغي أن يعلم أن المراد بالإمكان الإمكان الوقوعي، بمعنى أنه لا يلزم من وقوع التعبد به محال عقلي، و ليس المراد به الذاتي و لا الاحتمالي.

و توضيح الحال أن يقال: إن التعبد بالظن مرة يكون على نحو الكشف و الطريقية، و أخرى على نحو السببية و الموضوعية.

أما التعبد بالظن على نحو الطريقية فيتصور ثبوتا على أربعة أنحاء:

فإنه مرة يكون دائم المطابقة، و أخرى غالب المطابقة، و ثالثة مساويا له، و رابعا أقل منه.

و التعبد بناء على الأول لا محذور فيه بالضرورة، و أما على الثاني فإمكانه واضح بدوا لانتفاء المانع، و ربما يقال بامتناعه مع التمكن من العلم بالواقع، فإن اللّه سبحانه لو علم أنه إذا كلف العبد بتحصيل العلم في واقعة أصاب الواقع، و إذا رخصه بالعمل بالظن أخطأه، كان خطؤه مسببا عن ترخيصه، و هو محذور واضح.

34

و فيه: إن التعبد بناء على النحو الثاني راجح، لأن فيه تخليصا من المخالفات الكثيرة.

إن قلت: إن المخالفة المسببة عن الترخيص بالعمل بالظن و إن كانت قليلة إلا أنها مستلزمة لنسبة تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة إلى المولى، و المولى الحقيقي منزه عن كل قبيح، و لا سيما بعد كون العبد معذورا عقلا، إذا اعتمد على القطع و إن خالف كثيرا لأنه حينئذ قاصر، و القاصر لا يعاقب.

قلت: ليس الملحوظ المعذورية و عدمها بالنسبة للموارد الجزئية، بل الملحوظ في التكاليف فوز العباد بالدرجات و نجاتهم من الدركات، فكلما كان الشي‏ء موجبا لذلك كان التعبد به لطفا و راجحا، و كلما كان الأمر على خلافه يكون مرجوحا.

و أما على الثالث و الرابع: فربما يقال بوضوح امتناعه لاستلزام التعبد به حينئذ التفويت و الإلقاء، و تقريب ذلك: أن التفويت و الإلقاء في ظرف القطع ناشئ عن قصور العبد و القصور عذر عقلي، بخلاف صورة العمل بالظن فإنه يكون ناشئا عن فعل المولى و تسبيبه، ثم إن ما ذكرناه يتم سواء بنينا على الانفتاح أو الانسداد.

و ربما يتوهم الملازمة بين الخطأ في الاعتقاد و الانسداد، و هو فاسد فإنه مبني على الملازمة بين الانفتاح و الإصابة و هو ممنوع، فإن الانفتاح بالمعنى المصطلح لا يستلزم الإصابة دائما، أ لا ترى أن الانفتاح في المسائل العقلية ثابت، مع أن الإصابة فيها ممنوعة، كيف و العقلاء و العلماء يختلفون كثيرا.

إذا عرفت هذا كله، عرفت أنه لا مانع عقلا من التعبد بالظن في الصور الأربعة من باب مصلحة التسهيل و التوسعة، فإذا علم المولى المطّلع على كل شي‏ء

35

أن عدم التعبد بالظن يوجب تواني المكلفين و تكثير العاصين، و علم أيضا أن التعبد بالظن يوجب تكثيرهم، بمعنى أن النسبة بينهما لو لوحظت لكان ما يفوت مجموع المكلفين يعد التعبد بالظن قليلا بالإضافة لما يفوتهم لو لم يتعبدهم به.

إن قلت: هذا بملاحظة المجموع حسن لأنه صلاح نوعي، و لكنه بملاحظة الأشخاص لا حسن فيه، لأن من الناس من يهتم بتحصيل العلم لو لم يتعبده الشارع بالظن فإنه إذا علم بمشروعية العمل بالظن اتكل عليه و ترك تحصيل العلم، و حينئذ يكون التفويت في حق الشخص مستلزما لنسبة النقص للمولى بتسبيبه له.

قلت: هذا إنما يتم لو منع الشارع من تحصيل العلم، أو رخصه بالعمل به مع تيسر العلم، أما إذا رخصه بالعمل في صورة العجز و اليأس فلا، هذا مضافا إلى أن اختيار العبد هو الذي فوّت عليه بعد انكشاف الحال لديه.

ثم إنه يتضح مما ذكرناه أنه لا وجه لتوهم الإجزاء بوجه، فإن حال الظن على الطريقية حال القطع، فإن المأتي به ليس هو المأمور به حسب الفرض و لا بدلا عنه، فكيف يكون مجزيا عنه.

و يتضح أيضا أن كلا من القطع و الظن على الطريقية، إن أصاب الواقع تنجز، و إن أخطأه كان عذرا، غاية الأمر أن القطع عذر عقلي، و الظن عذر شرعي.

نعم لو دل الدليل على إجزاء بعض الظنون عن الواقع فيما لو انكشف الخطأ، لزمنا إما الالتزام بالسببية و إما توجيه ذلك الدليل، و لا نعرف مثالا لذلك إلا عمل العامي بفتوى مقلده ثم عدول مقلده أو موته ثم عدوله للحي و مخالفة الحي للميت، و هو موضع بحث في محله، و قد تعرضنا له في كتابنا مباني العروة الوثقى في مبحث التقليد.

36

و أما الإمكان بناء على السببية فالصور المتصورة فيه ثلاثة:

الصورة الأولى من صور السببية:

أن تكون الامارات سببا لحصول مصلحة في مؤداها أو مفسدة تستتبع الحكم على طبقها، بحيث لا يكون وراء المؤدى حكم آخر في حق من قامت عنده تلك الإمارة.

و هذا هو المنسوب للأشاعرة، و إن كنا نستبعد صحة النسبة، لأن مثل هذا المعنى لا يخطر إلا في بال منكري الشرائع.

و فيه: أنه يلزم من القول به، إما اختصاص الأحكام الواقعية الأولية بالعالم بها، و إما عدم وجود حكم واقعي في حق الجاهل غير الحكم الذي قامت عليه الإمارة.

التصويب و وجه بطلانه:

و هذا الوجه يستلزم التصويب الباطل عندنا لعدة أمور:

منها: الإجماع المتواتر النقل على بطلانه الموجب للقطع باتصال مضمونه بالمعصوم.

و منها: أنه مخالف لاستقلال العقل بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد الذاتية في الأشياء، أو المتغيرة بحسب العناوين و الاعتبارات الكاشفة عن ضعف المقتضيات الأولية.

و منها: أنه مخالف للنصوص المتواترة الدالة على اشتراك التكاليف بين العالم و الجاهل، فإن الخطابات العامة في الكتاب و السنة كلها كذلك، إما لأنها

37

مطلقة، و إما لأنها كذلك بنتيجة الإطلاق المستفاد من خارجها، و هو ما يسميه العلماء نتيجة الإطلاق و التقييد (1).

و منها: أنه مخالف للإجماع المنقول عن المرتضى و الرضي الذي تلقاه من تأخر عنهم بالقبول، و بنوا عليه أحكاما كثيرة، و ذلك كله في قوة الإجماع المتواتر أو المقطوع به الكاشف عن رأي المعصوم.

و منها: استلزامه التعطيل بالنسبة للّه سبحانه، و هو تفويض أمر التشريع للمجتهدين في الجملة.

و منها: و هو أهمها لزوم كون الشي‏ء الواحد محكوما بحكمين أو أحكام متخالفة أو متماثلة في الشرع، و ذلك عند ما تختلف أنظار المجتهدين بالنسبة للواقعة الواحدة فيفتي أحدهم بوجوبها و الآخر بحرمتها و الثالث باستحبابها و الرابع بكراهتها، و في هذه الحالة إن كان المولى عزّ و جل مريدا لأحدها دون الآخر، كانت هذه الدعوى مستلزمة للترجيح بلا ترجح، و إن كان مريدا للجميع لزم كونه مريدا و غير مريد، كما هو الشأن في كل متضادين، و كونه كذلك مستحيل، و هذا المعنى و إن كان متعلقه مختلفا فلا تنافي فيه بملاحظة هذا الاختلاف، إلا أن الحب و الكراهة في نفس المولى بالنسبة للشي‏ء الواحد مع اتحاد الزمان غير معقول.

____________

(1)- المعروف أن الإطلاق اللفظي بالنسبة للعلم و الجهل مستحيل لكونهما من الانقسامات اللاحقة للتكليف المترتبة عليه بعد فرض وجوده ترتب المعلول على العلة، فإن الحكم يكون أولا ثم يطرأ عليه العلم به أو الجهل به، نعم هو مشترك بين العالم و الجاهل بنتيجة الإطلاق و التقييد لاستحالة الإهمال الواقعي بالنسبة للحكيم الذي هو في مقام بيان مراداته، و لاستحالة كل من الإطلاق و التقييد اللفظيين لما ذكرناه، فيتعين بحكم العقل اعتماد المولى على القرائن العقلية و المقامية الواضحة لدى المخاطبين القاضية بالإطلاق، و هذا المعنى قد نسميه بالإطلاق المقامي، و قد نسميه نتيجة الإطلاق.

38

الصورة الثانية من صور السببية:

أن تكون الإمارات سببا لحدوث مصلحة في متعلقها أقوى من مصلحة الواقع.

و فيه أولا: أنه يستلزم تعدد الأحكام بتعدد المجتهدين.

و ثانيا: أنه يستلزم خلو الواقع عن حكم في حق الجاهل في حال قيام إمارة على خلاف الواقع.

و ثالثا: أنه يستلزم عدم تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد في متعلقاتها.

و رابعا: أنه يلزم منه كون الأحكام الواقعية مشتركة بين العالم و الجاهل في مرحلتي الاقتضاء و الإنشاء لا غير، و مختصة بالعالم في مرحلة الفعلية و التنجز فقط، و هذا هو المنسوب للمعتزلة، بل لعله هو مذهب الأشاعرة، و هو مستلزم للتصويب في الجملة.

و يمكن تقريبه بأن المصالح و المفاسد الكائنة في الأفعال اقتضائية، تقبل التغيير و التبديل بحسب العناوين و الاعتبارات.

و هو و إن كان أقل قبحا من سابقه، و أبعد عن المحاذير المانعة منه، إلا أنه لا يخلو من التأمل فيه من وجهين:

أولهما: أنه مخالف للإجماع المنعقد على بطلان التصويب.

و فيه: أن الإجماع لبي، و القدر المتيقن منه هو بطلان التصويب بالمعنى الأول.

ثانيهما: أنه لا ثمرة لاشتراك التكاليف بين العالم و الجاهل في صورة ما إذا عمل الجاهل بالإمارات و الأصول و استمر ذلك إلى آخر عمره، و كان مؤداها مخالفا للواقع، و في ذلك ما لا يخفى.

39

الصورة الثالثة من صور السببية:

أن يكون قيام الأمارة سببا لحصول مصلحة في العمل على طبقها، و لنسمّ هذه المصلحة بمصلحة السلوك، مع بقاء كل من الواقع و المؤدى بحاله، و تكون تلك المصلحة مصلحة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع نظير الأوامر الاضطرارية.

و هذه الصورة سالمة عن جميع المحاذير.

الفرق بين الصور الثلاث:

ثم إن الفرق بين هذه الصور الثلاث من حيث الثمرة مختلف، فإن الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري مجزئ على الصورة الأولى بلا ريب، بل و على الصورة الثانية أيضا.

و يمكن القول بعدم الإجتزاء به على الثانية، فإنه بعد فرض كونه مكلفا بالواقع في مرحلتي الاقتضاء و الإنشاء، و انكشاف الخلاف يتنجز الواقع في حقه، فإن كان ذلك في الوقت وجبت الإعادة، و إن كان في خارجه وجب القضاء، و التفكيك بين الإعادة و القضاء ممكن ثبوتا، و لكنه مفتقر إلى الدليل في مرحلة الإثبات.

و أما الإجزاء على الصورة الثالثة فإن كانت مصلحة السلوك وافية بالغرض كان مجزيا لفرض حصول الملاك، فيكون طلب الإعادة و القضاء بلا ملاك، و إن كانت غير وافية و لا يمكن تداركها فكذلك، لفرض العجز عن تحصيل الفائت، و إلا وجب، و إن كان يمكن تداركها في الوقت دون خارجه وجبت الإعادة دون القضاء.

40

و هذا كله في مرحلة الثبوت و أما في مرحلة الإثبات فإنه مفتقر إلى الدليل، فإذا ثبت دليل خاص يدل على شي‏ء من ذلك فلا كلام فيه، و إنما الكلام في مقتضى الأدلة الأولية على إجزاء العمل بالأمارات و الأصول و هو المهم.

و يزداد هذا المبحث تحقيقا و وضوحا بملاحظة ما ألحقناه به أخيرا و هو هذا:

اعلم أن الكلام في هذا المقام ينبغي أن يكون في موضعين:

الموضع الأول: في إمكان التعبد بالظن.

الموضع الثاني: في وجه الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري.

أما إمكان التعبد بالظن فقد حكي عن ابن قبة المنع منه، لاستلزامه تحليل الحرام و تحريم الحلال، ثم تناول العلماء هذه العبارة، و توسعوا فيها، و كل ما ذكروه يعود إليها.

و أما وجه الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي، فقد جعل المحقق صاحب الكفاية محاذير الحكم الظاهري الحاصل بسبب التعبد بالظن ثلاثة:

أولها: لزوم اجتماع المثلين في مورد الإصابة.

ثانيها: لزوم اجتماع الضدين في مورد المخالفة من إيجاب و تحريم، و إرادة و كراهة، و مصلحة و مفسدة بلا كسر و انكسار، و جعل المحذور هو التصويب إذا لم يكن ثمة حكم غير الحكم الذي أدت إليه الأمارة.

ثالثها: لزوم تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة في مورد المخالفة.

و أجاب أولا: بأن الحجية مجعولة بذاتها، و أنها ليست منشأ لانتزاع حكم تكليفي، و لا هي منتزعة عنه، و أن حالها حال حجية القطع من حيث الطريقية، غاية الأمر أنها في القطع ذاتية، و في الظن جعلية، و هما يشتركان في التنجز مع‏

41

المصادفة، و المعذرية مع المخالفة، و لكنها في القطع عقلية، و في الظن شرعية، و ذلك هو نتيجة الطريقية الذاتية في القطع، و الجعلية في الظن.

و يشتركان أيضا في كون الامتثال في القطع مع الموافقة امتثالا للواقع، و مع المخالفة عصيانا للواقع.

و يشتركان أيضا في كون الامتثال في الظن مع الموافقة امتثالا للتكليف الواقعي، و مع مخالفته مخالفة للواقع.

و يشتركان أيضا في كون المعصية في القطع و الظن المعتبر مع عدم الموافقة للواقع تجريا.

و أجاب ثانيا: بناء على انتزاع الحجية عن التكليف أو انتزاعه عنها، بأن الأمارة إذا صادفت الواقع تنجز، و إذا أخطأته بقي على ما هو عليه من تكليفه به، و كان مؤدى الأمارة حكما تكليفيا صوريا، نظير الأوامر الامتحانية.

و بعبارة أوضح أن المصالح و المفاسد في مواردها باقية على ما هي عليه، و أن الأوامر الظاهرية لا تمسه بوجه، بل هي مشتملة على مصالح في نفسها نظير الأوامر الامتحانية.

و هذان الجوابان يستقيمان في الأمارات بناء على الطريقية الصرفة، و ليس في التكليف بالعمل بالأمارة حينئذ اجتماع المثلين و لا الضدين بالضرورة، و ليس فيه إذن بالمخالفة ليلزم التفويت و الإلقاء.

و الذي اخترناه من الأجوبة التي حكاها المحقق الآشتياني (ره) عن أستاذه شيخنا الأنصاري (ره) وجهان:

42

أولهما: أن موضوع الحكم الظاهري غير موضوع الحكم الواقعي، فإن موضوع الحكم الواقعي هو الواقعة المرسلة أعني الواقعة من حيث هي، و موضوع الحكم الظاهري هو الواقعة المشكوكة، و فرق بينهما.

ثانيهما: أن مرتبة الحكمين متغايرة، فإن الحكم الواقعي محفوظ في مرتبتي الاقتضاء و الإنشاء، و الحكم الفعلي المنجز في حق المكلف هو مؤدى الإمارة، و حينئذ فلا اجتماع، و لا ريب أن موضوع الحكمين واحد ذاتا، و لكنه مختلف رتبة، ففي مرحلتي الاقتضاء و الإنشاء يكون الحكم الواقعي هو المشترك بين العالم و الجاهل، و في مرحلة الفعلية و هي متأخرة رتبة عن مرتبتي الاقتضاء و الإنشاء يكون المكلف به هو مؤدى الإمارة، و حينئذ فلا اجتماع مثلين و لا ضدين، و من المعلوم أن الضدين إنما يمتنع اجتماعهما بعد الوحدات الثمانية بل التسعة، و التاسع هو الاتحاد الرتبي، و مثلها في ذلك استحالة اجتماع المثلين.

و فيه: أن هذا لا معنى له بعد فرض كون مؤدى الإمارة عذرا لا حكما، و كونه نظير الأوامر الامتحانية، فلا يكون للحكم الظاهري حينئذ مراتب، لأن الأوامر الامتحانية لا مراتب لها

و يمكن تقريب الوجه الثاني بأن يقال بأن الحكم الواقعي مشترك بين العالم و الجاهل، و أن تنجزه مشروط بعدم قيام إمارة على خلافه، فالإمارة الموافقة توجب تنجز الواقع، و المخالفة توجب تنجز مؤداها.

ثم إن الوجه الأول من وجهي الشيخ مبني على مذهب القدماء في باب المطلق و المقيد، فإنهم يرون أن التقابل بينهما كما قيل التضاد و تقابل الإيجاب و السلب، فيكون موضوع أحدهما غير موضوع الآخر.

43

و أما بناء على أن التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة، فإنهما يكونان وصفين لموضوع واحد كالعمى و البصر، فإن موردهما الشي‏ء الذي يكون مبصرا تارة و أعمى أخرى.

و التحقيق: أن المقام ليس من باب المطلق و المقيد لكون الشك متأخر رتبة عن المشكوك كالعلم، فإنه يمتنع دخوله في موضوع المعلوم و المشكوك، نعم تقابل العلم و الشك تقابل العدم و الملكة، و أما المعلوم و المشكوك فلا تقابل بينهما، و لا إطلاق و لا تقييد.

و الذي تحصل من جميع ما قدمناه أن التعبد بالظن لا ريب في وقوعه فضلا عن إمكانه، و إنما الكلام في الوجه الذي يمكن الاعتماد عليه، و لا ريب أن الصورة الثالثة من صور السببية سالمة عن المحاذير، و أن إجزاء الإمارات بعد ثبوت حجيتها مبني على كون مصلحة التوسعة وافية بتمام الغرض، أو لا يمكن تداركها لا في الوقت و لا في خارجه، و يتعين على الفقيه الأخذ بما يستفيده من دليل الإمارة في كل مورد من مواردها.

هذا غاية ما توفقنا إليه، و الحمد للّه رب العالمين.

44

المقام الثاني: في وقوع التعبد بالظن و عدمه.

و الكلام هنا في الأمور التي قبل بوقوع التعبد بها، و هي كثيرة و سنذكرها في مباحث:

المبحث الأول: في تعيين الظهور أو حجية قول اللغوي:

اعلم أن للكلام دلالتين: تصورية، و هي دلالة اللفظ على ما وضع له، أي على ما من شأنه أن يدل عليه، من أي لافظ كان في أي زمان و أي مكان.

و تصديقية، و هي دلالة اللفظ على ما يريده المتكلم، سواء وافقت الدلالة التصورية أو خالفتها، كما إذا احتفّ اللفظ بقرائن صارفة له عن معناه الحقيقي، كما إذا كانت من القرائن المضبوطة كوقوع الأمر عقيب الحظر أو عقيب توهمه، أو غير مضبوطة كقولنا (أسد يرمي).

أما ما يقطع بكونه مدلولا بإحدى الدلالتين، فلا ريب في حجية اللفظ فيه و مثله ما يظن بالظن الاطمئناني، على وجه يعتمد عليه العقلاء في أمورهم، و أما الشك في الدلالة التصديقية فسيتضح أمره في المبحث الثاني إن شاء اللّه تعالى، و أما الشك في الدلالة التصورية، فقد قيل بعدم وجود معين لها معتبر أو مطلقا، و قد وقع النزاع في جزئيّ من جزئيات المسألة و هو قول اللغوي و تركوا غيره اعتمادا على ما ذكروه في الأصول اللفظية، من العلامات المعيّنة العقلائية كالتبادر و عدم صحة السلب، و كتنقيح بعض الصغريات لهذه المسألة كدلالة الأمر و النهي و المشتق و غير ذلك، و المهم في المقام ما استدل به لحجية قول اللغوي و هو أمور:

منها: الإجماع، و فيه أن منقوله غير مقبول و محصله غير حاصل، بل يمكن دعوى الإجماع على العدم، و إجماع السيد لا يعارضه حتى لو قلنا بحجيته من جهة دخول الإمام (ع)، أو من باب الكشف لا اللطف.

45

و منها: الانسداد الصغير، و فيه أنه إذا استلزم جريان البراءة خروجا عن الدين و الاحتياط عسرا و حرجا رجع إلى الانسداد الكبير، و لا خصوصية حينئذ لقول اللغوي، و إلا فلا انسداد و هو الظاهر.

و منها: و هو العمدة أن اللغوي من أهل الخبرة و قولهم في غير المقام حجة، فكذلك فيه لاتحاد المناط، و كما أنه لا يشترط هناك العدالة و الوثاقة و التعدد فكذلك هنا، إذ غاية ما قام عليه الدليل هو اعتبار هذه الأمور في الشهادة فيقتصر على موردها، و لو قيل بتسريتها لغير الشهادة قلنا بها.

و فيه: منع كلية الكبرى، إذ غاية ما دل الدليل عليه هو اعتبارها في بعض الموارد كتقويم المعيب فيقتصر عليها، و مع التنزل و تسليم كليتها ننكر كون مسألتنا من صغرياتها، فإن اللغوي لا يشخّص الأوضاع و إنما يذكر موارد الاستعمال فهو من أهل الخبرة فيها و هي أعم، و تعيين المعنى الحقيقي من بينها في غاية الإشكال و هو يحتاج إلى إعمال حدس و نظر، و حينئذ يتأتى النزاع في حجية هذا الحدس و هو كما ترى، إذ الأصل الأولي عدم حجيته و لم يقم دليل على اعتباره، و إذا خرج موضوعا فلا فائدة من العدالة و الوثاقة و التعدد، سواء اعتبرناها في أهل الخبرة أم لم نعتبرها.

فإن قلت: إن أول ما يذكره اللغوي من المعاني فهو الحقيقي.

قلت: لا قرينة عليه أولا، و ينتقض بالمشتركات ثانيا.

إن قلت: ربما يوجد لغوي يدّعي أنه لا يذكر إلا الأوضاع.

قلت: أولا نمنع دعواه لعدم التمكن من ذلك، و ثانيا يكون محلا للنزاع، و الظاهر أنه يدخل في خبر الواحد في الموضوعات و يستدل له ببناء العقلاء أو نرجعه للبينات، و حينئذ فلا يجدي إلا مع اجتماع شروطها.

46

و الحاصل أن ما يعلم بكونه حقيقيا و ما يطمأن به و لو من قول لغوي واحد فهو حجة و المشكوك يرجع فيه للأصل الأولي و هو عدم الحجية.

و يمكن أن يقال أن معلوم المجازية لا يؤخذ به، و كذلك ما يطمأن بمجازيته و ما عداهما يلحق بمعلوم الحقيقة، إما لأصالة الحقيقة تعبدا بناء عليها و إما لأصالة عدم المجازية، و إما لأصالة عدم النقل بناء على تعميمها للمقام و بناء على كون مثبتها حجة.

و ربما يقال أن اللغوي غالبا ما يذكر المعاني الحقيقية فما يعلم بمجازيته أو يطمأن بها يخرج، و ما بقي فهو من المعاني الحقيقية، و إن قلنا أنه يذكر موارد الاستعمال فيمكن أن نثبت كونها هي المعاني الحقيقية لأصالة عدم النقل و التجوز، و لكن الأول يرجع لقاعدة الغلبة و الكلام فيها، و الثاني مثبت و لم يثبت بناء العقلاء عليه، و ينتقض بلزوم كون اللغة كلها مشتركة، و المسألة محل تأمل و اللّه العالم، و قد حررنا هذه المسألة في كتابنا قواعد الفقيه‏ (1).

____________

(1)- قواعد الفقيه الطبعة الثانية، القاعدة 63 في بيان عدم حجية قول اللغوي ص 270 و قد قلنا فيها ما يلي:

قيل أن قول اللغوي حجة و قيل أنه ليس حجة، و هو المعروف في عصرنا و ما قاربه، و قيل بالتفصيل بين ما ينتهي إلى حكم شرعي فيكون حجة و بين ما لا ينتهي إليه فلا.

إذا عرفت هذا فاعلم أن قول اللغوي لا يفيد إلا الظن، و أن الظن ليس حجة إلا في الموارد التي دلّ الدليل على حجيته فيها، و ما نحن فيه ليس منها، و اعلم أنه يمكن الاستدلال لحجيته بأمور:

أولها: الإجماع على اعتبار الظن في اللغات، و هو المحكي عن غير واحد كما صرّح به المحقق الآشتياني (رحمه الله) في تعليقته على الرسائل المسماة (بحر الفوائد) و صرّح به غيره أيضا.

و فيه: أن الإجماع المنقول ليس حجة في باب الأحكام فضلا عن الموضوعات لأنه من الظن الذي لم يقم على حجيته دليل.

ثانيها: أنه حجة من باب حجية قول أهل الخبرة.

و فيه: أنه ليس منهم و لو سلم فلا دليل على حجية قول أهل الخبرة بوجه مطلق على نحو يشمله، و لو سلمنا أنه منهم فقد نشترط في حجية أخبارهم التعدد و الوثاقة، فيكون الثابت أخص من المدعى.-

47

____________

- ثالثها: أنه حجة من باب حجية خبر الواحد في الأحكام.

و فيه: أن حجية خبر الواحد في الأحكام لا تشمله لأنه ليس منها، و لو سلم أنه منها فهي لا تشمله لأنها مختصة بالأخبار عن حس، و أخبار أهل اللغة ليس كذلك.

و يدل على ذلك الجهل بالواضع، فكيف يكون أخبارهم عنه أخبارا عن حس، و لو سلم أنه معروف فهي أخبار مرسلة أو مقطوعة، و مثلها ليس حجة.

هذا مضافا إلى أن اللغوي يذكر موارد الاستعمال و لا ريب أن الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز، و المطلوب بيان المعنى الحقيقي للفظ.

و دعوى كون كل ما يذكره من المعاني هو معنى حقيقي للفظ دعوى غير معقولة، لاستلزامها كون ألفاظ اللغة العربية كلها مشتركة بين أكثر من معنى أو بين عشرات المعاني، و لا ريب أن ذلك يتنافى مع حكمة الوضع.

و دعوى حدوث الاشتراك باعتبار جمع لغات القبائل دعوى معقولة، و لكنها تستدعي تعدد الواضعين، و ذلك يستلزم أن لا يكون للعرب لغة واحدة أصيلة يشترك بها جميع العرب، و هو بعيد في نفسه و مخالف لما عليه علماء اللغة العربية.

نعم يمكن أن يقال بأن اللغة الأصيلة التي تشترك بها جميع القبائل واحدة غير أن بعض القبائل استعملت بعض تلك الألفاظ الموضوعة لمعانيها في معان أخرى، فاشتهرت عندهم فصارت مجازا مشهورا، أو هجر المعنى الأول و أصبح موضوعا للمعنى الجديد بالوضع التعيني، ثم توهم أرباب القواميس أنه أحد معاني اللفظ الأصيلة فجعلوه في عرض معناه الحقيقي، و بعد ذلك اشتبه الحال عليهم و علينا، و لا مجال لتعيين المعنى الحقيقي الأول مع أنه هو المطلوب.

و اختار أستاذنا الحكيم (رحمه الله) في مجلس الدرس- بمناسبة ما- حجية قول اللغوي في ما ينتهي إلى الحكم الشرعي إذا اجتمعت فيه الشروط المطلوبة في حجية خبر الواحد، و هو غير واضح.

نعم إذا اشتملت الرواية الواردة في بيان الأحكام على بيان موضوعات ذلك الحكم، فلا ريب في كون ذلك من موارد خبر الواحد الثابت الحجية بالإجماع القولي و العملي لكون ذلك من شئونه و لوازمه، كما لو قال الراوي مثلا: سألته يوم الجمعة و بيده عصى من اللوز المر، فقال: من حمل هذه العصى كان له كذا.

48

المبحث الثاني في حجية الظواهر:

و ربما يتوهم أنها ليست من المسائل الأصولية، و لكن بعد ما عرفت أن المسألة الأصولية هي ما تقع كبرى في طريق الاستنباط، كان من الواضح أصوليتها.

و لا ريب في حجية الظواهر لأمور:

أولها: اختلال النظام بدونها، إذ هي مدار التفاهم العرفي.

ثانيها: الإجماع، و لا ينافيه ما اشتهر من النزاع بين الأصوليين و الأخباريين في كون ظواهر الكتاب حجة عند الأصوليين و غير حجة عند المحدثين كما سيأتي، لكونه صغرويا، و لا ينافيه أيضا ذهاب المحقق القميّ إلى عدم حجية الظواهر في حق غير المقصود بالخطاب، كما ستعرفه فيما سيأتي إن شاء اللّه.

ثالثها: السيرة العقلائية القطعية التي أقرها الشارع، و تقريب ذلك أن يقال: لا ريب أن الشارع المقدس واحد من أهل العرف، و بأنه ليس له أسلوب خاص و لا طريقة مستقلة، و بأنه كان يتفاهم معهم كما يتفاهمون، و لا ريب أن ذلك تقرير لهم، و لا ريب أن جميع ما ورد منه يحمل على طريقة العقلاء إلى أن يثبت الخلاف.

و لا ريب أن اعتبارها من باب الظن النوعي لا الشخصي لعدم صحة الاحتجاج بمظنون الخلاف، و لعدم صحة الاعتذار بأنه لم يرد ظاهر كلامه.

و اعلم أن هاهنا احتمالات كل واحد منها يوجب الخدش في حجية الظواهر:

منها: احتمال غفلة المتكلم و المخاطب.

49

و فيه: أنه منفي بالفرض لكون المتكلم حكيما و في خصوص المقام معصوما، و لكون المخاطب متنبها طالبا، و لثبوت السيرة العقلائية على عدم الاعتناء بهذا الاحتمال.

و منها: احتمال كونه ليس في مقام البيان.

و فيه: أنه قام بناء العقلاء على حمله على كونه في مقام البيان إلى أن يثبت كونه في مقام التقية أو الإجمال أو الهزل، و الشارع المقدس أقرهم على ذلك فتكون السيرة و التقرير مثبتين لحجية هذا الأصل، و هو المعبر عنه بأصالة الجهة.

و منها: احتمال الاعتماد على قرائن منفصلة أو معهودة يفهمها من قصد بالخطاب و لا يفهمها غيره، فتكون الظواهر حجة في حقّ من قصد بالخطاب دون من لم يقصد. و إلى هذا يرجع التفصيل الذي اختاره المحقق القمي (ره) أو حكي عنه، لرجوعه إلى عدم حجية أصالة عدم القرينة بالنسبة لمن لم يقصد بالخطاب لكونها من الأصول المثبتة، و لذلك اعتبر (ره) حجية ظواهر الكتاب العزيز و الأخبار الشريفة من باب الظن المطلق.

و فيه: أولا: أن أصالة عدم القرينة في تشخيص المرادات متفق عليها عند العقلاء و قد أقرها الشارع فتكون حجة، و لذا يجوز لمن سمع صدفة أحد الأشخاص يسبّ غيره أو يقرّ له بدين أن يشهد بما سمعه، مع أنه غير مقصود بالخطاب.

و ثانيا: أنه لا يجوز التمسك بظواهر الكتاب الشريف إلا بعد الفحص عما يخالف ذلك الظاهر من النصوص، لا للعلم الإجمالي بوجود المخالف، بل للروايات الخاصة الآمرة بذلك:

50

منها: قول أبي عبد اللّه (ع) في حديث احتجاجه على الصوفية لما احتجوا عليه بآيات من القرآن في الإيثار و الزهد، قال (ع): أ لكم علم بناسخ القرآن و منسوخه و محكمه و متشابهه، الذي في مثله ضلّ من ضلّ و هلك من هلك من هذه الأمة؟ قالوا أو بعضه فأما كله فلا. فقال (ع) لهم: فمن هاهنا أتيتم، و كذلك أحاديث رسول اللّه (ص) إلى أن قال: فبئس ما ذهبتم إليه، و حملتم الناس عليه من الجهل بكتاب اللّه و سنة نبيه (ص) و أحاديثه التي يصدّقها كتابه المنزل، وردكم إياها لجهالتكم و ترككم النظر في غريب القرآن من التفسير و الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه و الأمر و النهي، إلى أن قال: دعوا عنكم ما اشتبه عليكم مما لا علم لكم به وردوا العلم إلى أهله توجرون و تعذروا عند اللّه، و كونوا في طلب ناسخ القرآن من منسوخه، و محكمه من متشابهه، و ما أحلّ اللّه فيه مما حرّم، فإنه أقرب لكم من اللّه و أبعد لكم من الجهل، دعوا الجهالة لأهلها فإن أهل الجهل كثير و أهل العلم قليل، و قد قال اللّه تعالى‏ وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ‏ (1).

و منها: قول أمير المؤمنين (ع) عند ما سأله سليم بن قيس الهلالي: إني سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذرّ شيئا من تفسير القرآن و أحاديث عن النبي (ص) غير ما في أيدي الناس ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، و رأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن و أحاديث عن نبي اللّه (ص) أنتم تخالفونهم فيها و تزعمون أن ذلك كله باطل، أ فترى الناس يكذبون على رسول اللّه (ص) متعمدين، و يفسرون القرآن بآرائهم؟ قال فأقبل عليّ (ع) ثم قال:

قد سألت فافهم الجواب: إن في أيدي الناس حقا و باطلا و صدقا و كذبا و ناسخا

____________

(1)- الوسائل ج 18 باب 12 من أبواب صفات القاضي ص 129 ح 23.