مجمع الفرائد في الأصول‏

- علي فريدة الإسلام الكاشاني‏ المزيد...
217 /
1

كلمة الساعي لنشر هذا الكتاب‏

باسمه تعالى بعد الحمد و الصلاة .. لما تصدى لنشر هذا الكتاب جناب خير الحاج الحاج محمد حسين الأصفهاني زيد توفيقه بدا للحقير أن أشير إلى تاريخ حياة مؤلفه المرحوم و ترجمة بعض أحواله في أول كتابه مع مراعاة الإيجاز و الاختصار فنقول إن شيخنا العلامة المرحوم فخر الأفاضل و مجمع الفضائل ذو الفكرة السليمة و الطريقة المستقيمة التقي النقي حجة الإسلام مولانا الشيخ علي فريدة الإسلام الكاشاني ابن الآغا محمد حسين (رضوان اللّه تعالى عليه) ولد بكاشان و كان ولادته في سنة 1349 و قد انقضى أيام صبابته في مولده الشريف ثم هاجر منه إلى الأصفهان لتحصيل مراتب العلم و الكمال سنة 1362 فحضر عند الأفاضل و الأعاظم و قرأ عليهم الكتب الأدبية و بعض الكتب من السطوح و تكملت أولياته هناك إلى أن تشرف إلى المشهد المقدس الرضوي على ساكنه أفضل صلوات الملك القوي فحضر بحث الأستاذ بجامعة العلمية المشهد حضرت الشيخ الهاشم القزويني دام بقاؤه مدة تقرب من أربع سنين إلى أن هاجر منه إلى قم المقدسة تكميلا لتحصيله و طلبا لمرامه و اختار فيه من بين أبحاث الأساتذة بحث سيدنا الأستاذ العلامة الطباطبائي آية اللّه العظمى البروجردي مد ظله العالي فقها و أصولا و كان ملازما لبحثه حتى ترك سيدنا العلامة المفخم بحث أصوله فحينئذ حضر بحث أستاذنا العلامة الخميني دام بقاؤه أصولا و كان محبا للعلم مجدا في تحصيله و قد صرف عمره الشريف في تحصيل القواعد الفرعية و إتقان المسائل الأصولية إلى أن صار بين الأعلام!- ب- من الأعيان بحيث يشار إليه بالبنان و كان مستقلا في المشهد المقدس و قم المشرفة بتدريس السطوح فقها و أصولا و كان يجتمع حوله جملة من أهل العلم و التحصيل مستفيدا منه و كاتب السطور كان أيضا ممن يستفيد من محضره الشريف قريبا من ثلاث سنين و قرأ عليه أكثر كتب السطوح و استفاد منه زائدا على قراءة تلك الكتب بما لا مجال هنا لبيانه بحيث لا غرو أن يقال بأن أكثر مما علمه اللّه تعالى بفضله و لطفه كان بواسطته و بلسانه جزاه اللّه عنه خير ما جزى معلما عن متعلمه‏

أما زهده و أخلاقه و كيفية تعيشه‏

فهو بغير شك كان من أولياء اللّه بين عباده الذين عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم و قد عاشرته زمنا طويلا فلم أر منه زلة و لا هفوة و أشهد اللّه على أني لا أقول ما أقول غلطا و لا شططا كان ذاكرا للّه تعالى في سائر حالاته و كان مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه محزون القلب مأمون الشر عفيف النفس فطوبى له و للصالحين أمثاله إذ صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة قد اتجروا تجارة مربحة يسرها لهم ربهم و كان يمزج العلم بالحلم و القول بالعمل لم يكن قائلا بما لا يعمل به و لا مرشدا إلى طريق حق لم يسلكه فكم له عندي من الأخبار و المشاهدات الحاكية عن علو مرتبته و جلالة قدره و طول يده في مخالفة الهوى و إن من أعظم ما كان عليه من الخصائص الحميدة هو كثرة حبه لأهل بيت العصمة و النبوة (صلوات اللّه عليهم أجمعين) و كان شديدا في الحب لهم و البراءة من أعدائهم فطوبى له و هنيئا هنيئا له نعم ربه‏

أما علمه‏

فكان بالغا مرتبة الاستنباط و الغناء عن الاستشهاد باعتراف جملة من الفقهاء الذين قد خالطهم و ناهيك دليلا على ذلك ما بين عينيك من المطالب المندرجة في هذا الكتاب إذ يعترف كل من نظر إليه بعين الإنصاف على طول!- ج- باعه و كثرة اطلاعه إذ هو محتو لما هو الأهم عند أولي الألباب لدى البحث و تبويب الأبواب و قد شاهدت عند ما بلغت إلى هذا المقام أشعارا في شأنه (قدس سره) في بعض إجازاته الفقهية و لا بأس بذكرها هنا

هو العالم القمقام للّه دره‏* * * و نادرة الأيام جلت مناقبه‏

محامده مشهورة و محاسنه‏* * * مواهبه منشورة و رغائبه‏

له فكرة موصوفة بإصابة* * * كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه‏

هو البحر فاطلب فيه كل عجيبة* * * غرائبه لا تنقضي و عجائبه‏

أما تأليفاته‏

فقد برز منها منظومة في النحو طبعت في المشهد المقدس الرضوي على ساكنه أفضل صلوات الملك القوي و منظومة في الأصول و أخرى في الكلام و لكن بقيت كلتاهما ناقصتين و تعليقة على فرائد الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) من أول البراءة إلى الاشتغال و رسالة منفردة في لباس المشكوك تقريرا لبحث سيدنا الأستاذ آية اللّه البروجردي مد ظله العالي مع ما علق عليها و له تأليفات أخر في بعض المباحث الفقهية و الأصولية إلا أن جميعها بقيت ناقصة لم يوفق لإتمامها و أعظم ما ألفه (قدس سره) هو هذا الكتاب و ما يتلوه من الجزء الآتي إن شاء اللّه تعالى و هذا الجزء يشتمل على مبحث النواهي إلى آخر الانسداد و الجزء الآتي على مبحث البراءة إلى خاتمة الاستصحاب و لما بلغ إلى خاتمة الاستصحاب جف قلمه الشريف لجريان قضاء اللّه تعالى و قدره على ارتحاله إلى جوار رحمته و قد وجدت في شأن كتابه هذا أشعارا في تلك الإجازة المتقدمة و هي هذه‏

هذا كتاب في أصول رائق‏* * * و سواه في حل الغوامض فائق‏

لا غرو أن يسبق سواه فكم ترى‏* * * من لاحق هو في الحقيقة سابق‏

سجمت من التدقيق فيه غمائم‏* * * و نمت من التحقيق فيه حدائق‏

و من اللطائف حازما لم يدره‏* * * إلا بإمعان الروية لائق‏

قد نمقته يد الذي بوجوده‏* * * في الأرض من على العباد الخالق‏

أما كيفية وفاته‏

فلم يكن به داء و لا مرض و لم يمض من عمره الشريف أيضا إلا خمس و عشرون سنة إلا أن كل نفس لا محالة ذائقة الموت و كل شي‏ء هالك إلا وجهه و لا مفر من الموت لأحد كيف و قد قال اللّه تعالى (أينما تكونوا يدرككم الموت و لو كنتم في بروج مشيدة) و بالجملة بدا له (قدس سره) في محرم سنة 1374 أن يسافر إلى رودسر من بلاد جيلان للتفرج و بقي هناك أياما حتى اختار اللّه تعالى له دار أوليائه في ليلة أربع عشر من شهر محرم الحرام سنة 1374 بعد أداء فريضة العشاء و جرى عليه قضاء اللّه هناك بارتحاله إلى جوار رحمته بسكتة القلب و نقلت جنازته من هناك إلى قم المشرفة و دفنت فيه و هو (قدس سره) بلا شك كان من الشهداء الصالحين كيف لا و قد خاطبه الإمام صاحب الأمر و ولي الزمان أرواحنا و أرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء في المنام إجابة لتسليمه بقوله (عليه السلام) و عليك السلام يا شيخ الشهداء و ختاما أسأل اللّه تعالى أن يعظم أجر أعقابه و يحسن لهم الجزاء سيما أبيه و عمه جناب الآغا محمد حسين و الآغا غلام رضا أطال اللّه تعالى عمرهما (و لا يخفى عليك أنه (قدس سره) قد أحال بيان بعض المطالب إلى مبحث الأوامر إلا أنه لما لم يوفق لتصحيح ذلك المبحث لم يتيسر لنا نشره) (13 رجب المرجب سنة 1374) أقل تلاميذه- علما و عملا السيد عبد الكريم الهاشمي البهشهري‏

2

بِسْمِ اللّهِ الرحمنِ الرَّحيم

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على نبينا محمد و آله الطاهرين و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين‏

المقصد الثاني في النواهي و فيه فصول‏

الفصل الأول‏

لا يخفى أن النهي مختلف مع الأمر سنخا و متغاير معه مفهوما فإن (الأمر) هو حمل الغير على المطلوب بإنشاء البعث (و النهي) هو ردعه و منعه عنه بإنشاء الزجر فالأول من قبيل تحريك الغير في الخارج و الثاني من قبيل وقفه و حبسه عن الفعل و على ذلك فتفسير النهي بأنه طلب الترك كما هو المشتهر بين الأعلام (قدس اللّه أرواحهم) مما لا وجه له كما لا وجه للنزاع في أن متعلق الطلب المستفاد من النهي هل هو الترك أو الكف كما هو واضح (نعم يجري فيه) النزاعان الجاريان في الأمر (أحدهما) في دلالته على الحرمة بمادته و صيغته و عدم دلالته و الحق في هذا المقام هو أن النهي بمادته يدل على الحرمة بالدلالة اللفظية و بالصيغة يدل عليها بالدلالة المقامية لا اللفظية و يظهر وجهه مما ذكرناه في الأوامر فلا حاجة إلى الإعادة (و الثاني) في دلالة صيغة النهي بلفظها على الدوام أو على خلافه و عدم دلالتها و قد ظهر التحقيق في ذلك أيضا مما سطرناه في الأوامر فراجع‏

الفصل الثاني في جواز اجتماع الأمر و النهي و عدم جوازه‏

و تحقيق الكلام فيه يستدعي رسم مقدمات تزيد بصيرة في المقصود

3

(إحداها) أنه لا ينبغي التأمل في أن المسألة أصولية

فإن نتيجتها صالحة لوقوعها في طريق استفادة الأحكام و كبرى لقياس استثنائي فإنه يترتب على القول بالجواز صحة الصلاة الواقعة في الدار المغصوبة و اللباس المغصوب و غيرهما لو قلنا بصحة التقرب بمجمع العنوانين و كذا يترتب عليه استفادة الوجوب الشرعي لمجمع العنوانين سواء كان من المعاملات أو العبادات و يكفي في كون المسألة أصولية ترتب ثمرة فقهية على أحد طرفيها من السلب أو الإيجاب و لو لم يترتب حكم فرعي على الطرف الآخر فلا يضر بكون هذه المسألة من الأصول عدم ترتب فساد العبادة على القول بالامتناع على تقدير القول بترجيح جانب النهي كما هو ظاهر

(الثانية) أنه لا ريب في عدم جريان النزاع فيما إذا كان متعلقا الحكمين متباينين‏

لا يجتمعان وجودا أو كانا متساويين لا يتخلف أحدهما عن الآخر كذلك أما في الأول فواضح و أما في الثاني فلأنه يلزم أن يكون شي‏ء واحد محكوما بحكمين متضادين من دون أن يكون موجها بوجهين و فردا لعنوانين مثل أن يقال صل في الدار المغصوبة و لا تصل فيها فإن الصلاة المتخصصة بخصوصية وقوعها في الدار المغصوبة تكون حينئذ متعلقة لحكمين مختلفين من دون وجود تعدد عنوان في البين و أما إذا كان النسبة بينهما عموما و خصوصا مطلقا فلجريان النزاع فيه وجه و إن اختار عدم الجريان جماعة من مقاربي عصرنا تبعا للمحقق القمي (قدس سره) و هو أن الفعل الخاص و إن كان بما هو متخصص بما له من الخصوصية مبغوضا إلا أنه لا ينافي ذلك محبوبية نفس الفعل كما أن مبغوضية شرب الماء من الإناء المتخذ من الذهب أو الفضة مثلا لا تنافي محبوبية نفس الشرب و مطلوبيته و إن كنت في ريب من ذلك فانظر إلى نفسك إذا كنت عطشان فإن شرب الماء من الإناء المكسور مثلا و إن كنت تستقبحه و تبغضه و لكن نفس شرب الماء مع ذلك يكون مطلوبا لك فالصلاة و إن كانت بما هي مضافة إلى الدار المغصوبة

4

مبغوضة إلا أنها بذاتها محبوبة فالفعل الموجود بوجود واحد بما أنه فرد للصلاة تكون محبوبة و مصداقا للأمر بالصلاة و بما أنه فرد للصلاة الواقعة في الدار المغصوبة و مصداق لقوله لا تصل في الدار المغصوبة يكون مبغوضا فلو قيل بكفاية تعدد الوجه في رفع غائلة الاجتماع لكان يجدي هنا أيضا و إلا فلا يجدي مطلقا (فالتحقيق) أنه يجري البحث فيما كان النسبة بين متعلقي الحكمين العموم و الخصوص مطلقا كما كان يجري فيما إذا كان النسبة بينهما العموم من وجه و لا فرق بينهما فيما نحن بصدده من لزوم التكليف المحال و عدمه و إن كان يفترق الأول عن الثاني من جهة لزوم التكليف بالمحال فيه فإن الأمر بالصلاة مطلقا و لو في الدار المغصوبة مع النهي عن خصوص ما يقع منها في الدار المغصوبة مما لا يمكن امتثاله فالإشكال في مقام الامتثال يكون بحاله و أما لزوم الإشكال في مقام الجعل فهو يتفرع على القول بالامتناع في المسألة

(الثالثة) لا يخفى أن النزاع في جواز الاجتماع و عدمه مبني على القول بتعلق الأحكام بالطبائع‏

و أما على القول بتعلقها بالأفراد فلا مجال للبحث أصلا بداهة أنه عليه يكون الفرد المجمع للعنوانين متعلقا للأمر بنحو التخيير بينه و بين سائر الأفراد كما يكون متعلقا للنهي أيضا تعيينا فيكون بذاتياته و تشخصاته مبعوثا إليه و مزجورا عنه في زمان واحد و يكون التكليف محالا و لا يغني في رفع الإشكال القول بأنه اثنان حقيقة و فردان موجودان بوجود واحد لبا كما في الكفاية فإن ذلك إنما يصح في مقام الامتثال حيث يكون المجمع المأتي به فردا للمأمور به من جهة و للمنهي عنه من جهة أخرى و أما في مقام الجعل الذي هو محل الكلام هنا فيكون ذاك الفرد بنفسه طرف الإضافة للبعث و الزجر كليهما و متعلقا لهما معا و هذا بخلاف ما إذا قلنا بأن متعلق الأوامر و النواهي‏

5

هو الطبائع فإنه عليه مضافا إلى أن المجمع يكون اثنين حقيقة في مقام الامتثال يكون متعلق أحدهما في مقام الجعل أيضا غير متعلق الآخر فلا تغفل و تدبر

(الرابعة) لا ينبغي الريب في أن البعث أو الزجر إنما يتعلق بالطبائع‏

بوجودها السعي و أن التشخصات الفردية لا دخل لها في مطلوب الآمر و الناهي إذا كان مراده أو مكروهه صرف وجود تلك الطبائع بل يكون دخل التشخصات في متعلق البعث أو الزجر مع عدم دخالة لها في غرضه المتقوم بإيجاد صرف الطبيعة أو إعدامه صرف الجزاف و قد تبين ذلك في موضعه مشروحا

(الخامسة) أنه بعد ما تبين أن متعلق البعث و الزجر إنما هو الطبيعة لوجودها السعي في قبال الوجود الخاص‏

و أنه هو العنوان المأخوذ مشيرا إلى أفراده و وجها لجزئياته فلا ريب في أنه قد يتصادق عنوانان في موجود واحد و يكون الموجود فردا لهما معا و مصداقا لكليهما و يكون هذان العنوانان مع أنهما موضوعان لحكمين مختلفين و قد أخذ كل منهما بما أنه مشيرا إلى أفراده موضوعا لحكم مستقل صادقين على فرد خاص بحيث يكون وجوده وجوده وجودا لكلا العنوانين و تحصله تحصلا لكلتا الطبيعتين‏

(السادسة) أنه يفترق العنوان المتكرر في ألسنتنا عن الماهية

الواقعة جوابا عن السؤال بما هو في أن الماهية إنما تنتزع عن الفرد بلحاظ حقيقته و لذلك تقع جوابا عن السؤال عن الحقيقة المركبة من المادة المشتركة المعبر عنها بالجنس و المادة المفترقة المعبر عنها بالفصل بخلاف العنوان فإنه انتزع عن الأفراد بما هي أفراد لها و مصاديق من دون دخالة لحقيقتها في انتزاعه و على ذلك فلا تضر وحدة الماهية بصدق العنوانين المأخوذين كل منهما موضوعا لحكم على حدة مثلا يتصادق موضوع قضية أكرم العالم و لا تكرم الفاسق على رجل واحد على وحدة وجوده و ماهيته و كذلك يتصادق عنوان الصلاة و الغصب على فعل خاص مع وحدته وجودا و ماهية

6

فالبحث عن تعدد الماهية هنا و وحدتها كما عن المحقق النائيني (قدس سره) و أن القول بالجواز في المسألة مبني على التعدد و القول بالمنع مبني على وحدتها مما لا وجه له بل الموجود الواحد على وحدة ماهيته يكون مصداقا لعنوانين و فردا لموضوعين ترتب على كل منهما حكم خاص فلو قيل بتعدي أحد الحكمين في مورد التصادق عن متعلقه إلى متعلق الحكم الآخر فلا محالة لا بد معه من القول بالامتناع كما أنه لو لم نقل بذلك بل قلنا بأن اجتماع العنوانين لا يوجب سراية أحد الحكمين إلى متعلق الآخر فلا مناص عن اختيار الجواز في المسألة من دون أن نحتاج إلى تكلف إثبات اختلاف موضوع أحد الحكمين مع موضوع الآخر في المقولة بتقريب أن الغصب من مقولة الأين و هو لا تكاد تتحد مع شي‏ء من أفعال الصلاة من القيام و الركوع و السجود لكونها من مقولة الوضع الذي هو الهيئة الحاصلة للمكلف من ملاحظة بعض أعضائه مع بعض نعم الهوي إلى الركوع و السجود و النهوض منهما إلى القيام يتحدان مع الغصب وجودا و لكنهما من مقدمات الأفعال لا من نفسها و أما الأقوال و الأذكار فلا إشكال في أنها ليس من الغصب و التصرف في المكان المغصوب في شي‏ء و لا يخفى عليك عدم تمامية هذا التقريب فإنا لا نسلم أن الهوي و النهوض من مقدمات الأفعال فإن الواجب على المكلف في الركوع و السجود ليس هو الهيئة الحاصلة للأعضاء المعبر عنها بالوضع بل الواجب هو الفعل الاختياري الصادر من المكلف حين إرادة الركوع و السجود و لا إشكال في اتحاده مع الغصب وجودا و كذا الكلام في النهوض فإنه هو الواجب على المكلف لا صرف الهيئة الغير الاختيارية الحاصلة بعد النهوض عن الاختيار و بالجملة فالصلاة هيئة تركيبية توجد بوجود هو مصداق الغصب قطعا إذ الصلاة ليست إلا هذه الهيئة التركيبية المفروض تحققها

7

بتحقق الغصب و هذه الهيئة واحدة وجودا و ماهية بلا إشكال و لكنها بنفسها غير متعلقة للبعث أو الزجر أصلا فإن الطبائع ليست متعلقة للأمر و النهي بما هي موجودة و إلا لكان طلبها طلبا للحاصل و إنما تكون موجودة بعد ما تعلق البعث بها لتوجد و الحاصل أن البحث عن وحدة الوجود و تعدده أو وحدة الماهية و تعددها مما لا يفيد بنظري القاصر أصلا فإنه لا إشكال في وحدة الوجود و معه لا مجال لتعدد الجنس و الفصل في المقام أصلا لكن قد ذكرنا إن الأمر غير متعلق للوجود و إلا لكان طلبا للحاصل و لا للماهية المركبة من جنسه و فصله كما هو واضح بل الأمر هو متعلق بالعنوان المأخوذ مرآة لصرف الوجود و الوجود السعي كما سيتضح إن شاء اللّه تعالى و قد انقدح مما ذكرنا ما في كثير من كلمات المحقق النائيني (قدس سره) هنا من الإشكال بنظري القاصر و فكري الفاتر فراجع إليها و تأمل فيها حق التأمل‏

(السابعة) أنه بعد ما عرفت أن ما يوجده المكلف في الخارج و يصدر منه هو وجود واحد لا تعدد فيه أصلا

عرفت أنه لا يصح الإتيان بالمجمع إذا كان عباديا و لا يجري في مقام الامتثال مطلقا و لو قلنا بالجواز في المسألة و ذلك لأن العبادات مجعولة لتقرب العبد بها إلى اللّه تعالى و تذللهم في مقابله و خضوعهم لديه و المفروض أن الفعل صدر من المكلف طغيانا على اللّه تعالى و عصيانا و تجريا عليه فلا يمكن أن يتقرب المكلف إليه بهذا الوجود و كيف يمكن أن يقصد امتثاله و إطاعته بما هو عصيان له و هتك لحرمة مولويته و قضية تعدد الجهة و العنوان لا تكاد تجدي هنا فإن التقرب إنما يقع بالوجود الخاص الخارجي الذي يصدر من المكلف و يوجده لا بالوجود السعي الذي هو متعلق للأمر حقيقتا و لا بعنوانه المتعلق له مرآة و آلة للحاظ نعم إذا كان العبد جاهلا بالموضوع أو الحكم قصورا و قلنا بجواز الاجتماع فلا إشكال في صحته و وقوعه عبادة

8

إذ المفروض تعلق الأمر بالطبيعة مطلقا و ليس في البين ما يمنع عن قصد التقرب به بعد فرض جهله بالحكم أو الموضوع قصورا فإن الفعل يصدر منه حينئذ إطاعة و امتثالا لا طغيانا و تجريا كيف و هو معذور عقلا و نقلا و يحكم العقل بقبح مؤاخذته استقلالا فالتفصيل بين الملتفت و الجاهل تقصيرا و بين القاصر على القول بالجواز في كمال الوضوح و أما على القول بالامتناع في المسألة فإن قيل بترجيح جانب الأمر و تقديمه فلا إشكال في صحة العبادة مطلقا و لو مع الالتفات و أما إن قيل بتقديم جانب النهي فقد يقال بالصحة بالنسبة إلى القاصر و عليه ينزل فتاوى القدماء من أصحابنا (رضوان اللّه تعالى عليهم) الظاهرة أو الصريحة في التفصيل بين الملتفت و من بحكمه و بين القاصر نظرا إلى كفاية مطلق المصلحة و المحبوبية في الإتيان بالفعل العبادي و لو لم يكن مأمورا به تارة و إلى كفاية الأمر بالطبيعة في الإتيان بفرد لا يشمله الطبيعة بما هي مأمور بها أخرى و في كلتا الدعويين من الإشكال ما لا يخفى أما في الأولى فلأن مجرد اشتمال الفعل على مصلحة لا يوجب تعلق الإرادة المولوية به لجواز اشتماله على مفسدة مساوية أو أرجح منها بحيث لا يتعلق به إرادة و لا كراهة أو يتعلق به الكراهة فقط دون الإرادة و حينئذ فلا يبقى مجال للإتيان به متقربا إلى المولى ثم لو فرضنا عدم اشتماله على مفسدة فلا وجه لعدم تعلق الإرادة المولوية به بل و يكون الفعل حينئذ مأمورا به حقيقة و مطلوبا واقعا و لو لم يتمكن المولى من إبراز إرادته و طلبه إن شاء كما إذا كان أصم و لا يقدر على التكلم و من المعلوم أن القول بترجيح جانب النهي هنا ليس إلا من جهة اشتمال الفعل على مفسدة أقوى و معه لا يمكن التقرب به كما لا يخفى و أما في الثانية فلأن العقل إنما يحكم بكفاية إتيان كل ما يشمله الطبيعة المأمور بها بوجودها السعي من الأفراد في مقام الامتثال إذا لم تكن تلك الأفراد مشتملة على مفسدة أقوى توجب صرف نظر المولى عن المصلحة الموجودة فيها و أما مع وجود تلك‏

9

المفسدة فيها فلا يحكم بكفاية إتيانها في حصول الامتثال و كيف يمكن حصول الامتثال بالإتيان بفرد ينهى عنه المولى و يزجره بنهي أكيد و زجر شديد و لا فرق في ذلك بين الملتفت و من بحكمه و بين القاصر إلا في استحقاق العقاب و عدمه فانقدح أن التفصيل المشتهر بين أصحابنا قدس أسرارهم مما لا وجه له إلا على القول بالجواز في المسألة بتقريب قدمناه‏

(الثامنة) لا يخفى أن المرجع بعد القول بعدم جواز الاجتماع في المسألة هو المرجحات في باب التزاحم‏

و لا مجال للرجوع إلى باب التعارض و ذلك لأن البحث في هذه المسألة إنما هو فيما إذا أحرز وجود المناطين كليهما في مورد الاجتماع و علم بأنه مورد لكلا الحكمين لا ما إذا علم بعدم وجود أحد المناطين في مورد الاجتماع و عدم شمول أحد الحكمين له كما هو مورد التعارض و الرجوع إلى القواعد المذكورة فيه فإن تلك القواعد إنما تعمل لتشخيص الوظيفة و إن أيا من الطريقين مشتمل على ما هو مراد المولى بحيث نعلم بعدم تعلق الإرادة المولوية بما يتضمنه أحد الطريقين و يدل عليه و لو بدلالة الظهور و البحث هنا إنما هو بعد العلم بتعلق الإرادة بما يتضمنه كل من الطريقين بحيث لو أمكن اجتماعهما في مورد الاجتماع و لم يكن مانع عقلي له كما يقول به المجوز لقلنا بأن كلا منهما متعلق للإرادة مطلقا حتى في مورد الاجتماع فلا بد للقائل بالامتناع من البحث بأن المناط في أيهما يكون أقوى في نظر المولى و أن امتثال أي من الحكمين أهم في نظره و أن المكلف المتصرف في الدار المغصوبة مثلا الذي لا يتمكن من الجمع بين امتثال كل من التكليفين هل عليه أن يصلي و يمتثل أمر المولى بالصلاة و لو وقع بالتصرف في الدار المغصوبة أم عليه ترك التصرف فيها و لو كان بترك الصلاة و من المعلوم أنه لا يجدي لبيان ذلك البحث في باب التعارض أصلا

10

و لا ارتباط له بما نحن فيه كما لا يخفى و قد انقدح بذلك ضعف ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) من أن المرجع للقائل بالامتناع في المسألة هو باب التعارض فتأمل جيدا إذا عرفت هذه المقدمات فالتحقيق هو جواز الاجتماع و عدم وجود مانع عنه عقلا و بيانه يحتاج إلى ذكر مقدمة و هي أن الوجوب و الحرمة و غيرهما من الأحكام لا تكون أوصافا لفعل المكلف و عوارض له كما تخيله بعض المانعين حتى يحتاج القائل بالجواز إلى إثبات تعدد الموضوع في مورد الاجتماع و اثنينية معروض الحكم كما تصدى لإثباته بعض الأعلام (قدس سره) بل تكون تلك الأحكام منتزعة عن تعلق الطلب بشي‏ء أو تعلق الزجر به و على ذلك فالإيجاب و التحريم مثل البعث و الزجر من أفعال المكلف و يكون لهما الإضافة إلى متعلق التكليف إذا كان طرف الإضافة لكل منهما غير الآخر و لا مضادة بينهما في ذاتهما فإن المتضاد بين الأحكام إنما هو فيما إذا كان طرف الإضافة و متعلق الجميع واحدا لا مطلقا و لو مع اختلاف المتعلق و لذا ينقدح لشخص واحد في زمان واحد إرادات و كراهات متعددة تعلق كل منهما بفعل غير ما تعلق به الآخر فانظر إلى نفسك تريد في زمان واحد أمورا و تكره أمورا آخر و تبغضها فالإيجاب و و التحريم صادران من المكلف و قائمان به قياما صدوريا و لكل منهما إضافة إلى فعل المكلف و لا إشكال في اجتماعهما إذا كان متعلقاهما متغايرين غير مرتبط أحدهما بالآخر

(إذا عرفت ذلك) تعلم أنه لا إشكال في تعلق الأمر لطبيعة بوجودها السعي و النهي بطبيعة أخرى كذلك فإن تضاد الواقع بين الأحكام لا يمنع عن ذلك بعد تغاير المتعلقين فإن المتعلق في أحدهما الصلاة و في الآخر الغصب و هو أمران متغايران يختلفان وجودا تارة و يتحدان بسوء اختيار المكلف أخرى (فإن قلت) نعم و لكن مورد اجتماع العنوانين‏

11

يكون مبعوثا إليه من جهة و مزجورا عنه من جهة أخرى فالبعث و الزجر و إن كانا مختلفين من حيث المتعلق في مورد الافتراق إلا أنهما يتحدان من هذا الحيث بالنسبة إلى المجمع و تكون غائلة استحالة اجتماع الحكمين موجودة فيه (قلت) لا يكاد يكون المجمع مبعوثا إليه و مزجورا عنه بوجه فإن البعث إنما يتعلق بالعنوان المنتزع من الحقيقة الخارجية الجامعة لجميع الوجودات الصادقة على كل من الوجودات الخاصة فإن العقل بعد ملاحظة تلك الوجودات يرى جامعا لها في الخارج و حقيقة موجودة في جميعها و تكون تلك الحقيقة متعلقة للبعث و الزجر و لا يكون الوجود الخاص بمتعلق للبعث و الزجر بحال و تحقق الامتثال به إنما هو بملاحظة وجود الحقيقة الجامعة الخارجية فيه لا بملاحظة كونه متعلقا للأمر (و إن كنت) في ريب من ذلك فلاحظ نفسك إذا كنت عطشان هل يكون شرب الماء الخاص المتحقق من زيد مثلا محبوبا لك أم يكون المحبوب مطلق شرب الماء الصادق على جميع الوجودات لا مجال لإنكار أن المحبوب لك لا يكون وجودا خاصا لا يصدق على وجود خاص آخر و كيف يمكن الأمر بالإتيان بالماء الذي شربه الشخص الفلاني مثلا بل المحبوب و المأمور به هو حقيقة الفعل الصادقة على جميع الوجودات و العنوان المأمور به في ظاهر الخطاب يكون منتزعا عن تلك الحقيقة فتكون هي متعلقة للبعث أو الزجر لبا و على ذلك فعنوان الصلاة المنتزع عن الحقيقة الجامعة الخارجة الصادقة على الوجودات المخصوصة يكون مأمورا به أولا و يسري الأمر منه إلى نفس الحقيقة ثانيا لا إلى وجود خاص و فرد مخصوص منها و كذا عنوان الغصب المنتزع عن حقيقة التصرف في مال الغير منهي عنه أولا و تكون الحقيقة الجامعة منهيا عنها ثانيا من غير تعلق للبعث و الزجر بالمجمع أصلا و الحقيقة و إن كانت عين الوجود الخاص إذا

12

كانا ملحوظين بالنظر الإجمالي إلا أنهما متغايران إذا لوحظا تفصيلا و معلوم أن جعل الحقيقة موضوعا للحكم يقع باللحاظ الثاني كما أن الإنسان يقع موضوعا لحمل الجنس و الفصل عليه هناك للحاظ مع أنه عين الفرد باللحاظ الإجمالي و بالجملة فاتحاد الحقيقة الخارجية مع الفرد الخاص باللحاظ الإجمالي لا يوجب سراية الحكم منها إليه بعد وضوح أنها موضوع للحكم باللحاظ التفصيلي الذي هي في ذاك اللحاظ تكون متغاير الفرد كما هو واضح فلا يكاد يكون المجمع طرف الإضافة للبعث و الزجر أصلا و كيف يكون كذلك و قد بينا في بعض المقدمات أن الطبائع لا تكون متعلقة للخطاب بما هي موجودة بل المتعلق له هو الطبيعة المنتزعة عن صرف الوجود الجامع لجميع الموجودات لا بمعنى أخذ وصف الجامع فيه كي يقال بأن الحقيقة الجامعة بما هي كذلك لا موطن لها إلا في الذهن و الحاصل أن المأمور به حقيقة هو صرف الوجود في الخارج و العنوان قد أخذ مشيرا إليه و كذا المنهي عنه هو حقيقة التصرف في مال الغير و قد انتزع عنها عنوان الغصب كما ينتزع عنوان الإنسان عن الحقيقة الخارجية المشتملة على الهيولى و الصورة و لا ينتزع عن فرد خاص بخصوصية كما ينتزع عنوان الضارب عن حقيقة الإنسان المتصف بحقيقة الضرب لا عن مصداق خاص منها فلا يكاد يسري النهي عن متعلقه إلى متعلق الأمر بحال بل المتعلقان حقيقتان خاصتان خارجيتان و يصدق كل منهما على فرد خاص بحسن اختيار المكلف تارة و لصدق كلاهما على فرد واحد بسوء اختياره أخرى فاجتماعهما بحسب الوجود إنما هو في مقام الامتثال و ذلك لا يوجب إشكالا في مقام الجعل أصلا فانقدح من جميع ما حققنا أنه لا إشكال في الأمر بحقيقة مطلقا و النهي عن حقيقة أخرى كذلك حتى في مورد تصادقهما على وجود خاص بل و لا يعقل تعلق الأمر بها مشروطا بعدم كون مورده مورد النهي و ذلك لأن دخالة شي‏ء لا يكون له دخالة في مطلوبية المأمورية في التكليف و المأمور به جزاف‏

13

صرف فإن ترك الغصب إن كان مما له دخالة في مطلوبية الصلاة فلا بد من الأمر بها مشروطا و يكون خارجا عن محل البحث هنا و إلا فلا بد من الأمر بها مطلقا و لا إشكال فيه أصلا كما بينا و التصادق في الوجود لا يوجب تحقق غائلة اجتماع الضدين في محل واحد بعد ما اتضح من تعدد المتعلق و إن كنت تطلب مثالا خارجيا يوضح ذلك فافرض أنك تعلم بوجود فرد في الدار مثلا و تجهل خصوصياته و تشخصاته فإن العلم و الجهل متضادان و متعلقاهما موجودان بوجود واحد و لا إشكال فيه أصلا و الأمثلة لذلك كثيرة لا نحتاج إلى ذكرها بعد وضوح الحال و بيان الاستدلال بحيث يظهر منه الجواب عن جميع ما ذكره المانعون من الإشكال و العمدة منه هي ما أفاده (المحقق الخراساني) (قدس سره) و هو مركب من أربع مقدمات (أولاها) تضاد الأحكام و أنها لا تجتمع في محل واحد في مقام فعليتها و إن كانت تجتمع قبل الوصول إلى تلك المرتبة (ثانيتها) أن متعلق التكليف هو فعل المكلف و ما هو موجوده و فاعله للعنوان المنتزع عنه الذي لا تحقق له خارجا (ثالثتها) أن تعدد الوجه و العنوان لا يوجب تعدد ذي الوجه و المعنون الذي هو متعلق الحكم في الحقيقة (رابعتها) أن وحدة الوجود مستلزم لوحدة الماهية و لا يمكن تعدد الماهية مع وحدته فينتج من جميع هذه المقدمات أن الفعل الواحد و الموجود الفارد لا يمكن أن يكون محكوما بحكمين مختلفين بمجرد تعدد عنوانه و وجهه لما عرفت من أن تعدد الوجه لا يستلزم تعدد ذيه (و أنت) خبير بأنه لا يجدي هذه المقدمات لإثبات المنع بعد ما عرفت من أن متعلق كل من الحكمين حقيقة خارجية جامعة لوجوداته الخاصة و صادقة عليها و لا يكون الموجود بمتعلق للحكم أصلا كما أن نفس العنوان و الوجه يكون كذلك فتأمل في المقدمات حق التأمل تعرف ما فيها إن شاء اللّه تعالى و لا يهمنا ذكره‏

14

بعد ما أشرنا إليه في طي الاستدلال على ما اخترناه‏

(و أما ما استدل) به المجوزون‏

من متأخري أصحابنا (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين) (فأمور

منها) أنه لو لم يجز الاجتماع لما وقع في الشرع و قد وقع كثيرا و ذلك كما في العبادات المكروهة

و بعض من المستحبات فإن الأحكام متضادة بأسرها و قد اجتمع في الشرع الوجوب أو الاستحباب مع الكراهة كما في الصلاة في الحمام و في مواضع التهمة فريضة و نافلة و كما في بعض النوافل المبتدئة و في الصوم يوم عاشوراء و كذلك اجتمع الوجوب أو الاستحباب مع الاستحباب أو الإباحة كالصلاة في المسجد أو الدار فريضة أو نافلة و لازم ذلك جواز اجتماع الوجوب مع الحرمة أيضا إذ لا فرق بين الأحكام في ذلك بعد عموم دليل المنع الذي هو تضاد الأحكام و تنافيها و لكن التحقيق أنه لا ارتباط لهذه الموارد بمسألة الاجتماع أصلا و بيان ذلك يحتاج إلى تحقيق الحال في العبادات المكروهة فنقول و به تعالى التكلان‏

إن العبادات المكروهة (على ثلاثة أقسام)

القسم الأول ما تعلق المنع التنزيهي بما تعلق به الأمر و البعث الغير الإلزامي كما في بعض النوافل و في الصوم يوم عاشوراء (الثاني) ما تعلق النهي فيه بفرد مما تعلق به الأمر كالصلاة في الحمام (الثالث) ما تعلق النهي فيه بعنوان قد يتحد وجودا مع العنوان المأمور به و يكون النسبة بينهما عموما من وجه كما في الصلاة في مواضع التهمة بناء على أن يكون متعلق النهي هو مطلق الكون في مواضع التهمة

أما القسم الأول‏

فقد أجيب عنه تارة بأن الترك فيه من جهة انطباق عنوان راجح عليه مستحب أقوى و أهم و لكن مع ذلك يكون الفعل باقيا على ما كان عليه من الرجحان و المطلوبية من دون تحقق حزازة فيه و مفسدة فلا مانع من الإتيان به بقصد التقرب كما يجوز الإتيان بمستحب زاحمه مستحب أهم منه و على ذلك فمتعلق أحد الأمرين هو الفعل و متعلق الآخر هو العنوان‏

15

المتحقق في ضمن الترك و يكون النهي إرشادا إلى أهمية الترك لذلك فليس هنا من اجتماع الحكمين في محل واحد في شي‏ء و لا تكون مفسدة في الفعل كي تمنع عن قصد التقرب به و قد اختار هذا الجواب العلامة الأنصاري و السيد المحقق الأصفهاني (قدس سرهما) و تبعهما في ذلك بعض أعاظم عصرنا دام ظله (و أخرى) بأن العنوان المطلوب ملزوم للترك فلا يتحقق إلا بتحقق الترك ففي مثال الصوم في يوم عاشوراء يكون الترك أهم من جهة تحقق عنوان ذي مصلحة راجحة بتحققه كعنوان مخالفة بني أمية لعنهم اللّه و عذبهم عذابا أليما و النهي عن الفعل إنما هو للإرشاد إلى ما في تركه من هذه المصلحة الراجحة كما في التقريب الأول و قد أجاب (بهذا العنوان) المحقق الحائري (قدس سره) و ذكر كليهما المحقق صاحب الكفاية و لكن لا يخفى ما في كل منهما من الإشكال (أما في الأول) فلأن انطباق عنوان وجودي على الترك الذي هو في الحقيقة أمر عدمي و يكون في كمال المنافاة مع الأمر الوجودي مما لا يمكننا تعقله هذا مضافا إلى ما في إرادة الطلب و البعث إلى عنوان من النهي عن الفعل الظاهر في المنع و الزجر عنه من البعد الواضح و قد عرفت من هنا ما في الجواب الثاني أيضا بل الأمر فيه أشنع إذ عليه يكون المراد من النهي هو البعث إلى ملزوم الترك و ما يتحقق بتحققه و هو كما ترى و في كلا التقريبين إشكال آخر مشترك الورود و هو أن الفعل إن كان مأمورا به و متعلقا للبعث أيضا فيلزم البعث إلى النقيضين و هو محال فلا بد للآمر حينئذ أن يأمر بما هو أتم مصلحة من الفعل و الترك و أهم في نظره إن كان و إلا فالتخيير و لا مجال للأمر و البعث إلى كل من الفعل و الترك بخصوصه و إن كان المراد كفاية صرف وجود المصلحة في عباديته و إمكان قصد التقرب به من دون الاحتياج إلى تعلق الأمر به فهو مما لا نعقله بعد وضوح أنه لا مجال لاستنباط وجود

16

المصلحة فيه إلا من قبل الأمر به (و التحقيق الذي يقتضيه) النظر الدقيق في العبادات المكروهة هو أن النهي تعلق بها مولويا بعد كونها فعلا عباديا و مأمورا به فإن متعلق الأمر هو ذات العمل و متعلق النهي هو العمل العبادي و المأمور به و لا إشكال في ذلك أصلا و توضيح ذلك بالمثال أن الأمر تعلق أولا بالإتيان بركعتين من النافلة مثلا في كل وقت يسع لذلك و بالإمساك بقصد الصوم في كل يوم من أيام السنة و لازم ذلك أن يكون الإتيان بالنافلة عند طلوع الشمس و عند غروبها مأمورا به و مبعوثا إليه ببعث غير إلزامي من جهة الأمر الأول و أن يكون الصوم في يوم عاشوراء كذلك بالأمر الثاني فيصح الإتيان بكل منهما بسبب الأمر المتعلق به و بقصد امتثاله و يكون كل منهما عباديا يؤتى به متقربا به إلى المولى و لكن المولى حيث رأى في كل منهما حزازة و جهة يكون الترك بها أولى عنده من إتيانه نهى عن كل منهما بوصف عباديته و تعلق الأمر به فمتعلق النهي في الحقيقة هو التعبد به و الإتيان به بقصد امتثال أمره و حيث إن النهي يكون تنزيهيا يرخص المكلف في التعبد به يكون المعنى أن الأولى عدم التعبد به و عدم الإتيان متقربا به و إن كان يصح ذلك و يقع على ما هو عليه من امتثال الأمر الاستحبابي به و إطاعته و على ذلك فالمأمور به هو ذات العمل و فيه مصلحة خالصة بلا حزازة و المنهي عنه هو التعبد به و لا إشكال في ذلك أصلا

و من هنا انقدح الجواب عن القسم الثاني أيضا

فإن متعلق النهي في الصلاة في الحمام هو الطبيعة الواجبة المأمور بها المتخصصة بخصوصية وقوعها في الحمام و متعلق الأمر هو نفس الطبيعة من دون لحاظ تشخصاتها و إطلاق الطبيعة المأمور بها يقتضي جواز الإتيان بها في ضمن أي خصوصية كانت و لو بوقوعها في الحمام و النهي يقتضي المنع عن إيجاد الطبيعة المأمور بها بوصف كونها مأمورا بها في خصوص هذا الفرد

17

و هذا الوجود و لكن حيث إن النهي تنزيهي يشتمل على ترخيص العبد في ذلك يكون الإتيان في خصوص هذا الفرد المنهي عنه صحيحا و يقع على ما هو عليه من تحقق الامتثال الإلزامي به و من جميع ذلك عرفت الحال في بعض العبادات المستحبة و أن متعلق الاستحباب و البعث الغير الإلزامي هو الإتيان بالعبادة المأمور بها بوصف عباديتها في المسجد كما أن متعلق الحكم الإباحي هو الإتيان بالعبادة بذاك الوصف في الدار و مجمل الجواب أن الأمر الثاني ناظر إلى مقام الامتثال و كيفية الإطاعة و تحصيل الفراغ كما أن النهي في العبادات المكروهة يكون كذلك بخلاف الأمر الأول فإنه ناظر إلى ذات العمل و نفس الفعل‏

(و أما القسم الثالث)

أعني ما إذا كانت النسبة بين المأمور به و المنهي عنه بالنهي التنزيهي عموما من وجه مثل النسبة بين صل و بين لا تكن في مواضع التهمة فقد يتخيل أن اللازم عدم صحة الصلاة في مواضع التهمة إلا على القول بالجواز في المسألة و إلا فلا بد من القول ببطلانها فيها لسراية النهي على القول بالامتناع من متعلقه إلى متعلق الأمر مع أن الإجماع قائم على صحتها و لكن التحقيق أن صحة الصلاة في هذا القسم من العبادات المكروهة أيضا لا تنافي القول بالامتناع فإن غاية ما يلزم من القول بالامتناع تعلق النهي التنزيهي ببعض الأفراد من طبيعة الصلاة المأمور بها و هو خصوص الواقعة منها في مواضع التهمة و ذلك لا ينافي صحة العبادة المأتي بها في ضمن هذا الفرد المنهي عنه فإن العقل بعد ملاحظة إطلاق الطبيعة المأمور بها و عدم تقيدها بقيد يحكم جزما بجواز تطبيق الطبيعة على أي فرد أراد المكلف و إمكان امتثال الأمر بها في ضمن أي فرد أتى به و لا يمنع عن هذا الحكم العقلي النهي التنزيهي أصلا فإنه حيث يشتمل على ترخيص الإتيان بما تعلق به يكون مما

18

يلائم حكم العقل و يقويه لا مما يعانده و ينافيه فالنهي بنفسه يجوز امتثال الأمر المتعلق بصرف الوجود بالفرد المنهي عنه و قد ذكرنا أن متعلق النهي في العبادات المكروهة هو الفعل العبادي بعد ثبوت عباديته و إنه لكان كونا تنزيهيا يرخص في التعبد به فالنهي عن الكون في مواضع التهمة يشتمل بإطلاقه الكون الحاصل في ضمن الصلاة فيها و لمكان اشتماله على الترخيص يجوز الإتيان بالصلاة فيها و يقع به امتثال الأمر المتعلق بها و بالجملة فالأمر متعلق بصرف الوجود و بالطبيعة بوجودها السعي و النهي يتعلق بخصوص وجود من وجوداتها و فرد من أفرادها على القول بالامتناع و سراية النهي من متعلقه العام إلى كل فرد من أفراده و لكن ذلك لا ينافي صحة العبادة المأتي بها في ضمن هذا الفرد الخاص كما ذكرنا فانقدح من جميع ذلك عدم صحة الاستشهاد على الجواز في المسألة بصحة العبادات المكروهة و أن صحتها يتم على القول بالامتناع أيضا و اعلم أن للمجوزين أدلة أخر مذكورة في تقريرات بعض الأعلام و لما لم يكن فيها كثير فائدة يهمنا ذكرها بما فيها من الكلام و النقض و الإبرام كان الأولى لنا الإعراض عن نقلها في المقام و من شاء فليطلبها منها

و ينبغي التنبيه على أمرين‏

الأول إذا توسط المكلف أرضا مغصوبة

فهل الخروج منها يقع مأمورا و منهيا عنه أو مأمورا به مع جريان حكم المعصية عليه أو بدون ذلك أو منهيا عنه أو محرما بالنهي السابق الساقط فيه أقوال (فالأول) منسوب إلى أبي هاشم و اختاره المحقق القمي (قدس سره) ناسبا له إلى أكثر المتأخرين و ظاهر الفقهاء القائلين بوجوب الحج على المستطيع و لو فات استطاعته (و الثاني) مختار المحقق صاحب الفصول (قدس سره) (و الثالث) مختار العلامة الأنصاري (قدس سره) و إليه ذهب المحقق النائيني على ما قرره بعض أفاضل مجلس درسه و اختار القول الرابع (المحقق) صاحب الكفاية و تبعه بعض‏

19

الأعاظم من علماء عصرنا (دام ظله) و هو الحق في نظري القاصر و قبل بيان الاستدلال عليه تقدم الكلام في سائر الأقوال فنقول أما القول الأول فهو مبتن على مقدمتين (أولاهما) جواز الاجتماع في الفعل الموجه بوجهين (ثانيتهما) أن التكليف بما لا يطاق جائز إذا كان عن سوء اختيار المكلف و أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار خطابا و عقابا و المقدمة الأولى و إن كانت مختارة لنا كما تقدم إلا أن المقدمة الثانية غير صحيحة فإن الامتناع بالاختيار ينافي الاختيار خطابا و لا يصح من المولى التكليف بما لا يطاق الذي هو قبيح نفسه بسوء اختيار العبد كما هو واضح (و أما) ثاني الأقوال ففيه أولا أنه لا وجه لكون الحركات الغصبية مأمورا بها و غاية ما يقال وجها لذلك (وجهان) الأول أنه مقدمة سببية للتخلص عن الحرام و لا ريب في وجوبها و فيه أن التخلص عن الحرام و تركه غير واجب شرعا فالغصب منهي عنه و مزجور عنه شرعا و تركه واجب بحكم العقل إرشادا إلى ما في فعله من الحرمة و المبغوضية و ليس بمبعوث إليه شرعا إلا على القول بأن الزجر عن شي‏ء يقتضي البعث إلى تركه و هو باطل فإن البعث و الزجر فعلان من الأمر يحصل الأول منه تارة و الآخر أخرى باختياره و إرادته و لا معنى لتعلق أحدهما قهرا بتعلق الآخر اختيارا و قد ذكر ذلك في مبحث الضد (الثاني) أن الخروج محقق للتخلية الواجبة شرعا من باب وجوب رد المال إلى مالكه فإن الرد في غير المنقولات يكون بالتخلية و لا يتحقق هي إلا بالخروج (و أنت خبير) بأن الحركات الواقعة في سبيل الخروج إشغال في الأرض و تصرف فيها و كيف يمكن أن يكون الإشغال مصداقا للتخلية الذي هو عنوان مقابل له و مضاد معه إلا إذا أريد من الخروج الكون في خارج الدار لا الحركات المحققة له و حينئذ و إن كانت الحركات تجب من باب مقدميتها للكون في الخارج على فرض وجوبه إلا أن الكون‏

20

في الخارج يلازمه التخلية و ليس بمصداق لها (و بالجملة) فالتخلية هي بمعنى جعل المكان خاليا من التصرف و تصيره ذا خلاء منه و من الواضح الجلي أن ذلك غير الكون في الخارج و إن كان يلازمه فبالكون في الخارج يوجد التخلية و يصير المكان خاليا من التصرف و ليس هذا الكون عين التخلية و مصداقا لها فالحركات الخروجية التي يتحقق بها الغصب و الإشغال لا تجب بوجه نعم تجب بحكم العقل إذ بها يتحقق التخلص عن غضب المولى و سخطه و بها يحصل الفرار من مزيد عقوبته و من هنا ظهر الجواب عما يقال من أن الخروج فرار من الظلم و نجاة من التجري و التعدي على الغير فيكون واجبا فإن هذه العناوين و إن كانت واجبة بحكم العقل إلا أنها لا توجب الوجوب الشرعي لنفس الحركات المبحوث عنها في المقام كما هو ظاهر و ثانيا أن الأمر بما هو يكون مبغوضا للأمر و يعاقب عليه قبيح بحكم العقل فإن المفروض أن الحركات الخروجية مبغوضة للمولى و يعاقب عليها و هي بحيث لو لم يكن الزجر الفعلي عنها قبيحا لكان منهيا عنها فكيف يصح منه الأمر بها و هل هو إلا كالأمر بما هو منهي عنه فعلا (فانقدح ما فيما أفاده المحقق) الحائري (قدس سره) في وجه ذلك عن عدم المنافاة بين مكروهية شي‏ء في حد ذاته و بين الأمر به لما فيها من مصلحة أقوى كما أنك تحب إنقاذ الأجنبي ابنتك الغريقة إذا لم تتمكن من إنقاذها مع أن مس الأجنبي إياها مكروه لك و مبغوض (و ذلك) لأن المفروض حرمة الحركات في ما نحن فيه و أنها معاقب عليها و هذا كما ترى غير مرتبط بالمثال كما هو واضح الحال و من جميع ما ذكرنا ظهر الكلام في ثالث الأقوال و ما ذكر له من الاستدلال فإن الأمر بهذه الحركات الواقعة في سبيل الخروج بعد ما نرى بالعيان من صحة العقاب عليها و أنها مبغوض للمولى بمكان واضح من القبح (فبقي القول) بالوجه الرابع من‏

21

أنها غير مأمور بها شرعا و لا منهي عنها فعلا و لكنها منهي عنها حكما (فلنا دعويان أما الدعوى) الأول فقد ظهر وجهها مشروحا و لا نعيد و أما الدعوى الثانية فوجهها مما يظهر بمراجعة الوجهان فإنا نرى بالعيان أن المولى إذا نهى عبده عن التصرف في شي‏ء يصح له العقاب على وضع ذاك الشي‏ء و رفعه و كذلك إذا نهى عن التصرف في دار يصح له العقاب على الحركات الواقعة فيها دخولا و بقاء و خروجا و هل ترى من نفسك عدم صحة العقاب على الحركات الموضوعة في الدار عند الخروج بعد ما كان الدخول فيها باختيار العبد و إرادته الطغيان على المولى و التعدي عليه حاشاك عن ذلك و لا يزعم ذلك بك و هذا معنى ما يقال من أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فالوجوه التي أفاده المحقق النائيني (قدس سره) لإخراج المقام عن تحت تلك القاعدة مع عدم تماميتها في نفسها لا يغني شيئا فإن القاعدة ليست بقاعدة منصوصة حتى نبحث فيها و في عمومها و خصوصها بل هي مما يحكم به العقل فيدخل فيها كل أمر اضطراري نشأ من الاختيار و كان يصح العقاب عليه عند العقل و يخرج عنها ما لم يكن كذلك عنده و قد ذكرنا صحة العقاب على الحركات الخروجية هنا بحكم العقل و السر فيه أن مجموع الدخول في مكان و البقاء فيه لتحصيل المقصد و الخروج عنه يعد عند العرف أمرا واحدا إذ أجزاء تدريجية يوجد الجزء التالي منها بعد حصول الجزء الأول و انعدامه كالنقاط التي يقدم إليها المسافر فليس الجزء الثاني مقدورا إلا بواسطة مقدوريته الإتيان بالجزء الأول و ذلك لا يخرجه عن المقدورية فكما أن عدم مقدورية الجزء التالي من السفر الواقع في نقطة خاصة من الطريق و عدم إمكان صدوره إلا بالإتيان بالجزء المقدم منه و البلوغ إلى محل الثاني لا يخرجه عن المقدورية المعتبرة في صحة التكليف به فكذلك الجزء التالي هنا من غير فرق في ذلك بين البقاء و بين الخروج‏

22

فانقدح أن الإشكال بعدم صحة النهي عن الخروج و قبح تعلق التكليف به لعدم مقدوريته مما لا وجه له (و بالجملة) فبما أن كل جزء من الأجزاء الواقعة في الأرض المغصوبة تصرف فيها يكون محرما و مبغوضا بلا إشكال و لعمري ذلك واضح ليس الكلام فيه مجال و يكفي المراجعة إلى الوجدان لمن أراد حقيقة الحال هذا (و لكن قد تحتلج في نظري الفرق بين الخارج بالتوبة) و بين غيره فإن محرك التائب إلى الحركات الخروجية هو الاضطرار بحيث لولاه و كان يمكنه التفصي من الحرام بوجه آخر لفعل و ليس يدعوه إلى هذه الحركات إلا اضطراره و يبعثه إلى الخروج بأسرع الوقت الفرار عن التجري على اللّه تعالى و الخروج عن رسم عبوديته فالحركات الخروجية تصدر منه في طاعة اللّه و الإتيان بما يقتضيه عبوديته فهي مثاب عليها و مأجور بها لا معاقب عليها و مأخوذ بها و هذا بخلاف غيره فإن محركه هو طغيانه و خروجه عن مقتضى عبوديته بحيث لو لا اضطراره أيضا لكان ارتكب و إن شئت وضوح ذلك فراجع إلى نفسك حيث ترى فرقا بين السارق الذي سرق بعض أموالك و يخرج بحسب عادته و بين من دخل بيتك فتأمل في نفسه و ندم فخرج سريعا بلا سرقة فإن الثاني يثاب بحركاته الخروجية بخلاف الأول فإنه يعاقب بها و على هذا البيان فصلاة النافلة التي لم توجب تصرفا زائدا على القدر المضطر إليه أو الفريضة في ضيق الوقت بحيث تكون يصح إتيانها في حال الحركة تقع صحيحة من الثاني دون الأول (و يظهر من المحقق الحائري (قدس سره) الحكم بصحة الصلاة من غير تفصيل نظرا إلى أن إتيان العبد بما هو محبوب لمولاه لا ينافي كونه عاصيا و في حال الطغيان من جهة أخرى فإنا نعلم بالضرورة أن العبد إذا دخل في دار لم يمكنه الخروج منها أبدا و كان المولى قد نهاه عن دخوله فيها فأتى في تلك الدار بما هو مطلوب لمولاه مثل أن يخيط ثوبه‏

23

فإنه يثاب بفعله و لا مجال لأن يقال إن خياطة الثوب تقع حينئذ مبغوضة من جهة وقوعها في تلك الدار بل هي محبوبة صرفة يحصل بها العبد قربا إلى مولاه و يفترق بها عمن بقي في الدار بدون الإتيان بذلك فيها فإن الأول يكون له قرب ليس للثاني مع اشتراكهما في إتيانهما بما هو مبغوض لمولاهما و ذلك واضح لا مجال لإنكاره و (أنت خبير بعدم ارتباط) المثال بما نحن فيه أصلا فإن الحركات الحاصلة من الخياطة في المثال من إدخال الإبرة في الثوب و إخراجها عنه لا تكون بمبغوضة بل تكون مقربة للعبد إلى المولى و هذا بخلاف الحركات الصلاتية هنا فإن المفروض حرمتها و مبغوضيتها بحيث يستحق العبد بها العقاب و الزجر و العتاب فكيف يمكن أن يقصد بها التقرب و يأتي بها بعنوان العبودية و الامتثال و بالجملة فالحركات التي تصدر من المكلف في الصلاة بما أنها خروج عن رسم العبودية لا يؤتى بها بعنوان العبودية كما هو ظاهر نعم يمكن القول بصحة الفريضة الواقعة فيها في ضيق الوقت إما من جهة ارتفاع القبح الفاعلي الذي هو المانع من التقرب في هذا الحال و إما لعدم مانعيته إذا كانت مانعيته موجبة لترك الصلاة رأسا كما في المقام فيستنبط من الأدلة الدالة على أن الصلاة لا تسقط بحال صحة الفريضة في هذا الحال و يلتزم بأحد هذين الوجهين في رفع الإشكال‏

(الثاني)

أنه قد يتراءى من ظاهر تقريرات بعض الأعلام بعد الفراغ عن إثبات الجواز العقلي في المسألة البحث عن مقام الفعلية و أنه هل يجوز توجيه الأمر المطلق لطبيعة موجودة تارة بوجود يكون مصداقا لما نهى عنه و أخرى بغير هذا الوجود أم لا و يفرع هذا النزاع على البحث في أن الحكم بلزوم مقدورية متعلق الأمر هل هو من جهة حكم العقل بقبح تكليف العاجز كي يقال بالجواز فعلا حيث إن متعلق الأمر يكون هو الطبيعة المقدورة شرعا و عقلا لعدم كونها منهيا عنها بوجه‏

24

أو من جهة أن الطلب و البعث إلى شي‏ء يستلزم بنفسه مقدورية المبعوث إليه فإنه على ذلك لا يكون الفرد المنهي عنه الغير المقدور شرعا مما يسعه الطبيعة بما هي مأمور بها بل الحصة المقدورة منها تكون متعلقة للبعث فقط و أما الحصة المنهي عنها فلمكان عدم مقدوريتها شرعا لا يكاد يتعلق به البعث (و بالجملة) فمتعلق الأمر الفعلي لا يشمل الفرد المجمع كي يمكن أن يؤتى به بداعي الأمر و القربة فالصلاة الواقعة في الأرض المغصوبة لا تقع صحيحة و لو قلنا بالجواز في المسألة الأولى المبحوث فيها عن الجواز عقلا (هذا لب كلامه) على ما استفدت مما قرره بعض أفاضل تلامذته (دام بقاؤه) (و ليت شعري) و كيف يبقى مجال بهذا البحث بعد القول بالجواز في المسألة الأولى فإن معنى الجواز في تلك المسألة هو ارتفاع غائلة اجتماع الحكمين المتضادين في شي‏ء واحد و أنه لا يسري النهي من متعلقه إلى متعلق الأمر أصلا حتى يلزم تخصيص الأمر به و أنه لا يكون شي‏ء من متعلق الأمر بمتعلق للنهي إما من جهة أن متعلق كل منهما حقيقة جامعة صادقة على جميع الموجودات و ليس الوجود بنفسه بمتعلق لواحد منهما و أن الوجود علة غائلة و نتيجة للبعث فلا يكون بمتعلق له على ما اخترناه و إما من جهة تعدد الوجود علة غائية و نتيجة للبعث و أن متعلق الأمر من مقولة غير مقولة متعلق النهي كما ذكره هذا المحقق (قدس سره) و على أي تقدير فلا يسري النهي إلى فرد و حصة من متعلق الأمر كي تكون تلك الحصة منه ممتنعة شرعا فلا يسعها متعلق الأمر الفعلي و على فرض التعدي و السراية لا بد من القول بعدم الجواز في أصل مسألة الاجتماع كما هو واضح (تتمة مفيدة) قد ذكرنا في بعض المقدمات أن المسألة غير مرتبطة بباب التعارض أصلا بل لا بد للقائل بالامتناع من الرجوع إلى مرجحات باب التزاحم إن كانت و إلا فعليه الرجوع إلى مقتضى الأصول العملية و قد

25

ذكر لترجيح جانب النهي (هنا وجوه منها) أن إطلاق النهي شمولي و إطلاق الأمر بدلي و لا بد من تقديم الإطلاق الشمولي على البدلي كما قدم إطلاق مثل لا تكرم فاسقا على إطلاق مثل أكرم عالما على ما قرر في باب التعارض (و فيه مع) أن ذلك من مرجحات الدلالة المربوطة بباب التعارض فلا مجال للتمسك به في المقام على ما قررناه في بحث التعارض مشروحا من أن مجرد كون إطلاق أحد الدليلين شموليا أو كون عمومه استغراقيا لا يوجب تقديم أحدهما على الآخر ما لم يكن في الظهور بمثابة يكون قرينة على الآخر بحيث لا يبقى تعارض بينهما حقيقة بين العقلاء و لا يكونان عندهم من الخبرين المختلفين و الحديثين المتعارضين و من المعلوم أنه ليس المطلق الشمولي مع المطلق البدلي كذلك بل يكون بينهما تناف عند العقلاء و يتحيرون إذا عرض عليهم في رفع التنافي و كيف لا تنافي بين البعث إلى طبيعة مطلقا و الزجر إلى طبيعة أخرى كذلك فلاحظ الأمر بين مثل صل و لا تغصب و هل يوجب مجرد كون أحدهما زجرا و الآخر بعثا تقديم أحدهما على الآخر لا يظن بك توهم ذلك بعد التأمل فيما ذكرناه و التعمق فيه (و منها) أولوية دفع المفسدة من جلب المنفعة (و فيه مع) عدم كليتها بل و عدم تماميتها فإنها مجرد دعوى بلا دليل أن ذلك إنما يتمسك به في مقام دوران الأمر بين الواجب و الحرام في مقام الامتثال لا في مقام جعل الحكم كما في المقام (و منها) الاستقراء و أنه يقتضي تقديم جانب النهي و فيه ما فيه من أن الناقص فيه للحجية غير قابل و التام المحصل للقطع غير حاصل (و ليكن هنا ختم) الكلام في المسألة و الحمد للّه الذي هو لما يشاء فاعل و لغيره أيا من كان جاعل ....

الفصل الثالث في النهي عن العبادات و المعاملات‏

و فيه بحثان لا ينبغي خلط أحدهما بالآخر كما فعله القوم «أحدهما» في أن النهي عن العبادة

26

أو المعاملة هل هو لبيان حرمة متعلقه شرعا و جعله من المحرمات الذاتية أم هو إرشاد لفساده و مسوق لبيان عدم وقوعه صحيحا (ثانيهما) أنه بعد الفراغ عن دلالته على الحرمة الشرعية و القول بها فهل الحرمة في العبادات و المعاملات تستلزم الفساد و البطلان أم لا تستلزمه و لا بد لنا من البحث عن كلتا الجهتين و في كلا المقامين و لا ينبغي الاقتصار على البحث في المقام الثاني كما يشاهد من القوم‏

و قبل البحث فيهما و تحقيق الحق في كل منهما (يقدم أمور

الأول‏

) أن محل البحث إنما هو في ما إذا كان مناط الصحة و ملاكها موجودا في متعلق النهي بحيث لو لم يكن ينه عنه لكان يحكم بصحته فالبحث في العبادات إنما هو فيما إذا نهى عن حصة خاصة من طبيعة الفعل المأمور به بحيث كان النهي عن تلك الحصة لخصوصية موجودة فيها و لولاها لكان يصح الإتيان بالطبيعة في ضمن تلك الحصة المنهي عنها و ذلك كالنهي عن الصلاة في أيام الحيض الناشئ من خصوصية وقوعها في تلك الأيام و كالنهي عن الصلاة في غير المأكول و في لباس الحرير و أما إذا كان المنهي عنه ليس فيه مناط للصحة و يكون مبغوضا بذاته و محرما بنفسه فلا معنى للصحة و الفساد فيه كي يأتي فيه بحث فإن الصحة في العبادات إنما تنتزع من موافقة الفعل مع المأمور به و انطباق المأمور به عليه و في المعاملات تنتزع من انطباق المعاملة بجميع ما اعتبر فيها على العمل الخارجي و على أي تقدير فهي منتزعة في الأمور الشرعية من الانطباق و بما أن الفساد هو عدم الصحة بما كان لها من المعنى فهو يكون منتزعا في العمل من عدم انطباق المأمور به عليه و انتفاء شي‏ء مما اعتبر في الصحة فيه و لذا يكون التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة فالبحث إنما يكون فيما إذا تعلق النهي بحصة خاصة من طبيعة الفعل لأجل خصوصية تكون فيها و لذلك‏

27

فرق المحقق القمي (ره) بين هذه المسألة و بين المسألة المتقدمة بأن النسبة بين المأمور به و بين المنهي عنه هناك عموم من وجه و هنا عموم و خصوص مطلقا و إن كان يرد عليه ما ذكرنا في بعض المقدمات من تلك المسألة من جريان البحث فيما كان النسبة بينهما عموما و خصوصا مطلقا أيضا و أنه لا يعتبر في جريان النزاع وجود المندوحة في مقام الامتثال هذا مع أن الفارق بين المسألتين إنما هو اختلاف جهة البحث و الجهة المبحوث عنها في إحداهما غير المبحوث عنها في الأخرى كما لا يخفى‏

(الثاني)

لا يخفى أن صيغة لا تفعل بنفسها لا تدل على الفساد بوجه و إنما تدل عليه عند القائل بها بملاحظة أنها نهى و تدل على الحرمة فالبحث يقع في الحقيقة في استلزام النهي بمادته التي هي بمعنى التحريم لفساد متعلقه و عدم استلزامه لا في دلالة نفس الصيغة عليه كيف و لا يلتزم بها أحد و فسادها أجل من أن يحد فإن نفس الصيغة تدل على الزجر عن متعلقها و دلالتها على الفساد لو قيل بها إنما هي بملاحظة هذه الدلالة أي كون متعلقها مزجورا عنه مستلزم لفساده و بالجملة فجعل البحث في المسألة في مقام الدلالة و الإثبات لا في مقام الثبوت و الملازمة مما لا أفهمه‏

(الثالث) أن النهي في عنوان البحث لا يمكن أن يعم النهي التنزيهي‏

فإن متعلق النهي كما ذكرنا في الأمر الأول لا بد و أن يكون حصة من متعلق الأمر في العبادات بحيث لو لا خصوصية المبغوضية التي يرشد إليها النهي لكان يشملها المأمور به و يصح تطبيق الطبيعة في مقام الامتثال عليها و الإتيان بها في ضمنها و من المعلوم أن النهي التنزيهي عن فرد مثل النهي عن الصلاة في الحمام يرخص بمفهومه المشتمل على المنع عن الفعل مع الإذن فيه في ذلك التطبيق و يأذن في امتثال الأمر بالطبيعة بالإتيان بهذه الصحة فالنهي التنزيهي يلائم الصحة و يجتمع معها و لا يخالفها أصلا هذا في العبادات و أما في غيرها فالأمر أوضح بحيث‏

28

اعترف به فيه المنكر له فيها (و أما النهي المولوي الغيري) أصليا كان أم تبعيا على القول بالحرمة التبعية في مقدمة الحرام التي لا يبقى معها الاختيار في تركه فيدخل في محل النزاع قطعا لدلالته على الحرمة التي وقع البحث في استلزامها للفساد و عدمه (و قد أنكر جريان النزاع) فيه بعض الأعلام (قدس سره) على ما في تقريرات دروسه من جهة الخلط بين النهي المولوي الغيري الذي هو محل الكلام هنا في جريان النزاع فيه و عدمه و بين النهي الغيري الإرشادي المسوق لبيان المانعية مثل لا تصل في غير المأكول فتخيل أن النزاع في الثاني و قال بأن دلالته على الفساد مما لا يخفى (رحمه الله تعالى) و أسكنه في بحبوحة جنته و نور مضجعه الشريف‏

(الرابع) أن الصحة الواقعة في مقابل الفساد تتصف بها الأمور الخارجية تارة و الأمور الشرعية أخرى‏

و الأمور الشرعية المتصفة بها إما تكون من قبيل العبادات و إما تكون من قبيل العقود و الإيقاعات و ثالثة تكون من غيرهما مما يشمله المعاملة بالمعنى الأعم مثل التطهير و التذكية و الذي يتصف بالصحة في جميع هذه الأقسام إنما هو الموجود الخارجي و الحصة المأتي بها من طبيعة الفعل المجعولة تأسيسا أو إمضاء لا نفس تلك الطبيعة بداهة أن إطلاق الصحة إنما هو بملاحظة انطباق الطبيعة المجعولة بنحو التأسيس في العبادات و بنحو الإمضاء في غيرها على ما يوجده المكلف و يأتي به في الخارج و أما نفس الطبيعة المتعلقة للجعل التأسيسي كالصلاة أو الإمضائي كطبيعة البيع فهي لا تتصف بها أصلا و لا يترتب الأثر المطلوب المترقب من وجودها عليها فانقدح أن المصلحة إنما تطلق على الوجود بلحاظ انطباق الطبيعة عليه و بلحاظ ترتب الآثار المرغوبة منها عليه و لا فرق في ذلك بين العبادات و بين غيرها من المعاملات بالمعنى الأعم «نعم قد يفرق» بينهما من جهة أخرى و هي أن الصحة في المعاملات‏

29

مجعولة بخلاف العبادات فإن الصحة فيها تختلف في ذلك فبالنسبة إلى المأمور به الواقعي تكون منتزعة و بالنسبة إلى المأمور به الاضطراري و الظاهري تكون مجعولة مثل المعاملات هكذا فرق بينهما المحقق صاحب الكفاية «(قدس سره)» و أنكر هذا الفرق المحقق النائيني «(قدس سره)» على ما في تقريرات بعض أفاضل مقرري بحثه «حفظه اللّه تعالى» فذهب إلى انتزاعية الصحة في المعاملات أيضا ببيان سيأتي و وافق القول بمجعوليتها في المأمور به الظاهري فقط دون الاضطراري نظرا إلى أن الأجزاء في الأوامر الظاهرية على القول به به مما جعله الشارع منة و تسهيلا على العباد مع أنه كان يصح منه عدم جعله و الحكم بما يقتضيه العقل من الاشتغال و هذا بخلاف الأوامر الاضطرارية فإنها أحكام واقعية جعلها الشارع في مرتبة فقدان القيد المعتبر في الأحكام الواقعية الأولية و حيث إن الأمر بالفاقد للقيد مع بقاء اعتبار تقيد المأمور به به قبيح يستكشف من أمر الشارع بالفاقد عدم اعتبار التقيد في الواقع و يكون الأجزاء في هذه الأحكام مثل الأجزاء في الأحكام الواقعية الأولية من الأمور الشرعية و (لكن التحقيق انتزاعية) الصحة و الفساد و عدم صحة تعلق الجعل بهما مطلقا من غير فرق في ذلك بين المعاملات و بين العبادات و من غير فرق في العبادات بين أقسامها و إن كان الفرق في مجعولية الأجزاء و عدم مجعوليته بين الأوامر الظاهرية و بين الأوامر الاضطرارية كما عن هذا المحقق وجيها غايته و متينا نهايته «و بيان ذلك» أن الصحة كما ذكرنا تنتزع من انطباق الطبيعة المجعولة على الفرد الخاص و الوجود المخصوص و مطابقة ذاك الفرد و الوجود معها و من المعلوم أن الانطباق و المطابقة من الأمور الغير القابلة لتعلق الجعل بها بل يكون أمرا قهريا يحصل تارة و لا يحصل أخرى فإنه إن كانت الطبيعة المجعولة صادقة على ذاك الفرد الخاص و موجودة

30

فيه ينتزع له الصحة و إلا فينتزع له الفساد (و ليت شعري) و هل يكون صدق الماهية على وجودها و الطبيعة على فردها أمرا مجعولا و كيف يصح تعلق الجعل بالهوهوية الموجودة بينهما أم كيف يمكن أن يكون صدق الأمر الانتزاعي مثل الماهية على منشأ انتزاعه مجعولا فإن المعاملة الكلية مثل البيع إذا تعلق بها الإمضاء بشرائط معتبرة في أسبابها فبمطابقية العمل الواقع في الخارج و انطباق الطبيعة الممضاة عليه ينتزع الصحة و بعدم المطابقة معها ينتزع الفساد و هكذا الأمر في العبادات سواء تعلق بها الأمر الأولي أو الأمر الثانوي فإن الصحة تطلق على الفرد الخارجي منها بملاحظة موافقته مع الطبيعة المأمور بها بشرائطها و أجزائها و انطباق تلك الطبيعة عليه و أما الأوامر الظاهرية فالصحة فيها أيضا تطلق على المأتي به بلحاظ مطابقته مع الطبيعة المأمور بها بالأمر الظاهري التي هي المجزية عن المأمور به الواقعي فإن الإجزاء فيها و إن كان مجعولا إلا أن متعلقه هو الطبيعة المأمور به بالأمر الظاهري لا الفرد المأتي به في الخارج منها الذي هو المتصف بالصحة دون الطبيعة المنطبقة عليه و بالجملة فبمجعولية الأجزاء فيها لا يكون الصحة فيها مجعولة و قد ذكرنا عدم صحة تعلق الجعل بالانطباق فلاحظ

(الخامس)

أنه قد يقال بشمول مورد البحث لما إذا لم يكن لمتعلق النهي مناط الصحة أصلا و لم يتعلق به حكم من الأحكام سوى الحرمة و لكنك بعد ما عرفت من أن المتصف بالصحة و الفساد إنما هو الفرد المأتي به من المأمور به بملاحظة انطباق المأمور به عليه و عدمه تعرف أنه لا مجال لهذا المقال بوجه فإن المنهي عنه حينئذ محرم صرف كسائر المحرمات و لا معنى للبحث عن صحته و فساده و أي معنى يكون لصحته مع عدم وجود شي‏ء هناك كان مأمورا به كي يؤتى بذاك الفرد المحرم في مقام امتثاله و من هنا يعلم أن صوم الوصال الذي يتحقق‏

31

بنية الإمساك في يومين أو أكثر و يكون في كمال البينونة عن الصوم المأمور به خارج عن محل النزاع قطعا فإن البحث عن صحته و فساده في قوة البحث عن تحقق امتثال الصوم المأمور به بالإتيان به و عدم تحقق امتثاله فإن المراد بصحة فرد هو تحقق الامتثال به و المراد بعدم صحتها عدم تحققه به و من المعلوم فساد ذلك البحث بمثابة لا يكاد يخفى‏

(السادس)

أنه لا أصل هنا يعول عليه في المسألة الأصولية بداهة أن دلالة النهي على الفساد و عدم دلالته أو استلزام الحرمة للفساد و عدم استلزامها مما لا يمكن بتنقيحه بأصل يكون عليه بناء العقلاء في محاوراتهم كما هو ظاهر نعم يجري الأصل في المسألة الفرعية و مقتضاه في العبادات هو الفساد فإن شمول متعلق الأمر للفرد المنهي عنه ما لا يمكن عقلا حتى يصح امتثاله بإتيانه بل الظاهر أنه لو قيل بكفاية مجرد المحبوبية في الإتيان بالفعل العبادي لكان الحكم فيه الفساد أيضا إذ لا يستكشف وجود مصلحة الفعل في الفرد المنهي عنه بعد عدم شمول الأمر بذاك الفعل له (و أما في المعاملات) فمقتضاه الصحة لو كان في البين عموم أو إطلاق يؤخذ به و إلا فالفساد أيضا

(إذا عرفت هذه الأمور فيقع الكلام في المقام الأول)

من المقامين و هو أن النهي عن العبادة أو المعاملة هو إرشاد إلى فساد متعلقه أم مسوق لإفادة الحرمة الذاتية و (الحق أن النهي) عن ذات العبادة أو أجزائها أو شرطها أو وصفها الملازم لها يكون إرشادا إلى فساد متعلقه فإن المولى إذا أمر بعبادة تكون ذا حصص و أفراد فنفس الطبيعة الموجودة في الحصص تكون مطلوبة لا محالة و مبغوضية بعض الحصص بذاته تنافي مطلوبية صرف وجود الطبيعة فإذا نهى المولى عن حصة منها فلا محالة لا يمكن أن يدل النهي على مبغوضية بعض الأفراد من الطبيعة لما قلنا من تنافيها مع محبوبية الطبيعة بل يكون ذلك لأجل‏

32

خصوصية موجودة فيها تمنع من الإتيان بما هو محبوب المولى و مراده في ضمنها مثلا إذا نهى المولى عن الصلاة في أيام الحيض أو في لباس الحرير فلا يمكن دعوى مبغوضية هذه الحصة من حيث إنها صلاة و لا دعوى مبغوضية نفس الخصوصية لأن المفروض عدم مبغوضية هيئة الصلاة الواقعة في هذه الأيام بل النهي يكون إرشادا إلى مانعية الخصوصية من الإتيان بالمحبوب في ضمنها أو يكون بيانا لأن المراد لا يكاد يحصل مع تلك الخصوصية و بزعمي أن من راجع إلى وجدانه يجد ما ادعيناه حقا لا ريب فيه فإن المولى إذا أمر عبده بالخضوع في مقابله و نهاه عن الخضوع راكبا فلا يكاد يفهم أحد من أهل العرف مبغوضية الخضوع في حال الركوب بالمبغوضية الذاتية بل الظاهر عندهم عدم حصول الخضوع المأمور به في تلك الحال و أن المأمور به هو غير المتخصص بتلك الخصوصية (هذا حال النهي عن ذات العبادة و أما النهي عن جزئها أو شرطها) أو وصفها اللازم فيظهر الكلام فيه بالمقايسة فإن الظاهر من النهي عن قراءة سورة خاصة مثل العزائم في الصلاة بعد الأمر بماهية الصلاة المركبة من السورة و من غيرها من الأجزاء هو أن بعض الأمر المتعلق بذاك الجزء لا يكاد تمثل بقراءة هذه السور و أن الإتيان بها يكون مفسدا للمأمور به (و بالجملة) فيكون المراد أن الأمر المتعلق بالصلاة لا يمثل بالصلاة المأتي بها بتلك السور لا أن هذا الفرد من الصلاة أو السورة مبغوض ذاتا و قس على ذلك النهي عن حصة من الطبيعة المأخوذة شرطا للصلاة مثل النهي عن الوضوء بماء الغير أو عن الوصف اللازم لها الذي كان النهي عنه راجعا في الحقيقة إلى النهي عن نفس الجزء كالنهي عن الجهر بالقراءة الراجع إلى النهي عن نفس القراءة (و أما) الوصف الملازم الذي لا يكون كذلك بل يكون موجودا بوجود مستقل فهو خارج عن البحث في‏

33

كلا المقامين كما لا يخفى هذا كله في العبادات و أما (في المعاملات) فلا يبعد دعوى إرشادية النهي عن خصوص العقود و الإيقاعات إلى الفساد حيث إن الظاهر من النهي عن فرد من المعاملة يكون متخصصا بخصوصية بعد إمضاء طبيعتها هو الإرشاد إلى فساد ذاك الفرد و أنه غير متعلق للإمضاء المتعلق بتلك الطبيعة و أما في غير العقود و الإيقاعات مما يشمله المعاملة بالمعنى الأعم فهذه الدعوى فيها على نحو الكلية مشكلة فلا بد من ملاحظة كل مقام بخصوصه ثم الحكم على طبق مقتضاه هذا جميع ما يتعلق بالمقام الأول من الكلام‏

(المقام الثاني) في أن الحرمة في العبادات أو المعاملات هل هي مستلزمة لفساد متعلقها أم لا

فنقول قد تقدم أن النهي عن حصة من العبادة لا يكاد يجتمع مع حصول الأمر لها و لا مع اشتمال المنهي عنها على مصلحة تامة غالبة على المفسدة الموجودة فيها بل تكون المصلحة الموجودة في الفعل حينئذ مغلوبة بالمفسدة الكامنة فيها الناشئة من خصوصيته المبغوضة هذا مع أنه قد تقدم أيضا أن الفعل الصادر من العبد طغيانا على مولاه لا يصلح لأن يتقرب به إليه و ليجعل عبادة له فعلى هذين الوجهين تكون فساد العبادة المنهي عنها غنيا عن البيان و لا يحتاج إلى إقامة برهان هذا (في النهي عن ذات) العبادة و حرمتها (و أما جزء العبادة) فيمكن أن يقال إن النهي عن بعض أفراد الجزء حيث إنه يستلزم تخصيص بعض الأمر المتعلق به بما عدا المنهي عنه فلا محالة يكون مصداق العنوان المأمور به عند الشارع هو الهيئة الغير المشتملة على الجزء المنهي عنه فإنه إذا أمر المولى بطبيعة و عين الأجزاء التي لا بد من الإتيان بها في انطباقها على المأتي به ثم نهى عن بعض أفراد واحد من تلك الأجزاء فلا يشك العقل و الوجدان في أن المصداق الذي لا بد من الإتيان به هو ما لا يشتمل على الجزء المنهي عنه إذ المفروض أن الإتيان بذاك الجزء في مصداق المأمور به مبغوض للمولى‏

34

فكيف يكون ذاك المصداق المشتمل عليه محبوبه و متعلقا لأمره و إن كنت شاكا في ذلك فراجع إلى العرف فإن المولى إذا أمر عبده بنسج ثوب مثلا و نهاه عن إعمال الصوف أو وبر الحيوان في منسوجه فهل يمكن أن يكون الثوب المشتمل عليه محبوبا و متعلقا لأمره و هل فرق بين هذا المثال و بين ما إذا أمر المولى بالصلاة المشتملة على أجزاء منها السورة و نهى عن قراءة سور العزائم في الصلاة التي يؤتى بها في مقام الامتثال فكيف يمكن أن يكون الصلاة المشتملة على واحدة من هذه السور مصداقا لما أمر به و لعمري ذلك واضح لا مجال فيه للإشكال كما ربما يظهر من بعض أعاظم عصرنا دام بقاؤه (و لو أغمض عن ذاك الوجه قلنا) وجه آخر في بيان ذلك و هو أن الهيئة الاتصالية التي يؤتى بها بعنوان العبادة لا بد و أن يكون من أول أجزائها إلى آخرها صالحة للتقرب بها و بما أن وجود الطبيعة هنا بهيئته مشتمل على عصيان المولى لا يصلح لأن يتقرب به فإن كل جزء من الأجزاء التي يؤتى بها قبل الجزء المنهي عنه و بعده و إن كان يصلح لذلك إلا أن التقرب لا يقع بكل جزء بحيال ذاته و بملاحظة نفسه بل المتقرب به هو وجود الطبيعة من أوله إلى آخره و هو غير صالح لذلك كما عرفت فافهم و من جميع ما ذكرنا (انقدح حال الكلام في الشرط) و أن دليل اعتباره في المأمور به أيا ما كان من الدليل المستقل الدال على اعتباره فيه كما اختاره جماعة و من بعض الأمر المتعلق بالتقيد به كما اختار آخرون يخصص بالنهي المتعلق ببعض أفراده إذ لا يمكن أن يكون وجود الشرط بإطلاقه مأمورا به و معتبرا في المأمور به النفسي مع كون بعض أفراده مبغوضا و منهيا عنه و حينئذ فإذا أتى المكلف بالفرد المبغوض عنه يكون المأمور به فاسدا لأجل عدم الإتيان بشرطه المعتبر فيه المأخوذ قيدا له من غير فرق بين ما إذا كان الشرط عبادة أو غير عبادة (كما انقدح أيضا)

35

حال النهي عن الوصف و حرمة الراجعة في الحقيقة إلى النهي عن بعض أجزاء المأمور به فإن الجاهر بالقراءة في المثال المتقدم يكون كمن لم يأت بالقراءة أصلا و يخصص الأمر الدال على اعتبار القراءة بالنهي المتعلق ببعض أفرادها كما بينا نعم (إذا لم) يكن الوصف بمثابة يكون النهي عنه نهيا عن العبادة و يكون له وجود غير وجود نفس العمل فحرمة الوصف لا تستلزم فساده أصلا مثل الوصف المفارق و وجهه ظاهر هذا كله في العبادات (و أما المعاملات فالحق فيه عدم استلزام) حرمتها لفسادها مطلقا (و أما فيما إذا كان) متعلقها السبب سواء وقع النهي عنه بما أنه فعل من أفعال أو بما أنه إنشاء للمعاملة و مبرز لها فذلك واضح فإن مبغوضية إنشاء المعاملة و إبرازها لا تنافي إمضاء ترتب الأثر و الاعتبار القائم بالمتعاملين عليها على فرض إنشائها فمبغوضية إنشاء المعاملة وقت النداء تجتمع مع إمضاء الشارع ترتب الأثر عليه و أن يكون عنده كغيره في ذلك مع اختصاصه بمبغوضية إنشائه لما فيه من المفسدة الكامنة فيه فإن ترتب الأثر على شي‏ء يجتمع مع اشتماله على المفسدة كيف و لا تعلق للأمر باشتمال الفعل على المصلحة أو المفسدة (و أما فيما إذا كان) متعلقها الاعتبار القائم بالمتعاملين فلأنه من الواضح عدم وجود تناف بين مبغوضية ذاك الاعتبار و بين حصوله بعد حصول إنشائه و أي مانع من أن يقول المولى لعبده إذا أنشأت المعاملة الفلانية و أبرزتها بسببها فالمسبب و إن كان يترتب عليه في نظري كما يترتب عليه في سائر الأنظار إلا أن حصوله مبغوض فلما توجد سببه كي لا يوجد ذاك المسبب و أي منافاة بين قوله إذا عاملت بالمعاملة الفلانية فأنت في نظري مالك ينتقل إليك المال و بين قوله لا تجعل نفسك أو طرفك مالكا للشي‏ء الفلاني و بزعمي أن عدم المنافاة بينهما في غاية الظهور فانقدح أنه لا وجه للتفصيل بين القسمين و القول‏

36

باستلزام الحرمة للفساد في هذا القسم دون القسم الأول كما يظهر من المحقق النائيني (قدس سره) و اللّه تعالى عالم ببواطن الأمور

المقصد الثالث في المفاهيم‏

فصل: اختلفوا في أن القضية الشرطية هل هي ذات مفهوم‏

فتدل على الانتفاء عند الانتفاء كما تدل على الثبوت عند الثبوت أم لا و بيان الحال على وجه يظهر الكلام فيما قيل أو يقال من وجوه الاستدلال في مقام الإثبات أو النفي يحتاج إلى مقدمة فنقول و على اللّه الاتكال إن القضية الشرطية تستعمل في مقامين (أحدهما في مقام) إفادة التعليق و بيان أن وجود الجزاء معلق على وجود الشرط و أن وجود الشرط علة و مؤثر في وجود الجزاء مثل أن يقول المولى لعبده إن جاءك زيد فأكرمه في مقام بيان أن الإكرام معلق على مجيئه (و ثانيهما) في مقام التوقيت و بيان أن الفعل يؤتى به في زمان وجود الشرط من دون أن يكون الشرط علة و مؤثرا له سواء كانت الجملة إخبارية كما يقال إن ضربت ضربت لبيان أن الضرب يتحقق من المتكلم في زمان تحقق من المخاطب و أن تحققه منه يستلزم تحققه من المتكلم أو كانت إنشائية كما يقال إن دخل الظهر فصل و الفرق بين المقامين مما لا يكاد يخفى فإن الأول مقام التعليق و بيان العلية و الثاني مقام التوقيت و بيان صرف الملازمة إذا عرفت (هذه المقدمة فالحق) في نظري القاصر الفرق بين هذين القسمين و التفصيل بينهما بثبوت المفهوم في الأول دون الثاني و الوجه (في الدعوى الأولى هو أن) المفروض فيها علية الشرط للجزاء و تأثيره فيه و أن الجزاء جعل معلقا على وجود الشرط فلا محالة يكون المؤثر و المعلق عليه هو الشرط المذكور في القضية وحده لا هو منضما مع غيره و لا هو مرددا بينه و بين غيره و إلا لكان المعلق عليه إما مجموع الأمرين من المذكور في القضية و من غيره و إما أحدهما لا بعينه‏

37

كما ذكر في الواجب التخييري و كل منهما مناف لظاهر القضية إذ من المعلوم أن الظاهر من القضية فيما إذا كان المولى في مقام بيان كل ما له دخل في الحكم و كان مؤثرا فيه و علة له هو علية خصوص المذكور في القضية و أنه هو المعلق عليه للحكم المذكور فيها فلو كان المعلق عليه المؤثر هو المجموع لكان يجب على المولى بيانه بمثل العطف بالواو و لو كان هو أحدهما ليجب عليه بيانه بالعطف بأو كما انقدح ذلك في مقام دوران الأمر بين التعييني و التخييري من أقسام الواجب فكما يقال هناك بأنه لو كان متعلق الطلب هو أحد الأمرين لكان يلزم بيانه فكذلك هنا فدعوى الفرق بين ذاك المقام فيما إذا كان الشرط علة و مؤثرا في الجزاء و بين ذلك المقام كما عن المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) لا وجه لها و عهدة إثباتها على مدعيها كما أن دعوى عدم دلالة القضية الشرطية على المفهوم في هذا المقام و أنها غير دالة على أن الشرط علة منحصرة مع تسليم كونه علة و مؤثرا كما عن هذا المحقق أيضا مما لا يمكنني إثباته نعم (دعوى أن) القضية قد لا يكون في مقام بيان أزيد من اللزوم و بيان أن الجزاء لا بد و أن يوجد في طرف وجود الشرط من دون معلوليته له لها مجال واسع كما ذكرنا و حينئذ فعدم دلالته على المفهوم واضح إذ على ذلك لا يكون المتكلم في مقام بيان مؤثرية وجود الشرط في وجود الجزاء لعدم تصديه لبيان كل ما له دخل في حكمه و يكون الحكم معلقا عليه بل غرضه صرف لزوم الإتيان بالجزاء في ظرف وجود الشرط و أنه واجب في وقت وجوده فليس في مقام بيان علة حكمه كي يؤخذ بإطلاقه و يحكم بأن المذكور علة له فقط لا المركب منه و من غيره و لا المردد بينه و بين غيره و لعمري ذلك ظاهر (و مما ذكرنا ظهر أن- ما أفاده سيد) أساتيذنا دام بقاؤه في المقام و في مفهوم الوصف من أن كل قيد أتى به المتكلم و كان دخيلا في الحكم يستفاد

38

منه المفهوم و يجعل الجملة ظاهرة فيه سواء كان شرطا للموضوع أو وصفا له إنما يصح في القسم الأول و هو في ما إذا كان المتكلم في مقام ليس المتكلم إلا بصدد بيان ثبوت الحكم حين تحقق الشرط من غير أن يكون بصدد التعرض لقيود الحكم و ما يكون مؤثرا فيه كما يمكن أن يدعى ذلك في كثير من القضايا الشرطية مثل إذا دخل الوقت فصل و إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شي‏ء و إن جاءك زيد فأكرمه و غير ذلك من الموارد فانقدح عدم صحة دعوى ظهور القضية الشرطية في المفهوم بنحو الإطلاق و في كل مورد لم يدل على خلافه دليل و كيف ذلك و لازمه وقوع المنافاة بينه و بين قضية أخرى وقع فيها التصريح بلزوم الجواز في زمان وجود شرط آخر فتكون قضية مثل إن أكرمك زيد فأكرمه مثلا متنافية مع قضية إن جاءك زيد فأكرمه فإن القائل بالمفهوم يدعي ظهور الجملة الثانية في عدم وجوب الإكرام عند عدم المجي‏ء و ذلك مناف لظهور الجملة الأولى فلا بد و أن يكون المرجع حينئذ إلى قواعد تعارض الظهورين مع أن فساد ذلك بمثابة لا يكاد يخفى و لا ريب في أن أهل العرف يحكمون عند صدور القضيتين من المتكلم بلزوم الإتيان بالفعل في كل من الموردين و أن المتكلم كان بصدد بيان لزومه عند تحقق من الشرطين و لم يكن بصدد بيان ما يكون الحكم معلقا عليه و يكون هو مؤثرا و دخيلا فيه و بزعمي أن من راجع إلى العرف يجد ما ذكرنا من عدم ظهور القضية الشرطية في المفهوم ما لم يحرز تصدي المتكلم لبيان كل ما له دخل في حكمه صدقا لا ينبغي التأمل فيه (و مما ذكرنا ظهر) ما في القول بدلالتها على المفهوم بالوضع من الوهن الجلي كيف و يلزم المجاز و رعاية العلاقة في كل مورد قام القرينة على عدم دلالتها عليه مع أن المعلوم من حال أهل المحاورة و العرف أنهم يستعملون جميع القضايا الشرطية على وجه‏

39

واحد و نحو فارد و ذلك واضح لا ملزم لإطالة الكلام فيه نعم‏

(ينبغي التنبيه على أمور

الأول‏

) لا يخفى أن المراد من الحكم المنتفي بانتفاء شرطه على القول بالمفهوم إنما هو سنخ الحكم المذكور في القضية اللفظية إذا هو القابل للجعل و الرفع و الإثبات و النفي لا شخصه بداهة انتفائه عقلا بمجرد انتفاء موضوعه و لو ببعض قيوده نحو انتفاء العرض بانتفاء معروضه و لا معنى للبحث في ذلك (لا يقال) فعلى هذا لا يبقى مجال للبحث عن المفهوم أصلا فإن المعلق على الشرط هو شخص الحكم المذكور في القضية و قد ذكرتم أن انتفاءه عقلي صرف و لا يمكن ثبوته بعد انتفاء قيد من قيود موضوعه لكي يبحث عن دلالة القضية على انتفائه و عدمها و أما سنخ الحكم فهو و إن كان للبحث عنه مجال إلا أنه غير معلق على الشرط كي يكون لتعليقه عليه دلالة على انتفائه بانتفائه و بالجملة فما هو قابل للبقاء و الانتفاء غير معلق على الشرط و المعلق عليه غير قابل لذلك فإنه (يقال) كلا بل المعلق عليه هو سنخ الحكم و لو كان الحكم مستفادا من الهيئة البعثية بذاته إن الهيئة البعثية موضوعة لجعل الفعل على عهدة الغير و حمل الغير إليه و يكون حكم الوجوب منتزعا من ذلك المعنى الكلي فالموضوع له للهيئة البعثية هو سنخ الحكم و تشخصه إنما يأتي من قيل الاستعمال و لا دخل له بالمستعمل فيه و ذلك واضح لا يعتريه ريب و كيف يمكن أن يقال إن المعلق على الشرط في مثل إن جاءك زيد فأكرمه هو شخص الوجوب الحاصل بنفس هذه الهيئة الشخصية مع أنه ليس إلا من قبيل استعمال اللفظ فيما يتوقف حصوله على نفس استعماله و هو كما ترى دوره واضح (ثم إنه ظهر) مما ذكرنا أن انتفاءه مثل الأوقاف و الوصايا و النذور و غيرها عن غير ما هو المتعلق لها من الأشخاص المأخوذة في صيغها بعنوان الشرط أو الوصف أو اللقب ليس من باب المفهوم أصلا حيث إن هذه المعاني‏

40

غير قابلة للجعل ثانيا لموضوع آخر غير ما جعلت له أولا و على ذلك فيكون انتقاؤها عن ذاك الموضوع بحكم العقل لا من جهة ظهورها في المفهوم كما ذكرنا

(الثاني)

أن القيود المأخوذة في المنطوق سواء كان في الشرط أو الجزاء يؤخذ بها في المفهوم أيضا على القول به فيكون مفهوم إن جاءك زيد العالم يوم الجمعة فأكرمه يوم السبت مثلا إن لم يجئك زيد العالم يوم الجمعة فلا تكرمه يوم السبت فلا ينافي ذلك وجوب إكرامه في يوم الأحد أو غيره من الأيام غير يوم السبت و على هذا فلو كان الحكم مأخوذا في المنطوق على نحو الكل المجموعي لكان الحكم كذلك مأخوذا في المفهوم أيضا و كذلك لو كان عاما استغراقيا فمفهوم إن جاءك زيد فأكرم جميع العلماء بنحو الكل المجموعي هو إن لم يجئك فلا تكرم جميع العلماء على نحو الكل المجموعي و مفهوم إن جاءك زيد فأكرم كل واحد واحد من العلماء هو إن لم يجئك فلا تكرم كل واحد واحد منهم لما ذكرنا و كل ذلك مما لا إشكال فيه و إنما الإشكال في بعض صغريات هذه القاعدة كما وقع الخلاف و الإشكال بين إمامي التحقيق الشيخ محمد تقي و الشيخ مرتضى الأنصاري (قدس سرهما) في حديث إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شي‏ء في أن مفهومه هل هو إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شي‏ء بنحو الموجبة الجزئية أو ينجسه كل شي‏ء بنحو الموجبة الكلية فاختار الأول الأول و الثاني الثاني و تبعه المحقق النائيني (قدس سره) كما تبع الأول المحقق الحائري (قدس سره) و بعض أعاظم عصرنا دام بقاؤه (و هو القوي جدا فإن) دلالة القضية الشرطية على المفهوم على القول بها ليست إلا بمعنى دلالتها على عدم وجود الحكم المذكور في المنطوق عند عدم وجود الشرط لا بمعنى دلالتها على عدم وجود حكم استغراقي آخر في طرف المفهوم فليس مفهوم الحديث إلا عدم وجود حكم عدم تنجيس الماء بشي‏ء الذي هو الحكم في المنطوق عند

41

عدم بلوغه قدر كر و أما تنجسه بكل شي‏ء فهو محتاج إلى دليل يثبته غير ظهور الحديث و انحلال الحكم المذكور في المنطوق إلى أحكام تفصيلية بعدد موضوعه متعلق كل واحد منها على وجود الشرط غير مسلم هنا و لو قلنا بالانحلال في موقعه فإن الاستغراق في حكم المنطوق إنما يكون بقرينة وقوع النكرة في سياق النفي من غير احتياج إلى القول بالانحلال بل ليس هنا من باب الانحلال في شي‏ء كما يظهر بأدنى التفات فوجود الاستغراق في حكم المفهوم أيضا محتاج إلى دليل عليه من وضع أو قرينة و من المعلوم عدمه و بالجملة فلا ينبغي الريب في أن أهل العرف لا يحكمون بكلية الحكم في طرف المفهوم و لا يستظهرون ذلك من المنطوق أصلا و هل يكون المستفاد من مثل إذا كان معك فلان فلا تخف أحدا وجود الخوف من كل شخص عند عدم وجود الفلاني لا سبيل إلى دعوى ذلك قطعا و بزعمي من تأمل في ذلك يقطع بما ذكرنا و لو قيل بالانحلال كيف و قد استشكلنا عليه في محله مشروحا

(الثالث)

إذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء فعلى القول بظهور الجملة الشرطية في المفهوم لا بد من ارتكاب أحد أمور إما تقيد الشرط في كل من القضيتين بوجود الآخر بنحو العطف بالواو ليكون الشرط في الحقيقة مجموع الأمرين فينتفي الحكم بانتفاء أحدهما أو تخصيص مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر و الالتزام بأن الشرط و المؤثر في الحقيقة هو الجامع الموجود في كل من الشرطين أو تقييد منطوق كل منهما بإثبات العدل له بنحو العطف بأو فيكون الشرط في المفهوم عدم أحدهما كما كان الشرط في المنطوق وجود أحدهما أو رفع اليد عن كلا المفهومين رأسا (و لا يخفى ما في الوجه) الثاني من الإشكال من جهة أن المفهوم يتبع ظهور المنطوق فهو في الإطلاق و التقييد و العموم و الخصوص يكون ملحوظا تبعا فلا يمكن التصرف في نفسه استقلالا و مع عدم التصرف‏

42

فيه يرجع إلى الوجه الرابع كما لا يخفى و كذا الوجه الخامس لما فيه من رفع اليد عن كلا الظهورين بلا وجه يوجبه (و أما الوجه الثالث) فمع عدم صحته في نفسه من عدم مساعدة نظر العرف له و بعد حمل الروايات على مثل ذلك من الدقائق الفلسفية لا يتم فيما إذا لم يكن جامع بين الشرطين و على ذلك فالباقي من الوجوه هو الوجه الأول و الرابع و لكن يرد على الوجه الرابع بنظري القاصر إشكال و هو أن اثنينية القضية الشرطية الظاهرة في التعليق على القول بأنها ذات مفهوم لا تكون إلا مع تعدد المعلق عليه و اثنينيته لوضوح أن تعدد التعليق لا يجتمع مع وحدة المعلق عليه و من المعلوم أن الشرط إذا كان متقيدا بالتردد بينه و بين عدله بنحو العطف بأو لا يكون المعلق عليه بنظر العرف و العقل إلا أحد الأمرين لا كل منهما كما هو لازم تعدد القضية الشرطية و اثنينية التعليق و بالجملة فكون المعلق عليه هو أحدهما لا يصح إلا مع وحدة القضية الشرطية لا تعددها كما هو المفروض في محل البحث و ليت شعري و هل يحكم العرف فيما إذا تعدد التعليق المنكشف تعدده بتعدد الكاشف الذي هو نفس القضية الشرطية بأن المعلق عليه هو أحد الأمرين المذكورين في القضيتين فلاحظ ما إذا علق المولى إكرام زيد في قضية بمجيئه و علقه في أخرى بشي‏ء آخر مثل إكرامه العبد فهل يحكم العرف بوجوب الإكرام عند تحقق أحد الأمرين و لو كان المعلق عليه هو ذلك فتعدد التعليق لما ذا هل لا يشك أحد في أن الشرط إنما هو كل منهما و لذا لو كان الحكم المستفاد من قضية مختلفا مع الحكم المستفاد من أخرى يحكم بتعدد الشرط بلا إشكال نعم حيث كان كلتا القضيتين بصدد بيان حكم واحد كما هو المفروض في المقام فيما إن تعلقه على آخر و لا يمكن أن يكون الحكم الواحد معلقا على أمرين مختلفين يحكم العرف بأن المعلق عليه إنما هو مجموع الأمرين‏

43

و ملخص الكلام أن المعلق عليه إذا كان هو أحد الأمرين فلا محالة ينافيه ظهور كل من القضيتين بخلاف ما إذا كان مجموعهما فإنه لا ينافيه إلا إطلاقه و هو إنما يكون مع تمامية مقدماته التي منها عدم وجود القرينة على الخلاف و هي هنا موجودة حيث إن كلا من القضيتين قرينة على أن المعلق عليه في الآخر إنما هو الشرط المذكور فيه مقيدا باجتماعه مع صاحبه و بالجملة فلا ينبغي الريب في أن مقتضى الجمع بين القضيتين الواردتين في مقام التعليق بنظر العرف هو ذلك فلا يحكمون بوجود الجزاء إلا مع اجتماع كلا الشرطين و تحققهما نعم إذا كانت القضية واردة في مقام بيان صرف الملازمة فبتعددها يحكمون بوجود الجزاء عند تحقق كل من الشرطين من غير وجود تناف بين القضيتين كما تقدم الكلام في ذلك آنفا لكنه غير ما هو محل الكلام هنا ثم «لو أغمض عن جميع» ما ذكرنا فلا أقل من احتمال أن يكون الجمع بينهما بهذا النحو و حيث لا وجه لتقدم الجمع بينهما بنحو الوجه الرابع على هذا الوجه و ليس للجملة ظهور في الوجه الرابع بنظر العرف و لا بد من الاحتياط بالحكم بترتب الجزاء عند إحراز تحقق كلا الشرطين فيكون في النتيجة مثل الوجه الأول فلا تغفل و تأمل‏

(الرابع) إذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء

و قلنا بأن كل شرط مستقل في ترتب الجزاء عليه أو ثبت من دليل خارجي ذلك فهل القاعدة تقتضي تداخل الشروط في التأثير فيكون أثرها واحدا أو تقتضي تأثير كل منها أثرا مستقلا و إن شئت عبر عن ذلك بتداخل الأسباب و عدمه ثم بعد الفراغ عن هذا النزاع و القول بعدم تداخل الشروط يبقى في البين نزاع آخر و هو أن القاعدة هل تقتضي جواز امتثال جميع التكاليف التي كل منها أثر لشرط مستقل بفعل واحد أو لا يجوز ذلك بل لا بد من امتثال كل تكليف بفعل غير ما يمتثل به تكليف شرط غيره‏

44

و قد عبر عن ذلك بتداخل المسببات و عدمه فهنا مقامان (أما المقام) الأول فالتحقيق فيه يقتضي القول بالتداخل [1]

«فصل في مفهوم الوصف»

و قبل الخوض في البحث فيه يذكر (أمران)

الأول‏

أن النزاع إنما هو في الوصف المعتمد على الموصوف و أما الوصف الغير المعتمد فلا وجه لدلالته على المفهوم نظير اللقب فإن إثبات حكم الموضوع لا يدل على نفيه عن غيره سواء كان الموضوع جامدا أو مشتقا و لا فرق بينهما إلا في جعلية المبدإ في الأول دون الثاني و من المعلوم أن مجرد الجامدية و الاشتقاق لا يوجب الفرق فيما هو المهم هنا

«الثاني»

لا ريب في جريان النزاع فيما إذا كان الوصف أخص من موصوفه أو كان أعم منه من وجه و كان الافتراق من جانب الموصوف و أما إذا كان الافتراق من جانب الوصف أو من جانبيهما معا فلا وجه للنزاع فيه أصلا فإن النزاع في الدلالة على المفهوم و عدمهما إنما يصح فيما إذا كان موضوع الحكم باقيا مع انعدام وصفه و قيده فيقال إن الحكم حيث إن ثبوته لموضوعه مقيدا بالوصف هل يدل على انتفائه عند انتفاء قيده أو لا و أما إذا كان الموضوع متعديا كما في هذين الموردين فلا إشكال في انعدامه بداهة انعدام الحكم بانعدام موضوعه فمثل قوله (عليه السلام) في الغنم السائمة زكاة لا يدل على عدم وجوبها في الإبل السائمة و لا عليه في الإبل المعلوفة بلا إشكال إلا إذا استفيد من الخارج عليه السوم لوجوب الزكاة مطلقا و أن الحكم يدور مداره و لكن ذلك ليس من دلالة مفهوم الوصف في شي‏ء كما لا يخفى و مما ذكرنا انقدح جريان النزاع فيما كان الوصف أعم من الموصوف أو مساويا معه أيضا

(إذا عرفت هذين الأمرين فالحق عدم دلالة) تقييد الموضوع بالوصف على المفهوم أصلا لا وضعا و لا من جهة قرينة عامة أما عدم دلالته عليه وضعا فواضح إذ لو دل عليه للزم المجازية فيما لم يكن له‏

____________

[1] لا يخفى عليك أني لم أجد في جزواته تفصيل المقام الأول و الثاني و سألحقه في آخر الكتاب إن شاء اللّه‏

45

مفهوم و من المعلوم ضرورة خلافه و أما عدم دلالته إطلاقا فلأجل أن الدلالة على المفهوم كذلك إنما يكون فيما إذا كان القيد راجعا إلى الحكم و كان الحكم مقيدا به فيقال لو لا انتفاء الحكم بانتفائه لما صح تقييده به فإن تقيد شي‏ء بشي‏ء يستدعي انعدامه بانعدامه و أما إذا لم يكن الحكم مقيدا و كان القيد راجعا إلى موضوع الحكم أو متعلقه فهو لا يقتضي أزيد من تضييق موضوع شخص الحكم مثل أن يعبر عن هذا الضيق بلفظ مفرد فكما أن المستفاد من قضية جئني بعالم ليس إلا تخصص موضوع الحكم بخصوصية العالمية من غير أن يكون في البين حكم سلبي يكون موضوعه غير العالم من الرجال فكذلك قضية جئني برجل عالم فإن ثبوت حكم لموضوع خاص مضيق لا يستلزم نفيه عن غيره فلاحظ العرف فهل يفهمون من جملة أكرم الرجل العالم أن سنخ وجوب الإكرام لم يجعل لغيره من الرجال المتصفين بصفات أخر مثل الزاهد و المتقي و غيرهما لا أظنك أن تتخيل ذلك كما لا يتخيل دلالة اللقب و اللفظ المفرد عليه نعم غاية ما يستفاد من هذه الجملة اختصاص ما تتضمنه من الطلب و البعث الفعليين بالعالم و عدم شموله لغيره من الرجال و بزعمي ذلك واضح ثم إن هنا إشكالات قد ذكرها القائلون بالمفهوم و منشأ جميعها الخلط بين شخص الحكم و سنخه المبحوث عنه في المقام فلا مجال لذكرها بعد وضوح ما فيها من الإشكال و الكلام‏

(فصل) في مفهوم الغاية و فيه بحثان‏

الأول في دخول الغاية في المعنى‏

و خروجها عنه و الحق في ذلك خروجها فإن الظاهر من جعل شي‏ء غاية هو أن أول وجودها نهاية للمعنى أو حد له فينتفي المحدود ببلوغه و لو كانت داخلة فيه لما كانت غاية و نهاية له بل تكون لا محالة من أجزائه و يكون الحد و الغاية ما يقع بعدها و بالجملة فجعل شي‏ء غاية لشي‏ء مع دخوله فيه خلاف الظاهر و بزعمي أنه يتضح ذلك بالمراجعة إلى الاستعمالات‏

46

العرفية

الثاني أنها هل تدل على انتفاء الحكم عما بعدها أو لا

«و التحقيق» فيه أن الغاية قد تكون غاية للمطلوب أو لموضوعه فيكون المطلوب أو موضوعه ممتدا من زمان إلى زمان فالغاية حينئذ تكون مثل الوصف مشخصة لمغياه سواء كان المعنى معلقا للحكم أو موضوعا فبانتفائها ينتفي موضوع الحكم الموجب انتفاؤه لانتفاء شخص الحكم و قد عرفت أن انتفاء شخص الحكم ليس من باب المفهوم في شي‏ء ففي مثل صم إلى الليل إذا كانت الغاية للمتعلق إنما يؤتى بالغاية لأجل تشخص الإمساك المطلوب و لبيان أن متعلق البعث الفعلي هو الإمساك الممتد إلى الليل لا طبيعة الإمساك كيف ما اتفقت و قد تكون غاية للحكم و البعث في هذا القسم يكون ممتدا إلى زمان تحقق الغاية لا محالة ففي المثال المزبور إذا كانت الغاية غاية للحكم يكون الطلب ممتدا إلى الليل و يكون المطلوب هو طبيعة الإمساك بما هي هي و حينئذ فينتفي الطلب ببلوغ غايته و يدل بالمفهوم على انتفاء الطلب عما بعدها و إلا يلزم أن لا يكون الغاية غاية كما هو واضح إلى النهاية هذا بحسب الثبوت و أما بحسب الإثبات فالإنصاف عدم وجود ضابط في البين ليتمزنه كل من القسمين بل لا بد من ملاحظة كل مورد بخصوصه ثم الحكم بما يقتضيه «و ما يقال» من أن الطلب إن كان مستفادا من الهيئة فالغاية تكون غاية للمتعلق و إن كان مستفادا من المادة فمع ذكر المتعلق يكون كذلك و إلا فهي غاية للحكم أو الموضوع فمنقوض بمثل قوله تعالى و لا تقربوهن حتى يطهرن و قوله فكلوا و اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض فإنه لا يصح فيهما أن يكون الغاية غاية للمتعلق إذ لا معنى لحرمة المقاربة الممتدة إلى الطهر و إباحة الأكل و الشرب المنتهين إلى التبين بل لا بد فيهما من إرجاع الغاية إلى الحكم كما أن مع ذكر المتعلق أيضا قد تكون راجعا إليه لا إلى المتعلق كما يقال يجب الفعل الكذائي إلى زمان مجي‏ء زيد مثلا و بالجملة فتعيين الضابط

47

في المقام مما لا يمكننا تتمة و مما يدل على المفهوم دلالة واضحة كلمة إلا الاستثنائية فإنها موضوعة لربط المستثنى بالجملة الواقعة قبلها و لأجل ذلك يحصل للكلام خصوصية تستتبع اتصاف المستثنى بنقيض حكم المستثنى منه و وجه دلالته عليه التبادر القطعي الحاصل عند من له أدنى اطلاع بالقواعد العربية فضلا عمن هو من أهل اللسان «فانقدح» أنه لا حاجة إلى تكلف الاستدلال بأن كلمة لا إله إلا اللّه موضوعة للتوحيد و لو لا دلالتها على المفهوم لما كانت دالة عليه و إن كان أصل الاستدلال بذلك متينا جدا و دعوى أن دلالته عليه لعلها كان بالقرينة كدعوى كونها من باب التعبد باطلة قطعا و بعيدة لا يعتنى بها و الإشكال على دلالة لفظها عليه بأن الخبر المقدر إما موجود و إما ممكن و على أي تقدير فلا يدل على التوحيد سخيف جدا فإن إمكان وجود الواجب يستلزم وجوده كما أن عدم إمكانه يستدعي امتناعه هذا مع أن تقدير الموجود و نفي وجود وجود الآلهة سواه تبارك و تعالى يكفي في كون الكلمة للتوحيد و نفي الشرك فافهم ثم لا يخفى أن دلالة مثل كلمة إنما على الحصر ليس من باب المفهوم كما يتراءى من بعض الكلمات بل هي بالوضع و تكون من الدلالات المنطوقية كما يظهر ذلك بأدنى تأمل‏

المقصد الرابع في العموم و الخصوص‏

و قبل بيان الفصول التي لا بد من البحث فيها يقدم أمور

الأول لا يخفى أن الدوال على العموم على أقسام‏

فمنها ما يدل عليه بالوضع كلفظة كل و ما يرادفه في سائر اللغات مثل همه و تمام و هو في اللغة الفارسية و كلفظة جميع و أجمع و أكتع و توابعها و مهما و حيثما فإن هذه الألفاظ تدل بالوضع على عموم مدخولها و استغراقه سواء كان المدخول مطلقا أو مقيدا بقيد واحد أو بقيود كثيرة (و الحق القوي في هذا القسم) عدم احتياجه إلى قرينة الحكمة في إفادته العموم فإن لفظة

48

كل مثلا وضع لبيان استغراق مدخوله و بيان أنه مأخوذ لا بشرط من غير دخل لشي‏ء من خصوصيات أفراده فيه فإذا قيل كل رجل كذا فلفظ كل يدل على أن موضوع الحكم هو هذه الطبيعة من دون دخل لخصوصية من خصوصيات أفراده فيه فإذا قيل كل رجل كذا فلفظ كل يدل على أن موضوع الحكم هو هذه الطبيعة من دون دخل لشي‏ء من خصوصيات أنواعها فيه من العدالة و التقوى و الفقاهة و العلم و الغنى و الفقر و غيرها فإذا دخل لفظة كل على طبيعة فهي تدل بالوضع على عدم اعتبار قيد في تلك الطبيعة المدخولة زائدا عما ذكر معها من القيود و على ذلك فهي بنفسها دليل على عدم اعتبار القيد و بيان له و دلالة قرينة الحكمة إنما هي من جهة عدم البيان و عدم وجود دليل يدل على اعتبار القيد فيها فكم من المرحلة بين دلالة المقام و دلالة قرينة الحكمة هذا و قد بينا في محله أن دليل الإطلاق إنما هو فعل المتكلم و قضيته أنه لم يبين قيدا في موضوع حكمه مع كونه في مقام البيان و هذا بخلاف ظهور مثل كل رجل فإن ظهوره في عدم اعتبار قيد في موضوع الحكم قولي و لذا يحتج العبد على مولاه هناك بظهور الفعل و عدم البيان و هنا بظهور القول و بيان العدم و بالجملة فهذه الألفاظ الموضوعة للعموم إذا دخل واحدة منها على طبيعة سواء كانت تلك الطبيعة مطلقة أو كانت مقيدة و لو بقيود كثيرة فقضية دلالتها الوضعية عدم اعتبار قيد في مدخولها سوى ما جي‏ء به في اللفظ و لا نحتاج في إفادة ذلك إلى قرينة الحكمة أصلا و (منها) ما يدل على العموم بحكم العقل لا بدلالته اللفظية و ذلك مثل النكرة الواقعة في سياق النفي و النهي بل مطلق الطبائع المتعلقة لأحدهما فإن العقل يحكم بعدم انعدام الطبيعة إلا بانعدام جميع أفرادها إذ مع وجود فرد منها لا تكون الطبيعة معدومة لا محالة بل تكون متحققة بتحقق ذاك الفرد كما هو واضح و الحق احتياج هذا القسم في إفادة العموم إلى قرينة الحكمة حيث إنه لا يدل على العموم بالوضع كي لا يحتاج فيه إلى القرينة فإن دلالته‏

49

بالوضع إنما هي على صرف النفي أو الزجر و النهي و أما انتفاء الطبيعة رأسا و عدم تحقق فرد من أفرادها في الخارج فهو بحكم العقل و معلوم أن حكم العقل بذلك لا يكون إلا بعد إحراز موضوعية نفس الطبيعة للحكم من غير اعتبار شي‏ء من خصوصيات أفرادها فيها و طريق إحراز ذلك ينحصر في مقدمات الإطلاق كما هو واضح (و منها) ما لا يكون له الدلالة على العموم أصلا إلا في مقام تمت فيه مقدمات الإطلاق و ذلك كالجمع و المفرد المحليين باللام بداهة أن اللام إنما يؤتى به للتزيين و لا يكون نفس الجمع و المفرد إلا موضوعا لما يدل عليه الخالي عن اللام و قد بينا في محله أنه لا وضع للمركبات زائدا على وضع المفردات و قد انقدح من ذلك الحال في سائر ما ادعي دلالته على العموم كالجمع و المصدر المضافين‏

(الأمر الثاني)

أنه ينقسم العام باعتبار موضوعيته للحكم إلى استغراقي و مجموعي و بدلي فإن العام قد يكون كل واحد من أفراده موضوعا مستقلا للحكم من غير دخل لموضوعيته الآخر فيه كما قد يكون مجموع أفراده أو واحدا منها منتشرا فيها كذلك (فالأول) استغراقي و الثاني مجموعي و الثالث بدلي و ما يقال من أن القسم الثالث ليس من العام في شي‏ء بل هو من المطلق البدلي حيث إن موضوع الحكم في هذا القسم هو الفرد الواحد المنتشر و لا عموم لها أصلا و إن كان نفس البدلية لها عموم فمندفع بأن العموم و البدلية في هذا القسم مستفاد من لفظ خاص يكون موضوعا لإفادتهما و هذا بخلاف المطلق البدلي فإن العموم فيه يحتاج إلى قرينة الحكمة فلاحظ الفرق بين مثل أكرم أي عالم شئت و مثل أكرم عالما و الفرق واضح لا يكاد يخفى‏

الأمر الثالث‏

القضية و إن كان لها أقسام كثيرة لا يهمنا التعرض لها إلا أنه لا بأس بذكر بعض ما ينفع في المقام من الأقسام (فمنها) القضية الطبيعية و هي ما يكون الموضوع فيها

50

نفس الطبيعة المأخوذة بالنسبة إلى الوجود الخارجي بشرط لا مثل القضية الإنسان نوع و الموضوع في هذا القسم لا يكاد يتصف بالعموم أصلا و منها القضية الحقيقية و هي ما يكون الموضوع فيها هو الطبيعة السارية إلى الأفراد بحيث لو فرض وجود شي‏ء في الخارج يكون مصداقا لموضوع القضية لكان يتعدى إليه الحكم و لكان محكوما بالحكم الوارد فيها و ذلك لأن الطبيعة مأخوذة في هذا القسم فانية في جميع أفرادها المحققة و المقدرة و مرآة لها فلا محالة يكون الأفراد محكومة بحكمها مثل قضية الخمر حرام (و منها) القضية الخارجية و هي ما يكون الموضوع فيها نفس الأفراد الخارجية من دون وساطة أخذ الطبيعة مشيرة إليها أصلا سواء كان هناك جامع بين الأفراد مثل قتل من في العسكر أو لم يكن مثل أكرم هؤلاء و لا يخفى أن فرض العموم إنما يتصور في هذين القسمين و لكن مصب العموم في القسم الأول منهما هو الطبيعة و في الثاني نفس الأفراد و لذلك يكون التخصيص في الأول غالبا عنوانيا بل لم يوجد التخصيص الأفرادي فيها إلا في قضية واحدة و هي رفع الحد عن المقر عند أمير المؤمنين (عليه السلام) باللواط و هذا بخلاف الثاني فإن التخصيص فيه غالبا أفرادي‏

(فصل) الحق حجية العام المخصص فيما بقي في تحته من الأفراد

و ذلك لأن العام لا يخرج بالتخصيص عن كونه مستقلا في معناه الموضوع له كي يقال بصيرورته مجملا و وجه ذلك في التخصيص بالمتصل ظاهر فإن دائرة العام يكون فيه من أول الأمر ضيقا إذ لم يستعمل لفظ العموم فيه ابتداء إلا في شمول ما بقي تحته من المقدار بعد التخصيص و لم يكن مستعملا في شمول جميع الأفراد كي يصير استعماله في المقدار الباقي بعد التخصيص مجازا فلفظة كل في مثل كل عالم عادل كذا لم تستعمل إلا فيما استعملت فيه في مثل كل عالم بدون التقيد ضرورة أنها موضوعة لشمول أفراد مدخولها سواء كان المدخول مطلقا