مجمع الفوائد

- الشيخ حسين علي‏ المنتظري المزيد...
494 /
19

كلمة اللجنة:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمّد و على آله الطيبين الطاهرين المعصومين الى يوم الدين.

و بعد نلفت أنظار القراء الكرام إلى أمور ينبغي التنبيه عليها:

1- الكتاب الحاضر يشتمل على قسم كبير من المباحث الأصولية و بعض القواعد الفقهية التي قد بحث عنها سماحة الأستاذ آية اللّه العظمى المنتظري دامت بركاته في خلال مجلدات عديدة من كتبه القيّمة:

المكاسب المحرّمة و الزكاة و دراسات في ولاية الفقيه و فقه الدولة الإسلامية و في تعليقاته الأصولية و الفقهية على دراسات استاذه الأكبر المرحوم العلامة آية اللّه العظمى البروجردي (قدّس سرّه) و الداعي إلى جمعها في شكل الكتاب الحاضر انّ تلك المباحث كانت متفرقة في مواضع متشتتة من تلك الكتب و مع كونها مفيدة لأهل الفضل و التحقيق لم يتيسّر للطالب الوقوف عليها في زمان قصير، فمن هذه الجهة كان اللازم جمع تلك المباحث في مجموعة واحدة على وفق التنظيم المتعارف في الكتب الأصوليّة، فلذلك جمعها و نظّمها بعض الفضلاء من تلامذته.

2- قد روعي تنظيم المباحث الأصولية في الكتاب مطابقا لنظم كفاية الأصول مع تفاوت يسير في بعض المباحث؛ و نظّم مطالب الكتاب في جزءين متمايزين:

20

الجزء الأوّل في المباحث الأصولية و هو يشتمل على مقدمة و عشرة فصول، و الجزء الثاني في بعض القواعد الفقهية و هو يشتمل على سبعة فصول.

3- حيث إنّ اكثر المباحث التي استخرجت من كتب الأستاذ و جمعت في هذا الكتاب كانت كالتعليقات على مسائل «المكاسب المحرّمة» للشيخ الأعظم و مسائل الزكاة من «العروة الوثقى» و على ما أفاده أستاذه الأكبر في «نهاية الأصول» و توقف عادة، الوقوف على مقاصد الأستاذ، على الاطلاع- و لو إجمالا- على متون الكتب المذكورة، فلذلك أشرنا بالاختصار إلى اصل المسألة المبحوث عنها و إلى عبارة المتن نفسها او ما يقرب منها و يوضحها، و جعلناه بين «» و طبع بحروف متمايزة عن حروف الكتاب لئلّا يختلطا و يتميز كل عن الآخر. فلهذا كان كثيرا المسائل الأصولية مختلطة و ممتزجة مع المسائل الفقهية من الزكاة و المكاسب المحرّمة بحيث يوجب تفريقها و إدراجها في القواعد الفقهية من الكتاب فقدان النظم المناسب و الموجود بين المطالب.

و في الختام نرجو أن يكون هذا العمل الذي هو خطوة صغيرة في بثّ العلم و نشر التراث العلمي للفقيه المتضلع الأستاذ- دام ظلّه- مقبولا عند اللّه تبارك و تعالى.

لجنة الأبحاث العلمية في مكتبته (دام ظلّه)

21

الجزء الأوّل: المسائل الأصولية

و هو يشتمل على مقدمة و عشرة فصول:

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

المقدمة

علائم الحقيقة و المجاز، و منها التبادر

«و يمكن أن يستشكل على جعل التبادر علامة للوضع هنا: هل إن المراد بالوضع هنا خصوص التعييني منه او الأعم منه و من التعيّنى؟ فإن اريد خصوص التعييني لم يكن التبادر علامة له؛ إذ لا يحزر به خصوصه، و إن اريد الأعم قلنا: إنه عين التبادر؛ إذ لا معنى للوضع الجامع لقسميه إلّا كون اللفظ بحيث إذا سمع فهم منه المعنى. و هو بعينه التبادر و الدلالة الشأنية، كما عرفت في مبحث الوضع.»

أقول: يمكن أن يقال: إن التبادر عبارة عن انسباق المعنى من اللفظ، و لا يمكن هذا الانسباق إلّا لسبق خصوصية بين اللفظ و المعنى، تكون بمنزلة العلة للانسباق الفعلي، و هي أنس اللفظ بالمعنى و العلقة الحاصلة بينهما المعبر عنها بالدلالة الشأنية. و إن أبيت وجود الخصوصية بين اللفظ و المعنى اعتبارا، و تحاشيت عنه، فلا أقل من وجود أنس و حالة في ذهن المخاطب سابقا على سماع هذا الاستعمال، و بسببه يتحقق الانسباق الفعلي، فالتبادر عبارة عن الانسباق الفعلي، و الوضع أمر سابق عليه، يكون بمنزلة العلة لهذا الانسباق فافهم. (1)

أنحاء التلبسات‏

«... انحاء التلبسات مختلفة، فانّ الضرب مثلا يتلبس بالفاعل من حيث صدوره عنه، و بالمفعول من حيث وقوعه عليه، و بالزمان و المكان من حيث وقوعه فيهما، و باسم الآلة من حيث كونها واسطة للصدور ...»

____________

(1) نهاية الاصول، ص 39.

24

في جعل مبدأ اسم الفاعل و مبدأ اسم الآلة امرا واحدا «كالضرب» مثلا لعلّه مسامحة، إذ لو كان مبدؤه مبدأ اسم الفاعل لزم أن لا يصدق اسم الآلة على ما أعد لإيجاد المبدأ قبل إيجاده بها، أو بعد انقضائه، فلا يقال: «مسواك» مثلا لما أعد للاستياك إلّا زمن الاستياك به، و هو بعيد جدا. نعم يمكن أن يقال: إن مبدأه عين مبدأ اسم الفاعل، و لكن بتقريب آخر بأن يقال:

إنّ تلبس المبدأ باسم الآلة من حيث شأنيته لوقوع المبدأ بسببه و الشأنية وصف فعلي لها. (1)

المعاني الإنشائية:

«أقسام الألفاظ الموضوعة: منها ما وضع لإيجاد معنى و هو على قسمين:

1- ما لا يكون فانيا في غيره كالطلب الموجد بنحو «افعل» و البيع الموجد بنحو «بعت» و نحو ذلك.

2- ما يكون فانيا في غيره مثل الإشارة الموجدة بأسماء الإشارة و نحوها ...»

أقول: تمثيل ذلك بمثل «بعت» و «أطلب منك الضرب» صحيح، و اما تمثيله بمثل «اضرب» فربما تختلج بالبال مخالفته لما ذكره الأستاذ- (مد ظلّه)- في محله من الفرق بين «اضرب» و بين «أطلب منك الضرب» بل يمكن أن يقال: إن الطلب مطلقا حقيقة اندكاكية فانية في المطلوب و إن تعلق به اللحاظ الاستقلالي فالتمثيل «بأطلب منك الضرب» أيضا غير صحيح. فتدبر.» (2)

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 69.

(2)- نفس المصدر، ص 466.

25

الفصل الأوّل: الأوامر

و هو يشتمل على فوائد:

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

الفائدة الاولى: مفاد الأمر هل هو بسيط أو مركب؟

«في مسألة زكاة مال التجارة يبحث عن أنّها هل تكون مستحبا؟ و ما الدليل على استحبابها؟، و أنّ الأخبار في ذلك متعارضة و هل يثبت الاستحباب بالجمع بين ما دلّ على ثبوت الزكاة فيه و ما دلّ على عدم ثبوتها؟

و يبحث فيه أيضا عن مفاد الأمر و أنه هل هو بسيط او مركب من الطلب و خصوصية الوجوب؟» (1)

و تبعه (صاحب الوافي) على ذلك صاحب الحدائق فقال في ضمن كلام له:

«الاستحباب حكم شرعي يتوقف على الدليل الواضح. و مجرد إختلاف الأخبار ليس بدليل يوجب ذلك، كما لا يخفى على المنصف. و مع ذلك فانه لا ينحصر الجمع بين الأخبار فيما ذكروه، بل لا يبعد حمل الروايات المتقدمة على التقيّة، حيث إن الوجوب مذهب أبي حنيفة و الشافعي و أحمد على ما نقله في المعتبر و في صحيحة زرارة و موثّقة ابن بكير و عبيد و جماعة من أصحابنا ما يشير الى ذلك» (2)

و قد مرّ من صاحب الحدائق نظير ذلك في الأخبار الدالّة على ثبوت الزكاة في الغلّات غير الأربع.

و محصل كلامه بتوضيح منّا:

«أنّ صرف الجمع التبرعي لا يكون ملاكا للفتوى بشي‏ء و الاستحباب أيضا

____________

(1)- كتاب الزكاة، ج 2، ص 189.

(2)- الحدائق، ج 12، ص 150.

28

مثل الوجوب حكم شرعي يحتاج إلى الدليل، و الجمع المعتبر هو الجمع الذي يساعد عليه العرف، كما هو الحال بين العامّ و الخاص و المطلق و المقيد و كالأمر بشي‏ء ثم الترخيص في تركه، حيث يحمل الأمر حينئذ على الاستحباب. و ليس المقام كذلك، بل مفاد أحد الدليلين ثبوت الزكاة بنحو الوضع و مفاد الآخر نفيها من غير إشعار فيه بثبوتها بنحو الاستحباب: فالدليلان متناقضان متباينان، فيجب الأخذ بما خالفهم.» (1)

و أجاب عن ذلك في الجواهر ما حاصله:

«انّه لا تنافي بين التقية و بين الندب على أن تكون التقية بالتعبير عن الندب بما ظاهره الوجوب اعتمادا على قرينة خارجيّة و جمعا بين التقية و الواقع.

و دعوى أنّ المراد بالأمر حينئذ الوجوب تقيّة فلا دليل على الندب، يدفعها أصالة حجية قول المعصوم، و أنّه في مقام بيان حكم شرعي واقعي. و كما أنّ التقيّة في مقام العمل تقتصر فيها على أقلّ ما تندفع به كذلك المستعمل فيها من قول المعصوم. و من ذلك ما نحن فيه، ضرورة إمكان كون التقيّة في ذلك التعبير الذي ذكرناه، فيبقى الندب بعد معلومية عدم إرادة الوجوب» (2).

و محصّل كلامه: أنّ مفاد الأمر ينحلّ إلى الطلب، و خصوصيّة الوجوب. و التقيّة تندفع برفع اليد عن خصوصيّة الوجوب، فيبقى أصل الطلب مرادا، إذ الضرورات تتقدّر بقدرها.

أقول: مبنى كلامه استعمال الأمر في الوجوب، و كونه مركبا من أصل الطلب و المنع من الترك كما اشتهر. و كلاهما فاسدان، إذ الوجوب و الاستحباب ليسا مفادا للّفظ بحيث يستعمل فيهما، بل الصيغة وضعت للبعث و التحريك القولي في قبال التحريك العملي. و إن شئت قلت: وضعت للطلب و هو أمر بسيط.

نعم، البعث و الطلب من قبل المولى موضوع لحكم العقل بلزوم الإطاعة و استحقاق العقاب على المخالفة، إلّا أن يرخّص المولى بنفسه في الترك. فما وضع له اللّفظ و استعمل فيه هو

____________

(1)- الحدائق، ج 12، ص 108.

(2)- الجواهر، ج 15، ص 74.

29

البعث، و الوجوب حكم العقل يحكم به على الطلب المجرّد عن الترخيص. كما أنّ الاستحباب ينتزع عن الطلب المقارن للترخيص.

و لو سلم تركب الوجوب فهو تركيب عقليّ تحليلي، فلا تسري التقيّة في بعض أجزائه دون الآخر.

نعم، لو كان هنا لفظان و دار الأمر بين حمل احدهما على التقيّة أو كليهما صحّ ما ذكره من أنّ الضرورات تتقدّر بقدرها، فيحفظ أصالة الجهة في احدهما، فتأمّل.

و الحاصل أنّ إشكال صاحب الحدائق قويّ، و لا يندفع بما في الجواهر، و لا يلزم أن تكون التقية من الفقهاء و المفتين، و لا بلحاظ حفظ الأئمة (عليهم السّلام) بل بلحاظ حفظ شيعتهم من شرّ السلاطين و الحكّام الجباة للزكوات بعنف و شدّة، فانّها كانت اساس اقتصادهم. فلعلّ الأئمة (عليهم السّلام) أرادوا تقيّد الشيعة عملا باداء الزكاة ممّا تعارف مطالبتها منه، دفعا لشرّ السلاطين و تخلّصا من مكائدهم. فإنّ وظيفة القائد لقوم ملاحظة محيطهم و ما يكون دخيلا في حفظهم من كيد الأعداء. (1)

الفائدة الثانية: مفاد الأمر و النهي‏

«المبحث: مفاد الأمر و النهي و بيان ما في الكفاية من أن مفادهما الطلب و الاختلاف في المتعلق، فمتعلق الأمر وجود الطبيعة و النهي عدمها؛ فلما كان وجود الطبيعة بوجود فرد ما و انعدامها بانعدام جميع الأفراد فلا محالة كان تحقق الامتثال في الأوامر باتيان فرد ما و في النواهي بترك جميع الأفراد. و يشكل عليه بأن مقتضى ما ذكر أن يكون للنهي امتثال واحد و هو ترك جميع الأفراد و هذا مخالف لحكم العقلاء. و يردّ هذا الإشكال بأن الطبيعي يوجد في الخارج بنعت الكثرة فلها وجودات و أعدام إذ لكل وجود عدم بديل، فعدم كل واحد من الأفراد عدم للطبيعي الموجود فيه ...»

____________

(1)- كتاب الزكاة، ج 2، ص 189 الى 191.

30

أقول: ربما يقرر الإشكال بأن الطبيعة إن أخذت مبهمة فكما أن وجودها بوجود فرد ما فعدمها أيضا بعدم فرد ما، و إن أخذت مرسلة فوجودها بوجود الجميع و انتفائها أيضا بانتفاء الجميع. و لأحد أن يجيب عن ذلك بأن الطبيعي حيث إنه لا بشرط من الوحدة و الكثرة، فلذا يوجد في الخارج بنعت الكثرة و نسبته إلى الأفراد نسبة الآباء إلى الأولاد، كما بيّن في محله، و هو بعينه يوجد في الذهن بنعت الوحدة فهو في حدّ ذاته لا واحد و لا كثير و انما يكون تعدده و كثرته بخارجيته، أي بتبع الوجود الخارجي، و العدم لا خارجية له حتى يتكثر و تتكثر بتبعه الطبيعة. نعم قد يتكثر العدم ذهنا بتكثر المضاف إليه و تعدده، و لكن المضاف إليه فيما نحن فيه واحد، و هو نفس الطبيعة، إذ الكلام في عدم نفس الطبيعة، لا الأفراد، فلا مكثر للطبيعة لا خارجا و لا ذهنا. (1)

الفائدة الثالثة: امتياز الوجوب و الندب‏

«هل امتياز الوجوب و الندب بالشدة و الضّعف أم لا؟ و منع في المتن، الاحتمال الأوّل بأن الأمر الإنشائي ليس قابلا للشدة و الضعف بنفسه لأنه أمر اعتباري صرف، و ليست الأمور الاعتبارية قابلة للتشكيك بذواتها ...»

أقول: يمكن أن يقال: كيف لا يقع التشكيك الذاتي في الأمور الاعتبارية إذا كانت شدّتها و ضعفها أيضا بالاعتبار، إذ من الواضح إمكان أن يعتبر العقلاء تارة وجود طلب شديد و اخرى وجود طلب ضعيف. كما انّ الطلب الحقيقي اعني البعث و التحريك العملي الحاصلين بأخذ يد المطلوب منه و جرّه نحو العمل قد يكون بنحو الشدة و العنف و قد يكون بنحو الضعف، و حينئذ فيمكن أن يقال إن المقارن الشديد قرينة على أنّ المنشأ بالصيغة طلب شديد، و المقارن الضعيف قرينة على أن المنشأ بها طلب ضعيف، و المجردة عن المقارن خالية عن القرينة. (2)

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 247.

(2)- نفس المصدر، ص 101.

31

الفائدة الرابعة: التعبدي و التوصلي‏

«متعلق الأمر في الواجب التوصلي هو نفس طبيعة الفعل لا الفعل المقيد بصدوره عن الإرادة فإذا أتي به في حال الغفلة أيضا كان مصداقا للمأمور به، و ترتب عليه سقوط الأمر قهرا.»

أقول: و ببيان أوضح صدق عنوان الامتثال يتوقف على كون الأمر داعيا و محركا كما لا يخفى، و لكن متعلق الأمر ليس مقيدا بالإرادة و نحوها، فتحققه بأي نحو كان موجب لسقوطه قهرا، إذ متعلقه عبارة عن نفس الطبيعة المهملة الجامعة بين المرادة و غيرها، من غير أن يلحظ الآمر سريانها إلى القسمين، حتى يقال: إن الأمر بالنسبة إلى ما لا يوجد بالإرادة تعلق بأمر غير اختياري، و مقدورية الطبيعة بما هي هي تتوقف على إمكان إيجادها بالإرادة، لا على تعلق الإرادة بها فعلا. (1)

ما هو الداعي إلى طاعة المولى و ما هو الملاك في عبادية العمل؟

«... ما هو الداعي حقيقة و ما هو الملاك في عبادية العمل ليس الأمر الصادر عن المولى، بل الداعي و الملاك للعبادية و المقربية هو إحدى الغايات النفسانية الموجودة في نفس العبد أي العشق بالمولى، او الشكر له، او الخوف من عقابه، او الشوق إلى ثوابه. و ما اشتهر بينهم أن الداعي هو الأمر الصادر من المولى فاسد جدّا ...»

أقول: الظاهر أن داعي الفعل عبارة عن علته الغائية، سواء كانت غاية نهائية محبوبة بالذات أو كانت غاية متوسطة واقعة في سلسلة العلل لما هو محبوب بالذات، و بعبارة اخرى الداعي عبارة عما يتأخر عن الفعل بحسب الوجود و يتقدم عليه بحسب التصور، بحيث يتولد من إرادته إرادة الفعل، و لا فرق في ذلك بين أن تكون الغاية موجودة بوجود مستقل ممتاز عن‏

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 111.

32

ذي الغاية، او تكون أمرا انتزاعيا موجودا بنفس وجوده، و على الأوّل فلا فرق أيضا بين أن تكون من المسببات التوليدية التي لا تتوسط الإرادة بينها و بين أسبابها، و بين أن لا تكون كذلك.

و مما ذكرنا يظهر أن في عدّ الملكات النفسانية دواع للأفعال نحو مسامحة، فإنّ حبّ المولى أو الشوق إلى ثوابه أو الخوف من عقابه مثلا ليس علة غائية، بل الذي يترتب على العمل هو حصول محبوب المولى او حصول ثوابه، او التخلص من عقابه و نحو ذلك، غاية الأمر أن الأوّل أمر ينتزع عن نفس العمل، و قد عرفت أنه لا فرق في الداعي بين كونه موجودا بوجود مستقل، و بين غيره. و ما اشتهر بينهم من عدّ الأمر داعيا، فلعل مرادهم من ذلك جعل عنوان موافقة الأمر داعيا، و هي عنوان ينتزع عن الفعل الخارجي، و يصح عدّها غاية له. (1)

الفائدة الخامسة: [قصد القربة في المأمور به‏]

هل يمكن اخذ قصد القربة في المأمور به؟

«قد أستدل على عدم الإمكان بوجوه: منها: لزوم التسلسل في مقام الامتثال، و تقريبه: أن الأمر لا يدعو إلّا إلى متعلقه، و المفروض أن متعلقه فيما نحن فيه ليس ذات الصلاة، بل الصلاة بداعي الأمر فيسئل: أن المدعو إليه للأمر هو الصلاة بداعي الأمر المتعلق بأيّ شي‏ء؟ فإن قلت إنه الصلاة بداعي الأمر المتعلق بذات الصلاة، فهو خلاف الفرض، و إن قلت إنه الصلاة بداعي الأمر المتعلق بالصلاة بداعي الأمر فهذا الأمر الثاني أيضا يحتاج إلى متعلق يكون مدعوا إليه و هو الصلاة بداعي الأمر أيضا و هلمّ جرّا فيتسلسل.»

أقول: الأولى تقرير التسلسل في طرف الداعي لا المدعو اليه، فيقال: إن الصلاة بداعي الأمر (التي هي الواجبة حسب الفرض) يؤتى بها بداعي أيّ أمر؟ فان قيل بداعي الأمر بذات الصلاة، فهو خلاف الفرض، و إن قيل بداعي الأمر بالصلاة بداعي الأمر، فيقال: بداعي الأمر

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 117.

33

بالصلاة بداعي الأمر بأي شي‏ء؟ فان قيل بداعي الأمر بالذات لزم الخروج من الفرض، و إن قيل بداعي الأمر بالمقيد لزم التسلسل. (1)

هل الارادة اختيارية أم لا؟

«... ثم إنّ فيما ذكره (صاحب الكفاية) اخيرا من عدم اختيارية الإرادة لإيجابها التسلسل أيضا ما لا يخفى؛ فإن اختيارية كل فعل بالإرادة و اختيارية الإرادة بنفسها.»

أقول: لا معنى لاختيارية الإرادة و كون إراديتها بنفسها، فإن معنى اختيارية الفعل كون اختيار الفاعل و إرادته علة لحصوله، و لا يعقل كون الإرادة علة لنفسها، «نعم»، هي إرادة بالحمل الأوّلي، و لكن لا تكفي ذاتها في تحققها، و إلّا لكانت واجبة الوجود. (2)

الفائدة السّادسة: [الإجزاء و مسألة تبعية القضاء]

مقايسة صاحب الكفاية مسألة الإجزاء مع مسألة تبعية القضاء للأداء

«قايس صاحب الكفاية مسئلة الإجزاء مع مسألة تبعية القضاء للأداء و أثبت الفرق بين المسألتين بأن البحث في مسألة التبعية في دلالة الصيغة على التبعية و عدمها، و في مسألة الإجزاء، في كون إتيان المأمور به مجزيا عقلا أم لا؟

... أقول: لا ينقضي تعجبي من مقايسة مسألة التبعية مع ما نحن فيه؛ إذ بينهما بون بعيد ...»

يمكن أن يقال: إن عمدة النظر في بحث الإجزاء، هو إثبات إجزاء امتثال الأمر الاضطراري أو الظاهري عن الأمر الواقعي فينازع في سقوط الأمر الواقعي و عدم سقوطه، مع أن المكلف لم يأت ما هو المأمور به بهذا الأمر فليس بين المسألتين بون بعيد. (3)

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 113.

(2)- نفس المصدر، ص 122.

(3)- نفس المصدر، ص 126.

34

تبديل الامتثال‏

«إن امتثال كل أمر- واقعي او ظاهري- يجزي عن التعبد بهذا الأمر ثانيا نعم لا يبعد أن يقال: إن للعبد تبديل الامتثال فيما لم يكن امتثاله علة تامة لحصول الغرض، كما لو أتى بماء أمر به مولاه ليشربه فلم يشربه بعد ...»

أقول: تبديل الامتثال بعد حصوله أمر غير معقول، إذ الإتيان بفرد الطبيعة المأمور بها موجب لسقوطه قهرا، و فيما ذكره من المثال لم يحصل الامتثال، حتى يبدله على فرض، و لم يمكن تبديله على فرض آخر؛ فإن أمر المولى عبده باتيان الماء، إما أن يكون الغرض منه هو التمكن من الشرب، فقد حصل بنفس الإتيان، فلا يعقل تبديل الامتثال، نعم اراقة الماء موجبة لتفويت الغرض، الذي قد حصل بالامتثال الأوّل و مولدة لأمر آخر.

و إما أن يكون الغرض منه رفع عطش المولى، فالامتثال لم يحصل بصرف إتيان الماء، حتى يبدله، إذ المأمور به حينئذ ليس نفس الإتيان بالماء بل إيجاد كل ما هو في اختيار العبد من مقدمات رفع عطش المولى، أعني إتيان الماء؛ و ابقائه الى زمن شرب المولى اياه، فما لم يشربه المولى لم يحصل الامتثال، و كان للعبد اراقة الماء و تبديله، و لكن ليس هذا تبديلا للامتثال. (1)

امتثال أمر عن أمر آخر

«هل يجزي امتثال أمر عن أمر آخر كإتيان المأمور به بالأمر الاضطراري عن اتيان المأمور به بالأمر الواقعي الأوّلي بعد رفع الاضطرار في الوقت او خارج الوقت؟ ...

لم يتوجه إلى المضطر أمران حتى يقع البحث في كفاية امتثال احدهما عن الآخر ...»

ربما يقال: إن الأدلّة الدالة على التكاليف الاضطرارية لا تقيّد الأدلّة الدالة على التكاليف الأوّلية بأن تخصها بصورة الاختيار، لعدم المنافاة بينهما، لإمكان أن يكون المضطر مكلفا

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 126.

35

بتكليفين و ان كانا متعلقين بفردين من طبيعة واحدة. غاية الأمر إنه لمّا كانت القدرة من الشرائط العقلية لفعلية التكاليف، كان التكليف الأوّلي بالنسبة إلى المضطر في زمن اضطراره غير فعلي، فاذا ارتفع الاضطرار ارتفع مانع الفعلية فأثّر التكليف الأوّلي أثره. (1)

موارد إجزاء امتثال الأمر الاضطراري‏

«بعد قبول أن للمكلف المضطر امرين و أن امتثال الأمر الاضطراري يجزي عن الأمر الواقعي ففي ما إذا لم يكن إطلاق فما هو التكليف؟

... فما ذكره (صاحب الكفاية) اخيرا- من أنه إذا لم يكن هناك إطلاق يدل على أن الموضوع للأمر الاضطراري هو مطلق الاضطرار و لو في بعض الوقت فالمرجع هو البراءة- فاسد جدا إذ المكلف قد علم باشتغال ذمته بالأمر الواقعي ... و هذا يقتضي تحصيل البراءة اليقينية فكيف حكم (قدّس سرّه) بأصالة البراءة؟»

أقول: يمكن أن يقال: إن مراده (قدّس سرّه) من الإطلاق ليس هو إطلاق الاضطرار، كما في كلام سيدنا الأستاذ العلامة- (مد ظلّه العالي)- بل المراد إطلاق البدلية فيكون حاصل مراده أن المكلف لمّا لم يقدر على امتثال التكاليف الأوّلية جعل الشارع التكاليف الاضطرارية أبدالا لها، فحين الاضطرار لا تكون التكاليف الأوّلية فعلية، بل الفعلية لأبدالها. و حينئذ فلو كان لنا إطلاق يدل على أن ما جعله الشارع بدلا، بدل إلى الأبد، أخذنا بالإطلاق و حكمنا بالإجزاء عن التكليف الأوّلي، لكفاية البدل عن المبدل منه، و لو لم يكن هناك إطلاق، فشككنا في أن بدلية الفرد الاضطراري عن الأوّلي هل هي إلى الأبد حتى مع ارتفاع الاضطرار، أو كانت بدليته منه في زمن الاضطرار فقط بأن يكون وافيا بما يفوت من مصلحة الفرد الأوّلي في زمن الاضطرار من دون أن يكون وافيا بما يمكن تحصيله بعد ارتفاع الاضطرار بالإعادة او القضاء، فحينئذ نحكم بالبراءة، إذ التكليف الأوّلي لم يكن في زمن الاضطرار فعليا، و بعد ارتفاعه‏

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 129.

36

يشك في صيرورته فعليا لاحتمال أن تكون بدلية الفرد الاضطراري منه إلى الأبد، و هذا واضح و لا سيما إذا كان طروء الاضطرار من أول الوقت. (1)

الفائدة السابعة: الإجزاء في الأمارات و الاصول‏

[محل البحث‏]

«محل البحث: إجزاء امتثال الأحكام الظاهرية عن الواقعية و أنه هل فيه فرق بين الأمارات و الأصول أم لا؟ فقال صاحب الكفاية (ره) بالفرق بينهما بالقول بالإجزاء في الأصول دون الأمارات لحكومة أدلة الأصول على أدلة الأحكام الواقعية بخلاف الأمارات، و ناقش فيه المحقق النائيني (ره) بوجوه:

... الثالث: أن الحكومة في المقام إن كانت واقعية لزم ترتيب جميع آثار الواقع على الطهارة الظاهرية، فلا بدّ أن لا يحكم بنجاسة الملاقي أيضا، و لو انكشف الخلاف بعد ذلك. و فيه: أن الحكم الظاهري إنما يثبت مع انحفاظ الشك و أما بعد زواله فينقلب الموضوع، فالملاقي أيضا يحكم بطهارته ما دام الشك، و أما بعد زواله فيحكم بنجاسة كل من الملاقي و الملاقى.» (2) أقول: لا يخفى أن المهم في إثبات الإجزاء في الأحكام الظاهرية هو الجواب عن النقوض الواردة عليه؛ (فمنها) هذا المثال، (و منها) أن مقتضى ذلك حصول الطهارة للثوب النجس إذا غسل بالماء المشكوك الطهارة.

(و منها) انتقال الثمن حقيقة إلى البائع إذا أخذه في مقابل المشكوك فيه الذي حكم بطهارته ظاهرا، و كان مما يفسد بيعه نجسا إلى غير ذلك من النقوض. و الظاهر أن جواب سيدنا الأستاذ العلامة- (مد ظلّه العالي)- لا يكفي لرفع الإشكالات، فإن الملاقاة في المثال الأوّل مثلا قد وقعت في حال كون الملاقى «بالفتح»، محكوما بالطهارة، و بعد انكشاف الخلاف و إن تبدل الموضوع، و لكن المفروض عدم حدوث ملاقاة اخرى بعد تبدله، فالحكم بنجاسة الملاقي لا يصح إلّا بناء على كون الحكومة ظاهرية.

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 132.

(2)- نفس المصدر، ص 141.

37

نعم، يمكن أن يجاب عن النقض الأوّل بوجه آخر و هو أن يقال: إن الأثر الشرعي عبارة عمّا يثبت للشي‏ء بجعل الشارع، و في باب الملاقاة ليس لنا مجعولان شرعيان: أحدهما كون ملاقي النجس نجسا، و ثانيهما كون ملاقي الطاهر طاهرا، بل المجعول الشرعي هو الأوّل فقط، بداهة أن طهارة الملاقي «بالكسر» ليست حاصلة بسبب طهارة الملاقى «بالفتح»، بل كانت حاصلة قبل الملاقاة أيضا.

و بالجملة طهارة الملاقي «بالكسر» ليست من الآثار الشرعية لطهارة الملاقى، حتى يقال:

إن مقتضى كون الحكومة واقعية هو بقاء هذا الأثر بعد انكشاف الخلاف أيضا. «اللهم إلّا أن يقال» إن الطهارة ليست إلّا عبارة عن عدم النجاسة و القذارة، كما يساعد عليه العرف أيضا، و حينئذ فيكون المراد من كون طهارة الملاقي «بالكسر» بسبب طهارة الملاقى كون عدم نجاسته مستندا إلى عدم نجاسته استناد عدم المعلول إلى عدم علته؛ فتأمل فإن ذلك أيضا لا يفيد ثبوت المجعولين.

ثم إنه يمكن أن يجاب بما ذكر عن الإشكال الذي أورده بعض الأعاظم في مسألة ملاقي أحد طرفي العلم الإجمالي فإن المعروف عندهم كون الملاقي طاهرا و حلالا لتعارض الأصلين في الطرفين فيبقى الأصل في الملاقي سالما عن المعارض.

و استشكل هذا البعض على ذلك بأن استصحابي الطهارة في الطرفين يتعارضان و يتساقطان، فتصل النوبة في الرتبة اللاحقة إلى قاعدة الطهارة في الطرفين و استصحابها في الملاقي، ثم تتعارض الأصول الثلاثة و تتساقط، و تصل النوبة بعدها إلى استصحاب الحلّيّة في الطرفين و قاعدة الطهارة في الملاقي في عرض واحد، فتتعارض أيضا و تصل النوبة إلى قاعدة الحلّيّة في الطرفين و استصحابها في الملاقي فتتساقط أيضا، فيبقى الطرفان بلا أصل و تبقى قاعدة الحلّيّة في الملاقي بلا معارض، و مقتضى ذلك حلّيّة الملاقي دون طهارته.

و الجواب عن هذا الإشكال يظهر مما ذكرنا، فإنا لا نسلم كون طهارة الملاقي أو حلّيّته متأخرة بحسب الرتبة عن طهارة الملاقى «بالفتح» أو حلّيته حتى يكون جريان استصحاب الطهارة أو الحلّيّة أو قاعدتهما في الملاقي متأخرا عن جريانها في الملاقى «بالفتح» و ذلك لبداهة أن حلّيّة الملاقي «بالكسر» أو طهارته ليست أثرا شرعيا لحلّيّة الملاقى «بالفتح» أو

38

طهارته، و في الأصل السببي و المسببي يعتبر ترتب الأثرين لا الشكين فقط، فإنّ تقدم الأصل السببي على المسببي إنما يكون من جهة أن جريانه في السبب يوجب تحقق ما هو الموضوع للأثر في طرف المسبب، فيعتبر في ذلك كون المستصحب مثلا في طرف المسبب من الأحكام الشرعية للمستصحب في طرف السبب، كما إذا غسل المتنجس بالماء المستصحب الطهارة، فإنّ هذا الاستصحاب يرفع الشك عن ناحية المسبب قهرا. (1)

نقد كلام صاحب الكفاية في الفرق بين الأمارات و الأصول في الإجزاء

«... و بالجملة: الفرق بين الأمارة و الأصل [بالقول بالإجزاء في الثاني دون الأوّل‏] بكون الأولى بلسان الحكاية دون الثاني، إنما يصح إذا كان النظر إلى نفس مؤدّى الأمارة التي هي أمر تكويني، و أما إذا كان النظر إلى دليل حجيتها فلا فرق بينهما؛ لظهور دليل كلّ منهما في الإجزاء و رفع اليد عن الواقع.»

أقول: لا يخفى أن ما ذكره سيدنا الأستاذ العلامة- (مد ظلّه العالي)- من ثبوت الإجزاء في الأمارات يتوقف على ثبوت جعل في الأمارات، حتى يقال بكون أدلة حجيتها ناظرة إلى الأدلّة الواقعية الواردة في تحديد الأجزاء و الشرائط و الموانع و موجبة لتوسعة المأمور به، مع أنه- (مد ظلّه)- أيضا ينكر ثبوت الجعل في الأمارات الّا بنحو الإمضاء، و ليس معنى الإمضاء أن يقول الشارع «أمضيت» مثلا؛ فإن هذا مقطوع العدم، بل معناه عمل العقلاء بها و اعتمادهم عليها في مقام إثبات الواقعيات، أو مقام الاحتجاج و اللجاج بمرأى الشارع و مسمعه من دون أن يردع عنها، بل هو أيضا كأحدهم في ذلك و كذا في غيرها من العاديات، ما لم يترتب عليها مفسدة. و لا ريب أن العقلاء لا يرون العمل بالكاشف أو الحجة مجزيا عن الواقع، و لو في صورة انكشاف الخلاف، بل يرون أنفسهم موظفين بتأدية الواقع، فإثبات الإجزاء في باب الأمارات مشكل، و السر في ذلك عدم كون دليل حجيتها ذا لسان.

نعم ربما يقرب الحكومة في المقام و في باب حكومة أدلة الأمارات على الأصول بأن دليل‏

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 142.

39

حجيتها (من السيرة و بناء العقلاء) و إن لم يكن ذا لسان، لكنه يكون بحيث لو صيغ في قالب اللفظ كان لفظه شارحا و مفسرا، و يكفي مثل ذلك في الحكومة، ففي باب حجية الخبر و إن كان عمدة دليلها السيرة الممضاة بعدم الردع، و لكن لو جعل ذلك في قالب اللفظ كان لفظه عبارة عن مثل (ألق احتمال الخلاف)، فإن نظر العقلاء بها في الاعتماد عليها، بحيث يلقون بقيامها احتمال الخلاف و يرون الواقع منكشفا بها، و لأجل هذا تقدم على الأصول و يقال: إنه من باب الحكومة، و هذا اللسان أيضا حاكم على أدلة الأجزاء و الشرائط و الموانع، فيترتب عليه الإجزاء. (1)

إشكال آخر في الإجزاء و نقده‏

«أما الإشكال فهو أن حكومة الأحكام الظاهرية على الأحكام الواقعية حكومة ظاهرية يترتب عليها جواز ترتيب آثار الواقع في زمن الشك ما لم ينكشف الخلاف، و لا يعقل كونها حكومة واقعية موجبة لتعميم الواقع أو تضييقه حقيقة ...، و أما الجواب فهو أن الخطاب الواقعي و إن كان مطلقا غير مقيد بالعلم و الجهل و مقتضاه بطلان العمل الفاقد بحسب الواقع للشرط و الجزء، و لكن بعد ورود دليل حجية الاصول يجب رفع اليد عن إطلاق الحكم الواقعي و الحكم بسقوط الشرط و الجزء عن الشرطية و الجزئية في صورة الجهل و الشك. و لا يمكن ان يكون جعل الحكم الظاهري لغرض المعذرية فقط، إذ بعد انكشاف الخلاف في الوقت و إمكان إتيان المكلف بالعمل مطابقا للواقع لا وجه للمعذرية ...

... و بالجملة: اثر الحكم الظاهري و إن كان في سائر المقامات عبارة عن تنجيز الواقع في صورة الموافقة؛ و كونه معذرا بالنسبة إليه في صورة المخالفة؛ و لكن هذا فيما إذا لم يكن الواقع منجزا لو لا الجعل الظاهري، و أما في هذه الصورة فأثر الجعل الظاهري توسعة المأمور به و إسقاط

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 144.

40

الشرطية الواقعية و جعل فرد طولي لما هو المأمور به؛ و لازم ذلك حمل الواقع على الإنشائية المحضة. و بهذا البيان يظهر أن كيفية الجمع بين الحكمين في المقام تخالف كيفيته في سائر المقامات.»

أقول: لا يخفى أن المعذرية ليست أثرا للحكم الظاهري بنحو يكون جعله بلحاظها، إذ في موارد الجهل بالواقع و عدم تمامية الحجة عليه تكون المعذورية مستندة إلى عدم انكشاف الواقع و عدم تمامية الحجة بالنسبة إليه، لا إلى انكشاف الخلاف و قيام الحجة على خلاف الواقع، فلو فرض عدم قيامه الحجة على الخلاف أيضا كان المكلف معذورا لأجل الجهل بالواقع، و في موارد انكشاف الواقع و تمامية الحجة بالنسبة إليه كما في ما نحن فيه و إن كان جعل الحكم الظاهري المؤدّي إلى خلاف ما قامت عليه الحجة معذرا للعبد؛ و لكن لا مجال لجعله بلحاظ هذا الأثر، لاستلزام ذلك تفويت الغرض و الواقع بلا جهة ملزمة، هذا.

و لكن جعل الحكم الظاهري في القسم الثاني بعد تحقق المصحح لجعله «من التسهيل و نحوه» يترتب عليه المعذرية أيضا؛ و هذا بخلاف جعله في القسم الأوّل، أعني صورة عدم تمامية الحجة بالنسبة إلى الواقع. فما ذكره سيدنا الأستاذ الأكبر- (مد ظلّه العالي)- من عدم كون المعذرية أثرا للحكم الظاهري «في هذا القسم» لعله أراد بذلك عدم كونها أثرا مصححا لجعله و هو كذلك؛ إلّا أنه يمكن أن يورد عليه أن المعذرية ليست أثرا مصححا في سائر الموارد أيضا؛ بل ليست أثرا للحكم الظاهري أصلا كما عرفت. (1)

الفائدة الثامنة: الترتب في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري‏

«نقل كلام المحقق الشيرازي في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري بنحو الترتب و نقده، و أن ما يجري في الضدين لا يجري هنا.

... هذا كله في ما يتعلق بالضدين، و أما ما نحن فيه، فلا يجري فيه هذا البيان، إذ الفعل المحرم واقعا إذا قامت الأمارة على وجوبه- مثلا- يلزم بناء

____________

(1)- نهاية الأصول، ص 147.

41

على الترتب، اجتماع الإرادة و الكراهة في نفس هذا الفعل، و ليس هناك فعلان يكون احدهما محكوما بحكم و الآخر بخلافه، و هذا بخلاف مسألة الضدين حيث عرفت أن متعلق كل من الطلبين أمر غير متعلق الآخر ...»

أقول: قد عرفت ان موضوع الحكم الظاهري يخالف موضوع الحكم الواقعي بحسب العنوان، و هذا يكفي في المقام، و جريان الترتب في المقام اولى من جريانه في مسئلة الضدين، إذ الأمر بالأهم قد تنجّز هناك و مع ذلك كان عدم تأثيره في نفس العبد مصححا للأمر بالمهمّ في رتبة عدم تاثيره، و فيما نحن فيه، الحكم الواقعي لم يبلغ مرتبة التنجّز و قد خاب و خسر عن تاثيره في نفس العبد فلم لا يصح إنشاء الأمر متعلقا بعنوان مجهول الحكم إذا كان مشتملا على المصلحة، مع ان ظرف الجهل ظرف عدم تأثير الحكم الواقعي فلم ينقدح في نفس المولى إرادة الانبعاث من قبله.

فان قلت: إن كانت صلاة الجمعة- مثلا- بحسب الواقع واجبة و أدّت الأمارة إلى حرمتها، يكون لازم ترتب الخطاب الظاهري على الواقعي الأمر بترك الجمعة إن لم يؤثر الأمر الواقعي، في نفس العبد حتى يأتي بها، و محصل ذلك، لزوم ترك الجمعة على فرض تركها و هذا طلب للحاصل.

قلت: الخطاب الظاهري لا يتعلق بعنوان ترك الجمعة، بل يتعلق بعنوان الجهل بالواقع، فلا محذور في البين، و هذا كما في الأحكام المتعلقة بذوات الأفعال، مع أن المكلف لا يخلو، اما أن يكون آتيا للفعل بحسب الواقع، او تاركا له، و الأوّل طلب الحاصل، و الثاني طلب المحال، و الجواب أن الطلب يتعلق بنفس عنوان الفعل لا بشرط الإتيان او الترك. فافهم.

و لو سلم ذلك، فنفرض الترتب فيما إذا كان هناك أمران تعلق الوجوب مثلا بحسب الواقع بأحدهما و بحسب الظاهر بالآخر كما في مثال الظهر و الجمعة فلا يرد محذور.

هذا كله بناء على كون القدرة شرطا في الفعلية، و أما إذا قيل بكونها شرطا للتنجز فقط، فالترتب في المسألة و في مسئلة الضدين، ترتب في التنجّز فقط، بمعنى أن تنجز المهمّ مثلا مشروط بعدم تنجز الأهم، و إلّا فكلاهما فعلي في عرض واحد من دون ترتب.

و لنا لإثبات هذا المعنى مشيا بديعا ليس المقام مقام ذكره. فافهم. (1)

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 452.

42

الفائدة التاسعة: تصوير المقدمة الداخلية

«محل البحث: المقدمة الداخلية و الإشكال في تصوير مقدمية الأجزاء للكلّ بأنّ المقدمية عبارة عن كون أحد الشيئين محتاجا إليه في وجود الآخر و لا يمكن ان يعتبر الاحتياج بين الشي‏ء و نفسه و أجزاء الشي‏ء ليست إلّا نفسه و دفع هذا الإشكال بما حاصله أن الجزء الذي يطلق عليه المقدمة هو الذي تألف منه و من غيره الكلّ، فالكلّ محتاج و الجزء محتاج إليه فتميز المحتاج من المحتاج إليه.»

أقول: يمكن أن يقال: إن الغائلة بعد باقية، فان التكبير مثلا- على هذا- مقدمة و محتاج اليه، و كذا القراءة و الركوع و ساير الأجزاء إلى التسليم و حينئذ فاين المحتاج؟ و بعبارة اخرى المصلّي من أول صلاته إلى آخرها مشغول بإيجاد المقدمات فمتى اشتغل بإيجاد ذيها؟ (1)

الفائدة العاشرة: [الشرط المتقدم أو المتأخّر]

إمكان الشرط المتقدم او المتأخّر

«محل البحث: تصوير إمكان الشرط المتأخر و أن من أحكام العلة التامة و أجزائها تقدمها على المعلول رتبة و تقارنها معه زمانا و عدم إمكان تقدمها او تأخرها عن المعلول زمانا و أما الشرط مثلا فايّ دليل على عدم جواز تقدمه او تأخره زمانا؟ ...»

لقائل أن يقول: إن الشرط لما كان مؤثرا في القابلية كان هو بالنسبة إلى وجود القابلية كالعلة التامة، فيجب تقارنهما زمانا، و على هذا فلا يمكن كون الشرط الذي هو جزء من اجزاء العلة التامة متأخرا في الوجود عن معلولها؛ إذ القابلية ما لم يتحقق لم تؤثّر العلة في وجود المعلول، بداهة تقدم القابلية على الفعلية. (2)

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 157.

(2)- نفس المصدر، ص 163.

43

إمكان الشرط المتقدم أو المتأخر و قياسه مع العلة الغائية التي كانت متأخرة عن معلولها

«... فان قلت: ليست العلة الغائية بوجودها الخارجي علة، بل بوجودها العلمي، و لذا لو تخيّل أحد ترتب غاية على فعله لأثّر هذا الخيال في صدور الفعل عنه و إن انكشف بعد حصوله أن الغاية المتخيلة لا تترتب عليه.

قلت: ليس العلم بالغاية بما هو علم بها مؤثرا في وجود الفعل، بل بما هو طريق اليها و مرآة لها ...»

يمكن أن يقال: إن العلم قد يكون تمام الموضوع لشي‏ء او لحكم، و لكن لا بما أنه صفة لذات العالم في قبال سائر الصفات النفسانية، بل بما أنه طريق إلى الواقع. مثال ذلك أن العلم بوجود السبع تمام الموضوع للخوف و الوحشة، فإنه يؤثر في الخوف و إن كان الواقع عدم وجود السبع، و لكن تأثير هذا العلم في نفس الخائف ليس بما أنه علم و صفة كمال من صفات النفس، بل بما أنه مرآة للواقع و هو وجود السبع.

و على هذا فيمكن القول بأن العلم في العلة الغائية أيضا من هذا القبيل لكفايته في وجود المعلول، و إن ظهر بعد ذلك عدم ترتبها على الفعل. (1)

تصوير الشرط المتقدم للتكليف‏

«محل البحث: تصوير إمكان الشرط المتقدم للتكليف على فرض تسليم لزوم تقارن الشرط مع المشروط ... فالحق في كلّ ما توهم شرطيّتها للتكليف أنها ليست بشرائط وجوده، بل إنها من قيود الموضوع في قضية من احكام العقل، يكون موضوعها التكليف، و محمولها الإمكان، بمعنى أن العقل يحكم بأن التكليف الصادر عن المولى متعلقا بالمكلف المميز القادر ممكن، و غير هذا القسم من التكليف غير ممكن، فالقدرة و التميز ليسا من شرائط وجود التكليف، بل من شرائط إمكانه الذي هو من الاعتبارات العقلية»

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 164.

44

لقائل أن يقول: إنا لا نتعقل دخالة مثل القدرة و أمثالها في إمكان التكليف فإن التكليف بذاته موضوع لحكم العقل عليه بالإمكان الذاتي، لا أنه يكون ممتنعا ذاتا إلّا في حال تحقق الشرائط المذكورة. نعم، يمكن أن يقال: بعدم تمشّي إرادة البعث من الآمر العاقل، فيما إذا لم توجد شرائط التكليف، و لكن أين هذا من الامتناع الذاتي؟ فإن المجنون مثلا يمكن أن يأمر جدا مع عدم قدرة المكلف.

اللّهم الّا أن يقال: إن المجنون أيضا يتخيل قدرة المكلف و يأمره؛ لا أنه يلتفت إلى عدم القدرة و مع ذلك يأمر. و الأولى أن يبدل كلمة الإمكان بالحسن، بأن يقال: إن العقل لا يحكم بحسن التكليف إلا إذا كان المكلف قادرا مثلا، فمثل القدرة قيد للموضوع في قضية من محكومات العقل؛ يكون موضوعها التكليف و محمولها الحسن.

ثم أعلم: أنّ ما ذكره سيدنا الأستاذ الأكبر- (مد ظلّه)- إنما هو في الشرائط العقلية للتكليف، لعدم جريانه في الشرائط الشرعية الثابتة له، كالاستطاعة في الحج مثلا؛ فإنها ليست دخيلة في إمكان التكليف بالحج. (1)

الفائدة الحادية عشرة: [الواجب النفسي و الغيري‏]

الواجب النفسي و الغيري‏

«تصوير الواجب النفسي و الغيري و أنهما فيما إذا كان هناك فعلين مستقلين اختياريين توقف أحدهما على الآخر و قد تعلق بأحدهما وجوب نفسي و بالآخر وجوب غيري ... و المسببات في الأفعال التوليدية، و إن كانت وجوداتها مغايرة لوجود الأسباب؛ و لكن لما كان صدورها عن المكلف بعين إرادة الأسباب و إصدارها، فلا محالة لا يتصور فيها وجوبان، مثلا حركة المفتاح و ان كانت مغايرة لحركة اليد في الوجود، و لكن لما كان صدورهما عن الفاعل بإيجاد واحد لم يكن مورد لتعلق أمرين، حتى يكون أحدهما نفسيا و الآخر ترشحيا ...»

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 165.

45

أقول: هذا مخالف لما ذكره سيدنا الأستاذ العلّامة- (مد ظلّه)- سابقا من أن تعدد وجود حركة اليد و المفتاح يستلزم تعدد الإيجاد أيضا، إذا الوجود عين الإيجاد، غاية الأمر أنه إن نسب إلى الفاعل سمي إيجادا، و إن نسب الى القابل سمي وجودا. ثم إنه لو سلم إمكان وجود فعلين بإصدار واحد فيمكن أن يقال: إنه لا بأس بأن يكون كل من السبب و المسبب متعلقا لوجوب يخصّه، غاية الأمر أن المكلف لا يقدر على تفكيكهما، بل إما أن يختار امتثالهما أو يختار مخالفتهما؛ و لا يشترط في اختيارية العمل أن تتعلق به إرادة مستقلة، بل الملاك في اختياريته أن يكون المكلف قادرا على كل من الفعل و الترك و هاهنا كذلك. فتأمل. (1)

«الإشكال في عبادية الطهارات الثلاث قبل دخول اوقات غاياتها، بتقريب أنا إذا قلنا بعدم الاحتياج في عباديتها إلى الأمر الغيري و أنه يكفي في ذلك إتيانها بداعي الأمر النفسي؛ من جهة أن الأمر كما يدعوا إلى اتيان المتعلق فكذلك يدعو إلى اتيان مقدماته، فحيث إن المفروض فيما نحن فيه عدم تحقق الأمر النفسي بعد فكيف يصير الأمر المعدوم داعيا؟ و ليس للأمر المعدوم امتثال حتى يقال: إن المقدمة واقعة في طريقه.»

أقول: ليس الأمر بوجوده الخارجي داعيا بل بوجوده العلمي فيمكن داعوية العلم بالأمر المستقبل قبل تحققه من غير فرق في ذلك بين الأمر النفسي و الغيري. (2)

وجوب المقدمة و عدمه‏

«يستدل لوجوب المقدمة بأن وزان الإرادة التشريعية وزان الإرادة التكوينية، فكما أن الإرادة التكوينية إذا تعلقت بفعل تتولد منها إرادات اخر متعلقة بمقدماته ... فكذلك الإرادة التشريعية المتعلقة بصدور الفعل عن الغير تتولد منها إرادات اخر تشريعية ... و ردّ هذا الدليل بأن إرادة المولى صدور الفعل من العبد ليس صدوره بلا توسط ارادته- و إلّا كانت تكوينية- بل صدوره بإرادته و من هذه الإرادة تنقدح إرادة بعث العبد نحو الفعل و

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 182.

(2)- نفس المصدر، ص 189.

46

هذه الإرادة كافية في بعث العبد نحو المقدمات و لا يحتاج إلى إرادة بعث آخر نحوها ...»

أقول: لا يخفى أن تسمية اشتياق المولى صدور الفعل عن عبده بتوسيط إرادته بالإرادة لا تخلو عن مسامحة؛ لما هو المحقق في محله من الفرق البيّن بين الشوق «و أن كان مؤكدا» و بين الإرادة؛ فإن الإرادة حالة إجماعية للنفس لا تنفك من الفعل أبدا، بخلاف الشوق المؤكد فإنه مع كمال تأكده قد ينفك منه الفعل لوجود بعض الموانع. و ما ينقدح في نفس المولى بالنسبة إلى فعل العبد هو الشوق المؤكد ثم إرادة البعث دون إرادة الفعل، و إنما تنقدح إرادة الفعل في نفس الفاعل، و هي العلة لصدور الفعل عنه دون الشوق المؤكد المنقدح في نفسه أو نفس المولى، فإنه قد ينفك منه الفعل؛ و انفكاك المعلول من العلة محال. و ما قد يتعلق بأمر استقبالي فيظن كونه إرادة فإنما هو مصداق للشوق المؤكد و المحبة لا الإرادة، إذ الإرادة إنما هي الحالة المستعقبة للفعل بلا فصل بينهما، و عليك بالتأمل التام، حتى لا يختلط عليك الأمر، و تميز بين المحبة و الشوق و بين الإرادة. و ليعلم أيضا أنه من الاشتباهات الجارية على الألسنة جعل الكراهة في قبال الإرادة، مع أنها في قبال الشوق و المحبة. (1)

المقدمة الموصلة

«نقد ما استدلّ به على وجوب المقدمة الموصلة التي تتصور على وجهين:

الأوّل: أن يكون المتعلق للوجوب ذات ما يوجد من المقدمات في الخارج مصداقا للموصل لا بوصف الموصلية، بمعنى أن الشارع مثلا رأى أن المقدمات التي تحصل في الخارج على قسمين: بعض منها مما توصل إلى ذيها و يترتب هو عليها واقعا، و بعض منها مما لا توصل، فخصّ الوجوب بالقسم الأوّل، أعني ما يكون بالحمل الشائع مصداقا للموصل، فعلى هذا

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 202.

47

لا يكون عنوان الموصلية قيدا مأخوذا في الواجب، بنحو يجب تحصيله، بل تكون عنوانا مشيرا إلى ما هو واجب في الواقع.

الثاني: أن يكون المتعلق للوجوب عبارة عن المقدمة الموصلة مع وصف الإيصال، بحيث يكون قيد الإيصال أيضا مأخوذا في الواجب، بنحو يجب تحصيله، فإن كان مراد القائلين بوجوب المقدمة الموصلة فقط المعنى الأوّل (بأن يكون متعلق الوجوب ذات ما يوجد في الخارج مصداقا للموصل لا بوصف الإيصال)، فيرد عليه: أنّ هذا ليس تفصيلا جديدا في مسألة وجوب المقدمة، بل هو نفس التفصيل الذي ذكره بعضهم، أعني اختصاص الوجوب بالمقدمة السببية، فان المقدمة التي تكون موصلة في متن الواقع، و يترتب عليها ذو المقدمة لا تنطبق إلّا على المقدمة السببية.»

يمكن أن يقال: إنّ المقدمة التي يترتب عليها ذو المقدمة لا تنحصر في السبب، إذ الترتب لا يستلزم أن يكون المترتب عليه علة تامة للمترتب، بل الترتب عبارة عن وقوع شي‏ء عقيب شي‏ء آخر، فالمقدمة التي يترتب عليها ذو المقدمة، كما يمكن أن تكون سببا يمكن أيضا أن تكون شرطا أو معدّا وجد بعده ذو المقدمة و لو بمعونة سائر المقدمات، فإن الشروط مثلا بحسب الواقع على قسمين: بعضها مما يوجد بعده المشروط؛ و بعضها مما لا يوجد المشروط بعده، و من عبّر بالمقدمة الموصلة فقد أراد مطلق الترتب لا خصوص العلة التامة. (1)

«و إن كان مرادهم المعنى الثاني، بأن يكون الواجب عبارة عن المقدمة المقيدة بوصف الإيصال؛ ففيه أنه يلزم على هذا أن يترشح من هذا الوجوب المقدمي وجوب مقدمي متعلق بذي المقدمة. فإن تحصيل قيد الإيصال لا يمكن إلّا بإتيان ذي المقدمة؛ و الالتزام بهذا المعنى مشكل جدا، فتدبر.»

أقول: بل يلزم ترشح وجوبين غيرييّن تعلق أحدهما بذي المقدمة و الآخر بذات المقدمة، فإن المطلق أعني الذات جزء للواجب الذي هو الذات المقيدة بالإيصال حسب الفرض. (2)

____________

(1)- نهاية الأصول، ص 194.

(2)- نفس المصدر، ص 195.

48

هل الواجب مطلق المقدمة أو ما قصد به التوصل أو خصوص الموصلة؟

أقول: و لبعض أعاظم المحققين في هذا المقام بيان في إثبات اعتبار قصد التوصل في وقوع المقدمة على صفة الوجوب، و لا بأس بالإشارة إليه مع ما فيه فنقول: قد أسس المحقق المزبور بنيان كلامه على مقدمتين:

الأولى أنّ الجهات التعليلية في الأحكام العقلية كلها راجعة إلى الحيثيات التقييدية؛ فالواجب في باب المقدمات بحسب الحقيقة هو التوصل إلى ذي المقدمة لأنّه الملاك لوجوب المقدمة، و قد قلنا: إن الوجوب في الوجوبات العقلية للجهات بحسب الحقيقة. الثانية أن كل حكم من الأحكام إنما يتعلق في الحقيقة بما يقع من الطبيعة معلولا للإرادة، لا بمطلق الطبيعة، إذ هو جامع لما يقع منها بالإرادة و لما ليس كذلك؛ و التكليف بالنسبة إلى ما لا يقع منها بالإرادة تكليف بأمر غير اختياري. ففيما نحن فيه بعد ما ثبت في المقدمة الأولى أنّ الوجوب بحسب الحقيقة يتعلق بالتوصل، نضيف إليه هنا أنه يتعلق بالتوصل المعلول للإرادة و القصد، فثبت المطلوب. هذا ملخص كلامه.

أقول: و في المقدمة الثانية نظر، إذ الميزان في اختيارية الفعل و مقدوريته كون الفاعل بحيث إن أراده فعله و إن لم يرده لم يفعله؛ و صدق الشرطية لا يستلزم صدق الطرفين و إلّا لما كان عدم الممكنات مقدورا للحق تعالى،

هذا مضافا إلى أن التكليف إنما يتعلق بالطبيعة المهملة الجامعة لما يوجد منها بالإرادة و لما ليس كذلك، و الجامع بين الاختياري و غير الاختياري اختياري بالضرورة، كما هو واضح.

ثم إن ما ذكره «من أن الملاك لوجوب المقدمة هو التوصل بها إلى ذي المقدمة» أمر قد اختاره في قبال المحقق الخراساني فإنه قال في كفايته: «إن الملاك لوجوب كل مقدمة و الغرض منه هو التمكن من ذي المقدمة بالنسبة إلى هذه المقدمة» و قد ردّ عليه هذا المحقق بأن التمكن من ذي المقدمة ليس معلولا لوجود المقدمة، بل معلول للتمكن منها، و لنا في هذا الأمر أيضا إشكال لا مجال لذكره فتدبّر. (1)

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 193.

49

الواجب المعلق‏

«تصوير الواجب المعلق و أقسامه، و أن الوجوب في الواجب المعلق مطلق و الواجب مشروط ...

و من هذا القبيل أيضا الواجب الذي توقف حصوله على أمر مقدور للمكلف، و لكن لم يمكن تعلق التكليف بهذا الأمر المقدور من جهة كونه محرما شرعيا ...»

أقول: تخصيص هذا القسم بالمقدمات المحرمة بلا وجه؛ لإمكان أن يكون الوجوب الحالي متعلقا بأمر توقف حصوله على أمر مقدور للمكلف، و لكن أخذ على نحو لا يتعلق التكليف بهذه المقدمة. فالوجوب في هذا القسم أيضا مشروط بأمر انتزاعي حالي، و هو كون المكلف بحيث تتحقق له هذه المقدمة حال كونه واجدا لشرائط التكليف حين تحققها له، و هذا مثل أن يقول المولى للعبد: إن كنت ممن يحصل له الاستطاعة في المستقبل فالآن يجب عليك الحج و حينئذ يجب تحصيل المقدمات الوجودية غير المعلق عليه، إن كان يعلم بحصوله في ظرفه. (1)

الفائدة الثانية عشرة: الواجب الكفائي و العيني‏

«يبحث عن تصوير الواجب الكفائي و أنه هل الفرق بينه و بين الواجب العيني يرجع إلى المكلف او إلى المكلف به؟» (2)

و قد ناسب هنا أن نتعرّض إجمالا لماهيّة الوجوب الكفائي، و الفرق بينه و بين العيني و ما يقتضيه الإطلاق منهما ليتّضح حكم المقام أيضا، فنقول: قال في الكفاية:

«و التحقيق أنّه سنخ من الوجوب و له تعلّق بكلّ واحد بحيث لو أخلّ بامتثاله الكلّ لعوقبوا على مخالفته جميعا، و إن سقط عنهم لو أتى به بعضهم.» (3)

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 178.

(2)- راجع ولاية الفقيه، ج 2، ص 222.

(3)- كفاية الأصول، ج 1، ص 228.

50

أقول: لا يخفى أنّ ما ذكره- قده- تعريف له بلحاظ الخاصّة و الأثر لا بلحاظ الماهيّة.

و قال في موضع آخر:

«قضيّة إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسيا تعيينيا عينيا، لكون كلّ واحد ممّا يقابلها يكون فيه تقيّد الوجوب و تضيّق دائرته، فإذا كان في مقام البيان و لم ينصب قرينة عليه فالحكمة تقتضي كونه مطلقا، وجب هناك شي‏ء آخر أو لا، أتي بشي‏ء آخر أو لا، أتى به آخر أو لا.» (1)

و ظاهر هذا الكلام أنّ العيني و الكفائي بعد اشتراكهما في توجّه الخطاب إلى الجميع يفترقان بأنّ الوجوب في العيني مطلق و في الكفائي مشروط بعدم إتيان الغير، فإن أتى به البعض لم يجب على الآخرين، و إن لم يأت به أحد وجب على الجميع لوجود شرطه في الجميع.

و قال السيّد الأستاذ آية اللّه العظمى البروجردي- طاب ثراه- ما محصّله بتوضيح منّا:

«إنّ الفرق بينهما عند القوم يكون في ناحية المكلّف، بتقريب أنّ المكلّف في العيني هو جميع الأفراد بنحو العموم الاستغراقي، فيكون كلّ فرد مكلّفا بالاستقلال. و أمّا في الكفائي فعند البعض هو المجموع من حيث المجموع، و عند آخرين أحد الأفراد.

و يرد على الأوّل أنّ المجموع من حيث المجموع، أمر اعتباري لا حقيقة له، فلا يتصوّر تكليفه، و على الثاني أنّ أحد الأفراد إن أريد مفهومه ففيه أنّه غير قابل للتكليف، و إن أريد به مصداقه أعني الفرد المردد خارجا ففيه أنّه لا خارجية له حتى يتوجّه إليه البعث.

فالتحقيق أن الوجوب له ثلاث إضافات: إضافة إلى الطالب، و إضافة إلى المطلوب، و إضافة إلى المطلوب منه. و الفرق بين العيني و الكفائي ليس في المكلف و المطلوب منه كما يظهر من القوم، و لا في إطلاق الوجوب و اشتراطه كما في الكفاية. بل الفرق بينهما بعد اشتراكهما في كون كلّ فرد مكلّفا مستقلا إنّما يكون في‏

____________

(1)- كفاية الأصول، ج 1، ص 116.

51

المطلوب و المكلّف به. فالمطلوب في الوجوب الكفائي هو نفس طبيعة الفعل بإطلاقها الذاتي، و في العيني طبيعة الفعل بقيد صدورها من هذا الفاعل الخاصّ.

و السرّ في ذلك أنّ الأوامر تابعة للمصالح و الأغراض، فإن كانت المصلحة في صدور الفعل عن كلّ واحد من المكلّفين بحيث تترتّب المصلحة على الفعل بقيد صدوره عن الفاعل الخاصّ كما في الأمر الصلاتي حيث إنّ تكامل الشخص و ارتداعه عن الفحشاء و المنكر يترتبان على صلاة نفسه فحينئذ يكون الوجوب عينيا.

و إن كانت المصلحة في مجرد تحقق طبيعة الفعل في الخارج من غير دخالة لصدورها عن فاعل خاصّ كما في دفن الميت و تجهيزه فحينئذ يتعلّق التكليف بنفس الطبيعة بإطلاقها الذاتي و يكون الواجب كفائيا، إذ تقييدها بقيد صدورها من الشخص يكون جزافا.

و حيث إنّ كلّ واحد من المكلفين قادر على تحصيل هذه الطبيعة المطلقة أمر المولى كلّ واحد منهم بذلك. فإذا حصلت في الخارج سقط جميع الأوامر قهرا بحصول متعلّقها، و إن عصى الجميع عوقبوا جميعا.

و الحاصل أنّ الفرق بين العيني و الكفائي لا يرجع إلى المكلّف، بل إلى المكلّف به. و المكلّف به في الكفائي مطلق الطبيعة، و في العيني الطبيعة بقيد صدورها من الفاعل الخاصّ.

و على هذا فإطلاق المتعلّق يقتضي الكفائية. نعم، لا ننكر أنّ توجه الخطاب و التكليف يوجب الانصراف إلى العينية، فتدبر.»

انتهى ما أردنا نقله من كلام السيد الأستاذ- (قدّس سرّه)- و إن شئت التفصيل فراجع ما قرّرناه من أبحاثه في كتاب نهاية الأصول المطبوع سابقا. (1)

و الظاهر أنّ ما ذكره حقّ لا مرية فيه.

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 228 الى 230.

52

نعم، ما ذكره من عدم إمكان توجّه التكليف إلى المجموع من حيث المجموع قابل للخدشة، إذ الظاهر أنّ الواجبات الاجتماعيّة و الحدود الإلهية كلّها وضعت على عاتق المجتمع بنحو العام المجموعي، غاية الأمر أنّ المتصدي لامتثالها هو قيّم المجتمع و ممثله، أعني الإمام و الحاكم كما فصّلنا في بعض المباحث السابقة.

و لكن الظاهر أنّ الواجبات الكفائيّة ليست من هذا القبيل، فتأمل. إذ من الممكن إرجاع الواجبات الاجتماعيّة أيضا إلى الكفائيّة، و إن كان الواجب مباشرة الإمام و عمّاله لتنفيذها.

فالواجب على الأمّة كفاية هو تحصيل الحكومة و تأييدها و مساعدتها، و الواجب على الحاكم تنفيذ الواجبات الاجتماعيّة كإجراء الحدود و نحوها، فتدبّر. (1)

الفائدة الثالثة عشرة: الأمر بالشي‏ء و النهي عن ضده‏

«يبحث عن أن الأمر بالشي‏ء هل يقتضي النهي عن ضده؟

و أن نفس التضاد لا يوجب مقدمية عدم أحد الضدين لوجود الآخر، أو مقدمية وجود أحدهما لعدم الآخر، بل يوجب استحالة اجتماعهما في موضوع واحد فقط من دون تمانع بينهما من جهة الضدية.

... نعم يمكن أن يكون وجود العلة التامة لأحد الضدين مانعا عن وجود الآخر، كما إذا كان هنا شي‏ء واحد فأراد رجل سكونه و الآخر تحريكه، فتأمل.»

و لا يتوهم أن عدم أحدهما عند وجود العلة التامة للآخر يكون مستندا إلى وجود الآخر، لا إلى وجود علته؛ ضرورة بطلان ذلك من جهة أنه يكفي في هذا العدم وجود العلة للضد الآخر، سواء وجد نفس الضد أم لم يوجد، بأن صارت علته مزاحمة بعلة الآخر و كانتا متكافئتين.» (2)

____________

(1)- ولاية الفقيه، ج 2، ص 222 إلى 224.

(2)- نهاية الاصول، ص 211.

53

الفائدة الرابعة عشرة: [الترتب‏]

الأمر بالضدين بنحو الترتب‏

«يبحث عن تصوير الأمر بالضدين بنحو الترتب؛ و أن وجود البعثين المتعلق كل واحد منهما بواحد من الضدين في عرض واحد محال، و أما وجودهما لا في عرض واحد، بل في رتبة عصيان الأمر المتعلق بأحدهما فلا استحالة فيه لعدم المزاحمة في مقام التأثير؛ و هذا مثل الأمر بالأهم مطلقا و الأمر بالمهم في رتبة عصيان الأهم و عدم تأثيره في نفس المكلف ... فالأمر بالأهم رتبته قبل العصيان و الأمر بالمهم رتبته متأخرة عنه لكونه موضوعا له و رتبة الحكم متأخرة عن رتبة الموضوع بالضرورة و حينئذ فلا توجد بينهما مزاحمة اصلا، كما هو واضح لا سترة عليه.» (1)

ليس المصحح للأمر بالمهم في ظرف عصيان الأهم ما ذكروه من إختلاف الرتبة؛ فإن الأمر بالأهم و إن لم يكن له إطلاق لحاظي بالنسبة إلى حال عصيانه (كما لا إطلاق له بالنسبة إلى حال إطاعته) لكن الإطلاق الذاتي موجود بمعنى أن الأمر بالأهم موجود للمكلف، سواء كان مطيعا أو عاصيا في متن الواقع، بداهة عدم تعقل الإهمال الثبوتي، كيف! و لو كان ما ذكروه من إختلاف الرتبة كافيا في تصحيح الأمر بالمهم «مشروطا بعصيان الأهم» لكان اللازم جواز الأمر بالمهم مشروطا باطاعة الأهم أيضا؛ ضرورة اشتراك العصيان و الإطاعة في أن الأمر ليس له إطلاق لحاظي بالنسبة إليهما، و له إطلاق ذاتي بالنسبة إلى كليهما.

فإن قلت: الأمر ثابت للمكلف بما هو إنسان اجتمعت فيه شرائط التكليف لا بما هو مطيع أو عاص أو بما هو مطيع و عاص، و بعبارة اخرى: الأمر و إن كان ثابتا للمكلف، سواء كان مطيعا أو عاصيا، لكنه ليس بما هو مطيع أو عاص، و حينئذ فليس للأمر بالنسبة إلى عنواني الإطاعة و العصيان إطلاق و لا تقييد.

قلت: ليس معنى إطلاق الحكم بالنسبة إلى عنوان، سراية الحكم إلى هذا العنوان، بحيث‏

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 221.

54

يصير هذا العنوان جزءا لموضوع الحكم، و إلّا فلا نجد نحن مثالا للمطلق، ضرورة أن قوله:

«أعتق رقبة» مثلا من أمثلة المطلقات من جهة إطلاق الرقبة بالنسبة إلى المؤمنة و الكافرة، مع أنه ليس معنى الإطلاق فيها أن عنوان الكفر أو الإيمان له دخالة في الحكم، بحيث تصير المؤمنة بما هي مؤمنة، أو الكافرة بما هي كافرة موضوعا للحكم، بل معنى الإطلاق فيها هو أن الرقبة بما هي رقبة تمام الموضوع، و لازم ذلك سريان الحكم بسريانه الذاتي، و سيأتي تفصيل ذلك في مبحث المطلق و المقيد.

و بالجملة: ليس الملاك في تصحيح الأمر بالمهم ما ذكروه من إختلاف الرتبة، بل الملاك فيه هو وجود الأمرين بنحو لا يتزاحمان في مقام التأثير، و بيان ذلك هو ما ذكره سيدنا العلامة الأستاذ الأكبر- (مد ظلّه العالي)- و قد صرح بما ذكرنا هو- (مد ظلّه)- في مبحث الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري.

بيان آخر للترتب‏

ثم إن الأنسب أن نعيد ما ذكره- (مد ظلّه)- في تصحيح الترتب ببيان آخر لعلك تطّلع على ما هو الحق، فنقول:

لا إشكال في أن التكليف بالمحال بنفسه محال، فإن التكليف الحقيقي إنما يصدر عن المولى بداعي انبعاث المكلف و تحركه نحو متعلقه، فإذا كان المتعلق أمرا محالا لا يتمكن المكلف من إيجاده فكيف ينقدح في نفس المولى الملتفت إرادة البعث و التحريك نحوه، و المراد من التكليف بالمحال هو أن يكون المتعلق للتكليف أمرا يستحيل صدوره عن المكلف، و ذلك مثل أن يأمر المولى عبده بالطيران إلى السماء، بلا وسيلة، أو بالجمع بين الضدين مثلا، هذا إذا كان نفس ما تعلق به التكليف من المحالات.

و أما إذا كان لنا أمران مستقلان تعلق أحدهما بأحد الضدين و الاخر بالضد الآخر مع عدم سعة الزمان المقدر لهما إلّا لأحدهما، فصدور هذين التكليفين عن المولى أيضا من المحالات، و لكن لا من جهة لزوم التكليف بالمحال، إذ المتعلق لكل واحد من التكليفين أمر ممكن، و الجمع بين المتعلقين و إن كان محالا، لكن التكليف لم يتعلق به، و مجموع التكليفين ليس‏

55

مصداقا للتكليف، حتى يقال بتعلقه بالجمع بين الضدين، إذ كل فرد مصداق للطبيعة مستقلا و ليس الفردان بما هما فردان مصداقا واحدا. و بالجملة استحالة هذين التكليفين ليست من هذه الجهة، بل من جهة تزاحمهما في مقام التأثير، و مقام إيجاد الداعي في نفس المكلف، فإن كل واحد من الضدين و إن كان بحياله أمرا ممكنا يمكن أن ينبعث المكلف نحوه، و لكن انبعاثه نحو هذا الضد مستقلا و نحو ذلك الضد أيضا مستقلا في زمان لا يسع إلّا واحدا منهما لمّا كان من المحالات، كان صدور الطلب من قبل المولى متعلقا بهذا الضد بداعي الانبعاث و متعلقا بذاك الضد أيضا بداعي الانبعاث من المحالات؛ و ذلك من جهة امتناع أن تنقدح في نفسه الإرادة بالنسبة إلى كلا البعثين، مع التفاته إلى أن العبد لا يتمكن إلّا من الانبعاث من واحد منهما.

و الحاصل: أن استحالة صدور هذين البعثين، إنما هي من جهة أنهما يصدران بداعي الانبعاث، و لما كان الانبعاث من كليهما محالا كان وجودهما أيضا من قبل المولى محالا، هذا إذا فرض البعثان متزاحمين في مقام التأثير و الداعوية، و أما إذا لم يكونا متزاحمين في مقام التأثير، بأن لم يكونا في عرض واحد، بل كان أحدهما ثابتا في رتبة عدم تأثير الآخر و رتبة خلو الظرف عن المزاحم، فلا وجه حينئذ لاستحالتهما، فإن المكلف في رتبة عصيانه للأمر المتعلق بالأهم و رتبة عدم تأثيره في نفسه يكون متمكنا من إيجاد المهم، فلا محالة تنقدح في نفس المولى في هذه الرتبة إرادة البعث نحوه، إذ الفعل مقدور للمكلف، و الزمان أيضا في هذه الرتبة خال من الفعل، بحيث لو لم يشغله المهم لكان خاليا من الأهم و المهم كليهما. و حينئذ فأي مانع من انقداح الإرادة في نفس المولى في هذه الرتبة؟ لا و اللّه لا مانع في البين، و المقتضي أيضا موجود من جهة تمامية الملاك في المهم، فتدبر. و لعمري صحة الترتب (بالبيان الذي ذكره سيدنا الأستاذ- (مد ظلّه العالي)- و قررناه ثانيا بهذا البيان) في غاية الوضوح و البداهة، فاغتنم و لا تكن من الجاهلين.

هذا كله بناء على كون القدرة شرطا للفعلية، و أما بناء على كونها شرطا للتّنجز فقط فكلا التكليفين فعليان في عرض واحد، بلا ترتب في البين، غاية الأمر أن تنجّز المهم عقلا مترتب على عصيان الأهم، و هذا هو الأقوى؛ و عليه فيكون الترتب بين التكليفين في مرحلة التنجّز، و بيانه يحتاج إلى تفصيل لا يسعه المقام. (1)

____________

(1)- نهاية الأصول، ص 221 و 222.

56

كلام الشيخ في الترتب‏

«محل البحث: بيان كلام الشيخ حيث قال: لو قيل بالسببية في باب حجية الخبر لكان الخبران المتعارضان من قبيل المتزاحمين و لازم ذلك عدم سقوطهما رأسا بل يتقيد إطلاق كل منهما بعدم الآخر. و نقده بعض الأعاظم بأن هذا التزام بترتبين مع أن الشيخ ممن ينكر الترتب. و ليس مراد الشيخ تقييد كل من الخطابين بعصيان الآخر بما هو عصيان، حتى يلزم الترتب ...»

أقول: و لا يخفى أن ترتب كل منهما على عصيان الآخر بما هو عصيان مستلزم للدور المضمر من الطرفين، فإن عنوان العصيان يتوقف على ثبوت الأمر، فثبوت الأمر ب «أ» مثلا يتوقف- على هذا الفرض- على عصيان «ب» المتوقف على الأمر به المتوقف على عصيان الأمر ب «أ» المتوقف على ثبوته، و كذا العكس، و هذا بخلاف العدم بما أنه عدم، لعدم توقفه على الأمر حتى يدور، فافهم. (1)

الفائدة الخامسة عشرة: [اجتماع الأمر و النهي‏]

اجتماع الأمر و النهي‏

«و يبحث عن أنه هل يجري النزاع على القول بتعلق الأحكام بالأفراد لا الطبائع أم لا؟ قد يتوهم أنه على هذا القول لا مجال للنزاع و لا بد من القول بالامتناع، و لكنه فاسد لأنّ تعدد الوجه إن كان مجديا في دفع الغائلة فيجدي و لو على القول بتعلق الأحكام بالأفراد و إن لم يكن مجديا فلا يجدي و لو قيل بتعلقها بالطبائع ...»

لا يخفى أن القائل بتعلق الحكم بالفرد لا يريد تعلقه بعنوان الفردية و بمفهومها، بل بما هو فرد بالحمل الشائع الصناعي، و على هذا فكونه فردا لهذا و فردا لذاك لا يوجب تعنونه بعنوانين، تعلق بأحدهما الأمر، و بالآخر النهي. (2)

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 224.

(2)- نفس المصدر، ص 254.

57

مقوّمات الحكم‏

«يبحث عن بيان مقوّمات الحكم و أن البعث و الزجر لهما اضافة إلى فعل المكلف في الخارج و لكنهما ليسا من عوارضه كيف؟ و لو كانا من عوارضه لم يعقل العصيان أبدا إذ وجود فعل المكلف يعني المأمور به في الخارج امتثال لا عصيان ...»

يمكن أن يقال: إن الحكم و إن كان لا بدّ في تحققه من إضافة ما إلى المكلف به، و لكن المراد بذلك هو المكلف به بوجوده الذهني لا الخارجي، فإن خارجيته موجبة لسقوط الحكم، كما سيصرّح به، فبيان نحو تعلقه بالموجود الخارجي أجنبي عما نحن فيه من بيان مقوّمات الحكم. (1)

اجتماع الأمر و النهي بتعدد الحيثية

«محل البحث: إثبات إمكان اجتماع الأمر و النهي بتعدد الحيثية و العنوان، فكما يمكن أن يجتمع عنوان المعلومية و المجهولية في ما إذا تعلق العلم بمجي‏ء عالم غدا و الجهل بمجي‏ء عادل فاتفق مجي‏ء عالم عادل فوجود هذا المجي‏ء من حيث أنه مجي‏ء العالم معلوم و من حيث أنه مجي‏ء العادل مجهول، فكذلك فيما نحن فيه ...»

و الحاصل أن وزان ما هو المتعلق بحسب الحقيقة للإرادة و البعث أو الكراهة و الزجر وزان المعلوم بالذات، و وزان مصداق المتعلق و وجوده الخارجي وزان المعلوم بالعرض، و في الأوّل لا يتوجه إشكال أصلا؛ إذ المتعلق بالذات هو نفس الحيثية الملحوظة، و الفرض أن الحيثية المتعلقة للبعث غير الحيثية المتعلقة للزجر، و في الثاني أيضا لا إشكال، فإن إضافة البعث و الزجر أو العلم و الجهل إلى الخارج ليست بنحو العروض بل هي نحو اضافة تعتبر بتبع تعلق هذه الأمور بالمتعلق بالذات.

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 257.

58

فإن قلت: فرق بين باب العلم و الجهل و بين ما نحن فيه، فإن البعث و الزجر إنما يصدران عن المولى، بداعي انبعاث العبد و انزجاره، فإذا اطّلع المولى على كون الحيثيتين متصادقتين فكيف يعقل أن تنقدح في نفسه الإرادة و الكراهة بالنسبة إليهما بإطلاقهما؛ فعلى هذا يجب عليه تقييد متعلق الأمر ليجمع بين الغرضين.

قلت: بعد كون المشتمل على المصلحة عبارة عن نفس الحيثية الصلاتية مثلا يصير تقييدها جزافا إذ الفرض عدم دخالة القيد في المصلحة. و بالجملة ليس للبعث أو الزجر التخطي عن دائرة ما اشتمل على المصلحة أو المفسدة، نعم، إن لم يكن إيجاد المحبوب مقدورا للعبد لم يكن للمولى الأمر به، و لكن الفرض كونه مقدورا لوجود المندوحة. (1)

تصوير آخر لاجتماع الأمر و النهي‏

«المحرّم المضطر إليه بسوء الاختيار إذا كان مقدمة لواجب أهم كالخروج من الأرض المغصوبة هل هو واجب لكونه مقدمة للتخلص من تلك الأرض كما قال به الشيخ أم لا؟.»

أقول: يظهر من مجموع كلام سيدنا الأستاذ- (مد ظلّه العالي)- أنه في أصل الكبرى موافق للشيخ (قدّس سرّه) و مخالفته معه في الصغرى فقط. بيان ذلك: أن المسألة المبحوث عنها هي حكم المحرم المضطر إليه بسوء الاختيار إذا كان مقدمة لواجب أهم، فاختار الشيخ كونه مأمورا به فقط، و اختار المحقق الخراساني عدم كونه مأمورا به، و لا منهيا عنه مع جريان حكم المعصية عليه، و يظهر من كلام سيدنا الأستاذ- (مد ظلّه)- أنه يوافق الشيخ في ذلك، و إنما يخالفه في مثال الخروج من جهة عدم كونه من صغريات المسألة، كما يظهر ذلك من قوله- (مد ظلّه)- في جواب كلام الشيخ: «إن قياس الخروج على شرب الخمر قياس مع الفارق، فإن شرب الخمر مقدمة لواجب أهم (أعني حفظ النفس)، و الخروج ليس مقدمة لواجب من جهة أن الموجود في باب التصرف في ملك الغير حكم واحد و هو الحرمة».

ثم اعلم أنه على فرض مقدمية الخروج للواجب ربما يقرب إلى الذهن قول صاحب‏

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 259.

59

الفصول، فإن المكلف قبل دخوله في أرض الغير كان متمكنا من ترك التصرف بأنحائه، كما كان متمكنا في أول الأمر من فعله كذلك بأن يدخل فيها، فإنه بدخوله فيها يتحقق منه جميع أنحائه، غاية الأمر كونه بالنسبة إلى نفس الدخول بلا واسطة، و بالنسبة إلى ما يستتبعه من مقدار الخروج أو البقاء توليديا مختارا بنفس اختيار سببه، فلمّا كان قبل الدخول متمكنا من أنحاء التصرف فعلا و تركا توجه إليه النهي عن الجميع، و لكن لا بعنوان الدخول أو البقاء أو الخروج، بل بعنوان التصرف في مال الغير، و قد وقع العصيان بالنسبة إلى الجميع بصرف الدخول، و أما بعده فلمّا كان يمكنه البقاء كما يمكنه الخروج صار الخروج بعنوانه في مقابل عنوان البقاء ذا مصلحة، فيأمر المولى بصرف المقدار المضطر إليه في الخروج، لا في البقاء و يخرج النهي حينئذ من الفعلية من جهة الاضطرار، فتدبر. (1)

المعاملة على الأعمال المحرّمة ليس من قبيل اجتماع الأمر و النهي‏

«محل البحث: هو أنّ حرمة المعاملة على الأعمال المحرّمة وضعيّة كانت او تكليفية فقط، و ان كان موضوعا فقهيا و لكنه لا يخلو من الإشارة إلى قواعد اصولية منها: ملاحظة النسبة بين أدلة وجوب الوفاء بالعقود و أدلة حرمة الأعمال المحرّمة.» (2)

قال في مصباح الفقاهة ما ملخّصة:

«أنّ محلّ الكلام في المسائل الآتية إنّما هو في الأعيان المحرّمة كالخمر و الخنزير و نحوهما. و أمّا الأعمال المحرمة كالزنا و النميمة و الكذب و الغيبة و نحوها فيكفي في فساد المعاملة عليها الأدلّة الدالّة على تحريمها إذ مقتضى وجوب الوفاء بالعقود وجوب الوفاء بالعقد الواقع عليها، و مقتضى أدلّة تحريمها وجوب صرف النفس عنها و إيقاف الحركة نحوها، فاجتماعهما في مرحلة الامتثال من المستحيلات العقليّة. و على أقل التقادير فإنّ أدلّة صحّة العقود و وجوب الوفاء بها مختصّة بحكم العرف بما إذا كان العمل سائغا في نفسه.

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 277.

(2)- المكاسب المحرمة، ج 1، ص 174.

60

و ربّما يظهر من كلام شيخنا الأستاذ في حكم الأجرة على الواجبات أنّ الوجه في ذلك هو عدم كون الأعمال المحرّمة من الأموال أو عدم إمكان تسليمها شرعا.

و بملاحظة ما تقدّم يظهر لك ما فيه، فإنّك قد عرفت أنّ صحة المعاملة عليها و وجوب الوفاء بها لا يجتمعان مع الحرمة النفسية سواء اعتبرنا الماليّة أو القدرة على التسليم في صحة العقد أم لم نعتبر شيئا من ذلك.» (1)

أقول: إن أراد أنّ مورد بحث فقهائنا (ره) الأعيان المحرّمة لا الأعمال فهذا ممنوع، إذ النوع الرابع من المكاسب المحرّمة التي تعرّضوا لها هي الأعمال المحرّمة كالغناء و النوح بالباطل و نحوهما، فراجع. و إن أراد عدم احتياج حرمة الاكتساب بها إلى البحث و الاستدلال لوضوح حرمة المعاملة بها فله وجه. و لكن مع ذلك لا غنى فيها عن البحث، إذ يمكن أن يتوهّم أحد أن مفاد أدلّة تحريمها هو التكليف، و مفاد دليل وجوب الوفاء هو الوضع أعني صحّة المعاملة.

و لكون العقد عنوانا طارئا فلعلّ اللازم تقديم حكمه على الأحكام الأوّليّة كما في سائر موارد تحكيم العناوين الثانويّة على العناوين الأوّليّة.

و مناقشته على ما استدلّ به أستاذه أيضا مدفوعة، إذ مضافا إلى حسن تكثير الدليل على الحكم أنّ ما استدلّ به أستاذه مقدّم بحسب الرتبة على ما استدلّ به، إذ البيع مبادلة مال بمال و مع فرض عدم الماليّة لشي‏ء و لو شرعا لا يبقى موضوع للمبادلة حتى يبحث عن صحّتها أو فسادها. (2)

____________

(1)- مصباح الفقاهة، ج 1، ص 24.

(2)- المكاسب المحرمة، ج 1، ص 174.

61

الفصل الثاني: النواهي‏

و هو يشتمل على فوائد:

62

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

63

الفائدة الاولى: [النهي في المعاملات هل يقتضي فسادها؟]

النهي في المعاملات‏

«النهي في المعاملات هل يقتضي فسادها؟ و يبحث عن أقسام النهي، و منها: أن يكون المتعلق للنهي التسبّب بهذا السبب إلى هذا المسبّب، من دون أن يتعلق النهي بنفس السبب أو المسبّب.»

يمكن أن يمثل له بالنهي عن تملك الزيادة بالبيع الربوي فإنّ نفس الإنشاء و كذا تملك الزيادة بمثل الهبة و نحوها لا محذور فيه، و إنما المحرم هو التسبّب بالبيع لتملك الزيادة. (1)

الصور الثلاث لتعلق النهي بالمعاملات‏

«محل البحث حرمة الاكتساب و أنها قد تكون تكليفية محضة و قد تكون وضعية و المراد منهما، و يبحث أيضا عن الصور الثلاث لتعلق النهي بالمعاملات، و عما هو الموضوع في الأحكام التكليفية هل هو أفعال المكلفين بشرط صدورها عن قصد، او قصود المكلفين، أو المركب من الفعل و القصد؟» (2)

لا يخفى أنّ حرمة الاكتساب قد تكون تكليفيّة محضة، و قد تكون وضعيّة فقط، و قد تكون تكليفيّة و وضعيّة معا. فالبيع وقت النداء يحرم تكليفا فقط. و إن شئت قلت: ليس البيع بما أنّه معاملة خاصّة حراما بل بما أنّه شاغل عن الجمعة، فيعمّ الحرمة كلّ فعل شاغل بما أنّه فعل.

و بيع ما لا ينتفع به، حرام وضعا فقط، و بيع الخمر حرام تكليفا و وضعا و كذلك المعاملة الربويّة.

____________

(1)- نهاية الاصول، ص 286.

(2)- المكاسب المحرمة، ج 1، ص 159.

64

ثمّ اعلم: أنّه حين إنشاء المعاملة يفرض هنا أمور:

الأوّل: السبب أعني القول أو الفعل الصادر بقصد الإنشاء.

الثاني: المسبّب المنشأ في عالم الاعتبار بنحو الجدّ.

الثالث: اعتبار العقلاء و الشرع لما اعتبره المتعاملان و أنشئاه.

الرابع: الآثار المترتبة خارجا من تسليم العوضين و التصرّف فيهما على أساس ما اعتبراه.

الخامس: قصد تحقّق المسبّب و قصد ترتّب الآثار المتحقّق في قلب المتعاقدين.

[الأقوال في موضوع الحرمة التكليفيّة]

فما هو موضوع الحرمة التكليفيّة من بين هذه الأمور الخمسة؟ في المسألة أقوال:

القول الأوّل: أن يكون الموضوع لها حقيقة المعاملة،

أعني النقل و الانتقال الجدّي بقصد ترتّب الآثار المحرّمة عليها.

و بعبارة اخرى: المحرّم هو المسبّب و لكن مقيّدا بقصد ترتّب الآثار المحرّمة عليه. و هو الظاهر من كلام المصنّف.

أقول: النقل و الانتقال في كلام المصنّف يحتمل بدوا أن يراد بهما إنشاء النقل و الانتقال، و أن يراد بهما حقيقة النقل و الانتقال الاعتبارية المتحقّقة بالإنشاء و القصد الجدّي، و أن يراد بهما النقل و الانتقال الخارجيان أعني الإقباض و القبض.

و لكن الظاهر منه إرادة الثاني، فيكون الحرام عنده تكليفا هو العقد المسبّبي أعني حقيقة النقل و الانتقال الجديّة الاعتباريّة مقيّدة بقصد ترتيب الآثار المحرّمة عليها، و علّل ذلك أخيرا بقوله: «لأنّ ظاهر أدلّة تحريم بيع مثل الخمر منصرف ...» يعني أنّه لو قصد الآثار المحلّلة لم تحرم المعاملة تكليفا بالحرمة الذاتيّة و إن كانت فاسدة بحسب الوضع فتحرم حينئذ إن أتي بها تشريعا. فلو باع الخمر لا بقصد الشرب بل بقصد التخليل أو التطيين بها مثلا أو بنحو الإطلاق لم يشمله دليل حرمة بيعها و إن حرم من باب التشريع.

نقد كلام الشيخ في المسألة

و يرد على ما ذكره أوّلا: ما أورده في مصباح الفقاهة و محصّله:

«أن تقييد دليل حرمة البيع بالقصد المذكور لا موجب له بعد إطلاق الدليل.

65

نعم لو كان الدليل لها الملازمة بين حرمة الشي‏ء و حرمة مقدّمته أو عموم دليل الإعانة على الإثم لتمّ ما ذكره في الجملة، لكن كلام الشيخ أعمّ من ذلك. و دعوى الانصراف المذكور جزافيّة. و نظير ذلك أن يدّعي انصراف أدلّة تحريم الزنا إلى ذات البعل مثلا. و الالتزام بمثل هذه الانصرافات يستدعي تأسيس فقه جديد.» (1)

و ثانيا: لو سلّم انصراف دليل التكليف إلى صورة القصد المذكور فلم لا يقال بانصراف دليل الوضع أيضا إلى هذه الصورة؟ و على هذا فلا تفسد المعاملة مع قصد المنافع المحلّلة العقلائيّة و إن كانت نادرة إذا كانت يرغب فيها. بل مرّت دلالة رواية تحف العقول على دوران حرمة المعاملة مدار الآثار المحرّمة، حيث علّل فيها حرمة بيع النجس و غيره بقوله: «لما فيه من الفساد» و صرّح فيها بحلّيّة الصنائع المشتملة على جهة الفساد و الصلاح معا. و في ذلك إشعار بحلّيّة المعاملة عليها أيضا إذا وقعت بقصد المنافع المحلّلة.

و عمدة الدليل على حرمة بيع المحرّمات و فساده هو الإجماع. و المتيقّن من موارده صورة القصد المذكور. و مقتضى ذلك جواز بيع الخمر للتخليل و الدّم للتزريق بالمرضى مثلا.

و الشيخ و أمثاله و إن حملوا لفظ الحرمة في الرواية على الحرمة التكليفيّة لكن نحن منعنا ذلك و قلنا باستعمال اللفظ في الأعم من التكليف و الوضع و أقمنا لذلك شواهد.

هذا مضافا إلى أنّ الشيخ (ره) لا يقول بجعل الأحكام الوضعيّة مستقلا بل بانتزاعها من الأحكام التكليفيّة (2). فإذا قال بانصراف التكليف في المقام إلى صورة القصد المذكور كان اللازم أن يقول بانصراف الوضع أيضا لأنّه فرعه.

و ثالثا: أنّ مقتضى كون الموضوع للحرمة التكليفية المسبّب أعني حقيقة النقل و الانتقال هو صحّة المسبّب و تحقّقه بإيجاد سببه، إذ الحرمة التكليفيّة تتعلّق بما هو تحت اختيار المكلّف.

فإن كان المسبّب يتحقّق بسبب إيجاد سببه كان مقدورا للمكلّف بالقدرة على سببه. و إن كان لا يتحقّق بذلك فلا يكون تحت اختياره حتى يحرم عليه.

و بعبارة اخرى: النهي عن حقيقة المعاملة يكشف عن صحّتها لو أوقعت و إلّا لم يكن‏

____________

(1)- مصباح الفقاهة، ج 1، ص 29.

(2)- راجع فرائد الأصول، ص 350.

66

معنى للنهي التحريمي عنها. و لكن المشهور القائلين بحرمة بيع الخمر و أمثالها قائلون بفساد المعاملة أيضا، فلا يمكن كون متعلّق النهي حقيقة المسبّب.

فإن قلت: صحّة المعاملة تتقوّم باعتبار المتعاملين لها جدّا مضافا إلى اعتبار العرف و الشرع لذلك. و ليس اعتبار العرف و الشرع تحت اختيار المكلّف حتى يتعلّق به التحريم، فالتحريم يتعلّق بالقسمة التي تكون تحت اختياره أعني النقل بقصد الجدّ مع قطع النظر عن إمضاء الشرع له.

قلت: هذا رجوع عن كون المتعلّق للحرمة حقيقة النقل و الانتقال، و مآله إلى كون المحرّم إنشاء المتعاملين أو المنشأ في اعتبارهما فقط.

نقد آخر لكلام الشيخ في المسألة

و رابعا: أنّ ما ذكره الشيخ أخيرا من أنّه لو قصد الأثر المحلّل تكون المعاملة محرّمة من حيث التشريع.

يرد عليه أوّلا: أنّ التشريع إنّما يصدق إذا أتي بالمعاملة بقصد أن يكون صحيحا في الشرع، و ليس كلّ من يقدم على معاملة فاسدة يريد إدخالها في الشرع، بل ربّما يريد التسلّط على العوض المأخوذ، صحيحة كانت المعاملة أو فاسدة.

و ثانيا: أنّ المحرّم في باب التشريع هو القصد الذي يتحقق في قلب المشرّع، و سراية الحرمة إلى العمل المشرّع فيه محلّ كلام. نظير ما قيل في التجري من عدم سراية المبغوضيّة و الحرمة إلى الفعل المتجرى به، فتأمّل.

القول الثاني: أن يكون الموضوع للحرمة التكليفيّة: حقيقة النقل و الانتقال‏

من دون تقييدها بقصد الأثر المحرّم.

قال في منية الطالب ما ملخّصه:

«ثمّ إنّ الحرمة المتعلّقة بالمعاملة عبارة عن حرمة تبديل المال أو المنفعة لا حرمة إنشاء المعاملة و لا حرمة آثارها كالتصرّف في الثمن أو المثمن، و لا قصد ترتّب الأثر عليها. و ذلك لأنّ نفس الإنشاء من حيث إنّه فعل من الأفعال و تلفّظ

67

بألفاظ لا وجه لأن يكون حراما. و هكذا قصد تحقّق المنشأ من حيث إنّه أمر قلبيّ.

و أمّا حرمة الآثار فهي مترتّبة على فساد المعاملة و حرمتها؛ لا أنّها هي المحرّمة ابتداء. فما يكون محرّما حقيقة هو نفس التبديل الذي اعتباره بيد مالكه لو لا نهي الشارع الذي هو مالك الملوك. و بعبارة اخرى: نفس المنشأ بالعقد هو المحرّم لا آلة الإيجاد و لا القصد و لا الآثار.» (1)

أقول: بيانه في الحقيقة تنقيح لكلام الشيخ بنحو لا يرد عليه ما مرّ من الإشكالات. و يظهر من قوله: «لو لا نهي الشّارع» أنّ مقصوده بالتبديل ليس حقيقة التبديل و التبدّل بل القسمة التي تكون بيد المتعاملين، و بعبارة اخرى: النقل و الانتقال اللولائي، فلا يرد عليه الإشكال الثالث أيضا. نعم يمكن أن يقال: إنّ المنشأ مع قطع النظر عن إمضاء الشرع لا واقعيّة له إلّا بواقعيّة الإنشاء. فمآل هذا القول و القول الرابع الذي يأتي عن الأستاذ الإمام إلى أمر واحد، فتأمّل.

القول الثالث: ما في حاشية المحقّق الإيرواني،

قال:

«بل معنى حرمة الاكتساب هو حرمة إنشاء النقل و الانتقال بقصد ترتيب أثر المعاملة أعني التسليم و التسلّم للمبيع و الثمن، فلو خلّي عن هذا القصد لم يتّصف الإنشاء الساذج بالحرمة. و أمّا قصد ترتيب المشتري للأثر المحرّم و صرف المبيع في الحرام فلا دليل على اعتباره. و دعوى انصراف مثل لا تبع الخمر إلى ما لو أراد بالبيع شرب المشتري لها مجازفة.» (2)

أقول: لو اقتصر على هذا الكلام أمكن توجيهه بأنّه لا يريد تقييد الإنشاء المحرّم شرعا بقصد التسليم و التسلّم حتى يورد عليه بعدم الدليل على هذا التقييد، بل يريد بيان أنّ الحرام هو الإنشاء عن جدّ في قبال الإنشاء الصوري. و علامة الجدّ أنّه يرضى بالتسليم عقيبه فذكر القصد المزبور لبيان كون الموضوع للحرمة الإنشاء الجدي كما في القول الرابع.

و لكنّه- (قدّس سرّه)- ذكر قبل ذلك ما يستفاد منه أنّ المحرّم في الحقيقة هو الإقباض و التسليم لا البيع. قال ما ملخّصه:

____________

(1)- منية الطالب، ج 1، ص 3.

(2)- حاشية المكاسب للمحقّق الإيرواني، ص 3.

68

«أنّ ظاهر الرواية التحريم بعنوان الإعانة، و عنوان الإعانة لا ينطبق على الإنشاء الساذج، بل الإعانة حاصلة بالتسليط و الإقباض للمبيع سواء أنشأ بيعها أم لم ينشأ، و كأنّ توصيف البيع بالإعانة لأجل ملازمتها العرفيّة للإقباض فيكون التحريم ملحقا أوّلا و بالذات بالتسليط و ثانيا و بالعرض بالبيع.» (1)

تقسيم آخر لتعلق النهي بالمعاملات‏

و ناقشه في مصباح الفقاهة و محصّلها:

«أنّ تقييد موضوع الحرمة بالتسليم و التسلّم إنّما يتمّ في الجملة لا في جميع البيوع المحرّمة. و تحقيقه: أنّ النواهي المتعلّقة بالمعاملات على ثلاثة أقسام:

الأوّل: أن يكون النهي عنها بلحاظ انطباق عنوان محرّم عليها كالنهي عن بيع السلاح لأعداء الدين عند حربهم مع المسلمين. فإنّه لانطباق عنوان تقوية الكفر عليه، و لذا يجوز بيع السلاح لهم إذا لم يفض إلى تقويتهم عليهم، و حرم نقل السلاح إليهم بغير البيع أيضا كالهبة و الإجارة و العارية إذا أفضى إلى ذلك.

و من هنا يتّضح أن بين عنوان بيع السّلاح منهم و بين تقوية الكفر و الإعانة عليه عموما من وجه.

الثاني: أن يتوجه النهي إلى المعاملة من جهة تعلقها بشي‏ء مبغوض ذاتا كالنهي عن بيع الخمر و الخنزير و الصليب و الصنم.

الثالث: أن يكون النهي عنها باعتبار ذات المعاملة لا المتعلّق كالنهي عن البيع وقت النداء إلى الجمعة و النهي عن بيع المصحف و المسلم من الكافر بناء على حرمة بيعهما منه.

إذا عرفت ذلك ظهر أنّ تقييد موضوع حرمة البيع بالتسليم و التسلّم إنّما يتمّ في القسم الأوّل فقط، إذ المحرّم فيه في الحقيقة هو تسليم المبيع لا أصل البيع. و أمّا في الثاني و الثالث فلا بدّ من الأخذ بإطلاق أدلّة التحريم. نعم لو كان دليلنا على‏

____________

(1)- نفس المصدر، ص 3.