محاضرات في أصول الفقه / تقريرات - ج4

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
425 /
3

الجزء الرابع‏

تتمة بحث الأوامر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

هل يجوز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه؟

لا يخفى ان شيخنا الأستاذ (قده) قد ذكر أن هذه المسألة باطلة من رأسها، و ليس فيها معنى معقول ليبحث عنه لا في القضايا الحقيقية التي كان الحكم فيها مجعولا للموضوع المفروض الوجود خارجاً و لا في القضايا الخارجية.

اما في الأولى فلما ذكرناه في بحث الواجب المشروط من ان الحكم في القضية الحقيقية مجعول للموضوع المقدر وجوده بجميع قيوده و شرائطه مثلا وجوب الحج في الآية المباركة «و للَّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» مجعول لعنوان المستطيع على نحو مفروض الوجود في الخارج.

و من الطبيعي ان فعلية مثل هذا الحكم مشروطة بفعلية موضوعه و وجوده خارجاً و يستحيل تخلفها عنه. و عليه فعلم الآمر بوجود الموضوع أو بعدم وجوده أجنبي عن فعلية الحكم بفعلية موضوعه و عدم فعليته بعدم فعلية موضوعه بالكلية، و ليس له أي دخل في ذلك، ضرورة ان الحكم في مثل هذه القضايا

4

لم يجعل من الأول لفاقد الشرط و الموضوع، مثلا وجوب الحج في المثال المزبور لم يجعل من الابتداء لفاقد الاستطاعة، فاذن لا معنى للنزاع في انه هل تعقل فعلية الحكم مع علم الحاكم بانتفاء فعلية موضوعه في الخارج أم لا، ضرورة ان علم الحاكم به أجنبي عن ذلك رأساً، فان الملاك في فعلية الحكم إنما هو فعلية موضوعه خارجاً و وجوده، ضرورة استحالة تخلفها عنه. و عليه فلا تعقل صحة توجيه هذا التكليف فعلا إلى فاقد الشرط و الموضوع، بداهة إن انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه عقلي، فعندئذ لو وجه إليه تكليف فهو لا محالة يكون تكليفاً آخر غير الأول، و هو خلاف مفروض الكلام.

و اما في الثانية (و هي القضايا الخارجية) فلان جعل الحكم فيها يدور مدار علم الحاكم بوجود شرائط الحكم، و اما وجود هذه الشرائط في الخارج أو عدم وجودها فيه أجنبي عنه رأساً و ليس له أي دخل فيه، فاذن لا معنى للبحث عن جوازه مع علمه بانتفاء تلك الشرائط خارجاً و عدم جوازه، ضرورة ان البحث على هذا الشكل أجنبي عما هو دخيل في هذا الحكم بالكلية، و عليه فلا معنى له أصلا كما لا يخفى.

و من هنا قال: ان ما ذكروه من الثمرة لتلك المسألة و هي وجوب الكفارة علي من أفطر في نهار شهر رمضان مع عدم تمامية شرائط الوجوب له إلى الليل ليست ثمرة لها، بل هي ثمرة مترتبة على مسألة فقهية و هي ان التكليف بالصوم هل ينحل إلى تكاليف متعددة بتعدد آنات اليوم، أو هو تكليف واحد مشروط بشرط متأخر و هو بقاؤه على شرائط الوجوب إلى الليل.

و ذكر المحقق صاحب الكفاية (قده) انه لا يجوز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه، و ان نسب ذلك إلى الأشاعرة حيث انهم يجوزون التكليف بالمحال، و لا يرون فيه قبحاً أصلا، و قد أفاد في وجه ذلك ما ملخصه: و هو ان الشرط

5

بما انه كان من اجزاء العلة التامة فيستحيل ان يوجد الشي‏ء بدونه، ضرورة استحالة وجود المعلول بدون وجود علته و المشروط بدون وجود شرطه، فان المركب ينحل بانحلال بعض اجزائه، و بما ان العلة التامة مركبة من المقتضى و الشرط و المانع فلا محالة تنتفي بانتفاء كل منها، و عليه فلا يعقل أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه إلا ان يكون المراد من لفظ الأمر الأمر ببعض مراتبه و هو مرتبة الإنشاء، و من الضمير الراجع إليه بعض مراتبه الاخر و هو المرتبة الفعلية، بان يكون النزاع في أن أمر الآمر يجوز إنشائه مع علمه بانتفاء شرط فعليته و عدم بلوغه تلك المرتبة، فاذن لا إشكال في جوازه بل في وقوع ذلك في الشرعيات و العرفيات، ضرورة ان الأمر الصوري إذا كان الداعي له الامتحان أو نحوه لا البعث و التحريك حقيقة واقع في العرف و الشرع، و لا مانع من وقوعه أصلا.

الّذي ينبغي ان يقال في هذه المسألة هو ان الكلام فيها مرة يقع في شرائط الجعل، و مرة أخرى في شرائط المجعول، لما ذكرناه من ان لكل حكم مرتبتين: مرتبة الجعل، و مرتبة المجعول.

اما الكلام في الأولى فلا شبهة في انتفاء الجعل بانتفاء شرطه، و ذلك لأن الجعل فعل اختياري للمولى كبقية أفعاله الاختيارية. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان كل فعل اختياري مسبوق بالمبادي النفسانيّة و هي الإرادة بمقدماتها من التصور و التصديق و نحوهما.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي انه لا يمكن جعل الحكم من المولى مع انتفاء شي‏ء من تلك المبادئ و المقدمات، ضرورة انه معلول لها و مشروط بها. و من الطبيعي استحالة وجود المعلول بدون وجود علته، و وجود المشروط بدون تحقق شرطه، و هذا من الواضحات الأولية و غير قابل لأن يكون ذلك محل البحث و الأنظار.

6

و من هنا يظهر ما في كلام صاحب الكفاية (قده) حيث جعل هذا محل الكلام و النزاع- هنا- و لأجل ذلك حكم بعدم الجواز. هذا من جانب. و من جانب آخر ان ما ذكره (قده) من الجواز فيما إذا لم يكن الأمر بداعي البعث و التحريك واقعاً بل كان بداعي الامتحان أو نحوه أيضاً خارج عن محل البحث، ضرورة ان محل البحث في الجواز و عدمه إنما هو في الأوامر الحقيقية التي يكون الداعي فيها البعث و التحريك نحو إيجاد متعلقاتها في الخارج حقيقة. أما في الأوامر الصورية التي ليس الداعي فيها البعث نحو إيجاد متعلقاتها في شي‏ء، بل الداعي لها الامتحان أو غيره فلا إشكال في جوازها مع علم الآمر بانتفاء شروط فعليتها، بل لا إشكال في وقوعها في العرف و الشرع كما هو ظاهر.

فالنتيجة انه لا مجال للنزاع في الأوامر التي لم يكن الداعي فيها وقوع متعلقاتها في الخارج، بل الداعي لها مجرد الامتحان أو الاستهزاء أو شي‏ء آخر كما انه لا مجال للنزاع في شرائط الجعل، و لكن في الأول من ناحية انه لا إشكال في جواز تلك الأوامر، بل في وقوعها خارجاً، و في الثاني من ناحية انه لا إشكال في عدم جوازه، بل في امتناعه مع انتفاء شرطه، كما عرفت.

و اما الكلام في الثانية و هي شرائط المجعول، فقد ذكرناه في بحث الواجب المطلق و المشروط ان كل شرط أخذ مفروض الوجود في مقام الجعل تستحيل فعلية الحكم بدون فعليته و وجوده في الخارج، لما ذكرناه هناك من ان فعلية الحكم في القضية الحقيقية تدور مدار فعلية موضوعه و وجوده و يستحيل تخلفها عنه- مثلا- وجوب الحج مشروط بوجود الاستطاعة بمقتضى الآية الكريمة: «و للَّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» فتستحيل فعليته بدون فعلية الاستطاعة في الخارج و كذا وجوب الزكاة مشروط ببلوغ المال حد النصاب، فإذا بلغ المال ذلك الحد تجب الزكاة عليه فعلا، و إلا فلا وجوب‏

7

لها أصلا، و وجوب الغسل مشروط بوجود الجنابة و وجوب الصوم مشروط بدخول شهر رمضان و وجوب الصلاة مشروط بدخول الوقت ... و هكذا، فهذه الأحكام جميعاً تدور فعليتها خارجاً مدار فعلية موضوعها و تحققه فيه.

و من هنا قلنا ان كل قضية حقيقية ترجع إلى قضية شرطية مقدمها وجود الموضوع و تاليها ثبوت الحكم له.

و على هذا الأصل فإذا علم الآمر بانتفاء شرط فعلية الحكم و انه لو جعل فلا يصير فعلياً أبداً من ناحية عدم تحقق موضوعه في الخارج فهل يجوز له جعله أم لا؟ قد يقال بعدم إمكانه، لأنه لغو محض فلا يصدر من الحكيم، و كذا الحال في القضية الخارجية فلا يجوز للمولى ان يأمر بزيارة الحسين (عليه السلام)- مثلا- على تقدير السفر إلى كربلاء مع علمه بأنه لا يسافر .. و هكذا.

و لكن الصحيح في المقام هو التفصيل بين ما إذا كان انتفاء الشرط مستنداً إلى نفس جعل الحكم و كان هو الموجب له، و ما إذا كان مستنداً إلى عدم قدرة المكلف أو إلى جهة أخرى. فعلى الأول لا مانع من جعله أصلا إذا كان الغرض منه عدم تحقق الشرط و الموضوع في الخارج من دون فرق بين ان يكون الجعل على نحو القضية الحقيقية أو الخارجية، كما إذا قال المولى لعبده أو الأب لابنه «ان كذبت- مثلا- فعليك دينار» مع علمه بان جعل وجوب الدينار عليه على تقدير كذبه موجب لعدم صدور الكذب منه، فيكون غرضه من جعله ذلك، و كما إذا فرض ان جعل الكفارات في الشريعة المقدسة على ارتكاب عدة من المحرمات يوجب عدم تحققها في الخارج، كوجوب القصاص المترتب على القتل الاختياري إذا فرض انه موجب لعدم تحقق القتل خارجاً، و وجوب الحد للزاني و قطع اليد للسارق و ما شاكل ذلك، إذا فرض ان جعل هذه الأمور أوجب عدم تحقق ما هو الموضوع و الشرط لها و هو الزنا في المثال الأول‏

8

و السرقة في المثال الثاني و نحوهما، و من المعلوم انه لا مانع من مثل هذا الجعل أصلا، بل هو مما تقتضيه المصلحة العامة كما في القضايا الحقيقية، و المصلحة الخاصة كما في القضايا الخارجية، ضرورة ان الغرض من جعل هذه الأمور هو عدم تحقق موضوعها في الخارج، فإذا فرض ان المولى علم بان جعلها يوجب عدم تحقق موضوعها فيه مطلقاً فهو أولى بالجعل مما لم يعلم المولى انه يوجبه.

فالنتيجة انه لا شبهة في إمكان ذلك، بل في وقوعه خارجا في العرف و الشرع. و على الثاني و هو ما إذا كان انتفاء الشرط من غير ناحية اقتضاء الجعل له فهو لغو محض فلا يصدر من المولى الحكيم مثل ان يأمر بركعتين من الصلاة- مثلا- على تقدير الصعود إلى السماء أو على تقدير اجتماع الضدين أو نحو ذلك، أو ان يأمر بوجوب الحج على تقدير الاستطاعة في الخارج مع علمه فرضاً بعدم تحققها فيه أصلا .. و هكذا، فانه لا شبهة في ان جعل مثل هذا الحكم لغو صرف فلا يترتب عليه أي أثر شرعي، و معه يستحيل صدوره منه.

و من هنا يظهر ان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من ان هذه المسألة باطلة من رأسها و ليس فيها معنى معقول ليبحث عنه لا يتم، و ذلك لأن النزاع في هذه المسألة لو كان في دخل علم الآمر بوجود الموضوع أو بعدم وجوده في فعلية الحكم و عدم فعليته لكان ما أفاده (قده) في غاية الصحة و المتانة، و ذلك لما عرفت من ان فعلية الحكم في القضايا الحقيقية تدور مدار فعلية موضوعه و تحققه في الخارج، و لا دخل لعلم الآمر بوجوده أو بعدمه في ذلك أصلا، فاذن لا معنى للنزاع فيه كما هو واضح، إلا انك عرفت ان النزاع في المسألة ليس في هذا بل هو فيما ذكرناه من ان جعل الحكم في القضية الحقيقية للموضوع المقدر وجوده مع علم الجاعل بعدم تحقق الموضوع في الخارج أصلا هل يجوز أم لا؟

و من الظاهر ان النزاع في هذا نزاع في معنى معقول، غاية الأمر ان‏

9

جعل الحكم عندئذ لغو محض فلا يترتب عليه أثر، و لكن من المعلوم ان هذا لا يوجب عدم كون النزاع في معنى معقول.

و بكلمة أخرى ان النزاع في المقام ليس في معقولية فعلية الحكم مع علم الحاكم بانتفاء موضوعه في الخارج و عدم معقوليتها، ليقال ان علم الآمر بوجود الموضوع خارجاً و عدمه أجنبي عن ذلك بالكلية، ضرورة ان الملاك في فعلية الحكم واقعاً فعلية موضوعه كذلك، بل النزاع في جواز أصل جعل الحكم مع العلم بانتفاء شرط فعليته و عدم جوازه. و من الواضح ان هذا النزاع نزاع في أمر معقول.

و من هنا يتبين ان ما أفاده (قده) من ان الحكم في القضية الخارجية يدور مدار علم الحاكم و شروط الحكم و اما نفس وجودها في الخارج أو عدمها فيه فهو أجنبي عن الحكم بالكلية لا يتم أيضاً، و ذلك لأن علم الحاكم الّذي له دخل في جعل هذا الحكم ليس علمه بما هو صفة نفسانية قائمة بها مع قطع النّظر عما تعلق به من الموجودات الخارجية، ضرورة ان علمه بوجود شرطه في الخارج يدعو إلى جعل هذا الحكم، كما ان علمه بعدم وجوده فيه داع لعدم جعله، فيما إذا لم يكن الغرض منه عدم تحقق شرطه و موضوعه كالأمثلة المتقدمة فاذن يقع الكلام في انه هل يجوز للمولى ان يأمر عبده بفعل مشروطاً بشي‏ء مع علمه بانتفاء ذلك الشي‏ء في الخارج و عدم تحققه فيه أصلا أم لا؟ و من المعلوم ان النزاع فيه نزاع في أمر معقول.

و قد تحصل مما ذكرناه أمور:

الأول- انه لا فرق فيه بين القضية الحقيقية و القضية الخارجية، فهما من هذه الناحية على نسبة واحدة.

الثاني- ان الصحيح في المسألة هو الفصيل بين ما إذا كان انتفاء الشرط

10

مستنداً إلى نفس الجعل و ما إذا كان مستنداً إلى عجز المكلف أو نحوه، كما سبق بشكل واضح.

الثالث- انه لا ثمرة لهذه المسألة أصلا، و لا تترتب على البحث عنها اية فائدة عملية ما عدا فائدة علمية. و اما ما ذكر من الثمرة لها من وجوب الكفارة على من أفطر في نهار شهر رمضان مع عدم تمامية شرائط الوجوب له إلى الليل، كما إذا أفطر أولا ثم سافر أو وجد مانع آخر من الصوم كالمرض أو نحوه فليس ثمرة لتلك المسألة أصلا، و ذلك لأن عروض المانع من الصوم في أثناء اليوم و ان كان يكشف عن عدم وجوبه عليه من الأول، ضرورة انه واجب واحد ارتباطي و لذا لو طرأ على الصائم مانع من الصوم و اضطر إلى الإفطار في بعض آنات اليوم لم يلتزم أحد من الفقهاء بوجوب الإمساك في باقي آنات هذا اليوم و هذا معنى ارتباطية وجوبه، و اما وجوب الكفارة على من أفطر في نهار شهر رمضان متعمداً فلا يدور مدار وجوب الصوم عليه و لو مع انتفاء شرائطه، ليكون ذلك ثمرة لهذه المسألة، بل هو على ما يستفاد من روايات الباب مترتب على الإفطار في نهار شهر رمضان عالماً و عامداً بلا عذر مسوغ له، و ذلك لأن جواز الإفطار في الروايات معلق على خروج المكلف عن حد الترخص، فما دام لم يخرج عنه حرم عليه الإفطار و ان علم بأنه يسافر بعد ساعة، كما ان وجوب القصر في الروايات معلق على ذلك، و لذا يجب عليه التمام ما دام هو دون حد الترخص.

و بتعبير أوضح ان المستفاد من الروايات الواردة في المقام هو ثبوت الملازمة بين وجوب القصر و جواز الإفطار، و بين وجوب التمام و عدم جوازه، ففي كل مورد وجب القصر جاز الإفطار و في كل مورد وجب التمام حرم الإفطار.

و نتيجة ما ذكرناه هي ان وجوب الكفارة مترتب على الإفطار العمدي في نهار شهر رمضان بلا عذر مسوغ له، سواء أ طرأ عليه مانع من الصوم بعد

11

ذلك أم لم يطرأ، و ذلك لإطلاق الروايات الدالة عليه.

و من هنا يظهر ان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قده)- من ابتناء وجوب الكفارة في هذا الفرض على ان التكليف بالصوم هل ينحل إلى تكاليف متعددة بتعدد آنات اليوم أو هو تكليف واحد متعلق بمجموع الآنات، فعلى الأول تجب الكفارة عليه دون الثاني، إلا إذا فرض قيام دليل على وجوب الإمساك في بعض اليوم أيضاً- لا يمكن تصديقه بوجه، و ذلك لما عرفت من ان موضوع وجوب الكفارة هو الإفطار العمدي في شهر رمضان من دون عذر شرعي له على ما يستفاد من الروايات، و عليه فكون التكليف بالصوم تكليفاً واحداً أو متعددا أجنبي عن ذلك بالكلية و لا دخل له في وجوب الكفارة أو عدم وجوبها أصلا، ضرورة ان المناط في وجوبها صدق العنوان المزبور. و من الواضح انه لا يفرق فيه بين كون التكليف واحدا أو متعددا بتعدد الآنات.

و نتيجة البحث عن هذه المسألة عدة نقاط:

الأولى- ان محل النزاع فيها في الأوامر الحقيقية التي يكون الغرض منها إيجاد الداعي للمكلف للإتيان بمتعلقاتها في الخارج. و اما الأوامر الصورية التي ليس الغرض منها ذلك بل الغرض منها مجرد الامتحان أو نحوه فهي خارجة عن محل النزاع و لا إشكال في جوازها مع علم الآمر بانتفاء شرط فعليتها.

الثانية- ان محل الكلام في المسألة ليس في شرائط الجعل، كما عن المحقق صاحب الكفاية (قده) ضرورة استحالة الجعل بدون تلك الشرائط. هذا من جهة. و من جهة أخرى ان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من ان فعلية الحكم في القضية الحقيقية بفعلية موضوعه و علم الآمر بوجود الموضوع في الخارج أو عدم علمه به أجنبي عن ذلك، و لذا قال انه ليس في المسألة معنى معقول ليبحث عنه أيضا ليس من محل الكلام في شي‏ء كما عرفت.

12

الثالثة- ان محل النزاع فيها إنما هو في تحقق أصل الأمر بداعي إيجاد متعلقه في الخارج مع علم الآمر بانتفاء شرط فعليته، و من الواضح ان النزاع فيه نزاع في أمر معقول، و لا يفرق فيه بين ان تكون القضية حقيقية أو خارجية كما سبق.

الرابعة- ان ما ذكروه من الثمرة لهذه المسألة و هي ان من أفطر في نهار شهر رمضان مع عدم تمامية شرائط وجوب الصوم له إلى الليل، كما إذا أفطر في حين انه علم بأنه يسافر بعد ساعة أو يوجد مانع آخر منه، فعلى القول بالجواز تجب الكفارة عليه، و على القول بعدمه فلا- ليس ثمرة لها أصلا، و ذلك لما ذكرناه من انها تدور مدار ان المستفاد من الروايات هو ترتب الكفارة على مطلق الإفطار العمدي و لو علم بطرو مانع عن الصوم بعده، و لا يتمكن من إتمامه أو انها مترتبة على الإفطار العمدي الخاصّ و هو ما لم يطرأ عليه مانع عنه أصلا، فعلى الأول تجب الكفارة علي من أفطر في نهار رمضان ثم سافر، و على الثاني فلا.

هل الأوامر متعلقة بالطبائع أو الأفراد؟

غير خفي ان هذا النزاع بظاهره مما لا معنى له، و ذلك لأنه لا شبهة في ان مراد القائلين بتعلق الأوامر بالأفراد ليس تعلقها بالموجودات الخارجية، ضرورة ان الموجود الخارجي مسقط للأمر فلا يعقل تعلق الأمر به، كما ان مراد القائلين بتعلقها بالطبائع ليس تعلقها بالطبائع الصرفة و من حيث هي مع قطع‏

13

النّظر عن حيثية انطباقها على ما في الخارج، ضرورة ان مثل هذه الطبيعة غير قابل لأن يتعلق بها الأمر.

و لكن الّذي ينبغي ان يقال في هذه المسألة هو انه يمكن تقرير النزاع فيها من ناحيتين:

الأولي- من جهة ابتناء ذلك على القول بوجود الكلي الطبيعي في الخارج، و القول بعدم وجوده، فعلى الأول يتعلق الأمر بالطبيعة، و على الثاني بالفرد، بيان ذلك هو انه لا شبهة في ان كل وجود في الخارج بذاته و شخصه يمتاز عن وجود آخر و يباينه و يستحيل اتحاد وجود فيه مع وجود آخر ضرورة ان كل فعلية تأبى عن فعلية أخرى و كل وجود يباين وجوداً آخر و يأبى عن الاتحاد معه.

و بعد ذلك نقول: انه لا إشكال في ان الوجود بواقعه و حقيقته لا بمفهومه الانتزاعي وجود للفرد حقيقة و ذاتاً، بداهة ان اسناد الوجود إليه اسناد واقعي حقيقي، مثلا زيد موجود حقيقة و عمرو موجود كذلك .. و هكذا، و هذا مما لا إشكال فيه، سواء فيه القول بوجود الطبيعي في الخارج أو القول بعدم وجوده.

و بكلمة أوضح ان كل حصة في الخارج تباين حصة أخرى منها و تمتاز عنها بهويتها الشخصية و وجودها الخاصّ، مثلا الحصة المتقررة من الإنسانية في ذات زيد تباين الحصة المتقررة في ذات عمرو .. و هكذا، أو تمتاز عنها بنفس هويتها و وجودها، و لكن من الطبيعي ان امتياز اية حصة عن حصة أخرى ليس بالذات و الحقيقة و انما هو بالوجود، ضرورة ان امتياز كل شي‏ء به بقانون ان الشي‏ء ما لم يوجد لم يتشخص، و قد عرفت ان الوجود هو نفس التشخص، فلذا قلنا ان امتياز وجود عن وجود آخر إنما هو بنفس ذاته و تشخصه، و عليه‏

14

فلا محالة يكون امتياز حصة عن أخرى أو فرد عن آخر بإضافة الوجود الحقيقي إليها، فان الحصة بالتحليل العقلي تنحل إلى ماهية و إضافة أعني إضافتها إلى الوجود، و تلك الإضافة توجب صيرورتها حصة و فرداً بحيث لو لم تكن تلك الإضافة فلا حصة في الخارج و لا فرد، فملاك فردية زيد- مثلا- و كونه حصة من الإنسان إنما هو إضافة الوجود الواقعي إليه إضافة حقيقية.

و من هنا قلنا ان امتياز الحصة عن الأخرى بالوجود، و لكن امتياز وجودها عن وجودها الآخر بالذات و الحقيقة بقانون ان كل ما بالغير لا بد و ان ينتهي إلى ما بالذات.

أو فقل: ان تشخص الحصة و تفردها بالوجود لا غيره و اما تشخص الوجود و تفرده فهو بنفس ذاته لا بشي‏ء آخر، و إلا لدار أو تسلسل، كما لا يخفى.

و قد تحصل من ذلك ان الحصص و الأفراد موجودة في الخارج حقيقة بوجوداتها الواقعية، و هذا مما لا كلام فيه على كلا القولين، أي سواء فيه القول بوجود الطبيعي خارجا أو القول بعدم وجوده، و إنما الكلام في ان هذا الوجود المضاف إلى الفرد و يكون وجوداً له هل هو وجود للطبيعي أيضاً بان يكون له إضافتان: إضافة إلى الحصة، و بتلك الإضافة يكون وجوداً للفرد و إضافة إلى الطبيعي، و بها يكون وجوداً له، أو هو ليس وجوداً للطبيعي إلا بالعرض و المجاز، و لا يصح اسناده إليه على نحو الحقيقة، فالقائل بوجود الطبيعي في الخارج يدعى الأول و ان كل وجود مضاف إلى الفرد فهو وجود للطبيعي على نحو الحقيقة- مثلا- وجود زيد، كما انه وجود له حقيقة وجود للإنسان كذلك .. و هكذا، غاية الأمر ان هذا الوجود الواحد باعتبار إضافته إلى الفرد متشخص و ممتاز عن غيره في الخارج، و باعتبار إضافته إلى الطبيعي لا

15

امتياز و لا تشخص له بالنسبة إلى غيره أصلا، كما هو واضح، و القائل بعدم وجوده يدعى الثاني و انه لا تصح إضافة هذا الوجود أعني الوجود المضاف إلى الفرد إلى الطبيعي حقيقة و انه ليس وجودا له بل هو وجود للفرد فحسب.

و على الجملة فبالتحليل العقلي النزاع المعقول في وجود الطبيعي في الخارج و عدم وجوده فيه ليس إلا النزاع في هذه النقطة، و هي ما ذكرناه، ضرورة انه لم يدع أحد انه وجود في الخارج بوجود مباين لوجود فرده، كما ان القول بأنه موجود بوجود واحد لا بعينه باطل من رأسه، ضرورة ان الواحد لا بعينه لا مصداق له في الخارج و لا تعين له، و الوجود له تعين و مصداق فيه، ففرض وجوده خارجا يناقض فرض عدم تعينه فيه فلا يجتمعان. و عليه فالنزاع المعقول ينحصر بتلك النقطة، فالمنكر لوجوده يدعى انه لا يصح اسناد الوجود إليه حقيقة، و القائل به يدعى انه يصح ذلك بمعنى ان الوجود في الخارج و ان كان واحدا، إلا ان له نسبتين نسبة إلى الفرد و نسبة إلى الطبيعي، و كلتا النسبتين حقيقية. و من المعلوم ان تعدد النسبة لا يوجب تعدد الوجود، و هذا واضح.

و الصحيح في المسألة ان الطبيعي موجود في الخارج حقيقة و ذلك لصحة حمل الوجود عليه فلا فرق بين قولنا زيد موجود، و قولنا «الإنسان موجود» فكما ان الأول على نحو الحقيقة فكذلك الثاني و لذا لا يصح سلبه عنه. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى انه لا شبهة في صحة حمله على الفرد، فيقال زيد إنسان، و من المعلوم انه يعتبر في صحة الحمل الاتحاد في الوجود الخارجي و إلا فالحمل غير صحيح، و هذا لعله من الواضحات.

و بعد ذلك نقول انه على القول بوجود الطبيعي في الخارج يتعلق الأمر به، و على القول بعدم وجوده فيه يتعلق بالحصة و الفرد. و لكن بإحدى الحصص الخارجية لا بالمعين منها. فالنتيجة على كلا القولين هي التخيير

16

بين تلك الحصص و الأفراد عقلا. اما على القول الأول فواضح. و اما على القول الثاني فلفرض ان الأمر لم يتعلق بالحصة الخاصة، بل تعلق بواحدة منها لا بعينها. و من المعلوم ان تطبيقها على هذه و تلك بيد المكلف، و لا نعني بالتخيير العقلي إلا هذا.

و من هنا يظهر انه لا ثمرة للبحث عن هذه المسألة أصلا و لا تترتب عليها اية ثمرة عملية، ضرورة انه على كلا القولين لا بد من الإتيان بالفرد و الحصة في الخارج، سواء أ كان الأمر متعلقاً بالطبيعي أم بالفرد، و ذلك لاستحالة إيجاد الطبيعي في الخارج معرى عن جميع الخصوصيات و التشخصات لتظهر الثمرة بين القولين. نعم لو أمكن ذلك فرضاً، فعلى القول الأول يسقط لا محالة الأمر دون القول الثاني، الا انه مجرد فرض لا واقع له أبدا، فاذن لا ثمرة لتلك المسألة أصلا و ان كان الصحيح هو تعلق الأوامر بالطبائع دون الأفراد، و تشهد على ذلك مراجعة الوجدان، فان الإنسان إذا راجع وجدانه يرى انه إذا أراد شيئاً تعلقت إرادته بطبيعي ذلك الشي‏ء لا بحصة متشخصة منه، فلو طلب الماء- مثلا- يرى ان متعلق طلبه هو الطبيعي من دون ملاحظة خصوصية خارجية فيه ككونه في إناء خاص أو من ماء مخصوص أو ما شابه ذلك مما لا دخل له في مطلوبه.

و قد تحصل من ذلك أمور:

الأول- ان الكلي الطبيعي موجود في الخارج بوجود فرده.

الثاني- ان الأوامر متعلقة بالطبائع دون الأفراد.

الثالث- انه لا ثمرة لهذا البحث أصلا بل هو بحث علمي فلسفي.

الناحية الثانية- ما ذكره شيخنا الأستاذ (قده) من ان مرد النزاع في هذه المسألة إلى ان الأوامر هل تتعلق بالطبائع مع قطع النّظر عن مشخصاتها و لوازم‏

17

وجوداتها في الخارج بحيث تكون تلك اللوازم و المشخصات خارجة عن دائرة متعلقاتها، و إنما هي موجودة معها قهراً لاستحالة كون الشي‏ء موجوداً بلا تشخص أو تتعلق بالأفراد مع تلك المشخصات بحيث تكون المشخصات مقومة للمطلوب و المراد، و داخلة في دائرة المتعلقات، فالقائل بتعلق الأمر بالطبيعة أراد تعلقه بذات الشي‏ء مع قطع النّظر عن مشخصاته بحيث لو تمكن المكلف من إيجاده في الخارج بدون أي مشخص و أوجده لسقط الأمر و حصل الغرض، لفرض انه أتى بالمأمور به و ما هو متعلق الأمر، و القائل بتعلقه بالفرد أراد تعلقه بالشي‏ء مع مشخصاته فتكون مشخصاته أيضاً مأموراً بها، و على هذا فتظهر الثمرة بين القولين في باب اجتماع الأمر و النهي، و ذلك لأنه على القول بتعلق الأوامر و النواهي بالطبائع دون الأفراد، ففي مورد الاجتماع كالصلاة في الدار المغصوبة- مثلا- لا يسري الأمر من متعلقه و هو طبيعة الصلاة إلى متعلق النهي و هو الغصب و لا العكس لفرض انهما طبيعتان مستقلتان غاية الأمر ان كل واحدة منهما مشخصة للأخرى في مورد الاجتماع، و قد عرفت ان الأمر و النهي لا يسريان على هذا القول إلى مشخصات متعلقهما، فاذن لا مناص من القول بالجواز في تلك المسألة. و اما على القول بتعلق الأوامر و النواهي بالأفراد دون الطبائع فلا مناص من الالتزام بالقول بالامتناع في تلك المسألة. و ذلك لفرض ان الأمر على هذا القول متعلق بالصلاة مع مشخصاتها، و المفروض ان الغصب في مورد الاجتماع مشخص لها فاذن يكون متعلقاً للأمر و الحال انه متعلق للنهي أيضاً، فيلزم عندئذ اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد و هو محال، ضرورة استحالة كون شي‏ء واحد مأموراً به و منهياً عنه معاً.

و على الجملة فعلى القول الأول بما ان متعلق كل من الأمر و النهي هو الطبيعة دون مشخصاتها فلا محالة لا يلزم في مورد الاجتماع كون شي‏ء واحد

18

مأموراً به و منهياً عنه، لفرض ان متعلق أحدهما غير متعلق الآخر فلا يتحدان في الخارج، غاية الأمر انهما متلازمان في الوجود الخارجي و ان كلا منهما مشخص للآخر. و على القول الثاني بما ان المشخصات أيضاً متعلقة للأمر و النهي فلا مناص من الالتزام بالامتناع في مورد الاجتماع لفرض ان متعلق كل منهما عندئذ مشخص للآخر، و عليه فلا محالة يسري كل منهما من متعلقه إلى متعلق الآخر، فيلزم اجتماعهما في شي‏ء واحد و هو محال.

و قد تحصل مما ذكرناه ان هذه الفرضية التي فرضها شيخنا الأستاذ (قده) لو تمت لأصبحت المسألة ذات ثمرة مهمة، و لكنها فرضية خاطئة و غير مطابقة للواقع، و ذلك لما أشرنا إليه سابقاً على نحو الإجمال.

و إليك تفصيله: و هو ان كل وجود سواء أ كان جوهراً أم عرضاً متشخص في الخارج بذاته فلا يعقل ان يكون متشخصاً بوجود آخر، و ذلك لما عرفت من ان الوجود هو نفس التشخص و ان تشخص كل شي‏ء به، فلا يعقل ان يكون تشخصه بشي‏ء آخر أو بوجود ثان، و إلا لدار أو تسلسل، و عليه فتشخصه بمقتضى قانون ان كل ما بالغير وجب ان ينتهي إلى ما بالذات بنفس ذاته، و لذا قلنا ان كل وجود في ذاته مباين لوجود آخر، و كل فعلية بنفسها تأبى عن الاتحاد مع فعلية أخرى و تمتاز عنها بنفس ذاتها، و هذا بخلاف الماهية، فان تشخصها إنما يكون بالوجود و امتيازها عن ماهية أخرى به لا بذاتها، و هذا معنى قولنا الشي‏ء ما لم يوجد لم يتشخص. فالنتيجة هي ان تشخص الوجود بنفسه و الماهية بتبع عروض الوجود لها.

و على ضوء هذه النتيجة ان الأمور المتلازمة للوجود الجوهري خارجاً التي لا تنفك عنه كإعراضه من الكم و الكيف و الأين و الإضافة و الوضع و غيرها موجودات أخرى في قبال ذلك الموجود و مباينة له ذاتاً و حقيقة و متشخصات‏

19

بنفس ذواتها و أفراد لطبائع شتى مختلفة لكل منها وجود و ماهية، فلا يعقل ان ان تكون مشخصات لذلك الوجود، لما عرفت من أن الوجود هو نفس التشخص فلا يعقل أن يكون تشخصه بكمه و كيفه و أينه و وضعه و ما شابه ذلك، ضرورة ان لهذه الاعراض وجودات مباينة بأنفسها لذلك الوجود و ان كانت قائمة به، كما هو شأن وجود العرض، و قد عرفت ان تشخص الوجود بنفس ذاته فيستحيل ان يكون بوجود آخر. و توهم ان وجود العرض بما انه متقوم بوجود الجوهر خارجا فلأجل ذلك يكون متشخصاً به توهم خاطئ جداً. ضرورة ان قيامه به في مرتبة متأخرة عن وجوده و عليه فلا يعقل أن يكون مشخصاً له مثلا تشخص زيد بنفس وجوده الخارجي لا ببياضه و لا بسواده و لا بكمه و لا بأينه و لا بوضعه و ان كان كل وجود في الخارج لا ينفك عن هذه الأمور، ضرورة ان لكل منها وجوداً في قبال وجوده و كل وجود متشخص بنفس ذاته و فرد من أفراد إحدى المقولات التسع العرضية.

و على الجملة فالوجود لا يعقل ان يكون متشخصاً بوجود آخر من دون فرق فيه بين ان يكون الوجودان من طبيعة واحدة أو من طبيعتين كما هو ظاهر.

و من هنا لم يتوهم أحد و لا يتوهم ان وجود جوهر مشخص لوجود جوهر آخر أو ان وجود عرض مشخص لوجود عرض آخر. و السر فيه ما ذكرناه من ان كل وجود متشخص بذاته و ممتاز بنفسه عن غيره. و من الواضح جداً ان هذا الملاك بعينه موجود بين وجود الجوهر و وجود العرض المتقوم به فلا يعقل ان يكون وجود العرض القائم به مشخصاً له، كما هو واضح. و من ذلك يتبين ان إطلاق المشخصات على تلك الاعراض الملازمة له خارجاً مسامحة جداً، لما عرفت من انها لا تعقل ان تكون مشخصات لوجود الجوهر أصلا بل هي وجودات ملازمة له في الخارج فلا تنفك عنه.

20

و بعد بيان ذلك نقول: ان تلك اللوازم و الاعراض كما انها خارجة عن متعلق الأمر على القول بتعلقه بالطبيعة كذلك هي خارجة عن متعلقه علي القول بتعلقه بالفرد، ضرورة ان محل الكلام في المسألة إنما هو في تعلق الأمر بالطبيعة أو بفرد ما من أفراد تلك الطبيعة. و اما الطبائع الأخرى و أفرادها فجميعاً خارجة عن متعلق الأمر على كلا القولين، بداهة انه لم يرد من القول بتعلقه بالفرد تعلقا بفرد ما من هذه الطبيعة و فرد ما من الطبائع الأخرى الملازمة لها في الوجود الخارجي و لنأخذ مثالا لذلك كالصلاة- مثلا- فان القائل بتعلق الأوامر بالطبائع يدعي ان الأمر تعلق بطبيعة الصلاة مع عدم ملاحظة أية خصوصية من الخصوصيات، و القائل بتعلقها بالأفراد يدعي انه تعلق بفرد ما من أفرادها، و لا يدعي انه تعلق بفرد ما من أفرادها و أفراد الطبائع الأخرى كالغصب أو نحوه، ضرورة أنه لا معنى لهذه الدعوى أبدا، كيف فان الأمر على الفرض متعلق بالصلاة على كلا التقديرين و ليس هو متعلقاً بها و بغيرها مما هو ملازم لها وجودا و خارجاً، و قد عرفت ان تلك الاعراض و اللوازم وجودات أخرى و أفراد لطبائع غيرها و مقولات مختلفة لكل منها وجود و ماهية مباين لوجود المأمور به و ماهيته.

نعم لو بنى النزاع في المقام على ان المتلازمين هل يجوز اختلافهما في الحكم أم لا؟ تظهر الثمرة هنا، فانه لو بنينا على عدم جواز اختلافهما في الحكم و ان الحكم المتعلق بأحدهما يسرى إلى الآخر فلا بد من الالتزام بالقول بالامتناع في مورد الاجتماع. و اما إذا بنينا على جواز اختلافهما في الحكم و عدم سرايته من أحدهما إلى الآخر فلا مناص من القول بالجواز فيه، و هذه نعمت الثمرة، إلا ان البناء على كون المتلازمين في الوجود لا بد ان يكونا متوافقين في الحكم و انه يسري من أحدهما إلى الآخر خاطئ جدا و غير مطابق للواقع قطعاً، ضرورة ان الثابت إنما هو عدم جواز اختلافهما في الحكم بان يكون أحدهما محكوماً

21

بالوجوب و الآخر محكوماً بالحرمة، و اما كونهما لا بد ان يكونا متوافقين فيه فهو لم يثبت قطعاً لعدم الدليل عليه أصلا، فاذن لا يمكن ابتناء النزاع في المسألة على هذا، كما انه لا يمكن ابتناؤه على ما ذكره شيخنا الأستاذ (قده) و كيف كان فالعجب منه (قده) كيف غفل عن هذه النقطة الواضحة، و هي ان هذه الاعراض و اللوازم ليست متعلقة للأمر على كلا القولين كما عرفت بشكل واضح.

و لعل منشأ غفلته عنها تخيل كون تلك اللوازم و الاعراض من مشخصات المأمور به في الخارج، و لكنك عرفت ان هذا مجرد خيال لا واقع له و ان مثل هذا الخيال عن مثله (قده) غريب، و ذلك لما سبق من ان تلك الاعراض لا تعقل ان تكون من مشخصات الوجود خارجاً، فان تشخص الوجود كما مر بنفسه لا بشي‏ء آخر، بل انها وجودات أخرى في قبال ذلك الوجود و ملازمة له في الخارج.

فالنتيجة مما ذكرناه قد أصبحت ان النزاع المعقول في هذه المسألة هو ما ذكرناه، لا ما ذكره شيخنا الأستاذ (قده) و على هذا فلا ثمرة للمسألة أصلا كما عرفت.

نلخص نتيجة البحث عن هذه المسألة في عدة خطوط:

الأول- ان النزاع المعقول في هذه المسألة إنما هو ابتناء ذلك على وجود الطبيعي في الخارج و عدم وجوده فيه، و إلا فقد عرفت ان النزاع فيها بظاهره لا يرجع إلى معنى محصل أصلا.

الثاني- ان الصحيح هو وجود الطبيعي في الخارج، و ذلك لأجل ان اسناد الوجود إلى الفرد كما انه حقيقي، كذلك اسناده إلى الطبيعي، ضرورة انه لا فرق بين قولنا زيد موجود و قولنا الإنسان موجود، و لا نعني بوجود الطبيعي في الخارج إلا ذلك، بل لا نعقل لوجوده فيه معنى محصلا ما عدا كون‏

22

إضافة الوجود الخارجي إليه حقيقية، كما ان إضافته إلى الفرد كذلك.

الثالث- ان الأوامر متعلقة بالطبائع دون الأفراد، و تكفي شاهدا على ذلك مراجعة الوجدان في هذا الباب.

الرابع- ان ما ذكره شيخنا الأستاذ (قده) في هذه المسألة من ان مرد القول بتعلق الأمر بالطبيعة هو ان المأمور به نفس الطبيعي و مشخصاته تماماً خارجة عنه، و مرد القول بتعلقه بالفرد هو ان المأمور به الفرد مع مشخصاته فتكون مشخصاته داخلة فيه، و على هذا رتب ثمرة مهمة في مسألة اجتماع الأمر و النهي لا يمكن المساعدة عليه، و ذلك لما عرفت من ان تشخص كل وجود بنفسه لا بوجود آخر، و مجرد كون وجود ملازماً لوجود آخر في الخارج لا يوجب ان يكون تشخصه به. و عليه فلوازم وجود المأمور به خارجاً غير داخلة فيه و خارجة عن متعلق الأمر على كلا القولين كما سبق.

الخامس- انه لا ثمرة لهذه المسألة أصلا و لا يترتب على البحث عنها ما عدا ثمرة علمية.

النسخ‏

غير خفي ان الوجوب إذا نسخ فلا دلالة فيه على بقاء الجواز، لا بالمعنى الأعم و لا بالمعنى الأخص، و الوجه في ذلك واضح و هو ان ما توهم دلالته عليه لا يخلو من ان يكون دليل الناسخ أو دليل المنسوخ، و شي‏ء منهما لا يدل على هذا. اما الأول فلان مفاده إنما هو رفع الوجوب الثابت بدليل المنسوخ فلا يدل على أزيد من ذلك أصلا. و اما الثاني فلان مفاده ثبوت الوجوب و قد ارتفع على الفرض و لا دلالة له على غيره.

و دعوى ان الوجوب ينحل إلى جواز الفعل مع المنع من الترك، فالمرفوع‏

23

بدليل الناسخ إنما هو المنع من الترك، و اما الجواز الّذي هو بمنزلة الجنس فلا دليل على ارتفاعه أصلا، فاذن لا محالة يكون باقياً، خاطئة جداً غير مطابقة للواقع في شي‏ء، و ذلك لأن دعوى بقاء الجنس بعد ارتفاع الفصل، لو تمت فانما تتم في المركبات الحقيقية كالإنسان و الحيوان و ما شاكلهما. و اما في البسائط الخارجية فلا تتم أصلا و لا سيما في الأحكام الشرعية التي هي أمور اعتبارية محضة و تكون من أبسط البسائط، ضرورة ان حقيقتها ليست إلا اعتبار الشارع ثبوت الفعل على ذمة المكلف أو محروميته عنه. و من هنا قلنا ان الوجود و الحرمة و الاستحباب و الكراهة جميعاً منتزعة من اعتبار الشارع بحكم العقل و ليس شي‏ء منها مجعولا شرعياً، فالمجعول إنما هو نفس ذلك الاعتبار، غاية الأمر ان نصب الشارع قرينة على الترخيص في الترك فينتزع العقل منه الاستحباب و ان لم ينصب قرينة عليه فينتزع منه الوجوب.

و على ضوء هذا فلا يعقل القول بان المرفوع بدليل الناسخ إنما هو فصل الوجوب دون جنسه، ضرورة ان الوجوب ليس مجعولا شرعياً، ليكون هو المرفوع بتمام ذاته أو بفصله، بل المجعول إنما هو نفس ذلك الاعتبار. و من الواضح جداً انه لا جنس و لا فصل له، بل هو بسيط في غاية البساطة، و لأجل ذلك فلا يتصف إلا بالوجود مرة و بالعدم مرة أخرى و لا ثالث لهما. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان حقيقة النسخ بحسب مقام الثبوت و الواقع انتهاء الحكم بانتهاء أمده بمعنى ان سعة الجعل من الأول ليست بأزيد من ذلك، و من هنا كان النسخ في الحقيقة تخصيصاً بحسب الأزمان في مقابل التخصيص بحسب الأفراد فلا يكون في الواقع رفع بل فيه دفع و انتهاء الحكم بانتهاء مقتضية. نعم بحسب مقام الإثبات و ظاهر الدليل يكون رفعاً.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي ان معنى النسخ انتهاء اعتبار المجعول‏

24

بانتهاء أمده، و الكاشف عن ذلك في مقام الإثبات إنما هو دليل الناسخ، و عليه فلا موضوع للبحث عن انه بعد نسخ الوجوب هل يبقى الجواز بالمعنى الأعم أو الأخص أم لا، ضرورة ان الوجوب و الجواز بكلا معنييه ليسا من المجعولات الشرعية، ليقع البحث عن انه إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز أم لا؟ بل هما امران منتزعان بحكم العقل كما عرفت.

و قد تحصل من هذا البيان أمور: (الأول) انه لا موضوع لما اشتهر بين الأصحاب قديماً و حديثاً من انه إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز بالمعنى الأعم أو الأخص أم لا؟ لما عرفت من ان الوجوب ليس مجعولا شرعياً ليقع الكلام في ذلك. (الثاني) انه لا موضوع لدعوى ابتناء النزاع في المسألة على إمكان بقاء الجنس بعد ارتفاع الفصل، لما مر من ان الاعتبار بسيط في غاية البساطة فلا جنس و لا فصل له. (الثالث) انه لا مجال لدعوى استصحاب بقاء الجواز بعد ارتفاع الوجوب، ضرورة ان هذه الدعوى ترتكز على ان يكون كل من الوجوب و الجواز مجعولا شرعياً، و قد عرفت خلافه و انهما امران انتزاعيان و المجعول الشرعي إنما هو اعتبار المولي لا غيره، و المفروض انه قد ارتفع بدليل الناسخ، فاذن لا موضوع للاستصحاب.

و لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا ان الوجوب مجعول شرعاً فمع ذلك لا دليل لنا على بقاء الجواز، و الوجه في ذلك. اما أولا فلان الوجوب امر بسيط و ليس مركباً من جواز الفعل مع المنع من الترك، و تفسيره بذلك تفسير بما هو لازم له لا تفسير لنفسه، و هذا واضح. و اما ثانياً فلو سلمنا ان الوجوب مركب إلا ان النزاع هنا في بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب و عدم بقائه ليس مبتنياً على النزاع في تلك المسألة أعني مسألة إمكان بقاء الجنس بعد ارتفاع الفصل و عدم إمكانه، و ذلك لأن النزاع في تلك المسألة إنما هو في الإمكان و الاستحالة العقليين، و اما

25

النزاع في مسألتنا هذه انما هو في الوقوع الخارجي و عدم وقوعه بعد الفراغ عن أصل إمكانه، و كيف كان فإحدى المسألتين أجنبية عن المسألة الأخرى بالكلية.

و اما دعوى جريان الاستصحاب في هذا الفرض بتقريب ان الجواز قبل نسخ الوجوب متيقن، و بعد نسخه نشك في بقائه فنستصحب، فمدفوعة، فانه مضافاً إلى انه من الاستصحاب في الأحكام الكلية، و قد ذكرنا غير مرة انه لا يجري فيها على وجهة نظرنا غير جار في نفسه في المقام، و ذلك لأنه من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي، لأن المتيقن لنا و هو الجواز في ضمن الوجوب قد ارتفع يقيناً بارتفاع الوجوب و الفرد الآخر منه مشكوك الحدوث، فاذن قد احتلت أركان الاستصحاب فلا يجري.

و قد تحصل مما ذكرناه انه بعد نسخ الوجوب لا دليل على ثبوت شي‏ء من الأحكام غيره، فاذن لا بد من الرجوع إلى العموم أو الإطلاق لو كان، و إلا فإلى الأصل العملي و هو يختلف باختلاف الموارد كما لا يخفى.

و نتيجة البحث عن هذه المسألة عدة أمور: (الأول) ان الوجوب إذا نسخ فلا دليل على بقاء الجواز بالمعنى الأعم أو الأخص، بل قد عرفت ان الوجوب ليس مجعولا شرعياً و المجعول الشرعي إنما هو نفس الاعتبار القائم بالمعتبر و معنى نسخه هو انتهاء ذلك الاعتبار بانتهاء أمده، فاذن لا معنى للبحث عن هذا و لا موضوع له. (الثاني) ان ابتناء النزاع في المسألة على النزاع في إمكان بقاء الجنس بعد ارتفاع الفصل و عدم إمكانه باطل، فان الحكم حيث انه امر اعتباري بسيط في غاية البساطة فلا جنس له و لا فصل. (الثالث) انه بناء علي ما ذكرناه فلا مجال للتمسك بالاستصحاب في المقام مضافاً إلى انه من الاستصحاب في الحكم الكلي من ناحية و من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي من ناحية أخرى.

26

الواجب التخييري‏

قد اختلف العلماء فيه إلى عدة آراء و مذاهب:

المذهب الأول- ان الواجب هو ما يختاره المكلف في مقام الامتثال مثلا ففي موارد التخيير بين القصر و الإتمام لو اختار المكلف القصر- مثلا- فهو الواجب عليه و لو عكس فبالعكس، و هذا المذهب لسخافته تبرأ منه كل من نسب إليه، و لذا ذكر صاحب المعالم (قده) ان كل من الأشاعرة و المعتزلة نسب هذا المذهب إلى الآخر و تبرأ منه، و كيف كان فلازم هذه النظرية هو ان الواجب يختلف باختلاف المكلفين، بل باختلاف حالاتهم، فلو اختار أحدهم في المثال المزبور القصر في مقام الامتثال و الآخر التمام، فالواجب على الأول هو القصر واقعاً، و على الثاني هو التمام كذلك أو لو اختار أحدهم القصر في يوم و التمام في يوم آخر، فالواجب عليه في اليوم الأول هو القصر و في اليوم الثاني التمام، و كذا الحال في كفارة شهر رمضان و ما شاكلها. فالنتيجة هي ان وجوب الواجب في هذا الفرض واقعاً تابع لاختيار المكلف في مقام الامتثال بحيث لا وجوب له قبل اختياره في الواقع و نفس الأمر.

و يرده: (أولا)- انه مخالف لظواهر الأدلة الدالة على وجوب فعلين أو أفعال على نحو التخيير، و لا تعين لما هو الواجب على المكلف في الواقع و نفس الأمر فما يختاره مصداق للواجب لا انه الواجب بعينه. (و ثانياً) انه مناف لقاعدة الاشتراك في التكليف، ضرورة ان لازم هذا القول كما عرفت هو اختلاف التكليف باختلاف المكلفين، بل باختلاف حالاتهم ففي المثال المتقدم لو اختار أحدهم القصر- مثلا- و الآخر التمام فيكون تكليف الأول واقعاً هو القصر و الثاني هو التمام، أو لو اختار أحدهم صوم شهرين متتابعين- مثلا-

27

و الآخر عتق الرقبة و الثالث إطعام ستين مسكيناً فيكون الواجب على الأول واقعاً هو الصوم و على الثاني العتق و على الثالث الإطعام، و من الواضح جداً ان هذا مناف صريح لقاعدة الاشتراك في التكليف التي هي من القواعد الضرورية، فاذن لا يمكن الالتزام بهذه النظرية أبداً. (و ثالثاً) ان لازم هذا القول ان لا يكون وجوب في الواقع عند عدم اختيار المكلف أحدهما و ترك امتثاله و عصيانه، ضرورة ان الوجوب إنما يتحقق باختيار المكلف إياه في مقام الامتثال كما هو المفروض، و اما قبل اختياره فلا وجوب واقعاً ليصدق عليه انه تركه و عصاه فيستحق العقوبة.

و ان شئت فقل: ان لازم هذه النظرية هو ان وجوب كل منهما في الواقع مشروط باختيار المكلف إياه في ظرف الامتثال، و لازمه هو انه لا وجوب له قبل اختياره، ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، كما هو واضح فاذن لا موضوع للعصيان و استحقاق العقوبة عند ترك المكلف الإتيان بالجميع، ضرورة ان إيجاد الشرط غير واجب عليه، و هذا بديهي البطلان. (و رابعاً) انه إذا لم يكن شي‏ء منهما واجباً في حال العصيان فلا يكون واجباً في حال الامتثال أيضاً، و الوجه في ذلك هو ان كلا من العصيان و الامتثال وارد على موضوع واحد، فيتحقق العصيان فيه مرة و الامتثال مرة أخرى، فإذا فرض انه لم يكن واجباً في حال العصيان فلا يعقل ان يكون واجباً في حال الامتثال مثلا الصلاة قصراً إذا لم تكن واجبة في حال عصيانها فلا محالة لا تكون واجبة في حال امتثالها أيضاً ضرورة انها اما ان تكون في الواقع واجبة أو ليست بواجبة فيه فلا ثالث لهما، و على الأول فهي واجبة في كلتا الحالتين، و على الثاني فهي غير واجبة كذلك لوضوح انه لا يعقل ان يكون وجوبها مشروطاً بامتثالها و الإتيان بها في الخارج فان مرده إلى طلب الحاصل و اشتراط الأمر بالشي‏ء بوجوده و هو غير معقول،

28

فالنتيجة ان هذه النظرية لا ترجع إلى معنى محصل أصلا.

المذهب الثاني هو ان يكون كل من الطرفين أو الأطراف واجباً تعييناً و متعلقاً للإرادة، و لكن يسقط وجوب كل منهما بفعل الآخر، فيكون مرد هذا القول إلى اشتراط وجوب كل من الطرفين أو الأطراف بعدم الإتيان بالآخر و قد صحح هذه النظرية بعض مشايخنا المحققين قد هم بأحد نحوين:

الأول ان يفرض ان لكل واحد منها مصلحة ملزمة قائمة به مثلا للصوم مصلحة إلزامية قائمة بنفسه و تقتضي إيجابه، و كذا للعتق و الإطعام، فالقائم بها مصالح متباينة لا متقابلة بحيث لا يمكن الجمع بينها، و بما ان تلك المصالح لزومية فلذا أوجب الشارع الجميع، و لكن مصلحة التسهيل و الإرفاق تقتضي تجويز الشارع ترك كل منها إلى بدل فلذا أجاز ترك كل منها عند الإتيان بالآخر و امتثال امره. و نتيجة ذلك هي انه إذا ترك الكل فلا يعاقب الأعلى ترك ما لا يجوز تركه و هو ليس إلا الواحد منها و إذا فعل الكل دفعة واحدة كان ممتثلا بالإضافة إلى الجميع و استشهد على ذلك بأنه ربما لا يكون إرفاق في البين فلذا أوجب الجمع بين الخصال كما في كفارة الإفطار بالحرام.

الثاني- ان يفرض ان الغرض المترتب على الخصال أعني الصوم و العتق و الإطعام و ان كان واحداً نوعياً و واحداً بالسنخ إلا ان الإلزامي من ذلك الغرض وجود واحد منه، و بما ان نسبة كل منها إلى ذلك الوجود الواحد على السوية، فلذا يجب الجميع لأن وجوب أحدها المردد في الواقع غير معقول و وجوب أحدها المعين ترجيح بلا مرجح. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى حيث ان وجوداً واحداً من ذلك الغرض لازم، فلأجل ذلك يجوز ترك كل منها عند الإتيان بالآخر.

و لنأخذ بالمناقشة على هذه النظرية بكلا تفسيريها.

29

اما تفسيرها الأول فيرد عليه: أولا انه مخالف لظاهر الدليل حيث ان ظاهر العطف فيه بكلمة (أو) هو وجوب أحدهما أو أحدها لا وجوب الجميع، كما هو واضح. (و ثانياً) انا قد ذكرنا غير مرة انه لا طريق لنا إلى إحراز الملاك في شي‏ء ما عدا تعلق الأمر به، و حيث ان الأمر فيما نحن تعلق بأحد الطرفين أو الأطراف، فلا محالة لا نستكشف إلا قيام الغرض به، فاذن لا طريق لنا إلى كشف تعدد الملاك أصلا، فيحتاج الحكم بتعدده و قيامه بكل منها إلى دعوى علم الغيب. (و ثالثاً) انه لا طريق لنا إلى ان مصلحة التسهيل و الإرفاق على حد توجب جواز ترك الواجب، و على فرض تسليم انها تكون بهذا الحد فهي عندئذ تمنع عن أصل جعل الوجوب للجميع، ضرورة ان مصلحة ما عدا واحد منها مزاحمة بتلك المصلحة أعني مصلحة التسهيل و الإرفاق. و من الواضح جدا ان المصلحة المزاحمة بمصلحة أخرى لا تدعو إلى جعل حكم شرعي أصلا و غير قابلة لأن تكون منشأ له، فاذن إيجاب الجميع بلا مقتض. و على الجملة فمصلحة التسهيل و الإرفاق لو كانت إلزامية فتمنع عن أصل جعل الوجوب لجميع الأطراف أو الطرفين لا انها توجب جواز ترك الواجب ضرورة انه لا أثر للمصلحة المزاحمة بمصلحة أخرى و يكون وجودها و عدمها سيان فاذن يكون إيجاب الجميع بلا داع و هو يستحيل ان يصدر من الحكيم فالنتيجة هي ان الواجب أحدها لا الجميع.

ثم انه على فرض إيجاب الجميع و عدم كون مصلحة التسهيل و الإرفاق مانعة منه فلا موجب لسقوط وجوب بعضها بفعل الآخر ضرورة انه بلا مقتض و سبب فان سقوط وجوب الواجب بأحد أمور لا رابع لها (الأول) امتثاله و الإتيان بمتعلقه خارجاً الموجب لحصول غرضه فانه مسقط له لا محالة (الثاني) العجز عن امتثاله و عدم القدرة على الإتيان بمتعلقه في الخارج سواء أ كان من ناحية العصيان أو غيره. (الثالث) النسخ، و المفروض ان الإتيان بالواجب الآخر ليس‏

30

شيئاً من هذه الأمور. و دعوى- انه إذا فرض ان وجوب كل منها مشروط بعدم الإتيان بالآخر فلا محالة يكون إتيانه مسقطاً له- مدفوعة بان الأمر و ان كان كذلك على فرض ثبوت تلك الدعوى، إلا انها غير ثابتة، فانه مضافاً إلى عدم الدليل عليها انها مخالفة لظواهر الأدلة في المقام حيث ان الظاهر منها وجوب أحد الأطراف أو الطرفين لا وجوب الجميع بنحو الاشتراط أي اشتراط وجوب كل بعدم الإتيان بالآخر. (و رابعاً) لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا ان مصلحة التسهيل و الإرفاق إلزامية و سلمنا أيضاً انها لا تمنع عن أصل جعل الوجوب للجميع و إنما توجب جواز ترك الواجب إلى بدل الّذي يكون مرده إلى تقييد وجوب كل منها بعدم الإتيان بالآخر و لكن لازم ذلك هو الالتزام في صورة المخالفة و عدم الإتيان بشي‏ء منها باستحقاق العقاب على ترك كل منها ضرورة انه لا يجوز ترك الواجب بدون الإتيان ببدله و إنما يجوز الترك إلى بدل لا مطلقاً فإذا فرض ان المكلف ترك الصوم بلا بدل و ترك العتق و الإطعام كذلك فلا محالة يستحق العقاب على ترك كل منها.

فما أفاده شيخنا المحقق (قده) من انه في هذا الفرض يستحق عقاباً واحداً و هو العقاب على ما لا يجوز تركه و هو الواحد منها لا يرجع إلى معنى محصل، و ذلك لأن عدم استحقاقه العقاب على ترك البقية عند الإتيان بواحد منها من جهة ان تركها إلى بدل. و قد عرفت انه جائز و إنما لا يجوز تركها بلا بدل، و المفروض ان عند ترك الجميع يكون ترك كل منها بلا بدل فيستحق العقاب عليه.

و بكلمة أخرى ان ترك كل واحد منها مقتض لاستحقاق العقاب لفرض انه ترك الواجب و المانع منه إنما هو الإتيان بالآخر، فإذا فرض انه لم يأت به أيضاً و تركه فلا مانع من استحقاقه العقاب أصلا، فيكون العقاب عندئذ على الجمع بين التركين أو التروك، و قد مر نظير ذلك في بحث الترتب و قلنا هناك ان المكلف إذا ترك‏

31

الأهم و المهم معاً فيستحق عقابين و يكون العقابان على الجمع بين ترك هذا و ترك ذاك، مع ان من الواضح جداً انه لا يمكن الالتزام بتعدد العقاب في المقام أبدا و لم يلتزم به أحد فيما نعلم.

و اما تفسيرها الثاني فيرده: أولا انه خلاف ظاهر الدليل، فان الظاهر كما عرفت وجوب أحد الأطراف أو الطرفين لا وجوب الجميع. (و ثانياً) انه لا طريق لنا إلى إحراز ان الغرض المترتب على الخصال واحد بالسنخ و النوع و ان الإلزامي منه وجود واحد، فانه يحتاج إلى علم الغيب. (و ثالثاً) على تقدير تسليم ذلك إلا ان لازمه وجوب أحد تلك الخصال لا وجوب الجميع. و دعوى- ان وجوب أحدها المردد في الواقع غير معقول، و وجوب أحدها المعين ترجيح بلا مرجح، فلا محالة وجب الجميع- فاسدة، و ذلك لأنا لا نقول بوجوب أحدهما المردد في الواقع، ليقال انه غير معقول و لا بوجوب أحدهما المعين، ليكون ترجيحاً من غير مرجح بل نقول بوجوب أحدهما لا بعينه و هو غير أحدهما المردد في الواقع المعبر عنه بأحدهما المصداقي، ضرورة ان الأول قابل لتعلق التكليف به دون هذا، فهاهنا دعويان: (الأولى) ان أحدهما لا بعينه المعبر عنه بالجامع الانتزاعي قابل لتعلق التكليف به (الثانية) ان أحدهما المردد في الواقع غير قابل له.

اما الدعوى الأولى فلأنه لا يعتبر في متعلق التكليف الّذي هو امر اعتباري ان يكون جامعا ذاتيا بل يجوز ان يكون جامعا انتزاعيا و هو عنوان أحد الفعلين أو الأفعال، كما سيأتي بيانه بشكل واضح.

و اما الدعوى الثانية فلان المردد في الواقع و الخارج محال في ذاته، ضرورة انه لا ثبوت و لا وجود له فيه، فاذن كيف يتعلق الأمر به، و هذا واضح. فما أفاده شيخنا المحقق (قده) من ان الأمر في المقام لا يخلو من ان يتعلق بأحدهما المردد في الواقع و ان يتعلق بأحدهما المعين فيه أو بالجميع،

32

و حيث ان الأول و الثاني غير معقول فيتعين الثالث- غير صحيح، لما عرفت من ان هنا شقا رابعاً و هو تعلق الأمر بأحدهما لا بعينه المعبر عنه بالجامع الانتزاعي و هو قابل لتعلق التكليف به كما سنتعرض له عن قريب إن شاء اللَّه، غاية الأمر ان المكلف مخير في تطبيقه على هذا الفرد أو ذاك (و رابعا) على تقدير تسليم ان الواجب هو الجميع إلا ان لازم ذلك هو تعدد العقاب عند ترك الجميع و عدم الإتيان بشي‏ء منها، ضرورة ان الجائز هو ترك كل منها إلى بدل لا مطلقا، كما مر آنفا.

فالنتيجة ان هذا القول بكلا تفسيريه لا يرجع إلى معنى صحيح.

المذهب الثالث هو ما اختاره المحقق صاحب الكفارة (قده) و إليك نصّ كلامه: «و التحقيق ان يقال انه ان كان الأمر بأحد الشيئين بملاك انه هناك غرض واحد يقوم به كل واحد منهما بحيث إذا أتى بأحدهما حصل به تمام الغرض و لذا يسقط به الأمر كان الواجب في الحقيقة هو الجامع بينهما و كان التخيير بينهما بحسب الواقع عقليا لا شرعيا، و ذلك لوضوح ان الواحد لا يكاد يصدر من الاثنين بما هما اثنان ما لم يكن بينهما جامع في البين، لاعتبار نحو من السنخية بين العلة و المعلول، و عليه فجعلهما متعلقين للخطاب الشرعي لبيان ان الواجب هو الجامع بين هذين الاثنين. و ان كان بملاك انه يكون في كل واحد منهما غرض لا يكاد يحصل مع حصول الغرض في الآخر بإتيانه كان كل واحد واجبا بنحو من الوجوب يستكشف عنه تبعاته من عدم جواز تركه إلا إلى الآخر و ترتب الثواب على فعل الواحد منهما و العقاب على تركهما، فلا وجه في مثله للقول بكون الواجب هو أحدهما لا بعينه مصداقاً و لا مفهوما، كما هو واضح، إلا ان يرجع إلى ما ذكرناه فيما إذا كان الأمر بأحدهما بالملاك الأول من ان الواجب هو الواحد الجامع بينهما لا أحدهما معينا، مع كون كل واحد منهما مثل الآخر

33

في انه واف بالغرض».

أقول: ما أفاده (قده) يرجع إلى عدة نقاط:

الأولى- ان الغرض في المقام إذا كان واحداً بالذات و الحقيقة فلا محالة يكشف عن وجود جامع وحداني ذاتي بين الفعلين أو الأفعال بقاعدة ان الأمور المتباينة لا يمكن أن نؤثر أثراً واحداً بالسنخ، فوحدة الغرض هنا تكشف عن جهة جامعة حقيقية بينها، فيكون ذلك الجامع هو متعلق الوجوب بحسب الواقع و الحقيقة، و ان كان متعلقه بحسب الظاهر هو كل واحد منها، و عليه فيكون التخيير بينها عقلياً لا شرعياً، فالنتيجة ان مرد هذه الفرضية إلى إنكار التخييري الشرعي كما لا يخفى.

الثانية- ما إذا كان الغرض متعدداً في الواقع، و كان كل واحد منه قائماً بفعل، إلا ان حصول واحد من الغرض مضاد لحصول الآخر، فلا يمكن الجمع بينهما في الخارج، فعندئذ لا مناص من الالتزام بوجوب كل منهما بنحو يجوز تركه إلى بدل لا مطلقاً، ضرورة انه بلا موجب و مقتض بعد فرض ان الغرضين المترتبين عليهما متضادان فلا يمكن تحصيل كليهما معاً، و عليه فيكون التخيير بينهما شرعياً، ضرورة ان مرد هذه الفرضية إلى وجوب هذا أو ذاك، و لا نعني بالتخيير الشرعي إلا هذا.

الثالثة- ان الواجب ليس هو أحدهما لا بعينه لا مصداقاً أعني به الفرد المردد بحسب الواقع و الخارج، و لا مفهوماً أعني به الجامع الانتزاعي المنتزع منهما.

و لنأخذ بالمناقشة في هذه النقاط، فنقول: ان هذه النقاط جميعاً خاطئة و غير مطابقة للواقع.

اما النقطة الأولى فقد ذكرنا في أول الكتاب عند البحث عن موضوع‏

34

العلم ان هذه القاعدة أعني قاعدة عدم صدور الواحد عن الكثير إنما تتم في الواحد الشخصي من تمام الجهات دون الواحد النوعيّ، ضرورة انه قد برهن في محله ان هذه القاعدة و قاعدة عدم صدور الكثير عن الواحد انما تتمان في الواحد بالشخص دون الواحد بالنوع، و الوجه في ذلك ملخصاً: هو ان كل معلول طبيعي يتعين في مرتبة ذات علته بقانون ان الشي‏ء ما لم يتشخص لم يوجد، و المراد من التشخص هو تشخصه في مرتبة ذات علته، ففي تلك المرتبة ما لم يتشخص لم يوجد في الخارج، و المراد من التشخص في تلك المرتبة هو ان المعلول الطبيعي بما انه مرتبة نازلة من وجود علته فلا محالة يتشخص في مرتبة وجود علته بملاك انه كامن في ذاتها و مرتبة من مراتب وجودها، و في مرتبة نفسه يتشخص بوجوده الخاصّ، و هذا هو المراد من تشخصه السابق و اللاحق، كما ان المراد من وجوبه السابق في قولهم الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد هو التشخص السابق و هو التشخص في مرتبة ذات العلة و وجودها، كما ان المراد من وجوبه اللاحق هو تشخصه بوجوده الخاصّ. و على ضوء هذا الأساس لا يعقل تشخص معلول واحد شخصي في مرتبة ذات علتين مستقلتين، فان مرد ذلك إلى تعدد الواحد الشخصي لفرض ان وجوده في مرتبة ذات هذه العلة يباين وجوده في مرتبة ذات العلة الأخرى، و هو محال.

و بهذا البيان قد ظهر حال القاعدة الثانية أيضاً، و ذلك لأن لازم صدور معلولين من علة واحدة شخصية هو ان تكون في مرتبة ذاتها جهتان متباينتان لتؤثر بإحداهما في معلول و بالأخرى في آخر، لما عرفت من أن كل معلول يتعين في مراتبه ذات علته و انه من مراتب وجودها، فإذا فرض ان العلة واحدة شخصية من جميع الجهات امتنع تعين معلولين متباينين في مرتبة ذاتها و وجودها، ضرورة انه لا يعقل ان يكون كلاهما من مراتب وجودها و متعيناً في ذاتها، مثلا إذا كانت الحرارة من مراتب وجود النار فلا يعقل ان تكون البرودة من مراتب‏

35

وجودها .. و هكذا.

و بكلمة أخرى ان لازم فرض تعين معلولين متباينين في مرتبة ذات العلة لا بد من فرض جهتين متباينتين فيها لا اشتراك بينهما أصلا، ليكون المؤثر في أحدهما جهة و في الآخر جهة أخرى بملاك قاعدة السنخية التي هي معتبرة بين العلل و المعاليل الطبيعية، بداهة يستحيل ان يكون المؤثر فيهما جهة واحدة شخصية، و هذا خلف.

و بعد ذلك نقول: ان ما ذكرناه من البرهان على استحالة صدور الواحد عن الكثير و استحالة صدور الكثير عن الواحد لا يجري في الواحد النوعيّ، ضرورة انه لا مانع من صدور الكثير عن الواحد بالنوع، فان مرده بحسب التحليل و الواقع إلى صدور كل معلول شخصي عن فرد منه، و اسناد صدوره إلى الجامع باعتبار ذلك، كما هو واضح. و من المعلوم ان البرهان المزبور لا يمنع عن ذلك أصلا، كما انه لا يمنع عن صدور الواحد النوعيّ عن الكثير، فانه خارج عن موضوع تلك القاعدة، حيث ان مرده إلى استناد كل فرد إلى علة أو كل مرتبة منه إليها، كالحرارة المستندة إلى إشراق الشمس مرة، و إلى النار مرة أخرى و إلى الغضب مرة ثالثة، و إلى الحركة مرة رابعة، و إلى القوة الكهربائية مرة خامسة .. و هكذا، كما انه عند اجتماع تلك الأسباب و العلل على شي‏ء يكون المؤثر في إيجاد الحرارة فيه هو المجموع لا كل واحد منها، و لذا لو كان واحد منها لم يوجد فيه إلا مرتبة ضعيفة منها و المفروض ان المجموع قد أوجد فيه مرتبة شديدة تنحل إلى مراتب متعددة، فيستند كل مرتبة منها إلى واحد منها لا الجميع، و من الواضح ان هذا خارج عن موضوع القاعدة المذكورة لاختصاصها كما عرفت بالواحد الشخصي من تمام الجهات، و هذه الحرارة المستندة إلى الجميع ليست واحدة من تمام الجهات، بل هي ذات مراتب متعددة و كل مرتبة منها

36

يستند إلى علة.

أو فقل: انها واحدة بالنوع من هذه الناحية لا واحدة بالشخص، فاذن لا يمكن دعوى ان المؤثر فيها هو الجامع بين تلك الأسباب لا كل واحد واحد منها، فان هذه الدعوى مضافاً إلى انها خلاف الوجدان غير ممكنة في نفسها، بداهة انه لا يعقل وجود جامع ذاتي بين هذه الأسباب، لأنها مقولات متعددة، فان النار من مقولة الجوهر، و القوة الكهربائية مثلا من مقولة الاعراض .. و هكذا، و قد حقق في محله انه لا يمكن اندراج المقولات تحت مقولة أخرى، فانها أجناس عاليات و متباينات بتمام ذاتها و ذاتياتها فلا يعقل وجود جامع ماهوي بينها و إلا لم يمكن حصر المقولات في شي‏ء.

فالنتيجة ان الواحد النوعيّ لا يكشف عن وجود جامع وحداني أصلا، و بما ان الغرض المترتب على الواجب التخييري ليس واحدا شخصياً، بل هو واحد بالنوع فلا يكشف عن وجود جامع ما هوى بين الفعلين أو الأفعال، هذا مضافاً إلى ان سنخ هذا الغرض غير معلوم لنا و انه واحد بالذات و الحقيقة أو واحد بالعنوان، و من الواضح جدا ان الكاشف عن الواحد بالذات ليس إلا الواحد بالذات، و اما الواحد بالعنوان فلا يكشف إلا عن واحد كذلك، و حيث انا لا نعلم بسنخ الغرض في المقام على فرض كونه واحداً فلا نعلم سنخ الجامع المستكشف منه انه واحد بالذات أو بالعنوان، فاذن لا يثبت ما ادعاه من وجود جامع ذاتي بينهما.

و ثانياً- ان ما أفاده (قده) لو تم فانما يتم فيما يمكن وجود جامع حقيقي بينهما كان يكونا فردين أو نوعين من طبيعة واحدة و اما فيما إذا لم يمكن وجود جامع كذلك كما إذا كان كل منهما من مقولة على حدة فلا يتم أصلا، و من الواضح ان التخيير بين فعلين أو افعال لا يختص بما إذا كانا من مقولة واحدة بل‏

37

كما يمكن ان يكونا كذلك يمكن ان يكون أحدهما من مقولة و الآخر من مقولة أخرى أو ان يكون أحدهما امراً وجودياً و الآخر امراً عدمياً، و من المعلوم انه لا يمكن تصوير جامع حقيقي بينهما في أمثال ذلك كما هو واضح.

و ثالثا- لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا ان ما أفاده (قده) صحيح إلا ان الجامع المزبور مما لا يصلح أن يكون متعلقاً للأمر، ضرورة ان متعلق الأمر لا بد ان يكون امراً عرفياً، قابلا للإلقاء إليهم. و اما هذا الجامع المستكشف بالبرهان العقلي فهو خارج عن أذهانهم، و غير قابل لأن يتعلق به الخطاب، لوضوح ان الخطابات الشرعية المتوجهة إلى المكلفين على طبق المتفاهم العرفي، و لا يعقل تعلق الخطاب بما هو خارج عن متفاهمهم، و حيث ان هذا خارج عنه فلا يعقل تعلق الخطاب به.

و اما النقطة الثانية فيرد عليها أولا انها مخالفة لظواهر الأدلة، فان الظاهر من العطف بكلمة (أو) هو ان الواجب أحدهما لا كلاهما.

و ثانياً- ان فرض كون الغرضين متضادين فلا يمكن الجمع بينهما في الخارج مع فرض كون المكلف قادراً على إيجاد كلا الفعلين فيه بعيد جداً، بل هو ملحق بأنياب الأغوال، ضرورة انا لا نعقل التضاد بين الغرضين مع عدم المتضادة بين الفعلين، فإذا فرض ان المكلف متمكن من الجمع بينهما خارجاً فلا مانع من إيجابهما معاً عندئذ.

و ثالثاً- انا لو سلمنا ذلك فرضاً و قلنا بالمضادة بين الغرضين و عدم إمكان الجمع بينهما في الخارج. إلا أن من الواضح جداً انه لا مضادة بين تركيهما معاً فيتمكن المكلف من ترك كليهما بترك الإتيان بكلا الفعلين خارجاً. هذا من ناحية و من ناحية أخرى ان العقل مستقل باستحقاق العقاب على تفويت الغرض الملزم، و لا يفرق بينه و بين تفويت الواجب الفعلي. و من ناحية ثالثة ان فيما نحن فيه‏

38

و ان لم يستحق العقاب على ترك تحصيل أحد الغرضين عند تحصيل الآخر من جهة عدم إمكان الجمع بينهما في الخارج، إلا انه لا مانع من استحقاق العقاب عليه عند تركه تحصيل الآخر.

فالنتيجة على ضوء هذه النواحي هي انه يستحق العقابين عند جمعه بين التركين، لفرض انه مقدور له فلا يكون العقاب عليه عقاباً على ما ليس بالاختيار هذا نظير ما ذكرناه في بحث الترتب و قلنا هناك ان المكلف يستحق عقابين عند جمعه بين ترك الأهم و المهم معاً و انه ليس عقاباً على ما لا يكون بالاختيار، لفرض ان الجمع بينهما مقدور له، و فيما نحن فيه كذلك، إذ لا مانع من الالتزام بتعدد العقاب فيه أصلا، فان المانع من العقاب على ترك أحدهما عند الإتيان بالآخر هو عدم إمكان تحصيله بعد الإتيان به، لفرض المضادة بينهما. و اما العقاب على ترك كل منهما في نفسه مع قطع النّظر عن الآخر فلا مانع منه أصلا، لما عرفت من استقلال العقل باستحقاق العقاب على ترك الملاك الملزم، و المفروض في المقام ان كلا من الملاكين ملزم في نفسه، و عليه فلا محالة إذا ترك المكلف كليهما معاً يستحق عقابين: عقاباً على ترك هذا و عقاباً على ترك ذاك.

و بكلمة أخرى ان مقتضى كون كل من الغرضين ملزماً في نفسه هو وجوب كل من الفعلين، غاية الأمر من جهة المضادة بين الغرضين و عدم إمكان الجمع بينهما في الخارج لا محالة يكون وجوب كل منهما مشروطاً بعدم الإتيان بالآخر هذا من ناحية. و من ناحية أخرى انه لا يمكن ان يكون الواجب في هذا الفرض هو أحدهما المعين، لاستلزامه الترجيح بلا مرجح، فانه بعد فرض كون كل منهما مشتملا على الملاك الملزم في نفسه، و انهما من هذه الناحية على نسبة واحدة، فتخصيص الوجوب بأحدهما خاصة دون الآخر لا يمكن، و كذا لا يمكن ان يكون الواجب هو أحدهما لا بعينه، و ذلك لأنه بعد فرض كون الغرض‏

39

في المقام متعدداً لا موجب لأن يكون الواجب واحدا، مع انه خلاف مفروض كلامه (قده).

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين قد أصبحت انه لا مناص من الالتزام بما ذكرناه و هو وجوب كل من الفعلين في نفسه مع قطع النّظر عن الآخر غاية الأمر ان إطلاق وجوب كل منهما يقيد بعدم الإتيان بالآخر، و لازم هذا هو ان المكلف إذا ترك كليهما معاً يستحق عقابين: عقاباً على ترك هذا و عقاباً على ترك ذاك، لفرض ان وجوب كل منهما عندئذ فعلى من جهة تحقق شرطه و هو عدم الإتيان بالآخر، و هذا مما لم يلتزم به أحد.

و رابعاً- ان الغرضين المزبورين لا يخلوان من ان يمكن اجتماعهما في زمان واحد بان تكون المضادة بين وجود أحدهما مترتباً على وجود الآخر لا مطلقاً و ان لا يمكن اجتماعهما فيه أصلا، فعلى الأول لا بد من الالتزام بإيجاب الشارع الجمع بين الفعلين أو الأفعال في زمان واحد فيما إذا تمكن المكلف منه. و إلا لفوت عليه الملاك الملزم، و هو قبيح منه. و من الواضح ان هذا خلاف مفروض الكلام في المسألة، و مخالف لظواهر الأدلة، فلا يمكن الالتزام به أصلا، و على الثاني فلازمه هو ان المكلف إذا أتى بهما معا في الخارج و في زمان واحد ان لا يقع شي‏ء منهما على صفة المطلوبية. إذا وقوع أحدهما على هذه الصفة دون الآخر ترجيح من دون مرجح، و وقوع كليهما على تلك الصفة لا يمكن لوجود المضادة بينهما، مع انه من الواضح البديهي ان المكلف إذ أتى بهما في زمان واجد يقع أحدهما على صفة المطلوبية، ضرورة انه إذا جمع بين طرفي الواجب التخييري أو أطرافه و أتى بها دفعة واحدة امتثل الواجب و حصل الغرض منه لا محالة، و هذا ظاهر. فالنتيجة قد أصبحت لحد الآن ان ما ذكروه من الوجوه لتصوير الواجب التخييري لا يرجع شي‏ء منها إلى معنى صحيح.

40

الّذي ينبغي ان يقال في هذه المسألة تحفظا على ظواهر الأدلة هو ان الواجب أحد الفعلين أو الأفعال لا بعينه، و تطبيقه على كل منهما في الخارج بيد المكلف، كما هو الحال في موارد الواجبات التعيينية، غاية الأمر ان متعلق الوجوب في الواجبات التعيينية الطبيعة المتأصلة و الجامع الحقيقي، و في الواجبات التخييرية الطبيعة المنتزعة و الجامع العنواني، فهذا هو نقطة انطلاق الفرق بينهما و تخيل- انه لا يمكن تعلق الأمر بالجامع الانتزاعي و هو عنوان أحدهما في المقام، ضرورة انه ليس له واقع موضوعي غير تحققه في عالم الانتزاع و النّفس فلا يمكن ان يتعدى عن أفق النّفس إلى ما في الخارج، و من الواضح ان مثله لا يصلح ان يتعلق به الأمر- خيال خاطئ جدا، بداهة انه لا مانع من تعلق الأمر به أصلا بل تتعلق به الصفات الحقيقية كالعلم و الإرادة و ما شاكلهما، فما ظنك بالحكم الشرعي الّذي هو امر اعتباري محض، و قد تقدم منا غير مرة من ان الأحكام الشرعية سواء أ كانت وضعية أو تكليفية أمور اعتبارية، و ليس لها واقع ما عدا اعتبار الشارع، و من المعلوم ان الأمر الاعتباري، كما يصح تعلقه بالجامع الذاتي كذلك يصح تعلقه بالجامع الانتزاعي، فلا مانع من اعتبار الشارع ملكية أحد المالين للمشتري عند قول البائع بعت أحدهما، بل وقع ذلك في الشريعة المقدسة كما في باب الوصية، فانه إذا أوصى الميت بملكية أحد المالين لشخص بعد موته فلا محالة يكون ملكا له بعد موته، و تكون وصيته بذلك نافذة، و كذا لا مانع من اعتبار الشارع أحد الفعلين أو الأفعال في ذمة المكلف.

و على الجملة فلا شبهة في صحة تعلق الأمر بالعنوان الانتزاعي و هو عنوان أحدهما، و مجرد انه لا واقع موضوعي له لا يمنع عن تعلقه به، ضرورة ان الأمر لا يتعلق بواقع الشي‏ء، بل بالطبيعي الجامع، و من الواضح جدا انه لا يفرق فيه بين ان يكون متأصلا أو غير متأصل أصلا. و تخيل- ان الجامع الانتزاعي‏

41

لا يصلح ان يكون متعلقاً للتكليف، ضرورة ان التكليف تابع لما فيه المصلحة أو المفسدة، و من الواضح جداً انه لا مصلحة في ذلك المفهوم الانتزاعي، و المصلحة إنما هي في فعل المكلف الصادر منه في الخارج، فاذن لا محالة يكون التكليف متعلقاً به لا بالعنوان المزبور. و عليه فلا بد من الالتزام بأحد الوجوه المزبورة- خاطئ جدا و غير مطابق للواقع، و ذلك لعدم الطريق لنا إلى معرفة سنخ الغرض الداعي إلى إيجاب شي‏ء أو تحريمه، و لا نعلم ما هو سنخه؟ نعم نعلم من امر الشارع بشي‏ء أو نهيه عن آخر ان في الأول مصلحة تقتضي إيجابه و في الثاني مفسدة تقتضي تحريمه، و لكن لا نعلم سنخ تلك المصلحة و سنخ تلك المفسدة. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى انه يجب علينا التحفظ على ظواهر الأدلة، و تعيين الحكم و متعلقه بها. و من ناحية ثالثة انا نعلم ان الإتيان بمتعلق الوجوب في الخارج محصل للمصلحة الداعية إلى إيجابه، و لا يبقى مجال لها بعده.

فالنتيجة على ضوء هذه النواحي هي انه لا بد من الالتزام بان متعلق الوجوب في موارد الواجبات التخييرية هو العنوان الانتزاعي من جهة ظهور الأدلة في ذلك، ضرورة ان الظاهر من العطف بكلمة (أو) هو وجوب أحد الفعلين أو الأفعال، و على هدى ذلك نعلم ان الغرض الداعي إلى إيجابه قائم به، لفرض انه لا طريق لنا إلى إحرازه ما عداه، كما انا نعلم بحصول هذا الغرض و تحققه في الخارج بإتيانه في ضمن أي من هذين الفعلين أو الأفعال شاء المكلف إتيانه فيه.

و بكلمة أخرى ان المستفاد من الأدلة بحسب المتفاهم العرفي هو ان متعلق الوجوب الجامع الانتزاعي، و من الواضح ان مرد ذلك بحسب التحليل العامي إلى عدم دخل شي‏ء من خصوصية الطرفين أو الأطراف فيه، و لتوضيح ذلك‏

42

نأخذ مثالا و هو ما إذا أوجب المولى إطعام ستين مسكيناً أو صوم شهرين متتابعين أو عتق رقبة مؤمنة، كما في كفارة صوم شهر رمضان، فلا محالة يكون مرد هذا إلى عدم دخل شي‏ء من خصوصياتها في غرض المولى الداعي إلى الأمر بأحدها لفرض انه يحصل بإتيان كل منها في الخارج. هذا من جانب. و من جانب آخر المفروض ان الغرض لم يقم بكل واحد منها و إلا لكان كل منها واجباً تعيينياً و من جانب ثالث ان وجوب أحدها المعين في الواقع لا يمكن بعد ما كان الجميع في الوفاء بغرض المولى على نسبة واحدة.

و نتيجة ذلك لا محالة هي وجوب الجامع بين هذه الأمور، و ان الغرض الداعي له يحصل بإتيانه في ضمن إيجاد أي فرد منها شاء المكلف إيجاده، لوضوح ان مرد وجوب الجامع بالتحليل إلى عدم دخل شي‏ء من خصوصيات هذه الأمور، و ان الغرض المزبور يترتب على فعل كل منها في الخارج من دون خصوصية لهذا و ذاك أصلا، و هذا امر معقول في نفسه، بل واقع في العرف و الشرع، فان غرض المولى إذا تعلق بأحد الفعلين أو الأفعال فلا محالة يأمر بالجامع بينهما و هو أحدهما لا بعينه، مع عدم ملاحظة خصوصية شي‏ء منها.

و من هنا يظهر ان مرادنا من تعلق الأمر بالجامع الانتزاعي ليس تعلقه به بما هو موجود في النّفس و لا يتعدى عن أفقها إلى أفق الخارج ضرورة انه غير قابل لأن يتعلق به الأمر أصلا و ان يقوم به الغرض، بل مرادنا من تعلق الأمر به بما هو منطبق على كل واحد من الفعلين أو الأفعال في الخارج، و يكون تطبيقه على ما في الخارج بيد المكلف، فله ان يطبق على هذا، و له ان يطبق على ذاك. و لعل منشأ تخيل انه لا يمكن تعلق الأمر بالجامع الانتزاعي هو تعلقه به على النحو الأول دون الثاني. و قد تحصل من ذلك انه لا مانع من ان يكون المأمور به هو العنوان الانتزاعي على النحو المزبور، لا من ناحية الأمر

43

و لا من ناحية الغرض كما عرفت.

أضف إلى ما ذكرناه انه يمكن تعلق الصفة الحقيقية بأحد امرين أو أمور فما ظنك بالأمر الاعتباري، و ذلك كما إذا علمنا إجمالا بعدالة أحد شخصين مع احتمال ان يكون الآخر أيضاً عادلا و لكن كان في الواقع كلاهما عادلا، ففي مثل ذلك لا تعين للمعلوم بالإجمال حتى في علم اللَّه، ضرورة انه لا واقع له غير هذا المفهوم المنتزع، فلا يمكن ان يقال ان المعلوم بالإجمال عدالة هذا دون عدالة ذاك أو بالعكس لفرض ان نسبة المعلوم بالإجمال إلى كل واحد منهما على حد سواء.

و بكلمة واضحة انا قد ذكرنا في محله انه لا واقع و لا تعين للمعلوم بالإجمال مطلقاً، اما في مثل المثال المزبور فواضح. و اما فيما إذا فرض ان أحدهما عادل في الواقع و علم اللَّه دون الآخر ففي مثل ذلك أيضاً لا تعين له، ضرورة ان العلم الإجمالي لم يتعلق بعدالة خصوص هذا العادل في الواقع. و إلا لكان علماً تفصيلياً و هذا خلف، بل تعلق بعدالة أحدهما. و من الواضح جدا انه ليس لعنوان أحدهما واقع موضوعي و تعين في عالم الخارج. بل هو مفهوم انتزاعي في عالم النّفس. و لا يتعدى عن أفق النّفس إلى ما في الخارج. و له تعين في ذلك العالم.

لا في عالم الواقع و الخارج و من المعلوم ان متعلق العلم هو ذلك المفهوم الانتزاعي لا ما ينطبق عليه هذا المفهوم. لفرض انه متعين في الواقع و علم اللّه و العلم لم يتعلق به. و إلا لكان علماً تفصيلياً لا إجمالياً.

فالنتيجة قد أصبحت من ذلك انه لا مانع من تعلق الصفات الحقيقية كالعلم و الإرادة و ما شاكلهما بالجامع الانتزاعي الّذي ليس له واقع ما عدا نفسه فضلا عن الأمر الاعتباري.

و من هنا يتبين انه لا فرق بين الواجب التعييني و الواجب التخييري إلا في‏

44

نقطة واحدة، و هي ان متعلق الوجوب في الواجبات التعيينية الطبيعة المتأصلة كالصلاة و الصوم و الحج و ما شاكلها. و في الواجبات التخييرية الطبيعة المنتزعة كعنوان أحدهما. و اما من نقاط أخرى فلا فرق بينهما أصلا، فكما ان التطبيق في الواجبات التعيينية بيد المكلف، فكذلك التطبيق في الواجبات التخييرية و كما ان متعلق الأمر في الواجبات التعيينية ليس هو الافراد كذلك متعلق الأمر في الواجبات التخييرية.

بقي هنا شي‏ء و هو انه هل يمكن التخيير بين الأقل و الأكثر أم لا؟

وجهان فذهب بعضهم إلى عدم إمكانه بدعوى انه مع تحقق الأقل في الخارج و حصوله يحصل الغرض، فاذن يكون الأمر بالأكثر لغواً فلا يصدر من الحكيم.

و قد أجاب عنه المحقق صاحب الكفاية (قده) و إليك نصّ كلامه: لكنه ليس كذلك، فانه إذا فرض ان المحصل للغرض فيما إذا وجد الأكثر هو الأكثر لا الأقل الّذي في ضمنه، بمعنى ان يكون لجميع اجزائه حينئذ دخل في حصوله و ان كان الأقل لو لم يكن في ضمنه كان وافياً به أيضاً فلا محيص عن التخيير بينهما، إذ تخصيص الأقل بالوجوب حينئذ كان بلا مخصص، فان الأكثر بحده يكون مثله على الفرض، مثل ان يكون الغرض الحاصل من رسم الخطّ مرتباً على الطويل إذا رسم بماله من الحد لا على القصير في ضمنه، و معه كيف يجوز تخصيصه بما لا يعمه، و من الواضح كون هذا الفرض بمكان من الإمكان. ان قلت هبه في مثل ما إذا كان للأكثر وجود واحد لم يكن للأقل في ضمنه وجود على حدة كالخط الطويل الّذي رسم دفعة بلا تخلل سكون في البين، لكنه ممنوع فيما إذا كان له في ضمنه وجود كتسبيحة في ضمن تسبيحات ثلاث أو خط طويل رسم مع تخلل العدم في رسمه، فان الأقل قد وجد بحده و به يحصل الغرض على الفرض، و معه لا محالة يكون الزائد عليه مما لا دخل له في حصوله فيكون زائداً على الواجب‏

45

لا من اجزائه، قلت لا يكاد يختلف الحال بذاك، فانه مع الفرض لا يكاد يترتب الغرض على الأقل في ضمن الأكثر، و إنما يترتب عليه بشرط عدم الانضمام و معه كان مترتباً على الأكثر بالتمام. و بالجملة إذا كان كل واحد من الأقل و الأكثر بحده مما يترتب عليه الغرض فلا محالة يكون الواجب هو الجامع بينهما و كان التخيير بينهما عقلياً ان كان هناك غرض واحد، و تخييرا شرعيا فيما كان هناك عرضان على ما عرفت. نعم لو كان الغرض مترتباً على الأقل من دون دخل للزائد لما كان الأكثر مثل الأقل و عدلا له، بل كان فيه اجتماع الواجب و غيره مستحبا كان أو غيره حسب اختلاف الموارد فتدبر جيدا.

نلخص ما أفاده (قده) في عدة نقاط:

الأولى- انه لا مانع من الالتزام بالتخيير بين الأقل و الأكثر فيما إذا كان كل منهما بحده محصلا للغرض، و عليه فلا يكون الأقل في ضمن الأكثر محصلا له، و معه لا مانع من الالتزام بالتخيير بينهما، و بكلمة أخرى ان الغرض إذا كان مترتباً على حصة خاصة من الأقل و هي الحصة التي لا تكون في ضمن الأكثر (بشرط لا) لا على الأقل مطلقا فلا مناص عندئذ من الالتزام بالتخيير بينهما أصلا، و لا يفرق في ذلك بين ان يكون للأقل وجود مستقل في ضمن الأكثر كتسبيحة واحدة في ضمن تسبيحات أربع، و ان لا يكون له وجود كذلك كالخط القصير في ضمن الخطّ الطويل، و الوجه فيه ما عرفت من ان الغرض إنما يترتب على حصة خاصة من الأقل، و عليه فكما انه لا أثر لوجود الخطّ القصير في ضمن الخطّ الطويل، و لا يكون محصلا للغرض، فكذلك لا أثر لوجود تسبيحة واحدة في ضمن تسبيحات ثلاث، لفرض ان الغرض إنما يترتب عليها فيما إذا لم تكن في ضمنها لا مطلقا، و على هذا فلا مناص من الالتزام بالتخيير بينهما.

الثانية- ان الغرض إذا كان واحد فيكون الواجب هو الجامع بينهما،

46

لفرض ان المؤثر في الواحد لا يكون إلا الواحد بالسنخ، و حيث ان الغرض واحد على الفرض فالمؤثر فيه لا بد ان يكون واحدا، لاستحالة تأثير الكثير في الواحد، و ذلك الواحد هو الجامع بينهما، فاذن لا محالة يكون الواجب هو ذلك الجامع لا غيره، و عليه فيكون التخيير بينهما عقلياً لا شرعياً. و اما إذا كان متعدداً فالتخيير بينهما شرعي كما تقدم.

الثالثة- ان الغرض إذا كان مترتباً على خصوص الأقل من دون دخل للزائد فيه أصلا فلا يكون الأكثر عدلا له، بل كان فيه اجتماع الواجب و غيره سواء أ كان ذلك الغير استحباباً أو غيره.

و لنأخذ بدرس هذه النقاط:

اما النقطة الأولى فهي و ان كانت في غاية الصحة و المتانة في نفسها، إلا انها خاطئة بالإضافة إلى مفروض الكلام و هو التخيير بين الأقل و الأكثر، و ذلك لأن ما فرضه صاحب الكفاية (قده) و ان كان تخييراً بينهما صورة، إلا ان من الواضح جداً انه بحسب الواقع و الحقيقة تخيير بين المتباينين و ذلك لفرض ان الماهية بشرط لا تباين الماهية بشرط شي‏ء، فإذا فرض ان الأقل مأخوذ بشرط لا كما هو مفروض كلامه لا محالة يكون مبايناً للأكثر المأخوذ بشرط شي‏ء ضرورة ان الماهية بشرط لا تباين الماهية بشرط شي‏ء، فلا يكون التخيير بينهما من التخيير بين الأقل و الأكثر بحسب الواقع و الدقة العقلية، بل هو من التخيير بين المتباينين، و عليه فما فرضه (قده) من التخيير بينهما خارج عن محل الكلام و لا إشكال في إمكانه بل وقوعه خارجاً في العرف و الشرع، و محل الكلام إنما هو فيما إذا كان الغرض مترتباً على وجود الأقل مطلقاً أي و لو كان في ضمن الأكثر، بان يكون مأخوذاً لا بشرط، و من الواضح جداً ان التخيير بينهما في هذا الفرض غير معقول. ضرورة انه كلما تحقق الأقل يحصل به الغرض،

47

و معه يكون الأمر بالزائد لغواً محضاً.

فالنتيجة قد أصبحت مما ذكرناه ان الأقل ان كان مأخوذاً بشرط لا فالتخيير بينه و بين الأكثر و ان كان امرا معقولا، إلا انه بحسب الواقع داخل في كبرى التخيير بين المتباينين لا الأقل و الأكثر، كما عرفت و ان كان مأخوذا لا بشرط فلا يعقل التخيير بينه و بين الأكثر، ضرورة انه بمجرد تحقق الأقل و لو في ضمن الأكثر يحصل الغرض، و معه لا يبقى مجال للإتيان بالأكثر أصلا، فاذن جعله في أحد طرفي التخيير يصبح لغوا محضاً فلا يصدر من الحكيم. و على ضوء هذا البيان ان أراد القائل باستحالة التخيير بينهما التخيير على النحو الأول الّذي هو تخيير شكلي بينهما لا واقعي موضوعي، فيرده ما ذكرناه من انه لا شبهة في إمكانه بل وقوعه خارجاً، لما عرفت من انه ليس تخييرا بين الأقل و الأكثر. بل هو تخيير في الحقيقة بين المتباينين. و ان أراد باستحالة التخيير بينهما التخيير على النحو الثاني فالامر كما ذكره.

و من هنا يظهر ان التخيير بين القصر و التمام في الأمكنة الأربعة ليس تخييرا بين الأقل و الأكثر واقعاً و حقيقة، و ان كان كذلك بحسب الشكل، و ذلك لأن صلاة القصر مشروطة شرعاً بالتسليمة في الركعة الثانية و عدم زيادة ركعة أخرى عليها، و صلاة التمام مشروطة شرعاً بالتسليمة في الركعة الرابعة و عدم الاقتصار بها، فهما من هذه الناحية أي من ناحية اعتبار الشارع ماهيتان متباينتان، فالتخيير بينهما لا محالة يكون من التخيير بين امرين متباينين لا الأقل و الأكثر، ضرورة ان الأثر لا يترتب على الركعتين مطلقاً و لو كانتا في ضمن أربع ركعات، و انما يترتب عليهما بشرط لا و هذا واضح. و اما التسبيحات الأربع فالمستفاد من الروايات هو وجوب إحداها لا جميعها، فاذن لا يعقل التخيير بين الواحدة و الثلاث، ضرورة ان الغرض مترتب على واحدة منها،

48

فإذا تحققت تحقق الغرض، و معه لا يبقى مجال للإتيان بالبقية أصلا. نعم.

الإتيان بها مستحب فإذا أتى المكلف بثلاث فقد أتى بواجب و مستحب. و على الجملة فحال التسبيحتين الأخيرتين حال القنوت و بقية الأذكار المستحبة في الصلاة و قد تحصل من مجموع ما ذكرناه ان التخيير بين الأقل و الأكثر غير معقول و ما نراه من التخيير بينهما في العرف و الشرع تخيير شكلي لا واقعي موضوعي فان بحسب الواقع ليس التخيير بينهما بل بين امرين متباينين كما مر.

و اما النقطة الثانية فقد تقدم الكلام فيها و في النقد عليها بشكل واضح فلا نعيد.

و اما النقطة الثالثة فالامر و ان كان كما أفاده (قده) إلا ان مردها إلى عدم تعقل التخيير بين الأقل و الأكثر على ما ذكرناه، كما هو واضح.

و نتيجة هذا البحث في عدة خطوط:

الأول- ان القول في المسألة بان الواجب هو ما يختاره المكلف في مقام الامتثال دون غيره باطل جدا و غير مطابق للواقع قطعاً، و قد دلت على بطلانه وجوه أربعة: (1) انه مخالف لظاهر الدليل. (2) انه مناف لقاعدة الاشتراك في التكليف (3) انه يستلزم عدم الوجوب في الواقع عند عدم اختيار المكلف أحدهما في مقام الامتثال. (4) انه إذا لم يكن شي‏ء واجبا حال عدم الامتثال لم يكن واجباً حال الامتثال أيضاً.

الثاني- ان شيخنا المحقق (قده) قد وجه القول بان كل منهما واجب تعييناً. غاية الأمر ان وجوب كل منهما يسقط بإتيان الآخر بتوجيهين:

(1) ان يفرض قيام مصلحة لزومية بكل منهما. و لأجل ذلك أوجب الشارع الجميع. و لكن مصلحة التسهيل تقتضي جواز ترك كل منهما إلى بدل (2) ان يفرض ان المصلحة المترتبة على كل منهما و ان كانت واحدة بالنوع. إلا ان‏

49

الإلزامي من تلك المصلحة وجود واحد و بما ان نسبته إلى الجميع على حد سواء، فلذا أوجب الجميع، و قد ناقشنا في كلا هذين التوجيهين بشكل واضح و قدمنا ما يدل على عدم صحتهما كما سبق.

الثالث- ان ما اختاره المحقق صاحب الكفاية (قده) من ان الغرض ان كان واحدا فالواجب هو الجامع بين الفعلين أو الأفعال، و يكون التخيير بينهما عقلياً، و ان كان متعددا فالواجب هو كل منهما مشروطاً بعدم الإتيان بالآخر لا يمكن المساعدة عليه، فان الفرض الأول يرتكز على ان يكون المقام من صغرى قاعدة عدم صدور الواحد عن الكثير، و قد مرت المناقشة فيه من وجوه:

(1) اختصاص تلك القاعدة بالواحد الشخصي و عدم جريانها في الواحد النوعيّ. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان الغرض في المقام واحد نوعي لا شخصي فالنتيجة على ضوئهما هي عدم جريان القاعدة في المقام. (2) ان الدليل أخص من المدعى لعدم تعقل الجامع الذاتي في جميع موارد الواجبات التخييرية كما سبق. (3) ان مثل هذا الجامع لا يصلح ان يتعلق به التكليف، لأن متعلقه لا بد ان يكون جامعاً عرفياً. و اما الفرض الثاني فهو يرتكز على ان يكون الغرضان المفروضان متضادين و قد عرفت المناقشة فيه أيضاً من وجوه: (1) انه خلاف ظاهر الدليل. (2) ان كون الغرضين متضادين مع عدم التضاد بين الفعلين ملحق بأنياب الأغوال. (3) انه يستلزم استحقاق المكلف عقابين عند ترك الفعلين معاً، و هذا مما لا يمكن الالتزام به، كما سبق.

الرابع- ان الواجب في موارد الواجبات التخييرية هو أحد الفعلين أو الأفعال، و الوجه فيه هو ان الأدلة بمقتضى العطف بكلمة (أو) ظاهرة في ذلك و لا بد من التحفظ على هذا الظهور، الخامس- انه لا مانع من تعلق الأمر بعنوان أحدهما بل قد تقدم انه‏

50

لا مانع من تعلق الصفات الحقيقية به كالعلم و الإرادة و ما شاكلهما فضلا عن الأمر الاعتباري.

السادس- ان الغرض قائم بهذا العنوان الانتزاعي، و لا مانع منه أصلا، و ذلك لفرض انه لا طريق لنا إلى إحرازه في شي‏ء ما عدا تعلق الأمر به، كما انه لا طريق لنا إلى معرفة سنخه.

السابع- انه لا فرق بين الواجب التخييري و الواجب التعييني إلا في نقطة واحدة، و هي ان متعلق الوجوب في الأول الجامع الانتزاعي، و في الثاني الجامع الذاتي و اما من نقاط أخر فلا فرق بينهما أصلا.

الثامن- ان التخيير بين الأقل و الأكثر غير معقول، و ما نراه من التخيير بين القصر و التمام و ما شاكلهما تخيير شكلي و صوري لا واقعي و حقيقي، فانه بحسب الواقع تخيير بين المتباينين، لفرض ان القصر في اعتبار الشارع مباين للتمام. فلا يكون التخيير بينهما من التخيير بين الأقل و الأكثر، بل هو من التخيير بين المتباينين .. و هكذا.

التاسع- انه لا فرق في جواز التخيير بين الأقل و الأكثر و امتناعه بين ان يكون للأقل وجود مستقل في ضمن الأكثر أم لا؟

الواجب الكفائي‏

لا يخفى ان الأمر الوارد من قبل الشرع كما انه بحاجة إلى المتعلق، كذلك هو بحاجة إلى الموضوع، فكما انه لا يمكن تحققه و وجوده بدون الأول، فكذلك لا يمكن بدون الثاني، و لا فرق في ذلك بين وجهة نظر و وجهة نظر آخر، فان حقيقة الأمر سواء أ كانت عبارة عن الإرادة التشرعية أم كانت عبارة عن الطلب الإنشائي كما هو المشهور أم كانت عبارة عن البعث و التحريك كما

51

عن جماعة أم كانت عبارة عن الأمر الاعتباري النفسانيّ المبرز في الخارج بمبرز ما من صيغة الأمر أو نحوها كما هو المختار عندنا، على جميع هذه التقادير بحاجة إلى الموضوع كحاجته إلى المتعلق. اما على الأول فواضح، و ذلك لأن الإرادة لا توجد في أفق النّفس بدون المتعلق لأنها من الصفات الحقيقية ذات الإضافة فلا يعقل ان توجد بدونه، فالمتعلق إذا كان فعل نفسه فهي توجب تحريك عضلاته نحوه، و ان كان فعل غيره فلا محالة يكون المراد منه ذلك الغير، بمعنى ان المولى أراد صدور هذا الفعل منه في الخارج. و اما على الثاني فائضاً كذلك، ضرورة ان الطلب كما لا يمكن وجوده بدون المطلوب، كذلك لا يمكن وجوده بدون المطلوب منه، لأنه في الحقيقة نسبة بينهما و هذا واضح.

و اما على الثالث فلان البعث نحو شي‏ء لا يمكن ان يوجد بدون بعث أحد نحوه و التحريك نحو فعل لا يمكن ان يتحقق بدون متحرك، ضرورة ان التحريك لا بد فيه من محرك و متحرك و ما إليه الحركة من دون فرق في ذلك بين ان تكون الحركة حركة خارجية و ان تكون اعتبارية، كما هو واضح. و اما علي الرابع فائضاً الأمر كذلك، لما عرفت من ان معنى الأمر هو اعتبار الفعل علي ذمة المكلف و إبرازه في الخارج بمبرز.

و من المعلوم انه كما لا يمكن ان يتحقق في الخارج بدون متعلق، كذلك لا يمكن ان يتحقق بدون فرض وجود المكلف فيه كما هو واضح. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان الواجبات الكفائية تمتاز عن الواجبات العينية في نقطة. و هي ان المطلوب في الواجبات العينية يتعدد بتعدد افراد المكلف و ينحل بانحلاله، فيكون لكل مكلف تكليف مستقل فلا يسقط عنه بامتثال الآخر .. و هكذا من دون فرق بين ان يكون الفعل في الواقع و مقام الثبوت ملحوظاً على نحو الإطلاق و السريان أو ملحوظاً على نحو الإطلاق و العموم‏

52

البدلي الّذي يعبر عنه بصرف الوجود، أو ملحوظاً على نحو الإطلاق و العموم المجموعي، ضرورة ان التكليف في جميع هذه الصور ينحل بانحلال افراد المكلف و يتعدد بتعددها، فلا فرق بينها من هذه الناحية أبدا، فالجميع من هذه الجهة على صعيد واحد. نعم فرق بينها من ناحية أخرى و هي ان التكليف ينحل بانحلال متعلقه أيضاً مع الأول دون الثاني و الثالث. و سيجي‏ء تفصيل ذلك بشكل واضح في مبحث النواهي إن شاء اللَّه تعالى فلاحظ. و هذا بخلاف الواجبات الكفائية فان المطلوب فيها واحد و لا يتعدد بتعدد افراد المكلف في الخارج، و لأجل ذلك وقع الكلام في تصوير ذلك و انه كيف يعقل ان يكون الفعل الواحد مطلوباً بطلب واحد من الجميع.

و ما قيل أو يمكن ان يقال في تصويره وجوه:

الأول- ان يقال ان التكليف متوجه إلى واحد معين عند اللَّه، و لكنه يسقط عنه بفعل غيره لفرض ان الغرض واحد، فإذا حصل في الخارج فلا محالة يسقط الأمر.

و يرده: أولا ان هذا خلاف ظواهر الأدلة فان الظاهر منها هو ان التكليف متوجه إلى طبيعي المكلف لا إلى فرد واحد منه المعين في علم اللَّه، كما هو واضح. (و ثانيا) لو كان الأمر كذلك فلا معنى لسقوط الواجب عنه بفعل غيره، فانه على خلاف القاعدة فيحتاج إلى دليل و إذا لم يكن دليل فمقتضى لقاعدة عدم السقوط. و دعوى ان الدليل في المقام موجود لفرض ان التكليف يسقط بإتيان بعض افراد المكلف و ان كانت صحيحة من هذه الناحية، إلا انه من المعلوم ان ذلك من ناحية ان التكليف متوجه إليه و يعمه، و لذا يستحق الثواب عليه لا من ناحية انه يوجب سقوط التكليف عن غيره كما هو ظاهر.

(و ثالثا) ان مثل هذا التكليف غير معقول، و ذلك لأن المفروض ان توجه هذا