محاضرات في أصول الفقه (شرح الحلقة الثانية) - ج1

- عبد الجبار الرفاعي‏ المزيد...
451 /
5

[الجزء الأوّل‏]

المقدمة

مثلما كان المنطق الصوري الأرسطي العلامة الفكرية المميزة للحضارة اليونانية، فإن علم اصول الفقه هو أحد أبرز العلامات الفكرية للحضارة الاسلامية، ذلك انّ علم الاصول إبداع إسلامي أصيل، لم يستعره المسلمون من بيئات أخرى، و إنما نشأ و تطور في عالمنا، و أضحى بعد فترة وجيزة من ولادته بمثابة المنطق للتفكير الفقهي، و ربما أمكن الافادة منه في العلوم الاسلامية، ليغدو منطقا لها، بل منطقا للحضارة الاسلامية، لو تطور و تكامل بنسق منهجي موضوعي، و لو لم تكتنف مساره اختلالات منهجية، اصطبغ اثرها بنزعة عقلية تجريدية افتراضية، مضافا الى محاولة تعطيله و إعاقة نموه بعد إقفال باب الاجتهاد و حصر المذاهب بالمذاهب المعروفة.

و في الوقت الذي تحوّل فيه علم الاصول الى نصوص و مستخلصات لأقوال المتقدمين من علماء المذاهب لا يسوغ تجاوزها، كان هذا العلم ينمو و يتكامل في الحواضر العلمية لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام). و قد بلغ ذروة ازدهاره في المائة سنة الأخيرة منذ عصر الشيخ مرتضى الانصاري الى السيد الشهيد محمد باقر الصدر، الذي أشاد أركان مدرسة أصولية أودعها ابداعات منهجية، و غذّاها بمعطيات بحوثه في منطق الاستقراء و فلسفة الاحتمال.

لقد أدرك الشهيد الصدر في وقت مبكر قصور الكتب المتعارفة في الدرس الاصولي، ان من حيث انتماؤها لمراحل ماضية في تاريخ علم الأصول، لأنها- حسب تعبيره- تمثل مراحل مختلفة من الفكر الاصولي، فالمعالم تعبّر عن‏

6

مرحلة قديمة تاريخيا من علم الاصول، و القوانين تمثل مرحلة خطاها علم الاصول و اجتازها الى مرحلة أعلى على يد الشيخ الانصاري و غيره من الأعلام، و الرسائل و الكفاية نفسهما نتاج اصولي يعود لما قبل مائة سنة. أو من حيث إن تلك الكتب لم يؤلفها اصحابها كمقررات للدراسة، و انما هي مؤلفات أصولية تحكي آراء المؤلف و ما انتهى اليه هذا العلم في زمانه، و من الواضح أن أسلوب كتابة المقرر الدراسي الذي يؤلف للتلامذة المبتدئين في دراسة العلم يختلف عن اسلوب التأليف المستقل الذي يكتبه الاصولي للخبراء في العلم.

لذلك بادر الشهيد الصدر لتدوين مقرر جديد للدرس الأصولي تحت عنوان «دروس في علم الاصول» في حلقات ثلاث، عرض في كل واحدة منها مباحث علم الاصول، بمنهجية موحدة، و لكن بمستويات ثلاثة، تتفاوت في كمية و كيفية المباحث المطروحة، حسبما تتطلبه المرحلة الدراسية للتلميذ، إذ جاء العرض متدرجا في الحلقات، يطوي الدارس مع كل حلقة يفرغ منها مرحلة، و يرتقي الى المرحلة الأعلى بالحلقة التالية لها. و لم يقتصر التدرج في العرض على كل حلقة بالنسبة الى سابقتها، و انما جاء العرض متدرجا في الحلقة نفسها، فالجزء الثاني من الحلقة الثانية أعلى من الجزء الأول، و هكذا تتصاعد مباحث الحلقة الثانية مع تقدم التلميذ في دراسة الكتاب، و كأنه يرتقي سلما.

و مما لا شك فيه ان هذه السمة تنفرد فيها الحلقات، فهي تواكب السير العلمي للتلميذ و تصعده برفق في دراسته للاصول.

و بموازاة ذلك استوعبت الحلقات تجربة المائة سنة الأخيرة البالغة الأهمية في تطور علم الاصول، فضمت طائفة من النظريات و الآراء أبدعها الدرس‏

7

الأصولي في القرن الأخير.

كما صنفت مباحث هذا العلم بتصنيف يحافظ على الاسلوب الثنائي الموروث في تقسيمهما الى مجموعتين هما: مباحث الالفاظ و الأدلة العقلية، مع تعديل أدرج المجموعتين في (الأدلة المحرزة) معتبرا اياها مجموعة أولى في مقابل مجموعة ثانية هي (الأصول العملية) و أدرج في الخاتمة (تعارض الأدلة).

فيما تصدر المباحث (تمهيد) اشتمل على مجموعة مبادئ تتصل بتعريف علم الاصول، و موضوعه، و أهميته، و تعريف الحكم الشرعي و أقسامه، و يليها بحث حول حجية القطع، باعتباره عنصرا مشتركا يدخل في كل عمليات استنباط الحكم الشرعي، سواء ما كان منها قائما على أساس الأدلة المحرزة أو الأصول العملية.

و يبرر الشهيد الصدر تصنيفه للمسائل الاصولية بهذا الاسلوب، بأنه يجسد في الواقع عملية الاستنباط و ما تنطوي عليه من تصنيف للمواقف، فكما ان عملية الاستنباط تشتمل على مرحلتين مترتبتين، و هما: الأدلة و الاصول، كذلك البحث في علم الاصول يصنف الى هذين الصنفين. و تظهر ثمرة هذا التصنيف من الناحية التربوية في جعل الطالب مأنوس الذهن بالقواعد الأصولية، بمواقعها المحددة في عملية الاستنباط.

و بالرغم من أن الشهيد الصدر صاغ الحلقات باسلوب يتجنب تطعيم العبارة بشي‏ء من الألغاز، و حرص على سلامتها، و أن تكون واضحة وافية بالمعنى، إلّا انه لم يدخل على العبارة الاصولية تطويرا مهما، و لم يترسم أساليب التعبير الحديث في اللغة العربية، خاصة في الحلقتين الثانية و الثالثة؛ لئلا يحول بين‏

8

الطالب و الافادة من التراث الاصولي الغزير. مضافا الى ان الحلقات لم تكتب لأبناء اللغة العربية العارفين بأساليبها الحديثة فقط، و انما كتبت ليدرسها جميع طلاب الحوزات العلمية الذين ينحدرون من شعوب مختلفة في العالم الاسلامي، و باعتبارهم يتلقون علومهم و ثقافتهم من مصادر عربية قديمة، فيظل الاسلوب القديم هو الأيسر فهما لهم.

و مع ان الحلقات ألفت منذ أكثر من عشرين عاما لكنها لم تنسخ الكتب السابقة في الدرس الاصولي، و لم يدرسها سوى طائفة من الطلاب في الحوزة العلمية، و ما لبثت حتى هذه اللحظة مقررا اختياريا في الامتحانات و الترقية العلمية، بل عمد بعض الاساتذة لتدوين كتاب جديد للدرس الاصولي في السطوح، لا يعدو ان يكون تجميعا و تلخيصا للكتب السابقة.

و يعود ضعف الاهتمام بالحلقات الى أسباب عديدة، من أبرزها و فرة شروح الكتب الاصولية المتعارفة للدراسة مثل «كفاية الأصول»، و عدم توفر أي شرح للحلقات ما عدا كتاب «الحلقة الثالثة باسلوبها الثاني» لأستاذنا الشيخ باقر الايرواني حفظه اللّه، و الذي يسّر دراسة الحلقة الثالثة، و ذلل الكثير من الصعوبات أمام أساتذة و طلاب هذه الحلقة.

بينما لم تزل الحلقة الثانية من دون شرح يساعد الطالب على استيعاب مباحثها. و طالما بحث دارسو هذا الكتاب عن أداة تيسر لهم الافادة منه، إلّا أنهم لم يظفروا بذلك.

و منذ سنوات قررت تدوين شرح لكتاب الحلقة الثانية، غير ان زحمة أعمالي و تراكمها أعاقتني حتى الآن عن ذلك، فاقترح بعض الطلاب مكررا

9

تحرير و طباعة دروسي المضبوطة على اشرطة ضبط الصوت، فاستجبت لرغبتهم و باشرت تحرير هذا الشرح، الذي أرجو ان ينتفع به دارسو الحلقة الثانية.

و أود الاشارة الى جملة أمور تتصل بهذا الشرح:

1- ان هذا الشرح كما ذكرت هو في الاصل دروس منقولة من أشرطة ضبط الصوت، و قد اجريت عليها بعض التعديلات، و حرصت على الحفاظ على صورتها التي صيغت فيها، فلم أعمد لحذف الامثلة المتعددة، و ما ورد من اعادة المطالب ببيان آخر، و التوضيحات المسهبة أحيانا؛ لأنّ هدف هذا الكتاب هو تبسيط عرض المسائل و تيسير سبل استيعابها للدارسين. و لذلك قد يتكرر بيان المسألة كلما دعت الحاجة الى ذلك في سياق تدريس كتاب الحلقة الثانية.

2- اقتصر الشرح على بيان مطالب الحلقة الثانية، و لم يستغرق في اقحام مطالب اصولية أعلى من مستوى هذه الحلقة؛ لأنّ كتاب الحلقة الثانية أعد ككتاب دراسي تمهيدي للمبتدئين في دراسة علم الاصول، و سينتقل الدارس لمستوى أعلى في الحلقة الثالثة، و مستوى أعمق منه في البحث الخارج.

3- يجي‏ء هذا الشرح ثمرة لتدريس الحلقة الثانية للمرة السادسة في العام الدراسي 1418 ه استجابة لطلب مشكور من الشيخ ناصر الشويخ البحراني، و تطوع الشيخ رشيد القحطاني لكتابة الدروس من اشرطة ضبط الصوت، و المراجعة اللغوية للاستاذ محسن الاسدي، و قراءة السيد نوري البطاط، و الاستاذ سرمد الطائي، و جهود الأخ علي الكربلائي في تنضيد حروف الكتاب و اخراجه بهذه الصورة.

10

فلهم و لجميع الأخوة الذين ألحوا على تحرير هذا الكتاب و نشره خالص امتناني و فائق احترامي و تقديري.

و ينبغي الاشارة الى أن كل خطأ أو اشتباه في هذا الشرح فأنا مسئول عنه و حدي، و هو تعبير عن قصوري، و قديما قيل: لو كنت انتظر الكمال ما فرغت من عملي هذا.

و ما توفيقي إلّا باللّه عليه توكلت و اليه أنيب.

عبد الجبار القحطاني الرفاعي‏

قم المشرفة 25- 12- 1418 ه

11

تمهيد

1- تعريف علم الاصول‏

2- موضوع علم الاصول و فائدته‏

3- الحكم الشرعي و تقسيمه‏

4- تنويع البحوث الاصولية

5- حجية القطع و أحكامه‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

تعريف علم الأصول‏

إنّ علماء علم الأصول و الباحثين في العلوم القديمة عموما، عادة ما يقدّمون لكتبهم جملة مبادئ تصورية للعلم، منها تعريف العلم، و موضوعه، و الغاية منه، و ربما رتبته في سلّم العلوم. و علم الأصول لم يعرّف في الكتب القديمة، و إنما كان يعرّف علم الفقه. ففي كتاب المعالم مثلا لا نجد تعريفا لعلم الأصول إلّا أنّ المؤلفات المتأخرة اهتمت بتعريف هذا العلم، و قد سار الشهيد الصدر على منهجهم فبدأ بتعريف علم الأصول، ثم تلاه بالحديث عن بعض المبادئ التصورية، تمهيدا للدخول في مباحث العلم.

و فيما يلي بيان لهذا الموضوع في عدّة مطالب، هي:

1- تعريف علم الأصول:

التعريف المشهور لعلم الأصول هو، «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي». و إذا لاحظنا هذا التعريف، نجده يشتمل على ما يلي:

1- القواعد: فهو علم بقواعد كلية و ليس بمسائل جزئية، أي انه العلم بضوابط و معايير كلية.

2- الممهّدة: إذ أن هذه القواعد ينبغي أن تكون ممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي، بمعنى مدونة و مسجلة، باعتبار ان تمهيد القواعد هو أولا بحثها و تنقيحها، و البحث و التنقيح يعني التدوين و التسجيل.

المقصود بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي:

إنّ الفقيه عند ما يريد ان يستنبط حكم مسألة من المسائل الشرعية،

14

فالاستنباط عملية قياس، و القياس كما هو معلوم يتألف من مقدمتين صغرى و كبرى؛ لكي يحصل على نتيجة.

مثال: عند ما نريد أن نستنبط حكم ردّ التحية، هل هو واجب أو ليس بواجب؟ نعود الى القرآن الكريم الآية 86 في سورة النساء وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها). فنجد فيها فعل الأمر (حيّوا) و فعل الأمر يحتوي على صيغة و مادة، و المادة فيه تدل على التحية، و الصيغة أي هيئة (افعل) ظاهرة في الوجوب، فنؤلّف قياس الاستنباط هكذا: حيّوا ظاهرة في وجوب ردّ التحية، هذه مقدمة في قياس الاستنباط، كما نحتاج الى مقدمة أخرى و هي: كلّ ظهور حجّة، فيكون القياس بهذه الصورة: حيّوا ظاهرة في وجوب رد التحية، و كل ظهور حجّة. النتيجة: ظهور حيّوا في وجوب ردّ التحية حجّة. و على هذا الأساس يمكن أن نستنبط الحكم بوجوب ردّ التحية.

استعنّا في هذا القياس الاستنباطي بقاعدتين، و كلاهما ندرسهما في علم الأصول:

الأولى: ظهور صيغة فعل الأمر في الوجوب.

الثانية: كلّ ظهور حجّة.

إذا علم الأصول: هو العلم بهذه القواعد التي تمهّد لاستنباط الحكم الشرعي.

2- مناقشة التعريف:

ناقش المصنف هذا التعريف بمناقشتين:

الأولى: عند ما نلاحظ كلمة (الممهدة)، نستفيد منها تقييد القاعدة، باعتبار أنها مسجلة و مدونة. و هذا يعني أنّ القاعدة إنما تكون أصولية، عند ما تسجل و تدون في كتب الأصول. بينما تعريف أي علم من العلوم وظيفته الأساسية هي وضع‏

15

معيار و ضابط و مقياس كلّي، في ضوئه نستطيع أن نقول: إنّ هذه المسألة داخلة في العلم، و تلك المسألة غير داخلة فيه.

و ببيان آخر: أنّ دخول صيغة (افعل) الظاهرة في الوجوب في علم الأصول، لا لانّ علماء الأصول كتبوها في مؤلفاتهم، أو دوّنوها في كتبهم الأصولية، و إنما لانّ هذه المسألة تمثل عنصرا مشتركا في عملية الاستنباط، و لأنّ هذه المسألة في الواقع و نفس الأمر هي مسألة أصولية، سواء كانت مدونة في كتب الأصول أم اكتشفها الأصوليون و دونوها فيما بعد في مؤلفاتهم.

إذا في التعريف ينبغي أن نفتش عن ضابط قبل مرحلة التدوين، و في ضوء هذا الضابط نقول: إنّ هذه المسألة أصولية؛ لأنها ينطبق عليها هذا الضابط، و تلك المسألة ليست أصولية؛ لانها لا ينطبق عليها هذا الضابط.

فالإشكال الأساسي في هذا التعريف يعني أنّ المسألة تكتسب أصوليتها من تدوينها في مؤلفات الأصوليين، بمعنى أنّ هذا التعريف يمثل ضابطا بعد مرحلة التدوين، بينما نحن نريد ضابطا و معيارا و ميزانا قبل مرحلة التدوين، و في ضوئه نحدّد هل هذه المسألة أصولية فتدخل في علم الأصول أو ليست أصولية فلا تدخل في علم الأصول؟ نريد أن نفحص مثلا في مسألة الفاعل مرفوع، فنعرف هل هي أصولية أم لا؟ فنقول: إنها ليست أصولية؛ لأنها ليست عنصرا مشتركا في عملية الاستنباط.

بينما في ضوء البيان السابق لو دوّن أحد الأصوليين هذه المسألة في كتاب من كتبه، فإنها تغدو أصولية.

و هذا الإشكال استطاع بعض التخلص منه بتعريف آخر، فعرّف علم الأصول بأنه: «العلم بالقواعد التي تقع في طريق الاستنباط»

16

كما أنه يمكن دفع الإشكال بأن نقرأها (الممهّدة) بالكسرة، و هي التي تقع في طريق الاستنباط، أي ان (التمهيد) اذا قدّر كمصدر مضاف الى فاعله (القواعد) فهو يساوق الوقوع في طريق الاستنباط و المدخلية في تشكيل أدلة الحكم و كونه يمهد لاستنباطه.

و بعبارة أخرى:. اذا افترضنا و قدرنا التعريف بهذا البيان: (تمهيد القواعد لاستنباط الحكم الشرعي) فهذا من باب اضافة المصدر المقدر (تمهيد) الى فاعله (القواعد).

الثانية: دخول مسائل غير أصولية في علم الأصول، فيكون التعريف غير مانع؛ لأنّ الفقيه عند ما يريد أن يستنبط حكم مسألة من المسائل لا يعتمد على عناصر مشتركة فقط، و إنما يحتاج الى عناصر خاصة أيضا.

مثلا عند ما يريد الفقيه أن يستنبط الحكم في مسألة التيمم، تقول الآية الكريمة: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً المائدة/ 6. هنا يحتاج الفقيه الى جملة مسائل في عملية الاستنباط، منها أنه يحتاج الى ظهور صيغة افعل في الوجوب (تيمموا)، و يحتاج الى حجية الظهور، و أيضا أنه يحتاج الى تحديد المدلول اللغوي لكلمة (الصعيد). فهل تدل على مطلق وجه الأرض، كالحجر و الرخام و الحصى و التراب، أم انها تدل على التراب خاصة؟

ففي ضوء تحديد المدلول اللغوي لكلمة الصعيد يمكن أن يفتي الفقيه بأنه يمكن التيمم بمطلق وجه الارض أو التراب خاصة.

إذا تحديد المدلول اللغوي لهذه الكلمة له دخل في استنباط حكم التيمم، بالرغم من أنه عنصر خاص و ليس عنصرا مشتركا.

أو مثلا عند ما يريد الفقيه أن يستنبط حكم حرمة شي‏ء من الأشياء، فيرجع‏

17

الى رواية وقع في سندها زرارة مثلا، فلا بد من أن يرجع الى كتب الرجال، و ينظر هل زرارة ثقة أم لا؟ حتى يصحح سندها، و هكذا.

إذا تدخل في عملية الاستنباط عناصر خاصة غير العناصر المشتركة، و هي تارة تكون رجالية، و أخرى حديثية، أو لغوية، و غير ذلك، فأصبح التعريف غير مانع؛ لأن ما يقع في طريق الاستنباط، لا يكون قواعد أصولية فقط و إنما هو أعم.

قد يقال: عند ما قيّدنا التعريف بالقاعدة، فقلنا: علم الأصول هو العلم بالقواعد التي تقع في طريق الاستنباط. فإنّ تحديد مدلول كلمة الصعيد ليس بقاعدة، القاعدة هي: ما يكون أمرا عاما يدخل في أكثر من مورد، بينما كلمة الصعيد لا تدخل إلّا في هذا المورد. لكن مع ذلك لا يندفع الإشكال؛ لأنّه قد تدخل قواعد في عملية الاستنباط إلّا أنها ليست أصولية، كما لو افترضنا أنّ قاعدة رجالية نستخدمها في الاستنباط تدخل في موارد أخرى غير مسألة التيمم، فحينئذ تطّرد هذه المسألة في غير مورد، فيمكن أن ينطبق عليها عنوان قاعدة، فهذا الحلّ لا يكون مفيدا في هذا المقام.

إذا هذا الإشكال يبقى واردا على التعريف.

3- التعريف المختار:

التعريف الصحيح عند المصنف، هو أنّ علم الأصول: هو العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

و العنصر المشترك: هو قاعدة عامة تدخل في استنباط أحكام متعددة، و هذه القاعدة كظهور صيغة افعل في الوجوب، فهي تدخل في استنباط الحكم بوجوب الصلاة أَقِيمُوا الصَّلاةَ، و تدخل في استنباط وجوب التيمم‏ فَتَيَمَّمُوا، و استنباط وجوب الزكاة آتُوا الزَّكاةَ، و تدخل في استنباط كلّ حكم يكون‏

18

الدليل الدال عليه ظاهرا في معناه في الوجوب.

إذا العنصر المشترك: هو القاعدة و المعيار العام الذي يدخل في استنباط أحكام متعددة في موارد متعددة و ليس في مورد واحد، و على هذا الأساس تخرج المسائل الخاصة التي تدخل في استنباط مورد أو موردين أو ثلاثة موارد أو أكثر مثل القواعد الرجالية أو اللغوية.

و بعبارة أخرى: نصنّف ما يدخل في عملية الاستنباط الى قسمين: قسم خاص و قسم عام، و علم الأصول: هو العلم الذي يمعنى بدراسة العناصر و القواعد العامة و المشتركة، لا العناصر الخاصة.

19

موضوع علم الأصول‏

اعتاد الباحثون القدماء في بداية مؤلفاتهم دراسة موضوع العلم. و موضوع العلم هو الجامع بين موضوعات مسائله. فمثلا: علم النحو يتألف عادة من مئات المسائل، لو لاحظناها لوجدناها عبارة عن قضايا فيها موضوع و محمول، كالفاعل مرفوع، فهذه قاعدة فيها موضوع و محمول، و المفعول منصوب، و فعل الأمر مبنيّ، و هكذا. و كلّ علم آخر يتألف من مجموعة من المسائل و القواعد أو القضايا، و هذه القضايا فيها موضوع و محمول، و موضوع العلم هو ما يكون مفهوما كليا لموضوعات مسائله، أي تكون هذه الموضوعات مصاديق له، أي ان القدماء كانوا يفترضون وجود قضية كلية، يندرج تحت موضوعها كل موضوعات مسائل العلم، و تحت محمولها جميع محمولات تلك المسائل. و من هنا يعبّر عن ذلك المفهوم الشامل بموضوع العلم. فمثلا: الكلمة، مفهوم كليّ جامع، فعند ما نقول: الحال منصوب، ينطبق على الحال انه كلمة، و هكذا: الفاعل مرفوع، فالفاعل كلمة أيضا، إذا قضايا علم النحو موضوعاتها، أي المفهوم الكلّي الذي ينطبق عليها جميعا، و تكون بمجموعها مصاديق له هو الكلمة؛ و لذلك يكون موضوع علم النحو الجامع بين موضوعات مسائله هو الكلمة، و البحث فيه يدور حول أحوال الحرف الأخير للكلمة.

أما موضوع علم الأصول فقد قيل: إنه الأدلة الأربعة: الكتاب الكريم، و السنة الشريفة، و الاجماع، و العقل.

لكن هذا القول غير تام؛ لانّ هذه الأدلة ليست عنوانا قابلا للانطباق على تمام موضوعات قضايا علم الأصول، أي ليست عنوانا جامعا بين مسائل علم الأصول قاطبة. و إنما نجد الكثير من مسائله تخرج من هذا الموضوع الذي ذكره‏

20

المتقدمون، فمثلا مسائل الاستلزامات العقلية، مثل وجوب الشي‏ء يستلزم وجوب مقدمته، تمثل قواعد عامة تقع في طريق عملية الاستنباط، لكن لا ينطبق على موضوعها أي واحد من الادلة الأربعة. فهي ليست كتابا، و لا سنة، و لا إجماعا، و لا عقلا؛ لانّ موضوعها الوجوب (حكم شرعي)، و الحكم الشرعي مدلول الكتاب و السنة. و الإجماع و هكذا العقل يدلان على الحكم الشرعي أيضا، و الحكم مدلول لهما.

إذا بعض موضوعات مسائل علم الأصول، لا ينطبق عليها أي دليل من الأدلة الأربعة، كموضوع الاستلزامات العقلية الذي هو الحكم، و الحكم ليس دليلا من الأدلة الأربعة؛ لانّ الأدلة هي الطريق للحكم و الحكم مدلول لها.

مثال آخر: إنّ الأمارات الظنية، كخبر الثقة أو الظهور من المسائل الأصولية، يعني حجية خبر الثقة عنصر مشترك نبحثه في علم الأصول، و هكذا حجية الظهور، فالأمارات الظنية لا يكون موضوعها أحد الأدلة الأربعة، و إنما يكون موضوعها خارجا عنها. فعند ما نبحث عن حجية خبر الثقة، فاننا نبحث عن الظن المستفاد من خبر الثقة هل هو حجّة أو ليس بحجة؟

لكن قد يقول قائل: أ ليس خبر الثقة سنة، و هو أحد الأدلة الأربعة؟

الجواب: خبر الثقة ليس هو السنة، السنة هي قول المعصوم، و فعله، و تقريره، و ليس خبر زرارة الثقة هو السنة، و إنما خبر الثقة كاشف و دليل على السنة الشريفة. و الظهور عند ما نبحث عنه فاننا نبحث في أنّ الظن المستفاد من الظهور هل هو حجّة أو ليس بحجة؟ و بالتالي فالظهور لا ينطبق عليه عنوان أيّ من الأدلة الأربعة.

و بالنتيجة فإنّ البحث في حجية الأمارات الظنية، لا ينطبق عليه عنوان الأدلة الأربعة.

21

كذلك الأصول العملية، لا ينطبق على موضوعها الأدلة الأربعة، ففي البراءة نبحث في أنّ الشك البدوي هل تجري فيه البراءة أو لا تجري؟ فالموضوع هو الشك.

و في العلم الإجمالي نبحث في أنّ الشك المقرون بالعلم الإجمالي هل تجري فيه البراءة أو الاحتياط؟ هل الموقف هو الاحتياط أو براءة الذمة؟

و في الاستصحاب، الموضوع هو الشك بالبقاء، أي الشك المسبوق بيقين، و البحث إنما يدور حول هل مثل هذا الشك تجري فيه البراءة أم نستصحب فيه اليقين السابق أم نحتاط في مورده؟

إذا الموضوع في الأصول العملية عادة هو الشك، سواء كان شكا مسبوقا بالعلم، أو شكا مجرّدا من العلم، أو شكا مقرونا بالعلم، و بالتالي فإنّ الشك لا ينطبق عليه أحد الأدلة الأربعة.

فعلى هذا الأساس تخرج الكثير من المسائل الأصولية عن الأدلة الأربعة.

تصور المصنف لموضوع علم الأصول:

و لذلك فإنّ بعض الأصوليين و بسبب هذه الإشكالات و غيرها، التي وردت على تصور المتقدمين لموضوع علم الأصول، قالوا: ليس من الضروري أن يكون لعلم الأصول موضوع واحد، و إنما يمكن أن تكون له موضوعات كثيرة.

فيما قال آخرون لا يمكن أن نثبت ان لعلم الأصول موضوعا، بل يمكن أن نبرهن على استحالة وجود موضوع لعلم الأصول أو لكلّ علم.

و لكن المصنف يقول: إنّ لعلم الأصول كما للعلوم الأخرى موضوعا، و موضوعه هو الدليل. و ليس من الضروري أن يحصر بالأدلة الأربعة، أي أن موضوعه مطلق الأدلة. و بعبارة أخرى: أنّ موضوع علم الأصول هو كلّ ما يصلح أن يكون عنصرا مشتركا و يصلح ان يكون دليلا في عملية استنباط الحكم‏

22

الشرعي. هذا هو موضوع علم الأصول.

و على هذا الأساس فإننا لو لاحظنا الأمثلة المتقدمة فإنّ البحث فيها محوره ما يصلح أن يكون دليلا. فبالنسبة الى الأصول العملية، يكون الشك هو الموضوع، سواء كان الشك المجرّد من العلم أو المصحوب بالعلم. فنقول: الشك الابتدائي هل يصلح أن يكون دليلا أو لا يصلح؟ و الشك المقرون بالعلم الاجمالي، هل يصلح أن يكون دليلا أو لا يصلح أن يكون دليلا؟ كذلك البحث في حجية الأمارات الظنية، يكون في الظن المستفاد من خبر الثقة، فهل يصلح ان يكون دليلا على الحكم الشرعي أو لا يصلح؟ و الظن المستفاد من الشهرة، لو أفتى مجموعة من العلماء مثلا، بحرمة حلق اللحية، فهذه الشهرة أو الظن المستفاد من الشهرة الفتوائية، أو من الشهرة الروائية، هل هو حجّة أو ليس بحجة؟ هل هو دليل على الحكم الشرعي أو ليس بدليل؟ و الاستلزام، مثل وجوب الشي‏ء يستلزم وجوب مقدمته، فهل الاستلزام دليل على الحكم الشرعي أو لا؟

إذا عنوان الأدلة هو موضوع علم الأصول، و على هذا الأساس فإنّ موضوع علم الأصول هو ما يترقب أو ما يصلح أن يكون دليلا أو عنصرا مشتركا في استنباط الحكم الشرعي و إنما قلنا: ما يصلح أن يكون دليلا، حتى تدخل العناصر الأخرى التي نحتمل أنها مسائل أصولية من قبيل القياس. فنحن لا نقول بحجية القياس، و لكن نتوقع أو نترقب أن القياس يصلح أن يكون عنصرا مشتركا في استنباط الحكم الشرعي، كما قال بعض الفقهاء كأبي حنيفة مثلا.

إذا في علم الأصول نريد إثبات أنّ هذا دليل أو نفي كون هذا دليلا. نثبت أن ظهور صيغة (افعل) في الوجوب دليل على الحكم الشرعي، أو ننفي ان القياس دليل على الحكم الشرعي.

فالبحث الأصولي يدور حول الدليلية إثباتا أو نفيا.

23

فائدة علم الأصول‏

ان الفقيه عند ما يمارس عملية الاستنباط، يعتمد على نوعين من الأدوات:

النوع الأول: الأدوات الخاصة.

النوع الثاني: الأدوات العامة.

و الأدوات الخاصة تعني أنّ الفقيه إذا أراد أن يستنبط نجاسة الخمر مثلا، فحينئذ لا بد من أن يرجع الى الروايات الشريفة، و في مثل هذه الحالة يحتاج في دراسة الروايات عدة أنواع من الأدوات.

فهو يحتاج الى أدوات رجالية، يلاحظ الرجال الذين وقعوا في سند الرواية، هل هم وثّقوا في كتب الرجال أم لا؟ ثم يرجع الى دلالة الرواية، أو متنها، فيلاحظ المفردات اللغوية و مدى دلالة هذه المفردات على معناها، هل يمكن استفادة نجاسة الخمر من هذه المفردات أو لا يمكن؟ ثم يرجع الى الروايات الأخرى، التي يمكن أن تكون معارضة لهذه الرواية ليقرر موقفه فيما اذا كانت الروايات الأخرى تمنع من الاستدلال بظاهر هذه الرواية أو لا تمنع. فهو في هذه العملية، رجع الى عدّة أنواع من العناصر الخاصة، استفاد من عناصر لغوية، و رجالية، في تحديد مفاد هذه الرواية. ثم بعد ذلك لا يمكنه أن يستنبط الحكم، إلّا بعد أن يعتمد على عناصر عامة مشتركة، يستعين بها في هذا المورد و في موارد أخرى، من قبيل أنّ هذه الرواية دالة في ظهورها على نجاسة الخمر مثلا، فهو لا بد من أن يستعين بحجية الظهور، و أن هذه الرواية مثلا يرويها مجموعة من الثقات، فلا بد من أن يرجع الى كبرى حجية خبر الثقة.

إذا هو يحتاج الى جنب العناصر و الأدوات الخاصة في تفحص هذه الرواية و الاستفادة منها في عملية الاستنباط، الى عناصر عامة مشتركة. و وظيفة علم الأصول هي تأمين العناصر العامة المشتركة في عملية الاستنباط.

24

و بتعبير آخر: إنّ الفقه ابتداء نشأ في أحضان علم الحديث، و إنّ علم الأصول نشأ في احضان علم الفقه؛ لانّ الفقه بدأ بدايات بسيطة، ثم بعد تنوع مشكلات الحياة و كثرة الأسئلة الحياتية، وجد الفقهاء حاجة الى التوسع في التفريع، فتفرّعوا في الإجابة عن المسائل المختلفة، و بسبب عملية التفريع و التوسع في الفقه، احتاجوا الى الاستعانة بقواعد عامة، حتى يتمكنوا من التفريع بشكل واسع و يستنبطوا أحكاما شرعية متنوعة لمختلف وقائع الحياة المستجدة و المتغيرة و المختلفة؛ و لهذا وجدت علاقة تفاعلية بين الفقه و الأصول، فكلما تطورت عملية الاستنباط و كلما تطورت عملية البحث الفقهي تطورت تبعا لها عملية البحث الأصولي أيضا. فالفقيه عند ما يتوسع في عملية الاستنباط افقيا و عموديا، يحتاج الى أدوات و عناصر عامة، تعينه في عملية الاستنباط.

و على هذا الأساس توسع علم الأصول تبعا لتوسع علم الفقه، أو توسع علم النظرية تبعا للتوسع في عملية التطبيق.

و في ضوء ذلك يمكن أن نقول: إنّ علم الأصول هو العلم الذي يمعنى بتقديم القواعد العامة في عملية الاستنباط، مثلما هو علم المنطق الذي مهمته الأساسية هي تقديم القواعد العامة و القواعد الكلية لعملية التفكير الصحيح، فعلم المنطق لا يقدم قواعد عقلية خاصة بعلم دون علم، أو بفن دون فن، و بفكر دون فكر، و إنما يهتم بكشف القواعد العقلية العامة لعملية التفكير الصحيح. و علم الأصول يقوم بتأمين القواعد العامة، و لكن في دائرة الاستنباط الفقهي، أي التفكير الفقهي خاصة، و ليس في كلّ عملية تفكير.

و على هذا الأساس تكون لعلم الأصول فائدة أساسية في عملية الاستنباط؛ علم الأصول هو منطق الفقه.

25

الحكم الشرعي و تقسيمه‏

الحكم الشرعي: هو التشريع الصادر من اللّه تعالى لتنظيم حياة الانسان و توجيهه.

اقسام الحكم الشرعي:

1- الحكم التكليفي.

2- الحكم الوضعي.

1- الحكم التكليفي:

الحكم التكليفي: هو الحكم الذي يتعلق بفعل الانسان، و له توجيه عملي مباشر بالنسبة للانسان.

إنّ الحكم الذي يتعلق بفعل الانسان تارة يكون ذا توجيه عملي، و أخرى لا يكون كذلك، فإذا كان للحكم توجيه عملي فهو حكم تكليفي، فمثلا الوجوب له توجيه عملي حيث يرتبط بفعل الانسان بشكل مباشر، يدفعك لفعل الصلاة.

فهو أولا: يرتبط بفعل الانسان. و ثانيا: يكون له توجه عملي مباشر.

و لكن لو فرضنا أنّ هناك حكما يرتبط بفعل الانسان، و ليس له توجيه عملي مباشر، فهل نسمي هذا الحكم بالحكم التكليفي؛ لأنه يرتبط بفعل الانسان، أو لا نسميه؛ لانه لا يرتبط بفعل الانسان مباشرة، من قبيل البطلان، فمثلا لو صليت صلاة فاقدة للطهارة، فهذه الصلاة باطلة؛ لانها بدون طهارة؟ و عند ما نقول: إنها باطلة، فوصفها بالبطلان حكم شرعي ارتبط بالفعل، أي بالصلاة، و لكن ليس له توجيه عملي مباشر، و إنما هو مجرّد وصف لهذه الصلاة بأنها غير مجزية و ليست مسقطة للتكليف. إذا لا بد من حكم آخر يقول: إنّ هذه الصلاة تجب إعادتها،

26

و ذلك الحكم يرتبط بفعل الانسان و له توجيه عملي مباشر.

و على هذا الأساس قيّد الحكم التكليفي، أولا: انه يرتبط بفعل الانسان.

و ثانيا: له توجيه عملي مباشر.

2- الحكم الوضعي:

الحكم الوضعي: هو الحكم الذي يشرع حالة معينة و وضعا معينا، و لا يتعلق بفعل الانسان و سلوكه بشكل مباشر، أي ليس له توجيه عملي مباشر.

فقد يرتبط الحكم بفعل الانسان و لكن لا توجيه عملي مباشر له، بمعنى أنّ الحكم الوضعي هو الذي يشرع حالة معينة و وضعا معينا، من قبيل: الملكية، الزوجية، الصحة، البطلان، الجزئية، المانعية.

فالملكية مثلا حكم شرعي، أن تمتلك هذا الكتاب، هذا حكم شرعي، يشرع وضعا معينا، و لكنه لا يرتبط بفعلك مباشرة، و ليس له توجيه عملي مباشر.

و الزوجية كذلك حكم شرعي ينظم العلاقة بينك و بين زوجتك، هذا الحكم ينظم وضعا معينا، و لكن ليس له ارتباط مباشر بفعل الانسان، كالأحكام التكليفية المنبثقة عن الزوجية، فالزوجية تكون موضوعا لمجموعة من الأحكام التكليفية، مثل الانفاق على الزوجة، وجوب التمكين، الى آخره.

و هكذا الملكية حكم وضعي تنبثق عنه مجموعة من الأحكام التكليفية، من قبيل حرمة تبذير المال، و وجوب أداء الحق الشرعي من المال، و غير ذلك.

نضيف الى هذه المسألة، أنّ الحكم الوضعي قد يرتبط بفعل الانسان، و قد يرتبط بذات الانسان، و قد يرتبط بأشياء أخرى. فالزوجية ترتبط بذات الانسان، أما الملكية فهي ترتبط بما يملكه، ترتبط بذوات أخرى. أما الصحة و البطلان و الجزئية و الشرطية و المانعية، كما في كون الركوع جزءا من الصلاة، فالجزئية

27

حكم وضعي، و الاستقبال شرط في الصلاة، فالشرطية حكم وضعي، و لباس غير مأكول اللحم مانع من الصلاة، فالمانعية حكم وضعي، و الصلاة من دون طهارة باطلة، فالبطلان حكم وضعي.

و هذه الأحكام ترتبط بفعل الانسان و لكنها أحكام وضعية، لأنها ليست لها توجيه عملي مباشر.

أنحاء الحكم الوضعي:

إن الحكم الوضعي له صورتان:

الأولى: يكون موضوعا للحكم التكليفي، فالزوجية تكون موضوعا لوجوب الانفاق، و وجوب التمكين.

الثانية: يكون منتزعا من الحكم التكليفي، من قبيل وجوب الصلاة، فالامر بالمركب من السورة و غير السورة، و من الركوع و غير الركوع، ننتزع منه أنّ الركوع جزء من الصلاة، فعنوان الجزئية انتزعناه من حكم تكليفي و هو وجوب الصلاة الذي هو عبارة عن الأمر بالمركب من الركوع و غيره.

كذلك الشرطية، كشرطية الاستقبال أو شرطية الطهارة في الصلاة، ننتزعها من وجوب الصلاة؛ لأنّ هذا الوجوب مشروط فننتزع منه الشرطية.

و كذلك الصحة و البطلان ننتزعهما من الحكم التكليفي بوجوب الصلاة، فعند ما نصلي نصف الصلاة تارة بأنها صحيحة إن كانت تامة الأجزاء و مستوفية للشرائط، و أخرى نصفها بأنها باطلة ان لم تكن كذلك.

و بعبارة أخرى ان الاحكام الوضعية كثيرا ما تقع موضوعا للأحكام التكليفية، غير انها في بعض الحالات تكون منتزعة من الاحكام التكليفية، فطبيعة التقارن بين النوعين من الأحكام لا تتحدد في الدائرة الموضوعية فقط دون الدائرة التكليفية للأحكام.

28

مبادئ الحكم التكليفي‏

الكلام هنا يقع في عدّة مطالب:

1- مراحل عملية الحكم التكليفي:

نذكر هذا المثال: إنّ صياغة حكم من الأحكام في أي برلمان من برلمانات العالم، عند ما يريد أن يصوغ تشريعا معينا، فعملية التشريع هذه تمرّ بمراحل:

المرحلة الأولى: هي التي يعبر عنها بمرحلة الثبوت.

المرحلة الثانية: هي مرحلة الاثبات.

فمرحلة الثبوت المقصود بها هي العملية التي يتم بها التشريع في داخل إطار البرلمان، فهذه العملية- التي تستغرق زمنا طويلا من المناقشات و الكلام- يعبر عنها بمرحلة الثبوت.

و مرحلة الإثبات هي عملية إصدار التشريع في الجريدة الرسمية و إعلانه للناس من خلال وسائل الاعلام، هذه هي مرحلة الإثبات أو الإبراز أو البيان.

2- عناصر مرحلة الثبوت:

عند ما يريد مجلس الشورى مثلا أن يصدر تشريعا معينا بشأن مسألة من المسائل، كأن يريد ان يفرض ضريبة معينة، ففي مرحلة الثبوت لا بد من توفر ثلاثة عناصر، و هي:

الأول: الملاك‏

الثاني: الإرادة.

الثالث: الاعتبار.

و الملاك يعني أن أخذ هذه الضريبة هل فيه مصلحة أو ليس فيه مصلحة، فلو فرضنا أنه اتضح بعد المناقشات أنّ هذا الفعل فيه مصلحة، حينئذ تنشأ رغبة و إرادة عند المشرعين، و هذه الإرادة تؤدي الى موقف يتطلب إصدار مثل هذا

29

التشريع، و بالتالي يصار الى التصويت على التشريع، بعد ذلك تنبري مجموعة من الأعضاء لصياغة هذا التشريع، و اعتباره على المخاطبين به، ثم بعد أن تتم هذه العناصر، يتم تبليغ وسائل الاعلام بنشره.

أما لو كان هناك تشريع خاص بمنع السفر، فحينئذ يجب النظر في المفسدة التي تنشأ من هذا السفر، ثم بعد ذلك تنشأ الإرادة، و هي حالة المبغوضية، ثم بعد ذلك يصاغ التشريع.

التشريع بالنسبة الى المولى يمر أيضا بمرحلتين، مع فارق كبير بينه تعالى و بين الموالي العرفيين، فوجوب الصلاة مثلا لا بد من أن يكون له ملاك، لا بد من أن تكون هناك مصلحة شديدة للصلاة، ثم تنبثق منها إرادة و محبوبية، ثم يصاغ التشريع، ثم يخاطب المكلف بهذا التكليف في مرحلة الاثبات.

و في مورد حرمة شرب الخمر لا بد من أن تكون هناك مفسدة شديدة، تنشأ منها المبغوضية، و الإرادة أعم من المبغوضية و المحبوبية، ثم تعتبر الحرمة للخمر.

3- المقصود بالاعتبار:

الاعتبار هو عملية جعل و افتراض، و بالتالي فهو ليس عنصرا ضروريا؛ لانّ روح الحكم هي الملاك و الإرادة. أما الاعتبار فهو عبارة عن عمل تنظيمي و صياغي اعتاده المشرعون العقلاء، و لما كان الشارع سيد العقلاء، لذلك كانت طريقته مشابهة لهذه الطريقة.

ان الاعتبار آلية و وسيلة يحددها المولى لاستيفاء مراده، و ذلك فيما لو كانت هناك ضرورة لذلك، حيث ان بعض متعلقات ارادة المولى لا تحتاج الى اقتراح آلية و وسيلة زائدة عن الاستيفاء المباشر للمراد، فمثلا تارة تتعلق ارادة المولى بنفس التمليك الحاصل من البيع، و أخرى تتعلق ارادته بالعقد الذي هو وسيلة للتمليك (تمليك البائع للثمن و تمليك المشتري للمثمن). من هنا يكون تنصب‏

30

الارادة في الحالة الثانية على الآلية و الوسيلة (العقد)، بينما انصبت في الحالة الأولى على المراد (التمليك الناشئ من البيع) مباشرة.

4- مرحلة الاثبات:

عند ما يبرز المولى الحكم الشرعي في مرحلة الاثبات، فهذا الإبراز إما ان يكون بجملة إنشائية وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ‏، و وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‏، أو بجملة خبرية، كأن يقول أحد الاشخاص للامام (عليه السلام): صلى أحد بلا وضوء، فما حكم صلاته؟ فيجيب الامام: يعيد صلاته، أو أعاد صلاته. فتارة هذا الإبراز يكون جملة خبرية، و أخرى جملة إنشائية.

5- حقّ الطاعة:

اذا تمّ الإبراز و البيان و الخطاب من المولى، فحينئذ يكون من حقّ المولى على العبد ان يستجيب للتكليف قضاء لحق مولويته، لكن من يحكم بذلك؟ الجواب: هو العقل؛ لأنه هو الذي يحكم بلزوم الامتثال و حقّ الطاعة للمولى. فالعقل عند ما يبحث في الجهة التي صدر منها هذا التشريع و يعرف أنها المولى، و المولى معناه من له حقّ الطاعة، فيحكم العقل بلزوم امتثال ما يصدر عن المولى من التشريعات الى العبد. و ينتزع العقل من هذا الخطاب الموجه الى المكلف عناوين حقّ الطاعة و لزوم الامتثال.

6- مبادئ الحكم:

الملاك و الإرادة هي مبادئ الحكم، بينما الحكم هو الجعل و هو الوجوب. روح الحكم و حقيقة الحكم هي هذه المبادئ، مثلا: روح حرمة شرب الخمر، هي المفسدة الموجودة فيه، يعني الملاك، و الإرادة الناشئة من هذه المفسدة. إذا ما يقع موضوعا لحكم العقل بوجوب الامتثال هو روح الحكم، أي نفس الملاك و نفس الإرادة.

و على هذا الأساس لو فرضنا أنّ المولى أبرز الملاك و الإرادة من دون اعتبار، و من دون جعل، فحينئذ هل يحكم العقل بوجوب الامتثال أو لا يحكم؟ نمثل‏

31

لذلك بأب تارة يقول لولده: اجلب لي الماء، فمن الواضح أنه يوجد هناك جعل، و تارة يقول لولده: أنا عطشان، أو يقول: هنيئا لمن يشرب ماء باردا الآن، فهنا أبرز رغبته و محبوبيته لشرب الماء، و لم يقل له اجلب الماء، فحينئذ هل يحكم العقل بوجوب جلب الماء أو لا يحكم؟ الجواب: العقل لا يجد فرقا بين الحالتين.

إذا روح الحكم هي مبادئ الحكم، أي الملاك و الإرادة، و هي التي تقع موضوعا لحكم العقل بلزوم الامتثال. فلو أبرز المولى الملاك و الإرادة من دون جعل و اعتبار، فالعقل يحكم بلزوم الامتثال، و لو أبرز مع الجعل و الاعتبار حكم العقل بوجوب الامتثال أيضا.

7- مبادئ كلّ من الأحكام التكليفية الخمسة:

الوجوب، الحرمة، الاستحباب، الكراهة، الإباحة.

مبادئ الوجوب: ملاكه مصلحة شديدة، و الإرادة هي عبارة عن محبوبية شديدة بدرجة الالزام بالنسبة الى الوجوب، فالمصلحة هي الملاك، و المحبوبية هي الإرادة.

و مبادئ الحرمة: مفسدة شديدة هي الملاك، و مبغوضية شديدة هي الإرادة، أي بدرجة الالزام بالترك.

و مبادئ الاستحباب: هو كالوجوب، فيه مصلحة و لكنها ليست شديدة، و فيه إرادة و محبوبية، و لكنها ليست بدرجة الالزام و الوجوب بل يجوز فيها الترخيص.

و مبادئ الكراهة: هي كالحرمة لكنها بلا إلزام بالترك، الشي‏ء المكروه فيه مفسدة هي الملاك، و مبغوضية هي الإرادة، لكنها يجوز معها الترك، فكلّ مكروه جائز.

و الإباحة لها معنيان:

1- الإباحة بالمعنى الأخص: و هي الحكم الخامس من الأحكام التكليفية.

32

2- الإباحة بالمعنى الأعم: هي الأحكام الترخيصية، أي كلّ ما يجوز فيه الفعل و الترك، و يدخل فيها مضافا الى الإباحة بالمعنى الأخص، الاستحباب و الكراهة.

و بعبارة أخرى: أنّ الأحكام تنقسم الى: أحكام إلزامية و هي الوجوب و الحرمة، و أحكام ترخيصية هي الاستحباب و الكراهة و الإباحة بالمعنى الأخص.

8- ملاك الإباحة:

الإباحة بالنسبة الى الملاك تنقسم الى قسمين:

1- تارة يكون الفعل المباح ناشئا من خلوه من أي مصلحة أو مفسدة تقتضي الالزام بالفعل أو لا تقتضي ذلك، كشرب الماء، فالاباحة هنا ناشئة من كون الفعل خاليا من أي ملاك، و هذه الإباحة يعبر عنها بالاباحة اللااقتضائية أو اللاملاكية، أي إباحة لا ملاك فيها، فملاكها اللاملاك.

2- و تارة أخرى تنشأ الإباحة من وجود ملاك أو مصلحة في الفعل المباح، و لكنها تكمن في كون المكلف ينبغي أن يبقى حرّا و مطلق العنان و مرخصا. إذا الإباحة هنا ملاكية، يعطى المكلف فيها حرية الفعل و الترك، و يترك له الخيار، و يعبّر عنها بالاباحة الاقتضائية، حيث يوجد فيها ملاك و مقتضي لترخيص المكلف و إطلاق عنانه، و هذا المقتضي هو نفس إعطاء حرية للمكلف في الفعل و الترك.

33

التضاد بين الأحكام التكليفية

الكلام هنا يقع في مطلبين:

1- الأحكام التكليفية: الوجوب، الحرمة، الإباحة، الاستحباب، الكراهية، متنافية فيما بينها، أي لا يمكن ان يجتمع حكمان على موضوع واحد. فمثلا شرب الخمر، لا يمكن ان يجتمع عليه حكما الحرمة و الوجوب؛ لانّ الحرمة ملاكها المفسدة الشديدة، و الوجوب ملاكه المصلحة الشديدة، و مما لا إشكال فيه استحالة ان يكون شي‏ء ذا مفسدة شديدة و مصلحة شديدة في آن واحد من جهة واحدة، و يترشح عن المفسدة الشديدة إرادة بإلزام الترك، و عن المصلحة الشديدة إرادة بإلزام الفعل، و في مثل هذه الحالة لا يمكن أن يجتمع حكمان تكليفيان، أحدهما يرخص و الآخر يمنع. فهذا الامتناع ناشئ من التضاد بين الأحكام التكليفية، لأنها متنافية و متضادة فيما بينها. و التضاد يعود الى التضاد بين المبادئ؛ لأنّ المصلحة الشديدة التي هي ملاك الوجوب تقتضي الالزام بالفعل، بينما المفسدة الشديدة التي هي ملاك الحرمة تقتضي الالزام بالترك.

أما على مستوى الاعتبار فهل يوجد تناف بين اعتبار الوجوب و اعتبار الحرمة أم لا؟ الجواب: لا يوجد تنافي؛ لانّ الاعتبار أمر سهل المئونة، و لكن التنافي يعود الى مبادئ الحكم، و الاعتبار كاشف عن هذه المبادئ ليس إلّا، أي لو لا التنافي بين مبادئ الأحكام، بين الملاك و الملاك، و الإرادة و الإرادة، لما حصل تناف بين الوجوب و الحرمة؛ لأنّ التنافي يعود الى مبادئهما.

2- هل يمكن ان يجتمع حكمان تكليفيان من نوع واحد و من سنخ واحد على فعل واحد. مثلا شرب الخمر هل يمكن أن تجتمع عليه حرمة و حرمة، أو الصلاة يجتمع عليها وجوب و وجوب؟

34

الجواب: لا يمكن أن يجتمع حكمان من سنخ واحد و من نوع واحد على فعل واحد، فلا يمكن ان يكون شرب الخمر محرما و محرما، و لا يمكن أن تكون الصلاة واجبة و واجبة؛ لانّ هذا يؤدي الى التماثل، أي اجتماع المثلين في عالم المبادئ، يعني مصلحة شديدة و مصلحة شديدة في الوجوب، و مفسدة شديدة و مفسدة شديدة في الحرمة، و اجتماع المثلين محال.

أما التنافي بين الأحكام على صعيد الاعتبار فلا يتحقق؛ لانّ اعتبار الوجوب و اعتبار الحرمة لا مانع منه، و لكن المانع يعود الى اجتماع المبادئ.

أما اشتداد إرادة و تطورها فلا مانع من ذلك فيمكن أن يتأكد الوجوب و يشتد، و إنما المانع في اجتماع إرادتين على مراد موضوع واحد.

35

شمول الحكم الشرعي لجميع وقائع الحياة

إنّ اللّه سبحانه و تعالى يعلم بجميع المصالح و المفاسد التي ترتبط بالحياة الاجتماعية، و ببيان آخر، إن اللّه تعالى هو خالق هذا العالم، و هو الذي وضع النظام في هذا العالم، فالسنن الكونية هو الذي وضعها، و العالم بالسنن الكونية، هو الذي يعلم بأفضل الطرق و الأساليب لاشباع حاجات الانسان بطريقة منظمة في إطار هذه السنن لا تؤدي الى مشكلات اجتماعية، فالقادر على وضع النظام الأصلح هو العالم بالنظام التكويني، و العالم بالمصالح و المفاسد على حقيقتها.

من هنا يتضح أنه وحده تعالى هو الذي يستطيع أن يضع التشريع الشامل لكلّ وقائع الحياة. و الدليل على ذلك:

1- الدليل العقلي: عادة ما يذكره المتكلمون، و يقوم على أساس الاعتقاد بالتوحيد و الالوهية.

فاذا اعتقدنا باللّه تعالى و بوحدانيته و بعدله، نقول: انه لطيف بعباده، و بسبب لطفه و رحمته بعباده، ينزل لهم تشريعا يغطي كلّ مجالات الحياة، و سوف يكون التشريع في ضوء تلك المصالح و المفاسد القائمة في حياة الانسان، و هذا التشريع هو المعبر عن لطفه و رحمته بخلقه.

2- الدليل الشرعي: لو راجعنا الروايات عن المعصومين (عليهم السلام) سنجدها تشير الى مضمون مفاده (أنّ ما من واقعة إلا و للّه فيها حكم) و بالتالي فإنّ الشريعة تغطي كلّ حقول الحياة و موضوعاتها.

36

الحكم الواقعي و الحكم الظاهري‏

ينقسم الحكم الشرعي الى قسمين:

1- الحكم الواقعي: و هو كلّ حكم لم يفترض في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق.

2- الحكم الظاهري: و هو كلّ حكم افترض في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق.

معنى الشك:

ما هو الشك المقصود في التعريف؟ الجواب: الشك لدى المناطقة هو تساوي الطرفين، أي عند ما نشك في قضية، فهذا يعني ان جانب النفي 50% و جانب الاثبات 50%. أما الشك في المصطلح الأصولي فليس المقصود به هو الشك بالمصطلح المنطقي، و إنما المقصود به ما هو أعمّ من الوهم و الظن و الشك.

و بعبارة أخرى: إنّ الشك هنا يشمل كلّ مرتبة من مراتب الاحتمال سواء كانت واطئة، كواحد بالالف، فكلّها يعبر عنها في الأصول بالشك أو يعبر عنها بالظن أو بعدم البيان أو بعدم العلم. فالشك في المصطلح الأصولي هو أي مرتبة من مراتب الاحتمال و ان بلغ درجة عالية من الظن.

الحكم الواقعي:

هو الحكم الشرعي المجعول على موضوع ما، فلحم الخنزير حكمه الحرمة، و هي مجعولة على هذا الموضوع (لحم الخنزير) بقطع النظر عن الشك فيه، فلا يقال: إنّ الحرمة مجعولة للحم الخنزير المشكوك.

و هكذا بالنسبة الى وجوب صلاة الصبح، فالوجوب كحكم شرعي موضوعه صلاة الصبح، و ليست صلاة الصبح المشكوكة.

37

الحكم الظاهري:

الحكم الظاهري يجعل في مورد الشك، أي اذا كان الحكم الواقعي مجهولا فتصل النوبة الى الحكم الظاهري. مثلا لا نعرف هل التدخين حلال أو حرام؟ إذا نشك في الحكم الواقعي، فنجري في المقام أصالة البراءة أو أصالة الحل، فتكون النتيجة: إنّ التدخين محلل. و حلية التدخين هذه حكم ظاهري، قد جعل في مورد الشك في حكم شرعي مسبق، أي أننا شككنا بالحكم الواقعي و لا نعلم به، و قد جعل الحكم الظاهري في المقام في حالة الشك بالحكم الواقعي.

و لذلك يقال في تعريف الحكم الظاهري بأنه الحكم الشرعي المفترض في موضوعه الشك في حكم سابق، ففي حكم التدخين الشك مفترض في وجود حكم شرعي مسبق، و هو (الحكم الواقعي).

الفرق بين الحكم الواقعي و الظاهري:

إنّ الحكم الواقعي لم يؤخذ في موضوعه الشك في حكم مسبق، فالحرمة مجعولة على شرب الخمر مباشرة، و ليس على شرب الخمر المشكوك، و الوجوب مجعول على صلاة الصبح مباشرة.

بينما الحكم الظاهري هو الحكم المجعول في مورد الشك في الحكم الواقعي، أو الذي أخذ في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق. فحلية التدخين حكم ظاهري، مجعول في مورد الشك في الحكم الواقعي. و الحكم الظاهري من قبيل الاستصحاب «لا تنقض اليقين بالشك» أو أصالة البراءة «رفع عن امتي ما لا يعلمون» أو الأمر بتصديق الثقة و العمل في ضوء خبره. هنا الحكم مجعول في صورة الشك، يقول: إذا شككت في صدق خبر الثقة فابن على صدقه.

يعني فصدّقه. فالحكم بلزوم التصديق هو حكم ظاهري؛ لأنه أخذ في موضوعه‏

38

الشك. كذلك في أصالة الحل، يقول: «كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنه حرام» فإذا شككت بالحرمة فالشي‏ء لك حلال. كذلك الاستصحاب يقول: لا ينقض اليقين بالشك، إذا شككت بيقينك السابق لا تنقض يقينك السابق بالشك اللاحق.

فالحكم الظاهري يجعل متأخرا عن الحكم الواقعي، و على هذا الأساس فالأحكام الظاهرية تقع في طول الأحكام الواقعية. و المقصود بالطولية هنا الترتب، كما أنّ الواحد متقدم على الاثنين، لا بد من حكم واقعي، فاذا كان الحكم الواقعي غير معلوم أو مشكوكا، تنتقل النوبة الى الحكم الظاهري. فإذا كان الحكم الواقعي معلوما فلا يوجد حكم ظاهري، أي أن الحكم الظاهري مأخوذ في موضوعه الشك في الحكم الواقعي، فإذا كان الحكم الواقعي معلوما فلا شك حينئذ.

39

الأمارات و الأصول‏

تنقسم الأحكام الظاهرية الى قسمين:

1- الحكم الظاهري المجعول في مورد الأمارة.

2- الحكم الظاهري المجعول في مورد الأصل العملي.

معنى الأمارة:

عند ما يأمر المولى بتصديق خبر الثقة، نفترض أنّ هناك رواية صحيحة السند تدل على حكم شرعي، تدل على وجوب صلاة العيد في عصر الغيبة مثلا، فهذه الرواية مؤداها الوجوب. و الأمر بالعمل بخبر الثقة هذا هو الحكم الظاهري.

فالحكم الظاهري هو حجية الخبر، الحجية هي نفسها الحكم الظاهري. أما نفس الخبر فهو الأمارة، و معنى الأمارة هو الدليل و الطريق الكاشف عن الواقع.

إذا الخبر بنفسه هو الأمارة و هو الدليل على الحكم، أما الحجية فتعني حكم المولى بلزوم تصديق خبر الثقة.

و أما مؤدى الأمارة، أي ما دلت عليه الأمارة، فهو الحكم الذي تدل عليه الأمارة، أي وجوب صلاة العيد.

إذا الأمارة هي الدليل الكاشف عن الواقع، فخبر الثقة يكشف بدرجة عقلائية كبيرة عن الواقع، و قد لا يكشف بدرجة كبيرة عما إذا كانت هناك قرينة على الخلاف.

فخبر الثقة ان لم تكن هناك قرينة على الخلاف يكون كاشفا عن الواقع بدرجة معتدّ بها، و هكذا سائر الأمارات الظنية الأخرى.

و المولى عادة يجعل هذه الأمارة حجّة، مثل: خبر الثقة، و الظهور، و هذه الحجية تمام الملاك في جعلها هو الكشف، أي لقوة الاحتمال، التي تنشأ من خبر

40

الثقة و الظهور مثلا؛ لأنّ الأمارة هي دليل يفيد الظن الفعلي في الغالب. أو على الاقل هناك ظن تقديري، و بموجبه يجعل المولى الحجية للأمارة.

و المقصود بالظن الفعلي هو الظن الحاصل بالفعل لدى المكلف من خلال الاسباب المقتضية له، و يقابله الظن التقديري و هو ما لو كانت هناك مناشئ من شأنها أن توجد الظن لدى المكلف كخبر الثقة، غير أنّ هذا الظن لم يتحقق بالفعل لسبب ما.

الأصل العملي:

ينقسم الأصل الى:

1- أصل عملي محرز.

2- أصل عملي غير محرز.

أو ينقسم الى:

1- أصل تنزيلي.

2- أصل غير تنزيلي.

و المقصود بالمحرز، الذي يكون فيه كشف عن الواقع، و التنزيلي الذي ينزل فيه الأمر بمنزلة الواقع، أما أن ينزل نفس الأصل، أو مؤدى الأصل، أو الاحتمال المقوم للأصل بمنزلة الواقع.

أما بالنسبة الى الأصل غير المحرز أو غير التنزيلي، أو الأصل العملي البحت، فإنما يجعل في مورده الحكم الظاهري على أساس نوع الحكم المشكوك و نوع المحتمل. و أما بالنسبة الى الأصل المحرز فانما يجعل الحكم الظاهري في مورده على اساس نوع الاحتمال و المحتمل.

مثال: لو قال لنا أحد: إنّ هذا السائل الذي أمامنا ربما وقع فيه سمّ، فحصل‏

41

لدينا احتمال بدرجة 1% أنّ هذا السائل فيه سمّ، فنتجنب هذا السائل، و سبب الاجتناب أنّ لدينا خبرا أدى الى الكشف عن الواقع بدرجة 1%، إذا سبب الاجتناب يعود الى نوع المحتمل و هو السم؛ لأنه مهم، أي يعود الاجتناب الى أهمية الحكم المشكوك.

و مرة أخرى يقول لك احد: إنّ زيدا مريض، فتهب لزيارته، فسبب الزيارة هو الاحتمال الكبير المترتب على الخبر في نفسك، و الحكم هنا مترتب على قوة الاحتمال و الكشف.

و عند ما تجعل أصالة الحل يكون تمام الملاك و السبب في جعلها نوع الحكم المشكوك، أي الحلية المشكوكة، فلأهميتها جعل هذا الأصل العملي.

الفرق بين الأمارة و الأصل:

الفرق بين الأمارة و الأصل البحت أو الأصل غير المحرز، هو أنّ الحكم الظاهري المجعول في مورد الأمارة مجعول بملاك أهمية الاحتمال، بينما الحكم المجعول في مورد الأصل البحت يتمّ على اساس أهمية المحتمل أو نوع الحكم المشكوك.

أما في مورد الأصل المحرز، أي الأصل غير البحت، فالحكم المجعول فيه يكون بلحاظ الاحتمال و المحتمل معا. و كأن الحكم هنا مأخوذ فيه ما أخذ في الأمارة و هو الاحتمال، و ما أخذ في الأصل العملي البحت و هو المحتمل.

فالاستصحاب مثلا أصل عملي محرز، فاذا قسناه بأصالة البراءة نلاحظ أنّ في الاستصحاب كشفا عن الواقع؛ لوجود يقين بأنّ الثوب مثلا كان طاهرا بالأمس و نشك فيه هذا اليوم، فيقين السابق يعني أن هناك احتمالا مقوما لهذا الأصل، و هو ناشئ من يقين السابق، إذا الملاحظ في جعل الاستصحاب كأصل هو الاحتمال، و أيضا نوع الحكم المشكوك، أي نوع المحتمل.

42

قاعدة الفراغ:

و هي أصل محرز، و الملاحظ فيها الاحتمال و المحتمل معا، كأن نشك بالوضوء مثلا، فقاعدة الفراغ تقول: إنّ هذه العبادة التي فرغت منها صحيحة، أي لا قيمة للشك بعد الفراغ من العبادة. فهذا الحكم حكم ظاهري، سبب جعله هو قوة الاحتمال؛ لأن الانسان حين أداء العمل يكون أذكر و أكثر انتباها منه بعد الفراغ من العمل، أي أنه عادة ما يكون منتبها أثناء العمل، و لا بدّ من أن يؤديه وفق شرائطه و أحكامه، فهذا الارتكاز العقلائي يعبر عن الكاشفية، يعني أنّ احتمال تأديته للعمل على الوجه المطلوب احتمال عقلائي معتد به، و كذلك الملاحظ هنا نوع المحتمل أي كون هذا الأمر الذي تمّ الفراغ منه عبادة، صلاة، وضوءا؛ و لذلك لم يتعبدنا الشارع بقاعدة الفراغ في سائر الموارد التي يحصل فيها الشك.

و بعبارة أخرى: ان الملاك في جعل قاعدة الفراغ لو كان هو الكشف المبتني على الارتكاز العقلائي بالانتباه حال القيام بالفعل، لجرت القاعدة في كل حالة نشك فيها حتى قبل الفراغ من الفعل، بينما الشارع تعبدنا بالبناء على الصحة ان كان الشك بعد الفراغ، فيكون نوع العمل المشكوك، و كونه عملا مفروغا منه دخيلا في الجعل، الى جانب الكشف.

فقاعدة الفراغ إنما كانت حجّة بلحاظ الاحتمال و بلحاظ المحتمل معا.

43

اجتماع الحكم الواقعي و الظاهري‏

يمكن أن يجتمع في واقعة واحدة حكمان أحدهما واقعي و الآخر ظاهري، مثلا: حكم الدعاء عند رؤية الهلال، إذا كان الحكم الواقعي هو الوجوب، و لكن الحكم الظاهري هو الاستحباب، فهذا ممكن، ما دام الوجوب الواقعي غير و اصل الينا.

فدائما يجعل الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي، فإذا كان الحكم الواقعي مشكوكا يجعل الحكم الظاهري؛ لأنّ الحكم الظاهري يفترض في موضوعه الشك في الحكم الواقعي، فإذا كان الحكم الواقعي غير معلوم عندئذ يجعل الحكم الظاهري.

و على هذا الأساس يمكن أن يجعل حكم ظاهري غير الحكم الواقعي، فيجتمع في مسألة الدعاء عند رؤية الهلال وجوب واقعي و استحباب ظاهري؛ لانّ هذين الحكمين من سنخين و من حقيقتين، أما لو كانا من سنخ و حقيقة واحدة، كأن يكونا معا حكمين واقعيين، فهذا مستحيل.

القضية الحقيقية و القضية الخارجية للأحكام‏

القضية الخارجية: في المنطق تعني القضية التي ينصب فيها الحكم على موضوع خارجي. و المقصود بذلك أنّ الموضوع مأخوذ في أحد الأزمنة الثلاثة، فينصب الحكم على موضوع يكون محققا و ناجزا و موجودا في زمن من الأزمنة الثلاثة، أما في الماضي أو الحاضر أو المستقبل. ففي الماضي نقول مثلا: الجيش الاسلامي جيش باسل و شجاع، إذا كان نظرنا منصبا على ذلك الجيش الذي عاصر الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم).

و في الحاضر نقول: أكرم الطلاب، و نقصد مجموعة من الطلاب المقيمين في‏

44

هذه المدرسة الآن.

أما في المستقبل فنقول: الجيش الاسلامي سيفتح العالم و يحرّره من الظلم و الطغيان، و نعني به الجيش الذي يقوده الامام المهدي (عليه السلام).

فالحكم في القضية الأولى منصب على موضوع محقق الوجود في الزمن الماضي، و في القضية الثانية الحكم منصب على موضوع محقق الوجود في الزمن الحاضر، و في القضية الثالثة الحكم منصب فيها على موضوع سيتحقق في المستقبل.

القضية الحقيقية: هي القضية التي ينصب فيها الحكم على موضوع مفترض الوجود، أو مقدر الوجود، من حيث هو حقيقية. فمثلا لو قيل: أكرم الفقير، و يقصد مطلق هذه الحقيقة، أي الحقيقة المقدرة فهذه قضية حقيقية.

و بمعنى آخر: أنّ القضية الحقيقية يمكن أن نحولها الى قضية شرطية، فنقول:

كلما كان هناك فقير فيجب إكرامه.

الفرق بين القضية الحقيقية و القضية الخارجية:

إنّ الأحكام الشرعية تنصب على موضوعات، و الموضوع في الحكم الشرعي تارة يكون مأخوذا بنحو القضية الخارجية، و أخرى يكون مأخوذا بنحو القضية الحقيقية. فإذا كان موضوع الحكم مأخوذا بنحو القضية الخارجية، فلا يمكن أن نعمّم الحكم لحالات أخرى.

نفترض في رواية من الروايات ورود منع عن شي‏ء معين أو ورود أمر بشي‏ء معين، فكان هذا الأمر بذلك الشي‏ء منصبا على أفراد ذلك الشي‏ء الموجودة في عصر الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أو في عصر الامام (عليه السلام)، فحينئذ لا نستطيع أن نعمّم هذه القضية للأزمان الأخرى.

أما لو كان الحكم منصبا على الموضوع من حيث هو حقيقة مقدرة و مفترضة

45

الوجود، فكلما تحققت هذه الحقيقة أو وجدت في الخارج ثبت لها الحكم، و نستطيع أن نعمّم الحكم على هذا الموضوع بمختلف الازمان و الأحوال، فمتى ما تحقق الموضوع يتحقق الحكم.

و هذه المسألة من المسائل المهمة جدّا في التشريع؛ لانّ أولئك الذين يتهمون التشريع الاسلامي بعدم الخلود، فإنهم يقولون: إنّ الأحكام منصبة على موضوعات كانت مرتبطة بعصر النص.

أما نحن فنقول: إنّ الأحكام الواردة في الروايات على نوعين: فمنها الموضوع فيها مأخوذ بنحو القضية الحقيقية، و هو كثير، و منها الموضوع فيها مأخوذ بنحو القضية الخارجية.

و على هذا الأساس إذا كان الموضوع مأخوذا بنحو القضية الحقيقية، نستطيع أن نعمّم الأحكام لمختلف الأزمان و الأحوال.

و هناك نكتة أخرى في الفرق بين القضيتين، اذ الموضوع في القضية الخارجية عادة ما يحرزه الحاكم. أي انه يلاحظ عدد المائة طالب الذين يجب إكرامهم، و يقول: أكرم الطلاب. بينما الموضوع في القضية الحقيقية، مصداق الموضوع و أفراد الموضوع يحرزها المكلف المأمور.

46

تنويع البحث‏

دوائر الاستنباط:

عادة الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكما شرعيا لمسألة من المسائل، يفتش عن الدليل القطعي، أو قل يفتش عن دليل يكشف عن الحكم الشرعي من آية أو رواية، فإذا عثر على مثل هذا الدليل الذي يكشف عن الحكم الشرعي يعمل به.

فلو أراد أن يعرف مثلا حكم أكل لحم الخنزير، فيرجع الى الآية الكريمة، و هي قطعية الصدور، كما أنها قطعية الدلالة باعتبارها نصا في حرمة أكل لحم الخنزير حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ المائدة/ 3.

و أما إذا لم يجد دليلا قطعيا، كما في حكم الصلاة يوم الجمعة، فينتقل الى الظن، الى خبر الثقة الذي يكشف عن الحكم الشرعي، فإذا توفر لديه خبر الثقة تمسك به؛ لأنّه يكشف عن نوع الحكم الشرعي الواجب في عصر الغيبة و هو صلاة الجمعة مثلا أو صلاة الظهر، أو قل تمسك به لأنه يحرز الحكم الشرعي، بالدليل الظني الحجة إذا لم يتوفر الدليل القطعي.

و إذا لم يتوفر لدى الفقيه دليل يحرز الحكم الشرعي، فما ذا يفعل؟ في مثل هذه الحالة يكون الواقع مجهولا و الحكم الشرعي غير معروف، فينتقل الفقيه الى نوع ثان من الأدلة لا تكشف عن الحكم الشرعي، و لا تكشف عن الواقع، و إنما تحدّد الموقف العملي في صورة فقدان الدليل الدال على الحكم الشرعي. فقد وضعت الشريعة قواعد تحدّد وظيفة المكلف الذي لم يتوفر لديه دليل على الحكم الشرعي، و هذه القواعد هي ما يعبر عنها بالأدلة العملية أو الأصول العملية.

فالاصول العملية هي أدلة و قواعد تحدّد الموقف العملي في حالة فقدان الدليل‏

47

الدال على الحكم الشرعي.

و على هذا الأساس تصنف بحوث علم الأصول، أي سيكون البحث في عدّة مطالب:

الأول: البحث في الأدلة من القسم الأول، أي البحث في العناصر المشتركة التي تدخل في عملية الاستنباط و تكشف عن نوع الحكم الشرعي، و هو البحث في الأدلة المحرزة.

الثاني: البحث في الأصول العملية، و هي الادلة التي تحدد الموقف العملي أو القواعد التي تحدد الوظيفة العملية في حالة فقدان الدليل الكاشف عن نوع الحكم الشرعي.

الثالث: أنّ كلّ عملية استنباط يمارسها الفقيه لا تخرج عن هذين النوعين من الأدلة، فإما أن يتوفر لديه دليل محرز و إما أن يتوفر لديه أصل عملي. و بعبارة أخرى: إذا أردنا أن نمارس عملية الاستنباط، فلا بد لنا من أن نفتش عن الدليل المحرز أولا، و هو إما دليل قطعي و إما دليل ظني حجّة، و إذا لم يتوفر الدليل المحرز ننتقل الى الأصل العملي.

و من المعلوم أنه في كلّ مورد من موارد الاستنباط يوجد أصل عملي، و لكن هل يوجد في كلّ مورد من موارد الاستنباط دليل محرز؟ الجواب: لا، الدليل المحرز لا يوجد في كلّ مورد في الاستنباط. ففي مسألة حكم التدخين مثلا، التدخين من الأمور التي عرفت حديثا بعد اكتشاف أمريكا سنة 1492 م، و لذلك فلا توجد رواية أو آية تدل على حكم التدخين، و في مثل هذه الحالة يوجد أصل عملي، فيمكن التمسك بأصالة الحل في المقام.

كذلك في الموارد الأخرى التي توجد فيها آيات و روايات أيضا يوجد فيها

48

أصل عملي، كحكم أكل لحم الأرنب، فيمكن أن نتمسك بأصالة الحل، و لكن عند ما نعثر على خبر الثقة، فان خبر الثقة مقدم على الأصل العملي.

إذا عملية الاستنباط لا تخرج عن هذين النوعين من الأدلة، إما دليل محرز و إما أصل عملي.

و في عملية الاستنباط فان كلّ مورد من الموارد إذا أردنا أن نكتشف موقف الشريعة فيه، يوجد أصل عملي، و لكن لا نعمل به إلا بعد فقدان الدليل المحرز طبقا لقاعدة تقديم الأدلة المحرزة على الأصول العملية.

الرابع: يوجد عنصر مشترك بين هذين القسمين من الأدلة، أي يدخل في تمام عمليات الاستنباط، و هذا العنصر المشترك هو القطع، و المقصود به انكشاف قضية من القضايا بدرجة 100%، أي بدرجة تامة لا يشوبها شك.

و سواء عمل الفقيه بالدليل المحرز بآية أو رواية، في تحديد موقف الشريعة، أو اعتمد على أصل عملي، كأصالة الحل، أو الاستصحاب، أو أصالة الاحتياط، ففي كل ذلك الفقيه ينتهي الى القطع في ان موقف الشريعة هو هذا الذي دلّ عليه الدليل، سواء استند الى دليل محرز أو أصل عملي، ففي جميع عمليات الاستنباط ينتهي الى القطع، و هذا القطع بنفسه حجّة.

و على هذا الأساس تكون حجية القطع عنصرا مشتركا في جميع عمليات الاستنباط التي تعتمد على الأدلة المحرزة أو على الأصول العملية.

حجية القطع: و هي تساوي المنجزية و المعذرية، و فيما يلي بيان لكلّ منهما:

المنجزية: إذا قطع المكلف بالحرمة فإنّ الحرمة تكون منجزة بذمته، أي أنه إذا قطع بأنّ هذا خمر و محرم شربه، و شربه فإنه يكون مستحقا للعقاب و لا يعد

49

ممتثلا؛ لأنّه خالف مولاه في تكليف مقطوع لديه، فيكون مستحقا للعقاب. أي يتنجز التكليف عليه و يثبت في ذمته.

المعذرية: إذا قطع المكلف بأنّ هذا ماء مباح، و إن كان واقعه خمرا، أي انه قطع بعدم الحرمة و شربه، فلا تكون الحرمة ثابتة عليه، و لا يكون مستحقا للعقاب؛ لأنّه قطع بعدم الحرمة، بمعنى أنه قطع بنفي التكليف، فهنا لم يخالف مولاه.

الخامس: أنّ حجية القطع لا تستغني عنها أي عملية استنباط فقهي، فإذا أردنا أن نحدّد موقف الشريعة في قضية من القضايا فإننا لا نستغني عن حجية القطع.

كما لا يمكن أن يستغني عنها البحث الأصولي نفسه أيضا.

إنّ الفقيه عند ما يبحث حكم مسألة من المسائل، كحكم أكل لحم الأرنب أو حكم التدخين، فغاية ما ينتهي اليه هو القطع في الحكم الشرعي، أو القطع بالموقف العملي، فإذا لم يكن القطع حجّة فلا فائدة لهذا الاستنباط، و لا أثر له. أي إذا لم يكن القطع بالحرمة منجزا للحرمة، و إذا لم يكن القطع بعدم الحرمة معذرا عن الحرمة، فلا يكون هناك أثر للاستنباط.

إذا لكي يكون للاستنباط أثر شرعي فلا بد من أن نعترف مسبقا بحجية القطع، أي بمنجزيته و بمعذريته.

كما أنّ البحث الأصولي لا يستغني عن حجية القطع؛ لأنه لو أخذنا مفردة من مفردات البحث الأصولي كأن تكون (ظهور صيغة افعل) فغاية ما ينتهي اليه الباحث الأصولي في المقام هو القطع بأنّ صيغة افعل تدل على الوجوب، و القطع بأنّ أداة العموم (كل) تدل على الاستيعاب و الشمول، فإذا لم يكن القطع حجّة فلا قيمة لتلك البحوث.

50

إذا قيمة البحث الأصولي، و تحديد هل هذا عنصر مشترك أو ليس بمشترك؟

تعتمد على مرحلة سابقة و هي القول بحجية القطع. و بهذا تكون حجية القطع عنصرا مشتركا و أعمّ من العناصر المشتركة الأخرى؛ لانّ حجية القطع لا تستغني عنها أية عملية استنباط فقهي، كما لا تستغني عنها أية عملية بحث أصولي.

السادس: بعد تحديد العناصر المشتركة في عمليات الاستنباط ربما يواجه الفقيه تعارضا بينها. و قد يكون بين دليل محرز و أصل عملي، من قبيل التعارض بين خبر الثقة و الأصل العملي، مثلا خبر الثقة يدل على عدم وجوب صلاة العيد في عصر الغيبة، بينما الاستصحاب (الأصل العملي) يدل على وجوبها؛ لأنها كانت واجبة في عصر وجود المعصوم، و الآن نشك في الوجوب فنستصحب الوجوب، لكن الدليل المحرز (الأمارة) مقدّم على الأصل العملي.

و قد يكون التعارض بين دليلين من الأدلة المحرزة، كالتعارض بين خبر ثقة و خبر ثقة آخر كأن يدل خبر ثقة على وجوب صلاة العيد في عصر الغيبة، و يدل الآخر، على عدم وجوب صلاة العيد في عصر الغيبة، كما قد يكون التعارض بين خبر الثقة، و ظهور الآية الظاهرة في حلية مطلق البيع، و خبر الثقة الدال على المنع من بعض البيوع مثلا.

و قد يكون التعارض بين أصلين عمليين، كالتعارض بين أصالة الحل و الاستصحاب في مورد من الموارد.

لذلك ينبغي البحث في التعارض بين الأدلة.

51

حجية القطع‏

للقطع ثلاث خصوصيات:

الأولى- الكاشفية:

فالقطع بنفسه يكشف لنا عن المقطوع به. مثلا أنت تقطع بأنّ هذا الكتاب الموجود أمامك هو كتاب الأصول، فهذا القطع حالة عقلية ذهنية يكشف لك عن المقطوع به، و يريك و يوصلك الى هذا الكتاب، و يكشف لك عن الواقع، فالكاشفية هي الخاصية الأولى للقطع.

الثانية- المحركية:

فلو قطعت بشي‏ء، و كان لك غرض شخصي فيه، فحينئذ سوف تتحرك نحو هذا الشي‏ء. فلو كنت عطشانا مثلا و قطعت أنّ الماء موجود في المكان الفلاني، فسوف تتحرك نحوه حتى تروي ظمأك من الماء.

إن الغرض الشخصي للقاطع إذا تعلق بشي‏ء و انكشف له ذلك الشي‏ء، فإنّ القاطع سوف يتحرك نحوه، أي أنّ المحرك هو (قطعك بوجود الماء+ حاجتك اليه). فإذا قطعت بوجود الماء و لم يكن لك غرض فيه، فإنك لا تتحرك نحوه؛ لأنّ المحركية تنشأ من أنّ تقطع به و كان غرضك متعلقا به.

الثالثة- الحجية:

و المقصود بها إذا قطع المكلف بتكليف المولى فإنّ هذا القطع ينجز هذا التكليف.

و معنى التنجيز، أنّ العقل يحكم بوجوب الامتثال في مثل هذا المورد، و حكم العقل هنا يستند الى موضوع يتألف من (التكليف+ قطع المكلف به) لانّ الحكم سواء كان حكما شرعيا أو عقليا لا بد من أن ينصب على موضوع ثم يأتي الحكم. و هنا العقل يحكم بوجوب الامتثال و لزوم الطاعة. و هذا الوجوب ينصب على موضوع، و هو تكليف مقطوع به، فالموضوع يساوي (التكليف+ قطع‏

52

المكلف به) و إذا لم يمتثل العبد فانه يكون مستحقا للعقاب. و هذا هو معنى المنجزية.

أما إذا قطع المكلف بعدم التكليف فحينئذ لا يتنجز التكليف عليه و يكون معذورا و لا يستحق العقاب. و هذا ما يسمى بمعذرية القطع.

و ما يفي بغرض الاصولي هو الخصوصية الثالثة، و أما الخصوصيتان الأولى و الثانية بقطع النظر عن الخصوصية الثالثة فلا تفيان بغرض الاصولي؛ الخصوصية الأولى ثبوتها للقطع بديهي، كما أنّ الثانية ثبوتها بديهي أيضا. إذا ما يرتبط بغرض الاصولي هي الخصوصية الثالثة.

العلاقة بين القطع و الخصوصيات الثلاث:

هل الكاشفية صفة ثابتة للقطع، كثبوت الزوجية للأربعة أو ليس صفة ثابتة؟

و ما هي العلاقة بين الكاشفية و القطع؟ و ما هي العلاقة بين المحركية و القطع؟

الجواب: بالنسبة للخصوصية الأولى فهي عين القطع، و ليس القطع شيئا يتصف بالكاشفية، و ليس القطع شيئا ثبتت له الكاشفية، و إنما القطع هو الكاشفية و الكاشفية هي القطع؛ لانّ حقيقة القطع هي الإراءة التامة، و هي عين الكاشفية التامة.

أما المحركية: فهي من الآثار التكوينية للقطع، عند ما يكون المقطوع به متعلقا للغرض الشخصي للقاطع.

إذا المحركية تقوم على:

1- الغرض.

2- القطع.

هل المحركية أثر مجعول للقطع أو لا؟ الجواب: أنها أثر حقيقي تكويني ثابت‏

53

للقطع كثبوت الزوجية للاربعة، فالمحركية هي من الآثار التكوينية للقطع، بما يكون متعلقا للغرض الشخصي.

فيما تعني الخصوصية الثالثة أي الحجية؛ منجزية القطع و معذريته، و المنجزية بمعنى حكم العقل بلزوم امتثال تكليف المولى المقطوع به، و أنّ العبد إذا لم يمتثل فإنه يستحق العقاب. و المعذرية بمعنى حكم العقل بعدم مسئولية المكلف تجاه التكليف المقطوع بعدمه.

لكن قد يقال: هل الحجية هي نفس الكاشفية و المحركية؟ أو قل هل الكاشفية تستبطن الحجية؟ و هل المحركية تستبطن الحجية، أم أنّ الحجية أمر آخر مستقل عنهما؟ و إذا اعترفنا بالكاشفية و المحركية و لم نعترف بالحجية، فهل يعني ذلك أننا نقع في تناقض؟ فإننا لو اعترفنا بالقطع و لم نعترف بكاشفيته نقع بتناقض؛ لأننا نفينا الشي‏ء في نفس الوقت الذي أثبتنا وجوده. فلو سلمنا بالقطع و أنكرنا الكاشفية، فمعنى ذلك أننا قد آمنا بوجود القطع و آمنا بعدمه. و ذلك هو التناقض، و التناقض محال. أما لو آمنا بالكاشفية و المحركية و لم نؤمن بالحجية، فهل يستلزم ذلك التناقض المنطقي أو لا؟

الجواب: لا يوجد تناقض؛ أي ليس التسليم بالكاشفية و المحركية مع نفي الحجية عن القطع يستلزم الوقوع بالتناقض المنطقي، لعدم التلازم بينهما.

و على هذا الأساس فاذا كانت الحجية أمرا ثالثا غير الأمرين الأولين، و الايمان بالكاشفية و المحركية لا يستبطن الإيمان بالحجية، كما أنّ نفي الحجية لا يستلزم التناقض كنفي الكاشفية، فإذا لا بد أن ننتقل الى نقطة أخرى في البحث، هي كيفية ثبوت الحجية للقطع أو قل: العلاقة بين القطع و الحجية.

54

العلاقة بين القطع و الحجية:

قد يقال: إنّ الحجية من اللوازم الذاتية للقطع، كلزوم الزوجية للأربعة أو كلزوم الحرارة للنار، فكما أنّ الزوجية لازمة للأربعة، و هذا اللازم ذاتي لا يمكن أن ينفك عن الملزوم.

و على هذا الأساس فكما أنّ الزوجية لا يمكن التفكيك بينها و بين الأربعة، كذلك الحجية لا يمكن أن نفكك بينها و بين القطع، أي لا يمكن سلب الحجية عن القطع؛ لأنّ اللازم لا ينفك عن الملزوم. أي لا يمكن التفكيك بين الحجية و القطع من قبل أي جهة.

يقال: إنّ المولى تعالى لا يمكن أن يفكك بين القطع و الحجية، و المقصود بذلك، أنّ حقيقة القطع ثابتة و الحجية لازمة لها كلزوم الحرارة للنار. المولى لا يمكن أن يفكك بين النار و الحرارة، و هذا ناشئ من ضعف في القابل لا في الفاعل، أي أنّ حقيقة النار تقتضي الحرارة، فلو أراد المولى أن يفكك بينهما لا بد من أن ينفي النار، فإذا جردت النار من الحرارة فلا تبقى النار نارا، كما أنه إذا جردت الزوجية من الأربعة فلا تبقى الأربعة أربعة. و هكذا إذا جردت الحجية من القطع لا يبقى القطع على حقيقته.

إلّا أنه مع ذلك يمكن سلب الحجية عن القطع بكيفية أخرى، و ذلك بأن يزيل المولى القطع، أي أنّ القاطع بالحرمة يزول قطعه بالحرمة، و يتحول القطع الى ظن بالحرمة، حينئذ ستزول الحجية بزوال القطع.

إذا لا يمكن أن تزول الحجية و المنجزية عن القطع و إنما يمكن إلغاء القطع و نفيه.

و على هذا سيكون البحث في مطلبين أساسيين.