محاضرات في الأصول / تقريرات

- الشيخ حسين علي‏ المنتظري المزيد...
503 /
3

-

4

[شناسنامه‏]

سرشناسه: منتظرى، حسينعلى، 1301-

عنوان و نام پديدآور: محاضرات فى الاصول (تشتمل على تنبيهات الاستصحاب و التعادل و التراجيح و الاجتهاد و التقليد): تقريرا لابحاث الامام الخمينى ((قدس سره))/ حسينعلى منتظرى.

مشخصات نشر: تهران، مؤسسه تنظيم و نشر آثار امام خمينى (س)، مؤسسه چاپ و نشر عروج، 1388

مشخصات ظاهرى: 503 صفحه‏

شابك:ISBN :879 -469 -212 -370 -4

وضعيت فهرست‏نويسى: فيپا

يادداشت: كتابنامه؛ ص 485- 494: همچنين به صورت زيرنويس.

موضوع: 1. خمينى، روح اللّه، رهبر انقلاب و بنيانگذار جمهورى اسلامى ايران. 1279- 1368.

2. اصول فقه شيعه قرن 14 ق.

شناسه افزوده: مؤسسه تنظيم و نشر آثار امام خمينى (س)- دفتر قم، مؤسسه چاپ و نشر عروج.

رده‏بندى كنگره: 33 م 9 م/ 8/ 159BP

رده‏بندى ديويى: 312/ 297 شماره كتابشناسى ملى: 1852480

كد/ م 2524

محاضرات في الاصول‏

* المؤلف: آية اللّه العظمى حسينعلي المنتظري‏

* الناشر: مؤسسة العروج‏

* الطبعة: الاولى، 1388 ش/ 1430 ق‏

* الكمية: 1000 نسخة

* السعر: 100000 ريال‏

كلمة الناشر

5

كلمة الناشر

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين محمّد و على آله الطيّبين الطاهرين.

لا يخفى على أحد ما للفقه من دور بارز و فاعل في شتّى جوانب الحياة الفردية و الاجتماعية للمسلم.

و بكلمة واحدة: أنّ الفقه يشكّل- في واقع الأمر- منهاج حياة الفرد المسلم و المجتمع الإسلامي ليس إلّا.

إنّ اتّساع دائرة العلوم الإسلامية- إنّما هو في الحقيقة- حصيلة عملية الاستنباط و الاجتهاد التي أطلقها أئمّة أهل البيت الأطهار (عليهم السلام)، و ربوا عليها فقهاء أهل البيت، الذين أبقوا أبوابها مفتوحة، في وجه الامّة على الدوام، باذلين في هذا السبيل جهوداً كبيرة، و بهمّة عالية، و صدق و إخلاص، بحيث لا يتمكّن أحد أن يقدم على غلق «باب الاجتهاد»، أو يوصده و لو بصورة محدودة، لاتّساع‏

6

دائرة الفقه باستمرار، و تزايد الحاجة إلى استنباط أحكام جديدة للموضوعات المستجدّة.

إنّ الحصول على مرتبة الاجتهاد و الوصول إلى مقام الفقاهة و منصب الفتوى يتوقّف على طيّ مقدّمات ضرورية، منها الإشراف الكامل على علم الاصول لما لعلم الاصول من مكانة ممتازة، و غير قابلة للإنكار و التجاهل إلى درجة اعتبر «علم الاصول» بالنسبة إلى الفقه، بمنزلة «علم المنطق» بالنسبة إلى «علم الحكمة و الفلسفة».

فمن جملة مسائل علم الاصول مسألة «الاستصحاب» التي هي من كبريات مسائل علم الاصول التي لها دخل في فهم الأحكام الشرعية، كما هو واضع.

و في الواقع يعتبر أصل الاستصحاب من اسس الفقه الكبرى و قواعدها العظمى، التي جعلها الشارع المقدّس بمثابة «الباب المفتوح الذي يمكن للفقيه أن يتوصّل- عبره- إلى الوظائف العملية للمكلّفين، و يبيّن لهم طريق العمل بها.

و لو أنّ دائرة هذا العلم الهامّ- و نعنى علم الاصول- اتّسعت مع تقادم الزمن على أثر ظهور الأصعدة الجديدة، و تنامى دراسات المحقّقين، و تحقيقاتهم الجديدة، لازداد ميراث المحقّقين المتقدّمين عمقاً و اتّساعاً أيضاً.

فمسألة «الاستصحاب» مثلًا على بساطتها الاولى و حجمها الصغير في بداية أمرها تطوّرت و اتّسع نطاقها على أثر العوامل الزمانية و الاقتضاءات المتزايدة، المتنامية، و المتجدّدة.

و الإمام الخميني (قدس سره) الذي كان يتمتّع بجامعية علمية عديمة النظير و كان يعدّ

7

من الأعاظم في علمي المعقول و المنقول و ما تركه من أثر عميق و قيّم، شاهد قويّ على ما ندّعيه.

فهو- (رضوان اللّه عليه)- بعد أن قضى برهة من عمره المبارك في تعليم الفلسفة و العرفان و الحكمة المتعالية، وجّه همّته- بعد تشخيص الوظيفة- حدب التحقيق و التأليف، في مجال العلوم العقلية و النقلية، و بخاصّة الفقه و الاصول، و تدريسهما و تعليمهما، فترك في هذين المجالين آثاراً علمية و عينية كثيرة، منها مئات الفقهاء و المحقّقين، و المؤلّفات الاصولية و الفقهية، التي دبجتها يراعته المباركة، و يراعات تلامذته العلماء الفطاحل، التي كانت حصيلة جهود علمية كبيرة و مضنية، ظهر معظمها أيّام حياته العلمية في حوزتي قم المقدّسة بإيران و النجف الأشرف بالعراق.

و لقد طلب جمع من الأفاضل العظام في الحوزة العلميه في مدينة قم بإصرار من الفقيه الاصولي الإمام الخميني (قدس سره)- و بعد هجرة الفقيه الكبير آية اللّه العظمى، المرحوم السيّد البروجردي (قدس سره) إلى الحوزة العلمية في مدينة قم، و شروعه في تدريس مباحث الألفاظ من علم الاصول، طلبوا منه أن يقوم بتدريس مبحث الأمارات و الاصول العملية، من الأبحاث العقلية و الاصولية، و كان الشهيد السعيد الفيلسوف آية اللّه الشيخ مرتضى المطهّري- أعلى اللّه مقامه- و الفقيه المحقّق، آية اللّه العظمى الشيخ حسينعلي المنتظري من مؤسّسي هذا الدرس، و تلامذة الإمام الخميني (قدس سره) الاصوليين الأوائل، و قد التحق بهم فضلاء آخرون، و ازداد عددهم شيئاً فشيئاً، و هكذا تكوّنت مدرسته الاصولية المعتدلة، و كانت تقوم على عدم الخلط بين المجالات العقلية و النقلية.

8

و تقوم كذلك على تهذيب مسائل علم الاصول و هو اتّجاه أظهره تلامذته المبرّزين، في تقريراتهم لدرسه، أمثال المرحوم آية اللّه العظمى الشيخ فاضل اللنكراني في «معتمد الاصول» و آية اللّه العظمى الشيخ السبحاني في «تهذيب الاصول».

و الكتاب الحاضر تقرير لأكثر الأبحاث المرتبطة بالاستصحاب و هو «تنبيهات الاستصحاب» و كذا «التعادل و الترجيح» و «الاجتهاد و التقليد» بقلم أحد مؤسّسي هذا الدرس- درس بحث خارج الاصول- للإمام الخميني (قدس سره) و هو آية اللّه العظمى المنتظري حفظه اللّه الذي أجاد تقرير هذا القسم من الدرس، و قد جاء في الهامش من التقريرات- كما هو دأب المقرّرين- بما خطر بباله من التوضيح أو النقد العلمي لمباحث استاذه الإمام الخميني (قدس سره).

و قد تمّ القيام بإعداد هذا الأثر في مؤسّسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره) و ها هي تقدّمه إلى العلماء الأكارم، و المحقّقين المحترمين، في هذه الصورة.

مؤسّسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)

فرع قم المقدّسة

9

كلمة المقرّر

كلمة المقرّر

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين.

فبعد، هذه المجموعة التي ترى ممّا كتبته تقريرا للبحوث الاصولية التي ألقاها إلينا سماحة الاستاذ المحقّق البارع المرحوم آية اللّه العظمى الإمام روح اللّه الموسوي الخميني (قدس سره). و هي أوّل دورة من محاضراته الاصولية، شرعها بطلب و إصرار منّي و من أخي الشهيد آية اللّه المطهّري طاب ثراه، لما عرفنا منه آنذاك ما خفي على غيرنا من العبقرية و الألمعية و كمال الدقّة و ذكاء النظر، فطلبنا من سماحته أن يشرع لنا بحثا اصوليّاً حول ما طرحه المحقّق الخراساني في المجلد الثاني من كتابه «كفاية الاصول». فهو (قدس سره) أتى في اليوم الأوّل من البحث بما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) مبيّنا لما أراده ذلك المحقّق لا غير، زعما منه أنّ ما أردنا و طالبناه منه ذلك فقط، فلمّا رأى منّا النقد و الإشكال حول ما رسمه صاحب «الكفاية» بما هو خارج عن طاقة سطح «الكفاية»- حيث تعرّضنا بين كلامه للمباني الاصولية الاخرى- فقال هو (قدس سره): «كأنّكم تريدون خارج‏

10

المباحث لا سطحها»، فقلنا: أجل، هكذا بنينا و أردنا. فبعد ذلك اليوم فحص حول المطالب و بحث أكثر و أعمق و أجال فيها الفكر و البيان بما ترى بين يديك من التبيان، و كنّا نحن أيضا نرى ما كان مطرح الأنظار و محلّ الأفكار ممّا أبداه الشيخ الأعظم و المحقّقان النائيني و الأصفهاني و غيرهم من الفحول (قدس سره) م من الفكر الاصولي، و كان ميدان البحث و النقد حولها بيننا و بينه (قدس سره) واسعا و مجلس النقض و الإبرام فيها فاسحا فطال ما ألقاه (قدس سره) سنين عديدة. و كان أخي الشهيد المطهّري وقتئذٍ يقول: «إنّ قدر المقام العلمي للُاستاذ و باعه النظري بما له من التعمّق و الدقّة لم يعرف بعد في الحوزات العلمية إلى أن يمضي زمان كثير».

و مهما كان، فقد حضر بعد زمانٍ في هذه المحاضرات عدّة من الأفاضل الآخرين منهم أخي الشهيد آية اللّه البهشتي (رحمه الله).

و لأجل حضوري أيضا في ذلك الزمان في محاضرات الاستاذ الأكبر الفقيه الكبير آية اللّه العظمى البروجردي روّح اللّه رمسه لم يساعدني التوفيق لضبط و تقرير جميع المباحث الاصولية التي طرحها الاستاذ المحقّق من أوّل مباحث القطع إلى أن انتهت محاضراته إلى تنبيهات الاستصحاب، فكانت بدء كتابتي في غرّة شعبان من سنة 1368 القمرية، فكتبتها بما ترى راعيا فيها الأمانة و الدقّة.

و إذا خطر ببالي شي‏ء يرتبط بكلامه (قدس سره) من النقد أو التوضيح جئت به في الهامش. فجزاه اللّه خير الجزاء و أعلى اللّه مقامه و أطيب مثواه.

حسينعلي المنتظري‏

11

تنبيهات الاستصحاب‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

التنبيه الأوّل في اعتبار فعلية اليقين و الشكّ في الاستصحاب‏

قال في «الكفاية» في التنبيه الأوّل من تنبيهات الاستصحاب: أنّه يشترط في الاستصحاب كون كلّ من اليقين و الشكّ فعليا. (1) و في التنبيه الثاني ما حاصله:

أنّ استصحاب الأحكام المحرزة بالأمارات، لا بالقطع و اليقين، لا محذور فيه.

بتقريب: أنّ مقتضى قوله:

«لا تنقض»

(2)

جعل الملازمة بين ثبوت الشي‏ء و بقائه و دليل حجّية الأمارة دليل على أحد المتلازمين؛ أعني الثبوت و الدليل على أحد المتلازمين دليل على الآخر، (3) انتهى.

أقول: الظاهر أنّ بين هذين التنبيهين تهافتا، فإنّ مقتضى الثاني أنّ اليقين في قوله:

«لا تنقض»

طريقي محض و الشكّ أيضا قد ذكر موردا لا موضوعا،

____________

(1)- كفاية الاصول: 459.

(2)- تهذيب الأحكام 8: 1/ 11؛ وسائل الشيعة 245: 1، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1.

(3)- كفاية الاصول: 460- 461.

14

كما في الأمارات فيكون مفاد

«لا تنقض»

أنّ ما ثبت واقعا يدوم، و مقتضى التنبيه الأوّل أنّ كلًّا من اليقين و الشكّ لهما دخالة في موضوع الاستصحاب، إمّا لكونهما تمام الموضوع أو لكونهما جزءا منه، إذ لو لم يكن لهما دخالة فيه أصلًا، بل كان مفاد أدلّة الاستصحاب الملازمة بين ثبوت المتيقّن و بقائه فقط لم يكن وجه لاشتراط الفعلية فيهما و كان مقتضى ذلك الملازمة بين الثبوت و البقاء، سواء علم به المكلّف أو لم يعلم، غفل عنه أو لم يغفل.

غاية الأمر: أنّ ترتّب الأثر يدور مدار الإحراز بالعلم أو بإحدى الطرق الاخرى.

ثمّ إنّ الاحتمالات المتصوّرة في مثل قوله:

«لا تنقض اليقين بالشكّ»

بحسب مقام الثبوت ثلاثة:

الاحتمال الأوّل: عدم دخالة الشكّ و اليقين أصلًا فيكون مفاده أنّ ما ثبت يدوم و يكون ذكر الشكّ لكونه موردا للتعبّد الشرعي، كما في الأمارات فالاستصحاب بناءً على هذا يكون من الأمارات المجعولة شرعا، بل لم تكن لنا في الشرع أمارة مجعولة تأسيسا، إلّا الاستصحاب، إذ جميع الأمارات ما سواه ممّا استقرّ على العمل بها سيرة العقلاء و الشارع في ذلك كأحدهم، و أمّا الاستصحاب فليس العمل به من مرتكزات العقلاء و إن توهّم، بداهة أنّ عملهم بالحالة السابقة إنّما يكون للوثوق ببقائها أو للغفلة عن زوالها أو للرجاء و الاحتياط، و في سوى ذلك لا يرتّبون أثر البقاء في صورة الشكّ فضلًا عن الظنّ بالخلاف.

15

و بذلك يدفع ما يتوهّم‏ (1) من أنّ التعليل في صحيحتي زرارة (2) إنّما يكون بأمر ارتكازي عقلائي و أنّ الاستدلال بظهورهما و عمومهما لجميع الموارد من الشكّ في المقتضي و الرافع و الموضوعات و الأحكام لا يصحّ إلّا إذا كان ثابتا بهذا العموم عند العقلاء. وجه الدفع: أنّ العمل و الاعتماد على صرف الحالة السابقة ليس من مرتكزات العقلاء كما عرفت.

و يشهد لذلك مورد الصحيحة الاولى فإنّ استصحاب الوضوء مع ظهور أمارات النوم من حركة الشي‏ء في جنبه و هو لا يعلم، ممّا لا يبني عليه العقلاء لو لا تعبّد الشارع بذلك.

اللهمّ إلّا أن يقال: ثبوت الفرق بين مقام إثبات الواقعيات و إحرازها و بين مقام الاحتجاج بين الموالي و العبيد فإنّ خبر الواحد أيضا ليس ممّا يعتمد عليه العقلاء دائما، و لكن يكتفى به في مقام الاحتجاج و اللجاج، فافهم.

و كيف كان: فلو كان مفاد هذه الأخبار، أنّ ما ثبت يدوم بحكم الشارع كان مقتضاه جعل الثبوت و الكون في الزمان السابق أمارة لبقائه، إذ له كاشفية ناقصة فيتمّها الشارع بجعله تأسيسا، و على هذا يكون اليقين في هذه الأخبار طريقا محضا فيكون مفاد قوله:

«لا تنقض اليقين»

، لا تنقض الثابت، و يكون مقتضى‏

____________

(1)- درر الفوائد، المحقّق الخراساني: 303؛ نهاية الأفكار 35: 4.

(2)- راجع للصحيحة الاولى: تهذيب الأحكام 8: 1/ 11؛ وسائل الشيعة 245: 1، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1.

و للصحيحة الثانية أيضا: علل الشرائع: 361/ 1؛ تهذيب الأحكام 421: 1/ 1335؛ وسائل الشيعة 402: 3، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 7، الحديث 2 و الباب 37، الحديث 1 و الباب 42، الحديث 2 و الباب 44، الحديث 1.

16

جعله، إطالة عمر ما ثبت تعبّدا و الشكّ قد ذكر من جهة كونه موردا للتعبّد لا موضوعا فيكون المجعول أمارة.

الاحتمال الثاني: أن يكون اليقين طريقا محضا و لكن يكون الشكّ مأخوذا موضوعا فحينئذٍ يكون الاستصحاب من الاصول و لازم كلا الاحتمالين جريان الاستصحاب في الأحكام و الموضوعات الثابتة بالأمارات، إذ الفرض عدم دخالة اليقين أصلًا، و إنّما ذكر آلة لملاحظة الثابت و المتيقّن و الأمارات أوساط في الإثبات بجعل الشارع، و يفترق الاحتمالان بوجهين:

الأوّل: ما اشير إليه من كون الاستصحاب أمارة على الأوّل و أصلًا على الثاني.

الثاني: أنّ الشكّ و اليقين لا يشترط فيهما الفعلية على الأوّل لعدم أخذهما موضوعا، و أمّا على الثاني فاليقين لا يشترط فيه الفعلية أيضا، و أمّا الشكّ فيشترط فيه تلك، إذ الظاهر من أخذ عنوان في موضوع حكم، كون الحكم ثابتا له على تقدير فعليته و تحقّقه كما لا يخفى.

الاحتمال الثالث: أن يكون اليقين أيضا مأخوذا موضوعا و هو على قسمين:

الأوّل: أن يكون تمام الموضوع.

الثاني: أن يكون جزؤه و يكون جزؤه الآخر هو الواقع و المتيقّن.

و لا يخفى: أنّ أخذه موضوعا هنا إنّما يكون بما هو كاشف لا بما هو صفة نفسانية للمكلّف فإنّ جعل الاستصحاب إنّما يكون بلحاظ الواقع، و إن أخذ في موضوعه اليقين، و نظير ذلك باب القضاء و الشهادات، فإنّ اليقين قد اخذ فيها موضوعا و لكن بلحاظ الواقع، فالوصول إلى الواقع بمنزلة الحكمة لجعله و مقتضى الاحتمال الثالث بقسميه كون الاستصحاب أصلًا.

17

فإن قلت: فلِم لا يجعل حينئذٍ أيضا أمارة بأن يقال: إنّ مفاد أخباره إطالة عمر اليقين بعد كونه كاشفا ناقصا.

قلت: اليقين بشي‏ء أو بحالة لا كشف له عن غير متعلّقه أصلًا و إنّما الذي يكشف عن بقاء الشي‏ء بالكشف الناقص هو نفس ثبوته من جهة بقاء الثابت غالبا، فاليقين بالثبوت في الحالة السابقة يكشف عن الثبوت، ثمّ يحكم المتيقِّن حكما ظنّيا بأنّه ثبت فيدوم، فافهم و تأمّل جيّدا.

ثمّ إنّ جريان الاستصحاب بناءً على الاحتمال الثالث فيما ثبت بالأمارات مشكل، اللهمّ إلّا أن يجعل اليقين بما هو كاشف مطلق لا كاشف تامّ، موضوعا أو يلحق الأمارات باليقين بإلغاء خصوصية اليقين.

و كيف كان: فيجب تأويل الأخبار بنحو يجري الاستصحاب فيما ثبت بالأمارات أيضا و إلّا لزم اختصاص حجّية الاستصحاب بالموارد النادرة. أ لا ترى أنّ الإمام (عليه السلام) قال في الصحيحة الثانية:

«لأنّك كنت على يقين من طهارتك»

(1)

مع أنّه من النوادر، بل من المحالات، العلم بالطهارة الواقعية. و من الشواهد على إلحاق الأمارات باليقين مع أخذه موضوعا أيضا ما تراه في باب الشهادات فإنّه مع دلالة الأدلّة و الأخبار الكثيرة على اشتراط اليقين في الشهادة، (2) و قوله (عليه السلام) في بعضها: أنّه يجب أن يكون المشهود به، كالشمس في السماء، (3) قد وردت‏

____________

(1)- تقدّمت تخريجها في الصفحة 15.

(2)- راجع: وسائل الشيعة 341: 27، كتاب الشهادات، الباب 20.

(3)- راجع: وسائل الشيعة 342: 27، كتاب الشهادات، الباب 20، الحديث 3؛ مستدرك الوسائل 422: 17، كتاب الشهادات، الباب 15، الحديث 2.

18

أخبار كثيرة على جواز الشهادة على طبق اليد و الاستصحاب و سائر الأمارات و الحجج الشرعية (1) فيعلم من ذلك أنّ اليقين في لسان الشرع أعمّ من الحجّة الذاتية و المجعولة.

هذا كلّه بحسب مقام الثبوت.

و أمّا بحسب مقام الإثبات، فالظاهر من الأخبار كون اليقين فيها مأخوذا موضوعا بنحو تمام الموضوع فالاستصحاب ثابت لمن تيقّن بالواقع و شكّ في بقائه، سواء كان هناك واقع أم لا.

و ربّما يقال: بأنّ أخذ عنوان في لسان الدليل و إن كان ظاهرا في كونه موضوعا لا عنوانا مشيرا، و لكن هذا في غير العناوين التي غلب فيها المرآتية كالعلم و الرؤية و السماع و نحوها، فلو قيل: لو رأيت زيدا فقل له كذا، لا يفهم منه كون الرؤية دخيلة في الموضوع أصلًا.

و لكن يدفع ذلك بأنّ جميع روايات الباب مع تضافرها لها عناية بذكر اليقين و الشكّ، فيستفاد منها الموضوعية لأنّه كان ممكنا أن يقال في الصحيحة الثانية مثلًا: «لأنّك كنت متطهّرا» فشككت فالعدول عن ذلك بقوله:

«لأنّك كنت على يقين»

، يدلّ على خصوصية اليقين، هذا. مع أنّ لفظ النقض أيضا يدلّ على دخالة اليقين من جهة أنّه الأمر المبرم الذي يصحّ إسناد النقض إليه.

____________

(1)- راجع: وسائل الشيعة 336: 27، كتاب الشهادات، الباب 17؛ و أيضا: 292، كتاب القضاء، أبواب كيفيّة الحكم، الباب 25، الحديث 2 و 3.

19

التنبيه الثاني في استصحاب عدم التذكية

الشيخ الأنصاري (قدس سره) بعد ما ذكر أقسام استصحاب الكلّي ورد بمناسبة ما في بيان أنّ أصالة عدم التذكية جارية أم لا. (1) و نحن أيضا نرد في تحقيقها بحيث يظهر لك ما هو الحقّ المحقّق في المسألة. و قبل الشروع في المقصود لا بدّ من ذكر امور:

الأمر الأوّل: أنّ الشبهة إمّا حكمية أو موضوعية، و الحكمية هاهنا إمّا أن تكون لأجل الشكّ في قابلية الحيوان الكذائي للتذكية و إمّا أن تكون لأجل الشكّ في جزئية شي‏ء أو شرطيته لها و إمّا أن تكون لأجل الشكّ في مانعية شي‏ء عنها.

و الشكّ في القابلية أيضا إمّا من جهة الشبهة المفهومية، كما لو ورد الدليل على عدم قبول السبُع للتذكية فشكّ في حيوان أنّه من السباع أم لا، من جهة

____________

(1)- فرائد الاصول، ضمن تراث الشيخ الأعظم 198: 26، و راجع في هذا المجال: 109: 25.

20

إجمال مفهوم السبُع، و إمّا من جهة اخرى، كما إذا شكّ في أنّ الحيوان المتولّد من الحيوانين مع عدم دخوله في عنوان أحدهما ممّا يقبل التذكية أو لا، و الشكّ في المانعية، تارة: يكون لأجل وصف لازم، و تارة: يكون لأجل وصف حادث، كالجلل بنحو الإطلاق أو الجلل الخاصّ.

و الشبهة الموضوعية تكون تارة: لأجل الشكّ في حيوان خاصّ أنّه غنم أو ذئب مثلًا لأجل الشبهة الخارجية، كما في الظلمة مثلًا، و تارة: لأجل الشكّ في جزء من الحيوان أنّه جزء من الغنم أو الذئب مثلًا، و تارة: لأجل الشكّ في جزء من الحيوان أنّه مأخوذ ممّا يعلم تذكيته أو ممّا لم يعلم تذكيته أو يعلم عدم تذكيته، و تارة: لأجل الشكّ في تحقّق التذكية خارجا مع عدم كونه في يد مسلم أو سوق المسلمين و عدم مسبوقيته بهما، و تارة: لأجل الشكّ في طروّ المانع بعد إحراز المانعية.

الأمر الثاني: أنّ التذكية بحسب التصوير العقلي إمّا أن تكون أمرا بسيطا أو تكون مركّبا خارجيا أو مركّبا تقييديا، و على الأوّل تارة: تكون أمرا متحصّلًا مسبّبا من الأجزاء الخارجية، و تارة: تكون منتزعة عنها موجودة بعين وجودها كسائر الانتزاعيات. و المراد من المركّب الخارجي هنا أن تكون التذكية عبارة عن نفس الامور الستّة أي فري الأوداج الأربعة بالحديد إلى القبلة مع التسمية و كون الذابح مسلما و الحيوان قابلًا. و المراد من كونها من المركّبات التقييدية أن تكون التذكية عبارة عن أمر متقيّد بأمر آخر، و حينئذٍ فيحتمل أن تكون أمرا بسيطا متحصّلًا من الامور الخمسة متقيّدا بقابلية المحلّ، و يحتمل أن تكون أمرا منتزعا عنها متقيّدا بها، و يحتمل أن تكون أمرا مركّبا منها متقيّدا بها ففي هذه‏

21

الصور الثلاثة يكون التركيب تقييديا. غاية الأمر: أنّ ذات المقيّد ربّما يكون بسيطا و ربّما يكون مركّبا.

فإن قلت: لو فرض كون التذكية عبارة عن نفس الامور الستّة فما معنى القابلية فإن كان المراد منها قابلية المحلّ للخمسة الاخر فلا شكّ أنّ كلّ حيوان يقبل ذلك و إن كان المراد منها معنى آخر فما هذا المعنى؟

قلت: ليس معنى القابلية حينئذٍ قابلية الحيوان لورود الخمسة الاخر، بل المراد بها قابلية الحيوان لتأثير الامور الخمسة في طهارته و حلّية لحمه، و سيأتي بعد ذلك أنّ القابلية يمكن أن يقال: بكونها من الأحكام الشرعية الوضعية من دون أن يكون لها واقع وراء جعل الشارع.

الأمر الثالث: إن دلّ دليل شرعي على تعيين أحد المحتملات و رفع الشكّ من جهة أو جهات فهو و إلّا فالمرجع هو الاصول العملية موضوعية كانت أو حكمية على اختلاف الموارد،- كما سيأتي تفصيلها- و أمّا التصديق ببعض المحتملات فهو منوط بالبحث الفقهي.

إذا عرفت ذلك، فنقول: لو كانت الشبهة من جهة قابلية الحيوان للتذكية، سواء كانت الشبهة مفهومية أو لا و لم يدلّ دليل شرعي على قابلية كلّ حيوان للتذكية، فهل تجري أصالة عدم القابلية و تحرز الموضوع أم لا؟ قد يقال بجريانها.

و توضيحه: أنّ العارض قد يكون عارضا للماهية، و قد يكون عارضا للوجود، و على كلّ تقدير فقد يكون لازما و قد يكون مفارقا فالعرض اللازم للماهية كالزوجية للأربعة و المفارق لها كعروض الوجود للماهية الممكنة

22

و العرض اللازم للوجود كموجوديته المصدرية و النورية و المنشئية للآثار و المفارق له كالسواد و البياض العارضين للموجود.

و لا إشكال في أنّ قابلية الحيوان للتذكية من العوارض اللازمة للوجود أو الموجود و ليست من العوارض اللازمة للماهية، بل هي بالنسبة إليها من العوارض المفارقة العارضة لها بتبع الوجود، كجميع عوارض الوجود.

إذا عرفت هذا، فنقول: إنّ الحيوان الكذائي و نشير إلى ماهيته لم يكن قابلًا للتذكية قبل وجوده و نشكّ في أنّه حين تلبّسه بالوجود عرض له القابلية لها أو لا فالأصل عدم عروضها له.

نعم، لو كان الموضوع هو الموجود أو كانت القابلية من لوازم الماهية لم يكن وجه لهذا الاستصحاب لعدم الحالة السابقة، لكنّ الموضوع هو الماهية و القابلية عارضة لها بعد وجودها، فهذه الماهية قبل تحقّقها لم تكن متّصفة بالقابلية بنحو السالبة المحصّلة فيستصحب ذلك.

و بهذا البيان يعلم جريان أصالة عدم القرشية و أمثالها فأصالة عدم القابلية جارية و حاكمة على أصالة عدم التذكية و على الاصول الحكمية.

هذه غاية ما يمكن أن يقرّر به هذا الأصل، و لقد أصرّ شيخنا العلّامة أعلى اللّه مقامه على جريانه. (1)

و لكنّ التحقيق: أنّ هذا الأصل ممّا لا أصل له، و توضيحه يتوقّف على بيان‏

____________

(1)- راجع: فرائد الاصول، ضمن تراث الشيخ الأعظم 198: 26؛ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 219- 220؛ كتاب الطهارة تقريرات المحقّق الحائري الأراكي 12: 2- 14.

23

اعتبارات القضايا السالبة و لا بأس بالإشارة إلى مطلق القضايا لكي يتّضح المقصود، فنقول:

أقسام القضية و التحقيق فيها

إنّ القضايا المعتبرة في العلوم إمّا أن تكون موجبة أو سالبة أو معدولة المحمول موجبة و سالبة. و الاوليان قد تكونان بنحو الهليّة البسيطة و قد تكونان بنحو الهليّة المركّبة فإذن القضايا التي لها اعتبار عند العقل و العقلاء ستّة.

و أمّا القضيّة الموجبة السالبة المحمول فليست ممّا تعتبر في العلوم، و إنّما حدثت بين المتأخّرين و حقيقتها ترجع إلى قضيّتين كما لا يخفى.

فالاولى‏ من القضايا الستّة: القضيّة الموجبة بنحو الهليّة المركّبة كقولنا: «زيد قائم»، و لا إشكال في أنّها تنحلّ إلى موضوع و محمول و نسبة، و لكلّ منها محكيّ فالموضوع يحكي عن زيد الخارجي و المحمول عن القيام الخارجي و النسبة عن حصوله له، و أمّا تحقيق أنّ الكون الرابط متحقّق في الخارج أو لا، و على فرض تحقّقه فبأيّ كيفيّة فأمر صعب خارج عن مقصودنا. و كيف كان: فللقضيّة المركّبة الموجبة حكاية و كشف عن أمر خارجي موضوعا و محمولًا و نسبة.

الثانية: القضيّة الموجبة بنحو الهليّة البسيطة، كقولنا: «زيد موجود و الوجود موجود»، و لا إشكال في أنّ هذه القضيّة مركّبة ذهنا من الموضوع و المحمول و النسبة لأنّ تقوّم القضيّة الموجبة إنّما يكون بالامور الثلاثة، كما لا إشكال في أنّ المحكيّ عنه فيها ليس بنحو المحكيّ عنه في القضيّة الاولى، فإنّ موجودية الماهية ليس على نحو عروض العوارض الخارجية لموضوعاتها، كما أنّ‏

24

موجودية الوجود ليست عارضة له في الخارج، بل المحكيّ الخارجي في هذه القضيّة ليس إلّا نفس الوجود البسيط الخاصّ فيحلّله العقل إلى موضوع و محمول و نسبة. و أوضح ممّا ذكرنا، قولنا: «زيد زيد» و «الوجود وجود» فإنّ المحكيّ ليس إلّا نفس ذات الموضوع، و مناط الصدق في أمثال هذه القضايا هو تحقّق الموضوع بنفس ذاته؛ يعني واجدية ذاته لذاته خارجا أو تحقّق المحمول بذاته.

الثالثة: القضيّة الموجبة المعدولة المحمول، و الميزان في اعتبارها أن يكون للمعنى العدمي المنتسب إلى الموضوع نحو حصول في الموضوع كأعدام الملكات مثل: «زيد لا بصير» المساوق لقولنا: «زيد أعمى» فإنّ إثبات العمى و اللابصرية للموضوع إنّما هو باعتبار أنّ لهذا المعنى العدمي نحو تحقّق فيه و هو قابليّته للاتّصاف بالبصر التي هو استعداد للبصر و مرتبة ضعيفة له و هذا الاعتبار ليس في السالبة المحصّلة، للفرق الواضح بين سلب شي‏ء عن الموضوع بالسلب المطلق و بين إثبات السلب له بنحو عدم الملكة. و لهذا يكون اعتبار القضيّة المعدولة فيما إذا كان للسلب ثبوت بنحو عدم الملكة كما مرّ، فقولنا: «زيد لا بصير» قضيّة معتبرة و «زيد لا عمرو» قضيّة غير معتبرة ك- «الجدار لا بصير أو أعمى» فمناط الصدق في مثلها هو نحو تحقّق للمعنى السلبي في الموضوع و ثبوته له بنحو من الثبوت ف- «الجدار لا بصير» قضيّة غير صادقة و أمّا «الجدار ليس ببصير» فصادقة و «زيد لا بصير» صادقة ك- «زيد ليس ببصير».

الرابعة: القضيّة السالبة المعدولة المحمول كقولنا: «الجدار ليس بلا بصير»

25

و هي أيضا قضيّة معتبرة و مفادها سلب تحصيلي لهذا المعنى العدمي عن الموضوع.

الخامسة: القضيّة السالبة بنحو الهليّة البسيطة كقولنا: «زيد ليس بموجود» ممّا مفادها سلب الموضوع بنحو ليس التامّة و في مثل هذه القضيّة ليست حكاية و كشف واقعي عن أمر أصلًا و ليس لها محكيّ بوجه، لكنّ العقل يدرك بنحو من الإدراك بطلان الموضوع، و هذا الإدراك أيضا يكون بتبع أمر وجودي كالصورة المدركة الذهنية التي يخترعها العقل و تكون مناط إدراكه و حكمه، فقولنا:

«المعدوم المطلق معدوم» لا يحكي عن أمر واقعي، بل ينبّه على بطلان المعدوم و عدم شيئيته و ليس للبطلان و عدم الشيئية واقعية حتّى يحكي شي‏ء عنها.

نعم، يتوهّم العقل المشوب أنّ للبطلان واقعية و المفهوم يحكي عنه و التخلّص من ملاعبة الواهمة أمر صعب.

السادسة: القضيّة السالبة المحصّلة بنحو الهليّة المركّبة، كقولنا: «زيد ليس بقائم».

اختلاف الأنظار في وجود النسبة في القضية السالبة

و قد اختلفت الكلمات في باب القضيّة السالبة و أنّها هل تشتمل على نسبة سلبية أو لا تتضمّن النسبة أصلًا؛ و تفصيل ذلك هو أنّ قولنا: «زيد ليس بقائم» يحتمل فيه بالنظر البدوي امور ثلاثة:

الأوّل: أن يكون المقصود إثبات اتّصاف زيد بسلب القيام بحيث يعتبر بين زيد و هذا السلب نسبة ثبوتية و يكون السلب جزءا من المحمول و حينئذٍ يخرج‏

26

القضيّة عن كونها سالبة فتكون موجبة معدولة المحمول.

الثاني: أن لا يجعل السلب جزءا من المحمول و لكن يكون المقصود إثبات اتّصاف زيد بأنّه مسلوب عنه القيام، و هذا الاعتبار أيضا يخرج القضيّة عن كونها سالبة، بل تصير موجبة سالبة المحمول.

الثالث: أن لا يجعل السلب جزءا من المحمول و لا يعتبر أيضا اتّصاف الموضوع بشي‏ء، بل يكون المقصود رفع نسبة القيام إلى زيد و قطعها في قبال الموجبة التي يكون مفادها إثبات النسبة و هذا هو مفاد القضيّة السالبة المحصّلة و في هذا الفرض اختلفت كلمات القدماء و المتأخّرين، فذهب بعض المتأخّرين إلى أنّ القضيّة السالبة تشتمل على نسبة سلبية و عدم رابط، (1) فكما أنّ القضيّة الموجبة مركّبة من الموضوع و المحمول و نسبة ثبوتية فكذلك القضيّة السالبة مركّبة من الطرفين و نسبة هي بنفسها أمر عدمي.

و بعبارة اخرى: كما أنّ ارتباط زيد و القيام في القضيّة الموجبة إنّما هو بثبوت القيام لزيد و حصوله له الذي يعبّر عنه بالنظر إلى الخارج، ب- «الكون الرابط» و بالنظر إلى القضيّة ب- «النسبة الثبوتية» و يكون الثاني حاكيا عن الأوّل فكذلك ارتباطهما في القضيّة السالبة إنّما هو بسلب القيام عن زيد و انفصاله عنه و يعبّر عنه باعتبار الخارج ب- «العدم الرابط» و بالنظر إلى القضيّة، ب- «النسبة السلبية» و يكون الثاني حاكيا عن الأوّل.

و بعبارة ثالثة: كما أنّ الوصل بين الشيئين نحو إضافة و انتساب بينهما فكذلك‏

____________

(1)- راجع: الحكمة المتعالية 365: 1، و الهامش تعليقة المحقّق السبزواري؛ شرح المنظومة 251: 1- 252.

27

الفصل بينهما فالسلب في القضيّة السالبة يتوجّه إلى نفس المحمول و يكون بنفسه رابطا بين الطرفين.

و ذهب القدماء إلى أنّ القضيّة السالبة لا تشتمل على النسبة، بل يكون مفادها سلب النسبة و قطعها. (1) لا بأن يعتبر أوّلًا بين الطرفين نسبة ثبوتية ثمّ ترفع، بل السلب يتوجّه أوّلًا إلى المحمول و لكن معنى سلب المحمول عن الموضوع هو رفع الانتساب بينهما، كما أنّ القضيّة الموجبة لا يعتبر فيها أوّلًا نسبة ثبوتية ثمّ تثبت للموضوع، بل الإثبات يتوجّه أوّلًا إلى المحمول فيثبت للموضوع و مع ذلك يقال: إنّ فيها نسبة ثبوتية.

و السرّ في ذلك: أنّ النسبة معنى حرفي آلي فلا يتعلّق بها اللحاظ استقلالًا، بل الذي يتوجّه إليه الذهن في القضيّة إنّما هو إثبات شي‏ء لشي‏ء أو سلب شي‏ء عن شي‏ء ثمّ بالنظر الثانوي يرى أنّ الموجبة تشتمل على نسبة و ارتباط بين الموضوع و المحمول و السالبة لا تشتمل إلّا على سلب النسبة و الارتباط لا على ارتباط يكون بنفسه أمرا عدميا.

هذه خلاصة ما ذكره القدماء و المتأخّرون في هذا المقام و الحقّ مع القدماء و يشهد لذلك أمران:

الأوّل: أنّ المراد بالعدم الرابط إن كان صورته الذهنية المتحقّقة في القضيّة الذهنية، ففيه: أنّها ليست عدما بالحمل الشائع، بل هو أمر متحقّق في الذهن و إن كان المراد به ما به يرتبط الموضوع و المحمول في الخارج نظير الكون الرابط في الموجبات.

____________

(1)- راجع: الحكمة المتعالية 365: 1- 367.

28

ففيه: أنّ مقتضى ذلك هو أن يتحقّق في الخارج أمر يكون حقيقة ذاته العدم و البطلان، و مع ذلك يكون رابطا بين الموضوع و المحمول و هذا واضح الفساد، مع أنّه من الممكن أن لا يكون شي‏ء من الطرفين موجودا في الخارج، كما في القضيّة السالبة بانتفاء الموضوع فيلزم أن يتحقّق في الخارج عدم رابط بين عدمين و فساد هذا أوضح من السابق.

الثاني: أنّ الارتباط الثبوتي بين الموضوع و المحمول يوجب اتّصاف الموضوع بثبوت المحمول له و اتّصاف المحمول بثبوته للموضوع فإنّ هذا المعنى لازم ثبوت الارتباط بينهما، و على هذا فلو فرض بينهما ارتباط سلبي يكون مقتضى ذلك اتّصاف الموضوع بكون المحمول مسلوبا عنه و اتّصاف المحمول بكونه مسلوبا عن الموضوع و لازم ذلك رجوع القضيّة السالبة إلى الموجبة السالبة المحمول، و هذا خلف لأنّا قد فرضناها قضيّة في قبالها بحيث لم يلحظ فيها حيثية الاتّصاف أصلًا.

و بعبارة واضحة: معنى قولنا: «زيد قائم» باعتبار اشتماله على النسبة الثبوتية هو أنّ زيدا متّصف بالقيام و حينئذٍ فلو فرض نسبة سلبية في قولنا: «زيد ليس بقائم» يصير مفاده أنّ زيدا متّصف بسلب القيام عنه و هذا المعنى يخرج القضيّة السالبة عن كونها سالبة فبهذين الوجهين اتّضح بطلان كلام المتأخّرين.

فإن قلت: مقتضى ما ذكرت هو أن لا تكون القضيّة السالبة مشتملة على نسبة مع أنّ لزوم اعتبار نسبة ما بين الموضوع و المحمول في صيرورتهما موضوعا و محمولًا لقضيّة من أبده البديهيات.

قلت: لا نسلّم توقّف تحقّق القضيّة مطلقا على النسبة، بل هي أمر يتقوّم‏

29

و يتحقّق، إمّا بثبوت النسبة أو بسلبها فمفاد الموجبة تحقّق الارتباط بين الموضوع و المحمول، و مفاد السالبة عدم تحقّقه بينهما.

فإن قلت: إذا لم تكن القضايا السالبة مشتملة على النسبة فإلى أيّ أمر ترجع الجهات في السوالب مع أنّها لبيان كيفيات النسب؟

قلت: لا نسلّم كونها مطلقا لبيان كيفيات ثبوت النسب، بل هي في السوالب لبيان كيفيات سلبها.

ثمّ إنّه قد ظهر لك بما ذكرنا، بطلان ما ذكره بعض الادباء من كون القضيّة صادقة إن كان لنسبته خارج تطابقه و كاذبة إن لم يكن كذلك. (1)

وجه البطلان: أنّ صدق القضيّة ليس دائرا مدار تحقّق النسبة الخارجية فإنّ النسبة الخارجية لا تتحقّق إلّا في الموجبات من الهليّات المركّبة لما عرفت من أنّ لكلّ من أجزاء القضيّة في الموجبة المركّبة محكيّا عنه في الخارج، و أمّا في الموجبة البسيطة و السالبة بقسميها فليس في الخارج نسبة أصلًا كما مرّ.

مناط الصدق و الكذب في القضايا

فإن قلت: فما الملاك في صدق القضايا و كذبها؟

قلت: الملاك في الصدق و الكذب مطابقة مضمون القضيّة لنفس الأمر؛ أعني به صفحة الوجود من أوّله إلى آخره فإذا لوحظ نظام الوجود من بدايته إلى نهايته فإن كان مفاد القضيّة مخالفا له كان كاذبا و إلّا كان صادقا مثلًا قولنا: «اللّه موجود» و «زيد موجود» و «السماء فوقنا»، قضايا صادقة لا من جهة أنّ بين زيد

____________

(1)- كتاب المطوّل: 37.

30

مثلًا و الوجود بحسب الخارج نسبة، بل من جهة أنّ قولنا: «زيد موجود» يكون مفاده تحقّق زيد في الخارج فإذا لاحظنا صفحة الخارج و رأينا في مرتبة من مراتبه تحقّق زيد، علمنا أنّ القضيّة صادقة، و قولنا: «السماء فوقنا» يكون مفاده فوقية السماء بالنسبة إلينا فإذا لاحظنا الخارج و رأينا أنّ السماء في الخارج كذلك، علمنا أنّ القضيّة صادقة و كذلك قولنا: «العنقاء ليس بموجود»، و «الفحم ليس بأبيض»، قضيتان صادقتان من جهة أنّ مفاد الاولى عدم شاغلية العنقاء لمرتبة من مراتب الخارج، فإذا نظرنا إلى صفحة الخارج من بدايته إلى آخره و لم نرَ فيها العنقاء، حكمنا بكون القضيّة صادقة. و ليس المراد بمطابقتها لنفس الأمر، وجود عدمه في الخارج بنحو الإيجاب العدولي، بل المراد بها عدم العنقاء بنحو السلب البسيط في مرتبة من المراتب فإنّه مفاد هذه القضيّة.

و بالجملة: فليس الملاك في الصدق مطلقا مطابقة القضيّة للنسبة الخارجية، إذ ليس في كثير من القضايا نسبة خارجية، بل الملاك في الصدق مطابقة مضمونها لنفس الأمر بعد مقايسة هذا المضمون إلى صفحة نظام الوجود من مبدأ المبادئ إلى أنزل المراتب.

فإن قلت: إذا كان الملاك للصدق، مطابقة مضمون القضيّة لصفحة نفس الأمر فما تقول في مثل قولنا: «شريك البارئ ممتنع»، و «اجتماع النقيضين محال» و نحوهما من القضايا التي لا يعقل تحقّق مضامينها في الخارج؟

قلت: هذه القضايا ترجع حقيقة إلى قضايا سالبة، و إن كانت بصورة الإيجاب ظاهرا فمعنى قولنا: «شريك البارئ ممتنع» أنّ شريك البارئ ليس بموجود

31

بالضرورة، و حينئذٍ فإذا تفحّصنا نظام الوجود و لم نر فيه ما يكون مصداقا لشريك البارئ حكمنا بصدق القضيّة، فتأمّل. (1)

____________

(1)- و لقائل أن يقول: إنّه لا وجه لإرجاعها إلى السوالب، بل قولنا: «شريك البارئ ممتنع» مثلًا قضيّة موجبة يكون مفادها تحقّق الامتناع لهذا المفهوم و لكن تحقّق كلّ شي‏ء بحسبه و لا ريب أنّ الامتناع و قسيميه من الاعتبارات و الأحكام العقلية لا من العوارض الخارجية فتحقّقها إنّما يكون باعتبار العقل إيّاها و العقل و اعتباراته أيضا مرتبة من مراتب نظام الوجود فهذه القضيّة صادقة من جهة تحقّق مضمونها؛ أعني الامتناع في هذه المرتبة من مراتب نفس الأمر.

فإن قلت: لو كانت هذه القضايا موجبة لاحتاجت في صدقها إلى وجود الموضوع لما ثبت في محلّه من احتياج الموجبة إلى وجود الموضوع.

قلت: الحكم في هذه القضايا على الموضوعات المفروضة في الخارج لا على نحو فرض الموضوع في القضايا الحقيقية فإنّ الحكم في القضيّة الحقيقية على الموضوع بعد فرض وجوده بحيث يكون المحمول ثابتا للموضوع الموجود خارجا و أمّا في مثل قولنا: «شريك البارئ ممتنع»، و قولنا: «اجتماع النقيضين محال»، و قولنا: «المعدوم المطلق لا يخبر عنه» فالمحمول ليس ثابتا للموضوع الموجود، بل يكون ثابتا لما يكون قوامه بفرض الفارض و دعابة الواهمة فإنّ الواهمة لكمال شيطنتها ربّما يفرض في الخارج ما يكون حقيقة ذاته البطلان أو ما يكون حقيقة ذاته اجتماع النقيضين فمعنى قولنا: «شريك البارئ ممتنع» أنّ البطلان المحض الذي يتوهّمه الواهمة في الخارج و يتخيّل كونه مصداقا لشريك البارئ معدوم في الخارج لا أنّ شريك البارئ بفرض وجوده في الخارج معدوم حتّى يكون قضيّة حقيقية، إذ هو بعد تلبّسه بلباس الوجود لا يتّصف بالعدم و كذلك قولنا: «المعدوم المطلق كذا» معناه: أنّ الباطل الصرف الذي يتوهّمه الواهمة في الخارج في قبال صفحة الوجود و يتخيّل كونه معدوما مطلقا بالحمل الشائع يتّصف في نفس الأمر بكذا و قد سمّي هذه القضايا في محلّه بالقضايا الغير البتّيّة، فتدبّر. [المقرّر حفظه اللّه‏]

32

ثمّ إنّ السالبة المركّبة ربّما تكون بسلب المحمول فقط و ربّما تكون بسلب المحمول و الموضوع معا، لما عرفت من أنّها لا تشتمل على النسبة حتّى يقال باحتياجها إلى تحقّق الموضوع في الخارج، بل يكون مفادها عدم الانتساب بين الموضوع و المحمول و ذلك كما يصدق بسلب المحمول فقط يصدق بسلبهما معا و لكن لا بأن يكون في الخارج عدمان ممتازان يكون أحدهما عدما للموضوع و الآخر عدما للمحمول و سلبا له عنه، بل هذه القضيّة صرف اختراع من الذهن و توهّم الواهمة منشؤه إدراك البطلان للموضوع بصورة ذهنية و إدراك البطلان للمحمول بصورة اخرى، ثمّ يحكم بعد ذلك بعدم النسبة بينهما، و أمّا فيما إذا وجد الموضوع فالحكم بعدم ثبوت المحمول له ليس بصرف توهّم الواهمة فإنّ الفرض أنّ الموضوع له واقعية و هو في ظرف تحقّقه غير متّصف بالمحمول فيكون القضيّة حينئذٍ من القضايا العقلائية العرفية، و السالبة بانتفاء الموضوع أيضا و إن كانت صادقة بحسب الدقّة العقلية و لكنّها ليست منشأ للآثار عند العقلاء لعدم اعتبارهم لها كما لا يخفى.

إذا عرفت مفاد القضايا بمقدار يناسب هذا المقام، فنقول:

وجود الموضوع في القضايا و تحقيق الكلام فيه‏

إنّه إذا جعل عدم شي‏ء موضوعا لحكم فالفروض المتصوّرة فيه كثيرة و إن كان أغلبها مقطوع البطلان واقعا.

الأوّل: أن يكون الموضوع مأخوذا بنحو الإيجاب العدولي و ذلك مثل أن يكون تحيّض المرأة إلى خمسين مثلًا، معلّقا على كونها غير قرشية.

33

الثاني: أن يكون مأخوذا بنحو الموجبة السالبة المحمول كما إذا قلنا بأنّ الموضوع للتحيّض إلى خمسين، المرأة المتّصفة بسلب القرشية عنها.

الثالث: أن يكون مأخوذا بنحو السالبة المحصّلة المحمول، التي موضوعها موجود كما إذا جعل الموضوع للحكم، المرأة الموجودة التي لم تكن قرشية من دون أن يلحظ اتّصافها بهذا السلب.

الرابع: أن يكون مأخوذا بنحو السالبة المحصّلة، الأعمّ ممّا يكون سلبها بسلب المحمول أو بسلب الموضوع.

الخامس: أن يؤخذ الموضوع مركّبا من أمر وجودي و أمر عدمي.

و بعبارة اخرى: يكون ملتئما من مفاد هليّة بسيطة موجبة و هليّة بسيطة سالبة كما إذا قيل بأنّ الموضوع للحكم السابق هو أن يكون هنا امرأة موجودة و أن يكون القرشية أو قرشيّتها أو النسبة بينها و بين القرشية معدومة من دون أن يلحظ اتّصاف المرأة بوصف ما و من دون أن يلحظ وصف التقارن أيضا بين هذه الحيثية الوجودية و تلك الحيثية العدمية.

السادس: أن يكون الموضوع عبارة عن مفاد هليّة بسيطة سالبة فقط بأن يكون الموضوع للحكم السابق هو عدم قرشية المرأة.

هذه هي الفروض المتصوّرة في أخذ عدم شي‏ء دخيلًا في الموضوع.

فإن قلت: هاهنا فرض آخر و هو أن يكون الموضوع مركّبا من مفاد هليّة بسيطة موجبة و هليّة مركّبة سالبة. و ذلك مثل أن يكون الموضوع للحكم السابق هو أن يكون هناك امرأة و أن لا تكون هذه المرأة قرشية بنحو السالبة المحصّلة الأعمّ ممّا يكون سلبها بسلب الموضوع، بل نقول: إنّ الفرض الثالث يرجع إلى‏

34

هذا الفرض من جهة أنّ السالبة لا يدخل في مفهومها تحقّق الموضوع فلو اعتبر ذلك كان هذا الاعتبار اعتبارا زائدا على ما يقتضيه مفهوم القضيّة فيرجع إلى تركّب الموضوع من هليّة بسيطة و سالبة محصّلة مركّبة.

قلت: أمّا ما ذكرت أخيرا من رجوع الفرض الثالث إلى ما ذكرناه من فرض تركّب الموضوع فلا نسلّمه، فإنّ مفاد جميع السوالب المتداولة في ألسنة العقلاء هو سلب المحمولات عن الموضوعات التي فرض وجودها من دون أن يكون في ذلك لحاظ للتركّب. و قد عرفت: أنّ السالبة المعتبرة عند العرف هو هذا القسم منها، إذ السالبة التي يكون السلب فيها بسلب الموضوع أمر مفروض في مقام التعليم و التعلّم.

و أمّا ما ذكرت من إمكان فرض تركّب الموضوع ممّا ذكرت ففيه: أنّ ذلك يستلزم اعتبار حيثية واحدة مرّتين في موضوع واحد، ففي المثال يلزم أن يلاحظ حيثية المرأة في الحكم السابق تارة: بنفسها و بحيالها من جهة كونها جزءا من الموضوع، و تارة: بما هي موضوعة في السالبة المركّبة التي هي جزء آخر من الموضوع، و هذا واضح البطلان. مضافا إلى أنّه يرد على اعتبار الموضوع كذلك ما يرد على الوجه الخامس كما سيأتي بيانه.

ثمّ إنّ الصحيح واقعا من الفروض الستّة المذكورة هي الصور الثلاثة الاول دون الأخيرة. بداهة أنّ الموضوع للحكم الشرعي بالتحيّض إلى خمسين مثلًا ليس هو عدم وجود قرشية المرأة بنحو السلب البسيط و العدم المحمولي، كما هو مقتضى الوجه السادس، و لا أن لا يكون المرأة قرشية بنحو السالبة المحصّلة المركّبة الأعمّ من سلب الموضوع كما هو مفاد الوجه الرابع، و لا أن يكون هناك‏

35

مرأة و أن تكون القرشية معدومة كما هو مفاد الوجه الخامس.

أمّا الاولى و الثانية فواضحة لتحقّقهما قبل تحقّق المرأة أيضا مع عدم ثبوت الحكم حينئذٍ، و أمّا الثالثة فلأنّ الموضوع إذا كان مركّبا من جزءين يجب أن يلاحظ جزءاه بنحو يمكن أن يجتمع كلّ منهما مع الآخر في التحقّق، و حينئذٍ فلو فرض تركّب الموضوع من وجود المرأة و عدم القرشية يجب أن يلاحظ في هذا العدم تقارنه‏ (1) مع وجود المرأة، و لا يمكن أن يجعل عدم القرشية الأعمّ من كونه مقارنا لوجود المرأة و عدمها جزءا من الموضوع إذا فرض أنّ الجزء الآخر من الموضوع هو وجود المرأة فإنّ عدم القرشية الصادق مع عدم المرأة لا يمكن أن يجتمع مع وجود المرأة في التحقّق. و قد عرفت: أنّ جزئي المركّب يجب أن يكونا بحيث يمكن أن يجتمع كلّ منهما مع الآخر. و بعبارة اخرى: اعتبار الشي‏ء و اعتبار الجامع بينه و بين نقيضه بوصف الإطلاق في موضوع واحد ممّا يؤول إلى اعتبار النقيضين.

فبهذا البيان: يعلم أنّ العدم إذا اخذ جزءا من الموضوع يجب اعتبار المقارنة بينه و بين الجزء الآخر من غير فرق بين أن يكون العدم محموليا- كما في الفرض الخامس- أو نعتيا- كما في الفرض الذي ذكر في قولنا: إن قلت-، و بعد اعتبار قيد المقارنة يصير الموضوع كالصور الثلاثة الاول في عدم الحالة السابقة

____________

(1)- التقارن إنّما يكون من مقتضيات كون الموضوع مركّبا من دون احتياج إلى لحاظه كيف! و لو لزم لحاظ التقارن في أجزاء المركّب لزم لحاظ تقيّد أجزاء المركّبات بعضها ببعض آخر، و يخرج بذلك عن كونها مركّبا فقط، هذا خلف. و الحاصل: أنّ تقارن الأجزاء في المركّبات ملحوظ بنحو المعنى الحرفي. [المقرّر حفظه اللّه‏]

36

للعدم المأخوذ فيها حتّى يستصحب، كما سيأتي بيانه بُعيد هذا. (1)

و قد تلخّص ممّا ذكرنا: أنّ العدم إذا اخذ في موضوع حكم شرعي فلا بدّ و أن يكون أخذه بأحد الأنحاء الثلاثة الاول. و حينئذٍ فلا يكون لهذا العدم حالة سابقة قبل تحقّق الموضوع حتّى يستصحب، و إثباته باستصحاب العدم المحمولي أو التحصيلي المركّب الأعمّ من سلب الموضوع عمل بالأصل المثبت الذي لا نلتزم به.

و الحاصل: أنّ الذي له حالة سابقة هو العدم المحمولي و السلب التركيبي الأعمّ من سلب الموضوع. و قد عرفت: أنّ الأثر لا يترتّب عليهما و ليس لهما دخل في الموضوع لا تماما و لا جزءا. و الذي يترتّب عليه الأثر إمّا موجبة معدولة أو موجبة سالبة المحمول أو سالبة وجد موضوعها و لا حالة سابقة لهذه الثلاثة و إثباتها بأحد الأوّلين عمل بالأصل المثبت.

نقلٌ و نقدٌ

و بهذا البيان يعلم: أنّ ما قيل من أنّه يجوز أن يستصحب السلب التركيبي الأعمّ من سلب الموضوع و يترتّب بسببه آثار السلب التركيبي المقيّد بوجود الموضوع. بتقريب: أنّ وجود الموضوع لا يصير سببا لصيرورة القضيّة قضيّة اخرى، و يكفي في الاستصحاب كون المستصحب في زمان الشكّ ذا أثر و إن‏

____________

(1)- ما ذكره دامت إفاضاته مبنيّ على كون الإطلاق دائرا مدار لحاظ السريان و هو باطل فإنّ الإطلاق عبارة عن كون حيثية ما تمام الموضوع و لو في الجزئية لموضوع حكم شرعي. و على هذا فلا يرد ما ذكر من لزوم اعتبار المتناقضين، فتدبّر. [المقرّر حفظه اللّه‏]

37

لم يكن حين اليقين به موضوعا للأثر، في غاية الفساد.

بداهة أنّ السلب التركيبي الأعمّ من سلب الموضوع كلّي‏ (1) له فردان أحدهما سلبه بسلب المحمول فقط و الثاني سلبه بسلب المحمول و الموضوع معا.

و لا ريب أنّ إثبات الفرد باستصحاب الكلّي من أوضح أفراد الاصول المثبتة، فافهم.

و بهذا البيان أيضا يعلم الجواب أيضا عن التقرير الذي ذكره بعض المشايخ، (2) و قد مرّ ذكره، و حاصله أنّا نقول: مشيرا إلى ماهية المرأة أنّها لم تكن قرشية قبل وجودها فالآن كما كانت أو نقول: مشيرا إلى ماهية الحيوان الموجود أنّه لم يكن قبل وجوده قابلًا للتذكية فالآن كما كان.

و الجواب عن ذلك: أنّ الصادق سابقا هو قولنا: لم تكن هذه المرأة قرشية، الصادق بعدم تحقّق المرأة و عدم هذيّتها، و هذا المعنى العامّ لا يثبت به حكم المرأة الموجودة المشار إليها بهذه و الحكم الشرعي ثابت للمرأة الموجودة لا المرأة و لو في حال عدمها و لم تكن هذه المرأة الموجودة في حال العدم هذه المرأة حتّى يقال: بأنّها في حال العدم كانت مسلوبا عنها القرشية فالآن كذلك،

____________

(1)- أقول: ليس المستصحب مفهوم السلب الكلّي، بل شخص خاصّ من السلب و وجود الموضوع بالنسبة إليه من المقارنات في بعض الأزمنة. اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ المقام من موارد استصحاب فرد من الكلّي ليترتّب أثر فرد آخر و ذلك أسوأ حالًا من إثبات الفرد باستصحاب الكلّي. [المقرّر حفظه اللّه‏]

(2)- راجع: فرائد الاصول، ضمن تراث الشيخ الأعظم 198: 26- 202؛ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 219- 220؛ كتاب الطهارة تقريرات المحقّق الحائري الأراكي 12: 2- 14.

38

و إنّما يتوهّم الواهمة أنّ لهذه المشار إليها هذيّة قبل تحقّقها فهذه المرأة قبل تحقّقها لم تكن هذه المرأة و لا مسلوبا عنها شي‏ء على نحو سلب الشي‏ء عن الشي‏ء و إنّما يصدق حينئذٍ قولنا: «لم تكن هذه المرأة قرشية» بعدم الهذيّة لا بسلب شي‏ء عنها بعد فرض الهذيّة فالقضيّة المشكوكة التي اخذ في موضوعها الهذيّة ليست لها حالة سابقة و إن اشير فيها إلى الماهية، فإنّه قبل الوجود لا ماهية و لا وجود.

فإن قلت: لو لم يصدق قولنا: «هذه المرأة قبل وجودها لم تكن قرشية» لصدق نقيضه و هو: «أنّها كانت قرشية» و إلّا لارتفع النقيضان.

قلت: ليس نقيض قولنا: «هذه المرأة كانت قرشية»، «هذه المرأة لم تكن قرشية» بحيث تكون هذيّتها محفوظة، بل النقيض له هو قولنا: «لم تكن هذه المرأة قرشية» الأعمّ من كون السلب بسلب المحمول المحفوظ معه الهذيّة و بسلب الموضوع الذي لا يبقى معه الهذيّة أيضا، فتدبّر.

حصيلة التحقيق في المقام‏

و قد تحصّل لك ممّا ذكرنا: أنّ استصحاب عدم قابلية الحيوان للتذكية ممّا لا محصّل له إذا اشير إلى الحيوان الموجود الذي هو الموضوع للحكم فإنّ هذا الحيوان لم يكن قبل وجوده حيوانا لا أنّه كان حيوانا و لم يكن قابلًا للتذكية.

نعم، للسالبة البسيطة و السالبة المركّبة الأعمّ من وجود الموضوع حالة سابقة و لكن استصحابهما لا يثبت الموضوع فاستصحاب عدم قابلية الحيوان كاستصحاب عدم القرشية في المرأة ممّا لا أساس له.

39

ثمّ إنّه على فرض جريان هذا الاستصحاب في حدّ نفسه، فهل يغني عن استصحاب عدم التذكية إذا كان الشكّ فيها ناشئا عن الشكّ في القابلية. بتقريب:

أنّ الأصل السببي يكون مغنيا عن الأصل المسبّبي بل يكون حاكما عليه، أو لا يغني عنه أو يفصل بين الوجوه المتصوّرة في معنى التذكية.

ربّما يقال: إنّ التذكية لو كانت مركّبة عن الامور الستّة المذكورة التي منها القابلية من غير أن يلحظ بينها تقييد و وحدة، فاستصحاب عدم القابلية يجري و استصحاب عدم التذكية لا مجال له، و لو فرض عدم جريان استصحاب عدم القابلية فإنّ الفرض أنّها امور متشتّتة، فيجب أن يلاحظ الحالة السابقة في كلّ منها برأسه، و ليس في البين أمر وحداني يكون مسمّى بالتذكية حتّى يلاحظ الحالة السابقة له. و أمّا لو فرض كونها أمرا بسيطا أو مركّبا تقييديا فاستصحاب عدم التذكية يجري و لا يغني عنه استصحاب عدم القابلية و إن كان الشكّ فيها ناشئا عن الشكّ في القابلية فإنّ الأصل السببي يغني عن المسبّبي إذا كان المسبّب و ترتّبه على السبب شرعيان و هاهنا ليس كذلك، هذا.

و لكنّه يمكن أن يقال: إنّ التذكية ليست من الامور الواقعية، بل هي من الامور التي اعتبرها الشارع و جعلها موضوعا لأحكام معلومة و حينئذٍ فلو فرض بساطتها أيضا أمكن إثباتها بإثبات محصّلاتها فإنّ الشارع إذا قال: «إنّ المحصّل لهذا الأمر البسيط هذه الامور الستّة» فلا ينبغي الإشكال في أنّ إحراز هذه الامور و لو بالأصل يكفي في إحرازه فإنّ الفرض أنّ هذا الأمر البسيط و ترتّبه على هذه الامور الستّة كلاهما شرعيان، بل لنا أن نقول: إنّ القابلية أيضا من الأحكام الشرعية لا من الامور النفس الأمرية فإنّه لا معنى لقابلية الحيوان‏

40

الخاصّ للتذكية إلّا حكم الشارع بتأثير الامور الخمسة الواقعة عليه في ترتّب الأحكام عليه فالقابلية من الأحكام الوضعية المجعولة إمّا بنفسها أو بمنشإ انتزاعها، فتدبّر.

هذا إذا قيل بجريان أصالة عدم القابلية. و أمّا إذا قيل بعدم جريانها فالمرجع أصالة عدم التذكية.

و التحقيق فيها: أنّ التذكية لو كانت مركّبا خارجيا عن الامور الستّة فأصالة عدمها غير جارية بعد وقوع الامور الخمسة على حيوان شكّ في قابليته لعدم جريان الأصل في القابلية و التذكية و إن كانت مسبوقة بالعدم لكنّها عبارة عن نفس الامور الستّة و الفرض حصول خمسة منها، و القابلية أيضا لا يجري فيها الأصل فحينئذٍ يكون المرجع أصالة الحلّ و الطهارة، و أمّا إذا قيل بكون التذكية أمرا بسيطا محضا أو بسيطا مقيّدا أو مركّبا تقييديا فأصالة عدم التذكية جارية مع الغضّ عن الإشكال الآتي المشترك الورود، أمّا إذا كانت أمرا بسيطا متحصّلًا من الامور الخارجية فواضح لأنّه مسبوق بالعدم قبل تحقّق هذه الامور فيستصحب و اختلاف منشأ الشكّ و اليقين لا يضرّ به. و كذلك إذا كانت أمرا بسيطا منتزعا، لأنّ هذا الأمر الانتزاعي الموضوع للحكم و إن كان على فرض وجوده يتحقّق بعين منشأ انتزاعه لكنّه مسبوق بالعدم. و أمّا إذا كانت أمرا مركّبا تقييديا، سواء كانت بسيطة متحصّلة أو منتزعة من الامور الخمسة متقيّدة بقابلية المحلّ أو مركّبة منها و متقيّدة بالقابلية فجريان أصالة عدم التذكية أيضا لا مانع عنه فإنّ المتقيّد بما هو متقيّد مسبوق بالعدم و مشكوك تحقّقه.

41

نقلٌ و نقدٌ

و بما ذكرنا: يظهر النظر فيما أفاد بعض أعاظم العصر على ما في تقريراته من أنّ التذكية إذا كانت عبارة عن الامور الخمسة و كانت القابلية شرطا لتأثيرها فلا تجري أصالة عدم التذكية، بل المرجع أصالة الحلّ و الطهارة. (1)

وجه النظر: هو أنّ دخالة القابلية في التأثير عبارة اخرى عن تقيّد موضوع الحكم، فموضوع حكم الشارع بالطهارة و الحلّ الواقعيين هو الامور الخمسة المشترطة بالقابلية و هذا المعنى المتقيّد مسبوق بالعدم و اختلاف منشأ الشكّ و اليقين لا يمنع عن جريان الاستصحاب. هذا كلّه ممّا لا إشكال فيه.

إنّما الإشكال في جريان أصالة عدم التذكية من جهة اخرى و هي: أنّ حقيقة التذكية عبارة عن إزهاق روح الحيوان بكيفية خاصّة و شرائط مقرّرة و هي فري الأوداج الأربعة مع كون الذابح مسلما و كون الذبح عن تسمية و إلى القبلة و آلته من حديد و كون المذبوح قابلًا للتذكية، و عدم هذه الحقيقة بعدم الإزهاق بالكيفية الخاصّة و الشرائط المقرّرة.

و لا ريب: أنّ هذا المعنى العدمي ليس موضوعا للحرمة و النجاسة، سواء أخذ محموليا أو أخذ نعتا للحيوان، إذ ليس لأحد أن يقول: إنّ موضوع الحرمة و النجاسة هو أن يكون هنا حيوان و لا يكون هنا إزهاق روح بالكيفية الخاصّة أو أنّ موضوعهما هو أن يكون هنا حيوان لم يزهق روحه بالكيفية الخاصّة فإنّ‏

____________

(1)- فوائد الاصول تقريرات المحقّق النائيني الكاظمي 381: 3- 382؛ و راجع أيضا:

430: 4.

42

هذا المعنى العدمي كان متحقّقا قبل تحقّق الحيوان و في زمن حياته و لم يكن موضوعا للحكمين، فما هو الموضوع لهما عبارة عن الميتة و هي الحيوان الذي زهق روحه زهوقا كان بغير الكيفية الخاصّة بنحو الموجبة المعدولة أو زهوقا لم يكن بكيفية خاصّة بنحو الموجبة السالبة المحمول أو بنحو السالبة المحصّلة التي اعتبر فيها وجود الموضوع؛ أعني الزهوق، و هذه المعاني ليست مسبوقة بالعدم فإنّ زهوق الروح بلا كيفيّة خاصّة أو مسلوبا عنه الكيفية الخاصّة لم يكن في زمان محقّقا، بل هو من أوّل وجوده إمّا وجد بالكيفية الخاصّة أو وجد بدونها، فما هو موضوع الحكم ليس له حالة سابقة، و ما له حالة سابقة؛ أعني عدم زهوق الروح بالكيفية الخاصّة ليس موضوعا للحكم، و إثبات الموضوع باستصحابه عمل بالأصل المثبت. و قد عرفت تفصيل ذلك في استصحاب عدم القابلية، (1) فراجع.

فإن قلت: إنّ الموضوع للحرمة و النجاسة مركّب من جزءين، زهوق روح الحيوان و عدم تذكيته، و يكفي في تحقّق الموضوع اجتماع الجزءين في الزمان لأنّهما عرضيان لمحلّ واحد، و الموضوع المركّب من عرضين لمحلّ واحد أو من جوهرين أو من جوهر و عرض لمحلّ آخر كوجود زيد و قيام عمرو لا يعتبر فيه أزيد من الاجتماع في الزمان إلّا إذا استفيد من الدليل كون الإضافة الحاصلة من اجتماعهما في الزمان لها دخل في الحكم، كعنوان الحالية و التقارن و السبق و اللحوق من الإضافات الحاصلة من وجود الشيئين في الزمان، و لكن هذا يحتاج إلى قيام الدليل عليه و إلّا فالموضوع المركّب من جزءين لا رابط بينهما

____________

(1)- تقدّم في الصفحة 38.

43

إلّا الوجود في الزمان لا يقتضي أزيد من اجتماعهما فيه. و فيما نحن فيه بعد ما كان الموضوع مركّبا من خروج الروح و عدم التذكية و هما عرضيان للحيوان يكفي إحراز أحدهما بالأصل و هو عدم التذكية و الآخر بالوجدان و هو خروج الروح فمن ضمّ الوجدان إلى الأصل يلتئم الموضوع.

نعم، لو كان الموضوع ملتئما من العرض و محلّه لوجب أخذ العرض نعتيا لأنّ وجود العرض في نفسه عين وجوده لمحلّه.

قلت: هذه غاية ما يمكن أن يقال في المقام و هو الذي أفاده بعض أعاظم العصر على ما في تقريراته. (1)

لكن يرد عليه: أنّ عدم التذكية ليس في عرض زهوق الروح فإنّه عبارة عن زهوقه بلا كيفيّة خاصّة، كما أنّ التذكية عبارة عن إزهاقه بالكيفية الخاصّة، فزهوق الروح مأخوذ في مفهوم عدم التذكية لا أنّه في عرضه، فما أفاد: من أنّهما عرضيان لموضوع واحد، ليس على ما ينبغي، بل عدم التذكية عرض للمحلّ إن كان الموضوع بنحو القضيّة المعدولة، أي الحيوان الغير المذكّى و هو أي عدم التذكية، عبارة عن زهوق الروح بلا كيفيّة خاصّة فالكيفية الخاصّة و عدمها من حالات زهوق الروح و زهوق الروح بالكيفية الخاصّة أو عدمها من حالات الحيوان، فالحيوان قد يعرضه التذكية أي زهوق الروح بالكيفية الخاصّة، و قد يسلب عنه التذكية أي لم يزهق روحه بالكيفية الخاصّة. لكن هذا الأمر السلبي أي عدم الزهوق الكذائي، ليس موضوعا للحكم لتحقّقه قبل تحقّق الحيوان و في حال حياته أيضا، بل الموضوع هو

____________

(1)- فوائد الاصول تقريرات المحقّق النائيني الكاظمي 434: 4.

44

زهوق الروح بلا كيفيّة خاصّة أو مسلوبا عنه الكيفية الخاصّة، و هما ممّا لم يكن لهما حالة سابقة فالموضوع للحكم الشرعي هو الحيوان الذي زهق روحه بلا كيفيّة خاصّة بنحو العدول أو مسلوبا عنه الكيفية الخاصّة بنحو الموجبة السالبة المحمول أو السالبة المحصّلة المعتبرة فيها وجود الموضوع. فما أفاد لا يخلو من اختلاط و مغالطة فإنّ جعل زهوق الروح و عدم التذكية عرضين لمحلّ واحد تفكيك بين الشي‏ء و ذاتياته لما عرفت من أنّ عدم التذكية عبارة عن زهوق الروح بلا كيفيّة خاصّة، فزهوق الروح جزء من مفهوم عدم التذكية أي الذي هو موضوع حكم الشرع. (1)

فإن قلت: ما ذكرت إنّما يصحّ لو كان الموضوع للحرمة و النجاسة هو الحيوان الذي زهق روحه بلا كيفيّة خاصّة بالإيجاب العدولي أو مسلوبا عنه الكيفية الخاصّة بالسلب التحصيلي، و أمّا إذا كان الموضوع هو الحيوان الذي زهق روحه و لم يرد عليه الكيفية الخاصّة أي لم يكن نحو القبلة و لم يكن المسلم ذابحا له و لم يذكر اسم اللّه عليه فلا، لأنّ هذه الامور كلّها مسبوقة بالعدم‏

____________

(1)- الاولى أن يقال: إنّ موضوع الحرمة و النجاسة هو زهوق الروح بلا كيفيّة خاصّة لا أنّ موضوعه هو عدم التذكية و زهوق الروح مأخوذ فيه. بداهة أنّ عدم التذكية إنّما يتحقّق بسلب زهوق الروح بالكيفية الخاصّة لا بزهوق الروح مسلوبا عنه الكيفية الخاصّة.

و بالجملة: فموضوع الحلّية هو التذكية؛ أعني بها زهوق الروح بالكيفية الخاصّة و أمّا موضوع الحرمة فليس عبارة عن عدم التذكية؛ أعني عدم الزهوق الكذائي بل هو عبارة عن الزهوق المقيّد بكونه بلا كيفيّة خاصّة أو مسلوبا عنه الكيفية فعدم التذكية له حالة سابقة و لكنّه ليس موضوعا للحرمة و ما هو موضوعها ليس له حالة سابقة حتّى يستصحب، فافهم. [المقرّر حفظه اللّه‏]

45

المحمولي، فبعد إحراز زهوق الروح بالوجدان و إحراز عدم ورود الكيفيات بالأصل يحرز الموضوع بتمامه.

قلت: هذا مجرّد فرض لا واقع له فإنّ الموضوع في طرف الحلّية و الطهارة هو الحيوان الذي زهق روحه بيد المسلم إلى القبلة و عن التسمية و بآلة الحديد بحيث اخذت هذه الامور حالات للذبح و إزهاق الروح و اعتبر في الموضوع قيد المقارنة قطعا، إذ المعتبر من التسمية و إسلام الذابح و الاستقبال ما وجد منها مقارنا للإزهاق لا صرف وجودها و لو كان قبل الإزهاق بسنة مثلًا.

و بالجملة: فموضوع الحلّية و الطهارة هو الزهوق المقارن لهذه الامور بحيث اخذت هذه الامور حالات للذبح و الزهوق، ففي طرف الحرمة و النجاسة أيضا اعتبر عدمها مقارنا للزهوق، فإنّ عدم التسمية أو الاستقبال أو غيرهما في زمان من الأزمنة لا يكفي في تحقّق موضوع الحرمة و النجاسة، بل الموضوع لهما هو الزهوق المقترن بعدمها بحيث وقع الزهوق إلى غير القبلة و بغير التسمية مثلًا فقيد التقارن ممّا اخذ في الموضوع قطعا، سواء في ذلك طرف الحلّية و الطهارة و طرف الحرمة و النجاسة.

و بعبارة اخرى: فيستفاد من الأدلّة الشرعية أنّ إزهاق روح الحيوان إمّا أن يكون مقترنا بالكيفيات الخاصّة، و إمّا أن يكون مقترنا بعدمها فالأوّل موضوع للحلّية و الطهارة و الثاني موضوع للحرمة و النجاسة، فالزهوق المقيّد بكونه لا عن كيفيّة خاصّة أو مسلوبا عنه الكيفية موضوع للحكمين و ليس له حالة سابقة حتّى يستصحب.

نعم، الأعدام المطلقة؛ أعني أعدام الكيفيات بنحو العدم المحمولي لها حالة

46

سابقة لكنّها ليست بموضوعة و إثبات الموضوع بها عمل بالأصل المثبت الذي لا نقول به.

ثمّ لو شككنا في أنّ الموضوع اخذ بنحو ذكرت أو بنحو ذكرنا فلا يجري أيضا الأصل لعدم إحراز الحالة السابقة للموضوع فيصير المرجع أصالة الحلّية و الطهارة، و ظنّي أنّ من تأمّل فيما ذكرناه حقّ التأمّل يصدّقه و يتّضح له أنّ استصحاب عدم التذكية مطلقا ممّا لا أساس له.

و يؤيّد ما ذكرنا، بل يشهد له ما رواه في «الكافي» عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) سُئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكّين، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«يقوّم ما فيها، ثمّ يؤكل لأنّه يفسد و ليس له بقاء، فإن جاء طالبها غرموا له بالثمن»

فقيل:

يا أمير المؤمنين، لا يدري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي؟ فقال (عليه السلام):

«هم في سعة حتّى يعلموا».

(1)

فإنّ التمسّك بدليل البراءة لا يتّضح وجهه إلّا بما ذكرنا من عدم جريان أصالة عدم التذكية و إلّا فالسفرة إمّا كانت في أرض المسلمين- و قلنا بأماريّتها كيد المسلمين للتذكية-، و إمّا لم تكن فيها- و قلنا بعدم الأمارية و جريان استصحاب عدم التذكية- و على أيّ حال لا وجه للتمسّك بأصالة الإباحة في مقابل الأمارة و الاستصحاب و أمّا مع عدم جريان الاستصحاب فيتّضح وجهه كما لا يخفى.

و كذلك يشهد لما ذكرنا: بعض الروايات الواردة في باب الجلود، (2) فراجع.

____________

(1)- الكافي 297: 6/ 2؛ وسائل الشيعة 468: 25، كتاب اللقطة، الباب 23، الحديث 1.

(2)- راجع: وسائل الشيعة 489: 3، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 49 و 50.

47

تنبيه: إذا كان عامّ ورد التخصيص عليه‏

ثمّ إنّ هاهنا نكتة يجب التنبيه عليها. و هي أنّه إذا كان لنا عامّ ورد التخصيص عليه، فهل يوجب التخصيص تعنون العامّ و تقيّده أو يوجب ضمّ عدم محمولي إليه في الموضوعية حتّى يصير الموضوع مركّبا أو لا يوجب شيئا منهما؛ مثلًا إذا قال المولى: المرأة تحيض إلى خمسين إلّا القرشية، أو قال: ما زهق روحه يحرم و ينجس إلّا المذكّى، فهل التخصيص بالاستثناء أو بالمخصّصات المنفصلة يوجب تركّب موضوع الحكم الأوّل أو تقيّده أو لا يوجب شيئا منهما؟

لا إشكال في بطلان الثالث، فيدور الأمر بين التركيب و التقيييد. و الظاهر هو الثاني، إذ لا شكّ و لا شبهة في أنّ المولى الملتفت الحكيم لا يحكم إلّا و قد تصوّر موضوع حكمه الجدّي و متعلّق إرادته الجدية بجميع حدوده، و جميع ما له دخالة في الموضوعية، و حينئذٍ فإمّا أن يكون حيثية العامّ تمام الموضوع بحسب الإرادة الجدّية فلا يعقل تخصيصه و أمّا أن لا تكون كذلك فيجب لحاظها مقيّدة بقيد خاصّ في صيرورتها موضوعة، و أمّا لحاظ الموضوع مركّبا من حيثية وجودية و حيثية عدمية من غير لحاظ ارتباط بينهما فأمر يفرض في مقام التعليم و التعلّم فقط، و لا واقع له في الأحكام العرفية فضلًا عن الشرعية، فتدبّر.

كلام المحقّق الهمداني (رحمه الله) و ما يرد عليه‏

ثمّ إنّ لصاحب «مصباح الفقيه» في المقام كلاما مفصّلًا ذكره في آخر الطهارة و في حاشيته على «الرسائل» و لا يخلو بعض مواقعه عن النظر، فالأولى أن نشير إليه بنحو الإجمال، ثمّ نشير إلى ما يرد عليه.

48

قال (قدس سره) بعد ما اختار جريان أصالة عدم التذكية ما حاصله: أنّه لقائل أن يقول: أنّه لا يثبت بهذا الأصل كون اللحم غير مذكّى حتّى يحكم بحرمته و نجاسته ... فمقتضى القاعدة التفكيك بين الآثار، فما كان منها مترتّبا على عدم كون اللحم مذكّى كعدم حليّته و عدم جواز الصلاة فيه و عدم طهارته و غير ذلك من الأحكام العدمية المنتزعة من الوجوديات التي تكون التذكية شرطا في ثبوتها، ترتّب عليه ... و أمّا الآثار المترتّبة على كونه غير مذكّى كالأحكام الوجودية الملازمة لهذه العدميات كحرمة أكله و نجاسته و تنجيس ملاقيه و حرمة الانتفاع به، فلا ....

إن قلت: لا يمكن التفكيك بين عدم الحلّية و الطهارة و بين ما يلازمهما من الحرمة و النجاسة لا لمجرّد الملازمة العقلية ... بل لقوله:

«كلّ شي‏ء لك حلال ...»

(1)

و

«كلّ شي‏ء نظيف ...»

(2)

. و المفروض أنّه لم يحرز قذارته و حرمته بأصالة عدم التذكية حتّى يقال بحكومتها على أصالتي الحلّ و الطهارة، فالقول بأنّ هذا شي‏ء لم يعلم حرمته و نجاسته و لكنّه ليس بحلال و لا طاهر مناقض للخبرين.

قلت: الشي‏ء المأخوذ موضوعا للحكمين هو الشي‏ء المشكوك الحلّية و الطهارة، لا المقطوع بعدمهما ... و حيث ألغي الشارع احتمال الحلّية و الطهارة

____________

(1)- الكافي 313: 5/ 40؛ تهذيب الأحكام 226: 7/ 989؛ وسائل الشيعة 89: 17، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4.

(2)- تهذيب الأحكام 284: 1/ 832؛ وسائل الشيعة 467: 3، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4.

49

و نزّله منزلة العدم بواسطة أصالة عدم التذكية خرج المفروض من موضوع الأصلين حكما، فكما أنّ استصحاب نجاسة شي‏ء حاكم على قاعدة الطهارة، كذلك استصحاب عدم طهارته أيضا حاكم عليها و كذلك الأصل الموضوعي الذي يترتّب عليه هذا الأمر العدمي.

لا يقال: إنّ مقتضى عدم القول بالأصل المثبت عدم ترتيب الأحكام السلبية أيضا لأنّ ترتيب تلك الأحكام على اللحم الخاصّ موقوف على إحراز عدم كون هذا اللحم مذكّى، و لا يحرز ذلك بأصالة عدم التذكية لأنّه إن أريد بها استصحاب العدم الأزلي المجامع لحياة الحيوان و موته فليس من آثارها عدم طهارة هذا اللحم و لا عدم حلّيته، فإنّ هذا العدم كان حاصلًا حال حياة اللحم و لم يكن له شي‏ء من الأثرين، أمّا الأوّل فواضح ... و أمّا الثاني فلعدم صلاحية الحيوان الحيّ غالبا للأكل حتّى يصحّ اتّصافه بالحلّية، و أمّا ما كان صالحا لأن يبتلع حيّا فالحكم بحرمة ابتلاعه كذلك لكونه فاقدا للتذكية يحتاج إلى مزيد تتبّع و تأمّل.

و الحاصل: أنّ الحكمين العدميين ليسا من آثار مطلق عدم التذكية، بل من آثار قسم خاصّ و هو: العدم المقارن لزهاق الروح و هذه الخصوصية لا تثبت باستصحاب العدم الأزلي.

و إن اريد بها أصالة عدم اقتران زهاق روحه بشرائط التذكية، فهذا من قبيل تعيين الحادث بالأصل، ليس له حالة سابقة.

لأنّا نقول: انتفاء المسبّب من آثار عدم حدوث سببه لا من آثار عدم سببية الشي‏ء الخاصّ فعدم حلّية اللحم الذي زهق روحه من آثار عدم حدوث ما يؤثّر

50

في حلّيته بعد الموت أي الموت المقرون بالشرائط و هذا المعنى المركّب شي‏ء حادث مسبوق بالعدم لا من آثار كون الموت فاقدا للشرط حتّى لا يمكن إحرازه بالأصل فلو بيع شي‏ء بعقد يشكّ في صحّته يحكم بعدم انتقال المبيع إلى المشتري؛ لأصالة عدم صدور عقد صحيح مؤثّر في النقل لا لأصالة عدم كون العقد الصادر صحيحا ....

و الحاصل: أنّ ترتيب الأحكام الوجودية الثابتة لعنوان الميتة أو غير المذكّى على أصالة عدم التذكية في غاية الإشكال.

اللهمّ إلّا أن يدّعي خفاء الواسطة و أنّ العرف بمجرّد جريان أصالة عدم التذكية يرتّبون على الشي‏ء الذي يشكّ في تذكيته آثارَ كونه غير مذكّى، (1) انتهى كلامه.

أقول: لا يخفى أنّ استصحاب عدم تحقّق السبب الشرعي لحكم خاصّ يترتّب عليه عدم حكم الشارع بترتّب هذا الحكم لا حكمه بعدم ترتّبه، فالتذكية التي هي موضوع للحلّية و الطهارة و سبب شرعي لهما إذا استصحبنا عدمها بمقتضى قوله:

«لا تنقض»

يترتّب على ذلك عدم تحقّق الحلّية و الطهارة المستندتين إليها لا حكم الشارع بعدمهما.

و بعبارة اخرى: ليس للشارع في باب الاستصحابات التي تكون مفادها نفي الموضوعات، حكم بعدم الأحكام المترتّبة على هذه الموضوعات، بل يكون المترتّب على استصحاب عدم الموضوع عدم، الحكم المترتّب على ثبوته.

أ لا ترى أنّ الموضوعات المعدومة في الأزل لا يمكن أن يقال بكونها محكومة

____________

(1)- مصباح الفقيه 378: 8- 382؛ حاشية فرائد الاصول الفوائد الرضوية: 388- 391.

51

من الأزل بعدم ثبوت الأحكام لها، بل الذي يصحّ أن يقال هو عدم محكوميتها بالأحكام الثبوتية المترتّبة عليها.

و على هذا، يترتّب على ما ذكرنا أنّ استصحاب عدم التذكية لا ينافي التمسّك بقاعدتي الحلّ و الطهارة ما لم يثبت به موضوع الحرمة و النجاسة فإنّ استصحاب عدم التذكية المتحقّق من الأزل يثبت به عدم تحقّق موضوع حكم الشارع بالحلّية و الطهارة لا حكمه بعدم الحلّية و الطهارة حتّى ينافي حكمه بحسب دليل آخر بالحلّية و الطهارة.

و بعبارة ثالثة: لا يترتّب على نفس عدم الموضوع أثر شرعي و إنّما يجري الاستصحاب فيه بلحاظ الحكم الثبوتي المترتّب على ثبوته.

تنبيه آخر: حلّية الأشياء و طهارتها لا تتوقّف على جعل شرعي‏

ثمّ إنّ هاهنا نكتة اخرى يجب أن ننبّه عليها و إن كان تحقيقها يتوقّف على كثرة التتبّع في الفقه، و هي أنّ حلّية الأشياء و طهارتها و جواز الانتفاع بها و جواز استعمالها في الصلاة لا تتوقّف على جعل شرعي، بل الذي يحتاج إلى الجعل هو حرمة الشي‏ء و قذارته و عدم جواز الانتفاع به و استعماله في الصلاة فما لم يكن في الشي‏ء اقتضاء الاجتناب عنه وجهة حزازة غير مناسبة للحال الصلاتي لا يجب على العبد التجنّب عنه و يجوز له الصلاة فيه، و لكن لا بحكم الشارع، بل بسبب عدم المقتضي للتجنّب، فالأصل الأوّلي في الأشياء هو الحلّية و الطهارة و جواز استعمالها في الصلاة و إنّما يحتاج مقابلاتها إلى جعل شرعي.

أ لا ترى: أنّه لم يرد من الشارع في باب الصلاة «صلّ في كذا و كذا و كذا»

52

و إنّما ورد عنه: «لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل و النجس و الحرير» (1) و نحو ذلك، فيعلم من ذلك أنّ جواز الصلاة في شي‏ء لا يحتاج إلى جعل شرعي و كذلك الطهارة و الحلّية فالأشياء قد انغمست في بحر الطهارة و الحلّية إلّا ما حرم منها أو حكم بنجاستها بسبب بعض المقتضيات، لا أنّها تكون مغموسة في النجاسة و الحرمة إلّا ما حكم بحلّيتها و طهارتها.

و أمّا ما يقال: من كون الأشياء بتمامها ملكا للّه تعالى، و الأصل يقتضي حرمة التصرّف في سلطنة الغير إلّا ما خرج بالدليل و بسبب إجازته فكلام خطابي لا يثبت به المسألة الفقهية. و على هذا فما في كلام الهمداني و الشيخ الأنصاري من أنّ الشارع جعل التذكية سببا للحلّية و الطهارة فإذا شكّ في السبب فأصالة عدم تحقّق السبب الشرعي تقتضي عدم المسبّب‏ (2) فاسد جدّا.

فإنّ الحلّية و الطهارة لا تتوقّفان على تحقّق سبب لهما و إنّما الذي يحتاج إلى السبب هو الحرمة و النجاسة، و أثر التذكية في الحيوانات هو دفع مقتضى الحرمة و النجاسة عن التأثير فيهما لا إيجاد المقتضي للحلّية و الطهارة، فافهم و تأمّل.

هذا كلّه فيما إذا كان منشأ الشكّ في التذكية هو الشكّ في قابلية الحيوان للتذكية، سواء كانت الشبهة من جهة الاشتباه المفهومي أم لا، و أمّا مع الشكّ في شرطية شي‏ء للتذكية أو مانعية شي‏ء عنها فأصل عدم الجعل في بعض الموارد

____________

(1)- راجع: علل الشرائع: 342/ 1؛ تهذيب الأحكام 209: 2/ 818؛ وسائل الشيعة 345: 4- 347، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلّي، الباب 2، الحديث 1، 5 و 7.

(2)- فرائد الاصول، ضمن تراث الشيخ الأعظم 198: 26- 199؛ مصباح الفقيه 378: 8- 382؛ حاشية فرائد الاصول الفوائد الرضوية: 388- 391.