محجة العلماء - ج1

- الشيخ هادي الطهراني النجفي المزيد...
277 /
1

الجزء الاول‏

الحمد للّه الذى انزل على عبده الكتاب الذى هو للعالمين فصل الخطاب و للعالمين العاملين هداية الى الصواب الدال على انواره السّاطع قطع كلّ قاطع الّذى هو فوق كلّ برهان قاطع و الصّلاة و السلام على اصل الاصول و اوّل العقول محمّد المبعوث على الورى و آله الذين لا يدرك حقائقهم و فضائلهم من على الثرى‏ و بعد فان من منن اللّه على العباد و احياء البلاد من لدن آدام الى الخاتم انه فى كل عصر و اوان و عصر و زمان اقام لاهله دليلا فارسل إليهم حججا و رسولا لئلّا يكون للنّاس على اللّه حجّة و لا يكون الخلق فى لجة و بعد ختم الرّسالة و الامامة جعل العلماء للخلق حجابا و نصبهم لشرعه بوّابا و للأنبياء و الأئمّة نوّابا و من جملتهم بل ملاذ رمّتهم وحيد عصره و فريد دهره فقيه الايام و ثقة الاسلام الذى لا يصل الى ادراك تحقيقاته الاوهام و لا ينال فضائله اولو الفضل من الاعلام قدوة العلماء الرّاسخين و زبدة الفقهاء الراشدين شمس شموس فلك الفقاهة و الاجتهاد و قطب اقطاب دواير الهداية و الارشاد معدّل نهار الدقائق و منطقة بروج الحقائق مركز عائم العقول و مدار شمس المعقول فى فلك النقول الكوكب المضى‏ء لاقليم الفروع و النجم الدّرى فى عالم الاصول حلّال مشكلات المسائل و سالك مسالك الدلائل علّام مدارك الاحكام و فهام حقايق الحلال و الحرام هادم ابنية الجهالة و الغواية و هادى سبل المعرفة و الهداية خلاق العانى ببديع البيان و مسخّر العقول فصيح اللّسان عيار معيار نفايس الفنون و غواص بحار جواهر العلوم مؤسّس القوانين المحكمة و مقنن البراهين المتقنة أسّ اساس الاصوليّين و لبّ لباب المجتهدين صفوة القدماء و المتاخّرين و فخر المحقّقين و المدقّقين خاتم الحكماء المتألّهين و اعلم العلماء المتبحّرين حجة الاسلام و المسلمين مولانا و ملاذنا الشيخ محمّد هادى اسبغ اللّه عليه الايادى و نشر رايات علمه فى كلّ وادى و متع بطول بقائه الحاضر و البادى الّذي من جملة مصنفاته البديعة المشتملة فى الاصول على الطالب الرشيقة هذا المختصر الشريف و الموجز اللطيف الذى صنّفه و حرّره دام ظله فى تحرير الادلّة العقلية و تنقيحها التى يعمل فى الفقه بها و يبحث فى الاصول عنها المستدل بها على الوظائف العملية المعبّر عنها بالاحكام التكليفية و اودع فيه من دقايق انظاره و نتائج افكاره من التحقيقات و التدقيقات ما لا يصل اليه اكثر العلماء الّا بامعان النظر فيه و الاهتداء بانوار اشاراته و لذا سمّيناه بحجّة العلماء و هو عندهم فى الدقة كان مسلما و حريّا لان يقال لمثل هذا فليعمل العاملون و ليتنافس المتنافسون ثم انه لما كان هذا المصنّف الشريف مع اختصاره و سهولة استنتاجه و كمال سعى الطلاب و المشتغلين فى تحصيله و استكتابه و شدة اهتمامهم للاهتداء بانوار تحقيقاته و الاسترشاد بما ادرج فيه من درر تدقيقاته فى غاية الغرة و الندرة و لا يكاد ان يكفى ايدى الكتاب فى الكفاية مع ما هم من الجد و الاجتهاد فى تكثير الكتابة فاستخرت الله و شمرت فى طبعه اجابة التماس جمع من اخوانى المؤمنين و اخلائى الروحانيّين من العلماء و المحصّلين لكون انطباعه موجبا للشياع و باعثا لمزيد الانتفاع و بذلت غاية الجهد فيما يليق تبار الطبع و حبا حسن الانطباع من الزهد و الصحة بقدر الوسع و الطاقة و قابلته مع النخسة المصحّحة المأخوذة من الاستاد دام ظلّه مرة بعد اخرى و كرة بعد اولى بمباشرة بعض الاجلة من الأحباء وفقنى اللّه إياه و جميع الاحبة لمرضاته بمحمد و آله الطّاهرين و المرجوّ من النّاظرين ان ينظروا فيه بعين العدل و الانصاف لا بنظر العناد و الاعناق و ان اطّلعوا فيه على خلال و نسيان اصلحوه بقدر الامكان و طلبى الاجر من الملك المنّان‏

2

هذا هو الكتاب المستطاب المسمّى بمحجة العلماء فى الادلّة العقليّة للمحقق المدقق الشيخ محمّد هادى الطهرانى مولد النجفى مسكنا

مقدمة المؤلف‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين و صلى اللّه عليه محمّد و آله الطّاهرين لعنة اللّه على اعدائهم اجمعين الى يوم الدّين‏ و بعد فيقول المسكين المستكين محمد هادى بن محمّد امين حشرهما اللّه تعالى مع الائمة المعصومين (سلام اللّه عليهم اجمعين) هذه جملة ما خطر بالبال فى الادلة العقليّة اجبت بتحريرها التماس جمع من اخوانى المؤمنين و المرجوّ من اللّه تعالى ان يجعله ذخر اليوم الدّين‏

فى تعريف الدليل‏

فنقول الدليل فعيل من الدلالة و هى الإراءة و هذه الصيغة اسم لحامل البدء و هو قد يكون فاعلا كعليم فان حامل العلم انما هو العالم و قد يكون مفعولا كجريح و توهم انه مشترك ناش من عدم تعقّل الجامع و هكذا الكلام فى فعول فانه ليس مشتركا بين الفاعل و المبالغة و اسم الآلة و غيرها بل انما هو اسم لمعدن الحدث و هذا يختلف باختلاف الموارد و صبور و وقور يفيدان المبالغة بمعنى دوام المبدا و استمرار قيامه بالذات لان كون الشخص معدنا للصبر و الوقار لا معنى له الّا ذلك و ليس هذا مبالغة فى الحقيقة و انّما المبالغة تستفاد من الصبار و فرق واضح بينه و بين الصّبور و امّا وقود فيفيد مفاد اسم الآلة باعتبار ان كون الشى‏ء معدنا لهذا الحدث ليس الا بان يوقد به فانه المرجع فى هذا الامر و من هذا يظهر كون الطهور بمعنى المطهّر لا كون الشى‏ء معدنا للطهارة لا معنى له الّا انه المرجع فى التطهير و هو عبارة اخرى عن كونه مطهّرا فظهر انه يفيد مفاد المتعدّى مع انه ماخوذ من اللازم فظهر معنى قولهم انّ الطّهور بمعنى المطهر و انّه ما يتطهر به‏ و بالجملة فاختلاف المعنى انما هو باختلاف خصوصيّات الموارد لا بحسب اصل الوضع و قد أشبعنا الكلام فى بيان الفرق بين صيغ الفاعل فى مبحث المشتق و الحاصل ان الدلالة كون الشى‏ء بحيث يلزم من العلم به العلم بشي‏ء آخر بمعنى كونه سببا و منشأ و مقتضيا له و حمل هذا المعنى‏

3

اى اقتضاء العلم ليس الّا بكون الشّى‏ء علة له فلا معنى للدليل الّا ما هو مقتضى للعلم فان السّبب انّما هو المقتضى و الشرط يتوقف عليه تاثير المقتضى و ليس مؤثرا و المانع يمنع عن تاثيره فحال عدمه يؤثّر المقتضى لا ان عدم المانع ايضا يؤثر فى المعلول و يشارك المقتضى فالسبب هو المقتضى حقيقة و كذا العلّة فالعلّة التامة هو المقتضى عند استجماع الشّرائط و فقد الموانع بمعنى ان فعلية التّاثير تتوقّف عليهما فالمقتضى يتمّ بهما و يؤثر عند استجماع الشرائط و فقد الموانع و فرق بين مدخلية شي‏ء فى تاثير آخر و بين كونه شاركا له فى التاثير أ لا ترى ان النار هى التى تحرق و عدم الرّطوبة لا اثر له فى الاحراق و انّما الرّطوبة منافية له و فى حال انتفائهما تؤثر و كذا لصوق النّار و وصولها له مدخليته فى التاثير بمعنى انّ النّار تؤثّر اذا وصلت لا ان الوصول له مشاركة للنّار فى التاثير فى نفس الاثر و بهذا البيان يظهر انّ الدليل ليس الّا الوسط فى الاثبات و ليس هذا اصطلاحا من اهل هذا الفن فهل يخفى على ذى مسكة أنّ اطلاق الدّليل على الله و كتابه و خلفائه fm~{fm(عليهم السلام) حقيقة و ليس هذا الّا لكون مفاده بحسب اصل الوضع ذلك و العلم هو الانكشاف و هو تصديق ان تعلّق بالنسبة بين الشيئين و ان تعلق بنفس الشي‏ء فهو تصوّر و قد يطلق التصور على مجرد خطور الشي‏ء بالبال و ان لم ينكشف للشّخص لا بحقيقة و لا بوجهه و التصور الذى ينقسم العلم اليه و الى التصديق ليس بهذا المعنى فانه عبارة عن المعرفة و ليس مجرد الخطور معرفة فالشاك فى ان الانسان حيوان ناطق ليس عارفا بحقيقته و السّؤال بما هو انما هو لتحصيل الجزم بذلك لا للخطور و لا معنى لاكتساب الخطور و التصدى لتحصيله و انما الاكتساب من المعرف فى مرحلة الاحاطة بالشي‏ء و هذا معنى الحمل لافادة التصوّر فان المراد به الحمل فى العقل لا فى اللفظ و للفرق بين الجزم التصورى و الجزم التصديقى مقام آخر و لمّا كان من المستحيل حصول شي‏ء من التصور و التصديق الّا بما يشاكله فالتصديق بالدال لا يعقل ان يحصل منه الّا التصديق بالمدلول فما قيل من ان التصديق باللفظ و العلم بتحققه يوجب خطور المعنى فى الذهن فالتصديق اوجب التصور ناش من عدم تعقل معنى التصور الذى هو نتيجة الدلالة و قد غفل المتوهّم عن ان وضع الالفاظ انما هو للكشف عن المراد لا الواقع ابتداء و لا ريب ان العلم بصدور اللفظ عن قصد مع اطلاع المتكلّم على مفاده و انّه عمل على طبق مقصوده و لم يتعمد فى نقض غرضه و لم يتحقق منه سهو و خطأ يوجب العلم بارادته لما هو مفاد اللفظ و عند الشك فى بعض هذه المراحل يعول فى تشخيص المراد على الاصول و حينئذ لا يحصل العلم بالمراد و لكن يترتب اثر العلم عند الشكّ فاللفظ وضع لان يوجب التصديق بالمراد لا لان يخطر الواقع فى ذهن الشخص و سيأتى لهذا مزيد بيان فى اول مبحث الظن إن شاء الله اللّه تعالى و كيف كان فالدليل ما يوجب التصديق خاصّة لا مطلق العلم و من المعلوم انه فرع العلاقة بين الوسط و النتيجة فان كان الوسط علة فالاستدلال لمّى و ان‏

4

كان معلولا فانّى و الاستدلال باحد المعلولين على الآخر يرجع اليهما فمن المعلول يستدل على العلّة و منها على المعلول الآخر و قد يطلق الدّليل على معروض الوسط تسامحا كالعالم فان صفاته كالتّغير تدلّ على المنافع لا ذاته و توهم انّ اطلاق الدّليل على العالم الذى هو مفرد انّما هو بحسب اصطلاح الاصوليّين لا يخفى فساده و العلاقة الموجبة للدلالة ذاتيّة او مجعولة و الثانى هو الوضعيّة فان الواضع خصص المدلول بالدال كالمعنى باللّفظ المخصوص يعنى جعله للكشف عن ارادته و استعماله فيه و الدّال ان كان نظريّا فعقليّة و ان كان ضروريّا فطبعيّة و الاول كدلالة سرعة النبض على الحمّى و الثّانى كدلالة اح‏اح على وجع الصدر فمقابلة العقليّة للوضعيّة باعتبار ان العقليّة كناية عمّا لا تتوقف على الجعل كما هو الحال حيث يقابل به الشرعى فقولنا هل الحسن و القبح شرعيّان او عقليان لا نعنى به الّا انهما هل امران مجعولان للشارع او ثابتان مع قطع النظر عن الجعل و السّر فى كون العقلى كناية عن الامر الثابت مع قطع النظر عن الجعل انه يستقل بالادراك فى الامور الثّابتة بالذات و اما ما يرجع الى الشّرع او الوضع فلا مرجع له الّا جاعله و لا مرح للعقل فيه و لمّا كان من الدّلالة ما لا يتوقف ادراكه على النظر كنى عنه بالطّبعية حيث ان الطّبع يشترك فيه الناطق و غيره بل كل حيوان غير ذوى العقول يدرك بطبعه فالمجموع من الطّبيعية و العقليّة عبارة عمّا لا يتوقف على الجعل و ممّا حققناه ظهر فساد التمثيل للطبيعية الغير اللفظيّة بسرعة النبض الدالة على الحمّى فان هذه من النظريّات لا كدلالة اح‏اح التى هى ضروريّة و مثله فى الفساد التمثيل بدلالة دير المسموع من وراء الجدار على اللّافظ للدّلالة العقليّة فانه على ما حققناه دلالة طبعيّة فان الحيوان ايضا ينتقل ذهنه من اللّفظ الى وجود اللّافظ اعنى انه من الصّوت يعلم بوجود منشأ له بل كثيرا ما يعرفه و قد يتوهّم انه استدلال من الحيوان و فساده غنى عن البيان و بما حققناه يندفع ما يرد على تقسيم الدلالة الى الاقسام الثلاثة من ان التقسيم ان كان باعتبار سبب الدلالة فهو لا ينطبق الّا على الوضعيّة و ان كان باعتبار المدرك فلا ينطبق على الوضعيّة و كذا ان كان باعتبار سبب الدال و موجده فانّك قد عرفت انه باعتبار التّوقّف على الجعل و الاستغناء عنه و يكنى عن الثانى بالعقليّة و ضمّ الطبعيّة اليها انما هو للتنبيه على شيوع الدلالة الضّروريّة الغير المجعولة

فى انقسام الدليل بالشرعى و العقلى‏

ثمّ‏ ان الدليل امّا شرعىّ و اما عقلى فالشّرعى ما يتوقف فى دليليّته او فى وجوده على تصرّف من الشارع فالكتاب و السّنة فى وجودهما من الشارع و الاجماع على القول بحجيّته فى نفسه كما عليه المخالفون حجيّة من الشّارع بزعمهم الفاسد و العقلى ما لا يكون امره راجعا الى الشارع لا فى وجوده و تحقّقه و لا فى حجيّته و يدخل فيه الاجماع على اللّطف‏ و امّا الحدسيّات فقسم من الضّروريّات فعلى الحدس ليس الاجماع من الأدلّة و ينقسم ايضا باعتبار الحكم الثابت به الى اجتهادى و فقاهى فان كان الحكم الثابت به نفس الحكم الثابت للواقعة فى الواقع فهو اجتهادى‏

5

و ان كان الثّابت به وظيفة الشخص بالنسبة الى الواقع فهو فقاهى و لما كان الحكم الشّرعى ممّا لا مسرح للعقل فيه فلا مرجع فيه الّا الشارع و هو الدين الذى لا يصاب بالعقول و الّذى يستدلّ به على الحكم الواقعى انما هو الاقيسة و الاستحسانات‏ و امّا التحسين و التقبيح العقليّان بناء على الملازمة فلا يثبت بها الّا ما لا يحتاج الى الاثبات لبداهته كحرمته الظلم و حسن الاحسان و على تقدير ثبوت حكم نظرى بهما فهو فى غاية الندرة نعم يتفق دليل انّى عقلى و انما الدّليل العقلى يثبت به الحكم الظاهرى الذى هو ليس حكما للواقعة بل انما هو وظيفة للمكلّف تطابق الحكم الواقعى و تخالفه و المرجع فيه ابتداء هو العقل و ان كان للشارع التصرف فيه فى الجملة و لو كان المرجع فى الوظائف هو الشّرع لزم التّسلسل ضرورة ان نفس الوظيفة ايضا حينئذ حكم تختلف وظيفة الشّخص فيها باختلاف العلم و الجهل و هكذا الى غير النّهاية فاتضحت شناعة ما توهّمه الاخباريون من اصحابنا من عدم جواز الركون الى الادلة العقليّة فانّه بالنسبة الى الاحكام الواقعيّة حقّ متين على ما سيتضّح و لكنّه لا يتوجّه هذا الكلام الينا فان المخالف فيه هو اهل الخلاف و الثابت عندنا ان السّنة اذا قيست محق الدّين و الادلة العقليّة الّتى يعمل بها فى الفقه و يبحث عنها فى الاصول انّما يستدلّ بها على الوظائف المعبّر عنها بالاحكام التّكليفيّة فيقال يباح الحرام المجهول و يحرم العمل بالظن فكانّهم لقصور باعهم تصدّوا للطّعن على حملة الشريعة و خلفاء الائمة fm~{fm(عليهم السلام) خصوصا آية اللّه العلّامة نور اللّه ضريحه و سيتضّح هذا غاية الاتضاح إن شاء الله اللّه‏ و توضيح‏ المرام ان للحكم الشرعى ثلث مراحل الاولى ثبوته للواقعة و الثانية تعلقه بالشخص و الثالثة تنجّزه عليه بمعنى صيرورته بحيث يتحقق بمخالفته العصيان الموجب لاستحقاق العقاب و المتكفل لبيان المرحلة الاولى هو الفقه فانّه مقام اثبات الاحكام بالادلة التفصيليّة و كذا المرحلة الثانية فانّ للشارع ان يعتبر فى تعلّق حكمه ما شاء كما اعتبر البلوغ و اما العقل و القدرة فاعتبارهما بديهىّ نبّهوا عليه فى الاصول و تصدّوا لذكر الفروع فى ابواب الفقه مفصّلا و الذى تعلّق الغرض بالبحث عنه فى الاصول مفصّلا هو ثالث المراحل و العذر المانع عن تنجّز التكليف على قسمين فان عدم تنجّز الحكم الاولى قد يوجب تبدّله بواقع آخر مرتّب عليه بمرتبة او مرتبتين او ازيد كتبدّل التكليف بالطهارة المائيّة الى الترابيّة و القيام فى الصّلاة الى الجلوس و هكذا و المتكفل لبيان هذا القسم ايضا هو الفقه و قد لا يؤثر العذر الّا عدم التنجز فلا يختلف حال الحكم فى الواقع و هذا هو المعبّر عنه بالحكم الظاهرى و امّا الواقعى الثانوى فلا يليق التعبير به الّا عن القسم الاول و لا مشاحة فى الاصطلاح و هذا القسم ايضا على قسمين فانه قد يوجب حدوث وظيفة للمكلّف و قد لا يؤثّر الّا عدم تنجّز الواقع كالنسيان و الغفلة فانه لا يعقل ان يحدث بهما وظيفة عقليّة او شرعيّة من حيث انهما كذلك‏

6

فلا يمكن ان يقال اذا غفلت او نسيت فافعل كذا فانه مع عدم احراز الغفلة و النسيان لا يتمكن من الاخذ بالوظيفة المعلولة لهما و مع الاحراز يزولان عنه و الجهل البسيط و ان لم يؤثر الّا المعذورية بالنسبة الى الواقع المجهول الّا انّه يصير واسطة فى الاثبات عند الجاهل فله ان يستدل بجهله على المعذورية و بالجملة فالكلام فى المرحلة الثالثة انما هو فى ما يدور وجود الوظيفة مداره بحيث يمكن الاستدلال به عليها مع بقاء الواقع على حاله و ليس هذا الّا العلم فالعالم وظيفة الاخذ بعلمه و العمل عليه فانه القاطع لعذره و الجاهل معذور ففى هذه المرحلة مبحثان الأول فى العلم و الثانى فى الجهل و من المعلوم انه لا ثالث لهما فان الظن من حيث هو هو جهل و اما الشك فله جهتان عدميّة و هو خفاء الواقع على الشاكّ و وجوديه و هو التردد و لا يترتب عليه حكم الّا من الجهة الاولى على ما سيتضح إن شاء الله اللّه تعالى فموضوع الاصول انّما هو الجهل لا الشّك من حيث هو امر وجودى‏

فى انقسام المكلف من حيث التفاته الى الحكم الشرعى‏

فنقول‏ ان المكلّف الملتفت الى الحكم الشرعى اما عالم بالواقع او جاهل و الجاهل ان علم بالحالة السّابقة فوظيفته الاخذ بها و الّا فمع عدم التمكن من الاحتياط فله الخيار سواء دار الامر بين الحكمين المتنافيين كالوجوب و الحرمة او كان العجز من الجميع و الاحتياط من جهة اخرى و المراد من التخيير انما هو وجوب الموافقة الاحتمالية و الاكتفاء بالعمل فى الجملة مع تعيين شي‏ء عليه و رجوع الامر اليه لا الالتزام باحدهما و عقد القلب عليه على التخيير كما يتوهّم على ما سيتضح إن شاء الله اللّه تعالى و مع التمكّن من الاحتياط فمع الشك فى التكليف البراءة و مع الشك فى المكلّف به الاحتياط و انّما خصّ المكلّف بالبحث عنه لان البحث عن الوظائف العقلية المختلفة باختلاف حالات الشخص من حيث العلم و الجهل و اعتبار كونه مكلّفا بمعنى استجماعه لشرائط التعلّق انما هو لترتب هذه المرحلة التى وقع البحث عنها على مرحلة التعلّق فمن لم يتعلق التكليف به لا معنى للبحث عن وظيفته بالنسبة الى ما ثبت للواقعة و امّا الالتفات فانما يعتبر للتمكن من الاخذ بالوظيفة لا لنفس الوظيفة فان الاصول الاربعة تجرى فى مجاريها بمجرد الجهل و ان كان الجاهل غافلا و اما العالم فحال الغفلة معذور لغفلته و ان ارتفع العذر المستند الى جهله فالغفلة كالنسيان و العجز اللّذين يجامعان العلم فالحكم المترتّب على العلم ايضا لا يتوقّف على الالتفات و ان كانت الغفلة فى عرض الجهل فى كونه عذرا فلا يترتب اثر على ارتفاع العذر من جهته خاصة فلا يتوقف تاثير العلم على الالتفات كما انه لا يتوقف على القدرة فان اثره رفع العذر المخصوص لا التنجيز المطلق و التوقف على ارتفاع جميع الاعذار انما هو التنجيز من جميع الجهات و اما الشك فقد عرفت انه لا دخل له فى الاصول الّا من حيث كونه جهلا فحاصل التقسيم ان الجاهل ان كان له علم سابق اخذ به و الّا فالموافقة الاحتماليّة مع العجز عن الموافقة القطعيّة و مع التمكن فمع الجهل السّاذج البراءة و مع العلم بالتكليف و عدم معرفة المكلّف به الاحتياط فذكر الشكّ انما هو لان الغرض بيان‏

7

الوظيفة للمتحيّر لا لمدخلية التردّد بل نقول ان موضوع الاصول فى الحقيقة انما هو العلم و الجهل ايضا لا دخل له فى الوظائف اما الاحتياط فظاهر فان وجوب الاحتياط عند العلم بالتكليف مع اجمال المكلّف به لا معنى له الّا ان الحكم المعلوم يتنجز بالعلم و عدم معرفة متعلقة و الجهل به ليس عذرا و وجوب الاحتياط ليس حكما تكليفيّا بل انّما هو ارشاد محض و تنبيه على ان الحكم المعلوم لا يعذر الشخص فى مخالفته و ترك العمل على طبقه فاصل الاحتياط عبارة اخرى عن تنجّز الواقع المعلوم بالعلم الاجمالى و ان العلم الاجمالى كالعلم التّفصيلى فى التنجيز فالجهل بالمكلف به لا يؤثر و هذا معنى وجوب الاحتياط و اين هذا من ترتّب حكم على الجهل فتوهم ان وجوب الاحتياط حكم ثابت للجهل و متفرع عليه ناش عن الخلط بين اعتبار الجهل فى الشي‏ء و بين الاعراض عنه فى مورد و عدم الاعتداد به من جهة وجود العلم و امّا التخيير فلان محصله الاكتفاء بالموافقة الاحتماليّة الّتى هى احدى مراتب الاطاعة فان الشخص حيث لم يتمكن من الموافقة القطعيّة يعذر فى تركها و لكن ما تمكن منه من الموافقة الاحتماليّة و ترك المخالفة القطعيّة لا عذر له فيه مع قيام الحجة و من المعلوم ان هذا ايضا اثر العلم الاجمالى‏ و امّا الاستصحاب فلانه فى الحقيقة اخذ باليقين فقد ورد فى الاخبار الامر بالمضى على اليقين و عدم الاعتناء بالشّك فالاستصحاب القاء للشك و اخذ باليقين فالحكم الثابت لليقين السّابق يبقى مع طرو الشكّ المنافى للمقتضى لزوال اثره فموضوع الحكم انما هو اليقين‏ و امّا اصل البراءة الذى هو استصحاب حال العقل فهو ايضا اخذ باليقين بالبراءة السّابقة و الّا فمجرد الجهل بالتّكليف ليس عذرا و انما يعول على البراءة السابقة و لهذا فمع العلم السّابق بالاشتغال لا معنى للحكم بالبراءة و لا معنى لحكومة استصحاب الاشتغال على اصل البراءة فان العلم بالبراءة السّابقة ماخوذ فى جريان اصل البراءة و ليس الحكم بمعذوريّة الجاهل مترتبا على الجهل بالفعل مع قطع النظر عن العلم السّابق فلا معنى لمغايرة البراءة و استصحابها و قبح العقاب بلا بيان دليل للاخذ بالعلم بالبراءة السّابقة و لهذا جعله القوم من اقسام الاستصحاب و قد اوضحناه فى مبحث الاستصحاب بما لا مزيد عليه فاتّضح انّ التحقيق و مقتضى النظر الدقيق ان يقال ان المكلّف اما يعلم بحدوث التكليف السّابق دون بقائه فهذا مجرى الاستصحاب فيعول على العلم بالحالة السّابقة و لا يعتدّ بالشكّ فى الزّوال و اما يعلم بثبوته بالفعل اجمالا مع عدم التمكن من الموافقة القطعيّة اما لتنافى الحكمين كما اذا دار الامر بين الوجوب و الحرمة و اما لقصور فى المكلّف فيقتصر على الموافقة الاحتماليّة و هذا معنى التخيير و مع التمكن يحتاط فاصالة الاحتياط عبارة عن تنجز الواقع بالعلم و اما لا يعلم بشي‏ء منهما فهو حينئذ ياخذ بالعلم بالعدم الاولى الثابت لكل احد حيث لم يتبدّل بالعلم المنافى و هذا هو اصالة البراءة فالحاصل انه لا وجه لاعتبار الالتفات فى المقام كما انّه لا وجه لتقسيم المكلّف الى القاطع و الظّانّ و الشّاك‏

8

اما الاول فلان الاحكام التى يبحث عنها فى هذه المباحث من حجيّة القطع و عدم حجيّة الظّنّ و الاصول العملية لا يتوقف شي‏ء منها على الالتفات نعم لا يتمكن الغافل من العمل على هذه الاحكام كالعاجز و لا ترجيح للالتفات على القدرة مع ان الحرىّ اعتبار ما له دخل فى نفس هذه الاحكام المبحوث عنها لا ما يتوقف عليه الاخذ بها

فى انقسام القطع بالعلم و الجهل المركب‏

و اما القطع فهو على قسمين‏

الاول العلم‏

الاول العلم و الثانى الجهل المركّب و الحجيّة انما هو للعلم و اما الجهل المركب فيشارك البسيط فى كونه عذرا فالقطع من حيث هو لا حكم له فى الباب على ما سيتفتح إن شاء الله اللّه تعالى و اما الظن فانّه ليس قسيما للعلم و الجهل بل انّما هو جهل فى حد نفسه و لا حكم للعقل بالنسبة اليه من حيث انه ظنّ بل لم يثبت الاعتبار من الخارج ايضا الّا للظّنون النوعيّة الّتى هى فى الحقيقة اصول فالبحث عن الظنّ ليس الّا للتّنبيه على انه جهل لا وجه للرّكون اليه بل لم يقم دليل على اعتباره و كيف كان فيجب الاعراض عنه و درج البحث عن الاصول اللفظيّة و ما يشاكلها فى مباحث العلم حيث انها بحكمه و كذا البحث عن اعتبار الظنون الشخصيّة فانه بحث عن لحوقها بالعلم فلا حاجة الى جعل الظن فى المقام قسيما للعلم و اما الشكّ فقد تبيّن فساد اعتباره فى مجارى الاصول حتى من حيث انه جهل و حاصل الكلام ان احكام الباب تدور مدار العلم و اختلافها انّما هو باختلاف اقسامه و الالتفات لا دخل له فى شي‏ء من احكام الباب بل لا يتوقف عليه ذات العلم ايضا ضرورة مجامعته مع الغفلة بل النسيان‏

فى انّ التردد و الشك لا يمكن حصوله الّا للملتفت‏

نعم‏ التردد و الشّك لا يمكن حصوله الّا للملتفت و كذا القطع الاعم من العلم و الجهل المركّب لا حكم له فان الحجيّة بمعنى تماميّة التكليف و انقطاع عذر المكلّف فى العمل به انّما هى فى انكشاف الواقع و هو العلم و سيظهر لك ان الحجيّة المبحوث عنها الثابتة بالبراهين انما هى هذا المعنى و لا اشكال فى انه لا معنى لثبوتها للجهل المركّب فالجهل المركّب له جهتان جهة عدميّة و هى خفاء الواقع و من هذه الجهة يشارك الجهل البسيط و قد عرفت انه لا حكم له اصلا و جهة وجوديّة و هى الاعتقاد بحكم غير ثابت لو اتفق كونه كذلك و حينئذ فان كان الحكم وجوبيّا او تحريميّا فلا يترتّب على هذا الاعتقاد الّا تحقق التجرى فى مخالفته و هذا ليس من الحجيّة المبحوث عنها فى المقام و بالجملة فالحجيّة الثابتة للعلم عبارة عن انه وصول الى الواقع و المعذورية بالجهل معنى مباين لهذا المعنى بل يقابله لان الجهل عبارة عن المحجوبيّة و البعد عن الواقع فلا جامع بين الحكمين و مجرد اشتراكهما فى الاشتمال على الجزم لا يكفى فى جعل الجامع عنوانا للاحكام المتباينة فالاعتقاد بانتفاء التكليف مع ثبوته فى الواقع احتجاب شديد و صاحبه اولى بالعذر من الجاهل بالجهل البسيط و لكن الاثر المترتب عليه انّما هو الذى ترتب على البسيط و لا يشارك العلم بل يقابله و الاعتقاد بثبوت تكليف غير ثابت لا يتصف بما يتصف به العلم من كونه وصولا الى الواقع و كشفا للحجاب و تتميما للتكليف و انما يتحقق به عنوان التجرى‏ نعم‏ لا يتميز العلم عن الجهل المركّب فى نظر القاطع و كل قاطع يرى نفسه عالما فيعامل مع غير العلم معاملة العلم‏

9

و يترتب اثر العلم على ما ليس بعلم فالاثر للعلم لكن معاملة الجاهل مع فظهر معاملة العلم لا باس بها و هو معذور فيها فانه لا يتمكن من تركها فالحكم الثّابت للعلم اى الحجيّة يستحيل سلبه عنه على ما سيتضح إن شاء الله اللّه تعالى بخلاف ما ثبت للجهل المركب فانه يمكن ان لا يكون معذورا فى الركون اليه لكون الامتناع باختياره بل قد ثبت هذا فى القطع الحاصل من القياس على ما سيتضح إن شاء الله اللّه تعالى و الحاصل ان العلم مؤثر فى تتميم الحكم حقيقة و الجهل يعذر صاحبه فى معاملته معه معاملة العلم فهما حكمان مختلفان بالذات و بحسب المدرك فلا يعقل الجمع بينهما فى البحث و لا حكم يشترك فيه العلم و ما يتوهم كونه علما و اما الظن فقد عرفت انه لا حكم له فى نفسه و على تقدير اعتباره لجهته من الجهات العقليّة و الشّرعيّة فهو منزّل منزلة العلم فالبحث عنه ليس فى طول البحث عن العلم بل انّما هو من فروعه و اما الشّك فعدم مدخليّته فى الاصول من الجهة الوجوديّة فى غاية الوضوح و ان خفى على بعض الاساطين و انما الّذى ينبغى ان يتوهّم مدخليّته فيها هو الجهل و قد اشتهر ان الحكم الظاهرى ما اعتبر الجهل فى موضوعه و بهذا يمتاز الدليل الفقاهى عن الاجتهادى و الحكم الظاهرى عن الواقعى و لكنه ايضا فاسد اما الاحتياط و التخيير فلا اشكال فى ان الاول عبارة عن التنجّز التّام و الثانى عن التنجّز الضّعيف و هما اثران للعلم لا للجهل‏

فى انّ الاستصحاب هو قاعدة عقلائية

و امّا الاستصحاب فعلى المختار من انه قاعدة عقلانيّة كما عليه جميع المتقدّمين من اصحابنا (قدس اللّه اسرارهم) فهو عبارة عن التعويل على اليقين بالمقتضى و عدم الاعتداد باحتمال المانع فحقيقة هذا الاصل بناء على هذا عدم الاعتداد بالشكّ الناشى عن احتمال المانع فكيف يمكن ان يقال ان الحكم و هو ابقاء ما كان معلول للجهل او الشّك و اما على ما زعمه بعض المتاخّرين من اصحابنا شكر اللّه مساعيهم من انه قاعدة مستفادة من الاخبار فكذلك حيث ان المضىّ على اليقين و البناء عليه هو الاستصحاب المأمور به فى قوله fm~{fm(عليه السلام) من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه و قوله عليه السّلم اذا شككت فابن على اليقين و انما ورد النّهى فى الاخبار عن الاعتداد بالشّك و نقض اليقين به و رفع اليد عنه بواسطته فكيف يتوهم كون الجهل موضوعا للحكم و اما اصالة البراءة فتوضيح الحال فيه يحتاج الى اشباع فى الكلام لا يليق بالمقام و لعلّه يتضح بما اشرنا اليه و على ما حققناه فالبحث يقع فى مقامات الاول فى العلم الفعلى التفصيلى و الثانى فى العلم الاجمالى و الثالث فى العلم الاقتضائى اى العلم بالمقتضى مع قيام احتمال المانع و هذا القسم مندرج فيه استصحاب حال العقل الذى هو اصالة البراءة استصحاب حال الشرع الذى هو التعويل على الحالة السّابقة كما ان بعض مباحث القسم الثانى يذكر فى مباحث استصحاب حال العقل و قبل الشروع لا بد من بيان ان هذه المسائل من المسائل الاصوليّة و توضيح ذلك يتوقف على تمهيد مقدمة تتكفل بيان ضابط فى كون المسألة من مسائل فن من الفنون‏

فى بيان موضوع كل علم‏

فنقول بعون اللّه تعالى انّ موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية قالوا ان الممكن الموجود فى الموضوع هو العرض قيل ان المراد

10

بالكون فيه هو الحلول فيه و هو الاختصاص الناعت و التحقيق ان العرض حالة للمعروض و صفة فيه و جهة من جهاته و لهذا يستحيل استقلاله بالتحقق و لا فرق فى ذلك بين الامور الاعتباريّة و الاعراض المتاصّلة و لا بين‏ (1) عوارض الوجود فالعرض اما

فى تقسيمات العرض‏

لا وجود له اصلا كما هو الحال فى عوارض الماهيّة و ساير الامور الاعتباريّة فان الزوجيّة لو كانت موجودة فى الزوج و كان الاتصاف بها عبارة عن وجود صفة فيه استحال الاتصاف بها حال العدم ضرورة ان ثبوت الشى‏ء للشى‏ء فرع ثبوت المثبت له و الوجود فى الذهن لا يكفى فى ذلك فان ظرف الاتصاف هو الخارج و توقف صيرورة الاربع زوجا على ان يتصوّرها متصور و تخطر بباله بديهى الفساد و امّا ما استدل به على وجود الاشياء بحقايقها فى الذّهن فممّا تضحك به الثكلى بل الوجود الذهنى ليس الّا انكشاف الواقع على ما هو عليه على الشخص و لا دخل له فى شي‏ء من الجهات الواقعيّة فان العلم تابع للمعلوم و تاثيره فيه مستلزم لتقدم الشى‏ء على نفسه فالوجود الذهنى لا يمكن ان يتوقّف عليه اتصاف الماهيّات بعوارضها فاتصافها بها حال عدمها فى الخارج دليل على ان اعراضها لا وجود لها مع ان العرض الاعتبارى مما لا مجال لانكاره و لا اشكال فى ان وجوده بوجود منشأ انتزاعه كالفوقيّة فانّها مع اتصاف الوجود الخارجى بها لا وجود لها و انما الموجود هو الفوق و لا معنى لكون وجوده بوجود منشأ انتزاعه كالفوقيّة الّا انّه شان من شئون وجود المعروض فعرض الماهية شان من شئونها و عرض الوجود طور من اطواره فالاعتبارى لا حقيقة له سوى حقيقة المعروض لا نقول ان عارض الماهيّة ذاتىّ لها و ان عارض الوجود داخل فى حقيقة الوجود فان فساده ممّا لا يخفى على ذى مسكة فان العينيّة اعمّ من ذلك أ لا ترى ان الوجود عين الماهيّة فى الخارج و خارج عن ذاتها فالعرض داخل فى المعروض و ليس بخارج عنه و ليس مقوّما لذاته و محققا لحقيقته و لا تنافى بينهما و بالجملة فعدم استقلال الامر الاعتبارى بالوجود و التحقق و ان وجوده عين وجود معروضه من الواضحات المسلّمات و هذا القسم من العرض ليس الخارج ظرفا لوجوده بل انّما هو ظرف للاتصاف به كما هو الحال فى الوجود بالنسبة إلى الماهيّة و اما ما له وجود فى الخارج كالالوان و الطّعوم فان اللون و الطعم متميزان عن الجسم فى الخارج اما ما ليس بحذائه شي‏ء فى الخارج و هو اوّل القسمين فلا معنى لكون وجوده عين وجود معروضه الّا انه لا حقيقة له فى عرض حقيقة المعروض ضرورة ان كون وجود ماهيّة عين وجود اخرى مستحيل فان الموجود مشخص للوجود كما ان الموضوع مشخص للعرض فقول من سلف من اساطين الحكماء ان وجود الامر الاعتبارى بوجود منشأ انتزاعه اشارة الى انه لا حقيقة له فى عرض حقيقة المعروض و انه جهة فى المعروض ناشئة عنه و لخروجه عن حقيقة المعروض يمتاز عنه فى ظرف التحليل و خفى هذا على من لا خبرة له فلم يتامل فى كلام مهرة الفنّ و لا فى حقيقة اعتباريّة العرض فذهب وهمه السخيف الى ان الامر الاعتبارى له ماهيّة توجد بوجود منشأ الانتزاع و لم يتفطن‏

____________

(1) بين عوارض الماهيّة و صح‏

11

لاستحالة اتصاف ماهيّة بوجود اخرى و ان اختصاص المعروض بالوجود لا معنى له الا ان هذا العرض ليس له حقيقة مغايرة فكون وجود منشأ الانتزاع عين وجود الامر المنتزع عبارة اخرى عمّا حققنا فهذا مع اعتراف مهرة الفنّ به موافق للبرهان و الحاصل ان العرض الاعتبارى باعتبار خروجه عن حقيقة المعروض عرض مغاير له و باعتبار الاتحاد معه و كونه من شئونه و ناشئا عنه و جهة ملحوظة فيه امر اعتبارى لا متاصل فان المتاصل ما لا يتوقّف بحسب حقيقته على شي‏ء آخر كالحلاوة و ان توقف بحسب الوجود على موضوع و امّا الاعتبارى فلا يمكن ان يتعقل الّا مضافا الى الغير كالفوقيّة و الأبوّة و البنوّة و الحجيّة و السّببيّة و غيرها و هذا معنى انه متوقف على الغير فى حقيقته و ذاته و بحسب ماهيّته فاصله غيره و ليس له اصل فى ذاته و هذا معنى انه غير متاصّل و يدل على ذلك ما اشرنا اليه من أن عارض الماهيّة حال العدم لا اشكال فى اتصاف الماهيّة به و ثبوته كما هو معنى العروض و هذا الثبوت ليس بوجود بالضرورة بل الوجود حيث يطرأ على الماهيّة فانما هو مبدا الاتصاف بعوارضها بمعنى ان الوجود كما يتاخّر عن الماهيّة فكذا عن عوارضها فليس تحقق صفة فى الماهيّة المعدومة الّا من سنخ تحقق الذّاتيّات لها و ان تميّزت عنها بالخروج عن الحقيقة و التأخّر عنها بحسب المرتبة و ذلك من قبيل تاخّر الفصل عن الجنس مع اتحادهما فان اتحادهما باعتبار تحصل النوع منهما فاتحادهما مع قطع النظر عن الوجود فان وحدة النوع متحققة قبل وجوده و معنى اتحاد الجنس و الفصل ان النوع الذى هو واحد ليس الّا عبارة عنهما فهما متعددان بملاحظة الجزئية و متحدان فى مرحلة التاليف فالاتحاد فى مرحلة سابقة على الوجود مع ان الفصل عرضى بالنسبة الى الجنس و انما هو ذاتى للنوع نعم اتّحاد المادة و الصّورة فى الوجود لا فى التحقق و بالجملة فقيام العرض بالمعدوم و اتصافه به لا معنى له الّا ان حقيقته جهته فى الموضوع فى مرحلة الذات و هذا معنى قولنا انه لا حقيقة له مغايرة لحقيقة المعروض فتحقّقه ليس الّا اتصاف الماهيّة به و لا يصلح لان يتّصف بالوجود و لا بالعدم فانه فى مرتبة لا يلاحظ فيها الوجود و العدم كما ان نفس الماهية من حيث هى لا تتصف بشي‏ء منهما فلا معنى لوجود النطق فى الانسان و عدمه فان ثبوته له فى مرحلة الذات و ليس التقوم بالفصل من الوجود و كذا انتفاؤه من الحمار ليس عدما و كذا الحال فى عوارض الماهيّة فان ثبوت الزّوجيّة للاربعة ليس عبارة عن الوجود (1) فلكونها جهات فى الماهيّة لا تستقل بالاتصاف بالوجود و العدم و هذا معنى ان وجودها عبارة عن وجود معروضاتها و ربما يستحيل وجود معروضاتها مع اتصافها بها و تحققها فيها فهذا النوع من العرض حقيقته و ماهيته فى الغير و منتزعه منه و انتزاع ذات الشى‏ء عن غيره ليس الّا بمعنى كونها شأنا من شئونه و جهة من جهاته الخارجة عن حقيقته و الحاصل ان الكون فى الموضوع الّذى هو حقيقة العروض ليس عبارة عن الوجود فيه بالنسبة الى عوارض الماهيّة لما عرفت من أنّ‏

____________

(1) و انتفائه عن الخمسة ليس عن العد

12

عروضها و اتصاف الماهيّة بها سابق على الوجود فليس كونها فيها الّا عدم استقلالها فى عرضه ذاتها المعبّر عنه بعدم التأصّل و بالجملة فالامر فى عوارض الماهيّة فى غاية الوضوح و كذا الحال فى عوارض الاعراض كالاستقامة و الانحناء فى الخط و الشدّة و الضعف فى الالوان و الطعوم فان اتصاف الخط بالاستقامة مثلا ليس بوجودها فيه كيف و الاطراف لا وجود لها و ثبوت الشى‏ء للشى‏ء فرع ثبوت المثبت له بل الشدة فى السواد ليس امرا وراء الذات فكون عوارض الاعراض فى موضوعاتها لا معنى له الّا انه لا تاصّل لها و انما هى جهات فى غيرها منتزعة عنها و دونها فى الوضوح ساير الامور الاعتبارية التى تتصف بها الموجودات الخارجيّة فانه لا اشكال فى ان الخارج ظرف للاتصاف دون العروض و بعبارة اخرى الخارج ظرف لنفس الاعراض لا لوجودها كما هو الحال فى الوجود فان الاتصاف به فى الخارج و الخارج ظرف له لا لوجوده و الا لزم التكرّر و قد اشتهر ان كلما لزم من وجوده التكرر فهو امر اعتبارى و لا معنى لكون الخارج ظرفا لنفس الشى‏ء الّا انّه عين الوجود فالامور الاعتباريّة المتوقفة على الوجود الخارجى من شئونه و خصوصياته و الحاصل ان كون العرض اعتباريّا و غير متاصل لا معنى له إلّا انه لا حقيقة له مباينة لحقيقة المعروض فالمنتزع من الماهيّة من جهاتها و المنتزع من العرض من خصوصياته و المنتزع من الوجود ايضا من خصوصيّاته و معنى العروض الخروج عن الحقيقة و قد عرفت انه لا ينافى الاتحاد و الاتحاد ليس فى الوجود فان العروض للماهيّة حال العدم لا يمكن ان يكون بمعنى الاتحاد فى الوجود و كذا بالنسبة الى الاعراض خصوصا ما لا وجود له كالاطراف و كذا ما يعرض الموجود من حيث الوجود فانه يرجع الى خصوصيات الوجود فاتحاده مع الموجود ليس بمعنى انهما موجودان بوجود واحد فان الوجود لا وجود له فالعروض بالنّسبة الى هذا النوع من العرض لا معنى له الّا التّبعيّة فى الذّات فلا يستقلّ بحقيقته و اما ما بحذائه شي‏ء فى الخارج و هو العرض المتاصل كالالوان و الطعوم و الحرارة و البرودة و ضدّيهما فربما يتوهم ان له ماهيّة مستقلّة فانه يتصف بوجود مغاير لوجود المعروض فانّه يمكن ان يوجد المعروض بدون العرض فحيث عرض له شي‏ء فى الخارج استقل بالحقيقة و الوجود فالحلاوة مغايرة للعسل ذاتا و وجودا و كذا الحرارة بالنسبة الى النّار غاية الامر توقفه على المادة فهى أيضا من العلل و توقف شي‏ء على الآخر ليس من الاتحاد بل ينافيه ضرورة استحالة توقف الشى‏ء على نفسه و يندفع بالتامّل فى حقيقته هذا التوقّف فان العلّة الماديّة لا تاثير لها فى وجود العرض لكن العرض لا يصلح ان يوجد الّا فيها و فرق واضح بين العلّة الفاعليّة و العلّة الماديّة فان عليّة المادّة كعليّة الغاية ليس لهما تاثير و لا مؤثر الّا العلّة الفاعليّة و انما تشارك المادة للفاعل فى استحالة تحقق المعلول بدونه و هى اعم من التاثير بمعنى الفعل فالمادة مقدّمة على الفاعل لان فعله فيها كما ان الماهيّة مقدّمة على الوجود فان الوجود فى الماهيّة و الماهيّة ايضا مادة للوجود مقدّمة عليه‏

13

و على علته نعم ارتباط الوجود بالماهيّة و توقفه عليها اشدّ من توقف العرض على المادّة و لكنّهم من سنخ واحد بمعنى ان التوقف من حيث الذات فالوجود تحقّق للماهيّة و العرض المتاصّل حاله فى الوجود و صفة فيه فالتوقف ليس الّا من حيث انه شان من شئون المادة فهو فى طولها من حيث الذات و اين هذا من توقف وجود العرض على المادة و ان لم يتضح لك بهذا البيان فتامل فى حقيقة الكون فى الموضوع الذى هو الاختصاص النّاعت فان الفرق بين المشتق و المبدا ليس الّا باعتباره لا بشرط و بشرط لا و اتحاد المشتق مع الموضوع لا اشكال فيه فكذا المبدا و معنى ان المشتق و ما يحمل عليه موجودان بوجود واحد ان الوجود الواحد الثابت للموضوع انما هو وجود المشتق و ليس له وجود مغاير له لا ان الوجود الواحد يعرض لماهيّتين متباينتين كما توهّمه بعض من لا خبرة له مع ان الاستقلال المشتق عن موضوعه بحقيقة واضح الفساد فالابيض عبارة عن الجسم من حيث عروض البياض له فمغايرته مع الجسم انما هو بالاعتبار فكذا نفس البياض لان مغايرته للابيض ايضا كذلك و بالجملة فتوقف العرض على المادة انما هو فى حقيقته و ذاته لا فى وجوده و تحصّله و كونه مشخّصا له ايضا يرجع الى ذلك فانه لا وجود له فى نفسه و انما وجوده وجود معروضه و التشخص يساوق الوجود و بالتامل فى عروض العوارض للمعدومات مع اتّحاد حقيقة الكون فى الموضوع و اشتراك جميع العوارض فيه يتّضح ما حققناه غاية الاتضاح‏ و كشف‏ الحجاب ان مقصود الاساطين من كون الوجود الماخوذ فى تعريف العرض فى الموضوع معنى خفى على الاواخر و هو ان اختلاف العرض مع المعروض انما هو بالاعتبار فكل وصف عين موصوفه فى الحقيقة و انما التغاير بالاعتبار و الّا لاستحال الاتصاف و العجب ان تعقل هذا المعنى صعب على النّاس بالنسبة الى الواجب تعالى مع انه معنى الاتصاف المشترك بينه و بين غيره اما الوضع فواضح و كذا الاضافة فانّ كون الشخص أبا لآخر و والدا له ليس الّا كون اصله منيّا متولّدا منه و من المعلوم ان هذه خصوصية فى وجود الابن لا انه حقيقة من الحقائق وجدت فى الابن و لهذا فلا فرق بين ان يقال ان زيدا ابن عمرو و بين ان يقال ان عمروا ابو زيد و قد عرفت انه لا معنى لكون وجوده فيه الّا انه خصوصيّته من خصوصيّاته غير مقوّم لذاته و كون الشي‏ء فوقا او تحتا ليس الّا خصوصيّات الوجود و هكذا الحال فى ما لا يتناهى من الامور النسبيّة و من هذا القبيل الاين و المتى فان كون شي‏ء فى المكان ليس الّا خصوصية ملحوظة فى الوجود و ربطا بين الجسم و الحيّز و ليس التحيّز امرا وراء الحيّز و المتحيز و انما هو من خصوصيات وجود الجسم و الامر فى الزمان اظهر فانه اعتبار صرف بل التحقيق ان المكان ايضا كذلك فان البعد المجرد امر اعتبارى لم يعتبر فى شي‏ء بخلاف الجسم التعليمى و لا اشكال فى ان الاطراف لا وجود لها فالمكان على ما ذهب اليه افلاطون كم مجرّد اى غير قائم بجسم و على انه السطح المقعّر فالامر اظهر و كذا الجد فان احاطة الشّخص على قميصه مثلا ليست الّا خصوصيّة فى وجود الشخص ملحوظة بالنسبة الى الثوب ليس فى‏

14

الخارج الّا الشّخص و القميص و بما حققناه ظهر حال الكم اما المتصل فلان النقص و الزّيادة فى الاجزاء الخارجيّة ينتزع باعتبارهما خصوصيّات الكم فالطول و القصر باعتبار الزيادة و النقيصة و كذا الخفّة و الثقل و من المعلوم ان انضمام جزء من الخشب الى الآخر الذى يوجب زيادة المقدار ليس فى الخارج سوى كونه معه فهو خصوصيّة فى الوجود لا ان الطول ماهيّة و حقيقة سوى الوجود يتّصف بالوجود و هذا هو السرّ فى عدم وجود الاطراف و كذا الثقل فان الوزن يزداد بازدياد الاجزاء و ليس فى الخارج الّا موجود منضمّ الى غيره و الامر فى الخفة اظهر فانها عدميّة و الامر فى المنفصل اظهر و كذا الحال فى الكيف فان احاطة النفس بشي‏ء من قبيل الرّؤية فكما ان الرؤية ليست لها حقيقة و انما هى خصوصيّة بين الرائى و المرئى فكذا العلم و هذا مراد من يقول انّه اضافة و لا فرق فى ذلك بين علم الشخص بنفسه و بين علمه بغيره فان الحقيقة لا تختلف باختلاف الاشخاص و من المعلوم المسلم اتحاد العلم و العالم و المعلوم فى الاول و فى الثانى انما يتحد الاولان و وجود الاشياء بحقايقها فى الذّهن تضحك منه الثكلى و لا معنى لكون وجود حقيقة من الحقائق كيفيّة لموجود آخر و ضعف الوجود لا يوجب كون الجوهر عرضا و اما الالوان فهى خصوصيّات فى اختلاط العناصر و من المعلوم ان الاختلاط و الانضمام ليس لهما حقيقة و انما هما خصوصيّات لوجود المنضم و المختلط فالخضرة و الصّفرة و الحمرة فى التمر انما هى مراتب للنضج و الحاصل ان كون الشى‏ء بحيث يرى على لون خاص فى الحقيقة خصوصيّة فى وجود المرئى و ليس المقام مقام الكشف عن خصوصيّات الموارد و هذه اشارة الى حقيقة العروض حسبما يقتضيه المقام و اما الذاتى فهو عبارة عمّا ليس له واسطة فى العروض غير مساوية للمعروض فى الصّدق فمعروضه اولا و بالذات اما هو الذات او ما يساويه و لا فرق فى الاوّل بين ان يكون المعروض تمام الذات او جزئه الاعمّ او المساوى‏

فى تقسيم العروض الى اقسام خمسة

توضيح‏ الحال انّهم قسموا العروض الى اقسام خمسة لانه اما ان يعرض الشى‏ء اوّلا و بالذات او بواسطة و الواسطة امّا داخلة فيه او خارجة عنه و الخارجة اما اعمّ او اخصّ او مساوية و مرادهم من الواسطة الواسطة فى العروض لا ما يعم الواسطة فى الثبوت كما توهم من لا خبرة له فوقع فى ما وقع فالذاتى ما يختص به الذات سواء كان اللحوق لما هو هو كالوجوب و الامكان و الامتناع لمعروضاتها او لجزئه الاعمّ كالحركة بالارادة للانسان او المساوى كادراك الكلّيات بالفعل العارض له بواسطة النطق المعبر عنه بالتعقل و المراد بالتعقل ملكة ادراك الكليّات الملازم للتجرد او للخارج المساوى كالاطراف العارضة للجسم بواسطة الانتهاء و التمثيل للأول بالتعجب فاسد و قد عدل عنه فى شرح المطالع لتنبهه لذلك بادراكه الامور الغريبة الموجب لعروض التعجب و هو ايضا فاسد حيث ان التعجب الموجب للضحك ليس بهذا المعنى بل انما هو من اعجبنى حسنه مع ان فى التمثيل فساد آخر كما ان فى كثير ممّا مثلوا به مفاسد تظهر بالتدبّر و كيف كان فالذّاتى منحصر فيها و الغريب عند

15

الاكثر ما كان عروضه بواسطة امر خارج اعمّ او اخصّ و الاعم اعم ممّا كان مطلقا او من وجه و محصّل مرامهم ان العرض اما له واسطة فى العروض و اما يعرض من غير واسطة و الواسطة اما داخلة فيه او خارجة عنه و الخارجة اما مساوية او اعمّ او اخص فما كان له واسطة داخلة كما لا واسطة له اصلا من الاعراض الذاتيّة و كذا ما كان واسطته الخارجة مساوية للمعروض فى الصدق و صاحب القسطاس لما غفل عن مرامهم و لم يميز بين الواسطة فى الثبوت و الواسطة فى العروض زاد قسما سادسا عده من الغريبة و هو ما يكون بواسطة مباينة و لم يتنبّه ان كون النّسب اربعة ممّا لا يخفى على ذى مسكة فكيف يخفى على مثل هؤلاء الفحول فاهمالهم للمباين انما هو لامتناع مباينة الواسطة فى العروض و العجب انه مثل لذلك بالحرارة للجسم المسخّن بالنّار او شعاع الشمس و لم يتنبه ان النّار و الشمس من الجواهر و لا بد ان يكون الواسطة فى العروض عرضا حتى يتوسّط فى عروض عارضة لمعروضه و بالجملة فتوسط امر فى ثبوت العرض للمعروض لا يورث غرابته و الّا فاكثر الاعراض الذاتيّة معلول لامر غير الذات و الواسطة فى الثبوت مباينة دائما و الّا لزم اتحاد العلّة و المعلول بخلاف الواسطة فى العروض فانها تستحيل ان تكون مباينة و الا لم تكن عارضة و هو خلف ففى مثال القوم التّعجب واسطة فى الثبوت و المتعجب واسطة فى العروض‏ (1) فان شيئا من التعجب و الانتهاء ليس معروضا لشى‏ء من الامرين كما ان المتعجب و المنتهى لا عليّة لهما و المراد بالمباينة المباينة فى الصّدق و ان كان اعمّ او اخص او مساويا بحسب الوجود و التحقق فظهر ان الحق ما هو المعروف من التخميس و لكن يحتمل ان يكون العارض بواسطة الجزء الأعمّ لعدم اختصاص الذات به غريب كما ان العارض بواسطة الخارج المساوى ذاتى فان الظاهر ان الاضافة انما هى باعتبار الاختصاص و الجزء الاعم لعدم اختصاص الذات به غريب كما ان العارض بواسطة الخارج المساوى ذاتى فان الظاهر ان الإضافة انما هى باعتبار الاختصاص و الجزء الاعم ليس ذاتا و ان كان متقوما به فتامل و قد استصوبه شارح المطالع فى التسديس مع تبديله المثال بالابيض العارض للجسم بواسطة السّطح و تبعه سيّد المحقّقين قال عند شرح قوله او باينه كعروض البياض للجسم بواسطة السطح و من البيّن ان ليست النّار و لا مماستها واسطة فى عروض الحرارة للماء و ان كانت واسطة فى ثبوتها له فلا يكون المثال المذكور للمباين مندرجا فى الاعراض التى اعتبر فيها الواسطة فى العروض بل الحرارة عارضة للجسم العنصرى عروضا اوّليّا فيكون عروضها للماء و النار بتوسط الجزء الاعمّ و اما ان الصّورة النّارية تقتضى الحرارة فى جسمها دون الصّورة المائيّة فلا اعتبار له هنا اذ الكلام فى عروض العوارض لمعروضاتها و انه هل هناك واسطة فى العروض أو لا و على الثانى يكون حمل ذلك العرض من قبيل وصف الشى‏ء بما هو حاله و على الاول من قبيل وصفه باحوال ما يتعلق به فالمثال المطابق للقسم السّادس هو الابيض المحمول‏

____________

(1) و فى مثالنا الانتهاء واسطة فى الثبوت و المنتهى واسطة فى العروض صح‏

16

على الجسم بتوسط حمله على السّطح المباين له كما صرح به الشارح فان قلت الواسطة هو المسطح و ذكر السّطح مباهلة فى التمثيل قلت ان اريد بالمسطّح ما صدق هو عليه فهو الجسم بعينه و ان اريد مفهومه فليس البياض عارضا له بل للسّطح الموجود فى الخارج فهو الابيض حقيقة و كذا الحال فى الحركة الّتى هى واسطة فى عروض الزمانيّة للجسم انتهى و قد عرفت ان المقسم انما هو الواسطة فى العروض و ان التباين ينافى العروض فالتسديس فاسد و اما المثال الذى زعمه مطابقا له فيظهر ما فيه بالفرق بين العروض الحقيقى و المجازى فانه خلط بين كون الاتصاف وسطا للاتّصاف حقيقة و بين كون الاتّصاف مصحّحا للتوصيف مجازا و كان منشأ غفلته قولهم ان السّفينة تتّصف بالحركة اولا و بالذات و الجالس ثانيا و بالعرض و غفل عن ان ثانوية الاتصاف هنا بمعنى المجازيّة و الكلام فى الاتصاف الحقيقى المستند الى الاتصاف بالمتصف فلو كان المعروض للبياض هو السّطح على ما زعمه مع تباينه للجسم لم يكن اتصاف الجسم به الّا مجازيا لان صحة سلب المعروض عن الجسم اللّازمة للبينونة تستلزم صحّة سلب العارض عنه و هى علامة المجازيّة و قد صرّح بهذا المعنى بقوله و على الاول من قبيل وصفه باحوال ما يتعلق به و ما ذكره بقوله قلت ان اريد بالمسطح الخ فيه ان هذا الكلام جاز فى الواسطة فى العروض كالمتعجب فى المثال المعروف و لا يخفى ان الالوان لا تعرض الّا للاجسام فان الطرف عرض اعتبارى غير موجود فى الخارج فكيف يعقل ان يعرض العرض المتاصل كالبياض للسّطح الّذى لا تحقق له فى الخارج و كذا الزّمانيّة لا تعرض الجسم بواسطة الحركة فان معروضها انما هو فلك الافلاك خاصة مع انّ الزّمانية تعرض جميع ما تحته مع ان الحق ان حركة فلك الافلاك انما يقدر به الزّمان لا انه علّته كما زعموا و فى كلامه انظار آخر تظهر بالتدبّر فتبيّن ان الواسطة فى العروض عنده منحصرة فيما كان عروض العرض له مصحّحا للتجوّز و هو من الغرابة بمكان مع ان فى قولهم بان حركة جالس السّفينة بتوسط السّفينة و ان استناد الحركة اليه ثانيا و بالعرض ايضا تامّلا لان الحركة باصطلاح الحكماء و هو الخروج من القوة الى الفعل على سبيل التدريج حاصلة للجالس حقيقة و كذا باصطلاح المتكلّمين و هو الكون الاول فى المكان الثّانى نعم لا يبعد ذلك بالنسبة الى معناها العرفى فت و قال هذا المحقق قبل ذلك فى جملة كلام له ان العرض الاولى اللاحق بالشى‏ء لما هو هو ما ثبت لشى‏ء و لم يثبت لآخر فلا يثبت لآخر الّا و قد ثبت له و معناه انه عارض لذلك الشى‏ء حقيقة و ليس عارضا لغيره كذلك بل لو عرض لغيره كان ذلك بتوسط عروضه للشى‏ء لا على ان هناك عروضين بل عروض واحد منسوب الى الشى‏ء اوّلا و بالذات و الى الغير ثانيا و بالعرض كالمشى للحيوان و الانسان فانه عارض لهما عروضا واحدا الّا انه للحيوان لذاته و للانسان بتوسطه ثم ان المعتبر فى العرض الاولى هو انتفاء الواسطة فى العروض و هى التى تكون معروضة لذلك العارض دون الواسطة فى الثبوت التى هى اعم يشهد لذلك انهم صرّحوا بان السطح من الاعراض الاوليّة للجسم التعليمى مع ان ثبوته له بواسطة انتهائه و انقطاعه و كذلك الخطّ

17

للسطح و النقطة للخط و صرحوا بان الالوان ثابتة للسطوح اوّلا و بالذات مع ان هذه الاعراض قد فاضت على محالها من المبدا الفيّاض و على هذا فالمعتبر فى ما يقابل العرض الاولى اعنى ساير الاقسام ثبوت الواسطة فى العروض انتهى و ظاهر قوله منسوب الى الشى‏ء اوّلا و بالذات كما هو صريح كلامه المتقدم انّ النسبة الى الغير بالعرض و هو غير كون الثبوت له بالعرض و الالتزام بكون نسبة المشى الى الانسان مجازية عجيب و التزامه باعميّة الواسطة فى الثبوت من الواسطة فى العروض مبنىّ على ما فسرها به و قد عرفت ضعف المبنى و ان النسبة تباين ان قلت ان كلا من الاطراف انما يعرض المنتهى العارض للجسم التعليمى و السّطح و الخط و هو اعمّ من كل واحد منها فكيف تكون اعراضا اوليّة قلت ان السّطح انما يعرض للمنتهى فى العمق و الخط للمنتهى فى العرض و النقطة للمنتهى فى الطول و من المعلوم ان الاول مساو للجسم التعليمى و الثانى للسّطح و الثالث للخط هذا

الاشكال المعروف فى العلوم و جواب المحقق الدّوانى عنه‏

ثمّ‏ ان هاهنا اشكالا معروفا و هو ان المبحوث عنه فى العلوم غالبا الامور اللاحقة للانواع و الاصناف و من المعلوم ان العارض بواسطة الاخص غريب سواء كان نوعا ام صنفا و اجاب عنه المحقق الدّوانى تارة بان ما ذكروه فى حدّ الموضوع طى فى العبارة و معناه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية او العوارض الذاتية لانواعه او لاعراضه الذاتية و كانهم اجملوه فى المقام ثقة بما فصّلوه فى موضوعات المسائل و اخرى بالفرق بين محمول العلم و محمول المسألة كما فرقوا بين موضوعيهما فمحمول العلم ما ينحل اليه تلك الاحوال التى هى محمولات المسائل و هو المفهوم المردّد بين جميعها و هو عرض ذاتى لموضوع العلم و ان كان كل واحد عرضا قريبا بالنظر اليه و الجوابان من الوهن بمكان اما الاوّل فواضح فانه عن ساحة كلماتهم بمراحل و اما الثانى فيبعده ان اللّازم على هذا ان يعرفوا الموضوع بانّه ما يبحث فى الفنّ عن عرضه الذّاتى لان الذاتى ليس الّا المردد على ما حققه و المردّد عرض واحد لا عوارض متعدّدة و التعبير بالجمع ظاهر فى التعدد و اورد على الثانى بعض المحقّقين قده ممن قارب عصرنا من الاصوليّين بانه انما يتمّ لو كان الملحوظ فى تلك المباحث ما ذكره من القدر المشترك و ليس كذلك اذ المبحوث عنه فى الموارد المذكورة انما هو الاحوال الخاصة و ليس القدر المشترك الّا اعتبارا صرفا لا يلاحظ حين البحث اصلا و تنظير ذلك بارجاع الموضوع فى المسائل و الابواب الى موضوع الفنّ غير متّجه لوضوح الفرق ضرورة ان البحث عن كلّ منهما بحث عن موضوع الفنّ و هذا بخلاف ارجاع المحمولات الى المفهوم المردّد فان اثبات تلك المحمولات ليس اثباتا للمفهوم المردد قطعا نعم غاية الامر استلزام ذلك صدقه و ليس ذلك منظورا فى شي‏ء من المعلوم كما ذكرنا انتهى و فيه ما لا يخفى فان تعلق الغرض باثبات القدر المشترك بين المحمولات للجامع بين الموضوعات عين تعلق الغرض فى كل مسئلة باثبات محمولها الخاص لموضوعها الخاص فقوله ان القدر المشترك ليس الّا اعتبارا صرفا لا يلاحظ حين البحث اصلا حق متين و لكن المجيب ايضا لا يدعى الّا ان القدر المشترك محمول للقدر المشترك و هذا لا يقتضى الا كونه ملحوظا مستقلّا اذا كان موضوع القضية نفس موضوع العلم فالّذى اورد به عليه‏

18

عين مرامه و ملخص كلامه فافهم ثم ان هذا المحقق (قدس سرّه) تصدّى للجواب بان الوسائط المزبورة انما هى وسائط للثبوت لا للعروض فلا تضرّ الاخصّيّة هذا ملخّص ما اطاله و هو من وضوح الفساد بمكان فانّ الفاعل و المفعول و المضاف اليه وسائط لعروض انواع الاعراب للكلمة و كذا الصلاة و الزّنا و الزيارة وسائط لعروض الاحكام الشرعيّة بفعل المكلّف و التحقيق فى دفع الاشكال ان المبحوث عنه هو الموضوع فان البحث عن الشي‏ء عبارة عن استعلام احواله فمعنى البحث عن العوارض الذاتية جعلها عناوين للابحاث فانّ الفاعل و المفعول و المضاف اليه و غيرها انما هى اصناف للكلمة و هى اعراض ذاتيّة و كذا الحال فى احوال المكلّف‏ نعم‏ يشكل هذا بانه يقتضى ان يكون موضوع المسائل عرضا ذاتيا لا غير و يمكن الاعتذار عنه بانه بالنظر الى الغالب و ان هذا تعريف لفظى كما هو الحال فى اكثر التعاريف و كيف كان فمسائل الاصول لا توزن بهذا الميزان الّا مباحث التعارض اما مباحث الالفاظ فلان النظر فيها مقصور على معرفة مفادها من حيث هى هى و لا دخل لحيثيّة الدليليّة فى تلك المباحث و اما البحث عن الحجيّة فانّه بحث عن انطباق عنوان الموضوع على شي‏ء خاص فهو من المبادى التصوّرية و بعض المباحث يبحث فيها عن وجود الدليل كاصالة البراءة فان البحث فى حكم العقل من جهة وجود موضوعه بل انما يبحث عن تحقق موضوع الدليل و اما مباحث الاجتهاد فانما يبحث فيها عن احوال الاستنباط لا عمّا يستنبط منه الحكم و بالتامل فى ما اشرنا اليه يتضح الحال فى جميع مباحث الاصول و قد يتكلف فى ادخال البحث عن الدليلية بان الموضوع ذات الدّليل لا من حيث انه دليل و هو بديهى الفساد و اوضح فسادا منه التكلّف فى ارجاع البحث عن حجيّة الخبر بانه بحث عن السنة فانه فى الحقيقة بحث عن ان السّنة هل تثبت بالخبر الواحد او لا و لا يخفى انه مجرد تغيير للعبارة فان حجيّة الخبر لا توجب حدوث وصف فى السّنة فى نفس الامر بل انما هو تصرّف وضعى فى الخبر بتنزيله منزلة العلم فكون السّنة ثابتة فى الخبر وصف فى الخبر فانه هو الذى صار بمنزلة العلم و لم يحدث فى السّنة وصف فى الواقع بالضّرورة أ ترى ان البحث عن حال الدواء بحث عن حال بدن الانسان او ان البحث عن حال السيف بحث عن الغنم الّذى يذبح به و هكذا كلّا ثم كلّا

فى انّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات‏

و الحاصل ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و لو بالحيثيّات كتمايز النحو و الصّرف و المعانى و اللّغة فان المبحوث عنه فى الجميع انما هو الكلمة الّا ان الحيثيات تختلف و بعبارة اخرى المبحوث عنه فى النحو انما هو المعرب و المبنى و فى الصّرف الصّحيح و المعتلّ مثلا و فى المعانى الفصيح و غيره و هكذا فالنظر مقصور على البحث عن العنوان لا عمّا ينطبق عليه كما انّ المبحوث عنه فى الاصول هو الدليل لا الاربعة المعروفة و انحصار الامر فيها بحسب الاتفاق لا يستلزم ان يكون المبحوث عنه ذواتها و قد خفى معنى ان تمايز الموضوعات بتمايز الحيثيّات على بعضهم كالعرض الذّاتى فصدر منه ما يقتضى منه العجب و مثله فى الغرابة الالتزام باستقلال الاجتهاد فى الموضوعيّة لعلم الاصول فانك قد عرفت ان البحث لو كان عن ذوات الامور الاربعة لم يكن الفن‏

19

فنّا واحدا لعدم الجامع مع انه لا يتميز عن ساير الفنون و بالجملة فلا بد ان يكون البحث فى المسائل الاصوليّة عن احوال الدليل من حيث هو كذلك و قد عرفت انه ليس شي‏ء منها على هذا المنوال الّا مباحث التعارض و هو عند كثير منهم ليس معدودا من المقاصد

فى انّ الاصول ليس فنا مستقلا

و التحقيق‏ ان الاصول ليس فنّا مستقلّا بل انما هى مقدّمة جامعة لمسائل شتّى يذكر فيها كثير ممّا اتضح فى ساير الفنون تذكارا كالحقيقة و المجاز و المتواطى و المشكك و بعض ما لم يتكفّل ببيانه فن فالجامع بين مسائل هذه المقدّمة ما يتوقف عليه الفقه مما يتكفل به فن من الفنون و يذكر فيها بعض الامور استطرادا فالمسائل بين ما يتوقف عليه الاستنباط و بين ما يثبت به اعتباره و الاعتداد به و المستنبط اعم من الاحكام للوقائع و الوظائف و البحوث عنه فى المقام انما هو وظيفة المكلّف بالنسبة الى الاحكام الشّرعيّة و هى تختلف باختلاف حالاته بالنسبة اليها من حيث انكشافها انكشافا تامّا و هو القطع او ناقصا و هو الظن و تردده فيها و هو الشك هذا ما اردنا بيانه من كون المسألة من المسائل الاصوليّة قبل الشروع فى المقصود فنقول و اذ قد تبيّن ما حقّقناه فاعلم ان العلم حجّة بالذات و تحقيق الحق فيه يتوقف على تمهيد مقدّمة تتكفّل ببيان حقيقة الحكم التكليفى و مراتبه فنقول بعون اللّه تعالى ان الحكم عبارة عن المحمول الثابت لموضوعه فى الواقع و المنفى عنه لا النسبة الجزئيّة و لا المحبوبيّة و المبغوضيّة او المصلحة و المفسدة و الحقّ عدم توقّف ارتباطه بموضوعه نفيا و اثباتا على الانشاء و لا على وجود المكلّف كما لا يتوقف على وجود متعلق الحكم بل ينافيه و انما الاحكام التكليفيّة تثبت للافعال قبل وجودها توضيح‏ ذلك ان كلّ واقعة بالنسبة الى الشارع متحيّثة بحيثيّة من الحيثيّات الخمسة لا محالة بمعنى انه لو سئل عنها الامر بها عنها او نهى او رخص فيها و من المعلوم ان هذه الحيثيّة انما هى بلحاظ حال المستجمع لشرائط التكليف على ما سيأتى إن شاء الله اللّه تعالى و هذا هو الحكم التكليفى سواء استكشف بلفظ او غيره فهذه النسبة لا تحدث فى نفس الامر بالانشاء بل الانشاء مسبوق بها طبعا و عليها تدور الآثار التّكليفيّة أ لا ترى انّه لو اطلع العبد من حال مولاه انه بحيث لو سئل عن انقاذ ابنه او اكرام ضيفه او قتل عدوّه لامر بها و مع ذلك تركها عدّ عاصيا و استحق الذم و العقاب و لا يعذر بعدم امر المولى بها و ربّما لا تحضر الواقعة فى ذهن المولى فضلا عن ان يتصدّى لانشاء الحكم فيها و مع ذلك يترتب الاثر بمجرّد انكشاف الحيثيّة المزبورة بالضّرورة فشى‏ء من الاحكام الخمسة لا يتوقف ثبوته فى الواقع على انشاء و ليس الحكم التكليفى من قبيل العقود و الايقاعات فان الحيثيّات المزبورة لا تحدث فى نفس الامر الّا بالانشاء و لا فرق فى ذلك بين كون الحيثيّة المزبورة دائرة مدار المصالح و المفاسد فى نفس الاحكام او فى متعلقاتها و بين كونها جزافا و هذه هى المرحلة الاولى للحكم فاتصاف الفعل بالحكم التكليفى يكفى فيه تحيّث الحاكم بهذه الحيثيّة و ان لم يوجد مكلّف و لم يصدر منه خطاب و لا ينافى هذا كون التكليف ربطا بين الثلاثة الحاكم و المكلّف و متعلق التكليف فان الانتزاع بلحاظ المجموع و لا يعتبر فى اللّحاظ الوجود فى الخارج‏

20

فان الحكم التّكليفى ليس موجودا كى يتوقف على وجود المعروض و منشأ الانتزاع بل يستحيل الاتّصاف بهذه الصّفة الا حال العدم فانّه بعد صدور الفعل عن المكلّف و تحقّقه فى الخارج لا يعقل اتّصافه بالوجوب و اخواته و من حيث كونه ربطا بين المولى و العبد بالنسبة الى الواقعة متوقّف على الاطراف و لكن الشرع و الدّين لا يتوقّف على وجود الاشخاص فهل يتوهم جاهل هدم اساس الشريعة بموت النّاس طرّا و توقف الدين بالنسبة الى من بعدهم الى تاسيس جديد و المرحلة الثانية مرحلة التعلّق بالاشخاص و المراد به انطباق العنوان الكلّى الّذى هو احد اطراف النسبة على شخص خاص و هو الموجود البالغ العاقل القادر المبتلى بالواقعة فصيرورة الشخص مستجمعا لما له دخل فى ارتباط النسبة منشأ لمتعلق الحكم به فالحكم ثابت قبل ابتلائه بل قبل قدرته بل قبل بلوغه بل قبل وجوده بالنسبة الى الكلى المستجمع للجهات و تعلّقه به انما هو بعد وجود الواسطة فى العروض فيه و شرائط التكليف امور معتبرة فى تحقق عنوان المكلّف الذى هو احد طرفى الرّبط فهى شرائط فى المرحلة الثانية الّتى بها يتحقّق عنوان الفوت المرتب عليه القضاء فعدم تحقق الحكم التكليفى مرحلة و عدم وجود من يتعلق به مرحلة اخرى و الابتلاء ليس معتبرا الّا فى النهى و بعد هذه المرحلة مرحلة ثالثة و هى مرحلة تنجز الحكم و حقيقة كمال الشّخص فى طرفيّته للحكم و صيرورته من الحكم بمثابة لا يعذر فى مخالفته و على هذه المرحلة يترتّب عنوان العصيان و المناط فيه العلم و ما بمنزلته و بعض مراتب القدرة فالعلم وصول الى الواقع فيوجب زوال المعذوريّة المعلولة للاحتجاب و البعد عن الواقع فالحكم لا يعقل اختلافه باختلاف حال المكلّف بالعلم و الجهل و يستحيل ان يؤثر انكشاف الشى‏ء على الشخص المتأخّر عنه رتبة فى ذلك الشى‏ء و انّما يختلف بهذا الاعتبار حال الشخص فيخرج عن النقص الى الكمال و يترقى عن حضيض الجهل الى ذروة العلم و يتبدل حرمانه بالوصول و يحيط بما غرب عنه فالصّفة تحدث فى العالم و ينتزع عنها صفة فى المعلوم فكما ان الواقع لا يختلف بكونه معلوما و مجهولا و انما هذا اختلاف فى الشخص ينتزع باعتباره صفات مختلفة للواقع فكذا ما يترتب عليه من التنجز و عدمه فان الجاهل ربّما يغترّ بملاحظة اختلاف الواقع بالتنجز و العدم و يتوهم ان للعلم و الجهل فيه تاثيرا و لكن المتامّل لا يخفى عليه انه عبارة اخرى عن تماميّة الشخص فى مرحلة الطرفيّة للنّسبة و بلوغه من التكليف بمثابة يعدّ عاصيا بترك العمل على طبقه من هذه الحيثيّة بعد ان لم يكن كذلك و ان كان الحكم متعلقا به لاستجماعه جميع ما له دخل فى المرحلة الثّانية فالعلم حجة على العالم فانه علة للتّنجز و تحقق عنوان العصيان فالحجيّة بالنسبة الى استحقاق العقاب و اما بالنسبة الى الواقع فلا معنى لحجيّة ضرورة تاخره عنه و الوسط فى الاثبات لا بدّ ان يرتبط بالنتيجة بالعليّة او المعلوليّة و لهذا لا يخلو عن ان يكون الوسط بالنسبة الى النّتيجة علة او معلولا او ان يكونا معلولين لعلّة ثالثة فالعلم بالنسبة إلى متعلّقه عين الثبوت و مغايرة المعلول للعلّة ضروريّة و عليّة الشى‏ء لنفسه بديهيّة الاستحالة و لكون‏

21

الحجيّة فى المرحلة الثالثة يعبّر عنها بكونه قاطعا للعذر نعم لا يستحيل اعتبار العلم فى المرحلة الثانية كما عليه المصوّبة و انما دلت الادلة على فساده و سيتضّح إن شاء الله اللّه تعالى كما انّه يمكن تنجّز الحكم بدونه لشدّة الاهتمام بالحكم و لكنه كالتّصويب مخالف للاصل و منه يظهر الحال فى الظن الشخصى و الاصول المعبّر عنها فى مباحث الالفاظ بالظنون النوعيّة اما الظن فحجيّة عبارة عن تنزله منزلة العلم فى بلوغ الظّان مرتبة الطرفية و دخوله فى عنوان المكلّف بتنزيل احتمال الخلاف منزلة العدم و بالجملة فما ثبت للعلم بالذات هو الّذى يثبت للظن بالجعل فالصّفة لا تختلف فيهما بالحقيقة و انما يختلف الحال بالافتقار الى الجعل و الاستقلال بالاعتبار فتوهم اختلاف حقيقة الحجيّة فى المقامين و انّها فى العلم عبارة عن وجوب الاتباع و فى الظن عن الوسطيّة فى الاثبات فاسد جلّها فان الظّن عين الثبوت تنزيلا و الدليل و الحجة انما هو الموجب للظّن و المدرك للحكم كما هو الحال فى العلم و

فى الاصول الجارية فى الالفاظ

اما الاصول الجارية فى الالفاظ اى اصالة الحقيقة و العموم و الاطلاق فمرجعها الى اصل واحد و هو عدم الاعتداد باحتمال المانع فان القرينة المعاندة تحول بين اللّفظ و ما يدل عليه بمقتضى طبعه الحاصل بالوضع و كذا الحال فى العموم و الاطلاق على ما ستعرف تفصيله فى أوائل البحث عن الظن إن شاء الله اللّه تعالى و ملخّصه انّ الكلام الصّادر من العالم بالوضع فى مقام الافادة يوجب العلم بارادة مدلوله و انّما يمنع عنه احتمال الغفلة و النسيان و اختفاء القرينة مع نصبها و احتمال التعمد فى نقض الغرض بترك العمل على مقتضى ما تصدى له الشخص حال الاشتغال به فالاصل عدم غفلة المتكلم و نسيانه حال الاشتغال بالكلام بالنسبة الى ما له دخل فى ما تصدّى له من الافادة كما ان التصدّى للافادة مقتض للعمل على طبقه فلا يعتد باحتمال نقض الغرض فالادلة الاجتهادية انما تكون ادلة من حيث افادتها للعلم و كونها ادلة مع قيام الاحتمالات المانعة عن حصوله انما هو بحكم الاصل بمعنى ان دليليّتها بمعونته فثبوت الحكم بها ثبوت ظاهرى يعنى ان مؤدّاها بحكم الثابت فان الدلالة كون الشى‏ء بحيث يوجب العلم و المفروض قيام الاحتمال المانع عن الاستدلال و الثبوت عند الشخص عبارة عن علمه بالشى‏ء و المفروض عدمه فالدّليل اجتهادى لكن الدليل الدال على اعتباره فقاهى فهو حينئذ دليل للجاهل ما دام جاهلا فهو مشروط بالجهل لا مزيل له كما هو معنى الدلالة و اما ساير الاصول فكونها وظايف صرفه اوضح من ان يبين و تبيّن ممّا حققناه فيها افاد شيخنا العلامة (قدس سرّه) حيث قال بعد ما حكم بان الحجيّة فى العلم بمعنى وجوب الاتباع و من هنا يعلم ان اطلاق الحجة عليه ليس كاطلاق الحجة على الامارات المعتبرة شرعا لانّ الحجة عبارة عن الوسط الّذى به يحتج على ثبوت الاكبر للاصغر و يصير واسطة للقطع بثبوته له كالتغيّر لاثبات الحدوث للعالم فقولنا الظن حجّة او البيّنة حجة او فتوى المفتى حجة يراد به كون هذه الامور اوساطا لاثبات احكام متعلقاتها فيق هذا مظنون الخمريّة و كل مظنون الخمريّة يجب الاجتناب عنه الى ان قال و هذا بخلاف القطع لانه اذا قطع بوجوب شي‏ء فيقال هذا واجب و كلّ واجب يحرم ضدّه‏

22

الخ فانك قد عرفت انه لا فرق بين العلم و الظن من هذه الحيثيّة و ان حقيقة الحجيّة فيهما حقيقة واحدة و الاختلاف بالحاجة الى الجعل و الاستغناء لا يوجب الاختلاف فى الحقيقة و الظّن ثبوت تنزيلى لا انه مثبت للحكم بالضّرورة فالظن ليس دليلا على الواقع لما عرفت من انه لا بد ان يكون بين الوسط و النتيجة ربط العليّة و المعلوليّة و المفروض انّه طريقى محض لا دخل له فى تحقق الواقع و كيف يمكن ان يتوهّم الفرق بين العلم و الظّن مع ان الواقع لا يثبت بشي‏ء منهما و الفعلية و التنجّز دائرة مدارهما بل الّذى ثبت للظنّ انما هو الذى ثبت للعلم اوّلا و له تنزيلا و لو لا اتصاف العلم به بالذّات لاستحال ثبوته لما هو بمنزلته و كون حجيّة الظن مساوقة لتنزله منزلة العلم من الواضحات و الحاصل ان الظن ظهور ضعيف و حجيته عبارة عن عدم الاعتداد بضعفه و المعاملة منه معاملة العلم و اين هذا من كونه وسطا فى الاثبات فلا يراد من حجّية الظن الّا ما يراد من حجيّة العلم سواء لوحظ بالنسبة الى متعلّقه او بالنسبة الى حكمه اما الاول فلانه عين الثبوت و اما الثانى فلان المفروض ان الحكم لنفس المتعلق من غير مدخلية للانكشاف و الاجنبى عن الشى‏ء لا يثبته بل سيتّضح إن شاء الله اللّه تعالى انه على تقدير اخذه فى الموضوع ايضا لا يصلح لان يكون وسطا فى الاثبات فان قيد الموضوع تابع له و لا معنى لكون الموضوع وسطا للاثبات و ليس كلّما كان متشكلا باحد الاشكال داخلا فى القياس بل لا بد ان يكون الوسط علّة للنّتيجة او معلولا لها او يكونان معلولين لثالث و الموضوع بالنسبة الى الحكم من حيث هو كذلك ليس بهذه المثابة نعم قد يكون الموضوع فى الكبرى واسطة فى العروض فحينئذ يتحد الموضوع و العلّة بالذات و يختلفان بالاعتبار فان المشتق عنوان منتزع من المبدا باعتبار الانتساب الى الفاعل فاختلافهما انّما هو بالاعتبار كما يقال هذا مسكر و كل مسكر يجب الاجتناب عنه دلّ الاسكار على الحكم المعلول له و اما قولك هذا بول و كل بول يجب الاجتناب عنه فمجرّد تطبيق الكلّى على المورد و ليس انتقالا من معلوم الى مجهول و لهذا لا يختص به صاحب النفر الناطقة بل لا يخلو منه حيوان هذا حال الظن و اما الفتوى فعدم كونها واسطة فى الاثبات اوضح ضرورة المقلّد معزول عن الاستدلال و انما ينوب المجتهد عنه فى الاستنباط و توهّم ان عنده دليلا اجماليّا فاسد و انما قوله هذا ما افتى به المفتى و كلّما افتى به المفتى فهو حكم اللّه فى حقّى مجرّد تطبيق لا اكتساب و المتوقف على النظر انما هو العلم بحجيّة الفتوى و ليس العلم بالاندراج تحت دليل حجيّة الفتوى تصديقا و انّما هو من قبيل المعرفة الحاصلة بالضرورة كقولك هذا انسان و كل انسان حيوان فهذا حيوان و الحاصل ان اطلاق الحجّة على العلم و غيره على نسق واحد بمعنى ان الذى يتصف به غير العلم انما هو الّذى يتصف به العلم و انما الاختلاف فى المراتب فالحكم الواقعى لا يستدل عليه بالظن ايضا و التنجز يستدل عليه بالعلم اوّلا و بالذات و بالظن ثانيا و بالعرض و اذ قد عرفت حقيقة حجيّة العلم و ما بمنزلته ظهر لك ان ثبوتها للعلم ضرورى فان كونه وصولا الى الواقع عبارة اخرى عن كونه علما و الملاك فى التنجز و عدمه انما هو الاحتجاب و الاحاطة و كون العلم وصولا و احاطة عبارة اخرى عن كون الشى‏ء نفسه و الى هذا يرجع الاستدلال‏

23

عليه بانه لو كان متوقفا فى الحجّية على غيره لدار او تسلسل او ترجح المرجوح على الرّاجح فان الحاصل بالدليل لا يخلو من ان يكون علما او ظنّا نوعيّا او شخصيّا و استقلال غير العلم بالحجيّة دونه من الثالث و اثبات حجيّة علم بعلم آخر لا يخلو من احد الاولين و الاظهر ان يقال ان الاستدلال على الحجيّة لا محصّل له الا العلم بها و هو دور ظاهر و الحاصل انه لا بد و ان ينتهى كل جهة الى تلك الجهة و كون العلم مشتملا على تلك الجهة بل عينها بديهىّ فغاية ما يراد فى مرحلة التنجز انما هو العلم و ليس ورائه مرحلة و كونه غاية الانكشاف و اعلى درجاته عبارة اخرى عن كونه رجحانا مانعا من النقيض المطابق للواقع و هو معنى كونه علما فنفى الحجيّة عنه سلب للشي‏ء عن نفسه و فساده اظهر من استحالة اجتماع النقيضين و ارتفاعهما فالاستدلال عليه باستلزامه للتناقض مما لا ينبغى فملخّص ما حققناه ان كون العلم حجة من قبيل كون الضّياء نورا و الدّهن دسما و الوجود تحققا و ثبوتا هذا حال العلم بالنسبة الى متعلّقة و ما يترتب عليه من الآثار و يتعلق به من الاحكام و يعبّر عنه بالطريقى و اما الموضوعى اى ما كان معتبرا فى الموضوع و ذلك حيث تعلق الحكم بالشى‏ء بشرط الانكشاف فربما يتوهم كون العلم حينئذ وسطا فى الاثبات لعليّته للحكم و مدخليّته فى ثبوته للموضوع غفلة عن ان هذا المقدار من المدخليّة لا يكفى فى الوسطيّة فان الشرط لا يستدلّ به على الشروط فحيث ثبتت الحرمة للخمر المعلوم الخمريّة لا يقال هذا معلوم الخمريّة و كل معلوم الخمريّة حرام فان العلم ليس دليلا على الحرمة بل يقال هذا خمر معلوم و كل خمر معلوم كذا و هذا ايضا ليس استدلالا بل تطبيق صرف كما هو الحال فى المثال المتقدم نعم لو كان الاعتقاد تمام المناط و لم يكن الواقع موضوعا للحكم كما لو كان المحرم معتقد الخمريّة و ان لم يكن خمرا فالاعتقاد وسط فى الاثبات و يكون من قبيل الاستدلال على الحرمة بالاسكار فيقال هذا مسكر و كل مسكر حرام فظهر ان العلم لا يعقل ان يكون وسطا لاثبات الاحكام الواقعيّة مطلقا سواء كان طريقيا او موضوعيّا و لا يخفى ان الطريقى يقوم مقامه كل طريق تنزيلى و مع فقد العلم و ما بمنزلته يجرى الاصول فان الاثر للواقع و المنجّز له اولا هو العلم و بعده الدليل الغير العلمى و لا مجرى للاصول الّا ما يفقد فيه العلم و ما يحكمه و اما ما اخذ فى الموضوع فعلى قسمين فان للقطع المأخوذ فى الموضوع قيدا جهتين تعلقه بالواقع الّذى ثبت له الحكم بشرط تعلق القطع به و هو من هذه الحيثيّة طريق صرف و دخله فى الحكم و من تلك الحيثيّة موضوع محض و الجهة الثانية ثبوتها له اما من حيث انّه طريق بمعنى ان الحكم يثبت للواقع المنكشف من غير خصوصيّة للانكشاف و اما من حيث انه انكشاف خاص اى الانكشاف التام الذى حجيّته بالذّات و الاول يشارك الطّريقى مع انّه موضوعى محض فى قيام الامارات مقامه لان المفروض ان المناط هو الجامع و هو انكشاف الواقع و ان القطع انما اخذ فى الموضوع على وجه الطريقيّة بل الاصل البرزخى ايضا حيث ان الواقع يثبت به ثبوتا اصليّا كاصالة الصّحة بل الاستصحاب كما اوضحنا الحال فيه فى موضعه بخلاف الثانى فان قيام غيره مقامه ينافى اعتبار خصوصيته فى ثبوت الحكم للواقعة كما هو المفروض و تبيّن بما حقّقناه ما فى ما افاده شيخنا العلّامة (قدس سرّه) قال بعد ما

24

تقدم و الحاصل ان كون القطع حجة غير معقول لان الحجة ما يوجب القطع بالمطلوب فلا يطلق على نفس القطع و فيه انه انما يتم بالنسبة الى العلم المتعلق بالحكم و اما ما يتعلق بالموضوع كالعلم بالخمريّة فعدم كونه وسطا بالنسبة الى حكمه فانما هو من جهة عدم الارتباط بالحكم لا من حيث ان الشي‏ء لا يكون علّة لنفسه ثم قال هذا كله بالنسبة الى قوله و بالجملة و فيه ان ما تقدم يعمّ الامرين احدهما العلم بالنسبة الى متعلّقه‏ (1) فالاول كمعلوم الوجوب و الثانى كمعلوم الخمريّة فالاولى ان يقال بالنسبة الى متعلق القطع او حكمه قوله و ان لم يطلق عليه الحجّة الخ لا يخلو عن تامّل فان المناط فى الحجيّة عند الاصوليّين انما هو كونه وسطا فى الاثبات بل قد عرفت انه لا اصطلاح للاصوليّين فى الحجيّة بل لا معنى لكون شي‏ء وسطا لاثبات حكم متعلّقه الّا اذا كان تمام المناط فيمكن حينئذ كونه واسطة فى العروض متحدا مع متعلّقه كما عرفت فيما لو كان القطع من حيث هو تمام المناط في الحكم و ان كان مخالفا للواقع و ليس الحجة فى باب الادلة دائما كذلك فان الادلة الاربعة المثبتة للاحكام لا تثبت احكام متعلقاتها بل انما هى كغيرها من الاوساط فان التغير المثبت للحدوث حجّة بالمعنى المتعارف عند الاصوليّين و لا معنى لكونه مثبتا لحكم متعلّقه و بالجملة فالعلم فيما اذا كان الحكم ثابتا للخمر الواقعى بشرط العلم ليس وسطا فى الاثبات و على تقدير الوسطيّة لا معنى لعدم اطلاق الحجيّة عليه ثم قال و بالجملة الى قوله الّا و فيه ان هذا بالنسبة الى القطع بقول مطلق واضح الفساد فانه اذا كان جهلا مركّبا لا يستلزم التناقض الّا فى نظر القاطع و فساده انما هو من جهة حمل المكلّف على ما لا يقدر عليه و امّا العلم فعدم كونه حجة سلب للشي‏ء عن نفسه و ليس نفى الحجيّة عن العلم بالخمريّة او الحرمة منافيا لحرمة الخمر فى الواقع فانك قد عرفت اختلاف الموضوعين و المحمولين و لمرتب المرحلتين نعم يمكن ان يزل برهان اعتبار العلم الى ما ذكر بضرب من المتكلّف فتدبّر ثم قال الّا اذا فرض الى قوله و قد يدل دليل ذلك الحكم و فيه ان حسن الانقياد حكم ثابت للعمل بقصد الخضوع و يكفى فيه احتمال المحبوبيّة مع الامن من المبغوضية فلا مدخل للواقع فيه بل لا مدخليّة للاعتقاد فيه ايضا نعم الاعتقاد بالمحبوبيّة ممّا يتحقق به الانقياد فحسن الاتيان بما قطع بكونه محبوبا لمولاه ليس لمدخليّة القطع من حيث الطريقيّة او على وجه الخصوصيّة بل انّما هو لتحقق الانقياد الّذى يتحقق بالاحتمال ايضا فان العامل بالاحتياط منقاد بالضّرورة و ان لم يكن عمله محبوبا و بالجملة فهذا ليس ممّا نحن فيه و هو كون العلم شرطا لثبوت الحكم للمتعلّق و كذا الكلام فى التجرى المضاد للانقياد فانه يكفى فى تحققه مخالفة العمل للاصل و ان لم يكن برزخيّا بل كان اصلا صرفا كالتخيير فى وجه فليس اتصاف العمل بالقبح معلولا للاعتقاد و لا دخل للواقع فيه ايضا فان التّجرى علة تامة للقبح و ان لم يكن العمل مبغوضا فى الواقع و المثال المطابق لما نحن فيه ما كان الواقع موضوعا للحكم بشرط انكشافه على الشخص مطلقا كما اذا حرم شرب الخمر بشرط انكشاف الخمريّة بحيث ينتفى الحكم الواقعى بانتفاء احد الامرين من الواقع و انكشافه‏ ثمّ‏ قال و قد يدل الى قوله ثم من خواص القطع و فيه ان منع الاخباريين من الرّكون الى العقل و الاستبداد بالاستنباط و دعوى انحصار الطريق فى التلقى عن اهل العصمة fm~{fm(عليهم السلام) من جهة الاغترار

____________

(1) و الآخر بالنسبة الى حكم متعلقه‏

25

بظواهر الاخبار الناهية عن الرّكون الى الاقيسة و الظنون و ما يفيد مفاد تلك الاخبار و مرجعه الى عدم معذورية الجاهل اذا استند الى ما لا يؤمن فى الرّكون اليه من المخالفة الكثيرة كما دلّت عليه رواية أبان بن تغلب المحكية فى دية اصابع المرأة فالمدّعى عدم المعذوريّة بالجهل و ان كان قطعا لا توقف الاحكام الواقعية على العلم بها من الاخبار و لعله يتّضح فيما سيأتى فليس المدعى كون العلم شرطا فى ثبوت الحكم اذا كان حاصلا بسبب خاص‏

فى ردّ قول الشيخ (ره) حيث قال انّ من خواص القطع ...

ثمّ‏ قال ان من خواص القطع الى قوله و ممّا ذكرنا و فيه انه قد تبيّن ممّا حقّقناه انّه لا منافات بين كون الجامع بين الطّرق مأخوذا فى الموضوع و بين قيام غير العلم مقامه فان القيام انما هو من حيث الطريقية فان العلم بالنسبة الى ما تعلق به طريق لا محالة فالظن فى عرض العلم من حيث الاعتبار فى تعلق الحكم و لكنه فى طوله من حيث كونه انكشافا للواقع المتعلّق به و لا يخفى ان اعتبار العلم فى الاوليين انما هو فى مقابل الاكتفاء باول درجات الظن فى الاخيرتين لا بمعنى عدم الاعتداد على ما ثبت اعتباره فالركعتان الاخيرتان تختصان بكفاية اول درجات الظّن فيهما المعبّر عنه فى الاخبار بذهاب الوهم لا ان ما ثبت اعتباره ممّا عدا العلم لا يقوم مقامه فى الاوليين و اما اصالة عدم الاكثر فلا يعتمد عليها فى الاوليين لوجوب التحفظ على زيادة ركعة و فى الاخيرتين يتفصّى عنها بالفصل بين الركعة الاحتياطيّة و ما اتى من الصلاة بالتسليم جمعا بين الجهتين و لهذا يصحّ التعبير عنه بالبناء على الاكثر كما يعبّر عنه بالاخذ باليقين و البناء على الاقل على ما اوضحناه الحال فيه فى الاستصحاب عند الاستدلال بالاخبار و بالجملة فليس الفرق بين الركعات فى اعتبار خصوص العلم و عدمه كما افاده شيخنا العلامة قده و امّا اعتبار الحسّ فى قبول الشهادة و عدم الاكتفاء بالحدس فيها بل فى الرّواية فهو ليس من جهة اعتبار علمه من سبب خاص بل انما هو اعتماد على منشأ علمه و عدم الاعتداد باحتمال تعمد الكذب و ليس الاعتماد على الشهادة و الرّواية اخذا بعلم الشاهد و الراوى و تعويلا على اعتقادهما و لا تصويبا لرأيهما و انما هو الغاء لاحتمال تعمّد كذبهما فالفرق بين الاستناد الى الحسّ و بين الاستناد الى الحدس انّ الاعتقاد من حيث هو ليس موضوعا للحكم و انما المناط وجود ما يفيد المطلب عند كل احد و يستكشف ذلك بخبر العادل فكان الشخص علم بخبره بالواقع لا انه اعتمد على علمه فهل يخفى على احد ان ما اخترناه من عدم حجيّة الاجماع المنقول ليس مبنيّا على اخذ العلم فى موضوعات الاحكام باعتبار خصوصيّة السّبب مع ان مرجع المذهب المختار الى الغاء الرّواية الناشئة عن الحدس و تخصيص الخبر المستند الى الحسّ بالاعتبار فليس عدم الاعتداد بالشهادة المستندة الى الحدس خاصة او الى غير الحسّ مطلقا و اعتبار استنادها الى الحس و ما بحكمه الّا من قبيل عدم الاعتداد بالرّواية المستندة الى الحدس كالاجماع المنقول و حيث فرض اخذ العلم فى الموضوع فلا يعقل قيام غيره مقامه اذا كان من حيث الخصوصيّة و قيام دليل على خلاف ما دل على ذلك حكمه تبيّن بما حققناه فى مباحث التعارض و كون الدليل الدال على اعتبار الخصوصيّة ظاهرا و الآخر نصّا منشأ للتقدم فلا منافات بين فرض‏

26

اعتبار الخصوصيّة و قيام الدليل على العدم بهذا المعنى و لكنه خلط بين المباحث و حيث قد عرفت ان الظن كالعلم الّا فى الاستغناء عن الجعل و الافتقار اليه فيجرى فيه ما تقدم كما عرفت الّا انّه حيث كانت طريقيّة بالجعل امكن ان يكون على وجه خاص من حيث الاسباب او من جهة اخرى بخلاف العلم فان الذّاتى لا يختلف كما يتخلّف فهو اربعة اقسام فان الحكم اذا كان للمتعلّق من حيث هو من غير مدخليّة للانكشاف فهو طريق صرف امّا مطلقا او على وجه خاص و ان كان له بشرط الانكشاف فالظّن المتعلق بالواقع اخذه فى حكم غير حكم متعلّقه ايضا على قسمين فتفطّن هذا مجمل القول فى العلم‏

الثانى: الجهل المركب‏

و امّا الجهل المركب الذى هو احد قسمى القطع فلا اثر له بالنسبة الى متعلقه فان المفروض تخلّفه عن الواقع و عدم مطابقته له فعدم ترتّب ما يترتّب على العلم على الجهل اظهر من ترتبه على العلم فلا معنى لكون القطع بقول مطلق حجّة بل انما الحجة هو العلم من حيث انه علم كما عرفت هذا حاله بالقياس الى ما تعلق به و اما بالقياس الى نفسه فالحق وجوب العمل على طبقة عقلا فحيث اعتقد بوجوب غير واجبا و حرمته غير محرّم استحقّ العقاب و الذّم بمخالفة اعتقاده و ترك العمل على طبقه فان التجرّى فى قبال الانقياد و هو خروج عن زيّ العبوديّة هذا حال الصّفة النفسانيّة و اما فعل الجوارح الّذى يتحقق به فعل النّفس فلا حرمة فيه توضيح الحال ان من اعتقد بحرمته فعل مباح مثلا كمن اعتقد بخمريّة ماء و شربه فله فعلان يتولد احدهما من الآخر احدهما يقوم بالجوارح و هو نفس الشرب فى المثال و الآخر بالنفس و هو التمرّد و التجرى المقابل للطوع و الانقياد كما ان التلفظ صفة الجارحة و الاخبار صفة النفس و هذا نحو من التوليد يشبه تولد الاحراق من الالقاء فى النّار و القتل من الرّمى و القاء السّم فى الماكول و المشروب فالاول هو الفعل المتجرى به و الثانى هو التجرّى فالاوّل من حيث هو لا حرمة فيه بخلاف الثّانى فانه حرام عقلا و الاول انّما يحرم لاتّحاده مع الثانى و كونه منشأ لانتزاعه و ربما يصعب على الجاهل بحقيقة الانتزاع تعقل الاتحاد مع انفراد كل من الامرين بمعروض و كيف كان فالدليل على ما ادعيناه ان المنشأ لاستحقاق الذمّ و العقاب انّما هو العصيان لا نفس المخالفة للاحكام الواقعيّة و من المعلوم ان ملاك هذا العنوان ليس مما يرجع الى من يرجع اليه الحكم اوّلا بل له جهات واقعيّة يستقلّ العقل بادراكها و لا مرجع فيها الّا العقلاء اولا و الحاكم انما يرجع اليه فى المرحلة الاولى من مراحل الحكم و امّا ان الجاهل و العاجز ليس عاصيا و لا متمرّد او ان العالم لا عذر له و هو عاص بترك ما يجب عليه فقد عرفت استحالة توقفه على الجعل و العصيان فيه جهتان مخالفة الحكم المولوى الالزامى و كونها عن عمد و على سبيل الجرأة و الموجب لاستحقاق العقاب انما هو الثانى و هو موجود فى الجهل المركب و ما بحكمه و لا ينافى هذا الاختلاف مراتب الاستحقاق باختلاف مراتب الحرمة و الوجوب ايضا على ما سنوضحه إن شاء الله اللّه تعالى و السرّ فى استحقاق العقاب بالعصيان ان مقتضى العبوديّة الخضوع و التمكين فان المولى مالك لرقبة العبد و كذا حال المولّى عليه بالنسبة الى وليّه فان التمكين مقتضى الولاية و الامر فى المخلوق بالنسبة الى خالقه اظهر من ان يبيّن فان العقل يستقلّ بقبح تمرّد المربوب عن ربّه و العبد عن مولاه كما يستقلّ‏

27

بقبح التصرّف فى مال الغير عدوانا فان اناطة التصرف باذن المولى مقتضى المالكيّة و تنجز التكليف تحقق لعنوان التمرد لا ان العقل يحكم بما حكم به المولى فان المولى يحكم بالاتيان بالصلاة و بوجوبها و العقل لا مسرح له فى ذلك و انما يستقل بالاطاعة و ترك التمرّد فهو و ان كان فى هذه الموارد عين وجوب الصّلاة و لكن استقلال العقل بوجوب الصّلاة ليس من حيث انها صلاة و انما هو من حيث انها اطاعة و لهذا يعتبر فى حكمه العقل و القدرة و العلم بخلاف حكم الشرع فالوجوب الشرعى ثابت و ان لم يتحقق شي‏ء ممّا يعتبر فى التعلق و التنجز بخلاف الوجوب العقلى فانه يتوقّف على امور لا يتوقف عليه الوجوب الشرعى و الحاصل ان موضوع حكم العقل مغاير لموضوع حكم الشرع ذاتا و النسبة بينهما عموم من وجه ففى مورد الاجتماع يتحقق العصيان و الاطاعة و الافتراق من طرف حكم العقل هو التجرّى و الانقياد و من طرف حكم الشرع هو الاحكام الغير المنجّزة فنسبة الحكم العقلى الى الحكم الشرعى نسبة الحكم الى موضوعه و المعلول الى العلة الماديّة فهو مترتّب عليه و متاخر عنه و بالجملة فالحكم المولوى بعد استجماع شرائط التنجّز يوجب تحقق موضوع حكم العقل فان العقل انما يستقل بوجوب الانقياد و حرمة التمرّد و التكليف المعلوم يوجب كون المكلّف متمرّدا بالمخالفة فالخروج عن زيّ العبوديّة انما هو بالادبار عن المولى المنتزع عن ترك المامور به مثلا بعد تنجز التكليف‏ و ببيان‏ اوضح انّ مقتضى العبوديّة الانقياد و ترك التجرّى و لا يتوقف شي‏ء من الانقياد و التّجرى على وجود حكم مولوى بل يمكن تحقّقهما و ان لم يكن للمولى حكم فلا تعلق لحكم العقل بما يتعلق به حكم الشرع بل لو كان للعقل ايضا حكم بالنسبة الى فعل من الافعال فموضوعه مغاير لموضوع حكمه فى هذا المقام نعم حيث بلغ الحكم سواء كان عقليّا او مولويّا مرتبة التّنجز تصادف الموضوعان فاجتمع الحكمان فالّذى يستقل به العقل انما هو حرمة التمرد فانّه هو الخروج عن زيّ العبوديّة و كما يتحقق بمخالفة التكليف المنجز فكذا بالاقدام على ما يعتقد كونه مخالفة نعم‏ ليس الثانى عصيانا بخلاف الاول فان العصيان اخصّ مطلقا من التجرّى و موضوع حكم العقل انما هو الجامع بينهما المتحقق فى التجرّى الخاص الغير المتّحد مع مخالفة الحكم الواقعى فتبيّن ممّا حققنا ان استقلال حكم العقل بحرمة العصيان لا ينفك عن استقلاله بحرمة التجرى الّذى ليس بعصيان‏

فى انّ الموضوعات على قسمين‏

و كشف الحجاب ان الموضوعات على قسمين‏ احدهما العناوين الاوّليّة الّتى هى عبارة عن الافعال الاختياريّة للمكلّفين‏ و الآخر العناوين المنتزعة عنها باعتبار تنجز احكامها فالقتل مثلا فعل اختيارىّ و ان كان توليديّا يختلف حكمه بالوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة و الاباحة فى الواقع و انّما يكون ظلما حيث كان حكمه الواقعى هو التحريم بعد تنجّزه فالظلم عنوان منتزع من الفعل المحرم بعد التنجز و لهذا لا يعقل تخلّفه عن التحريم و الايجاب لاستحقاق العقاب فالتجرّى الّذى هو خروج عن زيّ العبوديّة حيث ان العبد بمقتضى المملوكيّة يجب عليه الانقياد ظلم من العبد على مولاه و حرمة العصيان من هذا الباب فلو لم يكن العنوان الثانوى علة تامة للاستحقاق لزم التسلسل فان حكم الواقعة ما لم ينته الى ما يتمّمه كان كالعدم‏

28

فى ما هو العمدة من الآثار و المتمّم و هو العنوان المنتزع الثانوى لا يعقل ان يكون حكمه باختيار المولى و الّا لم يكن متمّما بمعنى ان التحريم مثلا انما يتم حيث ارتفعت الاعذار عن المكلف و لا معنى لتماميّة الحكم و تنجّزه حينئذ الّا دخوله فى عنوان له احكام ذاتيّة ينتهى اليها امر الاحكام الجعليّة فلو لم يستقلّ العقل بوجوب الانقياد لم يترتّب على حرمة الخمر اثر و لو كان وجوب الانقياد مجعولا لتوقف على ثبوت وجوب الانقياد بهذا الحكم ايضا و هكذا الى ما لا يتناهى و ظهر ممّا حقّقناه انه لا حاجة فى اثبات حرمة التّجرى الى التشبّث بالاجماع و بناء العقلاء و قد يستدل للمختار بدليل بيّن الوهن واضح السّقوط و قد اطال المستدلّ فى تقريب الاستدلال بما لا طائل تحته و ملخصه ان المتجرى المصيب انما يفارق المخطى فى ما لا يرجع الى اختياره و هو الاصابة و يستحيل ان يناط استحقاق العقاب بما لا يرجع الى الاختيار فيشتركان فى استحقاق العقاب و لا يدور مدار العصيان و لا يخفى انه سفسطة بيّنة و هدم لاساس الشرائع و الاديان و ما يستقل به العقل من الاحكام الضّروريّة فان اختلاف الاحكام شرعيّة كانت او عقليّة انما هو بحسب اختلاف العناوين المختلفة باختلاف المتعلقات فلو (1) كان كون الفعل شرب خمر او شرب ماء مثلا خارجا عن الاختيار و اختصّ الشّرب من حيث انه شرب بكونه اختياريا استحال اختلافهما فى الحكم بالحرمة و الاباحة و كذا وطى الزّوجة و الاجنبيّة و الايمان بالرّحمن و الشيطان و هكذا الى ما لا يتناهى و لا ينافى كون شرب الخمر من حيث الخصوصيّة اختياريا عدم كون خمريّة المائع و مطابقة الاعتقاد بالخمريّة للواقع خارجا عن الاختيار فان الاعتقاد المطابق انما هو منجّز للحكم و لا مدخل له فى كون الفعل اختياريا و الخمريّة محقّقة للموضوع و لا مدخل لها فى اختيارية الفعل فان المناط فيها انما هو دوران الفعل مدار المشية و قد اشتهر ان الاختيارى ما كان للشخص بحيث ان شاء فعل و ان شاء لم يفعل فمن شرب الخمر عامدا قال ما اراد باختياره و ادرك ما امّل بخلاف من اقدم على شرب ماء اعتقد بخمريّته فخاب امله و لم يدرك ما رامه لكن شرب الماء اختيارى له لدورانه مدار مشيّته و عدم كون ما باختياره مطابقا لمرامه لا ينافى كونه باختياره و انما عدم الاصابة فى المقام من قبيل عدم حصول الغاية للافعال و من المعلوم عدم مدخلية ترتّب الغاية فى اختيارية الفعل و بالجملة فكما ان الشرب اختيارى فكذلك كونه شرب ماء او خمر و المناط فى اختيارية العناوين انما هو اختيارية نفس الفعل لا كون المتعلق اختياريّا و لا معرفة المتعلق فان كون الفعل شرب ماء ليس ممّا يحتاج الى القصد و التعيين كالاحسان و الإساءة و الصلاة و الطهارة و التعظيم و الاهانة و نحوها مما يتوقف تمحّض الفعل فيها على القصد و بالجملة فلا اشكال فى ان الافعال التوليديّة انما يختلف باعتبار امور خارجة عن الاختيار ابتداء و لا مجال للوسوسة فى اختلافها بالاختيار فلو رمى شخصان بسهمين لقتل نفسين و اصاب احدهما و أخطأ الآخر فلا اشكال فى صدور القتل الاختيارى عن احدهما دون الآخر مع ان القتل فعل الآلة و كذا لو اشتركا فى الالقاء فى النار و احترق احدهما دون الآخر مع ان الاحراق فعل النّار و ذلك لان المقدور بالواسطة مقدور

____________

(1) كعنوان الشرب المختلف باختلاف متعلقه الذى هو الخمر او الماء

29

و يكفى فى استناد الاثر الى الشخص استنادا سببه اليه فلا مساواة بين المصيب و المخطى فى الفعل الاختيارى بالضرورة و توهم ان الاصابة خارجة عن الاختيار من سخايف الاوهام و بما حققناه ظهر ما فى ما صدر عن جماعة من اصحابنا شكر اللّه مساعيهم فى المقام كما انه ظهر السّر فى اختلاف مرتبة استحقاق العقاب بمصادفة التّجرى للحرمة الواقعيّة و العدم فان كون ما ارتكبه محرّما واقعا و ان كان خارجا عن اختياره لكن ارتكابه اختيارى مع استجماع شرائط التنجز يستحق ما يوجبه ارتكاب فى ذلك الحرام زائدا على ما هو مقتضى التجرّى بحسب ذاته و لاتحاد التجرى مع الحرام الواقعى يتداخلان فى الاثر للتداخل بحسب الذات‏

فى ان تمام المناط فى استحقاق العقاب هو التجرّى‏

توضيح ذلك ان فى المقام اشكالا على ما حققناه و هو ان مقتضى ما تقدم ان تمام المناط فى استحقاق العقاب انما هو التجرى و الحكم الواقعى لا مدخليّة له فى ذلك و لهذا يدور الاستحقاق مدار التّجرى مع ان اختلاف مراتب الاستحقاق شدّة و ضعفا بحسب اختلاف مراتب الواجبات و المحرّمات كما لا يخفى على من له ادنى مسكة و هذا يكشف عن ان الحكم الواقعى يؤثر فى الاستحقاق‏ و الجواب‏ ان التجرى المصادف للحرمة الواقعيّة عين العصيان و هو امر منتزع عن تنجّز الواقع و حيث تنجّز فانّما يتنجّز بما هو عليه فاختلاف مراتب التجرّى باختلاف مراتب الفعل المتجرى به لا ينافى كون تمام المناط نفس التجرّى و الّذى بنينا عليه انّما هو عدم كون مخالفة التكليف الواقعى من حيث هو موجبا للاستحقاق لان التجرى الذى هو تمام المناط لا تختلف مراتبه باختلاف مراتب المتجرى به هذا حال اختلاف المراتب باختلاف المتجرى به و امّا اختلافها فى نفسها فاوضح و ذلك باختلاف حالة الشخص بمخالفة القطع و الظن المعتبر و الاصل و باختلاف متعلق قطعه المخالف للواقع فالقاطع بكون فعله قتلا للنّبى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) تجرّيه اعظم من القاطع بكونه قتل مؤمن مع اشتراكهما فى مخالفة اعتقادهما للواقع فحيث اعتقد بكون فعله قتلا لمؤمن و كان فى الواقع قتلا للنبى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فالتجرى فى نفسه اضعف من تجرى من اعتقد نبوّة مقتوله مع مخالفة اعتقاده للواقع و لكنه من حيث المتعلق اعظم فانه لا يعتبر فى تنجّز الواقع على ما هو عليه علم المتجرّى بخصوصيّاته و لهذا فلو زعم العاصى ان معصيته صغيرة و تجرى و فعلها لزمه ما فعل بما هو عليه و ان كان قاصرا فى عدم معرفته بكون المعصية كبيرة فان كونه عاصيا يكفى فى قيام الحجّة عليه و لا يصلح جهله بالخصوصيّات فى المعذوريّة بالنسبة اليها و ظهر مما مرّ ما فى ما افاده شيخنا العلّامة اعلى لله مقامه قال بعد ما ذكر ادلّة المذهب المختار و يمكن الى قوله و قد يظهر اما الاجماع فلا وجه لمنع حجيّة فى المقام فان الحكم العقلى انّما لا يكشف الاتفاق عليه عن راى المعصوم fm~{fm(عليه السلام) حيث لم يكن بيانه من وظيفته مثل كون الجسم مركبا او بسيطا و اما مثل حرمة الظلم او كون عمل خاص ظلما كما فى ما نحن فيه فبيانه من وظيفة الشارع و ان استقل به العقل فالاجماع على حرمته التّجرى يكشف عن رضاء المعصوم كما هو الحال فى ساير الاحكام‏ نعم‏ لا يتوقف على تشريع الشارع و هذا معنى انه ليس مرجعا فى مثله اوّلا نعم لا حجيّة للمنقول من الاجماع من غير فرق فيه بين المقام و غيره و امّا بناء

30

العقلاء فقد تبيّن انّه لخروج العبد عن زىّ العبوديّة بالتمرد و كون التجرى من حيث هو كاشفا عن وجود صفة الشقاوة فى المتجرى بديهىّ الفساد فان السّعيد ايضا قد تغلب عليه هواه و تصدر عنه خبيثة و من الواضح الفرق بين خبث الطينة و وجود الملكات الخبيثة الباعثة على العصيان و بين عروض الخطاء مع رسوخ الملكات الحسنة و طهارة الذّات و حسن السّريرة فكم من عاص مولع فى عصيانه ينتهى امره الى السّعادة الابديّة لحسن سريرته و كم من عابد زاهد ينتهى امره الى الشقاوة لخبث طينته و سوء سريرته فمجرد التجرّى لا يكشف عن حالة للنفس يعبّر عنها بالشقاوة و المذمّة انما هى لنفس التجرّى لعدم ما يوجبها سواه فالاعتراف باستحقاق المتجرّى للذّم فى الحقيقة اعتراف بحرمته عقلا و لا يعقل التفكيك بين حكم العقل و الشرع فى المقام و الحاصل ان كون الذم على الفاعل دون الفعل لا معنى له الّا اذا كان فى الفاعل صفة خبيثة من قبيل قذارة العذرة و هى فى المقام امّا طينة الشخص كان يكون من زنا و اما ملكات راسخة رديّة و عدم استلزام التّجرى شيئا من الامرين واضح‏ و من الغرائب‏ ما اجاب به عن الدليل العقلى فان المستدل انّما بنى استدلاله على اناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار ينافى العدل فمحصّل كلامه ان ما ليس اختياريا لا يصلح لان يوجب الاستحقاق و جوابه ما عرفت من الاختلاف فى الفعل الاختيارى و الّا فاستحالة مدخليّة ما لا يرجع الى الاختيار فى الاستحقاق و العدم واضحة و ليس الكلام فى فعليّة العقاب حتى يقال ان القبيح انما هو العقاب لامر خارج عن الاختيار لا عدمه فان المستدل يقول ان التساوى فى الافعال الاختياريّة يستلزم التساوى فى ما يناط بها و هو الاستحقاق و استحقاق العقاب معلول للحرمة و بالجملة فليس البحث الّا فى حرمة التّجرى المستدل عليها باستحقاق المصيب للحرام للعقاب مع اشتراك المتجرى المخطى له فى ما يصلح ان يناط به العقاب و هو الفعل الاختيارى و محصّله ان الاشتراك فى الفعل الاختيارى يستلزم الاشتراك فى الاستحقاق حيث انه لا يعقل استناد الاستحقاق الّا الى ما يرجع الى الاختيار فشارب الماء باعتقاد انه خمر ان شارب شارب الخمر فى الاستحقاق ثبت المدّعى و هو حرمة التجرى و الّا لزم تخلف المعلول عن علّته و ليس الكلام فى عقاب المتجرى و عدمه حتى يقال ان عدم العقاب لامر لا يرجع الى الاختيار قبحه غير معلوم و الّا فلا اشكال فى ان ترك عقاب المستحق من باب العفو و الصفح و التفضّل اذا كان فى محلّه فى غاية الحسن و الذى يستدل به على الحرمة انما هو الاستحقاق لا الفعليّة فلا مناص من بيان الاختلاف فى الافعال الاختياريّة و بما حققناه يظهر سرّ ما ورد فى ان من سنّ سنة الخ فان ما يرتكبه الفاعل مستند الى صاحب السّنة من حيث انه اضلّه و من المعلوم ان الضلال يستند الى كل من الضال و المضلّ مع تقصيره كما ان السلطان حيث امر بقتل مظلوم فالفعل مستند الى السّبب و المباشر معه فكلّ منهما قاتل كما فى قتلة سيّد الشهداء fm~{fm(عليه السلام) فكثرة العامل من قبيل اصابة آلة القتل فلو قتل واحد عشرين بسهم و الآخر بواحد أ فعقاب الاول اضعاف عقاب الثانى و كذا الدّية مع تساويهما فى الرّمى‏

31

فكان صاحب السنة السيئة ادخل سمّا فى ماء يشرب منه النّاس قرونا و اعوانا فيقتل الناس بعد موته ايضا و ان لم يصدر منه الّا السّبب الاول و بالتامّل يظهر الحال فى المصيب و المخطى و اغرب من ذلك ما افاده صاحب الفصول (قدس سرّه) و ملخّصه ان الجهات الواقعيّة تزاحم الجهات الظاهريّة بمعنى ان وجوب الفعل فى الواقع و رجحانه الشديد يقتضى خلاف ما يقتضيه التجرّى فلو اعتقد بحرمة واجب توصّلى و اتى به فهو عاص للتّجرى و تمثل بالنظر الى الوجوب الواقعى و لوجود الجهتين فى فعل واحد تتزاحمان فاما يتساويان او يترجح احدهما فالوجوب الواقعى امّا يخفّف استحقاق العقاب الذى يقتضيه التّجرى و امّا يدفعه رأسا فمع اتيانه بالتّجرى المحرّم ربّما لا يستحق العقاب و فساده اظهر من ان يبيّن لما عرفت من ان الوجوب ليس فى نفسه مع قطع النظر عن الانقياد منشأ لاستحقاق الثواب و كذا فى الحرمة بالنسبة الى استحقاق العقاب مع قطع النظر عن العصيان فكون من زعمه كافرا واجب القتل نبيّا او وصيّا فى الواقع لا يدفع قبح التّجرى فان العمل انما يوجب استحقاق الثواب ان كان طاعة و هى لا تتحقق الّا مع قصد التقرّب المفروض انتفائه و لهذا فمن ضرب يتيما غضبا و غيضا و انتفع به اليتيم فى بدنه او حالاته النفسانيّة لم يخرج العمل بذلك عن كونه ظلما و اعجب من ذلك ما زعمه من ان التجرى على الحرام فى المكروهات الواقعيّة اشدّ منه فى مباحاتها و هو فيها اشدّ منه فى مندوباتها فان الكراهة لا توجب شدّة التّجرى بحيث يزيد استحقاق العقاب بالضرورة نعم‏ فى المكروه ايضا تجرى ضعيف على حسبه حيث تنجّزت الكراهة و اما مجرّد الكراهة الواقعيّة فلا اثر لها بالضّرورة هذا و لكن قد اجاد فيما حكم به من ان التجرى اذا صادف المعصية الواقعيّة تداخل عقابهما فان العصيان تجرى مخصوص و انما المنشأ لاستحقاق الذم كونه تجرّيا على ما عرفت تفصيله و من المعلوم ان تداخل الموضوعين بحسب الحقيقة يستتبع تداخل الحكمين الاثر (1) حكم و للانسان ايضا مثل هذا الحكم اتّحدا فى الانسان فلو امر بصلة الارحام بدرهم و صلة الوالد بدينار فتداخل الموضوعين لكون الوالد اخص مطلقا من ذى الرّحم يوجب تداخل الحكمين فلا يجب اكرامه الّا بدينار نعم لو كان بينهما عموم من وجه فربما لا يتداخل الحكمان و لبيان مقام آخر و من الغريب ما افاده الاستاد العلّامة قده حيث قال انه لم يعلم معنى محصّل لهذا الكلام الخ كما ظهر ممّا مرّ هذا مجمل الكلام فى التّجرى بالفعل و اما العزم على المعصية فلا اشكال فى حرمته عقلا كما يظهر ممّا مرّ فان المناط و هو التجرّى و التمرّد موجود فيه و يدل عليها الاخبار الكثيرة و توهّم العفو عنه ابتداء فاسد و انما الذى يظهر بالتامّل ان اجتناب ما عزم عليه من المعصية تقرّبا الى اللّه تعالى كفارة لعزمه فان تحتم العفو مناف للتحريم و زعم الاستاد العلّامة نوّر اللّه ضريحه دلالة طائفة من الاخبار على العقاب على القصد مثل قوله fm~{fm(عليه السلام) نيّة الكافر شرّ من عمله و انما يحشر الناس على نيّاتهم و ما ورد فى تعليل خلود اهل النّار فى النار و اهل الجنة فى الجنّة بعزم كل من الطائفتين على الثبات على ما كان عليه من المعصية و الطّاعة لو خلّدوا فى الدنيا و هذه الطائفة

____________

(1) الا نرى اللّه اوتى‏

32

من الاخبار و ان كانت موهمة لذلك و لكن من المعلوم ان المراد معنى آخر اما الرّواية الاولى فان من المعلوم ان العزم على الكفر ليس شرّا من الكفر و كذا العزم على كل معصية ليس شرّا منها بالضّرورة بل لا يبلغ العزم على الفعل عشرا من معشار ما فى ما عزم عليه من الفعل و الامر فى الرواية الثانية اظهر حيث ان التعليل انما هو فى مقام بيان ان الخلود ليس ظلما حيث ان السائل توهم ان العقاب الغير المتناهى لمعصية متناهية ظلم و من المعلوم ان كون متعلق العزم على المعصية مما لا نهاية له لا ينافى كون نفس العزم متناهيا فيعود الاشكال بل يكون اعظم ضرورة ان نفس الكفر لتناهى زمانه حيث لم يصلح لان يكون موجبا للخلود فالعزم عليه التابع له فى القبح و المبغوضيّة بالطريق الاولى مع انه لو كان العزم على العصيان الابدى موجبا للخلود لزم خلود المسلم العازم على دوام العصيان و ان بقى سرمدا و المسلم العازم على الكفر الذى مات قبل الكفر غير مخلّد مع وجود السّبب فيه الّا ان يدعى الاستحقاق و يدعى العفو فبقى اشكال خلود الكافر الذى من عزمه الاعراض عن كفره او المتردّد فى دينه و بالجملة فعدم كون المقصود من هذه الرّوايات ما يتراءى اوضح و التحقيق ان لكلّ من المؤمن و الكافر جهتين الكفر و الايمان القائمان بالنفس و الانكار و التصديق اللذان هما من قبيل الافعال و قيامهما بالنفس باعتبار اشرنا اليه سابقا لا ينافى كونهما من افعال الجوارح كما هو المطرد فى جميع ما يستعان فيه بالجوارح و ساير الآلات و لما كان فى القرب و البعد من الله تعالى انما هو اقبال النفس و ادبارها و ما هى عليه من الصّفاء و الكدرة و الاخلاق الحسنة و الذّميمة و الافعال وسيلة اليها صارت الحالة النفسانيّة شرّا من فرعها المترتّب عليها و كما يترتّب الفعل على ما فى النفس فكذا يزداد ما كان فيها بما يصدر من الشخص بل و كذا المعرفة و الايمان و لهذا يستكمل بالورع و الى ما حققناه اشير بقوله fm~{fm(عليه السلام) نيّة الكافر شر من عمله و نيّة المؤمن خير من عمله و اما قوله fm~{fm(عليه السلام) انّما يحشر النّاس على نيّاتهم فلا اشكال فى ان النيّة فيه ليست عبارة عن القصد فانها على تقدير الحرمة من الصّغائر فكيف ينحصر الحشر فيها فالمراد بها الملكات التى يعمل العامل بمقتضاها لضعف التقوى و عدم مقاومتها لما يقتضيه الطباع كما هو الغالب و الحشر عليها امّا بمعنى ان الحشر على صورة مناسبة لملكته فالمتكبر بصورة النمل و الزانى بصورة الخنزير كما هو المصرّح به فى الاخبار بمعنى ان العاصى اذا كان فيه ملكة ذلك العصيان و كان من اخلاقه بان يكون متكبّرا او زانيا او تاركا للصلاة فيحشر بصورة تقتضيه ملكته و لا يكفى فيه مجرّد الفعل و لا السّريرة المحضة و اما بمعنى ان المناط فى الثواب و العقاب فى الحشر تلك الملكات لا الافعال كما يدل عليه قوله تعالى‏ (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) فان القلب عبارة عن النفس الناطقة و سلامتها عبارة عن خلوّها عن الاخلاق الرذيلة المعبر عنه فى لسان اهل المعرفة بالعدالة و فى لسان اهل الشرع بالتقوى و الايمان فان لها مراتب يعبّر بعضها فى الخلاص عن العذاب و بعضها فى الترقّى الى الدّرجات العالية كما يستفاد من الآيات و الاخبار

33

و اما تعليل الخلود بالعزم فهو اشارة الى ان الكفر تاثيره فى النفس ليس من قبيل تاثير العصيان حيث تأثيره ان اثر العصيان بمنزلة الوسخ القابل للزوال و اما الكافر فهو رجس كالعذرة فالفعل و ان كان فى امر محدود و ايّام معدودة و لكن الفساد ممّا لا يزول بمزيل فانه بمنزلة الذّاتى الّذى لا يتخلف لا اقول ان الكفر ذاتى للكافر بل اقول ان استحقاقه للعذاب انما هو دائر مدار ما اكتسبه من الرجس النّفسانى فاللّعنة الأبديّة من آثار تلك الخباثة الباقية الّتى لا تزول فى النشأة الاخرى ف لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ‏ فالبعد عن الرّب تعالى من لوازم الادبار فى النشأة الدنيويّة الذى لا يزيله شي‏ء فى تلك النشأة الاخرى و اما المؤمن فيزول ادباره حيث انّه بمنزلة الاوساخ بالشفاعة او العذاب ففساد نفس الكافر يبقى و حدوثه باختياره و بقاء الاستحقاق انما هو لبقاء السّبب و ان كان العصيان فى زمان محدود و اما تعليل دخول المقتول فى النّار بارادته قتل صاحبه فالمراد ان التّجرى على القتل علّة للعذاب و اما ما دلّ على العقاب على مقدّمة الحرام فهو من جهة الحرمة النفسيّة و المقدميّة للحرام حكمة لها كما يظهر من الاخبار و عليه الفتوى فى بيع العنب ليعمل خمرا و الخشب ليعمل صنما و غيرهما او الحرام فى هذه الموارد هو الموصل باعتبار عنوان التعاون على الاثم و مع التخلف فليس الّا التّجرى و هذا هو الاظهر و اما ما دلّ على انّ الراضى بفعل قوم آثم فالوجه فيه ان الانكار بالقلب من مراتب النهى عن المنكر و هو واجب و امّا قوله تعالى‏ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ) الآية فالمراد بها كما فى الاخبار الغيبة فكان الحبّ لعدم تخلّفه غالبا عن الاتيان بالمحبوب صار كناية عن العمل و كيف كان فعدم حرمة حبّ شيوع الفاحشة من الواضحات فليس فى ما تمسك به الاستاد العلّامة قده لحرمة القصد دلالة على مرامه كما انه لا دلالة فيها على العفو

تنبيهات‏

و ينبغى التنبيه على امور

الاوّل فى ان الدليل العقلى يدل على الحكم الظاهرى‏

الاوّل‏ قد عرفت ان الدّليل العقلى المعدود من الاربعة انما يدل على الحكم الظاهرى اعنى ان العقل انما يستقل بادراك ما يتعلق بمرحلة الاطاعة و العصيان التى هى ثالثة المراحل دون المرحلة الاولى اى مرحلة صدور الاحكام المولويّة و تعلّقها بموضوعاتها الواقعيّة الّا ما هو فى غاية الندرة نعم له استقلال فى الحكم فى ثانية المراحل ايضا فى الجملة فانّ اعتبار العقل و القدرة فى الجملة و الابتلاء فى هذه المرحلة عقلى لا يمكن التّصرف فيه و كيف كان فالاحكام الشرعيّة امور توقيفيّة لا مسرح للعقل فيها لقصوره عن الاحاطة بجهاتها خصوصا بناء على الحقّ من عدم الملازمة مع ما ترى من ان بناء الشرع على جمع المختلفات و تفريق المجتمعات و يكفى فى ذلك ما فى رواية أبان بن تغلب الّتى وردت فى دية اصابع المرأة فاىّ عقل يدرك ذلك فكيف يطمئن العاقل الخبير بالحكم بالتامّل فى ما بدا له من الجهات و لهذا لا ترى فقيها بل متفقها اعتمد على عقله فى حكم من الاحكام من اول الطهارة الى آخر الدّيات و اما ما يتراءى من كلمات آية اللّه العلامة قده و غيره من الاستناد الى الاقيسة و الاستحسانات فانّما هو فى مقابل العامّة و الّا فالمدرك غير ما ذكره كما لا يخفى على الفقيه الماهر و حيث خفى هذا المعنى على بعض من لا خبرة له فى الفقه و لا

34

بصيرة له باحوال الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) صدر منه ما لا يليق الّا به و لعلّنا نذكر شطرا من ذلك فهل يعذر القاطع بالبراءة اذا كان قطعه حاصلا من دليل عقلىّ او يتنجز عليه التكليف لو قطع بثبوته لا اشكال فى ان العلم علة تامة للتنجّز و لا يعقل نفى هذا الاثر عنه فلا يمكن التفصيل فى اقسامه من حيث الاسباب من هذه الحيثيّة و اما الجهل المركّب و هو القطع بالبراءة مع ثبوت التكليف فانّما يكون عذر الغير المقصّر و الذى يظهر من الاخبار عدم جواز الاستبداد باستنباط الاحكام بالاجتهاد و بذل الوسع فى مراجعة المناطات على ما هو داب المخالفين فلا يعذر هذا الجاهل لتقصيره فى تحصيل هذا الاعتقاد و يستفاد هذا من الاخبار الواردة فى الطعن على اهل الخلاف فى الاستبداد فى الاستنباط بادائهم الفاسدة و انظارهم القاصرة مع ان رواية أبان المشار اليها دلالتها على ذلك فى غاية الوضوح فان أبان كان قاطعا بفساد الحكم و حكم ان الذى جاء به شيطان استنادا الى القياس بالاولويّة القطعيّة و حيث قال متعجّبا سبحان اللّه يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلثون و يقطع اربعا فيكون عليه عشرون اجاب الامام fm~{fm(عليه السلام) بان الاولويّة و ان كانت قطعيّة و لكنه قياس و السّنة اذا قيست محق الدين هذا حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) المرأة تعاقل الرّجل الى ثلث الدّية فاذا بلغ الثلث رجع الى النصف فمحصّل الجواب ان دين اللّه لا يصاب بالعقول فلم يناقش فى تماميّة قياسه و لهذا قال fm~{fm(عليه السلام) مهلا يا أبان انك اخذتنى بالقياس فهو ردعه عن الاعتماد على الدّليل و المسارعة الى الاعتماد على ما بدا له حيث انه محق للدّين لقصور العقل عن الاحاطة بمناطات الاحكام و الحاصل انه لا يعقل ان يقوم دليل على الحكم الشرعىّ اظهر من هذا الدليل و مع ذلك فالاعتماد عليه محق للدّين للتخلف و عدم الاصابة و عدم معذورية الشخص فى الاعتماد على رايه على تقدير التخلف واضح بعد التنبّه لما نبّه عليه صاحب الشرع و اما أبان فقد كان غافلا عن هذا المعنى و حصل له القطع بمجرّد السّماع كما يحصل لكل احد قبل ما يلتفت الى ما فى هذه الرّواية و كلمة مهلا يستعمل فى مقام الشفقة و اظهار الحبّ كما فى قوله (أ فاطم مهلا بعض) الخ فهو زجر على سبيل الارفاق و غاية الملاطفة كما فى ذكر ناقوس (يا ابن الدنيا مهلا مهلا) و توهّم انه توبيخ من الغرائب لعدم دلالتها على ذلك لا لغة و لا عرفا بل لا يجوز استعمالها فى هذا المعنى لعدم العلاقة و لا فى مقام الاهانة لعدم المناسبة مع ان التوبيخ لا يجوز الّا مع التقصير و العصيان و مثله اجل من ذلك فقد قال fm~{fm(عليه السلام) فى حقه اجلس فى مسجد المدينة و افت الناس فانى احبّ ان يرى فى شيعتى مثلك و اما التوبيخ مع القصور فهو ينافى العصمة و مما حققناه ظهر ان المستفاد من هذه الرّواية و غيرها كما ورد فى حق ابى حنيفة و قتادة انما هو عدم المعذوريّة على تقدير مخالفة الرّأي للواقع لا ان نفس امعان النظر فى المقدّمات العقليّة من المحرّمات الذّاتية بل المستفاد من هذه الرّواية خاصة ليس الّا الارشاد الى ان العقل لا يحيط بجهات الاحكام و ان القياس ليس مما يسلك به الى الواقع و بعد هذا التنبيه فلا عذر لمن ركن اليه و اعتمد

35

عليه و امّا قبله فيحصل القطع قهرا من دون امعان النظر و ترتيب المقدّمات كما اتفق لأبان فانه كان فى غفلة من هذا فكشف الامام fm~{fm(عليه السلام) عنه خطائه و نبّهه على ان الحكم الشرعى ليس متفرعا على ما بايدى الناس من المبانى فلا سبيل اليه الّا الاخذ من الصّادقين fm~{fm(عليهم السلام) و الحاصل ان المستفاد من كثير من الروايات ان الاحكام الشرعيّة ممّا لا تصل اليها الافكار و ان الاستقلال لاستنباطها محق للدّين فلا عذر لمن تغافل عن هذا فحصل له القطع من الأقيسة و الاستحسانات و ما فى حكمها حيث خالف الواقع و اما العلم فلا معنى لرفع التاثير عنه و لا دلالة فى الاخبار ايضا على ما ينافى ما قدمناه مع انه لا يعتد بالنّقل المخالف للعقل‏ و عن‏ الفوائد المدنيّة ما ملخّصه انه لا ضابط للحفظ عن الخطاء فى الفنون باسرها و انّما الذى يمكن التحفظ عن الخطأ فيه هو الهيئة و اما المادّة فانما يبعد الخطأ فيها اذا كانت بديهيّة و اما اذا كانت نظريّة كما هو الحال فى اكثر الفنون فلا يعقل ان توضع قاعدة تكفل بفصل الخطاء فيها عن الصّواب و لهذا وقعت المشاجرات بين الفلاسفة حتى ادعوا البديهة على طرفى النقيض فى كون تفرق ماء كوز الى كوزين اعداما لشخصه و احداثا لشخصين آخرين و عدمه و على الوجهين فرّعوا اثبات الهيولى و نفيها و اما الفقه فانما يستند الاختلاف فيه الى ضم المقدّمة العقليّة الى النقليّة فمن اعتمد على ما ليس مادّته قرينة من الاحساس فقد تعرّض للخطاء هذا ملخص كلامه زاد اللّه فى علوّ مقامه و فيه انه لو لم يمكن وضع ضابط يرجع اليه فى تمييز الحق عن الباطل فى مادة القياس ذا كانت بعيدة عن الاحساس لم يمكن تحصيل العلم فى اكثر المسائل مع ان المنطق متكفل بالحفظ عن الخطأ من جهة المادة ايضا ضرورة انها اذا لم تكن بديهيّة فهى مستنتجة باحد الاشكال الاربعة من مادة اخرى بديهيّة او منتهية الى ما هى بديهيّة بالذات‏ و بالجملة لا اشكال فى انّ ما بالغير لا بد ان ينتهى الى ما بالذات و المعلوم بالذات هو البديهىّ فغيره لا يعقل ان يعلم الّا بالانتهاء اليه‏ و من‏ هذا يظهر ان الخطاء ان كان فى اصول المواد فهو خطأ فى البديهيات و ان كان فيما يتولّد منها فهو خطأ فى الهيئة فالخطأ دائما فى احد البديهيّتين و هو فى الاول بعيد فالغالب فيه فى انتهاء مادة الى اخرى باحد الاشكال و لا ينافى ذلك كون المنطق عاصما حيث انه ليس علة تامّة للاعتصام بل انما هو آلة لذلك مع ان ما نقله من اختلاف الاشراقيّين و المشائيّين فى اثبات الهيولى لا يقتضى سقوط المنطق عن الاعتبار على ما زعمه لان غاية ما يفيده الانتهاء الى البديهىّ فاشتباه البديهى او بداهية لا يمنع من الركون الى البديهيّات و لا يخفى على من له ادنى خبرة بالفقه ان الاختلافات فيه ليست مستندة الى الاختلاف فى المقدمات العقليّة بل انما نشأت من الاختلاف فى الدلالة او السند او الترجيح و قد يستند الى الاختلاف فى الاصول العقليّة و هو فى غاية الشذوذ و ليس هذا من ضمّ العقل الى النقل بل انما هو فى مقام قصور اليد عن النقل مع انك قد عرفت ان العقل هو المرجع فى تلك المرحلة و ليست وظيفة المتحيّر ممّا تخفى على العقل و يقصر عن الاحاطة بجهاتها فان المرجع فى معرفة شئون الاطاعة و المعصية

36

هو العقل بل مسائلها اوضح المسائل العقليّة بل جميعها احكام بديهيّة و لا ينافى البداهة ما وقع من الاختلاف فيها فانه غالبا من جهة الاختلاف فى الصّغريات و هو انما نشأ من الادلّة النقليّة و ليت شعرى ان الاختلافات من المجتهدين لو كانت لاجل ما زعمه فاختلاف الاخباريّين فى المسائل لاىّ شي‏ء هو و هل هذا الّا قول زور و من العجب تفريع انحصار السّبيل فى الاحكام على السّماع من الصادقين fm~{fm(عليهم السلام) على ما زعمه انه تفطّن له بحول اللّه تعالى مع انك قد ان عرفت الامر دائر بين النظر فى النقليّات‏ (1) و اما بعد احراز صدور الحكم عن اهل العصمة fm~{fm(عليهم السلام) فلم يتامّل ذو مسكة فى التعبّد به فهل هذا الّا غرور مع انّك قد عرفت انّه ليس فى الفقه لما يزعمه مورد و لا يناسب ما ذكره الّا للرّد على اهل الخلاف لا على اركان الدّين و فقهاء اهل البيت (ع) الذين بذلوا مجهودهم فى الاقتداء بهم و التّتبع لآثارهم جزاهم الله عن الاسلام و اهله خير الجزاء و وفقنا للاقتباس من انوارهم فى الدنيا و شفاعتهم فى الآخرة فقد صدر منه بالنسبة الى آية اللّه العلّامة قده ما يكشف عن قصور باعه و عدم اطّلاعه حيث اغترّ بما يذكره من الاقيسة و الاستحسانات و لم يعرف انها غير مستندة للاحكام بل انما ذكرها فى قبال اهل الخلاف الزاما لهم و ارغاما لانا فهم و لا يستطيع كل احد ان يحيط بما افاده فى كتبه بل لا يهتدى الى مقاصدها الّا الاوحدى و لقد اوضحت ذلك فى ما صنّفته فى ابواب الفقه و الحاصل ان اختلاف الآراء و كثرة الخطاء ليسا مستندين الى ما زعمه بل يكفى فيهما ان العلوم العربيّة الّتى يبتنى عليها استنباط الاحكام من الادلّة السمعيّة فى غاية الصّعوبة و نهاية الدّقة بل لا يحيط بجهات لغة العرب الّا اللّه سبحانه و لهذا فكتاب اللّه تعالى من اعظم المعجزات مع انه لو لم يكن على موازين اللّغة و العرف كان غلطا فالعرف و اللّغة اصعب من اكثر الفنون العقليّة و ليس المعنى العرفى ما يدركه كل احدكما زعمه المغترّون أ لا ترى ان الكتب المصنّفة و الخطب و القصائد قد تبلغ من الغموض ما لا يدركه الّا الاوحدىّ مع انّه معنى عرفى كما ان المنطق امر مركوز فى الاذهان المستقيمة و هو لا يغنى عن المراجعة الى الفنّ المزبور الذى لا يحيط به الّا الاوحدى من الحكماء و من هذا الباب علم العروض هذا و قد اشتهر بين الاخباريّين انكار حجيّة العقل مع اختلافهم فى بعض الاقسام و بعد وضوح الامر فالوقت اشرف من ان يصرف فى التعرض لما صدر عنهم و قد صرّح بعضهم بترجيح النقل عليه عند التعارض فى بعض الصّور و بترجيح العقل عليه فى البعض الآخر و هو من الغرائب لا لانّ تعارض القطعيّين او القطعى و الظّنى غير معقول لاستحالة القطع على طرفى النقيض و كذا القطع و الظّن بخلافه فان دليليّة الدّليل ليست باعتبار افادة القطع او الظن بل انما هى باعتبار الاقتضاء بل لان الترجيح لا معنى له فى المقام‏ بيان ذلك‏ ان العلة انما يترتّب عليها المعلول باستجماع الشرائط و الخلو عن الموانع و المزاحمات فالسّب انّما هو المقتضى و الشرط امر وجودى له دخل فى ترتّب الاثر عليه و المانع امر وجودى يمنع وجوده عنه و ليس لعدمه دخل فى الوجود و المزاحم ما له اقتضاء مناف لاقتضاء المقتضى فقد يتساويان و قد يترجّح احدهما على الآخر

____________

(1) و النظر فى العقليات‏

37

و الدلالة اثر الدليل لا يترتّب عليه مع وجود ما يساويه فى الاقتضاء و منافاته له و هذا معنى التعارض المستقرّ فكل من الدليلين مع قطع النظر عن الآخر يفيد القطع و مع الاجتماع لا يترتب على شي‏ء منهما اثر كما هو الحال فى تزاحم كل سببين متنافيين هذا هو الحال فى الكشف التحقيقى و اما الكشف التنزيلى المجعول فحاله حال الاصلى و انما يتزاحمان بعد التنزيل كالاصلى فلا يترتب على شي‏ء منهما كشف حكمى كما لم يترتّب الكشف التحقيقى على شي‏ء من الاصلين حينئذ فتعارض الدليلين التعبّديّين فرع تعارض القطعيين بالمعنى الذى عرفته و رجحان احد القطعيّين على الآخر لا يجامع استقرار التعارض بخلاف التعبديّين حيث انه يمكن ان تكون هناك جهة تعبّديّة ترجح احدهما على الآخر و قد يتوهّم ان تعارض القطعيّين كالظنّيين حيث كان اعتبارهما من باب الظّن الشّخصى غير معقول لاستحالة اجتماع القطعين و الظنّين على طرفى النقيض و مع العدم فلا دلالة و لا دليل و فيه ان ترتب المعلول على العلّة ليس معتبرا فى عليّتها و الّا لم يعقل التعارض فى التعبّديين ايضا لان الكشف الفعلى التعبّدى ايضا لا يجامع التعارض و الاقتضاء موجود فى المقامين نعم لا يعبّر عن الدلالة الاقتضائيّة فى الدليل القطعىّ بالاعتبار فلا يقال انه معتبر لانّ معناه التنزيل و الحاصل ان التعارض انّما هو فى مرحلة الاقتضاء لا الفعليّة فلا معنى للتّفصيل و الحجيّة ليست صفة للقطع بل انّما الحجّة و الدليل هو سبب القطع و حجيّته عبارة عن اقتضائه له و انما القطع حجة على القاطع على تقدير المطابقة لا له و لا يعقل التعارض فى هذه المرحلة حتى فى التعبّديّين و كيف كان فالترجيح فى القطعيّين ليس امرا اختياريّا بخلاف التعبّديين فانه يمكن ان يتعبّد الشخص باحدهما معينا لما فيه من المزية التعبّديّة او يتخيّر فى الاخذ بهما و لا يعقل شي‏ء منهما فى القطعيين لان دلالته ليست بجعل الشارع لا لان التعارض غير معقول كما يتوهم هذا حال الادلة العقليّة فى الاحكام الفرعيّة و اما الاصول الاعتقادية فما يجب فيه الالتزام كالتوحيد و النبوّة و الامامة فالعقل هو الحاكم فيه و لا يعذر احد فيه مع التقصير و اما معرفة صفات الائمّة fm~{fm(عليهم السلام) و تفاصيل الجنّة و النّار و غيرهما كحقيقة سؤال القبر فممّا لم يكلّف النّاس به بل كثير منها مما سكت اللّه عنه و امر النّاس بالسكوت عنه كمسألة القضاء و القدر فلا يجوز لاكثر النّاس التعرّض لها و لا يعذر اذا خالف الواقع للمنع عنه من الشارع فى مواطن كثيرة و فى مثله هلك من هلك من الاساطين فذهب جمع الى انكار المعاد و المعراج الجسمانيّين و اغترّ كثير من المتألّهين بما صدر عن مميت الدّين من وحدة الوجود فاختاروا مذهب النصارى الذين لعنوا بما قالوا و اسخطوا اللّه تعالى فى مقالتهم بانّ اللّه تعالى ثالث ثلاثة فضلّوا و اضلّوا من حيث لا يشعرون و لقد اولع امامهم فى هذه المقالة الملعونة حتّى قال ان الله تعالى شاء ان يعبد فى كلّ صورة فتارة فى صورة عجل السّامرى و تارة فى صورة فرعون و يقرب منه القول بسريان الحقيقة المحمّدية فى الموجودات فقد هدموا اركان الدّين و لعبوا بشريعة سيّد المرسلين لاستبدادهم بآرائهم‏

38

الفاسدة و اعتمادهم على افهامهم القاصرة كما انّ فرقة اخرى ذهبوا الى قدم العالم زمانا و كذبوا الانبياء من حيث لا يشعرون استنادا الى ان الارادة عين الذّات و قدم العلة يستلزم قدم المعلول و حيث ان الواحد لا يصدر منه الّا الواحد فلم يصدر منه تعالى بلا واسطة الّا العقل الاول و اذا لاحظت برهانهم على اثبات العقول رايته يضحك الثكلى حيث انهم اكتفوا فى تحقق جهات الكثرة فى العقل بتعدد المعقول مع انّ علم العقل عندهم بالحضور لا بالحصول فتعقله لربّه ليس له تحصّل مغاير لتعقّله لنفسه بل هو تغاير اعتبارىّ بل لا فرق بين العالم و العلم و لهذا صرّحوا باتحاد العلم و العالم و المعلوم فى علم الشخص بذاته حيث انّه ليس الّا حضوره عند نفسه و هو امر اعتبارى و وجوده بوجود منشأ انتزاعه و مثل هذا الاختلاف و التّعدد الاعتبارى متحقق فى حق الواجب تعالى ايضا و لا ينافى ما يقتضيه وجوب الوجود من الوحدة التحقيقيّة مع ان الارادة على تقدير كونها عين العلم بالاصلح فليست عليّتها للاشياء مقتضية لمقارنتها لها فى الوجود بل هذا ينافى العلّيّة فان مقتضاها ان يتحقق الشي‏ء على ما هو اصلح و هو عبارة اخرى عن تحقّقه على ما اراد فحيث ما اراد اللّه تعالى حدوث الحوادث على ما نراه فليس حدوثها تاخّرا للمعلول عن العلّة و تخلّفا للاثر عن المؤثر بل انما هو مؤكّد للعليّة حيث ان العلّة اقتضت وجود المعلول على هذا النّحو و بما حققناه تستغنى عن الجواب بانه شبهة فى مقابلة الضّرورة المنبئ عن العجز و بالجملة فالاستبداد باستنباط هذه المسائل و سلوك تلك المسالك يترتب عليه ما ترى من الضّلال و الغواية و انما اشرت الى قليل من كثير مع غاية الايجاز تنبيها للغافل و ارشاد الجاهل‏

الثانى فى حجية العلم و انّ الجهل عذر بالذات‏

الثانى‏ قد ظهر ممّا مرّ ان العلم لا يعقل نفى الحجيّة عنه و اما الجهل فهو عذر بالذات و للشارع ان لا يعذر صاحبه بان يوجب عليه الاحتياط او يلزمه بالتّحفّظ عن الغفلة و الوقوع فى الجهل المركّب و هل يعذر القطاع حيث خالف قطعه الواقع مع تمكنه من التحفظ لا اشكال فى العدم بالنسبة الى ما هو من قبيل حفظ النفوس ممّا ليس الجهل فيه عذرا و اما بالنسبة الى غيره فالظاهر انه كذلك حيث ادى الى الوقوع فى خلاف الواقع كثيرا بحيث يعلم انه خلاف غرض الشارع و هذا يختلف باختلاف الموارد و التميز انما هو بنظر الفقيه الماهر و يظهر ممّا حققناه حكم وجوب ردعه على الغير و عدمه و لا ينافى ذلك عدم تمكّنه من التعبّد على خلاف قطعه حال حصوله فان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار بالضرورة هذا حال القطع اذا لم يكن فيه جهة موضوعيّة و اما الموضوعى منه فلا اشكال فى انه منصرف الى ما يحصل على النحو المتعارف‏

الثالث فى انّ العلم علّة تامة للتنجز على العالم‏

الثالث‏ انّ الّذى تبيّن ممّا حققناه ان الانكشاف التام الذى هو عبارة عن العلم علة تامّة للتّنجز على العالم فمن انكشف له التّكليف لا يعقل ان يعذر فى المخالفة لتحقّق العلّة التامّة للعصيان و ان لم يعرف متعلّقه و تردّد بين امرين او امور فان عدم معرفة الموضوع ليس من الجهل بالحكم و التصديق انما يتوقف على التصور فى الجملة لا على المعرفة تفصيلا و يعبر عن هذا فى هذا الفنّ بالعلم الاجمالى و لكنه عند اهل المعقول عبارة عن معنى آخر و بالجملة فالمكلّف انما يعذر حيث خفى عليه التّكليف و كان جاهلا به و اما بعد انكشافه‏

39

له فلا قبح فى عقابه على مخالفته لتحقق حقيقة العصيان و التمرّد و عدم معرفة المتعلق ليس من الجهل بالحكم فالعالم بوجوب احد الامرين من الظّهر و الجمعة عليه او حرمة احد ما يعين ليس جاهلا بالتكليف و قد يتوهّم ان وجوب الظّهر بالخصوص مجهول و كذا وجوب الجمعة فهو جاهل بحكم كلّ واحد من الامرين بالخصوص‏ (1) مرجعه الى عدم معرفة المتعلّق لان احدهما ليس امرا مغايرا للامرين بل ليس مفهوما مشتركا بينهما ضرورة الفرق بين الاشتراك و الشّيوع و التردّد و الابهام و لهذا فالنكرة جزئى لا كلّى و الى هذا ينظر قول النحويّين ان ما و من و اشباههما لطلب التصوّر و بالجملة فهو خلط بين التصور و التّصديق و ليس الغرض من التصور مجرّد الخطور فى الذّهن فان الشاكّ فى ان الانسان حيوان ناطق لا يعرفه بل لا بد فى المعرفة من الجزم بالنّسبة و اليه الاشارة بقولهم معرف الشّي‏ء ما يقال عليه اى يحمل فان الغرض هو الحمل فى الذّهن فان القضيّة العقليّة هى المناط فى المعرفة و كون الصّورة صورة القضيّة بالاشتمال على الموضوع و المحمول و النسبة و صحّة التّعبير عن عدم المعرفة بالشّك و عنها بالعلم و الجزم لا ينافى عدم كونها قضيّة فى التحقيق و عدم كون هذا الجزم من التصديق فى شي‏ء و لتوضيح الحال فيه مقام آخر و كيف كان فالشك الذى هو موضوع للاصول العقليّة و الشّرعيّة ليس عبارة عن فقد المعرفة مع العلم بالحكم و هذا فى الاصول العقليّة فى غاية الوضوح و لبيان عدم دليل شرعى يدلّ على خلاف ذلك كقوله fm~{fm(عليه السلام) حتى تعرف الحرام منه بعينه مقام آخر و الغرض هنا انما هو التنجز فى الجملة اى عدم المعذوريّة فى المخالفة القطعيّة و لا يعقل التعبّد بخلافه و لا فرق بين العلم الاجمالى و التفصيلى من هذه الحيثيّة و انّما يفترقان فى جواز التعبّد بعدم وجوب الموافقة القطعيّة حيث ان وجوبهما انما هو لدفع الضّرر المحتمل و للمولى دفع هذا الاحتمال و الاكتفاء بالموافقة الاحتماليّة فان المحذور انما هو الترخيص فى العصيان و اما الترخيص فى ما يحتمل ان يكون على خلاف الواقع فليس من هذا الباب و ظهر ممّا حقّقناه انه لا فرق بين الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة كما انه لا فرق بين ان يكون المعلوم بالاجمال خطابا واحدا او مردّدا بين خطابين لان المناط انما هو الانكشاف التّامّ المعلوم تحققه بالفرض و حكومة الاصول العمليّة فى الشبهات الموضوعيّة على ادلة الاحكام لا تنفع فى المقام لان التحقيق عدم جريانها مع العلم و ان كان اجماليّا لان عدم معرفة الموضوع ليس جهلا بالحكم فيشمله ادلة الاصول و قد يتوهم انها تجرى فى اطراف العلم و لكنه يوجب تعارضها فتتساقط و هو من الوهن بمكان فان التعارض لا يعقل الّا بين الدليلين و اما الاصل الذى ليس الّا الوظيفة ففى كل مقام امر معيّن مخصوص و لا تجتمع الوظيفتان المتناقضتان حتى تتعارضان فانها امور مرتبة و لا يعقل اجتماع اثنين منها لاختلاف الموضوعات و قد اوضحنا الحال فيه فى مبحث التعارض هذا اذا كان الاجمال فى متعلق الحكم او فيه نفسه و امّا اذا كان الاجمال فى المكلّف فهو امّا من جهة تردد الواقع بين شخصين و امّا من جهة دوران امر الشخص بين عنوانين اما الاوّل كواجدى المنى فى الثوب المشترك فلا اشكال فى عدم تنجّز التكليف عليه حيث انه لا يعلم بكونه مكلّفا و العلم بتوجّه التكليف اليه او الى صاحبه مرجعه الى العلم بانه امّا

____________

(1) و يندفع بانّه عبارة اخرى معرفة المتعلّق فان بثبوت الحكم لاحد مع الجهل بحكم كل بالخصوص صح‏

40

مكلّف بذلك التكليف او غير مكلف و هو فى الحقيقة شكّ بدوى فى التكليف فان تكليف الغير لا اثر له بالنّسبة الى الشخص و اما الثانى كالخنثى المردّدة بين الذكر و الانثى فلا اشكال فى وجوب الاحتياط عليها لعلمها بتوجه احد الخطابين اليها فيجب عليها الغضّ عن ما عدا المحارم لان وجوب الغض معلوم و عدم معرفة الواجب ليس عذرا و يحرم عليها التزين بما يختص به كلّ من الطائفتين و اما غيرها فيجوز له النظر اليها فانه شبهة موضوعيّة و لا اشكال فى عدم وجوب الاحتياط فيها و لا معنى للرّجوع الى العموم مع الشّك فى المصداق و ليس الشك هنا فى المانع بعد احراز المقتضى بل الشّك فى المقتضى و اما التّزوّج فلا اشكال فى عدم جوازه لوجوب احراز الموضوع و التخالف فى الذكوريّة و الانوثيّة شرط لتحقق علقة الزوجيّة و احراز صلاحيّة المحلّ بالعموم غير معقول ضرورة تباين العلّة الفاعليّة للعلّة الماديّة و بالجملة فيجب حفظ الفرج الّا على الزوج و ملك اليمين و المستثنى يدور مدار عنوان لا يعلم بتحققه الّا بعد احراز المخالفة المشكوك فيها فى المقام هذا حال المخالفة العمليّة و اما المخالفة الالتزاميّة بمعنى ترك الالتزام اى عقد القلب على الحكم المعلوم بالاجمال فلا اشكال فى جوازه لان عقد القلب و التديّن انّما يجب فى الاصول لا فى الفروع بل هذا هو الفارق بين الاصول و الفروع فان الاصلى ما يطلب فيه الاعتقاد اى عقد القلب و الفرعى ما يتعلّق بالعمل اى لا يطلب من المكلف فيه عقد القلب عليه بل انما يتعلق بعمله سواء فى ذلك الاحكام التكليفيّة و الوضعيّة و اما الالتزام بالمحتمل فغير جائز لانه تشريع محرم و اولى منه بعدم الجواز الالتزام بحكم ثالث كالالتزام بالاباحة فى ما اذا دار امره بين الوجوب و الحرمة نعم مقتضى وجوب الامتثال الاحتمالى مع العجز عن العلمى كما فى دوران الامر بين الوجوب و الحرمة ان يكون العمل مطابقا لاحدهما فيتعيّن عليه ما اختاره من الفعل و التّرك و ليس هذا من التخيير البدوى لانه يعتبر فيه الالتزام و قد عرفت انه فى المقام محرم و قد يستدل على ان وجوب الالتزام بان فى تركه مخالفة تدريجيّة عن قصد من غير تعبّد بحكم ظاهرىّ و فيه ان مجرّد الالتزام لا يجعل ما التزم به حكما ظاهريّا بل لا بد من دليل يدل عليه كما فى التقليد و تعارض الخبرين فى وجه و اما فى المقام فلا دليل على مشروعيّة الالتزام و اضعف منه التمسّك بفحوى اخبار التخيير عند التعارض فانه لو سلّم الحكم فى الاصل فلا يجوز القياس عليه لعدم العلم بالمناط فيقتصر على مورده بل ظاهر الدّليل اختصاص الورود عن الامام fm~{fm(عليه السلام) بجواز الاخذ به من باب التسليم هذا مجمل الكلام فى العلم الاجمالى من حيث التنجّز و هل هو كالعلم التفصيلى فى مرحلة الامتثال و تحصيل الفراغ لا شكّ ان مقتضى الاصل الاوّلى ذلك لان غاية ما يستقل به العقل بعد التنجّز انّما هو تحصيل اليقين بالفراغ و دفع الضّرر المحتمل بمعنى عدم المعذوريّة فى ترك الامتثال و اما وجوب معرفة المكلّف به تفصيلا و تعيينه فلا وجه له سواء توقف على التكرار ام لا و دعوى الاجماع على البطلان فى ما اذا توقّف على التكرار ممنوعة و يظهر من الرضى و المرتضى (قدس سرّهما) الاجماع على وجوب العلم باحكام الصّلاة تفصيلا و هو غير ثابت بل خلافه محقق و كيف‏

41

كان فتردد المكلّف به بين امور غير قادح فى تحقق ماهيّة الاطاعة سواء كانت الشبهة موضوعيّة او حكميّة و لو تمكن من العلم التفصيلى و منه يظهر الحال فى ما دار الامر بين التفصيل و الاجمال و اما اذا دار الامر بين العلم الاجمالى و الظن التفصيلى الخاص فلا اشكال فى ان الاوّل مقدّم على الثّانى بمقتضى القواعد لانّ الحجيّة في الظن ليست الّا بتنزيله منزلة العلم فهو مرتّب عليه لا محالة و لا يعقل تقدّمه حتّى على العلم الاجمالى بحسب الاصل الاوّلى يعنى فى مرحلة الاطاعة نعم يمكن ان يعتبر معرفة المكلّف به تفصيلا بحسب الشرع و لو ظنا فح يتقدم على العلم الاجمالى و لكنه ليس من حيث الاعتبار و فى تحقق ماهيّة الامتثال من حيث هى هى‏ (1) لا يعقل التصرّف فيها و لهذا فالاحتياط فى العدول عن العلم الاجمالى الى الظنّ التفصيلى خصوصا فى ما توقف على التكرار و اما الظن المطلق اى الثابت اعتباره ببرهان الانسداد فلا معنى لتقدّمه على العلم الاجمالى كما يظهر من ملاحظته مقدماته الّتى منها عدم وجوب الاحتياط

خاتمة فى العلم التفصيلى‏

خاتمة قد تبين ان العلم علّة تامّة لفعليّة آثار متعلّقه من غير فرق بين الموارد و من الواضح ان العلم التّفصيلى لا فرق فيه بين ان يتولّد من العلم الاجمالى و بين غيره فمن علم ببطلان صلاته اما من جهة فقد ركن او الطّهارة لا يعقل ان يعذر فيها لاجل الاجمال فى السّبب و لكن قد ورد فى الشرع موارد يوهم خلاف ذلك فلا بدّ لدفع هذا التوهّم من الاشارة الى اسرار احكام تلك الموارد دفعا لهذه الشبهة منها تنصيف الدّرهم فى ما لو كان عند الودعى لواحد درهمان و لآخر درهم فتلف واحد مردّد فان لصاحب الدّرهمين درهما و نصفا و لصاحب الدرهم نصفا فلو اخذ الدرهم المشترك ثالث علم تفصيلا بعدم انتقاله من مالكه و السرّ فيه انّ العمل على الواقع حينئذ غير ميسور فان مقتضى قاعدة العدل و الانصاف تسوية الشخصين فى المال المردّد بينهما و هذا هو السّر فى الحكم بالاشتراك فى جميع موارد الاشتباه كما لا يخفى على من له خبرة فى الفقه و قد فصّلنا الكلام فيه فى رسالتنا فى الصّلح و بالجملة فهذا ليس من جهة ان العلم لا اثر له بل انّما هو من جهة عدم التمكن من العمل بالواقع و هو اقرب الطرق الى الجمع بين الجهتين بمعنى انّ ترجيح احدهما على الآخر ظلم بحسب الظاهر فلا مناص عن التشريك و مقتضى ترتيب آثار الشركة جواز اخذ الثالث المجموع منهما و لذا يحتالون فى تحصيل الشركة بالخلط كما لا يخفى على من لاحظ كتاب الشركة و منها تغريم من اقرّ بمال لشخص اوّلا و لآخر بعد ذلك فان الثالث لو اجتمع عنده الاصل و البدل و اشترى بهما ما لا علم بعدم انتقاله اليه فى الواقع تفصيلا و السرّ فيه ايضا ما تقدّم من عدم امكان العمل على الواقع فان مقتضى نفوذ الاقرار ذلك و ان علم بان احد الاقرارين لا اثر له حيث انه لا ترجيح لواحد ممّن اقرّ له على الآخر الّا فى التخصيص بالعين و بالجملة فالمسوغ للتنصيف و التغريم هو المسوّغ للجمع بين المالين فانا نعلم تفصيلا ان التنصيف ايضا غير جائز فى الواقع لانه ليس مشتركا قطعا كما انّا نعلم انّ التغريم فى غير محلّه حيث ان المقرّ له امّا يستحق العين المقر بها لصاحبه و امّا لا يستحق شيئا فاستحقاق البدل معلوم العدم تفصيلا و لكن بمقتضى الاقرار لا مناص عن التغريم و لو اقرّ لالف للجهل بالمستحق فهو

____________

(1) فانها من حيث هى صح‏

42

بمقتضى‏ (1) الاقرار حال بين المالك و ما له فعليه الغرامة و لا مناص عن ترتيب آثار الملكيّة على العين و البدل بالنسبة الى كلّ واحد ممّن اقرّ له‏ و منها الحكم بانفساح العقد فيما لو تنازع المتبايعان فى الثمن او المثمن او تنازعا فى ان الانتقال هل هو على سبيل المعاوضة او على وجه المجانية كالهبة و الصّدقة فانه لا سبيل الى العمل على المعلوم من الانتقال المال فمع كونه معلوما لا يترتب آثاره و ليس هذا من عدم اعتبار العلم بل انما هو لعدم التمكن من العمل عليه‏ و منها حكم البعض بصحّة ايتمام احد الشخصين المعلوم جنابة احدهما بالآخر و كذا المعلوم نجاسة بدنه او لباسه و السرّ فيه ان المناط فى صحّة الايتمام صحّة صلاة الامام عنده لا فى الواقع‏ و قد يجاب عن مسئلة تنصيف الدّرهم بانه مصالحة قهريّة و لا يخفى على الفقيه فساده لما عرفت من انه مقتضى قاعدة العدل و ليس حكما تعبّديا ثابتا فى خصوص المسألة كى يحمل على ذلك و كانه اغترّ بذكر المسألة فى باب الصّلح و كذا الحال فى الجواب عن مسئلة اشتباه الثمن او المثمن و ما يشبهه بانّه تقاص شرعى قهرى فان من انتقل عنه المال اولى بماله ما لم يكن سبيل الى استيلاء الغير عليه و هذا هو السرّ فى انفساخ المعاوضات بتلف احد العوضين قبل القبض و السّلطنة على الفسخ عند تعذر القبض او الامتناع فان الانفساخ فى الاول و الفسخ فى الثّانى ليس الّا لان المالك اولى بماله و ان انتقل الى الغير لان المعاوضة قبل القبض غير تامّ فانّها انما تتم بالاقباض و منه يظهر السرّ فى سلطنة البائع على الامتناع من اقباض المبيع قبل قبض الثمن او بالعكس فان حقيقة السلطنة على الامتناع من الاقباض هو السّلطنة على ان يعامل معه معاملة الملك على تقدير الياس فان الامتناع من الاقباض انما هو لهذا فانه لا فائدة فى الامتناع الّا ذلك لا ان المال يبقى عنده حتى مع اليأس امانة و التقاص لا يعقل ان يكون كذلك ضرورة اختلاف الصّور فقد يكون المسمّى اقلّ من البدل الحقيقى و قد يكون اكثر و بالجملة فالفقيه لا يخفى عليه فساد هذا و اشباهه و هذه جملة القول فى العلم التفصيلى و الاجمالى‏

فى التعبّد بالظن و فيه مقامان‏

و يلحق بهذا الباب البحث عن التعبّد بالظّن و فيه مقامان‏

المقام الأول البحث عن الإمكان‏

الاول‏ البحث عن الامكان و قد غرى الخلاف فيه الى ابن قبة قده من اصحابنا و سيتّضح خلافه إن شاء الله اللّه تعالى و كيف كان فالحقّ الامكان بمعنى انه لا يلزم من التعبّد به محال او قبيح لعدم ما يصلح للمنع الّا ما توهّم الخصم و سيظهر فساده إن شاء الله اللّه تعالى كما يظهر فساد توهّم الوجوب فاذا لم يكن ما يرجح احد الطّرفين تساويا و هو معنى الامكان و بالجملة فمحصّل النزاع هو الامكان المقابل للوجوب و الامتناع و هو بهذا المعنى مختار الجمهور و ادعوا بديهته ففى مختصر الحاجبى‏ مسئلة التعبّد بخبر الواحد العدل جائز عقلا خلافا للجبائى لنا القطع بذلك و فى شرح القاضى و هو ان يوجب الشارع العمل بمقتضاه على المكلّفين جائز عقلا خلافا لابى على الجبائى لنا القطع بذلك فانا لو فرضنا ان الشارع يقول للمكلّف اذا اخبرك عدل بشي‏ء فاعمل بموجبه و عرضناه على عقولنا فانا نعلم قطعا انه لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته‏ و قال‏ سلطان المحقّقين (قدس سرّه) اى ممكن لا امتناع فيه من جهة العقل سواء كان امتناعا ذاتيّا او غيريّا و خصّص بالعقل لان كونه‏

____________

(1) نفوذ

43

ممتنعا بالامتناع من جهة الشرع اى نهى الشارع عنه مقام آخر سيجي‏ء فالمراد بقوله لذاته فى قوله لم يقع من فرض وقوعه محال لذاته فى تقرير الدليل المختار مقابل الشرع سواء كان بالذات او بالغير لينطبق على المدّعى فانه لا شك انه ليس المدعى الامكان الذاتى الحكمى فانه لا يقع البحث فيه فى الاصول و تبعه المحقق جمال الدين قده حيث قال اى محال يحكم العقل باستحالته مع قطع النظر عن الشرع سواء كان بالذات او بالغير المنطبق على المدّعى فانه لا شكّ ان المدعى ليس هو الامكان الذاتى الحكمى فانه لا يقع البحث فيه فى الاصول كما افاده بعض الفضلاء ثم ان ما يذكره فى المسألة الآتية لاثبات الوقوع يدل على المطلوب فى هذه المسألة ايضا و هو ظاهر انتهى و فى الشرح تعالوا اوّلا انه و ان لم يكن ممتنعا لذاته فهو ممتنع لغيره و لانه يؤدّى الى تحليل الحرام و تحريم الحلال بتقدير كذبه فانه ممكن قطعا و ذلك باطل و ما يؤدّى الى الباطل لا يجوز عقلا قال سلطان المحققين قده هذا هو الامتناع الذاتى المقابل للغيرى فاشار الجبائى الى ان دليلكم انما يتمّ فى عدم الامتناع الذاتى المقابل للغيرى مع ان مدّعاكم عدم الامتناع مطلقا عقلا و لا يتم فى عدم الامتناع الغيرى و هذا لا لانّه حمل قوله لذاته فى الدليل المختار على مقابل الغيرى بل لان الدعوى فى المطلق لا يتمّ اذ الدّليل قائم بزعمه على الامتناع الغيرى كما قرر و هذا بطريق الاشارة و الّا فمطلوبه اثبات الامتناع مطلقا فت و قال‏ جمال الدين قده هذا امّا بناء على حمل المحال لذاته فى كلام المستدل على مقابل المحال الغيرى و غرضه ان المدعى هو ان العقل لا يحكم باستحالته اصلا و ما ذكرتم من الدليل على عدم استحالته لذاته فلا يتم التقريب او انه حمل المحال لذاته على ما ذكرناه من المحال العقلى لكن غرضه المنع عليه و ان المسلم هو عدم الاستحالة لذاته بالمعنى المقابل للغيرى لا بالمعنى الذى ذكرتم فان لنا دليلا على الامتناع الغيرى فهذا ايراد على الدليل المختار و اثبات لمذهبه جميعا و هذا كما افاده بعض الفضلاء قرينة على ان المدّعى هو عدم الامتناع عقلا مط فت انتهى فانظر الى هؤلاء الاعلام ان كلماتهم تنادى على ان محل الكلام انما هو الامكان بالمعنى المقابل للوجوب و الامتناع اما كلام الحاجبى فلان الامكان لو كان بمعنى الاحتمال لم يكن معنى لدعوى القطع لان الامكان بمعنى الاحتمال عبارة عن الجهل و اظهار الجهل فى مقابل الخصم المدعى للعلم بالاستحالة او الوجوب لا محصّل له و التمسك له بالقطع اوهن فان محصّله على هذا التقدير انا جاهلون بحال التعبّد بالخبر و انه الامتناع او الوجوب و دليلنا على جهلنا قطعنا بالجهل ان‏ قلت‏ ان الاشكال متوجّه على تقدير دعوى الامكان بمعنى سلب الضرورة عن الطرفين ايضا فان القطع عين الثبوت لا الوسط فى الإثبات‏ قلت‏ ان هذا ليس استدلالا و انما هو عبارة اخرى عن دعوى الضرورة فكانه قال انّا بعد تدقيق النظر و ملاحظة الجهات نعلم ضروريّا بعدم الاستحالة على ما صرّح به الشارح الفاضل حيث فسّره بالاحالة الى الوجدان و امّا صراحة كلام غيره فاظهر من ان يبيّن فان الامكان بمعنى الاحتمال لا ينقسم الى الذاتى و الغيرى و الوقوع لا يتفرع على الاحتمال بل انما يتفرع على انتفاء الضرورة من طرف العدم‏

فى جواز التعبّد بالخبر الواحد عقلا

و فى‏ المعارج يجوز التعبد بالخبر الواحد عقلا خلافا لابن قبة

44

(قدس سرّه) من اصحابنا و جماعة من علماء الكلام‏ لنا ان التعبّد يجوز اشتماله على مصلحة فيجب الحكم بجواز التعبّد اما الاولى فلان المانع من اشتماله على المصلحة هو ما يذكره الخصم و نحن نبطله و امّا انّه اذا كان كذلك وجب الحكم بجواز التعبّد به فلان الشرائع مقرونة بالمصالح و الحكمة الالهيّة موكولة برعايتها فيجب فى الحكمة مهافتة الشارع على نصّها به انتهى و هذا عبارة اخرى عمّا قرره الحاجبى و اقرّه عليه الفضلاء و لم ينكروه عليه‏ و قال‏ شيخ الطائفة قده فى العدّة فامّا من قال لا يجوز العمل به عقلا فالذى يدل على بطلان قوله ان يقال اذا تعبّد اللّه بالشي‏ء فانما يتعبّد به لانه مصلحة لنا و ينبغى ان يدلّنا عليه و على صفته الّتى اذا علمناه عليها كان مصلحة لنا و صحّ منّا ادائه على ذلك الوجه و لا يمتنع ان يختلف الطرق التى بها نعلم ان اللّه سبحانه تعبّدنا به كما لا يمتنع اختلاف الادلّة الّتى بها يعلم صحة ذلك فاذا صحّت هذه الجملة لم يمتنع ان يدلّنا على انه قد امرنا بان نفعل ما ورد به الخبر الواحد اذا علمناه على صفة ظنّنا انه صادق كعلمنا انّه تعبّدنا بما انزل من القرآن و ان كان احدهما قد علق بشرط و الآخر لم يعلّق به و اذا صحّ هذا و كان صورة الخبر الواحد هذه الصورة فيجب ان لا يمتنع ورود العبادة بالعمل به و الذى يبيّن ذلك ايضا ورود العبادة بالشهادات و ان لم يعلم صدقهم و جرى الحكم بقولهم فى انه معلوم مجرى الحكم بما علمناه بقول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و ليس لاحد ان يقول اذا لم يصحّ ان يتعبّد اللّه بالقبول من النّبى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بلا علم معجز يظهر عليه فبان لا يجوز القبول من غيره اولى و ذلك ان فقد ظهور العلم على الرّسول يقتضى الجهل بالمصالح الّتى لا يعلم الّا من جهته فليس فى فقد الدلالة على صدق خبر الواحد ذلك لانّه يصحّ ان يعلم بقول النبى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) وجوب ما اخبر به الواحد فيصير فى حكم علم قد ظهر عليه و ان جوزنا كونه كاذبا فيه لانه لا يمتنع ان يكون الواجب علينا ترك سلوك الطريق اذا خوّفنا الواحد من سمع فيه او لصّ و ان كان كاذبا ثم‏ هذا يوجب عليه ان لا يحكم بشهادة الشهود مع تجويز ان يكونوا كذبة كما لا يقبل من الرّسول الشريعة الّا بعلم يدل على نبوّته فان قالوا و لم لا يجوز ان يعلم ايضا بقول نبىّ متقدّم وجوب تصديق نبىّ آخر يجي‏ء بعده و العمل بما معه مثل ما قلتموه فى خبر الواحد من انه يعلم وجوب العمل به بقول النّبى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قيل له ان كان سؤالك عن وجوب العمل بما يجي‏ء به انسان فى المستقبل فهذا هو معنى قبول خبر الواحد و جواز العمل به بعينه فذلك جائز و ان كان سؤالك عن تصديق نبىّ يجي‏ء فذلك طريقة العلم لا العمل فلا يجوز ان يعمل بقوله لانا بيّنا ان خبر الواحد لا يوجب العلم اللّهم الّا ان تفرض المسألة فيقال ان النّبى المتقدّم ينص لنا على صفة من يدّعى النبوّة و يقول من كان عليها و ادّعى النبوّة فاعملوا انه صادق فان ذلك جائز و يكون ذلك نصّا على نبوّته و ما دلّ على صدقه دالّ على تصديق هذا و ان كان بواسطة فبطل بهذا التجويز جميع ما تعلق به فهذا الباب فان قالوا لو جاز قبول خبر الواحد فى الفروع لجاز ذلك فى الاصول و فى ثبوت القرآن لانّ‏

45

جميع ذلك من مصالح الدّين فاذا لم يصحّ ذلك فى بعضه لم يصحّ فى سائره قيل له انه ما كان يمتنع ان يتعبّد بقبول خبر الواحد فى اصول الدّين كما تعبّدنا الآن لقبوله فى فروعه و ان كان و لا بدّ من قيام الحجّة ببعض الشّرائع فامّا اثبات القرآن فان كان ما يرد على مثل القرآن و على صفته فى الاعجاز صحّ ان يتعبّد به لانّ كونه على هذه الصّفة يوجب العلم و ان كان ما يرد لا يكون بصفة القرآن من الاعجاز فانّه لا يمتنع ايضا ورود العبادة بالعمل به من غير قطع على انه قران مثل ما قلناه فى الخبر الواحد و كذلك ما كان يمتنع ان يتعبّد بتخصيص عموم القرآن و نسخه بخبر الواحد و ان كان لم يقع ذلك اصلا لان الكلام فى ما يجوز من ذلك و ما لا يجوز فليس لاحد ان يقول اوجبوا العمل به كما اجزتموه لان ايجاب العمل يحتاج الى دليل منفصل من دليل الجواز انتهى و انما نقلناه بطوله لان فيه مواضع تشهد على ما حققناه و قال بعض من قارب عصرنا التعبّد بالخبر الواحد المجرّد عن القرائن المنفصلة جائز عقلا خلافا لابن قبة قده و جماعة من علماء الكلام و الجبائى من العامة لنا القطع بان الشارع لو قال اذا اخبرك شخص بشي‏ء عنّى ما لم يخالف صريح العقل فاعمل بموجبه و عرضناه على عقولنا لم نحكم بلزوم محال او قبيح منه لذاته او لغيره انتهى و قد سلك الفاضل القمّى (قدس سرّه) هذا الملك حيث قال و الحق انه يجوز التعبّد به عقلا اى لا يلزم من تجويز العمل به محال او قبيح بلا خلاف من اصحابنا الّا ما نقل عن ابن قبة (قدس سرّه) انتهى و لقد اغرب صاحب الفصول قده حيث خفى عليه محلّ النزاع فزعم ان الفاضل القمّى قده اختصّ بهذا التقرير فانكر الامكان الذى اتفق عليه اصحابنا قديما و حديثا بل المحقّقون من مخالفينا ايضا فقال ان التحقيق ان القائلين بالجواز ان ارادوا به الجواز بمعنى عدم حكم العقل فيه بالامتناع و القبح الواقعيّين كما يظهر من احتجاجهم عليه بالضّرورة فالحق هو الجواز و المستند ما ذكروه و ان ارادوا به الجواز الواقعى بمعنى ان العقل يحكم بانه لا قبح فى العمل به واقعا و انه لا يمتنع منه عقلا بمقتضى الحكمة ان يكلّفنا بالعمل به كما يظهر من بعض المعاصرين فالحقّ بطلان القول بالجواز كالقول بالامتناع اذ ليس العمل بالخبر الواحد ممّا يدرك العقل جهاته الواقعيّة حتى يحكم فيه بجواز او امتناع و ان ارادوا به الجواز الظاهرى بمعنى عدم القبح ما لم ينكشف الخلاف فان اعتبر مطلقا فالحقّ خلافه لان العقل لا يستقل بجواز الاعتماد على خبر الآحاد فى معرفة الاحكام و لو مع التمكّن من العلم و لو خصّ بصورة الانسداد فلا ريب فى ثبوت الجواز لكن يبعد جدّا التزام المانع بالمنع فيها بل ظاهر كلامه ينصرف الى غيرها اذ لزوم التكليف بالمحال على تقديره جليّ و الذى ينبغى للمانع حينئذ ان يحيل الفرض المذكور لا ان يمنع عن حجيّة خبر الواحد على تقديره انتهى و لا يخفى ما فيه فان عدم احاطة العقل بجهات هذه المسألة امّا لقصور فيه يمنع عن احاطته بجهات المسائل مطلقا و امّا لغموض فى هذه المسألة و كونها من الاسرار الّتى يستحيل احاطة العقل بجهاته اما الاول فواضح الفساد فانه يستلزم عدم استقلال العقل بحكم من الاحكام النظريّة فى الاصول و الفروع و ساير الفنون و كلامه لا يحتمل هذا المعنى بل هو صريح فى الثّانى حيث خصّ العمل‏

46

بالخبر الواحد بعدم كونه مما يدرك العقل جهاته الواقعيّة و اما الثانى فهو ايضا واضح الفساد اذ المسائل الّتى يدعى هذا الفاضل قده الاحاطة بجهاتها ليست باوضح من تلك المسألة ان لم تكن اخفى و بالجملة فليست لهذه المسألة جهات دقيقة يقصر العقل عن الاحاطة بها بل هى من اوضح المسائل و لا تخفى علينا جهة من جهاتها و يشهد على ذلك دعوى جميع المحقّقين الضّرورة على الامكان فى قبال مدّعى الامتناع فان الامكان بقرينة مقابلته للامتناع و الوجوب بمعنى سلب الضرورة عن الطّرفين كما انّه فى قبال دعوى الاستحالة اعمّ منه و من الوجوب و من العجب انه استشهد على ان المراد بالامكان عدم حكم العقل بالامتناع و القبح الواقعيّين احتجاجهم بالضّرورة لان المراد بالعقل فى المقام النفس الناطقة و النفوس ليست متوافقة فى الاحكام فقد يعتقد شخص غير ما يعتقده الآخر حتى فى البديهيّات كما فى ما نحن فيه فان عقول جماعة من المخالفين تحكم بالاستحالة (1) لان المراد بالعقل ان كان العقل مطلقا ففساده اوضح لان المفروض ذهاب جمع الى الاستحالة و ان كان المراد خصوص عقول المدّعين فكونه بديهيّا لا يجدى لانّ حكم عقولهم بالاستحالة ايضا بديهىّ فمحصّل كلامه ان هؤلاء يدّعون ان عدم ادراكنا للاستحالة بديهىّ لنا فى مقام ابطال قول من يدّعى الاستحالة و هو مضحك للثّكلى لان عدم ادراك شخص شيئا لا يصير حجّة على احد ثمّ‏ دعوى الضّرورة على الجهل او العلم لا معنى لها لان ثبوت العلم و انتفائه من الوجدانيّات فقول القائل انّى جاهل بالضّرورة ان اراد الضرورة عنده فلا يلائم الالتزام و اظهاره للخصم فى غاية الشناعة لانّه ايضا معتقد بالاستحالة بالضّرورة و ان اراد الضّرورة عند غيره فهو واضح الفساد فان الكيفيّات النفسانيّة ليست ضروريّة وجودا او عدما الّا لصاحبها مع انه على اىّ حال ليس وسطا فى الاثبات ثم لا يخفى مما فى اعتبار الضرورة حجة من الركاكة لان كون الشي‏ء ضروريّا ينافى الاحتياج الى البرهان فان كان العلم به حاصلا من غير اكتساب كان تحصيله من الحجّة تحصيلا للحاصل و الّا لم يكن ضروريّا مع انّ الاحتجاج بالضّرورة توصيف للشي‏ء بنقيضه و هو اظهر فسادا من اجتماع النقيضين الّذى بطلانه من أوائل البديهيّات فالاكثر لم يحتجّوا بالضّرورة بل تركوا الاحتجاج على مذهبهم للضّرورة فالضّرورة علّة لترك الاحتجاج لا انها حجّة للدّعوى و قد عرفت معنى احتجاج الحاجبى بالقطع هذا كلّه مع قطع النّظر عن متعلّق القطع و الّا فلا اشكال فى انهم يدعون القطع بعدم لزوم محال او قبيح كما هو صريح كلماتهم و لا يحتمل كلامهم ارادة القطع بجهلهم بالحال و الحاصل انّه قسّم الامكان الى الواقعى و الظاهرى و قسّم الواقعىّ العقلى الى قسمين الاول عدم حكم العقل بالامتناع و الثّانى عدم ضرورة كل من الوجود و العدم و زعم ان المعنى الاول هو مدّعى القوم فيتوجّه عليه ما حققناه و الاستاد العلّامة اعلى اللّه مقامه ارتضى هذا الكلام فسلك هذا المسلك قال و استدل المشهور على الامكان بالقطع بانه لا يلزم من التعبّد به محال و فى هذا التقرير نظر اذ القطع بعدم لزوم المحال موقوف على احاطة العقل بجميع الجهات المحسّنة و المقبّحة و علمه بانتفائها و هو غير حاصل فى ما نحن فيه فالاولى ان يقرر هكذا انا لا نجد فى عقولنا

____________

(1) و عقول المحققين منهم و جميع اهل الحق تحكم بالامكان فلا معنى لدعوى الضّرورة على عدم حكم العقل بالاستحالة صح‏

47

بعد التأمّل ما يوجب الاستحالة و هذا طريق يسلكه العقلاء فى الحكم بالامكان انتهى كلامه و فيه ان نسبة الاستدلال بالقطع الى الجمهور قد عرفت فسادها فان الاكثر انما ادّعوا البديهة و استغنوا بها عن الاحتجاج و اما ما استحسنه من التقرير و حكم بانه اولى ففيه ان عدم وجدان ما يوجب الاستحالة لا يدل على شي‏ء فالاستدلال به على الامكان لا محصل له و اما ما زعمه من انه طريق يسلكه العقلاء فى الحكم بالامكان ففيه ان الحكم بالامكان ان كان بمعنى الاعتقاد به فمع عدم الدليل عليه ترجيح بلا مرجّح و ان كان بمعنى ترتيب آثاره على المشكوك فيه فلا معنى له حيث انه لا اثر للامكان حتى يترتب على المشكوك فيه مع انّه لا وجه لهذا الاصل نعم يطلق الامكان على الاحتمال و هو عبارة عن الجهل فالّذى استقرّ عليه بناء العقلاء انما هو التّوقف و اظهار الجهل عند عدم قيام البرهان على الاستحالة و الامكان قال الشيخ الرئيس فى آخر الاشارات بعد ما ذكر كيفية صدور خوارق العادات من المعجزات و السّحريات نصيحة اياك ان يكون تكيسك و تبرؤك من العامة هو ان تبرئ منكر الكلّ شي‏ء و ذلك طيش و عجز و ليس الخرق فى تكذيبك ما لم تستبن لك بعد جليّة دون الخرق فى تصديقك بما لم تقم بين يديك بيّنة بل عليك الاعتصام بحبل التوقف و ان ازعجك استنكار ما يرعاه سمعك ما لم تتبرهن استحالته لك فالثّواب ان يسرح امثال ذلك الى بقعة الامكان ما لم يزدك عنه قائم البرهان‏ و أعلم‏ ان فى الطّبيعة عجايب و للقوى العالية الفعّالة و القوى السّافلة المنفعلة اجتماعات على غرائب انتهى و لا يخفى انه انّما اراد من الامكان الاحتمال و عدم المبادرة الى انكار خوارق العادات الصادرة عن الاولياء كما لا يخفى على من تدبّر فى اطراف كلامه فقد قال فى تنبيه سابق على هذا الكلام و لعلّك قد يبلغك من العارفين اخبار يكاد ياتى بقلب العادة فتبادر الى التكذيب و ذلك مثل ما يقال ان عارفا استسقى للنّاس فسقوا و استشفى لهم فشفوا أو دعا عليهم فخسف و هم زلزلوا او هلكوا بوجه آخر و دعا لهم فصرف عنهم الوباء و الموتان و السّيل و الطّوفان او خشع لبعضهم السّبع او لم ينفر عنهم طاير و مثل ذلك ممّا لا يؤخذ فى طريق المنع الصريح فتوقف و لا تعجل فان لامثال هذه اسبابا فى اسرار الطّبيعة و ربما يأتى لى ان اقصّ بعضها عليك انتهى‏ و فى‏ الاسفار بعد ما اولع فى الطعن على المتكلّمين فى تجويزهم اعادة المعدوم و من عجيب الامر ايضا ان بعضا من هؤلاء استدل على امكان الاعادة بما قد سمع من كلام الحكماء الكرام انّهم يقولون كلّما قرع سمعك من غرائب عالم الطّبيعة فذره فى بقعة الامكان ما لم يزدك عنه قائم البرهان و لعدم تعوّده الاجتهاد فى العقليّات لم يميّز الامكان بمعنى الجواز العقلى الّذى مرجعه الى عدم وضوح الضّرورة لاحد الطرفين عند العقل عن الامكان الذاتى الّذى هو سلب ضرورة الطّرفين عن الشي‏ء بحسب الذات فحكم بان الاصل فى ما لم يتبرهن وجوبه و امتناعه هو الامكان فاثبت بظنّه المستوهن ان اعادة المعدوم ممكن ذاتى و تشبّث بهذا الظنّ الخبيث الذى نسجته عنكبوت وهمه كثير ممّن تاخّر عنه فيقال له و لمن تبعه انكم ان اردتم بالاصل فى هذا القول‏

48

هو بمعنى تكثير الرّاجح فكون اكثر ما لم يقم دليل على امتناعه و وجوبه ممكنا غير ظاهر و بعد فرضه غير نافع جواز كون هذا من جملة الاقلّ و ان اريد به معنى ما لا يعدل عنه الّا بدليل على ما هو المستعمل فى صناعتى الفقه و اصوله فهو فاسد هاهنا اذ شي‏ء من عناصر العقود ليس اصلا بهذا المعنى بل كلّ منها يقتضى ماهيّته الموضوع فما لم يقم عليه البرهان لم يعلم حاله‏ و ما قال الشيخ الرئيس ان ما لا برهان على وجوبه و لا على امتناعه لا ينبغى ان ينكر وجوده و يعتقد امتناعه بل يتركه فى بقعة الامكان اى الاحتمال العقلى لا انّه يعتقد امكانه الذّاتى كيف و من اقواله ان من تعوّد ان يصدق من غير دليل فقد انسلخ عن الفطرة الانسانيّة انتهى فظهر ان اصالة الامكان لا اصل لها و انما هو توهّم لبعض من لا خبرة له من المتكلّمين‏

فى ادلّة المانعين عن العمل بالخبر الواحد

و مستند المانع امران‏ الأوّل‏ انه ثبت انه لا يقبل خبر النّبى (صلّى اللّه عليه و آله) الّا بعد قيام المعجزة على صدقه ففى من عداه اولى هكذا فى المعارج و تطابقه العبارة المتقدّمة من العدة و هى هذه و ليس لاحد ان يقول اذا لم يصحّ ان يتعبّد اللّه بالقبول من النّبى بلا علم معجز يظهر عليه فبان لا يجوز القبول من غيره اولى انتهى و الجواب ان من المعلوم لكل احد ان كلّ ما بالغير لا بد ان ينتهى الى ما بالذّات و الظّن لعدم كونه حجّة بنفسه لا بدّ ان تثبت حجيّة بدليل قطعىّ و النبى انما لا يقبل قوله قبل المعجزة من هذه الجهة و لذا لو ثبت صدقه بقول نبىّ آخر قبله لم يتوقف على المعجزة و من المعلوم ان الخبر الواحد انما يجوز العمل به اذا ثبت حجّيته بدليل قطعىّ فلا فرق بين كون المخبر نبيّا او غيره فقوله انه لا يقبل خبر النّبى ان اراد به قبل ثبوت النبوّة فمسلم و لكنه انما يقتضى عدم قبول قول غيره اذا شاركه فى العلّة و هى عدم الانتهاء الى القطعى و ان اراد عدم القبول مطلقا اى حتّى مع العلم بالنبوّة فواضح الفساد ضرورة انه لا يتوقف قبول كل خبر من اخباره على معجزة خاصة و بالجملة فالاولويّة ممنوعة بل المسلّم انما هو التساوى فى بعض الصّور و لو تم فلا يثبت به الامتناع على هذا التقرير و ان امكن تقريره بما اشرنا اليه من لزوم انتهاء ما بالغير الى ما بالذّات و لكنّه لا يثبت ما جعلوه محلّا للنّزاع و هو امتناع جعله حجّة و انّما يثبت به امتناع العلم بالحجّية من غير دليل علمىّ و هو ممّا لا يقبل النزاع و الى بعض ما حققناه ينظر كلام الشّيخ قده فى العدّة فراجع و تدبّر هذا هو التحقيق فى الجواب و يمكن الجواب ايضا بالنقض بالظنون التى لا يسعه انكار حجيّتها كالشهادات و قد تقدّم التصريح به من العدّة و قال‏ المحقق قده فى المعارج بعد ما جعل هذا وجها ثانيا و جواب الثانى التزام التسوية فانّا لا نعمل بخبر ما لم تقم الدلالة على العمل به انتهى و بما حقّقناه تبيّن فساد ما صدر عن الحاجبى و تبعه العضدى ففى المختصر قالوا لو جاز لجاز التعبّد به فى الاخبار عن البارى تعالى قلنا للعلم بالعادة انه كاذب انتهى و فى الشرح قالوا ثانيا لو جاز التعبّد به فى الاخبار عن النبى لجاز التعبّد به فى الاخبار عن الله تعالى و هو باطل بغيره معجزة اجماعا فالجواب لا نسلّم الملازمة لان العادة ثمّة قد افادت ان من ادّعى النبوّة بدون معجزة فهو كاذب و ايضا فالفرق بانه يفضى ذلك الى كثرة الكذب فيه عادة بخلاف الاخبار انتهى امّا فساد الاستدلال‏

49

فلظهوره فى قياس المساوات مع ان الغرض القياس بالطريق الاولى كما عرفت من الشيخ قده و المحقق قده و تبع الحاجبى فى هذا التقرير من تاخّر عنه ففى القوانين لو جاز التعبّد به فى الاخبار عن المعصوم fm~{fm(عليه السلام) لجاز عن اللّه ايضا لجامع كون المخبر عادلا فى الصّورتين‏ و فى‏ الفصول لو جاز التعويل‏ (1) عليه فى الاخبار عن اللّه تعالى و التالى باطل اجماعا اما الملازمة فلان كلّ منهما خبر مشتمل على الشرائط المعتبرة فى قبوله فيجب القبول حيثما تتحقّق و قال الاستاد العلّامة قده لو جاز التعبّد بخبر الواحد فى الاخبار عن النّبى صلى اللّه اللّه عليه و آله و سلّم لجاز التعبّد به فى الاخبار عن اللّه تعالى و التالى باطل اجماعا انتهى و بالتّامّل فى ما اجابوا به عن الاستدلال يحصل القطع بان مرادهم به قياس المساوات و قد عرفت فساده و امّا فساد الجواب فلان ما ذكر فارقا انّما يصلح للفرق بينهما فى الاطلاع على المخالفة للواقع و عدمه لا فى الصّلاة للجعل و عدمه الّذى هو محلّ النزاع و كشف الحال ان مال هذه المقالة الى ان السّر فى عدم التعويل على اخبار مدعى النبوّة مع عدم الاقتران بالمعجزة العلم بكذبه و ليس الاخبار عن النّبى كذلك و فيه ان الاقتران بالمعجزة انّما هو لاستحالة استقلال غير العلم بالحجيّة لما عرفت من لزوم انتهاء ما بالغير الى ما بالذّات و لا ملازمة بينهما عقلا او عادة كى يستدلّ بعدهما على عدم ملزومه فالاقتران بالمعجزة انّما هو للحاجة اليها فى تحصيل العلم و اتمام الحجّية و مع انتفائه لا يحصل العلم بالصّدق لا انّه يحصل العلم بالكذب اللّهم الّا من جهة لزوم العبث حيث لا يترتب على رسالته اثر و هى جهة اخرى و بالجملة فغرض الحاجبى الاستدلال بعدم المعجزة على عدم الصّدق لما بينهما من اللزوم العادى و قد عرفت انها من المقارنات الاتفاقيّة للنبوّة لا من لوازمها مطلقا و مع ان مقتضى هذا الكلام انّ عدم الرّكون الى اخبار من يدّعى النبوّة مع عدم المعجزة انما هو لشهادة العادة على كذبه فلو لم تجر العادة بالاقتران كانت دعواه مسموعة مع ان عدم سماع دعواه يكفى فيه عدم قيام الحجّة على عدم صدقها فت و اما ما انفرد به العضدى من الجواب فمع ما به من التشويش بعيد من الصّواب اما الاول فلانه يحتمل ان يكون المراد ان كل احد ليس قابلا لان يطّلع على كلام اللّه تعالى بغير واسطة انسان كامل فيقع فى الخطأ كثيرا بخلاف النّبىّ و يحتمل ان يكون المراد ان منصب النبوّة لرفعته بتوفر الدّواعى على دعواه فيكثر الكذب على اللّه تعالى امّا فساده على التّقدير الاول فواضح لان الاطّلاع من قبل اللّه تعالى بالوحى او بالالهام او ما يشاكلهما ممّا لا يتطرق فيه الخطاء على تقدير وقوعه و انّما يتطرق الخطاء فى الاطلاع من غير اللّه تعالى حيث ان الطريق المتعارف هو الكلام و تطرق الخطاء فى الاستفادة من الالفاظ ممّا لا يخفى و ايضا فكون الاخبار عن اللّه تعالى فى عرضته انّما يستدعى رعاية امور مبعدة عنه لا استحالة التعبّد رأسا و به يظهر الجواب على التقدير الآخر و بهذا يظهر ما فى الفصول من ان الجواب منع الملازمة فان الدّواعى فى الاخبار عنه تعالى يتوفر على الكذب على التقدير القبول لما فيه من اثبات منصب الرّئاسة و الفوز بمقام النّبوة و الرّسالة فمع ذلك فالاخبار عن اللّه تعالى يستدعى مزيد استعداد يندر حصوله و يبعد قبوله و لهذا يحتاج الى انضمام المعجزة بخلاف المقام انتهى و فيه انّه انّما يقتضى اشتراط العلم بالتقوى و الورع لا الاستحالة مطلقا فالجواب انما هو انكار الاستحالة لا

____________

(1) على خبر الواحد فى الاخبار عن لجاز التعويل‏

50

التسليم و ابداء هذا الفارق و ايضا فان الاخبار عن اللّه تعالى لا يستلزم الرّئاسة و النبوّة و انّما يكون كذلك حيث كان ذلك الشخص مرجعا لجميع النّاس فى جميع الاحكام و امّا مجرّد حجيّة قوله فى ما اطلع عليه بحسب الاتفاق فلا مع انه حينئذ يمكن فى حق كلّ احد فلا يختص به شخص الّا ان يقال ان الكلام فى خصوص دعوى النبوّة فتامّل و اما ما زعمه من ان الاخبار عن اللّه تعالى يستدعى مزيد استعداد ففيه منع ذلك فان النحل مع انّه من اضعف الحيوانات يوحى اليه بل لا يخلو حيوان عن وحى و الهام و ليس المؤمن اخسّ من الحيوانات العجم مع انّ الاطلاع بتوسط هاتف و ما يشبهه ممّا يمكن للكفار قطعا مع ان ندرة الوقوع لا يصلح فارقا فى ما هو محلّ الكلام من الاستحالة و الامكان و يظهر فساد قوله و لهذا يحتاج الى انضمام المعجزة فان الوجه فى الحاجة اليها ما حققناه من ان ما بالغير لا بد و ان ينتهى الى ما بالذّات لا ما زعمه و قال الاستاد العلامة قده و الجواب عن دليله الاول ان الاجماع انما قام على عدم الوقوع لا على الامتناع مع ان عدم الجواز قياسا على الاخبار عن اللّه تعالى بعد تسليم الملازمة انما هو فى ما بنى تاسيس الشريعة اصولا و فروعا على العمل بخبر الواحد عن اللّه تعالى لا مثل ما نحن فيه ممّا ثبت اصل الدين و جميع فروعه بالادلّة القطعيّة لكن عرض اختفائها فى الجملة من جهة اخفاء الظالمين للحقّ ممّا لا مدخل له و فيه ان عروض الاختفاء بالنسبة الى بعض الاحكام من جهة اخفاء الظالمين للحقّ مما لا مدخل له فى حجيّة الاخبار و غيره من الظنون قطعا بل لا اشكال فى امكان حجيّة غير العلم فى جميع الاحكام و ان انفتح باب العلم و الشّأن فى اثبات الامكان على هذا التّقدير لا تخصيص هذه الصّورة بالامكان و جعل الفارق ان الثابت بالظّنون بعض الاحكام بعد تبيّن الحقّ و طرق اخفاء الظالمين‏ الثانى‏ من دليلى القائل بالامتناع ان خبر الواحد لا يوجب العلم فيجب ان لا يعمل به و الاولى ظاهرة فلانا لا نتكلم الّا فيما هذا شأنه من الاخبار و اما الثانية فلانّه عمل بما لا يؤمن كونه مفسدة و ايضا قوله تعالى‏ (وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)* هكذا فى المعارج و الجواب ان كون العمل بالخبر عملا بما لا يؤمن كونه مفسدة مسلّم ما لم يقم الدّليل القاطع على حجيّته و اما معه فالامن حاصل فان المفسدة ان كان عقابا فالدليل القاطع على الاعتبار يؤمن منه و ان كان ضررا دنيويّا او اخرويّا فمع امر الشّارع الرءوف بالعمل به يحصل الامن و هذا الدليل انما يلائم كون المدّعى ان الاصل فى الظنّ عدم الاعتبار لا ما اشتهر من استحالة الحجيّة و قال الحاجبى قالوا يؤدّى الى تحليل الحرام و عكسه قلنا ان كان المصيب واحدا فالمخالف ساقط كالتعبد بالمفتى و الشهادة و الّا فلا يرد و ان تساويا فالوقف او التخيير يدفعه و قال القاضى قالوا اوّلا انه و ان لم يكن ممتنعا لذاته فهو ممتنع لغيره لانّه يؤدى الى تحليل الحرام و تحريم الحلال بتقدير كذبه فانّه ممكن قطعا و ذلك باطل و ما يؤدى الى الباطل لا يجوز عقلا و الجواب ان قلنا ان كلّ مجتهد مصيب فسقوطه ظاهر اذ لا حلال و لا حرام فى نفس الامر و انما هما تابعان لظن المجتهد و يختلف بالنسبة فيكون حلالا لواحد و حراما لآخر و ان قلنا ان المصيب واحد فقط فلا يرد ايضا لان الحكم المخالف للظنّ ساقط عنه اجماعا و ما هو الّا كالتعبّد بقول المفتى و الشاهدين اذا خالفا ما فى الواقع و هذا يصلح مستندا و نقضا بالاستدلال لا