مطارح الأنظار - ج2

- الشيخ أبي القاسم الكلانتري المزيد...
692 /
7

الجزء الثاني‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

القول في المفهوم و المنطوق‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

و تحقيق المطلب في طيّ هدايات:

هداية في بيان امور ترتبط بالمقام:

الأوّل: [أن المفهوم و المنطوق وصفان منتزعان من المدلول من حيث هم مدلول‏]

الظاهر من موارد إطلاق اللفظين في كلمات أرباب الاصطلاح أنّهما وصفان منتزعان من المدلول، لكن من حيث هو مدلول، فنفس المعنى مع قطع النظر عن كونه مدلولا لا يتّصف بشي‏ء منهما. و لا يقاس بالكلّية و الجزئيّة؛ لظهور اتّصاف المعنى بهما من حيث هو. و يشعر بذلك الحدود الآتية، سيّما مع تفسير جماعة منهم الموصولة الواقعة فيها ب «الحكم» و نحوه، فإنّ الدلالة لا تعرّف بالحكم.

خلافا لظاهر العضدي‏ (1) تبعا للحاجبي‏ (2) و للمحكيّ عن الشهيد الثاني‏ (3)، حيث جعلوهما من الأوصاف الطارئة للدلالة. و لا وجه لذلك.

و أمّا ما قيل: من أنّ تقسيم الدلالة إليهما يدلّ على ذلك. ففيه: أنّ التقسيم المذكور لم نعثر عليه في كلام من يرى أنّهما من الأوصاف المنتزعة من المدلول. نعم، عدّهم دلالة الإشارة من المنطوق دليل عليه. و الظاهر إرادة دخول مدلولها فيه.

____________

(1، 2) انظر شرح مختصر الاصول: 306.

(3) تمهيد القواعد: 108، و حكاه عنه و عمّا قبله في إشارات الاصول، الورقة: 233.

10

و ربّما يستشهد له أيضا بقولهم: هل المفهوم حجّة أو لا؟ حيث إنّه لا يعقل حجيّة المدلول بعد ثبوته.

و فيه: أنّه لا يعقل حجيّة (1) الدلالة بعد ثبوتها، فالكلام على التقديرين في نفس الثبوت.

و أمّا كونهما من عوارض الدالّ- كالأوصاف اللاحقة للألفاظ من العموم و الخصوص و الحقيقة و المجاز و نحوها- فممّا لم يذهب إليه وهم، و لا يساعده موارد استعمالهم لهما أيضا.

الثاني: أنّ مقتضى الحصر بين الدلالات انحصار استفادة المدلول فيها. و هل المدلول منحصر في المفهوم و المنطوق أو لا؟

ظاهر الأكثر- كما يظهر من الحدود الآتية- هو الأوّل؛ لاعتبارهم النفي و الإثبات فيهما.

و يظهر من محكيّ النهاية ثبوت الواسطة (2)، حيث جعل الإيماء و الإشارة قسما ثالثا، مع أنّ المشهور دخولهما في المنطوق، خلافا للتفتازاني حيث جعلهما من المفهوم‏ (3).

فإن أرادا بذلك جعل اصطلاح جديد فلا ينبغي التشاحّ. و إن أرادا بيان ما هو المصطلح فالظاهر خلافه، كما يظهر بالرجوع.

ثمّ إنّ المداليل المفردة ليست من المنطوق، كما أنّ لوازمها العقليّة أو غيرها ليست من المفهوم، فإنّ المقسم فيهما هو المدلول المركّب، فلا يختلّ الحصر، كما لا يخفى.

____________

(1) في (ع) زيادة: «ثبوت».

(2) نهاية الوصول: 200.

(3) حاشية التفتازاني المطبوع مع شرح العضدي 2: 171- 172.

11

الثالث: [هل يدخل المدلولات الثلاث في المنطوق أو المفهوم؟]

الظاهر في مصطلحهم دخول المدلول المطابقي في المنطوق قطعا.

و أمّا التضمّني، فظاهر الأكثر أيضا أنّه من المنطوق و إن وقع الخلاف‏ (1) في صراحته. لكن لازم من زعم أنّ دلالة الجملة الشرطيّة على الحكم المفهومي إنّما هو بالتضمّن انقسامه إليهما.

و أمّا الالتزامي، فعن بعض الأفاضل كونه مفهوما مطلقا (2). و لازمه عدّ دلالة الأمر على الوجوب و وجوب المقدّمة و حرمة الضدّ من المفهوم، فضلا عن مثل دلالة الإيماء و الإشارة و التنبيه.

و حيث إنّ المرجع في تشخيص هذه الامور الاصطلاحيّة- كما تقدّم- هو الرجوع إلى كلماتهم، فالظاهر أنّ المقسم هو مطلق المدلول، لكنّ المدلول المطابقي و التضمّني لا يكون إلّا منطوقا، و المدلول الالتزامي ينقسم إليهما.

فتقسيم المداليل الثلاثة إلى القسمين باعتبار التوزيع و التداخل.

ثمّ إنّ الظاهر من كلماتهم أيضا أنّ التمييز بين القسمين ليس باعتبار الحيثيّات و الاعتبارات، بل هما تعبيران عن معنيين ممتازين في الواقع لا يتداخل أحدهما في الآخر. فما يظهر من بعضهم: من أنّ آيتي «الحمل» (3) و «التأفيف» (4) يحتمل جعل مدلولهما من المنطوق باعتبار و من المفهوم باعتبار آخر- كما ستعرف- لا وجه له.

____________

(1) راجع هداية المسترشدين 2: 412، و القوانين 1: 168، و إشارات الاصول، الورقة: 233.

(2) حكاه المحقّق النراقي في المناهج: 127، عن البيضاوي.

(3) الأحقاف: 15، و البقرة: 233.

(4) الإسراء: 23.

12

الرابع: [تعريف المنطوق و المفهوم‏]

عرّف الحاجبي المنطوق ب «ما دلّ عليه اللفظ في محلّ النطق»، و المفهوم ب «ما دلّ عليه اللفظ لا في محلّ النطق» (1). و الظاهر أنّ لفظة «ما» موصولة، فيدلّ على أنّ المنطوق و خلافه من أوصاف المدلول كغيره من الحدود الآتية. كما أنّ الظاهر اختصاصهما بالدلالة الوضعيّة، فالدلالة العقليّة و إن كانت لفظيّة لا يعدّ مدلولها من المنطوق و المفهوم.

و فسّره العضدي بقوله: أي يكون حكما لمذكور و حالا من أحواله، سواء ذكر ذلك الحكم و نطق به أم لا. و المفهوم بخلافه، و هو: ما دلّ عليه اللفظ (2) لا في محلّ النطق، بأن يكون حكما لغير المذكور و حالا من أحواله‏ (3).

و توجيهه- على ما زعم من كون لفظة «ما» مصدريّة-: أنّ المنطوق دلالة اللفظ على مدلوله حال كون ذلك المدلول يكون موضوعه ثابتا في محلّ النطق، فيكون الظرف متعلّقا بالعامل المقدّر حالا عن الضمير المجرور باعتبار موضوعه، فيكون من قبيل إجراء الصفة على غير من هي له.

و ذلك مع كونه بعيدا- لما عرفت من أنّ الظاهر أنّ كلمة «ما» موصولة، و أنّ استفادة المدلول من الدلالة ليكون مرجعا للضمير المجرور لا يخلو عن شي‏ء، و أنّ ظاهر التوصيف و ما يجري مجراه من الحال و نحوه أن يكون جاريا على من هي له- اورد عليه‏ (4):

أوّلا: بخروج بعض المفاهيم، كمفهوم الشرط مثل قولك: «إن جاءك‏

____________

(1) راجع شرح مختصر الاصول: 306.

(2) لم يرد «عليه اللفظ» في (ع) و المصدر.

(3) شرح مختصر الأصول: 306.

(4) انظر هداية المسترشدين 2: 410.

13

زيد فأكرمه» فإنّ الموضوع في المفهوم هو «زيد» المذكور في المنطوق، و مفهوم الغاية كقولك: «صم إلى الليل» فإنّه لا يجب فيه الصيام و هو مذكور، و مفهوم الحصر كقولك: «إنّما زيد قائم»، و مفهوم اللقب، نحو قولك: «يجب إكرام غير زيد»، و بنحو «فاسأل القرية»، فيختلّ التعريفان طردا و عكسا.

و ثانيا: أنّهم ذكروا أن الإيماء و الإشارة من المنطوق، و مثّلوا لهما بالآيتين‏ (1)؛ فإنّ دلالتهما على أن أقلّ الحمل ستّة بالمنطوق مع أنّ أقلّ الحمل الذي هو الموضوع غير مذكور.

و ثالثا: أنّ المداليل الالتزاميّة التي لا يعدّ عندهم من المفهوم في الأغلب لا يكون الموضوع فيهما مذكورا.

و قد يذبّ عن هذه الوجوه:

أمّا عن مفهوم الشرط، فتارة: بأنّ الموضوع في المفهوم هو «زيد الغير الجائي»، لا «زيد» مطلقا، و هو ليس بمذكور. و أخرى: بأنّ الموضوع في المنطوق هو «المجي‏ء» و في المفهوم عدمه، و هو ليس بمذكور.

و أمّا عن مفهوم الغاية: فبأنّ الموضوع في المفهوم هو أنّ «غير الليل ليست غاية» و هو ليس بمذكور.

و أمّا عن مفهوم الحصر: فبأنّ المراد نفي القيام عن غير زيد، و هو ليس مذكورا. و إن اريد منه نفي غير القيام عن زيد فيؤول الأمر حقيقة إلى نفي اتّصاف زيد بشي‏ء من الصفات، و «الاتّصاف» ليس مذكورا.

____________

(1) أي: آيتي «الحمل»: الأحقاف: 15، و البقرة: 233، و راجع هداية المسترشدين 2: 410، و الفصول: 146.

14

و أمّا عن مفهوم اللقب: فبأنّ الموضوع في المفهوم ليس زيدا بل هو «غير زيد» و هو ليس مذكورا و إن كان مصداقه و هو «زيد» مذكورا (1).

و أمّا عن خروج دلالة الإشارة عن المنطوق: فبأنّ الموضوع هو «الحمل»، و المستفاد من الآيتين أنّ الحمل أقلّه ستّة، و هو مذكور.

و أمّا عن نحو «فاسأل القرية»: فبأنّ الموضوع المقدّر في حكم المذكور.

و أمّا المداليل الالتزامية: فبأنّ وجوب المقدّمة و حرمة الضدّ و نحوهما إنّما هو من أحكام الصلاة المذكورة في قولك: «صلّ»، فالمستفاد منه أنّ الصلاة يجب مقدّمتها و يحرم ضدّها ... إلى غير ذلك.

و لا يخفى على من له خبرة أنّ هذه كلّها تكلّفات سخيفة و توجيهات ضعيفة لا ينبغي ارتكابها؛ فإنّ ذلك يوجب اختلاط مصاديق النوعين و امتيازها بحسب الوجوه و الاعتبارات، و قد عرفت فيما تقدّم أنّ الظاهر منهم عدم اختلاط المفهومين كمصاديقهما، فلا ينبغي الإصغاء إليها.

و قد يفسّر الحدّ المذكور- مع قطع النظر عن تحليل مفرداته-: بأنّ المنطوق هو المدلول الذي يفهم من اللفظ في محلّ النطق، بأن يكون ناشئا من اللفظ ابتداء بلا واسطة المعنى المستعمل فيه، بخلاف المفهوم.

و توضيحه: أنّ المستفاد من قولك: «إن جاء زيد فأكرمه» حكمان يكفي في استفادة أحدهما ترجمة الألفاظ الواقعة في التركيب لغير أهل اللسان، و يحتاج استفادة الثاني إلى ملاحظة اعتبار آخر في المدلول، كما هو ظاهر. فالظرف متعلّق ب «دلّ» و يكون المراد بالموصولة هو الحكم و نحوه. إلّا أنّه لم يظهر بعد معنى لقولهم: «في محلّ النطق» إلّا على وجه بعيد، فتأمّل.

____________

(1) كذا في النسخ. و المناسب هكذا: و أمّا عن مفهوم اللقب فبأنّ الموضوع في المفهوم ليس «غير زيد» بل هو «زيد» و هو ليس مذكورا و إن كان «غير زيد» مذكورا.

15

و يشعر به تعريف الآمدي للمنطوق ب «ما فهم من اللفظ نطقا» (1) كتحديد العلّامة ب «ما دلّ اللفظ عليه بصريحه» (2) فالمعيار في الفرق هو الاستفادة الابتدائيّة و عدمها.

و حينئذ ينتقض الحدّان بناء على ما ذكرنا: من أنّ ظاهرهم دخول التضمّن في المنطوق، و تقسيم الالتزام إليهما.

أمّا الأوّل: فلأنّ المدلول التضمّني لا يستفاد من اللفظ ابتداء؛ ضرورة تبعيّة التضمّن للمطابقة و إن انعكس الأمر في التحقّق، فيدخل في حدّ المفهوم مع أنّه ليس منه.

و أمّا الثاني: فلأنّ المداليل الالتزاميّة كلّها لا تتحقّق‏ (3) إلّا بالواسطة، و لا وجه لما يتوهّم من الفرق بين المداليل الالتزاميّة البيّنة و غيرها، فإنّ وجوب المقدّمة من غيرها مع أنّه ليس من المفهوم كدلالة الإشارة و نحوها.

و قد يفرّق أيضا: بأنّ المداليل الالتزامية على قسمين، أحدهما: ما يكون لازما لنفس المعنى لا مدخل للّفظ و الوضع فيه أبدا إلّا الكشف عن المعنى، و ذلك كوجوب المقدّمة و حرمة الضدّ و أمثالهما من اللوازم، فإنّ الانتقال إليها لا يتوقّف على ملاحظة لفظ أو وضع أو غير ذلك، بل يكفي في الانتقال إليها ملاحظة نفس المعنى الملازم و إن لم يكن بدون اللفظ، و لذلك لا يفرّق بين ما إذا ثبت وجوب الواجب باللفظ أو بغيره في الحكم بوجوب المقدّمة. الثاني: ما يكون لازما للمعنى الموضوع له باعتبار الوضع له، فكأنّ الواضع اعتبره في وضع اللفظ للمعنى الملازم. فالأوّل من المنطوق، و الثاني من المفهوم.

____________

(1) الإحكام في اصول الأحكام 3: 74.

(2) نهاية الوصول: 200.

(3) في (ع): «لا يتصوّر».

16

و فيه: أنّ الفرق المذكور ممّا لا محصّل له؛ فإنّ الملازمة واقعة بين المعاني في جميع الموارد، فإنّ العلقة بين الشرط و الجزاء تتصوّر على وجهين: أحدهما التوقّف الوجودي فقط، و الثاني التوقّف وجودا و عدما. و إنّما النزاع في أنّ الجملة الشرطيّة- مثلا- هل يستفاد منها العلقة على الوجه الأوّل، أو على الوجه الثاني؟

و لا معنى لاعتبار الواضع اللزوم أو الملازمة في الوضع، كما هو ظاهر لمن تدبّر.

و لا ينافي ذلك كون المبحث من مباحث الألفاظ كما في الأمر؛ و لذلك لو ثبت المعنى الموجود في الجمل الشرطيّة- مثلا- بدليل غير اللفظ على الوجه المستفاد من اللفظ نقول بالانتفاء عند الانتفاء فيما إذا قلنا بثبوت المفهوم؛ مضافا إلى ورود النقض بمفهوم الموافقة بعد، فإنّا لا نفرّق بين الانتقال إلى حرمة الضرب من آية «التأفيف» و بين غيره من اللوازم.

و التحقيق في المقام أن يقال: إنّ لوازم المداليل المفردة خارجة عن المقسم، كما يشعر به أخذ «الحكم» جنسا في التعريفات السابقة.

و أمّا المداليل الالتزامية للمركّبات: فتارة يقصد دلالة اللفظ عليها، و تارة يستفاد و لو مع عدم القصد. و الثاني خارج عن المفهوم. و أمّا القسم الأوّل، فإن كان الحكم المستفاد من الكلام المنطوق به مفاده مفاد قولك: «لا غير» كما في مفهوم المخالفة، كما يقال: «زيد قائم غير عمرو» أو كان الحكم ثابتا للغير على وجه الترقّي- كما في مفهوم الموافقة- فهو المفهوم بقسميه، و إلّا فهو من المنطوق.

فاستقرّ اصطلاحهم على تسمية هذا النوع من المدلول الالتزامي بالمفهوم، و ذلك شامل لجميع المفاهيم. أمّا مفهوم الشرط فلأنّ المقصود منه نفي تحقّق الجزاء عند غير الشرط، كمفهوم الوصف و اللقب و الحصر، سواء كان من قبيل قصر الصفة أو قصر الموصوف، و كمفهوم الغاية فإنّ المقصود فيه نفي وجود الحكم فيما بعد الغاية، فيكون الحكم ثابتا قبلها لا غير.

17

و لا يرد النقض بدلالة الإشارة، فإنّ المستفاد من الآيتين هو الحكم بأنّ أقلّ الحمل ستّة، و لا دلالة فيهما على نفي الحكم عن الغير أو الإثبات له على وجه الترقّي، و لا بدلالة الأمر على الوجوب أو على وجوب المقدّمة و حرمة الضدّ.

و كلّ ذلك ظاهر في الغاية.

و يمكن أن يعرّف المفهوم حينئذ ب «أنّه حكم افيد لغير المذكور» سواء كان مغايرا في النفي و الإثبات أو موافقا، كما هو قضيّة إطلاق الحكم، فيشمل لكلا قسمي المفهوم.

و الوجه في تبديل «الدلالة» ب «الإفادة» إخراج ما لا يكون مقصودا من اللوازم. و المراد بكونه حكما لغير المذكور هو كونه ثابتا له على أحد الوجهين المتقدّمين. و المراد بغير المذكور هو الموضوع الذي سيق له الحكم.

و توضيحه: أنّ المراد ب «الموضوع» في المقام و أمثاله ليس خصوص المبتدأ أو الفاعل في الجملة الخبريّة، بل كلّ ما يتعلّق بالحكم من المتعلّقات: من الظرف و الغاية و الفاعل و المفعول و نحوها من الامور المذكورة في القضيّة التي يمكن الإخبار عنها بالحكم، كأن يقال في الظرف: «إنّ الدار مضروب فيها» و نحو ذلك، فقولك: «إن جاءك زيد فأكرمه» يشمل على حكم هو الوجوب، و موضوعات عديدة هي: المجي‏ء، و المخاطب، و زيد، و الإكرام، فإذا سيق الكلام المزبور لبيان نفي الحكم عن غير الإكرام، يكون المراد به: إن جاءك زيد فلا يجب غير الإكرام، و حينئذ يكون من مفهوم اللقب، و الموضوع «غير الإكرام» و هو غير مذكور. و مثله لو سيق الكلام لنفي الحكم عن غير زيد أو المخاطب. و إذا سيق الكلام المزبور لنفي الوجوب عند عدم المجي‏ء يكون من مفهوم الشرط.

18

و من هنا تعرف أنّه لو أريد من آية «النبأ» (1) نفي الحكم عن مجي‏ء غير الفاسق يكون من مفهوم الوصف أو اللقب، و إن اريد نفي الحكم عن عدم مجي‏ء الفاسق يكون من مفهوم الشرط.

و بالجملة: فتشخيص الموضوع في القضايا موقوف على تشخيص ما سيق لأجله الكلام المذكور. و لعمري! إنّه غاية ما يمكن أن يقال، إلّا أنّه بعد إحالة على على المجهول.

و الأولى أنّ الحدود المذكورة إنّما هي حدود لفظيّة لا عبرة بها بعد تميّز المعنى المقصود عن غيره، كما ذكرنا وجه التميّز.

مع أنّه لا يكاد يظهر الثمرة في تشخيص مصاديق المفهوم عن المنطوق، عدا ما قيل: من تقدّم المنطوق على غيره. و فيه: أنّ المناط في التقديم على قوّة الدلالة لا على التسمية، و القوّة غير مخفيّة.

نعم، تظهر الثمرة فيما لو اشتمل على أحد اللفظين عنوان من عناوين الأدلّة مع إرادة المعنى المصطلح، و لكنّه لا يكاد يوجد.

الخامس: قسّموا المنطوق إلى صريح و غيره، و عدّوا المدلول المطابقي من الأوّل اتّفاقا، و ألحق بعضهم‏ (2) التضمّني به.

فإن كان ذلك اصطلاحا منهم، فلا مشاحة. و إن كان ذلك بواسطة حصول ما هو المناط في التسمية، فالأولى إلحاقه بالالتزامي الغير الصريح؛ ضرورة أنّ وجه الانتقال إلى المدلول التضمّني و الالتزامي واحد، و هو الملازمة بين المعنى المطابقي و غيره، غاية الأمر أنّ اللازم في أحدهما داخل و في الآخر خارج، و ذلك لا يوجب الاختلاف في الصراحة.

____________

(1) الحجرات: 6.

(2) انظر إشارات الاصول، الورقة: 233، و شرح مختصر الاصول: 307.

19

و دعوى: أنّ الدلالة التضمّنية أظهر من الالتزاميّة، ممنوعة. كيف! و بعض اللوازم أظهر من بعض المداليل التضمّنية؛ فإنّ دلالة العمى على البصر أظهر من دلالة الإنسان على الحيوان أو الناطق.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

هداية [- الكلام في مفهوم الجملة الشرطية]

الحقّ- كما عليه المحقّقون- أنّ تقييد الحكم بواسطة كلمة «إن» و أخواتها يفيد انتفاءه عند انتفاء مدخولها.

و ما ذكرنا أولى ممّا قيل في العنوان: إنّ تعليق الحكم ...؛ لإشعار لفظ «التعليق» بالانتفاء عند الانتفاء، فلا يناسب أخذه في العنوان. و إن كان ذلك أولى ممّا قيل: هل مفهوم الشرط حجّة أو لا؟ لظهوره في أنّ النزاع ليس في ثبوت الدلالة؛ مضافا إلى أن لفظ «الشرط» ممّا لا وقع له، أمّا على مصطلح الاصوليّين فلعدم تأتّي النزاع على تقديره، و أمّا على مصطلح النحاة فلأنّ الشرط عبارة عن المقدّم في الجملة الشرطيّة، و لا يطلق على نفس الجملة عندهم.

و بما ذكرنا يظهر أنّه لا حاجة إلى بيان معنى لفظ «الشرط» فيما نحن بصدده. و لكنّه لا بأس بالتنبيه على ذلك احتذاء.

فنقول: الشرط يطلق في العرف على معنيين:

أحدهما: المعنى الحدثي، و هو بهذا المعنى مصدر «شرط» بمعنى الإلزام، فهو شارط للأمر الفلاني و ذلك الأمر مشروط له أو عليه، و منه الاشتراط بمعنى الالتزام. من غير فرق في ذلك بين أن يكون ابتدائيا أو ضمن العقد، كما يساعد عليه العرف، كما في قولك: «شرطت على نفسي كذا» أو «فلان شرط على نفسه كذا».

22

و عن الصحاح: «الشرط معروف» (1) من دون تعرّض لاختصاصه بما إذا كان في ضمن العقد فضلا عن البيع فقط.

لكن في القاموس: «أنّه إلزام الشي‏ء و التزامه في البيع» (2).

و ظاهره كون استعماله في الإلزام الابتدائي مجازا أو غير صحيح. مع أنّه لا إشكال في صحّته، بل و في اطّراده في موارد استعماله، كما في قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «قضاء اللّه تعالى أحقّ و شرطه أوثق» (3)، و قوله (عليه السّلام) إنّ «شرط اللّه قبل شرطكم» (4). و قد اطلق على النذر و العهد و الوعد (5). و عن الحدائق: أنّ إطلاق الشرط على البيع في الأخبار كثير (6). مضافا إلى أولويّة الاشتراك المعنوي. و في بعض الروايات استدلّ الإمام (عليه السّلام) بقوله: «المؤمنون عند شروطهم» على إمضاء النذر و العهد (7).

و مع ذلك لا يبقى وجه لما زعمه في القاموس، و لعلّه لم يعثر على موارد هذه الاستعمالات.

ثمّ إنّه قد يستعمل الشرط بالمعنى المذكور (8) في المشروط كالخلق في المخلوق. و لا ريب في كونه مجازا، فيراد منه ما ألزمه الإنسان على نفسه من عمل و نحوه.

____________

(1) الصحاح 3: 1136، مادّة «شرط».

(2) القاموس المحيط 2: 368، مادّة «شرط».

(3) كنز العمال 10: 322، الحديث 29615.

(4) الوسائل 15: 31، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 6.

(5) راجع الوسائل 15: 29 و 46- 48، الأبواب 20 و 37- 40 من أبواب المهور.

(6) الحدائق 20: 73.

(7) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4.

(8) لم يرد «بالمعنى المذكور» في (ع).

23

الثاني: ما يلزم من عدمه العدم، من دون ملاحظة أنّه لا يلزم من وجوده الوجود. و هو بهذا المعنى من الجوامد و لا يكون مشتقّا.

فيكون لفظ «الشرط» مشتركا بين المعنيين، مثل اشتراك لفظ «الأمر» بين المعنى الحدثي الذي يشتقّ منه «الأمر» و «المأمور»، و المعنى الاسمي ك «الشي‏ء» و «الشأن» و نحوهما. و أمّا اشتقاق «المشروط» منه بهذا المعنى فهو ليس على الأصل، بل هو اشتقاق جعليّ مثل اشتقاق «المسبّب» من لفظ «السبب» مع أنّه ليس المراد منه معنى يمكن الاشتقاق منه كما هو ظاهر؛ و لذلك ليس الفاعل و هو «الشارط» و المفعول و هو «المشروط» منه‏ (1) متقابلين في الفعل و الانفعال، بل الشارط هو الجاعل و المشروط هو ما جعل له الشرط، كالصلاة بالنسبة إلى الطهارة. و قاعدة الاشتقاق تقضي بأن يكون المشروط هو نفس الطهارة، و ذلك ظاهر.

و له في اصطلاح أرباب النحو معنى، و هو: الجملة الواقعة عقيب «إن» و أخواتها، و هو مأخوذ من المعنى الثاني من جهة إفادة تلك الجملة لكون مضمونها شرطا بالمعنى الثاني.

و في اصطلاح أرباب المعقول و الاصول له معنى آخر، و هو: ما لا يلزم من وجوده الوجود و يلزم من عدمه العدم، فيكون مأخوذا أيضا من المعنى الثاني، إلّا أنّه اعتبر فيه عدم اللزوم بين الوجودين، في قبال السبب حيث اخذ فيه الملازمة.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ المعنى الثاني ليس خارجا عن المعنى الأوّل، بل هو من نتائج بركاته و لو بنحو من العناية، كما لا يكاد يخفى.

____________

(1) كذا، و الظاهر زيادة: «منه».

24

و إذ قد عرفت ذلك فاعلم أنّ تنقيح البحث في موارد:

الأوّل: في أنّ الجملة الشرطيّة هل هي ظاهرة في اللزوميّة؟ فيستفاد منها تعلّق أحد الجزءين بالآخر على وجه يكون الاتّفاقيّة خارجة عن حقيقتها أو لا.

فنقول: لا ينبغي الإشكال في أنّ الجملة الشرطيّة ظاهرة في إفادة الربط و التعلّق بين جزأيها، كما يقضي بذلك العرف في موارد استعمالها، بل لا يكاد يتّضح معنى أداة الشرط في قولك: «لو كان الإنسان ناطقا كان الحمار ناهقا» إلّا بضرب من التأويل.

و أمّا استعمال أدوات الشرط في الوصليّة- مستعملة في التسوية (1)- كما في قوله: «أكرم الضيف و لو كان كافرا» (2) فيحتمل أن يكون المراد منها إفادة التسوية بين الكفر و الإسلام في لزوم الإكرام، فيكون أداة الشرط مثل استعمال بعض الحروف في غير معناه، كاستعمال «في» في قوله: إنّ «امرأة دخلت النار في هرّة» (3) في التعليل.

و يحتمل أن يكون المراد منها الربط بين الشرط و الجزاء، لكنّه بعد إعمال ضرب من التأويل، كأن يقال: إنّ المتكلّم بواسطة زيادة اهتمامه و اعتنائه في إفادة لزوم إكرام الضيف في المثال المذكور، جعل ما ليس بسبب سببا و حكم بالتسوية بين الكفر و الإسلام، فالسببيّة بواسطة العطف مبالغة في دفع ما يتوهّم من كونه مانعا عن الحكم بالإضافة و الإكرام؛ و من هنا يشترط في حسن استعمال الوصليّة احتمال مانعيّة مدخول أداة الشرط عن الحكم المذكور قبلها، و من ثمّ لم‏

____________

(1) لم ترد «مستعملة في التسوية» في (ع).

(2) كنز العمّال 15: 38، الحديث 39976.

(3) مسند أحمد 2: 507.

25

يحسن قولك: «أكرم الزائر و لو كان حافيا» فإنّ كونه حافيا يوجب مزيد الإكرام‏ (1) فلا يحسن ذكره عقيب أداة الوصل. فليس التجوّز في كلمة «إن» و أخواتها، بل التصرّف إنّما هو في المعنى بادّعاء سببيّة ما يحتمل مانعيّته، كما في قوله تعالى: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً (2) تنزيلا للعدوّ منزلة الصديق في وجه.

الثاني: في أنّ العلاقة المعتبرة بين الشرط و الجزاء هل هي السببيّة و علّيّة الشرط للجزاء، أو هي أعمّ منها؟ ظاهر كثير من الاستعمالات هو الأوّل، حتّى أنّ جماعة- كالمحقّق القمّي (رحمه اللّه)(3) و غيره‏ (4)- راموا تأويل الموارد التي لا يكون الشرط فيها علّة للجزاء، كما في قولهم: «إذا نزل الثلج فالزمان شتاء»: بأنّ الشرط في المقام و إن لم يكن سببا لتحقّق الجزاء، بل الأمر على عكس ذلك، إلّا أنّ الشرط سبب للعلم بتحقّق الجزاء. و إن كان ذلك لا يخلو عن مساهلة، حيث إنّ العليّة المفروضة إنّما هي بين العلمين، لا بين جزأي الكلام.

و بالجملة، لا ينبغي الإشكال في أنّ الظاهر من الجمل الشرطيّة هو سببيّة الاولى للثانية، و إنّما الإشكال في أنّ الوجه في ذلك الظهور هو الوضع فاستعمال الجملة الشرطيّة فيما يكون الجزاء علّة للشرط أو كلاهما معلولي علة ثالثة أو غير ذلك من أنواع اللزوميّة استعمال مجازيّ، أو الوجه فيه هو إطلاق الجملة و عدم تقييدها؟ وجهان:

للأوّل: أنّ الأصل في الظهور استناده إلى الوضع.

____________

(1) في (ع) زيادة: «بطريق أولى».

(2) القصص: 8.

(3) القوانين: 175.

(4) انظر الفصول: 149، و مفاتيح الاصول: 211- 212، و نقلا عن التفتازاني أيضا.

26

و للثاني: عدم تنافر (1) استعمال الشرطيّة فيما يكون المقدّم معلولا، و ذلك دليل عدم اختصاص الوضع بما إذا كان علّة، غاية الأمر أنّ هذه العلاقة الخاصّة حيث كانت أكمل أفراده‏ (2) انصرف الإطلاق إليها، نظير انصراف الأمر إلى الفرد المتكامل من أفراد الطلب، فإنّ علاقة العلّية هي أتمّ العلائق و أكملها.

و في الأوّل منع. و في الثاني- بعد تسليم أنّ هذه العلاقة هي أتمّها و كفاية ذلك في المدّعى، فإنّ ما ذكر لا ينافي كون الجزاء علّة-: أن‏ (3) لا وجه للانصراف المذكور، إذ لا يعقل ذلك إلّا بواسطة غلبة الاستعمال، و من المعلوم أنّ ذلك الظهور ليس مستندا إليه كما يظهر بالتأمّل؛ مضافا إلى أنّ الانصراف إنّما هو في المطلقات و لا يعقل ذلك في مدلول أدوات الشرط- كما في الأمر أيضا- فإنّ الموضوع له فيها هي المعاني الخاصّة، كما لا يخفى.

و قد تستند الدلالة المذكورة إلى إطلاق الشرط. و توضيحه: أنّ ظاهر الجملة يفيد وجود الجزاء عند وجود الشرط على وجه الاستقلال، سواء فرض وجود شي‏ء آخر معه أو لم يفرض، فلا مدخليّة لشي‏ء في وجود الجزاء، سوى وجود الشرط، و هو معنى السببيّة، إذ لو لم يكن ذلك كافيا لم يحسن عدم انضمام شي‏ء آخر إليه كما ينضمّ إليه عند تعدّد الشروط.

و لا يخفى ما فيه من المنع و المصادرة في وجه و عدم كفايته في المدّعى في وجه آخر، و ذلك يظهر بأدنى تدبّر و تأمّل.

فالأولى دعوى استفادة السببيّة من أدوات الشرط بحسب الوضع، كما لا بعد في ذلك أيضا عند ملاحظة معناها.

____________

(1) في (ع): «عدم تنافي».

(2) في (ط): «أفرادها».

(3) في (ع): «إذ».

27

و ممّا ذكرنا يظهر جريان الوجهين في كون الشرط علّة تامّة و سببا مستقلّا من دون مداخلة أمر آخر، و كونه سببا ناقصا، فلا نطيل بالإعادة.

الثالث: أنّه بعد ما عرفت في المورد الأوّل أنّ الجملة الشرطيّة تستفاد منها العلقة فاستعمالها في الاتّفاقيّات ليس استعمالا حقيقيّا. و في المورد الثاني‏ (1) أنّ هذه العلقة هي علّية الشرط على وجه الاستقلال، دون المعلوليّة لعلّة ثالثة و لا التضايف و لا معلوليّة الشرط للجزاء، كما عرفت.

فهل يستفاد منها انحصار العلقة التامّة في الشرط، كأن لا يكون من أفراد ما هو العلّة حقيقة، أو لا يستفاد ذلك منها؟ و هذا هو النزاع المعروف بين القوم.

فالمثبتون على أنّ الجملة ظاهرة في انحصار العلّة التامّة في الشرط، و لذلك يحكم بانتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط و لو مع احتمال قيام شرط آخر مقامه، إذ ذلك الاحتمال مدفوع عندهم بظهور الانحصار من اللفظ، فلا يعتنى به.

و المانعون على أنّه لا يستفاد منها ذلك. و ربّما يحتمل أن يكون وجه المنع التأمّل في أحد الموردين المتقدّمين كما يتراءى من بعضهم‏ (2). لكن استدلال السيّد باحتمال قيام سبب آخر مقام الشرط (3) ينادي بتسليمه الموردين، و إنّما النزاع في الثالث كما لا يخفى.

و هل الأصل يقتضي ثبوت المفهوم أو عدمه؟ قد يقال بالثاني؛ لأصالة عدم اعتبار الواضع في مدلول الأداة التعليق على وجه خاصّ. و فيه‏ (4): أنّ ذلك الأصل ممّا لا عبرة به، لمكان المعارضة، كما هو ظاهر.

____________

(1) يعني عرفت في المورد الثاني.

(2) راجع مفاتيح الاصول: 210.

(3) الذريعة 1: 406.

(4) «فيه» من هامش (ع).

28

و الحقّ أنّ مقالة القائل بالمفهوم مطابقة للأصل سواء كان نفس الحكم المذكور في المنطوق مخالفا للأصل كما إذا كان مثل الوجوب و الحرمة، أو مطابقا كالإباحة.

أمّا في الأوّل: فظاهر، لأصالة عدمه في غير مورد اليقين، و أصالة براءة الذمّة عن الشواغل الشرعيّة عند عدم ما يدلّ عليها.

و أمّا في الثاني: فلأنّ تعليل الإباحة و تعليقها على الشرط يشعر بأنّ تلك الإباحة الثابتة في المنطوق ليست إباحة مطابقة للأصل، و إلّا لم يحتج إلى التعليل بالعلّة المذكورة. و لا شكّ أنّ هذه الإباحة عند الشكّ فيها محكومة بالعدم. و ليس ذلك قولا بالمفهوم، كما هو ظاهر. و ذلك نظير ما قيل‏ (1): من أنّ قوله «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء» (2) يفيد أنّ الأصل في الماء انفعاله بالملاقاة، فإنّ تعليق عدمه بالكرّية يفيد ذلك بحسب الأصل، و هو ظاهر.

[ذكر احتجاج القائلين بالمفهوم‏]

ثم إنّ القول بالمفهوم هو المشهور على ما نسبه جماعة (3). و ذهب السيّد (4) من أصحابنا إلى عدمه، و اختاره بعض المتأخّرين أيضا، كالشيخ الجليل الحر العاملي (رحمه اللّه)(5). و الحقّ- كما أشرنا إليه- هو الأوّل.

لنا: قضاء صريح العرف بذلك، فإنّ المنساق إلى الأذهان الخالية من الجمل الشرطية هو التعليق على وجه ينتفي الحكم بانتفاء الشرط، و كفانا بذلك دليلا

____________

(1) لم نعثر عليه بعينه، نعم في القوانين (1: 426) ما يفيد هذا المعنى.

(2) الوسائل 1: 117، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الأحاديث 1، 2 و 6.

(3) انظر مناهج الأحكام: 128، و مفاتيح الأصول: 207.

(4) الذريعة 1: 406.

(5) الفوائد الطوسيّة: 279.

29

و حجّة ملاحظة الاستعمالات الواردة في العرف. و ذلك لا ينافي ثبوت استعمال الجملة في معنى آخر، فإنّ باب المجاز غير منسدّ، و لم يزل البلغاء و الفصحاء يستعملونه في موارد تقضي بها (1) الحال، فما حكي عن الفوائد الطوسيّة: من أنّه تجشّم باستخراج مائة مورد بل و أزيد (2) من القرآن الكريم لا دلالة فيها على المفهوم‏ (3)، فهو تكلّف من غير حاجة، إذ لا نزاع في ثبوت ذلك في الجملة، و لا يوجب ذلك وهنا في قضاء العرف بثبوت المفهوم.

و إلى ما ذكرنا يرجع استدلال البعض باستدلال أهل اللسان بالمفهوم في موارد جمّة، كما ورد ذلك في جملة من الأخبار (4)، و هي مذكورة في الإشارات‏ (5).

و لا ينافي ما ذكرنا من ثبوت المفهوم، ما ذكره أهل الميزان: من أنّ القياس الاستثنائي وضع المقدّم فيه ينتج وضع التالي، كما أنّ رفع التالي ينتج رفع المقدّم، و أمّا رفع المقدّم فلا ينتج رفع التالي. و لو كان المستفاد من الجمل الشرطيّة هو سببيّة الشرط للجزاء كانت النتيجة المذكورة أولى بالثبوت من غيرها.

و وجه عدم المنافاة: أنّ مقصود المنطقيّين و محطّ نظرهم في القياس الاستثنائي الاستدلال بالملازمة و الاستكشاف منها على وجود أحد طرفيها أو

____________

(1) في (ع): «به».

(2) لم يرد «بل و أزيد» في (ع).

(3) الفوائد الطوسيّة: 291.

(4) راجع معاني الأخبار: 209، باب معنى قول إبراهيم ...، الحديث الأوّل، و الوسائل 8:

222، الباب 9 من أبواب العود إلى منى، الحديث 4، و 20: 391، الباب 45 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 5.

(5) إشارات الاصول: 235- 236.

30

عدمه، و لا شك أنّ صرف الملازمة بين الشيئين لا دلالة فيها زيادة على ما ذكروه:

من ثبوت اللازم عند ثبوت الملزوم، و من انتفاء الملزوم عند انتفاء اللازم. و أمّا ثبوت اللازم فلا يدلّ على ثبوت ملزوم خاصّ، لجواز كونه أعمّ، كما أنّ نفي الأخصّ لا يلازم نفي الأعمّ، كما يظهر من قولك: «لو كان هذا إنسانا كان حيوانا» فإنّ نفي الإنسان لا يلازم نفي الحيوان، كما أنّ إثبات الحيوان لا يلازم إثبات الإنسان؛ و لذلك لم يذكروا ذلك في عداد النتائج الحاصلة من الاستثنائي، و حيث كانت الجملة الشرطيّة مفادها ثبوت الملازمة جعلوا تلك الجملة أمارة على ما راموه من الاستنتاج، كما عرفت. و ليس ذلك لأجل اختصاص تلك الجملة بإفادة الملازمة على وجه لا يلزم من نفي المقدّم نفي التالي.

و الحاصل: أنّه حيث كان مقتضى الترتيب الطبيعي عند إرادة الاستنتاج أن يجعل ما هو الأعمّ مذكورا في التالي و ما هو الأخصّ في المقدّم و كان ثبوت الخاصّ دليلا على ثبوت العامّ و عدم العامّ دليلا على عدم ثبوت الخاص، اقتصروا في النتيجة على ما ذكروا، و أين ذلك من انحصار مدلول الجملة الشرطيّة فيما لا يلزم من عدم المقدّم عدم التالي؟ و بالجملة، فمنشأ ذلك اختلاف أنظارهم.

احتجّ المنكرون بوجوه:

الأوّل: ما عزاه جماعة إلى السيّد (1) و هو: أنّ تأثير الشرط إنّما هو تعليق الحكم به، و ليس يمنع أن يخلفه و ينوب منابه شرط آخر يجري مجراه، و لا يخرج عن كونه شرطا، فإنّ قوله تعالى: وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏ (2)

____________

(1) الذريعة 1: 406.

(2) البقرة: 282.

31

يمنع من قبول الشاهد الواحد حتّى ينضمّ إليه شاهد آخر، فانضمام الثاني إلى الأوّل شرط في القبول، ثمّ علمنا أنّ ضمّ امرأتين إلى الشاهد الأوّل شرط في القبول، ثمّ علمنا أنّ ضمّ اليمين إلى الأوّل يقوم مقامه أيضا، فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن تحصى، مثل الحرارة، فإنّ انتفاء الشمس لا يلزم انتفاء الحرارة، لاحتمال قيام النار مقامه. و الأمثلة لذلك كثيرة شرعا و عقلا.

و الجواب: أنّ ما أفاده ممّا لا ينافي ما نحن بصدده، فأنّ ظاهر الاستدلال ناظر إلى إمكان نيابة شرط عن شرط آخر فكأنّه جعل النزاع في أمر عقليّ، فحاول رفع امتناع ذلك بما أفاده. و على تقديره فهو حقّ لا محيص عنه، إلّا أنّ الظاهر من عناوين المسألة رجوع البحث إلى الأبحاث اللغويّة، مثل النزاع في وضع هيئة الأمر للوجوب.

و إذ قد عرفت، فنقول: إنّ المستدلّ إن أراد بذلك منع الظهور الوضعي فيما نحن فيه، فقد عرفت ممّا تقدّم جوابه. و إن أراد أمرا آخر فهو لا ينافي ما نحن بصدده. و كأنّ السيّد أيضا لا يمنع الظهور، كما ربما يشعر به قوله في الاستدلال:

إنّ قوله تعالى: فَاسْتَشْهِدُوا يمنع من قبول الشاهد الواحد، فإنّ هذا هو عين القول بالمفهوم، غاية الأمر أنّه لم يعوّل عليه، لما ذكره بقوله: «ثمّ علمنا أنّ ضمّ امرأتين ... الخ» فإنّ الظاهر (1) يدفع بالقاطع كما هو المفروض في كلامه، كيف! و المنقول منه اعترافه بثبوت مفهوم العدد (2) مع كونه أضعف من مفهوم الشرط بمراتب.

____________

(1) في (ع) زيادة: «قد».

(2) الموجود في الذريعة إنكار مفهوم العدد، انظر الذريعة 1: 407، و لم نعثر على الحاكي.

32

و أمّا ما لم يعلم بقيام سبب آخر فظاهر الجملة يلزم الأخذ به من دون اعتناء باحتمال وجود سبب آخر، كما هو الحال في سائر الظواهر. و بالجملة، فمع احتمال تعدّد الأسباب لا ينبغي الاعتناء به، و مع العلم فهو المتّبع، و لكنّه لا يضرّ ما نحن بصدده من ثبوت المفهوم، فإنّ القائل بالمفهوم يلتزم بالتقييد (1) و يحكم بعدم الجزاء عند عدم الشرط بجميع أفراده لا في الجملة، و هو ظاهر في الغاية.

لا يقال: يمكن أن يكون السبب الآخر المحتمل قيامه مقام السبب الأوّل ملازما في الوجود مع نقيض الشرط، و حينئذ لا سبيل إلى القول بأنّ قيام سبب آخر لا ينافي ثبوت المفهوم.

لأنّا نقول: إن أريد أن يكون الحكم ثابتا على تقديري وجود الشرط و عدمه؛ لأنّ عدمه يقوم مقام وجوده في ترتّب الجزاء عليه، فلا يمكن القول بالمفهوم، لاستلزامه ارتفاع النقيضين فهو على تقدير تعقّله يوجب إلقاء الاشتراط، إذ لا فائدة في الاشتراط بالشرط المذكور. و إن اريد غير ذلك كأن يكون هناك ضدّان كالسواد و البياض و كلّ واحد منهما باعتبار جامع بينهما يقتضي حكما، فيجوز التعلّق المذكور، و لا يضرّ في ثبوت المفهوم، إذ يقال: إنّه على تقدير وجود السواد و البياض‏ (2) الحكم كذا، و على تقدير عدمهما معا فالحكم المذكور منتف. و لا ضير في ذلك.

فإن قلت: قد يكون السبب القائم مقامه محتملا لعدّة امور فيصير مجملا، فيلغو اعتبار المفهوم.

____________

(1) في (ع): «بالتقيّد».

(2) في (ع): «أو البياض».

33

قلت: نعم، و لكنّه لا يضرّ بظهور اللفظ فيما لا يحتمل ذلك، فإنّ الحكم بالإجمال في المجمل لا يسري إلى ما ليس بمجمل، و هو ظاهر.

و قد يعترض على السيّد: بأنّ مجرّد احتمال قيام سبب آخر لا ينافي القول بالمفهوم، لأنّ الأصل يقضي بعدمه.

و فيه: أنّ المانع أيضا لم يعلم من حاله الاعتداد بالاحتمال المذكور و عدم الأخذ بالأصل في مقام الشك في القيام، لكنّه لا دخل له في ثبوت المفهوم، فإنّ المقصود نفي الاحتمال المذكور بظهور اللفظ كما يدّعيه القائل بالمفهوم، و هو ظاهر.

الثاني: أنّه لو دلّ لكان بإحدى الدلالات، و الملازمة كبطلان التالي حيث لا لزوم عقلا و لا عرفا- ظاهرة.

و الجواب: أنّا نمنع بطلان التالي، إذ الالتزام ثابت، فإنّا قد قدّمنا أنّ العرف قاض بأنّ المستفاد من أداة الشرط هو التعليق على وجه خاصّ يلزم منه الانتفاء عند الانتفاء، و ذلك نظير قضاء العرف باستفادة الطلب من الأمر على وجه لا يرضى الطالب بتركه، و هو المعبّر عنه بالوجوب، فيكون الوجوب مدلولا التزاميّا وضعيّا للأمر.

و قد يجاب: بأنّ الدلالة المذكورة من التضمّن، فإنّ التعلّق المذكور في نظيره‏ (1) مركّب من قضيّة يحكم فيها بالوجود عند الوجود و قضية اخرى يحكم فيها بالانتفاء عند الانتفاء، نظير لفظ «السبب» في وجه. و هو بعيد؛ إذ المعقول عندنا هو الالتزام دون التضمّن، كما لا يخفى.

____________

(1) في (ع): «نظره».

34

ثم إنّا قد أشرنا في بعض المباحث السابقة إلى الفرق بين هذه الالتزامات و بين الالتزامات في مسألة الضدّ و المقدّمة، و حاصله: أنّ النزاع في هذه المسائل في أنّ مدلول اللفظ هل المعنى الذي يلزمه اللازم الفلاني أو معنى لا يلزمه، و النزاع في تلك المسائل إنّما هو في ثبوت الملازمة بين المعنيين و لو لم يعبّر عنهما بلفظ أصلا.

الثالث: قوله تعالى: وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً (1) وجه الدلالة: أنّ اعتبار المفهوم يوجب إباحة الإكراه عند عدم الشرط، و هو عدم إرادة التحصّن، و اللازم باطل، و الملزوم مثله.

و الجواب: أنّ مجرّد الاستعمال أعمّ من الحقيقة، و نحن لا ننكر استعمال الجمل الشرطيّة فيما يلغو فيه المفهوم، و إنّما الكلام في الظهور العرفي، و وجود الاستعمالات المخالفة (2) و إن كانت غالبة، غير مضرّ فيه؛ لاقترانه بالقرينة في الكلّ.

و أجاب عنه في المعالم‏ (3) و غيره‏ (4)، تارة: بالالتزام بالمفهوم و القول بأنّها تدلّ على عدم حرمة الإكراه عند عدم إرادة التحصّن، و ذلك لا يقتضي إباحة الإكراه، إذ لا يعقل الإكراه عند عدم إرادة التحصّن، فيصدق: أنّه لا يحرم الإكراه عند عدم إرادة التحصّن، لأنّ السالبة صادقة عند انتفاء الموضوع أيضا.

و أخرى: بأنّ التعليق بالشرط إنّما يقتضي الانتفاء إذا لم يظهر للشرط فائدة

____________

(1) النور: 33.

(2) في (ع): «المختلفة».

(3) المعالم: 78.

(4) انظر الفصول: 151، و مناهج الاصول: 129.

35

اخرى، و أمّا إذا ظهرت فائدة فلا، كما في الآية، فإنّ الوجه في التعليق يحتمل أن يكون المبالغة في النهي عن الإكراه، يعني: أنّهنّ إذا أردن العفّة فالمولى أحقّ بإرادتها.

و يرد على الأوّل- بعد الغضّ عن إمكان الواسطة عند عدم الالتفات أو عنده مع التردّد-: أنّ ذلك يوجب إلغاء المفهوم، فإنّه كما ستعرف يجب أن لا يكون بين المفهوم و المنطوق اختلاف إلّا من جهة الإيجاب و السلب، و المفروض في المنطوق هو وجود الموضوع، فيجب اعتباره في المفهوم أيضا.

و توضيحه: أنّه لو قال المولى لأحد غلمانه: «إن جاءك زيد فأضفه» فلا بدّ أن تكون الإضافة المنفيّة في طرف المفهوم أمرا مقدورا كما أنّها في المنطوق كذلك، فلو كان الإضافة في المفهوم غير مقدور كان التعليق المذكور تعليقا مجازيّا. و صدق السالبة بدون الموضوع و إن كان صادقا، لكنّه لا يصحّح ثبوت المفهوم؛ لما عرفت، فلا وجه لتصحيح المفهوم بما ذكر، بل الظاهر أنّ الجملة الشرطيّة مسوقة في مثله لبيان موضوع الحكم، كما في قوله: «إن ركب الأمير فخذ ركابه» و «إن رزقت ولدا فاختنه» و قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (1) إلى غير ذلك من الموارد.

و على الثاني‏ (2): أنّ ذلك ينافي القول بالمفهوم، فإنّ اللازم حينئذ اقتصار الحكم بما إذا علم عدم الفائدة. و دعوى كونها أظهر الفوائد إن رجعت إلى دعوى الوضع، فمرجعها إلى ما قلنا، و إلّا فلا فائدة فيها. و هو ظاهر.

____________

(1) الحجرات: 6.

(2) عطف على قوله: «و يرد على الأوّل».

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

هداية [- هل النزاع في ثبوت المفهوم مختص بموارد الوصايا و الأوقاف و الأقارير أو يشمل الأعمّ منها؟]

بعد ما عرفت أنّ الحقّ هو المفهوم في الجملة الشرطيّة، فهل يفرق في ذلك بين موارد الوصايا و الأوقاف و نحوها و بين غيرها؟ فنقول: لا فرق فيما ذكرنا من ثبوت المفهوم بين كون الجمل الشرطيّة واقعة في موارد الوصايا أو الأوقاف أو الأقارير و بين غيره.

و يظهر من الشهيد الثاني اختصاص النزاع بالثاني بخروج الأوّل عن محلّ التشاجر؛ للقطع بثبوت المفهوم فيها من غير أن يكون قابلا للنزاع. قال في محكيّ تمهيد القواعد: لا إشكال في دلالتها (1) في مثل الوقف و الوصايا و النذر و الأيمان، كما إذا قال: «وقفت هذا على أولادي الفقراء» أو «إن كانوا فقراء» أو نحو ذلك‏ (2). و لعلّ الوجه في تخصيص‏ (3) المذكور هو عدم دخول غير الفقراء في الموقوف عليهم و فهم التعارض فيما لو قال بعد ذلك: وقفت على أولادي مطلقا.

و فيه: أنّ ذلك خلط بين انتفاء الإنشاء الشخصي الخاصّ الموجب لما يترتّب عليه من الآثار من ملك أو لزوم أمر آخر، و بين انتفاء نوع الوجوب المعتبر في المفهوم، فإنّ انتفاء الشخص قطعيّ لا يقبل إنكاره بعد ارتفاع الكلام الدالّ على الإنشاء، و من لوازم تشخّصه عدم سراية ذلك الحكم الثابت به‏

____________

(1) في المصدر: «دلالتهما»، أي: الصفة و الشرط.

(2) تمهيد القواعد: 110.

(3) كذا، و الظاهر: التخصيص.

38

إلى غيره؛ كما يظهر ذلك بملاحظة مفهوم اللقب، فإنّ وجوب إكرام زيد الثابت بإنشاء خاصّ منفيّ عن عمرو قطعا. نعم، يصحّ إنشاء الوجوب أيضا لعمرو بإنشاء آخر مماثل لإنشاء وجوب إكرام زيد. و لا يصحّ إنشاء الوقف لغير الفقير بواسطة عدم قابليّة المحلّ المذكور لوقفين، حيث إنّ ذلك المتعلّق أمر شخصي، بخلاف الإكرام فإنّه كلّي يحتمل الوجوبين بالنسبة إلى زيد و عمرو.

و نظير الملك المذكور هو ما إذا أمر بفرد خاصّ شخصيّ للإكرام لو فرض، فإنّه لا يحتمل الوجوبين أيضا.

و بالجملة، فعدم دخول غير الفقراء في الموقوف عليهم لا يقضي بالمفهوم كما عرفت في اللقب أيضا. و فهم التعارض و التناقض بين قوله: «وقفت على أولادي إن كانوا فقراء» و «وقفت على أولادي» مطلقا بواسطة عدم تحمّل العين لتمليكين، كما هو ظاهر. و المعتبر في المفهوم انتفاء الحكم عن مورد الشرط على تقدير انتفائه بحسب نوع الحكم و سنخه.

و قد يستشكل في المقام، نظرا إلى أنّ الشرط المذكور إنّما وقع شرطا بالنسبة إلى الإنشاء الخاصّ الحاصل بذلك الكلام دون غيره، فأقصى ما تفيده الشرطيّة انتفاء ذلك، و أين ذلك من دلالته على انتفاء نوع الوجوب؟ كما هو المدّعى.

و قد يذبّ عنه: بأنّ الوجوب المنشأ في المنطوق هو الوجوب مطلقا من حيث كون اللفظ موضوعا له بالوضع العامّ، و اختصاصه و شخصيّته من فعل الآمر، كما أنّ شخصيّة الفعل المتعلّق للوجوب من فعل المأمور، فيحكم بانتفاء مطلق الوجوب في جانب المفهوم.

أقول: لا وقع للاشكال و الدفع.

39

أمّا الأوّل: فلأنّ الكلام المشتمل على المفهوم إمّا أن يكون خبريّا، كقولك:

«يجب على زيد كذا إن كان كذا» و إمّا أن يكون إنشائيّا، كقولك: «إن جاءك زيد فأكرمه» و ارتفاع مطلق الوجوب في طرف المفهوم في الأوّل ظاهر، حيث إنّ المخبر عن ثبوته في المنطوق ليس شخصا خاصّا من الوجوب، ضرورة كون الوجوب كلّيا. فلا يتوجّه هنا إشكال حتّى يدفع بما ذكره أو بغيره. و أمّا ارتفاع مطلق الوجوب فيما إذا كان الكلام إنشائيّا فهو من فوائد العلّية و السببيّة المستفادة من الجملة الشرطيّة، حيث إنّ ارتفاع شخص الطلب و الوجوب ليس مستندا إلى ارتفاع العلّة و السبب المأخوذ في الجملة الشرطيّة، فإنّ ذلك يرتفع و لو لم يؤخذ المذكور في حيال أداة الشرط علّة له، كما هو ظاهر في اللقب و الوصف.

فقضيّة العلّية و السببيّة ارتفاع نوع الوجوب الذي أنشأه الآمر و صار بواسطة إنشائه شخصا من الوجوب. و أمّا وقوع الشرط شرطا للإنشاء الخاصّ فهو بملاحظة نوع الوجوب المتعلّق به الإنشاء و إن لم يكن ذلك على ذلك الوجه مدلولا للّفظ، إذ يكفي فيه ارتفاع شخصه من حيث إنّه عنوان لارتفاع نوعه، نظرا إلى العلّية المذكورة.

و أمّا الثاني: فلأنّ ابتناء الدفع على ما زعمه من عموم الموضوع له و الوضع ليس على ما ينبغي، كما عرفت فيما ذكرنا؛ مضافا إلى أنّ ذلك أيضا ممّا لم يقم دليل عليه لو لم نقل بقيام الدليل على خلافه، حيث إنّ الخصوصيّات بأنفسها مستفادة من الألفاظ. و الحمد للّه.

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

هداية يجب تطابق المفهوم و المنطوق في جميع القيود المعتبرة في الكلام و الاعتبارات اللاحقة له، إلّا في النفي و الإثبات.

و الوجه في ذلك- بعد ما عرفت من أنّ الوجه في ثبوت المفهوم هو علّيّة الشرط للجزاء- ظاهر، حيث إنّ العلّية تقضي بارتفاع ما فرض كونه معلولا عند ارتفاع‏ (1) العلّة، و لا يقضي بارتفاع ما هو أجنبيّ عن العلّة، فمفهوم قولك: «إن جاءك زيد يوم الجمعة فأكرمه» عدم وجوب إكرام زيد على تقدير عدم المجي‏ء في يوم الجمعة، لا مطلقا، فلا ينافي ثبوته في السبت، إلى غير ذلك ممّا هو معتبر في الكلام.

نعم، ينبغي استثناء ما هو متفرّع على النفي و الإثبات و ليس منفيّا و لا مثبتا في الكلام، و ذلك نظير استفادة العموم من النكرة الواقعة في سياق النفي و عدم استفادته من الواقعة في حيّز الإثبات، كما في قولك: «إن جاءك زيد فأعتق رقبة» إذ المستفاد منه في المنطوق وجوب عتق رقبة مردّدة بين أفراد جنسها على تقدير الشرط، و في المفهوم يستفاد عدم وجوب عتق كلّ فرد من الرقبة، و ذلك ليس بضائر فيما ذكرنا، فإنّه من خصائص النفي و الإثبات الواردين على الطبيعة المطلقة، و ليس ذلك من مداليل اللفظ إلّا على القول بدخول وصف الإطلاق في الموضوع له فيتوجّه النفي في المفهوم إلى ذلك القيد.

____________

(1) في (ع): «انتفاء».

42

و قد يتوهّم أنّ مفهوم قولنا: «إن جاء زيد فهو يكرم» على جهة الإخبار- الذي يستفاد منه وجوب الإكرام على تقدير الشرط بواسطة حسن الطلب- هو قولنا: «إن لم يجئك زيد فلا يكرم» و هو يفيد التحريم. و ذلك أيضا من الامور المتفرّعة على نفس النفي و الإثبات، فلا يضرّ اختلاف المفهوم و المنطوق بهذا الوجه نظير اختلافهما بالعموم و الإطلاق في المثال المتقدّم.

و فيه: أنّ ذلك لا يخلو من مغالطة.

و توضيحه: أنّ قولك: «يكرم» يفيد التحريم فيما إذا وقع في حيّز النفي إذا لم يكن ممّا استفيد منه الوجوب، و أمّا إذا كان ممّا استفيد منه الوجوب و وقع في حيّز النفي فلا يفيد ذلك إلّا رفع الوجوب. و بعبارة واضحة: أنّ قولك: «يكرم» إذا لوحظ بشرط وقوعه في الجملة الإثباتيّة التي يستفاد منها الوجوب، غير قولك:

«يكرم» إذا لوحظ لا بشرط شي‏ء، و الثاني يفيد التحريم في الجملة المنفيّة دون الأوّل. و لا يجري ذلك في الإطلاق، حيث إنّ ورود النفي و الإثبات على الطبيعة الملحوظة لا بشرط يفيد ذلك، و وقوعه في الجملة الإثباتيّة لا يعقل أخذه شرطا لها، إذ المفروض كونها لا بشرط شي‏ء، فتدبّر.

و الحاصل: أنّه لا بدّ من ملاحظة الامور المستفادة من ضروب التراكيب و وجوه الكلام، فإنّه ربما يتوهّم خلاف ما هو الواقع.

و من ذلك: ما توهّم أنّه لو كان مفاد المنطوق الوجوب العيني، كما إذا قال:

«إن جاءك زيد فيجب عليك إكرامه» الظاهر في الوجوب العيني، فالمستفاد منه في المفهوم أيضا هو نفي الوجوب العيني على تقدير عدم الشرط، و لا ينافي إثبات الوجوب التخييري على تقدير عدم الشرط.

و بعد ما عرفت من أنّ لوازم النفي و الإثبات لا يعتبر في المفهوم و المنطوق لا ينبغي الإشكال في فساد التوهّم المذكور، فإنّ ذلك من قبيل الإطلاق و العموم‏

43

المستفادين في المثال المتقدّم، من غير فرق في ذلك بين استفادة الوجوب من مادّة الوجوب- كما في المثال المتقدّم- أو من الهيئة، حيث إنّ ذلك يرجع في الحقيقة إلى إطلاق المادّة، و المفروض أنّ الطبيعة المطلقة إذا وقعت في سياق النفي يستفاد منها العموم؛ و لذلك تراهم يقولون بالتعارض فيما إذا دلّ الدليل على وجوب إكرام زيد في المثال المذكور على تقدير عدم الشرط تخييرا. و لا فرق فيما ذكرنا بين أقسام الوجوب المستفاد من الهيئة من الإطلاق و التعيين و النفسيّة و غيرها، فإنّ الظاهر من المفهوم نفي جميع الأقسام و إن كان المنطوق خاصّا بواحد منها.

هذا كلّه فيما إذا كان المأخوذ في المنطوق مطلقا. و أمّا إن كان عامّا استغراقيّا، كقولك: «إن جاءك زيد فأكرم العلماء» فهل يستفاد من المفهوم عدم وجوب الإكرام بالنسبة إلى كلّ فرد فرد من العلماء على تقدير عدم الشرط، أو يستفاد عدم وجوب إكرام الجميع؟ فعلى الأوّل لو دلّ دليل على وجوب إكرام زيد العالم يعارضه المفهوم، بخلافه على الثاني.

اختلفوا في ذلك، فيظهر من جماعة- منهم الشيخ و صاحب المعالم و المحقّق القمّي رحمهم اللّه- الأوّل، و حكي [عن‏] بعضهم الثاني‏ (1). و لعلّ وجه الاختلاف في ذلك هو: أنّ العموم الملحوظ في المنطوق هل هو يعتبر آلة لملاحظة حال الأفراد على وجه الشمول و الاستغراق فلا يتوجّه النفي إليه في المفهوم فيكون الاختلاف بين المنطوق و المفهوم في الكيف فقط دون الكمّ، أو يعتبر على وجه الموضوعيّة فيتوجّه إليه النفي فالاختلاف بينهما ثابت كمّا و كيفا على قياس النقيض المأخوذ عند أهل الميزان؟

____________

(1) راجع ضوابط الاصول: 112.

44

و كيف كان، فلا بدّ من تشخيص أحد الموضوعين حتّى نجري على منواله في الحكم المذكور.

فنقول: لا إشكال عند العلم بأحد الوجهين. و أمّا إذا لم يعلم ذلك من القرائن الخارجيّة، فالظاهر أنّ العرف قاض بالوجه الأوّل. و أمّا ما يرى من ظهور قولك: «إن جاءك زيد فلا تقتل أحدا» في الوجه الثاني- حيث إنّه لا يدلّ على عدم حرمة قتل أحد على تقدير عدم المجي‏ء- فبملاحظة القرينة، لمكان العلم بأنّ سبب حرمة القتل في كلّ واحد لا ينحصر في الشرط المذكور، بل لها أسباب عديدة. و ذلك مثل قول القائل: «إن كان زيد أميرا لاستغنى كلّ أحد» فإنّه لا يفيد أنّه على تقدير عدم إمارة زيد لا يستغني أحد.

و توضيح ذلك: أنّه قد يعلم بوجود أسباب كثيرة للحكم المأخوذ في الجملة الشرطيّة، و حينئذ فلو أخذنا العام في الجزاء دلّ ذلك على سببيّة الشرط لعموم الحكم، لا للحكم على وجه العموم، و نحن لا نضايق من ذلك.

و الحاصل: أنّ قضيّة ما ذكرنا من التطابق بين المفهوم و المنطوق، و ما تقدّم من ظهور الجملة الشرطيّة في انحصار السبب- المؤيّد بفهم العرف فيما نحن فيه أيضا- هو الوجه الأوّل. و لا ينافي ذلك ما هو المقرّر في الميزان: من أن نقيض الموجبة الكلّية هي السالبة الجزئيّة، فإنّ غرضهم لا يتعلّق ببيان ظواهر القضايا، بل نظرهم مقصور على بيان لوازم ما هو القدر المتيقّن من القضيّة، و لا ريب أنّ المتيقّن هو اللازم بالنسبة إلى المجموع دون الآحاد.

و من هنا يعلم صحّة ما أفاده بعض الأساطين‏ (1) في قوله (عليه السّلام): «إذا كان الماء

____________

(1) و هو الوحيد البهبهاني في حاشية المدارك كما نقله عنه في هداية المسترشدين 2: 460، و راجع حاشية المدارك 1: 48، ذيل قول الشارح: لفقد الشرط.

45

قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء» (1) من أنّ مفهومه «أنّه إذا لم يكن قدر كرّ ينجّسه كلّ شي‏ء من النجاسات» و فساد ما أورد عليه‏ (2): من أنّ اللازم من القضيّة المذكورة نجاسة الماء الغير الكرّ بشي‏ء من النجاسات، و هو مجمل لا يفيد و لا يلزم منه النجاسة بكلّ شي‏ء؛ و لذلك نقول بأنّ ما دلّ على عدم نجاسة غسالة الاستنجاء يعارض عموم المفهوم‏ (3) مثل ما يدلّ على عدم نجاسته إذا كان عاليا (4) إلى غير ذلك.

و نظير ذلك في صحّة الاستدلال و فساد الاعتراض، ما أفاده الشيخ:

من عموم مفهوم قوله: «كلّ ما يؤكل لحمه يتوضأ من سؤره» (5) و ما اعترضه الشيخ محمّد في حاشية الاستبصار: بعدم العموم‏ (6)، فلاحظهما متأمّلا فإنّه حقيق بذلك.

و اللّه الهادي.

____________

(1) الوسائل 1: 117- 118، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الأحاديث 1 و 2 و 5 و 6.

(2) أورده في هداية المسترشدين 2: 460- 461.

(3) كذا، و الظاهر: «مفهوم» بدون اللام.

(4) في (ع): «غالبا».

(5) التهذيب 1: 224، ذيل الحديث: 642.

(6) استقصاء الاعتبار 1: 203- 206.

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

هداية [- حكم تعدّد الشرط]

بعد ما عرفت من أنّ ظاهر الجملة الشرطيّة سببيّة الشرط للجزاء على وجه الانحصار، فلو تعدّد الشرط فلا بدّ من الخروج عن ذلك الظاهر، و ذلك يحتمل وجوها:

أحدها: تخصيص مفهوم كلّ منهما بمنطوق الآخر، فقول الشارع:

«إذا خفي الأذان فقصّر» (1) و «إذا خفي الجدران فقصّر» (2) يراد من كلّ منهما انتفاء وجوب القصر عند انتفاء السبب الآخر أيضا. و الوجه في ذلك ما هو المعروف:

من أنّ دلالة اللفظ على منطوقة أقوى من دلالته على مفهومه، و لا ريب أنّه عند التعارض يقدّم الأقوى.

و ثانيهما: رفع المفهوم فيهما. و يظهر الثمرة أنّه على الأوّل يستدلّ بهما على عدم مدخليّة شي‏ء آخر في الجزاء المفروض، بخلافه على الثاني.

و على الوجهين لا ريب في لزوم المجاز على القول باستناد المفهوم إلى الوضع. و قد يتوهّم أنّه على القول بالتضمّن لا يكون هناك مجاز. و هو وهم؛ إذ على تقديره يلزم استعمال اللفظ الموضوع للكلّ في الجزء.

و ثالثها: تقييد إطلاق الشرط في كلّ منهما بالآخر وجودا فيكون المراد في المثال المذكور «إذا خفي الأذان عند خفاء الجدران فقصّر» أو عدما فالمعنى‏

____________

(1) لم نعثر عليه بعينه، نعم يوجد ما يدلّ عليه، راجع الوسائل 5: 506، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

(2) لم نعثر عليه بعينه أيضا، و يدلّ عليه ما في المصدر المتقدم، الحديث الأوّل.

48

«إذا خفي الأذان و لم يكن الجدران مخفيّة فقصّر» فعلى الأوّل يرجع الأمر إلى أنّ كلّ واحد منهما جزء السبب، فلا يجوز القصر مع خفاء أحدهما فقط، كما ذهب إليه جماعة (1)، و هو أبعد الوجوه. و على الثاني يكون كلّ واحد منهما سببا مستقلّا عند عدم الآخر، و أمّا مع وجود الآخر فلا سببيّة فيهما.

و هذان الوجهان يلائمان القول باستناد المفهوم إلى الإطلاق، بل و ربّما يستدلّ بذلك عليه، حيث إنّه لو كان بالوضع يلزم ما عرفت من المجاز، و لا يلزم على هذا التقدير إلّا تقييد الإطلاق، و هو لو كان مجازا أيضا مقدّم على غيره من أنواع المجاز.

و رابعها: إبقاء إحدى الجملتين بحالها مفهوما و منطوقا و التصرّف في الاخرى كذلك، كما هو الظاهر من الحلّي في المثال المذكور، فإنّه جعل المناط في القصر خفاء الأذان فقط، و قيّد منطوق الآخر بخفاء الأذان و مفهومه بعدمه‏ (2)، فيرجع إلى إلغاء الجملة الثانية رأسا. اللهم إلّا أن يكون خفاء الجدران من الأمارات الّتي يتوصّل بها إلى خفاء الأذان، فلا يلزم لغويّته رأسا.

و خامسها: إرادة القدر المشترك بين الشرطين من كلّ واحد منهما.

و توضيحه: أنّ الظاهر من الجملة الشرطيّة هو كون ما اخذ في الشرط بعنوانه الخاصّ علّة تامّة منحصرة للجزاء، إلّا أنّ تعدّد الشروط ينهض قرينة على‏

____________

(1) منهم: السيّد المرتضى (رسائل الشريف المرتضى) المجموعة الثالثة: 47، و الشيخ في الخلاف 1: 572، المسألة 324، و قد نسبه في المدارك 4: 457، إليهما و إلى أكثر المتأخّرين، و منهم: الشهيد في الذكرى 4: 321، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 346.

(2) السرائر 1: 331.

49

أنّ الشرط إنّما هو شرط بعنوانه الأعمّ الشامل للشرط الآخر، فلا مجاز فيما يدلّ على العلقة و لا تقييد في إطلاق أحد الشرطين. و لعلّ العرف يساعد على ذلك بعد الاطّلاع على التعدّد.

و كيف كان، فالوجه الأوّل و القسم الثاني من الثالث مشتركان مع هذا الوجه في أنّ الحكم ثابت على تقدير كلّ واحد من الشرطين و مرتفع عند عدمهما معا، كما هو الشأن فيما إذا تعدّدت العلل مع قيام إحداها مقام الاخرى، إلّا أنّ الاختلاف في وجه التصرّف.

فعلى الأوّل، يلزم المجاز- كما عرفت- و إن لم نقل بأنّ التخصيص مجاز.

و الوجه فيه: أنّ المفهوم من اللوازم العقليّة للمنطوق، و لا يعقل التصرّف في المدلول الالتزامي إلّا بعد التصرّف في المدلول المطابقي.

و على الثاني، يلزم تقييد الإطلاق في كلّ واحد منهما بعدم الآخر، و أمّا مع الوجود فإمّا أن يقال بأنّ التأثير للمتقدّم أو للقدر المشترك، على حسبما تعرف.

و على الثالث، فلا يلزم شي‏ء منهما، إلّا أنّه خروج عن الظاهر، حيث إنّ ظاهر الشرط كونه علّة لعنوانه الخاصّ، و لا يلزم مجاز، فتدبّر: و اللّه الهادي.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

هداية [- حكم تعدّد الأسباب و اتحاد الجزاء]

إذا تعدّدت الأسباب و اتّحد الجزاء، فلا إشكال على ما ذهب إليه الحلّي من إلغاء إحدى الجملتين، كما أنّه كذلك على ما ذهب إليه البعض‏ (1): من أنّ كلّ واحد منهما جزء السبب. و على الوجوه الأخر، فهل اللازم تعدّد المسبّبات و لزوم إيجاد الجزاء على حسب تعدّد الشروط، أو يتداخل المسبّبات و يكتفى في الإتيان بالجزاء دفعة واحدة؟ اختلفوا فيه على أقوال:

فالمشهور على عدم التداخل، و ذهب جماعة منهم المحقّق الخوانساري (رحمه اللّه) إلى التداخل على ما يظهر منه في المشارق‏ (2). و عن الحلّي التفصيل بين اتّحاد الجنس و تعدّده. و توضيح المقام بعد رسم امور:

أحدها: أنّ التداخل تارة يعتبر في الأسباب، كأن يقال: بأنّ تعدّد الشروط لا يقتضي إلّا إيجاد جزاء واحد، سواء كانت تلك الأسباب من نوع واحد مثل تعدّد أفراد النوم المقتضي لوضوء واحد، أو من أنواع مختلفة كتعاقب النوم و البول بالنسبة إلى الوضوء.

و اخرى يعتبر في المسبّبات، كأن يقال: إنّ تعدّد الشروط قاض بتعدّد المسبّبات، إلّا أنّ الجزاء الواحد يقوم مقام ذلك المتعدّد.

فعلى الأوّل فتداخل المسبّبات عزيمة و يتوقّف جواز الإتيان به ثانيا على وجه الامتثال على دليل، و على الثاني رخصة.

____________

(1) كما تقدّم عن جماعة في الصفحة: 48.

(2) مشارق الشموس: 61.

52

و لعلّ نظرهم إلى تداخل المسبّبات في المقام، كما يظهر من استدلالهم بحصول الامتثال فيما لو أتى بالمسبّب مرّة واحدة.

و لا ينافي ذلك استدلالهم. بأنّ العلل الشرعيّة معرّفات فلا يمتنع اجتماعهما في شي‏ء واحد، الظاهر في دعوى تداخل الأسباب؛ لأنّ المقصود حقيقة إثبات عدم تعدّد الجزاء، كما هو المصرّح به في كلام بعضهم: من أنّ المراد تداخل المسبّبات، و إنّما عبّروا عنه بتداخل الأسباب تنبيها على علّة الحكم.

الثاني: الجزاء المأخوذ في الجملة قد يكون قابلا للتعدّد. و قد لا يكون، كقتل زيد إذا وقع جزاء لشروط عديدة.

لا ينبغي الإشكال في خروج الثاني عن محلّ النزاع. نعم، قد يستشكل في كيفيّة تأثير الأسباب المتعدّدة فيما لا يقبل التعدّد إذا تعاقب الأسباب أو تواردت دفعة واحدة، فإنّه إمّا أن يقال بسببيّة كلّ منهما (1) مستقلّا فيلزم المحال المعروف، أو باستناد الأثر إليهما معا، و هو خلاف الفرض؛ لكفاية أحدهما فيه قطعا. و القول بأنّ القدر المشترك بينهما سبب لا يدفع الضيم؛ لعدم تحقّقه إلّا في الأشخاص، و وجوده الذهني لا يترتّب عليه شي‏ء، و استناد الأثر إلى أحدهما ترجيح بلا مرجّح.

أقول: إمّا أن يكون المسبّب ممّا يختلف شدّة و ضعفا أو لا، فعلى الأوّل لا إشكال؛ لاستناد المرتبة الشديدة إليهما دفعة عند التوارد، و انقلاب الضعيفة إلى الشديدة عند التعاقب. و على الثاني فنلتزم بأنّ السبب هو القدر المشترك و لا ضير فيه، إذ القدر المشترك لا يتعدّد بتعدّد الأشخاص و الوجودات الخاصّة.

و لا أقول إنّ نفس الماهيّة مع قطع النظر عن الوجود هي السبب حتّى يقال بأنّ الماهيّة الذهنية لا يترتّب عليها شي‏ء، بل الماهية من حيث الوجود، إلّا أنّه لا حكم لنفس الوجودات الخاصّة.

____________

(1) كذا، و المناسب: «منها» و كذا الكلام في الضمائر الآتية.

53

و حينئذ فلو تعاقب الأسباب فالأثر مستند إلى الأوّل و يلغو الباقي؛ لعدم قابليّة المحلّ بعد الاتّصاف بالمثل. و لو تواردت دفعة واحدة فالأثر مستند إلى الماهيّة الموجودة و لا اختصاص للوجودات، فلا يلزم محذور، لعدم تعدّدها.

و بما ذكرنا يظهر فساد ما قيل‏ (1): من أنّها معرّفات؛ أمّا أوّلا: فلما ستعرف أنّه خلاف الواقع، و أما ثانيا: فلأنّ الأسباب الواقعيّة ربما يكون كذلك.

الثالث: حكي عن فخر المحقّقين أنّه جعل مبنى المسألة على أنّ الأسباب الشرعيّة هل هي معرّفات و كواشف أو مؤثّرات؟ و على الأوّل فالأصل التداخل، بخلافه على الثاني‏ (2).

و لعلّه تبعه في ذلك بعض المحقّقين في كتابه الموسوم ب «العوائد»، حيث إنّه بعد ما قسّم الأسباب قسمين و جعل الأسباب الشرعيّة من المعرّفات و صرّح بامتناع اجتماع الأسباب الواقعيّة، قال: إنّه لا يراد من الأسباب في قولهم:

«الأصل عدم التداخل» هذا القسم يعني الأسباب الواقعيّة، لأنّ الأصل إنّما يستعمل في مكان جاز التخلّف عنه بدليل، بل يصرّحون بأنّ الأصل عدم التداخل إلّا فيما ثبت التداخل. و كذا لا كلام في جواز التداخل فيما كان من الثاني، إذ المعرّف علّة للوجود الذهني، و معلوليّة موجود واحد ذهني لعلل متعدّدة جائزة، و لذا يستدلّ على مطلوب واحد بأدلّة كثيرة، و يصحّ أن يستند وجود ذلك الموجود الذهني إلى كلّ منهما؛ و لذا لا يرتفع ذلك الموجود الذهني بظهور بطلان واحد من الأدلّة (3).

____________

(1) قاله العلّامة في المنتهى 1: 107، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 199 و غيرهما.

(2) لم نعثر عليه بعينه، و لعلّه يدلّ عليه ما في الإيضاح 1: 48.

(3) عوائد الأيّام: 294.

54

أقول: القول بأنّ الأسباب الشرعيّة معرّفات من المشهورات التي لم نقف على أصل لها. نعم، قد يكون في الأسباب الشرعيّة ما هو كاشف عن أمر آخر غير الحكم الّذي قد جعله الشارع سببا له، كالبيّنة و اليد و نحوهما، فإنّهما سببان للعمل بمقتضاهما و وجوب التعويل عليهما مع كونهما كاشفين عن نفس المقتضى و المدلول، و أين ذلك من كون الأسباب الشرعيّة معرّفات على وجه الإطلاق؟

و تعدّد الأسباب الشرعيّة ليس إلّا كتعدّد الأسباب العقليّة، فكما أنّ ذلك لا يقتضي الكاشفيّة فيها لا يقتضي فيها أيضا.

و أمّا ما أفاده: من أنّه لا يراد من الأسباب في قولهم ...، ففيه: أنّ المحال هو تعدّد العلّة التامّة، و تلك الأسباب ليست كذلك، لرجوعها الى القدر المشترك كما في الأسباب العقليّة. و لا ينافي ذلك كونه أصلا يجوز التخلّف عنه بدليل، نظرا إلى ظهور اللفظ في العلّية التامّة؛ مضافا إلى أنّ كلماتهم مشحونة بما يدلّ على خلاف ما أفاده في موارد شتّى، كما هو غير خفيّ على المتتبّع.

و أمّا قوله: «لا كلام في جواز التداخل فيما كان معرّفا» لما ذكره من الوجه، ففيه: أنّه لم يعلم فرق في امتناع توارد العلل التامّة على معلول واحد بين أن يكون موجودا ذهنيّا أو خارجيّا، بل و ليس ذلك إلّا الموجود الخارجي، و أمّا الموجود الذهني فهو المعلوم دون العلم، فإنّ وجود العلم في الخارج و إن كان من الامور الذهنيّة إنّما هو بواسطة المعرّف، و طريق الامتناع واحد، و هو لزوم خلاف الفرض فيما لم يكف إحداها في الوجود أو تحصيل الحاصل على تقدير الكفاية.

و أمّا تعدّد الأدلّة فربّما يحتمل أن يكون لتحصيل مرتبة من الكشف لم يكن قبل، كما هو المحسوس في الأمارات الظنّية التي تفيد اجتماعها العلم، و إلّا فلا بدّ من توجيه ذلك على ما وجّهنا به العلل في الموجودات الخارجيّة.

55

و أمّا عدم ارتفاع الصورة عند ظهور بطلان أحد الأدلّة فلم يظهر لنا وجه ارتباطه بالمقام. و العجب! أنّه تفطّن بذلك و اعتذر عنه بالفرق بين الموجود الذهني و الخارجي، حيث إنّه لا يمكن كون الشيئين في الخارج شيئا واحدا، بخلاف الموجود الذهني فإنّه يصير ألف موجود ذهني موجودا واحدا، بمعنى تطابق موجود واحد في الذهن لألف موجود خارجي، فينتزع من كلّ ألف موجود صورة و هيئة كلّها منطبقة على موجود ذهني واحد.

و فيه: أنّ تعدّد الموجود الذهني إنّما هو بتعدّد نفس الملاحظة و الانتزاع.

و لا ريب في امتناع تلك الملاحظات كامتناع اتّحاد الموجودات الخارجيّة، بل ما نحن فيه منها أيضا كما عرفت. و أمّا اتّحاد تلك الصور المنتزعة من أفراد كليّ واحد فعلى تقدير تعدّد الملاحظات يراد به عدم اختلافها مع قطع النظر عن خصوصيّات الوجود الذهني، إذ لا يرتاب عاقل في التغاير مع ملاحظتها؛ على أنّ ذلك خلط بين التصوّر و التصديق، فإنّ الاعتقاد ممّا لا يتصوّر فيه ما ذكره في الصورة الكلّية المتصوّرة، فإنّه موجود علميّ واحد لا يشوبه شوب التعدّد، كما هو ظاهر لمن ألقى السمع و هو شهيد.

و بالجملة، فلم يظهر لنا وجه في صحّة الابتناء المذكور فلا بدّ من التأمّل لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمرا.

الرابع: زعم بعضهم‏ (1) جريان النزاع المذكور فيما إذا قال الشارع:

«صم يوما و صم يوما» نظرا إلى أنّ الأمر سبب للوجوب فيتعدّد السبب مع وحدة المسبّب. فيمكن أن يقال فيه ما يقال في غيره. و الظاهر اختصاص النزاع بما إذا كان الأمران مسبّبين عمّا جعله الشارع سببا أو ينتزع عمّا جعله الشارع‏

____________

(1) راجع عوائد الأيّام: 296، و العناوين 1: 237.

56

سببا (1) أو ينتزع‏ (2) منه السببيّة على القول بعدم تعلّق الجعل بها على وجه الاستقلال. و انتفاؤه فيما زعمه ظاهر، و إن كان يمكن للعقل انتزاع السببيّة و المسببيّة من المصلحة الداعية إلى الأمر و إيجاب الشارع، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ المشهور في مثل ما فرضه هو تعدّد التكليف مع قطع النظر عن قرينة الاتّحاد كما إذا كان أحدهما منكّرا و الآخر معرّفا، أو قرينة التعدّد كالعطف. و لم أقف على وجه فيه عدا ما يظهر من بعض الأعلام من دعوى الظهور العرفي.

و ستعرف الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

الخامس: الظاهر أنّ النزاع في هذه المسألة إنّما يؤول إلى اقتضاء معنى السببيّة عند التعدّد تعدّد المسبّبات و عدمه و إن‏ (3) لم يكن ذلك المعنى مدلولا عليه بدلالة لفظيّة، كما إذا قام إجماع على سببيّة أمرين لوجوب شيئين، فمع القطع بسببيّة الأمرين يمكن أن ينازع في الاقتضاء المذكور. فما يظهر من بعضهم في المقام من الاستدلال على مذهب المشهور بإطلاق الأدلّة، لا وجه له‏ (4) فلعلّ مقصوده دفع منع آخر يتوجّه على عدم التداخل فيما إذا كان دليل السببيّة فيهما لفظا، و إلّا فالقائل بالتداخل لم يظهر منه دعوى التخصيص أو التقييد حتّى يتمسّك بالإطلاق في قباله.

السادس: قضيّة الأصل التداخل فيما إذا كان النزاع في تداخل الأسباب، لرجوع الكلام على تقدير عدم التداخل إلى دعوى تعدّد التكاليف، و لا ريب أنّه عند الشكّ في تعدّد التكليف الأصل البراءة عن المشكوك.

____________

(1) لم ترد عبارة «أو ينتزع عمّا جعله الشارع سببا» في (ع).

(2) في (ع): «و ينتزع».

(3) في (ط): «إن» بدون الواو.

(4) لم يرد «لا وجه له» في (ع).