مطارح الأنظار - ج4

- الشيخ أبي القاسم الكلانتري المزيد...
781 /
5

-

6

الجزء الرابع‏

[الاستصحاب‏]

7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و به نستعين إنّه خير معين‏ (1) الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطيّبين‏ (2) الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين أبد الآبدين‏ (3).

القول في الاستصحاب‏

و تحقيق المقصود فيه في طيّ هدايات‏

[تعريف الاستصحاب‏]

تحديد: الاستصحاب لغة: أخذ الشي‏ء مصاحبا، و اصطلاحا على ما عرّفه في المشارق ناسبا له إلى الأصوليين‏ (4): إثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه‏ (5).

و اعترض عليه بأنّ الاستصحاب دليل، و الإثبات مصدر متعدّ فعل للمكلّف لا سبيل إلى جعله دليلا.

و فيه: أنّ من الواضح نقل الاستصحاب عن معناه اللغوي إلى معناه الاصطلاحي، و لا شكّ في مسبوقية النقل إلى مناسبة بين المنقول منه و المنقول إليه، و الأغلب أنّها في‏

____________

(1). المثبت من «ز»: و في سائر النسخ:- إنّه خير معين.

(2). المثبت من «ز» و في سائر النسخ:- الطيّبين.

(3). لم ترد الخطبة في «م».

(4). في «ك، ل»: ناسبا منه للأصوليين. و في «ز»: تأسّيا منه للأصوليين.

(5). مشارق الشموس: 76 و فيه: «إثبات حكم شرعي ...».

8

الأمور الاصطلاحية من نقل الكلّي إلى أفراده، و قد عرفت أنّ معنى الاستصحاب لغة هو الأخذ مصاحبا، فإنّه استفعال من صحب، قال في المجمع: استصحب القوم:

صحب بعضهم بعضا (1). و لا ضير في كون الدليل من مقولة الفعل؛ إذ معنى دليليته هو اعتباره في نظر الشارع على نحو اعتبار الكتاب و السنّة، فكما أنّ نقل الإجماع يذكر في عداد الأدلّة مع أنّ النقل فعل كالقياس و (2) الاستحسان فإنّه اعتبار على ما تخيّله المعتزى به و لا غائلة فيه، فكذلك الاستصحاب فإنّ الفعل صالح للاتّصاف بالدليلية.

على أنّ ظاهر الحدود المودعة في كتب القوم هو هذا، قال شيخنا البهائي: هو (3) إثبات الحكم‏ (4). اه‏ (5).

و قال في الوافية: إنّه التمسّك‏ (6) اه.

و قال بعضهم في الرسالة الاستصحابية: هو الحكم باستمرار أمر (7) اه.

و قال بعض آخر: هو إبقاء ما كان.

و في الاشارات عن بعض الأواخر (8): هو الحكم باستمرار ما كان‏ (9).

و عن الشهيد: أنّ قاعدة اليقين هو البناء (10).

____________

(1). مجمع البحرين 2: 99.

(2). «م، ج»: أو.

(3). «م، ج»: إنّه.

(4). زبدة الأصول: 106، و فيه: «هو إثبات الحكم في الزمن الثاني تعويلا على ثبوته في الأوّل».

(5). «م، ج»:- «اه» و كذا في الموارد الآتية.

(6). الوافية: 200، و فيه: «هو التمسّك بثبوت ما ثبت في وقت أو حال على بقائه فيما بعد ذلك الوقت في غير تلك الحال».

(7). الوحيد البهبهاني في رسالة الاستصحاب المطبوعة في الرسائل الأصولية: 424، و فيها: «...

أمر كان يقيني الحصول في وقت أو حال، و مشكوك البقاء بعد ذلك الوقت أو الحال».

(8). «ك»:- الأواخر.

(9). اشارات الأصول، قسم الأدلّة الشرعية (مخطوط) 93/ ب، و أورد فيه أكثر التعاريف التي ذكرها المؤلّف.

(10). القواعد و الفوائد 1: 132، القاعدة الثالثة، و فيه: «و هي البناء على الأصل».

9

و عن التنقيح: الاستصحاب هو الحكم على وجود شي‏ء (1).

فإنّ صريح هذه الحدود هو أنّ المحمول في هذه القضايا من مقولة الفعل و هو الجنس فيها، و منه يظهر ثبوت اصطلاحهم فيه و استقراره على ذلك‏ (2)، و يوضحه نسبته إلى الأصوليين في المشارق، و يؤيّده موافقته لسائر مشتقّاته من موارد استعماله، فيقال: استصحب إذا حكم بثبوت شي‏ء ثابت سابقا فهو مستصحب و ذاك مستصحب، و عند إظهار العلّة في الحكم بثبوت‏ (3) شي‏ء و ترتيب آثاره السابقة (4)، استصحابا للحالة السابقة كما يظهر من موارد استعماله‏ (5)، نعم قد يفترق في ذلك الأحكام و الموضوعات، فإنّ الحكم المستصحب في زمان الشكّ مصاحب للمستصحب بخلاف الموضوعات؛ إذ الموضوع المستصحب آثاره مستصحبة، فيصير الاستصحاب فيها من قبيل الاستعارة التمثيلية كتشبيه المتردّد ب «من تقدّم رجلا و تأخّر (6) أخرى» و هذا الفرق إنّما هو بواسطة قابلية الحكم للجعل في الزمان الثانى بخلاف الموضوع و إن كان قد يقال: بأنّ الحكم في الزمان الثاني ليس هو الحكم الأوّل بل هو مماثل له، و لهذا يختلف‏ (7) بالظاهرية و الواقعية كما لا يخفى.

لا يقال: قد يكون الشي‏ء معلوم الوجود في الحال و مشكوكه في زمان متأخّر عن‏ (8) الزمان الحاضر و يستصحب إلى زمن يمكن‏ (9) بقاؤه فيه مع أنّ المعنى اللغوي غير واقع‏ (10) في هذا الموضوع‏ (11)، لانتفاء المصاحبة في زمن غير مدرك.

____________

(1). التنقيح الرائع 1: 7، و فيه: «هو الحكم على وجود الشي‏ء أو عدمه في الحال للعلم بوجوده أو عدمه في الماضي، فيقال: الأصل بقاء ما كان على ما كان».

(2). «ج، م»:- و استقراره على ذلك.

(3). «ك، ل»: ثبوت.

(4). «ك»: السابقة عليه.

(5). «ك»: استعمالاته.

(6). «ل»: «يقدّم ... يؤخّر».

(7). «ز، ك»: قد يختلف.

(8). «ج، م»: من.

(9). «ك»: يكون.

(10). «ل»: واضح.

(11). «م»: الموضع.

10

لأنّا نقول: على تقدير التفسير بالبقاء أيضا كذلك، مع أنّ استقبال المتعلّق غير مضرّ في صدق المعنى اللغوي، و إن شئت التوضيح فلاحظ كيف يعبّر عنه بالفارسية فيقال: «همراه داشتن و همراه داشته شده» و نحو ذلك ممّا هو ظاهر، و يزيد ذلك توضيحا عند ملاحظة الأحكام المحمولة على الاستصحاب من الحجّية و الدليلية و الوجوب، فيقال: الاستصحاب حجّة أو دليل أو واجب، فإنّه لا يعقل إلّا بعد كونه الإبقاء (1)؛ إذ لا معنى لاتّصاف البقاء بالحجّية أو الدليلية أو الوجوب، و أمّا الإبقاء فيصحّ توصيفه بالأمور المذكورة، فإنّ المراد بدليلية الإبقاء (2) لو كان من حيث حكم العقل بالبقاء فظاهر؛ إذ الدليل العقلي على ما عرّف‏ (3) هو حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعي، و انطباقه على الاستصحاب ظاهر، و لو كان من حيث حكم الشرع فالمراد به هو ترتيب آثار المعلوم على المشكوك، و موارد استعماله منطبقة على أحد المعنيين و لو على سبيل التوزيع.

و ربّما يستعمل مدخولا للام التعليل في مطاوي كلمات المتعبّدين به، فيكون إشارة إلى نفس تلك القاعدة المتلقّاة من الصادقين (عليهم السّلام) كما في قولهم: للاشتغال أو للضرر أو لليد، فينقل‏ (4) منه إليها من حيث اشتمال تلك القاعدة عليه، كما لا يخفى.

و قد يعترض على الحدّ المذكور بوجوه أخر، و الإعراض‏ (5) عنها أجدر.

ثمّ إنّه قد جعله بعضهم- على ما حكي- (6) نفس الحالة السابقة، و لا شاهد عليه.

و عرّفه المحقّق القمي بأنّه كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن السابق،

____________

(1). «ل»: للإبقاء.

(2). «ز، ل، ك»: لاتّصاف البقاء بهذه الأمور بخلاف الإبقاء، فإنّه صالح للاتّصاف المذكور، ضرورة أنّ المراد بدليلية الإبقاء.

(3). «ز، ك، ل»: عرّف به.

(4). «ل»: فينتقل.

(5). «ز، ك، ل»: المذكور بأمور ضعيفة، فالإعراض.

(6). «ك، ل، م»:- على ما حكي.

11

مشكوك البقاء في الآن اللاحق‏ (1).

و فساده غير خفيّ؛ إذ الاستصحاب- على ما عرفته‏ (2)- إنّما هو من الأدلّة العقلية و قد (3) عدّه في عدادها غير معدود منهم، و ليس الكون الموصوف بما ذكر (4) حكما عقليا يتوصّل به إلى حكم شرعي، بل إنّما هو (5) يحصل فيه، و لعلّه إنّما أخذه من صغرى كلام العضدي حيث قال: إنّ معنى استصحاب الحال أنّ الحكم الفلاني قد كان و لم يظنّ عدمه، و كلّ ما هو كذلك فهو مظنون البقاء، ثمّ قال: و قد اختلفوا في صحّة الاستدلال به لإفادته ظنّ البقاء، و عدمها لعدم إفادته إيّاه‏ (6). فإنّه قد يتسارع إلى الفهم أنّ الخلاف إنّما هو في الكبرى، و النزاع في حجّية شي‏ء إنّما هو بعد التسليم في مفهومه و المسلّم في المقام هو الصغرى، فلا بدّ أن يكون ما ذكره في بيان الصغرى هو المفهوم المسلّم، فيكون حدّا للاستصحاب‏ (7)، إلّا أنّه بعيد عن الصواب فإنّ من الواضح أنّ المعنيّ بالتعريف في المقام هي‏ (8) الكبرى فإنّها صالحة لأن ينتزع منها الحدّ كما هو ظاهر، فبيان الصغرى إنّما هو توضيح للمورد، و توضحه‏ (9) ملاحظة ما صنعه العضدي في مقام تحديد القياس فراجعه. و وقوع الخلاف في الكبرى ليس بضائر في كونها ممّا ينتزع منها الحدّ؛ إذ غاية ما يلزم أن يكون النزاع في حصول الظنّ و حكم العقل بالبقاء و عدمه.

و لقد أجاد صاحب المعالم حيث جعل صغرى ما في كلام العضدي محلّا للاستصحاب فقال: اختلف الناس في استصحاب الحال، و محلّه أن يثبت حكم في وقت ثمّ يجي‏ء وقت آخر و لا يقوم دليل على انتفاء ذلك الحكم، فهل يحكم ببقائه على‏

____________

(1). القوانين 2: 53، و في ط: ص 265.

(2). «ج، م»: إذ كما عرفت أنّ الاستصحاب.

(3). «ز، ك، ل»:- قد.

(4). «ل»: ذكره.

(5). «ج، م»:- هو.

(6). شرح مختصر منتهى الأصول: 453.

(7). «م»: حدّ الاستصحاب.

(8). «ز، ك، ل»:- هي.

(9). «ج، م»: يوضحه.

12

ما كان و هو الاستصحاب، أم يفتقر الحكم به في الوقت الثاني إلى دليل‏ (1)؟

و من الظاهر انطباق كلامه على ما نبّهنا عليه.

و كيف كان فما أورده في مقام التحديد ممّا لا يصل إلى طائل.

قال الأستاد أنار اللّه برهانه: و يمكن أن يتعسّف في كلامه على وجه يرجع إلى التحديد للاستصحاب‏ (2) فيقال: إنّ الاستصحاب في قوله: «استصحاب الحال» مصدر للفعل المبنيّ للمفعول أضيف إلى فاعله و هو الحال، و الكون محمولي تامّ لا رابطي ناقص، و قوله: «يقيني الحصول» كقوله: «مشكوك البقاء» صفة للحكم أو الوصف لا خبر للكون، و الظرف الأخير من متعلّقات الكون لا المشكوك، فيصير الحاصل أنّ مستصحبية (3) الحال و كونه مستصحبا عبارة عن ثبوته في الآن اللاحق بعد ما كان مشكوكا (4)، و (5) يقيني الحصول في السابق.

قلت: و قد اعترف سلّمه اللّه بكونه تعسّفا فلا ينبغي الركون إليه، على أنّه لا يتمّ أيضا؛ إذ المعهود في مقام التحديد هو بيان الاستصحاب المبنيّ للفاعل.

و قد يتخيّل أنّه ليس في مقام التحديد، بل إنّما هو أيضا في مقام بيان محلّه كصاحب المعالم، و يدفعه ملاحظة صدره و ذيله كما هو ظاهر (6).

ثمّ إنّ الحدود المتقدّمة متوافقة المعنى غالبا و إن اختلفت‏ (7) ألفاظها على حسب ما قد يناقش في بعضها و يزيّف بعض آخر كما هو دأب المحصّلين في مثل المقام. و أجودها ما دارت عليه ألسنة المشهور من أنّه إبقاء ما كان على ما كان، و قصارى ما يورد

____________

(1). المعالم: 231.

(2). «ز، ك، ل»: تحديد الاستصحاب.

(3). «م، ج»: مستصحبة.

(4). «ز»: مشكوكا فيه.

(5). «ز، ل»:- و.

(6). «ز، ك، ل»: ليس بصدد التحديد، بل هو أيضا- كصاحب المعالم- في مقام بيان محلّ الاستصحاب و مورده، و يدفعه ... و ذيله من كتابه.

(7). «م»: اختلف.

13

عليه انتقاض طرده بما إذا ثبت الحكم ثانيا بدليل، و يدفعه انصراف‏ (1) الحدّ إلى الحيثية المستفادة من التعليق، فإنّ المتبادر هو الإبقاء، لكونه سابقا.

و الأسدّ الأخصر هو ما عرّفه الأستاد بأنّه إبقاء ما يحتمل الارتفاع، فإنّه لا يتوجه عليه المناقشة المتقدّمة. و توضيحه أنّ الاستصحاب و غيره من الأصول العملية إنّما هي من لواحق موضوع الشكّ و بيان لحكمه، فالشكّ ابتداء حكمه الأخذ بالبراءة الأصلية، و (2) فيما له حالة سابقة يجب الأخذ بالحالة السابقة، و معلوم أنّ الحكم إنّما يلحق الموضوع مع وجوده، ففي مورد الاستصحاب إنّما يحكم به من حيث إنّه حكم مشكوك له حالة سابقة، و موارد الأدلة الاجتهادية إنّما هي مواضع الشكّ على وجه يرتفع الشكّ بها، فإنّها كاشفة و لو ظنّا عن الواقع، ففيما إذا ثبت حكم في الزمان الثاني بدليل اجتهادي لا يصدق أنّه إبقاء لما يحتمل الارتفاع، بل هو رفع لاحتمال الارتفاع بما يكشف عن الواقع لا حكم لموضوع الاحتمال.

أقول: و فيه تعسّف لا ينبغي تحمّله في مقام التحديد، على أنّه لا يلائم القول باعتباره من حيث الظنّ؛ لكونه دليلا اجتهاديا كسائر الأدلّة الاجتهادية، غاية الأمر عدم إمكان تعارضه لها نظرا إلى وجه خارجي، مع أنّه ينتقض أيضا بما إذا ثبت الحكم في الزمان الثاني بأحد الأصول العملية فيما إذا توافق مواردها للاستصحاب.

اللّهمّ إلّا أن يدفع بكفاية لفظ (3) الإبقاء عن ذلك، و على تقديره فالحدّان متساويان فى ذلك، و احتمال ورود دليل على لزوم الإبقاء مدفوع بأنّ الدليل الدالّ على لزوم الإبقاء ليس إلّا الاستصحاب أو ما في معناه، مضافا إلى أنّ‏ (4) كونه مسوقا لبيان حكم موضوع الشكّ، و كونه معتبرا من باب التعبّد، لا ينافي حصول الظنّ منه اتّفاقا، فليس من محتمل الارتفاع حينئذ، كما لا يخفى.

____________

(1). «م، ج»: بانصراف.

(2). «ز، ك»:- و.

(3). «ج، م»: لفظة.

(4). «ز، ك، ل»:- أنّ.

14

فالتحقيق: أنّ هذه الحدود غالبا حدود لفظية و المعنى معلوم و لا ينبغي الاهتمام في مثله بعد ظهور المقصود.

ثمّ إنّ ممّا (1) ذكرنا من المناسبة بين المعنى اللغوي و الاصطلاحي يظهر الوجه في عدم انطباق الاستصحاب لجملة من موارده، كاستصحاب‏ (2) القهقرى‏ (3) المعروف في لسان عوامّ الطلبة، و طورا يعبّر عنها (4) بأصالة تشابه الأزمان، و المراد به إثبات ما ثبت في الزمان اللاحق قبل ذلك الزمان من الأزمنة السابقة؛ إذ ليس فيه الإبقاء بوجه، بل قضيّة استصحاب العدم عدم ثبوته في الزمان السابق. نعم يمكن التمسّك فيه بأصالة عدم النقل و لا مدخل له فيما نحن بصدده، و كاستصحاب الشكّ الساري، و كاستصحاب العرضي، و استصحاب حكم العقل، و نحوها ممّا سنسوق الكلام في‏ (5) تفاصيلها إن شاء اللّه العزيز، فتأمّل في المقام‏ (6).

____________

(1). «ج»: ما.

(2). كذا. و لعلّ الصواب: كالاستصحاب.

(3). سيوافيك الكلام عنه في ص 286.

(4). «ج»:- عنها.

(5). «ز، ك، ل»: إلى.

(6). «ز، ك، ل»:- العزيز، فتأمّل في المقام.

15

هداية [في أنّ الاستصحاب من الأدلّة أو من القواعد الفقهية]

هل الاستصحاب من الأدلّة (1)، أو من القواعد الفقهية؟ و على الثاني: فهل هو (2) من القواعد الممهّدة للاستنباط حتّى يكون‏ (3) من المسائل الأصولية، أو هو من القواعد الكلّية الفرعية؟ فلنا مقامان:

[المقام‏] الأوّل [فى انه على افادته الظن فهو حينئذ من الادلة و على الاخبار فانه حينئذ كاحدى القواعد الشرعية]

قد عدّه جماعة من أساطين الفنّ في عداد الأدلّة العقلية كالمحقّق‏ (4) و أضرابه، و لعلّه مبنيّ على إفادته الظنّ؛ إذ لا كلام في كونه من الأدلّة حينئذ، إذ الدليل العقلي هو حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعي، و هو صادق على حكم العقل ظنّا ببقاء ما ثبت، فإنّه موصل إلى الحكم الشرعي، كما في صورة العلم العقلي؛ إذ لا يتفاوت في صدق الحكم العقلي على أفراده بين أن يكون قطعيا كحسن العدل و الإحسان، أو ظنّيا كالاستصحاب و الاستحسان، إلّا من جهة تفاوت مراتب نفس الحكم و الإدراك ظنّا و علما.

____________

(1). «ج»: الأدلّة العقلية.

(2). «م»:- هو.

(3). «م»: تكون.

(4). انظر معارج الأصول: 286- 287؛ المعتبر 1: 32.

16

ثمّ لا يخفى أنّ الأخبار الواردة في المقام لو قلنا: إنّها واردة على طبق حكم العقل فتدلّ على اعتبار الاستصحاب من حيث إفادته الظنّ، فهو أيضا دليل كأخبار الآحاد و غيرها من الأدلّة الشرعية.

و توضيحه و تحقيقه: أنّ المعيار في كون الشي‏ء دليلا هو كاشفيته عن الواقع على وجه به يوصل إليه و منه يطلب أمرا واقعيا ثابتا في نفس الأمر، فكلّما كان الشي‏ء كاشفا و لو ظنا عن الواقع، فهو دليل، غاية ما في الباب عدم اعتبار الكاشف الظنّي إلّا بعد دلالة دليل عليه، بخلاف ما لو كان علميا؛ إذ لا حاجة فيه إلى دليل آخر غير نفسه كما هو ظاهر.

فالاستصحاب الظنّي دليل، سواء كان المدار في اعتباره على القاعدة العقلية التي زعمها القائل بها (1)، أو على الأخبار، أ لا ترى أنّ جملة من الأدلّة تستفاد (2) حجّيتها من الأدلّة الشرعية و مع ذلك لا يتوهّم خروجها عن الأدلّة.

و أمّا إذا قلنا بأنّ الأخبار الدالّة على الاستصحاب ليست مقرّرة لما استقرّ عليه بناء العقلاء من اعتبار الاستصحاب الظنّي، بل إنّما يدلّ على الاستصحاب التعبّدي و الأخذ بالحالة السابقة بترتيب آثارها عليها عند الشكّ، فلا شكّ في عدم كونه دليلا، فإنّه حينئذ كإحدى‏ (3) القواعد الشرعية من قاعدة اليد و الضرر و لزوم البيع و نحوها، فإنّ المناط في كون شي‏ء قاعدة هو أن يكون مفادا لدليل شرعي، و لم يكن من حيث كشفه عن الواقع و إن كشف عنه في بعض الأحيان كشفا اتّفاقيا؛ إذ لم يكن اعتباره من هذه الحيثية، و من هنا انقدح أنّ قول الشارع: «إذا شككت فابن على الأكثر» (4) قاعدة شرعية، بخلاف ما ورد من وجوب متابعة الإمام، فإنّه دليل من حيث كشفه عن‏

____________

(1). «ز، ك، ل»:- بها.

(2). المثبت من «م» و في سائر النسخ: يستفاد.

(3). «ج»: كأحد.

(4). الوسائل 8: 213، باب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 3، و فيه: «إذا سهوت ...».

17

الواقع.

و الحاصل: أنّ الاستصحاب ليس إلّا حكم الشارع في موارد الشكّ بالأخذ بالحالة السابقة علاجا للشكّ في الواقعة المشكوك فيها (1)، و هذا هو المراد من كونه قاعدة فقهية لا دليلا، لا أنّه لا يمكن جعل تلك القاعدة كبرى عند الشكّ في أحكام جزئيات موضوعها، كما هو الشأن في جميع القواعد، فتدبّر.

ثمّ إنّ دليلية الاستصحاب على تقدير أخذه من العقل إنّما (2) يجدي في كونه دليلا، و لا يجدي في عدّه دليلا آخر في قبال العقل؛ لأنّه منه، فيتّحد القسمان إلّا أن يكون تنبيها على اختلاف نوعي حكم العقل فيه و في القطعيات.

المقام الثاني فى أنّه هل البحث في الاستصحاب بحث عن المسألة الأصولية، أو (3) بحث عن المسألة الفرعية؟

ربّما يتوهّم: أنّ بعد ما علم في المقام الأوّل من أنّه دليل أو قاعدة لا وجه للتكلّم في هذا المقام؛ إذ على الأوّل فهو من المسائل الأصولية، و على الثاني‏ (4) فهو من المسائل الفرعية، و ليس كما يتوهّم‏ (5)؛ إذ قد يكون دليلا في الموضوعات الخارجية على الظنّ و التعبّد و لا يصير البحث عنه أصوليا، و قد يكون قاعدة و البحث عنه أصولي، لكونها ممهّدة للاستنباط. و كيف كان فتحقيق البحث موقوف على تمهيد مقدّمة:

فنقول:

إنّ المعيار في تميّز مسائل العلوم المختلفة على ما هو المقرّر في مقامه أمور:

أوّلها- و هو أقواها-

: ملاحظة رجوع البحث في تلك المسألة إلى البحث عن‏

____________

(1). «ج»: المشكوكة فيها.

(2). «ز، ك»: ربّما.

(3). «ز، ك»:- بحث عن المسألة الأصولية أو.

(4). «ز، ك»: كما أنّه على الثاني.

(5). «ز، ك»: توهّم.

18

عوارض الموضوع في ذلك العلم، فإنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، فإنّ المسألة- على ما هو التحقيق- هو نفس المحمولات من حيث انتسابها إلى الموضوعات، و الموضوع في المسألة قد يكون نفس موضوع العلم، و قد يكون جزء منه، أو جزئيا له‏ (1)، أو جزء من جزئيه، على الوجه المعهود في مسائل العلوم المدوّنة، و بيان كيفية البحث عن الأجزاء و الجزئيات خارج عمّا نحن بصدده.

و بالجملة: فملاحظة الموضوع من أقوى ما يحصل به‏ (2) التميّز عند اشتباه المسائل، لكنّه إنّما يجدي إذا كان الموضوع معلوما عند الكلّ متّفقا عليه، و أمّا إذا كان مختلفا فيه فقد يمكن أن يكون شي‏ء من الموضوع عند البعض، فالبحث عنه إنّما يعدّ من مسائل الفنّ عنده لا عند من لا يراه منه كما هو ظاهر، مثلا موضوع الأصول ممّا قد اختلف فيه، فقيل بكونه ذوات الأدلّة مع قطع النظر عن‏ (3) اتّصافها بالدليلية، فيكون البحث عن دليليتها داخلا في علم الأصول، و قيل بكونه الأدلّة مع كونها أدلّة، فلا يكون البحث عن دليليتها داخلا في العلم؛ لما تقرّر (4) من أنّ الموضوعات في العلوم المدوّنة لا بدّ و أن يكون إمّا مبنيّة في العلم الأعلى، أو مبنيّة بنفسها، و لمّا كان المتعارف فى كتب الأصول البحث عن تلك المسائل أيضا، تجشّم بعضهم في دفع ذلك بالوجه الأوّل.

فيرد عليه: أنّ البحث عن قدم الكتاب و حدوثه، و كونه معجزة و عدمه، و كيفية نزوله، و مراتب بواطنه، من المسائل المدوّنة في غير الفنّ منه. اللّهمّ إلّا بنوع من العناية.

و بالجملة فعند ذلك لا بدّ من الرجوع إلى غير هذا المعيار.

و ثانيها: حدّ العلم‏

فإنّه أيضا ممّا يمكن استعلام حال المسائل به، فإنّ التحديدات المتداولة في العلوم المدوّنة و إن لم يمكن أن تكون‏ (5) تحديدات حقيقية (6) و مركّبة من‏

____________

(1). «ج، م»: منه.

(2). «م، ج»: ما به يحصل.

(3). «م، ج»: من.

(4). «ز، ك»: قد تقرّر.

(5). في النسخ: يكون.

(6). «ل، ك»: حقيقة.

19

الأجناس و الفصول، لتعذّر الاطّلاع على كنه العلوم ابتداء، إلّا أنّه لا بدّ و أن يكون على وجه شامل لجميع المسائل المبحوث عنها في تلك العلوم و لو شمولا عرضيا بحيث لو اطّلع الطالب على مسألة منها عرف بكونها منها (1)، فالحدّ هي الجهة الجامعة لمسائل العلم، و منه يستعلم حال الموارد المختلفة؛ إذ لا أقلّ من كونه مانعا عن المسائل التي ليست من العلم، و جامعا للتي هي منه، و ذلك ظاهر في الغاية، إلّا أنّه لا بدّ أن يعلم أنّه متى تعارض‏ (2) الموضوع و الحدّ في تميّز مسألة على وجه يحكم الأوّل بدخوله في العلم، و الثاني بخروجه عنه‏ (3)، فالموضوع هو المقدّم؛ لكونه أصلا في التميّز، و لهذا قيل:

إنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات مع حصول التميّز بغيرها أيضا، و الوجه في ذلك انتزاع الحدّ واقعا من الأمور المختلفة و المحمولات المنتهية إلى جهة متّحدة و هو الموضوع، فهو تابع للموضوع، و أمّا المحمول فتميّزه بتميّز الموضوع؛ لكونه من أحكامه من حيث هو محمول، فهو الأصل في التميّز كما لا يخفى.

و ثالثها- و هو أضعفها-:

تدوين أهل العلم لها فيه، أو تنصيص أهل الفنّ و الخبرة بذلك، هذا بالنسبة إلى مطلق العلوم المدوّنة، و قد يوجد فى بعض منها ما يخصّ البعض كما في المسائل الفقهية و المسائل الأصولية، فإنّ من خصائص الأولى أنّ بعد ما استفرغ المجتهد (4) جهده في تحصيل الحكم الشرعي و بذل وسعه في استنباطه بدفع المعارضات للأدلّة و بتوضيح الدلالات فيها، كان للمقلّد أن يعمل به بلا حالة منتظرة (5)، كوجوب الصلاة، و لزوم البيع، و ثبوت الخيار عند ظهور العيب فى المبيع، و نحوها، و من خصائص الثانية أنّه‏ (6) بعد التنقيح و التصحيح لم يكن من شأن المقلّد أن يعمل به،

____________

(1). «ز، ك، ل»: عرف أنّها منها.

(2). «ز، ك، ل»: عارض.

(3). «ز، ك، ل»: منه.

(4). «ز، ك»:- المجتهد.

(5). «ز، ك، ل»: كان للمقلّد أن يقلّده فيه و يعمل به بلا حاجة إلى حصول حالة منتظرة إليها.

(6). «ج، م»: أنّ.

20

كحجّية أخبار الآحاد، فإنّ بعد إثبات هذه القضيّة ليس للمقلّد أن يعمل بالخبر (1)؛ إذ غاية الأمر أنّ المجتهد إنّما تصدّى لدفع المعارضات للحجّية، و أمّا المعارضات لمدلول كلّ واحد من الأخبار، فلدفعها محلّ آخر، فلا بدّ من ملاحظة الأصول المعمولة (2) في الأدلّة اللفظية من أصالة عدم الحذف و القرينة (3) و النقل و نحوها (4)، و تشخيص الأوضاع للألفاظ (5) الواقعة فيها من كون الأمر الواقع فيها للوجوب أو للندب‏ (6)، إلى غير ذلك من وجوه الاختلافات التي ليس للمقلّد تشخيصها و تحقيقها كما هو ظاهر و إذ قد تمهّد هذه فنقول:

[إنّ تحقيق الكلام في مقامين:]

المقام الأوّل في تشخيص أصناف الاستصحاب‏

و جملة الكلام فيه أنّ الاستصحاب من المسائل الفرعية بالنسبة إلى الموضوعات الخارجية التي هي عندنا أعمّ من الموضوعات الصرفة، كحياة زيد، و الرطوبة، و اليبوسة، و نحوها، و من الأحكام الجزئية المتعلّقة بخصوصيات المكلّفين، كوجوب الواجب على زيد، و حرمة الحرام عليه، و نحوها، سواء اعتبرناه أمارة ظنّية فيها كالبيّنة، أو تعبّدية؛ لجريان الوجوه المميّزة فيه.

أمّا حديث الموضوع فلأنّه من عوارض جزئيات فعل المكلّف و لو بنحو من العناية في البعض، و منه يظهر صدق حدّ الفقه، عليه و عدم صدق تعريف الأصول عليه؛ إذ ليس من القواعد الممهّدة للاستنباط، فإنّها ليست بأحكام شرعية. أمّا

____________

(1). «م»: بالخبر الواحد.

(2). «ز، ك، ل»: العملية.

(3). «ز، ل، ك»:- و القرينة و في «ج»: و الجزئية.

(4). «ز، ك، ل»: نحوهما.

(5). «ز، ك، ل»: الأوضاع و الألفاظ.

(6). «ز، ك، ل»: الندب.

21

الموضوعات الصرفة فظاهر، و أمّا الأحكام الجزئية فلعدم كون الشارع مبيّنا لتلك الأحكام، فإنّ وظيفته بيان الأحكام الكلّية، و أمّا المعيار المختصّ بتميّز الفقه عن الأصول، فيجري فيه أيضا (1)؛ إذ لا حاجة إلى الرجوع إلى المجتهد بعد العلم باعتباره في تشخيص مجاريه و محالّه، بل المجتهد و المقلّد فيه سيّان كما في صورة العلم بها، فلا يحتاج إلى بحث و لا فحص كما في سائر الأصول العملية كالبراءة و الاشتغال و التخيير، نعم ينبغي الاستثناء عن ذلك‏ (2) الاستصحاب في الموضوعات الرجالية لأوله إلى الاستصحاب في الأحكام الكلّية الفرعية التي ليس للمقلّد فيها حظّ، و لذلك قد اختصّت من‏ (3) بينها باعتبار الظنّ فيها دون غيرها كما مرّ.

و أمّا بالنسبة إلى الأحكام الكلّية فلا ريب في كونه من المسائل الأصولية إن أخذناه من باب الظنّ و جعلناه دليلا عقليا كأضرابه من الوجوه الظنّية العقلية، سواء كان المستصحب حكما أصليا، أو فرعيا؛ لرجوع البحث عنه إلى البحث عن أحوال الموضوع، سواء جعلنا الموضوع ذات الدليل كما في الكتاب و السنّة، فلا ينافي البحث عن حجّيته، أو هي متّصفة بالوصف، لرجوع البحث عن سائر الوجوه المبحوثة عنه من بيان تعارضه و تقديم مزيله و الانقسامات‏ (4) الحاصلة له إلى غير ذلك بحثا عن حال الموضوع، و لصدق الحدّ عليه؛ لكونه من القواعد الممهّدة للاستنباط، و لا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون الحكم الراجع إليه إثباتا كالحجّية، أو نفيا كعدمها؛ لأنّ مسائل العلوم المدوّنة هي المحمولات المرتبطة إلى الموضوعات ربطا إيجابيا كما في الموجبات، أو سلبيا كما في السوالب، و إلّا لخرج‏ (5) كثير من المسائل من كثير من العلوم.

و إن جعلناه من باب الأخبار الواردة عن السادة الأطهار فلا ريب في كونه من‏

____________

(1). «ج، م، ل»:- أيضا.

(2). «ج»: ينبغي أن يستثنى من ذلك.

(3). «م، ج»:- من.

(4). «ز، ك، ل»: الانقلابات.

(5). في النسخ: لخرجت.

22

المسائل الأصولية في الأحكام الأصلية، و كذا في الموضوعات المستنبطة كالأصول المعمولة في الألفاظ الواردة في الكتاب و السنّة؛ لرجوع البحث عنه إلى البحث عن أحوال الموضوع أو عن أجزائه أو جزئياته، كما هو المعتبر في البحث كما لا يخفى‏ (1).

و أمّا في الأحكام الفرعية فقد يتوهّم كون الاستصحاب من القواعد الفرعية كنفي الحرج و الضرر و لزوم العقود و نحوها؛ لعدم الفارق بينهما، و ربّما فرّط في ذلك بعضهم فزعم عدم انطباقه على قاعدة الموضوع، بل و لا الحدّ أيضا؛ لعدم كونه بحثا عن اللواحق الراجعة إلى الموضوع، و لعدم شمول الحدّ له.

و التحقيق خلاف ذلك‏ (2)، أمّا حديث عدم اشتمال الحدّ فواه جدا؛ إذ لا ريب في مدخليته في استنباط الأحكام، بل و هو العمدة- على ما نبّه عليه بعض الأعاظم- في الاستنباط بعد الكتاب و السنّة، و ربّما يزيد في شأنه لو جعلنا استصحابي البراءة و الاشتغال منه. و يوضح‏ (3) ذلك ما لو قلنا بأنّ الأصول اللفظية منه؛ إذ لا يستقيم أمر الكتاب و السنّة بدونه حينئذ، و ذلك ظاهر في الغاية (4).

و أمّا توهّم عدم رجوع البحث عنه إلى البحث عن أحوال الموضوع، فكأنّه ناش عمّا نبّهنا (5) على فساده من منافات كون الاستصحاب من مقولة الفعل مع كونه دليلا، و قد مرّ تحقيق القول فيه بما لا مزيد عليه.

و أمّا نفي الفارق بين الاستصحاب و سائر القواعد الفرعية كنفي الحرج و الضرر، فغير سديد؛ لوضوح الفرق بينهما بعد ملاحظة ما أوردناه‏ (6) في المعيار في التميّز (7) بين المسائل، إذ لا شكّ و لا ريب‏ (8) في أنّ المجتهد بعد ما تصدّع في إثبات حجّية

____________

(1). «ز، ك، ل»: على ما لا يخفى.

(2). «ز، ك، ل»: و التحقيق في ذلك خلاف ذلك.

(3). «م»: توضيح.

(4). «ز، ك، ل»:- و ذلك ظاهر في الغاية.

(5). تقدّم في ص 8.

(6). «ج، م»: أوردنا.

(7). «ز، ك، ل»: للتميّز.

(8). «ز، ك، ل»:- و لا ريب.

23

الاستصحاب بتصحيح مبانيه و توضيح الوجوه الناهضة عليه بدفع الشبه‏ (1) و قطع المعارضات، فليس من شأن المكلّف المقلّد العمل به، إذ غاية ما صنعه المجتهد في المقام تحصيل كبرى لقياس يطلب فيه الحكم الاستصحابي، و من المعلوم أنّ المقدّمة الواحدة ليست منتجة، بل لا بدّ من انضمام صغرى إليها (2) في الاستنتاج، و العلم بتلك الصغرى في الأحكام الكلّية الفرعية غير ممكن الحصول للمقلّد.

و توضيحه: أنّ استنباط حكم الماء القليل الملاقي للنجاسة موقوف على مقدّمتين:

إحداهما: أنّه مما لم يدلّ دليل على نجاسته، و الثانية: أنّ كلّما لم يدلّ دليل على نجاسة شي‏ء مع العلم بالطهارة السابقة، فلا بدّ من معاملة الطاهر معه، و بعد ذلك ينتج طهارة الماء- مثلا- في الظاهر، و المستنبط للمجتهد هو الكبرى في هذا القياس، و أمّا الصغرى فلا يمكن استعلام تحقّقها لغير المجتهد، فإنّها حاكمة بعدم‏ (3) ورود دليل على نجاسته‏ (4)، و ربما يكون في المقام ما يشبه أن يكون دليلا فلا بدّ من دفعه، و لو لا أنّ المذكور كاف‏ (5) في المقام من إثبات توقّف إعمال الاستصحاب في محالّه على الاستنباط و الاجتهاد، لخرج عن المسائل الأصولية جلّها لو لم نقل كلّها، كمباحث المقدّمة، و اجتماع الأمر و النهي، و مباحث الشهرة، و نحوها، فإنّ حكم العقل بوجوب المقدّمة بمنزلة الكبرى و لا يكفي‏ (6) فى الحكم بوجوب الوضوء للصلاة هذا الحكم العقلي ما لم يثبت اندراج موضوع هذه القضيّة في موضوعها، و استنباط هذا موقوف على النظر و الاجتهاد في الأدلّة الشرعية التي تقصر عن الوصول دونه‏ (7) أيدي المقلّدة، و كذا تميّز موارد الشهرة كما لا يخفى‏ (8).

____________

(1). «ز، ك»: الشبهة.

(2). «ج، م»: إليه.

(3). «ج، م»: لعدم.

(4). «ز، ك، ل»: النجاسة.

(5). «م»: كافيا.

(6). «ج، م»: و لا يخفى.

(7). «ل»: «إليها» بدل: «دونه».

(8). «ز، ك، ل»: على ما لا يخفى.

24

فظهر الفرق بين القواعد الفرعية كنفي الحرج- إذ بعد أنّ المجتهد في مقام الاجتهاد علم بأنّ الحكم في الشريعة نفي الحرج في كلّ ما يلازمه أو على بعض الوجوه التي أدّى إليه دليله كوجوب الوفاء بالعقود، لم يبق للمكلّف حالة منتظرة في العمل به، إذ الموضوع في تلك القواعد ممّا يرجع الأمر فيه إلى العرف، و المقلّد منهم، فيحصل عنده الصغرى من غير احتياج إلى ملاحظة الأدلّة، و الكبرى إنّما حصّلها من المجتهد، فيعمل بمقتضاهما من غير حاجة إلى شي‏ء آخر- و بين‏ (1) الاستصحاب في الأحكام الفرعية؛ إذ تحصيل الصغرى فيه اجتهادية و يكفي في كونه من مسائل الأصول، و (2) ذلك بناء على ما أصّلناه من المعيار، مضافا إلى ما عرفت من صدق الحدّ عليه و رجوع البحث عنه إلى البحث عن أحوال الموضوع.

لا يقال: إنّ الفحص عن مطلق الدليل لا يجعل البحث اجتهاديا، بل إذا كان الدليل مثل أخبار الآحاد، فإنّ ما يرد على خلافها معارض لها على اختلاف وجوه التعارض، بخلاف الاستصحاب فإنّ الدليل مزيل له.

لأنّا نقول: نعم، و لكن لا يجدي فيما نحن فيه؛ إذ لا فرق في عدم إمكان المقلّد أن يكون الدليل مزيلا أو مفيدا كما هو ظاهر.

و من هنا ينقدح أنّ الأصول العملية التي موضوعاتها (3) الشكّ البحث عنها في الأحكام الكلّية الفرعية من مسائل الأصول، و لهذا صرّح المحقّق‏ (4) في بعضها بكون المسألة أصولية و لا يكفي فيها أخبار الآحاد، و قد سمعت أنّ تنصيص أهل الخبرة أيضا من المميّزات، كما أنّه ينقدح أنّ قاعدة الطهارة أيضا من مسائل الأصول؛ إذ لا فرق بين‏ (5) استصحاب الطهارة و قاعدتها سوى استناد الحكم في الأوّل‏ (6) شرعا إلى‏

____________

(1). عطف على بين القواعد الفرعية.

(2). «ج، م، ل»:- و.

(3). «ز، ك، ل»: موضوعها.

(4). انظر معارج الأصول: 226.

(5). «ز، ك، ل»: فيما بين.

(6). كذا. و الصواب: في الثاني.

25

نفس الشكّ، و في الثاني‏ (1) إلى الحالة السابقة و لا مدخل لهذا الفرق فيما نحن بصدده، فتدبّر في المقام.

المقام الثاني في أنّ الاستصحاب على أيّ وجه من أيّ المسائل‏

فنقول: بعد (2) ما عرفت في‏ (3) المقام الأوّل يظهر لك أنّ التحقيق كونه من القواعد المشتركة؛ لاختصاص بعض موارده بالبعض و آخر بغيره‏ (4) على ما مرّ، و إنّما تدوينهم ذلك في الكتب الأصولية إنّما هو بواسطة مزيّة اختصاص يعلم منه بالمسائل الأصولية من حيث استنباط الأحكام الفرعية منه، كما لا يخفى.

____________

(1). كذا. و الصواب: في الأوّل.

(2). «ج»: إنّ بعد.

(3). «ز، ك»: ما في.

(4). «ج، م»: لغيره.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

هداية [في تقسيمات الاستصحاب‏]

ينقسم الاستصحاب باعتبارات مختلفة إلى أقسام متعدّدة:

فمنها: تقسيمه من حيث المستصحب إلى حال العقل و حال الشرع.

و قد يراد من الأوّل العدم الأصلي السابق على وجود كلّ موجود، حكما شرعيا كان كالبراءة الأصلية، أو موضوعا خارجيا كالرطوبة و اليبوسة، أو غيرهما كعدم النقل المعمول في الألفاظ، و لعلّ وجه هذه التسمية حكم العقل بالعدم ما لم يعلم بعلّة الوجود و لا يجب الاطّراد في وجه التسمية (1).

و من الثاني ما يقابله و هو الوجود، سواء كان حكما شرعيا- تعبّديا أو عقليا، كلّيا أو جزئيا، تكليفيا أو وضعيا- أو موضوعا خارجيا؛ إذ المقصود بالاستصحاب هو ترتيب أحكامه الشرعية من نجاسة ملاقيه و نحوها، و منه يعلم وجه التسمية أيضا في غيره؛ إذ المطلوب فيها ذلك، على أنّ أكثر مواردها حكم شرعي.

و (2) تارة يراد منه الحكم العقلي، سواء كان تكليفيا عدميا كالبراءة الأصلية، أو وجوديا كإباحة الأشياء قبل الحظر الشرعي و كتحريم التصرّف في مال الغير و وجوب ردّ الوديعة إذا عرض هناك ما يحتمل زواله كالاضطرار و الخوف، أو وضعيا

____________

(1). «ز، ك، ل»: و لا يجب اطرادها كما لا يخفى.

(2). «ز، ك»:- و.

28

وجوديا كشرطية العلم لثبوت التكليف إذا عرض ما يوجب الشكّ في زوالها (1) مطلقا أو في خصوص مورد، أو عدميا كعدم الزوجية و عدم الملكية الثابتين قبل تحقّق موضوعهما. و من الثاني الأحكام الشرعية التكليفية- إجماعا كان المستند فيها أو غيره- أو الوضعية كذلك هذا على ما قد يوجد في كلمات بعض الأواخر (2).

و التحقيق: أنّ المراد من الأوّل هو استصحاب نفي الأحكام الكلّية و عدمها، و التعميم إلى الموضوعات ليس في محلّه؛ لما قد فسّره المحقّق في المعتبر بالبراءة الأصلية، و كذلك المحقّق القمي‏ (3)، و غيرهما على أنّ عدّ الاستصحاب من الأدلّة العقلية ينافي تعميم استصحاب حال العقل إلى الموضوعات، فإنّه بالنسبة إليها أمارة و لا يسمّى دليلا، فتأمّل.

و من الثاني استصحاب وجود تلك الأحكام، و أمّا تعميم العقلي إلى الوجودى من الأحكام العقلية كما في ثاني التفسيرين على ما تجشّمه بعض الأجلّة (4)، فليس على ما ينبغي أيضا، أمّا أوّلا: فلمنافاته للتفسير المذكور في كلام المحقّقين و غيرهما، و أمّا ثانيا:

فلعدم معقولية الاستصحاب في الأحكام العقلية؛ إذ حكم العقل بوجوب شي‏ء أو حرمته أو شرطيته إمّا أن يكون مستندا (5) إلى علّة معلومة للعقل من وجوه الحسن و القبح، أو لا، لا كلام على الثاني، فإنّه بالإلحاق إلى الأحكام التعبّدية أولى، كما في الإجماع، و ذلك‏ (6) العلم يستتبع العلم بحسنه أو قبحه لما قرّر من تبعية الأحكام للصفات، و على الأوّل فتلك العلّة المعلومة إمّا معلومة بنفسها، كما في الأحكام الضرورية العقلية التي يكفي في التصديق بوقوع نسبها تصوّر موضوعاتها، و إمّا

____________

(1). في المصدر: بقائها.

(2). الفصول: 366 (مع تصرّف و تلخيص) و عنه في بحر الفوائد 3: 21؛ أوثق الوسائل: 446.

(3). «ز، ك، ل»:+ (رحمه اللّه).

(4). الفصول: 366.

(5). المثبت من «ج»: و في سائر النسخ: «مستندة».

(6). المثبت من «ج»: في سائر النسخ: «فذلك».

29

معلومة بواسطة اندراج موضوع القضيّة المفروضة في‏ (1) موضوع آخر يعلم ثبوت الحكم له بداهة و لو بتعدّد الوسائط، لامتناع التسلسل و استحالة الدور، لا إشكال في عدم معقولية الاستصحاب على الأوّل؛ إذ المفروض أنّ نفس تصوّر الموضوع يكفي في الحكم العقلي الضروري‏ (2)، فعند الشكّ بواسطة حدوث حادث إمّا أن يكون الحكم المتعلّق بذلك الموضوع باقيا فلا استصحاب؛ إذ لا شكّ، ففرض الشكّ خلاف للفرض، و إمّا أن يكون الموضوع مغايرا فلا استصحاب؛ لعدم الموضوع، و كذا على الثاني؛ لأنّ موضوع القضيّة المشكوكة لا بدّ و أن يكون معلوم الاندراج في موضوع تلك القضيّة المعلومة الضرورية، و مع حدوث الحادثة بازدياد شي‏ء إمّا أن يكون مندرجا فيه‏ (3)، أو لا يكون‏ (4)، و على التقديرين لا استصحاب؛ إذ على الأوّل لا شكّ‏ (5)، و على الثاني لا يكون الموضوع باقيا، و الاستصحاب فرع الموضوع.

لا يقال: قد يكون العقل حاكما بقبح شي‏ء بواسطة اندراجه في موضوع غير معلوم للعقل؛ لتردّده بين أمور غير معلومة، فيجري فيه الاستصحاب.

لأنّا نقول: على تقدير وجود ذلك و ليس كذلك قطعا، كما يظهر بعد الرجوع إلى الوجدان، سيّما بالنسبة إلى الأمثلة المذكورة، فلا يجري فيه الاستصحاب أيضا؛ لعدم العلم بالموضوع فلعلّه مقيّد بعدم تلك الحادثة في الأحكام العقلية، و لهذا (6) ترى فيما لم يحرز الموضوع لا يحكم بالاستصحاب في الأحكام الشرعية أيضا، سيّما فيما كان الحكم مستفادا من الإجماع لا لما زعمه الغزالي‏ (7) على ما نسب‏ (8) إليه، بل لعدم العلم بموضوع الحكم كما ستطّلع على تفاصيل ذلك إن شاء اللّه‏ (9).

____________

(1). «ز، ك»: كما في.

(2). «ز، ك، ل»: الضروري العقلي.

(3). «م، ج»: فيها، و كتب فوقها «فيه» و عكس ذلك في «ز»، و في «ك»: فيها.

(4). «م»:- أو لا يكون.

(5). «م»:- لا شكّ.

(6). «ز، ك»: لذا.

(7). سيأتي عنه في ص 61.

(8). «ج، م»: نسبه.

(9). «ز، ك، ل»: على تفصيله.

30

فإن قلت: إنّ الوجه المذكور في استصحاب الأحكام الوجودية العقلية بعينه جار في استصحاب الأحكام العدمية، فإنّ العقل لا يحكم إلّا بعد الإحاطة بجميع قيود موضوع الحكم و الاطّلاع على حدوده و أطرافه، و لا يفرق في ذلك الوجود (1) و العدم، فلا بدّ من عدم‏ (2) جريان استصحاب حكم العقل مطلقا، و لا وجه للتفصيل.

قلت: ليس الحكم بالعدم الأزلي الأصلي الذي هو المستصحب‏ (3) إلّا بواسطة انتفاء أحد أجزاء علّة الوجود الراجعة إمّا إلى الفاعل أو إلى القابل- مثلا- على سبيل منع الخلوّ، فعند حكم العقل بالعدم بواسطة وجود المانع أو فقد المقتضي- مثلا- لا يجب أن يكون المعلول موجودا على فرض حصول الشكّ فيه بواسطة انتفاء العلّة التي استند حكم العقل بالعدم إليها؛ لاحتمال انتفاء جزء آخر من علّة الوجود، فنفس العدم الأزلي مستصحب؛ لعدم‏ (4) العلم بالعلّة التامّة (5) للوجود، نعم لو فرض وجود تمام أجزاء (6) العلّة التي يستند إليها الوجود عدا ما حكم العقل بعدم المعلول بواسطة انعدامه من أجزاء العلّة التامّة فبعد (7) فرض وجود الجزء (8) المعدوم لا ينبغي‏ (9) الشكّ في وجود المعلول، و بذلك يسقط استصحاب العدم الأزلي، و هذا بخلاف الوجود، فإنّ العقل ما لم يقطع بوجود جميع أجزاء علّته التامّة لا يحكم بوجوده، فعند الشكّ في جزء منها مع‏ (10) الإحاطة بتمام أطرافه و حدوده، يعلم إمّا بانتفاء علّة الوجود فلا شكّ‏ (11) في الارتفاع، و إمّا بوجوده فلا شكّ في البقاء.

و من هنا ينقدح أنّ ما أفاده المحقّق القمي‏ (12) في بحث الإجزاء من أنّه‏ (13) بعد حصول‏

____________

(1). «ك»: بين الوجود.

(2). «ز، ك»: نفي.

(3). «ج»: مستصحب.

(4). «م»: بعدم.

(5). «ج»: المتأخّرة.

(6). المثبت من «ل» في سائر النسخ: «الأجزاء».

(7). «ز، ك، ل»: و بعد.

(8). المثبت من «ل» و في سائر النسخ: «جزء».

(9). «ل»: لا يبقى.

(10). «ك»: بعد.

(11). «ل»: فلا يشكّ، و كذا في المورد الآتي.

(12). لم أجده في بحث الإجزاء من القوانين.

(13). «ج، م»: أنّ.

31

الذكر المسبوق بالنسيان عدم التكليف مستصحب، ليس فى محلّه؛ إذ المفروض أنّ العدم مستند إلى عدم جزء خاصّ من أجزاء علّة الوجود و هو الذكر بواسطة حدوث النسيان، و المفروض اجتماع بقيّة الأجزاء، فعند زوال النسيان و وجود الذكر لا مجال للشكّ في التكليف كما لا يخفى. و القول بأنّ العدم المضاف بخصوصه مستصحب، مدفوع: بعدم التمايز بين الأعدام.

و منها: تقسيمه باعتبار الدليل إلى استصحاب حال النصّ إلى أن يثبت الناسخ، و إلى استصحاب حال الإجماع كاستصحاب وجوب المضيّ في الصلاة بعد ما وجد الماء في الأثناء.

و منها: تقسيمه باعتبار المشكوك فيه إلى استصحاب الحكم الشرعي، تكليفيا كان أو وضعيا، و إلى استصحاب الموضوع الخارجى كالرطوبة و اليبوسة.

و منها: تقسيمه باعتبار الشكّ، فإنّ الشكّ في وجود المستصحب تارة: مسبّب عن الشكّ في وجود المقتضي، و أخرى: عن الشكّ في وجود المانع، و لا ثالث في البين فيما كان العلّة التامّة مركّبة من وجود المقتضي و فقد المانع، فإنّ عدم المعلول علما و ظنّا و شكّا من توابع عدم العلّة علما و ظنّا و شكّا، فالشكّ في وجود المستصحب المعلول دائما ناش إمّا من الشكّ في نفس المقتضي أو شرط من شروطه أو جزء من أجزائه، أو ناش من الشكّ في وجود المانع.

[أقسام الشكّ في المقتضي‏] (1)

ثمّ الشكّ في المقتضي على أقسام؛ إذ الشكّ تارة: في مقدار صلوحه للبقاء و استعداده في الوجود (2)، كما لو علمنا بوجود حيوان لم نعلم بمقدار استعداده و صلوحه للبقاء و مثله الخيار في خيار العيب، فإنّه لا يعلم بقاؤه في الزمن الثاني من العلم به بعد

____________

(1). العنوان من هامش نسخة «ز».

(2). «ك»: للوجود.

32

الخلاف في فوريته و عدمها.

و تارة: يشكّ في تعيين‏ (1) الاستعداد بعد العلم بأصل الصلاحية، كما فيما علمنا بوجود حيوان مردّد بين ما يعيش في السنة كالعصفور مثلا، و بين ما يعيش في الأقلّ منها كالذباب و الديدان، فإنّ الشكّ في البقاء ناش من الشكّ في أنّ الموجود من أيّ النوعين.

و أخرى: يشكّ في زمان حدوثه بعد العلم باستعداده و كونه ممّا يعيش في السنة مثلا، فلا يعلم أنّ‏ (2) العصفور- مثلا- في أيّ زمان صار موجودا، فلو كان بدو وجوده في أقلّ من السنة فهو موجود قطعا، و لو كان فيها فليس بموجود قطعا، فالشكّ فيه مسبّب عن الشكّ في ابتداء الوجود (3).

[أقسام الشكّ في المانع‏] (4)

و الشكّ في المانع أيضا يتصوّر (5) على أقسام: فتارة: يشكّ في وجود المانع مع العلم بمانعيته، و قد يعبّر عنه بالشكّ في عروض القادح، كما إذا شككنا في بقاء الطهارة بواسطة الشكّ في طروّ البول.

و تارة: يشكّ في مانعية الموجود، و قد يعبّر عنه أيضا بالشكّ في قدح العارض، و هذا القسم أيضا على أقسام؛ لأنّ‏ (6) الشكّ في تلك‏ (7) الصفة.

إمّا أن يكون بواسطة الشكّ في كونه مانعا و ناقضا في أصل الشّرع، فلا نعلم أنّ الشّارع الصادع‏ (8) كما جعل البول ناقضا للوضوء فهل جعل المذي أيضا من نواقض الطهارة أو لا؟

____________

(1). «ز، ك»: تعيّن.

(2). «ك»: في أنّ.

(3). «ز، ك»: الموجود.

(4). العنوان من هامش نسخة «ز».

(5). «ز، ك، ل»:- يتصوّر.

(6). «ز، ك، ل»: فإنّ.

(7). «ز، ك»: هذه.

(8). «ز، ك، ل»:- الصادع.

33

و إمّا بواسطة عدم العلم بالمقتضي و تعيّنه، فلا نعلم أنّ الموجود الفلاني مانع بواسطة عدم العلم بالمقتضي، فلو علمنا به علمنا بالوصف المذكور، للعلم بالموانع بعد العلم بالمقتضيات، و ذلك كما في موارد الاشتغال مثل دوران المكلّف به بين الظهر و الجمعة، فلو صلّينا الظهر شككنا في ارتفاع التكليف بواسطة عدم العلم بالمقتضي للتكليف.

و إمّا أن يكون بواسطة الشكّ في معنى اللفظ و الموضوع المستنبط، كما فيما لو فرضنا عدم العلم بدخول الخفقة و الخفقتين في معنى النوم الناقض المعلوم، فالشكّ في بقاء الطهارة بواسطة الشكّ في أنّهما من أفراد النوم أو لا (1).

و إمّا أن يكون بواسطة الشكّ في الموضوع الخارجي، كما إذا عرض رطوبة مشتبهة مردّدة بين كونها بولا و بين غيره ممّا ليس بناقض قطعا.

ثمّ لا يذهب عليك تداخل بعض الأقسام المذكورة دون بعض آخر (2)، فلا ينبغي أخذ الأقسام الحاصلة من ضرب البعض في الآخر، و في المقام بعض تقسيمات أخر لا جدوى في التعرّض لها.

____________

(1). «ز، ك»: أم لا.

(2). «ج، ز»:- آخر.

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

هداية [في تعميم النزاع لأقسام الاستصحاب‏]

هل النزاع في حجّية الاستصحاب و عدمها يعمّ البراءة الأصلية، أو يخصّ بغيرها (1)؟ و هل يعمّ ما إذا كان المدرك إجماعا، أو لا؟ و هل يختصّ النزاع بالأحكام الشرعية، أو يجري في الموضوعات أيضا؟ و هل يجري النزاع في أقسام الشكّ في المقتضي أيضا، أو يختصّ بأقسام الشكّ في المانع؟

و لمّا كان في كلّ من المقامات الأربع‏ (2) يظهر من بعضهم الخلاف، فلا بدّ من ذكر كلّ واحد منها في مقام يختصّ به توضيحا (3) للمقام و تحقيقا للمرام.

[المقام‏] الأوّل في الجهة الأولى من وجوه تحرير الخلاف‏

، فنقول: زعم جماعة من متأخّري المتأخّرين ممّن عاصرناهم و من يقاربهم في العصر إلى خروج البراءة الأصلية عن حريم الخلاف و انتظامها في سلك المسلّمات مستندين إلى وفاق المتنازعين فيه مستكشفين ذلك من جملة من عبارات القوم‏ (4).

فمنها: ما أفاده جواد الفضلاء حيث قال: لا كلام في حجّية استصحاب النفي و هو

____________

(1). «م، ج»: بغيره.

(2). «ز، ك، ل»: الأربعة.

(3). «م، ج»: في مقامه توضيحا.

(4). «ز، ك، ل»: من جملة عبائر القوم.

36

المعبّر عنه بالبراءة الأصلية، و حاصله استصحاب براءة الذمّة من‏ (1) الواجبات و سقوط الحرج عن الخلق في الحركات و السكنات إلى أن يرد الدليل الناقل من النفي الأصلي إلى نفي‏ (2) ذلك الحكم، فيتّبع حيث ما دلّ الدليل عليه‏ (3). انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو بظاهره صريح فيما زعموا حيث نفى الكلام في حجّية استصحاب النفي بعد تفسيره بالبراءة الأصلية.

و منها: ما أورده‏ (4) الشهيد السعيد في محكيّ الذكرى‏ (5): الرابع دليل العقل و هو قسمان: قسم لا يتوقّف على الخطاب، و هو خمسة:

الأوّل: ما يستفاد من قضيّة العقل، كوجوب قضاء الدين، و ردّ الوديعة، و حرمة الظلم، و استحباب الإحسان، و كراهة (6) منع اقتباس النار، و إباحة تناول المنافع الخالية عن المضار، سواء علم ذلك بالضرورة، أو بالنظر (7) كالصدق النافع و الضارّ، و ورود السمع في هذه‏ (8) مؤكّد.

____________

(1). في المصدر: عن.

(2). في المصدر:- نفي.

(3). غاية المأمول فى شرح زبدة الأصول (مخطوط بخطّ المؤلّف) 84/ أ و في نسخة أخرى 178/ أ، و عنه في اشارات الأصول، قسم الأدلّة الشرعية (مخطوط) 94/ أ، و لا بأس بنقل عبارته:

اختلف كلامهم في تحقيق محلّ النزاع، فمنهم من نفى الخلاف و الإشكال في حجّية أحد القسمين من أصل النفي بعد أن قال و هو المعبّر بالبراءة الأصلية و هو البراءة من الوجوب، و منهم من يظهر منه عدم الخلاف في استصحاب النفي كالشهيد و التوني حيث خصّا نقل الخلاف بغيره و الكاظميني حيث قال: لا كلام في حجّية استصحاب النفي، و هو ظاهر كلام من جعل العنوان استصحاب الحال و لم ينقل الخلاف فيه كالتهذيب و المعالم و غيرهما، و في الأخير العلماء مطبقون على وجوب إبقاء الحكم مع عدم الدلالة الشرعية على ما يقتضيه البراءة الأصلية و لا معنى للاستصحاب إلّا هذا.

(4). «ز، ك»: أفاده.

(5). «ج»:+ حيث قال.

(6). «ز، ل»: كراهية.

(7). في المصدر: أو النظر.

(8). «ج»: هذا.

37

الثاني: التمسّك بأصل البراءة عند عدم الدليل، و هو عامّ المورد (1) في هذا الباب، كنفي الغسلة الثالثة في الوضوء، و الضربة الزائدة في التيمّم، و نفي وجوب الوتر، و يسمّى ذلك استصحاب حال العقل، و قد نبّه عليه في الحديث، كقوله: «كلّ شي‏ء [يكون‏] فيه حلال و حرام فهو لك حلال [أبدا] حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» (2) و سببه‏ (3) هذا.

الثالث: لا دليل على كذا فينتفي، و كثيرا ما يستعمله الأصحاب، و هو تامّ عند التتبّع التامّ، و مرجعه إلى أصل‏ (4) البراءة.

الرابع: الأصل الأقلّ‏ (5) عند فقد دليل على‏ (6) الأكثر كدية الذمّي عندنا؛ لأنّه المتيقّن، فيبقى الباقي على الأصل و هو راجع إليها.

الخامس: أصالة بقاء ما كان- و يسمّى استصحاب حال الشرع و حال الإجماع- في محلّ الخلاف، كصحّة صلاة المتيمّم الذي يجد الماء في الأثناء، فنقول: طهارته‏ (7) معلومة و الأصل عدم طار، و (8) صلاته صحيحة قبل الوجدان و كذا (9) بعده. و اختلف الأصحاب في حجّيته و هو مقرّر في الأصول‏ (10). انتهى كلامه رفع مقامه.

وجه الدلالة يظهر من تخصيص الخلاف بقسم من الأقسام المذكورة التى منها استصحاب حال العقل.

و منها: ما ذكره العلّامة في محكيّ النهاية حيث قال: اختلفوا فى النفي الأصلي هل‏

____________

(1). في المصدر: الورود.

(2). وسائل الشيعة 17: 87- 88، باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 1، و 24: 236، باب 64 من أبواب الأطعمة و الأشربة، ح 2؛ بحار الأنوار 2: 282، باب 32، ح 57. و تقدّم في ج 1، ص 359.

(3). في المصدر: شبه.

(4). «ز، ك»: أصالة.

(5). في المصدر: الرابع: الأخذ بالأقلّ.

(6). «ز، ك، ل»: في.

(7). في المصدر: طهارة.

(8). في المصدر: طارئ أو.

(9). «ل»: فكذا.

(10). ذكرى الشيعة 1: 51- 52.

38

يمكن التوصّل إليه بالقياس أم لا؟ بعد اتّفاقهم على اكتفاء حكم العقل فيه بالاستصحاب. انتهى.

و هذا (1) كما ترى ينادي بأنّ التوصّل بالاستصحاب إلى النفي الأصلي أمر مفروغ عنه عندهم.

و منها: ما احتجّ به في المعالم من أنّ العلماء مطبقون على وجوب إبقاء الحكم مع عدم الدلالة الشرعية على ما تقتضيه البراءة الأصلية (2)، و مثله ما في المعارج‏ (3) و دلالتهما على مقصودهم وجهها (4) ظاهر.

و منها: عنوان غير واحد من أرباب الفنّ و أصحاب الصناعة بأنّ استصحاب الحال كذا؛ إذ من الواضح أنّ المراد منه هو الأمر الوجودي.

إلى غير ذلك من الكلمات الدالّة على ذلك تصريحا أو تلويحا، إلّا (5) إنّ ذلك بمعزل عن التحقيق، فإنّ مدّعي الإجماع إن أراد أنّ القوم مطبقون على العمل بمقتضى قاعدة البراءة و هو الحكم بعدم ثبوت ما يترتّب على التكليف، فهو حقّ، لكنّه غير مفيد؛ إذ من المحتمل قويّا- بل و لا بدّ أن يكون هو المتعيّن‏ (6)- أن يكون تعويلهم على ذلك من حيث اقتضاء مجرّد الشكّ من دون احتياج إلى انسحاب الحالة السابقة بالاستصحاب كما هو قضيّة قاعدة البراءة، أو يكون حكمهم بالعدم مستندا إلى قاعدة العدم؛ إذ قاعدة «عدم الدليل دليل العدم» من القواعد التي توافق الاستصحاب‏ (7) موردا. و إن أراد أنّ العمل على العدم بمقتضى قاعدة الاستصحاب بانجرار العدم المعلوم سابقا و انسحابه بالاستصحاب إلى زمن الشكّ ليترتّب عليه آثاره، فغير سديد؛ إذ عدم الخلاف فيما يستفاد من العبارات المتقدّمة إنّما هو إجماع عملي، و الوجه في أمثال ذلك‏

____________

(1). «ج»: هو.

(2). المعالم: 234.

(3). معارج الأصول: 287.

(4). «ز، ك، م»: وجها.

(5). «م»:- إلّا، و في «ز، ك، ل»: «و» بدل «إلّا».

(6). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: المعيّن.

(7). «م»: الأصحاب.

39

ممّا يحتمل أن يكون وقوعه على وجوه مختلفة عدم جواز تعيين وجه منها، لعدم دليل عليه بالخصوص، على أنّك قد عرفت‏ (1) فيما تقدّم من مباحث البراءة عدم الحاجة إلى الاستصحاب عند الشكّ في البراءة و عدمها؛ لأنّ الأحكام المترتّبة على المستصحب بعد انسحابه بالاستصحاب إنّما هو مترتّب على ما هو مقدّم طبعا عليه و هو مجرّد الشكّ بقبح العقاب بدون البيان في مجاري البراءة.

و بالجملة: فمدّعي الإجماع لا بدّ له من إثبات انعقاد الإجماع على حجّية استصحاب البراءة و إن قطعنا النظر عن اعتبار قاعدة البراءة، بل الحكم في مواردها إنّما هو مترتّب‏ (2) على العدم المنسحب بالاستصحاب، و دون إثباته خرط القتاد.

على أنّ دلالة العبارات المتقدّمة على مطلوب مدّعي الإجماع في محلّ من المنع بالنسبة إلى جميعها فإنّ الاستشهاد بكلام العلّامة إنّما يتمّ فيما لو قلنا بأنّ ضمير الجمع المضاف إليه الاتّفاق إنّما يرجع إلى القوم دون القائلين بالقياس، مع أنّ سوق العبارة ظاهر فيه. اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ القائلين بالقياس هم النافون‏ (3) للاستصحاب فيتمّ الاتّفاق إلّا أنّه كما ترى.

و أمّا الاستشهاد بكلام المعالم فلم يثبت أنّ الفقرة الدالّة منها على المطلوب من كلام المستدلّ و لعلّه ناش من اجتهاده في استدلالهم.

و أمّا قولهم في العنوان فلا دلالة له على المطلوب بوجه، و على التنزّل فلعلّ نظرهم مقصور على أنّ الآثار المطلوبة في الاستصحاب غالبا إنّما يترتّب على المستصحب الموجود، فتأمل.

فالتحقيق في المقام- على ما أفاده الأستاد المحقّق المرتضى أديمت إفاداته- عموم النزاع لأقسام الاستصحاب الوجودي و البراءة الأصلية، لأمرين:

____________

(1). عرفت في ج 3، ص 330.

(2). «ج»: إنّما يترتّب.

(3). «م»: النافين، و في «ج، ك»: القائلين.

40

الأوّل: أنّه لا ريب في اتّحاد مناط الاستصحاب في الوجودي‏ (1) و العدمي، فإنّ المدار فيه‏ (2) على اليقين السابق و الشكّ اللاحق بأخذه مصاحبا من زمن اليقين‏ (3) إلى زمن الشكّ ليحكم عليه بما كان يحكم عليه في ذلك الزمان، إمّا بواسطة أنّ تحقّق الشّي‏ء في السابق في مرتبته و تقرّره‏ (4) في ذاته- و لو كان أمرا عدميا- يحتاج في الخروج عنه و الحكم بخلافه عند العقلاء إلى دليل مخرج عن ذلك بواسطة حصول الظنّ بالبقاء، أو بواسطة معاملتهم إيّاه معاملة السابق و لو كان مشكوكا أيضا كما يشعر بذلك بعض وجوه استدلالاتهم في مطاوي كلماتهم، و إمّا بواسطة دلالة الأخبار على ذلك، فإنّ الوجوه القائمة على اعتبار الاستصحاب لا يخلو من ذلك، و كلّ ذلك بالنسبة إلى الوجود و العدم سواء، فنحن لا نرى‏ (5) فرقا في ذلك بين الوجود و العدم، فتخصيص أحدهما بالخروج عن النزاع دون الآخر يشبه أن يكون ترجيحا بلا مرجّح.

الثاني: ما يدلّ على دخول البراءة الأصلية في محلّ الخلاف من عباراتهم تصريحا أو تلويحا.

منها: التفصيل الذي عزي إلى المحقّق على ما قد (6) استفيد من قوله في المعتبر بعد تثليثه أقسام الاستصحاب، قال: استصحاب حال العقل و هو البراءة الأصلية و [الثاني‏] أن يقال عدم الدليل على كذا، فيجب انتفاؤه، و هذا إنّما يصحّ فيما أنّه‏ (7) لو كان هناك دليل لنظفر به‏ (8)، و أمّا لا مع ذلك فيجب‏ (9) التوقّف، و لا يكون ذلك الاستدلال حجّة، و [الثالث‏] استصحاب حال الشرع‏ (10)، انتهى. فإنّ اعتبار عموم البلوى في اعتبار

____________

(1). «ز، ك، ل»: اتّحاد المناط في الاستصحاب الوجودي.

(2). «ز، ك»: في الاستصحاب.

(3). «ك»: السابق.

(4). «ز، ك»: تقريره.

(5). «ج»: سواء، أ لا ترى.

(6). «ز، ك»:- قد.

(7). في المصدر: فيما يعلم.

(8). «م»: نظفر به، و في «ج»: لظفر به.

(9). في المصدر: فإنّه يجب.

(10). المعتبر فى شرح المختصر 1: 32 مختصرا، و ما بين المعاقيف منه.

41

القسم الثاني يدلّ على أنّ المناط هو حصول العلم أو الظنّ المعتبر بالعدم لا ملاحظة الحالة السابقة؛ إذ لو كان كذلك لما كان للتفصيل وجه، لوجود الحالة السابقة في جميع الأقسام الثلاثة.

و منها: ما أفاده الشّيخ في العدّة (1) من أنّ المحصّلين على أنّ النافي كالمثبت في الاحتياج إلى الدليل، كما أشرنا إليه نحن‏ (2) أيضا في بعض المباحث الماضية (3)، و وجه الدلالة أنّ الحالة السابقة لو كانت معتبرة و دليلا لم يكن لما أفاده وجه؛ ضرورة أنّ مدّعي النفي لا ينفكّ دعواه عن العدم الأزلي، و المفروض صلوحه لأن يكون دليلا، سواء كان براءة أو غيرها من الأصول العدمية، و احتمال أنّ المراد هو احتياج النافي فيما إذا كان العدم و النفي مسبوقا بالوجود ممّا لا يصغى إليه؛ لعدم الخلاف في ذلك لأحد، فلا ينبغي حمل كلام الشيخ عليه.

و منها: احتجاج المثبتين من أنّ كلّ ما ثبت دام، فإنّ الثبوت و إن كان مرادفا للوجود على ما هو التحقيق، إلّا أنّه قد يطلق على مطلق التقرّر (4) الشامل تسامحا للأعدام الأزلية، و من هنا يظهر عدم اتّجاه ما قد يورد على هذه الحجّة من اختصاصها بالوجوديات و إن كان الاعتراض على هذا الوجه حجّة على ما هو المطلوب كما لا يخفى.

و منها: ما احتجّ إليه المرتضى (رحمه اللّه)(5) في احتجاج النفي من استلزام القول به التسوية بين الحالتين‏ (6) من غير دليل، فإنّه بعمومه شامل للاستصحاب الوجودي و العدمي‏ (7).

و منها: ما تمسّك به جماعة في الاحتجاج على النفي من أنّه لو كان حجّة لزم الحكم بتقديم بيّنة النافي على بيّنة المثبت؛ لموافقته للبراءة الأصلية.

____________

(1). العدّة 2: 753.

(2). «ز»: أشرنا نحن إليه، و في «ك»:- إليه.

(3). أشار في ج 3، ص 331.

(4). «ج»: التقرير.

(5). الذريعة الى أصول الشريعة 2: 830.

(6). «ز، ك، ل»: الحالين.

(7). «ج، م»: لاستصحاب الوجود و العدم.

42

و منها: ما ذكره غير واحد من اشتراط العمل بالأصل بالفحص إلى أن يحصل القطع بعدم الدليل كما عليه البعض، أو الظنّ كما عليه آخرون، فإنّه ظاهر في أنّ التعويل على الاستصحاب إنّما هو بواسطة القطع أو الظنّ الحاصل بعد الفحص لا على نفس الحالة السابقة، و احتمال اشتراطهم ذلك نظرا إلى لزوم إجراء عدم المانع بالفحص لتحصيل الظنّ من نفس الأصل- على تقدير التسليم- لا يجري على القول بتحصيل القطع؛ إذ لا ريب في عدم إفادة الأصل القطع بنفسه لو خلّي و طبعه حتّى بالفحص يحرز عدم المانع كما لا يخفى.

و منها: ما ذكره أستاد الكلّ في الكلّ‏ (1) المحقّق الخوانساري من أنّ الاستصحاب ينقسم إلى قسمين باعتبار انقسام الحكم المأخوذ فيه إلى الشرعي و غيره، و مثّل للأوّل بنجاسة الثوب و البدن، و للثاني برطوبته، ثمّ قال: و ذهب بعضهم إلى حجّيته بقسميه، و بعضهم إلى حجّية القسم الأوّل فقط (2)؛ حيث إنّه أسند الخلاف إلى غير الحكم الشرعي و هو بعمومه شامل للبراءة الأصلية كما تنبّه له المحقّق القمي- و إن كان لا يخلو عن مناقشة فيه- و بعض آخر، إلّا أنّ للمتتبّع ما يغني عن ذكر ذلك.

و من هنا ينقدح أنّ دعوى خروج الأصول العدمية كأصالة عدم النقل و أصالة عدم التخصيص و أصالة عدم القرينة و نحوها من الأصول المعمولة في باب الألفاظ و نحوها (3)، أيضا داخل في النزاع؛ إذ لا خصوصية (4) في تلك الأصول من حيث الاستصحاب على وجه لا يكون في غيره، فتخصيص أحدهما بالخروج عن‏ (5) تلك الحيثية تخصيص من غير ما يقضي به، و جريان الكلمات السابقة فيها ممّا لا يدانيه ريبة، إلّا أنّ الأستاد دام عزّه و تحقيقه في فلك الغرّة و سماء التحقيق نقل عن شيخه الشريف (رحمه اللّه)(6)

____________

(1). «ج، م، ك»:- في الكلّ.

(2). مشارق الشموس: 76.

(3). «ج»: غيرها.

(4). «ج»:+ لشي‏ء.

(5). «ج، م»: من.

(6). «ز، ك، ل»:- (رحمه اللّه).

43

دعوى إسناد إطباقهم‏ (1) على خروج العدميات مطلقا إلى سيّد (2) الرياض (رحمه اللّه)(3)، و لعلّه يظهر من بعض آخر دعوى الإطباق على خروجها، و كأنّ منشأه ما نقله ولده الشهيد (4) (رحمه اللّه)(5) في المفاتيح في احتجاج المثبتين و هو أنّه لو لم يكن حجّة لما جاز التمسّك بأصالة عدم القرينة و أصالة عدم النسخ و أصالة عدم التخصيص و أصالة عدم الاشتراك و أصالة عدم النقل، و التالي باطل، فالمقدّم مثله، أمّا الملازمة فلوضوح رجوع الأصول المذكورة إلى الاستصحاب، و أمّا بطلان التالي فلأنّه‏ (6) على تقديره ينسدّ سبيل المحاورة و ينفتح طريق المكابرة، و بطلان التالي- كوضوح الملازمة- ظاهر، و مع ذلك‏ (7) فالأصول المذكورة مجمع عليها لا يستريب فيها أحد من الأصوليين‏ (8).

و قد أشير إلى الحجّة المذكورة في جملة من الكتب. ففي التهذيب: و لأنّ الأحكام‏

____________

(1). «م»: دعوى إطباق إسناد إطباقهم.

(2). فوقها في نسخة «م»: خ: صاحب.

(3). كما في تقريراته في ضوابط الأصول: 402- 403، و أيضا في تقريراته للفاضل الأردكاني (مخطوط): 241، قال في ضوابط الأصول: لا ريب في دخول الاستصحاب الوجودي في محلّ النزاع، و يظهر من بعض المتأخّرين كون الاستصحاب العدمي أيضا محلّ النزاع، فالحقّ خلافه لوجوه:

الأوّل: الإجماع المحكيّ عن الفاضل الجواد و صاحب الرياض على خروج العدمي عن النزاع.

قال الأردكانى في تقريراته: و التحقيق خلافه لوجوه:

الأوّل: الإجماع المحكيّ عن الفاضل الجواد و السيّد الأستاد و غيرهما الدالّ على عدم كون هذا النزاع في الأصول العدمية.

(4). فوقها في نسخة «م»: خ: السيّد.

(5). «ز، ك، ل»:- (رحمه اللّه).

(6). «ج، م»: فلأنّ.

(7). في المصدر: أمّا بطلان التالي فلأنّه لو لم يجز التمسّك بها؛ للزم سدّ باب الاستدلال على الأحكام الشرعية بالكتاب و السنّة غالبا، بل دائما، و التالي باطل، فالمقدّم مثله، أمّا الملازمة ففي غلبة الظهور، و أمّا بطلان التالي فكذلك أيضا، و مع ذلك.

(8). في المصدر: الأصوليين على الظاهر.

44

الشرعية مبنيّة غالبا عليه؛ لأنّ الدليل إنّما يتمّ لو لم يتطرّق إليه المعارض من نسخ و غيره، و إنّما يعلم نفي المعارض بالاستصحاب.

و في المنية احتجّ عليه بأنّ أكثر الأحكام الشرعية مبنيّة على الاستصحاب، فيكون حجّة. أمّا الأوّل: فلأنّ الدليل إنّما يجب العمل به إذا لم يطرأ عليه ما يزيل حكمه إمّا مطلقا كالناسخ، أو بعض مدلولاته كالتخصيص للعامّ و التقييد للمطلق، أو معارضة دليل راجح عليه و لا وسيلة إلى العلم بانتفاء (1) ذلك إلّا من الاستصحاب.

و أمّا الثاني: فبيّن.

و في الرسالة الاستصحابية: و منهم من أنكر حجّية الضرب الأوّل، لكن نجد من الجميع حتّى المنكر مطلقا أنّهم يستدلّون بأصالة عدم النقل، مثلا يقولون: الأمر حقيقة في الوجوب في عرفنا، فكذلك لغة (2)؛ لأصالة عدم النقل، و يستدلّون أيضا بأصالة بقاء المعنى اللغوي، فينكرون الحقيقة الشرعية، إلى غير ذلك كما لا يخفى على المتتبّع‏ (3).

و في بعض شروح المنهاج للإسنوي‏ (4): و أيضا لو لم يكن الاستصحاب حجّة لم يكن الأحكام الشرعية (5) في زمان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ثابتة في زماننا أصلا؛ لجواز تطرّق النسخ عليها، فلم تبق‏ (6) ثابتة، لكنّ الأحكام الثابتة في زمانه (صلّى اللّه عليه و آله) باقية في زماننا بالاتّفاق، و لم يكن دليل‏ (7) عليها غير الاستصحاب‏ (8)، انتهى.

و وجه دلالة هذه الحجّة على خروج استصحاب العدم من حريم الخلاف هو أنّ عدم اعتبار تلك الأصول العدمية إنّما جعل تاليا في الشرطية التي يطلب منها اعتبار

____________

(1). في المصدر: ببقاء.

(2). «ج، م»: بعد، و في المفاتيح: لغته.

(3). الرسائل الأصولية (رسالة الاستصحاب): 424.

(4). في المصدر:- للإسنوي.

(5). في «ل» و المصدر: الشرعية الثابتة.

(6). في المصدر: فلم يبق.

(7). في المصدر:- دليل.

(8). مفاتيح الأصول: 644.

45

مطلق الاستصحاب باستثناء (1) نقيض التالي لينتج وضع‏ (2) المقدّم، لاتّحاد المناط و هو سبق اليقين و لحوق الشكّ، و هو موجود في جميع الأقسام.

و مع ذلك كلّه فالتحقيق شمول النزاع للعدميات؛ لعدم الفرق في نظر العقل بين الوجودي و العدمي في لحاظ الاستصحاب، و أمّا دعوى الإجماع على الخروج فنظير دعوى الإجماع على خروج البراءة الأصلية، و قد عرفت عدم إمكان استكشاف الوجه منه بعد احتمال انعقاده على وجوه مختلفة، و العمل على طبق الأصول اللفظية ممّا لا يجدي.

و أمّا الجواب عمّا أوردناهما- [و] لعلّه يكون منشأ لتخيّل انعقاد الإجماع‏ (3)- فهو أنّه كما يحتمل أن يكون احتجاجا لإثبات حجّية مطلق الاستصحاب بواسطة حجّية قسم منها لاتّحاد المناط، كذلك يحتمل أن يكون المقصود إثبات حجّية هذا القسم من الاستصحاب أيضا كأن يكون المقصود أنّه لو لم يكن الاستصحاب حجّة في النفي و الإثبات مطلقا لزم منه انسداد باب المحاورات و الاحتجاجات، و نظير ذلك في احتماله الوجهين ما مرّ نقله عن‏ (4) المعارج و المعالم‏ (5) من أنّ‏ (6) العلماء مطبقون على وجوب إبقاء الحكم مع عدم الدلالة الشرعية على ما تقتضيه البراءة الأصلية؛ إذ يحتمل أن يكون الفقرة الأخيرة من اجتهاد الناقل لا من المستدلّ.

على أنّا لو سلّمنا الإجماع على خروج العدميات من النزاع، فهو إنّما يسلّم في الأصول المعمولة في الألفاظ فقط، و أمّا سائر الأصول العدمية، كأصالة عدم الزوجية و الملكية و التذكية، و عدم الطهارة، و عدم النجاسة، و عدم الرطوبة و اليبوسة، و نحوها،

____________

(1). «ج»: فاستثناء.

(2). «ج»: بوضع.

(3). «ل»: للتخيّل لانعقاد الإجماع، و في «ز، ج»: التخيّل انعقاد الإجماع.

(4). «ل»: من.

(5). المعارج: 287؛ المعالم: 234، و مرّ نقله في ص 38.

(6). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: بأنّ.

46

فدخولها في النزاع ممّا لا يدانيه ريب، بل يظهر من صاحب المدارك و المحقّق الخوانساري‏ (1) صراحة عدم اعتبار مثل هذه الأصول فكيف يمكن دعوى الإجماع عليه، و إن كان يمكن دعوى اتّحاد المناط بعد خروج الأصول العدمية اللفظية، إلّا أنّ الكلام مع مدّعي الإجماع.

فإن قلت: فهل يمكن إنكار انعقاد الإجماع على اعتبار الأصول العدمية؟ و لعلّ المنكر ممّن لا يقطع بشي‏ء في زمان أبدا، فإنّه يشبه أن يكون إنكارا للأمر الضروري.

قلت: فهل يمكن دعوى الإجماع من الكلّ على ذلك بعد ما عرفت من وجوه‏ (2) الاختلاف‏ (3) و ضروب الاعتساف في كلماتهم؟ نعم يصحّ دعوى انعقاد الإجماع العملي على هذه الأصول فإنّه بمكان من التسليم، و لا ينافي ذلك دعوى بعضهم بحسب اجتهاده الإجماع على خروجها.

و قد يعترض على دعوى الإجماع بأنّ مفروغية الاستصحاب العدمية تلازم‏ (4) المفروغية في جميع أقسام الاستصحاب، و اللازم باطل، و كذا الملزوم، أمّا (5) الملازمة فلعدم انفكاك الاستصحاب الوجودي عن استصحاب عدمي في أيّ مورد فرض، فإنّ لكلّ أمر وجودي ضدّا أو أضدادا (6)، و لا أقلّ من استصحاب عدم الضدّ أو الأضداد، مثلا الطهارة يضادّها الحدث، و الزوجية يباينها المزيل لها، و الملكية يناقضها (7) النقل و الانتقال، فعند استصحاب الطهارة يستصحب عدم عروض الحدث، و في استصحاب الزوجية عدم المزيل للعلقة، و في الملكية عدم النقل و الانتقال، و في استصحاب وجوب ردّ الوديعة عدم ثبوت ما عدا ذلك بالشرع، إلى غير ذلك من الموارد، فإنّ عدم تلك‏

____________

(1). انظر مدارك الأحكام 2: 387 و 3: 158 و ذهب إليه أيضا المحقّق السبزواري في ذخيرة المعاد 2: 227، 232؛ كفاية الأحكام: 252. و سيأتي عنهم في ص 230.

(2). «ل»: وجود.

(3). «ز، ك»: الخلاف.

(4). «ج، م»: يلازم، و في «ل»: ملازم.

(5). «ز، ك، ل»: و أمّا.

(6). «م»: ضدّ أو أضداد.

(7). «ك»: يباينها.

47

الأمور و إن كان يغاير المطلوب في استصحاب الوجود إلّا أنّه يلازمه؛ لأنّ نفي الضدّ أو الأضداد يلازم وجود الآخر، و أمّا بطلان اللازم فأظهر من أن يظهر و أوضح من أن يوضح؛ لعود النزاع بين الأقوال التى حافظوا على ضبطها و تحريرها و تنقيحها عبثا و لغوا.

و قد يجاب عنه بأنّ استصحاب تلك الأعدام التي هي أضداد لتلك الأمور الوجودية لا يجدي في ترتيب أحكام الأمور الوجودية عليها، غاية الأمر أنّ ما يترتّب على نفس تلك الأعدام يمكن إثباته‏ (1) بالاستصحاب دون غيرها؛ لأنّها على تقدير التسرّي إلى أحكام الوجود أصول مثبتة و لا تعويل عليها.

و فيه أوّلا: أنّ أحكام الوجود و العدم قد تتّحد (2)، فلا حاجة إلى انسحاب الحالة الوجودية و انجرارها في زمن الشكّ ليترتّب عليها (3) أحكامها، و ذلك في استصحاب العدالة التي هي ملكة وجودية، و استصحاب عدم الفسق، فإنّ صحّة الوصيّة إنّما تترتّب‏ (4) على عدم الفسق كما تترتّب‏ (5) على العدالة أيضا، نعم فيما لو اختلف لا يمكن الاتّكال و التعويل في ثبوت العنوان الوجودى باستصحاب العدم، فلا يترتّب عليه، كما أنّه لا يجوز الائتمام لمن استصحبنا عدم فسقه مثلا، و كما أنّ استصحاب عدم الحدث‏ (6) ممّا يترتّب عليه جواز الدخول في الصلاة أو غيرها ممّا تكون‏ (7) الطهارة شرطا فيه على ما يستفاد من عنوان بعض الأخبار، و كما في استصحاب عدم وجوب القطع للمتيمّم الواجد للماء في الأثناء، فإنّ ذلك يكفي في الطهارة و لا حاجة إلى استصحابها.

و ثانيا: أنّ الأصول المثبتة ممّا لا تعويل عليها على تقدير الأخبار، و أمّا على تقدير

____________

(1). «ز، ك، ل»: إتيانه.

(2). «ج، م»: يتّحد.

(3). «ج»: عليه.

(4). المثبت من «ل» و في سائر النسخ: «يترتّب».

(5). «ز، ج، م»: يترتّب.

(6). «ز»: الحادث، «ل»: الحادثات.

(7). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: «يكون».

48

الظنّ كما عليه الأكثرون‏ (1) من أصحابنا و مخالفينا ممّن قال بالاستصحاب و على تقديره، فلا ينبغي التردّد (2) في اعتبار (3) الأصول المثبتة، فإنّه إذا من الأدلّة الاجتهادية التي تكشف‏ (4) عن الواقع، و بعد انكشافه و تقدير اعتبار الكاشف فلا بدّ (5) من الأخذ بجميع لوازمه و ملزوماته، إلى غير ذلك من الوجوه المتفرّعة عليه و العناوين المنتهية إليه على ما ستعرف تفصيل الكلام فيه.

اللّهمّ إلّا أن يدّعى التفكيك بين الظنّ‏ (6) اللازم الحاصل من استصحاب الملزوم فلا عبرة (7)، و الظنّ المتعلّق بنفس المستصحب فهو معتبر، كما أنّ الشّارع قد حكم بالتفكيك بين الظنّ الحاصل من القبلة بالوقت، فإنّه قد اعتبره في القبلة دون الوقت، إلّا أنّ ذلك خارج عمّا نحن بصدده؛ إذ بعد اعتبار الظنّ فلا وقع لهذا الكلام كما لا يخفى.

فانقدح من جميع ما مرّ ذكره عموم النزاع للبراءة الأصلية و الأصول العدمية بأجمعها.

المقام الثاني [فى انه هل يعم ما اذا كان المدرك اجماعا او لا؟]

فى الجهة الثانية من وجوه تحرير الخلاف، فنقول: ربّما يتخيّل اختصاص حريم الخلاف بما إذا لم يكن دليل الحكم هو الإجماع، كما يظهر وجهه عند وجوه الأقوال، و الحقّ عموم النزاع لعموم الأدلّة و العناوين و الأمثلة و كلمات المثبتين و النافين، و قد مرّ في المقام الأوّل ما به‏ (8) يمكن الاكتفاء عن نقل كلماتهم في إثبات المطلب، فراجعه متدبّرا فيها (9).

____________

(1). «ج»: الأكثر.

(2). «ز، ك، ل»: فلا ينفي الردّ.

(3). «ز، ل»: و في اعتبار.

(4). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: «يكشف».

(5). «ز»: فلأنّه.

(6). المثبت من «م» و في سائر النسخ: «ظنّ».

(7). «ك»: فلا عبرة به.

(8). «ج»: بأنّه.

(9). «ز، ك، ل»: فراجعه فتدبّر.

49

المقام الثالث [فى انه هل يختص النزاع بالاحكام الشرعية او يجرى فى الموضوعات ايضا]

في الجهة الثالثة منها، فنقول: يظهر من عدّهم الاستصحاب في عداد الأدلّة العقلية- كما يقال كثيرا: و من جملة الأدلّة العقلية الاستصحاب- اختصاص النزاع بالأحكام؛ لأنّ الأدلّة العقلية مفسّرة في كلامهم بالأحكام العقلية الموصلة إلى الأحكام الشرعية، و الموضوعات ليست‏ (1) منها، و الاستصحاب فيها ليس‏ (2) دليلا، بل هو أمارة كاليد و البيّنة و إن توقّف اعتباره فيها على حكم الشارع؛ إذ ذلك لا يقضي بكونه دليلا كما في البيّنة، لأنّ‏ (3) ما يثبت بها ليس حكما شرعيا، فإنّ دخول زيد في «من يجب عليه كذا» مثلا، ليس من الحكم الشرعي‏ (4) في شي‏ء، فالحكم الشرعي هو الخطاب المتعلّق بالعنوان الكلّي، و البيّنة إنّما أقيمت على انطباق ذلك العنوان بالموضوع الخاصّ، فالثابت‏ (5) بالاستصحاب فيما إذا كان المستصحب حكما كلّيا شرعيا هو الحكم الكلّي، و فيما إذا كان موضوعا إنّما هو صغرى لقياس يثبت فيه سريان الحكم الكلّي إليه.

و بالجملة: فقضيّة ذلك خروج الموضوعات عن محلّ النزاع، و لقد أومأ إلى ذلك أمين الأخبارية في الفوائد المدنية حيث قال: اعلم أنّ للاستصحاب صورتين معتبرتين باتّفاق الأمّة، ثمّ ترقّى عن ذلك فقال: بل أقول: اعتبارهما من ضروريات الدين، إحداهما: أنّ الصحابة و غيرهم كانوا يستصحبون ما جاء به نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أن يجي‏ء ما ينسخه‏ (6)، و ثانيهما: أنّا نستصحب كلّ أمر من الأمور الشرعية، مثل كون الرجل مالك أرض، و كونه زوج امرأة، و كونه عبد رجل، و كونه على وضوء، و كونه‏

____________

(1). «ج»: التي، و في «م» كانت أوّلا «التي» ثمّ غيّرت ب «ليست».

(2). «ز، ك، ل»: ليس فيها.

(3). «ز، ك، ل»: و لأنّ.

(4). «ل»: من الأحكام الشرعية.

(5). «ج»: فالذاهب.

(6). «ز» و المصدر: بنسخه.

50

طاهرا أو نجسا، و كون الليل و النهار باقيا، و كون ذمّة الإنسان مشغولة بصلاة أو طواف، إلى أن يقطع بوجود شي‏ء جعله الشارع سببا لنقض تلك الأمور، ثمّ ذلك الشي‏ء قد يكون شهادة العدلين، و قد يكون قول الحجّام المسلم أو المؤمن‏ (1)، و قد يكون قول القصّار المسلم‏ (2)، و قد يكون بيع ما يحتاج إلى الذبح و الغسل في سوق المسلمين، و أشباه ذلك من الأمور الحسّية (3)، انتهى كلامه. و دلالته على كون الموضوعات خارجة (4) عن محلّ الكلام ممّا لا يدانيه و صمة الريب و الإنكار.

و تبعه في ذلك الشيخ الجليل الحرّ العاملي في الفوائد الطوسية حيث قال- بعد نقل كلام عن بعض معاصريه في الردّ على منكري البراءة الأصلية و الاستصحاب- ما هذا لفظه: و اعلم أنّ كلام المعاصر و غيره هنا مجمل يحتاج إلى التفصيل ليتحقّق‏ (5) محلّ النزاع، و نحن نفصّل و نقول: الأصل يطلق على معان و يستدلّ به في مواضع اثني عشر، فأخذ في تعدادها إلى أن قال: السابع: نفي تغيّر الحكم الشرعي في الحالة السابقة، و هو المسمّى بالاستصحاب في نفس الحكم الشرعي إثباتا و نفيا. و الثامن: نفي‏ (6) تغيّر الحالة السابقة إلى أن يثبت تغيّرها، و هو المسمّى بالاستصحاب في غير نفس الحكم الشرعي، إلى أن قال بعد ذكر تمام المواضع الاثني عشر: و أمّا السابع ففيه خلاف مشهور ذهب‏ (7) إلى بطلانه المحقّقون كالسيّد و الشيخ و المحقّق و الشيخ حسن و مولانا محمّد أمين و صاحب المدارك و غيرهم، إلى أن قال: و أمّا الثامن فلا خلاف فيه و النصوص الشرعية دالّة عليه عموما و خصوصا (8)، انتهى. و وجه دلالته على خروج‏

____________

(1). في المصدر: أو من في حكمه.

(2). في المصدر:+ أو من في حكمه.

(3). الفوائد المدنية: 288، في ط الحجري: 143.

(4). «ج، م»: خارجا.

(5). في المصدر و ظاهر نسخة «ز»: لتحقّق، و في «ك»: لتحقيق.

(6). هنا تنتهي نسخة «ل».

(7). في المصدر: و قد ذهب.

(8). الفوائد الطوسية: 198- 199 و 201.

51

الموضوعات ظاهر لا ينكر؛ إذ الموضع‏ (1) الثامن المراد به الموضوعات، و قد مرّ في المقام الأوّل من الكلمات ما يشعر بذلك‏ (2) أيضا.

و لكنّ التحقيق بعد ذلك كلّه دخولها (3) في محلّ الخلاف، و يدلّ على ذلك- بعد عموم المناط في الكلّ، فلا تعقل‏ (4) التفرقة بين أقسامه- أمور:

أحدها: كلام العضدي حيث قال- بعد تعريف الاستصحاب بما أشرنا إليه سابقا (5)-:

و قد اختلف في صحّة الاستدلال به لإفادة (6) الظنّ بالبقاء (7)، و عدمها لعدم إفادته إيّاه، فأكثر المحقّقين- كالمزني و الصيرفي و الغزالي- على صحّته، و أكثر الحنفية على بطلانه فلا يثبت به حكم شرعي‏ (8)، انتهى. وجه‏ (9) الدلالة أنّ لفظ الحكم في كلامه و إن كان ظاهرا في الحكم الكلّي إلّا أنّ قول التفتازاني في شرحه بأنّ هذا إشارة إلى أنّ خلاف الحنفية في ذلك في إثبات الحكم الشرعي بالاستصحاب لا نفيه به، يدلّ على أنّ المراد به الأعمّ من الأحكام الكلّية أو الجزئية، و أنّ خلاف الحنفية في كلّ من القسمين، سيّما بعد ملاحظة التمثيل في كلام الأوّل باستصحاب حياة المفقود.

و ثانيها: ما في المدارك من إنكار حجّية استصحاب عدم التذكية حيث قال- بعد نقل الاحتجاج على حرمة استعمال الجلد المطروح بأصالة عدم التذكية-: و يشكل بأنّ مرجع الأصل هنا (10) إلى استصحاب الحالة (11) السابقة، و قد تقدّم الكلام منّا فيه مرارا و بيّنّا أنّ الحقّ أنّ استمرار الحكم يتوقّف على الدليل كما يتوقّف عليه ابتداؤه؛ لأنّ ما

____________

(1). «ج»: الموضوع.

(2). «ز، ك»: به.

(3). «ز، ك»: هو دخولها.

(4). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: «فلا يعقل» و ظاهر نسخة «ز»: يقضي.

(5). أشار في ص 11.

(6). في المصدر: لإفادته.

(7). «ج، م» و المصدر: ظنّ البقاء.

(8). شرح مختصر المنتهى: 453، و سيأتي أيضا نصّ عبارته في تعليقة ص 60.

(9). «ك»: و وجه.

(10). «ج، م»: هاهنا.

(11). في المصدر: حكم الحالة.

52

ثبت جاز أن يدوم و جاز أن لا يدوم، فلا بدّ لدوامه من دليل و سبب سوى دليل الثبوت‏ (1)- (2)، انتهى. و ظهور دلالته على عدم اعتبار الاستصحاب في مثل عدم التذكية التي من الموضوعات أيضا ممّا لا يقبل الارتياب، و من هنا يظهر وجه آخر في عموم النزاع للاستصحابات العدمية كما أشرنا إليه في المقام الأوّل.

و ثالثها: عموم أدلّة المثبتين و النافين لكلّ من القسمين، فإنّ بناء العقلاء على الاعتبار ممّا لا يفرق فيه بينهما، و كذا التسوية بين الحكمين في الزمانين من غير دليل ممّا لا دليل على افتراقها بين القسمين، و ستقف على جملة أخرى من أدلّة الطرفين الظاهرة في التعميم إن شاء اللّه.

و أمّا الوجوه الدالّة على خروج الموضوعات ممّا قدّمناها، فالجواب عنها: أنّ أمثال ذلك في عناوينهم غير عزيز، مع عموم النزاع لغير ذلك أيضا إلّا أنّ وجه‏ (3) التخصيص تعلّق غرض أرباب العنوان بهذا القسم منه، على أنّ الاستصحاب ليس أمارة كما هو القياس في البيّنة، و تحقيق ذلك: أنّ الشارع تارة: يجعل شيئا أمارة لدخول‏ (4) بعض أفراد العنوان فيه عند الشكّ في ذلك، كما في البيّنة- مثلا- على تقدير اعتبارها تعبّدا، و أخرى: يجعل للمشكوك حكما كما يجعل لنفس العنوان الكلّي مع قطع النظر عن كونه مشكوكا حكما، و الاستصحاب من قبيل الثاني لا الأوّل كما لا يخفى.

و أمّا دعوى الإجماع- على ما استظهره‏ (5) الخصم من الكلمات المذكورة- فواهية جدّا بعد ما عرفت من الخلاف في كلام الخاصّة و العامّة، و لنعم ما أفاده‏ (6) الأستاد- بعد نقله كلام الأمين ما هذا لفظه: عجبا ممّن ينكر الإجماعات التى يدّعيها العلماء الماهرون‏

____________

(1). «ز، ك»: فلا بدّ من الدليل في دوامه غير دليل الثبوت.

(2). مدارك الأحكام 2: 387. و سيأتي عنه في ص 230.

و في هامش «م، ز»: و لقد رأيت في كلام المدارك كثيرا ما يتمسّك بالأصل، و لعلّه إنّما كان منه جريا على طريقة القوم في استفاض [ة] الأدلّة على المطلوب. «منه».

(3). «ج»: أيضا و وجه.

(4). «م»: دخول، «ج»: الدخول.

(5). «ز، ك»: استظهر.

(6). «ز، ك»: أفاد.

53

في التتبّع المتبحّرون في النقد و التحصيل مع عدم وجدانه الخلاف، و يطعن عليهم- بقوله: الإجماع ما الإجماع؟! ثمّ يدّعي إجماع الأمّة، بل ضرورة الدين فيما يكون الخلاف فيه بين المسلمين من الخاصّة و العامّة مشهورا معلوما لكلّ أحد راجع كتبهم و استدلالاتهم في النفي و الإثبات. انتهى لفظه الشريف أدام اللّه كرامته.

على أنّ دعوى انعقاد الإجماع على خروج شي‏ء من النزاع غير كون ذلك الشي‏ء إجماعيا خارجا عن النزاع، و الممنوع هو الثاني لا الأوّل، فتأمل.

المقام الرابع [فى انه هل يجرى النزاع فى اقسام الشك فى المقتضى او يختص باقسام الشك فى المانع‏]

فى الجهة الرابعة، فنقول: قد يظهر من جواد الفضلاء تخصيص النزاع بما إذا كان الشكّ من جهة المقتضي على أحد الوجوه المقرّرة فيه، و عدم شمول النزاع فيما إذا كان الشكّ من حيث المانع، و لعلّه تبعه في ذلك صاحب المعالم حيث إنّهما قد أرجعا قول المحقّق إلى قول السيّد القائل بالعدم.

قال المحقّق في المعارج- بعد ما نقل الخلاف في الاستصحاب و اختياره قول المفيد من اعتباره و احتجاجه على مختاره و ردّ أدلّة المانعين-: الذي‏ (1) نختاره أن ننظر في الدليل المقتضي لذلك الحكم فإن كان يقتضيه مطلقا وجب القضاء باستمرار الحكم، كعقد النكاح فإنّه يوجب حلّ الوطء مطلقا، و إذا وقع الخلاف في الألفاظ التي يقع بها الطلاق‏ (2) كقوله: «أنت خليّة و بريّة» فإنّ المستدلّ على أنّ الطلاق لا يقع بهما لو قال:

حلّ الوطء ثابت قبل النطق بهذه فيجب أن يكون ثابتا بعده‏ (3)، لكان استدلالا صحيحا؛ لأنّ المقتضي للتحليل- و هو العقد- اقتضاه مطلقا و لا يعلم أنّ الألفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء، فيكون الحكم ثابتا عملا بالمقتضي.

____________

(1). «ز»: بالذي، «ك»: فالذي.

(2). «م»: الخلاف، «ج»: ألفاظ الطلاق.

(3). في المصدر: بعدها.

54

لا يقال: المقتضي- و هو العقد- لم يثبت‏ (1) أنّه باق فلم يثبت الحكم‏ (2)؛ لأنّا نقول:

وقوع العقد اقتضى حلّ الوطء لا مقيّدا بوقت، فيلزم‏ (3) دوام الحلّ نظرا إلى وقوع المقتضي لا إلى دوامه، فيجب أن يثبت الحلّ حتى يثبت الرافع، فإن كان الخصم يعني بالاستصحاب ما أشرنا إليه فليس ذلك عملا بغير دليل، و إن كان يعني به أمرا وراء ذلك فنحن مضربون عنه‏ (4)، انتهى كلامه‏ (5).

و قال الشارح الجواد- بعد نقل كلامه-: و هو جيّد لكنّه في الحقيقة رجوع‏ (6) إلى مذهب المرتضى‏ (7).

و قال في المعالم: و هذا كلام جيّد لكنّه عند التحقيق رجوع عمّا اختاره أوّلا و مصير إلى القول الآخر كما يرشد إليه تمثيلهم موضع‏ (8) النزاع بمسألة التيمّم و يفصح عنه حجّة المرتضى، فكأنّه استشعر ما يرد على احتجاجه من المناقشة فاستدرك بهذا الكلام- و قد اختاره‏ (9) في المعتبر- قول المرتضى، و هو الأقرب‏ (10)، انتهى.

فقضيّة إرجاعهما قول المحقّق إلى قول المرتضى اختصاص النزاع عندهم بما إذا كان الشكّ من حيث المقتضي؛ ضرورة أنّه لو كان النزاع أعمّ من الجهة المفروضة و ما إذا كان الشكّ في المانع بأقسامه، لما كان للإرجاع المذكور وجه، بل يكون المحقّق مفصّلا بين القسمين لا منكرا للكلّ كالمرتضى.

و الحقّ عموم النزاع للقسمين و شموله للجهتين، و أنّ ما أورداه في حمل كلام المحقّق‏

____________

(1). في المصدر: و لم يثبت.

(2). «ز، ك»: باق فالحكم ليس بثابت.

(3). المثبت من بعض نسخ المصدر، و في النسخ: فلزوم.

(4). المعارج: 289- 290.

(5). «م، ج»:- كلامه.

(6). «ك»: راجع.

(7). غاية المأمول فى شرح زبدة الأصول (مخطوط بخطّ المؤلّف) 85/ ب، و فيه: في الحقيقة اختيار المرتضى.

(8). في المصدر: لموضع.

(9). «ز، ك»: و قد اختار.

(10). معالم الدين: 235.