معارج الأصول

- المحقق الحلي المزيد...
333 /
5

-

6

الإهداء

إليك‏ يا صاحب العصر أهدي هذا الجهد المتواضع.

سيدي:

و لمّا رأيت الناس شدّوا رحالهم‏* * * إلى بحرك الطامي أتيت بجرّتي‏

محقق الكتاب‏

7

مقدّمة التحقيق:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الخلق أجمعين، محمّد و آله الطيبين الطاهرين، سيّما بقيّة اللّه في الأرضين، و اللّعن الدائم على أعدائهم و معانديهم إلى قيام يوم الدين.

تزدهي المكتبة الإمامية بعدد هائل من المصنّفات و المؤلّفات في مختلف علوم الدين، من الكلام و التفسير و الحديث و الفقه و اصوله و الأخلاق و الأدعية و سيرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل بيته (عليهم السلام)، و غيرها. بدء بنشأة هذه العلوم و إلى عصرنا الحاضر، آخذة في النموّ و الرقي و الازدهار الملموس في الكمّ و الكيف. فإذا ما كانت المصنّفات و المؤلّفات لمذهب ما تعكس أصالته و استقلاله، و تكشف عمقه التاريخي، فإنّ الفائز في هذا المضمار، و الآخذ بقصب السبق في هذه الحلبة، مصنّفات و مؤلّفات مدرسة جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)، تلك المدرسة التي خضعت لها الرقاب، و لويت لها الأعناق، و انطلقت منها حركة الوعي و الاجتهاد. و إذا ما قام سوق المفاخرة في هذا الميدان، فالرابح هو تراث هذه المدرسة. فهي المدرسة المعطاء التي كانت و ما برحت تغذّي الامّة بناصع تعاليم الدين،

8

و عطائه الوافر، الشامل لكلّ شئون الحياة الانسانية، الروحية و المادّية، الفكرية و السلوكية، العقائدية و العملية. تغذّيها الغذاء النقي و توردها المنهل العذب. و كيف لا تكون كذلك، و هي مدرسة أهل بيت أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، و قرنهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بكتاب اللّه، و أودعهم امّته، فقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي. و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».

و أنّى تكون غير ذلك و هي معهد من ورث علم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ارتوى من معينه. «سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مسألة فأجابه فيها. فقال الرجل: أ رأيت إن كان كذا و كذا ما يكون القول فيها؟ فقال له: مه.

ما أجبتك فيه من شي‏ء فهو عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لسنا من (أ رأيت) في شي‏ء» (1).

و بقيت هذه المدرسة منجبة ولودا، لم تعقم على مرّ الأجيال، و ذلك بفضل الخطوط العريضة و المناهج العامّة و الأسس المحدّدة، التي رسمها الأئمّة (عليهم السلام) لأركان هذه المدرسة من تلامذتهم «إنّما علينا أن نلقي إليكم الاصول و عليكم التفريع» (2) فراح هؤلاء يسيرون قدما في تحمّل المسئولية، و صنّفوا الكتب الكثيرة، المتنوّعة بتنوّع آفاق المعرفة الدينيّة، فشملت مصنّفاتهم سائر علوم الإسلام، و طرقوا مختلف ميادين الحاجة الإنسانية، فكانوا رموز الطائفة الإمامية بعد أئمة الهدى (عليهم السلام)، كلّ يجاهد في ميدان،

____________

(1) أصول الكافي/ كتاب فضل العلم/ باب البدع و الرأي و المقاييس/ ح 21.

(2) وسائل الشيعة/ الباب (6) من أبواب صفات القاضي/ ح 51، 52.

9

فانبرى ثقة الإسلام الكليني و الشيخ الصدوق لجمع شتات الأحاديث، و دمج اصولها، و لمّ شملها و تبويبها، و نهض الشيخ المفيد و السيد المرتضى لتحرير العقائد، و تجريدها عن الدخائل و الشوائب، و صدّ هجمات أرباب المقالات، و تفنيد شبهات المعتزلة، و أوهام الأشاعرة، دون غفلة عن تدوين مسائل الفقه العملي، و دون هوادة عن تشييد المباني لأصول استنباط الفقه الاستدلالي، و إذا بهما يصولان في أكثر من ميدان، و يجولان في أكثر من ساحة. ثم جاء دور شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي، و إذا هو دائرة معارف لا تنضب، فشملت مصنّفاته الكلام، و التفسير، و الحديث، و الرجال، و الفقه الموسّع المبسوط، و الفقه المقارن الخلافي، و الفقه الفتوائي النهائي، و اصول الفقه، و غير ذلك، فسدّت مؤلّفاته الثغرات، و ملأت الفجوات و أكملت النواقص، و تركت شخصيّته هيبة في القلوب، و خلّفت آثاره وقعا في النفوس، مغنية عن التأليف و التصنيف حقبة من الزمن، حتّى تفجّرت سرائر ابن إدريس، و لمع نجم ابن زهرة، و تلألأ نور نجم الدين، جعفر بن سعيد، سمي رئيس تلك المدرسة و مؤسسها، يرشد ركبان المحصّلين، و يهدي قوافل المشتغلين، و يشيّد علوم المذهب و الدين، و يصنّف في شتّى الميادين، فأبان في (المسالك) اصول الدين، و حرر (شرائع الإسلام) للعاملين، و نصب (المعارج) للمجتهدين. فكانت مصنّفات هؤلاء الأعلام هي المعبّرة عن الفكر الشيعي الأصيل، تميّزه في باب العقائد عن المعتزلة و الأشاعرة، و تفرده في الفقه و اصوله عن المذاهب الأربعة، فهي مصادر المذهب الإمامي و مراجعه. و إنّ بين يدي القارئ الكريم لأحدها، فهو ثالث كتاب في اصول الفقه عند الإمامية، بعد ما سجّلت «الذريعة» رأس القائمة، و حازت «العدّة» ثاني الأسماء فيها.

10

نظرة على حياة المصنّف‏

اسمه و كنيته و ألقابه و نسبه:

هو: أبو القاسم، نجم الدين؛ جعفر بن الحسن، بن أبي زكريا يحيى، بن الحسن، بن سعيد الهذلي الحلّي، المعروف بالمحقّق، و المحقّق الحلّي، و المحقّق الأوّل. و ينسب لجدّه سعيد، فيقال: (جعفر بن سعيد).

اسرته:

هي اسرة (بني سعيد) اسرة عربية، ترجع إلى هذيل في انتسابها، حازت من المفاخر أكثر ممّا حازته اسر اخرى علميّة، لقوّة نفوذها الروحي، و مكانتها في عالم التأليف و التدريس‏ (1).

قال عنه صاحب كتاب «أعلام العرب: 2/ 97»: «أحد أفراد اسرة اشتهرت بالمنزلة العلمية، و الزعامة الدينية» (2).

و كان والده الشيخ حسن من كبار علماء عصره في الحلّة، فقد وصفه الشيخ الحرّ العاملي بأنّه «عالم، فقيه، فاضل» (3). و قال عنه أيضا: «كان فاضلا، عظيم الشأن، يروي عنه ولده» (4).

____________

(1) مقدّمة «الألفين» للعلّامة الحلّي: 12، ط النجف عام 1388 ه منشورات المكتبة الحيدرية.

(2) مقدّمة «شرائع الإسلام» للمصنّف: 1/ ج، ط مطبعة الآداب في النجف الأشرف، عام 1389 ه.

(3) أمل الآمل: 2/ 66. ط مطبعة الآداب في النجف الاشرف عام 1385 ه.

(4) نفس المصدر: 2/ 80- 81 ترجمة رقم 223.

11

و أمّا جدّه الشيخ أبو زكريا، يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الحلّي، فقد كان «عالما محقّقا» على حدّ قول الشيخ الحرّ العاملي‏ (1)، بل «كان من أكابر الفقهاء في عصره» كما صرّح به الميرزا عبد اللّه الأفندي‏ (2)، و بلغ الذروة في ذلك حتى وصفه الشهيد بأنّه: «رئيس المذهب في زمانه» (3). و قد ذكره في شرحه على الإرشاد (4) في عداد الفقهاء المتأخّرين القائلين بالتوسعة في قضاء الصلوات الفائتة، عند تعرّضه للمسألة الخلافية المعروفة، و هي مسألة المواسعة و المضايقة، التي وصلت فيها الأقوال إلى سبعة كما قال.

و له ابن عمّ من الفقهاء البارزين، لا ينبغي إهمال ذكره هنا، و هو أبو زكريا نجيب الدين، يحيى بن أحمد بن يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي‏ (5)، صاحب «الجامع للشرائع» في الفقه، و «المدخل» في اصول الفقه، المتوفى سنة 690 ه. قال عنه ابن داود: «شيخنا الإمام العلّامة الورع القدوة. و كان جامعا لفنون العلم الأدبية [و] الفقهية و الاصولية. و كان أورع الفضلاء و أزهدهم، له تصانيف جامعة للفوائد» (6).

و له مع المصنّف قصّة، ذكرها العلّامة الحلّي في إجازة له، قال: «كان الشيخ الأعظم خواجه نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي وزيرا

____________

(1) نفس المصدر: 2/ 345 ترجمة رقم 1066.

(2) رياض العلماء: 5/ 342، ط قم عام 1401 ه.

(3) أمل الآمل: 2/ 345 ترجمة رقم 1066.

(4) غاية المراد في شرح نكت الإرشاد: 1/ 100 ط مطبعة الإعلام الإسلامي في قم عام 1414 ه.

(5) أمل الآمل: 2/ 346- 347 ترجمة رقم 1070، رياض العلماء: 5/ 342- 343.

(6) رجال ابن داود الحلّي: 371 ترجمة رقم 1660، ط جامعة طهران عام 1383 ه.

12

للسلطان هولاكو، فأنفذه إلى العراق، فحضر إلى الحلّة، فاجتمع عنده فقهاؤها، فأشار إلى الفقيه نجم الدين أبي القاسم جعفر بن سعيد (1) و قال:

من أعلم هؤلاء الجماعة؟ فقال: كلّهم فاضلون علماء، إن كان واحد منهم مبرّزا في فنّ كان الآخر مبرّزا في فنّ آخر. فقال: من أعلمهم بالاصولين؟

فأشار إلى والدي سديد الدين يوسف بن المطهّر، و إلى الفقيه مفيد الدين محمد بن جهيم، فقال: هذان أعلم الجماعة بعلم الكلام و اصول الفقه.

فتكدّر الشيخ يحيى بن سعيد، و كتب إلى ابن عمه أبي القاسم يعتب عليه، و أورد في مكتوبه أبياتا، و هي:

لا تهن من عظيم قدر و إن‏* * * كنت مشارا إليه بالتعظيم‏

فاللّبيب الكريم ينقص قدرا* * * بالتعدّي على اللّبيب الكريم‏

ولع الخمر بالعقول رمى الخم* * * ر بتنجيسها و بالتحريم‏

كيف ذكرت ابن المطهّر و ابن جهيم و لم تذكرني؟! فكتب إليه يعتذر و يقول: لو سألك خواجة مسألة في الاصولين ربّما وقفت، و حصل لنا الحياء» (2).

و لا يقتصر علماء هذه الاسرة و فقهاؤها على من ذكرنا، و إنّما ذكرت بعض كتب التراجم غيرهم، فقد قال الميرزا الزنوزي: «و للشيخ أبي القاسم المحقّق المذكور أسلاف و أقرباء عظام، كلّهم علماء أتقياء. و هم: والد المحقق الحسن بن يحيى بن الحسن، و جدّه يحيى الأكبر بن الحسن بن سعيد، و والد جدّه الحسن بن سعيد، و ابن عمّه يحيى بن سعيد الحلّي، و جدّه الأعلى سعيد الحلّي، و محمد بن نجيب الدين، نذكرهم هنا مفصّلا» (3) و أتى على ذكرهم.

____________

(1) يقال له (ابن سعيد) نسبة إلى جدّه.

(2) أمل الآمل: 2/ 347- 348 ترجمة رقم 1070.

(3) رياض الجنّة: 2/ 269 ترجمة 211، ط قم عام 1420 ه.

13

مولده و موطنه و نشأته:

ولد عام 602 ه (1) في الحلّة، و من الطبيعي أن تكون لأجواء البلد الذي ينشأ المرء فيه و يترعرع الأثر الكبير في تكوين شخصيته الفكرية و العلمية و السلوكية. و ثقافته و تطلّعاته، و القيم و المبادئ التي يؤمن بها، و المثل العليا التي يتخذها، كما يكون لاسرته من الأثر. فكيف كانت الحلّة يومئذ؟ و ما هي أبرز سماتها؟ و ما الذي يستوحيه منها من يولد على تربتها، و يشتدّ عوده فيها؟ يقول الحجّة العلم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء: «نشأت الحلّة السيفية أو المزيدية في اخريات القرن الخامس، على ضفة الفرات أو على ضفتيه، و لكن من حين تكوّنت و برزت إلى عالم الوجود؛ نشأت مطبوعة على ثلاثة طوابع أو أربعة: الأوّل: طابع العروبة المحضة، لأنّ مؤسسيها من مصاص العرب الأقحاح، و هم امراء العرب في تلك القرون؛ بنو مزيد الأسدي. و بنو أسد من أضخم و أعظم قبائل العرب في الجاهلية و الإسلام. الثاني: طابع العلم. و يتلوه: الثالث: طابع الأدب العالي. و الرابع: طابع التشيّع، و إخلاص الولاء لأهل البيت النبوي. كلّ ذلك لأنّ الذين شيّدوها و أنشئوها- مع أنّهم من هامات العرب في صحّة أنسابها و صراحة أحسابها- كانت لهم أسمى المكانة في العلم و الأدب، كما كانوا على أساس رصين من الولاء و التشيّع. من ذلك كلّه نشأت هذه البلدة

____________

(1) هذا ما حكاه عنه تلميذه جعفر بن الفضل بن الحسين بن مهدويه، كما في مقدّمة «الرسائل التسع» للمصنّف: 9، ط قم عام 1423 ه. و هو ما استصوبه السيد الأمين، في: أعيان الشيعة: 6/ 128 ترجمة رقم 3457، ط بيروت عام 1420 ه منشورات دار التعارف. و لاحظ ما يأتي في ص (49).

14

الطيّبة عريقة في العراق بالعربيّة، و العلم، و الأدب، و التشيّع. و لم تزل على هذا تتسامى و تتعالى في هذه المعالي و الفضائل إلى يوم الناس هذا، و قد امتازت بهذه السمات، و حازت القدح المعلّى من هذه الكمالات ... و قد ساعد الحليين على هذه العبقرية و لطف القريحة و الأريحية طيب التربة، و لطافة الهواء، و عذوبة الماء، و من هنا شاع نعتها بالحلّة الفيحاء. و نبغ منها العشرات بل المئات من أساطين علماء الإمامية، و دعائم هذا المذهب الحق، ناهيك بابن إدريس، و المحقق و اسرته الكرام بني سعيد، و ابن عمّه يحيى ابن سعيد صاحب (الأشباه و النظائر)، و آل طاوس، و آل المطهّر كالعلّامة و أبيه سديد الدين و ولده فخر المحققين، إلى كثير من أمثال هؤلاء الأماثل من مشايخ الإجازة، الذين تتصل بهم سلسلة إجازتنا من مشايخنا الذين عاصرناهم» (1).

و قال عنها أيضا: «و في اخريات القرن الخامس أنشأ الأمير العربي سيف الدولة منصور بن صدقة بن دبيس الأسدي- فى أرض تسمّى بالجامعين غربي الكرخ، على ضفاف غربي الفرات بل من جانبيه- تلك البلدة القوراء، الحريّة بما اشتهرت به من اسم (الحلّة الفيحاء)، التي ذكر الحموي في معجمه أنّها ما عتمت أن عادت من أفخر مدن العراق و أحسنها، و هي من مدن الشيعة التي تأسست على التشيّع، كالنجف و كربلاء و الكاظمية ...

و مثل ذلك بلدة قم، و عدّة من بلاد إيران. أمّا الحلّة فبعد تأسيسها

____________

(1) مقدّمة «البابليات» للشيخ محمّد علي اليعقوبي: 1/ ج- ه، طبعة مصوّرة في قم منشورات دار البيان عن طبعة النجف عام 1951 م.

15

بقليل انقلبت الحضارة العراقية إليها، و تقدّمت تقدّما باهرا حتى على الزوراء، و لا سيّما بعد مزعجات التتار عليها التي سلمت الحلّة منها، و هي إلى جنبها. ثمّ اتسعت معارفها، و تكاثرت فيها العلماء حسب اتساعها و حضارتها. و بعد نصف قرن من ظهورها نبغت فيها أساطين الإمامية، و نوابغ الدهر، و عجائب الدوران، كابن إدريس الحلّي صاحب (السرائر) استاذ نجيب الدين بن نما الحلّي، و هو استاذ نجم الملّة و الدين الشهير ب (المحقّق) على الإطلاق صاحب كتاب (شرائع الإسلام)، و حسبك العلّامة الحلي الشهير بابن المطهّر، و ولده فخر المحققين صاحب (الإيضاح).

و كثير من أمثالهم ممّا لا يتّسع موقفي هذا للإشارة إليهم فضلا عن استقصاء مآثرهم. و كانت الحلّة من أوّل القرن الخامس إلى أربعة قرون هي دار الهجرة لطلب العلم عند الشيعة الإمامية، حتى أنّ الشهيد الأوّل هاجر إليها في أوائل القرن الثامن للحضور على العلّامة، فلم يدرك من عمره غير أيّام قليلة، فحضر على ابنه فخر المحققين. ما نريد سوى الإشارة الوجيزة إلى ما لتلك القارة الفيحاء من حديث المجد القديم، و الفضل التليد، و الحضارة و العمران. و حيث أنّنا لا نرى الفضل و استحقاق التقدّم إلّا بالعلم فلذلك اختصصنا بالذكر حظّها من العلماء، و أنّها كانت دار مهاجرة العلم، و إليها الرحلة. و لو اعتددنا بغير ذلك لقلنا فيها القصور الباسقة، و العمائر الشاهقة، ذوات الرواشن و الأجنحة المطلّة على ذلك النهر الذهبي (الفرات) الذي ينساب بين تلك الجنان الفيحاء، و الحدائق الغنّاء، التي تتحف سكّانها و مجاوريها في كل حين بأنواع الفواكه الشهيّة، و الثمار الجنيّة، تمثّل لهم جنّة الفردوس، و نفحات منازل النعيم و الخلد. أمّا حضارتها في الشعر فحدّث و لا حرج، فإنّ لتربتها و مائها و هوائها تأثيرا عجيبا في تلطيف الشعور، و تنشيط القرائح، و توسيع الخيال، و تمكّن‏

16

الخفّة و الأريحية. و لا بدع فإنّها بلاد نشأت و هي عربية محضة، و بقيت إلى يومها هذا عربية صراح، لا دخيل فيها إلّا النادر الذي لا أثر له. و أعان على ذلك ما عرفت من حسن هوائها و طيب تربتها و مائها، حتّى أنّ الداخل إليها يحسّ بتغيّر دفعي، و انتقال فجائي. أوّل ما يضع قدمه في تخومها و حدودها يجد في الأغلب نسيما منعشا، يكاد يأخذه منه نعاس في رأسه، و انتعاش في بدنه. تلك هي البلدة التي أتحفت الأدب العربي بما لا يحصى من نوابغ الشعراء المفلقين‏ (1)، الذين اشتهر منهم في القرون الوسطى البارع المتفنن أبو السرايا صفي الدين الحلّي الشهير. و كم في عصره و ما يليه من أمثاله، و لكن لضربه في الآفاق اشتهر اسمه و ذاع صيته» (2).

و مؤسس هذه البلدة المعطاء هو سيف الدولة الأسدي، فله «المساعي المشكورة و الأيادي البيض في تأسيس الحلّة الفيحاء، و جعلها مقرّ إمارته، و عاصمة ملكه، و إنشائه المعاهد العلمية فيها، حتى أصبحت محطّ رحال العلماء، و دار هجرة الادباء، بعد ما كانت قاعدة إمارة آبائه بلدة النيل. و كانت له رغبة باقتناء الكتب، فألّف خزانة كتب قيّمة. و إليك ما قاله عنه عزّ الدين علي بن الأثير الجزري في كامله: كان لسيف الدولة من الكتب المنسوبة الخط شي‏ء كثير، الوف مجلّدات، و كان يقرأ و لا يكتب. و كان جوادا حليما صدوقا، كثير البرّ و الإحسان، ما برح ملجأ لكلّ ملهوف، يلقى من‏

____________

(1) راجع «البابليات» للشيخ محمد علي اليعقوبي/ الجزء الأوّل. و راجع أيضا الجزء السادس و السابع من موسوعة «الغدير» للعلّامة الشيخ عبد الحسين الأميني، الطبعة المحقّقة الاولى، في قم عام 1416 ه.

(2) مقدّمة «سحر بابل و سجع البلابل/ ديوان السيد جعفر الحلّي»: 30- 32، ط قم عام 1411 ه مصوّرة عن طبعة النجف.

17

يقصده بالبرّ و التفضيل. و كان عادلا، و الرعايا معه في أمن و دعة. و كان عفيفا، لم يتزوّج على امرأته و لا تسرّى عليها، فما ظنّك بغير هذا. و لم يصادر أحدا من نوّابه، و لا أخذهم بإساءة قديمة. و كان أصحابه يودعون أموالهم في خزانته، و يدلون عليه إدلال الولد على الوالد. و لم يسمع برعيّة أحبّت أميرها كحبّ رعيته له. و كان متواضعا يحفظ الأشعار، و يبادر إلى النادرة (رحمه اللّه). لقد كان من محاسن الدنيا» (1) و «كانت منازل آبائه الدور من النيل، فلمّا قوي أمره و اشتدّ أزره و كثرت أمواله، لاشتغال الملوك السلاجقة بركياروق و محمد و سنجر أولاد ملك شاه بن ألب أرسلان، بما تواتر بينهم من الحروب؛ انتقل إلى الجامعين- موضع في غربي الفرات- و ذلك في سنة 495 ه. قال ياقوت في معجم البلدان: و كانت أجمة، تأوي إليها السباع، فنزل بها بأهله و عساكره، و بنى بها المساكن الجليلة و الدور الفاخرة، و تأنّق أصحابه في مثل ذلك، فصارت ملجأ، و قصدها التجّار، فصارت أفخر بلاد العراق. و أحسنها مدّة حياة سيف الدولة. فلمّا قتل بقيت على عمارتها. فهي اليوم قصبة تلك الكورة. انتهى. و قد أفادنا عن عمارتها بمعلومات اخرى الشيخ الجليل رضي الدين علي، أخو العلّامة الحلّي، في كتابه (العدد القويّة)- و لعلّه أصحّ نقلا ممّا ذكره ياقوت، فإنّ (أهل مكّة أدرى بشعابها)- قال: في سنة 493 ه عمّر سيف الدولة أرض الحلّة، و هي آجام، و وضع أساس الدور و الأبواب، و نزلها سنة 495 ه، و حفر الخنادق حولها سنة 498 ه. و قد كان وضع سور الحلّة: 21/ رمضان/ سنة 500 ه.

و وضع الكشك ولده دبيس بعد وفاة أبيه» (2) «و له الآثار الحميدة و المساعي المشكورة في تشييد ما أسسه أبوه من عمارة الحلّة، و توسيع نطاق مدارسها

____________

(1) مقتطف من «البابليات» لليعقوبي: 1/ 7.

(2) المصدر السابق: 1/ 8.

18

العلمية و معاهدها الأدبية. قال ابن خلّكان: كان جوادا كريما، عنده معرفة بالأدب و الشعر. و تمكّن في خلافة الإمام المسترشد، و استولى على كثير من بلاد العراق. و هو من بيت كبير، و هو الذي عناه الحريري في المقامة التاسعة و الثلاثين بقوله: (أو الأسدي دبيس)، لأنّه كان معاصره، فرام التقرّب إليه بذكره في مقاماته، و لجلالة قدره أيضا. و له نظم حسن» (1).

لهذا و أمثاله أصبحت الحلّة المناخ المناسب لاجتذاب رجال الدين، و أعيان الفقه، و زعماء الحوزة العلمية، الذين فقدوا مقرّهم السابق (بغداد) التي ساءت أوضاعها الأمنية، و لم تعد تصلح مأوى و مقرا لهم، بعد ما كانت قد احتضنت زعامة المذهب الجعفري و الحوزة العلمية للطائفة الإمامية طوال حياة علم الشيعة الشيخ أبي عبد اللّه المفيد المتوفى سنة 413 ه، و تلميذه السيد علم الهدى الشريف المرتضى المتوفى سنة 436 ه، و بداية زعامة تلميذهما شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي. قال العلّامة الطهراني:

«توفي السيّد المعظّم لخمس بقين من شهر ربيع الأوّل سنة 436 ه.

فاستقلّ شيخ الطائفة بالإمامة، و ظهر على منصّة الزعامة، و أصبح علما للشيعة، و منارا للشريعة. و كانت داره في الكرخ مأوى الامّة، و مقصد الوفّاد، يأتونها لحلّ المشاكل، و إيضاح المسائل. و قد تقاطر إليه العلماء و الفضلاء للتلمذة عليه، و الحضور تحت منبره، و قصدوه من كل بلد و مكان. و بلغت عدّة تلاميذه ثلاثمائة من مجتهدي الشيعة. و من العامّة ما لا يحصى كثرة ... و بلغ الأمر من الاعتناء به و الإكبار له أن جعل له خليفة الوقت القائم بأمر اللّه عبد اللّه بن القادر باللّه أحمد، كرسي الكلام و الإفادة،

____________

(1) المصدر السابق: 1/ 11.

19

و قد كان لهذا الكرسي يومذاك عظمة و قدرا فوق الوصف، إذ لم يسمحوا به إلّا لمن برز في علومه، و تفوّق على أقرانه، و لم يكن في بغداد يومذاك من يفوقه قدرا أو يفضل عليه علما فكان هو المتعيّن لذلك الشرف. لم يفتأ شيخ الطائفة إمام عصره و عزيز مصره، حتى ثارت القلاقل، و حدثت الفتن بين الشيعة و السنّة، و لم تزل تنجم و تخبو بين الفينة و الاخرى، حتى اتسع نطاقها بأمر طغرل بيك، أوّل ملوك السلجوقية، فإنّه ورد بغداد في سنة 447 ه، و شنّ على الشيعة حملة شعواء، و أمر بإحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة البويهي، و كانت من دور العلم المهمّة في بغداد، بناها هذا الوزير الجليل و الأديب الفاضل في محلّة بين السورين في الكرخ سنة 381 ه، على مثال (بيت الحكمة) الذي بناه هارون الرشيد. و كانت مهمّة للغاية، فقد جمع فيها هذا الوزير ما تفرّق من كتب فارس و العراق، و استكتب تآليف أهل الهند و الصين و الروم- كما قاله محمد كرد علي- و نافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار و مهام الأسفار، و أكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلّفين. قال ياقوت الحموي: و بها كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة ابن عضد الدولة، و لم يكن في الدنيا أحسن كتبا منها، كانت كلّها بخطوط الأئمة المعتبرة و اصولهم المحرّرة ... إلى آخره. و كان من جملتها مائة مصحف بخط ابن مقلة، على ما ذكره ابن الأثير. و حيث كان الوزير سابور من أهل الفضل و الأدب، أخذ العلماء يهدون إليه مؤلفاتهم، فأصبحت مكتبته من أغنى دور الكتب ببغداد. و قد احترقت هذه المكتبة العظيمة فيما احترق من محالّ الكرخ عند مجي‏ء طغرل بيك. و توسعت الفتنة حتى اتجهت إلى شيخ الطائفة و أصحابه، فأحرقوا كتبه و كرسيّه الذي‏

20

كان يجلس عليه للكلام. قال ابن الجوزي في حوادث سنة 448 ه:

و هرب أبو جعفر الطوسي و نهبت داره. ثم قال في حوادث سنة 449 ه:

و في صفر في هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي، متكلّم الشيعة، بالكرخ، و اخذ ما وجد من دفاتره، و كرسي كان يجلس عليه للكلام، و اخرج إلى الكرخ، و اضيف إليه ثلاث سناجيق بيض، كان الزوّار من أهل الكرخ قديما يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة، فاحرق الجميع ...

إلى آخره. و لمّا رأى الشيخ الخطر محدقا به هاجر بنفسه إلى النجف الأشرف، لائذا بجوار مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)» (1) و مكث فيها إلى أن توفي عام 460 ه. و لكن النجف الأشرف بلد ذو مناخ صحراوي، شديد الحرارة، لافح الهجير، جافّ الهواء، شحيح الماء، عديم الأشجار و الثمار و المحاصيل الزراعية، تكثر عليه العواصف في بعض فصول السنة مثيرة عليه الغبار الذي يذهب أحيانا حتّى بضوء النهار، و لم يكن في تلك الفترة آهلا بسكّان، و لا محميّا بسلطان، و لا مشيّدا بعمران‏ (2)، فلعلّ قساوة العيش هذه حدت ببعض أكابر الفقهاء من تلامذة الشيخ الطوسي أو تلامذة تلامذته إلى اتخاذ الحلّة بديلة عن بغداد لما امتازت به ممّا تقدّم من الميّزات، فهاجروا إليها و أسسوا فيها الحوزة العلميّة التي نبغ فيها عظماء فطاحل، كالفقيه الجليل ابن إدريس، صاحب «السرائر» المتوفى سنة 598 ه، و الذي خلّف تلامذة عظماء في الفقه. و في عصرهم نشأ المصنّف ينهل العلم، و يرتضب الفقاهة، فتلمّذ عليهم، كالشيخ نجيب الدين ابن نما

____________

(1) مقدّمة «النهاية و نكتها»: 1/ 9- 11، ط قم عام 1417 ه.

(2) و لذلك لا توجد في هذا البلد الآن أيّ آثار لعمارات سكنية قديمة، و لا لحصون و لا قلاع. و كل ما فيه من آثار عمرانية سكنية فيعود إلى عهود متأخّرة.

21

الحلّي‏ (1)، و السيد شمس الدين فخار بن معد الموسوي، و السيّد محمّد بن عبد اللّه بن زهرة الحسيني، فالمصنّف تلميذ تلامذة ابن إدريس‏ (2) و غيرهم ممّن عاصرهم.

و سرعان ما لمع نجمه، و سطع بدره، و علا كعبه، و ذاع صيته، ففاق أقرانه و زملاءه من الذين لا يستهان بقدرهم‏ (3)، فألقت إليه الزعامة الدينيّة أزمّتها، و مقاليد التحقيق أعنّتها، و أصبح قبلة المحصّلين، و كعبة المشتغلين، «و قد تلمّذ عليه جماعة كبيرة من العلماء و الفقهاء المبرّزين، و كانت الحركة العلمية في عصره بلغت شأوا عظيما، حتّى صارت الحلّة من المراكز العلمية في البلاد الإسلامية» (4) و لم يكن يعكر صفو تلك الأجواء العلمية الهادئة شي‏ء، حتّى داهمهم خطر الزحف المغولي، ففزع الناس لذلك، و سلب الرعب قرارهم، فلاذ أكثرهم بالفرار، و لكن شاء اللّه تعالى أن يحمي هذه البلدة الطيّبة، المتمسكة بمذهب أهل البيت، المحتضنة لمدرسة جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، فكان أن ألهم عددا من الفقهاء المتصدرين، و سدّدهم إلى ما يندفع به الخطر عنهم، و تعود به البلدة إلى أمانها، و كان ذلك ببركة ولائهم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و حفظ آثاره، فقد

____________

(1) الذي كان له دور هام و تحمس شديد لتشييد الحوزة العلمية في الحلة، فقد قام بإسكان جماعة من الفقهاء في الحلّة و تولّي امورهم. كما في هامش: «لؤلؤة البحرين»: 272.

(2) مقدّمة «السرائر» لابن إدريس: 1/ 23، ط قم عام 1410 ه.

(3) و قد عبّر بنفسه عن هذا التفوّق بأبيات من الشعر أرسلها إلى أبيه، يأتي ذكرها.

(4) هامش «لؤلؤة البحرين» للمحدّث الشيخ يوسف البحراني: 227، ط مطبعة النعمان في النجف الأشرف (بلا تاريخ).

22

قال العلّامة الحلّي- و هو يعدّد فضائل امير المؤمنين علي (عليه السلام)-: «و كان من جملة فضائله النفسانية إخباره بالمغيّبات، و لم يحصل لأحد من أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) من ذلك». و بدء بذكر موارد عديدة لذلك، إلى أن قال: «و من ذلك إخباره بعمارة بغداد، و ملك بني العبّاس، و ذكر أحوالهم، و أخذ المغول الملك منهم، رواه والدي (رحمه اللّه). و كان ذلك سبب سلامة أهل الحلّة و الكوفة و المشهدين الشريفين من القتل، لأنّه لمّا وصل السلطان هولاكو إلى بغداد، و قبل أن يفتحها (1)، هرب أكثر أهل الحلّة إلى البطائح إلّا القليل، فكان من جملة القليل والدي (رحمه اللّه) و السيد مجد الدين بن طاوس و الفقيه ابن أبي العزّ، فأجمع رأيهم على مكاتبة السلطان بأنّهم مطيعون داخلون تحت الإيلية، و أنفذوا به شخصا أعجميا. فأنفذ السلطان إليهم فرمانا مع شخصين، أحدهما يقال له: تكلة، و الآخر يقال له: علاء الدين، و قال لهما: إن كانت قلوبهم كما وردت به كتبهم فيحضرون إلينا، فجاء الأميران، فخافوا، لعدم معرفتهم بما ينتهي الحال إليه. فقال والدي (رحمه اللّه): إن جئت وحدي كفى؟ فقالا: نعم. فاصعد معهما. فلمّا حضر بين يديه- و كان ذلك قبل فتح بغداد و قبل قتل الخليفة- قال له: كيف أقدمتم على مكاتبتي و الحضور عندي قبل أن تعلموا ما ينتهي إليه أمري و أمر صاحبكم؟ و كيف تأمنون إن صالحني و رحلت عنه؟ فقال له والدي: إنّما أقدمنا على ذلك لأنّا روينا عن إمامنا علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال في بعض خطبه: الزوراء، و ما أدراك ما الزوراء، أرض ذات اثل، يشيّد فيها البنيان، و يكثر فيها السكّان، و يكون فيها قهارم و خزّان، يتّخذها ولد العباس موطنا، و لزخرفهم‏

____________

(1) و كان سقوط بغداد على يده عام 656 ه.

23

مسكنا، و تكون لهم دار لهو و لعب، يكون بها الجور الجائر، و الخوف المخيف، و الأئمّة الفجرة، و القرّاء الفسقة، و الوزراء الخونة، يخدمهم أبناء فارس و الروم، لا يأتمرون بمعروف إذا عرفوه، و لا يتناهون عن منكر إذا أنكروه، يكتفي الرجال منهم بالرجال، و النساء بالنساء. فعند ذلك الغم العميم، و البكاء الطويل. و الويل و العويل، لأهل الزوراء من سطوات الترك، و ما هم الترك، قوم صغار الحدق، وجوههم كالمجانّ المطرّقة، لباسهم الحديد، جرد مرد، يقدمهم ملك يأتي من حيث بدا ملكهم، جهوري الصوت، قوي الصولة، عالي الهمّة لا يمرّ بمدينة إلّا فتحها، و لا ترفع عليه راية إلّا نكّسها، الويل الويل لمن ناوأه، فلا يزال كذلك حتى يظفر. فلمّا وصف لنا ذلك، و وجدنا الصفات فيكم، رجوناك فقصدناك.

فطيّب قلوبهم، و كتب لهم فرمانا باسم والدي (رحمه اللّه) يطيّب فيه قلوب أهل الحلّة و أعمالها» (1) و عاد الهدوء إلى الحلّة، و مجلس درس المصنّف يزدهر، و تلاميذه يتكاثرون، و هو يغوص في أبحاثه الفقهية، مجدّا مثابرا، يعضده في ذلك أمران: دقّة النظر، و سرعة الخاطر.

أمّا دقّة النظر فهي الصفة التي ميّزته و أفردته عمّن عاصره و تقدّم عليه، حتّى قال عنه الحجّة السيد حسن الصدر الكاظمي: «هو أوّل من نبع منه التحقيق في الفقه و عنه اخذ، و عليه تخرّج ابن اخته العلّامة الحلّي (رحمه اللّه) و أمثاله أرباب التحقيق و التنقيح» (2).

____________

(1) كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين، للعلّامة الحلّي: 80- 82، ط طهران عام 1411 ه. كما ذكرت المصادر توجه وفدين آخرين من أهل الحلّة و علمائها و وجهاء العلويين، كما في: مقدّمة «النهاية و نكتها»: 1/ 103- 105. و تبع ذلك إيفاد هولاكو للخواجه نصير الدين الطوسي إلى الحلّة، كما تقدّم عند الحديث عن اسرة المصنّف.

(2) هامش «لؤلؤة البحرين» للمحدّث البحراني: 228.

24

و أمّا سرعة الخاطر فهي السمة التي لم يغفل عن اتسامه بها تلامذته و مترجموه، فهذا تلميذه ابن داود يقول عنه في (رجاله): «كان ألسن أهل زمانه، و أقومهم بالحجّة، و أسرعهم استحضارا» (1) و كنموذج لذلك المحاورة الفقهية التي جرت بينه و بين الخواجة نصير الدين الطوسي، فقد حكى المحدّث البحراني، قال: «نقل غير واحد من أصحابنا أنّ المحقّق الطوسي خواجة نصير الملّة و الدين، حضر ذات يوم حلقة درس المحقّق بالحلّة، حين ورود الخواجة بها، فقطع المحقّق الدرس تعظيما له، و إجلالا لمنزلته، فالتمس منه إتمام الدرس، فجرى البحث في مسألة استحباب تياسر المصلّي للعراقي، فأورد المحقّق الخواجة بأنّه لا وجه لهذا الاستحباب، لأنّ التياسر إن كان من القبلة إلى غير القبلة فهو حرام، و إن كان من غيرها إليها فهو واجب، فأجاب المحقّق في الحال: من القبلة إلى القبلة، فسكت المحقّق الطوسي» (2).

و لم يزل مجلس درسه يستقطب روّاد العلم، و طلّاب الفقه، فيلحق بهم في سماء التحقيق و التدقيق، حتّى «برز من عالي مجلس تدريسه أكثر من أربعمائة مجتهد جهابذة، و هذا لم يتفق لأحد قبله» (3) و أشهرهم ابنا اخته: العلّامة الحلّي، جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهّر، و أخوه‏

____________

(1) رجال ابن داود الحلّي: 83 ترجمة رقم 300.

(2) لؤلؤة البحرين: 230 ترجمة 83. و ذكرها قبله باختصار الشيخ الحرّ العاملي، في: أمل الآمل: 2/ 49 ترجمة 127؛ و الميرزا الأفندي، في: رياض العلماء:

1/ 103، و غيرهم.

(3) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، للسيد حسن الصدر: 306، ط شركة النشر و الطباعة العراقية المحدودة (بلا تاريخ).

25

رضي الدين علي بن يوسف بن المطهّر، صاحب كتاب «العدد القويّة»، و الشيخ تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلّي، صاحب «الرجال» المعروف، و الشيخ صفي الدين عبد العزيز بن السرايا الحلّي، و الشيخ شمس الدين محفوظ بن وشاح الحلّي، و الوزير شرف الدين أبو القاسم علي ابن الوزير مؤيّد الدين محمد ابن العلقمي، و الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي العاملي، و السيد عبد الكريم بن طاوس صاحب كتاب «فرحة الغري»، و الشيخ صفيّ الدين محمد بن نجيب الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي، و الشيخ زين الدين أبو علي الحسن بن أبي المجد اليوسفي، المعروف بالفاضل الآبي‏ (1).

جمل الثناء عليه:

لقد أطراه، و أثنى عليه، و مدحه كلّ من ذكره من الفقهاء المعاصرين له و المتأخّرين عنه. و ليست هذه الكلمات التي ننقلها عنهم بنثر أديب أو شعر شاعر، و إنّما هي شهادات علميّة صادرة من اناس متخصّصين في الفقه، على أعلى درجة من العدالة و الوثاقة. فما يطلقه هؤلاء من السمات و الأوصاف هو تقييم فني دقيق لمن صدرت بحقّه، و تعيين لدرجته العلمية، من خلال الحضور في مجلس درسه، أو مناظرته، أو الاطلاع على مصنّفاته و مؤلفاته.

1- قال معاصره الفاضل الآبي، في مقدّمة كتابه «كشف الرموز» الذي فرغ من تأليفه عام 672 ه: «فاتفق توجّهي إلى الحلّة السيفية، حماها اللّه‏

____________

(1) و آخرون ذكرهم السيد محسن الأمين، في: أعيان الشيعة: 6/ 132 ترجمة 3457، ممّن روى عنه و استجازه في رواية الحديث لا التلمّذ عليه في الفقه.

26

من النوائب، و جنّبها من الشوائب، فقرأت عند الوصول‏ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ (1) فكم بها من أعيان العلماء بهم التقيت، و المعارف الفقهاء، بأيّهم اقتديت اهتديت. و كان صدر جريدتها، و بيت قصيدتها، جمال كمالها، و كمال جمالها، الشيخ الفاضل الكامل، عين أعيان العلماء، و رأس رؤساء الفضلاء، نجم الدين، حجة الإسلام و المسلمين، أبا القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد عظّم اللّه قدره، و طوّل عمره، فاستسعدت ببهاء طلعته، و استفدت من جنى ثمرته في كلّ فصل من كل فنّ» (2).

2- و قال تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلّي، في «رجاله» الذي فرغ من تأليفه سنة 707 ه: «شيخنا نجم الدين، أبو القاسم، المحقّق، المدقّق، الإمام، العلّامة، واحد عصره. كان ألسن أهل زمانه، و أقومهم بالحجّة، و أسرعهم استحضارا. قرأت عليه، و ربّاني صغيرا، و كان له عليّ إحسان عظيم و التفات. و أجاز لي جميع ما صنّفه و قرأه و رواه، و كلّ ما تصحّ روايته عنه» (3).

3- و قال عنه العلّامة، في إجازته الكبيرة لبني زهرة: «كان أفضل أهل عصره في الفقه» (4).

4- و قال عنه فخر المحققين ابن العلّامة الحلّي، في بعض إجازاته:

«الشيخ الإمام، شيخ مشايخ الإسلام، أبو القاسم جعفر بن سعيد (قدّس اللّه سرّه)» (5).

____________

(1) سبأ/ 15.

(2) كشف الرموز: 1/ 37- 38، ط قم عام 1408 ه.

(3) رجال ابن داود الحلّي: 83 ترجمة 300.

(4) أمل الآمل: 2/ 49 ترجمة 127، لؤلؤة البحرين: 229 ترجمة 83، و غيرهما.

(5) بحار الأنوار: 104/ 222، ط كمپاني الطبعة الاولى.

27

5- و قال عنه الشهيد الأوّل، في إجازته لابن نجدة: «الإمام السعيد، فخر المذهب، محقّق الحقائق، نجم الدين أبي القاسم جعفر بن سعيد، شرّف اللّه في الملأ الأعلى قدره، و أطاب في الدارين ذكره» (1).

6- و قال عنه ابن فهد الحلّي، في «المهذّب البارع»: «المولى الأكرم، و الفقيه الأعظم، عين الأعيان، و نادرة الزمان، قدوة المحقّقين، و أعظم الفقهاء المتبحرّين، نجم الملّة و الحقّ و الدين، أبي القاسم جعفر بن سعيد الحلّي، (قدّس اللّه نفسه الزكية)، و أفاض على تربته المراحم الربانيّة» (2).

7- و قال عنه الفاضل المقداد السيوري، في مقدّمة «التنقيح الرائع»:

«شيخنا الأعظم، و رئيسنا الأكرم، العلّامة المحقق، و الأفضل المدقق، نجم الملّة و الدين أبي القاسم جعفر بن سعيد (قدّس اللّه روحه و نوّر ضريحه)» (3).

8- و قال الشيخ إبراهيم القطيفي، في إجازته للشيخ شمس الدين بن ترك في سنة 915 ه: «و أجزت له أن يروي بالطريق ... جميع مصنّفات الإمام العالم العامل الفاضل الكامل المحقّق المدقّق الكامل، الشيخ أبي القاسم نجم الدين بن سعيد، في العلوم العقلية و النقلية، الفروعية و الاصولية، عنه (قدّس اللّه سرّه)» (4).

9- و قال المحقّق الكركي، صاحب «جامع المقاصد»، في إجازته للقاضي صفيّ الدين: «و منها جميع مصنّفات و مرويات الشيخ الإمام، شيخ‏

____________

(1) بحار الأنوار: 104/ 194.

(2) المهذّب البارع: 1/ 63، ط قم عام 1407 ه.

(3) التنقيح الرائع: 1/ 3- 4، ط قم عام 1404 ه.

(4) بحار الأنوار 105/ 95.

28

الإسلام، فقيه أهل البيت، رئيس الإمامية في زمانه، محقّق المطالب الفقهية، منقّح الدلائل الشرعية، نجم الملّة و الدين، أبي القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلّي، صاحب كتاب (الشرائع) و (المعتبر) و غيرهما، (قدّس اللّه روحه الطاهرة)، و رفع قدره في درجات الآخرة» (1).

10- و قال الشهيد الثاني، في إجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي- والد الشيخ بهاء الدين-: «... جميع مصنّفات و مرويات الشيخ المحقّق، شيخ الطائفة في وقته إلى زماننا هذا، نجم الدين أبي القاسم جعفر ابن سعيد» (2).

11- و قال نجله المحقّق الشيخ حسن، صاحب «معالم الدين»، في إجازته الكبيرة للسيد نجم الدين- معلّقا على قول العلّامة المتقدّم نقله برقم (3) في وصف المصنّف بأنّه أفضل أهل عصره في الفقه-: «لو ترك التقييد بأهل زمانه لكان أصوب، إذ لا أرى في فقهائنا مثله على الإطلاق، رضي اللّه عنه» (3).

12- و قال الشيخ بهاء الدين العاملي: «في 23 جمادى الآخرة توفي الشيخ المدقّق، سلطان العلماء في زمانه، نجم الدين جعفر بن سعيد الحلّي، (قدّس اللّه روحه)، و ذلك سنة 676 ه. و إليه انتهت رئاسة الشيعة الإمامية في زمانه، و من مصنّفاته كتاب (المعتبر) و كتاب (الشرائع) و (المختصر)، و حضر مجلس درسه بالحلّة سلطان الحكماء و المتألهين، خواجه نصير الدين محمد الطوسي أنار اللّه برهانه، و سأله نقض بعض‏

____________

(1) بحار الأنوار: 105/ 71.

(2) بحار الأنوار: 106/ 11.

(3) نفس المصدر.

29

المتكلّمين» (1).

13- و قال عنه الشيخ الحرّ العاملي: «حاله في الفضل و العلم و الثقة و الجلالة و التحقيق و التدقيق و الفصاحة و الشعر و الأدب و الإنشاء و جميع العلوم و الفضائل و المحاسن أشهر من أن يذكر. و كان عظيم الشأن جليل القدر، رفيع المنزلة، لا نظير له في زمانه. و له شعر جيّد، و إنشاء حسن بليغ. و كان مرجع أهل عصره في الفقه و غيره» (2).

14- و قال عنه الميرزا عبد اللّه الأفندي: «كان محقّق الفقهاء، و مدقق العلماء. و حاله في الفضل و النبالة و العلم و الثقة و الفصاحة و الجلالة و الشعر و الأدب و الإنشاء و البلاغة أشهر من أن يذكر، و أكثر من أن يسطر» (3).

15- و قال المحدّث الشيخ يوسف البحراني، صاحب «الحدائق»:

«كان محقق الفقهاء، و مدقق العلماء. و حاله في الفضل و النبالة و العلم و الفقه و الجلالة و الفصاحة و الشعر و الأدب و الإنشاء أشهر من أن يذكر، و أظهر من أن يسطر» (4).

16- و قال عنه الشيخ أسد اللّه التستري: «الشيخ الأعظم الرفيع الشأن، اللّامع البرهان، كشّاف حقائق الشريعة بطرائف من البيان، لم يطمثهن قبله إنس و لا جان، رئيس العلماء، حكيم الفقهاء، شمس الفضلاء، بدر العرفاء، المنوّه باسمه و علمه في قصّة الجزيرة الخضراء، الوارث لعلوم الأئمة المعصومين، و حجّتهم في العالمين، الشيخ أبو القاسم نجم الدين‏

____________

(1) توضيح المقاصد: 8، ط حجرية.

(2) أمل الآمل: 2/ 48- 49 ترجمة 127.

(3) رياض العلماء: 1/ 103.

(4) لؤلؤة البحرين: 227- 228 ترجمة 83.

30

جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الهذلي الحلّي، أفاض اللّه على روضته شآبيب لطفه الخفي و الجلي، و أحلّه في الجنان المقام السني و المكان العلي» (1).

17- و قال عنه السيد الخونساري: «كان إماما، محقّقا، فائق الرأي في فنون شتّى، بل لم يكد يفرض في مراتب تفضيله على سائر الأفاضل موضع للّفظة ... و قد اتفقت كلمة من علمناه من العصابة على كونه الأفقه الأفضل إلى الآن من جملة من كان قد تأخّر عن الأئمة و الصحابة» (2).

18- قال المحدّث الميرزا حسين النوري: «التاسع من مشايخ آية اللّه العلّامة: خاله الأكرم، و استاذه الأعظم، الرفيع الشأن، اللامع البرهان، كشّاف حقائق الشريعة بطرائف من البيان، لم يطمثهن قبله إنس و لا جان، رئيس العلماء، فقيه الحكماء، شمس الفضلاء، بدر العرفاء، المنوّه باسمه و علمه في قصّة الجزيرة الخضراء، الوارث لعلوم الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، و حجّتهم على العالمين، الشيخ أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الهذلي الحلّي، الملقّب ب (المحقق) على الإطلاق، الرافع أعلام تحقيقاته في الآفاق، أفاض اللّه على روضته شآبيب لطفه الخفي و الجلي، و أحلّه في الجنان المقام السني و المكان العلي. و هو أعلى و أجلّ من أن يصفه و يعدد مناقبه مثلي» (3).

19- و قال عنه السيد حسن الصدر: «هو أوّل من نبع منه التحقيق في‏

____________

(1) مقابس الأنوار: 12، ط حجرية.

(2) روضات الجنّات: 2/ 182 رقم 170، ط قم منشورات إسماعيليان (بلا تاريخ).

(3) خاتمة مستدرك الوسائل: 2/ 466 ط قم عام 1415 ه بتحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

31

الفقه و عنه اخذ، و عليه تخرّج ابن اخته العلّامة الحلّي (رحمه اللّه) و أمثاله أرباب التحقيق و التنقيح. و ليس في الطائفة أجلّ منه بعد الشيخ الطوسي (رحمه اللّه)» (1).

20- و قال الشيخ عباس القمّي: «الشيخ الأجل الأعظم، شيخ الفقهاء بغير جاحد، و واحد هذه الفرقة و أيّ واحد، أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلّي. حاله في الفضل و العلم و الثقة و الجلالة و التحقيق و التدقيق و الفصاحة و البلاغة و الشعر و الأدب و الإنشاء، و جميع الفضائل و المحاسن أشهر من أن يذكر. كان عظيم الشأن جليل القدر، رفيع المنزلة، لا نظير له في زمانه. له شعر جيد و إنشاء حسن» (2).

21- و قال السيد محسن الأمين: «كفاه جلالة قدر اشتهاره بالمحقّق، فلم يشتهر من علماء الإمامية على كثرتهم في كل عصر بهذا اللّقب غيره و غير الشيخ علي بن عبد العالي العاملي الكركي. و ما أخذ هذا اللّقب إلّا بجدارة و استحقاق» (3).

22- و قال عنه العلّامة الشيخ محمد تقي التستري: «هو أوّل من جعل الكتب الفقهية بترتيب المتأخّرين، فجمع في شرائعه لبّ ما في نهاية الشيخ، الذي كان مضامين الأخبار، و ما في مبسوطه و خلافه اللّذين كانا على حذو كتب العامّة في جميع الفروع. و قبله كان بعضهم يكتب كالنهاية، كسرائر الحلّي، و بعضهم كالمبسوط و الخلاف، كمهذّب القاضي. و له تحقيقات أنيقة» (4).

____________

(1) هامش «لؤلؤة البحرين»: 228 ترجمة 83.

(2) الكنى و الألقاب للقمّي: 3/ 127، ط صيدا عام 1358 ه.

(3) أعيان الشيعة: 6/ 129 ترجمة 3457.

(4) قاموس الرجال: 2/ 378، و: 4/ 89، ط قم عام 1410- 1419 ه.

32

23- و قال عنه خير الدين الزركلي: «فقيه إمامي مقدّم. من أهل الحلّة في العراق. كان مرجع الشيعة الإمامية في عصره. له علم بالأدب، و شعر جيد» (1).

نثره و شعره:

لم ينحصر نبوغ المصنّف بعلوم الشريعة، بل نبغ في شتّى ميادين العلم و المعرفة، و تفوّق في مختلف الفنون، كما مرّ علينا فيما تقدّم من كلمات العلماء في حقّه، و هذا هو شأن النوابغ و اولي حدّة الذهن، يفوقون الأقران في كل واد يسلكوه، و يبدعون في كل ميدان يقتحموه. فقد برع المصنّف في كلّ ما طرقه من المجالات، و منها ميدان الأدب، و ظهرت براعته في أوّل خطوة له في ذلك، فتراه يجيد القريض في أوّل مقطوعة له، و يلهب المشاعر في بداية الجولة، فإذا به و هو يخوض التجربة الأدبية قدير على انتقاء المفردات العذبة، متمكّن من صياغة الجمل المتناسقة، آخذ بمجامع القلوب. فما بالك به لو أنّه واصل المشوار، و سلك هذا الدرب، و لم يقطع عليه والده المسيرة، و لم يصدّه عن تلك الوجهة؟! حرصا على طاقاته الهيّاجة، و ذكائه الوقّاد، و عمره الثمين، أن يبذل إلّا فيما يجعله «صاحب الشرائع»، و شفقة عليه في أن يشتهر إلّا ب «المحقّق»، و أن يوصف إلّا ب «نجم الدين»؛ فتحية و ألف تحية لهذا الأب. فمثله الجدير بأن يوصف ب (الأب). و أدرك الابن حسن الغاية، فحبس نفسه عن تعاطي الشعر و الأدب، و فرّغ نفسه للتفقّه في الدين، حتّى صار مفخرة لذلك الوالد، بل‏

____________

(1) الأعلام: 2/ 123، ط بيروت عام 1986 م.

33

للامّة الإسلامية و المذهب الإمامي. و لنقرأ القصّة برواية المصنّف نفسه، في جواب رسالة أتته من أحد العلماء، طلب منه فيها أن يطلعه على شعره:

قال السيد الأمين: في مجموعة الشهيد (1) التي هي بخطّ الشيخ محمد ابن علي العاملي الجباعي، جدّ الشيخ البهائي: «قال الشيخ أبو القاسم جعفر ابن سعيد الحلّي: بسم اللّه الرحمن الرحيم. لمّا وقفت على ما أمر به الصاحب، الصدر الكبير، العالم الكامل، العارف، المحقق، بهاء الدنيا و الدين، غياث الإسلام و المسلمين، أدام اللّه أيامه في عزّ مؤيّد، و فخر ممهّد، وجد مجدّد، و نعمة قارّة العيون، باسقة الغصون، دارّة الحلب، حميدة المنقلب، محروسة الجوانب، مصونة من الشوائب؛ و تأمّلت ما برز عنه من الألفاظ، التي هي أعذب من الماء الزلال، و أطيب من الغنى بعد الإقلال، فهي التي يعجز الطامع ببديعها، و يعجب السامع حسن جمعها و ترصيعها، فكأنّ الشاعر عناه بقوله:

و لا ذنب للأفكار أنت تركتها* * * إذا احتشدت لم ينتفع باحتشادها

تنوء بإيراد المعاني و ألّفت‏* * * خواطرك الألفاظ بعد شرادها

فإن نحن حاولنا اختراع بديعة* * * حصلنا على مسروقها أو معادها

و ليس بمستغرب تفرّده ببديع النثر و النظم، مع ما وهبه اللّه سبحانه من جودة القريحة، و قوّة الفهم. نسأل اللّه أن يديم لفضلاء الآداب، و رؤساء الكتّاب ما كنفهم من ظلّه، و شملهم من فضله، و أباحهم من مراتعه، و سوّغهم من شرائعه، ليستمرّ نفاق سوقهم، و يشمّروا للاجتهاد فيه‏

____________

(1) كلمة (الشهيد) عند إطلاقها تنصرف إلى الشهيد الأوّل، و لكنّ المقصود بها هنا الشهيد الثاني، لأنّ وفاة الشهيد الأوّل في سنة 786 ه، و وفاة صاحب الخطّ في سنة 886 ه.

34

عن سوقهم. دلّت ألفاظه الكريمة على استدعاء ما يكون تذكرة لأهل الوداد، و عهدا يجدّد به ما أخلقته يد العباد. فعند ذلك أحببت أن أدخل فيمن سارع إلى امتثال أوامره، لأكون في جملة من شرّفه بذكره، و تخطّره بخواطره، فأقول: إنّ الشعر من أفضل مشاعر الأدب، و أجمل مفاخر العرب، به تستماح المكارم، و تستعطف الطباع الغواشم، و تشحذ الأذهان، و تستلّ الأضغان، و يستصلح الرأي الفاسد، و تستثار الهمم الجوامد، لكنّه عسر المطلب، خطر المركب، لافتقاره إلى امور غريزية، و اخرى كسبيّة، و هي شديدة الامتناع، بعيدة الاجتماع، فالمعتذر عن التعرّض له معذور، و المعترف بالقصور عنه مشكور. و قد كنت زمن الحداثة أتعرّض لشي‏ء منه ليس بالمرضي، فكتبت أبياتا إلى والدي (رحمه اللّه)، اثني فيها على نفسي، بجهل الصبوة، و هي:

ليهنك أنّي كلّ يوم إلى العلى‏* * * اقدّم رجلا لا تزلّ بها النعل‏

و غير بعيد أن تراني مقدّما* * * على الناس طرّا ليس في الناس لي مثل‏

تطاوعني بكر المعاني و عونها* * * و تنقاد لي حتّى كأنّي لها بعل‏

و يشهد لي بالفضل كلّ مبرّز* * * و لا فاضل إلّا ولي فوقه فضل‏

فكتب (رحمه اللّه) فوق هذه الأبيات ما صورته: لئن أحسنت في شعرك، لقد أسأت في حقّ نفسك، أمّا علمت أنّ الشعر صناعة من خلع العفّة، و لبس الحرفة، و الشاعر ملعون و إن أصاب، و منقوص و إن أتى بالشي‏ء العجاب،

35

و كأنّي بك قد أوهمك الشيطان فضيلة الشعر، فجعلت تنفق ما تلفق، بين جماعة لم يعرفوا لك فضيلة غيره، فسمّوك به، و كان ذلك و صمة عليك آخر الدهر، أ لم تسمع:

و لست أرضى أن أكون شاعرا* * * تبّا لها من عدد الفضائل‏

فوقف خاطري عند ذلك، حتّى كأنّي لم أقرع له بابا. و لم أرفع له حجابا، و أكّد ذلك عندي ما رويته بإسناد متصل، أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دخل المسجد، و به رجل أطاف به جماعة، فقال: ما هذا؟ قالوا: علّامة. فقال:

ما العلّامة؟ قالوا: عالم بوقائع العرب و أنسابها و أشعارها. فقال عليه الصلاة و السلام: ذلك علم لا يضرّ من جهله، و لا ينفع من علمه. و من البيّن أنّ الإجادة فيه تفتقر إلى تمرين الطبع، و صرف الهمّة إلى الفكر في تناسب معناه، و رشاقة ألفاظه، و جودة سبكه، و حسن حشوه، تمرينا متكررا، حتّى يصير خلقا. و كما أنّ ذلك سبب الاستكمال فيه، فالإهمال سبب القصور عنه. و إلى هذا المعنى أشرت في جملة أبيات:

هجرت صوغ قوافي الشعر مذ زمن‏* * * هيهات يرضى و قد أغضبته زمنا

وعدت اوقظ أفكاري و قد هجعت‏* * * عنفا و ازعج غربي بعد ما سكنا

إن الخواطر كالآبار إن نزحت‏* * * طابت و إن يبق فيها ماؤها أجنا

فاصفح شكرت أياديك التي سلفت‏* * * ما كنت اظهر عيبي بعد ما كمنا

و لمكان إضرابي عن نظمه، و إعراضي حتى عن ذكر اسمه، لم يبق إلّا ما هو حقيق أن يرفض و لا يعرض، و يضمر و لا يظهر، لكنّي مع ذلك اورد ما أدخل به في حيّز الامتثال، و إن كان ستره أنسب بالحال. فمنه:

و ما الإسراف من خلقي و إنّي‏* * * لأجزأ بالقليل عن الكثير

و لا اعطي المطامع لي قيادا* * * و لو خودعت بالمال الخطير

36

و اغمض عن عيوب الناس حتّى‏* * * أخال بأن يناجيني ضميري‏

و أحتمل الأذى في كلّ حال‏* * * على مضض و أعفو عن كثير

و من كان الإله له حسيبا* * * أراه النجح في كلّ الامور

و منه:

يا راقدا و المنايا غير راقدة* * * و غافلا و سهام الدهر ترميه‏

بم اغترارك و الأيام مرصدة* * * و الدهر قد ملأ الأسماع داعيه‏

أما أرتك الليالي قبح دخلتها* * * و غدرها بالذي كانت تصافيه‏

رفقا بنفسك يا مغرور إنّ لها* * * يوما تشيب النواصي من دواهيه‏

و حسب تحصيل الغرض بهذا القدر، فنحن نقتصر عليه، و نستغفر اللّه سبحانه و تعالى من فرطات الزلل، و ورطات الخلل، و نستكفيه زوال النعم، و حلول النقم، و نستعتبه محلّ العثار، و سوء المرجع في القرار. و من أفضل ما يفتتح به النظام، و يختتم به الكلام؛ ما نقل عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): من سلك طريقا إلى العلم سلك اللّه به طريقا إلى الجنّة. و قال (صلّى اللّه عليه و آله): لا خير في الحياة إلّا لعالم مطاع، أو مستمع واع. و قال (صلّى اللّه عليه و آله): تلاقوا، و تذكروا، و تحدّثوا؛ فإنّ الحديث جلاء القلوب، إنّ القلوب ترين كما يرين السيف.

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): لا يزيد في العمر مثل الصدقة، و لا يردّ البلاء مثل الدعاء، و لا ينوّر العبد مثل الخلق الحسن، و لا يذهب الذنوب إلّا الاستغفار.

و الصدقة ستر من النار، و جواز على الصراط، و أمان من العذاب. و قال (صلّى اللّه عليه و آله):

صلوا الأرحام يغفر لكم، و تعاهدوا المساكين يبارك لكم في أموالكم، و يزاد في حسناتكم. و قال (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه سبحانه يقول: اطلبوا الحوائج عند ذوي الرحمة من عبادي، فإنّ رحمتي لهم، و لا تطلبوها عند القاسية قلوبهم، فإنّ غضبي فيهم. و قال (صلّى اللّه عليه و آله): صنائع المعروف تقي مصارع السوء. و قال (صلّى اللّه عليه و آله):

37

من اقتصر من الدنيا على ما احلّ له سلم، و من أخذ العلم من أهله و عمل به نجا، و من أراد به الدنيا فهو حظّه. و كتب جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلّي» (1).

و من نماذج شعره و نثره ما جاء في جوابه عن رسالة وردته من الشيخ محفوظ بن وشاح، ذكرهما المحقّق الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني، قال:

«رأيت بخطّ الشهيد الأوّل، في بعض مجاميعه، أنّ الشيخ شمس الدين محفوظ بن وشاح بن محمد، كتب إلى الشيخ المحقّق نجم الدين بن سعيد، أبياتا، من جملتها:

أغيب عنك و أشواقي تجاذبني‏* * * إلى لقائك جذب المغرم العاني‏

إلى لقاء حبيب مثل بدر دجى‏* * * و قد رماه بإعراض و هجران‏

و منها:

قلبي و شخصك مقرونان في قرن‏* * * عند انتباهي و بعد النوم يغشاني‏

يا جعفر بن سعيد يا إمام هدى‏* * * يا واحد الدهر يا من ما له ثان‏

إنّي بحبّك مغرى غير مكترث‏* * * بمن يلوم و في حبيك يلحاني‏

فأنت سيّد أهل الفضل كلّهم‏* * * لم يختلف أبدا في فضلك اثنان‏

في قلبك العلم مخزون بأجمعه‏* * * تهدي به من ضلال كل حيران‏

و فوك فيه لسان حشوه حكم‏* * * يروى‏ (2) به من زلال كلّ ظمآن‏

و فخرك الشامخ الراسي‏ (3) وزنت به‏* * * رضوى فزاد على رضوى و ثهلان‏

____________

(1) أعيان الشيعة: 6/ 133- 134 ترجمة 3457. و قد ذكر الشيخ الحرّ العاملي محلّ الشاهد منها، في: أمل الآمل: 2/ 50- 51 ترجمة 127.

(2) كذا في الروضات. و في الأعيان (تروي).

(3) كذا في الروضات. و في الأعيان (السامي).

38

فأجابه المحقّق بهذه الأبيات:

لقد وافت قصائدك العوالي‏* * * تهزّ معاطف اللّفظ الرشيق‏

فضضت ختامهنّ فخلت أنّي‏* * * فضضت بهنّ عن مسك فتيق‏

و جال الطرف منها في رياض‏* * * كسين بناضر الزهر الأنيق‏

فكم أبصرت من لفظ بديع‏* * * يدلّ به على المعنى الدقيق‏

و كم شاهدت من علم خفيّ‏* * * يقرّب مطلب الفضل السحيق‏

شربت بها كئوسا من معان‏* * * غنيت بشربهن عن الرحيق‏

و لكنّي حملت بها حقوقا* * * أخاف لثقلهنّ من العقوق‏

فسر يا با الفضائل بي رويدا* * * فلست اطيق كفران الحقوق‏

و حمّل ما اطيق به نهوضا* * * فإنّ الرفق أنسب بالصديق‏

و كتب بعدها نثرا. من جملته: و لست أدري كيف سوّغ لنفسه الكريمة، مع حنوّه على إخوانه، و شفقته على أوليائه و خلّانه، إثقال كاهلي بما لا يطيق الرجال حمله، بل تضعف الجبال أن تقلّه، حتّى صيّرني بالعجز عن مجاراته أسيرا، و أوقفني في ميدان محاورته حسيرا» (1).

مؤلّفاته و مصنّفاته:

قال السيد الأمين: «قد رزق في مؤلّفاته حظّا عظيما» (2). و لعلّ السرّ في هذا التوفيق- بعد الإخلاص في العمل للّه تعالى- أمران: أحدهما: أنّ مؤلّفاته جاءت تلبية لحاجة فعلية، و كانت بدافع الضرورة، فملأت الفراغ‏

____________

(1) روضات الجنّات: 2/ 184- 185 ترجمة 170، أعيان الشيعة: 6/ 134 ترجمة 3457.

(2) أعيان الشيعة: 6/ 129 ترجمة 3457.

39

الملموس، فأصبح لها الوقع الكبير في النفوس. و هذا ما يبدو بوضوح من إجراء مقارنة- و إن كانت عاجلة- بينها و بين ما سبقها من كتب الإماميّة في الفقه و اصوله.

ثانيهما: أنّه مؤلّف مقلّ، يهمّه الكيف لا الكم، يرجّح الإتقان على الإكثار. فقد صبّ كلّ ثقله العلمي في مؤلّفاته، من حيث المادّة، و من حيث الأداء، و من حيث المنهجية. فخرجت مؤلّفاته مهذّبة منقّحة. و هي:

1- شرائع الإسلام في مسائل الحلال و الحرام.

لقد وصفه العلّامة الحجّة السيد حسن الصدر بأنّه «قرآن الفقه» (1).

و قال فيه السيد الأمين: «هو عنوان دروس المدرسين في الفقه الاستدلالي في جميع الأعصار، و كل من أراد الكتابة في الفقه الاستدلالي يكتب شرحا عليه، كمسالك الأفهام، و مدارك الأحكام، و جواهر الكلام، و هداية الأنام، و مصباح الفقيه، و غيرها. و صنّف بعض العلماء شرحا لتردداته خاصّة.

و عليه من التعليقات و الحواشي عدد كثير (2). و نسخه المخطوطة النفيسة لا تحصى كثرة. و طبع طبعات كثيرة في إيران. و لا يكاد يوجد واحد من العلماء أو طلبة العلوم الدينيّة ليس عنده منه نسخة. و طبع في لندن عاصمة بلاد الإنگليز». كما طبع في النجف الأشرف عام 1389 ه، في مطبعة الآداب في أربعة مجلّدات، بتحقيق عبد الحسين محمد علي البقّال، و مقدّمة رائعة للعلّامة الكبير السيد محمد تقي الحكيم. و قال فيه العلّامة

____________

(1) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: 306.

(2) ذكر العلّامة الطهراني شروحه، في: الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 13/ 316- 332 ط النجف عام 1378 ه، و ذكر حواشيه في نفس المصدر: 6/ 106- 108، ط طهران عام 1363 ه.

40

الطهراني: «و قد ولع به الأصحاب من لدن عصر مؤلّفه إلى الآن. و لا يزال من الكتب الدراسية في عواصم العلم الشيعية. و قد اعتمد عليه الفقهاء خلال هذه القرون العديدة، فجعلوا أبحاثهم و تدريساتهم فيه، و شروحهم و حواشيهم عليه» (1). و للتعرّف على مزايا هذا الكتاب و خصائصه يرجع إلى مقدّمة السيد الحكيم على طبعة النجف المذكورة.

2- النافع.

و يطلق عليه (المختصر النافع). و هو متن فقهي متين، اختصر المصنّف كتابه السابق فيه، فهو مختصر «شرائع الإسلام». و قد نال هو الآخر، اهتمام الفقهاء، و إعجاب المحققين، فعكفوا عليه، و صار عنوانا لأبحاث طائفة اخرى من المجتهدين، و محطّا لأنظارهم. قال السيد الأمين «عليه شروح كثيرة، مثل: كشف الرموز لتلميذه الآبي اليوسفي، و التنقيح الرائع للمقداد السيوري، و البرهان القاطع، و غيرها. و عليه من الحواشي و التعليقات شي‏ء كثير لأجلّاء العلماء» (2).

و طبع عدّة مرّات، منها في القاهرة عام 1376 ه، بتحقيق لجنة من العلماء، و تقديم الشيخ أحمد حسن الباقوري، وزير الأوقاف في مصر آنذاك، و اقرّ تدريسه في جامع الأزهر. و منها في النجف عام 1383 ه.

3- المعتبر.

و هو كتاب فقهي استدلالي مقارن، وضعه المصنّف شرحا لكتابه السابق، إذ قال في مقدّمته: «حتى اتفق لنا اختصار كتاب الشرائع بالمختصر

____________

(1) نفس المصدر: 13/ 47.

(2) أعيان الشيعة: 6/ 129 ترجمة 3457. و ذكر شروحه العلّامة الطهراني، في:

الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 14/ 57، ط النجف عام 1381 ه.

41

النافع، فدقّ كثير من معانيه، لشدّة اختصاره، و اشتبهت مقاصده، لبعد أغواره؛ فحرّكني ذلك لشرح مشتمل على تحرير مسائله، و تقرير دلائله».

و لكن لم يخرج منه إلّا كتاب الطهارة، و الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و الاعتكاف، و شي‏ء من كتاب الحجّ. و قد صدّره بمقدّمة في أربعة فصول.

الأوّل: في وصايا نافعة. الثاني: في أنّ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) متعيّن الاتباع. الثالث: في مستند الأحكام. الرابع: في السبب المقتضي للاقتصار على نقل أقوال طائفة معيّنة من الفقهاء. و قد طبع عدّة مرّات، لعلّ آخرها في مجلّدين، في قم عام 1364 ه شمسي، بتحقيق جماعة. لكنّه بحاجة إلى طبعة لائقة به.

4- شرح نكت النهاية.

و هو مجموعة تعليقات له على كتاب «النهاية» للشيخ الطوسي، و قد يسمّى ب: «حلّ مشكلات النهاية» (1). و هو كتاب جليل مفيد، نافع في حلّ مشكلات النهاية و غوامضها، و شرحها، و تفسيرها. و جاءت هذه التعليقات بصياغة أسئلة و أجوبة عن نكات معيّنة غامضة في بعض عبارات الشيخ الطوسي في الكتاب المذكور. و قد طبع هذا الكتاب أخيرا منضمّا إلى كتاب «النهاية» تحت عنوان «النهاية و نكتها» في ثلاث مجلّدات، في قم عام 1417 ه، بتحقيق مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة.

5- أجوبة المسائل العزّية.

6- أجوبة المسائل العزّية الثانية.

____________

(1) مقدّمة «النهاية و نكتها»: 128.

42

7- أجوبة المسائل المصرية.

8- أجوبة المسائل البغدادية.

9- أجوبة المسائل الخمسة عشر.

10- أجوبة المسائل الكمالية.

11- أجوبة المسائل الطبرية.

12- رسالة التياسر في القبلة (1).

13- المقصود من الجمل و العقود (2).

و هذه الرسائل التسع (5- 13) كلّها فقهية، و قد طبعت منضمّة إلى بعضها في مجلّد واحد تحت عنوان «الرسائل التسع» في قم عام 1413 ه، بتحقيق الاستاذ العلّامة الشيخ رضا الاستاذي.

14- مختصر المراسم‏ (3).

قال العلّامة الطهراني: توجد منه نسخة في مكتبة الشيخ محمد السماوي، في النجف الأشرف‏ (4).

____________

(1) قال الشيخ ابن فهد الحلّي، في: المهذّب البارع: 1/ 312: «و اعلم أنّه اتفق حضور العلّامة المحقّق خواجه نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي- (قدّس اللّه روحه)- مجلس المصنّف [يعني: المحقّق الحلّي‏] طاب ثراه، و درسه؛ فكان فيما جرى بحضوره درس القبلة، فأورد إشكالا على التياسر، فأجاب المصنّف في الحال بما اقتضاه ذلك الزمان، ثمّ عمل في المسألة رسالة، و بعثها إليه، فاستحسنها المحقّق حين وقف عليها. و ها أنا موردها بلفظها ...». و تقدّم ذكر القصّة.

(2) و هو مختصر «الجمل و العقود» للشيخ الطوسي.

(3) كتاب «المراسم في الفقه الإمامي» لحمزة بن عبد العزيز الديلمي، الملقّب ب (سلّار)، المتوفى سنة 463 ه، ط النجف الأشرف عام 1400 ه.

(4) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 20/ 208، ط طهران عام 1390 ه.

43

15- رسالة في عدم كفر من اعتقد بإثبات المعدوم.

توجد منها نسخة خطيّة في مكتبة السيد الروضاتي بأصبهان‏ (1).

16- فهرست المصنّفين‏ (2)، أو: تلخيص فهرست الشيخ الطوسي‏ (3).

17- كتاب في المنطق.

و قد اختلف في ضبط اسمه، و تردد بين «النكهة» (4) و «الكهنة» (5).

قيل: توجد منه نسخة خطيّة في طهران‏ (6).

18- المسلك في اصول الدين.

19- الرسالة الماتعية.

و قد طبعا منضمّين إلى بعضهما في مجلد واحد، في مشهد المقدّسة عام 1421 ه، بتحقيق الاستاذ العلّامة الشيخ رضا الاستاذي.

20- المعارج في اصول الفقه.

بهذا الاسم ذكره ابن داود في رجاله‏ (7)، و الحرّ العاملي‏ (8)، و الميرزا الأفندي‏ (9)، و المحدّث البحراني‏ (10)، و السيد الأمين‏ (11). و لكن سمّاه‏

____________

(1) مقدّمة «الرسائل التسع»: 20- 21.

(2) كما في: الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 16/ 395، ط طهران عام 1347 شمسي.

(3) كما في مقدّمة «الرسائل التسع»: 20.

(4) كما في رجال ابن داود: 83 ترجمة 300.

(5) كما في: أمل الآمل: 2/ 49 ترجمة 127، رياض العلماء: 1/ 106، لؤلؤة البحرين: 235 ترجمة 83، روضات الجنات: 2/ 183 ترجمة 170، و غيرها.

(6) مقدّمة «الرسائل التسع»: 21.

(7) رجال ابن داود: 83 ترجمة 300.

(8) أمل الآمل: 2/ 48 ترجمة 127.

(9) رياض العلماء: 1/ 106.

(10) لؤلؤة البحرين: 235 ترجمة 83.

(11) أعيان الشيعة: 6/ 132 ترجمة 3457.

44

الميرداماد ب «نهج المعارج»، فقال في «الرواشح» في بحث (المرسل): «قال المحقّق في مختصره المعروف «نهج المعارج» في الاصول» (1). و قال العلّامة الطهراني: إنّه اسم آخر للكتاب‏ (2). و ذكره هو في عدّة مواضع‏ (3) بعنوان «معارج الاصول»، و في موضع بعنوان «معارج الأحكام» في اصول الفقه‏ (4). و الاسم الشائع على الألسن «معارج الاصول»، اختصارا و تخفيفا- كما يقال ل «العدّة في اصول الفقه» للشيخ الطوسي: «عدّة الاصول»- و هو العنوان الذي تحمله الطبعة الحجرية من الكتاب في طهران عام 1310 ه.

هذا ما يتعلق باسمه.

و أمّا الكتاب نفسه، فقد عرّفه العلّامة الطهراني بقوله: «متن مختصر في اصول الفقه، للمحقّق الحلّي (رحمه اللّه). و هو- كسائر تصانيفه- ممّا عكف عليه الأصحاب بالشرح و التعليق» (5). و ذكر له من الشروح و الحواشي ما يلي‏ (6):

1- شرح معارج الاصول، بعنوان «قوله قوله»، لبعض الأصحاب المتأخّرين عن الشهيد الثاني.

2- شرح معارج الاصول، للشيخ العالم الشهير بميرزا بابا

____________

(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 24/ 425، ط طهران 1398 ه.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر: 14/ 69- 70، و: 21/ 180، و: 24/ 193- 194، و: 24/ 425.

(4) نفس المصدر: 6/ 204.

(5) نفس المصدر: 14/ 69.

(6) نفس المصدر: 14/ 69- 70، و: 24/ 193- 194، و: 6/ 204.

45

السبزواري. قال الطهراني: و نسخته موجودة في مكتبة مدرسة المولى محمد باقر السبزواري في مشهد الرضا (عليه السلام).

3- شرح معارج الاصول، للمير عبد الصمد الحسيني، من أحفاد مير سيد عليا الهمداني الحائري العارف. قال الطهراني: يوجد عند الميرزا عبد الرزاق المحدّث الهمداني، كما كتبه إلينا، و عند السيد محسن الأمين العاملي، رأيته في مكتبته بالشام.

4- شرح معارج الاصول، للسيد الأجل مير فيض اللّه بن عبد القاهر الحسيني التفريشي، المتوفى سنة 1025 ه. قال الطهراني: نسخة منه كانت عند الفاضل أبي المجد آقا رضا الأصفهاني كما كتبه إلينا. و نسخة عند الشيخ هادي كاشف الغطاء، ضمن مجموعة كلّها بخطّ الشيخ شرف الدين علي بن جمال الدين المازندراني النجفي، كتبها 10 سنة 1055 ه إلى 1060 ه. و فيها كثير من المسائل و الرسائل و الفوائد.

5- نظام الفصول في شرح نهج الوصول إلى علم الاصول. قال الطهراني: المتن هو (نهج المعارج) للمحقّق الحلّي كما ذكره الميرداماد، أو (معارج الاصول) كما على المطبوع 1310 ه. و الشرح هذا لفتح اللّه بن علوان القباني الدورقي المتوفى عام 1130 ه، أوّله (الحمد للّه ... و الصلاة و السلام على أشرف العالمين). و أضاف: رأيت منه نسخة عليها تملّك محمد بن إسماعيل الحجازي القبيسي العاملي، ملكها في المشهد الغروي- على مشرّفه السلام- في 1175 ه.

6- شرح المعارج في الاصول، للآخوند محمد كاظم ابن الحاج كمال الدين البزّاز ابن قطب الدين البهبهاني، المتوفى سنة 1254 ه، من‏

46

تلامذة الوحيد البهبهاني. نسخة منه في مكتبة مجلس الشورى بطهران‏ (1).

7- الحاشية عليه، للمولى محمد أمين بن محمد شريف الاسترابادي الأخباري، المتوفى بمكّة عام 1038 ه، تقرب من ألف بيت. قال الطهراني: رأيتها في مكتبة مجد الدين.

8- الحاشية عليه، للشيخ عبد الحسين بن الحاج جواد البغدادي، المتوفى في رجب 1365 ه. قال الطهراني: رأيتها في كتبه ببغداد.

و الملفت للانتباه في هذه الشروح و الحواشي أنّها متأخّرة التاريخ، ممّا يدلّ على بقاء هذا الكتاب رائجا متداولا بين أهل العلم، و الدراسة الحوزوية، رغم تعقّبه بمؤلّفات العلّامة الحلّي المتعدّدة في اصول الفقه، المختصرة و المتوسطة و المبسوطة، ف «تهذيب العلّامة» و إن لاقى إقبالا شديدا في حوزات البحث و التدريس، و جعل متنا لكثير من الشروح و التعليقات‏ (2)، و لكن «المعارج» لم يفقد بذلك مكانته عند المحصّلين، و لم تضعف منزلته عند المشتغلين. بل يدلّ زمن هذه الشروح و الحواشي على بقاء هذا الكتاب غضّا نظرا في رياض البحوث العلمية، و جنائن الحوزات التدريسية، رغم خروج مقدّمة «معالم الدين» للمحقّق الشيخ حسن نجل الشهيد الثاني، المتوفى عام 1011 ه، فإنّها لم تصبح بديلا له كمنهج دراسي، و لم تحلّ محلّه كمتن اصولي، إلّا بعد تطاول المدّة، و تعاقب الفترة.

____________

(1) هذا الشرح لم يذكره العلّامة الطهراني، و إنّما ورد ذكره في مقالة نشرت في مجلّة «پيام بهارستان».

(2) راجع مقدّمة «تهذيب الوصول»: 19، ط قم عام 1421 ه.

47

و غيابه عن المحوريّة للتدريس فيما بعد، لم يستتبعه هجران ما فيه من آراء و نظريات لمؤلّفه، بل بقيت آراء المحقّق الحلّي في اصول الفقه مطروحة على بساط البحث و التحقيق، و أقواله حيّة تخضع للمدارسة و التدقيق. فهذا الشيخ الأنصاري، مجدد علمي الفقه و اصوله عند الإمامية، و الذي قلب قواعد اصول الفقه و أركانه رأسا على عقب ليعيدها بهيكلية فنيّة منقّحة، و يقيمها على مبان علمية رصينة، و يصوغها بمنهجية جديدة متطوّرة؛ نراه لا يغفل آراء المحقّق و أقواله في هذه الحلبات، بل يتفطّن إلى دقائق عباراته، و يحلّ ألغاز أفكاره، و يتبنّاها رأيا له أحيانا، يدعمه بالبرهان الساطع و الدليل القاطع، كما في مسألة التفصيل في حجية الاستصحاب بين الشك في المقتضي و الرافع‏ (1).

هذا، على ما عليه الكتاب من الأهمية في كشفه عن المراحل التي مرّ بها علم اصول الفقه عند الشيعة الإمامية، و مجال معرفة تاريخ مفردات المباحث و المسائل المطروحة في هذا العلم، و تحديده لمعاني المصطلحات التي تعاقبت عليها الأدوار، كمصطلح الاجتهاد، الذي كان في كتابي «الذريعة» و «العدّة» ممقوتا يوصف بالبطلان، لما له من معنى في ذلك العصر يضعه في عرض أدلّة الاستنباط، و مستند الأحكام، ثمّ أصبح في عصر «المعارج» مقبولا، لا يتحاشاه الإمامية، و لا يبرءون منه، لما آل إليه من معنى «بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية من أدلّة الشرع» (2).

و بعد، ف «المعارج» متن اصولي متقن، مختصر، مقارن. احتوى على‏

____________

(1) فرائد الاصول: 3/ 50- 51 ط قم عام 1422 ه.

(2) راجع ص (253) من هذا الكتاب.

48

عصارة الأفكار الاصولية المعاصرة له، و لباب المطالب المهمّة، مع تهذيب المباحث، و تنقيح الأدلّة، و تبويب المسائل، بعيدا عن التكرار و الإطناب و بعثرة المطالب. ذلك ما ميّزه عن ذريعة علم الهدى و عدّة شيخ الطائفة، و أفرده عمّا أعقبهما من المصنّفات، فأصبح الكتاب الثالث للإمامية في اصول الفقه.

هل للمصنّف كتاب آخر في اصول الفقه؟

جاء في بعض كتب التراجم و المعاجم عنوان «نهج الوصول إلى معرفة علم الاصول» في عداد مؤلّفات المصنّف. و لكنّه وهم، نشأ من ورود هذا الاسم في إجازة الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني، نقلا عن الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد بن صالح السيبي القسيني، في إجازة للشيخ نجم الدين طمان بن أحمد العاملي الشامي. و قد اشتملت هذه الإجازة على حكاية امور مستبعدة، ذكرها السيد الخونساري‏ (1)، فلا يمكن الاعتماد عليها. على أنّه لم يعثر على أيّ نسخة من هذا الكتاب. و ما ادعي له من النسخ في الفهارس فهي نسخ «المعارج» التبس فيها الأمر على النسّاخ و المفهرسين. فلو كان للمصنّف كتاب كهذا لاشتهرت نسخه بين أهل العلم- لما لهم من إقبال على مؤلّفات المحقّق- و لعثر على بعضها. و ثالثا: إنّ للعلّامة الحلّي كتابا في اصول الفقه بهذا العنوان‏ (2)، و هذا ينفي وجود كتاب للمحقّق بهذا الاسم، فمن المستبعد جدّا أن يؤلّف العلّامة الحلّي- و هو مجمع الفضائل و الكمالات- كتابا يحمل اسم كتاب استاذه و خاله. هذا،

____________

(1) روضات الجنّات: 2/ 188- 189 ترجمة 170.

(2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 24/ 426، عن «الخلاصة».

49

و قد اعتبر البحّاثة الخبير العلّامة الطهراني أنّ هذا العنوان هو اسم آخر ل «المعارج» (1).

وفاته و مدفنه:

قال تلميذه ابن داود، في رجاله: «توفي في شهر ربيع الآخر سنة ستة و سبعين و ستمائة» (2). و نقل المحدّث البحراني عن «بعض الأجلّاء الأعلام من متأخّري المتأخّرين [أنّه‏] قال: رأيت بخطّ بعض الأفاضل ما صورة عبارته: في صبح يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر سنة 676 ه، سقط الشيخ الفقيه أبو القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الحلّي (رحمه اللّه) من أعلى درجة في داره، فخرّ ميتا لوقته من غير نطق و لا حركة، فتفجّع الناس لوفاته، و اجتمع لجنازته خلق كثير، و حمل إلى مشهد أمير المؤمنين (عليه السلام).

و سئل عن مولده، فقال: سنة 602 ه» (3).

قال الحجّة السيد محمد صادق بحر العلوم: «أي: مشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) المعروف ب (مشهد الشمس) بالحلّة. قال صاحب منتقى المقال:

«و قبره اليوم مزار معروف، و عليه قبّة، و له خدّام يتوارثون ذلك أبا عن جدّ.

و قد خربت عمارته منذ سنين فأمر الاستاذ العلّامة- دام علاه- بعض أهل الحلّة فعمروها. و قد تشرّفت بزيارته قبل ذلك و بعده». و يريد ب (الاستاذ العلّامة) الآغا محمّد باقر بن محمد أكمل البهبهاني المتوفى بكربلاء سنة 1206 ه. و ما زال قبر المحقّق الحلّي حتى اليوم في محلّة (الجباويين)

____________

(1) نفس المصدر: 24/ 193- 194، 426- 427.

(2) رجال ابن داود: 83 ترجمة 300.

(3) لؤلؤة البحرين: 231 ترجمة 83.

50

من الحلّة ماثلا للعيان، و عليه قبّة مجصّصة، يتبرّك الناس به خلفا عن سلف. و قد فتح أخيرا في المحلّة المذكورة- حيث محلّ قبره- شارع جديد يعرف باسم (شارع المحقّق) حتى اليوم. و عند ما فتح هذا الشارع تصدّى الوجيه الحاج عبد الرزاق مرجان لشراء قطعة مجاورة للمرقد، و بناها ملحقة به، و بنى عليه قبّة جميلة من الحجر الكاشاني، و كان ذلك سنة 1375 ه» (1).

رثاؤه:

قال الشيخ الحرّ العاملي‏ (2): و لمّا توفي رثاه جماعة. منهم الشيخ محفوظ بن وشاح، فمن قصيدته يرثيه قوله:

أقلقني الهمّ‏ (3) و فرط الأسى‏* * * و زاد في قلبي لهيب الضرام‏

لفقد بحر العلم و المرتضى‏* * * في القول و الفعل و فصل الخصام‏

أعني أبا القاسم شمس العلى‏* * * الماجد المقدام ليث الزحام‏

أزمّة الدين بتدبيره‏* * * منظومة أحسن بذاك النظام‏

شبّه به البازي في بحثه‏* * * و عنده الفاضل فرخ الحمام‏

قد أوضح الدين بتصنيفه‏* * * من بعد ما كان شديد الظلام‏

بعدك أضحى الناس في حيرة* * * عالمهم مشتبه بالعوام‏

لو لا الذي بيّن في كتبه‏* * * لأشرف الدين على الاصطلام‏

____________

(1) هامش «لؤلؤة البحرين»: 231- 232. و يراجع النصّ المنقول عن أبي علي الحائري صاحب: منتهى المقال: 2/ 240 ط قم عام 1416 ه.

(2) أمل الآمل: 2/ 51- 52 ترجمة 127.

(3) في نسخة: «أتلفني الدهر». و في: أعيان الشيعة: 6/ 35: «أقلقني الدهر».

51

قد قلت للقبر الذي ضمّه‏* * * كيف حويت البحر و البحر طام‏

عليك منّي ما حدا سائق‏* * * أو غرّد القمري ألفا سلام‏

*** و في الختام أذكّر بأنّ ما تقدّم عن حياة المصنّف ليس إلّا قبسة عجلان، و إلّا فإنّ الإلمام بشخصيته و أبعادها، و دراسة مصنّفاته المتعدّدة في مختلف العلوم و تقييمها، له مجال آخر. و إنّما أردنا السير على ما جرت به العادة من تصدير الكتب بلمحة عن حياة مؤلّفيها و مصنّفيها، لئلّا يدخل القارئ إلى الكتاب خالي الذهن عن شخصيّة صاحبه. و نستميح المصنّف و القراء العذر عن قصورنا و تقصيرنا في إعطاء المصنّف حقّه بهذه الترجمة اليسيرة.

النسخ الخطيّة المعتمدة في التحقيق:

اعتمدت في تحقيق الكتاب على النسخ الخطّية التالية:

1- نسخة محفوظة في مكتبة (ملك) في طهران- منضمّة إلى «المسلك في اصول الدين» للمصنّف، المحفوظ فيها في مجموعة برقم (1632)- و هي بخطّ محمد بن علي ... فرغ منها في شهر شوال سنة (674) ه.

أي: قبل وفاة المصنّف بأكثر من سنتين. و قوبلت على الأصل المأخوذة عنه في سنة 682 ه. و قد سقط ما يزيد على ثلثها الأوّل. و قد أشرنا في هامش ص (158) إلى موضع بدايتها. و رمزنا إليها في الهامش بالحرف (أ).

2- نسخة محفوظة فيها أيضا، بآخر المجموعة المذكورة. و هي نسخة نفيسة، جيدة، كاملة، مصححة، و عليها بعض الحواشي و التعليقات.

فرغ كاتبها منها في رجب سنة (707) ه. و لكنّه ختمها بتسمية الكتاب ب (نهج الوصول إلى علم الاصول). فرمزنا إليها في الهامش بالحرف الأوّل منه (ن) إلفاتا لذلك.

3- نسخة محفوظة برقم (9049) في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في‏

52

مشهد- إيران. و هي بخطّ علي بن أحمد النباطي. فرغ منها في العاشر من شهر صفر من سنة (1010) ه. و هي مقابلة بنسخة عليها خطّ المصنّف. و عليها تصحيحات، و بعض الحواشي. و رمزنا إليها في الهامش بالحرف (ب).

4- نسخة محفوظة برقم (2948) فيها أيضا، مجهولة الناسخ و التاريخ. رمزنا إليها في الهامش بالحرف (ج).

5- نسخة محفوظة برقم (6711) فيها أيضا. مجهولة الناسخ و التاريخ. و الورقة الأخيرة منها مكتوبة بخطّ يغاير خطّ ناسخها. رمزنا إليها في الهامش بالحرف (د).

6- نسخة محفوظة برقم (2013) في مكتبة المدرسة الفيضية بقم- إيران. ناسخها أبو القاسم بن أحمد الحسيني، فرغ منها بأصبهان في العاشر من جمادى الثانية عام (1243) ه. رمزنا إليها في الهامش بالحرف (ه).

كما قابلنا على النسخة المطبوعة حجريا في طهران عام 1310 ه.

منهج التحقيق:

1- قابلت النسخ بعضها ببعض، و اتبعت طريقة التلفيق بينها في اختيار النصّ المثبت في المتن، فعند اختلاف النسخ أثبتّ الصواب أو الأصوب في المتن، و أوردت في الهامش ما في النسخ الاخرى. كما أشرت في الهامش إلى اختلاف النسخ في الزيادة و النقيصة.

2- أهملت ذكر ما اختلفت فيه النسخ تذكيرا و تأنيثا، و ما احتوته من أخطاء لغوية و إعرابية و إملائية، فأوردت النص على وفق القواعد الأدبية.

كما أهملت الإشارة إلى ما اختلفت فيه النسخ في إيراد كلمة (تعالى) و (سبحانه) بعد ذكر لفظ الجلالة، و اختلافها في ((صلّى اللّه عليه و آله)) و ((عليه السلام)) بعد ذكر النبي، و اختلافها في الترضّي و الترحّم بعد ذكر بعض العلماء كالسيد المرتضى و غيره، فأثبتّ في المتن ما ورد في أكثر النسخ و لم اشر في الهامش إلى اختلافها في مثل هذه الموارد.

53

3- قمت بتقطيع النصّ، و وضع علامات الترقيم، وفقا لما تمليه مادة البحث، كيلا يجد المراجع مشقة عند مطالعة الكتاب و مراجعته، و العثور على مورد بحثه. و وضعت العناوين على حدة بحروف متميّزة، و وضعت على رأس سطر العبارات التي يبدأ بها البحث عن مسألة جديدة، أو يبدأ بها الاستدلال، و ما أشبه ذلك.

4- تخريج الآيات القرآنية. و أثبتّ في الهامش رقمها و اسم السورة التي وردت فيها.

5- تخريج الأحاديث الشريفة على كتاب (جامع الاصول) لابن الأثير، فقد احتوى غالب ما ورد في كتابنا من أحاديث، فهو كتاب يجمع الاصول. و أثبتّ في الهامش موضع وجود الحديث، كما أشرت إلى اختلاف لفظ الحديث إن وجد. و يلاحظ أنّ الأحاديث التي وردت في كتابنا هي التي تداولتها معظم كتب الاصول المتقدّمة التصنيف على زمان المصنّف، فقد وردت في تلك الكتب إمّا للتمثيل بها، أو للاستدلال، أو لكون مدلولها هو محلّ البحث و هو موضوع المسألة، كما يجد القارئ ذلك في بحث (المجمل). و هناك عدّة قليلة من الأحاديث لم أعثر عليها في (جامع الاصول) استخرجتها من مصادر حديثية اخرى، كما سيلاحظه القارئ.

6- تخريج النصوص و العبارات المنقولة عن الكتب الاصولية و غيرها، و مقابلتها بما جاء في تلك الكتب، و الإشارة إلى الاختلاف إن وجد، و الإشارة إلى موضع وجودها في المصدر المنقول عنه.

7- تخريج الآراء و الأدلة المنسوبة إلى العلماء. فقد قمت بالبحث عن الآراء و الأدلّة و استخراجها، إمّا من كتب أصحابها إن كان لصاحب القول أو الدليل كتاب في متناول اليد، و إمّا من الكتب الاصولية الناقلة لها ممّا هي‏

54

متقدّمة زمانا على المصنّف. فإذا نقل المصنّف قولا أو استدلالا للجبّائي مثلا فإنّي اشير في الهامش إلى المصنّفات الاصولية، السابقة على زمان المصنّف، الناقلة له. و ربّما أوردت في الهامش عددا كثيرا من المصادر، و ذلك لاحتمال أن يكون كل منها هو المصدر الذي اعتمده المصنّف في نقل ذلك القول أو الدليل، مرتّبا لها عند ذكرها بحسب تاريخ وفاة أصحابها و طبقاتهم.

8- نسبة الأقوال و الأدلّة لأصحابها. فإنّا نجد المصنّف أحيانا يذكر رأيا أو دليلا دون تعيين القائل، و إنّما يذكره بعنوان (قيل)، و يذكر الدليل بعنوان (احتجوا). و قد بحثت في كتب الاصول عنها فإن وجدت القائل و المستدل ذكرته، و إلّا أشرت في الهامش إلى موضع وجود تلك الأقوال و الأدلّة فيها.

9- أثبتّ في آخر الكتاب أسماء المصادر التي رجعت إليها في التحقيق، لإيضاح تفاصيل الطبعات التي اعتمدت عليها و تعيين النسخة من كل كتاب رجعت إليه، نظرا لتعدد طبعات الكتاب الواحد.

و الحمد للّه أولا و آخرا، و ظاهرا و باطنا.

بقلم‏

محمد حسين ابن المرحوم العلّامة السيد علي نقي نجل الحجّة العلم صاحب الكرامات المشهورة آية اللّه المقدّس الحاج السيد مرتضى الرضوي الكشميري.

قم المقدّسة/ ليلة عيد الغدير من سنة 1423 ه.