معتمد الأصول‏ / تقريرات - ج1

- الشيخ محمد الفاضل اللنكراني المزيد...
529 /
3

[الجزء الاول‏]

تقرير ابحاث الاستاذ الاعظم و العلامة الافخم‏

آية اللَّه العظمى السيد روح اللَّه موسوى‏

الامام الخمينى (قدس سره‏)

تأليف‏

آية اللَّه الحجة الشيخ محمد الفاضل اللنكراني‏

مؤسسة تنظيم و نشر آثار الامام الخمينى (قدس سره‏)

4

مقدّمة التحقيق‏

مقدّمة التحقيق‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للَّه ربّ العالمين، و الصلاة و السّلام على أشرف الأنبياء و المرسلين محمّد و على آله الطيّبين الطاهرين، و اللعن المؤبّد على أعدائهم أجمعين.

لم يعد خافياً على أحد ما لعلم الفقه من أهمّية عظمى و دخالة مباشرة في الحياة العملية للفرد المسلم، و في برمجة مواقفه الفردية و الاجتماعية، ف «ما من واقعة إلّا و لله سبحانه فيها حكم»

«و لم يدع شيئاً تحتاج إليه الامّة إلّا أنزله في كتابه و بيّنه لرسوله»

. فلا غرو إن توسّع هذا العلم، و كثرت مطالبه، و تطوّرت أبحاثه بنحو تنسجم و معطيات الواقع المعاصر؛ ذلك أنّ الاجتهاد لم يؤصد بابه عند معاشر الإمامية- كثّرهم اللَّه- و لم يبقَ حِكراً على طائفة من الفقهاء المتقدّمين، فكم ترك الأوائل للأواخر! و لهذا بلغ الفقه الإمامي الذروة من حيث الدقّة و التحقيق و السعة و الشمولية.

و يبدو هذا واضحاً جلياً بمقايسة علم الفقه بسائر العلوم الإسلامية التي‏

5

ولدت معه، كالنحو و الصرف و غيرهما، فبينما لزمت أمثال هذه العلوم سمة الجمود و التحجّر، نجد علم الفقه بديعاً في مسالكه، قشيباً في أدلّته، و ما من يوم يمضي إلّا و يزداد حداثة و غضارة، و ذلك بفتح باب الاجتهاد و الاستنباط عندنا.

هذا، و ترتكز عملية الاستنباط من الكتاب و السنّة على مقدّمات عديدة و كثيرة، كعلم الاصول و الرجال و المنطق و اللغة ... حيث يقوم كلّ منها بدوره في الاستنباط، إلّا أنّ لعلم الاصول عنصر الصدارة من بينها، بل لولاه لما تمكّن الفقيه من الاستدلال، و لهذا أولاه علماؤنا عناية فائقة من بين سائر المقدّمات الدخيلة في الاستنباط، باذلين في تحقيقه جهوداً خلّاقة و أوقاتٍ شريفة.

و قد تمخّضت هذه الجهود عن علم يفوق جميع العلوم العقلية و النقلية في شموليته و استيعابه، و صلابته و استحكامه، و عذوبته و استرساله، و توسّع توسّعاً كبيراً على يد المبتكرين و المفكّرين من علمائه الذين أفردوا له دوائر عديدة و موسوعاتٍ كبيرة.

و من جانب آخر فقد بعدت أفكاره عن المنال، و عزّت عرائس أفكاره على عقول الرجال؛ نتيجةً لممارسة العباقرة لهذا العلم و مدارستهم له، فكان من الطبيعي أن يظهر على الجانب المعاكس تيّاران:

أحدهما: يهدف إلى تقليص هذا العلم و تلخيصه، و حذف زوائده و فضوله، و يعدّ المحقّق صاحب «الكفاية» رحمه الله المؤسّس لهذا التيّار. إلّا أنّه- و للأسف- راح الوضوح و البيان ضحيةَ التلخيص، و تعقّدت «الكفاية» و صعب فهمها، و نشأ عن هذا الكثير من الشروح و الحواشي التي لا تعبّر إلّا عن رأي مؤلّفيها في غالب الأحيان، و التي يقرنها أربابها بقولهم: «لعلّ مراده قدس سره كذا» أو «يحتمل كذا» و لو علم المحقّق الخراساني رحمه الله بالسلسلة الطويلة من الشروح التي أحدثتها

6

و تحدثها «كفايته» و علم بما سيعانيه دارسوها و مدرّسوها، لما اختصرها و لا اختزلها، و لكتبها موسّعة مسهبة، كاشفاً عن قناعها؛ فإنّ طلسمة كتاب دراسي أمر مرغوب عنه عند مربّي الأجيال.

و ثانيهما: التيّار الداعي إلى الحدّ من وضع المصطلحات الجديدة، و إلى بيان جميع المقدّمات الدخيلة في فهم المطالب الاصولية. و هذا لا يعني الدعوة إلى الإطناب المملّ و لا الإيجاز المخلّ، كما هو واضح. و تعدّ مدرسة المحقّق النائيني رحمه الله خير مثال لهذا التيّار البليغ؛ حيث تظهر روح مطالبها مجسّدة بقالب من الألفاظ الفصيحة البليغة.

و مع كلّ المزايا التي تجلّت في مدرستي العلّامتين الخراساني و النائيني رحمهما الله فقد انطوتا في بعض مواضعهما على الخلط بين التكوين و التشريع، و الوحدة الحقيقية و الوحدة الاعتبارية، و على عدم الوصول إلى‏ مغزى بعض المسائل الفلسفية التي جعلت أساساً للمسألة الاصولية، فجاء الدور لمدرسة السيّد الإمام الخميني- أعلى اللَّه مقامه الشريف- ليضع حدّاً فاصلًا بين الحقيقة و الاعتبار في المسائل الاصولية، ففيها ما يحكّم فيه العرف الساذج و إن خالف الدقّة العقلية و البراهين الفلسفية، و فيها ما يرجع فيه إلى المباني الفلسفية و الحكمة المتعالية، فالإفراط و التفريط في الاتكاء على علم المعقول، كلاهما على جانب كبير من الخطأ.

و نظراً لرسوخ الإمام العلّامة في الحكمة و إحاطته ببواطن امورها و خفيّات مسائلها، لذا أبان الكثير منها عند مساس الحاجة إليها، ففي مبحث تعلّق الأوامر بالطبائع أو الأفراد لم يوافق المحقّق الخراساني على التمسّك بقاعدة «الماهية من حيث هي ليست إلّا هي» مشيراً إلى أنّ منظور الحكماء بهذه‏

7

القضية هو الحمل الأوّلي الذاتي، لا الشائع الصناعي الذي هو مقصود الاصولي.

كما لم يسلّم ما هو المعروف بين الفلاسفة و الاصوليّين من اعتبارية تقسيم الماهية و الأجناس و الفصول، ذاهباً إلى‏ أنّ تقسيم الماهية إلى‏ أقسامها الثلاثة إنّما يكون بلحاظ الواقع و نفس الأمر؛ إذ مجرّد اعتبار شي‏ء لا بشرط، لا يوجب انقلاب الواقع و صيرورة الشي‏ء قابلًا للاتحاد و الحمل، كما أنّ اعتباره بشرط لا، لا يحدث المغايرة و لا يمنع الحمل، و إلّا لاختلف الواقع بحسب الاعتبار، و لصارت ماهية واحدة متحدة مع شي‏ء و غير متحدة معه بعينه، و هو واضح البطلان، و على ضوء هذه الدقة بحث عن المراد من المادّة و الصورة و الفرق بينهما و بين الجنس و الفصل و أبدى الخلط الواقع في كلام الحكماء في المسألة.

و من المسائل التي برع في تحقيقها تحقيقاً حكمياً المسألة المعروفة التي شغلت بال الفلاسفة و الاصوليين؛ أعني مسألة الطلب و الإرادة، حيث أفرد لها رسا مستقلّة، و أفرغ فيها من ذوقه المتألّه ما يعجز عن نيله أكابر الفلاسفة و الحكماء و «ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ»* و قد قامت المؤسّسة بتحقيقها، و سيتمّ طبعها في القريب العاجل إن شاء اللَّه تعالى.

و هناك شواهد اخرى كثيرة لم يسعنا استقصاؤها في هذه العجالة، يظهر منها أنّ الإمام الخالد رحمه الله قد أرسى قواعد مدرسته الاصولية على ركائز من الحكمة المتعالية، فلئن عبثت يد الطاغوت بتراث الإمام الفلسفي، و لم ينجُ منها إلّا النزر اليسير، ففي أبحاثه الاصولية معا لم لمدرسته الفلسفية، و فيها ضالّة الفيلسوف و بغية العارف.

هذا، و المدرسة الخمينية شجرة طيّبة؛ آتت اكلها كلّ حين بإذن ربّها، و تخرّج منها الكثير من العلماء و المحقّقين و مراجع الدين العاملين- أيّدهم اللَّه‏

8

تعالى- نخصّ منهم بالذكر هنا: آية اللَّه العظمى المحقّق المجاهد الشيخ الفاضل اللنكراني- أدام اللَّه أيّام عوائده- حيث لازم الإمام الراحل- طاب ثراه- سنوات عديدة، و نهل من معينه العذب فقهاً و اصولًا، و كتب الكثير من الأبحاث الراقية التي أفاضها الإمام العظيم رحمه الله أثناء إقامته بمدينة قم المشرّفة، فجاءت تقريراته آية في وضوحها و سلاستها، و مثالًا في تجرّدها من الزوائد و الفضول، لذا آثرت مؤسّسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني قدس سره نشر ما التقطه دام ظلّه من لآلئ بحث استاذه رحمه الله في الاصول، رغم عدم تماميته أوّلًا و آخراً؛ لما رأته من المزية التي تفرّد بها سماحة العلّامة الحجّة الفاضل حفظه اللَّه سائلةً لجنابه دوام الصحّة و العمر المديد؛ إنّه سميع مجيب.

مؤسّسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره‏)

فرع قم المقدّسة

9

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

10

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للَّه ربّ العالمين، و الصلاة و السّلام على خير خلقه محمّد و على آله الطيّبين الطاهرين، و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين إلى‏ يوم الدين‏

11

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

12

المقصد الأوّل في الأوامر

و فيه فصول:

13

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

14

مقدّمة الواجب‏

الفصل الرابع في مقدّمة الواجب‏

و البحث حول هذه المسألة يستدعي تقديم امور:

الأمر الأوّل في تحرير محل النزاع‏

و قبل الخوض في تحرير محلّ النزاع و إقامة الدليل نمهِّد مقدّمةً، و هي:

أنّه لا إشكال في أنّه إذا أراد الإنسان شيئاً له مقدّمة أو مقدّمات فلا محالة تتعلّق إرادة اخرى‏ بإتيان المقدّمات، و هذه الإرادة المتعلّقة بالمقدّمات ليست مترشّحةً من الإرادة المتعلّقة بإتيان ذي المقدّمة بمعنى‏ أنّه كما تكون الإرادة علّةً فاعليّة لتحقّق المراد في الخارج كذلك تكون موجدةً لإرادة اخرى‏ مثلها متعلّقة بمقدّمات المراد الأوّلي، بل كما أنّ الإرادة المتعلّقة بالغرض الأقصى و المطلوب الأوّلي- كلقاء الصديق مثلًا- مخلوقة للنفس و متحقّقة بفعّاليتها كذلك الإرادة المتعلّقة بالمقدّمات- كالذهاب إلى‏ داره مثلًا- موجدة بفاعلية النفس، غاية الأمر أنّ الاشتياق الحاصل بالمراد إنّما هو متعلّق بنفس المراد فيما

15

لو كان هو الغرض الأقصى و المطلوب الأصلي و متعلّق بما يكون المراد من شرائط وجود شي‏ء آخر فيما لم يكن المراد هو المنظور إليه بالذات.

و بالجملة فالفائدة المترتّبة على المراد، التي هي من شرائط تحقّق الإرادة إنّما هي مترتّبة على نفس المراد في الصورة الاولى، و مترتّبة على شي‏ء آخر يكون المراد دخيلًا في تحقّقه في الإرادة المتعلّقة بالمقدّمات.

هذا فيما لو كان الغرض الإتيان بالفعل بنفسه، و أمّا لو كان المقصود إتيان العبد به بتوسيط الأمر فهنا شيئان: البعث و التحريك الصادر من المولى بسبب الأمر و الإرادة المتعلّقة بهذا البعث.

إذا عرفت ما ذكرنا، فنقول: لا يخفى‏ أنّ ما ذكره المحقّقين من الاصوليّين من أنّ النزاع في باب المقدّمة إنّما هو في الملازمة لا في وجوبها لتكون المسألة فقهيّةً (1) يحتمل أن يكون المراد بها الملازمة بين البعث الفعلي المتعلّق بذي المقدّمة و بين البعث الفعلي نحو المقدّمة، و أن يكون المراد الملازمة بينه و بين البعث التقديري نحو المقدّمة بمعنى‏ أنّ المقدّمة يتعلّق بها البعث في الاستقبال لا محالة و إن لم يتعلّق بها فعلًا، و أن يكون المراد الملازمة بين الإرادة الحتميّة الفعليّة المتعلّقة بالبعث إلى‏ ذي المقدّمة و بين الإرادة الفعليّة المتعلّقة بالبعث إلى المقدّمة، و أن يكون المراد الملازمة بينها و بين الإرادة التقديرية المتعلّقة بالبعث إلى المقدّمة.

و كلٌّ من هذه الاحتمالات المتصوّرة ممّا لا يمكن أن يكون محلّا للنزاع و مورداً للنقض و الإبرام.

____________

(1)- مطارح الأنظار: 37/ السطر 6، كفاية الاصول: 114، فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 216، نهاية الأفكار 1: 259.

16

أمّا الأوّل: فلأنّه من الواضح عدم كون كثير من المقدّمات بل جميعها مبعوثاً إليها بمجرّد البعث إلى‏ ذي المقدّمة.

و أمّا الثاني: فلأنّه لا معنى‏- بناءً عليه- للقول بالملازمة؛ إذ لا يعقل تحقّق الملازمة الفعليّة بين المتلازمين اللّذين أحدهما موجود بالفعل و الآخر موجود بالتقدير بمعنى‏ أنّه لم يوجد بعدُ و سيوجد في الاستقبال؛ إذ الملازمة من قبيل الابوّة و البنوّة، فكما أنّه لا يعقل تحقّق الابوّة للشخص الذي يصير ذا ولد في الاستقبال للتضايف الحاصل بينها و بين البنوّة، و من شأن المتضايفين عدم إمكان الانفكاك بينهما في الوجود الخارجي بل الوجود الذهني، كذلك تحقّق الملازمة الفعلية و ثبوتها بين الشيئين متوقّف على تحقّقهما في الخارج و ثبوتهما بالفعل، و هذا واضح جدّاً.

و أمّا الثالث: فلأنّه كثيراً ما يكون جميع المقدّمات أو بعضها مغفولًا عنها، و حينئذٍ فلا يمكن تعلّق الإرادة بالبعث إليها؛ إذْ لا يعقل أن يكون المراد مغفولًا عنه.

و قد عرفت بما مهّدناه لك: أنّ الإرادة المتعلّقة بالمقدّمات إنّما تتحقّق بفعّالية النفس، و ليست مترشّحةً و موجدةً بالإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة، فراجع، و حينئذٍ فلا يعقل أن يكون الشي‏ء متّصفاً بأنّه مراد مع كونه مغفولًا عنه بالنسبة إلى المريد، كيف و من مقدّمات الإرادة تصوّر الشي‏ء و التصديق بفائدته و الاشتياق إليه، و لا يمكن اجتماع هذه مع الغفلة أصلًا، كما هو واضح لا يخفى‏.

و أمّا الرابع: فلما ذكر في الاحتمال الثاني من أنّه يستحيل تحقّق الملازمة بين الموجود بالفعل و الموجود بالتقدير.

فانقدح بما ذكرنا: أنّ جعل النزاع في الملازمة بالوجوه المذكورة ممّا لا وجه له؛ إذ لا يمكن أن يكون ذلك محلّ النزاع، كما عرفت.

17

و التحقيق أن يقال: إنّ محلّ الكلام و مورد النقض و الإبرام هي الملازمة بين الإرادة الفعلية المتعلّقة بذي المقدّمة و بين الإرادة الفعلية المتعلّقة بما يراه المريد مقدّمة.

توضيح ذلك: أنّه لا شبهة في أنّ الإرادة قد تتعلّق بما لا يترتّب عليه فائدة بل ربّما يرجع بسببه ضرر إلى الفاعل المريد، و ليس ذلك إلّا لكون المريد معتقداً بترتّب فائدة عليه، كما أنّه قد يأبى عن الإتيان بفعل بتخيّل أن المترتّب عليه ضرر راجع إليه مع كونه في الواقع ذا نفع عائد إليه.

و بالجملة فالإنسان ربّما يشتاق إلى‏ فعل؛ لتخيّله أنّه ذو نفع فيريده، و ربّما ينزجر عن فعل آخر؛ لتوهّمه أنّه بلا نفع، فينصرف عنه، مع أنّ الأمر في الواقع بالعكس، فليس تحقّق الإرادة متوقّفاً على النفع الواقعي، و عدمها على عدمه.

هذا في الإرادة المتعلّقة بنفس الفعل، و أمّا الإرادة المتعلّقة بالمقدّمات فهي أيضاً كذلك بمعنى‏ أنّه قد يتخيّل المريد بأنّ مراده متوقّف على شي‏ء فيريده مع أنّه لم يكن من شرائط وجوده في الواقع، كما أنّه ربّما لا يريد المقدّمات الواقعية؛ لتوهّمه أنّها لا تكون مقدّمات.

هذا في إرادة الفاعل، و أمّا الآمر: فإذا أمر بشي‏ء له مقدّمات، فالنزاع واقع في تحقّق الملازمة بين الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة و بين الإرادة المتعلّقة بما يراه مقدّمة لا المقدّمات الواقعية.

نعم لو أخطأ في تشخيص المقدّمات، فيجب على العبد تحصيل المقدّمات الواقعية مع علمه بخطإ المولى لا من باب تعلّق إرادة المولى بالمقدّمات الواقعية، كيف و هي غير متوجهة إليها، فلا يمكن أن تصير مرادةً، بل من باب وجوب تحصيل غرض المولى مع الاطّلاع عليه و إن لم يتعلّق به أمر أصلًا.

18

هذا، و حيث إنّ العمدة في مورد البحث هي المقدّمات الشرعية، و من المعلوم أنّ ما يراه الشارع مقدّمة ليس متخلّفاً عن الواقع، فيصحّ النزاع في الملازمة بين الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة و بين الإرادة المتعلّقة بالمقدّمات الواقعية.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في تحرير محلّ النزاع.

الأمر الثاني هل مسألة مقدّمة الواجب من المسائل الاصوليّة؟

ثمّ إنّه يقع الكلام بعد ذلك في أنّ المسألة اصولية أو من المبادئ الأحكامية أو فقهيّة.

و لا يخفى أنّه إن قلنا بأنّ المسائل الاصولية هي ما يبحث فيها عن عوارض الحجّة في الفقه بناءً على أنّ الموضوع لعلم الاصول هي الحجّة في الفقه‏ (1)، فلا يكون النزاع في باب المقدّمة الراجع إلى النزاع في ثبوت الملازمة و عدمها نزاعاً في المسألة الاصولية؛ إذ لا يبحث فيها عمّا يعرض الحجّة في الفقه، و هذا واضح.

و إن قلنا بأنّ مسائل علم الاصول عبارة عن القواعد التي يمكن أن تقع كبرى‏ لقياس الاستنباط أو التي ينتهي إليها في مقام العمل بعد عدم الدليل- كما هو المختار المحقَّق في موضعه‏ (2)- فمن الواضح أنّ المقام من المسائل الاصولية، كما لا يخفى‏.

____________

(1)- نهاية الاصول: 15.

(2)- مناهج الوصول 1: 51- 54.

19

هل المسألة عقلية أو لفظية؟

ثمّ إنّه بعد الفراغ عن كونها مسألة اصولية يقع الكلام في أنّها اصولية عقلية أو لفظية؟

و التحقيق أن يقال بابتناء ذلك على كون الدلالة الالتزامية من الدلالات اللفظية، نظير المطابقة و التضمّن، و عدمه، كما هو الحقّ، فإن قلنا بالأوّل، تكون مسألة اصولية لفظية، و لعلّه الوجه في ذكر المسألة في مباحث الألفاظ.

و إن قلنا بالثاني، تكون عقليةً و يمكن أن يقال بكون المقام مسألة اصولية عقلية و إن قلنا بكون الدلالة الالتزامية من الدلالات اللفظية.

توضيحه: أنّ عدّ الدلالة الالتزامية من الدلالات اللفظية إنّما هو فيما إذا كان الملزوم هو المدلول المطابقي للّفظ، فهو يدلّ أوّلًا عليه، و بتوسيطه يدلّ على المعنى اللازم لمدلوله المطابقي، و هنا ليس كذلك؛ لأنّ النزاع في ثبوت الملازمة بين الإرادة المتعلّقة بالبعث إلى‏ ذي المقدّمة و بين الإرادة المتعلّقة بالبعث إلى المقدّمة، فالتلازم على فرض ثبوته إنّما هو بين الإرادتين، و من المعلوم أنّه لا تكون إحداهما مدلولًا مطابقيّاً للّفظ حتى يدلّ اللّفظ بتوسيطه على الآخر، بل مفاد اللّفظ هو البعث المتعلّق بذي المقدّمة، و هو و إن كان كاشفاً عن ثبوت الإرادة القبلية إلّا أنّ ذلك ليس من باب الدلالة اللفظية عليه، بل من باب أنّ الفعل الاختياري كاشف عن ثبوت الإرادة المتعلّقة به قبله.

و بالجملة: فلم يكن أحد المتلازمين مدلولًا مطابقياً للّفظ أصلًا، بل كلاهما خارجان عن معناه الموضوع له، و حينئذٍ فليس إلى ادّعاء الدلالة اللفظية في المقام سبيل أصلًا، كما هو واضح لا يخفى‏.

20

الأمر الثالث في تقسيمات المقدّمة

ثمّ إنّه ربّما تقسّم المقدّمة بتقسيمات لا بدّ من ذكرها و بيان أنّ أيّ قسم منها داخل في محلّ البحث و مورد النزاع.

تقسيم المقدّمة إلى الخارجيّة و الداخليّة

فنقول: من التقسيمات تقسيمها إلى الخارجية و الداخلية، و المراد بالأوّل هي الامور الخارجة عن حقيقة المأمور به التي لا يكاد يمكن تحقّقه بدون واحد منها، و بالثاني هي الامور التي يتركّب منها المأمور به، و لها مدخلية في حقيقته.

لا إشكال في كون المقدّمات الخارجية داخلة في مورد البحث، و إنّما الكلام في المقدّمات الداخلية، و أنّها هل تكون داخلةً في محلّ النزاع أم لا؟

قد يقال باختصاص البحث بخصوص المقدّمات الخارجية؛ لأنّ الأجزاء لا تكون سابقةً على الكلّ و مقدّمةً عليه؛ لأنّ الكلّ ليس إلّا نفس الأجزاء بالأسر (1)

. و قد ذكر بعض الأعاظم في دفع الإشكال أنّ المقدّمة عبارة عن نفس الأجزاء بالأسر، و المركّب عبارة عن تلك الأجزاء بشرط الانضمام و الاجتماع، فتحصل المغايرة بينهما (2).

____________

(1)- انظر هداية المسترشدين: 216/ السطر 6.

(2)- كفاية الاصول: 115.

21

هذا، و لا يخفى أنّ هذا الكلام لا يدفع به الإشكال؛ لأنّ مجرّد المغايرة الاعتبارية بينهما الراجعة إلى أنّ في الواقع لا يكون إلّا أمر واحد و شي‏ء فارد لا يصحّح عنوان المقدّمية المتوقّف على أن يكون هنا شي‏ء متقدّم في الوجود على ذيها و سابق عليها؛ إذ لا يعقل أن يتقدّم شي‏ء واحد على نفسه، و هذا واضح.

و تحقيق المقام أن يقال: إنّ المركّبات على قسمين:

الأوّل: المركّبات الحقيقية.

الثاني: المركّبات غير الحقيقية.

و المراد بالأوّل هي المركّبات من الجنس و الفصل و المادّة و الصورة.

و لا يخفى أنّ هذا القسم خارج عن محلّ البحث بالاتّفاق؛ لأنّ الجنس و الفصل من الأجزاء التحليلية العقلية و لا وجود لها في الخارج، و الصورة و المادّة و إن كانتا موجودتين في الخارج إلّا أنّه لا امتياز بينهما و بين المركّب منهما ليتوقّف عليهما، و هذا واضح.

و المراد بالقسم الثاني هو المركّب من الأشياء المتخالفة الحقائق و الامور المتباينة، و هو على قسمين:

الأوّل: المركّبات الصناعية، و هي المركّب من الامور المتعدّدة بحيث يكون لذلك المركّب عنوان واحد من دون توقّف على أن تكون وحدتها معتبرةً باعتبار معتبر، و هذا كالمسجد و الدار و البيت و السرير و أمثالها.

و الثاني: المركّبات الاعتبارية، و هي المركّب من الامور المتعدّدة الملحوظة بنظر الوحدة لأجل مدخليتها بتمامها في حصول غرض واحد، و ترتّب مصلحة واحدة عليها، و هذا كأكثر المركّبات.

و هذان القسمان قد وقعا محلّ الخلاف في أنّه هل يكونان داخلين في مورد النزاع أم لا.

22

إذا عرفت ما ذكرنا، فنقول: إذا أراد الفاعل بناء مسجد مثلًا، فلا إشكال في أنّه يتصوّره و ما يترتّب عليه من الفوائد ثمّ يشتاق إليه ثمّ يُريده، و ربّما لا يتوجّه إلى أجزاء المسجد في مقام تعلّق الإرادة ببنائه أصلًا، بل تكون كلّها مغفولًا عنها.

ثمّ إذا شرع في العمل و رأى أنّ تحقّق المسجد يتوقّف على امور متعدّدة، فلا محالة يريد كلّ واحد منها؛ لتوقّف حصول الغرض الأقصى عليه.

غاية الأمر أنّ الإرادة المتعلّقة بها ليست لأجل نفسها، بل لحصول غيرها، لا أن تكون تلك الإرادة مترشّحةً عن الإرادة المتعلّقة ببناء المسجد و مسبّبةً عنها، كما عرفت في صدر المبحث، و قد حقّق في محلّه أنّ تعيّن الإرادة و تشخّصها إنّما هو بالمراد بمعنى‏ أنّه لا يمكن تحقّقها بدون المراد، كما يشهد به الوجدان، و يدلّ عليه البرهان‏ (1). و كذلك لا يمكن تعلّق إرادة واحدة بمرادات متعدّدة، بل كلّ مراد يحتاج إلى إرادة مستقلّة، و حينئذٍ فالإرادة المتعلّقة ببناء المسجد ليست هي الإرادة المتعلّقة بالمقدّمات، و إلّا لزم تعدّد المراد مع إرادة واحدة.

و بالجملة: فالمسجد عنوان واحد قد تتعلّق به الإرادة لما يترتّب عليه من الفوائد، و في هذه الإرادة لا مدخلية للأجزاء أصلًا بمعنى‏ أنّه لو سُئل المريد عن الاشتياق بالمقدّمات لأجاب بنفيه، و عدم كونها مرادةً أصلًا، ثمّ بعد علمه بتوقّفه عليها يريدها بالإرادة الغيرية؛ إذ من المعلوم أنّ كلّ واحد من المقدّمات يغاير المراد الأوّلي، فكما أنّ كلّ واحد من المقدّمات الخارجية يصير مرادةً بالإرادة الغيرية فكذلك المقدّمات الداخلية بلا فرق بينهما أصلًا.

____________

(1)- الحكمة المتعالية 6: 323.

23

و ما يظهر من بعض الكلمات من أنّ المقدّمة هي الأجزاء بالأسر (1) إن اريد بالمجموعية عموم الأجزاء بالعموم الاستغراقي الراجع إلى‏ أنّ المقدّمة هي كلّ واحد من الأجزاء مستقلًاّ، فنحن لا نمنعه، و لكن هذا لا يوجب الفرق بينها و بين المقدّمات الخارجية أصلًا، كما هو واضح.

و إن اريد بها عموم الأجزاء بالعموم المجموعي الراجع إلى أنّ المجموع مقدّمة، فيرد عليه: أنّ الوجدان شاهد على خلافه؛ لعدم تحقّق ملاك المقدّمية- و هو التوقّف- إلّا في كلّ واحد من الأجزاء.

هذا، مضافاً إلى‏ أنّ الأجزاء بالأسر هو المركّب لا المقدّمات.

ثمّ بما ذكرنا ظهر أمران:

الأوّل: تحقّق ملاك المقدّمية في الأجزاء.

الثاني: كونها داخلةً في محلّ النزاع؛ لعدم لزوم اجتماع المثلين بعد فرض أنّ متعلّق الإرادة النفسية هي عنوان المسجد مثلًا، و متعلّق الإرادة الغيرية هي كلّ واحد من الأجزاء.

ثمّ إنّا جعلنا المثال في إرادة الفاعل و في القسم الأوّل من المركّبات، و عليك مقايسة إرادة الآمر بإرادة الفاعل و القسم الثاني بالأوّل.

دفعُ وَهم: في أنحاء الوحدة الاعتباريّة

ثمّ إنّه ذكر المحقّق العراقي- على ما في التقريرات المنسوبة إليه- أنّ الوحدة الاعتبارية يمكن أن تكون في الرتبة السابقة على الأمر بأن يعتبر عدّة امور متباينة شيئاً واحداً بلحاظ مدخليتها في حصول غرض واحد، و يمكن أن‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 115.

24

تكون في الرتبة المتأخّرة بحيث تنتزع من نفس الأمر بلحاظ تعلّقه بعدّة امور، فيكون تعلّقه بها منشأً لانتزاع الوحدة لها الملازمة لاتّصافها بعنواني الكلّ و الأجزاء.

ثمّ ذكر بعد ذلك أنّ الوحدة بالمعنى الثاني لا يعقل أن تكون سبباً لترشّح الوجوب من الكلّ إلى الأجزاء بملاك المقدّمية؛ لأنّ الجزئية و الكلّية الملزومة لهذه الوحدة ناشئة من الأمر على الفرض، فتكون المقدّميّة في رتبة متأخّرة عن تعلّق الأمر بالكلّ، و معه لا يعقل ترشّحه على الأجزاء؛ لأنّ الأمر الغيري إنّما يتعلّق بما يكون مقدّمةً مع الغضّ عن تحقّق الأمر، و لا يمكن تعلّقه بما لا يكون مقدّمةً في رتبة سابقة على الأمر، فالنزاع في تعلّق الوجوب الغيري ينحصر بالقسم الأوّل‏ (1). انتهى.

و لا يخفى أنّ في كلامه قدس سره خلطاً من وجهين:

الأوّل: أنّ جعل أشياء متعدّدةٍ متعلّقةً لأمر واحد لا يمكن إلّا بعد كون المصلحة قائمةً بهيئته الاجتماعية، و إلّا فمع كون كلّ واحد منها ذا مصلحة مستقلّة موجبة لتعلّق إرادة مستقلّة بها لا يمكن اجتماعها في متعلّق أمر واحد.

و بالجملة فتعلّق الأمر بالأشياء المتعدّدة متوقّف على تصوّرها بالنحو الذي يترتّب المصلحة عليها، و ذلك النحو ليس إلّا اجتماع كلّ مع الآخر، فالاجتماع ملحوظ لا محالة قبل تعلّق الأمر؛ إذ المصلحة المنظورة إنّما يترتّب عليها مع هذا الوصف، و لا نعني بالوحدة إلّا لحاظ الأشياء المتغائرة مجتمعةً كلّ واحد منها مع الآخر لا مفهوم الوحدة كما لا يخفى‏، فلا فرق بين القسمين في أنّ الوحدة في كليهما ملحوظة قبل تعلّق الأمر أصلًا.

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 315- 316.

25

الثاني: أنّه لو سلّمنا أنّ انتزاع الوحدة الملازمة لاتّصاف الأشياء بعنواني الكلّ و الأجزاء إنّما هو بعد تعلّق الأمر بها، و لكن نقول: إنّ النزاع في باب المقدّمة إنّما هو فيما يتوقّف عليه المأمور به واقعاً، و لا يكاد يمكن تحقّقه بدونه، لا في عنوان المقدّمية؛ ضرورة أنّها لم تكن متوقّفاً عليها أصلًا، و حينئذٍ فمجرّد أنّ عنوان المقدّمية يتوقّف اتّصاف الأجزاء به على تعلّق الأمر لا يوجب خروج الأجزاء عن توقّف المأمور به عليها واقعاً.

مضافاً إلى‏ أنّ عنوان المقدّمية إنّما هو من العناوين الإضافية التي من شأنها أن يتحقّقا معاً من دون توقّف بينهما أصلًا، نظير العلّيّة و المعلولية، فإنّ العلّة منشأ لصدور المعلول بذاتها و متقدّمة عليه بحقيقتها لا بوصف العلّيّة، فإنّها من الامور الإضافية، و عروضها للعلّة إنّما هو في مرتبة عروض وصف المعلولية للمعلول من دون تقدّم و تأخّر أصلًا. و هذا واضح جدّاً.

التفصيل بين العلّة التامّة و غيرها

ثمّ إنّه قد يفصّل في المقدّمات الخارجية بين العلّة التامّة و غيرها بخروج الأوّل من مورد النزاع، و ذلك؛ لأنّ إرادة الأمر لا بدّ أن تتعلّق بما يمكن أن تتعلّق به إرادة الفاعل، و هي لا يمكن أن تتعلّق بالمعلول؛ لأنّه يكون خارجاً عن قدرة الفاعل، فمتعلّق القدرة هي العلّة، فالأمر لا بدّ أن يتعلّق بها دون المعلول.

و فيه: أنّه على فرض صحّته لا يكون تفصيلًا في محلّ النزاع؛ لأنّ مرجعه إلى‏ أنّ الأمر المتعلّق بالمسبّب يجب أن ينصرف إلى‏ علّته، و النزاع إنّما هو على تقدير تعلّق الأمر بالمسبّب، كما هو واضح.

هذا، مضافاً إلى‏ بطلانه من رأس؛ فإنّ المسبّب و إن لم يكن من فعل الفاعل من دون وسط، إلّا أنّه يصحّ انتسابه إليه؛ لتعلّق القدرة به و لو بواسطة، فيصحّ‏

26

تعلّق الأمر بالإحراق؛ لصحّة استناده إلى المكلّف و إن كان متحقّقاً بمقتضى‏ طبيعة النّار، إلّا أنّه مقدور للمكلّف؛ لقدرته على الإلقاء فيه.

و هذا واضح جدّاً، و إلّا لم يكن كثير من الأفعال مقدوراً للمكلّف؛ لتوقّفها غالباً على بعض المقدّمات. و الإشكال لا ينحصر بالعلّة التامّة؛ إذ كلّ فعل فهو غير مقدور للمكلّف إلّا مع مقدّمته، كما لا يخفى‏.

و من تقسيمات المقدّمة: تقسيمها إلى الشرعيّة و العقليّة و العاديّة.

و من تقسيمات المقدّمة: تقسيمها إلى‏ مقدّمة الصحة و مقدّمة العلم و مقدّمة الوجود و مقدّمة الوجوب.

و الكلام فيها ما ذكره المحقّق الخراساني قدس سره في الكفاية (1)، فلا نطيل بالتعرّض لما ذكره قدس سره.

تقسيم المقدّمة إلى المتقدّمة و المقارنة و المتأخّرة

و من تقسيمات المقدّمة: تقسيمها إلى المقدّمة المتقدّمة و المقارنة و المتأخّرة بحسب الوجود بالنسبة إلى‏ ذي المقدّمة.

و قد اشكل في الأوّل و الأخير بأنّه لا ريب في أنّ المقدّمة من أجزاء العلّة التامّة، و لا بدّ من تقدّمها بجميع أجزائها على المعلول، فلا يعقل تقدّم المقدّمة و تأخّره‏ (2)، و مع ذلك فقد ورد في الشرع ما بظاهره مخالف لهذه القضيّة العقليّة الدالّة على امتناع تأخّر العلّة عن معلولها، و كذلك تقدّمها زماناً، و ذلك كالإجازة في عقد الفضولي بناءً على الكشف الحقيقي، و الأغسال الليلية المعتبرة في‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 116- 117.

(2)- بدائع الأفكار، المحقّق الرشتي: 301/ السطر 27- 28.

27

صحّة صوم المستحاضة، و العقد في الوصية و نظائرها، بل كلّ عقد من حيث إنّ أجزاءه توجد متدرّجةً، فعند تماميته انعدمت أجزاؤه المتقدّمة و غيرها من الموارد.

و لا يخفى أنّ الموارد التي تكون بظاهرها مخالفاً للقاعدة العقلية لا يخلو إمّا أن يكون شرطاً للتكليف أو للوضع أو للمكلّف به.

ما أفاده المحقّق العراقي قدس سره في المقام‏

و من المحقّقين من المعاصرين مَنْ جوّز وقوعه في التكوينيّات أيضاً.

و استدلّ على الجواز في الجميع بما حاصله: أنّه لا شبهة في أنّ المقتضي لتحقّق المعلول حصّة خاصّة من طبيعي المقتضي، لا أنّ نوعه و طبيعته يقتضي ذلك و يؤثّر فيه.

مثلًا: النار تقتضي و تؤثّر في وجود الإحراق لكن ليس المؤثّر في تحقّق الإحراق هي طبيعة النار و نوعها، بل المؤثّر حصّة خاصّة من طبيعتها، و هي النار التي تماسّ الجسم المستعدّ باليبوسة لقبول الاحتراق، و أمّا الحصّة التي لا تتحصّص بخصوصية المماسّة و القرب من الجسم المستعدّ للاحتراق، فهي لا تعقل أن تؤثّر الأثر المترتّب على الحصّة الاولى، و تلك الخصوصية التي بها تحصّصت الحصّة المقتضية للمعلول لا بدّ لها من محصّل في الخارج، و ما به تحصل تلك الخصوصية يسمّى شرطاً، و هذه الخصوصية عبارة عن إضافة قائمة بتلك الحصّة المقتضية حاصلة من إضافة الحصّة المزبورة إلى‏ شي‏ء ما، و ذلك الشي‏ء المضاف إليه هو الشرط، فالمؤثّر في المعلول إنّما هو نفس تلك الحصّة، و الشرط محصّل لخصوصيتها، و هو طرف الإضافة المزبورة، و ما يكون‏

28

شأنه كذلك جاز أن يتقدّم على ما يضاف إليه أو يقترن به أو يتأخّر عنه‏ (1). انتهى خلاصة كلامه.

و لا يخفى أنّه- بعد تسليم جميع ما ذكره من أنّ المؤثّر هي الحصّة من معنى أو الشرط- يرد عليه: أنّ الإضافة من الامور القائمة بالطرفين: المضاف و المضاف إليه، فالمضاف فيما نحن فيه وصف للحصّة المؤثّرة في المعلول، و المضاف إليه وصف لما عبّر عنه بالشرط، و حينئذٍ فنقول: لا إشكال في أنّ ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت المثبت له في ظرف الاتّصاف، و لهذه القاعدة الفرعية قد ثبت أنّ القضايا يتوقّف صدقها و مطابقتها مع الواقع على ثبوت موضوعاتها ما عدا القضيّة السالبة المحصّلة؛ فإنّه لا يشترط في صدقها وجود الموضوع، و أمّا غيرها من القضايا سواء كانت سالبةً معدولة أو موجبةً محصّلة أو سالبة المحمول فهي مشروطة بوجود الموضوع ضرورة، و حينئذٍ فالإضافة إلى الشرط إن كانت محقّقةً بالفعل، فلازمه اتّصاف أحد الطرفين بأنّه مضاف و الآخر بأنّه مضاف إليه، و لا يعقل أن يصير المعدوم متّصفاً بأنّه مضاف إليه؛ لما عرفت من القاعدة الفرعية، و إن لم تكن الإضافة ثابتةً فعلًا، فتأثير الحصّة في المعلول غير معقول، كما اعترف به قدس سره.

و ممّا ذكرنا يظهر الجواب عمّا ربّما يقال: من أنّ الشرط هو التقدّم أو التأخّر أو التعقّب و نظائرها، و ذلك لأنّ صدق عنوان التقدّم لا يعقل إلّا مع صدق عنوان التأخّر للمتأخّر، و مع كونه معدوماً فعلًا يستحيل اتّصافه بعنوان التأخّر، كما هو واضح.

فانقدح من جميع ما ذكرنا أنّ التوجيه بما ذكر ليس إلّا كرّاً على ما فرّ منه‏

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 320.

29

من مخالفة القاعدة العقلية، كما عرفت.

و التحقيق أن يقال: أمّا شرائط التكليف: فلا يخفى أنّ الشرط فيه مقارن للتكليف؛ لأنّ شرطه ليس هي القدرة الواقعية في زمان الامتثال حتى يقال بأنّه كيف يمكن أن يؤثّر الأمر المتأخّر المعدوم فعلًا في الأمر الموجود كذلك، بل الشرط هو تشخيص كون المكلّف قادراً في ظرف الامتثال و التشخيص مقارن لصدور التكليف كما هو واضح.

و أمّا شرائط الوضع و المكلّف به: فالمؤثّر ليس هو الأمر المتأخّر في الوجود الخارجي حتّى يلزم تأثير المعدوم في الموجود الممتنع بالبديهة، بل المؤثّر هو الأمر المتقدّم لا بوصف التقدّم بل بنفسه المتقدّم بالذات.

توضيح ذلك: أنّ من الواضح تقدّم أجزاء الزمان بعضها على بعض بالذات بمعنى‏ أنّ الزمان الماضي مثلًا متقدّم بالطبع على الزمان المستقبل و لو لم يكن عنوان التقدّم و التأخّر موجوداً في البين أصلًا، نعم اتّصاف الزمان الماضي بوصف التقدّم في مرتبة اتّصاف الزمان المستقبل بعنوان التأخّر المستلزم لوجوده؛ للقاعدة الفرعية المسلّمة عند العقول بلا تقدّم و تأخّر بين الاتّصافين أصلًا؛ لأنّ المفروض كونهما متضايفين، و من شأنهما تحقّق الطرفين معاً من دون ترتّب بينهما.

و نظير الزمان الزمانيات الواقعة في أجزاء الزمان؛ فإنّ قيام زيد المتحقّق في الأمس متقدّم ذاتاً لكن بعرض و تبع الزمان على مجي‏ء عمرو الذي سيوجد غداً و إن كان اتّصافه بعنوان المتقدّم لا يصحّ إلّا مقارناً لاتّصاف مجي‏ء عمرو بعنوان المتأخّر، و من المعلوم توقّفه على تحقّقه؛ لتلك القاعدة.

و بالجملة: فلا منافاة بين كون شي‏ء متقدّماً على شي‏ء آخر بالذات و مع ذلك فلا يصدق عليه عنوان المتقدّم؛ لكونه من الامور الإضافية المتوقّفة على تحقّق الطرفين، و هذا كالعلّة و المعلول، فإنّه لا إشكال في تقدّمها عليه؛ لكونه‏

30

صادراً عنها و ناشئاً و مترشّحاً منها، و مع ذلك فاتّصافها بوصف التقدّم في مرتبة اتّصافه بوصف التأخّر من دون تقدّم و تأخّر بينهما أصلًا، كما هو واضح لا يخفى‏.

و نظير المتقابلين فإنّهم و إن جعلوا التقابل مقسماً للمتناقضين و المتضادّين و المتضايفين و غيرها (1) إلّا أنّ عنوان المقسم- و هو التقابل- من أفراد أحد الأقسام، و هو التضايف، فإنّ المقابلة و التقابل من الامور الإضافية المتوقّفة على تحقّق أطراف الإضافة، و هكذا عنوان التضادّ؛ فإنّه و إن جُعل قسيماً للتضايف إلّا أنّ هذا العنوان من أفراد قسيمه، أي التضايف، فالتضادّ بين الشيئين القسيم له إنّما هو عبارة عن امتناع اجتماعهما بالذات، كما أنّ التقابل المجعول مقسماً إنّما هو حقيقته مع قطع النظر عن الاتّصاف بهذا الوصف.

إذا عرفت ما ذكرنا: فاعلم أنّ الموضوع للحكم بالصحّة في العقد الفضولي إنّما هو العقد المتقدّم بحسب الذات على الإجازة من المالك، و هذا إمّا أن يكون متحقّقاً بحسب الواقع و نفس الأمر حين العقد فيما كان ملحوقاً بالإجازة، و إمّا أن لا يكون كذلك، و هو في غير صورة الإجازة، فالعقد الواقع إمّا أن يكون صحيحاً مترتّباً عليه الأثر من حين وقوعه، و هو فيما إذا وجد مع شرطه، و إمّا أن لا يكون كذلك، و هو فيما إذا فقد شرطه؛ لعدم تحقّق الإجازة فيما بعد.

و هكذا يقال في صوم المستحاضة؛ فإنّ صحّته متوقّفة على تقدّمه بحسب الذات و لو عرضاً تبعاً للزمان على الأغسال الليلية فإمّا أن يكون الموقوف عليه موجوداً حينه، فيصحّ من حين وقوعه، و إمّا أن لا يكون، فيبطل كذلك، ففي جميع الموارد يكون الشرط مقارناً، فيرتفع الإشكال بمخالفتها للقاعدة العقلية، كما عرفت.

____________

(1)- الحكمة المتعالية 2: 100.

31

هذا كلّه لو قلنا بأنّ الحكم في الشرعيات نظير العقليات من باب التأثير و التأثّر، و أمّا لو قلنا بخلافه فالمقام بعيد عن الإشكال بمراحل، كما لا يخفى‏.

كلام المحقّق النائيني قدس سره في تحرير محلّ النزاع‏

ثمّ إنّ لبعض الأعاظم من المتأخّرين كلاماً في المقام في تحرير محلّ النزاع و بيان ما ذهب إليه لا بأس بذكره و التعرّض له على نحو الإجمال.

فنقول: قد ذكر في تحرير محلّ النزاع‏ أوّلًا: أنّ شرط متعلّق التكليف خارج عن حريم النزاع؛ لأنّ حال الشرط حال الجزء في توقّف الامتثال عليه، فكما أنّه لا إشكال فيما إذا كان بعض أجزاء المركّب متأخّراً عن الآخر في الوجود و منفصلًا عنه في الزمان- كما إذا أمر بمركّب بعض أجزائه في أوّل النهار و البعض الآخر في آخر النهار- كذلك لا ينبغي الإشكال فيما إذا كان شرط الواجب متأخّراً في الوجود؛ لأنّ ما يلزم على تقدير كون الشرط متأخّراً- و هو لزوم المناقضة و تقدّم المعلول على علّته و تأثير المعدوم في الموجود- لا يجري في شرط متعلّق التكليف، فأيّ محذور يلزم إذا كان غسل الليل المستقبل شرطاً في صحّة صوم المستحاضة؟ فإنّ حقيقة الاشتراط يرجع إلى أنّ الإضافة الحاصلة بين الصوم و الغسل شرط في صحّة الصوم بحيث لا يكون الصوم صحيحاً إلّا بحصول هذه الإضافة.

نعم لو قلنا: إنّ غسل الليل الآتي موجب لرفع حدث الاستحاضة عن الزمان الماضي، كان الإشكال في الشرط المتأخّر جارياً فيه، و لكنّه خارج عن مقتضى الدليل. و بالجملة فتسرية إشكال الشرط المتأخّر إلى‏ قيود متعلّق التكليف ممّا لا وجه له.

و ثانياً: أنّه لا إشكال في خروج العلل الغائية من حريم النزاع؛ فإنّها غالباً

32

متأخّرة في الوجود عمّا تترتّب عليه، و ليست هي بوجودها العيني علّةً للإرادة و حركة العضلات حتّى يلزم تأثير المعدوم في الموجود، بل المؤثّر و المحرّك هو وجوده العلمي، و كذا الحال في علل التشريع؛ فإنّه لا فرق بينها و بين العلل الغائية إلّا في مجرّد التعبير.

و ثالثا: أنّه ليس المراد من الشرط المتأخّر المبحوث عنه في المقام باب الإضافات و العناوين الانتزاعية، كالتقدّم و التأخّر و السبق و اللّحوق و غير ذلك من الإضافات و الامور الانتزاعية، فإنّ ذلك كلّه ممّا لا إشكال فيه؛ لعدم لزوم محذور الشرط المتأخّر بالنسبة إليها، و ذلك لأنّ عنوان التقدّم ينتزع من ذات المتقدّم عند تأخّر شي‏ء، و لا يتوقّف على وجود المتأخّر في موطنه، بل في بعض المقامات لا يمكن ذلك، كتقدّم بعض أجزاء الزمان على البعض الآخر.

و رابعاً: أنّه لا إشكال في خروج العلل العقلية عن حريم النزاع؛ فإنّ امتناع الشرط المتأخّر فيها أوضح من أن يحتاج إلى بيان بعد تصوّر معنى العلّيّة الراجعة إلى إعطاء العلّة و إفاضتها وجود المعلول، و معنى المعلولية الراجعة إلى‏ ترشّحه منها.

ثمّ قال: إذا عرفت هذه الامور، ظهر لك: أنّ محلّ النزاع في الشرط المتأخّر إنّما هو في الشرعيات في خصوص شروط الوضع و التكليف. و بعبارة اخرى‏:

محلّ الكلام إنّما هو في موضوعات الأحكام وضعيةً كانت أو تكليفيةً، فقيود متعلّق التكليف و العلل الغائية و الامور الانتزاعية و العلل العقلية خارجة عن حريم النزاع.

ثمّ ذكر بعد ذلك أنّ امتناع الشرط المتأخّر في موضوعات الأحكام يتوقّف على بيان المراد من الموضوع، و هو يتوقّف على بيان الفرق بين القضايا الحقيقيّة و القضايا الخارجية، و أنّ المجعولات الشرعية إنّما تكون على نهج القضايا

33

الحقيقيّة لا القضايا الخارجيّة.

ثمّ ذكر في بيان الفرق بينهما ما ملخّصه: أنّ القضايا الخارجية عبارة عن قضايا جزئية شخصية خارجية، كقوله: صَلّ يا عمرو، و صُمْ يا زيد، من القضايا التي تكون موضوعاتها آحاد الناس، و هذا بخلاف القضايا الحقيقيّة؛ فإنّ الملحوظ في موضوعاتها عنوان كلّيّ من غير أن يكون للآمر نظر إلى‏ زيد، و عمرو، و بكر أصلًا، بل لو كان واحد منهم منطبقاً لعنوان الموضوع، فالحكم يرتّب عليه قهراً.

و من هنا يحتاج في إثبات الحكم لموضوع خاص إلى‏ تأليف قياس، و يجعل هذا الموضوع الخاصّ صغرى له، و تلك القضية كبرى‏، و هذا بخلاف القضايا الخارجية؛ فإنّ المحمول فيها ثابت لموضوعها ابتداءً من دون توسّط قياس.

و الفرق بينهما من وجوه شتّى، و المهمّ منه في المقام هو أنّ العلم إنّما يكون له دخل في القضيّة الخارجية دون الحقيقية.

مثلًا: لو كان زيد عالماً و كان الحكم مترتّباً على عنوان العالم، فالحكم يترتّب على زيد قهراً، سواء كان الآمر عالماً بكون زيد عالماً أو جاهلًا، و هذا بخلاف القضية الخارجية؛ فإنّ علم الآمر بكون زيد عالماً يوجب الأمر بإكرامه، سواء كان في الواقع عالماً أو جاهلًا، و هذا بمكان من الوضوح.

ثمّ ذكر بعد ذلك أنّه من الواضح أنّ المجعولات الشرعية إنّما هي على نهج القضايا الحقيقية دون الخارجية.

و من هنا يظهر المراد من موضوعات الأحكام، و أنّها عبارة عن العناوين الكلية الملحوظة مرآة لمصاديقها المقدّر وجودها في ترتّب المحمولات عليها، و يكون نسبة ذلك الموضوع إلى المحمول نسبة العلّة إلى‏ معلولها و إن لم يكن من ذلك الباب حقيقةً، بناءً على المختار من عدم جعل السببية إلّا أنّه يكون نظير

34

ذلك من حيث التوقّف و الترتّب، فحقيقة النزاع في الشرط المتأخّر يرجع إلى‏ تأخّر بعض ما فُرض دخيلًا في الموضوع على جهة الجزئية أو الشرطية من الحكم التكليفي أو الوضعي بأن يتقدّم الحكم على بعض أجزاء موضوعه.

ثمّ اعترض بعد ذلك على الكفاية و الفوائد بكلام طويل لا مجال لذكره.

ثمّ ذكر بعد ذلك أنّه ممّا ذكرنا يظهر أنّ امتناع الشرط المتأخّر من القضايا التي قياساتها معها من غير فرق بين أن نقول بجعل السببية أو لا نقول بذلك.

أمّا بناء على الأوّل: فواضح.

و أمّا بناء على الثاني: فلأنّ الموضوع و إن لم يكن علّةً للحكم إلّا أنّه ملحق بها من حيث تقدّمه على الحكم و ترتّبه عليه، فلا يعقل تقدّم الحكم عليه بعد فرض أخذه موضوعاً؛ للزوم الخلف و أنّ ما فرض موضوعاً لم يكن موضوعاً (1). انتهى موضع الحاجة من كلامه.

الجواب عن مختار المحقّق النائيني (قدس سره‏)

و لا يخفى أنّ في كلامه وجوهاً من النظر.

أمّا ما ذكره أوّلًا: من أنّ شرائط متعلّق التكليف خارجة عن حريم النزاع.

ففيه: المنع من ذلك، و تشبيهها بالأجزاء لا يجدي؛ لأنّ النزاع يجري فيها أيضاً؛ فإنّه إذا فرض أنّ صحّة الجزء الأوّل متوقّفة على الإتيان بالجزء الأخير الذي سيوجد بعداً، يلزم محذور الشرط المتأخّر بلا فرق بينهما أصلًا، كما لا يخفى‏.

و مجرّد إرجاع الشرطية إلى الإضافة الحاصلة بين المشروط و الشرط

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 1: 271- 280.

35

لا يفيد بعد ما عرفت منّا في الجواب عن المحقّق العراقي قدس سره من أنّ الإضافة من الامور الإضافية التي من شأنها تحقّق أطرافها بالفعل، و مع انتفاء بعضها لا يعقل تحقّقها، كما هو واضح لا يخفى‏.

و أمّا ما ذكره ثالثاً: من أنّ النزاع ليس في الامور الاعتبارية الانتزاعية.

ففيه: أنّه لم يقل أحد بأنّ النزاع في هذه الامور، و إنّما ذكرها بعض في مقام التخلّص عن الإشكال‏ (1). و قد عرفت سابقاً أنّه لا يمكن الجواب به؛ لأنّ صدق هذه العناوين متوقّف على تحقّق الأطراف، و قد ذكرنا ذلك بما لا مزيد عليه، فلا نطيل بالإعادة.

و أمّا ما ذكره من الفرق بين القضايا الحقيقية و الخارجية: من أنّ العلم لا دخل له في الاولى دون الثانية.

فيرد عليه: المنع من مدخلية العلم في جميع القضايا الخارجية، أ لا ترى‏ أنّه لو أنفذ المولى عقداً فضوليّاً خاصّاً، فهل يرضى أحد بكون المؤثّر هو علم المولى بتحقّق الإجازة فيما بعد دون نفس الإجازة من المالك؟ و هل هو إلّا القول بعدم مدخلية رضى المالك في انتقال ملكه إلى‏ شخص آخر؟ و الضرورة قاضية بخلافه، كما أنّ ما ذكره من أنّه لو كانت القضية بنحو القضايا الحقيقية كما هو كذلك في المجعولات الشرعية يكون الامتناع ضرورياً غير محتاج إلى‏ إقامة برهان، لا يتمّ بناءً على ما ذكرنا في مقام الجواب من أنّ الموضوع في تلك القضايا التي توهّم انخرام القاعدة العقلية بها هو ذات الموضوع المتقدّم بحسب الحقيقة لا مع اتّصافه بعنوان التقدّم المستلزم لاتّصاف الآخر بعنوان التأخّر المستلزم لوجوده في الخارج للقاعدة الفرعية، كما هو واضح.

____________

(1)- الفصول الغرويّة: 80/ السطر 32.

36

الأمر الرابع في الواجب المطلق و المشروط

ينقسم الواجب ببعض الاعتبارات إلى‏ واجب مطلق و مشروط، و لا يخفى أنّ الإطلاق و الاشتراط وصفان إضافيّان لا حقيقيّان، فالواجب بالنسبة إلى‏ كلّ قيد إمّا مشروط أو لا، فالثاني غير مشروط بالنسبة إلى‏ ذلك القيد و لو فرض كونه مشروطاً بالإضافة إلى‏ غيره.

ثمّ إنّه ربّما ينسب إلى الشيخ- كما في التقريرات المنسوبة إليه- نفي الواجب المشروط، و أنّ الشرائط و القيود كلّها راجعة إلى المادّة لا الهيئة؛ لامتناع تقييد الهيئة (1)، كما سيجي‏ء وجهه.

و لا بدّ من التكلّم في مقامين:

الأوّل: في أنّ القيود هل هي راجعة في الواقع إلى الهيئة أو إلى المادّة؟

أو تكون على قسمين بعضها إلى الاولى و بعضها إلى الثانية.

الثاني: في أنّ القيود بحسب اللّفظ هل يرجع إلى المادّة أو الهيئة؟

في مقام الثبوت و تصوير الواجب المشروط

أمّا المقام الأوّل، فنقول: إنّه قد يتعلّق إرادة الإنسان بشي‏ء من دون التقييد بشي‏ء آخر لتماميّته في حصول الغرض الباعث على تعلّق الإرادة بها، مثل العطشان المريد لرفع عطشه، فإنّه لا يريد إلّا مجرّد ذلك من غير نظر إلى‏ أن‏

____________

(1)- مطارح الأنظار: 46/ السطر 2.

37

يكون الماء واقعاً في ظرف كذا أو مع خصوصية كذا، و لا إشكال في كون الإرادة المتعلّقة بمراده إرادةً مطلقة، فلو أمر غلامه بسقيه، يكون السقي واجباً مطلقاً من حيث خصوصيّات الماء أو الظرف الواقع فيه و نظائرهما.

و قد يتعلّق إرادة الإنسان بشي‏ء مقيّد بأمر كذا بحيث لا يحصل غرضه إلّا بحصول الشي‏ء مقيّداً، كما إذا أراد السقي بالماء الخاصّ لترتّب الأثر المقصود عليه مع الخصوصية، فيأمر بالسقي بذلك الماء، و لا إشكال أيضاً في كون الإرادة المتعلّقة بما يحصل به غرضه إرادةً مطلقة غير مقيّدة بشي‏ء؛ إذ الإرادة لا تتعلّق إلّا بما يؤثّر في حصول غرضه، كيف و من مقدّماته التصديق بفائدة الشي‏ء المراد، و المفروض أنّ الفائدة مترتّبة على الشي‏ء المقيّد بوصف كذا.

و قد يتعلّق إرادة الإنسان بشي‏ء من دون التقييد بوصف و لكن لا يتمكّن من الأمر به مطلقاً؛ لمانع فيه أو في المأمور، كما إذا أشرف ولده على الغرق و الهلاك، فالإرادة المتعلّقة بنجاة ولده إرادة مطلقة غير مقيّدة بشي‏ء و لكن لا يمكن له الأمر بذلك مطلقاً؛ لأنّه ربّما يكون العبد عاجزاً عن الإتيان بالمأمور به، و ربّما يكون المانع من قِبَل نفسه.

و قد يتعلّق إرادة الإنسان بشي‏ء على فرض حصول شي‏ء آخر؛ لأنّ الغرض يترتّب عليه على ذلك التقدير، كما إذا أراد ضيافة صديقه على فرض مجيئه إلى‏ منزله، فالإرادة المتعلّقة بالضيافة ليست إرادةً مطلقة، بل مقيّدة بحصول ذلك الشي‏ء.

و من جميع ما ذكرنا ظهر: أنّ القيود بحسب الواقع و اللبّ مع قطع النظر عن ظاهر الدليل على قسمين: قسم يتعلّق بالمادّة، و هو الذي له دخل في حصول الغرض المطلوب، كالقسم الثاني من الأقسام المتقدّمة، و قسم يتعلّق بالهيئة التي مفادها البعث و التحريك، كالقسمين الأخيرين.

38

في مقام الإثبات و إمكان رجوع القيد إلى الهيئة

و أمّا المقام الثاني فقد يقال:- كما قيل- بامتناع رجوع القيود إلى الهيئة و إن كان بحسب ظاهر اللّفظ راجعاً إليها.

إمّا لأنّ الهيئة من المعاني الحرفية، و هي غير قابلة للتقييد.

و إمّا لأنّ الوضع فيها على نحو الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ، و من المعلوم امتناع تقييد الجزئيّات.

و إمّا للزوم التناقض بعد كون المنشأ أوّلًا هو الوجوب مطلقاً، فتقييده بثبوته على تقدير و عدم ثبوته على تقدير اخرى‏ مناقض للمنشإ أوّلًا.

هذا، و لا يخفى ما في هذه الوجوه من النظر بل المنع.

أمّا الوجه الأوّل: فيرد عليه أنّ التقييد أمر واقعي، غاية الأمر أنّ المتكلّم لا بدّ له أن يأتي بالألفاظ طبقاً له؛ لوضوح أن كلّ لفظ لا يحكي إلّا عن معناه الموضوع له، و قد عرفت في وضع الحروف أنّ القضايا الخبرية أكثرها يرجع إلى الإخبار عن المعاني الحرفية، فإنّ المعنيّ بقول: «زيد قائم» ليس إلّا الإخبار عن انتساب القيام إليه، و اتّحاد القائم معه، و هذا المعنى لا إشكال في كونه معنىً حرفيّاً، كما أنّ القيود الواقعة في الكلام راجعة إلى‏ ذلك المعنى الحرفي، فقوله: ضربت زيداً يوم الجمعة، مثلًا يكون الظرف راجعاً إلى‏ تحقّق الضرب عليه الذي يكون من المعاني الحرفية.

و بالجملة فالإخبارات و التقييدات أكثرها مرتبطة بالمعاني الحرفية و راجعة إليه، و قد عرفت أنّ التقييد أمر واقعي لا ارتباط له باللّفظ حتّى يحتاج تقييد المعاني الحرفية إلى‏ لحاظها ثانياً بالاستقلال، فيلزم في الجملة المشتملة على تقييدات عديدة لحاظ تلك المعاني بقدر القيود، بل يكون في المثال تحقّق‏

39

الضرب في يوم الجمعة واقعاً، و المتكلّم لا بدّ أن يأتي بالألفاظ على طبق المعاني الواقعية، لا أن يكون لفظ الضرب المأتي به أوّلًا مطلقاً، فيلاحظ تقييده ثانياً، كما لا يخفى‏.

و أمّا الوجه الثاني: فلأنّ التحقيق في وضع الحروف و إن كان ما ذكر إلّا أنّه لا امتناع في تقييد الجزئي أصلًا باعتبار الحالات و العوارض الطارئة له أ ليس التقييد في قوله: «أكرم زيداً إن جاءك» راجعاً إلى‏ زيد الذي هو فرد جزئي بناء على ما ذكره من رجوع القيد إلى المادّة دون الهيئة.

و أمّا الوجه الثالث: فبطلانه أظهر من أن يخفى.

فانقدح من جميع ما ذكرنا أوّلًا أنّ القيود بحسب الواقع على قسمين، و ثانياً إمكان رجوعها إلى الهيئة، فلا وجه لرفع اليد عمّا هو ظاهر القضيّة الشرطية من توقّف التالي على المقدّم، كما لا يخفى‏.

نقل و تحصيل: في ضابط قيود الهيئة و المادة

ثمّ إنّه ذكر بعض الأعاظم قدس سره في مقام بيان الفرق بين شروط الأمر و الوجوب و بين شروط المأمور به و الواجب أنّ القيود على نحوين:

أحدهما: ما يتوقّف اتّصاف الفعل بكونه ذا مصلحة على حصوله في الخارج، كالزوال و الاستطاعة بالنسبة إلى الصلاة و الحجّ، فإنّ الصلاة لا تكون ذات مصلحة إلّا بعد تحقّق الزوال، و كذلك الحج بالإضافة إلى الاستطاعة، و أمّا قبل تحقّق هذين القيدين فلا يرى المولى مصلحة في الصلاة و الحجّ، و لهذا يأمر بهما معلّقاً أمره على تحقّق هذين القيدين في الخارج.

ثانيهما: القيود التي تتوقّف فعلية المصلحة و حصولها في الخارج على تحقّقها، فلا تكاد تحصل تلك المصلحة في الخارج إلّا إذا اقترن الفعل بتلك القيود

40

و الشروط، كالطهارة و الستر و الاستقبال و نحوها بالإضافة إلى الصلاة.

ثمّ قال: و بلحاظ هذا الفرق بين النحوين من القيود صحّ أن يقال للنحو الأوّل: شروط الأمر و الوجوب، و للنحو الثاني: شروط المأمور به و الواجب.

ثمّ قال: و يمكن تقريب كلا النحوين من القيود الشرعية ببعض الامور الطبيعيّة العرفية.

مثلًا: شرب المسهل قبل أن يعتري الإنسان مرض يستدعيه لا مصلحة فيه تدعو الإنسان إليه أو الطبيب إلى الأمر به مطلقاً. نعم يمكن أن يأمر به معلّقاً على الابتلاء بالمرض، فيقول للإنسان: إذا مرضت بالحمى‏ مثلًا فاشرب المسهل، فالمرض يكون شرطاً لتحقّق المصلحة في شرب المسهل، و أمّا المنضج فهو شرط فعلية أثر المسهل و مصلحته، و لهذا يترشّح عليه أمر غيري من الأمر النفسي المتعلّق بالمسهل، فيقول الطبيب للمريض: اشرب المنضج أوّلًا ثمّ اشرب المسهل‏ (1). انتهى كلامه على ما في التقريرات المنسوبة إليه قدس سره.

و أنت خبير بأنّ ما ذكره: من المناط في شرائط الوجوب و شرائط الواجب لا يتمّ، بل مورد للنقض طرداً و عكساً، فإنّ ما يتوقّف عليه اتّصاف الفعل بكونه ذا مصلحة يمكن أن لا يكون قيداً للأمر، بل للمأمور به، فإنّه يمكن أن يأمر المولى بالحج عقيب الاستطاعة، لا أن يكون أمره مشروطاً بتحقّقها، غاية الأمر أنّه يلزم أن يكون تحصيلها واجباً؛ لأنّ المصلحة متوقّفة عليه، و لا منافاة بين توقّف المصلحة على شي‏ء و عدم كون الأمر معلّقاً عليه، كما أنّه يمكن أن لا يكون للقيد دخل في حصول المصلحة، و لكن كان الأمر معلّقاً على وجوده، كما فيما ذكرناه من المثال المتقدّم في القسم الأخير من الأقسام الأربعة المتقدّمة، فإنّ‏

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 335- 336.

41

ترتّب المصلحة على ضيافة زيد مثلًا قد لا يتوقّف على نزوله في منزل المضيف و لكن يمكن أن يكون أمره معلّقاً عليه.

و بالجملة فجعل هذا هو الملاك في شرائط الوجوب منقوض طرداً و عكساً، كما عرفت، و منه يظهر بطلان ما ذكره ملاكاً لشرائط الواجب، كما لا يخفى‏.

فالمناط فيهما هو ما ذكرناه: من أنّ شرائط الوجوب عبارة عن القيود التي لا يكون لها دخل في تحقّق المراد بمعنى‏ عدم مدخليّته في تعلّق الإرادة به، كما أنّ شرائط الواجب هي التي لها مدخلية في حصول الغرض الباعث على تعلّق الإرادة.

في توقّف فعليّة الوجوب على شرطه‏

ثمّ إنّه يقع الكلام بعد هذا في أنّه هل يكون الواجب المشروط متعلّقاً للإرادة عند حصول شرطه بمعنى أنّه لا إرادة قبل تحقّقه، أو أنّ الإرادة تتعلّق به فعلًا و لكن على تقدير حصول أمر خاص؟ و يكون الفرق حينئذٍ بينه و بين الواجب المعلّق هو أنّ الوجوب المطلق يتعلّق بأمر خاص في الواجب المعلّق، و الوجوب الخاصّ يتعلّق بأمر مطلق في الواجب المشروط.

ربّما ينسب إلى المشهور الأوّل‏ (1)، و اختار بعض الأعاظم- على ما في التقريرات المنسوبة إليه- الثاني‏ (2).

____________

(1)- كفاية الاصول: 121، بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 338/ السطر الأخير.

(2)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 338/ السطر 19.

42

و لا بدّ قبل الخوض في ذلك من بيان حقيقة الحكم.

فنقول: هل الحكم عبارة عن نفس الإرادة التشريعية الكامنة في نفس الحاكم مطلقاً أو بشرط أن يظهرها المريد بأحد المظهرات من القول أو الفعل أو أنّه منتزع من البعث أو الزجر اللَّذين هما مفاد هيئة الأمر و النهي؟ وجوه، و الظاهر هو الثالث؛ لأنّ مجرّد تعلّق الإرادة التشريعية بشي‏ء لا يعدّ من باب تعلّق الحكم به و إن كانت ربّما يجب متابعتها، فإنّ وجوب المتابعة ليس متفرّعاً على خصوص حكم المولى، بل لو اطّلع العبد على تعلّق إرادة المولى بإتيانه شيئاً، فاللازم- كما يحكم به العقل و العقلاء- متابعة إرادته، بل ربّما يجب تحصيل غرضه و إن لم تنقدح إرادة متعلّقة به في نفس المولى لغفلته أو نومه أو غيرهما.

أ لا ترى‏ أنّه لو أشرف ولد المولى مثلًا على الغرق في البحر و لم يكن المولى مطّلعاً عليه حتى يبعث العبد نحو خلاص ولده، يكون على العبد ذلك و أن ينجي ولده من الهلاك.

و بالجملة، فوجوب الإتيان عقلًا أعمّ من الحكم، و الذي يطابقه الوجدان هو أنّ منشأ انتزاع الحكم هو نفس البعث و الزجر المتوجّهين إلى العبد، و حينئذٍ فلا إشكال في عدم تحقّق الحكم قبل حصول الشرط؛ لعدم ثبوت البعث قبله، كما هو واضح.

إذا عرفت ما ذكرنا: فاعلم أنّ بعض الأعاظم بعد اختياره أنّ الحكم عبارة عن نفس الإرادة التشريعيّة التي يظهرها المريد بالقول أو الفعل‏ (1) ذهب إلى‏ خلاف ما عليه المشهور، و أنّ الإرادة في الواجب المشروط موجودة قبل تحقّق‏

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 339/ السطر 2.

43

الشرط مدّعياً أنّ الوجدان دليل عليه.

قال: فإنّا نجد من أنفسنا إرادة العمل الذي يكون فيه مصلحة لنا على تقدير خاص و إن لم يكن ذلك التقدير متحقّقاً بالفعل‏ (1)

. و أنت خبير بأنّه لو سلّم انتزاع الحكم عن نفس الإرادة المظهرة، فلا نسلّم انتزاعه عن هذا النحو من الإرادة المتحقّقة في الواجب المشروط، كما لا يخفى‏.

في إشكالات الواجب المشروط على مسلك المشهور

ثمّ إنّه ربّما يورد على مذهب المشهور بإيرادات شتّى:

منها: ما أورده عليه ذلك البعض المتقدّم- على ما في التقريرات المنسوبة إليه- من أنّه لا إشكال في إنشاء الشارع للتكليف المشروط قبل تحقّق شرطه، و لا ريب في أنّ إنشاء التكليف من المقدّمات التي يتوصّل بها المولى إلى‏ تحصيل المكلّف به في الخارج، و الواجب المشروط على المشهور ليس بمراد للمولى قبل تحقّق شرطه في الخارج، فكيف يتصوّر أن يتوصّل العاقل إلى‏ تحصيل ما لا يريده فعلًا؟! فلا بدّ أن يلتزم المشهور في دفع هذا الإشكال بوجود غرض نفسي في نفس إنشاء التكليف المشروط قبل تحقّق شرطه، و هو كما ترى‏.

و لكن من التزم بما ذهبنا إليه لا يرد عليه هذا الإشكال؛ لفعلية الإرادة قبل تحقّق الشرط، فالمولى يتوصّل بإنشائه إلى‏ ما يريده فعلًا و إن كان على تقدير (2). انتهى.

و أنت خبير بأنّه لم يكن للمشهور الالتزام بما ذكره أصلًا، فإنّ الإنشاءات‏

____________

(1)- نفس المصدر 1: 342/ السطر 3.

(2)- نفس المصدر 1: 346- 347.

44

و إن كانت للتوصّل إلى‏ تحصيل المراد إلّا أنّه حيث يكون المكلّفون مختلفين من حيث تحقّق الشرط بالنسبة إليهم و عدمه لا بأس بإنشاء الوجوب على النحو المذكور و إن لم يكن الشرط حاصلًا بالنسبة إلى‏ بعض المكلّفين، كما أنّ الإنشاءات الواقعة في الشريعة إنّما هي على نحو القوانين الكلّية، فلا يمكن أن تكون متوقّفةً على تحقّق شرائطها، كما هو واضح لا يخفى‏.

هذا، مضافاً إلى‏ أنّ هذا الإيراد لا يدفع بما التزمه في الواجب المشروط، فتدبّر.

منها:- و هي عمدتها- أنّه لو كانت الإرادة المتعلّقة بالواجب المشروط حاصلةً عند تحقّق الشرط لا قبله، يلزم أن لا تكون المقدّمات الوجودية لتحقّق الواجب المشروط واجبةً بالوجوب الغيري قبل تحقّق الشرط؛ لعدم كون ذي المقدّمة واجباً قبله حتّى يسري الوجوب منها إلى‏ مقدّمته، و هذا بخلاف ما لو قيل بتحقّق الإرادة قبل حصول الشرط، كما التزم به بعض الأعاظم قدس سره على ما عرفت، فإنّ تعلّق الإرادة الغيرية بالمقدّمات لوجود الإرادة النفسية المتعلّقة بذي المقدّمة بالفعل.

و التحقيق في دفع الإيراد عن المشهور أن يقال: إنّ ما اشتهر في الألسن و تكرّر في أكثر الكلمات من أنّ الإرادة المتعلّقة بالمقدّمة ناشئة و مترشّحة من الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة، و كذا الوجوب المتعلّق بالأُولى‏ سارٍ من الوجوب المتعلّق بالثانية ليس على ما ينبغي، بل محلّ نظر و منع، كما عرفت في صدر مبحث المقدّمة؛ فإنّه لا معنى لكون الإرادة علّةً موجدة لإرادة اخرى‏، فإنّ كلّ إرادة فلها مبادٍ و مقدّمات مخصوصة، فكما أنّ الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة ناشئة من المبادئ الخاصة بها فكذلك الإرادة المتعلّقة بالمقدّمة لها مقدّمات و مبادٍ مخصوصة بها، غاية الأمر أنّ تعلّق الإرادة بها لحصول مطلوبه الأوّلي‏

45

الذي تعلّقت به الإرادة الأوّلية.

و بالجملة فلا إشكال في أنّ كلّ إرادة معلولة للنفس و موجدة بفعّاليتها، و لا يعقل أن تكون علّته الإرادة المتعلّقة بشي‏ء آخر، كما حقّق في محلّه، و هكذا الوجوب المتعلّق بشي‏ء لا يعقل أن يسري إلى‏ شي‏ء آخر أصلًا.

و حينئذٍ فنقول: إنّ الملازمة بين الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة و بين الإرادة المتعلّقة بالمقدّمة على تقدير ثبوتها إنّما هي لتوقّف حصول غرض المولى على تحقّقها في الخارج، لا لتحقّق الإرادة بذي المقدّمة، فإن تعلّقها بها أيضاً للتوصّل إلى‏ تحصيل غرضه، فإذا فرض في مقام عدم تعلّق الإرادة الفعلية بذي المقدّمة- كما في المقام- فلا يمنع عن تعلّق الإرادة الفعلية بالمقدّمة؛ لبقاء ملاك تعلّق الإرادة بها، و هي توقّف حصول غرض المولى عليها على حالها.

و بالجملة، فلو فرض في مقام اطّلاع العبد على أنّ المولى يريد شيئاً على تقدير خاص، و فرض العلم بتحقّق ذلك التقدير المستلزم للعلم بإرادته قطعاً، و فرض أيضاً توقّف حصول ذلك الشي‏ء على أمر لا يمكن تحصيله بعد تحقّق شرط الوجوب، فمن الواضح أنّ العقل يحكم بوجوب الإتيان بمقدّمة ذلك الشي‏ء و إن لم تكن الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة موجودةً بالفعل.

و الحاصل أنّه حيث يكون الدائر على ألسنتهم أنّ الإرادة المتعلّقة بالمقدّمة ناشئة من الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة، و رأوا أنّ المشهور لا يلتزمون بوجود الإرادة قبل تحقّق الشرط في الواجب المشروط، فلذا أوردوا على المشهور بأنّه لا يبقى‏ وجه لوجوب المقدّمة قبل تحقّق الشرط (1).

____________

(1)- هداية المسترشدين: 217/ السطر 1، بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) الآملي 1: 346/ السطر 22.

46

و بما حقّقناه قد ظهر لك أنّه لا وجه لهذا الإيراد أصلًا، كما عرفت.

ثمّ إنّه لو قلنا بخلاف ما عليه المشهور و التزمنا بما التزم به ذلك البعض من تحقّق الإرادة قبل تحقّق الشرط، فتعلّقها بالمقدّمة أيضاً مورد منع؛ فإنّه لا يعقل ترشّح الإرادة المطلقة بالمقدّمة من الإرادة التقديرية المتعلّقة بذي المقدّمة بعد لزوم السنخية بين المعلول و علّته، فإنّه كيف يمكن أن تكون الإرادة المتعلّقة بالمقدّمة مطلقةً بمعنى‏ وجوب تحصيلها فعلًا، مع أنّ الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة تقديرية كما هو واضح.

و المتحصّل من جميع ما ذكرنا في الواجب المشروط امور:

الأوّل: أنّ القيود بحسب الواقع على قسمين.

الثاني: أنّ القيود راجعة إلى الهيئة، كما هو ظاهر اللّفظ، و لا امتناع في رجوعها إليها، كما ينسب إلى الشيخ الأنصاري (قدس سره‏) (1).

الثالث: أنّ الحكم إنّما ينتزع من نفس البعث و الزجر، و الدليل عليه أنّه يجعل مقسماً للحكم التكليفي و الوضعي، و لا معنى للقول بأنّ الحكم في الأحكام الوضعية عبارة عن الإرادة مطلقة أو مقيّدة بالإظهار، كما هو واضح.

الرابع: أنّ الوجوب في الواجب المشروط إنّما هو بعد تحقّق الشرط لا قبله.

الخامس: أنّه تكون المقدّمات واجبةً قبل تحقّق الشرط و لو لم تكن ذو المقدّمة واجباً قبله، كما عرفت تحقيقه.

____________

(1)- مطارح الأنظار: 46/ السطر 2.

47

الأمر الخامس في الواجب المعلّق و المنجز

ربّما يقسّم الواجب أيضاً ببعض الاعتبارات إلى‏ معلّق و منَجّز، و يقال- كما في الفصول-: إنّ المراد بالمنجّز هو الذي يتعلّق وجوبه بالمكلّف، و لا يتوقّف حصوله على أمر غير مقدور له، كالمعرفة و بالمعلق هو الذي يتعلّق وجوبه بالمكلّف و يتوقّف حصوله على أمر غير مقدور له كالحجّ، فإنّ وجوبه يتعلّق بالمكلّف من أوّل زمن الاستطاعة أو خروج الرفقة، و يتوقّف فعله على مجي‏ء وقته، و هو غير مقدور له.

و الفرق بين هذا النوع و بين الواجب المشروط هو: أنّ التوقّف هناك للوجوب و هنا للفعل‏ (1).

و لا يخفى: أنّ الالتزام بالواجب المعلّق إنّما هو للتخلّص عمّا أورد على المشهور في الواجب المشروط من أنّه بناء على عدم تحقّق الإرادة قبل حصول الشرط كما هو مذهبه لم يبق وجه لسراية الإرادة إلى المقدّمات قبل حصوله فإنّه حيث تعسّر عليهم رفع هذا الإيراد مع ما رأوا في بعض الموارد من دلالة بعض الأخبار على وجوب المقدّمات في بعض الواجبات المشروطة قبل تحقّق شرطها فلذا تمسّكوا بذيل الواجب المعلّق و التزموا بثبوت الوجوب فيه قبل حصول شرط الواجب بخلاف المشروط.

____________

(1)- الفصول الغرويّة: 79/ السطر 35.

48

ما أفاده بعض الأعلام في إنكار الواجب المعلّق‏

ثمّ إنّه يظهر من بعضهم إنكار الواجب المعلّق مدّعياً استحالة كون الإرادة موجودة قبل المراد (1)

. و أطال الكلام في النقض و الإبرام في هذا المقام بعض المحقّقين في تعليقته على الكفاية.

و خلاصة ما ذكره هناك: أنّ النفس مع وحدتها ذات منازل و درجات، ففي مرتبة القوّة العاقلة مثلًا تدرك في الفعل فائدة عائدة إليها، و في مرتبة القوّة الشوقية ينبعث لها شوق إلى‏ ذلك الفعل، فإذا لم يجد مزاحماً و مانعاً، يخرج ذلك الشوق من حدّ النقصان إلى‏ حدّ الكمال الذي يعبّر عنه بالقصد و الإرادة، فينبعث من هذا الشوق البالغ حدّ نصاب الباعثية هيجان في مرتبة القوّة العاملة المنبثّة في العضلات، و من الواضح أنّ الشوق و إن أمكن تعلّقه بأمر استقبالي إلّا أنّ الإرادة ليس نفس الشوق بأيّة مرتبة كان، بل الشوق البالغ حدّ النصاب بحيث صارت القوّة الباعثة باعثةً للفعل، و حينئذٍ فلا يتخلّف عن انبعاث القوّة العاملة و هيجانها لتحريك العضلات غير المنفكّ عن حركتها، و لذا قالوا: إنّ الإرادة هو الجزء الأخير من العلّة التامّة لحركة العضلات‏ (2)

. فمن يقول بإمكان تعلّقها بأمر استقبالي إن أراد حصول الإرادة التي هي علّة تامّة لحركة العضلات إلّا أنّ معلولها حصول الحركة في ظرف كذا، فهو عين انفكاك العلّة عن المعلول.

____________

(1)- تشريح الاصول: 191/ السطر 21.

(2)- شرح المنظومة، قسم الحكمة: 294، الحكمة المتعالية 6: 323، الهامش 1.

49

و إن أراد أنّ ذات العلّة- و هي الإرادة- موجودة من قبل إلّا أنّ شرط تأثيرها- و هو حضور وقت المراد- حيث لم يكن موجوداً ما أثّرت العلّة في حركة العضلات.

ففيه: أنّ حضور الوقت إن كان شرطاً في بلوغ الشوق إلى‏ حدّ الكمال المعبّر عنه بالإرادة، فهو عين ما قلنا من أنّ حقيقة الإرادة لا تنفكّ عن الانبعاث، و إن كان شرطاً في تأثير الشوق البالغ حدّ الإرادة الموجود من أوّل الأمر، فهو غير معقول؛ لأنّ عدم التأثير مع كون الشوق بالغاً إلى‏ حدّ الباعثية لا يعقل؛ لعدم انفكاك البعث الفعلي عن الانبعاث، فاجتماع البعث و عدم تحقّق الانبعاث ليس إلّا كاجتماع المتناقضين.

و أمّا ما ذكر في المتن: من لزوم تعلّق الإرادة بأمر استقبالي إذا كان المراد ذا مقدّمات كثيرة، فإنّ إرادة مقدّماته منبعثة عن إرادة ذيها قطعاً (1)، فتوضيح الحال فيه أنّ الشوق إلى المقدّمة لا بدّ من انبعاثه من الشوق إلى‏ ذيها، لكن الشوق إلى‏ ذيها لمّا لم يمكن وصوله إلى‏ حدّ الباعثية لتوقّف المراد على مقدّمات، فلا محالة يقف في مرتبته إلى‏ أن يمكن الوصول، و هو بعد طيّ المقدّمات، فالشوق بالمقدّمة لا مانع من بلوغه إلى‏ حدّ الباعثية الفعلية، بخلاف الشوق إلى‏ ذيها، و ما هو المسلّم في باب التبعية تبعيّة الشوق للشوق لا تبعية الجزء الأخير من العلّة، فإنّه محال، و إلّا لزم إمّا انفكاك العلّة عن المعلول أو تقدّمه عليها.

هذا كلّه في الإرادة التكوينية.

و أمّا الإرادة التشريعية: فهي عبارة عن إرادة فعل الغير منه اختياراً و حيث إنّ المشتاق إليه فعل الغير الصادر باختياره، فلا محالة ليس بنفسه تحت‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 128- 129.

50

اختياره، بل بالتسبيب إليه بجعل الداعي إليه، و هو البعث نحوه، فلا محالة ينبعث من الشوق إلى‏ فعل الغير اختياراً الشوق إلى البعث نحوه، فالشوق المتعلّق بفعل الغير إذا بلغ مبلغاً ينبعث منه الشوق نحو البعث الفعلي، كان إرادةً تشريعية، و إلّا فلا، و معه لا يعقل البعث نحو أمر استقبالي؛ إذ لو فرض حصول جميع مقدّماته و انقياد المكلّف لأمر المولى، لما أمكن انبعاثه نحوه بهذا البعث، فليس ما سمّيناه بعثاً في الحقيقة بعثاً و لو إمكاناً.

ثمّ أورد على نفسه ببعض الإيرادات مع الجواب عنها (1) لا مجال لنقلها.

و لا يخفى أنّه يرد على ما ذكره في الإرادة التكوينية وجوه من الإيراد:

منها: أنّ ما ذكره من أنّ الإرادة هي المرتبة الكاملة من الشوق، محلّ نظر، بل منع؛ فإنّ الشوق نظير المحبّة و العشق من الامور الانفعالية للنفس و الإرادة بمنزلة القوّة الفاعلية لها، و لا يعقل أن يبلغ ما يكون من الامور الانفعالية إلى مرتبة الامور الفاعلية و لو بلغ من الكمال ما بلغ، فإنّ الكمال البالغ إليه إنّما هو الكمال في مرتبته، لا انقلاب حقيقته إلى‏ حقيقة اخرى‏، و هذا من الامور الواضحة المحقّقة في محلّها (2).

منها- و هي العمدة-: أنّ ما ذكره- بل اشتهر في الألسن و تكرّر في الكلمات- من أنّ الإرادة هي الجزء الأخير من العلّة التامّة ليس مبرهناً عليه، بل إنّما هو صرف ادّعاء لا دليل عليه لو لم نقل بكون الوجدان شاهداً و قاضياً بخلافه، فإنّه من الواضح أنّ الإرادة المتعلّقة بالمراد فيما لو كان غير نفس تحريك العضلات ليست بعينها هي الإرادة المتعلّقة بتحريك العضلات لأجل‏

____________

(1)- نهاية الدراية 2: 72- 80.

(2)- الحكمة المتعالية 1: 436- 437، الطلب و الإرادة، الإمام الخميني قدس سره: 109، أنوار الهداية 1: 63.

51

تحقّق ذلك المراد، فالإرادة المتعلّقة بشرب الماء ليست هي نفس الإرادة المتعلّقة بتحريك العضلات نحو الإناء الواقع فيه الماء؛ لما قد حقّق في محلّه من عدم إمكان تعلّق إرادة واحدة بمرادين، و كذا لا يجوز تعلّق إرادتين بمراد واحد؛ ضرورة أنّ تشخّص الإرادة إنّما هو بالمراد، كما قرّر في محلّه‏ (1).

فإذا ثبتت تعدّد الإرادة، فنقول: إنّ الإرادة المتعلّقة بتحريك العضلات هي التي تكون علّةً تامّة لحركتها، لا لكون الإرادة علّةً لحصول كلّ مراد، بل لأنّه حيث تكون القوى مقهورةً للنفس محكومةً بالنسبة إليها، فلا محالة لا تتعصّى عن إطاعتها، كما أنّه ربّما يعرض بعض تلك القوى ما يمنعه عن الانقياد لها، فربّما تريد تحريكها و معه لا تتحرّك لثبوت المزاحم.

و بالجملة فالإرادة لا تكون علّةً تامّة بالنسبة إلى‏ كلّ مراد، بل إنّما تكون كذلك فيما لو كان المراد تحريك قوى النفس مع كونها سليمةً عن الآفة و قابلةً للانقياد عنها؛ لما عرفت من عدم التعصّي عنها، و حينئذٍ فلو فرض أنّ النفس أراد تحريكها في الاستقبال فهل الانقياد لها يقتضي التحرّك في الحال أو في الاستقبال؟

و الحاصل: أنّ منشأ الحكم بامتناع تعلّق الإرادة بأمر استقبالي هو كون الإرادة علّةً تامّة، و بعد ما عرفت من عدم كونها كذلك في جميع الموارد و في موارد ثبوتها لا ينافي كون المراد أمراً استقبالياً كما عرفت، لم يبق وجه لامتناع انفكاك الإرادة عن المراد بعد وضوح إمكان تعلّق الإرادة بما هو كذلك.

منها: أنّ ما ذكره في مقام الجواب عن المتن من أنّه إذا كان المراد ذا مقدّمات كثيرة تكون المقدّمات تابعةً لذيها بالنسبة إلى الشوق لا الإرادة، فيرد

____________

(1)- الحكمة المتعالية 6: 423- 424.

52

عليه- مضافاً إلى‏ ما ذكرنا في محلّه من أنّ الشوق ليس من مقدّمات الإرادة (1)؛ لأنّ الإنسان كثيراً ما يريد بعض الأشياء مع عدم الاشتياق إليه أصلًا، بل ربّما ينزجر عنه كمال الانزجار، كشرب الدواء مثلًا- أنّه لو سلّمنا ذلك، فلا نسلّم بالنسبة إلى المقدّمات؛ فإنّها لا تكون مشتاقاً إليها للمريد من حيث المقدّمية أصلًا، فكيف تتبع ذيها في الشوق؟!

هذا، مضافاً إلى أنّه لو لم يكن الشوق في ذي المقدّمة بالغاً إلى‏ حدّ إرادتها- كما اعترف به- فكيف يمكن بلوغه في المقدّمة إلى‏ حدّ الإرادة مع كونها مرادةً بوصف المقدّمية؟! كما لا يخفى‏.

هذا بالنسبة إلى‏ ما ذكره في الإرادة التكوينية.

و أمّا ما ذكره في الإرادة التشريعية التي هي محلّ النزاع في المقام.

فيرد عليه- مضافاً إلى أنّ البعث ليس لإيجاد الداعي للمكلّف إلى الفعل، بل لإيجاد موضوع الإطاعة و العصيان- أنّ امتناع انفكاك الانبعاث عن البعث الفعلي و إن كان غير قابل للمنع أصلًا إلّا أنّه لو فرض أنّ العبد مبعوث إلى‏ أمر استقبالي- كما في المقام- فامتناع تخلّف الانبعاث إنّما هو في وقت حضوره.

و بالجملة، فالبعث إلى الأمر الفعلي يمتنع انفكاك الانبعاث الفعلي إليه، و أمّا البعث إلى الأمر الاستقبالي فالانبعاث بالنسبة إليه يلحظ في زمان حضور وقت ذلك الأمر، كما لا يخفى‏.

ثمّ إنّه ذكر بعض الأعاظم‏- على ما في التقريرات المنسوبة إليها- في مقام امتناع الواجب المعلّق ما ملخّصه: أنّ امتناعه ليس لأجل استحالة تعلّق التكليف بأمر مستقبل، كيف و الواجبات الشرعية كلّها من هذا القبيل، و لا لعدم‏

____________

(1)- الطلب و الإرادة، الإمام الخميني قدس سره: 39، أنوار الهداية 1: 63.