تعريب تاريخ الأدب الجغرافي العربي - ج2

- إيكناتي يوليانوويج كراشكوفسكي المزيد...
503 /
468

الجزء الثاني‏

محتويات الكتاب‏

القسم الثاني الصفحة

الفصل السابع عشر: المقريزى و جغرافيو مصر إلى الفتح العثماني 471

ابن دقماق (ص 471)؛ خليل الظاهرى (ص 472)؛ ابن الجيعان (ص 475)؛ المقريزى (ص 476)؛ العينى (ص 487)؛ السيوطى (ص 488)؛ ابن إياس (ص 490).

الفصل الثامن عشر: الجغرافيا الإقليمية بالشام و فلسطين في القرنين الرابع عشر و الخامس عشر 500

ابن الوردى (ص 500) البدرى (ص 505)؛ الربعى (ص 508)؛ أبو المعالى (ص 508)؛ الواسطى، ابن الجوزى؛ ابن عساكر (ص 509)؛ أمين الدين (ص 510)؛ برهان الدين (ص 510)؛ احمد بن محمد المقدسى (ص 511)؛ الزركشى، السبكى (ص 512)؛ الأقفهمى، التدمرى، السيوطى (513- 515)؛ مجير الدين (ص 515)؛ العليمى (ص 515)؛ الفيروز أبادى (ص 516)؛ الباكوى (ص 517)؛ ابن عربشاه (ص 518).

الفصل التاسع عشر: الأدب الجغرافى الفارسى من القرن الخامس عشر إلى الآونة الحاضرة 525

حافظ آبرو (ص 525)؛ عبد الرزاق (ص 528)؛ على أكبر (ص 532)؛ أبو الفضل العلامى (ص 536)؛ أحمد أمين رازى (ص 539)؛ الصادق الأصفهانى (ص 541)؛ محمد بن أمير ولى (ص 542)؛ عبد اللطيف الششترى، ميرزا أبو طالب خان (ص 543)؛ زين العابدين الشروانى (ص 544)؛ ناصر الدين، رضا قلى خان (545)؛ محمد حسن خان (ص 548)؛ محمد تقى خان، حسن شيرازى فسائى (ص 550)؛ مسعود كيهان (ص 551)؛ زين العابدين المراغى (ص 552).

الفصل العشرون: الجغرافيا الملاحية لدى العرب و الترك في القرنين الخامس عشر و السادس عشر 562

المرشدات الملاحية «الرهنامجات» (ص 563)؛ ابن ماجد (ص 568)؛ سليمان المهرى (ص 578)، سيدى على ريس (ص 581)، پيرى ريس (ص 588).

الفصل الحادى و العشرون: الأدب الجغرافى التركى من القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر 607

على القوشجى (ص 608)؛ يازجى أوغلو أحمد بيجان (ص 610)، عبد الرحمن بن حسين حبرى، بادى أحمد (ص 613)؛ مصطفى بن على، مصطفى بن أحمد چلبى (ص 614)؛ محمد عاشق (ص 614)؛ حاجى خليفة (ص 618)؛ عربه چى باشى (ص 628)؛ أوليا چلبى (ص 638)؛ أبو بكر بن بهرام (ص 645)؛ صفى الدين عيسى القادرى (ص 646)؛ حسين هزارفن (ص 646)؛ منجم باشى (ص 647)؛ إدخال فن الطباعة بالحروف العربية (ص 648)؛ السفارات «سفارتنامه» (ص 654)؛ «سفارتنامه» القرن الثامن عشر (ص 657)؛ ترجمة الآثار الجغرافية الأوروبية في القرن الثامن عشر (ص 661)؛ المعاجم التاريخية- الجغرافية في القرن التاسع عشر (ص 662)؛ عبد الرحمن شرف (ص 663)؛ الجغرافيا الطبوغرافية و الإقليمية في القرن العشرين (ص 664).

469

الفصل الثانى و العشرون: المصنفات الجغرافية للقرن السادس عشر بسوريا و الأقطار المجاورة 679

النعيمى، العلماوى (ص 679)؛ العدوى، البصروى (ص 680)؛ ابن طولون (ص 680)؛ ابن فهد القرشى (ص 682)؛ ابن زنبل الرماح (ص 683)؛ عبد اللّه بن صلاح الدين الدائر (ص 684)؛ سلامش (ص 684)؛ قطب الدين النهروانى (ص 685)؛ العزى (ص 685)؛ سكيكر (ص 687)؛ حجيج (ص 689)؛ الحموى (ص 690)؛ الطالوى (ص 691)؛ محمد القدسى (ص 692)؛ السنهورى (ص 692).

الفصل الثالث و العشرون: القرن السابع عشر 699

افرام (ص 701)؛ إلياس الموصلى (ص 701)؛ مكاريوس (ص 706)؛ بولس (ص 707)؛ السوائى، الفرضى (ص 724)؛ التمرتاشى، محمد بن عارض، فضل اللّه بن محب الدين (ص 725)؛ كبريت المدنى (ص 726)؛ الخيارى (ص 726)؛ بدر الدين تابع الصديق (ص 727)؛ على بن أحمد بن معصوم المدنى (ص 727)؛ الحيمى الشوكياني (ص 728)؛ القليوبى (ص 730)؛ العياشى (ص 731)؛ الوزير الغسانى (ص 732)؛ الرعيفى القيررانى (ص 734)؛ المقرى (ص 735).

الفصل الرابع و العشرون: القرن الثامن عشر 753

الخليل (ص 754)؛ اللقيمى (ص 755)؛ عبد الرحمن الخطيب (ص 756)؛ محمد بن كنان الدمشقى (ص 756)؛ أحمد بن على المنينى (ص 757)؛ النابلسى (ص 757)؛ مرتضى الكردى، مرتضى بن على علوان، العباس بن على الموسوى الحسينى (ص 760)؛ السويدى (ص 761)؛ خضر الكلدانى (ص 762)؛ إلياس الغضبان، خليل الصباغ (ص 763)؛ ابراهيم الحليم (ص 764)؛ رحلة إلى روسيا (ص 765)؛ الدرعى (ص 765)؛ الشرافى الفاسى (ص 766)؛ الحجاجى، الورثيلانى، المثبيوى (ص 767)؛ مقديش، أبو راس محمد الناصرى (ص 768)؛ الزيانى (ص 770)؛ الغزال (ص 772)؛ الزبيدى (ص 774).

ثبت المراجع 783

(ا) ثبت المختصرات 785

(ب) المؤلفون الروس 789

(ح) المؤلفون الأوربيون 804

(د) المؤلفون الشرقيون 855

تعليق: بقلم الدكتورة عائشة عبد الرحمن 867

الفهارس 893

فهرست الأعلام 895

فهرست الأماكن و القبائل و الشعوب 937

فهرست الكتب و الرسائل 959

التصويبات 971

470

تاريخ الأدب الجغرافى العربى القسم الثانى‏

471

الفصل السابع عشر المقريزى و جغرافيو مصر إلى الفتح العثمانى‏

أصبحت مصر فى القرن الخامس عشر كما رأينا مثابة للأدب العربى بأجمعه، و ظلت تشغل هذه المكانة إلى الفتح العثمانى. و فيما يتعلق بالتأليف الجغرافى فإن الأمر الجدير بالملاحظة هو أن جميع الأنماط الجغرافية المعروفة لنا بالتقريب قد نمت و ترعرعت بها؛ و يصدق هذا بصورة خاصة على نمط الموسوعات الذى بلغ الأوج فى بداية القرن الخامس عشر و كان أكثر آثار ذلك العهد إبداعا و أصالة. و تسترعى النظر كما هو الحال من قبل الجغرافيا الإقليمية الإدارية(Administrative -regional Geography) التى نمت نموا مطردا فى أوساط عمال دولة المماليك، أما الجغرافيا الإقليمية فتقدم لنا نمط «الخطط» التاريخى الطوبوغرافى الذي بلغ ذروته في مصنف المقريزى المشهور. و إلى جانب هذا فإن المؤرخين أنفسهم لم يكتفوا بضم مادة جغرافية كبيرة إلى مصنفاتهم فى التاريخ العام أو التاريخ المحلى بل عالجوا أحيانا الكتابة فى الأنماط الجغرافية المختلفة.

و خير ممثل لهذا الصنف من المؤلفين فى بداية العصر هو صارم الدين إبراهيم بن محمد بن دقماق المصرى الذي غلب عليه اسم ابن دقماق‏ 1؛ و قد شغل لبعض الوقت أثناء سلطنة محمد الناصر منصب الوالى بدمياط، غير أن اهتمامه الأكبر كما يبدو كان منصرفا إلى كتابة التاريخ، كما و أنه كان يعد فى مجال الفقه من غلاة الحنفية و هو أمر جر عليه بعض المتاعب فى مصر التى غلب عليها مذهب الشافعى. و من مصنفاته سفر ضخم فى التاريخ في إثنى عشر جزءا وصل به إلى عام 779 ه- 1377 و أتمه فى عام 784 ه- 1382، و لم يتبق منه سوى بضعة أجزاء بخط يد المؤلف نفسه موجودة بمكتبة غوتاGotha بألمانيا؛ كما عهد إليه الظاهر برقوقى (توفى فى عام 801 ه- 1398) بكتابة تاريخ ولاة مصر فوصل به إلى عام 804 ه- 1402. أما مصنفه الجغرافى فكان على ما يظهر من أواخر آثاره العلمية و لعله لم يكمله؛ و من المحتمل أنه حاول تحت تأثير نمط «الفضائل» القديم من جهة و الجغرافيا الإقليمية الإدارية* * * من جهة أخرى أن يصف الأمصار العشرة الكبرى فى العالم الإسلامى موليا اهتمامه الأكبر إلى مدن مصر و مبينا فضلها على بقية المدن، و لهذا فقد أطلق على كتابه اسم «كتاب الانتصار لواسطة عقد الأمصار» 2. و قد حفظ لنا من هذا الكتاب الجزآن الرابع و الخامس فى مخطوطة بدار الكتب المصرية بخط يد المؤلف و لم يكن قد انتهى من صياغتها فى صورتها النهائية. هذان الجزآن يعالجان الكلام على القاهرة و الإسكندرية و يحملان فى بعض الأحيان عنوانا منفصلا أبعد من أن نرجع إلى المؤلف نفسه و هو «الدرة المضية فى فضل مصر و الإسكندرية».

472

و المصنف لا يتمتع بأية ميزات أدبية بل يقتصر على تعداد جاف المعالم المدينة الهامة مع الاكتفاء بتعليقات تختلف طولا و قصرا، و هو يبدأ بالكلام على مدينة الفسطاط مفصلا القول على أحيائها و أسواقها و بركها و مساجدها و معاهدها و أبنيتها و أديارها و كنائسها الخ. و ابن دقماق يستشهد من وقت لآخر بالأشعار التى يرد فيها ذكر المواضع التى يعالج الكلام عليها و لو أنه لا يبالغ فى ذلك كما هو الشأن مع المؤلفين الآخرين؛ و من الطبيعى ألا تتساوى من حيث الأهمية جميع الموضوعات التى يتكلم عنها فجزيرة الروضة مثلا تحتل أهمية خاصة لديه و ذلك لارتباطها بذكريات أدبية معينة. و هو يطبق الطريقة التى لجأ إليها فى وصف الفسطاط فى كلامه على بقية حواضر مصر فيبدأ بالقريبة من القاهرة مثل اطفيح و أسيوط الخ و يعقبها بالبعيدة؛ ثم يرجع إلى الكلام مرة أخرى على القاهرة قبل أن ينتقل إلى الإسكندرية، و من الملاحظ أن القسم الذى أفرده للكلام على هذه المدينة الثانية لا يبدو أنه قد أتمه إذ يقتصر فى حقيقة الأمر على سرد للأساطير المتعلقة بها دون أن يتعرض لوصفها.

و الكتاب يوحى بصورة عامة أنه لم يتمم إذ كثيرا ما نلتقى فى النسخة الموجودة بخط يد المؤلف ببياض فى الأصل يمس الأرقام بشكل خاص، و من حقنا أن نفترض أنه لم يقدر للمؤلف أن ينفذ خطته بالتمام لذا فلم يتمكن إلا من تدوين جزئين‏ 3 من العشرة التى كان ينوى كتابتها؛ و قد وصل إلى نفس هذه النتيجة ناشر الكتاب العلامة فولرزVollers عند فحصه لمسألة استعمال المقريزى لمصنف ابن دقماق فى كتابه في «الخطط». و كان المقريزى من تلامذة ابن دقماق‏ 4 فلا عجب أن عرف مؤلفاته جيدا، غير أن الغريب فى الأمر هو أنه لا يشير فى أى موضع إلى «كتاب الانتصار» بل و يصرح عند تعداده لمصادره أن آخر من كتب فى الخطط هو ابن المتوج المعروف‏ 5. و بما أن المقريزى بدأ نشاط، العلمى بدراسة العلوم الشرعية فقد دفع ذلك فولرز إلى الافتراض بأنه اشتغل بالتاريخ عقب وفاة ابن دقماق‏ 6 و بذلك لم يتعرف على* * * مصنفاته هذه؛ و من الممكن أنه قد أغفل ذكره عن عمد لأن المقريزى كان شافعيا متطوعا. و وجود الكتاب فى مخطوطة وحيدة يدفع إلى الاعتقاد بأن نسخة المؤلف قد وقعت فى وقف أحد مساجد القاهرة و ظلت مجهولة من الجميع‏ 7؛ و على أية حال فإن تاريخ تدوينه يقع بعد عام 793 ه 1391 8.

و كان ابن دقماق رجلا واسع الاطلاع إذا حكمنا من مصنفاته التاريخية، و هو يستقى مادته الجغرافية من مؤلفين معروفين لنا فينقل عن الحوقلى (ابن حوقل) و المؤلفين الذين يعالجون الكلام بصورة خاصة على مصر كالكندى و ابن عبد الحكم و القضاعى و ابن زولاق كما ينقل أيضا عن ابن سعيد و الإدريسى‏ 9.

و يقرر فولرز أن ابن دقماق قد استعان بمصادر أفضل من تلك التى لجأ إليها المقريزى و أنه وقف منها موقفا أكثر جدية فلم تجتذبه الغرائب و العجائب كما حدث مع الأخير 10. هذا و تتعارض المصادر حول تاريخ وفاته و لكن أقربها إلى الواقع هو عام 809 ه- 1407 11.

و على نقيض ابن دقماق كان إداريا أكثر منه عالما خليل بن شاهين الظاهرى (المتوفى فى عام 872 ه-

473

1468) 12 أحد كبار رجال دولة المماليك؛ و كان أبوه من مماليك السلطان الظاهر سيف الدين و إليه نسب الابن‏ 13. و قد ولد خليل الظاهرى بالقدس فعرفها معرفة مباشرة 14 و لكنه تلقى تعليمه بمصر و شغل منذ السنوات الثلاثينات للقرن الخامس عشر عددا من المناصب الهامة في حكومة المماليك فكان واليا على الإسكندرية لبعض الوقت و أميرا للحج لعام 840 ه- 1436، و أصبح فيما بعد واليا على نواح من فلسطين مثل الكرك و صفد و أخيرا تولى منصبا هاما بدمشق. و كان لتقلبه في مناصب الدولة المختلفة أن مكنه هذا من التعرف عن كثب على ولاياتها الكبرى و هى مصر و الشام و الحجاز أيضا التى كانت تعترف بالتبعية السياسية لدولة المماليك؛ و لعل نشاطه الإدارى هو الذى دفعه فى عهد السلطان جقمق (842 ه- 857 ه- 1438- 1453) 15 إلى التفكير فى وضع مدخل من أجل عمال الدولة فبدأ عمله بكتابة مجلدين ضخمين فى أربعين بابا و لكنه لما أبصر ضخامة مؤلفه اختصره فى اثنى عشر بابا بعنوان «زبدة كشف الممالك فى بيان الطرق و المسالك‏ 16». و من العبث أن نحاول الاستقراء* * * من عنوان الكتاب أن المؤلف أراد أن يضع مصنفا من نمط «المسالك» المعروف لنا جيدا، فالأمر ليس كذلك؛ و وجود لفظ «المسالك» اقتضاه العنوان المسجوع للكتاب و بخلاف هذا فإن الكتاب فى واقع الأمر يمثل شيئا أقرب إلى تقويم حكومى لأراضى دولة المماليك الغرض منه أن يكون مرجعا لموظفى الدولة و للمهتمين بالمسائل السياسية و الدبلوماسية 17؛ و أقرب شبيه له فى هذا المضمار هو كتاب «التعريف» للعمرى؛ و رغما من فقدان الصلة المباشرة بين الكتابين‏ 18 إلا أن الشبه بينهما لم يأت عفوا كما أثبت ذلك هارتمان‏Hartmann الذى أخضعهما لتحليل دقيق.

و مما لا شك فيه أن المقارنة بين هذين الأثرين ليست فى صالح الظاهرى بأية حال؛ و سبب ذلك أن الظاهرى لم يقصد بكتابه الفائدة و المعرفة فقط بل أراد به أيضا المتعة و التهذيب‏ 19 فخرج الكتاب كما يقول هارتمان مليئا بالهراء من حيث أراد صاحبه التسلية و المتعة و مفعما بالغث من حيث أراد منه التهذيب و التوجيه. و من ثم فلا يمكن مقارنته فى أى شى‏ء بكتاب العمرى‏ 20 لأن هذا الأخير جمع بجد و اهتمام كل ما هو ضرورى من أجل كتاب الإنشاء ببلاط السلطان على عكس خليل الظاهرى الذى استهدف الإمتاع‏ 21 و أراد من وقت لآخر إشباع نزعاته الأدبية رغما عن افتقاره التام إلى الذوق الأدبى. و هو يورد فى كتابه عددا كبيرا من الأقوال المأثورة و قصص التقى و الورع‏ 22 و لكنه يسبغ على مضمونها طابعا مميزا من سماته الشخصية التى يوجد من بينها على حد تعبير هارتمان المغالاة فى إظهار التدين و فى الاهتمام بالدين و هى صفة تقرب كثيرا بين خليل الظاهرى و عدد من الكتاب المتأخرين كالرحالة المعروف عبد الغنى النابلسى، و تدفعه إلى سرد أخبار لا تحصى عن المواضع المقدسة 23. كذلك من سماته الرضى عن النفس و يتمثل هذا فى الاقتباسات التى ينقلها من قصائد المدح التى قيلت فيه و أيضا فى العدد الضخم من قصائده هو التى أضافها فى آخر الكتاب هذا بالرغم من افتقارها البين إلى الجودة 24. و هو لم يجهد فى استيعاب مادته‏

474

الخبرية أو يتوخى الدقة فى روايتها 25، مثال ذلك أنه لا يفصّل الكلام على نظام الإدارة فى دولة المماليك و أنه كثيرا ما ينقل إحصائياته لا من الوثائق الرسمية المعاصرة بل من مؤلفات قديمة طال عليها العهد 26؛ و على خلاف العمرى فإنه لا يقدم نماذج لصيغ المكاتبات الرسمية من ذلك الضرب الذى حفل به كتاب «التعريف» 27.

و أمام هذا التحليل القاسى فإن الحكم على مؤلفنا قد يبدو سلبيا للغاية، غير أن خليل الظاهرى لحسن الحظ لا يفتقر إلى بعض* * * الميزات فهو قد جهد فى تقديم صورة متكاملة الجوانب للنظام الإدارى بمصر كما أن الباب الأول من كتابه الذى يعد أوسع فصوله جميعا يعرض لنا تحليلا جغرافيا عاما للحجاز و بعض فلسطين و مصر و سوريا، و فى الباب الثانى ينتقل إلى الكلام على نظام السلطنة و ما يتحلى به السلطان من الصفات و يصف الموكب الشريف و الملبوس .. و فى الباب الثالث و الأبواب التى تليه و هى أصغر بكثير من سابقتها من حيث الحجم يرد الكلام بالتوالى على الخليفة «أمير المؤمنين» و قاضى القضاة و أئمة الدين و على الوزارة و ما يرتبط بها من مناصب و دواوين. و قد أفرد بعض الأبواب القصيرة للكلام على أولاد الملوك و على الأمراء، كما يتعرض فيها للكلام على بعض المناصب مما لم يعالجه فى الأبواب السابقة. و فى الباب السابع يصف بعض دور الحكومة على حين يفرد الثامن للكلام على ملحقات الدور السلطانية و التاسع للكلام عن صيانة الجسور و الطرق و عن تقسيم الولايات. و أغلب الظن أن الأبواب الثلاثة الأخيرة للكتاب قد أضيفت بالتدريج و هى تسوق العرض وفقا لمنهج مغاير بعض الشي‏ء، فالباب العاشر أشبه بوصف لنظام الجيوش عند المماليك هذا بينما يعالج الحادى عشر الكلام على العربان و التركمان و الأكراد خاصة من زاوية تزويدهم مصر بالمماليك. أما الباب الثانى عشر فيحمل طابعا يسوده الخلط و الصدقة إذ يضم أساطير عن شداد و فرعون، كما يضم قصائد للأمراء المعاصرين للمؤلف. و رغما من التلون الذى يغلب على مادة الكتاب و عدم تمسك المؤلف بخطته فى الأبواب الأخيرة منه فإنه لا يمكن بأية حال إنكار أن المادة التى تحتويها الأبواب الأولى ضخمة و هامة و لو أنه يجب الاعتراف بأنّها تتراوح من حيث أهميتها. و على أية حال فقد استطاع خليل الظاهرى بفضل منصبه الحكومى أن يفيد أحيانا من الوثاق الحكومية 28، و يلاحظ هارتمان هذا بصورة خاصة فى القسم الذى أفرده للكلام على البريد و هو أقيم ما فى الكتاب بأجمعه‏ 29؛ و يكتسب أهمية خاصة تعداده لمنازل البريد و محطاته لا لأنه يذكر أسماء مواضعها الرئيسية فحسب كما فعل معظم المؤلفين قبله بل لأنه يقدم لنا تفاصيل ذات أهمية كبرى؛ و مما يؤسف له حقا أن متن الكتاب فى هذا الموضع ليس فى حال تبعث كثيرا على الرضى‏ 30. و إلى جانب المادة الإخبارية التى يوردها و التى كما رأينا لا تخلو من القيمة فإنه يجب الاعتراف بأن الكتاب لا يخلو من أهمية فى حد ذاته لأنه ينتمى إلى عصر لم تصلنا منه مادة جغرافية وفيرة، أضف إلى هذا أن المطبوع منها فى صورة مرضية أقل من ذلك بكثير 31. و هو معروف حتى الآن فى الملخص الذى عمله المؤلف و الذى أشرنا إليه فى حينه؛ و أغلب‏

475

الظن أن المسودة الأصلية قد فقدت. و قد ظهر أكثر من مرة الرأى القائل بأنها هى التى رجع إليها فى القرن الثامن عشر الرحالة المعروف فولنى‏Volney فى وصف رحلته بمصر و سوريا (1787)، غير أن التحليل الذى قام به هارتمان أثبت* * * أن المسودة التى وجدت بين يدى الرحالة هى نفس الملخص المعروف لنا 32.

لقد حدث و أن أشرنا إشارة عابرة أثناء كلامنا عن مصر فى القرن الرابع عشر إلى أحد معاصرى خليل الظاهرى، و هو سليل أسرة من تلك الأسر القبطية التى اعتاد حكام مصر استخدامها فى وظائف الدولة* * * الدولة آنذاك‏ 33 و اسمه الشيخ أبو البقاء بن الجيعان‏ 34؛ و قد ساق التشابه فى الأسماء إلى الخلط بينه و بين سميه السابق له و الذى كان من موظفى الديوان أيضا 35. و حمل صاحبنا لقب «مستوفى ديوان الجيش» 36 أى أشبه ما يكون برئيس لكتبة الإدارة العسكرية؛ و من المحتمل أنه قد وضع مصنفه فى البداية ليكون مرشدا للعاملين فى تلك الإدارة؛ و هو كتاب جاف للغاية و لكنه لا يخلو من الفائدة و عنوانه «التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية». و يقول المؤلف فى مقدمة كتابه «فهذا كتاب أذكر فيه ما بإقليم مصر من البلدان و عبرة (*) كل بلد و كم مساحتها من فدان؛ أولا بذكر الإقليم على وجه الإجمال و أذكر عبرة الأقاليم المذكورة على ما استقر عليه الحال فى أيام الأشرف شعبان، و إن تغيرت عبرة بلدة عما كانت عليه ذكرت عبرتهاj «الآن» 37. و المؤلف كما يبصر من ألفاظه يستدرك بقوله إن مادته ترجع إلى عهد السلطان شعبان، و كما رأينا من قبل فإن المرجع الرئيسى فى هذا الصدد هو «تقويم البلدان المصرية فى الأعمال السلطانية» الذى تم تأليفه بالديوان السلطانى حوالى عام 777 ه- 1375؛ و مما يقف دليلا على الأهمية العملية لكتاب ابن الجيعان فيما يتعلق بإدارة مصر هو أنه نقل إلى التركية 38.

و لابن الجيعان مؤلف آخر ذو طابع جغرافى بمثل بالنسبة لنا أهمية كبرى، ففى عام 882 ه- 1477 قام السلطان قايتباى برحلة فجائية إلى الشام أخفى الغرض من زيارتها حتى على من أخذوا طرفا فيها و يلوح أن المقصود منها كان التأكد من أن التحصينات القائمة على الحدود مع آسيا الصغرى فى حالة جيدة تستطيع معها الوقوف ضد العثمانيين إذا ما فكروا فى مهاجمة الشام‏ 39. و كان من بين رجال حاشيته ابن الجيعان الذى ترك لنا وصفا لهذه الرحلة فى كتاب صغير بعنوان «القول المستظرف فى سفر مولانا الأشرف» أخرجه فى طبعة حجرية المستشرق الإيطالى لانتزونى‏R .Lanzone فى عام 1878 و له ترجمة إنجليزية* * * بقلم ديفونشيرR .Devonshire (1922)؛ هذا و قد نسب الناشر سهوا تأليف الكتاب إلى ناسخه‏ 40 إبراهيم الطبّى‏ 41. و ابن الجيعان يذكر نفسه ضمن الحاشية و قد جاء بألفاظه أنه و جد بينها «العبد أبو البقاء بن الجيعان» 42، و مما يوكد مشاركته فى هذه الرحلة أن المؤرخ ابن إياس يذكر ذلك بل و يضيف إلى هذا أن قايتباى، قد حفظ أمرها سرا 43.

____________

(*) عبر البلد أو عبرتها خراجها و غلتها. (المترجم)

476

و تكمن الميزة الأساسية لهذا الأثر فى بساطته و فى معلوماته المباشرة، و يلوح أن ابن الجيعان قد دون الجزء الأكبر منه دون أن يعمل فيه بيد التنقيح لذا فقد كثرت فيه الألفاظ و العبارات المكررة مما يحمل على الاعتقاد بأنه قد كتبه فى الأصل على شكل يوميات لم يلبث أن ضم بعضها إلى بعض دون إضافات أو تعديلات ذات بال. و على نقيض كتابه «التحفة» فقد كان هدفه هنا وضع أثر أدبى إن لم يكن فى أسلوب رفيع على الدوام فهو قريب منه على الأقل، لذا فإنه تقابلنا فى مواضع عديدة منه جمل مسجوعة و أشعار متكلفة ليست بذات قيمة تذكر. و نظرا لأنه قد شغل فى هذه الرحلة وصفا أشبه بوضع مؤرخ للبلاط فقد وجد نفسه بطبيعة الحال خاضعا لالتزامات معينة فكان من الضرورى عليه مثلا أن يفسح المجال المدح ولى نعمته و لعل هذا هو السبب فى اختتامه الكتاب بمقارنة بين فايتباى و الظاهر بيبرس (658 ه 1277) بصدد ما قام به كل منهما بالشام، أخرج منها الأخير بصفقة المغبون‏ 44 و هو أمر لا يقره عليه أحد، غير أن أسلوب الكتاب يجب ألا يقف حائلا دون الاعتراف بقيمته و بصحة معطياته، فوصفه للطريق بين مصر و الشام كان ذا فائدة كبرى للمستشرق هارتمان فى بحثه الخاص الذى أفرده لهذا الموضوع‏ 45.

و قتل ابن الجيعان عام 902 ه- 1497 فى أحد شوارع القاهرة بيد مملوك مجهول و هو فى سن الستين بحسب رواية ابن إياس‏ 46. و كتابه «المستظرف» لا يمثل بطبيعة الحال النموذج الوحيد لتدوين رحلة أمير كبير بقلم أحد رجال حاشيته إما بتكليف منه أو لنيل عطفه؛ و قد استمر هذا الضرب من الرحلات مزدهرا لعدة قرون بل إننا نلتقى به فى القرن العشرين فى مصنف مشابه و لكنه يقوم على أساس مخالف كل المخالفة أعنى رحلة البتانونى التى رفعها إلى خديو مصر عباس حلمى.

لقد شهد عصر المماليك كما أبصرنا انتعاش و ازدهار نمط الموسوعات، و لكنه إلى جانب هذا بلغ فيه المقريزى القمة بنمط آخر هو نمط «الخطط». و سنرى فيما يلى أن المقريزى و إن لم يكن آخر المؤلفين فى هذا الباب إلا أنه أعظمهم مكانة.

و المقريزى بوجه عام شخصية ضخمة بين مؤرخى مصر الإسلامية ليس فقط لدقة روايته التى لا تقف دائما فوق مستوى النقد بل قبل كل شى‏ء لنشاطه الجم الذى لا يعرف الكلل و لا تساع أفق دراساته و اهتمامه الكبير بالجانب الاجتماعى و الديموغرافى(Demographic) للتاريخ‏ 47. و يمكن إلى حد ما اعتباره أبا لتلك المدرسة التاريخية التى ازدهرت بمصر فى ذلك العصر و قدمت لنا أسماء لامعة كمعاصريه العينى و ابن حجر و تلميذه ثم منافسه أبى المحاسن‏ 48، و من ممثلى الأجيال التالية السخاوى الذى كان يضمر له بعض السوء ثم العلامة الكبير السيوطى، و أخيرا المؤرخ ابن إياس الذى شهد الفتح العثمانى‏ 49.

و سنلتقى ببعضهم ممن عالجوا الكلام فى موضوعات جغرافية فى سياق هذا الفصل.

و المقريزى‏ 50 أو ابن المقريزى كما يدعى أحيانا هو تقى الدين أحمد بن على، ولد بالقاهرة فى عام 766 ه- 1364 و أحس من نفسه دائما مواطنا مصريا غيورا كما سنبصر هذا من مقدمته لكتابه «الخطط». و كان‏

477

من أساتذته ابن خلدون؛ و قد بدأ دراسته على ما يبدو بالتخصص فى العلوم الشرعية و كان من غلاة الشافعية على عكس أحد أساتذته و هو ابن دقماق الحنفى؛ و كما لاحظ أحد معاصريه و هو أبو المحاسن‏ 51 فإن بغضه للحنفية قد انعكس فى مؤلفاته. و قام المقريزى بتدريس الحديث فى سن مبكرة بالقاهرة ثم تقلب فى الوظائف فشغل منصب القضاء بها و ولى الحسبة بعد ذلك. و انتقل إلى دمشق عام 811 ه- 1408 فى مهام مشابهة جمع إليها التدريس و إدارة الوقف؛ و رجع إلى القاهرة بعد عشرة أعوام و منذ تلك اللحظة كرس حياته كلية للكتابة فى التاريخ الذى شعر دائما بميل شديد نحوه كما سنرى من مقدمة كتابه. و قد أدى المقريزى فريضة الحج مع أسرته فى عام 834 ه- 1430 و اغتنم هذه الفرصة فأقام بعض الوقت بالحجاز و هناك استطاع أن يتعرف عن طريق الحجاج على بلاد العرب الجنوبية بل و الحبشة أيضا، مما تردد صداه بالتالى فى مصنفاته التاريخية. و رجع من الحجاز فى عام 839 ه- 1435 و استقر نهائيا بالقاهرة إلى وفاته بها فى عام 845 ه- 1442.

و يبدو أن التاريخ قد تملك على المقريزى فعلا شغاف قلبه، و هو على نقيض غالبية العلماء العرب لم يترك بالتقريب مصنفا فى ميدان آخر بخلاف التاريخ. و لكنه فى مقابل هذا فإن عدد مصنفاته التاريخية كبير للغاية، أضف إلى هذا أن قسما كبيرا منها قد حفظ لنا أحيانا بخط يد المؤلف نفسه‏ 52. و رغما من مرور قرن من الزمن فلا نستطيع إلا أن نوافق كاترميرQuatremere فى حكمه الأساسى على المقريزى حينما قال: «إنه لمن دواعى* * * الدهشة حقا أن نتصور مدى و أهمية إنتاج المقريزى فهو قد ألقى ضوءا ساطعا فى أبحاثه الواسعة التى لا تعرف الكلل على كل ما يمس التاريخ السياسى و الأدبى للشرق و بوجه خاص مصر» 53.

و إذا ألقينا نظرة إلى ثبت مؤلفاته العديدة بان لنا هدفه واضحا تمام الوضوح، فمركز الصدارة بالنسبة له يحتله تاريخ مصر الطبوغرافى (الخطط) و المحلى و لكنه فى ذات الوقت لا يهمل جيرانها إلى حدود المغرب و الحبشة و بلاد العرب الجنوبية، كما يولى أهمية خاصة للمسائل التاريخية و الحضارية المتصلة بالموازين و النقود 54؛ و لعل هذا الموضوع الأخير يعكس تأثير وظيفة المحتسب التى شغلها لبعض الوقت.

و لمصر كرس المقريزى سلسلة كبيرة من المصنفات تشمل جميع الأنماط التاريخية بالتقريب، فقد كتب* * * فى تاريخ الفاطميين و فى تاريخ الأيوبيين و المماليك (ساقه إلى عام 1440) و وضع معجما كبيرا فى السير لم يتمه هذا خلاف عدد من الرسائل فى موضوعات مختلفة.

أما الموضوعات الجغرافية فقد مسها بطبيعة الحال فى مؤلفاته التاريخية و لكنه أفرد لها إلى جانب هذا مجهودا خاصا فنحن نعلم مثلا أنه قام بتعديل و تنقيح المسودة الأولى للمعجم الجغرافى للحميرى «الروض المعطار» 55 الذى مر بنا الكلام عليه بيد أن هذا ليس هو السبب الذى يجعلنا نقف للكلام عليه فى عرض عام للأدب الجغرافى، بل إن السبب فى ذلك هو مصنفه الرئيسى الذى يكاد يكون الأثر الأكبر فى مجهود حياته العلمية أعنى كتابه المشهور «الخطط» الذى يرتبط بالتاريخ و بالجغرافيا التاريخية على حد السواء.

478

نشأ نمط الخطط بمصر و كان له فيها تاريخ مجيد معروف لنا جيدا بل و حدث أن لمسنا أكثر من مرة لحظات معينة فى تطوره الخلاق. و يقدم لنا المقريزى فى كتابه حصيلة هذا المجهود و يدفعه إلى الأمام بصورة ملحوظة محددا فى ذات الوقت أهدافه و أغراضه و موقفه هو منه؛ و قد عرض المقريزى أفكاره هذه فى مقدمة كتابه. فبعد أن حدد الدوافع التقليدية المعهودة التى كأنما يوردها «دفاعا» عن نفسه أو ربما خضوعا منه للالتزامات الأدبية المعمول بها يأخذ المقريزى فى توضيح الاعتبارات و العوامل الشخصية التى حدت به إلى تأليف الكتاب و يعكس خلال هذا حبا عميقا لوطنه مصر و شغفا كبيرا بتخليد آثارها 56. و أقل طرافة من هذا تلك الأقسام من مقدمته التى يسوق فيها 57 الكلام المعهود فى تبرير الاشتغال بالعلوم التاريخية و بالجغرافيا و ذلك عن طريق الاستشهاد بالآيات القرآنية و الأحاديث النبوية. و بعد أن يورد الصيغ المعروفة و التى نلتقى بها عادة لدى جميع المؤلفين ينتقل المقريزى إلى جوهر موضوعه فيقول:

«و بعد فإن علم التاريخ من أجل العلوم قدرا، و أشرفها عند العقلاء مكانة و خطرا، لما يحويه من المواعظ و الإنذار، بالرحيل إلى الآخرة عن هذه الدار، و الاطلاع على مكارم الأخلاق ليقتدى بها* * *، و استعلام مذامّ الفعال ليرغب عنها أولو النّهى، لا جرم أن كانت الأنفس الفاضلة به وامقة، و الهمم العالية إليه مائلة و له عاشقة، و قد صنف الأئمة فيه كثيرا، و ضمّن الأجلة كتبهم منه شيئا كبيرا.

و كانت مصر هى مسقط رأسى و ملعب أترابى و مجمع ناسى، و مغنى عشيرتى و حامتى، و موطن خاصتى و عامتى، و جوّى الذى ربى جناحى فى و كره، و عشّ مأربى فلا تهوى الأنفس غير ذكره، لازلت مذ شدوت العلم، و آتانى ربى الفطانة و الفهم، أرغب فى معرفة أخبارها، و أحب الإشراف على الكثير من آثارها، و أهوى مساءلة الركبان عن سكان ديارها، فقيدت بخطى فى الأعوام الكثيرة من ذلك فوائد قل ما يجمعها كتاب، أو يحويها لعزتها و غرابتها إهاب، إلا أنها ليست بمرتّبة على منوال، و لا مهذبة بطريقة واحدة و مثال، فأردت أن ألخص منها أنباء ما بديار مصر من الآثار الباقية، عن الأمم الماضية و القرون الخالية، و ما بقى بفسطاط مصر من معاهد غيرها أو كاد البلى و القدم، و لم يبق إلا أن يمحو رسمها الفناء و العدم و أذكر ما بمدينة القاهرة، من آثار الفصور الزاهرة، و ما اشتملت عليه من الخطط و الأصقاع، و حوته من المبانى البديعة الأوضاع، مع التعريف بحال من أسس ذلك من أعيان الأماثل، و التنويه بذكر الذى شادها من سراة الأعاظم و الأفاضل، و أنثر خلال ذلك نكتا لطيفة، و حكما بديعة شريفة، من غير إطالة و لا إكثار، و لا إجحاف يخلّ بالغرض و لا اختصار، بل وسط بين الطرفين، و طريق بين بين، فلهذا سميته كتاب المواعظ و الاعتبار، فى ذكر الخطط و الآثار.

و إنى لأرجو أن يحظى إن شاء اللّه عند الملوك، و لا ينبو عنه طباع العامّى و الصعلوك، و يجلّه العالم المنتهى، و يعجب به الطالب المبتدى، و ترضاه خلائق العابد الناسك، و لا يمجه سمع الخليع الفاتك، و يتخذه أهل الرفاهية و البطالة سمرا، و يعده أولو الرأى و التدبير موعظة و عبرا، يستدلون به على عظيم‏

479

قدرة اللّه تع فى تبديل الأبدال، و يعرفون به عجائب صنع اللّه سبحانه من تنقل الأمور من حال بعد حال» 58.

من هذا يبدو جليا كيف عمل المقريزى حسابا لاعتبارات تثقيفية تعليمية وسط المادة العلمية التى يصوغها و كيف يفسح عرضه العلمى أحيانا الطريق إلى اتجاهات بلاغية، فعقب القطعة التى مرت بنا يجتذبه الدافع الأدبى قدما فيحاول استدرار عطف القارئ(captatio benevolontine) باصطناع التواضع و المذلة و ذلك بتصوير ضعفه و الظروف القاسية التى تم فيها تأليف الكتاب‏ 59؛ و هو فى أثناء كلامه هذا يستشهد بأشعار معروفة على وجه العموم و لا تمثل بأية حال أهمية خاصة بالنسبة لنا؛ و لكن يتلو هذا عبارات، تكتسب أحيانا أهمية جوهرية، من ذلك قوله:

«اعلم أن عادة القدماء من المعلمين قد جرت أن يأتوا بالروؤس الثمانية قبل افتتاح كل كتاب و هى، الغرض، و العنوان، و المنفعة، و المرتبة، و صحة الكتاب، و من أى صناعة هو، و كم فيه من الأجزاء، و أى أنحاء التعاليم المستعملة فيه.

فنقول، أما الغرض فى هذا التأليف فإنه جمع ما تفرق من أخبار أرض مصر و أحوال ملكها كى يلتئم من مجموعها معرفة جمل أخبار إقليم مصر و هى التى إذا حصلت فى ذهن إنسان اقتدر على أن يحبر فى كل وقت بما كان فى أرض مصر من الآثار الباقية و البائدة و يقص أحوالها من ابتدأها من حلّها و كيف كانت مصاير أمورهم و ما يتصل بذلك على طريق الأتباع لها بحسب ما تحصل منه الفائدة الكلية بذلك الأثر.

و أما عنوان هذا الكتاب أعنى الذى و سميته به فإنى لما فحصت عن أخبار مصر و جدتها مختلفة متفرقة فلم يتهيأ لى إذا جمعتها أن أجعل وضعها مرتبا على السنين لعدم ضبط وقت كل حادثة لا سيما فى الأعصر الخالية و لا أن أضعها على أسماء الناس لعلل أخر تظهر عند تصفح هذا التأليف فلهذا فرقتها فى ذكر الخطط و الآثار فاحتوى كل فصل منها على ما يلائمه و يشاكله و صار بهذا الاعتبار قد جمع ما تفرق و تبدد من أخبار مصر و لم أتحاش من تكرار الخبر إذا احتجت إليه بطريقة يستحسنها الأريب، و لا يستهجنها الفطن الأديب، كى يستغنى مطالع كل فصل منه بما فيه عما فى غيره من الفصول فلذلك سميته كتاب المواعظ و الاعتبار فى ذكر الخطط و الآثار.

و أما منفعة هذا الكتاب فإن الأمر فيها يتبين من الغرض فى وضعه و من عنوانه أعنى أن منفعته هى أن يشرف المرء فى زمن قصير على ما كان فى أرض مصر من الحوادث و التغييرات فى الأزمنة المتطاولة و الأعوام الكثيرة فتهذّب* * * بتدبر ذلك نفسه و ترتاض أخلاقه فيحب الخير و يفعله و يكره الشر و يتجنبه و يعرف فناء الدنيا فيحظى بالاجتناب عنها و الإقبال على ما يبقى.

و أما مرتبة هذا الكتاب فإنه من جملة أحد قسمى العلم اللّذين هما العقلى و النقلى فينبغى أن يتفرّغ لمطالعته و يتدبّر مواعظه بعد إتقان ما تجب معرفته من العلوم النقلية و العلوم العقلية فإنه يحصل بتدبره لمن‏

480

أزال اللّه أكنّة قلبه و غشاوة بصره نتيجة العلم بما صار إليه أبناء جنسه بعد التخوّل فى الأموال و الجنود، من الفناء و البيود، فإذا مرتبته بعد معرفة أقسام العلوم النقلية و العقلية ليعرف منه كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبل.

و أما واضع هذا الكتاب و مرتبه فاسمه سيدنا الشيخ الإمام العالم العلامة تقى الدين أحمد بن على بن عبد القادر بن محمد و يعرف بابن المقريزى رحه ولد بالقاهرة المعزية من ديار مصر بعد سنة ستين و سبعمائة من سنى الهجرة المحمدية و رتبته من العلم ما يدل عليه هذا الكتاب و غيره مما جمعه و ألفه.

و أما من رأى علم هذا الكتاب فإنه من علم الأخبار و بها عرفت شرائع اللّه التى شرعها و حفظت سنن أنبياء اللّه و رسله و دوّن هديهم الذى يقتدى به من وفقه اللّه إلى عبادته و هداه إلى طاعته و حفظه من مخالفته و بها نقلت أخبار من مضى من الملوك و الفراعنة و كيف حل بهم سخط اللّه لما أتوا ما نهوا عنه و بها اقتدر الخليقة من أبناء البشر على معرفة مادونوه من العلوم و الصنائع و تأبى لهم علم ما غاب عنهم من الأقطار الشاسعة و الأمصار المتباينة و غير ذلك مما لا ينكر فضله و لكل أمة من أمم العرب و العجم على تباين آرائهم و اختلاف عقائدهم أخبار معروفة عندهم مشهورة ذائعة بينهم و لكل مصر من الأمصار المعمورة حوادث قد مرت به يعرفها علماء ذلك المصر فى كل عصر و لو استقصيت ما صنف علماء العرب و العجم فى ذلك لتجاوز حد الكثرة و عجزت القدرة البشرية عن حصره.

و أما أجزاء هذا الكتاب فإنها سبعة، أولها يشتمل على جمل من أخبار مصر و أحوال نيلها و خراجها و جبالها 60، و ثانيها يشتمل على كثير من مدنها و أجناس* * * أهلها 61، و ثالثها يشتمل على أخبار فسطاط مصر و من ملكها 62، و رابعها يشتمل على أخبار القاهرة و خلائفها و ما كان لهم من الآثار 63، و خامسها يشتمل على ذكر ما أدركت عليه القاهرة و ظواهرها من الأحوال‏ 64، و سادسها يشتمل على ذكر قلعة الجبل و ملوكها 65، و سابعها يشتمل على ذكر الأسباب التى نشأ عنها خراب إقليم مصر، و قد تضمن كل جزء من هذه الأجزاء عدة أقسام.

و أما أى أنحاء التعاليم قصدت فى هذا الكتاب فإنى سلكت فيه ثلاثة أنحاء، و هى، النقل من الكتب المصنفة فى العلوم، و الرواية عمن أدركت من مشّيخة العلم و جلة الناس، و المشاهد لما عاينته و رأيته، فأما النقل من دواوين العلماء التى صنفوها فى أنواع العلوم فإنى أعزو كل نقل إلى الكتاب الذى نقلت منه لأخلص من عهدته و أبرأ من جريرته فكثيرا ممن ضمنى و إياه العصر و اشتمل علينا المصر صار لقلة إشرافه على العلوم و قصور باعه فى معرفة مقالات الناس يهجم بالإنكار على ما لا يعرفه و لو أنصف لعلم أن العجز من قبله و ليس ما تضمنه هذا الكتاب من العلم الذى يقطع عليه و لا يحتاج فى الشريعة إليه و حسب العالم أن يعلم ما قيل فى ذلك و يقف عليه، و أما الرواية عمن أدركت من المشايخ و الجلة فإنى فى الأكثر و الغالب أصرح باسم من حدثنى إلا أن لا يحتاج إلى تعيينه أو أكون قد أنسيته و قل ما يتفق مثل ذلك، و أما ما شاهدته‏

481

فإنى أرجو أن أكون و للّه الحمد غير منهم و لا ظنين، و قد قلت فى هذه الرؤوس الثمانية ما فيه مقنع و كفاية و لم يبق إلا أن أشرع فيما قصدت به و عزمى أن أجعل الكلام فى كل خط من الأخطاط و فى كل أثر من الآثار على حدة ليكون العلم بما يشتمل عليه من الأخبار أجمع و أكثر فائدة و أسهل تناولا و اللّه يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم و فوق كل ذى علم عليم» 66.

و إذا ما تركنا جانبا العبارات البلاغية المتناثرة فى هذه المقدمة فإن المؤلف يوضح بجلاء كاف موقفه من فن التاريخ و آراءه الشخصية حول مصنفه و الأهداف التى وضعها نصب عينيه،* * * ثم مضمون الكتاب.

و بهذا يوفر علينا الكلام على هذه النقاط بحيث نقتصر على إيراد زيادات طفيفة و نركز بهذا اهتمامنا على سؤال أساسى هو إلى أى درجة وفق المقريزى فى تحقيق أهدافه، و هل يوجد لديه اختلاف كبير بين النظرية و التطبيق كما حدث و أن لاحظنا ذلك لدى مفكر ممتاز كابن خلدون؟

و المقريزى لا يذكر فى مقدمته شيئا عن تاريخ تدوينه للكتاب و لكن نستطيع أن نستنتج من خلال فصوله أن ذلك أخذ وقتا طويلا و أن المؤلف لم يتوقف عن الإضافة إليه على ممر الزمن. و تشير الدلائل على أن البدء فى تدوين المصنف قد حدث بين عامى 820 ه- 1417 و 825 ه- 1422 67، أما نهايته فيجعلها غست‏Guest عام 840 ه- 1436 68، و لكن كما بين محمد عبد اللّه عنان فإن المقريزى ظل يضيف إلى كتابه إلى عام 843 ه- 1439 69 أى إلى ما قبل وفاته بنحو عامين.

و محتويات الكتاب خاصة قرب نهايته تختلف بعض الشى‏ء عن خطة المؤلف الأولى كما فصل الكلام عليها فى المقدمة 70، فهناك يذكر المقريزى أنه رتبه على سبعة أجزاء و لكننا نبصر فى الواقع أن الجزء السادس الذى أفرده للكلام عن القلعة يتداخل فى الجزء الخامس الذى يعالج فيه الأحداث المعاصرة له؛ ويلى هذا قسم ليس بالكبير يتحدث فيه عن الأيوبيين و المماليك‏ 71 ثم يفصل فيه الكلام على تاريخ المساجد و المنشآت الأخرى بمدينة القاهرة 72 و كأنه بمثابة تتمة للجزء الخامس. ثم يختتم الكتاب بفصول فى تاريخ اليهود و القبط مع تعداد الأديرة و كنائس هؤلاء الأخيرين‏ 73. و إذا كان ترتيب الجزئين الخامس و السادس فى صلب الكتاب يختلف بعض الشى‏ء عما وعد به المؤلف فى المقدمة فإن الجزء السابع الذى يشير إليه هناك و الذى وعد بأن يعالج فيه أسباب «خراب إقليم مصر» لا وجود له البتة مع أن المؤلف قد مس هذا الموضوع فى مواطن كثيرة من كتابه‏ 74 و تناوله من وقت لآخر فى شذور موجزة و من ثم فيجب الافتراض بأن هذا الجزء إما أنه لم يكتبه إطلاقا أو فضل عدم ضمه إلى مصنفه. و مهما يكن من شى‏ء فإن هذا يقف دليلا على أن المقريزى لم ينقح مقدمة كتابه بصورة نهائية، كما يجب أن نضيف إلى هذا أن المقريزى لم ير من الضرورى أن يشير فى المقدمة إلى بعض الأقسام الصغرى من كتابه مثل ذلك العرض القصير الذى يلى المقدمة مباشرة و الذى يعالج فيه الكلام على من سبقوه فى ميدان التأليف فى خطط

482

مصر 75، و كبحثه القصير فى علم الجغرافيا الذى جعله بمثابة مدخل إلى الطوبوغرافيا التاريخية 76 و الذى يتبع فيه المنهج القديم المعروف* * * لنا جيدا أولا يكشف عن أية أصالة.

و رغما من التزامه للتواضع كما هى شيمة المؤلفين المسلمين فإن للمقريزى فكرة عالية عن كتابه.

و فى الواقع أن قيمة المادة التى جمعها بين دفتى هذا السفر قد نالت تقدير العلماء الأوروبيين الذين اتخذوا فى مقابل هذا موقفا صارما من منهجه. و فى عام 1856 كتب واحد من خيرة العارفين بالمقريزى و هو المستشرق الفرنسى كاترميرQualremere ، و ذلك بمناسبة ظهور الطبعة الأولى(editio Princeps) «للخطط» فى عام 1270 ه- 1853، يقول إن المقريزى قد جعل هدفه التعريف تعريفا مفصلا بكل ما يتصل بمسقط رأسه القاهرة و أنه قد حقق هذا الهدف فلم يترك أثرا أو مؤسسة إلا و وصفه بدقة متناهية و حكى بإسهاب تاريخ بنائه و التوسيعات التى زيدت عليه، و إلى جانب هذا يروى سيرا حياة الأمراء و الكبراء الذين باشروا بناءه أو أقاموا فيه كما يدون أيضا الحوادث الهامة التى اقترنت بهذه الدور و التقاليد و العادات و المراسم المتعلقة بها فى صورة أو أخرى. و قد بين بحق كل من كاترمير و العلامة المعاصر مرجليوث‏Margoliouth أنه لا توجد مدينة شرقية يمكن أن تفخر بمؤلف يبلغ مرتبة كتاب «الخطط» من حيث الاكتمال و الطرافة كما هو الحال مع القاهرة 77؛ غير أن كاترمير يستدرك على هذا بقوله إن وصف المقريزى لمصر كان بمثابة مقدمة لوصفه للقاهرة و أن المدن الأخرى لا تتمتع بمادة قيمة كالتى أفردها لمسقط رأسه. و كثيرا ما يبدو وصفه جافا و يعكس مادة أسطورية صرفة؛ حقا إنه يورد مادة حافلة عن العصور القديمة و لكن معظمها من نسج الخيال‏ 78 و ترجع كما رأينا من مثال ابن وصيف شاه لا إلى مصادر عربية بل إلى ذلك التاريخ الأسطورى الذى عرف فى الأوساط القبطية بمصر و نما و ترعرع فى تربة «شعوبية» على ما يبدو.

و عند ما أخذ المستشرق غست على عاتقه فى أواخر القرن التاسع عشر فحص مسألة مصادر «الخطط» اضطر إلى موافقة كاترمير فى رأيه مع بعض التحفظات؛ و هو يعتقد أن نصيب الكوزموغرافيا و الجغرافيا لدى المقريزى لا قيمة له و أن مادته فى التاريخ القديم أسطورية بأكملها. أما أكثر الأقسام قيمة فى الجزء الأول فهو وصف نظام الضرائب و جميع القسم الخاص بالفاطميين؛ و يمكن أن يعتبر كلاسيكيا وصفه لخطط القاهرة و لآثار الفسطاط 79. و يجب أن نستدرك بهذه المناسبة أن مدينة الفسطاط التى درست آثارها بسرعة فى عهد المقريزى لم تحظ منه سوى بوصف موجز ناقص، كما و أن وصفه لحوادث عصره يسوده خلط شديد و يهمل فيه ذكر تفاصيل هامة؛ و أحد عيوبه الخطيرة هو إشارته إلى الجهات بصورة مشوشة تجعل من تحديد مواقع الأماكن بشكل دقيق أمرا عسيرا* * * بل و ضربا من المستحيل أحيانا 80. و رغما من جميع هذه التحفظات فيجب موافقة هؤلاء العلماء فى أن اجتهاد المقريزى و معرفته الواسعة شى‏ء مذهل حقا، كما أن‏

483

جانبا كبيرا من المادة التى حفظها لنا كان فى حكم المفقود لو لا نقله إياه؛ و هو فى العادة دقيق فى سرد مادته و يجهد ما أمكن فى نقلها عن الشخصيات المعاصرة للحوادث، أما أسلوبه فيمتاز بالبساطة و الوضوح و بأنه مقبول للنفس، كما يتحاشى الإسهاب و العاطفية فى كتابته‏ 81.

أما من حيث المنهج فإن الكتاب أشبه ما يكون بمجموعة من المقالات المتفرقة منه بمصنف متماسك، و فيه يختلط التاريخ بعلم الآثار(archaeology) بحيث لا يمكن أحيانا كما يقول غست معرفة ما إذا كان الكتاب مؤلفا فى التاريخ أم مصنفا فى الطبوغرافيا. و كما هو الحال مع معظم المؤلفين العرب فإن روح النقد ضعيفة لديه كما يفتقر افتقارا بينا إلى الإحساس بالتناسق فهو يولى اهتمامه أحيانا بنسب متعادلة إلى الكلام على الهرم الأكبر و مقبرة صغيرة. و عند ما تتناقض مصادره فى روايتها فإنه يترك الحكم للقارئ، أما رواياته فإنه فى كثير من الأحيان لم يمحصها بما فيه الكفاية بحيث تمثل فى مجموعها مواد فى تاريخ مصر و طوبوغرافيا مدينة القاهرة و ليس تاريخا أو طوبوغرافيا فى حد ذاتها 82. و رغما من كل هذا فيجب أن نعترف له ببعض الأصالة، و قد أبصرنا من خلال مقدمته أنه يطرح المنهج الزمنى(chronological) التقليدى تفاديا للخلط فى التواريخ، و يوزع مادته بحسب «الخطط» و الآثار المختلفة متبعا فى ذلك منطقا قائما بذاته. و لا يمكن أن نحرمه من قدر معين من حب الاستطلاع فهو يبدى أحيانا اهتماما غريبا بمسائل شتى من بينها مسائل جيولوجيه‏ 83 فيعتقد مثلا النيل كان يغطى جميع أرض مصر فى الأزمنة الغابرة و أن أهليها قبل إنشاء مدينة ممفيس كانوا يعيشون داخل الكهوف. و المقريزى يمتاز بمنهج واسع فى معالجته لتاريخ الشعوب التى قطنت مصر، و لم يحدث أن جمع مؤرخ إسلامى قبله مادة مسهبة كالتى جمعها القزوينى عن القبط الذين يفرد لهم ثمانية فصول فى الجزء الثالث من كتابه. و هو يعالج فى هذه الفصول أيضا تاريخ الكنيسة القبطية منذ أول بطريرك إلى حملة الاضطهاد التى تعرضوا لها فى عام 1354 و يورد تعداد ستة و ثمانين ديرا قبطيا و اثنتين و سبعين كنيسة مسيحية مع سرد معلومات تاريخية و جغرافية وافرة عنها 84. و حتى فى هذا الصدد تنعكس بجلاء شخصيته الفريدة فهو عند ما يتحدث مثلا عن عيد الشهداء الذين يربط القبط بينهم و بين فيضان النيل لا يستطيع أن يمنع نفسه من قدر معين من التهكم «جدير» كما يقول كارا دافوCarra da Vaux «بأفضل مؤلفى عصر النهضة الإيطالية» 85. و لا يخلو من الطرافة أن نذكر أن المقريزى قد رجع فى صياغة هذا القسم من كتابه ليس فقط إلى كتاب معروف لنا جيدا هو «كتاب الديارات» للشابشتى بل و أيضا إلى مؤلفات مؤرخ عربى مسيحى هو المكين.

لكل هذه الاعتبارات فقد اتفق الجميع بما لا يدع مجالا للتنازع على أن كتاب المقريزى كتاب* * * قيم جدا بالنسبة للمادة للتى يحويها بين دفتيه. و قد استطاع المقريزى الرجوع إلى جميع المصادر السابقة له و التى هلك أكثر من ثلاثة أرباعها بالنسبة لنا؛ و هو فى العادة ينقل منها بدقة 86 و لكن فى حدود المنهج الذى سار عليه المؤلفون العرب عامة. غير أننا إذا فحصنا هذه المسألة عن كتب فسنصطدم بصورة جدية بمشكلة عويصة تتعلق بأمانة المقريزى فى استعماله لمصادره؛ إذ يقع عليه عب‏ء

484

الاتهام بالسرقة الأدبية من طرفين مختلفين. أحدهما مؤرخ عربى يكاد يكون من بين معاصرى المقريزى و يعبر عن اتهامه بصورة عنيفة، أما الآخر فهو مستشرق أوروبى معاصر يعد من خيرة المتخصصين فى دراسة المقريزى. و أمام هذا فلا محيص لنا من الوقوف بالتفصيل أمام هذه المسألة ذات الأهمية الجوهرية.

أما صاحب الاتهام الأول فهو المؤرخ المصرى السخاوى (831 ه- 902 ه- 1427- 1497) الذى بالإضافة إلى وضعه معجما ضخما فى السير و مؤلفات تاريخية أخرى عرف أيضا بمحاولة أصيلة لا تخلو من الفائدة لوضع مقدمة فى فن التوريخ عند العرب. و هو يشير فى مؤلفاته إلى المقريزى أكثر من مرة و لكن دائما مع ميل لم يفلح فى إخفائه بمهارة للتقليل من شأنه و نسبة السرقة إليه. ففى معجمه المذكور يختتم الكلام عن المقريزى بقوله:

«و أقام ببلده عاكفا على الاشتغال بالتاريخ حتى اشتهر ذكره و بعد فيه صيته و صارت له فيه جملة تصانيف كالخطط للقاهرة، و هو مفيد لكونه ظفر بمسودة الأوحدى فأخذها و زادها زوائد غير طائلة» 87.

و يكرر السخاوى هذه التهمة فى مصنفه فى فن التوريخ الذى أشرنا إليه فيقول.

«و كذا جمع خططها المقريزى و هو مفيد. قال لنا شيخنا إنه ظفر به مسودة لجاره الشهاب أحمد بن عبد اللّه بن الحسن الأوحدى، بل كان بيض بعضه فأخذها و زاد عليه زيادات و نسبها لنفسه» 88.

و أخيرا فى ترجمته للأوحدى فى نفس ذلك المعجم يرجع السخاوى مرة أخرى إلى هذه التهمة مع إضافة زيادات طريفة فيقول:

«و برع فى القرآن و الأدب و جمع مجاميع و اعتنى بالتاريخ و كان لهجا به و كتب مسودة كبيرة لخطط مصر و القاهرة تعب فيها و أجاد و بيض بعضها فبيضها التقى المقريزى و نسبها لنفسه مع زيادات .. و فى ترجمته فى عقود المقريزى* * * فوائد و اعترف بانتفاعه بمسوداته فى الخطط ... 89.

و الملاحظة الأخيرة التى ترد الإشارة فيها إلى معجم السير الذى وضعه المقريزى تخفف كثيرا من حدة التهمة التى وجهها إليه السخاوى إذ من الواضح أن المقريزى لم يحاول إخفاء ما يدين به للأوحدى و بهذا يضحى من العسير أن نبصر أين يقع الاتهام بعدم الأمانة هاهنا. بقيت الشذرتان الأوليان للسخاوى؛ و لا يتضح منهما هل يحاول السخاوى التعبير عن آرائه الشخصية أم أنه يعتمد على شهادة شيخه الذى يشير إليه. و هو عادة عند ما يتحدث عن شيخه فإنما يقصد بذلك ابن حجر العسقلانى (773 ه- 852 ه- 1372- 1449) المحدث و المؤرخ الكبير، معاصر المقريزى و صديقه. و هذا الرأى الذى ينسبه السخاوى إلى ابن حجر لم نعثر عليه فى مؤلفات هذا الأخير مع أنه تحدث عن المقريزى مرارا عبر فى كل واحدة منها منها عن احترامه و إجلاله له‏ 90. و من الواضح أن المقريزى لا يولى حقيقة استعماله للأوحدى أهمية أكبر مما يوليها لاستعماله للمصادر الأخرى؛ و مما يخفف من حدة اتهام السخاوى اعتبار خاص ذو طابع‏

485

زمنى: فالأوحدى (761 ه- 811 ه- 1360- 1408) الذى لا نعلم شيئا عن وجود مصنفه إلا من هذه الشذرات قد توفى قبل المقريزى بزمن طويل و من ثم فلم يكن بوسعه أن يسوق مصنفه إلى الفترة التى ساق فيها الأخير «الخطط»، أضف إلى هذا أنه معلوم لدينا جيدا أن وصف أحوال مصر المعاصرة له يشغل أكثر من نصف كتاب المقريزى بحيث يضحى من غير المعقول أن يكون قد استعاره من الأوحدى‏ 91.

ثم إن أخلاق السخاوى نفسه تجعلنا نقف موقف الحذر من كلامه عن المؤرخين الآخرين؛ و قد تبين لنا من الشذرات التى سقناها عنف مهاجمته للمقريزى. و فى الواقع أن مهاجمة السخاوى لأكابر عصره و انتقاصه لأقدارهم لم يقف عند المقريزى؛ و قد جر هذا إلى معارك قلمية مع معاصره السيوطى تبادلا فيها الحملات و الاتهامات‏ 92. هذا و قد وجد رأى السخاوى عن المقريزى بعض التعضيد لدى غولد زهرGoldziher 93 و بروكلمان‏Brockelmann 94 بيد أن هذا لا يعنى بأية حال اعتبار كتاب «الخطط» اختلاسا لكتاب الأوحدى. و قد أخضع جميع تلك المسألة لتحليل دقيق و فريد العلامة المصرى المعاصر محمد عبد اللّه عنان‏ 95 و خرج من ذلك بنتائج حازت القبول لدى الجميع.

و مما لا شك فيه أن طريقة تناول المقريزى لمصادره أبعد من أن تستوفى مطالب البحث العلمى المعاصر، و رغما من ذلك فإننا لا نستطيع موافقة غاستون قييت‏G .Wiet فى نقده المتشدد للمنهج الذى اتبعه المقريزى فى كتاب الخطط. و قد كتب قييت يقول «إن كل فصل من الخطط عبارة عن* * * أمشاج من النقول ألصقت جنبا إلى جنب دون ما أى تمحيص؛ و لعل المؤلف لم يكلف نفسه مؤونة تبييضها من جديد» 96. لقد سنحت الفرصة لقييت ليدرس جيدا عددا من مخطوطات مصنفات القريزى التى وصلتنا بخط يد المؤلف نفسه، غير أن هذا لا يعطيه الحق ليرى فيها مسودات نهائية بدلا من تدوينات لم يكن قد جرى فيها بعد قلم المؤلف بالتصحيح و التبييض؛ و نحن نعلم تمام العلم أن معظم مؤلفات المقريزى تكاد تكون غير تامة أى أن مؤلفها لم يعطها صورتها النهائية. و لا شك أيضا أن طريقة استعمال المقريزى لمصادره قد أثارت بعض الشى‏ء سخط قييت، و هو فى تحليله المفصل لعلاقة المقريزى بمؤرخ و جغرافى مصر المبكر الكندى الذى وقفنا عنده فى حينه قد خرج برأى يسترعى الانتباه حقا حين يقول: «و لكنه أعمل يد النهب بصورة خاصة فى كتاب ولاة مصر، و يتضح هذا بصورة جلية فى أن المقريزى قد نقل أكثر من نصف الكتاب حرفا حرفا أى ما يقرب من ثلاثين صفحة من القطع الكبير من طبعة بولاق دون أن يشير فى معظم الأحايين إلى اسم الكندى ... و من بين الأربعة آلاف و ثمانمائة و ست و ستين سطرا التى تحتويها دفتا كتاب تاريخ ولاة مصر ... أسقط المقريزى ثمانمائة و أربع و تسعين سطرا فقط ذات مضمون تاريخى صرف‏ 97 (*).

____________

(*) و لكن راجع مثلا قول قييت:

»Ya- t- il malhonne? tete?, plagiat dan« le vral aena du mot? Je ne le crols pas; les auteura Arabea e? crlvalent pour nn nombre tre? s reslreinl da lettre? s, qui n`e? laient pas susceptibles d`e? tre trompe? s. Maqrizl se croit quitte envers un anteur en le cilant une L? ois, meme s`a? l doit lui emprunter des page entte? res."

(راجع مقال‏Kindi et Maqrizi :G .Wiet الذى ظهر بصحيفة

Bulletin de l`Institut Franc? ais d`Arche? ologie

(المترجم) (Orientale ,Tome XII ,p .36 .Le Caire ,5191

486

و مما يقف دليلا على أن هذه الحالة حالة استثنائية هو ضخامة حجم كتاب المقريزى و الكمية الهائلة من النقول التى ضمنها إياه، فلو كان قد سار على هذا النهج الذى طبقه على كتاب الكندى مع كل مؤلف آخر لنما كتابه بالتالى فبلغ العشرين جزءا على الأقل.

لا مناص من التسليم بأن بعض أقسام «الخطط» تمثل فى بعض الأحايين نقلا صريحا عن مؤلفين أخر، غير أن هذه المواد المنقولة قد تم التأليف بينها بصورة لا تخلو من المهارة و الإبداع، و استخرجت من عدد هائل من الآثار الأدبية فقد بعضها تماما بالنسبة لنا، أضف إلى هذا أن المقريزى فى العادة لا يهمل الإشارة إلى مؤلفيها. و خير مثال لهذا الفصل القصير الذى أفرده للكلام على أهرامات مصر و الذى أخضعه لبحث خاص غريفه‏Graefe ، ففيه يشير المقريزى إلى أكثر من عشرين مؤلفا بخلاف من استشهد به من الشعراء 98؛ و من بين أولئك نلتقى بعدد من الجغرافيين ممن حدث و أن تعرفنا عليهم فيما مر من هذا الكتاب، و لكن إلى جانب هذا نلتقى أيضا بأسماء مؤلفات لم تصل إلينا مثل «أخبار الزمان» للمسعودى أو الكتاب المجهول المؤلف بعنوان «عجائب البنيان» الذى لا يخلو من صلة ما «بوصف مصر» لعبد اللطيف البغدادى المعروف لنا جيدا.

و عدد المصادر التى يذكرها المقريزى هائل حقا و لا شك أن دراستها تحتاج إلى بحث خاص فى المستقبل لن يخلو من الأهمية، و إلى حين تحقيق هذا يمكننا الاعتماد بصورة مؤقتة على الخطوط العريضة التى بينها روثن غست‏R .Guest فى مقاله المسهب عن مصادر المقريزى؛ و يشغل ثبت أسماء المؤلفين و المصنفات التى يشير إليها المقريزى أكثر من خمس عشرة صفحة من هذا المقال‏ 99. فإذا ما اقتصرنا على محيط المادة الجغرافية، فإننا نلتقى فى قائمة غست بلا أقل من ثلاثين مؤلفا سبق و أن عالجنا الكلام على غالبيتهم العظمى. و إذا ما صنفناهم فى مجموعات بحسب العصور فيمكن أن نقرر أن المقريزى قد استعان فيما يخص الفترة الأولى من تاريخ مصر الإسلامية* * * بابن عبد الحكم فى مجال التاريخ و المسعودى فى مجال الجغرافيا و الكندى فى مجال الطبوغرافيا 100، هذا إذا ما قصرنا أنفسنا على ذكر الأسماء الرئيسية. أما فيما يخص العهد الفاطمى فقد كان مرشده فى التاريخ ابن زولاق و فى الآثار القضاعى‏ 101؛ و لكن حتى فيما يتعلق بنقاط معينة فإن المقريزى عرف كيف يحصل على مواد ذات قيمة كبرى تقتصر معرفتنا بها فى أحايين كثيرة على ما حفظه لنا هو منها. و قد نال الشهرة منذ أمد طويل ذلك الفصل الذى أفرده لكنوز الفاطميين‏ 102 بما يتصل به من تفاصيل حول مراسيم البلاط الفاطمى؛ و قد كتب المستشرق الروسى اينوسترانسف‏Inostrantsev بحثا قيما فى هذا الموضوع. و رواية المقريزى فى هذا الصدد تعتمد بصورة خاصة على مصنف آخر لم يصل إلينا لابن الطوير القيسرانى‏ 103. و يذكر المقريزى أن آخر من كتب فى نمط الخطط هو ابن المتوج المعروف‏ 104، و قد حدث و أن توقفنا عند هذا حينما تساءلنا لماذا لم يستعن المقريزى بمصنف ابن دقماق. و المقريزى يفرد فصلا خاصا للكلام على المؤلفين الذين عالجوا الكتابة فى الخطط قبله و يوكد علاقته القوية بهم. و لا نستطيع‏

487

إلا أن نوافقه فى هذا لأن المقريزى و إن كان مؤرخا و اقتصاديا و عالما فى الآثار و متخصصا فى الآداب الشعبية(folklorist) إلا أن المكانة الأولى فى مصنفه هذا إنما تحتلها الجغرافيا التاريخية، و هذا هو السبب* * * الذى حدى بنا إلى إدخاله فى عرضنا للأدب الجغرافى بوصفه أكبر ممثل لنمط الخطط، ذلك النمط الذى يمس الدين كما يمس الطوبوغرافيا و التاريخ و الذى تمتع بحيوية فائقة فى مصر الإسلامية. و فى خلال القرن السابع عشر اختصر مصنف المقريزى ليس أقل من مرتين وزيد عليه‏ 105، بل إننا نلتقى حتى فى القرن التاسع عشر بمصنف يسير على منهج المقريزى و يتمم مذهبه أعنى بذلك كتاب «الخطط التوفيقية» لعلى باشا مبارك.

و لم يخل الأمر بين ممثلى المدرسة التاريخية المصرية من معاصرى المقريزى من اهتمام معين بالجغرافيا و لو أن ذلك لا يبلغ المدى الذى بلغه لديه. و يمكن أن نسوق على سبيل المثال منافسه فى منصب الحسبة بدر الدين العينى (762 ه- 855 ه- 1360- 1451) 106. و فى الحقيقة لا يوجد لدينا الكثير لنقوله عنه فيما يتعلق بالأدب الجغرافى و لكن شخصيته فى الواقع لا تخلو من بعض الطرافة لأنها توحى إلينا باقتراب عهد جديد و ميلاد علاقات ثقافية جديدة تربط الأدب العربى باستنبول النائية. ولد مؤلفنا بعينتاب و هى مدينة صغيرة تقع بين حلب و أنطاكية، و قد ساعده قرب مسقط رأسه من الحدود التركية على إجادة هذه اللغة* * * منذ سن مبكرة و كان لها بالتالى تأثير غير يسير على مجرى حياته. و قد أقام العينى بالقاهرة ما يقرب من الثلاثين عاما مرت عليه فيها لحظة من التصوف، و اشتغل لبعض الوقت بالتدريس و شغل مرة منصب القضاء و مرة أخرى كان محتسبا و طورا ثالثا ناظرا للأوقاف؛ و هى مناصب نافسه عليها معاصراه الشهيران المقريزى و ابن حجر. و قد أفاد العينى كثيرا من معرفته بالتركية؛ و هو قد أجاد الكتابة بالعربية و التركية على حد سواء فقربه هذا إلى سلاطنة المماليك الذين كانت معرفتهم بالعربية لا ترتفع إلى المستوى المطلوب و كانوا يفضلون الإنصات إليه و هو يترجم لهم بمهارة إلى التركية تاريخه الذى وضعه آنذاك، و لو أنه من المستبعد أن يكون بمقدورهم تقدير القصائد العربية التى رفعها إليهم. و لعل معرفته بالتركية كانت من أقوى الأسباب التى أدت إلى تكليفه ذات مرة برئاسة سفارة إلى استنبول.

و اكتسب العينى الشهرة كمؤلف لعدد من الآثار التاريخية يشغل مكان الصدارة بينها «عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان» الذى يمثل فى جوهره كتابا فى التاريخ العام يقع فى أربعة أجزاء ضخمة و يعالج تاريخ البشرية منذ بداية الخليقة إلى عام 850 ه- 1446. و الكتاب مبوب على الطريقة التقليدية للمصنفات التاريخية مع عرض متناسق للمادة و لكنه لا يتمتع بأهمية ذات بال سواء من حيث الشكل أو الأسلوب و لو أن مادته الحافلة قد أسترعت الأنظار منذ وقت طويل فأفاد منها كاترمير فى بحثه فى تاريخ المماليك كما وضح تيزنهاوزن‏Tiesenhausen قيمتها بعد ذلك بالنسبة لتاريخ الأردو الذهبى‏Golden Horde

488

و بين روزن‏Rosen أهميتها بالنسبة لتاريخ الخلافة؛ و إلى هذه اللحظة لم يهتم علماؤنا بشكل جدى بدراسة الأجزاء الثلاثة الأخيرة من تاريخه الموجودة لدينا بمعهد الدراسات الشرقية بليننغراد. و قد رأى العينى لزاما عليه أن يكتب مقدمة جغرافية قائمة بذاتها فى بداية الجزء الأول من تاريخه، و من العسير علينا أن نصدر حكما مرضيا على هذه المقدمة أو حتى على الجزء الأول بأكمله و ذلك لأن مخطوطته لا توجد فى متناول أيدينا. و يتضح من الخلاصة التى عملها أحمد زكى باشا لهذه المقدمة أنها تضم دراسة عن الأندلس مع تعداد لمدنها حسب حروف المعجم، و يرجع العينى فى مادته إلى ابن عبد الحكم و الرازى و ابن عبد البر و ابن سعيد 107؛ و يقف مثال العينى شاهدا على الاهتمام الكبير الذى أولاه المؤرخون فى ذلك العصر للموضوعات الجغرافية 108. و ثمة دليل على اهتمام الأتراك بالعينى أن الداماد إبراهيم باشا قد كلف لجنة كبيرة فى عهد السلطان أحمد (سنة 1138 ه- 1725) بترجمة تاريخه إلى اللغة التركية.

و يستحق مكانه بجدارة أكثر من العينى فى عرض عام للأدب الجغرافى العلامة الذى ضرب بسهم فى كل فرع من فروع العلم* * * جلال الدين عبد الرحمن السيوطى (849 ه- 911 ه- 1445- 1505) 109، أكبر أدباء عصر التدهور قاطبة؛ و هو إن كان لا يمثل أهمية تذكر من وجهة نظر الجغرافيا إلا أن شخصيته تعتبر مثالا لطراز العلماء فى ذلك العصر. و سيرة حياته التى كتبها بقلمه‏ 110 لا تحوى شيئا ذا أهمية؛ و يمكن أن نذكر من فضل القول أن أسرته من أصل فارسى عاشت طويلا ببغداد تم استقر بها المطاف بأسيوط منذ عهد قريب. و إذا استثنينا فريضة الحج فإن السيوطى لم يغادر مصر على الإطلاق و أمضى حياته فى القاهرة تقريبا مشتغلا معظم وقته بالتدريس؛ و توفى السيوطى بالقاهرة و لا تزال مقبرته قائمة بها و وصفها لنا العلامة أحمد تيمور باشا فقضى بذلك نهائيا على أسطورة وجودها بموطنه أسيوط. بدأ السيوطى التأليف منذ سن السابعة عشر 111 و لم تلبث مقدرته أن تفتحت فى هذا المجال فاكتسب الشهرة سريعا حتى أصبح أكثر المؤلفين قربا إلى جمهرة القراء لأكثر من ثلاثة قرون، لا فى البلاد العربية وحدها بل و فى العالم الإسلامى عامة. و بلغ عدد مصنفاته، التى وضع لها فهرسا بنفسه، الستمائة تقريبا، معروف لنا منها أكثر من ثلثمائة و خمسين؛ و يوجد من بينها بالطبع مقالات قصيرة لا تتجاوز بضعة صفحات و لكن إلى جانب هذا نلتقى لديه أيضا بمصنفات ضخمة من عدة أجزاء. و من العسير تعيين فرع من العلوم لم يدون فيه السيوطى شيئا فقد كان هذا بالنسبة له رياضة فريدة و موضعا للاعتزاز؛ و قد جهد عن قصد فى أن يترك فى كل فرع من فروع العلوم خلاصة من ذلك النوع الذى تطلبه العصر و الذى خلد اسمه لدى الأجيال التالية؛ و يجب الاعتراف بأنه حقق ذلك على وجه العموم و بلغ شأوا بعيدا فى بعضها. و لا تزال مؤلفاته تدرّس حتى الآن بالشرق كما استرعى البعض منها انتباه العلماء الأوروبيين كمداخل مفيدة بالنسبة للعلوم التى تعالجها، متال ذلك مصنفاته فى علوم القرآن ( «تفسيره» و مقدمته «الإتقان») و الحديث ( «الجامع») فى مختلف مسوداتها، و دراساته اللغوية و الأدبية ( «المزهر») و التاريخية ( «تاريخ‏

489

الخلفاء»). و بما أن الجغرافيا لم تكن من ضمن العلوم التى يمكن أن تحظى باهتمام دوائر واسعة من القراء فإن السيوطى لم يولها اهتماما خاصا و لم يترك لنا فيها مدخلا أو كتابا جامعا. غير أن هذا لا يمنع وجود مصنفات جغرافية لديه لا تخلو من بعض الأهمية نذكر مثالا لها أنه عمل ملخصا لمعجم ياقوت تم الكشف عن مسودته منذ وقت غير بعيد.

و اثنتان من مقالات السيوطى مكرستان للحبش‏ 112 و تمسان بعض الشى‏ء علم الأجناس (الاثنوغرافيا) و يجب ألا يفهم من هذا بأية حال أن مقصده كان وضع دراسة أثنوغرافية إذ فى الواقع أن السيوطى أراد أن يسير على منوال تلك الآثار الأدبية التى دونت فى «فضائل» الشعوب البسيطة التى لم تبلغ درجة عالية من الحضارة؛ و مثل هذه الرسائل قد اعتمد على الأحاديث النبوية* * * فى المساواة بين الشعوب جميعها تحت راية الإسلام، و خير مثال لهذا الحديث الذى ساوى فيه محمد بين «شريف قرشى» و «* * * عبد حبشى». و قد استطاع الكتاب ذوو الموهبة أن يطوروا هذا الموضوع بصورة ممتعة للغاية خاصة الجاحظ فى القرن العاشر و ذلك فى رسائله عن الترك و السودان؛ و فيما بعد لم ترتفع أمثال هذه الرسائل إلى المستوى الذى بلغه الجاحظ و انحصرت بصورة خاصة فى المصادر الفقهية. بيد أن سلسلتها لم تنقطع كما يبدو من خلال البحث الذى عمله فى هذا الصدد المستشرق قيسقيلرWeisveiler ؛ و قد خمن السيوطى بحق شوق الجماهير إلى هذا الضرب من الأدب فقرر أن يستجيب لرغبتهم بتدوين هذه الرسائل ذات الطابع النقلى الصرف. و قد حازت هاتان الرسالتان فعلا إقبال الجمهور، بل إن مؤلفا مجهولا أفاد منهما فى القرن السابع عشر و ذلك فى رسالة له تعالج نفس الموضوع باللغة التركية و لو أنها ترتفع فى أغلب الظن إلى أصل عربى؛ و هى موجودة فى مخطوطة فريدة بقصر كاترينا بپوشكين‏Pushkin 113 (*).

و يود بعض العلماء أن يبصر فى أحد مؤلفات السيوطى الكبرى علاقة ما «بخطط» المقريزى، ذلك هو كتابه المعروف «حسن المحاضرة فى أخبار مصر و القاهرة» 114. غير أن هذا الرأى لن يثبت طويلا على محك النقد. و السيوطى قد أفاد بالطبع من كتاب «الخطط» و هو يذكره ضمن المراجع الثلاثين الأساسية التى قرأها من أجل تاريخه‏ 115؛ حقا ان بعض أقسام كتاب السيوطى تحمل طابعا جغرافيا و لكن أهداف الكتاب مغايرة لأهداف كتاب المقريزى فضلا عن أن مضمونه غير مترابط و يفتقر إلى الترتيب أكثر من كتاب «الخطط». و يكفى فى هذا الصدد أن نقارن بين مقدمة المقريزى العميقة المفصلة و بين تلك الألفاظ الباهتة التى يقدم بها السيوطى عرضه التاريخى حيث يقول «أوردت فيه فوائد سنية و غرائب مستعذبة مرضية تصلح لمسايرة الجليس و تكون للوحيد نعم الأنيس». و كان من المتوقع بعد قراءة هذه العبارة أن نجد بين أيدينا مصنفا من طراز المنتخبات الأدبية، غير أن الكتاب مفعم بروح الجدية و أقل إمتاعا من أن يصلح‏

____________

(*) على مقربة من ليننغراد و كانت تدعى قبل الثورة تسارسكوى سيلوTaarskoe Sieio ، ثم أطلق عليها اسم پوشكين تخليدا للشاعر الكبير الذى تلقى العلم بمدرستها الشهيرة. (المترجم)

490

لهذا الغرض: و هو يبدأ بعرض عام لجغرافيا مصر و تاريخ فتحها ويلى هذا قسم السير 116 الذى يمثل من ناحية الحجم الجزء الرئيسى من الكتاب. و فى عرض موجز للغاية تمر أمام أعيننا سير من دخل مصر من الصحابة و التابعين ثم سير الفقهاء و العلماء و الأمراء كذلك يرد سرد موجز للقضاة 117، و الوزراء 118، و الكتاب‏ 119؛ و فقط عقب هذا يبدأ القسم الطوبوغرافى الخاص بالمساجد 120* * * و المدارس و الخانقات‏ 121.

و لا يخلو من بعض الطرافة رغما من مضمونه التاريخى الصرف، الفصل الذى يفرده للكلام عن «الحوادث الغريبة» 122 من قحط و غلاء و وباء و زلزال. و الكتاب يفتقر إلى الترتيب حتى فى آخره، فبعد وصفه للطريق بين مصر و مكة 123 يأتى فصل فى خمام الرسائل‏ 124 و عندئذ فقط يبدأ كلامه عن مصر دون التزام لترتيب أو نظام فبعد أن يتحدث عن «لطائف» مصر 125 ينتقل إلى الكلام على النيل‏ 126 و جزيرة الروضة 127 و مواضع متفرقة من القاهرة 128؛ و قرب النهاية تغلب المادة الأدبية تماما على العرض فيقدم لنا المؤلف مختارات شعرية فى الأنهار و الأشجار 129 و الزهر 130 و الفواكه‏ 131 و الخضروات‏ 132 المعروفة بمصر. و ليس من العسير أن نبصر من خاتمة الكتاب أنه لا ينتمى بأية حال إلى نمط الخطط، فهو ينضم من ناحية إلى نمط تواريخ المدن التى تتحول أحيانا إلى مجموعة أدبية فى سير مشاهيرها و علمائها و من ناحية أخرى إلى المنتخبات الأدبية المقصود بها الإمتاع لا الفائدة. و «حسن المحاضرة» لا يعتبر من كتب السيوطى الجيدة فالعرض فيه يغلب عليه الإيجاز و لا يقدم شيئا جديدا فى معظم الأحوال‏ 133 كما و أن قيمته كتاريخ لا يمكن مقارنتها بمصنفات مؤرخين كالمقريزى و ابن تغرى بردى. بالطبع لا يخلو الحال من أن يورد لنا السيوطى معلومات قيمة ترتفع إلى عهد سابق و لكن ذلك يحدث فى صورة مغايرة و موجزة للغاية و مع خروج واضح على المذهب القديم. و هو يميل فى أسلوبه إلى تبسيط المادة بحيث لا يخلو الأمر من حالات يعطى فيها فكرة مخالفة للأصل مما حدا بالمستشرق بيكرBecker إلى أن ينصح‏ 134 بالتزام الحيطة و الحذر عند استعمال «حسن المحاضرة» حينما ينقل مؤلفه أقوال المؤلفين الآخرين. و من الملاحظ أن السيوطى عاد إلى معالجة بعض الموضوعات التى مسها فى كتابه هذا فى صورة رسائل منفصلة فلديه رسالة عن النيل و أخرى عن جزيرة الروضة و ثالثة عن الأهرامات‏ 135، و هى تتلخص فى العادة فى إيراد نقول مختارة من ميدانى النثر و الشعر لا تمس الجغرافيا إلا بصورة غير مباشرة.

و قد خلف لنا أحد تلامذة السيوطى‏ 136 مصنفا عاما فى الجغرافيا يمثل بالنسبة لنا أهمية خاصة لأن مؤلفه أتمه فى سبتمبر من عام 922 ه- 1516، أى قبل عام من فتح العثمانيين لمصر و بهذا يمكن اعتباره حصيلة لإنتاج ذلك العصر بأجمعه. أما المؤلف فهو محمد بن أحمد بن إياس الحنفى (852 ه- حوالى 930 ه- 1448- 1524) 137 الذى عرف عادة فى الأوساط العلمية الأوروبية بابن إياس فقط؛ و الاسم يمكن نطقه على طريقتين كلاهما صحيحة فهو إما بكسر الهمزة أو فتحها غير أن النطق الأخير أى بفتح الهمزة أقرب إلى الدارجة و لو أنه من الممكن أن المؤلف نفسه قد فضل استعماله فى مخطوطات تاريخه‏

491

التى وصلتنا بخط يده؛ و على أية حال فإن الشكل الأول هو الشكل المستعمل فى كتب الأدب و من المستحسن أن نتمسك به‏ 138. و ابن إياس سليل أسرة من المماليك الجراكسة، و كان بمقدوره أن يستمر فى نشاطه العلمى دون أن تدفعه الحاجة ليشتغل بالتدريس أو بوظيفة حكومية يرتزق منها كما هو الحال مع بقية علماء ذلك الوقت‏ 139. و قد سمح له هذا الوضع إلى حد ما بالتزام الحياد فى تأليفه و لم يضطره إلى أن يعكس و جهات نظر الدوائر الرسمية و لو أنه حرمه من الوصول إلى الوثائق الحكومية؛ بيد أن النتائج الإيجابية لهذا قد رجحت كفتها فى آخر الأمر فنال ابن إياس بجدارة الشهرة كمؤرخ كبير.

وصل ابن إياس بتاريخه إلى عام 928 ه- 1522، و هو يمتاز فى الأقسام الأخيرة بالإسهاب و الإفاضة بحيث يتحول إلى حوليات تاريخية(Chronique) بل و إلى سجل للحوادث اليومية فى بعض مواضعه؛ و بصرف النظر عن محتوياته فإن الكتاب يكتسب أهمية خاصة لأن ابن إياس هو المؤرخ العربى الوحيد الذى دون أخبار الفتح العثمانى و آخر مؤرخ لمصر المملوكية فهو بهذا يختتم سلسلة الآثار التاريخية المجيدة التى تقف شاهدا على انتعاش هذا الفرع من الأدب فى تلك العهود. و تاريخ مسودات ابن إياس حافل بما فيه الكفاية، فقد وصلنا عدد كبير من الأجزاء بعضها بخط يد المؤلف نفسه و بعضها منقول من النسخ التى بخط يده، كما وصلنا أيضا ثلاث مسودات مختلفة لتاريخه هى المطولة و الوسطى و المختصرة. و نتيجة لنشر الأقسام الأخيرة من تاريخه، و هى أقيمها، على يد باول كاله‏Paul Kahle فإنه يوجد بين أيدينا الآن أساس متين لدراسة تاريخ ابن إياس دراسة دقيقة تشمل لغته الكتابية التى تعكس أسلوب الكلام البسيط بل و لا تخلو من تأثير العامية أحيانا 140.* * * و قد اعتمد الناشر فى طبعه لهذا القسم من تاريخ ابن إياس على المخطوطة الفريدة الموجودة بمعهد الدراسات الشرقية.

و كما ذكرنا من قبل فإن ابن إياس قد انتهى من تدوين سفره فى الجغرافيا قبل سفره التاريخى و ذلك فى الرابع عشر من شهر شعبان سنة 922 ه- 12 سبتمبر 1516 141، و هو يحمل عنوان «نشق الأزهار فى عجائب الأقطار» و لا يمكن بأية حال مقارنته بكتابه فى التاريخ. و تحدث قراءته خيبة أمل كبيرة لو لا أنه يجب أن نأخذ فى حسابنا الأهداف التى وضعها المؤلف نصب عينيه و التى وضحها كما هى العادة فى مقدمته كتابه حيث ترتسم بوضوح أمام ناظرنا هذه الأهداف المشوشة التى يختلط فيها التاريخ بالجغرافيا دون نظام.

فهو يقول فى مقدمته إنه سيتحدث فى كتابه عن «عجائب مصر و أعمالها و ما صنعت الحكماء فيها من الطلسمات المحكمة، و طرف يسير من سير ملوكها القدماء و ما صنعوا من الأبنية المحكمة فى مصر و غيرها من البلاد .. و أخبار النيل و الأهرام و عجائب البلاد التى من أعمال مصر و خططها و أقطارها»؛ و تضيف نسخة خطية موجودة بالقاهرة إلى هذا فى صفحة العنوان ما يلى: «و أخبار البلدان و البحار و الأشجار و الجزائر و الجبال و العيون و الأبيار و الدور و الكنائس و القصور» 142. و لا يقتصر الأمر على مصر وحدها و لو أنه يفرد لها المكانة الأولى فى الأقسام المختلفة من الكتاب؛ غير أن الخلط فى العرض يتفق اتفاقا تاما

492

مع الخلط الذى يسود مادة الكتاب. و الكتاب يبدأ وفقا للتقاليد بعرض موجز للجغرافيا الفلكية و تقسيم الأرض إلى سبعة أقاليم؛ و يبدأ وصف المناطق من المغرب الأقصى متدرجا نحو المغرب الأوسط فالمغرب الأدنى. و هو يولى اهتماما خاصا للإسكندرية و خراج مصر و النيل و السودان. و فى وسط الكتاب يقحم نفسه وصف للطريق من مصر إلى الشام؛ و يلى هذا محاولة من المؤلف ليلتزم بعض الترتيب حينما يأخذ فى الكلام على الشام تليها أرمينيا فأرض الجزيرة فالعراق، ثم ينقطع حبل التسلسل عقب هذا. و حتى فى هذه الأقسام برد ذكر المواضع الجغرافية تارة وفقا لحروف المعجم و طورا تتكرر داخل الأقسام المختلفة عدة مرات. بعد هذا يعالج المؤلف الكلام على موضوعات مختلفة و متنوعة مثل المدن و الأقطار و البحار و الجزر و الأنهار و الجبال و الأهرامات و الأديرة و الأعياد و التقويم القبطى. و يتناول ابن إياس فى كتابه طرفا من أخبار اليمن و الحجاز و الهند و الأندلس و رومة التى يتحدث عن بعض آثارها و صروحها، بل و لا ينسى الكلام عن الروس و البلغار. و بهذا نجد أنفسنا أمام مصنف يمثل أنموذجا جيدا لذلك الضرب من التأليف الذى قصد به إمتاع الأدباء، فهو بذلك ينتمى إلى تلك السلسلة التى بدأها ابن الفقيه بل و يختتمها فى واقع الأمر.

و مصنف ابن إياس فى الجغرافيا لم يطبع إلى الآن و لكن يمكن الحكم عليه بصورة وافية من القطع التى نشرها فى بداية القرن التاسع عشر لانجليه‏L .M .Langles و ارنولدF .A .Arnold ، ثم من مقال فون كريمرA .V .Kremer . و قد وصفه أمارى‏Amari فى منتصف القرن الماضى بأنه مصنف «نقلى ثانوى للغاية» 143una medioerissima compilazione ،* * * هذا مع اعترافه بأن ابن إياس ربما كان قد رجع إلى مسودة للإدريسى غير معروفة لنا. و نفس هذا الحكم يصدق على بقية أقسام الكتاب فمادته نقلية صرفة و لكن تجد طريقها إليه من آن لآخر و مضات مشرقة؛ فهو مثلا فى وصفه لبلاد النوبة يرجع كالمقريزى إلى مصنف من القرن العاشر مفقود بالنسبة لنا هو كتاب الأسوانى‏ 144، كما أنه يقدم لنا فى القسم الذى أفرده لمصر قائمة بمقاييس فيضان النيل على ممر السنين تعتبر من أوسع ما عرف فى هذا المجال؛ و قد لفت لانجليه الأنظار إلى هذه القائمة و نشرها فى كتابه الموما إليه. بيد أن هذا لا يمنعنا بالطبع من أن نسلم بأن ابن إياس يعتمد فى جميع الأقسام الأخرى من مصنفه على مصادر كتابية لا يظهر مهارة خاصة فى اختياره لها. و طريف فى هذا الصدد القسم الذى يفرده للروس و البلغار، فبالرغم من أنه كانت قد تجمعت معلومات جمة عن جنوبى روسيا فى عهد دولة المماليك نتيجة لتوطد العلاقات مع دولة الأوردو الذهبى و أن عددا من المؤلفين المصريين قد أفاد منها كالعمرى و القلقشندى و العينى فإن ابن إياس يأبى إلا أن يورد معلومات قديمة ترجع إلى القرن العاشر مضيفا إليها رواية الأقليشى، أى أبى حامد الغرناطى، عن البلغار دون أن يرى لزاما عليه أن يستدرك على ذلك بقوله إنها ترجع إلى فترة تاريخية سابقة؛ و هو كبقية المؤلفين السابقين عليه يقسم الروس إلى ثلاث طوائف‏ 145

493

و يصل بحر قزوين بالمحيط المنجمد الشمالى‏ 146. و لإعطاء فكرة عن تصور ابن إياس و الوسط الذى عاش فيه للعالم آنذاك قوله بأن المحيط الأطلنطى لا يعلم عنه شى‏ء «لأن أحدا لم يجرؤ على الضرب فيه» 147.

هذه الملاحظة قد تم تدوينها بعد قرن من كشف كولومبس للعالم الجديد و بعد مدة طويلة من طواف قاسكو داغاما حول الطرف الجنوبى للقارة الإفريقية و تمكنه من الوصول إلى الهند مستعينا فى ذلك بملاح عربى.

و يلوح أن ابن إياس قد فاته أيضا إلى جانب هذا معلومات أقرب عهدا إليه كرواية المقريزى عن وصول سفارة صينية إلى مصر بطريق البحر فى عام 1338- 1352 148.

كل هذا يضطرنا بطبيعة الحال إلى ضم مؤلفه إلى الاتجاه القديم فى الجغرافيا العربية الذى يعتبر امتدادا للمذهب القديم الذى ساد من القرن العاشر إلى القرن الثانى عشر؛ و ليس فى مصنفه ما يشير إلى أنه كان على علم بما حدث من اتساع كبير فى الأفق الجغرافى لدى أهل الغرب، مما تردد صداه لدى بعض المشارقة أحيانا. و قد وجد إلى جانب الجغرافيين من طراز ابن إياس طراز جديد ممن يمكن اعتبارهم متممين للنماذج الغربية فى الجغرافيا و حدث أن التقينا ببعضهم من بين الجغرافيين المغاربة؛ و يلوح أن نشاط الملاحة فى حوض البحر الأبيض المتوسط قد عاون كثيرا فى إيصال هذا التأثير من أوروبا. كما و أننا سنبصر فى الفترة التالية لهذه* * * كيف نشطت الجغرافيا الملاحية بين العرب حتى أصبحت أكثر فروع الأدب الجغرافى تقدما و إبداعا، و فى هذا الميدان الأخير ترتبط الآثار الجغرافية باللغتين العربية و التركية ارتباطا وثيقا بحيث يصعب أحيانا فصلها عن بعضها البعض دون إحداث خلل فى متابعة التطور العام لهذا الاتجاه. و سنبصر أيضا من نشاط هذه الفترة كيف أنه إلى جانب المذهب التقليدى فى الأدب الجغرافى الذى ظلت جذوره ممتدة إلى القرن العشرين قد بدأ يرفع رأسه اتجاه جديد أخذ يسير بموازاة الاتجاه القديم، ذلكم هو الاتجاه التجديدى الذى عكس التغيرات البعيدة المدى التى مرت عليها الحضارة البشرية فى تلك الآونة. و لكن قبل أن نلج هذا الموضوع يجدر بنا أن نلقى نظرة على حالة الأدب الجغرافى فى القرنين الرابع عشر و الخامس عشر بالشام، ثم أبعد من ذلك إلى الشرق فى الأقطار التى تستعمل اللغة الفارسية.

494

حوشى الفصل السابع عشر

____________

(1)

- Wllsaten? eld, Oeschichtschreib er, p. 991- 002, No 754- Brockelmann, DAL, ll, p, 05, No 01: SBll, p, 94- 05 No 01 a- Pedersen, El, ll, p, 793- Wiet, Manhal, p. 01, No 36- Sarkis, p. 301- 401- Vollers, Ibn Doukmak

راجع فى الفهرس: محمد الهبلاوى‏

(2)-Vollers ,lbn Doukmak ,p .5

(3) شرحه، ص 6

(4)-Pedersen ,El ,ll ,p .793

(5)Vollers ,lbn Doukmak ,p .6

(6) شرحه‏

(7) شرحه ص 7.

(8)-Sarkis ,p .401

(9)-Vollers ,lbn Doukmak ,p .4

(10) شرحه‏

(11) شرحه، ص 3Pederaen ,El ,ll ,p .793

(12)

- Brockelmann, GAL, ll, p. 531, No 6: SB ll, p. 561. 661- Harlmann, Halil- Ravalsse

(13)-Sarkis ,p .331

(14)Hartmann ,Halil ,p ,1

(15) شرحه ص 1، 3Ravaisse ,p .4 3

(16)-Ravaisse ,p .4

(17)-Hartmann ,Halil ,p .3

(18) شرحه، ص 6

(19) شرحه، ص 3

(20)Hartmann ,ZDMD ,07 ,6191 ,p .8

(21)Hartmann ,Halil ,p .6

(22) شرحه، ص 3

(23) شرحه، ص 2

(24) شرحه‏

(25) شرحه، ص- 6Hartmann ,ZDMD ,07 ,6191 ,p .11 -

495

____________

(26)-Hartmann ,Halil ,p .3 -4

(27) شرحه، ص 6

(28) شرحه، ص 7

(29) شرحه‏

(30) شرحه، ص 68

(31) شرحه، ص 88

(32) شرحه، ص 3

(33)-Devonshire ,BIFAO ,XX ,p .5 -6 ,Note 5

(34) راجع:Brockelmann ,GAL ,II ?,p .62 ,No 9 و لكن قارن‏

Brockelmann, GAL, II, p. 131, No 5 and SBII, p. 361, No 01 a- Morit? z Ibn al- Gian, p. III- Kramess, EI, p. 17- Devonshie BIFAO, XX,

(35) عالم الدين شاكر القبطى المصرى بن جيعان ولد بعد عام 790 ه- 1388.

راجع:Wiet ,Manhal ,p .661 ,No 2011

(36)-Moritz Ibn al -Gian ,p .III

(37) شرحه، المتن، ص 2

(38)-Taeschner ,GLO ,p .04 -14 ,note 1

(39)-Devonshire ,BIFAO ,XX ,p .2

(40)-Lanzone ,p .4

(41) شرحه، المتن، ص 48

(42) شرحه، المتن، ص 4

(43)-Devonshire ,BIFAO ,XXV ,p .2

(44) راجع شرحه، ص 1

(45)-Hartmann ,Die Strasse ,p .496 -696

(46)

- Kalile, Ibn Ijas, III, p. 453- Devonshire BIFAO, XX, p. 5- 6, note 5

(47)-Gibb ,EI ,EB ,p .852

(48) خطط المقريزى، ص 323-Quatremere ,

(49) عنان، ص 44

(50) ترجمة حياته راجع:

Brockelmann, GAL, II, p. 83- 14, No 7; SBII, P. 63- 73, No 7- Brockelmann, AI?- Makrisl, p. 091- 191

(51)-Carra de Vaux ,Les Penseurs ,I ,p .741 .

(52) راجع أنموذج خط المقريزى لدى:

(و يرجع لعام‏

( W. Wright, Palaeographical Sociely, No 27,- 0241- 1241

496

____________

(53) خطط المقريزى، ص 325-Quatriemere

(54)-Brockelmann ,Al -Makrisi ,p .091

(55) شرحه، ص 191.

(56) ترجمة المقدمة ص 327- 337 و خطط المقريزى و-Quntremere ?

(57)-Wiet ,El -Maqrisi ,Khitnt ,I ,p .1 -3

(58) شرحه، ص 3- 5.

(59) شرحه، ص 5- 7.

(60) خطط المقريزى، طبعة 1270 ه، الجزء الأول، ص 5- 128.

(61) شرحه، ص 128- 285.

(62) شرحه، ص 285- 347.

(63) شرحه، ص 348- 498.

(64) شرحه، الجزء الثانى، ص 2- 201.

(65) شرحه، ص 201- 230.

(66)Wiet ,El -Maqrisi ,Khitat ,I ,p .7 -11

(67) عنان، ص 47- 48.

(68)Guest ,FJ -Maqrisi ,p .301 .

(69) عنان، ص 48- 49.

(70) راجع:Guest ,p .401 -501 و عنان، ص 49

(71) المقريزى، الخطط، الجزء الثانى، ص 232، 244.

(72) شرحه، ص 244- 463.

(73) شرحه، ص 464- 519؛ قارن: عنان، ص 49- ... 50

(74) عنان، ص 50.

(75)Wiet ,El -Maqrisi ,Khitat ,I ,p .11 -41 .

(76) شرحه، ص 15 ... 50

(77) خطط المقريزى، ص 326Quatremere ,

قارن:Margoliouth ,p .851

(78) شرحه، ص 326- 327.

(79)Guest ,ISI -Maqrisi ,p .501

(80) شرحه، ص 106

(81) شرحه‏

(82) شرحه، ص 107

497

____________

(83)-Carra de Vaux ,Les Penseurs ,l ,p .351

(84)-Bolotov ,Lektsii ,p .502

قارن:Strothmann ,Kopt .Kirche ,p .601

(85)-Carra de Vaux .Les Penseurs ,I ,p .151

(86)-Guest ,El -Maqrisi ,p .701

(87) عنان، ص 52.

(88) شرحه، ص 53

(89) شرحه، ص 53- قارن أيضا ص 58

(90) شرحه، ص 57- 58

(91) شرحه، ص 55- 56

(92) شرحه، ص 57

(93)-Goldziher ,Muh .Studien ,ll ,p .962

(94)

- Brockelmann, GAL, II, p. 93. note- Brockelmann, Al- Makrisi, p. 091

(95) عنان، ص 52- 59

(96)-Wiet ,BIFAO ,XII ,p .26

(97) شرحه، ص 63

(98)-Graefe ,p .XII -XIII

(99)-Guest ,El -Maqrisi ,p .801 -121 ,121 -521

(100) شرحه، ص 123- 124

(101) شرحه، ص 124

(102) شرحه‏

(103)-Inostrantsev ,p .43 ,74 -Guest ,p .711

(104)-Guest ,p .521 .

(105) عنان ص 62- 64* * *Brockelmann ,Al -Makrisi ,p .191

(106)

- Brockelmann, GAL, II, p. 25- 35, No 41; SBII, p. 05- 15- Marcais, El, I, p. 522- 622

(107)-Ahmed Zaki ,Homenaje ,p .264

(108) مخطوطة معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية رقم ص 350

(109)

- Wustenfeld, Geschichtschreib er, p. 622- 232, No 605- Brockelmann, GAL, II, p 341- 851, No 7; SBII, p. 871- 891- Brockelmann, Al- Suyuti,

عنان ص 61-p .026 -226

(110) السيوطى، حسن المحاضرة، الجزء الأول، ص 188- 195

498

____________

(111) صورة شمسية لخط السيوطى لدى تيمور، ص 24

(112)-Weisweiler ,p .7 -01

(113)-Krachkovskl ,DAN ,V ,9291 ,p .661 -861

(114) عنان، ص 61

(115) السيوطى، حسن المحاضرة، الجزء الأول، ص 2

(116) شرحه، ص 99- 334؛ و الجزء الثانى، ص 1- 108

(117) شرحه، الجزء الثانى، ص 113- 146

(118) شرحه، ص 147- 171

(119) شرحة، ص 171- 170

(120) شرحه، ص 176- 184

(121) شرحه، ص 184- 194

(122) شرحه، ص 195- 219

(123) شرحه، ص 219

(124) شرحه، ص 220

(125) شرحه، ص 228- 236

(126) شرحه، ص 238- 263

(127) شرحه، 263- 270

(128) شرحه، ص 271- 272

(129) شرحه، ص 273- 280

(130) شرحه، 281- 297

(131) شرحه، ص 297- 304

(132) شرحه، ص 304- 308

(133) عنان، ص 61

(134)-Peeker ,p .28

(135)

- Brockelmann, GAL, SBII, p. 691, No 082- 582, p. 891, No 023

(136)Kahle ,Ibn Ijas ,lV ,p .42

(137)

- Reinaud, Introduction, p. CLXIV- CLXV- Brockelmann, DAL, ll, p. 592, No 1; SBII, p. 504- 604- Sobernheim, p. 414- 514- Amari Margoliouth, Lectures,

عنان ص 62- 61

(- Nallino ), l, p. 26, No 92- p. 851- 951- Kahle, Ibn Ijas, IV, p. 1- 92- Langles, Cosmographie- Kremer, SBAW, V, p. 77 sui- Ferrand, Relations, ll, p. 574- 384- F. A. Arnold, Chrestomathia, I, Ch. V, P. 45- 67.

499

____________

(138)-Kahle ,Ibn ljas ,lV ,p .22 -32

(139) شرحه، ص 25- 26

(140)-Devonshire ,BIFAO ,XXV ,5291 ,p .711

(141)-Langles .p .5

(142) عنان، ص 61- 62 و قارن: حاجى خليفة، الجزء السادس، ص 344- 345، رقم 13793

(143)-Amari (-Nallino) ,I ,p .26 ,No 92

(144)-F .A .Arnold ,Chrestomathia ,p .45

(145) شرحه، ص 74

(146)-Peschel -Ruge ,p .901 ,Note 2

(147)-Reinaud ,Introduction ,p .CLXV

(148)-Hennig ,Ill ,p .781 -091

500

الفصل الثامن عشر الجغرافيا الإقليمية بالشام و فلسطين فى القرنين الرابع عشر و الخامس عشر

لم ينتعش الأدب الجغرافى بصورة تسترعى النظر فى الأقطار الواقعة إلى الشرق من مصر فى القرون التى سبقت الغزو العثمانى مباشرة، و من بين المصنفات ذات الطابع العام يمكن للشام أن تشير إلى مصنف واحد فى الكوزموغرافيا اكتسب فى الحقيقة رواجا منقطع النظير و لو أنه يمثل فى واقع الأمر تدهورا لهذا النمط أكثر مما يمثل تقدما له. أما العدد غير القليل من المصنفات الذى ظهر فى هذا العصر فيدخل فى مجال الجغرافيا الإقليمية(regional) و يعالج الكلام بصورة خاصة على المدن الكبرى؛ و يمكن لنا فى هذا الصدد أن نتتبع وجود سلسلة يكمل بعضها البعض لا بصورة آلية بل تتميز عن بعضها البعض فى اختلاف أغراضها. أما الأقطار الواقعة إلى الشرق من الشام فإنها لم تترك فى هذا العصر أى أثر فى الأدب العربى يستحق أن نقف عنده.

و بالرغم من أن المصنف الكوزموغرافى الذى أشرنا إليه يوجد فى عدد من الطبعات و المخطوطات و أنه لم يختلف أحد حول عنوانه و هو «خريدة العجائب و فريدة الغرائب» 1 إلا أن بعض الإيهام يحيط بشخص مؤلفه. و تتفق معظم الآراء فى الوقت الحاضر على أنه سراج الدين أبو حفص عمر بن الوردى (توفى فى عام 861 ه: 1457 2؛ و فى رواية أخرى حوالى عام 850 ه 1446) 3. و قد نسب تأليف الكتاب لمدة طويلة إلى سميه زين الدين ابن الوردى الذى عاش قبل ذلك بقرن من الزمان (توفى عام 749 ه 1349) 4. و قد نشأ هذا الخلط فى الوسط العربى نفسه و تردد صداه فى بعض المخطوطات و المصنفات الببليوغرافية و منها نفذ إلى الأوساط العلمية بأوروبا. و فيما يتعلق بابن الوردى الأول فإن معلوماتنا مفصلة أكثر، من ذلك أنه عاش بالشام* * * و كان لبعض الوقت قاضيا بحلب و خلف عددا من المؤلفات فى مجال الفقه و الأدب كما نال الشهرة كشاعر، و لعل ذيوع صيته هو المسئول أحيانا عن نسبة المصنف الكوزموغرافى إليه. و فى مقابل هذا فإننا لا نعرف شيئا عن ابن الوردى الأصغر و يلوح أنه سليل نفس الأسرة. و بما أن المصنف مرفوع إلى قائد قلعة حلب شاهين المؤيدى‏ 5 فيوجد أساس متين للقول بأن المؤلف كان شاميا من أهل حلب‏ 6.

و ينضم المصنف من حيث النوع إلى نمط الكوزموغرافيات المعروف لنا من مثال كوزموغرافيا القزوينى و الدمشقى و غيرهما. و هو يورد فى البداية خارطة مستديرة للعالم مع وصف لها مفصل بما فيه الكفاية؛ بعد هذا ينقسم العرض إلى أربعة عشر فصلا (خمسة عشر أحيانا) 7، و هذه الفصول و ما بداخلها من تقسيمات‏

501

لا تتفق فى جميع مخطوطات الكتاب و لكن التركيب العام للكتاب لا يتغير فى العادة و يشبه فى حقيقة الأمر تركيب معظم المؤلفات الكوزموغرافية الأخرى. ففى الفصل الأول و هو أوسع الفصول و يشغل أكثر من ثلث الكتاب بأجمعه يرد الكلام عن الأقطار و البلدان مع تعداد مدتها المختلفة، و فى الفصل الثانى يتحدث عن الخلجان و البحار، و فى الثالث عن الجزر 8، و فى الرابع عن العجائب التى يراد بها العبرة، و فى الخامس عن الأنهار المشهورة، و فى السادس عن العيون و الآبار، و فى السابع عن الجبال الشاهقة، و ابتداء من الثامن الذى يتحدث فيه عن خواص الأحجار الكريمة يدخل الكتاب فى بعض التخصص فيلى هذا الفصل التاسع فى المعادن و الجواهر، ثم العاشر عن النبات و الفواكه مع ذكر خواصها، فالحادى عشر عن البقول، و الثانى عشر عن الحشائش المختلفة. و فى الفصل الثالث عشر يتكلم عن البذور، و يفرد الرابع عشر للحيوانات و الطيور. و فى مخطوطات الكتاب و مسوداته المختلفة كثيرا ما يلى هذا الفصل الأخير زيادات متنوعة لعلها من عمل النساخ، مثال ذلك المسائل المشهورة التى سأل عنها عبد اللّه بن سلام النبى محمدا عليه الصلاة و السلام. و قد أضيف إلى الكتاب قسم كبير يبحث فى أصل العالم و يوم القيامة و تختتمه قصيدة طويلة لشاعر مغمور يصف فيها نهاية العالم‏ 9. و لا شك أن المؤلف قد اعتمد فى هذا القسم الكوزمولوجى‏cosmological على «كتاب البدء» للمقدسى بل إنه يشير إليه فى خلال كلامه؛ و هو يتحدث فى هذا القسم عن الزمان الذى انقضى منذ خلق العالم و مدته و عن الخلق الذى وجد قبل آدم، و عن عدد العوالم و حساب الوقت من آدم إلى لحظة تأليف الكتاب. و بعض فقرات هذا القسم ينقل مادة المقدسى بحذافيرها و بعضها يدخل عليها تعديلات كبيرة أو صغيرة 10.

و محتويات الكتاب بوجه عام لا تختلف عما نجده فى الكوزموغرافيات و لكن لعله ليس من باب الصدفة أن يهتم العنوان بإبراز عنصر العجائب و الغرائب فهى التى تجتذب منذ البداية اهتمام المؤلف و تترك طابعها المميز على الكتاب بأجمعه، بل و هى المسئولة قبل غيرها عما تمتعت به كوزموغرافيا ابن الوردى من رواج فى الشرق و عن تسرب العدد الكبير من مخطوطات الكتاب إلى الغرب. و لنذكر بهذه المناسبة أنه ابتداء من منتصف القرن الثامن عشر و إلى ما بعد قرن من ذلك كانت كوزموغرافيا ابن الوردى مقربة إلى نفوس المستشرقين الأوروبيين أيضا و لكنها لم تلبث أن فقدت سحرها شيئا فشيئا و تراجعت إلى الصف الثانى مفسحة المجال لمؤلفات من هذا الطراز أكثر جدية منها. هذا و قد أحاطت الريبة بقيمة هذا الكتاب قبل ذلك بعهد طويل و فى محيط الأدب العربى نفسه، و لا يخلو من أهمية فى هذا الصدد رأى مؤرخ الكتب و العالم الببليوغرافى المشهور حاجى خليفة الذى كان له باع طويل فى الجغرافيا أيضا. ففى تعليقه الطويل عن هذا المصنف نراه يخرج بعض الشى‏ء عما عهدنا فيه من التحفظ و الاعتدال و يعبر عن رأيه فيه بحدة و ببعض التهكم فيقول:

«و هو مجلد نصف أوله فى ذكر أقاليم و بلدان و الباقى فى بعض أحوال المعدن و النبات و الحيوان و لكنه‏

502

أورد فى أوله دائرة مشتملة على صور الأقاليم و البحار زعما منه أنه كذلك فى نفس الأمر و هو الضلال البعيد عن الحق المطابق للواقع فإن الرجل ليس أهل فن جغرافيا و تصويره لا يقاس على سائر النقوش و التصاوير و مع ذلك أورد أخبارا واهية و أمورا مستحيلة كما هو دأب أهل العربية و الأدباء الغافلين عن العلوم العقلية ان* * * هذا الكتاب متداول بين أصحاب العقول القاصرة كأمثاله أوله الحمد للّه غافر الذنب و قابل التوب الخ، و لعلّ المصنف أشار إلى هذا التأليف و أمثاله من الذنوب» 11.

و لا نستطيع إلا أن نوافق حاجى خليفة فى تقديره العام للكتاب فهو مدخل عادى للغاية فى الجغرافيا و التاريخ الطبيعى و لكن غفل من أية قيمة علمية ذات بال‏ 12. ثم إن ميله الصريح إلى الخرافات و العجائب‏ 13 تجعل منه شبيها لحكايات «القصاص»، تلك الحكايات التى كسبت لنفسها سمعة سيئة منذ الأيام الأولى للحضارة العربية و لو أن ذلك لم يحل دون رواجها بين العامة. و يغلب على القسم الأكبر من الكتاب القصص الخيالية* * * و العجائب و الغرائب المختلفة 14 بينما لا تجد فيه الأخبار الواقعية سوى مجال محدود 15. و هو يحتل مكانته لا بين الآثار الجغرافية الكبيرة بل بين المتوسطة العادية و لو أنه يجب ألا ننفى بصورة كلية كما فعل حاجى خليفة 16 وجود بعض الفائدة لديه.

فابن الوردى رغما من كل هذا قد حفظ لنا أحيانا مواد لم تصلنا فى مصادرها الأولى‏ 17، و تعتبر «خريدة العجائب» فى العادة انتحالا لمصنف الحرانى من أهل القرن الرابع عشر 18 و الذى حدث أن توقفنا عنده فيما مر من هذا الكتاب، غير أن الفحص الدقيق للمسألة يحول دون قبول هذا الرأى على علانه. و ابن الوردى نفسه يسرد مراجعه التى نجد من بينها بطلميوس و البلخى و المسعودى و المراكشى و نصير الدين طوسى و آخرين غيرهم‏ 19؛ و نحن قد تعودنا بالطبع أن نبصر أحيانا فى الإشارات إلى المؤلفين المختلفين ضربا من الدفاع عن النفس، و هذا يصدق بدوره على ابن الوردى. فمن الملاحظ أن أن اسم الحرانى لا يوجد فى ثبت مصادره بينما يدين له ابن الوردى فى واقع الأمر بالكثير و لو أنه لا يدين له وحده؛ و مما يؤسف له حقا أننا لسنا فى وضع يسمح لنا بمقارنة المتنين. و لعب دورا ليس أقل من هذا تأثير القزوينى عليه‏ 20. و قد عرف ابن الوردى مصنفه معرفة جيدة و لا شك، و يوكد هذا بالتالى المستشرق الروسى مدنيكوف‏N .A .Mednikov 21 فى فحصه للأقسام الخاصة بفلسطين. و بنفس الدرجة يمكن أن نبصر تأثير الدمشقى و الإدريسى عليه، و الأخير قد استعمله ابن الوردى عند كلامه على مواضع متباعدة كصقلية 22 و فلسطين‏ 23؛ كذلك عرف جيدا مؤلفين أقل شهرة من أولئك كالمقدسى صاحب «كتاب البدء» 24. كل هذا يضطرنا إلى التسليم بأن محيط اطلاعة كان واسعا بما فيه الكفاية و لم يقتصر بأية حال على الحرانى وحده.

و نادرا ما نلتقى على صفحات كتابه بذكر لأوروبا أو آسيا الشمالية أو الهند، أما أكثر مادته طرافة فهي تلك التى تخص إفريقيا و بلاد العرب و الشام‏ 25. و هو يعتمد فى كلامه عن الروس و أوروبا الشرقية

503

على المسعودى و سلام الترجمان‏ 26، و يلوح أن معرفته بابن فضلان كانت عن طريق مصدر آخر* * *.

و نظرا لما يتميز به مصنفه من تنوع كبير فى المادة فإنه يمكن العثور على تفاصيل قيمة وسط أقسامه المختلفة، و قد أثبت مؤرخ صقلية أمارى أنه الوحيد الذى يورد الرواية المتعلقة بوجود جسر كبير طوله مائة و خمسون مترا يصل ترابانى‏Trapani بأرض صقلية 27؛ كما و أن تيشنرTaeschner فى دراسته عن القسطنطينية قبل الفتح العثمانى يبين أن أكمل رواية لوصف المدينة الذى تناقلته المصادر الإسلامية منذ عهد الإسلام الأول هى التى حفظها لنا ابن الوردى بالذات‏ 28. و من هذا نبصر مرة أخرى أنه حتى مثل ذلك الكتاب الذى تكونت لدينا عنه بوجه عام انطباعات سلبية لا يمكن اطراحه ظهريا بشكل نهائى.

و يمكن أن نستشف بعض التحيز فى موقف حاجى خليفة من خارطة ابن الوردى، و هى معروفة منذ بداية القرن التاسع عشر عند ما نشرها يوهانسن‏Johanssen اعتمادا على مخطوطة باريس و تورنبرج‏Tornberg اعتمادا على مخطوطة ابسالا، ثم تلاهما مجيك‏Mzik فنشر صورة فوتوغرافية لها عن مخطوطة بغوتا 29. و فى الآونة الأخيرة نشر ميلرKonred Miller سبعة عشر نموذجا لهذه الخارطة فى مؤلفه الضخم معتمدا على عشرين مخطوطة 30. و جميع هذه النماذج تعكس خارطة العالم المستديرة المعروفة لنا جيدا و هى تلك الخارطة التى ثبتت صورتها فى ما اصطلح على تسميته «بأطلس الإسلام» و التى ترتفع بالتوكيد إلى طراز خارطة الاصطخرى‏ 31؛ أما من الناحية الفنية فإن خارطة ابن الوردى ليست بأردأ من غيرها من الخارطات من نفس النوع و من ثم فإن الحكم القاسى الذى أصدره عليها حاجى خليفة غير مفهوم لنا تمام الفهم. و يرى ميلر أن وجود عدد هائل من المخطوطات قد ساق إلى تنويع صور هذه الخارطة بحيث يمكن تصنيفها على مجموعات‏ 32، و هو محق فى افتراضه أن الاختلاف فيما بينها يرجع فى أغلب الظن لا إلى المؤلف نفسه بل إلى الناسخ‏ 33 الذى يستطيع بحسب ما أوتى من الخبرة أن يجرى فى الخارطة ما يعن له من إضافات أو تعديلات لا وجود لها فى النموذج الأصلى. هذا و قد حازت الخارطة نفس الرواج و الانتشار الذى حازه المتن و زحمت جميع الخارطات الأخرى، كما و أن النزعة إلى الموضوعات الأسطورية قد انعكست بدورها فى بعض التسميات الموجودة بها و لكن هذه الظاهرة ليست وقفا على ابن الوردى وحده. و نحن نلتقى لديه بموضع جبل قاف و عرش إبليس و ينبوع الحياة 34، و لكن توجد أيضا إلى جانب هذا حالات أغنى فيها المصطلح الجغرافى، ففى أوروبا تظهر البلقان و «الألمان و غيرهم من شعوب النصرانية» و ذلك لأول مرة على خارطة عربية 35؛ و لنستدرك على هذا بقولنا إن تحليل ميلر لا يخلو فى بعض نقاطه من الإبهام و يحتاج إلى التثبث. و بخلاف خارطة العالم المستديرة فإن معظم مخطوطات مصنف ابن الوردى تحتوى على* * * «خارطة للقبلة» مبين عليها اتجاهات القبلة باختلاف مواقع البلاد 36.

و قد تجاوز صيت «خريدة العجائب» نطاق العالم العربى بحيث يمكن أن تنازع فى هذا الميدان «عجائب‏

504

المخلوقات» للقزوينى، و هى معروفة فى ترجمة فارسية 37 غير أن الرواج كان على ما يظهر من نصيب ترجماتها التركية 38 التى يذكر تيشنر الخبير فى تاريخ الجغرافيا عند الأتراك ليس أقل من خمس منها 39؛ و مما يلفت النظر أن أقدمها قد ظهرت بعد قليل من ظهور الأصل العربى و ذلك قبل استيلاء الأتراك على القسطنطينية 40 أما الترجمات الباقية فيرجع معظمها إلى القرن السادس عشر 41؛ و قد ضمن محمد عاشق فى حوالى عام 1006 ه- 1598 الأخيرة منها فى سفره الجغرافى الكبير «مناظر العوالم» 42 الذى سنقف عليه طويلا فيما سيمر من هذا الكتاب.

و كان من جراء العدد الكبير من مخطوطات ابن الوردى الذى وجد طريقه إلى أوروبا أن لفت إليه هذا أنظار العلماء الأوروبيين فى وقت مبكر خاصة المبتدئين من بينهم الذين اضطروا حين لم يجدوا مواد أخرى إلى استخراج موضوعات أبحاثهم منه. و هم بالطبع لم تجتذبهم تلك الجوانب التى عملت على رواج الكتاب فى الشرق، فالعلامة المشهور سلسيوس‏Celsius قد وجه الأنظار إلى أهمية قسم التاريخ الطبيعى خاصة الجزء منه الذى يعالج الكلام على النبات؛ و منذ اللحظة التى ترسم فيها خطاه أوريفليوس‏Aurivlllius فنشر فى عام 1752 الفقرة عن النخيل فإن دراسة «فريدة العجائب» أصبحت إلى حد ما من تقاليد العلم السويدى فنشر عددا من فصوله هيلاندرHylander (1784 .. 1823) 43 و فكس‏Faks (1786) 44 و تورنبرج‏Tornberg (1835 .. 1839) 45؛ غير أن علماء الأقطار الأخرى قد أدلوا أيضا بدلوهم فالعلامة كولرKoehler الذى وضع دراسة قيمة عن أبى الفدا نشر الجزء من مصنف ابن الوردى المتعلق بالشام (1766 46 و 1786) و قدم لنا دى غين‏De Gaigne فى عام 1789 تحليلا عاما للكتاب‏ 47 ساعد إلى حد ما فى تدعيم صيته. و من الملاحظ أن علامتنا الكبير فرين‏Frahn بدأ نشاطه العلمى بابن الوردى بالذات فقد ظهر أول بحث علمى له فى سنة 1804 و هو عبارة عن متن ابن الوردى عن مصر مع ترجمة و تعليقات‏ 48. و عند ما تم فى أوروبا اكتشاف المصنفات الكبرى القيمة بدأ نجمه فى الأفول منذ منتصف القرن التاسع عشر* * * بحيث اقتصرت أهميته بالنسبة لنا فى الوقت الحاضر فى أنه يمثل آخر نموذج لنمط الكوزموغرافيا فى الأدب العربى، ذلك النمط الذى بلغ الأوج فى كتاب القزوينى و بدأت تظهر عليه علامات التدهور إن لبس السقوط فى كتاب ابن الوردى.

لقد ظل التأليف فى مجال الجغرافيا الإقليمية مزدهرا بغزارة فى الشام و فلسطين طوال هذا العصر و لكن نماذجه اختلفت بعض الشى‏ء من حيث الشكل عما عهدناه بمصر فلم يهتم بمسائل الإدارة و نشاط الدواوين الحكومية بالقدر الذى اهتم به المؤلفون المصريون؛ و لا غرو فقد بقيت مصر على الدوام مقر الدولة أضف إلى هذا أن جميع المراجع الإدارية التى ظهرت فيها قد وجهت اهتماما ليس بالضئيل للشام أيضا.

و نادرا ما ترسمت الآثار التى صنفت بالشام خطو «الخطط» المصرية أى وصف المدن و الحواضر بحسب‏

505

أحيائها، و كانت نقطة التقائهما الوحيدة هى أنه بقدر ما ركزت الخطط اهتماما قبل كل شى‏ء على القاهرة فإن المصنفات الشامية قد ركزت بدورها اهتمامها الأساسى على المدن الكبرى كدمشق و القدس و حلب بعض الشى‏ء. و هى ترتبط أكثر مما ترتبط الخطط بذلك النمط القديم نمط «الفضائل» و «المحاسن» الذى تمتد جذوره إلى القرنين الثامن و التاسع؛ و لم تكن هذه الصلة قد انفصمت بالطبع و لكن ظهور الأنماط الأخرى و ازدهارها قد دفع أحيانا إلى تناسيها و لكننا نراها الآن لأسباب عديدة تجمع قواها من جديد بل و تحتل مركز الصدارة. و تكمن طرافة هذا النمط فى تشبئه الشديد بتقاليده الأدبية فهنا يتمم المصنف المصنف السابق عليه بل و قد يقتصر أحيانا على مجرد إدخال تجديدات بسيطة عليه. و فى القرن السادس عشر أى تحت سلطان العثمانيين كان هذا النمط أكثر أنماط الأدب الجغرافى قربا إلى نفوس القراء.

و قد أبصرنا من قبل، و ذلك خلال فحصنا للآثار المحلية المرموقة، كيف انعكس هذا الاهتمام بالجغرافيا الإقليمية لدى مؤرخ الشام فى القرن الثالث عشر عز الدين بن شداد الذى يحمل الجزء الثانى من مصنفه فى بعض الأحيان عنوانا قائما بذاته هو «محاسن إقليم دمشق» كأنما ينوه بذلك إلى محور اهتمامه الرئيسى و يمثل هذا النمط فى القرن الخامس عشر بصورة أكثر جلاء مصنف عبد اللّه بن محمد البدرى الدمشقى‏ 49 و لو أن قيمته الأدبية ليست بالكبيرة؛ و نحن لا نعلم شيئا عن المؤلف نفسه سوى أنه أتم مصنفه حوالى عام 887 ه- 1482 50 و أن له مصنفات أخرى يرجع تأليفها إلى الربع الأخير من القرن الخامس عشر و أن تاريخ وفاته ينسب أحيانا إلى عام 909 ه- 1503 51، و يوجد أساس قوى للاعتقاد بأنه أقضى شطرا طويلا من حياته بدمشق و عرفها معرفة جيدة لأن هذا ينعكس بجلاء من تضاعيف مصنفه «نزهة الأنام فى محاسن الشام»* * * الذى اجتذب أنظار العلماء منذ عهد دى ساسى‏ 52 و كاترمير 53 بفضل مخطوطته الباريسية، كما و أن المستشرق الفرنسى سوفيرSauvarie نشر مقتطفات منه مترجمة إلى الفرنسية 54. و قد ظهر الكتاب فى طبعة قاهرية منذ عهد ليس بالبعيد 55؛ و توجد له مخطوطة جيدة بمكتبة معهد الدراسات الشرقية 56.

يقدم لنا المؤلف فى كتابه هذا وصفا لمشاهد دمشق الجديرة بالاهتمام، أو كما يعبر هو بلفظه الخاص «محاسن» دمشق، و للمواضع القريبة منها؛ و فيه يعالج الكلام على مساجدها المختلفة و حماماتها و متنزهاتها كما لا يهمل الحديث عن قراها و مواضعها المشهورة بأزهارها و نباتها و أشجار فاكهتها. و فيما يتعلق بالمجموعة الأولى فهو يورد بعض التفاصيل التاريخية و المعمارية أما فيما يتعلق بالثانية فيفصل أحيانا الكلام على طرق جمعها و وسائل تسويقها. و يختتم المؤلف كتابه بالكلام عمن عاش بدمشق من الصحابة و مشاهير الرجال و عن مقابرها و جباناتها و ما بها من قبور معروفة. أما توزيع مادة الكتاب فغير متجانس و يلوح أن المؤلف قد افتتن بصورة خاصة بالأشجار و الأزهار و البقول و الثمار التى تنمو بدمشق و نواحيها فخصص لهذا ثلاثة أرباع الكتاب تقريبا، و هو ينقل عن مصنفات مختلفة فى الطب و النبات و يقدم لنا من وقت‏

506

لآخر من التفاصيل مما قد يكون ذا أهمية للمتخصصين‏ 57. أما أسلوبه الكتابى فلا يخلو أحيانا من التكلف و تنتثر فيه الاستشهادات الشعرية وفقا للموضوع الذى يعالجه؛ أما تبويبه للمادة فبدائى للغاية و هو يبدأ كلامه دائما بالصيغة الآتية تقريبا: «و من محاسن (دمشق) الشام كذا و كذا .......» 58.

و لإعطاء فكرة عن منهجه فى التأليف بل و منهج غيره نذكر أنه رغما من إقامته بدمشق و معرفته الجيدة بها على ما يبدو فإن هذا لم يمنعه فى وصفه لمسجدها الجامع من أن يفضل الرجوع إلى رواية الرحالة الأندلسى ابن جبير 59 التى ترتفع إلى القرن الثانى عشر؛ و هى ظاهرة كما نعلم موجودة لدى جميع الجغرافيين العرب. و يلوح أن وصف أبى البقاء قد اكتسب بعض الشهرة بالشام ففى القرن السادس عشر أفاد منه البصروى‏ 60 عند معالجته لنفس الموضوع، و سنلتقى بهذا الأخير فيما سيمر من هذا الكتاب.

و إذا حدث و أن لاحظنا بعض الحيوية فى ميدان الجغرافيا الإقليمية فيما يتعلق بدمشق و الشام عامة فإنه لا يمكن* * * مقارنة ذلك بأية حال بالنشاط المفعم فيما يخص فلسطين و القدس بصورة خاصة، فمن السهل علينا أن نعد فى خلال القرنين الرابع عشر و الخامس عشر ليس أقل من عشرة مؤلفين تركوا أحيانا مؤلفات ضخمة فى هذا الميدان. و هذه الظاهرة بطبيعة الحال ليست وليدة المصادفة لأنها تتصل فى الواقع بتقاليد موغلة فى القدم ترتبط بالاتجاهين الحديثى و اللغوى للقرنين التاسع و العاشر، و إلى جانب هذا فقد وجدت فيما يتعلق بفلسطين أسباب خاصة جعلتها فى فترات معينة من التاريخ محط أنظار العالم الإسلامى بأجمعه؛ و هذا هو السر فى أن مؤلفى هذه المصنفات لم يكونوا من أهل فلسطين أو الشام وحدهما بل كانوا أيضا من المصريين.

و يجب ألا يغيب عن الذاكرة أن مصر و البلاد المرتبطة بها كانت تقف فى القرون الأخيرة السابقة لخضوعها للعثمانيين على رأس الحركة الرامية إلى تحرير فلسطين و المناطق المجاورة لها من أيدى الصليبيين.

و تاريخ هذه الحركة قد تردد صداه فى عدد هائل من الآثار الأدبية، و يستحق من وجهة النظر هذه بحثا خاصا يعالج الفترة بأجمعها منذ عهد صلاح الدين الأيوبى إلى عهد محمد الفاتح. و وجهة النظر الإسلامية فيما يتعلق بفلسطين كانت مشابهة كل الشبه لوجهة النظر المسيحية التى تشكلت و أخذت قالبها فى عهد الصليبيين فقد انبعث أدب دعايه ذو أصالة كبرى انصبت فكرته فى أن فلسطين بل و جميع أرض الشام إنما هى أرض المعاد بالنسبة للمسلمين لا ينازعهم فى شرعيتها أى منازع. و لم تلبث مقابر الأنبياء القديمة الموجودة بها و أيضا المعابد و المساجد العتيقة أن اكتسبت قداسة لا تفوقها سوى قداسة مكة و المدينة؛ و فى العصور المتوسطة الأخيرة أصبح الحج إليها فريضة كالحج إلى مكة و دفع هذا بدوره إلى ازدهار المؤلفات المرتبطة بها و التى احتيج إليها لأغراض الدعاية من جهة و أغراض تعريف المسلمين بتلك البلاد نفسها من جهة أخرى.

و كان الدعاة يشيرون دائما إلى أنه يجب ابتغاء مرضاة اللّه بزيارة تلك البلاد و إنفاق الصدقات على المؤسسات الموجودة بها كمؤسسات العبادة و فعل الخير و العلم.

507

و لم تقم الدعاية على استثارة العواطف الدينية فحسب بل إن العلماء قد اهتموا أيضا بتوضيح جانب آخر دنيوى يتعلق بفلسطين فأخذت تتشكل و تنمو الفكرة القائلة بأن الشام تمتلك تسعة أعشار ثروة العالم بأجمعه؛ و لا يخفى ما تسوق إليه مثل هذه الأفكار من التزامات نفسية معينة فقد أحس المسلمون بأن عليهم أن يرتحلوا إلى تلك البلاد لا خضوعا لتلك العواطف الدينية وحدها بل و أيضا ليستغلوا خيراتها لأنفسهم و لغيرهم سواء فى مجال التجارة أو الزراعة. و لعله لم يكن من قبيل الصدفة أن يولى أبو البقاء مثل ذلك الاهتمام لأزهار و فاكهة وادى دمشق مبينا فى ذات الوقت ما يلقاه كل منها من إقبال فى البلدان الأخرى و فى أى صورة كان ذلك.

و جميع هذا الأدب الجغرافى ذو الطابع الدعائى و ما اصطبغ به من أغراض دينية أو دنيوية* * * قد ارتبط ارتباطا وثيقا على جميع مراحل تطوره بنمو الحركة التى أطلقنا عليها اسم حركة «التحرير». و ترجع بداية هذه الحركة إلى عهد صلاح الدين الأيوبى أو إلى ما قبل ذلك بقليل حينما مر ما يقرب من مائة عام على وجود بيت المقدس فى أيدى الصليبيين (492 ه- 583 ه- 1099- 1187) 61 و تنتهى الفترة الأولى لهذه الحركة باسترداد المسلمين لعكا و طرابلس فى عام 1291. أما الفترة الثانية منها فتصل إلى عام 1375 عند ما قضى المماليك على مملكة أرمينيا و ضموها إلى مصر فوجدوا بذلك أنفسهم وجها لوجه مع الأتراك العثمانيين الذين كما اكتشف المماليك بالتالى لم يكونوا أقل حماسا دينيا منهم أو ضراوة فى القتال.

و قد كانت أنظار المماليك معلقة بحوض البحر الأبيض المتوسط حيث توقعوا على الدوام خطر الغزو من أوروبا يهدد سواحل مصر و الشام لذا فإن الفترة الثالثة و الأخيرة لحركة «التحرير» الإسلامى ضد الصليبيين تبدأ بالعمليات الحربية الموجهة ضد جزيرة قبرص فى عام 1424 و التى ربما كانت بمثابة انتقام من الصليبيين لتخريبهم الإسكندرية فى عام 1365، و تنتهى هذه الفترة بحملة المماليك الفاشلة للاستيلاء على جزيرة رودس حيث التقوا هناك بالأتراك العثمانيين الذين كان يحدوهم نفس الأمل. و حتى هؤلاء الأخيرين لم يحالفهم التوفيق بالإستيلاء على الجزيرة إلا فى عام 1522 بالرغم عن أن عملياتهم العسكرية ضدها ترجع بصورة جدية إلى منتصف القرن الخامس عشر 62.

أمام هذه التحديدات الزمنية التى بيناها بوضوح كاف يضحى أكثر فهما لنا سبب النمو غير العادى الذى تمتع به الأدب الجغرافى عن فلسطين فى القرنين الرابع عشر و الخامس عشر بالذات. و لا يجب بأية جال الاعتقاد بأن هذا الأدب يرجع فى نشأته إلى هذين القرنين إذ أنه يرتبط فى الواقع بتقاليد أدبية ضاربة فى القدم سنضطر إلى الوقوف على لحظات معينة منها؛ و قد كشفت هذه التقاليد عن استعداد غريب للاستمرار و التماسك و سنرى كيف اشترك أحيانا علماء من أسرة واحدة أو من مدرسة واحدة فى معالجة موضوع واحد، كما سنتبين كذلك النزعة للاحتفاظ بعنوان واحد لعدد من المصنفات. و مما يؤسف له أن ما يتميز به هذا الأدب من ناحية الكم لا تعادله ميزاته من ناحية الكيف فهو أدب نقلى بكل ما يحمله‏

508

هذا اللفظ من معنى، و بهذا نرى لزاما علينا الاقتصار على تلك المصنفات المبكرة التى هى بمثابة الأساس فى بنائه و التى تعتبر أنموذجا للمؤلفات التى أعقبتها. و سنرى فيما يلى كيف أن هذا الطابع النقلى يغلب تماما بحيث نلتقى فى القرنين الرابع عشر و الخامس عشر بمصنفات متشابهة يكرر بعضها البعض بصورة يمكن اعتبارها معها مسودات متعددة لمؤلف واحد؛ و تكمن قيمة هذه المؤلفات فى المادة التى تحويها و التى تنتظم أحيانا مدى واسعا فلا تقتصر على الموضوعات التى تمس الأغراض التى لفتنا النظر إليها بل تعالج إلى جانب ذلك مسائل هامة بالنسبة لنا من مجال التاريخ و الجغرافيا بل و من مجال الآثار و الطبوغرافيا أحيانا.

هذا الأدب الواسع المدى لم ينشر منه إلى الآن إلا جزء ضئيل للغاية، كما أن ما أخضع منه للدراسة أقل من ذلك بكثير. و بالرغم من أن نقاط معينة منه قد اجتذبت أنظار العلماء الأوروبيين أكثر من مرة إلا أنه لم تعمل حتى الآن محاولة لتقديم عرض موجز له تأخذ فى حسابها الاعتبارات التى أشرنا إليها منذ قليل* * *؛ و قد مس هذه المسائل فى بداية القرن التاسع عشر و ذلك فى بحث له عن مؤلف من أهل القرن الخامس عشر العلامة الدنمركى الشاب لمنغ‏Lemmnig (1817)، و فى بداية القرن العشرين فقط تمكّن المستشرق الروسى مدنيكوف‏Mednikiov (1897- 1903) و ذلك فى تحليله لآثار ثلاثة من مؤلفى القرنين الرابع عشر و الخامس عشر من أن يلقى ضوءا ساطعا على المسألة المتعلقة بمصادرهم و بعلاقتهم ببعضهم البعض‏ 63. و قد تجمعت منذ ذلك الوقت مادة ضخمة فى هذا الميدان و لو أن تحليلها لم يتقدم فى جوهره بأبعد من النتائج التى وصل إليها مدنيكوف.

و من خصائص هذا الأدب «الفلسطينى»، و ذلك فى الفترة الأولى التى ترتفع إلى عهد سابق لعهد صلاح الدين، أن فلسطين نفسها لا تنال فيه أهمية مستقلة بل تدخل ضمن الشام التى احتلت فيه المكانة الأولى. و مصنف أبى الحسن على الربعى الذى تم تأليفه حوالى عام 435 ه- 1043 يحمل عنوان «الاعلام بفضائل الشام و دمشق و ذكر ما فيهما من الآثارات و البقاع الشريفة» 64؛ و إذا لم يكن من المعروف لنا أنه قد رجع إليه المتخصصون فى الأدب «الفلسطينى» كبرهان الدين الفزارى من أهل القرن الرابع عشر أو كشمس الدين السيوطى من أهل القرن الخامس عشر 65 لما استبان لنا من عنوانه أن الكلام يدور فيه عن فلسطين كذلك. و فى الفترات التالية من تطور هذا الأدب تبدأ القدس فى التمتع بحقوقها كاملة من حيث العناوين شأنها فى هذا شأن دمشق؛ و خير مثال لهذا مؤلف نال الصيت فيما بعد و هو أبو المعالى المشرف بن المرجى بن إبراهيم المقدسى‏ 66 و ليس لنا علم بالزمن الذى عاش فيه و قد حاول عبثا مجير الدين‏ 67 فى القرن الخامس عشر أن يثبت تاريخ الفترة التى عاش فيها و لكنه لم يوفق فى ذلك؛ غير أنه من الممكن إرجاعه إلى نهاية القرن الخامس الهجرى أى الحادى عشر الميلادى لأن ثمة إشارة وردت لدى ياقوت تفيد بأنه كان معاصرا لمكى بن ريّان الذى قتل عند استيلاء الصليبيين على‏

509

بيت المقدس‏ 68. و يحمل مصنف المقدسى عنوان «فضائل البيت المقدس و الشام»، و لا يزال معروفا إلى هذه اللحظة فى مخطوطة فريدة موجودة بتيبنغن‏Tubingen . و يبدأ العرض بتاريخ موجز لبيت المقدس القديمة و فتح العرب لها فى عهد عمر و بناء عبد الملك فى الحرم‏ 69؛ و يلى هذا الكلام على فضائل المقدس و فضل الصلاة فيها؛ و ينصب العرض فى جوهره على سرد الأحاديث النبوية التى قيلت فى فضل القدس و هو منهج اكتسب رواجا كبيرا لدى المؤلفين التالين فنسج على منواله برهان الدين الذى مر ذكره للتو و ابن عساكر (الابن) 70 و أحمد* * * المقدسى‏ 71. و أخيرا نلتقى بالعنوان منفردا قائما بذاته على هيئة «فضائل بيت المقدس»، و ذلك فى حوالى عام 500 ه- 1106 لدى أبى بكر بن محمد بن أحمد الواسطى و هو أيضا من المؤلفين الذين ورد ذكرهم لدى مجير الدين الذى لم يستطع التثبت من الزمن الذى عاش فيه على وجه الدقة 72.

هذا و قد حافظ الأدب «الفلسطينى» لأسباب مفهومة لنا كل الفهم على ازدهاره الأول إلى ما بعد استيلاء الصليبيين على بيت المقدس و استرجاعها على يد صلاح الدين، و أخذت طرفا فيه أحيانا شخصيات كبرى كالمؤرخ الداعية المشهور أبى الفرج عبد الرحمن بن الجوزى (توفى فى عام 597 ه- 1200) 73.

و إن نشاط دعوته التى نالت الحظوة لدى الجماهير حتى خرجت أحيانا إلى الشوارع ليساعدنا على تفهم الأسباب التى حدث بمثل هذا الرجل ليجعل من فلسطين موضوعا لخطبه و لماذا اعتبرت أحيانا رسالته «فضائل القدس» مجرد فصل من مصنفه الكبير «مثير الغرام إلى ساكنى الشام‏ 74». و مما يثبت أن الأدب الجغرافى من هذا الطراز كان يرتبط ارتباطا فعليا بالدعوة «التحريرية» التى لم تقف عند حد القول فقط بل خرجت أحيانا إلى حد الفعل حادث صغير فى حياة سبطه و تلميذه الذى نال الشهرة أكثر منه أعنى المؤرخ سبط ابن الجوزى (توفى عام 654 ه- 1257)؛ فهو لم يكتف بدعوة أهل دمشق إلى جهاد الفرنجة بل اشترك بنفسه على رأس حملة عسكرية موفقة على مدينة نابلس‏ 75. و بعد قرن و نصف من هذا كان مصنف ابن الجوزى من مصادر رسالة مماثلة لكاتب كبير هو تاج الدين عبد الوهاب السبكى‏ 76.

و فى وقت واحد مع ابن الجوزى و ذلك فى الحد الفاصل بين القرنين الثانى عشر و الثالث عشر يأخذ طرفا فى الأدب «الفلسطينى» اثنان من أسرة دمشقية اشتهرت بمؤرخيها هى بنو عساكر. و أحدهم و هو القاسم بن عساكر (توفى فى عام 600 ه- 1203) ابن لصاحب معجم السير المشهور 77 و قد سلك سبيل والده فاشتغل بالوعظ بدمشق وزار القاهرة و القدس حيث قرأ فى عام 596 ه- 1200 مصنفه عن المسجد الأقصى‏ 78. و من الممكن أن نتصور ما تمتعت به مثل هذه الموضوعات من رواج و لمّا ينقضى على تحرير المدينة من أيدى الصليبيين أكثر من عشرين عاما. و اسم مصنفه هو «الجامع المستقصى فى فضائل* * * المسجد الأقصى»؛ و كان من مراجعه أبو المعالى المشرف‏ 79 الذى مر ذكره توا؛ كما أنه لا يوجد

510

شك فى أن ابن عساكر أفاد من مؤلفات أبيه و هذا من شأنه أن يرفع من قيمة كتابه لأن الأب اشتهر بأمانته العلمية 80. هذا المصنف لابن عساكر الابن الذى لم يصلنا حتى فى المخطوطات قد تمتع بانتشار واسع و ساعدت شهرة الأب فى أنه لم يكن من النادر نسبة المصنف إليه فى الأدب العربى و لدى الدوائر العلمية الأوروبية المبكرة، و لكن يلوح أن اسم المؤلف الحقيقى قد ثبت الآن بصورة نهائية. و يوشك هذا المصنف أن يكون المصدر الأساسى لجميع من عالجوا الكتابة عن القدس إلى جمال الدين المقدسى فى القرن الرابع عشر 81؛ و قد استعمله على حد سواء كل من الفزارى‏ 82 و السبكى‏ 83. و كما هو تقليد أسرتهم فقد شغل بنفس الموضوع أيضا ابن عمه أمين الدين أحمد بن محمد الذى تقتصر معرفتنا بمصنفه «كتاب الأنس بفضائل القدس‏ 84» أيضا على ذكر الآخرين له و نقلهم منه. و هو قد قرأ مصنفه بدمشق فى عام 603 ه- 1206 85 و يبدو من النقول أنه قد اعتمد فيه اعتمادا أساسيا على مصنف ابن عمه المشار إليه‏ 86، كما كان هو بدوره مصدرا للسبكى‏ 87.

و إذا كانت الفترة الأولى لازدهار هذا الأدب الدعائى بفلسطين و الشام ترتبط كما رأينا بمصير بيت المقدس و حروب صلاح الدين فإن الفترة الثانية الواقعة فى القرنين الرابع عشر و الخامس عشر و التى تعتبر أكثر إنتاجا فى هذا الميدان يمكن أيضا تحليلها على ضوء وقائع من تاريخ حركة «التحرير»، فتحرير الشام جميعها باستيلاء المسلمين على عكا و طرابلس فى عام 1291 قد خدم كثيرا قضية هذا الأدب؛ و مما يثبت وجود صلة لهذا الأدب بمسائل الجدل و الخلاف(Polemics) ضد الفرنجة أن بداية القرن الثالث عشر قد شهدت وصول الرسالة المسماة «بالمسائل القبرصبة» إلى الشام و هى التى أخذ طرفا فى تفنيدها لا الفقيه المشهور ابن تيمية وحده بل و أيضا الكوزموغرافى الدمشقى كما نذكر جيدا 88. و مما يقف دليلا على حيوية هذا الاهتمام* * * أن مخطوطات بعض مصنفات ذلك العصر قد حفظت إلى أيامنا هذه.

و أول مؤلفى القرن الرابع عشر من الناحية الزمنية هو برهان الدين إبراهيم بن الفركاح (توفى عام 729 ه- 1329 89) الذى مر بنا اسمه أكثر من مرة، و قد اشتغل بالتدريس بدمشق و زار مصر و تخصص إلى حد ما فى هذا الأدب الذى كرس لفلسطين كما يبدو من اثنين من كتبه حازا رواجا لدى الجمهور أكثر من غيرهما. و أحد هذين الكتابين على ما يلوح ليس سوى تنقيح لكتاب الربعى الذى مر بنا الكلام عليه بل و يحمل نفس عنوانه و هو «الأعلام بفضائل الشام» 90، و أما الكتاب الثانى و الذى نال انتشارا أكثر من سابقه فيحمل عنوان «باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس» و يوجد فى «عدد كبير من المخطوطات؛ و قد قام دى غين‏De Guignes بتحليل محتويات المخطوطة الباريسية منذ عام 1790 91. و يبدو لنا من عنوان الكتاب نفسه أن الأمر لا يتعلق بمصنف فى تاريخ القدس أو جغرافيتها بل بضرب من الدعاية الصريحة إلى زيارة ذلك المركز الدينى حتى يفوز العبد بحسن المثوبة و المكافأة فى الدار

511

الأخرى؛ و لهذا السبب فإن الكتاب يحمل طابعا شاعريا (*) لا يمكن إنكاره هذا إلى جانب فقرات معينة من تاريخ تغلب عليه الأسطورة 92، و لو أنه لا يخلو من معطيات ذات قيمة من مجالى الجغرافيا التاريخية و الآثار المختلفة. و هو يقع فى ثلاث عشرة فصلا 93 تبدأ من لحظة بناء المسجد الأقصى و يتخلل العرض شواهد دينية فى فضل الحج إلى المسجد الأقصى و الصلاة فيه و ما فى الحج من بيت المقدس إلى مكة من مزايا و فى أهمية الزكاة فى بلد كبيت المقدس. و بعض فصول الكتاب تتناول الكلام على تفاصيل معينة من المسجد و بعض مواضع القداسة الأخرى بالمدينة، أما الفصل الأخير فيعالج الكلام على فضائل الخليل (حبرون) التى ستنال كما سنرى اهتماما خاصا بها و مفردا لها. و مما لا شك فيه أن الكتاب لا يتمتع بأية أصالة فقد اعتمد المؤلف اعتمادا أساسيا على ابن عساكر و أبى المعالى‏ 94، بل هو نفسه لا يخفى ذلك إذ يصرح فى مقدمة الكتاب بأنه قد اعتمد قبل كل شى‏ء على المؤلف الأول و أقل من ذلك على الثانى‏ 95. و قد أصبح مصنفه بالتالى مصدرا لعدد من المؤلفين الآخرين نخص بالذكر منهم السبكى‏ 96.

و من بين جميع الجغرافيين الذين تخصصوا فى المسألة الفلسطينية من منتصف القرن الرابع عشر إلى نهاية القرن الخامس عشر يسترعى النظر بشكل خاص ثلاثة هم المقدسى و السيوطى و مجير الدين العليمى، و هؤلاء الثلاثة بالذات هم الذين رأى* * * أن يوجه إليهم عناية خاصة فى مصنفه الكبير لنهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين المستشرق الروسى مدنيكوف‏N .A .Mednikov ؛ و مما يوكد صواب مدنيكوف فى هذا الاختيار أن واحدا من خيرة المتخصصين فى جغرافيا فلسطين و هو المستشرق الألمانى هارتمان‏R .Hartmann 97 قد وصل إلى نفس هذه النتيجة مستقلا عنه؛ و نحن بدورنا لا نستطيع إلا أن نترسم خطاهما. غير أنه يوجد إلى جانب هؤلاء الثلاثة مؤلفون من الدرجة الثانية(dii minorum gentium) ، و هؤلاء بدرهم لا نستطيع إسقاطهم فى عرض عام كهذا يتوخى الشمول و لكننا سنقف عندهم بإيجاز شديد. و مما يزيد فى صعوبة دراسة هؤلاء المؤلفين أنه لم يطبع من بين مؤلفاتهم سوى مصنف مجير الدين و ذلك فى طبعة لا ترضى مطالب النقد العلمى.

و أول هؤلاء الثلاثة يدعى أحمد بن محمد المقدسى (توفى فى عام 765 ه- 1364) 98، و لقبه مختلف عليه و لكن مدنيكوف يفضل جمال الدين‏ 99. و هو لم يكن فلسطينى الأصل فحسب بل إنه يسوق نسبه إلى صحابى جليل هو تميم الدارى‏ 100 بطل واحدة من أغرب الرحلات الأسطورية فى الأدب الجغرافى العربى، و قد حدث أن عالجنا الكلام عليه فى الفصل الأول من كتابنا هذا؛ و لعل مؤلفنا اعتمد على ما تواتر لدى أسرته من أخبار تميم فوضع كتابا بعنوان «إفحام الممارى بأخبار تميم الدارى» 101.

و يبدو من هذا العنوان أن المؤلف قصد بالكتاب إثبات حقيقة تلك الرحلة. و قد اشتغل المقدسى بالتدريس‏

____________

(*) من المحتمل أن هذه غلطة مطبعية فى الأصل الروسى و أن المؤلف إنما أراد أن ذلك الكتاب إنما يحمل طابعا تدينيا(Piety) و ليس شاعريا(poetical) . (المترجم)

512

لمدة طويلة بالقدس و لكنه توفى بالقاهرة، و يحمل مصنفه الذى أتمه فى عام 752 ه- 1351 102 عنوان «مثير الغرام إلى زيارة القدس و الشام» و هو معروف إلى الآن من مخطوطاته فقط و من المقتطفات التى نشرها لوسترانج‏Le Strange 103 و التى اعتمد عليها مدنيكوف فى وضع ترجماته الروسية 104؛ و مما يؤسف له أن الدراسة المسهبة التى قام بها كنيغ‏Konig «لمثير الغرام» لم تر النور بأكملها. و الكتاب ينقسم إلى قسمين الأول فى فضائل الشام و فلسطين عامة و الثانى فى فضائل المسجد الأقصى خاصة و فى سير بعض الشخصيات التى ارتبط اسمها به: و تقدم ترجمات مدنيكوف فكرة واضحة عن القسم الثانى بإيرادها لقطع مهمة من الفصول الخامس و السادس و السابع، و يتضح من مضمون الكتاب أن المقدسى قد سار على تقاليد المصنفات التى تجمع فى مجال واحد بين فلسطين و الشام بحسب ما بينا هذا فيما سبق من كلامنا.

و الكتاب بالطبع ليس مصنفا تاريخيا جغرافيا* * * بالمعنى الذى يفهم عادة من هذا بل هو مصنف لرجل من رجال الدين كان هدفه الأول كما بين كنيغ‏ 105 هو الدعوة إلى الحج، و هو فى هذا لا يختلف عن بقية المؤلفات التى نعالج الكلام عليها الآن بل يمثل حلقة فى سلسلة تطورها. و أهميته ضئيلة من ناحية المصادر التى اعتمد عليها لأنه يستقى مادته من مصادر ثانوية 106 هى مصنفات المؤلفين الذين مر بنا الكلام عليهم للتو؛ و هو يرتبط ارتباطا أوثق بابن عساكر الذى يعتبر مصدره الأساسى‏ 107 و لكنه ينقل أيضا بشكل ملحوظ من أبى المعالى المشرف‏ 108 و أبى بكر الواسطى‏ 109. و بنفس هذا القدر اعتمد عليه الأدباء التالون له فعرض السيوطى يتفق معه فى معظم الأحوال‏ 110 بينما ينقل مجير الدين تسعة أعشار مادته عن المقدسى بالحرف الواحد 111. و قد نال المصنف فى مجموعه بعض الرواج، و يوجد له مختصر يرجع إلى نهاية القرن الرابع عشر و معروف فى إحدى المخطوطات‏ 112.

و ابتداء من النصف الثانى للقرن الرابع عشر نبصر أن المسائل الفلسطينية لم تعد وقفا على أهل الشام وحدهم أو أصحاب الجغرافيا و الطبوغرافيا، و يمكن أن نقدم مثالا لقولنا هذا الفقيه الكبير محمد بن بهادور التركى المصرى الزركشى (توفى فى عام 794 ه- 1392) 113 الذى يمكن الاستدلال على أصله و موطنه من اسمه هذا. و قد تلقى تعليمه بالقاهرة و دمشق و حلب، و لعل إقامته بالشام هى التى أثارت فى نفسه الاهتمام بالمسائل المحلية و لو أنه يبدو أن فهمه لها كان قائما على إلمام واسع. و إلى جانب مؤلفاته الفقهية العديدة توجد له رسالة بعنوان «إعلام الساجد بأحكام المساجد» و هى معروفة فى عدد قليل من المخطوطات‏ 114 و لكن بما أن معاصره السبكى قد رجع إليه كثيرا فى مصنفه عن فلسطين‏ 115 فمن الجلى أن القدس قد فازت بمكانة كبرى فى تلك الرسالة.

و السبكى هو تاج الدين عبد الوهاب من مواليد القاهرة، و لكنه اشتغل بالتدريس بدمشق و بها توفى فى عام 776 ه- 1370 116. و قد نال كسابقه شهرة عريضة كفقيه مع ميل واضح إلى التاريخ.

* * * انعكس فى مصنفه الكبير عن طبقات الشافعية. أما مؤلفه عن فلسطين فيمكن تحديد موضوعه‏

513

من العنوان و هو «الروض المغرس فى فضائل البيت المقدس»؛ و لا علم لنا بوجود أية مخطوطات له، كما أن حاجى خليفة يشير إليه إشارة عابرة فى كلامه عن «الاتحاف» (لشمس الدين السيوطى) 117.

بيد أن العدد الهائل من الاقتباسات المنقولة عنه فى أدب «فلسطين» يسمح لنا دون تردد بتحديد موضعه فى سلسلة المؤلفات التى نعالج الكلام عليها فى هذه اللحظة. أما مصادره فأوسع إذ نلتقى لديه من بين المؤلفين الذين مر ذكرهم بابن الجوزى و ابن عساكر و أمين الدين و الفزارى و الزركشى‏ 118؛ كما كان بدوره مصدرا من مصادر «الاتحاف» 119 المار ذكره و منه وجد طريقه بالطبع إلى مجير الدين و غيره من المؤلفين. و هكذا فبالرغم من أن الكتاب غير معروف لنا معرفة مباشرة إلا أنه لعب دون شك دوره فى هذا الأدب المختص «بفلسطين» و يجب أن يحتل مكانه فى هذه السلسلة من المصنفات.

و نفس هذا الحكم يصدق على المؤلفين التاليين له من الناحية الزمنية رغما من أن مخطوطات مصنفاتهم موجودة فى متناول الأيدى. و كان أحدهما مصريا أيضا و هو شهاب الدين أحمد بن محمد الأقفهسى المصرى (توفى فى عام 808 ه- 1405) و اشتهر أيضا بمؤلفاته الفقهية كالزركشى و لو أن شهرته لم تبلغ شهرة الأخير. و مؤلفه عن فلسطين ذو طابع عام على ما يبدو و يحمل عنوان «تسهيل المقاصد لزوار المساجد» و قد أتمه فى عام 786 ه- 1384 و تقابل مخطوطاته فى الشرق بين آن و آخر و لكنها نادرة بأوروبا 120؛ و هو معروف لنا بشكل خاص بوصفه مصدرا من مصادر* * * «الإتحاف» التى يذكرها السيوطى فى مقدمة كتابه‏ 121 و هذا يجعلنا نفترض أن فلسطين قد احتلت أهمية خاصة لديه. أما المؤلف الثانى فكان أيضا من بين المتخصصين فى المسائل الفلسطينية و عاون على ذلك مكان إقامته، فإسحاق بن إبراهيم التدمرى الخطيب الخليلى (توفى فى عام 833 ه- 1429) 122 أصله من تدمر كما تشير نسبته و لكنه عمل خطيبا بمسجد الخليل و هى حبرون القديمة التى اشتهرت بين المسلمين بمقام إبراهيم الخليل. و يحمل مصنفه العنوان التقليدى «مثير الغرام فى زيارة الخليل (عليه السلام)»، و فيه يتحدث المؤلف عن هذا المقام المعروف له جيدا و الذى كان على ما يبدو موضوعا لخطبه و مواعظه بالمسجد. و من الجلى أن الكتاب ينتمى إلى طراز أدب الدعاية القائم على أساس تاريخى جغرافى مع قدر معين من التخصص؛ و لا شك أن مكانة حبرون الخليل لدى المسلمين تبرر بوضوح تام السبب فى احتلالها مركزها إلى جانب بيت المقدس. و هذا الأثر الذى تم تأليفه فى عام 814 ه- 1411 قد تمتع بشهرة كافية فى أوساط المتخصصين فى الشئون الفلسطينية، إذ أمكن القول بهذا؛ فقد ذكره السيوطى بين مصادره‏ 123 كما عرفت مخطوطات له تضم زيادات إلى القرن السابع عشر 124؛ أما فى أوروبا فإن مخطوطاته نادرة للغاية و لهذا السبب فإن استعمال العلماء الأوروبيون له قد اقتصر على الشذور المتفرقة التى نقلها منه المؤلفون التالون له.

و اثنان من بين هؤلاء الأخيرين اللذين ارتأينا أن نختتم بهما هذه السلسلة قرب نهاية القرن الخامس عشر كانا أغزر مادة من غيرهما و أوسع ذكرا فى الأدب الأوروبى عن فلسطين؛ و قد التقينا مرارا بمصنف أحدهما فى الصفحات السابقة لهذه لما له من فضل فى حفظ معلومات ذات أهمية نقلها عن كتب لم تصل‏

514

إلينا و عنوانه الكامل هو «إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى»؛ و رغما من وضوح العنوان و دلالته و وجود عدد من مخطوطات الكتاب إحداها بمعهد الدراسات الشرقية (رقم‏B 7301 ) 125 فإنه يوجد جدل كبير حول شخص مؤلفه‏ 126. فقد نسب الكتاب أحيانا، كما لدى حاجى خليفة و فى بعض المخطوطات، إلى كمال الدين محمد بن أبى شريف (توفى فى عام 906 ه- 1500)، و أحيانا أخرى،* * * و ذلك بسبب اختلاط الأسماء إلى العلاقة الكبير جلال الدين السيوطى. غير أنه اعتمادا على أقدم مخطوطاته المؤرخة فإنه يوجد أساس قوى لنسبة الكتاب إلى شمس الدين محمد بن أحمد السيوطى؛ و قد مال إلى هذا الرأى مدنيكوف و يمكن القول بأنه ثبت نهائيا فى الآونة الأخيرة 127. و لا نعلم عن سيرة حياته إلا ما يمكن استجلاؤه من صفحات كتابه، أما نسبته فتشير إلى أنه من مصر التى أمضى فيها سنى شبابه يحلم بالضرب فى الآفاق؛ و كانت أسهل وسيلة فى ذلك الزمان لتحقيق هذا الهدف هى أداء فريضة الحج ففى عام 848 ه- 1444 نراه بمكة حيث أمضى تسعة أعوام رجع بعدها إلى مصر. و قد اضطر مرارا إلى تأجيل حجته إلى فلسطين التى كانت تشوقه بصورة خاصة، و أخيرا فى عام 874 ه- 1469 تمكن من السفر إلى بيت المقدس و ما كاد يجد نفسه بها حتى بدأ مباشرة فى تدوين مؤلفه الذى فرغ منه فى عام 875 ه- 1470. و يمكن إرجاع الاختلاف الواضح بين مخطوطات كتابه إلى أن المؤلف قد أجرى قلمه فيه بالتعديل حوالى عام 880 ه- 1476 فكان ذلك بمثابة إخراج طبعة ثانية للكتاب إذا جاز هذا التعبير الحديث. و هو و إن كان فى جوهره تاريخا و وصفا لمسجد القدس كما يوكد ذلك عنوانه إلا أن فصوله الثمانية أبعد من أن نقتصر على ذلك الموضوع الضيق وحده‏ 128؛ و كما هو الحال مع غيره فإنه توجد به فصول فى الدعاية الصرفة تدعو إلى زيارة فلسطين و إلى إنفاق الصدقات فى المواضع المقدسة بها، كما توجد به أقسام مخصصة للقصص الإسلامية المرتبطة ببيت المقدس كالإسراء و المعراج. و هو يتحدث بإسهاب عن الرسل المختلفين أو مشاهير الرجال الذين أقاموا بفلسطين، كما و أنه يولى عناية خاصة لتاريخ إبراهيم الخليل و إقامته ببلاد العرب مع ابنه إسماعيل، و لا شك أن معرفته بالحجاز قد أعانته على اختيار مادته لهذا الموضوع. أما أنبياء التوراة (العهد القديم) فيعرض تاريخهم عن طريق توضيح الأسطورة من الناحية الجغرافية و من ثم فإنه يفرد أقساما مسهبة للكلام على حبرون و قبر موسى و مسجد دمشق كما لا يهمل الكلام عن آثار و مواضع الشام المشهورة فى الفصل الثانى عشر و الأخير من كتابه. من هذا يتضح لنا أنه حتى فى مصنف مثل هذا ترتبط فلسطين ارتباطا وثيقا بالشام خلال جميع صفحات هذا الأدب الجغرافى الذى يفيض بالدعاية.

و مما يكتسب أهمية خاصة بالنسبة لنا من وجهة نظر التأليف التاريخى(hi ,loiagrapy) هو أن المؤلف قد أعطى فى المقدمة تحليلا عاما لمصادره و عرضا سريعا لكل الأدب «الفلسطينى» السابق له؛ و قد حدث و أن أفدنا من عرضه هذا مرارا فى كتابة هذا الفصل، كما و أن لمنغ نقل لعهده معلومات من هذه‏

515

المقدمة* * * صححها بالتالى مدنيكوف بعناية تامة 129. و يتضح من ألفاظ السيوطى نفسه أن المصادر الرئيسية «للإتحاف» هم المؤلفون الخمسة المعروفون لنا بمؤلفاتهم، أعنى الربعى و المقدّسى بكتابه «مثير الغرام» و السبكى و الأقفهسى و التدمرى. غير أن الفحص الدقيق لمصنفه قد أحدث تعديلا أساسيا فى ألفاظه هذه إذ اتضح أن مصدره الرئيسى كان المقدسى قبل غيره؛ و قد استطاع كينغ عند مقابلته للفصل العاشر من «الإتحاف» الذى نشره لمنغ مع متن «مثير الغرام» أن يثبت أنه من بين الصفحات الاحدى و الأربعين تتفق سبع عشرة صفحة اتفاقا حرفيا 130؛ و إلى نفس هذه النتيجة بالتقريب كانت ستسوقه أيضا مقابلته مع الترجمة القديمة من عمل رينولدزReynolds 131؛ و إذا حدث و أن امتنع عن إصدار حكم نهائى فى هذا الصدد بسبب رداءة تلك الترجمة فإن أبحاث مدنيكوف‏ 132 قد ساقت إلى نتائج ليست أقل إدهاشا من تلك، فقد اتضح أن جميع القطع التى ترجمها مدنيكوف من «الإتحاف» قد نقلت حرفيا من «مثير الغرام». و ليس من السهل بالطبع القول بأن هذا كله كان من قبيل المصادفة أو وقوع الحافر على الحافر، و من ثم فيجب الاعتراف بأنه فى حالات التطابق بين الاثنين فإن السيوطى لم يفعل شيئا سوى أن قدم لنا نسخة ثانية من كتاب المقدّسى. و كما لاحظنا غير ذات مرة فإن مثل هذه الظاهرة تتكرر كثيرا فى سلسلة هذا الأدب عن فلسطين و هى من بعض النواحى لا تخلو من الفائدة لأنها تقدم فرصة طيبة لتصحيح أصول المؤلفات الكبرى عند ما يكون متنها فى الحال غير جيدة. و مصنف السيوطى رغما من أنه لا يزال موجودا فى المخطوطات إلا أنه معروف لنا بصورة مرضية عن طريق الدراسات القديمة العهد التى قام بها دى غين‏De Guignes (1790) و لمنغ‏Lemming (1817) و رينولدزReynolds (1863). ثم الأجد منها للسترانج‏Le Stranges (1887) و كينغ‏Konig و مدنيكوف‏Mednikov . أما المؤلف الوحيد الموجود مصنفه فى طبعة شرقية و لو أنها ترتفع فى الواقع إلى عهد قديم (1283 ه- 1866) فهو آخر مؤلف عرفته هذه السلسلة، أعنى بذلك مجير الدين عبد الرحمن بن أحمد العليمى العمرى (توفى فى عام 928 ه- 1522) 133 الذى يحمل مصنفه عنوان «كتاب الأنس الجليل بتاريخ القدس و الخليل».

و كما حدث مرارا فى تاريخ الأدب العربى فقد زحمت الآثار المتأخرة الآثار المتقدمة عليها و طردتها و وصلت إلى متناول الأيدى قبلها، و نفس هذا القول يصدق على مصنف العليمى، غير أنه مما أعان على ذلك فى هذه الحالة الأخيرة هو أن المصنف الذى نحن بصدده يعتبر أوسع و أحفل وصف تاريخى طوبوغرافى يعالج الكلام على القدس و حبرون و بقية مدن فلسطين. و هو من حيث طابعه النقلى لا يختلف كثيرا عن المصنفات السابقة،* * * أما مؤلفه العليمى فأصله من القدس، و لكنه تلقى تعليمه بالقاهرة ثم تولى منصب القضاء بمدن فلسطين المختلفة. و قد بدأ تأليف كتابه فى عام 901 ه- 1496 و أتمه فى خلال أربعة أشهر بالتقريب و ذلك فى نفس العام؛ و مثل هذه السرعة فى تصنيف مؤلف كبير الحجم كهذا تدعو إلى الوقوف موقف التحرز من المنهج الذى اتبعه فى التأليف؛ و هو قد اهتم فيما بعد باكمال القسم التاريخى فساقه إلى عام‏

516

914 ه- 1508 134. و الكتاب بصفته مصنفا نموذجيا فى هذه السلسلة يمكن تقسيمه إلى أربعة أقسام:

الأول منها فى وصف القدس، و الثانى فى وصف المسجد الأقصى و الكلام على مدارس و أديرة فلسطين و مدنها، و الثالث يحوى تراجم السلاطين و العلماء بحسب المذاهب الأربعة و مشاهير القضاة و الوعاظ و الفقهاء، أما القسم الرابع فيعالج الكلام على تاريخ الولاة و يختتمه بتاريخ سلطنة قايتباى. و من هذا يتضح لنا أن الكتاب لا يخلو من بعض المزج من حيث موضوعه فهو فى جوهره يرتبط بالجغرافيا الدينية و ذلك على طراز الكتب التى تدعو إلى الحج و لكنه من ناحية أخرى يفسح المجال لتاريخ الشعوب على أساس معالجة سير مشاهير رجالها؛ أما هيكله العام فيعتمد قبل كل شى‏ء على ما نقله من مؤلفين اثنين هما المقدسى صاحب «مثير الغرام» و السيوطى صاحب «إتحاف الاخصاء». و يلعب الدور الرئيسى بالنسبة له المؤلف الأول حيث تبلغ نقوله عنه فى بعض المواضع إلى ما يمثل تسعة أعشار المتن الأصلى‏ 135

و نظرا لوجوده فى عدد هائل من المخطوطات و لأنه من المؤلفات القليلة المطبوعة فقد اجتذب هذا الكتاب أنظار المستشرقين، و توجد مخطوطتان له بمعهد الدراسات الشرقية 136. و هو معروف فى أوساط المستشرقين منذ منتصف القرن الثامن عشر، و قد قدم هامرHammer مقتطفات منه منذ بداية القرن التاسع عشر لا تتميز كما هو الحال دائما مع أعمال هذا المستشرق بأية قيمة ذات بال و لو أننا لا نستطيع أن نغمطه حقه فى الأسبقية. و مجير الدين هو المؤلف الوحيد من بين جميع حلقات هذه السلسلة الفلسطينية الموجود كتابه و لو بصورة مختصرة فى ترجمة أوروبية كاملة (1876) ندين بها لعالم النّميّات(Numismatics) و المؤرخ المشهور سوقيرSauvaire الذى أثبت فى غضون عشرة أعوام من هذا أنه خبير كبير بالأدب الطوبوغرافى (الخطط) لمدينة دمشق و ذلك فى مؤلف آخر له اعتمد فيه كثيرا على معرفته بالأدب الفلسطينى.

و تقدم فكرة جلية عن جميع هذه السلسلة فى أشخاص ممثليها الثلاثة الكبار تلك المقتطفات التى ترجمها إلى الروسية و علق عليها مدنيكوف. و مما لا شك فيه أن هذه السلسلة من المؤلفات لا تمثل حدثا مرموقا أو جديدا من وجهة نظر التطور العام للأدب الجغرافى العربى و لكنها تعتبر من وجهة نظر التاريخ الحضورى شيئا طريفا خاصة على ضوء ظروف الحروب الصليبية؛ و هى تمثل فى ضخامة عددها* * * و اتساع مداها شيئا متفردا ترك طابعه الخاص على الأدب الجغرافى لهذه البلاد إلى الفتح العثمانى. و سنبصر فيما بعد تأثير جوانب معينة من هذا الأدب على أدب العصور التالية لذلك.

هذا و قد استمرت الجغرافيا الإقليمية عائشة بالطبع فى الأقطار الأخرى و لكنها حملت فى كل مكان طابعا فقيرا شاحبا عند مقارنة ذلك بما كان عليه الحال مع الشام و فلسطين. و من الطريف فى هذه المناسبة أن نذكر أن العلامة اللغوى المعروف الفيروز ابادى (توفى عام 817 ه- 1414)، الذى ينتمى أصلا إلى شيراز و لكن ضرب فى الآفاق حتى توفى بزبيد فى اليمن‏ 137، قد ترك رسالتين معروفتين من عنوانهما فقط هما «أحاسن اللطائف فى محاسن الطائف» 138 و «الوصل و المنى فى فضل منى» 139

517

ينتميان دون شك إلى النمط المعروف لنا جيدا و هو نمط «الفضائل»، و لو أنه من الممكن أن اهتمام المؤلف بالمسائل اللغوية قد ترك طابعه عليهما و أن وجود رباط بينهما و بين نمط المعاجم الجغرافية غير مستبعد. و سيبدولنا هذا بوضوح كبير عند الكلام على «تاج العروس» و هو شرح لقاموس الفيروز ابادى يرجع إلى القرن الثامن عشر.

و لم تقدم الأقطار الواقعة إلى الشرق من الشام و فلسطين أية مصنفات ذات قيمة فى مجال الجغرافيا باللغة العربية على مدى القرنين الرابع عشر و الخامس عشر. و ثمة مسودة معدلة لجغرافيا القزوينى* * * ترجع إلى تاريخ متأخر و يمكن ربطها بمدينة باكو النائية، هذا فى حالة إذا ما وجدت أسس قويمة تبرر ذلك بما فيه الكفاية بخلاف اسم المؤلف الذى لا يمكن القول بأن قراءته قد ثبتت بصورة يقينية. ففى حوالى عام 806 ه- 1403 وضع عبد الرشيد بن صالح بن نورى الباكوى مصنفه «تلخيص الآثار و عجايب الملك القهار» 140. و يبدو أنه يختبئ وراء هذا العنوان إشارة خفية إلى مصدره الأساسى «آثار البلاد» للقزوينى. و لا نعلم عن المؤلف شيئا و لو أن نسبته تشير إلى أنه هو أو أسرته على علاقة بمدينة باكو؛ و كان فرين‏ 141 قد لفت الأنظار إلى أن إحدى مخطوطات مصنف حاجى خليفة تحدد بأنه توفى بالقاهرة و لكن لمّا كان تاريخ الوفاة الذى تورده و هو عام 1012 ه- 1603 غريبا للغاية فإن هذا يحول دون إعطاء الرواية بأجمعها أى وزن. هذا و قد احتفظ الباكوى بمنهج القزوينى فى توزيع المواضع الجغرافية بحسب الأقاليم ثم توزيعها داخل كل إقليم وفقا لحروف المعجم؛ أما مادته فمستقاة بأجمعها تقريبا من القزوينى و هو يخالفه فقط فى إيراده لخطوط الطول و العرض و لو أنه يفعل هذا دون انتظام و يتبع المذهب القديم فى ابتداء حسابه من جزر الكنارى‏ 142. و فى مقدمته القصيرة يعرض المؤلف المادة الجغرافية العامة بالطريقة التى عهدنا من قبل فيتكلم عن شكل الأرض و الأقاليم السبعة و توزيع المحاصيل فى عالم الطبيعة 143.

و فى حوالى عام 1790 قدم لنا دى غين‏De Guignes ترجمة موجزة لجميع محتويات الكتاب معتمدا فى ذلك على المخطوطة الباريزية، هذا بالرغم من أنه لم يكن آنذاك فى وضع يسمح له بالتعرف على المؤلف.

و ليس بمقدورنا الآن أن نوافق على تقديره المبالغ للكتاب و الذى يمكن تفسيره بعدم معرفة علماء ذلك العهد معرفة كافية بالمصنفات الجغرافية الأخرى للعلماء العرب؛ مثال ذلك أنه يزعم أن الباكوى يقدم تفاصيل كثيرة عن محصولات البلاد المختلفة و عن سلع التجارة و عن المعادن مما لا يوجد فى مصنفات أخرى‏ 144.

و على أية حال فإن دى غين لم يتنكب الصواب حينما ذكر أن أهمية المصنف هى فى أنه يعطى فكرة عامة عن مدى المعلومات الجغرافية التى كانت تحت تصرف الطبقة الوسطى من القراء فى ذلك العهد 145.

و فى بحثه عن ابن فضلان الذى رجع فيه مرارا إلى الباكوى بين فرين أنه يمكن استخراج بعض الفائدة من مصنفه حتى و لو اضطر القارئ إلى الرجوع إلى ترجمة غير مرضية كالتى يقدمها دى غين و التى تستلزم بعض الحذر عند استعمالها 146. و قد أثبتت الدراسات التى قام بها ياكوب‏Jacob فيما بعد* * * أنه توجد