التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج1

- محمد طاهر الكردي المزيد...
582 /
1

المجلد الأول‏

[الجزء الاول‏]

مقدّمة الطبعة الثانية

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه رب العالمين، و صلوات اللّه و سلامه على أشرف الأنبياء و المرسلين سيدنا و نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

أما بعد:

فإن لمكة المكرمة في نفوس المسلمين مكانة بارزة، فإليها تتجه أفئدة الناس، و يقصدونها للحج و العمرة بشكل دقيق و مرسوم وفق مواقيت معيّنة و محدّدة لأداء شعائر مفروضة.

و قد سعى كثير من علماء المسلمين إلى التأليف في تاريخ البلد الأمين، و ممن ألف في تاريخ مكة المكرمة الشيخ محمد طاهر الكردي المكي- (رحمه اللّه)- الذي ألف كتابا أسماه: «التاريخ القويم لمكة و بيت اللّه الكريم» و قد ضمنه مباحث و مسائل شتى و مواضيع مهمة و تراجم لأهم الشخصيات و العلماء بمكة مؤيدا ذلك بصور فوتوغرافية و رسومات و لوحات من خطه، حيث كان- (رحمه اللّه)- خطاطا.

و قد يسر اللّه لي إعادة طبع هذا الكتاب محبة و إجلالا لمكة المكرمة، و ذلك بعد نفاذ طبعته الأولى التي طبعت عام 1385 ه.

و قد رأيت أنه من الأفضل و الأيسر إعادة صف هذا الكتاب ليكون قطعه من المقاس المعتاد بدلا من القطع الكبير الذي كانت عليه الطبعة الأولى.

و قد جمعت صور و رسومات و لوحات هذا الكتاب في ملحق خاص بآخر الكتاب مشيرا إلى أماكنها بثنايا الكتاب، كما ذيلت هذا الكتاب بكشافين مهمين أحدهما للاعلام و الثاني للأماكن.

و أحمد اللّه كثيرا و أثني عليه أن وفقني إلى إتمام هذا العمل الذي أرجو أن ينفعنا به و يتقبل منا صالح الأعمال، إنه سميع مجيب.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

كتبه د. عبد الملك بن عبد اللّه بن دهيش غرة رمضان 1420 ه

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

التعريف بالمؤلف‏

إعداد الأستاذ الدكتور: عبد الوهاب أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء

[1] الشيخ محمد طاهر الكردي‏

بقلم الأديب السعودي الكبير الأستاذ محمد علي مغربي‏ (1)

قصير القامة معتدل الجسم، ناتئ الجبهة تشوب بياضه صفرة خفيفة، تزين وجهه لحية سوداء حليق شعر العارضين، في عينيه حول خفيف تستره نظارة للقراءة، يرتدي الجبة الحجازية و يعتمّ بعمامة تستر الرأس و الأذنين و هو بهذا يتخذ سيماء العلماء المكيين.

ولد بمكة المكرمة في عام 1321 للهجرة و تلقّى تعليمه بمدرسة الفلاح بمكة و تخرج منها في عام 1339 ه و سافر بصحبة والده الشيخ عبد القادر الكردي إلى القاهرة حيث التحق بالأزهر الشريف و يقول الشيخ طاهر في ترجمته التي كتبها عن نفسه فاشتغل هناك بالعلوم الدينية و العربية كما اشتغل بتعلم الخطوط العربية بأنواعها و ما يتعلق بها من الرسم و الزخرفة و التذهيب بعد أن التحق بمدرسة تحسين الخطوط العربية الملكية، و لما عاد من القاهرة اشتغل بتعليم الخط العربي بالمدارس و لذلك يعرف بالخطاط. انتهى ما كتبه الشيخ طاهر عن نفسه نقلا عن كتابه" التاريخ القويم لمكة و بيت اللّه الكريم".

عرفت الشيخ طاهر الكردي في النصف الثاني من الخمسينات بمكة المكرمة، و كان صديقا حميما لعمي الشيخ عبد اللّه مغربي- (رحمه اللّه)- و كنت أعرف أنه اشتهر بجمال الخط، و كان يحضر إلى متجر عمي و إلى داره بصورة يومية تقريبا، كما كان يصاحبه إلى الحج كل عام، و كان مظهر الشيخ طاهر متزمتا متوقرا و لكنه إذا خلا بأصحابه تحول إلى شخص آخر كثير الدعابة و المرح.

____________

(1) استخلصت هذه الترجمة من كتابه الجليل أعلام الحجاز، (جدة: دار العلم للطباعة و النشر، عام 1404 ه/ 1984 م)، ج 2، ص 315.

6

و كان الشيخ طاهر قد عاد من القاهرة بعد أن أكمل دراسته في الأزهر الشريف و لكنه لم يعمل فقد كانت الأعمال شحيحة و الوظائف محدودة و الركود يسود الحالة الاقتصادية.

مصحف مكة المكرمة

و في أواخر الخمسينات أو أوائل الستينات حضر الشيخ محمد طاهر الكردي إلى مكتب المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان بالطائف و طلب مقابلة الشيخ محمد سرور ليتحدث إليه في أمر ما، فطلبت منه الانتظار قليلا حتى حضر الشيخ فقدمته إليه، و قلت فيما قلته أنه بارع في الخط براعة فائقة.

قال الشيخ طاهر للشيخ محمد سرور: إني عزمت على كتابة القرآن الكريم بخط يدي، و أريد أن أقدم هذا المصحف إذا انتهيت منه إلى جلالة الملك عبد العزيز.

قال الشيخ محمد سرور: إنها فكرة حسنة و لكن لي رأيا في الموضوع أقوله لك. إنك لو قدمت هذا المصحف المخطوط بعد إتمامه إلى جلالة الملك عبد العزيز فسيكون له الوقع الحسن لدى جلالته و سيكافئك عليه مكافأة حسنة، و لكن الفكرة أن هذا المصحف سيبقى مخطوطا في خزانة الملك عبد العزيز أمدا طويلا، و لديك هنا شركة تأسست حديثا لتقوم بشئون الطباعة و النشر و أشار الشيخ محمد سرور إلى كاتب هذه الترجمة، فلماذا لا تتفق مع هذه الشركة على شراء هذا المصحف الذي تنوي كتابته لتقوم هذه الشركة بطبعه و نشره بين الناس؟.

و أبديت موافقتي على الفكرة كما أبدى الشيخ طاهر- (رحمه اللّه)- ترحيبه بها و واعدته الاجتماع في داري بعد الغروب.

و كنت أنا و المرحوم الصديق عبد اللّه باحمدين قد اشترينا مطبعة الشركة العربية للطبع و النشر و موجودات الشركة من الورق و ما إليه بعد أن تعرضت للخسارة شهورا عديدة، و بحثت الموضوع مع المرحوم الشيخ عبد اللّه باحمدين و اتفق الرأي على أن كتابة المصحف ستكون بداية لعمل عظيم فهو أول مصحف يكتب في مكة المكرمة، و يطبع فيها و ينشر فيها، حيث نزل القرآن أول ما نزل في مهبط الوحي في مكة المكرمة.

7

و حضر الشيخ طاهر إليّ بعد الغروب و تمّ الاتفاق بينه و بيني على كتابة المصحف الشريف، و كان الاختلاف الوحيد بيننا هو أنه حدّد المدة اللازمة لإتمام كتابة المصحف في حدود عامين، و كنت أنا متعجلا أرغب إتمام هذا العمل خلال عام واحد، و لما رأى الشيخ طاهر- (رحمه اللّه)- إلحاحي قال لي إن هذا عمل بالغ الدقة، و إنني لا أستطيع الإقدام عليه إلا و أنا في حالة نفسية متهيئة له التهيأ الكامل ثم أردف قد أبدأ بالكتابة و أستمر فيها أياما أو أسابيع و لكن قد يطرأ ما يمنعني عن الإمساك بالقلم أياما و أسابيع أخرى، فدعني أتصرف بما يمليه عليّ مزاجي و لا تنس أن الخط عمل فني، مثل الرسم، و الشعر و الكتابة، و الفنان لا يقدم على ممارسة فنه إلا إذا تهيأت له الأسباب النفسية أولا، و كنت أعرف أن ما يقوله الأستاذ طاهر صحيح كل الصحة فوافقت عليه.

هذا و قد طلب الشيخ طاهر و رقا معينا و أقلاما و أحبارا معينة، و كان الزمان زمن حرب و لكن اللّه تعالى يسر الأمر فوجدنا كل ما طلبه في مكة المكرمة.

و بدأ العمل و اتفقنا أن يكون المصحف موافقا للرسم العثماني، و مضت الشهور و كنت كلما رأيت الشيخ طاهر سألته ماذا فعل؟ فيجيب أنه مستمر في عمله، و كان قد أحضر لي بعض الصفحات من أوائل ما كتب و أطلعني عليها، ثم عاد بعد أسابيع و أطعلني على نفس هذه الصفحات و قد كتبت مرة أخرى بخط أحسن و قال: إن هذا هو الفارق بالنسبة لمزاج الخطاط حينما يكتب.

و لا أريد الإطالة على القارئ فقد انتهى الشيخ طاهر من كتابة القرآن الكريم بعد ما يقرب من ثلاثة أعوام، و قبل الانتهاء كنا قد تقدمنا إلى الحكومة نطلب تأليف لجنة لتصحيح المصحف الذي قام بكتابته الشيخ طاهر- (رحمه اللّه)- فألفت الحكومة لجنة كبيرة مكونة من الشيخ عبد الظاهر أبو السمح إمام المسجد الحرام في ذلك الوقت و الشيخ صالح حجازي شيخ القراء بمكة المكرمة، و المرحومين السيد محمد شطا و السيد إبراهيم النوري من وزارة المعارف، و قد باشرت اللجنة عملها، و للتاريخ فإن الشخص الوحيد من بين أعضاء هذه اللجنة الذي تفرّغ للمراجعة و التصحيح و أعطى هذا العمل جهده و كامل اهتمامه هو المرحوم السيد إبراهيم النوري من وزراة المعارف، و حينما عرضنا عليه مكافأة مقابل هذا الجهد اعتذر عن قبولها فاعتبرناه مساهما في الشركة التي تألفت لهذا الغرض بنسبة معينة و قد ألفنا شركة خاصة لطبع القرآن و نشره في مكة المكرمة أسميناها شركة مصحف‏

8

مكة المكرمة و استوردنا لها مطبعة خاصة من أمريكا و لا تزال الشركة تحمل هذا الاسم حتى اليوم.

أوشك العمل في كتابة المصحف على الانتهاء كما أوشك التصحيح أن ينتهي و ذات يوم اتصل بي المرحوم الشيخ عبد اللّه باحمدين تلفونيا و طلب مني الحضور إلى مكة المكرمة حيث يجري عرض المصحف على صاحب السمو الملكي الأمير فيصل النائب العام لجلالة الملك المعظم لأوّل مرة، و ذهبنا لمقابلة سموه في قصره بالمعابدة في ظاهر مكة و تقدم السيد إبراهيم النوري- (رحمه اللّه)- بتقديم نسخة المصحف إلى سمو الأمير فيصل و كان المرحوم عبد اللّه باحمدين و أنا نقف معه، و أبدى سموه إعجابه و قال: إنه عمل عظيم، ثم اقترح سموه أن يعرض هذا المصحف على جلالة المغفور له الملك عبد العزيز و قال: إنني سأتحدث إلى رئيس الحرس الملكي و أظن أن اسمه كان إبراهيم جودت ليدخلكم على جلالة الملك عبد العزيز.

عدت إلى جدة و بعد عدة أيام أبلغني المرحوم الشيخ عبد اللّه باحمدين أنهم دعوا على عجل للحضور إلى القصر و أنهم عرضوا المصحف على جلالة الملك عبد العزيز فسرّ جلالته به كثيرا، و أثنى على القائمين بالأمر، و نفح كلا منهم مبلغا من المال تعبيرا عن تقدير جلالته.

كانت الحرب العالمية الثانية تقترب من نهايتها، و كنت مضطرا لظروف صحية عائلية أن أسافر إلى مصر و أبقى بها بضعة شهور، و كنت حريصا أن أصطحب المصحف معي لعمل إكليشيهات له من النحاس و الزنك توطئة لطبعه، و لم يكن عمل الإكليشيهات متوفرا في البلاد في ذلك الزمان، وضعت المسودة المخطوطة للمصحف في حقيبة خاصة حملتها معي إلى مصر، و كان لابد من أخذ رخصة من الأزهر الشريف بطبع المصحف ليكون معتمدا في جميع البلاد الإسلامية في ذلك الوقت.

اتصلت في مصر بصديقنا الأستاذ صادق سعيد بازرعة و أسرته من كبار التجار الحضارمة الذين أقاموا السنوات الطوال في مصر و أصبحوا مصريين بحكم الإقامة الطويلة لآبائهم و بحكم الميلاد لهم و لأبنائهم و كانت الأسرة تعمل في تجارة الصابون و البن و البهارات التي يستوردونها من فلسطين و عدن و إفريقيا و الهند و كانت لهم وكالة كبيرة في الجمّالية كما كانوا يتمتعون بسمعة عالية في الوسط

9

التجاري في مصر. قال صديقنا الأستاذ صادق بازرعة: هذه المسألة لا يصلح لها إلا السيد محمد عرفة شيخ المسجد الحسيني، كان ذلك في رمضان و جامع سيدنا الحسين قريب من وكالة بازرعة فذهبنا و أدينا صلاة العصر و شرحنا الموضوع للسيد محمد عرفة، و كان يحضر للحج و كنت أراه في مكة المكرمة، و هو رجل يجمع بين وقار العلم و حدّة الذكاء و كانت صلاته بطبقات المجتمع المختلفة قوية و متينة، فتجد في غرفته الملحقة بالجامع الحسيني العلية من الناس من الباشوات و البكوات إلى عامة الناس و أوساطهم، استدعى السيد محمد عرفة ابنه و كان موظفا بوزارة الأوقاف و قال له: أريدك أن تحضر لي غدا الشيخ محمد علي الضباع شيخ المقارئ المصرية ليصلي العصر هنا، و التفت إليّ قائلا و ستصلي العصر معنا هنا يا حاج .. فشكرته و اجتمعنا في صلاة العصر في اليوم الثاني، الشيخ الضباع و أنا و صادق سعيد بازرعة، و أخبر السيد عرفة الشيخ الضباع بالغرض الذي دعاه من أجله، و أوصاه بنا خيرا، و اتفقنا مع الشيخ الضباع على الأجر الخاص بالتصحيح كما جرى الاتفاق مع المصنع الذي يعمل الإكليشيهات حيث ترسل الصفحات التي يتم تصحيحها من الشيخ الضباع إلى المصنع فإذا تم عمل الزنكات طبعت عليها نماذج و أرسلت للشيخ مرة أخرى ليعيد تصحيحها، و تستمر هذه العملية إلى أن يتم عليها التصحيح النهائي للمصحف مع إتمام صنع الإكليشيهات، ثم تصدر الرخصة من مشيخة المقارئ المصرية بالطبع. مكثت بضعة شهور في مصر و أنا أتردد أسبوعيا و بعض الأحيان في كل ثلاثة أيام على الشيخ الضباع في بيته بالجيزة و على المصنع الذي يصنع الإكليشيهات في شارع عبد العزيز و كان صاحب المصنع أرمنيا شهيرا بصناعة الحفر و قد جعلنا الاكليشيهات بحجمين أحدهما المقاس المتوسط العادي و الثاني المقاس الصغير و تم التصحيح النهائي أخيرا بعد أن كادت إطارات السيارة الصغيرة الهيلمان التي تقلني إلى الجيزة و تعيدني منها كادت إطاراتها تذوب من كثرة الغدوّ و الرواح، و كانت السيارات كما كانت الإطارات عزيزة في أيام الحرب العالمية الثانية و غالية الأثمان. انتهت الإكليشيهات و بدأت أفكر في الطريقة التي يمكن بها تصديرها من القاهرة إلى الحجاز و كانت القيود على التصدير بالغة الشدة و أدركت أنني لو اتبعت الطرق المعتادة لتعبت بالغ التعب دون نتائج مفيدة.

و في ذلك الوقت بالذات وصل جلالة المغفور له الملك عبد العزيز في زيارته الرسمية إلى مصر و كان بصحبته معالي الشيخ عبد اللّه السليمان وزير المالية الأسبق،

10

و كذلك المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان و رأيت أن اللّه تعالى قد هيأ الأسباب بهذه الزيارة الملكية لتصدير إكليشيهات المصحف دون عناء شرحت الأمر لمعالي الشيخ محمد سرور- (رحمه اللّه)- فقال لي: اكتب ما تريد من الكتب بالتوصية على هذا الأمر و هاتها لتوقيعها، كان الشيخ محمد سرور الصبان تربطه صلة صداقة عظيمة بالسياسي المصري المعروف إبراهيم عبد الهادي باشا و كان وزيرا من أبرز وزراء الوفد في ذلك العهد، و كتبت الكتاب المطلوب لإبراهيم باشا بلسان الشيخ محمد سرور أشرح له الوضعية، كما كتبت كتابا آخر بنفس المعنى إلى مكرم عبيد باشا وزير المالية، و كان هو الوزير المختص الذي تتبعه الجمارك و التراخيص الخاصة بالتصدير، و ذهبت أولا إلى إبراهيم عبد الهادي باشا و أخذ سكرتيره الرسالة و دخل بها إلى الوزير.

و عاد ليتصل أمامي تلفونيا بسكرتير وزير المالية و كان اسمه الأستاذ حسن الأعور و يوصيه بلسان الباشا بالاهتمام بالأمر، و قابلت الأستاذ حسن الأعور في وزارة المالية و سلمته كتاب الشيخ محمد سرور، فعاد ليتصل أمامي بصندوق النقد الذي كان يقع في ميدان الأوبرا و يبلغهم توصية مكرم باشا وزير المالية بعمل كل التسهيلات لتصدير الإكليشيهات الخاصة بالقرآن الكريم.

حصلت على الترخيص المطلوب في مدى ثلاثة أيام و لو لم يهي‏ء اللّه الأسباب بزيارة المغفور له جلالة الملك عبد العزيز و حضور معالي الشيخ محمد سرور لربما استغرق الحصول على الترخيص الشهور الطوال.

إنه القرآن الكريم، و إنه تيسير الله تعالى للقائمين على نشره بين الناس، و حينما كنت أفكر في إجراءات التصدير خطر لي أن أختصر الوقت، وضعت الإكليشيهات في حقيبة خاصة و أرسلت هذه الحقيبة ضمن حقائب الشيخ محمد سرور الذي كان من القائمين على ترتيب شؤون الرحلة الملكية إلى مصر، و وصلت الحقيبة إلى مكة بسلام و أصبحت الإكليشيهات جاهزة للطبع، و كان المرحوم عبد اللّه باحمدين قد سافر إلى أمريكا و تعاقد لشركة المصحف على شراء المطبعة الأولى التي سيطبع عليها القرآن الكريم في مكة المكرمة.

و وصلت المطبعة، و حدث أن السيد إبراهيم النوري- (رحمه اللّه)- أحيل إلى المعاش بناء على طلبه فوجدنا أنه أصلح الناس للقيام على إدارة شركة مصحف‏

11

مكة المكرمة و هو الذي بذل جهدا مشكورا في تصحيح النسخة الخطية التي كتبها الشيخ طاهر كردي.

و هكذا سلمت مقاليد الشركة إلى السيد إبراهيم النوري- (رحمه اللّه)- بعد أن تم تأسيس الشركة بصورة قانونية، و كانت باكورة أعمالها طبع القرآن الكريم و نشره لأول مره في مكة المكرمة بعد أن تمت كتابته فيها، و هذه السابقة التاريخية العظيمة هي التي اختص بها اللّه الشيخ محمد طاهر الكردي لأنه كان الخطاط الذي كتب القرآن الكريم في مكة المكرمة و هيأ اللّه تعالى لهذه النسخة التي كتبها أن تطبع في مكة المكرمة و تنشر منها لا في مكة وحدها و لا في المملكة العربية السعودية فحسب، و إنما في سائر بلاد الإسلام، فمصحف مكة المكرمة أصبح يطلب في جميع البلاد الإسلامية من إندونيسيا و باكستان و الشرق الأقصى كله، إلى إفريقيا كلها.

إن الشيخ طاهر كردي رجل محظوظ فالمصاحف التي كتبت في مكة المكرمة كثيرة و بعضها محفوظ في مكتبات مكة المكرمة و المدينة المنورة، و كثير منها أجمل خطا من المصحف الذي كتبه الشيخ طاهر الكردي و لكن اللّه تعالى إذا أراد أمرا هيأ له الأسباب ... و قد هيأ اللّه للمصحف الذي خطّه الشيخ طاهر الكردي أسباب الذيوع و الانتشار فتأسست له شركة خاصة قام أصحابها على إعداده للنشر و اتخذوا الأسباب الكفيلة بهذا النشر حتى تم لهم الأمر بعد الجهد و النصب.

و لقد مضى على تأسيس شركة مصحف مكة المكرمة ما يقرب من أربعين عاما و هي توالي نشر الكتاب الكريم من مكة المكرمة و تستورد له المطابع الواحدة تلو الأخرى مسايرة تطور الطباعة في العصر الحديث، و لعلي لا أذيع سرا حينما أذكر أن شركة مصحف مكة المكرمة، لم تكتف بالمصحف الذي كتبه الشيخ طاهر الكردي و إنما عمدت إلى طبع مصاحف أخرى بخط أجمل كثيرا من خط الشيخ طاهر- (رحمه اللّه)- كما استكتبت خطاطا شهيرا بجمال الخط و إتقانه لكتابة مصحف لها، و لكن المصحف الذي كتبه الشيخ طاهر لا يزال يحتل مكانة في قلوب الناس، و يكفي أن نذكر أن شركة مصحف مكة قد قامت بطبع كمية من المصحف الذي كتبه الشيخ طاهر في حجم كبير جدا و جلدته تجليدا فاخرا و كانت هذه الطبعة و لا تزال تقدم هدية لجميع الملوك و الرؤساء و كبار الزوار المسلمين‏

12

القادمين إلى المملكة كما أنه يقدّم من ضمن الهدايا الممتازة لكبار المسئولين السعوديين في زيارتهم للبلاد الإسلامية.

طاهر كردي الخطاط

و ما دمنا بصدد الحديث عن حسن كتابة الشيخ طاهر الكردي وجودة خطه فلابد أن نتحدث عن جانب آخر من جوانب شخصيته الكثيرة الجوانب فالرجل كان ممن تلقوا تعليمهم في الأزهر الشريف، ثم التحق بمدرسة تحسين الخطوط العربية الملكية و تتلمذ على كبار الخطاطين فيها، حتى أتقن الخط بأنواعه المختلفة و حينما عاد إلى المملكة كان مدرسا للخط بمدارسها، بل الأستاذ الأول للخط فيها، و له كراريس مطبوعة كما يظهر ذلك من ثبت مولفاته التي كانت توزع على التلاميذ من ضمن الكتب المدرسية لينسجوا على منوالها في تعلمهم لفن الخط، و لقد بلغ من إتقان الشيخ طاهر لفنون الخط أنه كان يكتب بعض قصار السور مثل سورة الإخلاص على حبة من الأرز و قد أهداني بعض هذه الحبات من الأرز المكتوب عليها بعض قصار السور، و قد فقدت ضمن ما فقد من أوراقي و لكن صديقنا الشيخ محمد نور جمجوم رجل الأعمال المعروف لا يزال يحتفظ بحبة من الأرز بكتابة طاهر الكردي- (رحمه اللّه)- و قد أطلعني عليها في هذه الأيام و لعل عمرها يزيد عن الأربعين عاما.

و للشيخ طاهر- (رحمه اللّه)- لوحات فنية من كتاباته و لحسن الحظ أنه صورها في كتابه الكبير خ خ التاريخ القويم لمكة و بيت اللّه الكريم، و الذي سنتحدث عنه بعد و أكتفي هنا بذكر ما نشر من مؤلفاته في فن الخط نقلا عن ثبت مؤلفاته المنشورة في كتابه خ خ أدبيات الشاي و القهوة:

1- تاريخ الخط العربي و آدابه.

2- الهندسة المدرسية- و يقول الشيخ طاهر إنه كان مقررا في مدارس المملكة.

3- رسالة في الدفاع عن الكتابة العربية في الحروف و الحركات.

4- كراسة الحرمين في تعليم خط الرقعة (سبعة أجزاء).

5- حسن الدعابة فيما ورد في الخط و أدوات الكتابة.

6- مجموعة الحرمين في تعليم النسخ (جزء واحد).

7- لوحة فنية جميلة فيها صور الكعبة المشرفة لأشهر بناياتها.

13

8- لوحات في الخطوط العربية.

9- نفحة الحرمين في تعليم النسخ و الثلث.

و إذا تأملنا في أسماء هذه المؤلفات وجدنا أن الرجل عالم خط إذا صح هذا التعبير.

تاريخ الخط العربي و آدابه‏

و سنتحدث هنا قليلا عن كتابه خ خ تاريخ الخط العربي و آدابه و هو أهم مؤلفات الشيخ طاهر الكردي في فن الخط و قد طبع الطبعة الأولى في شهر محرم من سنة سبع و خمسين و ثلاثمائة و ألف ثم أعادت الجمعية العربية السعودية للثقافة و الفنون طبعة مرة أخرى في هذا العام 1402 ه و حسنا فعلت فإن الكتاب يكاد أن يكون موسوعة عن الخط العربي و كل ما يتعلق به.

تحدّث فيه المؤلف عن نشأة الخط و تطوره مدعما ذلك بالصور و المراجع التي استقى منها المعلومات التي توصل إليها، و من أطرف ما أورده المؤلف في هذا الشأن أن التعبير بالكتابة بدأ بطريقة التصوير قبل الكتابة بالحروف المعروفة و كانت الكتابة الصورية تقوم على الرمز و يقوم المؤلف في شرح ذلك، و مثال الكتابة الصورية أنك إذا أردت تدوين واقعة حرب مثلا فترسم أرضا ذات أغراس و إلى جانبها صور النقود و ما أشبه ذلك و هذا ما جرى عليه أكثر الأمم التي كانت قديما في مصر و أشور و غيرها، و لما اتسعت عمارتهم اصطلحوا على بعض الرسوم للدلالة على معان كلية ليس لها صورة في الخارج.

و قد أثبت المؤلف صور هذه الرسومات التي اصطلح عليها (1) و قد تحدث المؤلف عن الخطوط في اللغات الهندية و ما تفرّع عنها من الخط الآرامي و السنسكريتي و السرياني كما تحدث عن الخط الهير و غلوفي موضحا كل ما يكتبه في هذا المجال بصور لهذه الخطوط و ترجمة للحروف و الكلمات إلى اللغة العربية.

كما تحدث عن الخط الأشوري و الكلداني و أول المكتشفين لهذه الخطوط و أثبت صورا للصخور التي تحمل هذه الخطوط من المسند الآرامي و أنواع الخطوط المختلفة.

____________

(1) انظر صفحة 30 تاريخ الخط العربي و آدابه.

14

كما وضع سلسلة تبين تطور الخط العربي من بدء ظهوره حتى وصوله إلينا بشكله الحاضر و هو يبدأ كالآتي:

الخط المصري- الفينيقي- الآرامي- المسند- الصفوي- الثمودي- اللحياني- الحميري- الكندي- النبطي- الحيري- الأنباري- الحجازي‏ (1).

ثم يتحدث المؤلف عن اللغات التي تكتب في الوقت الحاضر بالخط العربي و قد عدّد اثنتي عشرة لغة تندرج كلها تحت اسم اللغات التركية و سبع لغات تندرج تحت اسم اللغات الهندية و أربع لغات تندرج تحت اسم اللغات الفارسية، و سبع لغات تندرج تحت اسم اللغات الإفريقية.

و لا شك أن بعض هذه اللغات التي أشار إليها المؤلف و خاصة في تركيا الحديثة قد غيروا كتابتهم إلى الحروف اللاتينية منذ عهد مصطفى كمال بعد انتهاء دولة الخلافة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى و إعلان الجمهورية التركية الأولى و لكن يبقى بعد ذلك أنّ عدد من يكتبون بالحروف العربية في العالم كبير.

و قد قدّر المؤلف في كتابه المطبوع قبل ما يقرب من نصف قرن عدد من يكتبون من غير العرب بالحروف العربية بأكثر من مائتين و خمسين مليونا من البشر فليت شعري ما هو مقدار من يكتبون بها في الوقت الحاضر من العرب و غيرهم، إن التعداد يصل فيما أظن إلى خمسمائة مليون من البشر.

ثم تحدث المؤلف عن كتابة الرسائل في عهد النبي (صلوات اللّه و سلامه عليه) و أورد أسماء كتابه و نقش خاتمه الذي كانت تختم به رسائله كما تحدث بمثل ذلك عن الخلفاء الأربعة و غيرهم من خلفاء المسلمين، و تحدث كذلك عن المشهورين من الخطاطين في أيام الأمويين و العباسيين ثم تحدث عن بدء ظهور التشكيل في الخط و تطوره، كما تحدث عن المواد التي كانت تستعمل في الكتابة من الجلد و القراطيس و أنواع الأقلام و أسمائها، و أنواع الخطوط المعروفة من النسخ و الرقعة و الثلث الكوفي و الديواني و ما إلى ذلك، و أثبت نماذج جميلة لكل هذه الخطوط بعضها بقلم المؤلف و الكثير منها بقلم الخطاطين المشهورين الذين ينسب إليهم هذا الفن.

____________

(1) انظر صفحة 48 تاريخ الخط العربي و آدابه.

15

ثم تحدث المؤلف عمن اشتهر بالكتابة على الحبوب و البيض و لقد ذكرت أن الشيخ طاهر الكردي كان ممن يتقن الكتابة على الحبوب في صدر هذا البحث، ثم تحدث عن الآثار و الكتابات التي عليها و النقود و العملات التي ظهرت في عهود الخلفاء الراشدين و ما تلاهم و أورد صورا فوتو غرافية للنقود في عهد الخلفاء الراشدين و عهد صلاح الدين و عهد هارون الرشيد و في عهد الدولة الفاطمية، كما أورد جداول بأسماء الخطاطين المشهورين مرتبة على الحروف الهجائية.

و من أمتع فصول الكتابة الفصل الخاص بتراجم السلاطين الخطاطين و قد ذكر من بينهم الخليفة المستظهر باللّه و الخليفة المسترشد باللّه و هما من خلفاء الدولة العباسية ثم سلاطين آل عثمان ثم سلاطين المسلمين الآخرين في شتى بقاع العالم الإسلامي، و أردف ذلك بتراجم الوزراء و الباشوات من الخطاطين ثم بتراجم العلماء الخطاطين.

ثم تحدث عن النساء اللواتي اشتهرن بجودة الخط و إتقانه. و ذكر فيما ذكره أن أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب تعلمت الكتابة من الشفاء بنت عبد اللّه العدوية التي تعلمت الكتابة من معاوية و يزيد ابنا أبي سفيان، (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين).

كما أورد المؤلف تراجم للخطاطين القدماء و المحدثين و سجلا بأسمائهم و الكتاب مزين بكثير من لوحات الخطوط الجميلة للخطاطين المختلفين و هو يقع في أكثر من خمسمائة و خمسين صفحة و تزيد تعداد اللوحات و الصور المثبتة فيه على مائة و خمسين لوحة و صورة.

إنه ليس كتابا عن الخط العربي و آدابه و لكنه يكاد أن يكون موسوعة تختص بالخط و الكتابة و ما يتفرّع عنهما و هو عمل عظيم جاء نتيجة لجهود متواصلة و أبحاث تتصف بالدأب و المثابرة و هو مرجع من أهم المراجع في هذا الفن العظيم.

طاهر كردي المؤلف‏

نعود لنتحدث عن جانب آخر من جوانب شخصيته المتعددة الجوانب فلقد كان الرجل مؤلفا مكثرا و قد أثبت في كتابه خ خ أدبيات الشاي و القهوة أسماء اثنين و عشرين كتابا مطبوعا عدا الكتب المخطوطة و أهمها التفسير المكي و هو في أربع مجلدات و غيرها مما لم يذكر شيئا عنه، و قد أوردنا أسماء مؤلفاته الخاصة بالخط

16

و نثبت هنا أسماء المؤلفات الأخرى التي وردت في هذا الثبت و هي المؤلفات المطبوعة:

1- تاريخ القرآن و غرائب رسمه و حكمه.

2- إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة.

3- مقام إبراهيم (عليه السلام).

4- منظومة في صفة أشهر بنايات الكعبة المشرفة.

5- تحفة العباد في حقوق الزوجين و الوالد و الأولاد.

6- دعاء عرفة.

7- تعليق مختصر على تاريخ مكة للقطبي.

8- صورة حجر مقام إبراهيم (عليه السلام).

9- التاريخ القويم لمكة و بيت اللّه الكريم.

10- النسب الطاهر الشريف.

11- الأدعية المختارة.

12- تبرك الصحابة بآثار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

13- أدبيات الشاي و القهوة.

و لقد ذكر الشيخ طاهر أن مؤلفاته تبلغ اثنين و أربعين مؤلفا طبع نصفها تقريبا و نستطيع أن نقسم هذه المؤلفات حسب أسمائها إلى الأقسام الآتية:

أ) كتب تاريخية و هي الصفة الغالبة على المؤلف.

ب) كتب دينية.

ج) كتب فنية و هي التي تتعلق بالخط و فنونه.

د) كتب أدبية طريفة.

و لقد تحدثنا عن الخط و ما يتعلق به بما يكفي للتعريف بشخصية الشيخ طاهر- (رحمه اللّه)- في هذه الناحية.

طاهر كردي المؤرخ‏

و نتحدث الآن عن طاهر كردي المؤرخ فإن المستعرض لأسماء كتبه يجد أن المؤلفات التاريخية هي الصفة الغالبة على الرجل، و لعل تعمّقه في هذه الناحية هو

17

الذي ساعده على تأليف الكتب الدينية و طالما أن أهم كتبه الدينية و هو التفسير المكي لم يظهر إلى النور بعد فإن الحديث عن هذه الناحية من شخصية المؤلف لا يعتبر كاملا و حسبنا الإشارة إليها.

لقد تفضل الصديق أحمد مجاهد فبعث إليّ الأربعة أجزاء التي ظهرت على نفقته من أهم كتب الشيخ طاهر التاريخية و هو كتابه المسمى:

التاريخ القويم لمكة و بيت اللّه الكريم‏

و الكتاب موسوعة ضخمة عن مكة المكرمة و هو في أربعة أجزاء كل جزء يزيد عن الثلاثمائة صفحة من القطع الكبير الذي يساوي ضعفي حجم الكتب الكبيرة المعتادة، و هو يحتوي على صور كثيرة كما تتسم المعلومات التي أوردها المؤلف عن كل المواضع التي عالجها بالشمول و الإحاطة مستعينا في ذلك بما ورد في مؤلفات المؤرخين السابقين الذين ذكر أسماءهم و تراجمهم و تحدث عنهم و مدعما ما يصل إليه من آراء بالكتب الكثيرة التي رجع إليها و التي ذكر أسماءها و مواضع الاستشهاد منها.

و أهم من هذا و ذاك أن المؤلف أتيح له ما لم يتح لغيره من المؤلفين فلقد عاصر الإصلاح الذي تم للكعبة المعظمة في عام 1377 ه كما عاصر التوسعة العظيمة للمسجد الحرام في العهد السعودي و التي بدأت في عام 1375 ه و لم يكن المؤلف معاصرا لهذه الأحداث التاريخية فحسب فما أكثر من عاصرها و إنما كان عضوا في اللجان الرسمية التي تألفت لهذه الإصلاحات و ذلك لسابق اهتمامة بالمباحث التاريخية المتعلقة بالمسجد الحرام فلقد ألّف قبل هذه الأحداث كتابا عن تاريخ مقام إبراهيم- (عليه السلام)- و حصل على إذن بفتح مقام إبراهيم ليطلع بنفسه على المقام من الداخل و ألّف رسالة وافية في صفة المقام و ذرعه و أقوال المؤرخين عنه و موضعه و كل ما يتعلق به.

هذه الاهتمامات للمؤلف كما ذكرنا هيأت الفرصة لاختياره عضوا في الهيئات الرسمية الخاصة أولا بإصلاح الخراب الذي حدث في الكعبة المشرفة كما ذكرنا ثم في الهيئة التي ألفت للتوسعة العظيمة للمسجد الحرام فيما بعد، و قد أتاح له هذا الاختيار أن يطلع على الكثير من المعلومات الدقيقة التي لم تتح لغيره من المؤرخين، فهو يقدّم لنا وصفا دقيقا للآثار الدينية و المعمارية في المسجد الحرام‏

18

مزودة بالمقاسات الدقيقة و الصور الشمسية و ذلك بعد استعراض المراحل التاريخية التي مر بها الأثر المذكور إذا صح هذا التعبير، بل إننا نجده بالنسبة لمقام الخليل إبراهيم على سبيل المثال يقدّم لنا وصفا يوميا دقيقا للكيفية التي سار عليها العمل في نقل المقام من موضعه السابق إلى الموضع الحالي بعد أن وضع في الصندوق الزجاجي الحالي و يتحدث عن الموضوع بتفصيل يشمل جميع التطورات التي صاحبت الفكرة من بدء تنفيذها إلى حين إتمامها.

إن كتاب التاريخ القويم لمكة و بيت اللّه الكريم هو موسوعة تاريخية و هامة لمكة المكرمة و للمسجد الحرام بما حواه من الكعبة المعظمة و مقام إبراهيم و كل ما يتعلق بالمسجد الحرام و أماكن المناسك و هو يضم كل ما أورده المؤرخين السابقون ثم يضيف إليه الجديد في عصر المؤلف و هو بهذه المثابة مرجع شامل عظيم القيمة لمن أراد التحقيق و البحث.

و بعد فإن الكتاب كما ذكرت يحتل مكانة قيمة بين الكتب التي تؤرخ للبلد الكريم و للبيت الحرام و هو مرجع هام لهذه الآثار المقدسة و تطوراتها التاريخية و هو يمتاز بالإحاطة و الشمول و الدقة المبنية على المشاهدة و البحث و هو جهد مشكور للمؤلف- (رحمه اللّه تعالى)- يسلكه في عداد المؤرخين لآثار مكة المكرمة و البيت الحرام فجزاه اللّه عن ذلك خير الجزاء.

مؤلفاته الأخرى‏

إن الشيخ طاهر كردي رجل متعدد الجوانب و قد تحدثنا عن أهم جوانبه في هذه الصفحات و لقد اطلعت على كتاب مطبوع له اسمه خ خ أدبيات الشاي و القهوة و عجبت كيف يتفرغ الرجل للتأليف في هذه الأمور فالكتاب يذكر تاريخ الشاي و القهوة و ما قيل فيهما من الشعر و كيف يصنع الشاي و أدواته و ما إلى ذلك، و لا شك أن جمع هذه الطرائف فيه كثير من الجهد و لكن الشيخ طاهر الكردي هو الشيخ طاهر الكردي الذي استطاع أن يعبر عن جانب آخر من جوانب شخصيته الاجتماعية التي ذكرتها في صدر هذه الصفحات.

و هناك ناحية أخرى في الرجل هي الناحية الشعرية فكتابه التاريخ القويم يتضمّن أرجوزة نظمها في تاريخ بناء الكعبة المعظمة و أراجيز أخرى في مواضيع تتعلق بكتابه هذا، و إذا كان لابد من التعليق عليها فأقول أن هذه الأراجيز تشبه‏

19

أراجيز المتون التي كنا نحفظها كأرجوزة ابن مالك في النحو و الخريدة في التوحيد، و التي كانت تفرض علينا في المدارس و هي كلام منظوم لا يمتّ إلى الشعر بأدنى صلة و الشيخ طاهر- (رحمه اللّه)- إنما يعبر عن ناحية أخرى من نواحي شخصيته المتعددة الجوانب كما سبق أن ذكرنا، فلنأخذه كما أراد اللّه له أن يكون، هناك الكتب الدينية التي ألفها الشيخ طاهر الكردي و أهمها كما ذكرت هو كتاب التفسير المكي في أربعة أجزاء و هذا الكتاب لا يزال مخطوطا و لم يتح لي الاطلاع عليه و لهذا لا أستطيع الحديث عنه، و حبذا لو عنيت بالبحث عنه و عن مؤلفات الشيخ طاهر الأخرى إحدى الجهات المعنية في بلادنا بنشر الكتب كالنوادي الأدبية و غيرها و عهدت إلى المختصين بالموضوعات التي تعالجها هذه المؤلفات بدراستها و نشر ما يستحق النشر منها إفادة للناس و إحياء لذكرى الرجل الذي قضى حياته منكبا على التأليف.

بقية التاريخ القويم‏

لقد ذكرت أنني اطلعت على أربعة أجزاء من كتابه القيم الجامع خ خ التاريخ القويم لمكة و بيت اللّه الكريم و الذي تحدثت عنه بما فيه الكفاية في الصفحات السابقة و الكتاب كما يظهر لم يتم و لقد ذكر المؤلف أن الجزء الخامس يتحدث عن الحج و هذا الجزء لم يطبع بعد و لست أدري إن كان لدى صديقنا الشيخ أحمد مجاهد الذي طبع الأجزاء الأربعة على نفقته جزاه اللّه عن العلم و أهله خير الجزاء، لست أدري إن كان هذا الجزء الخامس و ربما غيره مما يكمل به الكتاب موجودا لدى صديقنا الشيخ أحمد مجاهد و هو يعتزم إصدار هذه البقية إكمالا للمكرمة العظيمة التي قام بها أم أن هذه الكتب لا تزال ضمن مخطوطات الشيخ طاهر- (رحمه اللّه)- و على أي حال فإن نشر ما بقي من كتاب التاريخ القويم فيه من الفائدة ما يكمل العمل الطيب الذي بدأ به الرجل و الذي يعتبر مع كتابته للمصحف الكريم من أجّل الأعمال التي أداها و التي تسلكه في عداد الأعلام من الرجال.

و قد توفي الشيخ طاهر الكردي في ليلة الاثنين بتاريخ 23 ربيع الثاني من عام 1400 ه بمستشفى بخش بجدة، و نقل في اليوم التالي إلى مكة المكرمة، (رحمه اللّه)

20

و أحسن جزاءه لقاء ما بذل من الجهد في كتابة كتابه الكريم و العناية بتاريخ البلد الأمين و بيت اللّه الحرام إنه لا يضيع أجر من أحسن عملا.

[2] رسالة إلى الراحل الشيخ محمد طاهر الكردي بقلم الأديب السعودي الكبير الأستاذ عبد العزيز الرفاعي‏ (1)

لم أضع اسمك مسبوقا بألقاب ... فلا زلت أذكر احتجاجك عليّ، و اعتراضك بشدة و حزم على بعض ما كنت أحرص على أن أنعتك به من نعوت و ألقاب، كلما كتبت إليك، معتقدا في قرارة نفسي صحة إضفائها عليك ...

لأنك أهل لها فعلا ...

لم أفعل الآن .. احتراما لذلك الشعور الذي كنت أحرص عليه تجاهك، و أنت تدب مع من نسميهم الأحياء على هذه (البسيطة) ... و لقد كنت قبل أن أخطّ هذه الرسالة .. أعدّ نفسي لأكتب شيئا آخر، أردته أنت لي و لم أرده- أنا- لنفسي ... كنت بسبيل أن أكتب الكلمة التي أتقمّص فيها شخصيتك لأتحدث بالنيابة عنك، إلى أولئك الذين فكروا جدّيا أن يحتفلوا بتكريمك و كان اسمك أول الأسماء العديدة التي ازدحمت على ذاكرتهم ... فاختاروا أن يبدأوا بك، لأنك تجمع في شخصيتك المتواضعة سمة الفنان، و سمة العالم، و سمة الأديب، و هي سمات قلّما تجتمع في رجل. فحسبوا أنهم إذ يبدأون بك إنما يكرّمون في شخصك، شخصيات متعددة تتميز كل منها بميزة خاصة ... و كنت أنا أوشك أن أكتب كلمتك .. في حفل تكريمك الذي كان معتزما ... أدير في نفسي ... كيف يا ترى يسعني أن أعبّر عن أحاسيسك في مناسبة كتلك. و لا أقول (كهذه)؟ فكيف أروض قلمي، لكي يلتزم حدود ما أخذت نفسك به من تواضع جم، و من نكران كبير للذات. إلا من ذلك الاعتداد الذي يحرص عليه الفنانون ... و يأباه العلماء؟

فلقد كنت تجمع في نفسك بين طموح الفنان، و بين تواضع العلماء ... و هو صراع بين طرفي نقيض التأما في ذاتك ... ثم اصطلحا بحكم المعاشرة و المزامنة و انحناء السنين ... أما لو تركتني آخذ من الاختيار ما أريد، لكنت أفضّل أن أتكلم معرّفا بك. أو محاولا أن أعرّف بك بل بالحري متحدثا من خلال علاقتي بك منذ عرفتك في أوائل الستينات الهجرية ...

____________

(1) (مقال بجريدة الرياض العدد 4514 في 6/ 6/ 1400 ه- صفحة 12)

21

كان بودي- حقا- أن أفعل ذلك، و أنت حي، تعبيرا عن عمق مودتي، و صادق صحبتي و لكن اللّه تعالى أراد أن لا أفعل ذلك إلا بعد أن تطوى صحيفتك من دنيانا الفانية ... إلى العالم الآخر.

أذكر جيدا آخر رسائلك إليّ و أنت تستعجل الأيام، و تضيف قائمة أحبابك الذين تحرص على مشاركتهم بالحضور في حفل تكريمك- تضيف أسماء جديدة يمليها عليك و فاؤك المعهود، كلما تذكرت منهم أحدا و تستعجل أيضا- العمل على نشر مؤلفاتك لتراها ماثلة بين أيدي القراء، لتكون عاملا في إسعادك تقر به عينك. و تقول لي في إحدى رسائلك تلك: (قبل أن أموت). و برغم أن الموت أكبر ما نواجه من حقائق الحياة الدنيا، إلا أن البشر اعتادوا أن يغفلوه من حياتهم ... أو تراهم ينسون هذه الحقيقة العظمى، أو أنهم يتناسونها، كنت- من جانبي- أشعر بشعورك، و أحس عمق أحاسيسك ... و لكن الأيام- كعادتها- كانت تجري مهرولة متسارعة متتابعة. لنصل من خلالها جميعا ذات يوم إلى ذلك الشاطئ العجيب المجهول.

لا عليك أحسب أن الإخوة، الذين اهتموا بالإعداد لتكريمك ... سيلتمسون الوسائل لتكريم ذكراك. كما اعتاد الناس أن يفعلوا كلما فقدوا علما من أعلامهم، فاتهم أن يدخلوا السعادة إلى قلبه بتكريمه و هو حي ... و لم أكن لأرشح نفسي للحديث عنك لولا أنني عرفتك عن كثب، و وقفت على بعض أمرك و لا أقول كله ... فإن تعارفنا لم يزد عمره عن ثلاثين عاما بينما أعرف من أصدقائك الأحياء من هم أكثر صحبة و أعمق معرفة و ألصق بك. و إنني لآمل أن يتفضلوا بالكتابة عنك، ليجتمع من تاريخ حياتك ما هو جدير أن يظل في ذاكرة التاريخ.

و إن لك من أمجادك ما هو حري أن تعيه حقا ذاكرة التاريخ. و إنني لأعلم علم اليقين أنهم جميعا يكنّون لك الحب كله و الإعزاز كله ... و الإعجاب كله ..

أحاول أن أستذكر لقاءنا الأول .. أو الذي أجزم أنه التعارف الأول ... كان ذلك في مبنى المدرسة العزيزية الابتدائية بمكة المكرمة فقد عدت أنا إليها مدرسا بها بعد غيبة سنوات ثلاث كنت قبلها طالبا فيها فقد كنت أنت بها مدرس الخط.

أما أنا فقد كنت، مدرس الرياضيات ... و لم نكد نتعارف حتى اتصلت بيننا أسباب المودة التي ظلت عامرة و وثيقة حتى الأيام الأخيرة.

22

و عبر هذه السنوات الطويلة، عرفت جوانب من حياتك هي التي أحاول أن أستذكر الآن أطرافا منها. كنت يا صديقي إبانها تشارف الأربعين ... ناضر المنظر أنيق الملبس، تعتمر عمة حجازية كان يحتفظ بمثلها بعض من كان من جيلك.

أميل إلى القصر لطيف المعشر، فكه الحديث حلو النادرة، يجمع على حبك تلامذتك و زملاؤك تعامل الجميع- كلهم- أصدقاء حميمون.

كانوا- جميعهم- مع حبهم لك، يتّقون غضبك، فقد كنت متى غضبت، تبدو كالبركان يتقي الناس حممه و لكن البركان متى همد أعطى الخصب و النضارة و النماء. و كذلك أنت، فسرعان ما تهمد ثائرتك، و يذهب غضبك خاصة إذا اعتذر الطرف الآخر عن خطأه أو ما ينبغي عليه أن يعترف به من خطأ، مهما كان الأمر و إلا فالقطيعة. و كان أولئك الذين عرفوا حقيقة قلبك الأبيض ...

يعرفون كيف يحتفطون بصداقتهم لك ليظل ما بينك و بينهم من بيت الودّ عامرا.

لا تزعزعه الرياح، أو صخب البراكين. و إذا فاء إليك حلمك بالغت في الكرم، و اللطف، و أغدقت من برك ما يزيل سخط الساخطين ...

كنت آنذاك تعيش أعزب لم تتزوج بعد، فقد كنت شديد الحذر من الزواج تخشى أن يضطرب به ما تعودت من هدوء و ركون إلى الكتب و الفن ... أعني فن الخط ... الذي أولعت به و كنت تسكن في دار مستقلة، في مصعد جبل هندي (قعيقعان) في الطريق إلى القلعة ... و كنت تدعو إلى هذه الدار من تصطفي من أصدقائك و أودائك ... و قلّما كان يمر عليك يوم دون أن تدعو أحدا ... على ما تيسر من طعامك غداء أو عشاء. و كانت شهرتك في إجادة الطبخ مستفيضة ..

حتى ليروي الرواة، أنك طبخت في دارك بالطائف مرة طبخة لذيذة دعوت إليها نفرا من كبار رجال مديرية المعارف أيام كانت مديرية. فأكلوا و استزادوك ثم استزادوك لطعامتها و جودتها ... ثم اتضح بعد أن امتلأت الحقائب أنها كانت أكلة برسيم أخضر ... و كانت نادرة طريفة من نوادرك، ظل الوسط التعليمي في مكة المكرمة يضحك منها أياما تلو أيام.

و لقد كنت أحظى بشي‏ء من دعواتك المنزلية غير البرسيمية. و كنت أشهد عن كثب ما تعانيه في وحدتك، إلا من خادم أسود صغير يرعى بعض شؤونك و يؤمن لك حاجيات السوق ... و كنت أرتاح إلى غذائيك ... غذاء الجسم من طعامك الشهي اللذيذ ... و غذاء الفكر فيما تحدثني عن فنك و علمك و مؤلفاتك.

23

و لقد شهدت مولد بعض أعمالك الفنية و العلمية. و كان أعظمها في نظري من ناحية فنّك الأول أعني الخط كتابة المصحف الشريف (مصحف مكة) فقد كنت تطلعني على النماذج الأولى منه و على التصحيحات و التصويبات التي كان يهتم بها كل من الأستاذ السيد إبراهيم النوري- (رحمه اللّه)- و الأستاذ السيد محمد شطا- شافاه اللّه- و غيرهما ممن كان يهتم بهذا الأمر الجليل ... الذي هيأ اللّه له الإنجاز في حياتك.

شهدت ما كتبت من كراريس الخط و بعض تشكيلاتك الفنية و أطلعتني على بعض لوحاتك البارعة في الخط و منها ما يعتمد على خداع البصر و الحركة ...

و اهتمامك بالكتابة، على البيضة و الرزة الأمر الذي كان يتطلب دقة متناهية و براعة بالغة ... و لم تكن تعوزك الدقة و لا البراعة و لا الإبداع.

كان كتابك في تاريخ الخط العربي من مفاخرك، و كنت به شديد الاعتزاز و لك الحق في ذلك لأولويته و جمال لوحاته و لاهتمام دار الهلال منذ زمن بعيد بطبعه و إخراجه و الحفاوة به.

كما كنت تعد كتابك في خ خ تاريخ القرآن و غرائب رسمه و حكمه من الأولويات في هذا الميدان في العربية إلا كتاب خ خ نولدكيه المستشرق و كنت تعترف بريادته و لكن ريادتك لهذا الجانب كانت ريادة المختصّ المطّلع المتضلّع من لغته و تراثه المتخصص في فنه.

و قد اطلعت على شي‏ء من نظمك و نثرك و كنت تركز فيهما على الحكمة و الزهد ... فقد كنت وثيق الصلة باللّه عميق الإيمان إن لم أر من حياتك إلا ما يدل على حب نقاء السريرة و السيرة.

و لا زلت أذكر كيف فاجأتني بعد أن عدت من إحدى زياراتك للمدينة المنورة ... فوجدت في حياتك بعض الاختلاف ... و إذا بك تعلمني أنك قد تزوجت من المدينة و أتيت بعروسك إلى دارك. هكذا في هدوء كبير ... كما هي عادتك. ثم أخذت الحياة الزوجية تجرّك رويدا رويدا إلى شواغلها، فإذا أنت أب لعبد الرحمن و لعدد من البنات، أصهر بهن إليك عددا من خيرة الناس.

و باعدت ظروف الحياة بيننا، فانتقلت أنا إلى جدة ثم إلى الرياض ..

و تباعدت الزيارات و لكنها ظلت. و ظلت الرسائل تتصل. تقاعدت عن عملك بوزارة المعارف ثم تخليت عن صلتك بلجنة بناء الحرم المكي و كانت لك فيها آراء

24

و جهود .. كان بعضها محل الارتياح و الترحيب ثم أقعدك المرض لفترة كنت بعدها و إن تم لك فيها الشفاء على و هن و ضعف و لكنك حمدت اللّه كثيرا أن استعدت قدرتك على الكلام و المشي و الحركة و إن كان ذلك على و هن شديد.

حجبت عن الناس إلا من زائرين قليلين و حال بينك و بين الخروج من صومعتك إلا لأمر شديد شديد ... حتى لقد اشترطت علي ... بعد أن فاتحتك في حرص الرئاسة العامة لرعاية الشباب على إقامة حفل تكريم لك عن طريق جمعية الثقافة و الفنون- اشترطت أن لا تحضر إلا ساعة أو بعض ساعة من حفلة الافتتاح ..

معتذرا بأن ذلك يتطلب منك جهدا غير يسير. و حتى هذه الساعة التي كنا نتطلع إليها في شوق، لم تتح لنا فكان الأجل أسبق. أذكر المرات القليلة التي قدر لي أن أراك فيها بعد علتك ... و قد شهدت مدى و هنك و لكن المرض لم يغيّر من خلقك شيئا و لا من لطفك و بشاشة استقبالك.

و بعد، فإن من حقك على التاريخ أن يذكرك عالما درس في الأزهر (في الرواق العباسي كما حدثتني) و فنانا خطاطا، من مدرسة الفنون بالقاهرة، و معنيّ بالتاريخ كما تدل على ذلك مؤلفاتك فيه، و أديبا شاعرا، تكتب في طرائف الأدب و تنظم في الحكمة و تجارب الدهر.

و لقد كانت لك اهتمامات تدخل في باب الاختراعات و لا يبعد عن الخاطر تفكيرك في حل مشكلة ازدحام المطاف، بمطاف علوي، (دور ثان) يجري تركيبه أيام الموسم، ثم يزال ليعاد استعماله كلما حلّ موسم جديد ... و قد جعلت لهذا الأمر تصميما بارعا اطلع عليه- فيما أعلم- بعض المسئولين ... و لك في هذا الباب أكثر من بادرة، منها بلورة مقام إبراهيم .. و أحسب أن الحديث معك و عنك يطول بي، لو أردت أن أستعرض تلك الجوانب الكثيرة التي أعلمها من خلالك الخيّرة- و كلها خيرة- و لكني أجتزئ اليوم من الحديث ما أستطيعه عسى أن أتحدث عنك في يوم آخر قريب، حديثا مستفيضا.

و سلام عليك في جنات واسعة إن شاء اللّه، و في نعيم مقيم مع الصالحين و الصديقين.

25

[3] محمد طاهر الكردي المكي الخطاط بقلم الأستاذ الأديب يوسف ذنون‏ (1)

شهدت ربوع الحجاز تطور حركة الخط العربي في المراحل المبكرة قبل النضوج و الانتشار الذي تحقق بعد ظهور الإسلام و قد عرف الأقدمون الأساليب المكية و المدنية، و شخصوا بعض الظواهر التي تميزها فكانت شهادة حية عاشت في المكاتبات و الخطوط التي أعقبتها، بالرغم من التحوّل الذي طرأ على ميدان التطورات التي حصلت في الخط و انتقاله إلى بلاد الشام ثم العراق و بعده إلى البلاد الأخرى.

و لم يتخلّف الحجاز عن مواكبة هذه التطورات و المشاركة الفردية فيها بفاعلية ملفتة للنظر، فنرى مباركا المكي يفرض نفسه في القرن الثالث الهجري كعلم فرد يذكره دارسو النقوش بأساليبه المبتكرة، كما يبرز عبد الرحمن بن حرمي المكي في القرن السادس الهجري ليعطي طريقة ابن البوّاب نموذجها الحجازي.

و أما ما تلى ذلك من قرون فإن كتب الإخباريين لم تغفل البارزين من خطّاطي الحجاز، و قد تتبع بعضا منهم مستقيم زاده في كتابه خ خ تحفة الخطاطين نذكر منهم على سبيل المثال الصاحب بهاء الدين زهير بن محمد بن علي المكي في القرن السابع الهجري و أحمد بن محمد بن سليمان بن حمائل المكي في القرن الثامن الهجري، و شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن صدقة المكي في القرن التاسع الهجري و محمد بن إسماعيل المكي في القرن الثاني عشر الهجري.

و يبرز في هذا العصر الخطاط محمد طاهر الكردي المكي ليؤكد أن الحجاز بقدسيته الإسلامية شكّل نقطة تجمّع لمختلف الأفراد من الشعوب المسلمة، و لذلك من الأمور الطبيعية أن نرى بعض الأشخاص فيه، عندهم أكثر من انتساب و منهم الخطاطون مثل الخطاط أحمد النابلسي المكي (ت 1014 ه) و المترجم له أبو عبد الرحمن محمد طاهر بن عبد القادر بن محمود الكردي المكي الخطاط، الذي يشكّل تواصلا حضاريا بين الحجاز و العراق يعيد إلى الأذهان الصلة الخطية بينهما قبل الإسلام بانتقال الكتابة من الحيرة و الأنبار و استمرارها بعده مما يؤكد عمق‏

____________

(1) (مقال بجريدة العراق في 2/ 3/ 1981 م)

26

العلاقات و تواترها على مرّ العصور، و ما الخط إلا أحد المظاهر الحضارية المتأصلة في النفوس و الوجدان.

و حينما تتواصل المسيرة و تتهيأ الأداة و تتحكّم القدوة الصالحة و تتحفز الاستعدادات الفنية بأصالة و اقتدار، تتحرّك النفوس الطموحة لتجسد ذلك نماذج تظهر و كأنها شعلة من الحيوية و النشاط، فترفد المجال بدفق غزير من النتاجات المنوّعة على الأصعدة المختلفة في الاتجاهات المتعلقة بالخط- على كثرتها- باعتباره عنصرا فاعلا في صلب الحياة الحضارية لهذه الأمة، يبرز بخصوصية في اللغة و الفن و التاريخ و الآثار.

و من هذا المنطلق يقيم المرحوم العلامة محمد طاهر الكردي المكي الخطاط الذي يشكّل لبنة وهّاجة في صرح الثقافة و الفن و الآداب و التاريخ في السعودية و في العراق و قد تخطّى ذلك إلى آفاق أرحب، فكان له فضل الريادة و لا نستطيع بهذه العجالة تغطية فضل الرجل الذي كان غزيرا في إنتاجاته إلى أن داهمه مرض عضال عام 1383 ه (1963 م) أقعده عن نشاطاته المختلفة حتى وفاته في 23 ربيع الثاني 1400 ه (آذار 1980 م) إلا من تحركات محدودة في المتابعات الثقافية و اللقاءات الشخصية و بعض المراجعات لمؤلفاته و خاصة في تاريخ الخط.

إن ما سنعرضه هنا- للقارئ الكريم- من جوانب حياته الجمّة النشاط لا يتجاوز التعريف بمشاركاته في المجالات المختلفة بالقدر الذي يسمح به المقام و التركيز على نشاطاته في مجال الخط استقيناها من ثنايا بعض مؤلفاته و المراسلات المتبادلة بيننا نتيجة العلاقة الحميمة التي ربطتني به خلال العقد الأخير من حياته.

ولد الشيخ محمد طاهر سنة 1321 ه (1903 م) في وسط ديني فقد كان أبوه عبد القادر بن محمود الكردي قد ترك أربيل في شمال العراق ليسكن في مكة المكرمة و يجاور فيها، و تلك سنّة درج عليها الناس منذ القديم، تقربا إلى اللّه و اجتهادا في العبادة، و قد اهتم الوالد بتربية ولده بشكل يحقّق طموحه الديني، فرعاه بحنان، خاصة بعد أن فقد والدته أوائل سنة 1334 ه.

نشأ الطفل النجيب في مكة المكرمة و دخل مدرسة الفلاح فيها و قد تخرج منها سنة 1339 ه (1920 م) عندها صحبه والده إلى مصر و أدخله الأزهر لمواصلة طلب العلم سنة 1340 ه (1921 م) و هكذا استمر اهتمام الوالد به‏

27

و رعايته له حتى وفاته في 9 رجب 1365 ه (1946 م) عن عمر بلغ تسعين سنة و دفن في الطائف.

تبلورت شخصية المترجم أثناء تواجده في مصر، فواصل دراسته في الأزهر و استغل أوقات الفترة المسائية لتعلّم الخط العربي بمدرسة تحسين الخطوط العربية الملكية سنة افتتاحها 1341 ه (1922 م) و قد قضى فيها ست سنوات. أربع منها لدراسة الخط تخرج منها سنة 1345 ه (1926 م) و سنتان في قسم التخصّص و التذهيب، و قد كان أساتذتها من أساطين الخط في تركية و مصر و على رأسهم الشيخ عبد العزيز الرفاعي التركي و محمد إبراهيم الأفندي و الشيخ علي بدري و الشيخ محمد غريب العربي و الأستاذ محمد رضوان من المصريين.

و تعتبر هذه المدرسة من الركائز الأساسية التي بعثت الحياة في فنون الخط و الزخرفة في البلاد العربية في أوائل هذا القرن، بعد أن أصابها ركود في القرون السابقة، و قد استفاد المرحوم محمد طاهر من هذه الدراسة فائدة جعلت منه الخطاط الأول في الحجاز حينما عاد إليها سنة 1348 ه (1929 م).

في الحجاز دخل المحكمة الشرعية الكبرى بمكة المكرمة موظفا، و لكنه لم يبق فيها طويلا فطلبته مدرسة الفلاح بجدة أول عام 1349 ه (1930 م) لتدريس مادة الخط العربي، فاستمر فيها أربع سنوات بلورت خلالها مسيرته الحياتية نحو الخط و التأليف فدفعته هو لحسّه و تطلعاته و قلق الفن الأبدي للعودة إلى مصر سنة 1353 ه (1934 م) لطبع نتاجاته في الخط و خاصة خ خ كراسة الحرمين في خط الرقعة بأجزائها السبعة، و العمل على تأليف كتاب عن الخط أتمّه في سنوات ثلاث قضاها في القاهرة و الإسكندرية، فكان كتاب خ خ تاريخ الخط العربي و آدابه و قد صدر في مصر سنة 1358 ه (1939 م) و يعتبر من الكتب الفريدة في حينها في مادته الخاصة و المترجمة عن المصادر التركية.

إن السنين التي تلت كانت مفعمة بالنشاط في مجال الخط و الزخرفة و التذهيب و الرسم و النظم و التأليف و التنقل. فقدم إلى العراق في منتصف سنة 1365 ه (1946 م) فمر ببغداد و التقى بخطّاطيها، و قد دوّن ذلك في متن إجازته للخطاط محمد صالح الشيخ علي الموصلي (1894 ه- 1975 م) المؤرخة في صفر 1366 ه و الساكن آنذاك في بغداد، و قد كتبها في الحجاز بعد عودته و أرسلها بريديا.

28

إن نشاطه الواضح قد أكسبه تجارب واسعة و خبرا جمة و شهرة مميزة و مكانة في بلده أهلّته لكي ينتخب عضوا في اللجنة التنفيذية لتوسعة و عمارة المسجد الحرام التي بدأت العمل سنة 1375 ه (1955 م) و صار أيضا رئيس قسم التأليف و الآثار التاريخية لمكتب مشروع التوسعة و قد استمر فيها حتى إحالته على التقاعد حسب رغبته لكي يتفرغ لإتمام مؤلفاته التي تربو على الأربعين مؤلفا بين مطبوع و مخطوط، و قد قررت الحكومة السعودية طبع جميع مؤلفاته سنة 1393 ه (1973 م) فأحالتها إلى لجنة خاصة لدراستها و لكنها لم تطبع لكثرتها و قد عوّض عن ذلك بمكافأة نقدية، و قد تأثر من ذلك و انتابه شعور بالإحباط، خاصة و أنه لم يكن في عمر و لا حالة صحية تمكنه من الاهتمام بها، و أن نشاطه المعتاد قد تحدد فترك مواصلة الخط بشكل نهائي و أهدى جميع أدواته و مواده إلى أصدقائه في مصر، انقطع بعدها للعبادة و بعض المراجعات لما ألّفه و خاصة كتابه تاريخ الخط الذي توفرت له مادة جديدة فيه، و لقاءات الخطاطين الذين يفدون حجّاجا أو معتمرين إلى مكة المكرمة من كافة أرجاء العالم الإسلامي و محبّيه ممن جذبتهم كتاباته، يتبادل معهم الخطوط و المعلومات و الهدايا.

و هكذا عاش سنواته الأخيرة في دف‏ء العلاقات الحميمة مع الأفراد الذين تعرف عليهم و استمرت صلته بهم بإخلاص و محبة متبادلة عن طريق اللقاءات في المناسبات و مواصلة ذلك بالمراسلات، و قد كانت طيبته و بساطته المحببة و وفاؤه النادر و طبيعته الودودة و نوازعه الخيّرة تعطي الديمومة لهذه العلاقات حتى وفاته.

و قد جرى اقتراح بإقامة حفل تكريمي له قبيل وفاته عن طريق الجمعية العربية السعودية للثقافة و الفنون باعتباره أول مفكر سعودي و أول خطاط في المملكة و أنه قام بتأليف عدد كبير من الكتب في مختلف ألوان الأدب و الفنون، و هذه لا شك التفاتة كريمة، و إن جاءت متأخرة، فقد كان- (رحمه اللّه)- متعدد الآفاق متنوّع الاتجاهات، و قد ترك في الخط نتاجات تخلده، في مقدمتها خطه المصحف الكريم الذي أطلق عليه خ خ مصحف مكة المكرمة و هو أول مصحف طبع في مكة المشرفة، و كتب بيده كثيرا على حبوب القمح و الرز كتابات دقيقة من سور القرآن الكريم و بعض الأشعار، و كذلك رسم خريطة مفصّلة للأقطار العربية بحجم طابع البريد و قد أهدى من كل ذلك للمتاحف و دور الكتب في مختلف الأقطار. و أصدر كراريس لتعليم الخط بدأ بإعدادها حينما كان يدرس هذه المادة في مدرسة الفلاح‏

29

بجدة و هي خ خ كراسة الحرمين في تعليم خط الرقعة في سبعة أجزاء، خ خ نفحة الحرمين في تعليم خطّي النسخ و الثلث، خ خ مجموعة الحرمين في تعليم خط النسخ و اشتغل بإعداد اللوحات الخطية الفنية منها خ خ تحفة الحرمين في بدائع الخطوط العربية و خ خ لوحة أخرى في الخطوط العربية و جميعها مطبوعة.

أما آثاره في تاريخ الخط و الدفاع عنه فقد طبع منها خ خ تاريخ الخط العربي و آدابه و خ خ حسن الدعابة فيما ورد في الخط و أدوات الكتابة و خ خ رسالة في الدفاع عن الكتابة العربية في الحروف و الحركات.

و لم يقتصر نشاطه التأليفي على الخط و تاريخه بل طرق مجالات أخرى كالتاريخ و الآثار فطبع له خ خ التاريخ القويم لمكة و بيت اللّه الكريم في خمسة أجزاء و خ خ مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام و خ خ منظومة في أشهر بنايات الكعبة المعظمة و خ خ تعليق مختصر على تاريخ مكة للقطبي و خ خ النسب الطاهر الشريف و خ خ تبرك الصحابة بآثار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و خ خ رسالة انتقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى الرفيق الأعلى و خ خ كتاب عيش رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أصحابه الكرام و خ خ صورة حجر مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام.

و في تفسير صدر له خ خ التفسير المكي في أربعة مجلدات و خ خ زهرة التفاسير في ثلاثة أجزاء، و في العلوم القرآنية صدر له خ خ تاريخ القرآن و غرائب رسمه و حكمه و معه خ خ رسالة حفظ التنزيل من التغيير و التبديل.

و في أغراض مختلفة طبعت له عدة كتب تلقي الضوء على جوانب لشخصية متعددة المواهب و الاهتمامات تحتاج وقفة متأنية للتعريف بها و هي: خ خ بدائع الشعر و لطائف الفن، خ خ تحفة العباد في حقوق الزوجين و الوالدين و الأولاد و خ خ الأحاديث النبوية في الآداب الدينية و التربية الإسلامية و خ خ ثلاث رسائل في المناسك و دعاء عرفة و الأدعية المكية و خ خ إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة و خ خ دعاء عرفة و خ خ الأدعية المختارة و خ خ أدبيات الشاي و القهوة و خ خ الهندسة المدرسية و خ خ استحالة الإقامة في القمر و الكواكب و خ خ لوحة فنية فيها صور الكعبة المشرفة لأشهر بناياتها، و خ خ لوحة قدمي سيدنا إبراهيم (عليه السلام).

و قد طبع بعضها أكثر من طبعة مثل خ خ تاريخ القرآن و خ خ أدبيات الشاي و القهوة و خ خ تبرّك الصحابة بآثار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و تداخل البعض منها في أكثر من كتاب.

30

و على الرغم من كثرة ما طبع من نتاجاته- كما مر- إلا أنه لا زالت هناك مجموعة من النتاجات لا زالت مخطوطة و هي:

خ خ مختصر المصباح و المختار في اللغة خ خ المقارنة بين خط المصحف العثماني و اصطلاحنا في الإملاء خ خ الاستحسان في وضع علامات الترقيم في القرآن خ خ حسن البساط في ديوان محمد طاهر الكردي الخطاط خ خ منظومة في التعاريف الفقهية خ خ عجائب ما رواه التاريخ خ خ تراجم من له قوة الحافظة خ خ الموعظة الحسنة في عدم اليأس و في الصبر و التفويض خ خ المحفوظات الأدبية المختارة خ خ البحث و التحقيق في معرفة معنى الصديق و خ خ الشوق و الرغبة في معرفة ما حصل في الكعبة في العهد السعودي.

إن مؤلفاته المتقدمة قد ثبتها في الصفحات الأخيرة من الطبعة الثانية في كتاب خ خ تبرّك الصحافة و هو آخر كتاب طبع له سنة 1394 ه (1974 م) و قد كان الشيخ محمد طاهر يؤمل أن يعيد طبع كتبه أو إعادة بعضها مع ما هو مخطوط و لكن ذلك لم يتحقق.

ترجم الشيخ لنفسه في كتابه خ خ تاريخ الخط العربي و آدابه و في الجزء الأول أيضا من كتابه خ خ التاريخ القويم لمكة و بيت اللّه الكريم و مع ذلك فإن جوانب كثيرة من حياته لم تتضح، و ترجم له حبيب اللّه فضائلي في كتابه خ خ أطلس خط (1971 م) ص 382 و الأستاذ فوزي سالم عفيفي- الذي صحبه فترة من الزمن و كانت صلته به وثيقة- في كتابه خ خ نشأة و تطوير الكتابة الخطية العربية 1980 م ص 277، و كتب عنه الشاعر الخطاط وليد الأعظمي في نشرة المصلحة (حزيران 1963 م) و غيرها، و قد حاول السيد إبراهيم باجلان التعريف به من خلال كتابه خ خ تاريخ الخط العربي و آدابه في جريدة خ خ العراق في العددين 1351 و 1368 لسنة 1980 م.

يضاف إلى ذلك كتابات أخرى من بعض معارفه لم تطبع، و مع ذلك فإن مجال الكتابة عنه لا زال بحاجة إلى مزيد من تسليط الضوء على جوانب نشاطاته المتعددة، و خاصة من تلامذته و محبيه و من اتصل بهم و هم كثير- لا يسع المقام لذكر من أعرفه منهم- فقد كان بيته- (رحمه اللّه)- في محلة السليمانية في مكة المكرمة محفلا لمعارفه من الخطاطين و المثقفين من مختلف أنحاء الوطن العربي و العالم الإسلامي.

31

[4] مؤرخ مكة الكبير و كاتب مصحفها إلى رحمة اللّه بقلم الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان‏ (1)

في الساعة الثالثة و النصف صباحا، التوقيت الزوالي من يوم الاثنين الموافق 23 ربيع الثاني 1400 ه الموافق 10 مارس سنة 1980 م- انتقل المؤرخ الكبير العلامة الشيخ محمد طاهر بن عبد القادر الكردي إلى رحمة اللّه، بعد مرض أسلمه الفراش لمدة عشرين يوما.

و بوفاته تفقد البلد رائدا من رواد التعليم و الفكر في العصر الحاضر، الذي قامت على أكتافهم، و بجهودهم، النهضة العلمية الحديثة في المملكة العربية السعودية، فخرجوا أفواجا و أجيالا، من المتعلمين، أصبحت بأيديهم قيادة البلاد.

و قد كان الفقيد- (رحمه اللّه تعالى)- إلى جانب اشتغاله بالتعليم ذا اهتمامات و تخصصات متعددة، أبرزها و أهمها: اهتمامه بتاريخ مكة المكرمة، و تحقيق كل ما يتصل بها من آثار و أولى الحرم المكي من إنتاجه العلمي و الفكري عناية خاصة- ندر أن يكون لها مثيل- فوثق كل ما يتصل به من دراسات، سواء بطريق الرواية، أو الصورة الفوتو غرافية.

و لم يغب عنه الاهتمام و التوثيق التاريخي لمكة المكرمة حتى في أحرج الظروف و الأوقات.

و بعد أن نخر مرض السكر عظامه الذي تمكّن منه ما يقارب العشرين عاما، فأصاب جسمه بشلل نصفي، كان- (رحمه اللّه)- يطلب من أولاده تدوين ما يحدث- مما يروى له أو يقرأ- حتى الأمور البسيطة، بحاسة المؤرخ، و فحص الخبير.

عاصر حادث الحرم، و ما فعلته الفئة الخارجة، في بداية عامنا هذا، و كان يتمنى أن تساعده قواه على تدوينه، و يأمل- و قد أصبح عاجزا- أن تهتم الحكومة السنية بإصدار كتاب مفصّل، توضح فيه كافة الجوانب، و الملابسات، و الأحداث لهذا الحادث الذي يعدّ من بين الأحداث التاريخية المعدودة فيما يتصل‏

____________

(1) (مقال بجريدة المدينة المنورة العدد 4868 في 10/ 5/ 1400 ه- صفحة 9)

32

بالمسجد الحرام، فيكون وثيقة تاريخية صادقة أمينة، تقف عليها الأجيال، بدلا من الروايات المتعددة و الإشاعات الرائجة التي قد لا يكون لها جانب من الصدق.

و كتابه خ خ التاريخ القويم لمكة و بيت اللّه الكريم موسوعة تاريخية و اجتماعية و أدبية عن مكة المكرمة، جمع فيه معارف شتى، يقع في ستة أجزاء، طبع منه أربعة أجزاء، على نفقة السيد أحمد هاشم مجاهد، وكيل وزارة الحج و الأوقاف سابقا، و الجزءان الآخران يقوم مركز البحث العلمي و إحياء التراث الإسلامي، بكلية الشريعة و الدراسات الإسلامية، بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة، بدراسته، لإعداده للطبع.

و هذه المدوّنة التاريخية، بالطريقة التي سلكها المؤلف- (رحمه اللّه)- هي مادة علمية جيدة، أرّخ فيها ما أغفله التاريخ، و هي صالحة لأن يستخرج منها رسائل علمية متعددة الجوانب، خصوصا في النواحي الاجتماعية، في هذا البلد الكريم.

ذكر في تقديم الكتاب هذه العبارة:

خ خ هذا الكتاب أعظم تاريخ ظهر إلى اليوم، في الوجود، لبلد اللّه الأمين، مكة المكرمة، و بيته المطهر الشريف، و لكل ما له تعلّق بالمشاعر العظام و غيرها، منذ عهد إبراهيم الخليل- عليه الصلاة و السلام- إلى اليوم، و هو كتاب مزيّن بالخرائط المهمة، و الصور الفوتو غرافية، و الرسوم اللطيفة، للأماكن المقدسة، و المواضع الأثرية، و الرجال البارزين، و العلماء المؤرخين، و تراجم كل منهم، و فيه من المباحث و المسائل ما لم يذكر في أي تاريخ، و فيه من مسائل الحج، و المواضيع المتنوعة الشيّقة ... و فيه من التحقيقات و التدقيقات ... و لم نترك شيئا من المسائل إلا ما يتعلق بالحروب و الفتن التي وقعت فيما مضى من الأزمان، و سيصبح هذا الكتاب- إن شاء اللّه- قاموس التواريخ، يرجع إليه العلماء و الفضلاء، في كل ما يتعلق ببلد اللّه الأمين و بيته المقدّس، و جوهرة عزيزة فاخرة، فالحمد للّه على إتمامه، و الشكر له على إنعامه، و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

و قد زخر كتابه بنماذج فنية رائعة لبعض الأشكال، و الخطوط، و صور بعض العلماء و الأعيان و الحكّام المعاصرين.

و من آثار اهتمامه الخاص بالحرم المكي الشريف قيامه برسم سطح حجر مقام إبراهيم- عليه الصلاة و السلام- و فيه أثر القدمين.

33

يتحدث الدكتور عبد اللطيف بن عبد اللّه بن دهيش في بحثه خ خ الشيخ محمد طاهر بن عبد القادر الكردي- حياته و مؤلفاته عن أعماله في مجال الخط العربي، و الزخرفة الإسلامية، عن رسمه سطح حجر المقام.

لوحة فنية نادرة لمقام إبراهيم- (عليه السلام)- و مقاس اللوحة الأصلية هو 5، 22* 2، 16 سم، و هذا العمل لم يسبق لأحد أن قام به، في العالم الإسلامي قاطبة، و على مرّ عصور التاريخ الإسلامي المجيد، و يظهر لنا من هذه اللوحة الدقة، و حسن التصميم، مما يدل على براعة الشيخ محمد طاهر الكردي، و حسن اختياره. و لقد طبعت هذه اللوحة في عام 1382 ه الموافق 1962 م.

و أخرج رسوما خاصة لأشكال بناية الكعبة المشرفة، على مر العصور، و منظومة في صفة أشهر بنايات الكعبة، و ألف كتابا في مناسك الحج بعنوان خ خ إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة.

فكانت مكة المكرمة بلدة تعيش في روحه و دمه، و كان من بين الذين شاركوا في وضع الحجر الأساسي لتوسعة الحرم الشريف، و كان أحد المسئولين عنها، كما كان له شرف وضع الإطار الفضي للحجر الأسود، و الإشراف و المشاركة في ترميم الكعبة، و تحديد سقفها في التسعينات.

كما كان من أبرز اهتماماته العلمية فن الخط و الزخرفة الإسلامية، فله- في هذا المجال- آثار هامة متعددة، توجّها بكتابته للقرآن الكريم، و يعتبر هذا الأثر مفخرة البلاد، و لقي انتشارا و إقبالا، و أطلق عليه خ خ مصحف مكة و هو يشهد له بالدقة و الكفاءة العالية، في هذا المجال، حتى أصبحت نسخ هذا المصحف نادرة، بل معدومة من الأسواق.

و من أهم ما قام به، في هذا المجال، كتاب خ خ تاريخ الخط العربي و آدابه و هو كتاب ذو قيمة علمية كبيرة جمعه من أهم المصادر، و حلّاه بأنواع الخطوط العربية، و ضم فيه تراجم أشهر الخطاطين.

و ليس هذا مجال عرض أعماله العلمية، و إنما أحيل القارئ الكريم إلى البحث العلمي الذي قام بدراسة أعماله عميد شؤون المكتبات بجامعة الملك عبد العزيز بمكة الدكتور عبد اللطيف بن دهيش.

34

أما حياته العلمية و الوظيفية، فقد ولد- (رحمه اللّه)- عام 1321 ه الموافق 1903 م بمكة المكرمة، و تخرّج من مدرسة الفلاح بمكة المكرمة، ثم سافر إلى مصر سنة 1340 ه، لطلب العلم بالأزهر الشريف، ثم التحق بمدرسة تحسين الخطوط العربية الملكية، في سنة افتتاحها، عام 1341 ه.

و يتحدث الفقيد- (رحمه اللّه)- عن تعلمه فن الخط بقوله: خ خ و لم يخطر ببالي أن أكون يوما ما معدودا في مصاف الخطاطين، و لكن كان ذلك في الكتاب مسطورا، فأخذت في المدرسة المذكورة خط الثلث، و النسخ، و الرقعة، و جلى ... و كذلك أخذت الخطوط المذكورة مع الخط الفارسي، و الخط الديواني، و فن التذهيب، و الرسم، و الزخرفة ...

ثم عاد إلى البلاد فعيّن موظفا بالمحكمة الشرعية الكبرى عام 1348 ه، و في بداية عام 1349 ه انتقل إلى حقل التعليم، فعيّن مدرسا بمدرسة الفلاح بجدة.

و في سنة 1353 ه سافر إلى مصر، ثانيا، فأقام بالقاهرة عاما كاملا، و بالإسكندرية عاما آخر، و كانت فترة حافلة بالنشاط العلمي و التأليف و الاتصال بالعلماء.

و في سنة 1355 ه عاد إلى المملكة، و عمل بمدرسة الفلاح بجدة، لفترة قصيرة، ثم اختارته مديرية المعارف- آنذاك- للتدريس بمدارسها، فدرس في المدرسة السعودية، أولا، ثم العزيزية الابتدائية، ثانيا.

و عندما قامت مديرية المعارف بافتتاح مدرسة لتحسين الخط و تعليم الآلة الكاتبة- عين مديرا لها- و علاوة على ذلك فإنه كان يعمل خطاطا بمديرية المعارف، ثم اختير مستشارا في الجهاز الإداري لمشروع توسعة الحرم المكي الشريف، فكان نعم المعين، لمعرفته بتاريخ مكة المكرمة و الحرم الشريف.

و في عام 1383 ه أصيب بمرض ألزمه الفراش، فأثّر على حواسه، و ظلّ معه سنين، ثم منّ اللّه عليه بالشفاء منه، و لكن مع اعتلال و ملازمة للعلاج، و كان مصابا بمرض السكر الذي لازمه حتى الموت.

و لم ينقطع المرحوم عن القراءة و التأليف، خلال فترة مرضه، ما استطاع و قد فقد بصر إحدى عينيه- عاما- قبل وفاته.

35

اشتهر- (رحمه اللّه)- بعفّة النفس، و الاعتزاز و كرم الطبع و السخاء، مع حدة في الطبع.

غادر الفقيد الحياة، و قد عاشها عيشة الزاهدين المتقشفين، مثله مثل جيله من علماء هذه البلاد الذين انصرفوا عن الدنيا، رغم الفرص الكثيرة التي أتيحت لهم، فتركوا الحياة، و لم يملكوا شبرا من أرض.

و يذكر في هذا بقول الشاعر:

كم عالم يسكن بيتا بالكرى‏* * * و جاهل له قصور و قرى‏

رحمهم اللّه رحمة الأبرار، و عوّض عنهم من يخلفهم من أبناء هذه البلاد، و يملأ مراكزهم العلمية، يقتفون آثارهم، و يخلدون ذكراهم، و يحملون رسالتهم في أمانة و وفاء.

[5] ملحق التراث يشاطر العالم الإسلامي في مصابه بالخطاط المكي محمد طاهر الكردي- كاتب مصحف مكة المكرمة (1)

كان علما من علماء العهد الماضي، و رائدا من رواد العلم، و حملة القرآن الكريم، و داعيا من دعاة الشريعة و الحق و الخير، قضى حياته- راضيا مطمئنا- في النفع، و التثقيف، و نشر العلم، و بذل وقته و جهده و ماله- بلا نصب و لا تعب- قارئا مستقرئا، كاتبا مستكتبا، لا يريد مالا و جاها و لا رياء و لا سمعة، كفاء ما يقرأ، أو يكتب، أو ينشر من العلم و التقوى و القدوة الصالحة، و إنما يبتغي وجه اللّه تعالى، و يطلب أن ينفع اللّه بما يعمل، و يكتبه به من العلماء المخلصين المقبولين، و يحشره مع الذين أنعم عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا.

و لم يزل على هذه الحال موردا عذبا للظامئين من طلبة العلم، و معينا لا ينضب بعلمه الغزير و سلوكه القويم، و نبراسا لشباب هذا الجيل الصاعد و ما يليه في الصمود على الحق، و الجلد في طلب العلم، و الصبر على مشكلات الحياة و صحة العزيمة على فعل الخير، و إسداء النفع للآخرين، حتى لقي وجه اللّه تعالى،

____________

(1) (مقال نشر بجريدة المدينة في الخميس 3 من شهر جمادى الأولى 1400 ه- العدد 4861- ص 9)

36

في جدة، مساء يوم الأحد، قبل الفائت، و دفن- في مكة المكرمة- بعد صلاة العصر من اليوم التالي.

إنه المرحوم الشيخ محمد طاهر بن عبد القادر الكردي المكي الخطاط، كاتب مصحف مكة المكرمة، و الخطاط بمديرية المعارف العامة بمكة المكرمة- سابقا- و الشاعر المبدع صانع المنظومة المشهورة للكعبة الشريفة، و وصفها، في مائة و تسعة و ثلاثين بيتا، و المؤلف الفذّ صاحب التصانيف الكثيرة في فنون متعددة، من أظهرها فن الخط، و رسم القرآن الكريم، و تاريخه، و حكمه، و جمعه، و كتابته، و ترتيب آياته، و سوره، و ضبطه و تصحيحه، و هي فنون دقيقة فتح اللّه- سبحانه و تعالى- بها عليه، بعدما تجرد لكتابة المصحف الشريف، فكانت هذه الفنون جميعها- بحقّ- من بركة هذه الكتابة.

من أعماله المشهورة- (رحمه اللّه)- أن وفقه اللّه تعالى لكتابة القرآن الكريم، بخط يده، كاملا، كتبه على وفاق رسم المصحف العثماني، نقلا عن المصحف الذي طبعته الحكومة المصرية، سنة ألف و ثلاثمائة و اثنتين و أربعين للهجرة، تحت إشراف مشيخة الأزهر و مشيخة المقارئ العمومية.

و قد انتهى- (رحمه اللّه)- من كتابة هذا المصحف الشريف، في ختام عام ألف و ثلاثمائة و اثنين و ستين للهجرة، فتألفت لجنة من العلماء، في المملكة، للعناية بتصحيحه، و هم السيد أحمد حامد التيجي، و الشيخ عبد الظاهر أبو السمح، و السيد محمد أحمد شطا، و السيد إبراهيم سليمان النوري، و الشيخ علي محمد الضباع، فطبع باسم خ خ مصحف مكة المكرمة، فكان أول مصحف يكتب، في مكة المكرمة، في العصر الحديث، و أول مصحف يطبع- أيضا- في مكة المكرمة، أوائل سنة 1369 ه.

و من مؤلفاته:

تاريخ القرآن و غرائب رسمه و حكمه، و هو يبحث في التعريف بالقرآن الكريم، و ما يتضمنه من الإعجاز و الشمول في الأحكام و الآيات، و في جمعه، و كتابته، و ترتيب آياته و سوره، و ضبطه، و تصحيحه، و في غرائب رسم كلماته، و حكم اتباع رسمه، و سبب نقط حروفه و تشكيلها، و هل رسمه توقيفي أم لا؟

و قد طبع هذا الكتاب طبعتين، في شركة مصطفى البابى الحلبي للطباعة في مصر، غرة جمادى الآخرة سنة 1365 ه وصيف عام 1372 ه.

37

مقام إبراهيم- (عليه السلام)- و يتناول بناء البيت الحرام، في أدواره الأربعة:

بناء إبراهيم الخليل- (عليه السلام)- و بناء قريش، و بناء عبد اللّه بن الزبير- رضي اللّه عنهما- و بناء الحجاج بن يوسف الثقفي، مزدانا بصور مبتكرة للكعبة المشرفة، في هذه البناءات الأربعة وفق ما ورد في كتب التاريخ المعتمدة.

و قد طبع الكتاب، في القاهرة، طبعة واحدة، سنة 1367 ه.

منظومة في بناء الكعبة المشرفة، و هي منظومة لطيفة في وصف بناء البيت الحرام، في أدواره الأربعة: بناء إبراهيم الخليل- (عليه السلام)- و بناء قريش، و بناء عبد اللّه بن الزبير- رضي اللّه عنهما- و بناء الحجاج بن يوسف الثقفي، وضعها المؤلف لاعتقاده بأن النفوس المهذبة تستحلي سماع الشعر و إنشاد القريض، و أن الطلاب الأذكياء ترسخ- في عقولهم- الأبيات الشعرية أكثر من النثريات، و بخاصة ما كان منها سهل الوزن لطيف المعنى.

و قد نشر المؤلف هذه المنظومة مرتين، مرة في الهند أوائل سنة 1367 ه، و مرة في القاهرة سنة 1371 ه.

حسن الدعابة فيما ورد في الخط و أدوات الكتابة، و هو تأليف مستقل في الخط و أدوات الكتابة، يأتي على أنواع الخط، و أشكاله، و ما ورد فيها من أقوال للسلف الصالح، و في وصفها، و ذكر محاسنها، نثرا و شعرا، و يأتي على أدوات الكتابة المختلفة، ظهورها، و تطورها و ما جاء فيها، من شعر و نثر، في أقوال السابقين. و قد طبع الكتاب في مصر، سنة 1370 ه.

مجموعة الحرمين- كراسات في تعليم خط النسخ، كان المرحوم الشيخ محمد طاهر الكردي قد وضعها للناشئين و الراغبين في تعلم الخط النسخي، استجابة لرغبة المعارف العامة بمكة المكرمة.

و قد طبعت هذه الكراسات في مصر، غير مرة.

و له- (رحمه اللّه)- عدد آخر من المؤلفات المخطوطة، التي ما تزال رهن مخاطرها في انتظار دورها في الطبع و النشر، منها:

الموعظة الحسنة في عدم اليأس و الصبر و التفويض.

إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة.

تحفة العباد في حقوق الزوجين و الوالدين و الأولاد.

38

و من شعره، قوله:

كم عاقل فاضل تلقاه مضطربا* * * و جاهل خامل تلقى به طربا

هذا له الحظ في الدنيا و ذاك له‏* * * عز من اللّه في أخراه قد وجبا

و قوله:

لقد استراح من الحياة و كدّها* * * و من الهموم و رؤية الأهوال‏

من مات أو من جن أو متبتل‏* * * لزم القناعة صادق الأحوال‏

و قوله:

دع الأمر تحت القضا و القدر* * * فما ينفع العقل لا و الحذر

فمنه رام سخطا على ما جرى‏* * * فذاك الكفور و شرّ البشر

و من سلّم الأمر نال المنى‏* * * و ما يبتغيه و نال الظفر

فصبرا جميلا على ما قضاه‏* * * الإله عساه يزيل الضرر

و لا تتركن الدعاء و الطلب‏* * * فإن اللطيف به قد أمر

و لا تركبن بحار الهوى‏* * * فإن المعاصي قرين الخطر

و قوله:

زدني بفرط الابتلاء تصبرا* * * و الطف بما قدرته فيما جرى‏

يا من له عنّت الوجوه جميعها* * * رحماك فالعبد الذليل تحيّرا

إن لم يكن لم منك لطف شامل‏* * * أو فضل إحسان عليّ مكررا

فمن الذي أرجو لكشف بليتي‏* * * أو من إليه أميل من بين الورى‏

و الكل مفتقر إليك و سائل‏* * * من فيض جودك نقطة أن تقطرا

لا أرتجي أحدا سواك و أنت لي‏* * * نعم الملاذ و من رجاك استبشرا

إني سألتك و الهموم تراكمت‏* * * و الدهر عاند و الزمان تنكّرا

حاشا تخيب من رجاك مؤملا* * * مهما جنى أو كان فيك مقصّرا

و له- (رحمه اللّه)- في باب النثر، حكم و أمثال مبتكرة، منها:

* حركات المرء تدل على عقله.

* حفظ المعروف من المروءة.

* لا تهد شيئا لمن لا يقدره.

39

* تقدير الأعمال يزيد نشاط العمّال.

* مراعاة إحساس الأصدقاء تقوي حبل الصداقة.

* العزيز إذا افتقر هان.

* دوام العزلة يميت النشاط و الهمة.

* الاعتراف بالإحسان من كمال الإنسان.

* إذا افتقر العاقل تعرض للزلل.

* الاستبداد و القسوة يورثان البلادة و الجفوة.

* هضم الحقوق موجب للعقوق.

* لا ينهض المرء بفقره.

* الكريم إذا ضاقت به الأحوال لم يختلط بالناس.

* المال أساس النجاح.

* المال يستر العيوب.

* الكريم بلا مال كالشجاع بلا سلاح.

* الأحمق و اللئيم يضيع معهما المعروف.

* كثرة الخضوع نفاق.

* لا يشقى من حالفه الحظ.

* لا تحتقر ضعيف اليوم فقد يصبح غدا عظيما.

* لا تتودد إلى من لا يعتبرك.

* الفوضى عاقبتها الفشل.

* الصبور إذا انتقم بطش.

* الانهماك في العمل يؤدي إلى الملل.

* من احترم غيره فقد احترم نفسه.

* الوظائف تكيف الرجال، و الرجال تنهض بها.

40

فلله هذه النفس العالية، و فضائلها الجليلة، و للّه هذا التكوين الموسوعي المحبّب في ثقافة الرجل، و للّه هذه الهمّة الأدبية، و الجلد العجيب في خدمة كتاب اللّه الكريم، و لغته، ف(رحمه اللّه تعالى)، رحمة واسعة، و تغمّده بفضله و إحسانه.

41

تقديم الكتاب‏

هذا الكتاب هو تاريخ لبلد اللّه الأمين مكة المكرمة و بيته المطهر الشريف و لكل ما له تعلق بالمشاعر العظام و غيرها منذ عهد إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام إلى اليوم، و هو كتاب مزين بالخرائط و الصور الفوتو غرافية و الرسوم للأماكن المقدسة و الرجال البارزين و العلماء المؤرخين و تراجم كل منهم و فيه من المباحث و المسائل ما لم يذكر في أي تاريخ و فيه من مسائل الحج و المواضيع المتنوعة الشيقة ما يجذب الفؤاد. و الحاصل أن هذا الكتاب يحتوى على المسائل التي وقعت فيما مضى من الأزمان و هو قاموس التواريخ يرجع إليه العلماء و الفضلاء في كل ما يتعلق ببلد اللّه الأمين و بيته المقدس، إنه لدرة ثمينة نادرة فالحمد للّه على إتمامه و الشكر له على إنعامه و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

و رحم اللّه تعالى من يقول:

فالبلد الأمين أعني" مكة"* * * أم القرى و قد يقال" بكّة"

أجدر ما يخدم من بلاد* * * لأنها شريفة التلاد

قد اعتنى بها كثير الناس‏* * * من خلفا و من ملوك الناس‏

و كيف لا و من أتاها أمنا* * * و من أقام مخلصا له الهنا

42

خطبة الكتاب‏

بسم اللّه الرّحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين، الرحمن الرحيم، العزيز الحكيم و الحليم الكريم. ربنا و رب السموات و الأرض و رب العرش العظيم، القائل في كتابه المبين: وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ* وَ طُورِ سِينِينَ* وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ‏- يقسم اللّه تعالى عز و جل ببعض الأشياء المخلوقة القيمة، و من ضمنها هذا البلد الأمين، و المراد به مكة المكرمة شرفها اللّه تعالى و أدام أمنها و أمانها و خيرها و رخاءها آمين، لما فيها من بيت اللّه الحرام، و من الآيات البينات و المشاعر العظام.

و الصلاة و السلام المباركان العاطران الدائمان إلى يوم الدين، على شفيع الأمة و نبي الرحمة الذي أرسله اللّه تعالى رحمة للعالمين، سيدنا و نبينا" محمد" خاتم الأنبياء و المرسلين، الذي سعدت الحجاز كلها بوطء أقدامه الشريفة عليها في سهولها و جبالها و براريها، و استأنست دوابها و وحوشها إلى شفقته و إحسانه و مراعاته، و اطمأن أهلها و سكانها إلى لطفه و حلمه و حكمه و عدله و وفائه و دعائه، و استظلوا بظل فضله و كرمه و عظيم أخلاقه، و على آله و أمته و أصحابه الذين اختارهم اللّه تعالى و اصطفاهم من الخلق و زكاهم و طهرهم و رضي عنهم و وفقهم لاتباع الحق.

أما بعد، فيقول مؤلف هذا الكتاب محمد طاهر بن عبد القادر الكردي المكي الخطاط عفا اللّه تعالى عنه و غفر له و لوالديه و للمسلمين آمين- اعلم أن التاريخ علم عظيم الفائدة كبير النفع، يطلع الإنسان على أحوال السابقين، من الأمم و الأفراد المعتبرين، فيقف على حقائق الحوادث و الأمور، و يزداد فهما و علما كلما تأمل فيما بين السطور، و إلى هذا المعنى يشير بعض العلماء بقوله:

و بعد فالتاريخ علم شرفه‏* * * عالية بين الأنام غرفه‏

و فيه ما فيه من المنافع‏* * * حتى لقد قال الإمام الشافعي‏

في خبر قد صح عنه نقله‏* * * من حفظ التاريخ زاد عقله‏

43

و هو كلام ظاهر لا شك في‏* * * صحته و سره غير خفي‏

فالتاريخ هو ترجمان العصور، و لسان الدهور، فالأمة التي لا تاريخ لها لا قيمة لها، و لا شك أن خير أجناس الأمم العرب، و أفضل العرب عرب الحجاز، و أفضل الحجاز الحرمين الشريفين، لأن فيهما و في أطرافهما قريش، فليس على وجه الأرض بلدة مستقلة بدين واحد، إلا مكة و المدينة، فمنهما انتشر الإسلام و إليهما يأرز الإيمان، فمكة محل ميلاد النبي (صلى الله عليه و سلم) و المدينة موضع مثواه، و هما يمتازان على جميع البلدان و الأقطار بما سنذكره إن شاء اللّه، و لا شك أن لهما من التاريخ المجيد ما هو حافل بكل طارف و تليد، و ما من مسلم إلا و هو يفضلهما معترف و عارف، فكم ألّف في تاريخ هاتين البلدتين الطاهرتين من العلماء الأجلاء كتبا و أسفارا، و كم وضعوا في فضلهما و مكانتهما مؤلفات شتى حازت قبولا و إكبارا، من سابق الأعوام و الأزمان، إلى هذا العصر و الأوان.

و لقد كان من أجل نعم اللّه عليّ، و كل نعمائه عظيمة و جليلة، أن وفقني سبحانه و تعالى لتأليف تاريخ قيم ثمين لهذه البلدة الطاهرة مهبط الوحي الأمين، مكة المكرمة شرفها اللّه تعالى و حماها، بعد أن جعلني من أهلها و أدخلني في حماها، و قد سميت هذا التاريخ المبارك" التاريخ القويم لمكة و بيت اللّه الكريم" و قد ابتدأت في تأليف هذا التاريخ من شهر شعبان سنة 1375 خمس و سبعين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة، و هي السنة التي ابتدأوا فيها بتوسعة المسجد الحرام في زماننا هذا و هي التوسعة السعودية.

و من عجيب الأمور و الإشارات، ما كنت أراه في المنام مرارا عديدة، و ذلك قبل تأليفي لهذا التاريخ بأكثر من عشر سنوات، بأني دخلت الكعبة المشرفة، أو طفت بها، أو وقفت أمام نفس حجر مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام أو أنني أنظر إلى ما في الكعبة من كتابات و نقوش، أو أراني أنزل إلى جوفها تحت الأرض، و أحيانا أرى أنني بعد طوافي بالكعبة أرجع إلى ما بين زمزم و المقام أتأمل الكعبة و ما حولها، و ليلة أرى على الكعبة المعظمة كسوة جديدة ظريفة من داخلها و خارجها، و أرى بابها قد جدد بالذهب و الفضة و قد زيد في عرضها كثيرا.

و هكذا كانت رؤياي في مدة السنوات المذكورة عن المسجد الحرام و عن الكعبة المشرفة و المطاف و زمزم و المقام على هيئات مختلفة و صور و أشكال متنوعة، و كنت أتأولها خيرا و آخذ منها الفأل الحسن برضاء اللّه تعالى و توفيقاته المتوالية،

44

و بالفعل فقد وفقني اللّه تعالى لتأليف كتابي المطبوع بمصر المسمى" مقام إبراهيم (عليه السلام)" و ذلك سنة (1367) سبع و ستين و ثلاثمائة و ألف هجرية، و أعتقد أنه هو الكتاب الأول الذي ألف عن المقام الكريم الذي هو أمام الكعبة المعظمة.

و لم يكن يطرأ ببالي قط أنني أشتغل بتأليف تاريخ عن مكة المشرفة و خدمة بيت اللّه المطهر، و إذا هجس بقلبي ذلك كنت أستبعد وقوعه لما في ذلك من المشقة الكبرى و التعب العظيم؛ لأنه ليس من السهل وضع تاريخ مفصل عن هذه البلدة المقدسة الطاهرة العريقة في المجد و الشرف و الخير و البركة.

فلما مضت ثمان سنوات على تأليفي كتاب" مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام" إذا بنا نسمع أن حكومتنا السعودية قد عزمت على توسعة المسجد الحرام بمكة المشرفة، و إذا أنا قد انتخبت رسميا أن أكون عضوا في اللجنة التنفيذية لتوسعة و عمارة المسجد الحرام، فقلت الحمد للّه و على بركة اللّه و لابد أن يكون لي في هذا الأمر شأن يذكر، فلما كان في شهر شعبان (1375) ألف و ثلاثمائة و خمس و سبعين، شرح اللّه تعالى صدري لتأليف تاريخ عظيم من بلد اللّه الأمين (مكة المكرمة) و عن بيته المطهر (الكعبة الغراء) و عن المشاعر العظام و عن طرق الحج و مسالكه، و كلما مر يوم من شعبان ازدادت رغبتي في الاشتغال بوضع التاريخ، و إذا بي أجدني في يوم من الأيام أخذت في أسباب التأليف، و سألت اللّه تعالى العون و الإمداد في هذا العمل المجيد، و توكلت على الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة و لا نوم، فكتبت أول ما كتبت من التاريخ مبحثا عن كسوة الكعبة الداخلية و الخارجية بإسهاب و ترتيب مبتكر، فكنت موفقا و للّه الحمد إلى أقصى حد، و قد أتممت هذا المبحث بعد ثلاثة أشهر و هي: شعبان، و رمضان، و شوال. و لقد سررت جدا بإتمامه كما ينبغي و إن تعبت في ذلك تعبا عظيما لا يعرفه إلا من مارس التأليف، كما قال الشاعر:

لا يعرف الشوق إلا من يكابده‏* * * و لا الصبابة إلا من يعانيها

فالتأليف أمر لا يستهان به، و رب قائل يقول: ما سبب بدئك بالكتابة عن مبحث الكسوة؟ فأقول: ليس له سبب علمي و لا سبب فني و إنما هكذا جاء مبحث الكسوة من ابتداء الأمر فمشيت فيه حتى أتممته، و لقد جرت عادتي في تأليف الكتب، أنني أكتب مباحث الكتاب و فصوله و أبوابه، حتى إذا ما انتهيت منه أرتبها ترتيبا حسنا، فالمؤلف يجب عليه أن يتبع الفتوحات الإلهية، و أن ينتهز

45

فرصة انشراح صدره لأي مسألة من المسائل و أي مبحث من المباحث، و بهذا الترتيب لا يضيع عليه شي‏ء من مسائل الكتاب؛ لأنه حريص على تدوين ما يفتح اللّه به عليه أولا فأولا، و اللّه لا يضيع أجر من أحسن عملا.

و مما يجب أن أقر و أعترف به إيمانا بتوحيد اللّه الحليم العظيم رب العرش العظيم، هو أن تأليفي لهذا الكتاب لم يكن إلا بمحض فضل اللّه تعالى و إرادته لا بحولي و لا بقوتي و لا بإرادتي، فإنه تعالى إذا أراد شيئا هيأ أسبابه، و أعان عباده على الأمور التي أراد إظهارها، تنفيذا لمشيئته الأزلية، و تحقيقا لقضائه و قدره لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

و تحدثا بنعمة اللّه تعالى عليّ أقول: إنني صنت كتابي هذا من كل مسألة ليست لها صحة، و من كل حادثة فيها شك أو ريب، و أنني ابتعدت عن ذكر الأمور الخرافية و الدجل كل البعد، كما أنني التزمت ذكر الحوادث بدون مبالغة و لا تزييف، فإن ذلك مما ينفي الثقة من المؤلف و يذهب من بهاء الكتاب و قيمته، و قد أعانني اللّه على كل ذلك بفضله و منته.

و لقد جعلت في هذا الكتاب من الخرائط و الرسوم و الصور، ما يوضح مبهمات المسائل و الأمور، و يضفي عليه حسن المنظر و الجمال و إنها لجديرة بالعناية و حسن الالتفات، حيث لا يوجد في تاريخ من الصور و الرسوم ما في هذا التاريخ العظيم منها و الحمد للّه على التوفيق.

و لقد وضعت في الكتاب أيضا كثيرا من الاقتراحات التي تتناسب مع بعض المباحث و تتفق مع مكانة هذه البلدة الطاهرة، رجاء العمل بها إن شاء اللّه تعالى.

أما مصادر كتابي هذا، فمتعددة، فقد نقلت من الكتب المعتمدة في شتى العلوم و الفنون، ككتب التفسير، و الحديث، و التاريخ، و الأدب، و غير ذلك، و إذا نقلت شيئا نسبته إلى الكتاب الذي نقلته منه بصريح القول و العبارة، فهذا العمل أفضل و أسلم كما هو عادة العلماء من قديم الزمان. و لم أنس و للّه الحمد وضع ترجمة كل من له تعلق بتاريخ مكة في كتابي هذا، عند ذكر اسمه في المناسبات القوية التاريخية.

فكتابي هذا قد استوعب ما وقفت عليه من تاريخ مكة، فقد جمعت فيه كل المسائل و الأبحاث القيمة المتعلقة بها، ما عدا ذكر الحروب التي وقعت بمكة، شرفها اللّه تعالى و حفظها من الفتن ما ظهر منها و ما بطن، في العصور السابقة إلى‏

46

أن استولى عليها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (رحمه اللّه تعالى) في عصرنا الحاضر سنة (1343 ه) ألف و ثلاثمائة و ثلاث و أربعين، فانتشر الأمن و الأمان فيها و في جميع المملكة، بما لم يكن في سالف الأزمان، و للّه الحمد و الشكر.

و السبب الذي من أجله تركت ذكر حوادث الحروب بمكة، هو أن ذلك يعرضني إلى ذكر مساوئ من سبقني بالإيمان من أموات المسلمين و هم قد قدموا إلى ما عملوا، و قد قال (صلى الله عليه و سلم): «اذكروا محاسن موتاكم و كفوا عن مساوئهم».

و أيضا لابد إذا ذكرت ما وقع بين فلان و فلان أن أقع في غيبتهم، و الغيبة حرام للأحياء و الأموات قال اللّه تعالى: وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً.

ثم إن ذكر الحروب من اختصاص المؤرخين السياسيين، و أنا لا أعرف في السياسة شيئا منذ الصغر، فالحمد للّه الذي عافاني منها لأشتغل بما هو أنفع و أصلح لمثلي، ففي الصحيحين: «كل ميسر لما خلق له». و في المثل: للتين قوم و للجميز أقوام. فالسياسة مطلوبة بل واجبة لكن على طبقة خاصة، و هي طبقة الملوك و الوزراء و الأمراء، الذين بيدهم الحل و العقد، ليوجهوا العباد إلى طريق الخير و السداد، و يجنبوا البلاد ويلات الحروب و الفساد، ففي الصحيحين: «كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته».

إن من ينظر في تاريخ مكة للإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى) و غفر لنا و له و هو يعد أعظم تاريخ مهم لمكة المشرفة في صدر الإسلام، فالإمام الأزرقي توفي إما في أواخر القرن الثاني أو أوائل القرن الثالث للهجرة، إن من ينظر في تاريخه يجده تاريخا مهما محترما محررا في مباحثه، و ما ذكر فيه من قياس أطوال بعض الأماكن مهم جدا كقياس ما بين الكعبة و الصفا أو ما بين الصفا و المروة أو ما بين الكعبة و عرفات، و غير ذلك من الأماكن و المشاعر العظام، و كل ذلك مبين بالأذرع بيانا تاما وافيا، و لا ندري كيف تمكن الإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى) و أثابه على أعماله العظيمة من تحرير كل ذلك، و الذي نعتقده أن جميع أهل هذه البلدة الطاهرة من أميرها و علمائها و أفرادها العوام و الخواص كانوا يقومون بخدمته و يساعدونه في جميع ما يطلب.

هذا و قد تحملنا الكثير من التعب و المشاق في إبراز هذا التاريخ و نرجو من اللّه الكبير أعظم المساعدة و المعونة، فالحمد للّه رب العالمين حمدا يليق بجلاله و عظمته.

47

و ختام القول: أنني أحمد اللّه عز و جل على توفيقاته المتوالية، و نعمائه المتتالية، و توجيه قلبي للاشتغال بالعلوم النافعة مع ما أنا عليه من الغفلة، و التقصير في طاعة اللّه الملك الديان.

و اللّه أسأل و هو أكرم مسؤول، أن لا يحرمني من الأجر و الثواب، فيما تركته بعدي من التآليف النافعة و بالأخص كتابتي لمصحف مكة المكرمة الذي اشتهر و عم في الآفاق، تحقيقا لقول نبيه و رسوله محمد (صلى الله عليه و سلم) المروي في صحيح مسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

كما أسأله سبحانه و تعالى أن يجعل لي في الدارين اسما طاهرا، و ذكرا مباركا حسنا، و عملا متقبلا، فالإنسان تاريخ نفسه، فإنه يموت و يفنى و يبقى ذكره و آثاره، و قصصه و أخباره، و ما أحلى قول الشاعر:

إن المآثر في الورى ذرية* * * يفنى مؤثرها و يبقى ذكرها

فترى الكريم كشمعة من عنبر* * * ضاءت فإن طفئت تضوّع نشرها

إملأ الدنيا بما تستطيع من‏* * * عمل يبقى إذا العمر ذهب‏

إنما الأعمال تاريخ الفتى‏* * * تقرأ الأجيال فيه ما كتب‏

و قول الآخر:

ما تنسج الأيدي يبيد و إنما* * * يبقى لنا ما تنسج الأقلام‏

و قال بعضهم:

ليس للإنسان إلا ما سعى‏* * * و جزاء المرء من جنس العمل‏

و إني بحمد اللّه تعالى قد اشتغلت بالتأليف في مختلف العلوم و الفنون، منذ أربعين سنة حتى بلغت مؤلفاتي نحو أربعين كتابا أجلّها و أعظمها كتابتي لمصحف مكة المكرمة و هو مطبوع منتشر، و تاريخ القرآن و غرائب رسمه و حكمه و هو مطبوع أيضا، و التفسير المكي و سيطبع قريبا إن شاء اللّه تعالى، و غير ذلك من المؤلفات التي سنبينها في آخر هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى، و إنه ليحق لي أن أتمثل بقول الشاعر:

صرفت زمانا في فنون جمعتها* * * و أفرغت جهدي و الجنون فنون‏

فلما تجلى الأمر و انكشف الغطا* * * تبين لي أن الفنون جنون‏

48

هذا و قد اعتنى كثير من العلماء الفضلاء بوضع تاريخ لمكة المكرمة منذ العصور الأولى إلى زماننا هذا كالشيخ سلامة و الشيخ الغازي و الأستاذ أحمد السباعي، و من المتقدمين الإمام الأزرقي و الإمام الفاكهي و العلامة الفاسي و العلامة القطبي و غيرهم رحمهم اللّه تعالى جميعا، كما سنذكر أسماء المؤلفات بعد هذه الخطبة، فالحمد للّه الذي ألحقني بهم و وفقني لخدمة هذه البلاد المقدسة، و إلى هذا نشير بقولنا:

فالبلد الأمين أعني" مكة"* * * أم القرى و قد يقال" بكّة"

أجدر ما يخدم من بلاد* * * لأنها شريفة التلاد

قد اعتنى بها كثير الناس‏* * * من خلفا و من ملوك الناس‏

و كيف لا و من أتاها أمنا* * * و من أقام مخلصا له الهنا

و لقد سافرت إلى مصر من مكة المشرفة مرارا عديدة، و تسجيلا لإحدى هذه الزيارات لمصر أضع صورتي المأخوذة هناك عام 1367 ه للذكرى و الاعتبار و طلبا لدعاء إخواني المسلمين بالمغفرة و الرحمة في الحياة و بعد الممات و هي هنا تحت صورة والدي.

هذا و إن من الواجب على الإنسان أن يشكر من أسدى إليه معروفا و أن يكافئه و يدعو له بخير، و أولى الناس بالشكر و الدعاء أب الإنسان و أمه، كما قال تعالى في كتابه العزيز في سورة لقمان: وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى‏ وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ و قال عز شأنه في سورة الإسراء عن الوالدين و معاملتهما بالإحسان: وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً.

فإني لا أنسى والديّ من الدعاء بالمغفرة و الرحمة في كل وقت، أما والدتي التي توفيت في أوائل عام (1334) هجرية و دفنت بمكة بمقبرة المعلا و أنا دون البلوغ، فإني لا أنسى حنانها و محبتها و بالغ خدمتها و رعايتها، فقد كانت من الصالحات و فضليات النساء حقا. و أما والدي الشيخ عبد القادر الكردي الذي توفي في اليوم التاسع من شهر رجب عام (1365) هجرية و دفن بالطائف بالمقبرة التي بجوار مسجد ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، و قد بلغ التسعين عاما و كان صالحا في غاية الاستقامة، فإني لا أنسى حسن تربيته و رعايته و عظيم عنايته بتعليمي، فلقد أدخلني (رحمه اللّه تعالى) مدرسة الفلاح بمكة المشرفة منذ نعومة

49

أظفاري، فلما تخرجت منها أخذني بنفسه في أول سنة (1340) ألف و ثلاثمائة و أربعين هجرية إلى مصر و أدخلني الأزهر الشريف لأتعلم العلم فيه، ثم تركني و رجع إلى مكة المكرمة بعد شهرين- فهناك تعلمت العلم و المعرفة و تربيت بين الرجال البارزين في العلم و الصلاح- و إليك صورة و الدي أضعها هنا تخليدا لذكره و تسجيلا لأياديه البيضاء عليّ- و إني لا أنسى و الدي و لا و الدتي من الدعاء عقب الصلوات في كل يوم، اللهم ارحمهما رحمة الأبرار، و ألحقني بهما على الإيمان الكامل بطهارة و نظافة و راحة تامة، و اجعل موتي في بلدك الأمين في أشرف الأوقات و أشرف الساعات آمين يا رب العالمين. و صلى اللّه و سلم على النبي الأمين و على آله و صحبه أجمعين.

انظر: صورة رقم 1، الشيخ عبد القادر الكردي المتوفي سنة 1265 ه

انظر: صورة رقم 2، لمؤلف الكتاب الشيخ محمد طاهر كردي الخطاط

و نختم كلامنا هذا بالدعاء الآتي: نسأل اللّه الحليم العظيم رب العرش العظيم أن يتقبل منا صالح الأعمال، و أن يعاملنا بما هو أهله من الرحمة و الإحسان و العفو و الغفران، و أن يحشرنا في زمرة النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا، اللهم يا حليم يا عظيم يا رب العرش العظيم، أمتعني بسمعي و بصري و عقلي و قوتي و احفظ عليّ إيماني و عقيدتي، و احفظني في أهلي و أولادي، و استرنا في الدارين بسترك الجميل، و ارزقنا رزقا حلالا واسعا مع التوفيق في الإنفاق منه بدون طغيان و لا عصيان، و لا تشمت بنا الأعداء، و توفني مسلما و أنت عني راض براحة تامة و طهارة و نظافة، و تلقّني يوم ألقاك بالعفو و الغفران، و الرحمة و الإحسان فأنت العزيز الحكيم و الكريم الرحيم، و أنت على كل شي‏ء قدير. اللهم صل على نبيك و عبدك و صفوتك من خلقك، نبي الرحمة و شفيع الأمة سيدنا و مولانا" محمد" و على آله و أصحابه و أزواجه و ذريته، و سلم تسليما كثيرا، و الحمد للّه رب العالمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، و سلام على المرسلين. و الحمد للّه رب العالمين.

كتبه مؤلف هذا الكتاب محمد طاهر بن عبد القادر الكردي المكي الخطاط عفا اللّه عنه و غفر له و لوالديه و للمسلمين آمين‏

50

بعض أسماء الكتب التي ألفت في تاريخ مكة المشرفة و وقفنا عليها و ربما هناك غيرها في بعض البلدان لم نطلع عليها

عدد/ اسم الكتاب/ اسم المؤلف 1 و 2/ تاريخ الكعبة المعظمة، و تاريخ عمارة المسجد الحرام. و مؤلفهما من أهل عصرنا، و هذان الكتابان مطبوعان./ كلاهما للشيخ حسين عبد اللّه باسلامة

3/ إفادة الأنام بذكر أخبار بلد اللّه الحرام، و هو غير مطبوع./ للشيخ عبد اللّه الغازي‏

4/ تاريخ مكة، و هو كتاب مطبوع./ للأستاذ أحمد السباعي‏

5/ التاريخ القويم لمكة و بيت اللّه الكريم، و هو هذا الكتاب.

قدمنا هذه المؤلفات لأن مؤلفيها كانوا في عصر واحد./ للشيخ محمد طاهر الكردي المكي الخطاط

6/ أخبار مكة و ما جاء فيها من الآثار و هو كتاب مطبوع و مؤلفه من أهل القرن الثاني أو الثالث./ للإمام أبي الوليد محمد بن عبد اللّه الأزرقي‏

7/ شفاء الغرام بأخبار بلد اللّه الحرام، و هو كتاب مطبوع./ للعلامة تقي الدين الفاسي‏

8/ الجامع اللطيف في فضل مكة و أهلها و بناء البيت الشريف./ للعلامة ابن ظهيرة القرشي‏

9/ كتاب الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام و هو (التاريخ القطبي) و هو كتاب مطبوع./ للعلامة قطب الدين الحنفي‏

10/ مرآة الحرمين، و هو كتاب/ لإبراهيم رفعت باشا المصري‏