التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج2

- محمد طاهر الكردي المزيد...
605 /
3

[الجزء الثانى‏]

التّاريخ القويم لمكّة و بيت اللّه الكريم‏ تأليف محمد طاهر الكردي المكّي الجزء الثانى طبع على نفقة معالي الدّكتور/ عبد الملك بن وهيش‏

4

بسم الله الرحمن الرحيم‏

5

مكة في عهد إبراهيم عليه الصلاة و السلام‏

إذا نظرنا إلى الوراء إلى أربعة آلاف سنة بل أكثر من ذلك، وجدنا أن مكة، شرفها اللّه تعالى و أدام خيرها و رخاءها، كانت في عهد خليل اللّه إبراهيم عليه أفضل الصلاة و التسليم بل و قبل عهده في شكل غير هذا الشكل اليوم، و في صورة غير هذه الصورة التي نراها في عهدنا، بل كانت غيرها أيضا في صدر الإسلام في عهد الصحابة (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين).

إذا سبحنا في عالم الأفكار، و تخلينا الدهور الماضية، و تأملنا في غابر الأزمان السحيقة، وجدنا أن مكة المكرمة كانت مليئة بأشجار الشوك و السلم، ليس فيها خضرة و لا ماء، و لا حيوان و لا نبات، و لا إنس و لا جن، و أنها كانت الجبال فيها عالية شامخة، فلقد كانت الجبال في ذلك العهد السحيق عالية مرتفعة ضعف ما عليها اليوم، فلقد ارتفعت الأرض بجميع جهات مكة عما كانت عليه في ذلك العهد البعيد، و ذلك بسبب طمر الأرض و سفوح الجبال بما تأتي به السيول من الأحجار و التراب و ما تنزلها الأمطار من الأحجار و الصخور و الأتربة من فوق الجبال فتتد حرج كلها على وجه الأرض و سفوح الجبال، و بما يردمه الناس من الحفر و الدمار و الحجارات فيضعون كل ذلك على الأرض و سفوح الجبال، و من هنا ظهرت جبال مكة قصيرة عما كانت عليه في زمن الخليل إبراهيم عليه الصلاة و التسليم، و لقد وقفنا في عصرنا الحاضر على هدميات المسجد الحرام من جهة جبل قعيقعان أي من جهة الشامية فوجدنا أن الأرض في هذه الجهة قد ارتفعت عن أرض المسجد الحرام بأكثر من عشرين مترا- هذا و أن طرقات مكة في ذلك العهد البعيد كانت مليئة بالصخور و الأحجار و الرمال و الحصى تتخللها أشجار الشوك و العضاة، أرض قفرة فقرة، نظيفة طاهرة، ليس فيها شي‏ء من القاذورات و النجاسات أبدا، لأنها لم تكن مسكونة بالإنسان و الحيوان- و لم تكن أرض مكة سهلة مستوية بل كانت منخفضة منعرجة لو مشى إنسان عليها لتعب من كثرة المرتفعات و المنخفضات و ما يعترضه من الصخور و الأحجار.

فأول بدء الإصلاح فيها كان في عهد خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة و السلام، منذ أن أسكن بمكة ابنه إسماعيل و أمه هاجر عليهم الصلاة و السلام، و منذ أن قدم عليهما نفر من قبيلة جرهم.

6

ثم زاد الإصلاح فيها نوعا ما منذ أن بنى خليل اللّه إبراهيم و ابنه إسماعيل عليهما الصلاة و السلام بيت اللّه الحرام، فلقد استوطن مكة قبيلة جرهم، و انتشر الإسلام و تناسلوا فتكاثروا، و عرف الناس طريق مكة من الشام و اليمن، و صار سكانها أكثر من قبل، و كلما كثر السكان و المقيمون بها كثرت بيوتهم و منازلهم، و صاروا يمهدون الطرقات و يصلحونها، و يرفعون ما فيها من الأذى من الشوك و الأحجار. ثم ما زال الناس يتكاثرون بمكة من ذلك العهد إلى أول ظهور الإسلام، و بالضرورة كلما تكاثروا فيها كلما ازدادت أيدي العمران و الإصلاح.

فلما ظهر الإسلام كانت مكة المشرفة أحسن من العصور السابقة بكثير، لكن ما زالت أرضها فيها المرتفعات و المنخفضات، و فيها أشجار الشوك و السلم و العضاة مما لا يؤكل منها شي‏ء، إذ ليست من ذوات الفواكه و الخضار، ثم ازداد سكان مكة بانتشار الإسلام في جميع البلدان و الأقطار منذ صدر الإسلام إلى نحو ألف سنة، فازدهرت مكة بمختلف السكان من المسلمين، ازدهرت و أينعت بإقامة المسلمين فيها من جميع الأقطار، و حضورهم فيها في مواسم الحج في كل عام من كل فج عميق، لكنها بقيت فيها بعض الآثار القديمة من المنعرجات و المنخفضات، و أشجار الشوك و السلم التي كانت تعترض الحجاج في طريق الحج من مكة إلى عرفات.

ثم من بعد سنة (1300) ألف و ثلاثمائة هجرية كثر الإصلاح و التعمير فيها باستمرار، خصوصا في زماننا هذا، و نحن في سنة (1385) ألف و ثلاثمائة و خمس و ثمانين هجرية، فلقد باشروا في الإصلاح و التعمير و ردم المنخفضات و تكسير الصخور و رفع الأحجار، و سفلتة الشوارع و الطرقات، و قطع ما بقي من أشجار الشوك و السلم، حتى صارت مكة شرفها اللّه تعالى كأنها عروس البلدان كما هو مشاهد في زماننا هذا بدون مبالغة في القول فسبحان مغير الأحوال و مدبر الكائنات، لا إله إلا هو العزيز الغفار.

مكة في الجاهلية و الإسلام‏

يقول صديقنا الفاضل الأستاذ أحمد السباعي مؤرخ مكة و أديبها أمد اللّه في حياته، عن نشأة مكة في أول كتابه المطبوع" تاريخ مكة" ما يأتي:

7

تقع مكة على 21 درجة و نصف درجة تقريبا عرضا شماليا، و على نحو 40 درجة طولا ترتفع عن سطح البحر بنحو 280 مترا.

و تقع في واد تحيط به الجبال و تنحدر سيولها فيه، و اذا عصفت الرياح في مرتفعات الجبال اندفعت إلى بطن الوادي فيما يشبه الدوامات، و تعذر تعيين ملتقى الرياح إلا في بعض الحالات.

وجوها حار جاف، تختلف حرارته بين 18 درجة في شهور الشتاء و 30 درجة في شهور الصيف و قد ترتفع الحرارة في بعض السنوات إلى 39 درجة.

و قد سماها القرآن مكة كما سماها بكة و أم القرى و البلد الأمين.

و يذكر بعض علماء الإسلام أنها سميت مكة لقلة مائها. و هم يقولون: متك الفصيل ضرع أمه إذا امتصه، و يقول بعضهم سميت مكة لأنها تمك الذنوب أي تذهب بها، أو لأنها تمك الفاجر أي تخرجه منها، كما قيل أنها سميت بكة لأن الناس فيها يبك بعضهم بعضا أي يدفع.

و ينقل مؤرخو الفرنجة أن بطليموس ذكر اسمها (مكوربا) و هو مشتق من الاسم السبئي مكورابا و معناه مقدس أو حرم. و قد عرفت مكة من أحقاب طويلة ممعنة في القدم قبل عهد إبراهيم، فقد كانت الكعبة مثابة للناس قبل بناء إبراهيم، كما تروي مصادر إسلامية كثيرة.

و لا نشك أنها كجزء من بلاد العرب استقبلت هجرات سابقة، تعدد فيها أنواع المهاجرين من أجناس البشر تعدادا لا نستطيع تعيينه، لأن المصادر التي توسعت في ذلك لا يمكن التسليم بما كتبت تسليما قاطعا، لأن أكثر كتابها عاشوا في العصر الإسلامي الأول، متأخرين عن ذلك العهد بأحقاب طويلة المدى، و لم يكن لديهم من المصادر إلا المنقول عن تشويش و اضطراب.

أما التاريخ الذي أنتجته دراسة الآثار و أسفرت عنه كتابات الجيولجيين فقد أطال في بحوثه لا عن مكة وحدها بل عن جزيرة العرب قاطبة، و كان مما ذكره أن صحاريها القفراء كانت في عهد من عهود التاريخ المجهولة مروجا خضراء آهلة بالسكان، لأن غيوم الرياح الغربية الشمالية كانت تصل إلى الجزيرة قبل أن تفقد رطوبتها، فتنهال الأمطار على قممها العالية و تجري في و ديانها أنهارا، و تروي‏

8

أراضيها و تسقي مروجها- و لعل في عمق الوديان التي نشاهدها اليوم ما يشير إلى شي‏ء من حقيقة هذا الرأي.

و هم يذكرون أن عوامل الجفاف الطبيعي ما لبثت أن حالت بالتدريج على مر الأحقاب، دون وصول هذه الغيوم رطبة فحرمت الجزيرة من أنهار جارية.

و لا أستبعد هذا لأن المشاهد أن سورة الجفاف في عهودنا الحاضرة اشتدت و طأتها عن عهود سلفت، فاختفت واحات كثيرة كانت معروفة في عهد الجاهلي و صدر الإسلام، منها واحة (فدك) المشهورة في عهد النبي (صلى الله عليه و سلم)، كما اختفى كثير من المناطق الخصبة التي كان يزرعها اليهود في المدينة، و ثقيف في الطائف، و قريش حول مكة، و نضب كثير من العيون و الآبار، و قلّ شأن السيول التي كان يفيض بها عقيق المدينة و الطائف و وادي إبراهيم في مكة.

و المعمرون في مكة و كثير من مدن الجزيرة يعلمون أن منسوب المياه و مساحة المناطق الخصبة كانت إلى قرن سابق أحسن منها اليوم، و أن بساتين مكة في أطرافها و ضواحيها كانت منتشرة إلى مسافات بعيدة مما لم يبق له أثر نتيجة اطراد الجفاف، و يرى بعض الجيولجيين أن الجفاف سيضطرد أمره في الجزيرة على مر العصور، و أن نسلنا سيعاني منه أكثر مما نعاني إلا في المناطق الجنوبية القريبة من المحيط الهندي.

و سواء صح نقل المؤرخين الإسلاميين في شأن من هبط مكة قبل عهد إبراهيم أو لم يصح، و سواء ثبت استنتاج الجيولجيون عن خصوبة هذه الأرض في عهود مجهولة من التاريخ أو لم يثبت، فإن مما لا مجال للشك فيه أنه يصح اعتماد هجرة إسماعيل بن إبراهيم (عليه السلام) إلى مكة مبدأ واضحا لتاريخ مكة، لان أهم ملابساتها و ظروف دقائقها وردت واضحة في القرآن، و لسنا نعني أن جميع التفاصيل التي ذكرها المؤرخون أنها لازمت هذه الهجرة أو أعقبتها، كانت من الوضوح و الصحة بحيث لا يتسرب إلينا شك فيها و لكنها منقولة و حسب، كما أن بعضها أشار إليه الحديث الشريف و استكملت البعض الآخر روايات أهل الكتاب، و قد بذل المؤرخون الذين جاءوا متأخرين في تصفية ما انتهى إليهم فكان بعضهم دقيقا ما أمكنته الدقة، كما أن بعضهم لم يتحرج في إيراد ما صادفه من حشو و لغو.

9

و إذا فسنبدأ كتابنا من عهد إسماعيل محاولين أن نعتمد من المصادر ما كان أقرب إلى الثقة و لا نصنع جديدا فكل ما كتبه التاريخ عن البلاد القديمة لا يمكن أن يكون أكثر من محاولات. انتهى من الكتاب المذكور.

مكة في عهد قريش‏

ثم يقول صديقنا الأستاذ السباعي في أوائل كتابه المذكور بعد ما تقدم عن النواحي العامة بمكة في عهد قريش ما يأتي:

" الناحية العمرانية": كنا في حديثنا عن جرهم و قطورا أشرنا إلى أن العمران في مكة لم يزد عن مضارب من الشعر، كانت تتلاصق أو تتباعد في حواشي الوادي و بين ليات جباله و ما أطل العهد الذي ندرسه" عهد حكومة قريش" حتى كانت المضارب من الشعر قد حلت محلها البيوت مرصوصة بالحجر أو مبنية بالطين و الحجر فيما يحاذي المسجد أو بالطين الني‏ء وحده على حوافي الأباطح في أعلى مكة أو على شواطئ المسيل في أسفلها.

بناء البيوت و تبويبها:

و كان سعد بن عمر السهمي أول من بنى بيتا بمكة و قد قيل فيه:

و أول من بوأ بمكة بيته‏* * * و سور فيها مسكنا بأثافي‏

و كانوا يبنونها بحيث لا تستوي على سقوف مربعة كما نفعل اليوم، و أول من بنى بيتا مربعا حميد بن زهير، و استهولت قريش عاقبة التربيع في هندسة البيت. فقالت:" ربع حميد بيتا إما حياة و إما موتا"، و أول من بوب في مكة (حاطب بن أبي بلتعة). و كانوا يجعلون بين يديها العرصات ينزل الحجاج فيها و المعتمرون.

و لما شرعت بعض الدور تصنع لها أبوابا كانو يقصرون ذلك على بعض غرفها و يتركون مداخلها شارعة على عرصاتها دون أبواب. و قد قيل إن هند بنت سهيل عند ما استأذنت عمر بن الخطاب في أن تجعل على دارها بابين أبى و قال لها: إنما تريدون أن تغلقوا دوركم دون الحجاج و المعتمرين، قالت: و اللّه ما أريد إلا أن أحفظ على الحجاج متاعهم فأغقلها عليهم من اللصوص، فأذن لها فبوبتها.

10

و يقول أيضا عن منازل القبائل في مكة: و يستطيع الباحث أن يستنتج أن العمران في مكة في عهدنا الذي ندرسه نشط نشاطا طيبا، فبعد أن تركنا المضارب تتباعد على حوافي وادي إبراهيم من أعلى مكة إلى أسفلها ثم تعرج في ناحية منها إلى مداخل الشامية اليوم نحو قعيقعان، نجدها الآن و قد اتصلت و تكاثفت و اتخذت كل قبيلة منزلها من الوادي و شعابه، و لم يزحف عمرانهم إلى مرتفعات الجبال و أكتافها كما نفعل اليوم بل ظل مستويا باستواء سطح الوادي.

فقد ذكروا أن قصيا خط للكعبة ساحة توازي صحن المسجد اليوم، و أباح للناس أن يبنوا دون ذلك حول مدارها من الجهات الأربع، و كانوا لا يبيحون لأنفسهم قبل قصي السكنى أو المبيت بجوار الكعبة، ثم أمرهم أن يجعلوا بين بيوتهم مسالك يفضون منها إلى ساحة الكعبة، و أهم هذه الطرق طريق شيبة و هو في مكان باب بني شيبة اليوم، و لم يبوب ساحة الكعبة أو يسورها، كما أمر بأن لا يرفعوا بيوتهم عن الكعبة لتظل مشرفة عليها، و كانوا يتخذون مجالسهم العامة في أفيائها، كما بنى دار الندوة لاجتماعاتهم الخاصة.

و في استطاعتنا أن نرسم خطوطا تقريبية لخريطة مكة نبين فيها باختصار مواقع البطون في مكة يومها، و سير العمران بين شعابها، اعتمادا على ما ذكره الأزرقي في تخطيطه مواقع القبائل في كتابه أخبار مكة.

و لتوضيح ذلك في الأذهان نستطيع أن نجعل من باب بني شيبة نقطة ابتداء لتخطيطاتهم، فقد كان موضع ارتكاز الحركة العمرانية في أم القرى، كما كان اهم مداخل المسجد الحرام، و كانت البيوت تتكاثف حوله متجهة في الشرق إلى (حصوة) باب علي، و في الشمال قليلا إلى (حصوة) باب السلام تنزلها بطون من غساسنة الشام و بعض السفيانيين و تتخللها متاجر للعطارين، فإذا مضى بنا الخط مستقيما إلى جهة باب النبي، و اجهنا بيت العباس و دار جبير بن مطعم و دورا لبني عامر بن لؤي، و استقام أمامنا زقاق أصحاب الشيرق، و هو إلى جانب زقاق الحجر حيث تقوم دار لابن علقمة و دور أخرى لآل عدي من ثقيف.

فإذا نفذنا من ذلك إلى شارعنا العام في القشاشية متوجهين إلى أعلى مكة، استقام أمامنا سوق كانوا يسمونه سوق الفاكهة ثم سوق الرطب، ثم رباع كانت لبعض بني عامر، و عند سوق الليل تصافحنا الدار التي كانوا يسمونها دار مال اللّه و كانوا ينفقون فيها على المرضى و يطعمونهم. و بالقرب من الدار يلتوي‏

11

شعب ابن يوسف و هو ما نسميه اليوم شعب علي و فيه دور عبد المطلب بن هاشم و دور أخرى لأبي طالب و أخرى للعباس بن عبد المطلب.

و إذا عدنا إلى استقامتنا في شارعنا العام، يصافحنا دار العاص في فوهة بني عامر، ثم يلتوي شعب بني عامر في دروب متعددة تقوم عليها دور لبني بكر و أخرى لبني عبد المطلب بن عبد مناف، و نستقيم مرة أخرى في شارعنا العام فيواجهنا ردم آل عبد اللّه، و كانوا يعارضون به مجرى السيل و يسمونه الردم الأدنى و عنده يقف الحمارون.

و نمضي قليلا إلى المعلاة لنجد الجزارين عن يميننا في شعب أبي دب، ثم مكان المقابر، ثم بعض بساتين ننتهي منها إلى شعبة الجن، ثم ثنية الحجون، ثم بساتين أخرى نصل بعدها إلى شعب الصفا، و هو ما نسميه اليوم المعابدة و فيه دور لبني كنانة و آل عتبة بن أبي معيط، و دور لربيعة من بني عبد شمس.

و إذا بدأنا خطا آخر من باب بني شيبة متوجهين إلى الشمال الشرقي في المسعى صادفتنا دور لبني عدي قائمة بين باب بني شيبة و رواق باب السلام، و في المسعى يتوجه درب إلى يميننا كانوا يسمونه الخزامية، كان فيه مكان للبانين و فيه سقيفة و دار الحكم بن خزام و دور يتخللها عرصات لبني سهم، و يمضي بنا الدرب إلى بيت خديجة حتى يخرج إلى مكان المدعى اليوم.

و إلى يسارنا و نحن في المسعى طريق الساعين إلى المروة، و في المروة دور لآل عتبة ابن فرقد و دار كبيرة لآل ياسر في واجهتها الحجامون و الحلاقون، و إذا مضينا في المسعى مصعدين في طريق المدعى، انتهينا إلى رحبة واسعة كانت تحط فيها عير الحنطة و السمن و العسل و الحبوب لتباع فيها، و هي ما نسميها اليوم المحناطة و فيها دور لبني عبد شمس و دور أبي سفيان و هي في مكان (القبان) اليوم. و قد أشار النبي إليها عندما قال يوم الفتح:" من دخل دار أبي سفيان كان آمنا"، ثم دور لأولاد العباس تصل إلى قريب من المدعى، ثم دور لأولاد الحارث؛ ثم طريق إلى يسارنا يمضي إلى جبل الديلم و هو يشرف على القرارة اليوم، ثم نمضي في استقامتنا إلى طريق المعلاة لنمر على دور لبني غزوان و أخرى لأولاد الحارث بن عبد المطلب و نبدأ خطا ثالثا من باب بني شيبة متوجهين غربا إلى دار الندوة، لنجد أن البيوت تتكاثف إلى جانبها فدار لشيبة بن عثمان، و دار لخزانة الكعبة، و دار لصاحب البريد، و دار لبيت المال، و دار للخطاب بن نفيل، ثم نصعد شمالا إلى‏

12

جهة الرواق الذي فيه باب الزيادة إلى باب الدريبة، فتصادفنا دور لبني خزاعة بينها زقاق الحذائيين، نسلك منها إلى سويقة ثم ننعطف منه إلى المروة و من جهة أخرى دور لآل زرارة من تميم، ثم يمضي بنا الشعب إلى قعيقعان في مداخل ما نسميه الشامية اليوم، فإذا توجهت إلى يمينك توجه بك درب إلى ناحية الديلم بالقرب من القرارة اليوم، ثم تصعد إذا شئت على تلال في مكان الفلق كانوا يصعدونها لينزلوا منها إلى مكان سوق المعلاة اليوم، و لم يفلق هذا الطرق إلا الزبير بن العوام في عصره، و سنعرف فيما بعد أنه فلقه ليتصل الطريق بين بساتينه بجوار المعلاة اليوم و بيوته التي اشتراها بجوار سويقة.

و إذا أردنا أن ننتقل من شق مكة الأعلى إلى شقها الأسفل، تعين علينا أن نجعل نقطة ابتداء تخطيطنا ما نسميه اليوم مقام الحنبلي في المسجد، متوجهين إلى الشرق ثم إلى الجنوب الشرقي ثم إلى الجنوب. كانت منازل بني عائذ تبتدئ من مقام الحنبلي ممتدة غربا إلى ما يحاذي بئر زمزم، ثم تصعد في الشرق نحو باب علي و كانت دور بعض كبارهم شارعة على مكان المسعى، على يسار القادم من الصفا يريد المروة أي فيما يحاذي باب علي اليوم تقريبا.

و كانت منازل عدي بن كعب تبتدئ من نحو مقام الحنبلي متوجهة إلى الصفا من ناحية، و إلى أجياد من ناحية أخرى قبل أن ينقلوا إلى أسفل مكة.

و في الطريق الذي يبدأ من باب الصفا متوجها جنوبا إلى باب أجياد كانت سقيفة لبني عائذة و سوق" البزازين"،" القماشين" و بالقرب من ذلك كان البيت الذي اتخذه النبي (صلى الله عليه و سلم) لتجارته قبل البعثة مع شريكه السائب بن السائب.

فإذا انتهيت إلى باب أجياد و وقفت حيث تكون القبلة في ظهرك و مداخل أجياد في وجهك، امتد أمامك شعبان أحدهما على يمينك إلى ما نسميه اليوم بئر بليلة و كانوا يسمونه أجياد الكبير، و امتد الشعب الثاني على يسارك إلى ما نسميه اليوم السد و كانوا يسمونه أجياد الصغير، و لست أعني بالامتداد ما يتبادر إلى ذهنك من نفاذ الجادة و استقامتها بامتداد الشعوب. فقد كان العمران يتخلل الجادة و يعرقل استقامتها.

و كان بنو تميم ينزلون حوالي باب أجياد، و تمتد بيوتهم من جهة الغرب إلى قبيل حدود المسجد يومها و هو حدود صحن الكعبة اليوم، و كان بنو مخزوم ينزلون في فوهة أجياد الكبير مكان الحميدية اليوم، و كان جماعة من الأزد ينزلون‏

13

خلف ذلك مما يتصل بمكان الصحة العامة، و خلفها كان منزل أبي جهل بن هشام لا يبعد عن ذلك كثيرا، و في أجياد الصغير إلى الجادة المتصلة بالسد كانت منازل لآل عدي بن عبد شمس، و في أجياد مكان للحواتين و دار لعبد اللّه بن جدعان التي كان فيها حلف الفضول، و التي تعاقدت فيها القبائل متفقة بأن لا يقر في مكة ظالم، و فيها دور لآل سلمة بن هشام، و فيها بئر يجمع بين أجيادين احتفرها آل سلمة مع جماعة من جيرانهم و كان يردها السكان في فوهة بأجيادين، و أكاد أعتقد أنها البئر الموجودة اليوم أمام بازان أجياد لأنها تجمع بين طرفي أجيادين.

و إذ تركت أجيادين ماضيا في الشارع العام إلى الجنوب نحو المسفلة بدأت بسوق الحزورة بجوار باب الوداع، و رأيت الدروب تمضي على يمينك إلى قرب المسجد عند حدود المطاف و من أشهرها درب الحناطين، و لا أعرف وجها لهذه التسمية إلا أن يكون سوقا للحنطة، ففي اللغة أن الحانط هو كثير الحنطة و لا أستبعد مثل هذا التعليل، و أنا أعرف أن موقع هذا الدرب صالح لبيع منتوجات الجنوب من الحنطة في مكة، و في هذه الجهة كانت تنزل بطن من آل صيفي، و فيها دور لآل عبد الدار و أخرى لجماعة من بني مخزوم و إذا مضيت متجها في سوق الصغير كنت بجوار دور لبني أسد ابن عبد العزى.

و أحسبني لا أطمع في أن أعرف القبائل النازلة في الشبيكة أو حارة الباب أو جرول، لأنها كانت قليلة السكان إلا في جهات قليلة من جرول الخضراء، و هي الجزء الأدنى المتصل بأطراف المسفلة من ناحيته الخلفية، و إذا كانت الشبيكة قد سكنت في عهدنا الذي ندرسه بجماعة لم أتبين أسماءهم في بطون المطولات من كتب التاريخ، فلا أعتقد أنها حظيت بشي‏ء من التكاثف الذي حظيت به المنازل الأخرى.

و قد نعثر على بعض المنازل في سفح ذي أعاصير، و لعلنا نستنتج من قرائن الأحوال أن ذا أعاصير هو جبل عمر، و لكننا لا نستطيع أن نعتقد أن هذا الجزء حفل بالمنازل إلا في أعوام متأخرة عن هذا العهد، لأن النزلة سميت باسم عمر بن الخطاب، و لو كانت لبطن أو قبيلة لأطلق عليها في الغالب اسم نازلها قبل عمر بن الخطاب.

كما أننا لم نعثر إلى جانب ذلك على شي‏ء يسير من العمران في الثنية التي نهبط من خلفها إلى جرول، و كانوا يسمونها الحزنة و هي ضد السهلة و نسميها

14

اليوم الحفائر، و لم تكن الحفائر قد فلقت يومها لتخترم الطريق من الشبيكة إلى جرول الخلفية، لأن الذي حفرها و سهلها للمشاة هو خالد البرمكي في عهد بني العباس ليجعلها تختصر الطريق إلى بستان له بناه فيما بعد في جرول الخلفية، أو جرول الخضراء كما يسمونها.

و إذا تركنا هذا و مضينا في طريقنا في ظل أعاصير أي جبل عمر نحو الهجلة، صادفتنا الحتمة و هي صخرات لابد أنها كانت سوداوات لأن الحتمة في اللغة هي السواد، و عند هذه الصخرات كانت دار الأزلام و منها يبدأ مبطح السيل أسفل مكة.

و لعلنا إلى هذا الحد استطعنا أن نرسم خطوطا تقريبية لمكة الجاهلية، و لا يفوتنا في أذيال هذا البحث أن نشير إلى الضواحي التي كان يحلو للمكيين أن ينتجعوها في الأصائل من شهور القيظ، و هي عادة نرى أثرها إلى اليوم في المتنزهين من أبناء مكة في أطراف الضواحي، و كأنما هم يمثلون بذلك عادة عرفها أجدادهم من نحو" 1500" سنة تقريبا.

و من أشهر المنتزهات في مكة الجاهلية الليط- و الليط في رأي بعض المؤرخين هو أسفل مكة فيما يقرب من بركة ماجن منتزهنا اليوم، و يقول الأستاذ رشدي الصالح في حاشيته على تاريخ الأزرقي أنه يرجح أن يكون خلف القشلاق العسكري أي فيما يلي جرول الخلفية، و لست بالذي يستبعد صحة القولين فإن الوادي بعد بركة ماجن يتصل بالجادة التي تنتهي خلف القشلاق، فلم لا يكون الليط عبارة عن امتداد من جرول الخلفية إلى أطراف المسفلة؟.

و كانت في الليط أقحوانة يجلس أهل مكة حولها في العشي، يلبسون الثياب المحمرة و الموردة و المطيبة و في هذا يقول الحارث بن خالد:

من ذا يسائل عنا أين منزلنا* * * فالأقحوانة منا منزل قمن‏

إذ نلبس العيش صفوا ما يكدره‏* * * طعن الوشاة و لا ينبو بنا الزمن‏

و من منتزهاتهم شعب خم و هو يتصل بالمسفلة اليوم، و كان مزروعا فيه عدة بساتين تتصل بالليط ثم تتصل بجرول، و كانوا يخرجون إلى حائط الحمام بجوار المعلاة فقد كان لهم هناك نخيل و زروع، و كانت بساتين تمتد إلى الخرمانية بقرب ما نسميه المعابدة ثم تمضي إلى المحصب في الطريق المؤدي إلى منى، و كان لهم في‏

15

المحصب دكة يجتمع المتنزهون فيها أصيل كل يوم، و كانت تشرف على نخيل باسق و بساتين تحتضنها شعاب الوادي الممتدة إلى منى.

و كانت لهم بساتين في وادي فخ و نسميه الشهداء اليوم، و أخرى بوادي طوى في امتداده من الحجون إلى ريع الكحل، و بساتين غير هذه في ضواحي مكة العليا إلى مزدلفة فعرفة، و كانت المنازل في المناطق التي ذكرناها لا تتكاثف على قاعدة المدن الحاضرة، بل تتفرق و تفصل بينها مساحات خالية على عادة العرب في بناء قراهم و مدنهم، أما الناحية المتصلة بالمسجد فكانت تضيق بنزلائها لتنافسهم في مجاورة الكعبة.

و قد بنى القرشيون في أواخر عهدهم ما يشبه السور في أعلى المدعى و بوابوه و لم يثبت أنهم بنوا مثله في ناحية أخرى منها.

و قسم المؤرخون ديانة العرب الجاهلية إلى قسمين" حلة و حمس" و الحمس هم أصحاب التشدد فيما يتدينون و منهم خزاعة، و أول من اتخذ الصنم هو عمرو بن لحي أمير خزاعة كما أسلفنا في الفصل السابق، فقد أمر بعبادة صنمين كانا منصوبين على الصفا و المروة، فلما كان عهد قصي حولها من مواضعها فجعل إحداها بلصق الكعبة و الأخرى في موضع زمزم، فكان أهل الجاهلية من قومه ينحرون عندهما و يتمسحون بهما، و اشتد شيوع عبادة الأصنام بمرور الأيام حتى كانت الأصنام يطاف بها في مكة فيشتريها أهل البدو فيخرجون بها إلى بيوتهم، و ما من رجل من قريش إلا و في بيته صنم إذا دخل يمسحه و إذا خرج يمسحه تبركا، عدا أصنام الكعبة التي ظلت قائمة في مواضعها من التبجيل إلى عام الفتح، و من أشهر أصنامهم" هبل" و كان منصوبا في جوف الكعبة" و العزى" و هي بوادي نخلة في طريق الطائف من مكة" و اللات" و هي في الطائف" و مناة" و هي في قرية (قديد) على ساحل البحر الأحمر شمالي مكة.

و كانوا ينحرون عند صنم لهم يقال له الغبغب، و كانت لهم أقداح في الكعبة إذا اختصموا في شي‏ء أو اعتزموا أمرا استقسموا بها فإذا خرج القدح مكتوبا بأمر أو نهي عملوا به كما يفعل أصحاب" الخيرة"- أو القرعة اليوم.

و قسم المؤرخون ديانة العرب الجاهلية إلى قسمين" حلة و حمس" و الحمس هم أصحاب التشدد فيما يتدينون و منهم قريش في مكة، و قد بلغ من تشددهم أن الرجل إذا أحرم بالحج أو العمرة لا يدخل دارا أو فسطاطا أو حائطا" بستانا"-

16

و قد تعرض له الحاجة فلا يدخل بيته بل ينقب نقبا في ظهره و ينادي بأهله ليخرجوا له ما أراد، و كانوا يحرمون بعد الإحرام على أنفسهم السمن و اللبن و الزبد، و لبس الوبر و الشعر و الاستظلال به و غزله و نسجه. و كانوا إذا وقف الحاج من العرب في عرفات، يأبون أن يخرجوا إليها من حرمهم، فيكتفون بالوقوف عند نمرة تقديسا لحرمهم.

و كانوا يفرضون على مخاليفهم من أهل الحلة أن لا يطوفوا إلا إذا لبسوا ثوبا أحمسيا يشترونه منهم أو يستأجرونه أو يستعيرونه، فإذا لم يجدوا تعين عليهم أن يطوفوا عرايا نهارا للرجال و ليلا للنساء، و كان بعض فتيان مكة يتربص للنساء العرايا، فإذا أعجبته إحداهن دخل معها في الطواف عريانا و قد يؤول أمرهما إلى الزواج و قد ألغى الإسلام هذه العادة.

و كانوا إذا بلغت الفتاة سن الزواج ألبسوها ما يزينها و خرجوا بها سافرة إلى المطاف، ثم أعادوها إلى بيتها لتبقى حبيسة فيه لا تخرج إلا إلى بيت من تزوجها و هم يريدون بطوافها ذلك عرضها سافرة على أعين الخاطبين، و لعلهم اختاروا المطاف ليأمنوا في جوار البيت نظرات الفاسقين.

و كانوا يختنون أولادهم و يكفنون موتاهم و يغتسلون من الجنابة، و قد تباعدوا في المناكح من البنت، و بنت البنت، و الأخت، و بنت الأخت، كما يتزوجون بالصداق و الشهود و يطلقون ثلاثا. و كانوا يدخلون الكعبة لابسي أحذيتهم حتى سن لهم الوليد بن المغيرة خلعها، و كانت الحوائض من نسائهم لا يدنين من الكعبة و لا يتمسحن بأصنامها بل يقفن بعيدا عنها.

و شاعت إلى جانب عبادة الأصنام ديانات أخرى أهمها الدهرية التي قال أصحابها: و ما يهلكنا إلا الدهر، و الصابئة و هم عبدة الكواكب و النجوم، و دان بعضهم باليهودية و آخرون بالنصرانية.

و أنكر بعضهم ترهات قومهم من عبادة الأصنام، و كانوا ينصحون بتركها و يجاهرون بالبحث في ألوهية واحد متفرد بالجلال و العظمة، و يعترفون بالبعث و النشور و الثواب و العقاب.

و يقول أيضا عن الناحية التجارية: كانت مكة بحكم موقعها في طريق تجارة الطيب و الغلال و أنواع الأقمشة، بين دول الجنوب و ممالك الشمال ذات مركز استراتيجي ممتاز، و كانت أسواقها تزدحم بالتجار صاعدين في الشمال إلى الشام‏

17

أو هابطين في الجنوب إلى اليمن، فمهروا في التجارة و تضخمت رؤوس أموالهم و بلغت قوافلهم التجارية ألف بعير في عهد غزوة بدر، مضافا إليها خمسون ألف دينار منقولة بين أثقالهم، و هي نسبة لها قيمتها المادية إذا قيست بالثروات في عهدها و بلغ من ثراء قريش أنها استطاعت في الغزوة نفسها أن تفتدي أسراها من المكيين بأربعة آلاف درهم إلى ألف درهم، إلا من عفا عنهم النبي (صلى الله عليه و سلم) من المعدمين.

و يقول أيضا عن الناحية الاجتماعية: و وهم بعض المؤرخين في إدراج مكة مدارج القبائل من أحياء العرب، و حسب آخرون أنها كانت نزلة يمضي عليها ما يمضي على نزل العرب و قراهم في آفاق الجزيرة، و لكن شيئا من الاستقراء ينتهي بنا إلى غير هذه النتيجة، فالقرآن سماها في أكثر من مرة (أم القرى) و في هذا ما يشير إلى ميزتها في مستوى من حولها من منازل الجزيرة و قراها، و القرآن خاطبها بمعان ليس من يعتقد أنها غريبة عنها، فتحدث عن المشكاة و المصباح و الزجاج، و عن المساكن يعرج إليها بالمعارج، و تحدث عن أنواع من الطيب؛ كالكافور و الزنجبيل و المسك، و أنواع من الأثاث المترف؛ كالنمارق و الزرابي و السرر و الفرش المبطنة بالاستبرق و السندس، و أنواع الأواني من الفضة؛ كالقوارير و الأكواب و الكؤوس، و أنواع من الحلي؛ كالمرجان، و اللؤلؤ، كما حدثهم عن القراطيس و الكتب و السجلات و الصحف و الأقلام و المداد، و أشار في كثير من آياته إلى النحاس و الحديد و الفخار و الصحاف و الجفان و القدور- و لا يقول إنسان أن القرآن كان يخاطبهم بما لا يفهمون مدلوله من الألفاظ و أنه كان يشير إلى معان غريبة عنهم.

إذا فبيئتهم كانت تعرف هذه المعاني معرفة من اختلط بها و اندمج فيها، و في هذا من الأدلة ما يقوم بحجتنا على من وهم من المؤرخين، و فيه ما ينطق بأن مكة كانت في ذلك العهد قد أخذت بطرف غير يسير من أسباب الحضارة الخاصة بجيلها الذي تعيش فيه.

و ليس في هذا ما يدعو إلى الاستغراب، فقد كان المكيون من قريش يضربون في مناكب الأرض بين اليمن و الشام و العراق و فارس و الهند و مصر و الحبشة، و يتصلون في رحلاتهم هذه بالقصور المشيدة و العمران الفخم و ألوان من الحضارة

18

تتعدد بتعدد الحضارات التي كانوا يختلفون إليها، فلا عجب أن تتلاقى أكثر الحضارات الشائعة في عهدهم و في بويتهم في مكة و أن تبدو واضحة في حياتهم.

و كانت مخابئهم إلى جانب هذا تكتنز بالذهب و الفضة كما تكتنز بالنقد المضروب من الدينار و الدرهم، و قد ذكرها القرآن في معارض مختلفة نستطيع أن نفهم منها أنهم كانوا يعرفونها معرفة تامة.

و كانوا يستعملون الموازين في أسواقهم و المكاييل، و يعرفون من مفردات أثقالها أنواعا كثيرة كانوا يتعاملون بها، و ليس أدل على هذا من خطاب القرآن لهم‏ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَ إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ‏ و يسرد بعض المؤرخين بعض الحوادث الفردية التي يحسبون أنها تحدد معارف القرشيين في علم المال أو تبين مدى حيازتهم له، فيذكرون في رواية الصحابي الذي اشترت منه إحدى السبايا نفسها بألف درهم، أن رفاقه عندما لاموه على رخص الثمن قال لهم و اللّه ما أعرف فوق الألف شيئا، و يريدون أن يستدلوا من هذا على تحديد معارف القرشيين في الأموال و الأرقام، و لعلهم نسوا أن القرآن كان يخاطبهم بأرقى من هذا المستوى و هو يستعرض هول يوم القيامة فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ أو يسرد لهم قصة يونس‏ وَ أَرْسَلْناهُ إِلى‏ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ‏ و ليس من شك أن قوما أحصوا بعشرات الألوف و مئاتها كانوا على شي‏ء من الغنى، و كان يصحبه ما يتبع الثراء من الحضارة و ما في الحضارة من ترف و ما ظننا بقوم كان القرآن يعرض أمامهم في صدد التشريع أدق من هذا، فيشير إلى النصف و الثلث و الربع و الخمس و الثمن و العشر في أوامره بتوزيع التركات، لا ريب أنهم كانوا في بيئة تجيد هذه الكسور و مضاعفاتها، كما تجيد إلى ذلك مستلزمات هذا التوزيع من عمليات الجمع و الطرح و الضرب و القسمة على أنواعها في الآحاد و الكسور.

و استعمل القرشيون في مكة الثياب و السراويل و القمصان و النعال، و تختموا بالذهب و الفضة و اتخذوا لخواتمهم حبات اللؤلؤ، كما استعمل القرشيات الخمر و الجلاليب و الخلاخل التي كن يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن، عدا ما تحلين به من عقود و أساور و ما تطيبن به من ذي أريج فواح.

19

و كان لمترفيهم مجالس للسمر ينصبون لها أرائك و يمدون فيها الموائد، و يتفكهون بما طاب من ثمارهم و يتلذذون بفواكه الطائف الطازجة، أو مجففات الشام و فلسطين المستوردة لمتاجرهم.

و كانوا يتخذون من ثمرات النخيل و الأعناب خمورا يعدونها في مجالسهم في آنية من فضة و أقداح من بلور، و يدور عليهم ساقيهم بها تفوح منها روائح المسك و الكافور و الزنجبيل.

و كانت لهم حلقات يعقدها القصاصون يتلون فيها عليهم أساطير الأولين، أو يقصون عليهم بعضا من نوادر الحياة مما يصادفه الرجل في آفاق الأرض، فيجتمع إلى هذه الحلقات كهولهم في أقبيتهم الفضفاضة و شبيبتهم في ثيابهم الموردة أو المحمرة، من أغلى أنواع الحرير المجلوب من بلاد فارس أو المصنوع في العراق و الشام.

و كانت مكة في عهد قريش تضم إلى هذا ما تضمه عواصم اليوم تقريبا، من جاليات أجنبية يهبطون إليها بفنونهم و أموالهم و بعض علومهم، فلا تلبث أن تتسع لما يهبط إليها و تفسح لها من المجال ما تفسحه اليوم- و كثير من كتب السير في مجموعها تحدثنا بأنه كان من سكانها نصارى الروم و وثنيون من فارس، و أنه سكنها جاليات من العراق و مصر و الحبشة و السريان، و نحن لا نستبعد أن يكون نزوح هذه الجاليات فرارا من الثورات و ألوان الاضطهاد، أو تحت عوامل أخرى شبيهة بالتي تؤثر في انتقال الموجات البشرية في كل دور من أدوار التاريخ.

و لست أرى رأي من يقول بشيوع الأمية شيوعا مطلقا في هذه البيئة التي ندرسها، و لا ممن يرى أن وسائل الكتابة يومها كانت تقتصر على العظام و الحجارة، لأن القرآن ذكر عن الصحف المنتشرة و سجلات الكتب و المداد و الأقلام، ما يشير إلى معرفتهم بها و أنهم كانوا لا يجهلونها.

و مما يلفت النظر أن القرآن في أوائل نزوله بمكة كان يكتب و ينسخ- و يذكر ابن هشام في سيرته أن عمر دخل على شقيقته قبل إسلامه و في يدها صحيفة قرآنية، و يؤيد هذه الرواية أكثر المؤرخين، و هي تدل فيما تدل على وجود الصحف يومها و أن نسخها كانت تتداول في مكة، و لا يصح فيما أرى أن تكتب الصحف و يتداول نسخها في بيئة تشيع فيها الأمية شيوعا مطلقا، و تقتصر المعرفة فيها على أشخاص معدودين على أصابع اليد كما يذكر بعضهم.

20

و نضجت الحياة العقلية في قريش نضجا نستطيع أن نلمسه في أمثالها الشائعة و حكمها المشهورة:

" من أجمل قليلا سمع جميلا، أنفك منك و إن كان أذن، إن البلاء موكل بالمنطق، بيني قصرا و يهدم مصرا، الجزاء من جنس العمل، الجهل شر الأصحاب، حسبك من شر سماعه، حظ في السحاب و عقل في التراب، ما حيلة الرامي إذا انقطع الوتر، لا يخلو المرء من ودود يمدح و عدو يقدح، من خان هان. إذا أراد اللّه هلاك نملة أنبت لها جناحين، كما تزرع تحصد، من سابق الدهر عثر، سلاح الضعفاء الشكاية، عند الصباح يحمد القوم السرى، رب عتق شر من رق، أعقل الناس أعذرهم للناس، لكل عود عصارة، ما كل عورة تصاب، عين الهوى لا تصدق، غدرك من ذلك على الإساءة".

و اتسعت أسواق مكة التجارية للتنافس بين مفكريها من الشعراء و أصحاب البيان، فكانت ملتقى الخطباء من سائر بلاد العرب، و كانت مجالا ثقافيا لم يسبق له نظير بين دول اليمن في الجنوب و حكام الحيرة و غسان في الشمال، و في مظان التاريخ المطولة من أخبار عكاظ و غيرها ما يغني عن الإفاضة.

و يقول أيضا عن الناحية الإدارية: ذكرنا أن قصيا كان أول رجل من بني كنانة أصاب ملكا فكانت إليه الحجابة و الرفادة و السقاية و الندوة و القيادة و سمى قصي مجمعا، لأنه جمع قريشا بمكة، و سميت قريش في ذلك العام قريشا، لأنها تجمعت و التجمع التقرش في بعض كلام العرب و لم يسم قرشي قبل ذلك.

و كان قصي عمليا أكثر مما كان يظنه قومه، فإنه ما كاد يستلم زمام الحكم في مكة حتى أسس دار الندوة لشورى قريش، و لم يكن يدخلها من قريش إلا من بلغ الأربعين، كما كان أورستقراطيا لأنه أباح لأولاد قصي دخولها كما شاءوا بلا فارق في السن.

و عنى قصي بسقاية الحجاج فاتخذ لهم حياضا من أدم توضع بفناء الكعبة، و يسقى فيها الماء العذب من الآبار محمولة على الإبل من أطراف مكة البعيدة، كما عنى بتتبع مظان الماء العذب في مكة، فحفر بئر العجول و هي في المكان الذي يمتد فيه رواق المسجد اليوم مما يلي باب الحميدية و باب الوداع، و حفر بئرا عند الردم بجانب مسجد الراية و هي البئر الموجودة اليوم في" الجودرية" في الزقاق الواقع أمام قصر النيابة، و سمي بئر جبير بن مطعم لأن جبيرا هذا نثله بعد أن اندثر،

21

و اتخذت العناية بالآبار بعد قصي سنة لأولاده، فكانوا يتتبعون مظان المياه العذبة و يحتفرون فيها الآبار.

و عنى قصي إلى جانب العناية بسقيا الحجاج بالرفادة، فكان على قريش خرج تخرجه من أموالها في كل موسم، فتدفعه إلى قصي يصنع به طعاما للحجاج يأكله من لم يكن معه سعة و لا زاد.

و كان يشترى بما يجتمع عنده دقيقا و يأخذ من كل ذبيحة بدنة أو بقرة أو شاة فخذها فيجمع ذلك كله ثم يجزر به الدقيق و يطعمه الحاج، و اتخذ أولاده هذه سنة بعده، حتى أن عمر حفيده اضطر عندما أصاب مكة في عهده جدب شديد، أن يجمع ما تجمع لديه من قريش و يخرج به إلى الشام فيشتري به دقيقا و كعكا، فيهشم الكعك و ينحر الجزور و يطبخه و يجعله ثريدا و يطعم الناس في مجاعتهم، و قد سمي بذلك هاشما.

و جاء الإسلام و قريش تتخذ هذه السنة عادة موسمية، فأمضاها النبي (صلى الله عليه و سلم) إذ أرسل بمال مع أبي بكر رضي اللّه عنه عندما أمره أن يحج بالناس سنة تسع للهجرة ليصنع به طعاما للحجاج، و فعل مثل ذلك في حجته للوداع، ثم أقام أبو بكر على هذا، و كذلك بقية الخلفاء بعده- يقول أبو الوليد الأزرقي: و ظل العمل على هذا إلى أيامنا هذه يطعم الخلفاء الموسم في أيام الحج بمكة و منى حتى تنقضي أيام الموسم، و قد عاش أبو الوليد في القرن الثالث الهجري و توفي عام 223.

و لم أقع فيما قرأت على العهد الذي ألغيت فيه هذه العادة الحسنة، و أكبر ظني أنها أبطلت على أثر الفتن و الحروب التي كانت السبل تقطع فيها دون مكة، و يلفت نظرنا في هذه السنة أنها كانت خرجا عاما تشترك فيه قريش بأموالها، و يشترك المسلمون فيه في الصدر الأول للإسلام و أن هذا الاشتراك الشعبي ما لبث أن انتقل بتقادم العصور إلى خزائن الخلفاء أو بيوت الأموال، فهل تقاعس المكيون عن المجد؟ أم أن أموالهم ضاقت دونه؟ الواقع أن قريشا كانت من أنشط القبائل في جزيرة العرب تجارة كما بينا ذلك في بحث أعمالها التجارية، فكانت بذلك في غنى تسع فضلاته إطعام الموسم، و جاء الإسلام فاتسع نشاط قريش باتساع رقعة الإسلام، و درّت الفتوحات و التجارة النشيطة عليهم الأموال الطائلة، و أخصبت أراضيهم في الطائف و المدينة و بعض نواحي مكة و كثير من أوديتها القريبة، بتأثير نشاط المال و العناية بحفر الآبار، ثم ما لبث أن فتر النشاط و فتر بفتوره الغنى‏

22

و الثروة و الخصب، على إثر انتقال الصفوة الممتازة من قريش إلى الأمصار، بثرواتهم و أموالهم و كفاءتهم يتبعون مواطن الخلافة خارج الجزيرة.

انتهى من" تاريخ مكة" للسباعي.

مكة في عهد النبي (صلى الله عليه و سلم)

و يقول صديقنا الأستاذ السباعي في أوائل كتابه المذكور بعد ما تقدم، عن مكة في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما يأتي:

كانت حياة النبي (صلى الله عليه و سلم) نقطة تحول في تاريخ مكة، بل كانت بلغة أوضح من هذا فاصلا بدأت به عهدها الجديد، كقبلة يتوجه إليها الملايين من المسلمين في كل يوم خمس مرات، و محجة يهرع إليها مئات الألوف في كل عام من شتى أصقاع الأرض.

و نحن إذ نكتب هذا عن هذه الفترة الفاصلة من تاريخ مكة و تتابع أحداث البعثة فيها، لا أعتقد أننا مطالبون بالتفصيلات الطويلة التي توسع فيها كتاب السيرة، لأن المظان الخاصة بهذا حافلة بالكثير الذي لا نطمع إلى مزيد فيه، و بحسبنا أن نمر هنا بالحوادث مرورا سريعا لا نهدف فيه إلا إلى ربط الحوادث العامة و تسلسل نتائجها.

بعثة النبي: بعث النبي في وسط كانت العقلية سائدة فيه رغم نضجها الذي ذكرناه، لا تحجر على متع الحياة و لا تفرض سلطانا على مستبيح في اللذة، و كانت القيم الأخلاقية تزن الأشياء بمعايير خاصة، فليس من السمو الإنساني في مقاييسها أن تهادن في عصبية، أو أن تنحاز إلى غير قومك مهما كان ظلمهم، أو أن تنسى ثأرك مهما كان لونه، أو تسلم بقاعدة يكون الفخر فيها لغير بني أبيك.

بعث النبي في وسط يعتنق هذه المبادئ و يدين بها كما يدين العابد بأقدس ما يعتقد، فلم يكن على النبي أن يقاوم ما عبدوا من أوثان أو نسكوا من نسك ضال فقط، بل عليه أن يصمد لهذه القيم الأخلاقية التي تسود المجتمع حوله، و التي لا تستسيغ الوحدة تضيع فيها معالم القبيلة.

بعث النبي من بني هاشم فأي دعوة هذه الذي ينقاد إليها بنو عبد مناف، و بنو زهرة، و بنو تميم، و بنو مخزوم، و بنو أسد، و سائر البطون من قريش و القبائل‏

23

من كنانة، إنها الاستهانة بكيان الأفخاذ و أمجادها في عرفهم، و إنها الاستكانة لداع سيحوز الفخر لبني هاشم دونه، فما بالهم لا يقاومون و ما بال هذه القيم الأخلاقية الفاسدة لا تعارض فيما يضاد عرفها، ما بالها لا تتكبر على الدعوة و تكابر في الحق ضنا بكيان الفخذ أو البطن أو القبيلة و مجافاة لهذا الإعداد الذي سيصهرهم غدا في بوتقة تنسيهم تراث آبائهم و تضيع معالمهم.

بهذا العنت قوبل النبي في فجر دعوته، و عن هذه البواعث حورب في الصور و الأشكال التي نجدها في مظانها من كتب السير، و التي لا نستدل منها إذا أردنا الاستدلال إلا على التعصب و الحزبية لأوضاع القبيلة و الفخذ و احتمل النبي (صلى الله عليه و سلم) ما لا يحتمله إلا صاحب عقيدة راسخة، ثم وجد أول ما وجد في مكة من استجاب لدعوته من الأفذاذ الذين تسمو عقولهم على ما ورثوا من أوضاع، و ترتفع بهم نفوسهم عن المكابرة إذا أبلج الحق، و الأفذاذ من هذا النوع ندرة لا يظفر التاريخ بها إلا فيما قل- فلا عجب إذا رأيناهم حول أول ما نراهم، أقلية لا يعدون أصابع اليد.

و يسفر الدين الجديد عن تعاليم جديدة، فإذا في هذا الدين دعوة إلى التكتل و نسيان القبيلة، و إذا في الدين حد للإباحية المطلقة، و إذا فيه كبح للذائذ و الشهوات، و إذا فيه تحليل و تحريم، فأية أخلاق منحلة تقوى على التوحيد و التكتل، و أية فوضى تحتمل التحديد و الكبح، إنه اختبار لا ينجح فيه شهواني، و إنها خطوة لا يستطيع أن يخطوها إلا وجدان عامر بغير الأهواء التي كان يعمر بها الوجدان في القبائل من قريش و من حولها.

لابد إذا لهذا التعصب من أن يستعر أواره، و لابد للمقاومة من أن تنشط للدفاع، لابد أن يجتمع إلى عامل المحافظة على كيان القبيلة عوامل أخرى، مبعثها قداسة التقاليد الموروثة، و الذود عن حظوظهم في الدعارة الشائعة و الإباحية المطلقة.

هذه العوامل تضافرت على شخص واحد لا يملك إلا يقينه و إلا صبره و إلا بضعة نفر مستضعفين، تطاردهم قريش و تعذب بعضهم بالجلد و الحجارة المحماة.

و لم تقتصر المقاومة على حدودها في قبائل مكة فقد بثوا حوله العيون، تترصده في المواسم كلما اتصل بقبيلة. أو بث دعوته في قوم، أو التجأ بزوار، تضييقا عليه و فتا في عضده. انتهى من الكتاب المذكور.

24

النواحي العامة بمكة في العهد النبوي‏

ثم يقول صديقنا الأستاذ السباعي في أوائل كتابه المذكور بعد ما تقدم، عن النواحي العامة بمكة في عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) ما يأتي:

الناحية الدينية: بدأت الحياة في مكة بعد الفتح تأخذ شكلا جديدا غير الشكل الذي كانت تعرفه قبله، فبعد أن كانت مثلها العليا تفانيا للقبيلة، و تفاخرا بالآباء، و أخذا بالثأر، و كرما يؤدي إلى التلف، و امتيازا لأصحاب الصدارة، و قدرة على الثراء بالحق و الباطل.

أصبحت و قد هذبها القرآن، تدين بالإخاء للّه، و تعتقد بالسيادة في الدين، و أنه لا فضل لعربي على عجمي، و أصبحت الصدارة في رأيها لأصحاب التقوى، و أثر هذا في عقليتها العامة فارتسمت لها أخلاق جديدة مستوحاة من القرآن، و تفتحت أمامها آفاق لا عهد لها بها من سيرة الرسول (صلى الله عليه و سلم)، فاندمجت فيما رأت، و نسيت نخوتها الجاهلية و عصبيتها للقبيلة، و استتبع ذلك أن ضاقت بها دائرة الشعر فلم تجد لها فيه مجالا إلا ما استمد روحه من الدين، و اصطبغ بلون من أخلاق القرآن.

على أننا لا نريد أن نطلق هذا على جميع المكيين في ذلك العهد، و نحن نعلم أن مكة حفلت يومها بالمتمردين من البدو و الجفاة من الحضر، إلى جانب المؤمنين الذين أخلصوا دينهم و احترموا عقائدهم.

" و قال عن الناحية الإجتماعية": و أحسبنا في غنى عن أن نشير إلى أن جلة المكيين، من كبار الصحابة أو البارزين في قبائلهم من السابقين الأولين إلى الإسلام، كانوا قد نفروا خفافا و ثقالا إلى المدينة محتذين حذو رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أن النبي كان قد كره لهم بعد الفتح أن يعودوا إلى الاستيطان بها برا بالمدينة و قد آوتهم، و إخلاصا لأهلها و قد ناصروهم.

أقول: لعلنا في غنى عن أن نقول هذا كله لنعرف من نتائجه ما ينبغي أن نعرفه، من أن مكة دفعت بجلة أبنائها إلى دار الهجرة، و أنها بقيت رغم هذا غاصة بسكانها الأصليين من بطون القبائل و النازحين إليها من العرب المجاورين و الموالي.

25

بقيت غاصة بسكانها هؤلاء ترعى تجارتها في حدود الدين الجديد، و تستفيد من مواهب من يصل إليها في قليل من صناعاتها، و في كثير من أراضيها الصالحة للزراعة في أطراف مكة و ضواحيها.

(و قال عن الناحية العلمية): و كانت صلتها في هذه الأثناء بذوي قرابتها في المدينة من كبار المهاجرين لا تنقطع أسبابها، و قد أفادهم ذلك في كل ما يتصل بأسبابهم في المدينة، فإن كتب السيرة و المغازي و مدوني كتب الطبقات، يحدثوننا في أخبار علي و ابن مسعود و ابن عباس و أبي ذر الغفاري و ابن عمر و أبي الدرداء، أنهم كانوا يترددون إلى مكة في مواسمها للحج أو غير مواسمها لأعمالهم الخاصة.

فنتبين من ملابسات هذا: أن مكة كانت تستفيد من علومهم، و تتوسع معارفها الدينية بحكم هذه الاتصالات المستمرة خصوصا و نحن نعلم أن أصحاب هذه الأسماء كانوا يحتلون الدرجة العلمية الأولى بين صحابة رسول اللّه، و قد كانوا يقولون عن بعض هذا النفر أنه لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم بعلمه، و إذا أضفنا إلى هذا أن المكيين أنفسهم كانوا كثيري الترداد على رسول اللّه في المدينة، و أنهم كانوا ينزلون على من فيها من جلة المهاجرين فيجدون لديهم ما يروي غلتهم من الدين، استطعنا أن نعرف إلى حد بعيد نوعا من أنواع الاستفادة العلمية التي كانت تعتمدها مكة في عهدها هذا الذي نؤرخه.

و يحدثنا ابن هشام بعد هذا عن معاذ بن جبل فيقول: إن النبي (صلى الله عليه و سلم) اختاره يوم الفتح للقضاء في مكة عندما ولي أمارتها عتاب بن أسيد، و نحن إذ لا نجهل كفاية معاذ بن جبل و ميزته العلمية و إلمامه الواسع، نستطيع أن نتبين نوعا آخر من أنواع الاستفادة التي اعتمدتها مكة يومها في شأنها التعليمي، و إذا كانت كتب التاريخ تجمع على ندب معاذ بن جبل لتعليم اليمن، فليس في هذا ما يتنافى مع إقامته في مكة عقب الفتح مباشرة لينفع المكيين قبل انتدابه إلى اليمن، و يضيف الطبري أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أشرك معه هبيرة بن شبل.

انتهى من تاريخ السباعي.

26

بعض ما قيل في حق مكة و المشاعر

قال مؤلف هذا التاريخ محمد طاهر الكردي المكي الخطاط في فضل مكة المشرفة عامله اللّه تعالى بفضله و رحمته و لطفه و إحسانه و غفر له و لوالديه و رضي عنه و عنهما و عن جميع المسلمين آمين:

فمكة خير بلاد اللّه‏* * * أليس فيها البيت بيت اللّه‏

ففضلها من العصور الأول‏* * *" ما الحب إلا للحبيب الأول"

فيها الهدى و النور و الإيمان‏* * * و الخير و الطاعة و الأمان‏

و مهبط الوحي بها و الأنبيا* * * يقيم فيها الأصفياء و الأوليا

فيها مواضع الدعا المجابه‏* * * فمن دعا إلهه أجابه‏

يأمن فيها الطير و الإنسان‏* * * و الحيوان و كذا الغزلان‏

فالحمد للّه الذي جعلنا* * * من أهلها، بفضله أكرمنا

فمن أرادها بسوء أو بشر* * * عاد و باله عليه بالضرر

و اذكر دواما ما جرى للفيل‏* * * وقعتها أتتك في التنزيل‏

و من تهاون بحق مكة* * * يدكه اللّه بشر دكة

و احذر من إيصال الأذى لأهلها* * * و انظر بعين اللطف في حجاجها

و لا تعامل أحدا بالمكر* * * حتى تفوز دائما بالخير

فالطير لا يجوز أن تنفره‏* * * فكيف صفو المرء أن تعكره‏

و إن رأيت الناس أساؤا الأدبا* * * فكن لبيبا عاقلا مهذبا

هذا هو الدين الصحيح السامي‏* * * فافهم هديت لحمى الإسلام‏

فمن يكن في قلبه الخير يجد* * * خيرا أمامه عليه فاعتمد

فإنما الأعمال بالنيات‏* * * فافهم بلغت غاية الخيرات‏

*** قال الفقيه أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن السيد البطليوسي يخاطب مكة المشرفة حرسها اللّه تعالى:

أمكة تفديك النفوس الكرائم‏* * * و لا برحت تنهل فيك الغمائم‏

27

و كفت أكف السوء عنك و بلغت‏* * * مناها قلوب كي تراك حوائم‏

فإنك بيت اللّه و الحرم الذي‏* * * بعزته ذل الملوك الأعاظم‏

و قد رفعت منك القواعد بالتقى‏* * * و شادتك أيد برة و معاصم‏

و ساويت في الفضل المقام كلاهما* * * ينال به الزلفى و تمحى المآثم‏

و من أين تعدوك الفضائل كلها* * * و فيك مقامات الهدى و المعالم‏

و مبعث من ساد الورى و حوى العلى‏* * * بمولده عبد الإله و هاشم‏

نبي حوى فضل النبيين و اغتدى‏* * * لهم أولا في فضله و هو خاتم‏

و فيك يمين اللّه يلثمها الورى‏* * * كما يلثم اليمنى من الملك لاثم‏

و فيك لإبراهيم إذ وطئ الصفا* * * ضحا قدم برهانها متقادم‏

دعا دعوة فوق الصفا فأجابه‏* * * قطوف من الفج العميق و راسم‏

فأعجب بدعوى لم تلج مسمعي فتى‏* * * و لم يعها إلا ذكي و عالم‏

ألهفي لأقدار عدت عنك همتي‏* * * فلم تنتهض مني إليك العزائم‏

فيا ليت شعري هل أرى فيك داعيا* * * إذا جأرت للّه فيك الغمائم‏

و هل تمحون عني خطايا اقترفتها* * * خطا فيك لي أو يعملات رواسم‏

و هل لي من سقيا حجيجك شربة* * * و من زمزم يروي به النفس حائم‏

و هل لي في أجر الملبين مقسم‏* * * إذا بذلت للناس فيك المقاسم‏

و كم زار مغناك المعظم مجرم‏* * * فحطت به عنه الخطايا العظائم‏

و من أين لا يضحى مرجيك آمنا* * * و قد أمنت فيك المها و الحمائم‏

و لئن فاتني عنك الذي أنا رائم‏* * * فإن هوى نفسي عليك لرائم‏

و أن يحمني حامي المقادير مقدما* * * عليك فإني بالفؤاد لقادم‏

عليك سلام اللّه ما طاف طائف‏* * * بكعبتك العليا و ما قام قائم‏

إذا نسم لم تهد عني تحية* * * إليك فمهديها الرياح النواسم‏

أعوذ بمن أسناك من شر خلقه‏* * * و نفسي فما منها سوى اللّه عاصم‏

و أهدي صلاتي و السلام لأحمد* * * شفيع الورى، بل للنبيين خاتم‏

*** قال بعض الفضلاء من قصيدة طويلة في المفاخرة بين مكة و المدينة:

28

لمكة مجد باذخ الركن و القنن‏* * * و فضل منيف باسق الدوح و الفنن‏

و مكة فيها كعبة الحسن كله‏* * * و زينها في خدها خالها الحسن‏

و مكة للمختار مسقط رأسه‏* * * و كان له فيها احتضان لمن حضن‏

و في مكة منشأ أبيه و جده‏* * * و أعمامه و الأصل و الفرع و الشجن‏

و في مكة وافاه جبريل أولا* * * و كلمه بالوحي في السر و العلن‏

و في مكة كانت مبادئ كلامه‏* * * و إنزاله القرآن و الخير في قرن‏

و في مكة أبدى الهدى نور وجهه‏* * * و كانت بها من قبل بشرى ابن ذي يزن‏

و في مكة أسرى به اللّه ربه‏* * * و طاف به السبع السموات في سنن‏

و في مكة فتح مبين تنزلت‏* * * به سورة بانت بفضل لها ابن‏

و في مكة كانت ولادة نسله‏* * * و ما أنجبت منه خديجة في الحجن‏

و في مكة موطئ الخليل و داره‏* * * و زمزمه و الحجر و المنزل الأغن‏

إلى آخرها- نقلا عن الجامع اللطيف.

*** و قال بعضهم:

موضع البيت مهبط الوحي مأوى الر* * * سل حيث الأنوار حيث البهاء

حيث فرض الطواف و السعي و الحل* * * ق و رمي الجمار و الإهداء

حبذا حبذا معاهد منها* * * لم يغير آياتهن البلاء

حرم آمن و بيت حرام‏* * * و مقام فيه المقام تلاء

فقضينا بها مناسك لا يحمد* * * إلا في فعلهن القضاء

و قال بعضهم:

هي البلد الأمين و أنت حل‏* * * فطاها يا أمين فأنت طاها

و وجه حيث كنت كذا إليها* * * و لا تعدل إلى شي‏ء سواها

فوجه اللّه قبلة كل حي‏* * * لمن شهد الحقيقة و اجتلاها

و هذا البيت بيت اللّه فيه‏* * * إذا شاهدت في المعنى سناها

فهلل عند مشهده كفاحا* * * و زمزم عند زمزمه شفاها

و قل بلسان عزمك في رباها* * * لنفسي في منى بلغت مناها

29

إليك شددت يا مولاي رحلي‏* * * جئت و مهجتي تشكو ظماها

و ها أنا جار بيتك يا إلهي‏* * * و بالأستار ممتسك عراها

و للجيران و الضيفان حق‏* * * على الجار الكريم إذا رعاها

و قال بعضهم:

يا سائقا عن النياق و زمزما* * * أبشر فقد نلت المقام و زمزما

كم كنت تذكرنا منازل مكة* * * و تقول أن بها المنى و المغنما

برد بماء سقاية العباس ما* * * كابدته طول الطريق من الظما

و انهض و هرول بين زمزم و الصفا* * * و ادخل إلى الحجر الكريم مسلما

و مقام إبراهيم زره مبادرا* * * و بحجر إسماعيل صل معظما

و انظر عروس البيت تجلى حسنها* * * للناظرين ولذ بها مستعصما

فهي التي ظهرت فضائلها فلا* * * تخفي و هل يخفى سنا قمر السما

لم يلقها الإنسان إلا باكيا* * * فرحا بها أو ضاحكا متبسما

و النور من أحشائها لا يختفي‏* * * أبدا و إن جن الظلام و أعتما

و من العجائب أنها محروسة* * * و الصيد فيها لا يزال محرما

و الطير لا تعلو على أركانها* * * إلا ليشفى إذ نجا متألما

تختال في حلل السواد و بابها* * * بالنور منه مبرقعا و ملثما

هي كعبة المولى الكريم و كل من‏* * * وافى إليها حقه أن يكرما

ما منهمو إلا ذليل خاضع‏* * * باك على زلاته متندما

يا رب قد وقفت ببابك عصبة* * * يرجون منك تفضلا و تكرما

ذا طالبا فضلا و ذا متقصدا* * * مما جناه من الذنوب و قدما

و مما جاء في تاريخ الفاسي المسمى" شفاء الغرام" ما يأتي من القصائد و هو:

يسوقهم طرب نحو الحجاز منهم‏* * * ذووا ارتياح على أكوارها ميل‏

شعت رؤوسهم بلس شفاههم‏* * * حوص عيونهم غرث مهازيل‏

حتى إذا لاح من بيت الإله لهم‏* * * نور أذاهم على لفبرا أراجيل‏

يعفرون وجوها طال ما سهمت‏* * * باكين حتى أديم الأرض مبلول‏

حفوا بكعبة مولاهم فكعبهم‏* * * عال بها لهم طرف و تقبيل‏

30

و بالصفا وقتهم صاف بسعيهم‏* * * و في منى لمناهم كان تنويل‏

تعرفوا عرفات واقفين بها* * * لهم إلى اللّه تكبير و تهليل‏

*** و مما جاء فيه أيضا:

أنا ما لي عن مكة براح‏* * * و بها أشتفي من البرجاء

حبذا الكعبة قد تبدت‏* * * و هي تزهو في حلة سوداء

فصفا سترها مساء صباح‏* * * و بياض الثنا صباح مساء

قيل الخال لا أبا لك عشرا* * * يا أخا حيها بغير إبساء

و املأ الحجر باللآلئ من‏* * * الدمع عن عقيق الدماء

و اشربن من شراب زمزم كأسا* * * دب منه السرور في الأعضاء

فهي حقا طعام طعم لجوع‏* * * و لها للسقم أي شفاء

فسقى المسجد الحرام غمام‏* * * و رعى عشنا على البطحاء

كم حطمنا لدى الحطيم ذنوبا* * * كثرت عدها عن الإحصاء

صاح قم طف للإله سبعا* * * تحظ بالأجر و المنى و الولاء

مر بالمروتين و أرق لترقى‏* * * بجناب مراقي السعداء

و أكحل العين عند مسعاك‏* * * بالميل ففيه شفاء ذاك العماء

ثم قف خاضعا على عرفات‏* * * عل تعطى عوارف الأعطاء

و أمها في منى إلى جمرات‏* * * جمرات اللظى بها في انطفاء

*** و مما جاء فيه أيضا:

يا جيرتي بين الحجون إلى الصفا* * * شوقي إليكم مجمل و مفصل‏

أهوى دياركم ولي بربوعها* * * وجد يؤرقني و عهد أول‏

و يزيدني فيها العذول صبابة* * * فيظل يغريني إذا ما يعدل‏

و يقول لي لو قد تبدلت الهوى‏* * * فأقول قد عنى الغداة تبدل‏

باللّه قل لي كيف تحسن سلوتي‏* * * عنها و حسن بصري هل يجمل‏

هل في البلاد محلة معروفة* * * مثل المعرف أو محل يحلل‏

31

أم في الزمان كليلة النفر التي‏* * * فيها من اللّه العوارف تجزل‏

أم مثل أيام تقضت في منى‏* * * عمر الزمان بها أعز محجل‏

في جنب مجتمع الرفاق و منزع‏* * * الأشواق حياها السحاب المسبل‏

*** و مما جاء فيه أيضا:

على الأبطح المكي طيب سلامي‏* * * و أزكى تحيات كمسك ختام‏

و سقيا له من أدمع بهوامع‏* * * تجود بحفظ الود جود كرام‏

فذاك هو الحي الذي طاير المنى‏* * * له فيه بالاطراب سجع حمام‏

إذا ذكروا في الحي طيب حديثه‏* * * خلقت على السمار ثوب منام‏

و إن ظفرت نفسي بلثم ترابه‏* * * لست بذاك اللثم خير لثام‏

منازل أفراحي و أنسي و لذتي‏* * * و موسم أعيادي و دار هيام‏

إذا مر من بي نحوها نسمة الصبا* * * وجدت لها بردا لحر أوامي‏

متبعث في الروح حتى أكاد أن‏* * * أطير و قد قص الجناح سقامي‏

فلله عهد من معاهد أنه‏* * * جديد و لو أبلى الممات عظامي‏

فهل لي إلى تلك المواطن عودة* * * على رغم حسادي و أهل ملامي‏

و أكحل بالميل الأخيضر ناظري‏* * * بإثمد ركن البيت قبل حمام‏

و أنشد في عيدي بقرب أحبتي‏* * * إلا أن هذا اليوم فطر صيامي‏

أديروا أديروا ماء زمزم خالصا* * * فذا خير كأس في ألذ مقام‏

و نادوا على رأسي بأبواب شاربي‏* * * عبيد ذليل مثقل بآثام‏

عسى عطفه منكم عليه فإنه‏* * * تعلق من إحسانكم بزمام‏

و مما جاء فيه أيضا:

أنكرت سلمى و أياما بذي سلم‏* * * لوقفة بين تعريف و عرفان‏

و الدار آهلة من كل مغترب‏* * * يعرو إليها بتهليل و قرآن‏

و اسم الحبيب شعار العاشقين‏* * * بهاتيك المشاعر من شيب و شبان‏

لبيك لبيك توحيدا يؤكده‏* * * توابع الشوق في سر و إعلان‏

و للإجابة سمع ليس يشغله‏* * * شأن كبير من القول عن شان‏

32

و ينفرون إلى الزلفى بمزدلف‏* * * جمعا بجمع و وجدانا بوجدان‏

من لم يقف برسوم الموقفين فما* * * مشت به قط للأحباب رجلان‏

و في منى للمنى ذاك المنال فلا* * * تبعد بك الدار عن قرب و قربان‏

و في الإفاضة فيض الجود من ملك‏* * * يلقي المسي‏ء إذا استعفى بإحسان‏

*** و مما جاء فيه أيضا:

يا طائفين بنا إنا نطوف بكم‏* * * باعا بباع و وجدانا بوجدان‏

مبادرين إليه السعي هرولة* * * إليه تلقاه بشرى دون أحزان‏

أما الغريب و إن عز المكان فلا* * * يتبعد بك الوهم في تقرير إمكان‏

من فاوض الركن قد فاوضته بيدي‏* * * هذا يميني فحيوها بإيمان‏

من يستجر فإنا بالمستجار له‏* * * نعم المجير إذ يلجا لي الجاني‏

و عند ملتزم منا الملتزم‏* * * لو شاء ما شاء منا غير منان‏

ولي بزمزم سر فيه زمزمة* * * عنوانها عند أزمات و أزمان‏

هذي الأماني لا أيام ذي سلم‏* * * دار الأماني فما دار بغمدان‏

كفاني اللّه تبديلا بمظهرها* * * حتى أغيب في لحدي و أكفاني‏

*** مما جاء فيه أيضا:

فشدوا مطايانا إلى الربع ثانيا* * * فإن الهوى عن ربعهم ما ثيناه‏

ففي ربعهن للّه بيت مبارك‏* * * إليه قلوب الناس تهوى و نهواه‏

يطوف به الجاني فيغفر ذنبه‏* * * و يسقط عنه إثمه و خطاياه‏

و كم لذة كم فرحة لطوافه‏* * * فلله ما أحلى الطواف و أهناه‏

نطوف كأنا بالجنان نطوفها* * * و لا هم لا غم جميعا نفيناه‏

فيا شوقنا نحو الطواف و طيبة* * * فذلك طيب لا يعبر معناه‏

فمن لم يذقه لم يذق قط لذة* * * فذقه تذق يا صاح ما نحن ذقناه‏

ترى رجعة أو عودة لطوافنا* * * و ذاك الحمى قبل المنية نفشاه‏

فو اللّه لا ننسى الحمى فقلوبنا* * * هناك تركناها فيا كيف ننساه‏

33

و و اللّه لا ننسى زمان مسيرنا* * * إليه و كل الركب يلتذ مسراه‏

و قد نسيت أولادنا و نساؤنا* * * و إخواننا و القلب عنهم شغلناه‏

تراءت لنا أعلام وصل على اللوى‏* * * فمن ثم أمسى القلب عنهم لويناه‏

جعلنا إله العرش نصب عيوننا* * * و من دونه خلف الظهور نبذناه‏

و سرنا نشق البيد للبلد الذي‏* * * بجهد و شق للنفوس بلغناه‏

رجالا و ركبانا على كل ضامر* * * و من كل فج مقفر قد أتيناه‏

نخوض إليه البحر و البر و الدجا* * * و لا مقطع إلا إليه قطعناه‏

و نطوي الفلا من شدة الشوق للقا* * * فنمشي الفلا نحكي السجل طويناه‏

و لا صدنا عن قصدنا فقد أهلنا* * * و لا هجر جار أو حبيب ألفناه‏

و أموالنا مبذولة و نفوسنا* * * و لم نبغ شيئا منها منعناه‏

*** و مما جاء فيه أيضا:

نحج لبيت حجه الرسل قلبنا* * * لتشهد نفعا في الكتاب وعدناه‏

دعانا إليه اللّه عند بنائه‏* * * فقلنا له لبيك داع أجبناه‏

و ما زال وفد اللّه يقصد مكة* * * إلى أن بدا البيت العتيق و ركناه‏

فحيث ضيوف اللّه بالذكر و الدعا* * * و كبرت الحجاج حين رأيناه‏

و قد كادت الأرواح تزهق فرحة* * * لما نحن من عظم السرور وجدناه‏

وطفنا به سبعا رملنا ثلاثة* * * و أربعة مشيا كما قد أمرناه‏

كذلك طاف الهاشمي محمد* * * طواف قدوم مثل ما طاف طفناه‏

و سالت دموع من غمام جفوننا* * * على ما مضى من إثم ذنب كسبناه‏

و نحن ضيوف اللّه حينا لبيته‏* * * نريد القرى ينفي من اللّه حسناه‏

فنادى بنا أهلا ضيوف تباشروا* * * و قروا عيونا فالحجيج أضفناه‏

فأي قرى يعلو قرانا لضيفنا* * * و أي ثواب فوق ما قد أثبناه‏

فطيبوا و سيروا و افرحوا و تباشروا* * * و تيهوا و هيموا بابها قد فتحناه‏

و لا ذنب إلا قد غفرناه منكم‏* * * و ما كان من عيب عليكم سترناه‏

***

34

و مما جاء فيه أيضا:

و يوم منى سرنا إلى الجبل الذي‏* * * من البعد قد حيا كما قد عهدناه‏

فلا حج إلا يكون بأرضه‏* * * وقوف و هذا في الصحاح رويناه‏

إليه فؤاد المرء يشعر بالهنا* * * و لولاه ما كان الحجاز سلكناه‏

و بتنا بأقطار المحصب من منى‏* * * فيا طيب ليل بالمحصب بتناه‏

و سرنا إليه طالبين وقوفنا* * * عليه و من كل الوجوه أممناه‏

على علميه للوقوف جلالة* * * فلا زالتا تحمي و تحرس أرجاه‏

و بينهما حزنا إليه برحمة* * * فيا طيبها ليت الزحام رجعناه‏

و لما رأيناه تعالى عجيجنا* * * نلبي و بالتهليل منا ملأناه‏

و فيه نزلنا بكرة بذنوبنا* * * و ما هو من ثقل المعاصي حملناه‏

و بعد زوال الشمس كان وقوفنا* * * إلى الليل نبكي و الدعا قد أطلناه‏

*** و مما جاء فيه أيضا:

على عرفات قد وقفنا بموقف‏* * * به الذنب مغفور و فيه محوناه‏

و قد أقبل الباري علينا بوجهه‏* * * و قال أبشروا فالعفو فيكم نشرناه‏

و عنكم ضمنا كل تابعة جرت‏* * * عليكم و أما حقنا قد وهبناه‏

أقلناكم من كل ما قد جنيتم‏* * * و من كان ذا عذر إلينا عذرناه‏

و طوبى لمن ذاك المقام مقامه‏* * * و بشراه في يوم التغابن بشراه‏

نرى موقفا فيه الخزائن فتحت‏* * * و والى علينا اللّه منه عطاياه‏

و دارت علينا الكأس بالوصل و الرضا* * * سقينا شرابا مثله ما سقيناه‏

فإن شئت تسقى ما سقينا على الحمى‏* * * فخلى التوانى و اقصد محلا حللناه‏

*** و مما جاء فيه أيضا:

فظل حجيج اللّه لليل واقفا* * * فقيل انفروا فالكل منكم قبلناه‏

أفيضوا و أنتم حامدون إلهكم‏* * * إلى مشعر جاء الكتاب بذكره‏

و سيروا إليه و اذكروا اللّه عنده‏* * * فسرنا و من بعد العشاء نزلناه‏

35

و فيه جمعنا مغربا لعشائنا* * * ترى عابد جمع بجمع جمعناه‏

و بتنا به و التقطنا جمارنا* * * و ربا ذكرناه على ما هداناه‏

و منه أفضنا حيث ما الناس قبلنا* * * أفاضوا و غفران إله طلبناه‏

*** و مما جاء فيه أيضا:

و نحو منى ملنا بها كان عيدنا* * * و نلنا بها ما القلب كان تمناه‏

فمن منكم باللّه عيد عيدنا* * * فعيد منى رب البرية أعلاه‏

و فيها رمينا للعقاب جمارنا* * * و لا جرم إلا مع جمار رميناه‏

و بالخيف أعطانا الإله أماننا* * * و أذهب عنا كل ما نحن خفناه‏

وردت إلى البيت الحرام وفودنا* * * رجعنا لها كالطير حن لمأواه‏

وطفنا طوافا للإفاضة حوله‏* * * و لذنا به بعد الجمار و زرناه‏

*** و مما جاء فيه أيضا:

و من بعد ما زرناه دخلناه دخلة* * * كأنا دخلنا الخلد حين دخلناه‏

و نلنا أمان اللّه عند دخوله‏* * * كما أخبر القرآن فيما قرأناه‏

فيا منزلا قد كان أبرك منزلا* * * نزلناه في الدنيا و بيت وطئناه‏

ترى حجة أخرى إليك و رحله‏* * * و ذاك على رب العلا نتمناه‏

أإخواننا ما كان أحلى دخولنا* * * إليه و لبثا في حماه لبثناه‏

أإخواننا أوحشتمونا هنيئا لكم‏* * * فيا ليتكم معنا و أنا سكناه‏

*** و مما جاء فيه أيضا:

و بالحجر الميمون لذنا فإنه‏* * * لرب السما في أرضه يمناه‏

نقبله من حبنا لإلهنا* * * فكم لثمة طي الطواف لثمناه‏

على لثمة للشعث و الغبر رحمة* * * فكم أشعث كم اغبر قد رجمناه‏

و ذاك لنا يوم القيامة شاهد* * * و فيه لنا عهد قديم عهدناه‏

و نستلم الركن اليماني طاعة* * * و نستغفر المولى إذا ما لمسناه‏

36

و ملتزم فيه التزامنا لذنبا* * * عهود و عفو اللّه فيه لزمناه‏

و كم موقف فيه مجاب لنا الدعا* * * دعونا به و القصد فيه نويناه‏

و صلى بأركان المقام حجيجنا* * * و في زمزم ماء طهور و ردناه‏

و بين الصفا و المروة الحاج قد سقى‏* * * فإن تمام الحج تكميل مسعاه‏

*** و مما جاء فيه أيضا:

و بينا حجيج اللّه بالبيت محدق‏* * * و رحمة رب العرش تدنوا و تغشاه‏

و تداعت رفاق بالرحيل فما ترى‏* * * سوى دمع عين بالدماء مزجناه‏

لفرقة بيت اللّه و الحجر الذي‏* * * لأجلهما شاق الأمور شققناه‏

و ودعت الحجاج بيت إلهها* * * و كلهم تجري من الحزن عيناه‏

فلله كم باك و صاحب حسرة* * * يود بأن اللّه كان توفاه‏

و لا شهد التوديع يوما لبيته‏* * * و إن فراق البيت مر وجدناه‏

و و اللّه لولا أن نؤمل عودة* * * لذقنا طعام الموت حين مجعناه‏

و من بعد ما طفنا طواف و داعنا* * * رحلنا إلى قبر الحبيب و مغناه‏

انتهى كل ما تقدم من القصائد من تاريخ الفاسي المسمى" شفاء الغرام".

*** و مما جاء في كتابنا مقام إبراهيم (عليه السلام) نقلا عن تاريخ الغازي ما نصه:

و من اللطائف المستملحة: أن بعض أهل المدينة فضلها على مكة في قصيدة بعثها إلى أميرها يدعوه للإقامة عندهم، فلما سمعها أهل مكة رد عليه أحدهم بقصيدة في نهاية البلاغة فسمع بها رجل من جدة فجعل نفسه حكما بينهما و لم يبخس من فضل مكة و المدينة شيئا كما هو الواجب.

و إليك الحكاية كاملة: جاء في تاريخ الغازي المخطوط المسمى" إفادة الأنام بذكر أخبار بلد اللّه الحرام" أن داود بن عيسى بن موسى بن محمد ابن علي بن عبد اللّه بن العباس عم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما ولي مكة و المدينة في خلافة الأمين محمد بن هارون الرشيد العباسي ولى ابنه سليمان المدينة و أقام داود بمكة فكتب إليه أهل المدينة يسألونه التحول إليهم و يعلمونه أن مقامه بالمدينة أفضل من مقامة بمكة، و أهدوا إليه في ذلك شعرا و هو:

37

أداود قد فزت بالمكرمات‏* * * و بالعدل في بلد المصطفى‏

و صرت ثمالا لأهل الحجاز* * * و سرت بسيرة أهل التقى‏

و أنت المهذب من هاشم‏* * * و في منصب العز و المرتجى‏

و أنت الرضى الذي نابهم‏* * * فعدلك فينا هو المنتهى‏

و بالفي‏ء أغنيت أهل الخصاص‏* * * و في كل حال فأنت الرضا

و مكة ليست بدار المقام‏* * * فهاجر كهجرة من قد مضى‏

مقامك عشرون شهرا بها* * * كثير لهم عند أهل الجحا

فقم ببلاد الرسول التي‏* * * بها اللّه خص نبي الهدى‏

و لا يلفتنك عن قربه‏* * * مشير مشورته بالهوى‏

فقبر النبي و آثاره‏* * * أحق بقربك من ذي طوى‏

فلما ورد الكتاب و الأبيات على داود بن عيسى أرسل إلى رجال من أهل مكة فقرأ عليهم الكتاب، فأجابه رجل منهم بقصيدة يرد عليهم و يذكر فيها فضل مكة و ما خصها اللّه تعالى بها من الكرامة و الفضيلة و يذكر المشاعر و المناقب فقال:

أداود أنت الإمام الرضي‏* * * و أنت ابن عم نبي الهدى‏

و أنت المهذب من كل عيب‏* * * كبيرا و من قبله في الصبا

و أنت المؤمل من هاشم‏* * * و أنت ابن قوم كرام التقى‏

و أنت غياث لأهل الخصاص‏* * * تسد خصاصتهم بالغنى‏

أتاك كتاب حسود جحود* * * أسا في مقالته و اعتدى‏

يخير يثرب في شعره‏* * * على حرم اللّه حيث أبتنا

فإن كان يصدق فيما يقول‏* * * فلا يسجدن إلى ماهنا

و أي بلاد تفوق أمها* * * و مكة مكة أم القرى‏

و ربي دحا الأرض من تحتها* * * و يثرب لا شك فيما دحا

و بيت المهيمن فينا مقيم‏* * * يصلي إليه برغم العدا

و مسجدنا بيّن فضله‏* * * على غيره ليس في ذا مرا

صلاة المصلى تعادله‏* * * مئين الوفا صلاة وفا

38

كذاك أتى في حديث النبي‏* * * و ما قال به يقتدى‏

و أعمالكم كل يوم وفود* * * إلينا شوارع مثل القطا

فيرفع فيها إلهي الذي‏* * * يشاء و يترك ما يشا

و نحن تحج إلينا العباد* * * فيرمون شعثا بوتر الحصا

و يأتون من كل فج عميق‏* * * على أنيق ضمير كالقنا

ليقضوا مناسكهم عندنا* * * فمنهم سعاة و منهم مشا

فكم من ملب بصوت حزين‏* * * ترى صوته في الهوى قد علا

و آخر يذكر رب العباد* * * و يثي عليه بحس الثنا

فكلهموا أشعث أغبر* * * يؤم المعرف أقصى المدى‏

فظلوا به يومهم كله‏* * * وقوفا يضجون حتى المسا

حفاة ضحاة قياما لهم‏* * * عجيج ينادون رب السما

رجاء و خوفا لما قدموا* * * و كلا يسأل رفع البلا

يقولون يا ربنا اغفر لنا* * * بعفوك و الصفح عمن أسا

فلما دنا الليل من يومهم‏* * * و ولى النهار أجدوا البكا

و سار الحجيج له وجبة* * * فحلوا بجمع بعيد العشا

فباتوا جميعا فلما بدا* * * عمود الصباح و ولى الدجا

دعوا ساعة ثم شدوا النسوع‏* * * على قلص ثم أموا منى‏

فمن بين ما قد مضى نسكه‏* * * و آخر يبدا بسفك الدما

و آخر يهوى إلى مكة* * * ليسعى و يدعو فيمن دعا

و آخر يرمل حول الطواف‏* * * و آخر ماض يؤم الصفا

فآبوا بأفضل مما رجوا* * * و ما طلبوا من جزيل العطا

و حج الملائكة المكرمون‏* * * إلى أرضنا قبل فيما مضى‏

و آدم قد حج من بعدهم‏* * * و من بعده أحمد المصطفى‏

و حج إلينا خليل الإله‏* * * و هجر بالرمي فيمن رمى‏

فهذا لعمري لنا رفعة* * * حبانا بهذا شديد القوى‏

و منا النبي نبي الهدى‏* * * و فينا نبيا و منا ابتدا

39

و منا أبو بكر ابن الكرام‏* * * و منا أبو حفص المرتجى‏

و عثمان منا فمن مثله‏* * * إذا عدد الناس أهل الحيا

و منا علي و منا الزبير* * * و طلحة منا و فينا انتشا

و منا ابن عباس ذو المكرمات‏* * * نسيب النبي و حلف الندى‏

و منا قريش و آباؤها* * * فنحن إلى فخرنا المنتهى‏

و منا الذين بهم تفخرون‏* * * فلا تفخرون علينا بنا

ففخر أولاء لنا رفعة* * * و فينا عن الفخر ما قد كفى‏

و زمزم و الحجر فينا فهل‏* * * لكم مكرمات كما هي لنا

و زمزم طعم و شرب لمن‏* * * أراد طعاما و فيه الشفا

و زمزم تنفي هموم الصدور* * * و زمزم من كل سقم دوا

و كم جاء زمزم من جائع‏* * * إذا ما تضلع منها اكتفى‏

و ليس كزمزم في أرضكم‏* * * كما ليس نحن و أنتم سوا

و فينا سقاية عم الرسول‏* * * و منها النبي امتلا و ارتوى‏

و فينا المقام فأكرم به‏* * * و فينا المحصب و المنحنى‏

و فينا الحجون ففاخر به‏* * * و فينا كداء و فينا كدى‏

و فينا الأباطح و المروتان‏* * * فبخ بخ فمن مثلنا؟

و فينا المشاعر منشا النبي‏* * * و أجياد و الركن و المتكا

و ثور و هل عندكم مثل ثور* * * و فينا ثبير و فينا حرا

و فيه اختبأ نبي الإله‏* * * و معه أبو بكر المرتضى‏

فكم بين أحد إذا جاء فخر* * * و بين القبيس فيما نرى‏

و بلدتنا حرم لم تزل‏* * * محرمة الصيد فيما خلا

و يثرب كانت حلالا فلا* * * تكذب فكم بين هذا و ذا

و حرمها بعد ذاك النبي‏* * * فمن أجل ذلك جاذا كذا

و لو قتل الوحش في يثرب‏* * * لما فدى الوحش حتى اللقا

و لو قتلت عندنا نملة* * * أخذتم بها أو تؤدوا الفدا

و لولا زيارة قبر النبي‏* * * لكنتم كسائر من قد بدا

40

فإن قلت قولا خلاف الذي‏* * * أقول فقد قلت قول الخطا

فلا تفحش علينا المقال‏* * * و لا تنطقه بقول الخنا

و لا تفخرن بما لا يكون‏* * * و لا ما يشنيك عند الملا

و لا تهج بالشعر أرض الحرام‏* * * و كف لسانك عن ذي طوى‏

و إلا فجاءك ما لا تريد* * * من الشتم في أرضكم و الأذى‏

فقد يمكن القول في أرضكم‏* * * بسبب العقيق و وادي قبا

*** فأجابهما رجل من بني ناسك كان مقيما بجدة مرابطا فحكم بينهما، و بيّن فضل البلدتين الطاهرتين" مكة و المدينة" فقال (رحمه اللّه تعالى):

إني قضيت على الذين تماريا* * * في فضل مكة و المدينة فاسألوا

فلسوف أخبركم بحق فافهموا* * * فالحكم حينا قد يجوز و يعدل‏

فأنا الفتى العجلى جدة مسكني‏* * * و خزانة الحرم التي لا تجهل‏

و بها الجهاد مع الرباط و إنها* * * لبها الوقيعة لا محالة تنزل‏

من آل حام في أواخر دهرنا* * * و شهيدها بشهيد بدر يعدل‏

شهداؤنا قد فضلوا بسعادة* * * و بها السرور لمن يموت و يقتل‏

يا أيها المدني أرضك فضلها* * * فوق البلاد و فضل مكة أفضل‏

أرض بها البيت المحرم قبلة* * * للعالمين لها المساعدة تعدل‏

حرم حرام أرضها و صيودها* * * و الصيد في كل البلاد محلل‏

و بها المشاعر و المناسك كلها* * * و إلى فضيلتها البرية ترحل‏

و بها المقام و حوض زمزم مترع‏* * * و الحجر و الركن الذي لا يجهل‏

و المسجد العالي الممجد و الصفا* * * و المشعران و من يطوف و يرمل‏

هل في البلاد محلة معروفة* * * مثل المعرف أو محل يحلل‏

أو مثل جمع في المواطن كلها* * * أو مثل خيف منى بأرض منزل‏

تلكم مواضع لا يرى بحرامها* * * إلا الدعاء و محرم و محلل‏

شرفا لمن وافى المعرف ضيفه‏* * * شرفا له و لأرضه إذ ينزل‏

و بمكة الحسنات ضوعف أجرها* * * و بها المسي‏ء عن الخطيئة يسئل‏

41

يجزي المسي‏ء على الخطيئة مثلها* * * و تضاعف الحسنات منه و تقبل‏

ما ينبغي لك أن تفاخر يا فتى‏* * * أرضا بها ولد النبي المرسل‏

بالشعب دون الردم مسقط رأسه‏* * * و بها نشأ صلى عليه المرسل‏

و بها أقام و جاءه وحي السما* * * و سرى به الملك الرفيع المنزل‏

و نبوة الرحمن فيها أنزلت‏* * * و الدين فيها قبل دينك أول‏

هل بالمدينة هاشمي ساكن‏* * * أو من قريش ناشئ أو مكهل‏

إلا مكة أرضه و قراره‏* * * لكنهم عنها نأوا و تحولوا

و كذاك هاجر نحوكم لما أتى‏* * * أن المدينة هجرة فتحملوا

فأجرتمو و قربتمو و نصرتمو* * * خير البرية حقكم أن تفعلوا

فضل المدينة بيّن و لأهلها* * * فضل قديم نوره يتهلل‏

من لم يقل أن الفضيلة فيكم‏* * * قلنا كذبت و قول ذلك أرذل‏

لا خير فيمن ليس يعرف فضلكم‏* * * من كان يجهله فلسنا نجهل‏

في أرضكم قبر النبي و بيته‏* * * و المنبر العالي الرفيع الأطول‏

و بها قبور السابقين بفضلهم‏* * * عمر و صاحبه الرفيق الأفضل‏

و العترة الميمونة اللاتي بها* * * سبقت فضيلة كل من يتفضل‏

آل النبي بنو علي إنهم‏* * * أمسوا ضياء للبرية يشمل‏

يا من تبص إلى المدينة عينه‏* * * فيك الصغار و صعر خدك أسفل‏

إنا لنهواها و نهوى أهلها* * * و ودادها حق على من يعقل‏

قل للمديني الذي يزداد ردا* * * ود الأمير و يستحث و يعجل‏

قد جاءكم داود بعد كتابكم‏* * * قد كان حبلك في أميرك يغتل‏

فاطلب أميرك و اشذره و لا تقم‏* * * في بلدة عظمت فوعظك أفضل‏

ساق الإله لبطن مكة ديمة* * * تروي بها و على المدينة تسبل‏

انتهى من كتابنا مقام إبراهيم (عليه السلام).

نقول: لقد أجاد هذا الرجل الذي كان مقيما بجدة في بيان فضل مكة و فضل المدينة، ف(رحمه اللّه) رحمة واسعة و جزاه خير الجزاء، و نحن ذكرنا هنا فضل مكة و لم نذكر عن فضل المدينة شيئا، لأن كتابنا هذا خاص عن تاريخ مكة، و إن شاء اللّه‏

42

إذا وضعنا كتابا عن المدينة المنورة سنتشرف بذكر فضلها و مكانتها، اللهم وفقنا للخيرات و تقبل منا صالح الاعمال آمين.

و من ألطف الأقوال في المسجدين الحرامين" بمكة و المدينة" قول السيد محمد بن عبد اللّه، الشهير بكبريت المدني (رحمه اللّه تعالى)، قال:

فارقت مكة و الأشواق تجذبني‏* * * لها و يممت طه معدن الكرم‏

فهل درى البيت أني بعد فرقته‏* * * ما سرت من حرم إلا إلى حرم‏

و قول الشيخ عبد الرحمن العمادي مفتي الحنفية بدمشق (رحمه اللّه تعالى):

فارقت طيبة مشتاقا لطيبتها* * * فجئت مكة في وجد و في ألم‏

لكن سررت بأني بعد فرقتها* * * ما سرت من حرم إلا إلى حرم‏

اللهم اقبلنا أينما كنا و تداركنا برحمتك الواسعة، و لطفك الخفي يا أرحم الراحمين.

تذكر النبي (صلى الله عليه و سلم) و أصحابه مكة بعد الهجرة

ينزع الطير إلى و كره الذي درج منه فلا يزال إن لم به الليل، و أضله الظلام- يلتمس إليه الطريق دوحة بعد دوحة- و غصنا في أثر غصن. و بين ذاك ينوح بإيقاع من الحزن يزكي لهيب الأسى و يثير الشجون.

لقد تجاوز الطير في سبيله ما تجاوز: من رائع الزهر و يانع الورد، و وارف الورق، و داني القطوف، فما باله لم يبتغ بين كل أولئك مقاما، أهو واجد في و كره ما يجده فيما حوله من ماء روي، و هواء غذي، و طعام شهي، و حب نثير، و بساط نضير، و فراش وثير، و هل وراء ذلك بغية لنفس.

أجل إنه يطلب الوطن، و له بين جوانحه معنى لا يراه فيما رآه فهو منبت نفسه، و مهبط رأسه، و مدرج طفولته، و مرتع حداثته، و مجمع إلقائه، و ملتقى أحبائه، فكان من الحق ألا يهيم إلا به، و لا يحن إلا إليه. انتهى.

الوطن، لشوقي بك‏

و جانب من الثرى يدعى الوطن‏* * * مل‏ء العيون و القلوب و الفطن‏

مزين للآدمي العاقل‏* * * و كل سهلي و كل عاقل‏

43

و الأسد الخادر في البوادي‏* * * و النمل فيما اتخذت من وادي‏

و نزعة الناس إلى أوطانها* * * كنزعة الإبل إلى أعطانها

يحبه الأقوام منذ كانا* * * و لا يساوون به مكانا

إذا أتاهم أيسر النداء* * * منه جروا لغاية الفداء

أو ذكر الحنين و الحفاظ* * * لم تجر إلا باسمه الألفاظ

و تكرم الدار على الحر الأبي‏* * * كرامة الأم عليه و الأب‏

و ليس من عرض و لا حريم‏* * * تحميه فوق الوطن الكريم‏

الجسم من تربته و مائه‏* * * و الروح روح هب من سمائه‏

و كل ما حولك من هباته‏* * * و ما وجدت فهو من نباته‏

أمانة الأول عند الآخر* * * خزانة الآثار و المفاخر

انتهى.

فالوطن عزيز على كل أحد، حتى لو كان قرية صغيرة فما بالك إذا كان الوطن بلدة كبيرة شهيرة.

(يحكى) في قديم الزمان أن رجلا كان عنده طير وضعه في قفص من ذهب، فكان يطعمه حبا نقيا نظيفا و يسقيه ماء طهورا معطرا فاستضاف يوما أحد الأنبياء عليهم الصلاة و السلام فلما رآه الطير صار يغرد تغريدا متواصلا، فقال النبي (صلى الله عليه و سلم) لمضيفه: أتدري ما يقول هذا الطير؟ قال: لا، قال: فإنه يحب أن تطلقه من هذا القفص ليذهب إلى وطنه، فقد اشتاق إليه كثيرا، قال: سأطلقه يا نبي اللّه، و لكني أحب أن ترسل وراءه أحد الطيور ليأتينا بخبره أين يقع وطنه. فأمر النبي الكريم طيرا من الطيور أن ينطلق وراءه ليأتي بخبره، فذهب وراءه فما زالا يطيران حتى وصلا إلى موطن الطير و إذا به يقع على شجرة يابسة في وسط الصحراء قاحلة و إذا الطير يغرد تغريدا الفرح و السرور و يقول: إن هذه البقعة القاحلة الجرداء أفضل عندي من المحل الذي كنت فيه- هذه الحكاية لا تهمني صحة روايتها بقدر ما يهمنا مغزاها و معناها، فرحم اللّه من حكاها لنا و غفر لنا و له.

قال بعضهم في الوطن:

بلاد ألفناها على كل حالة* * * و قد يؤلف الشي‏ء الذي ليس بالحسن‏

و تستحسن الأرض التي لا هواؤها* * * و لا ماؤها عذب و لكنها وطن‏

44

و رب امرئ ألقى هواه على امرئ‏* * * فلم ير منه غير ما يورث الحزن‏

و قال ابن الرومي في الوطن:

ولي وطن آليت أن لا أبيعه‏* * * و أن لا أرى غيري له الدهر مالكا

عمرت به شرخ الشباب منعما* * * بصحبة قوم أصبحوا في ظلالكا

و حبّب أوطان الرجال إليهم‏* * * مآرب قضاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم‏* * * عهود الصبا فيها فاحنوا لذالكا

و قد ألفته النفس حتى كأنه‏* * * لها جسد إن بان غودر هالكا

فكم تغنى الشعراء و أشاد الكتاب و الأدباء بالوطن، أي وطن كان، فما بالك بمن وطنه أشرف الأوطان و بلده أقدس البلاد و أطهرها و هو" أم القرى بلد اللّه الأمين" فحق لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و صحابته المهاجرين الكرام أن يشتاقوا لوطنهم العزيز المقدس" مكة" التي فيها بيت اللّه عز شأنه، و فيها نزل القرآن و هبط جبريل. و في اشتياقه (صلى الله عليه و سلم) إلى مكة عند هجرته منها يقول اللّه عز شأنه في آخر سورة القصص: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ.

قال بعض المفسرين: سبب نزول هذه الآية: أنه (صلى الله عليه و سلم) لما أذن له في الهجرة إلى المدينة و خرج من الغار مع أبي بكر ليلا في غير الطريق، فلما نزل بالجحفة بين مكة و المدينة و عرف طريق مكة اشتاق إليها و ذكر مولده و مولد أبيه، فنزل عليه جبريل و قال له: أتشتاق إلى بلدك و مولدك؟ فقال (عليه السلام): نعم، فقال جبريل:

إن اللّه تعالى يقول: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ يعني إلى مكة ظاهرا عليهم. و سميت البلد معادا؛ لأن شأن الإنسان أن ينصرف من بلده و يعود إليها. انتهى.

و إليك بعض ما ورد عن ذكرياتهم" و الذكريات صدى السنين الخوالي" نذكرها مختصرا من تاريخ الإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى)، فقد جاء فيه:

قال ابن أبي الحمراء: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول و هو بالحزورة: و اللّه إنك لخير أرض اللّه إلى اللّه و لو أني أخرجت منك ما خرجت-" الحزورة كانت قرب باب الوداع ثم دخلت في المسجد".

45

و عن ابن أبي نجيح قال: قالت عائشة: لولا الهجرة لسكنت مكة، إني لم أر السماء بمكان قط أقرب إلى الأرض منها بمكة و لم يطمئن قلبي ببلد قط ما اطمأن بمكة، و لم أر القمر بمكان أحسن منه بمكة.

و عن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لما قدم النبي (صلى الله عليه و سلم) المدينة و عك أبو بكر رضي اللّه عنه و بلال، فكان أبو بكر رضي اللّه عنه إذا أخذته الحمى يقول:

كل امرئ مصبح في أهله‏* * * و الموت أدنى من شراك نعله‏

و كان بلال إذا أقلع يرفع عقيرته و يقول:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة* * * بفخ و حولي أذاخر و جليل‏

هل أردن يوما مياه مجنة* * * و هل يبدون لي شامة و طفيل‏

و قد جاء هذا في صحيح البخاري في كتاب الطب في باب عيادة النساء الرجال.

اللهم العن شيبة بن ربيعة و عتبة بن ربيعة و أمية بن خلف كما أخرجونا من مكة" و المواقع المذكورة في البيتين هي بقرب مكة".

نقول: أما فخ بخاء معجمة، فهو واد في مدخل مكة و هو عند الزاهر و الشهداء، و أما أذاخر و جليل فقد ذهبنا إلى هذين المحلين في صباح اليوم التاسع من شهر شعبان عام ألف و ثلاثمائة و ستة و سبعين لمعرفة هذين الموقعين، فهما واقعان في محلة المعابدة بمكة المشرفة، متصلان بخريق العشر، يدخل الإنسان في شعب يطل عليه قلعة صغيرة قديمة البنيان تهدم نصفها المقابل للجبل، فهذا الشعب يسمى شعب" ذاخر" و هو المذكور في البيتين، و هو شعب عامر بالعرب من سكان مكة ليس بينهم غريب، و يقع جبل حراء على يمين شعب ذاخر، لكنه لا يظهر من بطنه بسبب الجبال.

و لقد ذكر الأزرقي في تاريخه ثنية أذاخر بصحيفة 234 من الجزء الثاني، بقوله: ثنية أذاخر هي الثنية التي تشرف على حائط خرمان، و من ثنية أذاخر دخل النبي (صلى الله عليه و سلم) يوم فتح مكة، و قبر عبد اللّه بن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه بأصلها مما يلي مكة في قبور آل عبد اللّه بن خالد بن أسيد، و ذلك أنه مات عندهم في دارهم فدفنوه في قبورهم ليلا. انتهى كلامه.

46

فإذا واصل الإنسان السير صوب الشام، يخرج إلى فسخة أمامه في وسطها تقع بناية جميلة حديثة تسمى" المجزرة الجديدة" بنيت في أول العام المذكور، لكنها لم تستعمل بعد و ليس حولها بنيان، ثم إذا مشى الإنسان عن يمينه قبل الوصول إلى المجزرة الجديدة صاعدا في أرض صخرية مرتفعة، فإنه يستقبل شعب" جليل" كما يستقبل أمامه طودا عظيما شامخا هو" جبل حراء".

فجليل واد متسع سهل غير مسكون، ليس فيه سوى محلين صغيرين و بقعة صغيرة مزروعة، و يقع شعب جليل بظهر جبل حراء من جهة الشام، و هو ظاهر أمامه بقبته الطبيعية الفريدة.

و الحق يقال أن شعب أذاخر و وادي جليل بقعتان جميلتان مباركتان، تنبسط فيهما النفس و تنشرح لديهما الصدور، و لقد ذهبنا إلى كثير من البقاع و الشعوب حول مكة فلم نجد مكانا يضاهيهما في جمالهما الطبيعي و شدة ارتياح الإنسان إليهما، و انشراح النفس فيهما، مع أنهما لا زرع فيهما و لا شجر، إلا ما أودع اللّه فيهما من جمال طبيعي و روعة و صفاء، و نعتقد أن غالب أهل مكة، لم يصلوا إليهما حيث إنهما من الجهات غير المطروقة. و و اللّه إنه ليحق لبلال رضي اللّه تعالى عنه أن يتذكرهما و يحن إليهما في غربته.

و عن طلحة بن عمرو قال: قال ابن أم كثلوم و هو آخذ بخطام ناقة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو يطوف:

حبذا مكة من وادي‏* * * بها أرضي و عوادي‏

بها ترسخ أوتادي‏* * * بها أمشي بلا هادي‏

نقول: هذان البيتان لأبي أحمد بن جحش، فقد جاء في كتاب" الإصابة في تمييز الصحابة" عند ترجمة أبي أحمد بن جحش الأسدي رضي اللّه تعالى عنه و هو من السابقين الأولين إلى الإسلام، كان أبو أحمد ضريرا يطوف بمكة أعلاها و أسفلها، بغير قائد، و كانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب، و شهد بدرا و المشاهد، و كان يدور مكة بغير قائد، و في ذلك يقول:

حبذا مكة من وادي‏* * * بها أهلي و عوادي‏

بها ترسخ أوتادي‏* * * بها أمشي بلا هادي‏

و أبو أحمد أخو أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي اللّه تعالى عنهما. انتهى.

47

و قال ابن شهاب: قدم أصيل الغفاري قبل أن يضرب الحجاب على أزواج النبي (صلى الله عليه و سلم) فدخل على عائشة رضي اللّه عنها فقالت له: يا أصيل، كيف عهدت مكة؟ قال: عهدتها قد أخصب جنابها و ابيضت بطحاؤها. قالت: أقم حتى يأتيك النبي (صلى الله عليه و سلم) فلم يلبث أن دخل النبي (صلى الله عليه و سلم) فقال له: يا أصيل، كيف عهدت مكة؟ قال: و اللّه عهدتها قد أخصب جنابها و ابيضت بطحاؤها و أغدق إذخرها، و أسلت تمامها، و أمش سلمها، فقال: حسبك يا أصيل لا تحزنا. يعني بقوله:

أمش سلمها، يعني نواميه الرخصة التي في أطراف أغصانه.

و كان رجل من جرهم كان بمكة على دين إبراهيم و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام فأخرجه من مكة عمرو بن لحي، فنزل بأضم من أعراض المدينة نحو الشام، فقال و قد تشوق إلى مكة:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة* * * و أهلي معي بالمأزمين حلول‏

و هل أرين العيس تنفخ في البر* * * لها بمنى و المأزمين ذميل‏

منازل كنا أهلها لم تحل بنا* * * زمان بها فيما أراه تحول‏

مضى أولونا راضين بشأنهم جميعا* * * و غالتني بمكة غول‏

انتهى ملخصا من تاريخ الأزرقي.

و في صحيفة 55 من الجزء الأول من التاريخ المذكور جاء بهامشها عن البيت الثالث مرويا في ياقوت هكذا:

منازل كنا أهلها فأزالنا* * * زمان لنا بالصالحين خذول‏

و جاء أيضا في تاريخ الأزرقي عن عبد الرحمن بن هشام أنه قال: خرجت غازيا في خلافة بني مروان فقفلنا من بلاد الروم فأصابنا مطر فآوينا إلى قصر فاستذرينا به من المطر، فلما أمسينا خرجت جارية مولدة من القصر، فتذكرت مكة و بكت عليها، و أنشأت تقول:

من كان ذا شجن بالشام يحبسه‏* * * فإن في غيره أمسى لي الشجن‏

و إن ذا القصر حقا ما به وطني‏* * * لكن بمكة أمسى الأهل و الوطن‏

إلى آخره. انتهى من الأزرقي باختصار.

و في الأزرقي ما ملخصه:

48

لما غلبت خزاعة جرهما و نفتهم عن مكة و من ضمنهم مضاض بن عمرو بن الحارث ملك جرهم و المطاع فيهم، مع أنه كان يعظهم و يحذرهم عاقبة البغي في الحرم، أرسل إلى خزاعة يستأذنها في دخول مكة و النزول في جوارهم و قد كان اعتزل الحرب التي وقعت بينها و بين جرهم، فلم تأذن خزاعة له أن يدخل مكة، فانطلق مضاض بن عمرو نحو اليمن إلى أهله و هم يتذاكرون ما حال بينهم و بين مكة، و ما فارقوا من أمتها و ملكها، فحزنوا على ذلك حزنا شديدا، فبكوا على مكة، و جعلوا يقولون الأشعار في مكة، فمما قاله في ذلك قصيدة أولها:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* * * أنيس و لم يسمر بمكة سامر

إلى أن قال بعد أحد عشر بيتا:

و صرنا أحاديثا و كنا بغبطة* * * كذلك عضتنا السنون الغوابر

فسحت دموع العين تبكي لبلدة* * * بها حرم آمن و فيها المشاعر

بواد أنيس ليس يؤذي حمامه‏* * * و لا منفرا يوما و فيها العصافر

و فيها وحوش لا ترام أنيسة* * * إذا خرجت منها فما أن تغادر

فياليت شعري هل تعمر بعدنا* * * جياد فممضى سيله فالظواهر

فبطن منى وحش كأن لم يسر به‏* * * مضاض و من حبى عدي عماير

و مما قاله أيضا:

يا أيها الحي سيروا إن قصركم‏* * * أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا

إنا كما كنتموا كنا فغيرنا* * * دهر فسوف كما صرنا تصيرونا

حثو المطي و أرخوا من أزمتها* * * قبل الممات و قضوا ما تقضونا

قد مال دهر علينا ثم أهلكنا* * * بالبغي فيه و بر الناس ناسونا

إن التفكر لا يجدي بصاحبه‏* * * عند البديهة في علم له دونا

قضوا أمور كموا بالحزم إن لها* * * أمور رشد رشدتم ثم مسنونا

و استخبروا في صنيع الناس قبلكم‏* * * كما استبان طريق عنده الهونا

كنا زمانا ملوك الناس قبلكم‏* * * بمسكن في حرام اللّه مسكونا

انتهى باختصار من تاريخ الأزرقي.

هذا بعض ما ورد عن التشوق إلى مكة المشرفة من أهلها الذين شطت بهم الدار في العصور السالفة، و لئن أردنا ذكر كل ما يمت إلى هذا الموضوع لطال بنا

49

الكلام و المقال. و من عجيب ما روته مجلة" آخر ساعة" التي تصدر بالقاهرة في العدد الذي صدر في 21 نوفمبر عام 1956 من الميلاد فقد قالت: وصلت أول طائرة إلى مطار القاهرة قادمة من سويسرا و النمسا فنزل منها مصري من رجال الأعمال اسمه" بسيوني جمعة" قد احتجزته ظروف الحرب في" أثينا"، و لم يكد الرجل المذكور يهبط في المطار حتى نسي المستقبلين الذين كانوا ينتظرونه، و انحنى على الأرض، و أخذ يقبل ذرات التراب التي تكسو أرض مطار مصر، و رآه راكب آخر اسمه" عدلي عزيز" كان يليه في النزول، فلم يتمالك نفسه و ارتمى على أرض بلاده و أخذ يقبل ترابها. ا ه.

فانظر حب الوطن كيف يفعل بالألباب.

و الحق يقال أننا لم نجد أي شخص من مكة سافر إلى الخارج، إلا و هو يهرول إليها إذا انقضت حاجته، و لقد كنا أقمنا بمصر بضع سنين لطلب العلم أيام الشاب، فإذا جاء موسم الحج، كنا نتشوق إلى مكة أعظم الشوق، حتى كنا نبكي أحيانا، و ليس في ذلك من غرابة.

و ما أحلى كلام أمير الشعراء أحمد شوقي بك، (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" دول العرب و عظماء الإسلام" حيث يقول" في الوطن":

و جانب من الثرى يدعى الوطن‏* * * مل‏ء العيون و القلوب و الفطن‏

مزين للآدمي العاقل‏* * * و كل سهلي و كل عاقل‏

و الأسد الخادر في البوادي‏* * * و النمل فيما اتخذت من وادي‏

و نزعة الناس إلى أوطانها* * * كنزعة الإبل من أعطانها

يحبه الأقوام منذ كانا* * * و لا يساوون به مكانا

إذا أتاهم أيسر الندا* * * منه جروا لغاية الفداء

أو ذكر الحنين و الحفاظ* * * لم تجر إلا باسمه الألفاظ

كم من دماء سلن حول حوضه‏* * * و من عروض زلن دون عرضه‏

و في سبيله قضى رجال‏* * * من أن يلاقوا تستحي الآجال‏

و باسمه كم تاجر الفساق‏* * * و انغادت الناس لهم فساقوا

و تكرم الدار على الحر الأبي‏* * * كرامة الأم عليه و الأب‏

و ليس من عرض و لا حريم‏* * * تحميه فوق الوطن الكريم‏

50

الجسم من تربته و مائه‏* * * و الروح روح هب من سمائه‏

و كل ما حولك من هباته‏* * * و ما وجدت فهو من نباته‏

أمانة الأول عند الآخر* * * خزانة الآثار و المفاخر

و حوض ما جف من الشباب‏* * * و قصف الدهر من الأحباب‏

و رسم ما بان من الليالي‏* * * و أثر الأيام في الخيال‏

و مخلق الشباب و المشيب‏* * * و ملبس البالي على القشيب‏

و في ثراه البلقع اليباب‏* * * ما شئت من أهل و من أحباب‏

و فى له من ليس بالوفى‏* * * و هشت من لم يك بالحفى‏

انتهى.

اللهم إن (مكة) بلدك الحرام، و فيها بيتك المعظم، و هي مهبط أنبيائك و ملائكتك، و مستقر أصفيائك و أوليائك، و مركز رحمتك و رضائك، فاجعلها اللهم آمنة مطمئنة رخية، عامرة بعبادتك و خيراتك، و أصلح أهلها و وفقهم لمرضاتك، و أمتنا فيها على الإيمان الكامل، حتى تبعثنا يوم القيامة من الآمنين من كل خوف و فزع، و أدخلنا الجنة بسلام آمنين مع النبين و الصدقين و الشهداء و الصالحين بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين، و صلى اللّه على النبي الأمي و على آله و صحبه أجمعين آمين.

مدخل مكة المشرفة

من المعلوم أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حينما بعثه اللّه تعالى بالرسالة إلى الناس كافة، مكث ثلاثة عشر سنة و هو يدعو قريشا بمكة، يدعوهم بالتبشير و الإنذار، بالقوة و القتال، فلما كثر أذى المشركين له، و دبروا أمر قتله، أمره اللّه تعالى بالهجرة إلى المدينة المنورة، فتوجه من ساعته إلى بيت صديقه أبي بكر، رضي اللّه تعالى عنه، و أخبره بأن اللّه تعالى قد أذن له بالهجرة، فسأله أبو بكر الصحبة، فوصلا إلى المدينة، و نزل (صلى الله عليه و سلم) بقباء في اليوم الثاني من ربيع الأول، و هو يوافق العشرين من شهر سبتمبر سنة (622) اثنين و عشرين و ستمائة ميلادية كما حققه محمود الفلكي المصري (رحمه اللّه تعالى)، فمن هذه الهجرة وضع عمر بن الخطاب، رضي‏

51

اللّه تعالى عنه، بدء التاريخ العربي الهجري، و قدم ميعاد الهجرة شهرين و أياما ليكون بدؤها من شهر محرم ليتحد بدء الهجرة و بدء السنة الهلالية.

فابتدأ (صلى الله عليه و سلم)، يدعو إلى الإسلام جهرا منذ وصوله إلى المدينة، و قد أذن اللّه تعالى للمهاجرين بقتال المشركين حيث أخرجوهم من ديارهم بغير حق كما جاء ذلك صريحا في سورة الحج: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ‏ و في الحديث الشريف:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه فإذا قالوها عصموا عني دماءهم و أموالهم إلا بحقها و حسابهم على اللّه".

فكان ابتداء القتال و الجهاد لإعلاء كلمة اللّه تعالى بالمدينة المنورة، و كان ذلك إما بالسرية، بكسر الراء المخففة، و هي قطعة من الجيش ليس فيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و إما بالغزو و هي التي فيها النبي الكريم عليه أفضل الصلاة و التسليم، فمكث (صلى الله عليه و سلم) عشر سنين بالمدينة المنورة، ثم فارق هذه الدنيا، و لحق بالرفيق الأعلى، و ذلك ضحوة الاثنين الثالث عشر من ربيع الأول في السنة الحادية عشر من الهجرة، الموافق لليوم الثامن من شهر يونيو سنة (633) ميلادية.

و غزوة فتح مكة المشرفة كانت في السنة الثامنة من الهجرة، فقد سار النبي (صلى الله عليه و سلم)، في منتصف رمضان من المدينة بعد أن ولى عليها ابن أم كلثوم، بجيش عظيم يبلغ عشرة آلاف مجاهد، فلما وصل عليه الصلاة و السلام إلى مرّ الظهران، و هو على مرحلة من مكة و تسمى" وادي فاطمة" أمر بإيقاد عشرة آلاف نار، فقال أبو سفيان و قد جاء مع رجلين يستطلعون الخبر، و ذلك قبل أن يسلم: ما هذه لكأنها نيران عرفة، فلما أخذهم الحرس و أتوا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، أسلم أبو سفيان.

ثم سار النبي (صلى الله عليه و سلم) يريد مكة، و أمر أن تركز رايته بالحجون بمكة عند منتهى البيوت و أدناها" أي في موضع مسجد الراية بالجودرية اليوم". و أمر خالد بن الوليد أن يدخل بجيشه مكة من أسفلها من طريق كدي بضم الكاف بالتصغير، و دخل (صلى الله عليه و سلم) مكة من أعلاها من كداء بفتح الكاف و بالمد، و بعضهم يقول دخلها من ثنية أذاخر و هو راكب راحلته منحن على الرحل تواضعا للّه و شكرا له على هذه النعمة العظمى، حتى لتكاد جبهته تمس الرحل، و أسامة بن زيد رديفه- و كان ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين خلت من رمضان، حتى وصل إلى الحجون في موضع رايته، و قد نصبت له هناك قبة فيها أم سلمة و ميمونة رضي اللّه عنهما،

52

فاستراح قليلا، ثم سار و بجانبه أبو بكر يحادثه و هو يقرأ سورة الفتح حتى بلغ البيت، و طاف سبعا على راحلته و استلم الحجر بمحجنه، و كان حول الكعبة إذ ذاك ثلاثمائة و ستون صنما فجعل (عليه السلام) يطعنها بعود في يده و يقول: جاء الحق و زهق الباطل و ما يبدئ الباطل و ما يعيد، ثم أمر بالآلهة فأخرجت من البيت و فيها صورة إسماعيل و إبراهيم في أيديهما الأزلام فقال (عليه السلام):" قاتلهم اللّه لقد علموا ما استقسما بها قط". و هذا أول يوم طهرت فيه الكعبة من هذه المعبودات الباطلة، و بطهارة الكعبة المقدسة عند جميع العرب باديها و حاضرها من هذه الأجناس، سقطت عبادة الأوثان من جميع بلاد العرب إلا قليلا.

و قد بسطنا الكلام على فتح مكة المشرفة، إنما أتينا بهذه النبذة كمقدمة لما سيأتي من الكلام لمداخل مكة، و إليك تفصيل ذلك، فنقول و باللّه تعالى التوفيق:

جاء في تاريخ الأزرقي عن مجاهد أنه قال: وجد في بعض الزبور" أنا اللّه ذو بكة جعلتها بين هذين الجبلين و صغتها يوم صغت الشمس و القمر و حففتها بسبعة أملاك حنفاء، و جعلت رزق أهلها من ثلاثة سبل فليس يؤتى أهل مكة إلا من ثلاث طرق، من أعلى الوادي و أسفله و كداء و باركت لأهلها في اللحم و الماء".

انتهى من الأزرقي.

و قال القطبي في تاريخه: و مكة شرفها اللّه تعالى، تحيط بها جبال لا يسلك إليها الخيل و الإبل و الأحمال إلا من ثلاث مواضع، أحدها من جهة المعلاة، و الثانية الشبيكة، و الثالثة من المسفلة، و أما الجبال المحيطة بها، فيسلك من بعض شعابها الرجال على أقدامهم، لا الخيل و الجمال و الأحمال. انتهى من القطبي.

نقول: إن اللّه تعالى لما أحاط بلده الأمين" مكة" بالجبال الشامخات، جعل لها من أصل الخلقة ثلاث طرق عامة يدخل الناس منها بدوابهم و أحمالهم، و لا زالت هذه الطرق العامة مستعملة مطروقة إلى اليوم، فيأتي إليها الناس ركبانا و مشاة من طريق الطائف من أعلاها و هي جهة المعلاة، و يأتون إليها أيضا من طريق اليمن من أسفلها و هي جهة المسفلة، و يأتون إليها أيضا من طريق جدة من جهة الشبيكة.

فهذه ثلاث طرق أصلية لا زالت مستعملة من قديم الأزل إلى اليوم، و يمكن أيضا الوصول إلى مكة من جميع جهاتها، بتسلق الجبال و المشي بين الشعاب الملتوية، لكن ذلك يستلزم المشقة و التعب الشديد، و ربما ضل السائر طريقه فهلك من العطش و التعب.