التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج4

- محمد طاهر الكردي المزيد...
651 /
5

[الجزء الرابع‏]

الآيات المكتوبة على حزام الكعبة المشرفة

نذكر هنا نوعين مما يكتب على حزام الكعبة المشرفة بخيوط من الذهب الخالص: فالنوع الأول ما كان يكتب قبل نصف قرن تقريبا، و النوع الثاني مما كتب في عصرنا أي في سنة (1387) فالكتابة على حزام الكعبة المشرفة من النوع الأول قال عنه الغازي في تاريخه عند الكلام على كسوة الكعبة و الكتابة التي على حزامها ما نصه:

ثم يوضع على محيط البيت المعظم فوق هذه الستائر فيما دون ثلثها الأعلى حزام مركب من أربع قطع مصنوعة من المخيش المذهب (مكتوب فيه من الجهة الشرقية التي فيها باب الكعبة) بسم اللّه الرحمن الرحيم. وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏.

(و مكتوب في الجهة التي تليها من جهة الحجر الأسود) بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ* وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ‏.

(و مكتوب في الجهة المقابلة للمقام المالكي) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏.

(و مكتوب في الجهة الرابعة و هي التي بها الميزاب) في أيام دولة مولانا السلطان الأعظم ملك ملوك العرب و العجم السلطان محمد الخامس خان ابن السلطان عبد المجيد خان ابن السلطان محمود خان الغازي ابن السلطان عبد الحميد خان بن السلطان أحمد خان بن السلطان محمد خان ابن السلطان إبراهيم خان بن السلطان مراد خان بن السلطان عثمان خان خلد اللّه ملكه. انتهى من تاريخ الغازي.

6

و النوع الثاني، مما كتب (على الحزام) في عصرنا أي في سنة 1387 ه و هو ما يأتي:

من الجهة الشرقية التي فيها الباب: وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏.

و تحت هذا مكتوب في سطر واحد في وسط الثوب: تم صنع هذه الكسوة بالجمهورية العربية المتحدة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر و أهديت إلى الكعبة المشرفة في عهد خادم الحرمين الشريفين سعود بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية سنة 1377 ه.

و مكتوب من الجهة الشمالية فيما بين الركنين: بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ* قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى‏ ما تَعْمَلُونَ‏.

و مكتوب على الحزام من الجهة الغربية:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ* وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ‏.

و مكتوب عليه من الجهة الشمالية من جهة حجر إسماعيل:

وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏. بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ‏. يا حنان يا منان يا ديان يا سبحان. ‏

7

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏.

و اعلم بأنه قد جرت العادة ذكر اسم ملك مصر الذي أهديت الكسوة إلى الكعبة المشرفة في عهده على ستارة الكعبة المشرفة في الجهة الشرقية أي فوق بابها، و في عصرنا الحاضر حيث تصنع كسوة الكعبة المشرفة بمكة المكرمة يكتب اسم ملك المملكة العربية السعودية على الكسوة.

انظر: صورة رقم 101، جزء من حزام الكعبة المشرفة و تظهر فيه بعض الآيات القرآنية.

هذا و قد صنعت كسوة الكعبة المشرفة بمكة المكرمة لأول مرة في سنة 1346 هجرية و استمر صنعها بمكة بضع سنوات فلما تحسنت العلاقات بين المملكة العربية السعودية و الحكومة المصرية أقفل المصنع بمكة لتعهد الحكومة المصرية بإرسال الكسوة كالعادة المتبعة ثم حصل سوء التفاهم بين الحكومتين أيضا فانقطع إرسال الكسوة من قبل الحكومة المصرية و فتحت الحكومة السعودية مصنع الكسوة بمكة مرة ثانية في سنة 1382 ه. و استمر ذلك إلى عامنا هذا أي سنة 1387 ه، و لقد نجح مصنع الكسوة بمكة بعناية و إخلاص سعادة السيد أحمد مجاهد وكيل وزارة الحج و الأوقاف. فلقد أبدى جهودا جبّارة و عناية فائقة في النهضة بهذا المصنع الفريد، زاده اللّه تعالى توفيقا و نجاحا آمين.

أصلح اللّه تعالى أحوال المسلمين و نصرهم على أعداء الدين آمين. و قد جاء في تاريخ الحجاز للشيخ حسين محمد نصيف (رحمه اللّه تعالى) أن المرحوم الملك عبد العزيز آل سعود لما أخذ الحجاز و دخل مكة في عام (1343 ه) أمر بصنع كسوة الكعبة المشرفة في أجياد و صنعت بها و أرسلت إلى مكة فكسيت بها الكعبة و ذلك لوجود الحصار و الحرب بينه و بين الشريف الحسين ملك الحجاز الأسبق رحمهما اللّه تعالى، و عدم تمكن الحكومة المصرية من إرسال الكسوة تلك السنة.

كتابة أسماء الملوك في كسوة الكعبة

تقدم الكلام على أن أول من كسا الكعبة المشرفة أسعد الحميري و هو تبّع، كساها الأنطاع و الوصائل من ثياب حبرة من عصب اليمن، ثم تبعه الناس في كسوتها في الجاهلية و الإسلام، فكانت تكسى بمختلف الأكسية كالحصير و الليف و الملاءة و الوصائل و الأنطاع و الحبرات و القباطي و الخز و الديباج.

8

و من المعلوم أن صناعة كسوتها كانت في رقي و تقدم حسب تدرج الناس في المدنية و الحضارة إلى أن وصلت في عصرنا الحاضر بهذا الشكل الجميل. و لم تكن في الكسوة نقوش و لا كتابة مطلقا في العصور الأولى لعدم تقدم الصناعات و قلة معرفة الناس للكتابة، حتى أواخر القرن الثاني للهجرة، فإنه بعد هذا العصر بدأ الناس يكتبون على كسوة الكعبة المشرفة أسماء الآمرين بكسوتها. و لنذكر بعض ما ورد عن ذلك في التاريخ:

فقد قال صاحب تاريخ الكعبة المعظمة: جاء في الرحلة الحجازية نقلا عن الفاكهي في أخبار مكة أنه قال: رأيت كسوة مما يلي الركن الغربي من الكعبة مكتوبا عليها" مما أمر به السري بن الحكم و عبد العزيز بن الوزير الجرومي بأمر الفضل بن سهل ذي الرآستين، و طاهر بن الحسين، سنة سبع و تسعين و مائة" ...

أي من الهجرة.

قال: و رأيت شقة من قباطي مصر في وسطها مكتوبا في أركانها بخط رقيق أسود" مما أمر به أمير المؤمنين المأمون سنة ست و مائتين".

قال: و رأيت كسوة من كساوي المهدي مكتوبا عليها" بسم اللّه بركة من اللّه لعبد اللّه المهدي محمد أمير المؤمنين أطال اللّه بقاءه، مما أمر به إسماعيل بن إبراهيم أن يصنع من طراز تنيس على يد الحكم بن عبيد. اثنين و ستين و مائة".

قال: و رأيت كسوة من قباطي مصر مكتوبا عليها" مما أمر به عبد اللّه المهدي محمد أمير المؤمنين أصلحه اللّه محمد بن سليمان أن يصنع من طراز تنيس كسوة الكعبة، على يد الخطاب بن سلمة عامله. سنة تسع و خمسين و مائة".

قال: و رأيت أيضا كسوة لهارون الرشيد من قباطي مصر مكتوبا عليها:

" بسم اللّه بركة من اللّه للخليفة الرشيد عبد اللّه هارون أمير المؤمنين أكرمه اللّه، مما أمر به الفضل بن الربيع أن يعمل من طراز تونة. سنة تسعين و مائة". اه.

قال البتنوني صاحب كتاب" الرحلة الحجازية": و من أعمال تنيس قرية يقال لها" تونة" كانت تصنع بها كسوة الكعبة أحيانا. اه.

و لقد بعث أبو السرايا من الكوفة كسوتين من قز رقيق إحداهما صفراء و الأخرى بيضاء كسيت بهما الكعبة في أول المحرم سنة مائتين من الهجرة كتب على كل منهما ما يأتي" بسم اللّه الرحمن الرحيم، و صلى اللّه على سيدنا محمد

9

و على أهل بيته الطيبين الأخيار، أمر أبو السرايا الأصفر بن الأصفر داعية آل محمد (صلى الله عليه و سلم)، بعمل هذه الكسوة لبيت اللّه الحرام".

و قال صاحب تاريخ الكعبة أيضا نقلا عن التقي الفاسي: أنه أدرك كسوة الكعبة المعمولة سنة خمس و عشرين و ثمانمائة و قد رأى ما كتب على طرازها" أي على حزامها" من الآيات القرآنية، و قال: لقد كتب عليها من الجهة الشرقية قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ‏- إلى- فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏ و كتب في الجهة الغربية: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ- إلى- إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏ و كتب في الجهة اليمانية: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ‏- إلى- وَ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏.

و كتب في الجهة الشامية اسم صاحب مصر و أمر بعمل هذه الكسوة و هذا الطراز المذكور في نحو الربع الأعلى من البيت. اه.

و قال في تاريخ الكعبة أيضا: أن ابن جبير ذكر في رحلته التي كانت سنة ثمان و سبعين و خمسمائة، أنه رأى الكسوة الجديدة التي وضعت على الكعبة المشرفة في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة من السنة المذكورة، و أنها كانت خضراء يانعة، في أعلاها رسم أحمر واسع مكتوب في الصفح الموجه إلى المقام الكريم حيث الباب‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ... الآية و في سائر الصفحات اسم الخليفة و الدعاء له، و تحف بالرسم المذكور طرتان حمراوان بدوائر صغار بيض، فيها رسم بخط رقيق يتضمن آيات من القرآن و ذكر الخليفة أيضا. اه.

و قال في تاريخ الكعبة أيضا: جاء في كتاب تحصيل المرام أن كسوة الكعبة المشرفة الآن من حرير أسود و بطانتها من قطن أبيض ثم ذكر ما كتب عليها من الآيات القرآنية- قال-: و بين الركن الغربي و الشامي مكتوب" بسم اللّه الرحمن الرحيم، مما أمر بعمل هذه الكسوة الشريفة العبد الفقير السلطان فلان".

و قال أيضا: و نقل عن تحصيل المرام أنه قال-: و في مدة الوهابية لما استولوا على مكة كانوا يكسونها حرير أسود من غير كتابة، و أميرهم سعود صاحب الشرق نحو سبع سنين. اه.

و جاء في كتاب" الرحلة الحجازية" للبتنوني وصف كسوة الكعبة المشرفة و ما هو مكتوب فيها، ثم قال: و مكتوب على حزامها من الجهة التي فيها الباب و كان‏

10

ذلك في عصر السلطان محمد رشاد الخامس العثماني. اه. و السلطان المذكور توفي بعد سنة ألف و ثلاثمائة و ثلاث و ثلاثين من الهجرة.

انتهى كل ذلك باختصار من كتاب" تاريخ الكعبة المعظمة".

هذا و لا يزال تكتب أسماء الملوك على كسوة الكعبة الشريفة إلى زماننا و عصرنا، و لما استولى جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود (رحمه اللّه تعالى) على الحجاز و لم تأت الكسوة من مصر حسب العادة لبعض الأسباب، أمر جلالته بصنع الكسوة في نفس مكة المكرمة فنسجوها بها و كتبوا اسم جلالته عليها من الجهة الشمالية أي من جهة حجر إسماعيل عليه الصلاة و السلام، و كتبوا في الجهات الأخرى الآيات القرآنية، و هذا ما كتب على الكسوة من الجهة الشمالية" هذه الكسوة صنعت في مكة المباركة المعظمة بأمر خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية أيده اللّه تعالى بنصره سنة ألف و ثلاثمائة و ست و أربعين هجرية على صاحبها أفضل التحية و أتم التسليم".

ثم لما حصل الاتفاق بين المملكتين" المصرية و السعودية" في شهر رمضان سنة ألف و ثلاثمائة و خمس و خمسين من الهجرة و رجعت مصر إلى إرسال كسوة الكعبة في كل عام حسب المعتاد، صار يكتب على الكسوة الشريفة ما يأتي:" أمر بصنع هذه الكسوة الشريفة لكعبة بيت اللّه الحرام، صاحب الجلالة ملك مصر فاروق الأول، و أهديت لها في عهد حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية سنة ألف و ثلاثمائة و خمس و خمسين هجرية".

انظر: صورة رقم 102، الكعبة المشرفة و يظهر فيها ستارة بابها بوضوح تام‏

هذا ما كان من أمر كتابة أسماء السلاطين و الملوك على كسوة الكعبة المشرفة، و في الحقيقة أن كتابة الأسماء على كسوة الكعبة المعظمة و عدم كتابتها على حد سواء، غير أن كتابتها تكون أفضل من الناحية التاريخية، و ليعلم أن عمل الكسوة منوط بولي أمر المسلمين فهو المطالب بها. نسأل اللّه تعالى أن يلبسنا في الدنيا ثوب الغنى و العفة و العلم و التقوى‏ وَ لِباسُ التَّقْوى‏ ذلِكَ خَيْرٌ و أن يكسونا في الآخرة من حلل الجنة بفضله و رحمته إنه تعالى كريم عظيم، واسع الفضل و الإحسان. و صلى اللّه على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم.

11

الإشهاد الشرعي بتسليم كسوة الكعبة

قال مؤلف كتاب المحمل و الحج: جرت العادة أن يكتب إشهاد شرعي بتسليم الكسوة من مأمور تشغيلها إلى المحملي- من في عهدته المحمل و الكسوة- ليوصلها إلى البيت الحرام و يذكر في هذا الإشهاد أجزاء الكسوة و مادتها و أوصافها و هو أثر تاريخي، و هي لا تختلف في سنة عنها في أخرى إلا في جودة ما تصنع منه- ثم ساق المؤلف (رحمه اللّه تعالى) نص الإشهاد الشرعي بتسليم الكسوة الشريفة نقلا عن مرآة الحرمين- و صورته كما يلي:

هذا نص إشهاد شرعي حرر في سنة (1321) إحدى و عشرين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة بمحكمة مصر الكبرى الشرعية في يوم الثلاثاء 15 ذي القعدة سنة 1321 الموافق 2 فبراير سنة 1904 إذن فضيلتلو قاضي أفندي مصر حالا لحضرة الشيخ محمد ناجي أحد أعضاء المحكمة المذكورة بسماع ما يأتي ذكره فيه و لكاتبيه هما الشيخ محمد سعيد و محمد مصطفى أفندي الكاتب كلاهما بالمحكمة المذكورة بكتابة ما يأتي ذكره فيه، فلدى حضرة العضو المومي إليه بحضور الكاتبين المذكورين بالمجلس المنعقد بمسجد سيدنا و مولانا الإمام أبي عبد اللّه الحسين رضي اللّه تعالى عنه الكائن بمصر المحروسة بالقرب من خان الخليلي و الجامع الأزهر بقسم الجمالية في الساعة العاشرة صباحا من اليوم المرقوم أشهد على نفسه الحاج محمد أحمد المحاملي الساكن بالدرب الأصفر بالقسم المذكور ابن المرحوم أحمد مصطفى بن مصطفى شهوده الإشهاد الشرعي و هو بأكمل الأوصاف المعتبرة شرعا أنه قبض و استلم و استوفى و وصل إليه من حضرة عبد اللّه فائق بك مأمور تشغيل الكسوة الشريفة حالا الساكن بشارع المحجر بقسم الخليفة بمصر ابن المرحوم إسماعيل بك الحاضر هو معه بهذا المجلس جميع كسوة بيت اللّه الحرام المشتملة على 8 أحزمة و 4 رنوك مركبة على حملين من الثمانية أحمال الآتي ذكرها فيه، مزركشة الثمانية أحزمة و الأربعة رنوك بالمخيش الأبيض و الأصفر المطلي بالبندقي الأحمر على الحرير الأسود و الأطلس الحرير الأخضر المبطن بالبفت الأبيض و النوار القطن المركبات الثمانية أحزمة المذكورة على ثمانية أحمال حرير أسود مكتوب و مبطن بالبفت الأبيض و النوار و القطن، اثنان من الثمانية أحمال المذكورة كل منها تسعة أثواب، كل ثوب منها طوله 26 ذراعا بالذراع البلدي طول كل ذراع منها 57 سم و كسر، و اثنان من الثمانية أحمال‏

12

المذكورة كل منهما 8 أثواب من الأثواب المذكورة و الأربعة أحمال باقي الثمانية أحمال المذكورة اثنان منها سبعة أثواب و نصف من الأثواب المذكورة، و الاثنان الباقيان كل منهما ستة أثواب و نصف من الأثواب المذكورة، و ستارة لبيت اللّه الحرام المعبر عنها بالبرقع المزركشة بالمخيش الأبيض و الأصفر المطلي بالبندقي الأحمر على الحرير الأسود و الأطلس الحرير الأخضر و الأحمر المبطنة بالبفت الأبيض و النوار القطن و الأطلس الحرير الأخضر بها خمسة شراريب حرير أسود و قصب و كنتير و مخيش و ستة أذررة (كذا) فضة مطلية بالبندقي الأحمر، و 12 شرابة صقيرة حرير أحمر و قصب و كنتير و 12 شمسية مزركشة على الحرير الأحمر. و كسوة مقام سيدنا و مولانا إبراهيم خليل الرحمن عليه و على نبينا أفضل الصلاة و أتم التسليم المبطنة بالبفت الأبيض المزركشة بالمخيش الأبيض و الأصفر المطلي بالبندقي الأحمر على الحرير الأسود و الأطلسي الحرير الأخضر و الأحمر بها أربعة شراريب حرير أسود و قصب و كنتير و مخيش و عشر شمسيات مزركشة بالمخيش الأبيض و الأصفر المطلي بالبندقي الأحمر بها سجق قطن شبكة بقيطان قطن و أزررة شراريب من قطن هندي أحمر و أصفر و بها ترتر أحمر. و كيس مفتاح بيت اللّه الحرام المزركش بالمخيش الأصفر المطلي بالبندقي الأحمر على الأطلس الحرير الأخضر به ترتر ملون و كنتير أصفر مبطن بالأطلس الحرير الأخضر به شرابتان قصب و كنتير و قيطان قصب. و ستارة باب سطح بيت اللّه الحرام المعروف بباب التوبة داخل بيت اللّه الحرام المزركشة بالمخيش الأبيض و الأصفر المطلي بالبندقي الأحمر على الحرير الأسود و الأطلس الأخضر و الأحمر المبطنة بالبفت الأبيض و النوار القطن و الأطلس الحرير الأخضر بها ترتر. و ستارة باب مقصورة سيدنا و مولانا إبراهيم الخليل المشار إليه المزركشة بالمخيش الأبيض و الأصفر المطلي بالبندقي الأحمر على الحرير الأسود و الأخضر و الأحمر. بها خمسة أزررة فضة مطلية بالبندقي الأحمر و عشر شمسيات مزركشة بالمخيش الأبيض و الأصفر على الأطلس الحرير الأحمر، بها عشرة شراريب صغيرة حرير و قصب المبطنة بالبفت الأبيض و الأطلس الحرير الأخضر.

و ستارة باب منبر الحرم الشريف المكي المزركشة بالمخيش الأبيض و الأصفر المطلي بالبندقي الأحمر على الحرير الأسود و الأخضر المبطنة بالبفت الأبيض و النوار القطن و الأطلس الحرير الأخضر.

13

و ثلاثة مجاديل أي حبال قطن احتياج تعليق الكسوة الشريفة على بيت اللّه الحرام.

و إحدى و أربعين عصفورة- أي حبل قطن مجدول- احتياج الحلق.

و غلايتين من النحاس مغطاتين مملوءتين بماء الورد الباش احتياج غسيل بيت اللّه الحرام. حسب المعتاد قبضا و تسليما و استيفاء و وصولا شرعيات، حسب اعتراف المشهد المذكور بذلك يوم تاريخه بهذا المجلس، بحضور كل من سعادة إبراهيم رفعت باشا أمير الحج الشريف، و حضرة أحمد زكي بك مدير الأموال المقررة بنظارة المالية المصرية حالا، و أمين الصرة في هذا العام، و حضرة السيد محمود البيلاوي شيخ مسجد و مقام سيدنا و مولانا أبي عبد اللّه الحسين رضي اللّه تبارك و تعالى عنه، و محمد عمر أفندي الكاتب و أمين مخزن مصلحة الكسوة.

العارف كل منهم للمشهد المذكور عينا و اسما و نسبا و أنه الحاضر بهذا المجلس و اتصافه بالأوصاف المعتبرة شرعا. و على المشهد المذكور الخروج من عهدة ذلك جميعه و تسليمه من له ولاية ذلك بمكة المشرفة حسب المعتاد في ذلك. صدر ذلك بحضور و شهادة من ذكر أعلاه في يوم الأربعاء و سادس عشر ذي القعدة الموافق ثالث فبراير المرقوم. اه. انتهى صورة الإشهاد الشرعي.

و يعطى لمحرر الإشهاد الذي ينتدبه القاضي ثلاث جنيهات و مائتين و ثمانين مليما، منها 880 مليما نقدية و مائة و أربعين قرشا ثمن فروه 2 و 100 قرش ثمن فرجية جوخ اه. انتهى من كتاب المحمل و الحج.

حكم التصرف في كسوة الكعبة

اختلف العلماء في بيع الكسوة القديمة للكعبة المشرفة، فمنهم من أجاز بيعها و منهم من منع. و القول المعتمد الجواز، و نستدل عليه بما يأتي:

روى الأزرقي في تاريخه: أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان ينزع كسوة البيت في كل سنة فيقسمها على الحاج فيستظلون بها على السمر بمكة، و روي أيضا أن شيبة بن عثمان دخل على عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها فقال: يا أم المؤمنين إن الكعبة تجتمع عليها الثياب فتكثر فنعمد إلى بيار فنحفرها و نعمقها فندفن فيها ثياب الكعبة لكي لا تلبسها الحائض و الجنب. قالت عائشة:

14

ما أصبت و بئس ما صنعت لا تعد لذلك فإن ثياب الكعبة إذا نزعت عنها لا يضرها من لبسها من حائض أو جنب، و لكن بعها و اجعل ثمنها في سبيل اللّه تعالى و المساكين و ابن السبيل. انتهى من تاريخ الأزرقي.

نقول: قول أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها:" لا يضرها من لبسها من حائض أو جنب" مشروط بخلوها من الكتابات القرآنية و من كلمة التوحيد و من أسماء اللّه الحسنى. و إذا لم تكن الكسوة من الحرير بالنسبة للرجال.

قال القاضي ابن ظهيرة (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" الجامع اللطيف" ما نصه:

" فروع"، الأول: يجوز بيع ثياب الكعبة عندنا إذا استغنت عنه و قال ابن جماعة من فقهاء الشافعية و غيرهم: و يجوز الشراء من بني شيبة لأن الأمر مفوض إليهم من قبل الإمام نص عليه الطرسوسي من أصحابنا في شرح منظومته و وافقه السبكي من الشافعية ثم قال: و عليه عمل الناس و المنقول عن ابن الصلاح أن الأمر فيها إلى الإمام يصرفها في بعض مصارف بيت المال بيعا و إعطاء، و استدل بما تقدم عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و في قواعد صلاح الدين خليل بن كيكلدى أنه لا يتردد في جواز ذلك الآن لأجل وقف الإمام ضيعة معينة على أن يصرف ريعها في كسوة الكعبة و الوقف بعد استقرار هذه العادة و العلم بها فينزل لفظ الواقف عليها، و استحسن النووي الجواز أيضا. قال الجد (رحمه اللّه): هذا في الستور الظاهرة و أما الستور الداخلة فلا تزال بل تبقى على ما هي عليه لأن الكلام إنما هو في الستور التي جرت العادة أن تغير في كل عام فلو قدر جريان العادة بمثل ذلك في الستور الباطنة سلك بها مسلك الظاهرة.

انتهى من الجامع اللطيف.

قال نجم الدين الطرسوسي في منظومته:

و ما على الكعبة من لباس‏* * * إرث جاز بيعه للناس‏

و لا يجوز أخذه بلا شرا* * * للأغنياء لا و لا للفقراء

و قال القطب في كتابه الإعلام: قال الإمام فخر الدين (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الوقف من فتاواه: ديباج الكعبة إذا صار خلقا يبيعه السلطان و يستعين به في أمر الكعبة لأن الولاية فيه للسلطان لا لغيره.

15

و قال القطب في الكتاب المذكور أيضا: و الذي يقتضيه القياس أن العادة استمرت قديما بأنها تبدل كل سنة و تأخذ بنو شيبة تلك العتيقة فيتصرفون فيها بالبيع و غيره. و الذي يظهر لي أن كسوة الكعبة الشريفة إن كانت من قبل السلطان من بيت مال المسلمين فأمرها راجع له يعطيها لمن شاء من الشيبيين أو غيرهم، و إن كانت من أوقاف السلاطين و غيرهم فأمرها راجع إلى شرط الواقف فيها فهي لمن عينها له، و إن جهل شرط الواقف فيها عمل فيها بما جرت العوائد السابقة كما هو الحكم في سائر الأوقاف، و كسوة الكعبة الآن من أوقاف السلاطين و لم يعلم شرط الواقف فيها، و قد جرت عادة بني شيبة أنهم يأخذون لأنفسهم الكسوة العتيقة بعد وصول الكسوة الجديدة فيبقون على عادتهم فيها و اللّه تعالى أعلم. انتهى من الإعلام.

و لنختم هذا الفصل بما ذكره العلامة المحقق الشيخ حسين بن عبد اللّه باسلامة مؤلف كتاب" تاريخ الكعبة المعظمة" ففيما ذكره يزول كل إشكال عند بعض العلماء. قال (رحمه اللّه تعالى) في كتابه المذكور بعد أن ساق العبارة التي نقلناها هنا من الإعلام ما نصه:

" هذا حاصل ما وقفت عليه من أمر جواز تصرف آل الشيبي في كسوة الكعبة المعظمة من بيع و إهداء و غير ذلك و أما ما كان يأخذه أمراء مكة من كسوة الكعبة فالذي أعلمه في العصر الحاضر أن أمراء مكة يأخذون ستارة باب الكعبة و الحزام و ثوب مقام إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام، و آل الشيبي يأخذون كسوة الكعبة و ستارة باب التوبة الذي هو باب الدرجة في داخل الكعبة المصعدة إلى سطحها و ستارة باب مقام الخليل (صلى الله عليه و سلم) و ذلك كان في إمارة الشريف عون الرفيق و الشريف علي بن عبد اللّه و الشريف الحسين بن علي في إمارته و استقلاله، و ربما كان الأمر كذلك في إمارة من تقدم قبل إمارة من أدركتهم من الأمراء مثل الشريف عبد المطلب و الشريف الحسين بن محمد ابن عون و الشريف يحيى بن سرور و الشريف غالب و غيرهم من أمراء مكة إلى الذي ذكره التقي الفاسي فيما تقدم في هذا الباب، ثم لما استولى جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية حفظه اللّه على الحجاز أنعم على آل الشيبي بجميع كسوة الكعبة من ستارة و حزام و غير ذلك سواء حال مجي‏ء الكسوة من مصر أو الكسوة التي أمر جلالته بعملها في المعمل الذي أنشأه في أجياد كما تقدم تفصيله.

16

فبعمله هذا أزال كل إشكال عند بعض الفقهاء القائلين بأن أمر بيع كسوة الكعبة و تصرف آل الشيبي راجع إلى شرط الواقف أو أمر السلطان. و عليه صارت الكسوة حق من حقوق آل الشيبي يتصرفون فيها كيف شاؤوا و ذلك وفقا لإرادة جلالة الملك المعظم و رأي معظم الفقهاء القائلين بجواز البيع.

و أما تقسيم الكسوة بين آل الشيبي فكلهم فيها سواء الشيخ و الشاب و الطفل و الذكر و الأنثى تقسم بينهم بالسوية ما عدا رئيسهم صاحب المفتاح فله سهمان و ذلك باتفاقهم جميعا و هذه قاعدتهم من قديم الزمان إلى العصر الحاضر على ما علمت و اللّه تعالى أعلم. انتهى من تاريخ الكعبة المعظمة.

و هنا نبين تواريخ بعض من ذكرهم من الأشراف، فالشريف عون الرفيق توفي سنة (1323) بالطائف، فتولى بعده الشريف علي بن عبد اللّه ثم عزل في آخر رمضان سنة (1326) فتولى بعده الشريف الحسين بن علي من قبل الخليفة السلطان رشاد خان الخامس في السنة المذكورة فمكث في الإمارة إلى سنة (1334) و فيها قام بثورته المعروفة على الأتراك الموجودين بالحجاز فانتصر عليهم و استقل بالبلاد إلى سنة (1343) ففيها استولى على الحجاز جلالة الملك عبد العزيز آل سعود رحمهم اللّه جميعا و نكتفي بتواريخ هؤلاء حتى لا نخرج عن المقصود فيطول بنا الكلام.

هذا و نقول: لو مشينا بقول القائل:" لا يجوز قطع شي‏ء من كسوة الكعبة و لا بيعه و لا شراؤه و من حمل شيئا من ذلك فعليه رده و لا عبرة بما يتوهمه البعض من أنهم يشترون ذلك من بني شيبة فإنهم لا يملكونه" ... نقول: لو مشينا على هذا القول فأين يضع الشيبيون هذه الكساوى المتعددة المتجددة كل عام، و لا يمكن لهم أن يستهلكوا كسوة واحدة في عام واحد بالاستعمال فهي ليست قليلة بل تبلغ القناطير و على أي وجه يكون استعمالهم لها و كلها مكتوب فيها كلمة التوحيد و الآيات القرآنية. فالحاصل أن جواز بيع الكسوة حكم معتمد و عليه العمل من قديم الزمن.

ثم إن الحكومة السعودية منعت بيع كسوة الكعبة المشرفة و عوضت آل الشيبي عنها بمبلغ من المال سنويا. و ذلك من سنة 1378 ألف و ثلاثمائة و ثمان و سبعين هجرية.

17

صورة وقفية السلطان خان على كسوة الكعبة

هذه صورة الوقفية التي وقفها السلطان سليمان خان بن السلطان سليم خان من سلاطين آل عثمان رحمهم اللّه جميعا التي وقفها على كسوة الكعبة المعظمة و ذلك سنة 947 هجرية فقد وقف عشرة من القرى بمصر لينفق ريعها على الكسوة الشريفة في مكة المشرفة و في المدينة المنورة. و قد نقلنا هذه الصورة من كتاب" المحمل و الحج" فقد ذكر فيه ما نصه:

" بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه الذي رفع القبة الخضراء، و وضع بساط الغبراء، و سمك في سمائه الأفلاك، و ملك في أرضه الأملاك ففتح مناهج الملك و الدولة الغراء بيمن وقاية السلاطين، و حسن رعاية الأمراء، و جعل الكعبة البيت الحرام لشعائر الدين الزهراء".

فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ‏.

و استسعد بحجة يوم الجمراء، ثم الصلاة و السلام على سيد الأنبياء محمد أعلم الرسل الأعلام و الأنبياء، و على آله الكرام الأتقياء، و أصحابه العظام الأصفياء، نمقه العبد المحتاج إلى عفو ربه الصمد، محمد بن قطب الدين محمد القاضي بالعساكر المظفرة المنصورة في ولاية أناطولي.

أما بعد فهذه وثيقة أنيقة بديعة المعاني و البيان، هادية منمقة أنيقة بليغة المباني و التبيان، تواري عباراتها راحا رحيقا، بل هي أصفى، و تجاري استعاراتها مسكا سحيقا، بل هي أزكى، يشعر عما هو الحق القاطع ما حواه فحواها، و يخبر عما هو الصدق الساطع، ما أداه مؤداها، و هو أنه قد بان لكل ذي عقل سديد، أن الدنيا الدنية قنطرة العابرين، و رباط المسافرين، يحل هذا و يرحل ذاك و لا يدري أحد إلا و يمتطي صهوتي أدهم الليل و أشهب النهار، و يسير مع السائرين إلى منتهى الآجال و الأعمار، و هي للموعظة كما قال سيد الكائنات عليه أفضل الصلوات:

" استمعوا و عوا من عاش مات، و من مات فات، و كل ما هو آت آت" فلا ريب أن العاقل من اعتبر من الرواحل و اتخذ فيها لرحيله ذخيرة و زادا، و ادخر لمقامه الباقي عدة و عتادا، بالصدقات التي ينال بها النجاة، و يتوسل بها إلى الجنات، على ما نطق به القرآن، و حديث رسول الرحمن، حيث قال عز من قائل: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ‏ و قال عليه الصلوات التامات:" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا

18

من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ألا و هي الوقف.

فلما تفكر في جميع ذلك السلطان الأعظم، و الخاقان الأكمل الأكرم ظل اللّه في أرضه، و خليفته على خليقته في رفعه و خفضه، علوي العلا من آل عثمان عثماني المحيا، من سلاطين الزمان سلطان البحرين و البرين العرض، القائم بالسنة و الغرض، عاشر المجدديين لدين الإسلام بأحسن المعاشر، و عاشر السلاطين العثمانية كالعقد العاشر، السلطان بن السلطان بن السلطان السلطان" سليمان شاه" ابن السلطان" سليم خان" ابن السلطان" بايزيد خان" لا زالت حديقة حقيقة العالمين منضرة بماء حياته و نماء ذاته، و حدقة العالمين منورة بضياء صفاته، و بيضاء سناء حسناته، و بلغ أرواح آبائه و أجداده الرحمة و سقاهم بالكوثر و أسبغ عليهم نعم غفرانه و أنذر و رأى منها في نفسه النفيسة نعم اللّه تعالى جزيله، لا يسع شكرها على ذاته الكريمة، منه منة جميلة ليس في طوقه ذكرها أراد استقرارها بالأوقات القارة، و استمرارها بالإدارة الدارة، متفكرا في قول الملك الخلاق: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ‏ و نظر في قول:" الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" و عالما بأن تعظيم الكعبة المستورة بالأستار الشريفة العالية و تشريفها في الحج يوجب الجنة، و يصير الهدف الساتر من العذاب و الجنة، و سائما في قلبه الفسح من قول الرسول:" من زارني و جبت له شفاعتي" أن يستشفع منه بتكريم قبره بالأستار، بل بتشريف مراقد الأتباع و ستر مراشد الأشياع، أيضا بالإزار تنزيلا إياه منزلة الزيارة الدائمة، و الخدمة القائمة، على مر الدهور و الأعصار فإن تلك المواضع و إن كانت جرت العادة بسترها لكنها كانت بالأموال المتطرقة، و بالأثمان المتفرقة، فأحب أن يكون ما يصرف إلى هذه الآثار الشريفة، من الأموال المتميزة المتبركة المنيفة، فعين لهذا أجمل أملاكه و أسبابه، و أجمل أمواله و أكسابه، فلذلك قد قال لدى المولى الفاضل، التحرير الكامل، مصباح رموز الدقائق، مفتاح كنوز الحقائق، كشاف المشكلات، حلال المعضلات، الموقع أعلى هذا الكتاب، يسر اللّه له حسن المآب، بقوله الشريف و لطفه اللطيف العاري عن الاعتساف، الحاوي على الإقرار و الاعتراف، الذي يجوز الشرع لاحتوائه على ما يغير الأصل و الفرع و حكى بأنه قد وقف أوقافا و سبلها و حبس أملاكا و كملها، على النمط الأكفى الأشمل، و على الطريق المشروع الأكمل، لتكون لهذه المصلحة أوقافا قارة و إدارات دارة، في الدنيا العاجلة، و مفيدة له في يوم الجزاء و الآجلة، و تكون عدة

19

معدة لغده عن أمسه رمزية لا تفارقه في رمسه، و تغيرها جسرة من العذاب و جنة يكون جزاءها مثل الحج المبرور الجنة، و تكون باعثة للرفاغة و موجبة للشفاعة، منها جميع القرى الثلاث المسماة بيسوس و أبو الغيث و حوض بقمص الواقعة بالولاية المصرية التي كان حاصل منها في السنة الواحدة مبلغ (89000) درهم و منها جميع القرى السبع الجديدة الواقعة في الولاية الشرقية بالديار المصرية، أولها:

قرية" سلكه كان" حصل منها في تلك السنة (30494) درهما.

ثانيهما: قرية" سيرو بجنجة" حاصلها فيها مبلغ (71820) درهما.

ثالثها: قرية" قريش الحجر" حاصل فيها مبلغ (51304) درهما.

رابعها: قرية" منايل و كوم رحان" حاصل ما فيها مبلغ (37840) درهما.

خامسها: قرية" بجام" حاصل ما فيها (14934) درهما.

سادسها: قرية" منية النصارى" حاصل ما فيها مبلغ (60858) درهما.

سابعها: قرية" بطاليا" و حاصلها فيها (10484) درهما.

يكون جميع النقود المزبورة في تلك السنة المسفورة مبلغ (365152) درهما فضيا محاذيا بنصف القطعة رايجا في الوقت أيد اللّه تعالى دولته من سكها باسمه السامي، ورفه رعاياه بعدله المتوفر النامي، وقف جميع القرى المزبورة المستغنية عن التعريف و التحديد، و التبيين و التوصيف لشهرتها في مكانها، عند أهاليها و جيرانها، و لكونها مشروحة و معلومة في الدفاتر السلطانية و المناشير الخاقانية يحمله ما لها من الحدود و الحقوق و ما ينسب إليها بالأصالة و الحقوق، و المراسم و المرافق، و المداخل و الطرائق خلا ما يستثنى منها شرعا من المساجد و المعابد، و المنابر، و المراقد، و المقابر و الأملاك و الأوقاف، و سائر ما يعرف مبينا بينه بالأسامي و الأوصاف.

و سلم جميعها إلى من ولاه عليها بموجب الشرع المنصوص، و نصبه للخدمة بالأمانة و الاستقامة في هذا الخصوص و تسلمها هو منه للتصرف فيها بالوجه الصداد على ما هو المراد، تسليما و تسلما صحيحين شرعيين.

ثم عين السلطان الفايق على حذافير السلاطين في الآفاق، بالاستهلاك و الاستحقاق و السابق في مضامير التدابير بمكارم الأخلاق، و مراسم الإشفاق لا زالت شموس سعادته أبدية الإشراق، و ما برحت نجوم سلطنته محمية عن‏

20

الانمحاق، مما يحصل من تلك القرى الموقوفة المذكورة على حسب التخمين التي مدارها حصل السنة المشروحة المزبورة فالتعيين على هذه النسبة في جميع الأعوام قلت المحصولات أو حلت بتفاوت الشهور و الأيام مبلغ (276216) درهما لأستار ظاهر الكعبة الشريفة شرفها اللّه تعالى في كل سنة مرة على ما جرت به العادة القديمة في السنين الماضية القديمة طبقا على هذا التخمين بعد الصرف المذكور في السنة مبلغ (88936) درهما.

و شرط أن يحفظ ذلك الباقي بحفظ المتولى تمام 15 عاما فيكون عدد الجمع في هذا العام على التخمين التام مبلغ ثلاثة عشرة مائة ألف درهم و أربعين درهما (052، 300، 1) فعين من هذا الباقي في المحفوظ المجموع المستور لأستار المواضع التي تجدد في انقضاء كل 15 عاما مرة، و بعد تجديدها المزبور لا تجدد كل سنة بل تروح إلى انقضاء 15 عاما آخر، ثم تجدد مرة أخرى كذلك فثم إلى أن ينقض الدهر و يتم لكل مرة من تلك المرات، و في كل كرة من هذه الكرات، بالتخمين المزبور، و التعيين المذكور مبلغ (750370) درهما فضيا رايجا في الوقت و تلك المواضع التي يصرف إليها هذا المقدار في 15 عاما مرة و هي داخل الكعبة الشريفة، و الروضة المطهرة المنيفة، أعني بها التربة المنورة لسيد الكونين، و رسول الثقلين، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة و السلام إلى يوم القيامة، بالمدينة المنورة، و المقصورة المعمورة في الحرم الشريف، و المنبر المنيف فيه و محرابه محراب التهجد، و الأستار الأربعة لنفس الحرم الشريف و محراب ابن العباس و قبره و قبر عقيل بن أبي طالب و حضرة الحسن و حضرة عثمان بن عفان و فاطمة بنت أسد (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين)، و ما زاد بعد هذا و هو مبلغ (582670) درهما لاحتمال أن يقع في بعض السنين النقصان بسبب الشراقي و طوارق الحدثان، لأن هذا بالتخمين، و إن لزم في بعض السنين جبر النقصان، فليجير من هذا الفضل ذاك الزمان، و إن وجد في انقضاء المدة و بعد الصرف شي‏ء مما يزيد و يفضل سواء أكان هذا المقدار، أو أكثر منه أو أقل فليستتر بالموجود المزبور الملك المناسب للوقف من العقار، الواقع في موضع الرغبة و الاشتهار، ليكثر محصول الوقف، و توفير مواضع الصرف، بإلحاق هذا المشترى و المتاع بسائر الأوقاف و استغلاله معها و صرف غلاته إلى المصارف المبينة بالأوصاف و تنمية الوقف و تقويته بهذا التكثير و تمشيته و توسعته بذلك التوفير، و هذا بعد رعاية شرط أنه إن وقعت المضايقة في هذا الوقف أو في الوقف الآخر الذي وقفه السلطان أيضا على مصالح الفقراء الذاهبين‏

21

إلى الحجاز، و على حمالهم و على سائر مهماتهم، و كتب له وقفية مستقلة مشتملة على هذه الشروط و القيود، تكون مرعية بالخلود و الأبود، يلزم أن يعين كل واحد الآخر من الجانبين بزوائده، و بفضائل عوائده بإتمام ما يهم و يلزم له و بتكميله لدفع مضايقته و ضرورته و إسعاده و اجتهاده إقرارا و اعترافا صحيحين شرعيين مصدقين محققين مرعيين، وقفا صحيحا و حبا صريحا مرعيا، حاويا على الحكم بصحته أصلا و فرعا على وجه يقتد به دينا و شرعا، وغب رعايته شرائط الحكم و التبجيل. و في حصول الوقف و التسبيل لدى المولى الفضل النحرير الكامل الموقع أعلا هذا الصك الديني، و الحفظ اليقيني، و فتح اللّه تعالى أبواب الحقوق بمفاتيح أقلامه، و أحكم الأمور بثبوت أحكامه، فصار وقفا لازما مسلسلا متفق عليه على مقتضى الشرع و مرتضى أحكامه بحيث لا يرتاب صحته و ابترامه لوقوع حكم المولى المومى إليه على رأي من رآه من الأئمة الماضيين المجتهدين، (رضوان اللّه عليهم أجمعين). عالما بالاختلاف الجاري بينهم في مسألة الوقف علم خلوده بخلود السماوات، و أبوده بإبواد الكائنات، إلى أن يرث اللّه الأرض و من عليها و هو خير الوارثين فلا يحل بعد ذلك لأحد يؤمن باللّه و رسوله و اليوم الآخر ينقضه أو يبطله أو يحوله أو يبدله فلا يملك بعد ذلك المؤمن، أو خائفا من اللّه المهيمن، بعدما سمع قول رب العالمين: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏ و أجر الواقف بعد ذلك على أرحم الراحمين. جرى ذلك و حرر بالأمر العالي الخاقاني، لا زال عاليا في صف المظفر المنخرط في سلك شهور سنة سبع و أربعين و تسعمائة من هجرة من لا نبي بعده. و صلى اللّه عليه و على آله و صحبه الذين و فوا عهده. انتهى من صحيفة 285 من مرآة الحرمين نقلا عن مرآة مكة لحضرة أمير اللواء البحري العثماني أيوب صبري باشا، ثم قال الأستاذ يوسف أحمد صاحب كتاب" المحمل و الحج" ما نصه:

أقول: رجوت حضرت صديقي المؤرخ البحاثة صاحب العزة محمد رمزي بك المفتش بالمالية سابقا أن يبحث عن أسماء البلاد العشر الواردة في هذه الوقفية و هل هي موجودة إلى الآن كلها أو بعضها و هل تغيرت الأسماء؟ فتفضل عليّ بهذا البيان الظريف الآتي، فله مني و من جميع المسلمين خالص الشكر و وافر الثناء.

العدد/ اسم القرية/ البيان‏

1/ بيسوس/ هى القرية التى تعرف اليوم باسم" باسوس" بمركز

22

العدد/ اسم القرية/ البيان‏

قليوب مديرية القليوبية.

2/ أبو الغيث/ تعرف باسم" أبو الغيط" بالمركز المذكور.

3/ حوض بقمص/ هو الحوض الذي يعرف اليوم باسم" حوض بقيس" بأراض ناحية مرصفا بمركز بنها بمديرية القليوبية.

4/ سلكه/ هي اليوم إحدى قرى مركز المنصورة بمديرية الدقهلية.

5/ سرو بجنجة/ صوابه" سرو بججة" و هي القرية التي تعرف اليوم باسم" السرو" بمركز فارسكور بمديرية الدقهلية.

6/ قريش الحجر/ هي القرية التي تعرف اليوم باسم" أويش الحجر" بمركز المنصورة بمديرية الدقهلية.

7/ منايل و كوم رحان/ هي القرية التي تعرف اليوم باسم المنايل بمركز شبين القناطر بمديرية القليوبية.

8/ بجام/ هي اليوم إحدى قرى مأمورية ضواحي مصر.

9/ منية النصارى/ هي القرية التي تعرف اليوم باسم منية النصر بمركز دكرنس بمديرية الدقهلية.

10/ بطاليا/ بالبحث لم أجد بين أسماء البلاد المصرية قديمها و حديثها قرية بهذا الاسم و إنما يوجد اسم قريب منه و هو" طاليا" إحدى قرى مراكز أشمون بمديرية المنوفية كما أنه كان يوجد قديما قرية اسمها" بتالي" بولاية الغربية و لم أستدل على موقعها. و على كل حال فهاتان القريتان هما خلاف قرية" بطاليا" المذكورة في الحجة بأنها من ولاية الشرقية اه.

انتهى كل ذلك من كتاب" المحمل و الحج".

كيفية تركيب كسوة الكعبة عليها

غالب الناس يظنون أن كسوة الكعبة المشرفة يصعدون بها إلى سطحها من الدرج التي هي في باطنها و هذا هو المعقول، لكن لما كانت الدرج التي في داخلها ضيقة لا تسع إلا لشخص واحد يصعد أو ينزل، و كانت الكسوة في ذاتها مبطنة

23

ثقيلة ثخينة طويلة، فإنه يستحيل و الحالة هذه الصعود بها من الدرجة الضيقة التي في باطن الكعبة.

فكيفية تركيبها عليها هي: أنهم يحضرون الكسوة الجديدة التي جاءت من مصر، فيفرشونها في أرض المسجد الحرام قطعة قطعة، ثم يخيطون قطع كل جهة من الكعبة وحدها مع خياطة الآيات القرآنية التي على الحزام، حتى إذا انتهت خياطتها طووا قطع كل جهة وحدها و لفوها لفا محكما، ثم يربطونها بالحبال و يكون رجال على سطح الكعبة يدلون الحبال إلى أرض المطاف، ثم يربطون قطع الكسوة بهذه الحبال ثم يجرونها إلى أعلا سطح الكعبة و يضعون على إفريز جدرانها أي" طرفها" كل قطعة تناسب جهة من الجهات الأربعة و يرتبوها تمام الترتيب و يحكمون ربطها على مواسير الحديد الثابتة في إفريز جدران الكعبة، و هذا يكون في اليوم الثامن من ذي الحجة في كل عام.

فإذا كان صباح العاشر من ذي الحجة" أي صبح يوم عيد الأضحى" بعد نزول بعض الحجاج من عرفات إلى مكة للطواف و السعي، يصعدون إلى سطح الكعبة فيرخون الثوب القديم إلى أرض المطاف، ثم يسدلون في إثره الثوب الجديد و يأخدون القديم إلى منزل السدنة، ثم بعد ذلك يخيطون قطع الثوب الجديد و هو على الكعبة شيئا فشيئا عدة أيام إلى أن تتم الخياطة. هذه هي كيفية تركيب الكسوة في كل عام، و الكسوة ثمانية قطع، أي لكل جهة من جهات الكعبة الأربعة قطعتان منها تخاطان ببعضهما، و كذلك حزام الكعبة فإنه ثمانية قطع أيضا، و البقش المربعة الفاصلة بين آيات الحزام المكتوب فيها" يا حنان يا منان" و عددها أربعة و توضع مع سطر الحزام بين الآيات القرآنية.

و هناك أربع بقش أيضا مكتوب في كل واحدة منها سورة الصمد بتمامها، و توضع في أركان الكعبة الأربعة من تحت حزامها، و كل هذه القطع تخاط على الكسوة بعد وضعها على الكعبة المشرفة، بواسطة مقعد من الخشب معمول على هيئة الكرسي يربط بالحبال ثم يدلى من سطح الكعبة إلى موضع الخياطة بعد أن يجلس فوقه الخياط المناط به هذا الأمر.

انظر: صورة رقم 103، وضع الكسوة الجديدة فوق الكعبة و خياطتها

نسأل اللّه تعالى أن يكسونا من حلل الجنة و يزيننا بلباس التقوى بفضله و رحمته و كرمه و إحسانه، إنه تعالى عظيم الفضل و الإحسان.

24

انظر: صورة رقم 104، المسجد الحرام و يرى بعض الناس فوق سطح الكعبة المعظمة إستعدادا لتلبيسها كسوتها الجديدة

برقع الكعبة المعظمة أي ستارة بابها

لم نعلم بالضبط من أحدث برقع الكعبة و لا متى حدث بالضبط و هل برقع الكعبة هو نفس الشمسيات التي كانت توضع في وجه الكعبة و التي جعلنا لها مبحثا خاصا أم لا؟ اللّه أعلم بذلك، و الذي يعلم مما سيأتي أن البرقع حدث في أول القرن التاسع من الهجرة، و الذي يظهر لنا و اللّه تعالى أعلم أن أهل الجاهلية و القرون الأولى بعد الإسلام إذا وضعوا كسوة على الكعبة تركوا الباب بدون ستارة فقد كانوا على الفطرة، فلما اتسعت مدارك الناس و تذوقوا حلاوة الدنيا اخترعوا برقع باب الكعبة و تفننوا في تحسينه و تجميله. و برقع الكعبة هو الستارة التي توضع على وجه بابها.

و يكون طولها و عرضها بقدر فتحة الباب طولا و عرضا بل تزيد قليلا حتى يعمّ ستر الباب تماما عند إسدالها و إرخائها. و بعض المؤرخين كالشيخ عبد اللّه الغازي (رحمه اللّه تعالى) يسميه عند الكلام عنه في تاريخه" البردة" فيقول: البردة التي توضع على باب الكعبة- و قصده من" البردة" هو البرقع، فقوله:" البردة" بفتح الباء الموحدة لا بضمها، و أصل هذه الكلمة تركية، و لكن ينطقها الأتراك بالباء المغلظة المفتوحة التي تحتها ثلاث نقط، لا نقطة واحدة، و معناها عندهم الستارة، و لا يخفى أن العربي إذا نطق بهذه الكلمة يضم الباء المخففة المضمومة و يقصد بها معناها اللغوي و هو" الكساء".

و الذي جعلنا أن نكتب فصلا خاصا عن برقع الكعبة و لم نلحقها بكسوتها، لأن لبرقعها شكلا فريدا يتسم بجماله و دقة رسمه و نقشه، و إليك ما كتبه التاريخ عنه:

قال في تاريخ الغازي ما نصه: و قال في التحصيل: البردة التي توضع على باب الكعبة هي من حرير أسود مكتوبة بالفضة المذهبة و ذلك الكتابة بعض آيات من القرآن و مكتوب أيضا فيها أمر بعمل هذه البردة السلطان فلان و تسدل على باب البيت ليلة الاثنين و ليلة الجمعة أي من عصر يوم الأحد و عصر يوم الخميس إلى المغرب و يسمونها أهل مكة" البرقع" و لم أعلم متى حدثت و لا من أحدثها،

25

و ذكرها الفاسي في شفاء الغرام و نصه: و عمل في هذه السنة و هي سنة تسعة عشر و ثمانمائة لباب الكعبة ستارة عظيمة الحسن أحسن من الستائر الأول التي شاهدناها.

قال السمهودي: و في عشر التسعين و سبعمائة اشترى السلطان الصالح إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون قرية من بيت مال المسلمين بمصر و وقفها على كسوة الكعبة المشرفة في كل سنة و على كسوة الحجرة و المنبر النبوي في كل خمس سنين، و ذكرها التقي الفاسي و الزين المراغي إلا أنه قال في كسوة الحجرة في كل ست سنين مرة تعمل من الديباج الأسود و مرقوما بالحرير الأبيض و لها طراز منسوج بالفضة المذهبة دائر عليها إلا كسوة المنبر فإنها بتفصيص أبيض. انتهى ما في تحصيل المرام. هذا ما ذكره الشيخ الغازي (رحمه اللّه) في تاريخه.

نقول: ظهر من الكلام المتقدم أن برقع الكعبة كان يعمل منذ قرون بشكل مخصوص و يتفننون في تحسين شكله و منظره، و كان البرقع معروفا قبل سنة (819) و لكن لم يعرف من أحدثه و لا تاريخ حدوثه بالضبط.

و قد تكلم عن كسوة الكعبة و برقعها مؤلف كتاب صبح الأعشى قال مؤلف كتاب" المحمل و الحج" ناقلا عن صبح الأعشى من الجزء الرابع صحيفة 281 و 283 ما ملخصه: كانت الكعبة تكسى الديباج الأسود كسوة مسبلة من أعلاها إلى أسفلها مرقوما بأعاليها طراز رقم بالبياض من أصل النسيج مكتوب فيه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً ... الآيات، و على الباب برقع من نسبة ذلك مرقوم فيه بالبياض، و ذلك في آخر الدولة الظاهرية" برقوق" و أوائل الدولة الناصرية ولده" فرج" و الظاهر برقوق توفي سنة 801 ثمانمائة و واحد.

ثم قال: و في سنة ... و ثمانمائة في الدولة الناصرية فرج بن برقوق غير الطراز من لون البياض إلى لون الصفرة فصار الرقم في السواد بحرير أصفر مقصب بالذهب ... إلى أن قال: ثم جعل بعد ذلك برقع البيت من حرير أسود منشورا عليه المخايش الفضة الملبسة بالذهب فزاد نفاسته و علا قيمته. قال: ثم في سنة 814 جعل وجهة الباب من الكسوة" كمخا أزرق" بجامات مكتوب فيها" ...

و اللّه العالم ما كان و ما يكون" ثم قال: و عمل في سنة 819 لباب الكعبة ستارة عظيمة الحسن لم يسبقها مثلها. انتهى من كتاب" المحمل و الحج" الناقل من صبح الأعشى.

26

و قد ذكر إبراهيم باشا رفعت صاحب كتاب مرآة الحرمين ما في برقع الكعبة من الذهب و الفضة و الحرير فليراجعه من شاء، كما ذكر في التاريخ نص الآيات القرآنية التي كتبت في البرقع ما رأينا من الضرورة ذكرها هنا.

و قد تباهى السلطان سليم في عمل كسوة الكعبة و زر كشة البرقع للغاية حينما أرسلها لمكة سنة 923.

انظر: صورة رقم 105، الكعبة المشرفة و يظهر فيها ستارة بابها بوضوح تام.

ثم لما اختصت مصر بصنع كسوة الكعبة الخارجية و إرسالها سنويا إلى مكة المشرفة و ترقت العلوم و الفنون فيها، و برعوا في فن الخط العربي و فن الزخرفة و الرسم و النفش، تفننوا في تجميل الكسوة و البرقع حتى صارا في زماننا في أحسن شكل و أبهى منظر. اللهم زد بيتك المحرم تشريفا و تعظيما و تكريما و مهابة، و أمتنا مسلمين و أدخلنا في عبادك الصالحين و ارض عنا و أصلح أحوالنا آمين يا رب العالمين و صلى اللّه على محمد أبي القاسم الأمين و على آله و صحبه أجمعين.

خدم الكعبة و أغوات المسجد الحرام‏

أول من رتب العبيد لخدمة الكعبة المشرفة معاوية رضي اللّه تعالى عنه هذا ما ذكره المؤرخون، و الظاهر أنهم كانوا عبيدا أرقاء لا خصيانا، قالوا: و أول من اتخذ الخصيان يزيد بن معاوية.

قال في المنجد: طوّش الرجل مطل غريمه، الذكر خصاه، و الطواشي الخصي جمع طواشية (مولد و قيل أعجمي). انتهى منه.

و يطلق على الخصي طواشي كما يطلق عليه في الحجاز" أغا" فيقولون:

أغوات الحرم، أي طواشية المسجد الحرام و الآغا، بمد الهمزة عند الأعاجم معناها الرجل الثري صاحب النفوذ، فربما من هنا أطلق الأعاجم على طواشية المسجد الحرام كلمة" الأغا" لما كان لهم من السلطة و النفوذ فأخذها عنهم الحجازيون فأطلقوها عليهم حتى صار كالعلم عليهم. و يوجد كتاب اسمه تاريخ الأغوات لإبراهيم الأغا بالمكتبة المحمودية بالمدينة المنورة، مقيد بها تحت نمرة (149) فراجعه إن شئت. و هو كتاب صغير باللغة التركية و لكنه ليس تاريخا للأغوات بالمعنى الصحيح، و إنما هو عبارة عن مقتطفات في تراجم بعض الأغوات، و لقد أخذ

27

سعادة السيد أحمد مجاهد وكيل وزارة الحج و الأوقاف الذي طبع هذا التاريخ على نفقته صورة فوتوغرافية لصفحات الكتاب المذكور.

روى البخاري في أول كتاب النكاح في باب تزويج المعسر الذي معه القرآن: عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: كنا نغزوا مع النبي (صلى الله عليه و سلم) ليس لنا نساء فقلنا: يا رسول اللّه ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك.

و روى أيضا في الباب الذي بعده أي في باب ما يكره من التبتل و الخصاء:

عن سعد بن أبي وقاص يقول: رد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على عثمان بن مظعون: التبتل و لو أذن له لاختصينا.

و قد وردت ثلاثة أحاديث أيضا في هذا المعنى في الباب المذكور.

جاء في شرح كتاب" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" في آخر الجزء السادس عند حديث" نهى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن التبتل" ما ملخصه:

إن الصحابة رضي اللّه عنهم لما قالوا للنبي (صلى الله عليه و سلم):" ... ألا نختصي" نهاهم عن الاختصاء نهي تحريم لما فيه من تعذيب النفس و التشويه و إبطال معنى الرجولية و تغيير خلق اللّه و كفر نعمته، لأن خلق الشخص رجلا من النعم العظيمة، فإذا أزال ذلك فقد تشبه بالمرأة و اختار النقص على الكمال.

انظر: صورة رقم 106، دكة الاغوات بالمسجد النبوي الشريف‏

قال المهلب: و إنما نهى النبي (صلى الله عليه و سلم) عن التبتل من أجل أنه مكاثر بهم الأمم يوم القيامة، و أنه في الدنيا يقاتل بهم طوائف الكفار، و في آخر الزمان يقاتلون الدجال، فأراد (صلى الله عليه و سلم) أن يكثر النسل. اه. فالاختصاء في الآدمية حرام صغيرا كان أو كبيرا. انتهى ملخصا من شرح زاد المسلم.

قال ابن حجر العسقلاني (رحمه اللّه تعالى) في فتح الباري على صحيح البخاري في كتاب النكاح في باب ما يكره من التبتل و الخصاء ما ملخصه:

الخصاء هو: الشق على الأنثيين و انتزاعهما، قال و النهي عن ذلك نهي تحريم بلا خلاف في بني آدم لما تقدم، و فيه أيضا من المفاسد تعذيب النفس و التشويه مع إدخال الضرر الذي قد يفضي إلى الهلاك، و فيه إبطال معنى الرجولية و تغيير خلق اللّه و كفر النعمة، لأن خلق الشخص رجلا من النعم العظيمة فإذا أزال ذلك فقد تشبه بالمرأة و اختار النقص على الكمال.

28

قال القرطبي: الخصاء في غير بني آدم ممنوع في الحيوان إلا لمنفعة حاصلة في ذلك كتطييب اللحم أو قطع ضرر عنه. و قال النووي: يحرم خصاء الحيوان غير المأكول مطلقا، و أما المأكول فيجوز في صغيره دون كبيره، و ما أظنه يدفع ما ذكره القرطبي من إباحة ذلك في الحيوان الكبير عند إزالة الضرر.

ثم قال: و أخرج الطبراني من حديث ابن عباس قال: شكا رجل إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) العزوبة فقال ألا نختصي؟ قال: ليس منا من خصي أو اختصى.

انتهى من فتح الباري بتصرف و اختصار.

نقول: ظهر مما تقدم أن الاختصاء في بني آدم حرام صغيرا كان أو كبيرا، و كذلك في الحيوان غير المأكول، لما فيه من قطع نسله و تعذيبه بدون فائدة، و أما في الحيوان المأكول فيجوز إخصاء صغيره حتى يسمن و يطيب لحمه، و أما الكبير المأكول فيحرم إخصاؤه لما فيه من التعذيب، و لعدم الفائدة من إخصائه، فإن لحم الكبير لا يطيب بالإخصاء.

و حرمة إخصاء الآدمي الصغير تقع على الفاعل لا على المخصي" بفتح الميم" فإن كان الآدمي كبيرا و رضي باختصائه فالحرمة تقع عليه، و قد يشترك معه في الإثم الفاعل لأنه أعان على معصيته.

فإن قال الكبير: اختصيت خوف الوقوع في الزنا مثلا، نقول له: إنك عصيت الشارع (صلى الله عليه و سلم) الذي نهى عن الاختصاء لما في ذلك من قطع النسل و التعذيب، و أما الوقوع في الزنا فقد يغفر اللّه تعالى لمن تاب و عمل صالحا كما هو الشأن في كل معصية، فرضاء اللّه تعالى و عفوه لا يتوقفان على الاختصاء و تعذيب النفس.

و نرى أن جميع هؤلاء الطواشي و الأغوات إنما حصل لهم الاختصاء في حال الصغر و هم لا يعقلون، فالحرمة تقع على من فعل بهم ذلك، و مهما أتوا من المبررات و الأعذار فإنها لا تقبل شرعا، و الحمد للّه الذي قلّ عمل ذلك في زماننا هذا حتى كاد أن يندرس.

جاء في كتاب" التراتيب الإدارية" بصحيفة 440 من الجزء الثاني ما نصه:

نقل المنجور في شرح المنهج عن ابن رشد: أن أول من استخدم الخصيان في الإسلام معاوية. و وجدت ذلك في البيان و التحصيل بلفظ، قيل: إن معاوية هو

29

أول من اتخذ المقاصير في الجوامع، و أول من قام على نفسه حرسا، و أول من قيدت بين يديه النجائب، و أول من اتخذ الخصيان في الإسلام، و أول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مرقاة.

و في تحفة المحبين و الأحباب فيما للمذنبين من الأنساب لدى كلامه على الأغوات من حرف الألف أول من استخدم الخصيان في الإسلام معاوية و قد كان لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خادما خصيا و اللّه أعلم أن خصاه كان خلقيا، و قد صرح الجمهور من العلماء بكراهته و أحكامهم مذكورة في كتب الفقه، و قد حررها العلامة عبد القادر الطبري المكي في كتابه نشأة السلافة في شأن الخلافة و أطال فيهم المقال. انظره فإنه كتاب مفيد جدا. و أول من استخدمهم في المسجد النبوي و المسجد المكي بالحرمين الشريفين صلاح الدين الأيوبي ه.

ثم نقل الكلام على أصل استخدامهم من رسالة تحفة المحبين للمجبوب في تنزيه مسجد الرسول من كل خصي و مجبوب للعلامة جمال الدين القطان، و من التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة للحافظ السخاوي فانظر كلامهم في التحفة، و قد وقفت على رسالة للحافظ السيوطي سماها أكام العقيان في أحكام الخصيان و التوصية بهم، عقد فيها فصلا قال فيه ذكر الصحابة منهم و ترجم لمابور و سندر مولى زنباغ الجدامي، و ذكر في ترجمة الأخير أنه قال لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أوصي بي فقال: أوصي بك كل مسلم، ثم جاء إلى أبي بكر فعاله حتى مات، ثم لقي عمر فقال: إن شئت أن تقيم عندي أجريت عليك مالا فانظر إلى أي المواضع أحب إليك لأكتب لك فاختار مصر فلما قدم على عمرو بن العاص أقطعه أرضا واسعة و دارا، و عمّر سندر إلى زمن عبد الملك بن مروان، و ذكره محمد بن الربيع الجيزي في كتاب الصحابة الذين دخلوا مصر و أن لأهل مصر عند سندر حديثين. اه. انتهى من الكتاب المذكور.

جاء في كتاب" التراتيب الإدارية" بصحيفة 445 من الجزء الثاني عند باب في المجبوب ما نصه:

ترجم في الإصابة لمابور القبطي الخصي قريب مارية القبطية أم ولد النبي (صلى الله عليه و سلم) قدم معها من مصر، فنقل عن الطبري أنه رضي لمكانته منها أن يجب نفسه فقطع ما بين رجليه حتى لم يبق له قليل و لا كثير الحديث، قال الشيخ الطيب في شرح الألفية: لا منافاة بن كونه أهداه خصيا و كونه جب نفسه لاحتمال أنه أهداه فاقد

30

الخصيتين مع بقاء الذكر و هو الذي قطع، و ترجم في الإصابة لأبي مريم الخصي فقال: له إدراك ذكره ابن منده، و أخرج من طريق الأوزاعي عن سليمان بن موسى قال: قلت لطاووس: إن أبا مريم الخصي أخبرني و قد أدرك النبي (صلى الله عليه و سلم) فقال: أحلني على غير خصي. و نحوه في أسد الغابة و قال: أخرجه ابن منده و أبو نعيم ه. و في نور النبراس: لا أعلم في الصحابة خصيا إلا هذا مابور و آخر يقال له سندر.

قال الأزرقي عند" ذكر كسوة الكعبة في الإسلام": و كان أول من أخدم الكعبة يزيد بن معاوية و هم الذين يسترون البيت هكذا ذكره الأزرقي و ذكر أيضا أن معاوية هو الذي أخدمها العبيد. و كلتا العبارتان مذكورتان في صحيفة واحدة من تاريخ الأزرقي فلم نفهم معنى الأولية في تقديم العبيد لخدمة الكعبة هل هي لمعاوية أو لابنه يزيد، و كيف يمكن الجمع بين الروايتين.

و قال صاحب كتاب" مرآة الحرمين": أول من رتب الأغوات في المسجد أبو جعفر المنصور اه و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

و جاء في تاريخ الخميس أن سليمان بن عبد الملك بن مروان كان شديد الغيرة و هو الذي خصى المخنثين بالمدينة. اه.

و الذي نفهمه أنه كان للكعبة خدم في الجاهلية، فيكون معنى أول من رتب العبيد للكعبة أي في الإسلام، أما في الجاهلية فقد روى الأزرقي أيضا عند الكلام على حج أهل الجاهلية ما نصه ... و كانت الإفاضة في الجاهلية إلى صوفة" أي كان على الحج" و صوفة رجل يقال له أخزم بن العاص بن عمرو بن مازن بن الأسد، و كان أخزم قد تصدق بابن له على الكعبة يخدمها، فجعل إليه حبشية ابن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر الخزاعي الإفاضة بالناس على الموقف، و حبشية يومئذ يلي حجابة الكعبة و أمير مكة يصطف الناس على الموقف فيقول حبشية: أجز صوفة فيقول الصوفي: أجيزوا أيها الناس فيجوزون، و يقال: إن امرأة من جرهم تزوجها أخزم بن العاص بن عمرو بن مازن بن الأسد و كانت عاقرا فنذرت إن ولدت غلاما أن تصدق به على الكعبة عبدا لها يخدمها و يقوم عليها، فولدت من أخزم الغوث فتصدقت به عليها فكان يخدمها في الدهر الأول مع أخواله من جرهم فولى الإجازة بالناس لمكانه من الكعبة و قالت أمه حين أتمت نذرها و خدم الغوث بن أخزم الكعبة:

31

إني جعلت ربّ من بنيّة* * * ربيطة بمكة العليّة

فباركن لي بها إليّه‏* * * و اجعله لي من صالح البريّة

فولى الغوث بن أخزم الإجازة من عرفة و ولده من بعده في زمن جرهم و خزاعة حتى انقرضوا. انتهى من تاريخ الأزرقي.

فعلم مما تقدم أن تقديم العبيد للكعبة المعظمة كان من أيام الجاهلية الأولى، و أن المراد بالعبيد ليس هو الرقيق المملوك و لا من الخصيان كالطواشي المعروفين في زماننا، بل المراد تقديم أي رجل حر للكعبة يقوم بخدمتها و ربما كان من أبناء الرؤساء و الذوات المحترمين كابن صوفة المذكور الذي كانت له إمارة الحج.

و حبذا لو أن حكومتنا السعودية أحالت هؤلاء الطواشي" أغوات المسجد الحرام" إلى المعاش و أكرمتهم بمعيشة هنيئة مدة حياتهم جزاء لهم على خدماتهم لبيت اللّه المعظم و استبدلت بهم من فضلاء الناس الأحرار خدما للكعبة المشرفة، و بذلك تكون حكومتنا قد سنّت سنة حسنة مدى الدهر، لأن غالب الأغوات من العوام الجهلاء، و في بعضهم غباوة زائدة و ضعف في العقل- يقول الإمام القزويني في كتابه عجائب المخلوقات: إن الإنسان إذا خصي يضعف بدنه بخلاف كثير من الحيوانات.

و لا نعلم بالضبط متى كان استخدام الطواشي" الخصيان" في المسجدين الحرمين بمكة و المدينة، قال صاحب مرآة الحرمين: و أول من رتّب الأغوات في المسجد الحرام أبو جعفر المنصور اه لكن نحن لا نرى أن أبا جعفر المنصور المتوفى فى سنة 158 قد فعل ذلك و نستدل على كلامنا هذا بأنه لو فعله أبو جعفر المنصور لذكره الإمام الأزرقي في تاريخه بدون شك فقد توفي في منتصف القرن الثالث بل قبله بسنوات معدودة، و إنما نرى أن استخدام الأغوات في المسجد الحرام كان بعد استخدامهم في المسجد النبوي الذي كان في أول دولة الأكراد في زمن السلطان نور الدين الشهيد استنتاجا مما جاء في تاريخ الغازي المخطوط بخط يده بصحيفة 622 من الجزء الأول و هو نقلا عن كتاب" إتحاف فضلاء الزمن بتاريخ ولاية بني الحسن" و هذا ما نصه: و في سنة (557) سبع و خمسين و خمسمائة من الهجرة حسّنوا للسلطان نور الدين الشهيد أن يرسل بعض خدم طواشيته إلى المدينة المنورة ليكونوا سدنة لقبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و الحرم المحترم فاستحسن ذلك، إلا أنه قال: كيف نعمل شيئا ما سبقنا إليه أحد من الخليقة قبلنا فما زالوا به حتى‏

32

وافقهم إلى ذلك، فجعل اثني عشر طواشيا لا غير و شرط أن يكونوا حفاظا للقرآن الكريم و لربع العبادات متعينين لذلك و أن يكونوا حبوشا فإن لم يكونوا فأرواما فإن عدموا فتكارنة و إن لم يوجدوا فهنودا، فاستمر الأمر مستقيما مدة ثم ما زال في فقد شي‏ء بعد شي‏ء حتى صار الآن من الهنود و صاروا عامية ليسوا بأهل علم و كانوا اثني عشر فعادوا فوق الأربعين، فسبحان من يغير و لا يتغير و أنكر علماء المدينة ذلك و ألفوا فيه تآليف و لكن يد الخلافة لا تطاولها يد". انتهى من تاريخ الغازي.

فيؤخذ مما تقدم أن الطواشية لم يكونوا خدما بالمسجد النبوي بالمدينة إلا في سنة (557) هجرية و يشترط فيهم أن يكونوا حفظة للقرآن الكريم و لربع العبادات من الفقه، فقياسا على ذلك يمكن أن نقول و نستنتج أن استخدام الطواشية لم يكن بالمسجد الحرام بمكة قبل السنة المذكورة و إنما حدث بعدها تقليدا على ما في المسجد النبوي منهم، و مما يقوي قولنا هذا أن العلامة ابن جبير الأندلسي الذي كان بمكة شرفها اللّه تعالى سنة (579) تسع و سبعين و خمسمائة و حج فيها لم يذكر في رحلته القيمة المعتبرة أنه رأى بالمسجد الحرام طواشية و خصيانا يقومون بالخدمة، مع أنه لم يترك شيئا عن مكة و الكعبة و المسجد الحرام إلا و ذكره، و هو قد مكث بمكة المكرمة للحج ثمانية أشهر. و الرحالة ابن بطوطة الذي وصل إلى مكة في حجته الأولى سنة (725) خمس و عشرين و سبعمائة ذكر في رحلته خدمة المسجد النبوي و لم يذكر خدمة المسجد الحرام فقال عنهم بصحيفة 73 و خدّام هذا المسجد الشريف، أي المسجد النبوي و سدنته فتيان من الأحابيش و سواهم و هم على هيئات حسان و صور نظاف و ملابس ظراف و كبيرهم يعرف بشيخ الخدام و هو في هيئة الأمراء الكبار و لهم المرتبات بديار مصر و الشام يؤتى إليهم بها كل سنة ... اه.

على أن اتخاذ الطواشي و الخصيان كان قبل الإسلام فقد ذكر الأستاذ أحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة في حاشية على كتاب" الرق في الإسلام" بصحيفة 99 ما نصه: كان اتخاذ الطواشية قبل الإسلام، فإن نارسيس و هو من أعظم قواد المملكة الرومانية الشرقية كان خصيا، و مثله بوطيفار" قطفور" مولى يوسف عليه الصلاة و السلام، و مثلهما أوريغانس مفسر التوراة الذي ولد بالاسكندرية في سنة (187) سبع و ثمانين و مائة ميلادية قد جب مذاكير نفسه لئلا تكون أخلاقه عرضة

33

للشك و الربية، و غيرهم كثيرون. اه المترجم. انتهى من حاشية الكتاب المذكور. و جاء في تاريخ الخميس في الجزء الثاني: أنه كان في دار أمير المؤمنين المقتدر باللّه الذي قتل سنة (320) أحد عشر ألف غلام خصيان غير الروم و الصقالبة و السود. انتهى.

و قد كان للطواشية" الخصيان" نفوذ كبير لدى أسيادهم العظماء، و في ذلك يقول مؤلف كتاب" الرق في الإسلام" بصحيفة 98 ما يأتي: و لا يجهل أحد ما كان للطواشية" الخصيان" من الشأن الأكبر و النفوذ المهم في القسطنطينية و في مصر القاهرة، ففي بلادنا" أي مصر" كان أعاظم القوم و سراتهم يتملقون و يتزلفون إلى الماس آغا طواشي والدة عباس باشا، و خليل آغا طواشي سعيد باشا، ثم خليل آغا المشهور طواشي والدة الخديوي السابق، و كلهم قد جاؤا من بلادهم في أحقر الحالات و أنكدها، فساق اللّه لهم السعادة و رزقهم الغنى الوافر و الثروة الطائلة.

انتهى من الكتاب المذكور و المذكورون هنا عباس و سعيد و الخديوي السابق كلهم من سلاطين مصر المتأخرين.

و في تاريخ الغازي أن السلطان الملك الأشرف برسباي أرسل في سنة (835) إلى السلطان صلاح الدين أبي المظفر محمد بن قندو هدية من القاهرة صحبة بعض الطواشية، فلما وصل إلى السلطان قبلها و عوض عنها بهدية قيمة و لكنه مات في أثناء ذلك فقام ابنه المظفر أحمد و أمضى هدية أبيه و زاد من عنده هدية أخرى من ضمنها خدّام طواشية. انتهى.

و لنذكر هنا أسماء بعض الطواشي الذين عثرنا عليهم في التاريخ، و هناك كثيرون منهم لكن لم نبحث عنهم في الكتب لنقيد أسماءهم.

عدد/ اسم الطواشي/ الملحوظات‏

1/ بوطيفار" قطفور"/ هو مولى نبي اللّه يوسف عليه الصلاة و السلام.

2/ نارسيس/ كان قبل الإسلام، و كان من قواد المملكة الرومانية الشرقية.

3/ مابور القبطي/ قدم مع مارية القبطية إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

4/ أوريغانس/ مفسر التوراة، ولد سنة 187/ ميلادية.

5/ منويل الخصي/ كان قائد جيش الروم لأخذ الاسكندرية من المسلمين فقتله عمرو بن العاص و فتح الاسكندرية

34

عدد/ اسم الطواشي/ الملحوظات‏

مرة ثانية.

6/ فتح/ كان خصيا و هو حاجب يزيد بن معاوية

7/ كافور الإخشيدي/ كان خصيان حبشيا أسود اشتراه إخشيد، فصار فيما بعد ملكا على مصر.

8/ مؤنس المظفري/ ولي سلطنة العراق.

9/ ألماس آغا/ هو طواشي والدة الخديوي عباس باشا الثاني سلطان مصر و باش آغا السراي الخديوية.

10/ كاظم آغا/ هو باب آغا والدة الخديوي عباس باشا سلطان مصر.

11/ خليل آغا/ هو طواشي الخديوي سعيدي باشا سلطان مصر.

12/ خليل آغا/ هو طواشي والدة الخديوي السابق لمصر" أي إسماعيل باشا ثم توفيق باشا" و كان زعيم الأغوات و كبيرهم و هو صاحب مدرسة خليل آغا الشهيرة بمصر.

13/ أبا عبد اللّه محمد الغرناطي المعروف بالتراس/ جبّ نفسه خوفا من الوقوع في معصية و صار من خدمة المسجد النبوي كان موجودا في عهد ابن بطوطة كما ذكره في رحلته أي في سنة (725) من الهجرة.

14/ جوهر آغا/ كان وزير مكة و كان موجودا بها في عام (1109) كما ذكره الغازي في تاريخه بصحيفة 661 من الجزء الأول و هو الذي أوفدته الدولة العلية العثمانية بالمرسوم الشاهاني بولاية الشريف سعيد بن سعد مكة فاستقبلوه استقبالا عظيما و ذلك سنة (1113) كما ذكره الغازي أيضا بصحيفة 253 من الجزء الثاني من تاريخه.

15/ درويش آغا/ وزير أمير مكة الشريف أحمد بن سعيد بن زيد في سنة (1184) من الهجرة. أي وزيره و عامله على ينبع.

35

عدد/ اسم الطواشي/ الملحوظات‏

16/ رفعت آغا/ هو خليفة خليل آغا طواشي والدة الخديوي إسماعيل باشا المذكور، في إدارة وقفه الكبير بعد موته.

17/ بلال آغا/ خليفة رفعت آغا بعد موته.

18/ عبد الفتاح آغا/ شيخ الأغوات بالمسجد الحرام بمكة من سنة 1321 تقريبا.

19/ بهرام آغا/ رئيس أغوات قصر يلدز بالآستانة في زمن السلطان عبد الحميد المتوفى سنة (1328) هجرية.

20/ نادر آغا/ رئيس أغوات قصر يلدز بالآستانة في أواخر زمن السلطان عبد الحميد أيضا المتوفى سنة (1328) هجرية.

انظر: صورة رقم 107، خليل آغا الطواشي المشهور

و الطواشي كثيرون في كل عصر و لكن لا يذكر التاريخ إلا عظماءهم و من يشار إليهم كمن ذكرناهم هنا، و لقد كان سلاطين آل عثمان و سلاطين مصر و كبار العظماء و الأغنياء يقتنونهم في قصورهم و منازلهم لاطمئنانهم لهم على النساء حينما كنّ محجبات أما اليوم و قد انتشر السفور بينهن و اختلطن بالرجال زالت دولة الطواشي حتى لا تكاد تذكر.

و هذا الجدول ليس القصد منه حصر جميع أسماء الأغوات، و إنما هذه الأسماء بحسب ما وصل إلى علمنا، و هناك كثير من الأغوات لم نطلع على أسمائهم، في بعض الأقطار الإسلامية سابقا، و أما اليوم فقد انقرض جنسهم.

و بهذه المناسبة نذكر قصة صغيرة لأحد الأغوات للدلالة على ما كان لهم من السلطة في قصور أسيادهم، ننقلها باختصار عن مجلة المصور التي تصدر بمصر في عدد 1576 بتاريخ 28 ربيع الثاني سنة 1374 هجرية- و هي:

لما انضم" خليل آغا" إلى حاشية والدة إسماعيل باشا خديوي مصر، لم يمض وقت طويل حتى ظفر بثقتها فقربته إليها و منحته سلطات مطلقة في الإشراف على تربية الأمراء و الأميرات و تعهد مختلف شؤونهم التعليمية و الأخلاقية، فأصبح ذا سلطان و نفوذ لا يستطيع أحد أن يرد له كلمة أو يعصي له أمرا.

36

و كان خليل آغا حريصا على تنشئة الأمراء و الأميرات نشأة أخلاقية قويمة كريمة، غيورا على أن لا يصاب أحدهم في كرامته أو تخدش سمعته، حتى لقد بلغ في غيرته عليهم أن تطاول و صفع مرة إحدى الأميرات لأنها غابت خارج القصر مدة تزيد على المدة التي حددها لها عند خروجها، و ثار لهذا الحادث الأمراء و غضبت الأميرات، و لكن والدة إسماعيل باشا وقفت إلى جانبه و دافعت عنه و أيدته في موقفه، فمرّت العاصفة بسلام.

و لما تولى مصر توفيق باشا انتهزت الأميرة التي صفعها خليل آغا الفرصة وسعت لدى توفيق باشا بإعدامه فأصدر أمره بذلك و ترك له الخيار في أن يموت بالسيف أو بجرعة السم، فجرع خليل آغا كأسا من السم الزعاف فقضى نحبه.

و خليل آغا هذا هو صاحب و مؤسس المدرسة المشهورة باسمه" مدرسة خليل آغا" التي كانت بأول شارع الدراسة بجوار جامع الأزهر الشريف ثم نقلت إلى جهة أخرى حين تنظيم الشوارع و توسعتها، و كان لهذه المدرسة أكبر الفضل في تعليم كثير من كبار رجال الدولة في الجيل الماضي و لا تزال المدرسة قائمة في تعليم أبناء الأمة إلى اليوم.

و لقد استطاع خليل آغا أن يجمع ثروة كبيرة من الأراضي و البيوت و العمارات، ثم وقفها من بعده على أعمال البر و الفقراء من الأغوات و العتقاء، و بلغت مساحة الأرض التي وقفها ألف و ثمانمائة فدان، و تعدّ أوقافاته من الأوقافات الكبيرة ذات الإيراد الكبير الوفير، رحمة اللّه عليه و جزاه خير الجزاء. انتهى.

و من عجائب ما كان للأغوات من الصولة و المكانة، ما رواه صديقنا الأستاذ أحمد السباعي في كتابه" تاريخ مكة" بصحيفة 257 حيث يقول:

و من غرائب ما يذكر أن بشير آغا الطواشي من مماليك السلطان مراد" أي الرابع" حج في عام (1049) و كان يحمل تفويضا من السلطان بعزل و تولية من يرى توليته و عزله في البلاد التي يمر بها، فلما انتهى إلى مصر خرج و اليها للقائه في ظاهرها و قبّل ركبتيه و مشي بين يديه إلى أن أذن له بالركوب، فلما انتهى خبر ذلك إلى الشريف زيد في مكة عزّ عليه أن يمشي في ركاب الطواشي، فاستشار الشيخ عبد الرحمن المحجوب، و كان من رجال العلم الصالحين، فقال له: اسأل اللّه أن يكفيك ذلك فاستجيبت دعوته، لأن بشير آغا ما كاد يصل إلى مكة حتى سبقه إليها خبر وفاة السلطان مراد و بذلك بطل مفعول التفويض الذي يحمله،

37

و دخل بشير آغا فقابله مقابلة عادية و صافحه ثم ركض زيد بفرسه حتى تقدم عليه و عزاه في السلطان فتضاءل بشير آغا لأنه كان يظن أن خبر الوفاة مجهول في مكة.

انتهى.

و من غرائب ما وقع في عصرنا مما يكون عظة و عبرة، ما حدثنا به رئيس سدنة الكعبة المشرفة صاحب السيادة و السعادة الشيخ محمد ابن الشيخ محمد صالح بن أحمد الشيبي، أنه رأى أن والي الحجاز التركي أحمد راتب باشا يقبّل يد شيخ أغوات المسجد الحرام بمكة عبد الفتاح آغا و ذلك سنة (1325) تقريبا، ثم رأى أن عبد الفتاح آغا المذكور يقبل يد مدير الشرطة العام بمكة مهدي بك و ذلك في سنة (1347) سبع و أربعين و ثلاثمائة و ألف تقريبا أي بعد أن استولى على الحجاز جلالة الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه اللّه تعالى) فسبحان المعز المذل.

و يذكر الأستاذ السباعي في كتابه أيضا بصحيفة 291 عن الأغوات ما نصه:

و في عهد مبارك" الذي تولى إمارة مكة في عام 1132" ثارت فتنة بين أغوات المدينة و رجال حاميتها من المعسكر، و ذلك أن رجلا من توابع الأغوات أراد الانخراط في سلك الجندية فحيل بينه و بين ذلك، فغضب لأجله أغوات المسجد و أغلظ بعضهم القول لرجال الحامية، فثارت الفتنة و تحصن الأغوات بالمسجد، فأراد قاضي المدينة أن يتوسط للصلح فامتنع الأغوات من الحضور إلى المجلس و لعلّهم خافوا ذلك، فاعتبرهم القاضي عصاة للشرع و أمر بقتالهم في المسجد فقاتلوهم فيه و بذلك عطلت صلاة الجماعة، ثم ما لبث الأغوات أن طلبوا الأمان فأبى رجال الحامية إلا بتقديم كبارهم إلى مكة ليرى الشريف مبارك رأي الشرع فيهم فقبلوا ذلك، و تقدم من كبارهم خمسة أو ستة أشخاص اعتقلتهم الحامية و أرسلتهم إلى الشريف مبارك في مكة فثبتت إدانتهم لديه فكتب إلى الخليفة بذلك فجاءت الموافقة بعقوبة بعضهم و نفي الآخرين. و أراد الأغوات أن يثأروا لنفسهم فاتصل بعضهم بعاصمة الخلافة في تركيا و أقنعوا المسؤولين بأنهم كانوا مظلومين و أن أسباب الفتنة كانت سعاية أهل المدينة على رأسهم عبد الكريم البرزنجي و كان من جملة علمائها فصدر الأمر بقتل المذكور و بعض المتهمين معه ففر البرزنجي إلى جدة، فقبض عليه حاكمها و نفذ فيه حكم الإعدام و دفن" بحارة المظلوم" نسبة إليه. انتهى كل ذلك من" تاريخ مكة" للسباعي.

38

و لقد كان قديما للأغوات شأن كبير في الدولة العثمانية حتى أنها تنتدب بعضهم للأمور المهمة، فمن ذلك ما ذكر الغازي في تاريخه المخطوط في الجزء الثاني بصحيفة 253 أن أمير مكة الشريف سعد عرض على الدولة العلية العثمانية إقامة ولده الشريف سعيد مقامه فأجابته إلى ذلك في شهر ذي القعدة سنة (1113) ثلاث عشرة و مائة و ألف و جاءت المراسيم بولاية الشريف سعيد مع أغاة مخصوص فأدخلوه مكة بموكب عظيم، و جلس في الحطيم الشريف سعيد و صاحب جدة و القاضي و المفتي و أعيان الناس، فورد الآغاة إلى الحطيم بالأمر السلطاني و التشريف للبس الشريف سعيد و لبس أرباب المناصب على جري العادة و جلس للتهنئة و مدحه الشعراء بقصائد، و لما كان يوم السبت طلع الأغاة الوارد بالقفطان بخلعة سمور و كتاب آخر خاص لمولانا الشريف سعيد و ألبسه الفرو الوارد له من الأبواب السلطانية زيادة في الإكرام و العناية. انتهى من تاريخ الغازي.

و جاء في كتاب" الجداول المرضية" أن قطب الدين بن علاء الدين خوارزم شاه المتوفى سنة (617) سبع عشرة و ستمائة دخل عليه رجل من خدمة حجرة النبي (صلى الله عليه و سلم) فعظمة و أجلسه بجانبه و صار يأخذ يده و يتبرك و يمرّ بها على وجهه اه.

فهذا الملك عمل على حد قول الشاعر:

أمرّ على الديار ديار سلمى‏* * * أقبل ذا الجدار و ذا الجدارا

و ما حب الديار شغفن قلبي‏* * * و لكن حب من سكن الديارا

و جاء في العدد (19) من روايات الهلال بمصر الخاص بالانقلاب العثماني، الصادر في شهر رمضان عام 1369 ه، الموافق لشهر يولية عام 1950 م عند الكلام على" حريم قصر يلدز" بالآستانة و معنى كلمة" يلدز" في اللغة التركية" النجم" و قصر يلدز جنة الدنيا كان هو مقر سلاطين آل عثمان، فقد جاء في العدد المذكور عمن كان في هذا القصر من الخصيان و الأغوات في زمن السلطان عبد الحميد خان الذي كان في حدود سنة (1300) ألف و ثلاثمائة من الهجرة ما نصه:

و في كل قصر من قصور النساء طائفة من الخصيان و الجواري و السراري للخدمة و التدريب، و على الخصيان رئيس يسمونه الباش آغا، و قد تداول هذا المنصب غير واحد في زمن عبد الحميد آخرهم نادر آغا، و صاحب هذا المنصب من‏

39

أكبر أصحاب النفوذ و السطوة لثقة السلطان فيه و ركونه إليه، و قد مر زمن كان الباش آغا فيه أقوى شوكة في الدولة من أكبر الوزراء.

و ذكروا أن زكي باشا أرادت الدولة إرساله قائدا لعساكرها في طرابلس الغرب، فجاء لوداع الباش آغا و هو يومئذ بهرام آغا، فدخل عليه و هو في مجلس حافل فوقف بين يديه و قال:" يا مولاي إن الدولة عيّنت عبدكم قائدا على عساكرها في طرابلس الغرب، و لي أمنية ألتمس من عنايتكم تحقيقها لتكون لي حرزا من ريب الدهر، و هي تقبيل يدكم الشريفة" فقهقه بهرام آغا و قال له:

" متى وصل قدركم أن يتعدى رجلي إلى يدي؟".

و يذكرون من نوادر هذا الآغا أنه خرج إلى ظاهر السراي في الوقت الذي وصل الروسيون الغزاة فيه إلى سان استفانو، و ساد الفزع الأكبر، و شغل السلطان بتدبير ما يؤول إليه العرش العثماني الذي أورثه إياه آباؤه و أجداده العظام، فدخل عليه الآغا و قال له:" لا يهتم مولانا الأعظم، فقد خرجت إلى ظاهر القصر، و نظرت يمينا و شمالا فوجدت جميع ما انتهى إليه بصري هو ملك جلالتك فلا تحزن فإنه يكفينا".

و من أدلة نفوذ أولئك الخصيان أن بهرام هذا منع عبد الحميد من إرسال جند عثمان إلى مصر في أثناء الحوادث العرابية، و كانت إنجلترا قد أوعزت إليه أن يفعل ذلك ليحتل مصر مكانها، فزعم الآغا المذكور أن السلطان إذا أرسل جنودا إلى مصر لم يبق في يلدز من يحافظ على حياته.

و يلي الباش آغا من الخصيان طبقة المصاحبين، و اشتهر منهم جماعة كبيرة كان لهم شأن في زمن عبد الحميد. انتهى من الكتاب المذكور.

هذا و لما كان لأغوات المسجد الحرام فيما سبق شأن كبير، كان تعيين أحدهم شيخا و رئيسا عليهم لا بد أن يكون من قبل السلطان و أن يصدر له بذلك مرسوم سلطاني، و قد ذكر القلقشندي في كتابه صبح الأعشى صورة من المراسيم السلطانية بذلك لكنها خاصة بأغوات المسجد النبوي- و نحن نذكر هنا نص كلامه في كتابه المذكور مع نص المرسوم السلطاني- قال (رحمه اللّه تعالى):

و قد جرت العادة أن يكون له خادم من الخصيان المعبر عنهم بالطواشيّة يعين لذلك من الأبواب السلطانية، و يكتب له توقيع في قطع الثلث" بالمجلس السامي" بالياء، مفتتحا" بالحمد للّه".

40

و هذه نسخة توقيع شريف من ذلك:

الحمد للّه الذي شرف بخدمة سيد الرسل الأقدار، و فضل بالتأهل للدخول في عداد كرمه بخدمته من اختاره لذلك من المهاجرين و الأنصار، و جعل الاختصاص بمجاورة حرمه أفضل غاية تهجر لبلوغها الأوطان و الأوطار، و عجل لمن حل بمسجده الشريف تبوأ أشرف روضة تردها البصائر و ترودها الأبصار.

نحمده على نعمه التي أكملها خدمة نبيه الكريم، و أفضلها التوفّر على مصالح مجاوري قبر رسوله الهادي إلى الحق و إلى طريق مستقيم، و أجملها الانتظام في سلك خدمة حرمه لأنها بمنزلة واسطة العقد الكريم النظيم، و نشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة مزلفة لديه مقربة إليه، مدّخرة ليوم العرض عليه، و نشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله أشرف نبي بعث إلى الأسود و الأحمر، و أكرم من أنار ليل الشرك بالشرع الأقمر، صلى اللّه عليه و على آله و أصحابه الذين فخرت الحبشة بهجرتهم الأولى، و نجا النجاشي بما اتخذ عندهم من السابقة الحسنة و اليد الطولى، و أولى بلالهم من السّبق إلى خدمة أشرف الأنبياء عليه و عليهم أفضل الصلاة و السلام، أفضل ما يولى، صلاة لا يزال شهابها مرشدا، و ذكرها في الآفاق مغيرا و منجدا، و سلم تسليما كثيرا.

و بعد، فإن أولى ما أعتمد عليه من أفاء اللّه عليه من نعمه و أفاض عليه من ملابس كرمه، و شرّف قدره بأن أهله لخدمة سيد الرسل بل لمشيخة حرمه، و خصه برتبة هي أسنى الرتب الفاخرة، و أجمع الوظائف لشرف الدنيا و الآخرة، من رجحه لذلك دينه المتين، و ورعه المكين، و زهده الذي بلغ به إلى هذه الرتبة التي سيكون بها- إن شاء اللّه تعالى- وجيها في الدنيا و الآخرة و من المقربين.

و لما كان فلان هو الذي أدرك من خدمة سيد الرسل غاية سؤله، و زكت عند اللّه هجرته التي كانت على الحقيقة إلى اللّه و رسوله، و سلك في طريق خدمته الشريفة أحسن السلوك، و انتهت به السعادة إلى خدمة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ليعرض بجوهرها الأعلى عن عرض خدمة الملوك، و فاز من مجاورة الحجرة الشريفة بما عظمت عليه به المنة، و حل به مما بين القبر و المنبر في روضة من رياض الجنة، و أقام في مقام جبريل، و مهبط الوحي و التنزيل، يتفيأ ظلال الرحمة الوارفة، و يتهيأ من تلك النعمة بالعارفة بعد العارفة تعين أن يكون هو المحلى بعقود مشيخة ذلك الحرم، و المتولي لمصالح هذه الطائفة التي له في التقدم عليهم أثبت قدم.

41

فرسم بالأمر الشريف لا زال ... أن تفوّض إليه المشيخة على خدّام الحرم الشريف النبوي: للعلم بأن العامل الورع، و الكافل الذي يعرف أدب تلك الوظيفة: من خدمة الرسول (صلى الله عليه و سلم) على ما شرع، و الزاهد الذي آثر جوار نبيه على ما سواه، و الخاشع الذي نوى بخدمة الدخول في زمرة من خدمه في حياته" و لكل امرئ ما نواه".

فليستقر في هذه الوظيفة الكريمة قائما بآدابها، مشرّفا بها نفسه التي تشبّثت من خدمته الشريفة بأهدابها، سالكا في ذلك ما يجب، محافظا على قواعد الورع في كل ما يأتي و ما يجتنب، قاصدا بذلك وجه اللّه الذي لا يخيب لراج أملا، و لا يضيع أجر من أحسن عملا، ملزما كلا من طائفة الخدام بما يقربه عند اللّه زلفى، و يضاعف الحسنة الواحدة سبعين ضعفا، هاديا من ضل في قوانين الخدمة إلى سواء السبيل، مبديا لهم من آداب سلوكه، ما يغدو لهم منه أوضح هاد و أنور دليلا، و فيه من آداب دينه ما يغني عن تكرار الوصايا، و تجديد القضايا، و اللّه تعالى يسدده في القول و العمل، و يوفقه لخدمة سيد المرسلين (صلى الله عليه و سلم) و قد فعل بمنه و كرمه. انتهى من كتاب صبح الأعشى من المجلد الثاني عشر.

و لم نر القلقشندي ذكر في كتابه المذكور صورة مرسوم سلطاني لأغوات المسجد الحرام، و سببه و اللّه تعالى أعلم أنه كان للمسجد النبوي أغوات في زمانه فقد أرسلوا إليه الطواشية سنة (557) كما سبق الكلام عليه، و أما المسجد الحرام و إن كان به خدم لكن لم يكونوا طواشية، فطواشية المسجد الحرام حدث فيما بعد ذلك، و القلقشندي صاحب كتاب صبح الأعشى مولود سنة (756) فالظاهر إما أنه إلى هذا الوقت لم يكن في المسجد الحرام طواشية، و إما أنه لم يعثر على صورة مرسوم سلطاني لهم. و اللّه تعالى أعلم.

و لأغوات المسجد الحرام كثير من الأوقاف المرصودة لهم في بعض البلدان كبغداد و البصرة و الشام و المغرب.

أغوات المسجد الحرام في عصرنا هذا

عدد أغوات المسجد الحرام في عصرنا هذا (24) أربعة و عشرون شخصا عليهم شيخ و نقيب. فمن أعمالهم القيام بتنظيف دائرة المطاف و ما يليها فقط ليلا و نهارا، و القيام بخدمة الخطيب حال الخطبة على المنبر، و لهم لباس خاص يعرفون‏

42

به، كما لهم نظام مستقلون به، و كل منهم له لقب خاص اصطلحوا عليه فيما بينهم، يحترمون شيخهم و لا يخرجون عن أمره مطلقا.

و كنا نرغب أن نأتي بنظامهم و القوانين التي يمشون عليها بدقة تامة، لكن صرفنا النظر عن ذلك حتى لا يطول بنا الكلام.

مبدأ الرق و الاسترقاق‏

نكتب هذا الفصل بمناسبة ما ذكرنا عن أغوات المسجد الحرام (أي الطواشي) قال في المصباح المنير:" ... و الرق بالكسر العبودية و هو مصدر رق الشخص يرق من باب ضرب فهو رقيق ... و يطلق الرقيق على الذكر و الأنثى و جمعه أرقاء ... إلخ". اه.

و قال بعضهم في الرق هو: حرمان الشخص من حريته الطبيعية و صيرورته ملكا للغير، و في عرف الفقهاء: عبارة عن عجز حكمى شرع في الأصل جزاء عن الكفر، و النخاسة بيع الرقيق و الدواب، و النخّاس البيّاع أي الدلال.

و مبدأ الاسترقاق يرجع إلى العصور الأولى منذ نشأة الاجتماع الإنساني، و هو أمر طبيعي للبشر فالقوي يسخّر الضعيف لخدمته، و منذ ظهور الحروب على وجه الأرض و التطلع إلى تملك البلدان و الأقوام اتسع نطاق الاسترقاق و العبودية.

فكان الرق عند قدماء المصريين و الهنود و الأشوريين و الفرس و الصينيين و العبرانيين و اليونانيين" الإغريق" و الرومانيين و غيرهم، و الأرقاء عند هؤلاء الأمم أنواع و أقسام و لهم نظام و قوانين عند كل أمة منهم يعاملونهم بموجبها ذكرها الأستاذ أحمد شفيق بك المصري في كتابه" الرق في الإسلام" و هو كتاب صغير الحجم يقع في 112 صحيفة، ألفه المذكور باللغة الفرنساوية و ترجمه الأستاذ أحمد زكي إلى اللغة العربية و قد طبع الطبعة الأولى سنة 1309 هجرية الموافق لسنة 1892 ميلادية بالمطبعة الأهلية الأميرية ببولاق بمصر، و الحق أنه كتاب قيم وفق فيه المؤلف أعظم توفيق، و زاد من قيمته التعليقات و الحواشي التي كتبها فيه مترجمة إلى اللغة العربية الأستاذ أحمد زكي، و نظنه هو شيخ العروبة" أحمد زكي باشا" فيما بعد.

43

و قد بين المؤلف في كتابه حكم الاسترقاق في بعض الديانات و كذلك في الديانة الإسلامية التي حثت على حسن معاملة الأرقاء و على عتقهم. و يستحسن أن نذكر ما قاله المؤلف المذكور (رحمه اللّه تعالى) في الفرع الخامس بصحيفة 93 عن خلاصة ما تقدم من كتابه المذكور و هو هذا بنصه:

من الآيات القرآنية الشريفة و الأحاديث النبوية الكريمة و أقوال الأئمة و شواهد التاريخ التي سردناها في المطالب السابقة، يتضح أن الديانة الإسلامية قد حصرت من غير شك و لا مراء حدود الاسترقاق و عملت على إنضاب منبعه، إذ حتّمت شروطا و فرضت قيودا لا بد منها لوقوع الاسترقاق، و بينت الطرق و أوضحت الوسائل التي يكون بها الخلاص من ربقته، فإذا اتفق لشخص مع كل هذه الوسائط و وقع القضاء المحتوم عليه فأوقعه في الاسترقاق، فقد رأينا أن الشريعة الإسلامية لا تتخلى عنه و لا تتركه و شأنه، بل تبسط عليه جناح حمايتها و لواء رعايتها فتعتبره جديرا بالشفقة خليقا بالمرحمة لما تراه فيه من الضعف و المسكنة، و لذلك وردت فيها الوصايا التي تفرض على الموالي أن يعاملوا أرقاءهم كما يعاملون أنفسهم، و أن يسعوا في إسعادهم و نعومة بالهم و تأديبهم و تهذيبهم و تعليمهم، و أن لا يزدروا بهم و لا يضيعوا من قدرهم، و أن يزوجوهم أو يتزوجوهن تعجيلا لتخليصهم من ربقة الرق و إيرادهم موارد الحرية.

هذا و إن العتق الذي جئت فقط على ذكر قواعده العمومية و أصوله المهمة على وجه الإجمال لهو و الحق يقال من أفخر ما يفتخر به الإسلام، فإن شريعتنا المحمدية قد سعت في تقويض دعائم الاسترقاق و تدمير معالمه، و لكن كيف العمل؟ هل كان الموافق المبادرة بتحريم أمر امتزجت به عوائد العالم كله منذ ما وجد الاجتماع الإنساني و توالت عليه الأيام و الأعوام و الشهور و الدهور، إلا أن ذلك كان يجرّ وراءه بلا شك انقلابا عظيما في نظام الاجتماع، و فتنة كبيرة في نفوس الأمم و الأقوام.

فلهذا جاءت شريعة الإسلام بهذه الغاية من طريق آخر تزول أمامه الصعوبات و تتذلل العقبات، بدلا من تهييج العقول و إثارة الخواطر و الأفكار، بإلغاء الاسترقاق مرة واحدة، فخوطب المسلمون بأن يتقربوا إلى اللّه تعالى بعتق العبيد المساكين في ظروف كثيرة و أحوال متنوعة. و حث النبي (صلى الله عليه و سلم) كثيرا على السعي في نوال هذه الغاية الجليلة، و لذلك جاءت قواعد العتق في غاية السعة و نهاية اليسر،

44

بحيث يتسنّى دائما للرقيق أن يجد فيها طريقا يساعده على الخلاص من الاستعباد إذا طلب ذلك بل و لو لم يطلبه.

انتهى من كتاب" الرق في الإسلام" و هو كلام عليه طلاوة و حلاوة كما لا يخفى.

نقول: إن من أهم ما عثرنا عليه صورة العقد الذي أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بكتابته و يتضمن عتق مولاه أبي رافع رضي اللّه عنه، و هو صورة فريدة للعتق النبوي أحببنا نقلها هنا. و إليك نص العبارة:

صورة عقد عتق أبي رافع مولى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)

جاء في كتاب التراتيب الإدارية في الجزء الأول ما نصه: قال القاضي ابن باديس في شرح مختصر ابن فارس نقلا عن العمدة لأبي عبد اللّه التلمساني:

الصحيح في اسمه أسلم لأجل عقد عتقه و نصه بخط الحكم المنتصر باللّه أمير المؤمنين بن عبد الرحمن الناصر المرواني" بسم اللّه الرحمن الرحيم كتاب من محمد رسول اللّه لفتاه أسلم إني أعتقك للّه عتقا مبتولا. اللّه أعتقك و له المنّ علي و عليك فأنت حر لا سبيل لأحد عليك إلا سبيل الإسلام و عصمة الإيمان شهد بذلك أبو بكر و شهد عثمان و شهد علي و كتب معاوية بن أبي سفيان كان في الكتاب معاوية. ما كان بخط الحكم".

قال الشيخ أبو عبد اللّه: كتبته من منقول نقل من خط الحكم ه. فهذا عقد في عتق نبوي بنصه من الذخائر المكنونة و الكنوز الثمينة فتلقه شاكرا و للمغاربة ذاكرا حيث إن كلا من الحكم المنتصر و صاحب العمدة و فوائد الدرر مغاربة، و كأنه لم يقف عليه أحد من أعلام المشرق فلذلك لا تراه في مدوناتهم الأثرية.

و سيأتي في باب الوقف ما يقتضي أن الصحابة كانوا يكتبون أوقافهم و سياق بعض نصوصها فانتظره في محله (ز قلت) انتهى من كتاب التراتيب الإدارية.

و مما يلحق بهذا الفصل من باب الاستطراد: أنه في سنة (1271) إحدى و سبعين و مائتين و ألف من الهجرة جاء أمر من دار السلطنة العثمانية إلى الوالي التركي بمكة كامل باشا بمنع بيع الرقيق علنا في الأسواق تنفيذا لمعاهدة خاصة بين الدولة العثمانية و بعض الدول الأوروبية فبلغه كامل باشا لدلالي الرقيق فلما علم أهالي مكة بذلك تنادوا بالجهاد و اجتمع طلبة العلم في بيت رئيس العلماء الشيخ‏

45

جمال شيخ و طلبوا إليه أن لا يرضخ لما يخالف الشرع و أن ينتقل معهم إلى دار القاضي ليمنع صدور ذلك الأمر، فلما مشت جموعهم في الشوارع انضم إليهم الجمهور و نادوا بالثورة و اشتبكوا مع الأتراك في قتال عنيف و امتد القتال إلى المسجد الحرام فقتل فيه عدة أشخاص من الفريقين، فلما انتهت الأخبار إلى الشريف عبد المطلب و كان بالطائف غضب للأمر و جمع جموعه من القبائل لإعانة الأهالي في مكة ضد الترك، فخف الأتراك إلى جدة و تحصنوا بها و أعلن كامل باشا في جدة أن المراسيم السلطانية قد وصلت إليه بعزل عبد المطلب و تولية الشريف محمد بن عبد المعين بن عون ... الخ ما ذكره الأستاذ السباعي بصحيفة 375 من كتاب" تاريخ مكة". و تؤخذ من هذه الرواية جملة أمور لا تخفى على العاقل اللبيب.

اقتناء الجواري‏

جاء في الجزء الأول من كتاب كنز الرغائب في منتخبات الجوائب المطبوع سنة (1288) ثمان و ثمانين و مائتين و ألف من الهجرة بالآستانة عن اقتناء الجواري ما يأتي:

لا يخفى أن تملك الجواري السود بالآستانة يعد من النقم لا النعم، فأبيّن الآن سببه بالتفصيل، و هو أن جميع هؤلاء النساء يعتقدن بالجن و العفريت، و يتشاءمن و يتطيرن، و كل واحدة منهن لها في الشهر يوم معلوم ينتابها فيه الجن، فإذا زارها طلبت أن تذهب إلى زعيمتها و قدوتها لكي تبخرها و تعزم عليها، و إلا فإنها تلزم الفراش و تتمارض و لا تأتي شيئا من الأعمال، و متى ذهبت لزمها أن تنقد الزعيمة ريالا مجيديا، و إذا كان لصاحب العيلة جارية واحدة استوحشت منه و من عيلته و داره، و طلبت أن تشفع بأخرى لتؤانسها و تحمل عنها أثقال الخدمة، فإذا حضرت الثانية و كانت من غير بلادها و جنسها، وقع بينهما الخصام و النزاع، فأدى ذلك إلى بيع إحداهما، فإن كانت من بلادها و جنسها تآلفتا على الشر و الخبائث، و لا سيما إذا كان في الدار خادم من الرجال، و من عادتهن أنهن لا يخرجن إلى السوق لشراء ما يلزم لصاحب الدار من نحو المأكولات و المشروبات، فيضطر في هذه الحالة إلى أن يكون عنده خادم مخصوص لهذا أو أنه يذهب بنفسه و يشتري ما لزمه، فهذه حالة الجواري السود اللائي يقع عليهن البيع و الشراء في‏

46

الآستانة لكونهن أسيرات، فمن سمع من الإفرنج بأن نوعا من جنس بني آدم يباع و يشرى، استعظم ذلك و عده مغايرا للإنسانية، و الحال أنه أسر للمشتري (بكسر الراء) لا للمشترى (بفتح الراء)، فإن الأول هو الذي يشقى و يعنى بوجود الجواري، في حالة كونهن منعمات مترفهات، لا يخرجن من الديار إلا للتنزه، و لا يأتين من الأعمال إلا ما طاب لهن، و شر ما في القضية أنه لا بد منهن، إذ لم تجر العادة عند متوسطي الحال من أصحاب العيال، أن يستخدموا نساء من النصارى، و إنما يجوز ذلك لرجال الدولة، وزد على ذلك أن مفتشي الضبطية صاروا الآن يفتشون السفن التي يجلب فيها الجواري، فإذا ظفروا بطائفة منهن أحضروهن إلى ديوان الضبطية، و هناك يحجز عليهن و يمنعن من البيع، فالظاهر أن الدولة عازمة على منع جلب الرقيق رأسا، و هو من بعض المآثر التي تبديها في هذه الأيام.

و لكن إذا كان هذا الأمر واجبا عندها وجب أيضا أن يمنع البيع من بيوت النخاسين، مع أنا نرى النخاسين لا يتحاشون من البيع أصلا، فالأولى إذا أن تمنع البيع و الجلب معا أو تتركهما معا، و في الحالة الأولى يقع الناس في داهية من الحاجة إلى الجواري، كما وقعوا في داهية من الحاجة إلى وجود الديار، إذ ليس في الآستانة من الخوادم من يسد مسد الجواري، فنحتاج و الحالة هذه إلى استخدام نساء النصارى أو اليهود، إذ ليس من المحتمل أن يأيتنا نساء من الأناضول أو غيرها للخدمة.

و سبب ذلك فيما قيل لي أن صاحب العيلة إذا استخدم نساء من البيض، فربما تاقت نفسه إلى إحداهن فيتزوجها، فتكون ضرة على زوجته الأولى، فلهذا كان من هم النساء المتزوجات هنا أن يقتصرن على الجواري السود، فكأنهن يزعمن أن الرجال البيض لا يشتهون النساء السود، و لعل عدم استخدام نساء النصارى هو أيضا من هذا القبيل، أعني لكيلا يكون سببا في عشق الرجال لهن فالظاهر أن الرجال هنا لا هم لهم إلا النزو على النساء، أو أن النساء لما كن لا يفكرن إلا في الرجال لعدم اشتغالهن بشي‏ء من أمور المعاش، يحسبن الرجال مثلهن، و مهما يكن من صحة أحد هذين الاحتمالين، فالمهم الآن أن يتبصر في قضية هؤلاء الجواري، و في الاستغناء عنهن من قبل أن يقال لنا أن بيعهن صار محظورا، و قد طالما تمنينا أن تكون الآستانة سالمة من هذه المصيبة، كما سلمت تونس بل مصر أيضا قد

47

أشرفت على السلامة منها، إذ يقال أن الرقيق فيها متى شاء التخلص من الرق ذهب إلى ديوان الضبطية و طلب العتق فيعتق في الحال، مع أن أهل تونس و مصر يمكنهم الاستغناء عن الجواري السود بنساء الأرياف، أما في الآستانة فلا غنى عنهن، فلا بد لصاحب العيلة العتيق أن يصير أسيرا باستخدام واحدة أو اثنتين من هؤلاء الأسيرات.

فبقي لنا أن نسأل هنا هل تدارك هذا الأمر منوط بالجوائب أو بالمجلس البلدي أو بالدولة؟ فإن رجع الأمر إلينا قلنا: أن استخدام النساء بالأجرة أولى من شراء الرقيق، فإن المرأة متى كانت مستأجرة حرصت على أجرتها فقامت بواجب خدمتها أتم قيام، و صانت أمتعة البيت عن الكسر و الابتذال، بخلاف الجواري فإنهن عفك لا يحسنّ شيئا من الخدمة، و لا يأتين عملا إلا تكلفا، و لا يزلن في تسخط و دمدمة، ما عدا كونهن ممنيات بزيارة الجن، و لكن من أين الحصول على الخوادم بالأجرة، إذا كانت العادة لا تسوغ استخدام نساء من الأناضول، و لا من النصارى و لا من اليهود و لا من النّور- الغجر- كما أنها لا تسوغ العمل لصاحبة البيت و لا لبناتها، فإن النساء إنما خلقن هنا للزينة فقط، فقد أعجزتنا الحيلة في أمر هؤلاء الجواري، كما أعجزتنا في الديار و ترتيب الأسواق، فلم يبق لنا إلا تفويض ذلك إلى المجلس البلدي، جيران سكنى الآستانة في هذه الأوقات صارت أمرا شاقا و تعبا بائقا، إذ على فرض أن يكون الإنسان فيها ذا وظيفة، فلا يجد فيها ما يأكل و لا ما يشرب و لا ما يركب و لا ما يسكن، فأينما توجه في طلب ما يعوزه وجد دونه مصاعب و مشاقا، خلافا لبلاد أوربا، فإن الصعوبة فيها إنما هي في تحصيل الوظيفة، فمتى حصل عليها فقد حصل على كل ما يتمناه و يشتهيه، فما دامت هذه الحال عندنا هكذا، فألف معلم و أستاذ و مترجم، في دار الفنون و مجلس المعارف لا يغنون شيئا، و إنما هي أماني يتشاغل بها الذين لا شغل لهم، إذ لو كان مرادنا الجد في أسباب التمدن، لوجب علينا أن نفكر بادئ بدء، في أن الآستانة قد خلت عن عشرة آلاف دار في الأقل، و أنه ليس في كل خمسمائة دار قائمة فيها دكان واحد تباع فيه البقول الطيبة أو الفاكهة الناضجة أو الخبز الخاص، و إنما هو سداد من عوز، فأي نفع يحصل من تكثير المكاتب و الكتب و المترجمين، إذا كان بائع الخضراوات ليس عنده عرق من البقول، و قد نرى أن كثيرا ممن ساسوا البلاد وضبطوها أحسن ضبط، لم يكونوا يعلمون بوجود أو ميروس و فرجيل‏

48

و راسين و شلر و شكسبير، فأهم ما نحتاج إليه إنما هو الهمة، لا الترجمة و ترتيب الأسواق و الدكاكين و لا تكثير المترجمين. انتهى من الكتاب المذكور.

بيع الرقيق في الآستانة

جاء في الجزء الأول من كتاب كنز الرغائب من منتخبات الجوائب المطبوع سنة (1288) ثمان و ثمانين و مائتين و ألف من الهجرة بالآستانة عن بيع الرقيق في الآستانة ما يأتي:

قد تقرر في خواطر أصحاب البيوت الموسرين و غير الموسرين بالآستانة، أنه لا بد من شراء الجواري البيض و السود لخدمتهم أو للتمتع بهن، فتجد في بيت الموسر عدة منهن، و الغالب أن الجواري السود يخدمن في المطبخ، و أما الجواري البيض فإنهن يستخدمن في تنظيف الحريم، و الفرش و الخياطة و ما أشبه ذلك، و من العادة أنه متى أراد أحد أن يشتري واحدة من هذه الجواري أبقاها عنده يومين أو ثلاثه للتجربة، فتظهر الجارية في خلال ذلك غاية الخضوع و الانقياد و الاجتهاد في أشغال البيت و الحرص على تنظيف آنيته و فرشه، و يظن الإنسان أنه قد ظفر بضالته التي يطلبها، حتى إذا أدى ثمنها تخلقت بأخلاق أخرى، فتتقاعس عن العمل، و تأخذ في تعداد محاسن البيت الذي كانت فيه أولا فتقول إني كنت هناك آكل كذا و أشرب كذا، و كنت أتنزه في الحدائق و أتنعم في الحمام و أخرج إلى الأسواق، و كان لي جارية، مخصوصة لخدمتي، لأن سيدي الأول كان يفضلني على جميع جواريه، بل كان يحبني حتى غارت زوجته مني فخاصمته لأجلي، و حيث كان له منها بنون و بنات لم يسعه إغضابها فباعني، و هو إلى الآن يحبني و يود أني أعود إليه، ثم تأخذ في استعمال حيل و مكائد تستميل بها قلب سيدها الثاني إليها، فتتبعه إلى مواضع خلوته و راحته، لأنها تعلم أنها إذا علقت منه تعتق، فلذا تجعل أقصى همها و إربها في الحصول على الحرية من هذا الوجه، فإن من يملك جارية لا يعتقها إلا إذا علقت منه، و إذا كان قد مضى عليها في خدمته سبع سنين و ربما أعتقها لوفاء نذر عليه، و ذلك كأن يقول: إني إذا حصلت على منصب أو تزوجت فلانة أعتقت إحدى جواري، فإذا علمت أن سيدها معرض عنها ملت الإقامة عنده، فتأخذ في كسر آنيته و إتلاف حاجته، و فعل ما يغيظه و يغيظ زوجته رجاء أن يبيعها، فإذا سألتها سيدتها لأي شي‏ء كسرت الحاجة

49

الفلانية، قالت لها: إن ثمني أغلى من ثمنها، و إن هي إلا حويجة فما ينبغي أن تشغلي خاطرك بها، و لا تزال تأتي مثل هذه الأفعال حتى يضطر سيدها أو سيدتها إلى بيعها، و لا يكون ذلك إلا بخسارة و هي من ألف قرش إلى ألف و خمسمائة هذا في الجواري السود، أما في الجواري البيض فأضعاف هذا المبلغ.

و هنا مفسدة قد تواطأ عليها الذين يبيعون الرقيق، و هي أنهم يغرون هؤلاء الجواري بعدم الإقامة عند من يشتريهن، فإذا عزم أحدهم على بيع واحدة منهن، قال لها: لا تمكثي عند سيدك إلا إذا أرضاك تمام الرضى، فإذا كان لا يرضيك فاطلبي منه أن يبيعك و أنا أرى لك موضعا آخر يليق بك، و القصد من ذلك منفعة نفسه لا منفعة الجارية، لأن مالك الجارية إذا أراد بيعها فإنما يبيعها في الغالب لمن اشتراها منه، و ذلك لا يكون إلا بوضع من ثمنها الأصلي كما تقدم، و مع أن أقصى مرام هؤلاء الجواري هو التفريق ما بين الرجل و زوجته، أو إفساد بنيه إن كان له بنون، أو إفساد امرأته حتى يستحوذن عليها، فما أحد من أصحاب البيوت تنبه إلى الآن لاستئصال هذا الشر، فتراهم أبدا مدخلين جارية و مخرجين أخرى، و هذا مع عسر الأحوال في هذه الأوقات من أعجب العجائب، و الظاهر أنه لا علاج لهذا الداء، لأن النساء الفقيرات من الترك يستنكفن من الخدمة بل يحسبنها معرة فلا يكون بد و الحالة هذه لأصحاب البيوت من شراء هؤلاء الجواري المفضي إلى خراب بيوتهم، فكم لعمري من بيت خرب بسببهن، إما بتطليق الرجل زوجته و أم أولاده في حب واحدة منهن، و إما بإسرافه عليهن إن رضيت الزوجة بالإقامة معه، و إما أنهن يحرقن البيت بما فيه تشفيا من حنقهن على سيدتهن، و إما لسبب آخر و لا أكثر من الأسباب التي تخرب بها البيوت العامرة.

على أنك إذا تأملت في أصل بيع هؤلاء الجواري، علمت أنه فاسد لا يسوغه مسوغ سوى العادة، إذ هو مخالف للإنسانية فضلا عن كونه مغاير للدين أما الجواري من الجركس، فكل يعلم أن أهلهن و أقاربهن هم الذين يبيعونهن، و ذلك لعدة أسباب:

أحدها: أن الجراكسة في الزمان القديم كانوا يغيرون على أعدائهم و يسبون منهم و كانوا يبيعون السبي، ثم اختلط سبيهم بذراريهم فلم يهمهم تميز أحدهما عن الآخر.

50

و الثاني: أنهم كانوا يزعمون أن بيع الجواري و الغلمان في الممالك العثمانية الإسلامية، أولى من إقامتهم تحت الحكومة الروسية.

و الثالث: و لعله أعظم الأسباب أنه يبلغهم عن دار الخلافة أنها دار عز و سعادة و ثروة و وجاهة، فإذا باعوا ذريتهم لأحد من عظمائها ترجو أن ذلك يكون في المستقبل مفيدا لهم، فضلا عن فائدة الثمن، حتى أن البنات ليلتمسن من آبائهن بإلحاح أن يبيعوهن، إذ يزعمن أنهن متى جئن إلى دار الخلافة وجدن جميع أبواب الحظ و الرفاهية مفتحة لهن، فيلبسن الديباج، و يتحلين بالماس و الزمرد و الياقوت و الدر و المرجان، و يتنعمن في الحمام و يتنزهن في الحدائق، و يركبن الكروسات البهية، و يتكئن على الأرائك المزخرفة، و يرقدن على فرش مرفوعة محشوة بريش النعام، و يتلذذن بأفخر الطعام، و يقوم بين أيديهن عدة من الوصائف.

فأين هذه العيشة من عيشة الجبال، و رعاية الماشية و جمع الحطب، و حمل الأحمال الثقيلة، مع التقشف و التردي بأخلاق الشباب، و تحمل حر الصيف و برد الشتاء، و في الحقيقة فإن كثيرا من أماني هؤلاء الجواري قد صح و وقع فعلا، و كثيرا من أولئك الآباء الذين طابت نفوسهم عن بيع ذريتهم قد انتفعوا بغيابهم عنهم أكثر من نفعهم بحضورهم عندهم، فإن الأب متى عرف أن بنته استقرت في دار أحد الأمراء و حظيت عنده انتابها حينا فحينا، و نال من فواضل سيدها ما يطيب عيشه به، و لقد بلغنا عن كثير من هؤلاء الجواري أنهن يعترفن جهرا بأنهن حرائر، و أن بعض أقاربهن هم الذين باعوهن، لنفع كل من الفريقين، إلا أنهن يخترن عيشة الأسر على عيشة الحرية، فإنهن في حالة الحرية مجهودات لا يظهرن لهن مع جهدهن حسن و لا جمال، فما يتصبين و الحالة هذه أحدا من الناس، بخلاف ما إذا ترفهن و تنعمن في حالة الأسر، فإنهن يطمعن حينئذ في أن ينتقلن من دار إلى صرح، و من غني إلى أغنى، إلى أن يتمتعن بجميع لذات المعيشة، فبقي لنا أن نسأل أهل الرشد و الإنصاف هل يجوز للأب أن يبيع أولاده لأجل هذا النفع، أم يجوز إبقاء هذه العادة الذميمة مراعاة لشهوات الأغنياء القادرين على مشتري الجواري، و هل أحد بذل جهده عند شراء واحدة منهن في تحقيق معرفة حالها ليعلم هل هي حرة أو سبي؟ كلا، و إنما هي نهمة البطرين المترفين على تملك هذا الجيل، لما تقرر في عقولهم من أن وصائف السراية السلطانية منه، فيتهافتون عليهن كيفما اتفق.

51

لعمري إن من ولد في دار الإسلام مسلما لجدير بأن يكون حرا و إن كان أبوه أو جده أسيرا، و لكن متى كان هذا الأسر و أين الدليل عليه، و كيف أمكن للجراكسة أن يحفظوا علم ذلك عندهم منذ مائتي سنة، و كثيرا ما ترى أحدهم قادما إلى الآستانة و معه أطفال صغار يشبهونه خلقا و هيئة فإذا أشبعته أحدهم باعه في الحال، فكيف يمكن أن يحكم بأن أصل هؤلاء الأطفال أسرى و هم يشبهونه؟

وهب أن أصلهم من السبي فكان من الواجب أن كل من يضع قدمه في أرض الآستانة يصير حرا، و مع أن الدولة العلية قد نهت عن بيع الجراكسة منذ سنتين فأكثر، و بذلك طبلت جرنالات الإفرنج المنشورة فيها و زمرت، فلم يزل هذا الأمر مباحا لكل واحد، فكل من أراد أن يشتري جارية بكرا كانت أو ثيبة وجدها على طرف الثمام.

و أما تشريف الجواري السود لهذه الأوطان فله سببان:

أحدهما: أن سكان البلاد المجاورة لبلادهن يخطفونهن خطفا، ثم يأتون بهن إلى بعض الجهات التي يروج فيها بيعهن و يبيعونهن بثمن بخس.

و الثاني: أن قبائل بلاد السودان الذين دأبهم القتال و شن الغارات و النهب، متى ظفرت قبيلة بأخرى باعت نساءها و أولادها و أفنت رجالها.

و الذي يفهم من كلام الجواري أن أولئك القبائل مسلمون، فإذا أخذنا بقولهن و اعتبرنا طريقة الخطف حكمنا بأن بيعهن حرام قطعا، و إذا فرضنا أن تلك القبائل ليسوا على الإسلام، فالسياسة تقتضي منع هذه التجارة الذميمة، فإن الدولة الروسية قد حررت جميع من كان في بلادها على حالة العبودية و كان مقدارهم عظيما، و كذلك دولة أمريكا الشمالية حاربت سكان الجنوب أربع سنين لإبطال العبودية من أرضها، مع أن أهل الجنوب كانوا من ذوي قرابتهم، و الآن لا يوجد في روسية و أميركا أحد رقيقا، فكلهم نالوا الحرية التامة، فأجدر بالدولة العلية أن تعتق من في بلادها من العبيد و الإماء و إننا أجدر الناس جميعا بهذا العمل الخيري من عدة أوجه:

أولها: أن هؤلاء الجواري لا يحسن الخدمة اللازمة لأصحاب العيال، فإنهن لا يعرفن الخياطة، و لا غسل الثياب، و لا تنظيف الديار، و لا تنضيد فرشها، حتى الطبيخ لا يدرين منه شيئا معجبا لذي الذوق السليم، مع أنهن إنما يشترين له.

52

و الثاني: أن عددهن بالنسبة إلى عبيد أمريكا قليل جدا، و إن يكن في كل دار من ديار الآستانة واحدة منهن أو أكثر، إذ داخل المملكة خال بحمد اللّه منهن، فلا تكاد ترى لهن هناك عينا و لا أثرا، و إن رأيت فإنما يكون في بيت أحد المأمورين الذين ساروا من الآستانة إلى بعض المدن في خدمة ما للدولة، فإنهم إذا استخدموا في الخارج نقلوا معهم من كان عندهم بالآستانة من العبيد و الجواري و الأتباع.

و الثالث: أن هؤلاء الجواري شكسات الأخلاق متكبرات لا يقبلن التأديب و التربية، إذ يزعمن أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان من السود، و هذا مسبب عن أحد أمرين إما لاعتقادهن أن اللون الأسود خير من اللون الأبيض، حتى أنهن ينبزن البيض بحمر الآذان، و إما لأن أهل الآستانة يدعون جنس السود غربا ما عدا الجواري اللائي كن في مكة، و المدينة، فإنهن يعرفن أن هذا الزعم باطل، إلا أنهن يكتمن ما عرفنه من هذه الحقيقة.

و الرابع: إنك لا تكاد ترى واحدة منهن سليمة في العقل و البدن، أما في العقل فلأنهن جميعا يعتقدن بوجود روح من الأرواح التي تتولى أفعال بني آدم في زعمهن، و يقال له بلغتهن برى، فيزعمن أنه ينتابهن في المنام و يأمرهن و ينهاهن، فيقول لهن مثلا: لا تمكثن في هذه الدار فإنكن تبتلين فيها بشر و سوء، فمهما تكن المرأة منهن مستريحة في الأعمال و الأشغال عند أحد، فإذا رأت الروح ينهاها عن الإقامة عنده طلبت منه أن يبيعها، و لهن يوم معلوم في السنة يجتمعن فيه و يبدين من الكلام و الحركات ما يعجب منه، فمنهن من تنطق بالمغيبات، و منهن من تلطم صدرها و تبخع نفسها كما تفعل العجم في يوم عاشوراء، و منهن من تذبح ضحية لوفاء نذر، و منهن من تضرب بالدف أو تغني، كل ذلك لإرضاء البري و إيفاء ما اقترحه عليهن، و أما في البدن فلأن هواء إسلامبول شديد عليهن، فإذا بلغن سن الكهولة لا يصلحن لشي‏ء من الخدمة.

و الخامس: أنه قد صار من العادة في هذه الأيام الأخيرة، أن ذات المقام من الحرائر تستحي من أن تستصحب إلى الأسواق و الشوارع امرأة سوداء، و إنما تؤثر الجواري البيض، لأن أصل مشترى السود للمطبخ.

و السادس: أنه يظهر أن الدولة العلية يعنيها إبطال العبودية، فقد نهت عن بيعهن في المزاد، إلا أن النخاسين لما لم يكن عليهم رقيب دائم من طرف‏

53

الضابطية، و كان حب الكسب مستحوذا على قلوبهم من أي وجه كان، لم يكن ليردعهم عن المزاد نهي و لا أمر، فهم يأتونه اليوم كما كانوا يأتونه في السابق، و عندي أن البيع في البيوت و في المزاد على حد سواء كلاهما خبيث.

و السابع: هو أن هؤلاء الجواري لا يخرجن إلى السوق لشراء ما يلزم لمالكهن من المأكول و المشروب، و إنما يخرجن للتنزه أو للحمام، فإذا لزم للمالك شي‏ء من ذلك تعين عليه أن يذهب بنفسه و يشتريه، أو أنه يستخدم رجلا مخصوصا، و حينئذ تقوم الحيل و المكائد المفضية إلى الفساد بينه و بينهن.

و هناك أسباب أخرى عديدة توجب على كل ذي همة و مروءة، أن يسعى في إبطال هذه العبودية من الديار الإسلامية، و في اتخاذ طريقة تغني عنها. انتهى من الكتاب المذكور.

نقول: لقد كان بيع الأرقاء من نساء و رجال و أطفال أمرا شائعا في جميع المملكة العربية السعودية إلى مدة قريبة ثم إنه في سنة (1381) ألف و ثلاثمائة و إحدى و ثمانين هجرية أبطلت الحكومة السعودية بيع كل ذلك و منعت بيع الرقيق بتاتا، و لقد أحسنت في ذلك لأن وجود الرقيق في عصرنا لا يقره ديننا الحنيف لعدم توفر شروط الرق الآن.

الاسترقاق‏

و يعجبنا ما كتبه السيد رشيد رضا (رحمه اللّه تعالى) عن التسرّي الصحيح في الإسلام فقال ما نصه: كل ما كانت عليه الأمم القديمة و كل ما عليه الأمم الحاضرة من التسري و اتخاذ الأخدان فهو في شرع الإسلام من الزنا المحرم قطعا الذي يستحق فاعله أشد العقاب، و كل من يستبيح هذا الفجور الخفي و ما هو شر منه من السفاح الجلي فهو بري‏ء من دين الإسلام. و أما التسري الشرعي المباح في الإسلام فهو خاص بسبايا الحرب الشرعية إذا أمر إمام المسلمين الأعظم خليفة الرسول (صلى الله عليه و سلم) باسترقاقهن، و إنما يكون له أن يأمر بذلك إذا ثبت عنده بمشاورة أهل الحل و العقد، أن المصلحة فيه أرجح من المنّ عليهن بالعتق، و من افتداء أسرى المسلمين و سباياهم بهنّ، إن وجد عند الأعداء سبايا و أسرى منا. فليس الاسترقاق واجبا في الإسلام، لكنه بياح إذا كان فيه المصلحة التي لا يعارضها مفسدة راجحة، و لكل حكومة إسلامية أن تمنعه بل منعه من مقاصد الإسلام‏

54

العامة، و الاسترقاق المعهود في هذا العصر للسود و البيض كله باطل في الإسلام، فالتسرّي بالنساء اللاتي يختطفهن النخّاسون أو يبيعهن الآباء و الأقربون أو يغريهن التجار و القوّادون، كله عصيان للّه و لرسوله. انتهى كلامه نقلا عن كتاب حاضر العالم الإسلامي.

إحرام الكعبة في موسم الحج‏

معنى إحرام الكعبة إلباسها الإزار الأبيض من أسفلها إلى ما فوق الحجر الأسود بقليل، و ذلك قبيل الطلوع إلى عرفات بأيام أي في اليوم السابع من ذي الحجة، فتلبس الكعبة الإحرام كما يلبسه المحرم بالنسك، و في ذلك من التجاوز اللفظي ما لا يخفى، إذ ليس من المعقول أن يراد بإحرامها حقيقة الإحرام المراد به شرعا، و سبب إحرام الكعبة في الموسم هو المحافظة على كسوتها الأصلية حتى لا تصل إليها أيدي الحجاج فتتمزق من كثرة لمسهم بأيديهم كما سيظهر ذلك مما سيأتي.

جاء في رحلة ابن جبير الأندلسي التي كانت سنة (578) ثمان و سبعين و خمسمائة هجرية عن إحرام الكعبة المشرفة ما يأتي:

و في هذا اليوم المذكور الذي هو السابع و العشرون من ذي القعدة شمرت أستار الكعبة إلى نحو قامة و نصف عن الجدار من الجوانب الأربعة و يسمون ذلك إحراما لها فيقولون: أحرمت الكعبة. و بهذا جرت العادة دائما في الوقت المذكور من الشهر، و لا تفتح من حين إحرامها إلا بعد الوقفة، فكأن ذلك التشمير للسفر، إيذانا بقرب وقت وداعها المنتظر، لا جعله اللّه آخر وداع و قضى لنا إليها بالعودة و تيسير سبل الاستطاعة بعزته و قدرته.

ثم قال ابن جبير بعد هذا الكلام بسبعة أسطر: و في يوم إحرام الكعبة المذكور أقلعت عن موضع المقام المقدس- يعني مقام إبراهيم (عليه السلام)- القبة الخشبية التي كانت عليه و وضعت عوضها قبة الحديد إعدادا للأعاجم المذكورين، لأنها لو لم تكن حديدا لأكلوها أكلا فضلا عن غير ذلك، لما هم عليه من صحة النفوس شوقا إلى هذه المشاهد المقدسة و تطارحهم بإحرامهم عليها، و اللّه تعالى ينفعهم بنياتهم بمنه و كرمه. انتهى من رحلة ابن جبير.