التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج5

- محمد طاهر الكردي المزيد...
560 /
5

المجلد الثالث‏

[الجزء الخامس‏]

صيغة الدعاء بالمسجد الحرام لملك الحجاز سابقا

بعد أن انقضى حكم الأتراك من الحجاز، و استقل الشريف حسين بن علي بالحجاز، سنة (1334) أربع و ثلاثين و ثلاثمائة و ألف، تقرر أن يدعى له في خطبة الجمعة فوق منبر المسجد الحرام بدعاء خاص و إليك صيغته:

قال الغازي في الجزء الثالث من تاريخه: و في سنة (1336) تقرر الدعاء في خطبة الجمعة بعد الترضية على الآل و الصحب بهذا العنوان «اللهم و قدّس أرواح الأئمة المجتهدين، الذين قضوا بالحق و به كانوا عاملين، اللهم أدم نصرك و عونك و أيد حفظك و صونك، لعبدك و ابن عبدك، الخاضع لجلالك و مجدك، حامي بلدك الأمين، و مدينة جدة سيد المرسلين، شريف مكة و أميرها، و ملك البلاد العربية قرة كل عين سيدنا و مولانا الشريف الحسين، ابن سيدنا المرحوم الشريف علي بن محمد بن عبد المعين بن عون، و كن له حافظا و أمينا، و ناصرا و معينا، و وفقه اللهم لما فيه صلاح البلاد و العباد، و شؤون من منّ برّك و بحرك من أمة سيدنا محمد أجمعين، على ما تحبه و ترضاه، اللهم أصلح جميع ولاة المسلمين، و أهلك الكفرة و المبتدعة و المشركين، و كل من أراد السوء بعبادك المؤمنين، اللهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات، و المسلمين و المسلمات، الأحياء منهم و الأموات، في مشارق الأرض و مغاربها آمين يا رب العالمين.

انتهى من تاريخ الغازي. و نحن أيضا كنا نسمع حال الصغر هذا الدعاء، فرحم اللّه الغازي الذي كان يسكن معنا بباب الزيادة بمكة، و كان يقيد كل شي‏ء يراه في تاريخه المذكور.

النوم في المسجد الحرام‏

لا بأس بالنوم في المساجد بشرط أن لا يحصل ضرر من ذلك لأحد و مع مراعاة حرمتها، كأن لا ينام و قد مدّ رجليه إلى القبلة، و أن لا ينام في البقعة التي يكثر فيها المصلون، و أن لا ينام و ليس عليه سروال خوفا من انكشاف عورته، و أن لا ينام في مكان يحصل منه ضرر لغيره، فالنوم فيها مع أمن الضرر و مراعاة الحرمة لا بأس به.

6

روى الإمام الأزرقي في تاريخه عن عمرو بن دينار قال: كنا ننام في المسجد الحرام زمان ابن الزبير، و عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أتكره النوم في المسجد الحرام؟ قال: لا، بل أحبه. انتهى منه.

و عن ابن عمر أنه كان ينام و هو شاب عزب لا أهل له في مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). رواه البخاري و أبو داود و النسائي و أحمد و لفظه: كنا في زمن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ننام في المسجد و نقيل فيه، و الترمذي و صححه و لفظه: كنا ننام في المسجد على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و نحن شباب. رواه مسلم بمعناه، و له في رواية: أبيت في المسجد.

نقول: إن نوم الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم في مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) غير نومنا نحن في المساجد، فأولئك كانوا يحرصون على أداء الصلوات خلف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لذلك كانوا ينامون في مسجده حتى إذا حان وقت الصلاة قاموا إليها.

فإذا قصد الإنسان بالنوم في المسجد إدراك صلاة الجماعة عند إرادة الصلاة كان له في ذلك الأجر و الثواب، لأنه لو نام في غير المسجد قد لا يجد من يوقظه لأداء الصلاة، فما دام الإنسان يراعي عند النوم في المسجد مراعاة حرمته فلا بأس عندئذ من نومه فيه حتى يأخذ لنفسه قسطا من الراحة خصوصا إذا كان لا يجد له مأوى. نسأل اللّه التوفيق للخيرات و المبرّات آمين.

الشحاذة في المسجد الحرام‏

قال في رسالة «كشف الزور و البهتان من صنعة بني ساسان» ما يأتي: اعلم أن هذه الصنعة السفلة الدنية المحرمة شرعا تسمى بالشحاتة و بالشحاذة و بالكدية و بصنعة بني ساسان و بصنعة الشيخ فلحس.

قال في شفاء الغليل للشهاب الخفاجي: شحّات اسم للسائل، و سموا شحاتة بالمثلثة و صوابه شحّاذ و شحاذة من شحذ السيف صقله شبه به الملحّ، قاله أبو منصور في الذيل لكن في شرح الدرة قال إنه حسن على البدل كما قالوا جثا و جذا و قثمت الشي‏ء و قذمته و لا بدع في أمثاله.

و قال الشيخ أبو الوفا نصر الهوريني: أما شحّات بالمثناة فهو إبدال من الذال أو المثلثة و لا مانع منه في القياس.

7

و قال فيه أيضا كدّي بكاف مفتوحة و دال مهملة مشددة بمعنى سأل و أكثر أهل الشرق يقولون المكدية للسؤال الطوافين على البلاد من قولك حضر فأكدي إذا بلغ الكدية و لم ينيط ماء. انتهى.

و أما صنعة بني ساسان فقال فيه أيضا: إنهم طائفة كذابون محتالون على الشحاتة بكل ما أمكنهم من الكذب و الحيل و الغدر و دعوى النسب الكاذب و البكاء المتصنع و قد ذكرهم الحريري في آخر المقامات و بينهم و بين حيلهم و أحسن من وصف بني ساسان و بين حيلهم و أكاذيبهم أبو دلف الخوزجي في قصيدته التي لم يسبق على منوالها أنظرها في يتيمة الدهر في الجزء صفحة 176.

و أما تسميتهم ببني فلحس فقال في المزهران أنه فلحسا أسأل رجل ملح في العرب كان يسأل لنفسه ثم يسأل لزوجته ثم يسأل لابنه ثم يسأل لبنته ثم و ثم و ثم إلى أن يسأل لحماره فلذلك ضرب به المثل في السفالة و النذالة و كل من شابهه يسمى ببني فلحس.

و عند عرب العالية يعني عرب البحرين و القطيف و الكويت و الحسا و ما والاها تسمى الشحاتة بالطرارة و المفرد طرّار و لعلها محرفة في الاشتقاق عن الاضطرار.

انتهى من الرسالة المذكورة.

ثم أورد صاحب الرسالة بعض الأحاديث الواردة في تحريم السؤال و الشحاتة، و تكلم عن أحوال الشحاتين و قصصهم و بعض حيلهم ما أحببنا سردها حتى لا يطول بنا الكلام، و نظن أن هذه الرسالة هي الأولى من نوعها، فهي على صغر حجمها قد أوفت بالمراد و أتت بالحكمة و السداد، كما و هي مطبوعة سنة (1305) هجرية.

فالشحاذة، بالذال المعجمة، من أقبح و أرذل العادات، و يكفي أن صاحبها ممقوت مطرود من المجتمع الإنساني، و الشحاذة غير السائل، فكل شحاذ سائل و لا عكس، لأن السائل يكون مضطرا للسؤال فإذا وصل إلى حاجته استكفى و قنع، و أما الشحاذ فقد نبذ الحياء و اتخذ السؤال أبدية لا يتركها إلا إذا تركته الحياة، و كلما أعطى نشط في الشحاذة و ازداد في الطمع، و كم من الشحاذين من له ثروة طائلة و أموال عظيمة و دور و عقارات متعددة.

و للشحاذة في بعض البلدان كمصر أصول و أنظمة يعرفها أصحابها و يمشون بموجبها و لهم رئيس، و لكل قسم منهم جهة و محلات و أمكنة مخصوصة يجلسون‏

8

فيها للسؤال، و لهم في صنعة الشحاذة طرق و كيفيات يعجز عنها إبليس ليستدرّوا بها عطف الناس و شفقتهم.

و لقد ورد النهي عن السؤال و الشحاذة ففي الصحيحين عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال:" لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يغدو إلى الجبل فيحتطب فيبيع فيأكل و يتصدق خير له من أن يسأل الناس".

و روى البخاري عن الزبير رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال:" لأن يأخذ أحدكم ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكفّ اللّه بها وجهه- و في رواية-: فيستعين بثمنها خير له أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه".

و جاء في الحديث الصحيح:" ما تزال المسألة بالعبد حتى يلقي اللّه و ما في وجهه مزعة"، بضم الميم و سكون الزاي أي: ليس في وجهه قطعة لحم.

نسأل اللّه السلامة و العافية مما تبلى به كثيرا من خلقه.

قال شيخنا العلامة المحدث الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى) في شرحه لكتابه" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" عند الحديث المتقدم: لأن يأخذ أحدكم حبله ... إلخ ما يأتي:

و اعلم أن الأصل في المسألة عدم الجواز إلا لأحد ثلاثة مذكورين في حديث أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة، و لفظه بعد ذكر إسناده عن قبيصة بن مخارق الهلالي، قال: تحملت حمالة فأتيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أسأله فيها. فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، قال ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، و رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال: سدادا من عيش، و رجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال: سدادا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا. اه بلفظه.

9

قال النووي: الحمالة بفتح الحاء، هي المال الذي يتحمله الإنسان أي يستدينه، و يدفعه في إصلاح ذات البين كالإصلاح بين قبيلتين و نحو ذلك و إنما تحل المسألة و يعطى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية.

و قال أيضا: معنى قوله: قواما أو سدادا القوام و السداد بكسر القاف و السين و هما بمعنى واحد و هو ما يغني من الشي‏ء و تسد به الحاجة و كل شي‏ء سددت به شيئا فهو سداد بالكسر و منه قولهم سداد من عوز و معنى حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا، أي يقومون بأمر صاحب الفاقة، فيقولون: لقد أصابته فاقة و الحجا بالقصر العقل. و إنما قال عليه الصلاة و السلام من قومه لأنهم من أهل الخبرة بباطنه. و المال مما يخفى في العادة فلا يعلمه إلا من كان خبيرا بصاحبه. و إنما شرط الحجا تنبيها على أنه يشترط في الشاهد التيقظ، فلا تقبل الشهادة من مغفل. و أما إشهاد الثلاثة فقال الجمهور: لا يشترط بل يقبل من عدلين كسائر الشهادات غير الزنى و حمل الحديث على الاستحباب. و قال بعض الشافعية: يشترط إشهاد ثلاثة في بينة الأسعار فلا يقبل إلا من ثلاثة لظاهر هذا الحديث. و هذا كله محمول على من عرف له مال فلا يقبل قوله في تلفه و لا عسار إلا ببينة، و أما من لم يعرف له مال فالقول قوله في عدم المال. و قوله عليه الصلاة و السلام: فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا ... إلخ هو في جميع نسخ مسلم هكذا بالنصب كما قاله النووي، و رواية غير مسلم سحت بالرفع و هو واضح، قال النووي: و رواية مسلم صحيحة و فيه إضمار أي اعتقده سحتا أو يؤكل سحتا و اللّه أعلم. انتهى ملخصا منه.

انتهى من شرح زاد المسلم.

فإن كانت الشحاذة قبيحة في أي مكان كانت، فإنها أقبح ما تكون في المساجد و أشد قبحا في المساجد الثلاث" المسجدين الحرامين و المسجد الأقصى".

و أسمج ما يكون الشحاذ إذا كان قذرا و وقحا و قبيح المنظر و كريه الرائحة إن طردته لا يذهب و إن زجرته لا ينصرف و لا يتأثر، و لقد ابتلى المسجدان الحرامان بمكة و المدينة بمثل هذا الصنف القذر و النوع الوقح من الشحاذين، في موسم الحج، فتراهم يقفون على أبواب المسجد في صفّين عن اليمين و عن الشمال بحالة قذرة يسدّون الطريق على الناس بل يؤذونهم بكثرة إلحاحهم في الطلب و يمسكون ثيابهم النظيفة بأيديهم القذرة الوسخة، و مهما زجروهم و طردوهم لا ينصرفون، فهذا غير جائز شرعا و لا يستساغ ذوقا، و نكون عرضة للانتقاد في مواسم الحج، فمثل‏

10

هؤلاء لا يتركون هذه الصنعة بالوعظ و الإرشاد و إنما يجبرون على تركها بالقوة و القهر.

فحبذا لو أن بعض الجهات الرسمية نظرت إلى علاج حاسم لهؤلاء، فمن كان منهم صالحا لبعض الأعمال جعلته يشتغل فيما هو قادر عليه، و من كان عاجزا جعلته في دار العجزة و الضعفاء، و من كان مريضا عالجته مما أصابه، فكل صنف منهم له حكم خاص في الشريعة الإسلامية الغراء.

نسأل اللّه تعالى أن يوفقنا لما فيه صلاح العباد و البلاد آمين.

الإيقاد في المسجدين الحرمين‏

بمناسبة تطور الإضاءة و التنوير في المساجد و المنازل في جميع أقطار الأرض، نذكر هنا تطورات الإضاءة في المسجدين الحرامين و بالأخص في المسجد الحرام بمكة المشرفة لأن تاريخنا هذا يتعلق بها فقط. فلقد كان الناس في العصور الماضية يكتفون ليلا بنور القمر ثم يستضيئون بإشعال الحطب و النار ثم بسعف النخل و غصون الأشجار اليابسة، ثم صاروا يستضيئون بالشموع و بالزيت، ثم بالغاز بالكهرباء في عصرنا الحاضر. و اللّه تعالى أعلم بما سيحدث في مستقبل الأيام. و في ذكر الإيقاد بالنار يقول الشاعر العربي القديم:" كأنه علم في رأسه نار" و يقول أحدهم في الذم:

قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم‏* * * قالوا لأمهم بولي على النار

و ها نحن نذكر أولا نبذة صغيرة في الإيقاد بالمدينة المنورة في صدر الإسلام، ثم نذكر بالتفصيل الإيقاد في المسجد الحرام بمكة المشرفة، فنقول و باللّه تعالى التوفيق، فهو الهادي إلى سواء الطريق.

إيقاد الشموع في المدينة على عهده (صلى الله عليه و سلم)

جاء في كتاب التراتيب الإدارية في الجزء الأول ما نصه: في السنن عن ابن مسعود قال: رأيت و نحن في غزوة تبوك شعلة من نار في ناحية العسكر فأتبعها أنظر إليها فإذا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر و عمر و إذا عبد اللّه ذو البجادين المزني قد مات و إذا هم حفروا له و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في حفرته. و في جامع الترمذي في باب‏

11

الدفن بالليل عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه و سلم) دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج ...

الحديث. قال الحافظ السيوطي قوله: شعلة نار أي ضوء الشمعة و ذلك أنه أجاب من سأله هل الشمع و قد عنده (صلى الله عليه و سلم) و أفرد ذلك برسالة سماها مسامرة السموع في ضوء الشموع. انظر الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمي ص 121 و السيرة الحلبية. و في باب الصلاة على الفراش، من الصحيح عن عائشة، قالت: كنت أنام بين يدي النبي (صلى الله عليه و سلم) و رجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتها. قالت: و البيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. قال الحافظ في الفتح، و قولها: و البيوت ليس فيها يومذ مصابيح، كأنها أرادت به الاعتذار عن نومها على تلك الصفة. قال ابن بطال: و فيه إشعار بأنهم صاروا بعد ذلك يستصبحون ه ص 414 من الجزء الأول، و في السيرة الشامية جاء أنه (صلى الله عليه و سلم) كان لا يجلس في بيت مظلم إلا أسرج له فيه أخرج البزار و أبو الحسن بن الضحاك عن عائشة كان (صلى الله عليه و سلم) لا يجلس في بيت مظلم إلا أسرج له فيه سراج، و أخرج ابن سعد عنهما نحوه، و في البيان و التبيين للجاحظ أن جذيمة الأبرش آخر ملوك قضاعة بالحيرة هو أول من رفع الشمع. و في شرح المنهج للمنجور: أن البرزلي سئل عن جعل الثريا و القناديل في المسجد فأجاب: أن جعل الحصر و مطلق الاستصباح من باب ترفيع المساجد. و قد ورد ثواب جزيل في استصباحه. و حكى الزمخشري في تفسير قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ ... الآية. عن أنس: من أسرج في مسجد إسراجا لم تزل الملائكة و حملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوء. و قال: العمارة تتناول تجديد ما استرم منها و تنظيفها و تنويرها بالمصابيح و تعظيمها و اعتبارها للعبادة و الذكر. و أما كثرة المصابيح في رمضان فقد طعن فيه بعض المغاربة بأنه بدعة و الصواب أنه من باب ترفيع المساجد. اه. انظر بقيته في نوازل البرزلي و شرح المنهج و لا بد. انتهى من الكتاب المذكور.

إيقاد المساجد بالزيت في عهد النبي (صلى الله عليه و سلم)

جاء في كتاب التراتيب الإدارية ص 84 من الجزء الأول ما نصه:

في الاستيعاب: سراج مولى تميم الداري، قدم علي النبي (صلى الله عليه و سلم) في خمسة غلمان لتميم و أنه أسرج للنبي (صلى الله عليه و سلم) بقنديل الزيت، و كانوا لا يسرجون قبل ذلك إلا سعف النخل، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): من أسرج مسجدنا؟ فقال تميم: غلامي‏

12

هذا، فقال: ما اسمه؟ قال: فتح، قال النبي (صلى الله عليه و سلم): بل اسمه سراج، قال: فسماني رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سراجا.

(و قلت) و خرجه الخطيب بسند ساقه في الإصابة في ترجمته، و فيه كان يسرج مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بسعف النخل، فقدمنا بالقناديل و الزيت و الحبال، فأسرجت المسجد. راجع ترجمته في الإصابة. و ترجم في الإصابة أيضا لأبي البراد غلام تميم الداري فقال: ذكره المستغفري في الصحابة.

و أخرج من طريق محمد بن الحسن بن قتيبة عن سعيد بن زياد بن فائد عن أبيه عن جده عن أبي هند قال: حمل تميم الداري معه من الشام إلى المدينة قناديل و زيتا و مقطا، فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك يوم الجمعة، فأمر غلاما له يقال له أبو البراد فقام فشد المقط" و هو بضم الميم و سكون القاف و هو الحبل" و علّق القناديل و صب الماء فيها و جعل فيها المفتل، فلما غربت الشمس أسرجها، فخرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلى المسجد فإذا هو يزهر فقال: من جعل هذا؟ قالوا: تميم يا رسول اللّه قال: نورت الإسلام نور اللّه عليك في الدنيا و الآخرة، أما أنه لو كان لي ابنة لزوجتكها، فقال نوفل بن الحرب بن عبد المطلب: لي ابنة يا رسول اللّه تسمى أم المغيرة بنت نوفل فافعل فيها ما أردت، فأنكحه إياها على المكان، و سنده ضعيف. اه. و في التجريد للذهبي: أبو البراد غلام تميم الداري ذكر في حديث منكر. اه.

و في سنن ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال: أول من أسرج في المساجد تميم الداري، و قد ذكر الحديث السابق عنه أيضا عيسى بن إسماعيل الرعيني في كتابه الجامع لما في المصنفات الجوامع، قال في تحفة الأكابر: عليه يؤخذ منه أنه إذا وردت مصابيح من عند الكفار و قد كانت معلقة في كنائسهم و على رؤوس صلبانهم، جاز تعليقها في مساجد المسلمين، و معتمد الجواز إباحة الانتفاع بأواني أهل الكتاب كما هو مقرر في الشريعة ... الخ. انظر بقيته فيها. (زقلت). انتهى من التراتيب الإدارية.

المصابيح في المسجد الحرام و إضاءتها بالزيت‏

قال الغازي في تاريخه ما ملخصه: و أول من أجرى للمسجد زيتا و قناديل معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه تعالى عنه.

13

و قال الأزرقي: أول من استصبح لأهل الطواف في المسجد الحرام عقبة بن الأزرق بن عمرو الغساني و كانت داره لاصقة بالمسجد الحرام من ناحية وجه الكعبة و المسجد يومئذ ضيق ليس بين جدر المسجد و بين المقام إلا شي‏ء يسير فكان يضع على حرف داره و جدر داره و جدر المسجد مصباحا كبيرا يستصبح فيه فيضي‏ء له وجه الكعبة و المقام و أعلى المسجد فلم يزل يضع ذلك على حرف داره حتى كان خالد بن عبد اللّه القسري الذي كان واليا على مكة فوضع مصباح زمزم مقابل الركن الأسود و ذلك في خلافة عبد الملك بن مروان.

فلما كان محمد بن سليمان على مكة في خلافة المأمون سنة ست عشرة و مائتين وضع عمودا طويلا مقابله بحذاء الركن الغربي، فلما ولي مكة محمد بن داود جعل عمودين طويلين أحدهما بحذاء الركن اليماني و الآخر بحذاء الركن الشامي، فلما ولي هارون الواثق باللّه أمر بعمد من شبه (و هو ضرب من النحاس) طوال عشرة فجعلت حول المطاف يستصبح عليها أهل الطواف. و أمر بثمان ثريات كبار يستصبح فيها و تعلق في المسجد الحرام في كل وجه اثنتان. اه.

و قال في صحيفة 330: و قال ابن فهد في حوادث سنة ست و ثلاثين و سبعمائة: و فيها جعلت الأساطين التي حول المطاف و جعل بعضها بالحجارة المنحوتة الدقيقة و الباقي آخر مجصص و جعل بين كل من الأساطين خشبة ممدودة راكبة عليها و على المقابلة لها لأجل القناديل التي يعلق لأجل الاستضاءة حول الكعبة عوض الأخشاب التي كانت في هذا المكان على صفة الأساطين.

و قال في حوادث سنة تسع و أربعين و سبعمائة: اجتهد الأمير فارس الدين في إصلاح المسجد الحرام وجود الأعمدة المتخذة حول المطاف. انتهى.

و قال في تحصيل المرام نقلا عن القرشي: قال عز الدين بن جماعة: و الأساطين التي حول المطاف الشريف أحدثت للاستضاءة بالقناديل التي تعلق بينها بعد العشرين و سبعمائة و كانت من خشب ثم جعلت من حجارة سنة تسع و أربعين و سبعمائة ثم ثارت ريح عاصفة سنة إحدى و خمسين و سبعمائة فألقتها، ثم جددت فيها. انتهى من ذكره القرشي.

و في درر الفرائد أن السلطان سليمان العثماني غيّر الأساطين التي حول المطاف و كانت من حجارة بأعمدة من نحاس في سنة تسعمائة و اثنين و ثمانين و بينهم أخشاب ممدودة لتعلق فيها القناديل حول المطاف.

14

ثم ذكر الغازي في صحيفة 331 و ما بعدها ما يتعلق بعدد الأعمدة النحاس و الرخام.

قال الغازي صحيفة 332 ما ملخصه: أقول و قد بطل تسريح القناديل في الحرم الشريف من رابع شعبان سنة ألف و ثلاثمائة و تسع و ثلاثين و جعل بدله الكهرباء و الأتاريك، و علقت المصابيح التي يظهر منها الضوء الكهربائي في المطاف الشريف اثنان و سبعون، و في مقام إبراهيم سبعة، و في الرواق الذي بجهة الصحن دائر ما يدور الحرم مائة و عشرون و في المقام الحنفي أربعة، و في المقام الشافعي أيضا أربعة ... إلى آخر الكلام.

ثم أورد الغازي بالصحيفة المذكورة ما ذكره الشيخ حسين باسلامة في تاريخ عمارة المسجد الحرام عن إضاءة المسجد بالكهرباء و ملخصه:

أن الشريف الحسين (رحمه اللّه تعالى) أتى بماكينة الكهرباء و أمر بوضعها بمدرسة أم هانئ أمام دار الحكومة. ثم في سنة (1340) أتى بماكينة أخرى وضعت في دار بأجياد، و كان ابتداء الإنارة بها في غرة رمضان سنة (1340) ثم نقلت إلى المستودع الذي خلف دار الحكومة الذي يسمى سابقا (فرن الميرى) أي محل الحبس الآن. و ابتدأت الإنارة منه في 28 شوال من السنة المذكورة. ثم في عصر جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود تبرع أحد التجار من أهالي رانكون بماكينة كبيرة للمسجد الحرام في سنة (1345) و كانت الإنارة بها في غرة ذي القعدة من السنة المذكورة.

ثم في شعبان سنة (1347) أمر جلالة الملك عبد العزيز بتجديد عموم اللمبات التي بالمسجد الحرام و بزيادتها حتى تبلغ الألف لمبة فعمل ذلك و لم يهلّ شهر رمضان من السنة المذكورة حتى صار المسجد الحرام مضاء عمومه بالكهرباء.

ثم صدر أمر جلالة الملك أيضا في سنة (1349) بشراء ماكينة قوية تضم إلى الماكينة الكبيرة الأولى. ثم في سنة (1350) وضع على حجر إسماعيل شمعدانات من النحاس الأصفر و عمل على كل شمعدان منها ثلاثة أغصان و علق على كل غصن مصباح كهربائي، و وضع أيضا ستة و عشرون أسطوانة في حصاوى المسجد الحرام صنعت بالإسمنت المسلح طول الأسطوانة نحو ثلاثة أمتار و علق على الأسطوانة أربعة مصابيح كهربائية.

15

و في سنة ألف و ثلاثمائة و ثلاث و خمسين أهدى للمسجد الحرام نواب بهادر بالهند الحاج سر محمد مزمل ماكينة كهرباء عظيمة و تم تركيبها في أواخر شعبان (1354) و أضي‏ء بها المسجد الحرام في ابتداء شهر رمضان من السنة المذكورة.

هذا و لما عمّ إدخال الكهرباء في مكة المشرفة بواسطة المكرمين الشيخ إبراهيم الجفالي و إخوانه: أنير المسجد الحرام و مكة كلها في تاريخ (14) شهر صفر عام (1373) و وضعت المراوح الكهربائية بالمسجد الحرام ليستريح الناس من الحر.

و انظر مسألة الإنارة أيضا في عنوان" إضاءة المسجد الحرام بالأتاريك و الكهرباء".

جاء في مجلة الهلال المصرية بتاريخ سنة (1932) ميلادية عن عيدان الكبريت ما يأتي:

كان إشعال النار بواسطة ضرب الفولاذ على الحجر الصوان و فوقه قطعة من صوف أو قطن فتشتعل من الشرارة الخارجية من أثر الاحتكاك.

ثم إنه في سنة (1829 م) اخترع رجل اسمه (دوكر) من أهل ستوكتن من إنكلترا و لكنها لم تستعمل إلا في سنة (1834 م) و أول معمل تأسس لاصطناعها أسسه (روبين بارتردج) سنة (1842 م) في إنكلترا و سنة (1845 م) تأسس معمل آخر في فيينا بالنمسا. ثم كثرت معاملها في أوروبا.

تدرج الإنسان في الإضاءة

قال في صبح الأعشى: أول من حمل معه الشمع على البغال في الليل من ملوك الديار المصرية محمد بن طغج الإخشيدي. و كانت الشمعة تجعل على مؤخر البغل و فرّاش راكب أمامها، و هو يلتفت في كل قليل يصلحها، فأبدلها الملوك بعده بهذه الفوانيس التي تحمل على البغال مع الفانوسية أمام ملوك الديار المصرية في الليل.

بمناسبة إضاءة المسجد الحرام أخيرا بالكهرباء، رأينا أن نتكلم على تدرج الإضاءة منذ بدء الخليفة إلى عصرنا هذا و اللّه تعالى أعلم بما يكون في مستقبل الزمان. فنقول: إن النار يكون من الحطب، و الضوء المبدئي من النار، قال اللّه تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ‏ قيل:

16

كل الشجر إلا العنّاب، و قالوا: هو شجر المرخ و العفار فيجعل كالزنك يضرب به على المرخ. ففي الخازن فمن أراد النار قطع منهما غصنين مثل السواكين و هما خضراوان، يقطر منهما الماء فيسحق المرخ على العفار، فنخرج منهما النار، بإذن اللّه تعالى. و هو قول ابن عباس رضي اللّه عنهما، فسبحان القادر على كل شي‏ء، فالنار كما هو يكمن في الشجر، يكمن أيضا في الحجر و ذلك باحتكاكه بالحديد، فهدى اللّه الإنسان لإيقاد ناره في بدء الخليقة، بأن يأتي بقطعة منه نحو القماش، فيضعه فوق الحجر، ثم يضربه بقطعة من الحديد فتخرج منه شرارة يحترق القماش منه فيشعلون به النار و غيره. و لا تزال هذه الطريقة، في كافة الأنحاء، مستعملة خصوصا في توليع السجائر و تسمى" بالولاعة" و لها أنواع و أشكال مختلفة، ثم تدرج الإنسان إلى اختراع أعواد الكبريت للإيقاد و الإشعال، و قد كثر استعماله في زماننا و شاع شيوعا كبيرا لرخصها و كثرتها و سهولة استعمالها.

فالإضاءة منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا سبعة أنواع و هي كما يلي بالترتيب:

الأول: الحطب، و هو الوسيلة الطبيعية السهلة للإضاءة و الوقود لكثرة وجود الشجر على وجه الأرض. و قد أشرنا إلى قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ‏.

روى الأزرقي في تاريخه: كان قصي بن كلاب قد أوقد بالمزدلفة نارا حيث وقف بها حتى يراها من دفع من عرفة، و روى أيضا عن نافع عن ابن عمر قال:

كانت النار توقد على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبي بكر و عمر و عثمان رضي اللّه عنهم. اه. أي بالمزدلفة. و في تاريخ الأزرقي: كان عمر بن عبد العزيز يأمر الناس ليلة هلال المحرم يوقدون النار في فجاج مكة و يضعون المصابيح للمعتمرين مخافة السرق. اه. هذا و لا يزال العرب إلى اليوم في البادية و الجبال يوقدون النار ليلا في أماكنهم للانتفاع بها و اهتداء الضيف عليهم. و إلى هذا يشير الشاعر بقوله: «كأنه علم في رأسه نار».

الثاني: الشمعة، و هذه أيضا وسيلة سهلة للإضاءة تأتي في الدرجة الثانية لأن الشمع يستخرج من عسل النحل، فيجمع على بعضه و يعمل على شكل العصا ثم يغزر بوسطه طولا ذبالة ثم تشعل رأسها فتنير ما حولها و كانت توقد شموع العنبر بين يدي الخلفاء و الأمراء، و تختلف طولها و غلظها بحسب الحاجة و كم كان‏

17

الشعراء يتغزلون بالشموع و يقولون عنها:" إنها تلك الحبيبة الرقيقة التي يذوب جسدها في قطرات من الدموع المحرقة و لكنها تظل وفية مضيئة حتى آخر رمق من حياتها". و يشبه الناس من يتعب نفسه لخدمة غيره، بالشمعة تضي‏ء للناس و تحرق نفسها. قال الأزرقي في تاريخه عند ذرع مسجد المزدلفة: و الكلام على قزح و هو أكمة مرتفعة كان يوقد عليها في خلافة هارون الرشيد بالشمع ليلة المزدلفة و كانت قبل ذلك توقد عليها النار بالحطب فلما مات هارون الرشيد أمير المؤمنين كانوا يضعون عليها مصابيح كبار يسرج فيها بفتل جلال فكان ضوؤها يبلغ مكانا بعيدا ثم صارت اليوم توقد عليها مصابيح صغار و فتل رقاق ليلة المزدلفة.

انتهى من الأزرقي.

نقول: و الشمعة كانت توضع في آنية خاصة جوانبها كلها زجاج و أسفلها و أعلاها من الصفيح" التنك" حتى لا تطفئها الهواء و تسمى هذه الآنية" بالفانوس" و قد تفنّن الناس في اختراع أنواع الفوانيس بأشكال مزخرفة بديعة قد تبلغ مئات الأنواع.

ثم بعضهم يضع في الفوانيس لمبات الكاز بدلا من الشمع، و بعض الفوانيس خاصة للمبات الكاز فقط و تسمى بالفوانيس الهندية، و قد سبق أن ذكرنا التسريج بالشمع في داخل" اللاله" و قد كان الطلبة يستعملونها ليلا عند حضورهم للدرس في المسجد الحرام. و إليك صورة بعض هذه الأنواع.

انظر: الصور أرقام 140، 141، 142، 143، 144، و هي لقمرية، و بعض أنواع الأتاريك و الفوانيس التي كان الحرم يضاء بها قديما، بعضها يضاء بالقاز و البعض الآخر بالشموع.

الثالث: الزيت، و هو أيضا وسيلة سهلة للإضاءة تأتي في الدرجة الثالثة لأنه مستخرج من بعض الحبوب كالسمسم و بعض الثمار كالزيتون، و الإضاءة به قديمة العهد أيضا. فقد قال اللّه تعالى في سورة النور: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى‏ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ روي أن أول من استصبح الحرم فأجرى له‏

18

القناديل و الزيت من بيت المال: معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه. و روى الأزرقي: أن أول من أثقب النفاطات بين الصفا و المروة في ليالي الحج و بين المأزمين- مأزمي عرفة- أمير المؤمنين أبو إسحاق المعتصم باللّه الطاهر بن عبد اللّه بن طاهر سنة حج في سنة تسع عشرة و مائتين، فجرى ذلك إلى اليوم اه. و معنى أثقب: أوقد، و النفط دهن قاله في مختار الصحاح. و قال في المنجد: النفط دهن معدني سريع الاحتراق توقد به النار و يتداوى به اه.

و إلى الإضاءة بالزيت يشير الشاعر الفكاهي في زماننا الأستاذ محمود بيرم التونسي بقوله:

زمان يوقد المصباح فيه‏* * * بنور الزيت لا بالكهرباء

و لا تتحرك النسوان حتى‏* * * إلى المرحاض إلا بالغطاء

نعم كانت منازلنا ظلاما* * * و لكن القلوب على صفاء

و كان طعامنا أبدا كثيرا* * * فيعرف في القصاع و في الدلاء

زمان كان فيه لكل عين‏* * * حمار ملكه لا بالكراء

و شاء اللّه أن عشنا و جئنا* * * إلى زمن الملاعق و الغلاء

نعم صدق و اللّه هذا الشاعر الفاضل فإننا بقدر ما نتقدم في إيجاد الوسائل الكمالية الدنيوية، نتأخر أضعاف ذلك في عاداتنا و أخلاقنا و أمورنا الدينية، فنحن و الحالة هذه يصدق علينا قول الشاعر الحكيم:

زيادة المرء في دنياه نقصان‏* * * و ربحه غير محض الخير خسران‏

اللهم أصلح أحوالنا و يسر أمورنا و وفقنا لما تحبه و ترضاه و اعف عنا و اغفر لنا و ارحمنا ... إلخ السورة.

الرابع: القاز، أو الكاز أو الغاز، و هو البترول المستخرج من الأرض و هو كالماء في اللون، يوضع في إناء من الزجاج أو الصفيح يعمل على شكل مخصوص، و لها رأس لولبي يدخل فيها فتيلة كالشريط عرضها من واحد سنتي إلى خمسة سنتيمترات أو أكثر حسب كبرها أو صغرها ثم تغمس الفتيلة في الإناء و يثبّت الرأس عليها ثم تشعل طرف الفتيلة الخارجة من الرأس ثم توضع عليها زجاجة خاصة، و هذا الإناء تسمى باللمبة و لها أشكال مختلفة معروفة لدى الجميع. و هذا النوع من الإضاءة شائع في زماننا بكثرة لرخص ثمنها و سهولة الحصول عليها.

19

الخامس: القمرية، و هي تشعل بالقاز و الفتيل فقط و لها شكل واحد خاص لا يختلف أبدا طولها نحو ثلاثين سنتيمتر، و بداخلها آلة صغيرة أسطوانية الشكل كآلة الساعات تملأ بزمبلك و بغير هذه الآلة لا تشتغل.

و هذه القمرية لا تنطفئ من الهواء و ليس لها زجاجة في رأسها. فالقمرية كانت شائعة الاستعمال في الحجاز إلى ما قبل ثلاثين سنة ثم بطل استعمالها بتاتا.

السادس: الأتريك و يسمى باللّوكس، و هو شائع الاستعمال كثير الذيوع في الحجاز و غير الحجاز، و هو يشتعل بالقاز و له فتيلة خاصة منسوجة كالكيس الصغير بالخيوط الحريرية بمادة خاصة، و نور الأتريك أبيض قوي الضوء، و هو نوعان منه ما يعلّق في السقوف و منه ما له قاعدة يوضع على الأرض أو على شي‏ء مرتفع.

السابع: الكهرباء، و هي اختراع عجيب يتولد نورها من الاحتكاك لا بالقاز و لا بالزيت، و يرتبط بها أسلاك و ترتبط بهذه لمبات عديدة من الزجاج المفرغ من الهواء و بداخله جزء صغير من سلك رفيع أرفع من الشعرة. و هذا السلك هو الذي يعطي الضوء القوي. فالكهرباء أهم مسألة أثرت في حياتنا العامة، و لها من القوة ما لا يتصوره العقل، و إذا مس التيار الكهربائي إنسانا قضى على حياته في الحال.

فعلى قدر قوة التيار الكهربائي تكون قوة نورها، و ليس يعادل النور الكهربائي نور آخر، و أن آلاف المصابيح الكهربائية يمكن إنارتها أو إطفاؤها في لحظة واحدة بإدارة أزرار خاص. فالنور الكهربائي آخر ما توصل إليه العقل البشري في عصرنا الحاضر.

قال في كتاب القراءة الرشيدة في الجزء الرابع عن الكهرباء ما يأتي:

من جملة القوى العظيمة التي استخدمها الإنسان في قضاء حاجاته و مآربه روح من الأرواح الخفية و سر من أسرار الباري المبدع لا هي بالجسم فتحس و لا بالريح فتشم بل هي كالروح من أمر ربي لا يظهر منها إلا أثرها و ما تأتيه من جلائل الأعمال و يزعمون أنها في كل كائن و تظهر فيه بالاحتكاك و العرك و بوسائط أخرى كمياوية غير آلية و تسيل و تجري جريا سريعا في بعض الأجسام و بطيئا في غيرها و من الأجسام ما يصدها و يوقفها فلا تتعداه تلك القوة هي الكهرباء التي استخدمت في سائر الأعمال كبيرها و صغيرها عظيمها و حقيرها و تفردت من غيرها من القوى باجتياز الأبعاد النائية و شق غمار البحار حتى لقد

20

أصبح بها الإنسان قادر على أن يحادث صديقه بالتلفون و بينهما برزخ بعيد المدى و أن يكاتبه بالتلغراف في لمحة مصداقا لقول العامة:" غمض عينك و افتحها تر الأمر قد وقع".

و الكهرباء صنفان لا يكاد يؤثر الواحد منهما على انفراده و متى اجتمعا بالملامسة لم يقو شي‏ء على صد تيارهما الجارف بل اجتاز كل ما يعتريهما من العقبات طوع أمر المدبر لهما.

و لما أدرك الناس من صنفي الكهرباء شدة ميلهما إلى التواصل و الاجتماع صنعوا العدد و الآلات بحيث يجمع بين الصنفين متى طلب العمل و يفرق بينهما متى طلب الوقوف فيسيران في سلكين دقيقتين مجتمعين في النهاية مفترقين في المبدأ الذي قد ركب عليه زر إذا حرك جمع بين السلكين و أثرت الكهرباء تأثيرها المطلوب و إذا أعيد فرق بينهما فانقطع العمل و تغلّف الأسلاك و العدد التي تمر فيها الكهرباء بغلاف من الحرير أو المطاط لكيلا تؤذي الناس إذا مسوها. انتهى من الكتاب المذكور.

و من عجيب الاختراعات ما قرأناه في إحدى مجلات الهلال، أنهم اخترعوا مصابيح تضي‏ء بلا كهرباء، بواسطة مادة إذا طلي بها الزجاج ثم أرسلت إليها أمواج لا سلكية ذات ذبذبات عالية توهّجت المادة و أضاءت و أضاء زجاجها كما يضي‏ء المصباح بلا كهرباء و لا أسلاك، و قالت المجلة: و من طريف ما استكشف المخترعون صبّ النور كما يصبّ الماء من إناء إلى إناء، و ذلك أنهم كشفوا مادة متفسفرة جديدة إذا وضعوها في السوائل في الليل أضاءت و هم يسكبونها من وعاء إلى وعاء، فينسكب السائل مضيئا فكأنما يسكنون نورا.

كما أنهم اهتدوا إلى صنع مصباح تخرج منه أشعة يركزونها في نقطة فتحتر احترارا كثيرا و من هذه النقطة الحارة يشعلون السجائر و غيرها، كالعدسات التي تفعل هذا في ضوء الشمس. و لكن الجديد أن هذه الأشعة أشعة تقع من الطيف دون الأحمر، و هي تعرف بالأشعة دون الحمراء، و هي تحس و لا ترى، و هي التي تمتزج بأشعة النور الأخرى فتعطيها الدف‏ء و تعطيها الحرارة. و هكذا ذكرت مجلة الهلال و كان غلافها مفقودا لذلك لم نعرف تاريخها و لا رقم عددها، و نظن أنها عدد يناير عام (1950) أو الشهر الذي قبله.

21

و قد بلغنا في وقتنا الحاضر أن الولايات المتحدة و المملكة المتحدة تستعدّان في استخدام الذرّة لتوليد الكهرباء، و لقد سبقهما إلى هذا الإتحاد السوفيتي فقد أضيئت بعض مدنه بالكهرباء الناتجة من استخدام الذرة.

هذا و لا ندري ماذا يكون من الاختراعات في المستقبل، فإن الإنسان لا يزال يستمر في التقدم و الاختراعات التي لم يكن يحلم بها، حتى تستكمل الدنيا جميع زخرفها و زينتها، فعندئذ، تأخذ في الفناء و يأتي أمر اللّه و كأن لم تكن بالأمس.

«و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام».

استعمال غاز الاستصباح‏

يطلق على غاز الاستصباح كلمة «النّفط» بفتح النون و سكون الفاء، و في مصر يطلقون عليه" كيروسين"، و يكتب غاز الاستصباح أحيانا،" غاز" بالغين، و أحيانا" قاز" بالقاف، و أحيانا" كاز" بالكاف، و أما كلمة" البترول" فهي كلمة شاملة المعنى غاز الاستصباح و البنزين و غيرهما. و أما كلمة" القير" بكسر القاف أو" القار" بفتح القاف المسمى" بالإسفلت" و هي المادة السوداء اللزجة، فهو ما يرسب و يبقى بعد تصفية المواد البترولية و الذي يستعمل الآن في سفلتة الشوارع و الطرقات.

جاء في الجزء الأول من كتاب كنز الرغائب في منتخبات الجوائب المطبوع سنة (1288) ثمان و ثمانين و مائتين و ألف من الهجرة بالآستانة، عن أول استعمال غاز الاستصباح ما يأتي: لا خفاء في أن هذا النور يتخذ من الفحم أو الحطب إذا أوقدا، و إنما الخفاء في أصل اختراعه فنقول على سبيل الإيجاز: إن أول من جرب استخراجه من الفحم قسيس من الإنكليز يقال له: كلاتون أو كليتون، و ذلك سنة (1739) ميلادية إلا أن تجربته هذه لم يعمل بها إلى أن قام رجل من كورنول اسمه مردوخ، فباشر هذه العملية و أجرى الغاز في قصبات من حديد و ذلك في سنة (1792 م). و بعدها بست سنين أتم عمليته و نوّر بها أحد المعامل في برمنكهام، إلا أنه كان يعرض لها الخلل أحيانا، ثم في سنة (1802) تنبّه الناس إلى إتقان ذلك و إلى تعميم المنافع منه. و بعدها بسنة نوّر ملهى الليسيوم بلندرة بالنور المذكور، و في سنة (1804 م) و ما بعدها وسّع مردوخ دائرة عمليته في منشستر قال: و زعم الفرنسيس أنهم هم مخترعوه، إلا أن الغاز لم يعرف عندهم إلا في سنة (1802 م)

22

و قد عرفت أن مردوخا صنعه قبل هذا التاريخ بعدة سنين، ثم من سنة (1802 م) إلى سنة (1822 م) اشتهر استعمال هذا النور و أعجب الناس به جدا، حتى أن رأس المال الذي جمع لتنوير لندرة فقط بلغ مائة مليون ليرة، و شغلت قصباته الممتدة إلى مواضع مختلفة منها مسافة مائة و خمسين ميلا. قلت: و لكثرة الأنوار فيها يكون الليل في الشتاء أدفأ من النهار فإن عدد فوانيس طرقها فضلا عن أنوار الحوانيت و الديار بلغ في سنة (1849) ميلادية (360000) فانوس. قال: و بعد سنة (1822) بسنين قليلة اشتهر استعمال الغاز في سائر مدن المملكة، فنورت به الطرق و الديار و الدكاكين و الملاهي و غيرها، و هو على بقائه و عدم نفاده أرخص سعرا و أخف كلفة من الشمع و الزيت، فإن رطل الشمع الدون مثلا يساوي ثلاثة أرباع الشلين، و مدة اتقاده لا تزيد على أربعين ساعة، و غالون الزيت (كل غالون يملأ نحو خمس زجاجات من القدر المعتاد) يساوي شلينين، و ينير ما تنير ستمائة شمعة في ساعة واحدة. و الشمع العال أغلى من الدون بثلاثة أضعاف، و ألف مكعب من الغاز يساوي تسعة شلينات، فحاصل ذلك أن ما قيمته من الشمع العال مائة، يكون من الدون خمسة و عشرين، و ما قيمته من الزيت خمسة يكون من الغاز ثلاثة.

و قد عدّه الإنكليز من أجل النعم السماوية التي يتنعم بها الإنسان في الليل، و من أعظم الأسباب الموجبة للأمن و السلامة، و لا سيما في المدن الحافلة. فإن لندرة كانت في الزمن القديم ممنية باللصوص بعد العتمة، فكانت الأولاد تحمل بأيديها مشاعيل و تجري بها بين أيدي المجتازين، و كانت عادة العسس في أيام الملكة ماري أن يكون معهم أجراس، ينقسون بها تحذيرا للصوص و تخويفا، و في سنة (1762) ميلادية وضعت الفوانيس في طرق المدينة و أوقدت بالزيت فقلّت اللصوص. انتهى من الكتاب المذكور.

بعض ما جاء من الوصف في آلات السرج و الإيقاد

و بمناسبة ما تقدم من أنواع الإضاءة يستحسن أن نذكر هنا شيئا مما ورد من أوصاف آلاف الإضاءة كالكهرباء و السراج و القنديل و الشمعة و نحو ذلك، لما لذلك من التمليح و الطرافة الأدبية. و لقد نقلنا أكثرها من كتاب" نهاية الأرب في فنون الأدب" للعلامة النويري (رحمه اللّه تعالى) فنقول و باللّه التوفيق:

23

قال السيد عبيد المدني من أهل عصرنا الحاضر في الكهرباء ما يأتي:

لا بدع أن أصبو إليك فبيننا* * * سلك بتيار القلوب مكهرب‏

إن كنت لا تدري الحقيقية فاسمعي‏* * * ها أنت" سالبة" و قلبي" موجب"

إن كنت" نافية" هواي فإنني‏* * * أنا" مثبت" في الحب لا أتذبذب‏

لم لا نكون الكهرباء و هذه‏* * * آثارها فينا تجدّ و تلعب‏

قال السري الرفّاء في وصف النار:

و التهبت نارنا فمنظرها* * * يغنيك عن كل منظر عجب‏

إذا رمت بالشرار فاطردت‏* * * على ذراها مطارد اللهب‏

رأيت ياقوتة مشبكة* * * تطير عنها قراضة الذهب‏

و قال عبد اللّه بن المعتز:

كأن الشرار على نارها* * * و قد راق منظرها كل عين‏

سحالة تسير إذا ما علا* * * فإما هوى ففتات اللجين‏

و على معناه قال العسكري:

أوقدت بعد الهدوّ نارا* * * لها على الطارقين عين‏

شرارها إن علا نصار* * * لكنه إن هوى لجين‏

و قال أبو الفتح كشاجم:

كأنما النار و الرماد و قد* * * كاد يوارى من نورها النورا

ورد جنيّ القطاف أحمر قد* * * ذرت عليه الأكف كافورا

و قال تاج الملوك ابن أيوب:

أما ترى النور و هي تضرم في‏* * * أحشاء كانونها و تلتهب‏

كأنما الفحم فوقها قضب‏* * * من عنبر و هي تحته ذهب‏

قال سيف الدين المشدّ في الفانوس:

انظر إلى الفانوس تلق متيّما* * * ذرفت على فقد الحبيب دموعه‏

يبدوا تلهب جسمه لنحوله‏* * * و تعدّ من تحت القميص ضلوعه‏

و مما قيل فيه أيضا:

و كأنما الفانوس في غسق الدجى‏* * * دنف براه شوقه و سهاده‏

أضلاعه خفيف ورق أديمه‏* * * و جرت مدامعه و ذاب فؤاده‏

24

مما قيل في السراج‏

من رسالة لأبي عبد اللّه محمد بن أبي الخصال، جاء منها ما يأتي:

عذرا إليك أيدك اللّه، فإني خططت و النوم مغازل، و القرّ نازل، و الريح تلعب بالسراج، و تصول عليه صولة الحجاج، فطورا تبرزه سنانا، و تحركه لسانا، و آونة تطويه جنّابه، و أخرى تنشره ذؤابه، و تارة تقيمه إبرة لهب، و تعطفه برة ذهب، و حينا تقوسه حاجب فتاة، ذات غمزة، و تسلطه على سليطه، و تديله على خليطه، و ربما نصبته أذن جواد و مسخته حدقة جراد، و مشقته حروف برق، بكف و دق، و لثمت بسناه قنديله، و ألقت على أعطافه منديله، فلاحظ منه للعين، و لا هداية في الطرس لليدين. انتهى من نهاية الأرب.

و مما جاء في الشمعة

قال بعض الشعراء:

و رشيقة بيضاء تطلع في الدجى‏* * * صبحا و تشقي الناظرين بدائها

شابت ذوائبها أوان شبابها* * * و اسود مفرقها أوان فنائها

كالعين في طبقاتها و دموعها* * * و بياضها و سوادها و ضيائها

و قال آخر:

بيضاء أضحكت الظلام فراعها* * * فبكت و أسبلت الدموع بوادرا

جفّت دموع جفونها فكأنما* * * كسيت من الطلع النضيد ضفائرا

و قال غيره:

جاءت بجسم كأنه ذهب‏* * * تبكي و تشكي الهوى و تلتهب‏

كأنها من أكف حاملها* * * رمح لجين سنانه ذهب‏

و قال الصاحب بن عباد:

و شمعة قدّمت إلينا* * * تجمع أوصاف كل صب‏

صفرة لون و ذوب جسم‏* * * و فيض دمع و حر قلب‏

و قال بعضهم:

حكتني و قد أودى بي السقم شمعة* * * و إن كنت صبّا دونها متوجّعا

25

ضنى و سهادا و اصفرارا و رقّة* * * و صبرا و صمتا و احتراقا و أدمعا

و قال السريّ الرفّاء:

مفتولة مجدولة* * * تحكي لنا قد الأسل‏

كأنها عمر الفتى‏* * * و النار فيها كالأجل‏

و فتيلة المصباح تحرق نفسها* * * و تضي‏ء للساري و أنت كذاكا

و قال أبو مروان بن أبي الخصال:

لابنة الزند في الكوانين جمر* * * كالدراري في دجى الظلماء

خبّروني عنها و لا تكتموني‏* * * ألديها صناعة الكيمياء

سبكت محمها صفائح تبر* * * رصعتها بالفضة البيضاء

كلما رفرف النسيم عليها* * * رقصت في غلالة حمراء

و قال أبو طالب المأموني:

ما نرى النار كيف أسقمها القمر* * * فأضحت تخبو و طورا تسعر

و غدا الجمر و الرماد عليه‏* * * في قميص مذهب و معنبر

و قال أحد الشعراء يمدح بعض الملوك:

وقيت نار الجحيم يا ملك‏* * * أربع تسيرانه له نسق‏

نار شباب تروق نضرتها* * * و نار راح كأنه شفق‏

و نار سلطان تقارنها* * * نار قرى لا تزال تأتلق‏

و قال ابن الرومي:

له ناران قرى و حرب‏* * * ترى كلتيهما ذات التهاب‏

و قال إبراهيم بن هرمة:

إذا ضلّ عنهم ضيفهم رفعوا له‏* * * من النار في الظلماء ألوية حمرا

و قال محمد بن أبي الثابت شاعر اليتيمة:

و مجدولة مثل صدر القناة* * * تعرت و باطنها مكتسى‏

لها مقلة هي روح لها* * * و تاج على الرأس كالبرنس‏

إذا غازلتها الصبا حركت‏* * * لسانا من الذهب الأملس‏

و تنتج من حيث ما ألقحت‏* * * ضياء يجلي دجى الحندس‏

فنحن من النور في أسعد* * * و تلك من النار في أنحس‏

26

و قال أبو القاسم المطرّز من جملة أبيات:

و للشموع عيون كلما نظرت‏* * * تظلمت من يديها أنجم الغسق‏

من كل مرهفة الأعطاف كالغصن‏* * * المياد لكنه عار من الورق‏

إني لأعجب منها و هي وادعة* * * تبلى و عيشتها من ضربة العنق‏

و من جيد ما قيل في الشمعة، قول الأدّجاني:

نمّت بأسرار ليل كان يخفيها* * * و أطلعت قلبها للناس من فيها

قلب لها لم ير عنا و هو مكتمن‏* * * إلا برقية نار من تراقيها

سقيمة لم يزل طول اللسان لها* * * في الحي يجني عليها ضرب هاديها

غريقة في دموع و هي تحرقها* * * أنفاسها بدوام من تلظيها

تنفست نفس المهجور إذ ذكرت‏* * * عهد الخليط فبات الوجد يبكيها

يخشى عليها الردى مهما ألم بها* * * نسيم ريح إذا وافى يحييها

بدت كنجم هوى في إثر عفرية* * * في الأرض فاشتعلت منه نواصيها

نجم رأى الأرض أولى أن يبوأها* * * من السماء فأمسى طوع أهليها

كأنها غرة قد سال شاد منها* * * في وجه دهماء يزهيها تجليها

أو ضرة خلقت للشمس حاسدة* * * فكلما حجبت قامت تحاكيها

وحيدة كشباة الرمح هازمة* * * عساكر الليل إن حلت بواديها

ما طنبت قط في أرض مخيمة* * * إلا و أقمر للأبصار داجيها

لها غرائب تبدو من محاسنها* * * إذا تفكرت يوما في معانيها

كصعدة في خشا الظلماء طاعنة* * * تسقي أسافلها ريا أعاليها

فالوجنة الورد إلا في في تناولها* * * و القامة الغصن إلا في تثنيها

صفراء هندية في اللون إن نعتت‏* * * و القد و اللين إن أتممت تشبيها

فالهند تقتل بالنيران أنفسها* * * و عندها أن ذاك القتل يحييها

قد أثمرت وردة حمراء طالعة* * * تجني على الكف إن أهويت تجنيها

ورد تشاك به الأيدي إذا قطفت‏* * * و ما على غصنها شوك يوقيها

ما إن تزال تبيت الليل ساهرة* * * و ما بها غلة في الصدر تطفيها

صفر غلائلها حمر عمائمها* * * سود ذوائها بيض لياليها

27

تحي الليالي نورا و هي تقتلها* * * بئس الجزاء لعمر اللّه تجزيها

قدت على قد ثوب قد تبطنها* * * و لم يقدر عليها الثوب كاسيها

غراء فرعاء ما تنفك قالية* * * تقس لمتها طورا و تفليها

شباء شعثاء لا تكسي غدائرها* * * لون الشبيبة إلا حين تبليها

قناة ظلماء لا تنفك يأكلها* * * سنانها طول طعن أو يشظيها

مفتوحة العين تغني ليلها سهرا* * * نعم و إفناؤها إياه يفنيها

و ربما نال من أطرافها مرض‏* * * لم يشف منه بغير القطع مشفيها

مفاخرة بين القنديل و الشمعدان‏

جاء في الجزء الأول من كتاب «نهاية الأرب في فنون الأدب» تأليف شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري، ما نصه:

رسالة القنديل و الشمعدان، من إنشاء المولى الفاضل البارع البليغ، تاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني، سمعتها من لفظه و قرأتها عليه و أجاز لي روايتها عنه. و هي الموسومة بزهر الحنان في المفاخرة بين القنديل و الشمعدان ابتدأها بأن قال:

الحمد للّه الذي أنار حالك الظلماء، بأنوار بدر السماء، و حلى جيدها بعقود النجوم، و حرس مشيدها بسهام الرجوم، و جعلها عبره للاستبصار، و نزهة للأبصار، غشاؤها لازورد مكلل بنضار، أو أقاحي خميلة تفتحت فيها أزرار الأزهار، تهدي الساري بسواريها، و تزري بالدرر أنوار دراريها، كرع في نهر مجرتها النسران، و رتع في مراعي رياضها الفرقدان.

أحمده على نعمه التي لا يقوم بشكرها لسان، و لا يؤدي واجب حقها إنسان، حمدا يجلب إلى الحامد أنواع الإحسان، و يسوق إلى الشاكر ركائب الخيرات الحسان.

و أصلي و أسلم على سيدنا محمد الذي أنار اللّه بوجوده ظلمة الوجود، و أظهر بظهوره أفعال الركوع و السجود، صلى اللّه و سلم عليه و على آله الوافين بالعهود، و على أصحابه أهل الأفضال و الجود، و صلاة و سلاما دائمين إلى اليوم الموعود.

28

و بعد فإن فنون الآداب كثيرة الشعوب، متباينة الأسلوب، طالما تلاعب الأديب بفنونها بين جد و مجون، و كيف لا و الحديث ذو شجون. و كنت بحمد اللّه ممن هو قادر على إبراز ملح الأدب، و على إظهار لطائف لغة العرب، فتمثل في خاطري المفاخرة بين الشمعدان و القنديل، و لا بد من إبراز المفاخرة بينهما في أحسن تمثيل، لأنهما آلتا نور، و نديما سرور، طالما مزقا جلباب الدجى بأضوائهما، و حسما مادة الظلمة بأنوارهما، و طلعا في سماء المجالس بدورا، و أخجلا نور الرياض لما أصدرا من جوهرهما نورا. سما كل واحد منهما إلى أنه الأصل و أن بمدحه يحسن الفصل و الوصل، و أنه الجوهرة اليتيمة، و البدرة التي ليست لها قيمة، سارت بمحاسنه ركائب الركبان. و نظمت في جيد مجده قلائد العقيان.

انظر: الصورتين رقم 145، 146 و هي للإنارة بواسطة الشموع و الشمعدان التي توضح في كل جانب منه شمعة ثم زجاجة كي لا يطفأها الهواء.

فأحببت أن أنظمها في ميدان المناظرة ليبرز كل واحد منهما خصائصه الواضحة و يظهر نقائص صاحبه الفاضحة، و ليتسنم غارب الاستحقاق بالفضيلة، و يؤكد في تقرير فضائله الراجحة دليله، مع أنه لا تقبل الدعاوى إلا بالبرهان، لعمري لقد قيل قدما:

من تحلى بغير ما هو فيه‏* * * فضحته شواهد الامتحان‏

فأتلع الشمعدان جيده للمطاولة، و عرض سمهريه اللجيني للمناضلة. و قال:

«استنت الفصال حتى القرعى».

لست بنديم الملوك في المجالس، كلا و لا الروضة الغّناء للمجالس. طالما أحدقت بي عساكر النظار، و وقفت في استحسان هياكلي رؤية الأبصار، و حملت على الرؤوس إذا علقت بأذانك، و جلبت كحلاء المرهفات إذا اسود وجهك من دخانك.

فنضنض لسان القنديل نضنضة الصل، و ارتفع ارتفاع البازي المطل. و قال:

إن كان فخرك بمجالسة السلاطين، فافتخاري بمجالسة أهل الدين طالما طلعت في أفق المحراب بجما ازداد علا، و ازدانت الأماكن المقدسة بشموس أنواري حلا، جمع شكلي مجموع العناصر، فعلى مثلي تعقد الخناصر، يحسبني الرائي جوهرة

29

العقد الثمين، إذ رأى اصفرار لونك كصفرة الحزين، و لقد علوتك في المجالس زمانا، و من صبر على حر المشقة ارتفع مكانا.

فنظر إليه الشمعدان مغضبا، و هم بأن يكون عن جوابه منكبا. و قال: أين ثمنك من ثمني، و مسكنك من مسكني صفائحي صفحات الإبريز، فلذا سموت عليك بالتبريز، تنزه العيون في حمائلي الذهبية، و تسر النفوس ببزوغ أنواري الشمسية، و لا يملكني إلا من أوطنته السعادة مهادها، و قربت له الرئاسة جيادها، و لقد نفعت في الصحة و السقم، و ازدادت قيمتي إذا نقصت في القيم إن انفصمت عراك فلا تشعب، و لا تعاد إلى سبك نار فتصب و تقلب، لست من فرسان مناظرتي، و لا من قرناء مفاخرتي.

فالتفت القنديل التفات الضرغام، و فوّق إلى قرينه سهام الملام. و قال: أنت عندي كثعالة، لا محالة، طالك العنقود، فأبرزت أنواع الحقود و أين الثريا من يد المتناول. أم أين السها من كف المتطاول. تاللّه إنك في صرفك بصغرك مغلوط.

لقد خصصت بالعلو و خصصت بالهبوط. ترى باطني من ظاهري مشرقا و تخالني لخزائن الأنوار مطلقا، فحديث سيادتي مسلسل، و تاج فضائلي بجواهر العلو مكلل.

فلحظة الشمعدان بطرف طرفه، و أرسل في ميدان المناظرة عنان طرفه.

و قال: إن افتخارك بالعلو غير مفيد، و مزية اختصاصك به ليس له أبهة مزيد، طالما علا القتام و انحطت الفرسان، و مكث الجمر و سما الدخان، و لقد صيرتك كنظر المشنوق حاله، و كضوء السها ذباله، و أنت الخليق بما قيل، و قلب بلا لب و أذن بلا سمع و سلاسلك تشعر بعقلك، و علوك ينبئ عن غلو إسقاط كمثلك، عادلت التبر كفة بكفة، و وزنته إذ كان فيه فقه، فاصغ لمفاخري الجليلة، و استمع مناقبي الجميلة. أطارد جيوش الظلماء برمحي، و أمزق أثواب الديجور بصبحي، جمع عاملي بين طلع النخل، و حلاوة النحل، يتلو سورة النور لساني، و يقوى في مصادمة عساكر الليل البهيم جناني، أسامر المليك خلوة، و يستجلي من محاسني أحسن جلوة و للّه در القائل:

أنظر إلى شمعدان شكله عجب‏* * * كروضة روضت أزهارها السحب‏

يطارد الليل رمح فيه من ورق‏* * * سنانه لهب من دونه الذهب‏

فمثل هذه المناقب تتلى، و مثل هذه المحاسن تظهر و تجلى.

30

فأضرم نار تبيينه في أحشاء قرينه. فعندها قال القنديل: لقد أطلت الافتخار بمحاسن غيرك، لما وقفت في المناظرة ركائب سيرك، فاشكر اليد البيضاء من شمعك، و احرص على معرفة قيمتك و وضعك، و أما افتخارك بتلاوة سورة النور، فأنا أحق بها منك إذا محلى الجوامع، و الفرقان بيني و بينك مع أنه ليس بيننا جامع، ففضيلتي فيه بينة، و آية نوري في سورة النور بينة فاقطع مواد اللجاجة، و اقرأ الآية المشتملة على الزجاجة، يظهر لك من هو الأعلى، و من بالافتخار الأولى تخالني درة علقت في الهواء أو كوكبا من بعض كوكب الجوزاء و للّه در القائل:

قنديلنا فاق بأنواره‏* * * نور رياض لم تزل مزهره‏

ذبالة فيه إذا أوقدت‏* * * حكت بحسن الوضع نيلوفره‏

لا يحمل الأقذاء خاطري، و لا يغتم مشاهدي و ناظري، فأنا خلاصة السبك، و التبر الذي لا يفتقر إلى الحك، اشتقاق اسمك من النحوس و من حرمك تقام هياكل الفلوس، لقد عرضت نفسك للمنية، و انعكست عليك مواد الأمنية، مع أن الحق أوضح من لبة الصباح، و أسطع من ضوء المصباح، و الآن غصصت بريقك و خفيت لوامع بروقك، فهذه الشهباء و الحلبة، و هذه ميادين المناضلة رحبة.

فحار الشمعدان في الجواب، و جعل ما أبداه أولا فصل الخطاب فقال القنديل: لا بد من الإقرار بأن قدحي المعلى، و أني عليك بالتقديم الأولى، و أن مقامي العالي، و نوري المتوالي.

فقال الشمعدان: لا منازعة فيما جاء به الكتاب من تفضيلك، و كونك الكوكب الدري الذي قصر عن بلوغك باع مثيلك.

فجنح الشمعدان للسلم، و ترفع عن استيطان مواطن الإثم، و شرع يبدي شعائر الخضوع، و ينشر أعلام الأوبة عما قال و الرجوع، و قال: لو لا حمية النفوس، ما تجملت بمفاخرنا صفحات الطروس، و لو لا القال و القيل، ما ضمنا معرض التمثيل، و لكن أين صفاؤك من كدري، و أين نظرك من نظري، خصك اللّه بنوره، و ذكرك في فرقانه و زبوره.

فعندها تهلّلت أسارير القنديل، و تبسم فرحا بالتعظيم و التبجيل، و قال:

حيث رجعنا إلى شرع الإنصاف، و إظهار محاسن الأوصاف، ففضلك لا يبارى، و وصفك لا يجارى يحسبك الرأي خميلة نور تفتحت أزهارها، و حديقة نرجس‏

31

أطردت أنهارها، تسرّ بك النفوس، و تدار على نضارتك الكؤوس، و أن اللائق بحالنا طيّ بساط المنافسة، و اخماد شرر المقابسة، و الاستغفار فيما فرط من كلامنا، و الرجوع إلى اللّه في إصلاح أقوالنا و أفعالنا. انتهى كل ذلك من كتاب نهاية الأرب للنويري.

إضاءة المسجد الحرام بالقناديل الزيتية

ذكرنا أعمدة المطاف ما وضعت إلا لتعلّق عليها المصابيح و القناديل للطائفين، و هنا نذكر إضاءة عموم المسجد الحرام فنقول: القناديل هي آنية من الزجاج شبه الكورة الكبيرة لها قاعدة صغيرة و لها فتحة متسعة من أعلا بغير غطاء تدخل فيها اليد بسهولة، و في جوف هذه الآنية توضع كأس نصفها مملوء ماء و ربعها مملوء زيتا و الزيت يطفو على الماء و في وسط هذه ذبالة و فتيلة رفيعة تضاء عند إقبال الليل و عند حافة فتحة الآنية ثلاث عروات تربط في كل منها سلسلة فتعلق في الأماكن المخصصة لها، و إليك صورة القناديل.

انظر: صورة رقم 147، القناديل التي كانت تنير المسجد الحرام بالزيت سابقا قبل استعمال الكهرباء

و الإضاءة بهذه الكيفية قديمة العهد، فلما توصلوا إلى استخراج البترول (النفط أو القاز) بطلت تلك العادة في عموم الممالك و البلدان. و لقد أحصى الشيخ حسين باسلامة (رحمه اللّه تعالى) في كتابه تاريخ عمارة المسجد الحرام جميع قناديل المسجد الحرام ما عدا قناديل المنارات فكان مجموعها (1422) قنديلا، فكانت الإضاءة بالمسجد بالقناديل الزيتية من قديم الزمان إلى سنة (1335) ثم أبدلت بالأتاريك و الكهرباء كما سيأتي بيان ذلك إن شاء اللّه تعالى. و يقول أيوب صبري في كتابه مرآة الحرمين: أما القناديل التي كانت في الحرم قبل هذا فقد كان عددها (1822) قنديلا.

و أول من أجرى للمسجد الحرام زيتا و قناديل معاوية بن أبي سفيان، رضي اللّه تعالى عنه، و أول من استصبح بين الصفا و المروة خالد بن عبد اللّه القسري في خلافة سليمان بن عبد الملك في الحج و في رجب كما ذكره الأزرقي، و قد ذكرنا عند الكلام على أساطين المطاف و أعمدته أول من استصبح لأهل الطواف فراجعه إن شئت.

32

قال أبو جعفر البنّي بتقديم الباء الموحدة في وصف قنديل:

و قنديل كأن الضوء فيه‏* * * محاسن من أحب و قد تجلّى‏

أشار إلى الدجى بلسان أفعى‏* * * فشمر ذيله خوفا و ولى‏

و البنّي بكسر أوله نسبة إلى حصن بالأندلس و إليه ينسب إلى جعفر المذكور، و بنة أيضا مدينة بل و بنة أيضا قرية من قرى بغداد. انتهى من كتاب قاموس الأمكنة و البقاع.

و ذكر الفاكهي: أن أول من استصبح في المسجد الحرام في القناديل في الصحن محمد بن أحمد بن عيسى بن منصور و يعرف" بكعب البقرة" سنة (257) سبع و خمسين و مائتين و جعل عمدا من خشب في وسط المسجد و جعل بينها حبالا و جعل فيها قناديل نستصبح فيها اه.

قال الأزرقي: و عدد قناديل المسجد الحرام (455) أربعمائة قنديل و خمسة و خمسون قنديلا، و الثريات التي يستصبح بها في شهر رمضان و في الموسم ثمان ثريات، أربع صغار و أربع كبار، يستصبح بالكبار منها في شهر رمضان و في المواسم، و يستصبح منها بواحدة في سائر السنة على باب دار الإمارة، و هذه الثريات في معاليق من شبه (و هو نوع من النحاس) و لها قصب من شبه تدخل هذه القصبة في حبل ثم تجعل في جوانب المسجد الأربعة في كل جانب واحدة يستصبح فيها في رمضان فيكون لها ضوء كثير ثم ترفع في سائر السنة، اه.

قال الشيخ حسين باسلامة في كتابه تاريخ المسجد الحرام: و القناديل التي ذكرها الأزرقي هي وضعت في خلافة محمد المهدي العباسي فنقصت بمرور الزمن و عدم التفقد لما يطرأ عليها من النقص و العبث و تلاعب الأيدي. اه. و محمد المهدي هو الذي أمر سنة (164) بتوسعة المسجد الحرام التوسعة الثانية له فجزاه اللّه خيرا.

و ذكر التقي الفاسي عدد القناديل التي كانت في المسجد في زمانه و عن الجهات التي كانت فيها: لم نأت بها هنا خوف التطويل و عدم الحاجة إليها.

و من اللطائف ما قيل:

تراءت قناديل المطاف لناظري‏* * * على البعد و الظلماء ذات تناهي‏

كدائرة من خالص التبر وسطها* * * فتيتة مسك و هي بيت إلهي‏

33

و قد وضع في حصوة المسجد الحرام مفرقة في جهاته أعمدة مشجرة على صورة النخلة كانت تعلّق فيها القناديل، قال الصباغ في تحصيل المرام: و مما أحدث في الحرم من الأعمدة النحاس ستة أعمدة أرسلتها والدة السلطان عبد المجيد خان في رأسها صورة نخلة من صغر طول كل عمود نحو خمسة أذرع مفرقة بالمسجد الحرام، فأربعة في مقابلة أركان المسجد و واحدة خلف مقام الحنفي و أخرى مقابلة في جهة باب الصفا، و ركب كل عمود على قاعدة من حجر طولها نحو ذراع و يعلق في رأس كل عمود ستة قناديل و ذلك في سنة ألف و مائتين و نيف و خمسين.

انتهى.

و كانت هذه الأعمدة المشجرة الستة باقية إلى نحو سنة (1360) أي في عهد جلالة الملك عبد العزيز آل السعود (رحمه اللّه تعالى)، ثم أزيلت عند تعميم إضاءة المسجد بالكهرباء.

ثم قال الصباغ في تحصيل المرام أيضا: و قد جعلوا في عمارة آل عثمان للحرم الشريف في كل قبة من قبب السقف و في كل طاجن سلسلة ترخى يعلق فيها القناديل فتعلق في تلك السلاسل. و الآن في زماننا في دولة السلطان عبد العزيز خان و من قبله في دولة أخيه السلطان المرحوم عبد المجيد خان يعلق في جميعها برم بلّور داخلها قناديل صغار. و زاد السلطان عبد المجيد خان عوارض من حديد وضعت بين الأساطين الأمامية المطلة على الحصاوى، و علّق في كل عارضة بين الأسطوانتين خمسة قناديل توقد من ابتداء رمضان إلى عشرين من ذي الحجة و ذلك في سنة (1274) أربع و سبعين و مائتين و ألف، و جملتها ستمائة برمة كل برمة داخلها قنديل، و أما ما كان من البرم في الأروقة فجملتها ثلاثمائة و أربعة و ثمانون برمة، و أما التي حول المطاف فجملتها مائتان و ثمانية و ثلاثون، و ذلك خلاف ما في المقامات و على أبواب المسجد و خارج الأبواب و على المنائر في أشهر الحج و رمضان. انتهى.

و كان بعض الأماكن في المسجد تضاء بالشموع إلى أول دخول الملك عبد العزيز آل السعود الحجاز و ذلك سنة (1343) اكتفاء بالمصابيح الكهربائية، فقد ذكر المرحوم الشيخ حسين باسلامة نقلا عن الأرج المسكي أنه يسرج في المسجد الحرام كل ليلة أربعة و عشرون شمعة لكل مقام من المقامات الأربعة اثنتان و الباقية في المطاف و في الحجر و هي تسرج من أذان العشاء إلى الساعة الثالثة من‏

34

الليل ثم تنقل إلى قبة الفراشين و تطفأ ثم تسرج بعد أذان الفجر إلى الإسفار ثم تنقل إلى قبة الفراشين، و هذا يستمر من أول الشهر إلى الليلة الثانية عشر منه ثم يكتفى بضوء القمر إلى الليلة السادسة عشر من الشهر ثم يعاد سراجها في أول الليل و يترك في الصباح اكتفاء بضوء القمر إلى نهاية الشهر و على ذلك طيلة السنة. انتهى.

فاعلم من كل ما تقدم أن الإضاءة بالقناديل كانت إلى سنة (1335) ثم استبدلت بالأتاريك و الكهرباء كما سيأتي بيانه. و لا يفوتنا أن نسجل هنا أن الطلاب الذين يحضرون الدرس بالليل حلقات حلقات على أساتذتهم و مشايخهم كان غالبهم يأتي معه بشمعة يضعها أمامه و يشعلها عند ابتداء الدرس ليلا ليرى على ضوئها كتابه، و هذه الشمعة كانت توضع داخل آلة تشبه المصباح (تسمى باللاله) و لها زجاجة خاصة توضع عليها حتى لا تنطفئ الشمعة من الهواء، لأن ضوء القناديل الزيتية ضعيف، فلما استبدلت القناديل بالكهرباء ترك الطلبة استعمال الشمعة" أي اللآله" لقوة ضوء الكهرباء.

و إليك صورة اللّاله. راجع منظر 202، و هو صورة اللاله توضع فيها شمعة ثم يوضع فوقها زجاجة حتى لا تطفأ.

أما الإضاءة في جوف الكعبة إذا فتحت ليلا عند إرادة دخول أحد الكبراء فيها، فإنها تضاء بالشموع و كان السلاطين يهدون إليها شمعدانات و مباخر كلها من الفضة الخالصة، و كان آخر من أهدى إلى الكعبة ذلك السلطان عبد الحميد خان من سلاطين آل عثمان و ذلك سنة (1302) اثنتين و ثلاثمائة و ألف. و إليك صورة بعض من الشمعدانات و المباخر.

انظر: الصور رقم 148، 149 لآلة توضع بداخلها شمعة و فوقها زجاجة حتى لا تطفأ، و شمعدان و مبخر، و صورة رقم 150 لرسم بديع لمنبر السلطان سليمان خان، و صورة رقم 151 للمصابيح الغازية و الكهربائية المختلفة.

إضاءة المسجد الحرام بالأتاريك و الكهرباء

سبق في الفصل الذي قبله أن تكلمنا على إنارة المسجد بالقناديل، و نقول هنا: إنه قد أبطلت الإضاءة بالقناديل في المسجد الحرام و استبدل بها بالأتاريك و الكهرباء من سنة (1335) كما سترى تفصيل ذلك.

35

قال الغازي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه: أقول قد بطل تسريح القناديل في الحرم الشريف من رابع شعبان سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة و ألف و جعل بدله الكهرباء و الأتاريك، و علقت المصابيح التي يظهر منها الضوء الكهربائي ففي المطاف الشريف اثنان و سبعون، و في مقام إبراهيم سبعة و في الرواق الذي بجهة الصحن في دائرة الحرم مائة و عشرون و في المقام الحنفي أربعة و في المقام الشافعي أيضا أربعة و في المقام المالكي ثلاثة و في المقام الحنبلي ثلاثة و في باب زمزم واحدة و في داخله واحدة و في زيادة باب الزيادة أربعة و في زيادة باب إبراهيم أربعة، فجملة المصابيح الكهربائية المعلقة في المسجد الحرام مائتان و ثلاثة و عشرون، و أما الأتاريك فواحدة منها موضوعة في المطاف الشريف قبال مقام إبراهيم و واحدة فوق الحجر قبال المقام الحنفي و ثلاثة معلقة على أعمدة الحديد إحداهما خلف مقام المالكي و الثانية خلف المقام الحنبلي و الثالثة خلف حصبة باب النبي. انتهى.

و قال الشيخ حسين باسلامة في كتابه تاريخ المسجد الحرام ما نصه: لما استقل الشريف الحسين بن علي بالحجاز ترك إضاءة المسجد الحرام بالزيت، أي بالقناديل، و أضاءه بمصابيح اللوكسات و تسمى" الأتاريك" من سنة (1335) ألف و ثلاثمائة و خمس و ثلاثين إلى منتصف سنة (1338) ثم إنه في 28 رجب سنة (1338) أنار الشريف الحسين دائرة المطاف بالكهرباء فهو أول من أدخل بالمسجد الحرام اللوكس" الأتاريك" و الكهرباء، مع أن الدولة العثمانية قد أضاءت المسجد النبوي بالمدينة المنورة بالكهرباء عام (1328) أي قبل المسجد الحرام بعشر سنوات ... إلخ ثم قال الشيخ حسين باسلامة (رحمه اللّه تعالى): و قد أتى الشريف الحسين بماكينة قوّتها ثلاثة كيلو وات، فوضعت في مدرسة أم هانئ أمام دار الحكومة" الحميدية" و كان مجموع عدد اللمبات التي وضعت حول المطاف (105) و قوة بعض اللمبات خمس و عشرون شمعة و بعضها خمسون شمعة ثم أتى الشريف الحسين أيضا في سنة (1340) بما كينة أخرى قوّتها ست كيلو وات و نصف، و بماتور بقوّة 13 حصانا فوضعتا في أجياد في الدار التي صارت الآن" مدرسة المعهد السعودي" و كان ابتداء الإنارة بهما في غرة رمضان سنة (1340) ثم نقلتا إلى المستودع الذي به دائرة الكهرباء في الوقت الحاضر" أي في الفرن الميري" و ابتدأت الإنارة منه في 28 شوال من السنة المذكورة و كان عدد اللمبات نحو ثلاثمائة لمبة، منها حول المطاف 115 لمبة و الباقي موزع بصورة متناسبة في‏

36

عموم المسجد الحرام فوضع بعضها في الأروقة و بعضها على الأبواب و دامت إنارة المسجد الحرام على ذلك المنوال إلى سنة (1346) من الهجرة، اه.

قال الشيخ حسين باسلامة في كتابه المذكور ما ملخصه: و في عصر جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل السعود تبرع أحد تجار الهنود المدعو الحاج (داود أتبّا) من أهالي رانكون للمسجد الحرام بما كينة كبيرة ذات قوة ثلاثون كيلو وات و ذلك سنة (1346) و تم تركيبها في الفرن الميري أيضا بجوار مطبعة الحكومة خلف الحميدية و كانت الإنارة بها مع سابقتها في غرة ذي القعدة من السنة المذكورة.

ثم أمر جلالة الملك عبد العزيز في شعبان سنة (1347) بتجديد عموم اللمبات التي بالمسجد الحرام و بزيادتها و بلوغها ألف لمبة فصار جميع المسجد الحرام مضاء بالكهرباء لكن ظهر أن هذه الماكينة لا تتحمل إضاءة ألف لمبة كما ينبغي فأمر جلالته بوضع ثلاثين لوكسات" أتاريك" في المسجد الحرام فاستمرت الإضاءة على ذلك إلى سنة (1349) ثم صدر أمر جلالته بشراء ماكينة قوية تضاف إلى الماكينة السابقة فزادت الإضاءة في المسجد الحرام، و أمر جلالته بوضع ست شمعدانات على جدار حجر إسماعيل من النحاس الأصفر على كل شمعدان ثلاثة أغصان في كل غصن مصباح كهربائي. و وضع أيضا ستا و عشرين أسطوانة صنعت بالإسمنت المسلح في حصاوى المسجد الحرام طول كل أسطوانة نحو ثلاثة أمتار يعلق على كل منها أربع مصابيح كهربائية و بذلك استغنوا عن اللوكسات.

ثم في سنة (1353) أهدى للمسجد الحرام نواب بهادر الحاج سر محمد مزمل اللّه خان بهادر رئيس أعظم بهيكم بور بالهند ماكينة كهرباء عظيمة بكامل آلاتها و أدواتها، فتم تركيبها في أواخر شعبان من السنة التالية، و يبلغ عدد اللمبات الكهربائية بالمسجد الحرام من كافة الجهات نحو ألف و ثلاثمائة لمبة على اختلاف أحجامها و تفاوت قواتها. انتهى.

نقول: و لا يزال المسجد الحرام إلى يومنا هذا يضاء بالكهرباء، و قد استبدلت الشمعدانات الست التي كانت على جدار حجر إسماعيل التي لكل منها ثلاثة أغصان المذكورة هنا بخمس شمعدانات من النحاس الأصفر فوق كل شمعدان فانوس واحد يضاء بالكهرباء و ذلك سنة (1375) هجرية. و لقد زادت فيه الإنارة الكهربائية زيادة عظيمة حتى صار الحرم الشريف باهرا بالأنوار حسا

37

و معنى، و ذلك منذ أن قام حضرات الفضلاء آل الجفّالي بإنارة بلدة مكة المشرفة عامة و المسجد الحرام خاصة بالكهرباء و شركتهم تسمى ب" الشركة السعودية للكهرباء". و قد كانت إنارة المسجد الحرام بأكمله بالمصابيح الكهربائية عند غروب الشمس من يوم الخميس 14 شهر صفر عام (1373) ثلاث و سبعون و ثلاثمائة و ألف. و إن شاء اللّه سيأتي الكلام عن اختراع الكهرباء.

الحرائق في المسجد الحرام الحريق الأول للمسجد الحرام‏

لقد احترق المسجد الحرام بمكة المكرمة مرة واحدة فقط، و ذلك قبل تجديد بناء المسجد الحرام بالقباب، أي أنه احترق في سنة (802) اثنتين و ثمانمائة هجرية، ظهرت نار من رباط" رامشت"، بالجانب الغربي من المسجد الحرام، فتعلقت بسقف المسجد، و مشى الحريق من الجانب الغربي إلى الجانب الشامي (أي الشمالي) و انتهى الحريق إلى باب دار الصحابة، (أي عند باب الباسطية).

و لقد ذكر بعض المؤرخين هذا الحريق، فقال الفاسي في" شفاء الغرام" عن احتراق المسجد الحرام عند الكلام على ربط مكة المشرفة ما يأتي:

و منها رباط رامشت عند باب الحزورة (أي باب الوداع) و رامشت هو الشيخ أبو القاسم و اسمه إبراهيم بن الحسين الفاسي، وقفه على جميع الصوفية الرجال دون النساء أصحاب المرقعة من سائر العراق، و تاريخه سنة تسع و عشرين و خمسمائة، ظفرت بنسخة كتاب وقفه، و كان قد احترق جانب كبير من هذا الرباط في الليلة التي احترق فيها المسجد الحرام، و هي ليلة الثامن و العشرين من شوال سنة اثنتين و ثمانمائة.

و أول ما كان الحريق في البيت الذي على بابه الذي بالمسجد، ثم خرجت النار من شباكه حتى تعلّقت بسطح المسجد، ثم وفّق اللّه غير واحد للتقرب بعمارته، فعمّر منه جانب كبير من سفله، الذي يلي المسجد، و بعض المجمع الذي فوقه، ثم صرف الشريف حسن بن عجلان أمير مكة مائتي مثقال ذهبا لعمارته، في أوائل سنة ثمان عشرة و ثمانمائة، فعمّر بها جميع ما كان محترقا من الرباط المذكور، من البيوت العلوية، و غير ذلك مما يحتاج إلى العمارة علوا و سفلا،

38

و صرف من ذلك جانبا فيما يحتاج إليه أمن أبواب بيوت الرباط، و غير ذلك من مصالحه، و جاءت عمارته حسنة. انتهى من شفاء الغرام.

و جاء تفصيل هذا الحادث في كتاب" تاريخ عمارة المسجد الحرام" للشيخ باسلامة فقال (رحمه اللّه تعالى) عنه ما نصه:

مضى على عمارة الخليفة المهدي للمسجد الحرام ستمائة و ثمان و ثلاثون سنة، و هو عروس زمانه، و مفخرة المسلمين، يمثّل عظمة العصر الذي تشيّد فيه، و ضخامة الدولة، التي أنشأته على تلك الصفة، من متانة بنيانه، و بهجة منظره، و جمال رونقه، و بديع زخرفه، لم يعتريه خراب طيلة هذه المدة إلا ما كان من حدوث شي‏ء بسيط ناجم عن انهيار دار زبيدة زوج الرشيد عليه، فنتج من سقوطها عمودين من الجهة الغربية كما تقدم.

حتى كانت ليلة السبت الثامن و العشرين من شهر شوال سنة (802) اثنتين و ثمانمائة ظهرت نار من رباط" رامشت"، الواقع بين باب إبراهيم، و باب الوداع، في الجهة الغربية من المسجد الحرام، و رامشت هو الشيخ أبو القاسم إبراهيم بن الحسين الفارسي قد وقف هذا الرباط على رجال الصوفية في سنة (529)، و سبب ذلك: أنه ترك بعض السكان الخلاوي سراجا موقدا في خلوته و برز عنها، فسحبت الفأرة الفويسقة فتيلة السراج منه إلى خارجه، فاحترقت الخلوة، و اشتعل اللهب في سقف الخلوة، و خرج من شباكها المشرف على المسجد الحرام، و اتصل بسقفه، و التهب به، و عجز الناس عن إطفائه لعلوه، و عدم وصول اليد إليه، فعمّ الحريق الجانب الغربي من المسجد الحرام، و استمرت النار تأكل من السقف و تسير، و لم يتمكّن الناس من إطفائها لعدم الوصول إليها بوجه من الوجوه، إلى أن وصل الحريق إلى الجانب الشمالي، و استمر يأكل من سقف الجانب الشمالي إلى أن انتهى إلى باب العجلة (باب الباسطية).

و كان من لطف اللّه تعالى بإخماد تلك النار المؤججة، أنه كانت هناك أسطوانتان هدمهما السيل العظيم المهول، الذي دخل المسجد الحرام في اليوم الثامن من جمادى الأولى من تلك السنة، بما عليها من عقود و سقوف عند باب العجلة، فكان ذلك هو السبب الوحيد لوقوف الحريق عند ذلك الحد، حيث ذلك السقوط كان فصل النار من الاتصال بباقي سقف المسجد الحرام، و بذلك سلم باقي السقف، فصار ما احترق من المسجد الحرام أكواما عظاما، تمنع من وراءها،

39

من رؤية الكعبة الشريفة، و من الصلاة أيضا في ذلك الجانب من المسجد الحرام.

هذا حاصل ما ذكره مؤرخوا مكة من حادثة الحريق المذكور.

و جاء في" الإعلام" نقلا عن ذيل دول الإسلام للحافظ السخاوي خلاصة ما تقدم ذكره، و زاد عليه بقوله: و احترق من العمد الرخام مائة و ثلاثون عمودا صارت كلها كلسا، و لم يتفق فيما مضى مثله. قال الفاسي: ثم قدّر اللّه تعالى عمارة ذلك في مدة يسيرة على يد الأمير بيسق الظاهري، و كان قدومه إلى مكة لذلك في موسم سنة (803) ثلاث و ثمانمائة، و كان هو أمير الحاج المصري و تخلّف بمكة بعد الحج لتعمير المسجد الحرام، فلما رحل الحجاج من مكة شرع في تنتظيف المسجد الشريف من تلك الأكوام التراب، و حفر الأرض و كشف عن أساس المسجد الحرام، و عن أساس الأسطوانات، في الجانب الغربي من المسجد، و بعض الجانب الشامي منه، إلى باب العجلة، فظهر أساس الأسطوانات، مثل تقطيع الصليب، تحت كل أسطوانة، فبناها و أحكم تلك الأساسات على هيئة بيوت الشطرنج تحت الأرض، و بناها حتى رفعها إلى وجه الأرض، على أشكال زوايا قديمة، و قطع من جبل بالشبيكة على يمين الداخل إلى مكة. و هذا الجبل يسمى في العصر الحاضر (جبل الكعبة) حيث كانت حارة الباب و الشبيكة حارة واحدة قبل انفصالهما: أحجارا صوانا صلبة منحوتة على شكل نصف دائرة، يصير على آخر منحوت مثله دائرة تامة، في سمك ثلثي ذراع، و صففت على قاعدة مربّعة منحوتة على محل التقاطع الصليبي، على وجه الأساس المرتفع على الأرض، و وضع عليها دائرة أخرى مثل الأولى، و وضع بينهما بالطول عمود حديد منحوت له بين الحجرين المدوّرين، و سبك على جميع ذلك بالرصاص، إلى أن انتهى طوله إلى طول أساطين المسجد، فيوضع عليه حجر منحوت من المرمر، هو قاعدة ذينك العمودين، من فوق طاق يعقد إلى العامود الآخر، و بني ما بين ذلك بالآجر و الجص إلى أن يصل إلى السقف.

و سار على ذلك المنوال إلى أن تم الجانب الغربي من المسجد الحرام على هذا الحكم. و بقيت من عمد الرخام، التي تحطّمت من الحريق و الهدم، فأوصلوها بالصفائح من الحديد إلى أن تم الجانب الشامي و اتصل بالجانب الغربي، و ذلك لعدم القدرة على إيجاد الأعمدة الرخام، فصارت الجوانب الثلاثة من المسجد الحرام بأعمدة الرخام، و الجانب الغربي وحده بالأعمدة المعمولة بالحجر الصوان‏

40

المنحوت، المدوّر على شكل عمد الرخام. و كملت هذه الأعمدة في أواخر شعبان سنة (804) و لم يبق غير عمل السقف، فأخّر عمله لعدم وجود خشب بمكة يصلح لذلك، حيث لا يوجد غير خشب الدوم، و خشب العرعر، و ليس لذلك الخشب طول و لا قوة، و يحتاج الأمر إلى خشب الساج و هو لا يوجد إلا بالهند، أو خشب الصنوبر و هو لا يوجد إلا في بلاد الروم، فاضطر الأمر إلى تأخير السقف لحينما يجلب الخشب اللازم لذلك من أي القطرين.

و شكر الناس الأمير بيسق على سرعة إتمام هذا القدر من العمل في هذه المدة اليسيرة و مبادرته إلى تنظيف المسجد الحرام و جعله صالحا للصلاة فيه، و كان ذا همّة عالية و حسن توجه، و كان كثير الصدقة و الإحسان، ثم حج الأمير بيسق في ذلك العام و عاد إلى مصر، لتجهيز ما يحتاج إليه من الخشب، لإكمال سقف المسجد الحرام، فوصل إلى مصر في أوائل سنة (805) هجرية.

ثم في سنة (807) قدم إلى مكة الأمير بيسق، لعمارة سقف الجانب الغربي من المسجد الحرام مما تشعّب من سقف المسجد الحرام، من بقية الجوانب الأخرى، فنهض إلى هذه الخدمة الشريفة و المنقبة الكبيرة، التي خلّدها التاريخ له، طيلة هذه القرون، و ذلك بعد أن أحضر الأخشاب المناسبة لذلك، و جلبها من بلاد الروم، و هيّأها للسقف، و نقشها بالألوان و زوّقها، و استعان أيضا بكثير من خشب العرعر، الذي يؤتى به من جبال الطائف، من جهة الحجاز، لعدم كفاية الخشب الذي أتى به، و بذل همته و اجتهاده إلى أن سقف جميع الجانب الغربي من المسجد الحرام، و الجانب الشامي إلى باب العجلة، فتمّ عمارة المسجد الحرام على تلك الصورة، و علّق في تلك السقوف سلاسل من نحاس و حديد، لتعليق القناديل في الرواق الوسطاني، من الأروقة الثلاثة، على حكم سائر المسجد الحرام. غير أن الجانب الشرقي، و اليماني، و أكثر الشامي إلى باب العجلة، كان في كل عقد من العقود، التي على صحن المسجد الشريف، ثلاث سلاسل: أحدها في وسط كل عقد، و الثاني عن يمينه، و الثالث عن شماله، لتعليق القناديل، كما أنه كان بالجانب الغربي، قبل احتراقه مثلها، فلما عمر لم تعلّق فيه السلاسل على حسب ما كان فيه سابقا، بل علّق فيه حسبما تقدم ذكره، و عمر مع ذلك في الجوانب الثلاثة من المسجد الحرام مواضع كثيرة من سقفها، كان قد انكسر أعوادها و أتقن عملها. و عمّر في صحن المسجد من المقامات الأربعة، على الهيئة القديمة، و بذل‏

41

في ذلك الأموال العظيمة، و تم ذلك في سنة (807) في أيام الناصر زين الدين أبي السعادات فرج بن برقوق بن آنص الجركسي، ثاني ملوك الجراكسة. و أما رباط" رامشت"، الذي صدر منه الحريق، فقد عمره أمير مكة يومئذ الشريف حسن بن عجلان، و جعله رباطا للفقراء كما كان، و صرف عليه من ماله إلى أن عاد أحسن من الأول.

هذا حاصل ما ذكره التقي الفاسي، و القاضي ابن ظهيرة، و قطب الدين الحنفي في" الإعلام" و غيرهم. فظهر لنا مما تقدم، أن ملوك الجراكسة، الذين هم ملوك مصر، في ذلك العصر، لم يكن في استطاعتهم نقل الأساطين المرمر الرخام من مصر إلى مكة المكرمة، لأجل أن يضعوها في المواضع، التي احترقت بالمسجد الحرام، كما فعل ذلك الوليد بن عبد الملك، و أبو جعفر المنصور و محمد المهدي العباسي، و لو كان في استطاعتهم لما تأخروا عن نقلها. و هذا أعظم دليل على قوة عزم الخلفاء الأمويين و العباسيين، أولئك الذين هم غرة جبين ملوك الإسلام، حيث من أتى بعدهم من الملوك، سواء كانوا عربا أو عجما، لم يصلوا من القوة و العزم إلى ما وصل إليه الأمويون و العباسيون، و سيأتي ما يؤيد ذلك من خبر عمارة سلاطين آل عثمان للمسجد الحرام، و هي العمارة التي لا تزال إلى العصر الحاضر، فإنهم رغما عن أن عمارتهم للمسجد الحرام كانت على غاية من المتانة و الإتقان إلا أنهم لم يأتوا بالأساطين الرخام من مصر أو الشام، لإكمال ما نقص من الأساطين الرخام، فقد عملوا عوضا عنها الأعمدة الثخينة المثمّنة و المسدسة و المربّعة، و بنوها بالحجر المنحوت من الصوان و الشميسي، مع أن مصر و الشام، في ذلك العصر، كانتا من ضمن ممالكهم، و ربما كانت أدوات النقل في عصرهم أرقى مما كانت في العصرين الأموي و العباسي و اللّه أعلم.

انتهى من" تاريخ عمارة المسجد الحرام" للشيخ باسلامة (رحمه اللّه تعالى).

عمارة المسجد الحرام بالقباب بشكله الحاضر في زماننا

تقدم أن الخليفة" محمد المهدي العباسي"، (رحمه اللّه تعالى)، و أجزل ثوابه، هو الذي وسّع المسجد الحرام، هذه التوسعة العظيمة، و هو الذي جعله مربعا بشكله الحاضر اليوم، و ذلك في توسعته الثانية التي بدأت سنة (164) أربع و ستين و مائة من الهجرة، و أنه (رحمه اللّه تعالى)، أمر بجلب الأساطين و الأعمدة الرخام من الشام‏

42

و مصر، فنقلت بحرا إلى أن وصلت إلى" جدة" يعني إلى الشعيبة، التي بقربها و جوارها حيث كانت ساحلا لمكة منذ أيام الجاهلية، و منها حمّلت تلك الأساطين و الأعمدة الرخام إلى مكة، شرفها اللّه تعالى، بواسطة العربات ذوات العجل.

و قد جعل (رحمه اللّه تعالى) للمسجد الحرام سقفين: السقف الأول كان من الدوم اليماني، و السقف الثاني كان من خشب الساج. و قد نقشه بالنقر على نفس الخشب، و زخرفه بالذهب و الألوان، حتى صار آية في الجمال. و كان ما بين السقف الأول و السقف الثاني، فرجة قدر الذراعين تقريبا، و كان السقف الأعلى مطبطبا، أي مجصّصا بالتراب و النورة، لحفظه من ماء المطر. و قد تقدم عند الكلام على بنائه سبب جعل سقفين للمسجد الحرام. و كان وقوف الأساطين و الأعمدة بواسطة بناء العقود على رؤوسها، لكن لم يكن عليها قباب، و إنما جعل السطح مستويا، من الخشب القوي الجيد، مطبطبا بالنورة، فيكون بناء الخليفة" محمد المهدي" للمسجد الحرام كبناء مسجد الشافعي بجدة و الجامع الأزهر بمصر القاهرة في عصرنا الحاضر.

قال الشيخ حسين باسلامة في كتابه" تاريخ عمارة المسجد الحرام": و قد ذكر العمري في مسالك الأبصار: ارتفاع جدار المسجد الحرام" أي في عمارة محمد المهدي" و لم يذكره أحد ممن وقفت على تواريخهم و إتماما للفائدة نذكرها فقال:

و ارتفاع جداره في السماء مما يلي المسعى ثمانية عشر ذراعا، و مما يلي الوادي و الصفا اثنان و عشرون ذراعا، و مما يلي باب بني جمح" و هو المسمى الآن بباب العمرة" اثنان و عشرون ذراعا، و مما يلي دار الندوة سبعة عشر ذراعا و نصف.

انتهى.

قال الشيخ حسين باسلامة، (رحمه اللّه تعالى): و هذا يدل على أن أرض المسجد الحرام لم تكن متساوية، و أما ارتفاع السقف فهو واحد في عموم جهات المسجد الحرام الأربعة، و اللّه تعالى أعلم. اه.

نقول: هذا كلام مطابق للحقيقة فأرض مكة كلها غير متساوية، لكونها جبلية و صخرية. ففي بعض الجهات عالية و في بعضها منخفضة، و فيها بل في كل محلة و مكان، مرتفعات و منحدرات من أصل الخلقة، و ما نراه من الشوارع و المحلات المستوية فقد عمل بفعل فاعل.

43

و لقد بقيت عمارة" محمد المهدي" على حالها من سنة (164) هجرية إلى سنة (980) أي دامت عمارته ثمانمائة و ست عشرة سنة. ففي هذه السنة تجدد عمارة المسجد الحرام بالقباب، على هذه الصفة الموجودة في وقتنا الحاضر، أي دامت عمارة" محمد المهدي" ثمانمائة و ست عشرة تماما، و بطبيعة الحال، لا بد أنه حصل في عمارته ما يوجب إصلاحه و تقويته، كما حصل في العمارة الجديدة، التي بالقباب، إصلاحات أيضا، و هذا سنة الكون. و كان تجديد بناء المسجد الحرام بالقباب في زمن العلامة المؤرخ قطب الدين الحنفي صاحب كتاب" الإعلام بتاريخ بيت اللّه الحرام" المتوفى سنة (988) هجرية، (رحمه اللّه تعالى).

و اعلم: أن السبب في تجديد عمارة المسجد الحرام، و بنائه بالقباب، كما هو في وقتنا الحاضر، هو: أن الرواق الشرقي مال إلى جهة الكعبة المشرفة، بحيث برزت رؤوس خشب السقف الثاني عن محلّها، من جدار المسجد الحرام بنحو ذراع، و المراد بالرواق الشرقي هو من بعد باب علي إلى قرب باب السلام، و قد مال وجه الرواق الشرقي إلى صحن المسجد، أي إلى جهة الحصوة ميلا بيّنا واضحا حتى خشوا سقوطه.

فرفعوا الأمر إلى خليفة المسلمين إذ ذاك و هو السلطان سليم خان ابن السلطان سليمان خان، فأمر (رحمه اللّه تعالى) بتجديد بناء المسجد الحرام جميعه، بناء محكما متقنا، و أن يكون سطحه قبابا قوية، بدلا عن السقفين الخشبيّين. فشرعوا في منتصف شهر ربيع الأول سنة (980) تسعمائة و ثمانين من الهجرة. و قد استمرّ العمل أربع سنوات، فتم على أكمل وجه. و هذه العمارة لا زالت باقية بقوتها و متانتها إلى يومنا هذا، فرحم اللّه الأقدمين الذين كانوا مخلصين، في أعمالهم، غاية الإخلاص، بدون غش و لا تدليس.

هذا و لقد يرى القارئ الكريم في تاريخ القطبي، عند الكلام على هذه العمارة قوله:" بحيث برزت رؤوس خشب السقف الثالث منه" فقوله:" السقف الثالث" خطأ من الناسخ و غلطة مطبعية، و الصحيح:" السقف الثاني" حيث لم يكن للمسجد الحرام سقف ثالث و إنما كان له سقفان فقط. و حصل مثل هذا الخطأ أيضا في كتاب" تاريخ المسجد الحرام" للشيخ حسين باسلامة، فإنه (رحمه اللّه تعالى)، نقل عن تاريخ القطبي و لم ينتبه لهذه الغلطة، فتأمّل.

44

و هنا يستحسن أن نذكر ما أورد العلامة القطبي المكي، في تاريخه عن هذه العمارة الجديدة للمسجد الحرام و بنائه بالقباب، لأن هذه العمارة وقعت قبل وفاته بنحو عشرة أعوام، فهو أعرف بها من غيره من المؤرخين، فقد قال (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه ما نصه:

اعلم أن عمارة المسجد الحرام، زاده اللّه تعالى شرفا و تعظيما و مهابة و تكريما، من أعظم مزايا الملوك و الخلفاء، و أشراف أكابر السلاطين العظماء، و قد يسر اللّه تعالى ذلك لسلاطين آل عثمان، أيد اللّه تعالى نصرهم، و خلد سعادتهم مدى الزمان، فوقع الشروع فيها في أيام السلطان الأعظم، و الخاقان الأكرم الأفخم، خليفة اللّه في أرضه، القائم بإقامة سنّته و فرضه، ملك البرّين و البحرين، سلطان الروم و الترك و العرب و العجم و العراقين، و صاحب المشرقين و المغربين، خادم الحرمين الشريفين المحترمين، عامر البلدين المكرّمين المنيفين، واسطة عقد ملوك بني عثمان، السلطان سليم خان ابن السلطان سليمان خان، أمطر اللّه تربتهما سحائب الرحمة و الرضوان، و جعل قبرهما روضة من رياض الجنان، و جعل السلطنة كلمة باقية في عقبهما إلى يوم الحشر و الميزان.

إلى أن يعود العارضان كلاهما* * * و يحشر في القتلى كليب لوائد

و سبب الأمر الشريف بتعمير المسجد الحرام، أن الرواق الشرقي، مال نحو الكعبة الشريفة، بحيث برزت رؤوس خشب السقف الثاني منه، عن محل تركيبها من جدر المسجد، و ذلك الجدر هو جدر مدرسة السلطان قايتباي، و جدر مدرسة الأفضلية، التي هي الآن من أوقاف المرحوم ابن عباد اللّه، في شرقي المسجد الحرام، و فارق خشب السقف عن موضع تركيبه في المذكور أكثر من ذراع، و مال وجه الرواق إلى صحن المسجد ميلا ظاهرا بيّنا، و صار نظار الحرم الشريف يصلحون المحل الذي قد فارق خشب السقف، إما بتبديل الخشب بأطول منه أو بنحو ذلك من العلاج، و أما الرواق الذي ظهر ميله إلى صحن المسجد، فترّسوا بأخشاب كبار حفروا لها في المسجد يمسكه عن السقوط، و استمرّ الرواق الشرقي متماسكا، على الأسلوب المتقدم في أواخر دولة المرحوم السلطان سليمان خان و صدرا من دولة المرحوم السلطان سليم خان.

ثم لما أفحش ميلان الرواق المذكور، عرض ذلك على الأبواب الشريفة السلطانية السليمية، سنة تسع و سبعين و تسعمائة، فبرز الأمر الشريف السلطاني‏

45

بالمبادرة إلى بناء المسجد الحرام جميعه، على وجه الإتقان و الإحكام، و أن يجعل عوض السقف الشريف قببا دائرة بأروقة المسجد الحرام، ليأمن من التآكل، فإن خشب السقف كان متآكلا من جانب طرفيه بطول العمد، و كان يحتاج بعض السقف إلى تبديل خشبة بخشبة أخرى من كل قليل، إذ لا بقاء للخشب زمانا طويلا، مع تكسر بعضه.

و كان له- أي للمسجد- سقفان بين كل سقف نحو ذراعين بذراع العمل، و صار ما بين السقفين مأوى للحيات و الطيور، فكان من أحسن الرأي تبديلها بالقبب، لتمكنها و دفع مواد الضرر عنها، و وصلت أحكام شريفة سلطانية إلى بكلربكي مصر يومئذ" الوزير المعظم و المشير المفخّم حضرة سنان باشا"، أدام اللّه تعالى سعادته و إقباله، و ضاعف عظمته و إجلاله، أن يعيّن لهذه الخدمة من أمراء السناجق المستحفظين بمصر، من يخرج من عهدة هذه الخدمة الشريفة، و يكون في غاية الديانة و الأمانة و المعرفة و الخير و الصلاح.

فأمر البكلربكي يومئذ و هو سنان باشا أمراء مصر أن يقبلوا هذه الخدمة، فما أقدم أحد على تلقيها بالقبول، لكثرة مشقّتها و اشتغالهم بأمور دنياهم، و التوغّل فيما يعود عليهم نفعه عاجلا من غير مشقة.

نقول: إن الكلمة المتقدمة" بكلربكي" هي كلمة تركية تدل على حسب اصطلاح زماننا على" رئيس البكوات" و هو حاكم مصر من قبل الدولة التركية كما هو ظاهر من كلامه، و" البيك" بكسر الباء و" الباشا" من ألقاب الحكومة التركية تعطى للكبراء و الممتازين من رجالها، ثم بطل استعمال هذه الألقاب لديهم منذ أن صارت تركيا جمهورية، و كذلك الحال في الحكومة المصرية فقد كانت هذه الألقاب مستعملة لديها إلى أن قاموا بثورتهم المعروفة في سنة (1371) هجرية.

ثم قال القطبي: و كان من جملة الأمراء المحافظين بمصر كتخداي المرحوم اسكندر باشا الجركسي بكلربكي مصر سابقا، أفخر الأمراء العظماء و الكبراء ذوي الإحترام" أحمد بك" بارك اللّه فيه و في ذويه، و أناله من خيري الدنيا و الآخرة ما يرتجيه، و كان ممن اجتمع فيه هذه الخصال المحمودة المطلوبة، من حب الخير و التوجه إلى اللّه تعالى و قلّة الميل إلى الدنيا و زخارفها، و الميل إلى الفقراء و الضعفاء

46

و العلماء، و التواضع مع الناس و حب المعدلة و الاستقامة، مع صدق الخدمة و كمال الديانة، و الأمانة و الإقدام، و علو الهمة و وفور الاهتمام.

فطلب منه حضرة الوزير المشار إليه هذه الخدمة الشريفة، و أضيف إليه عمل بقية دبل عين عرفات، من الأبطح إلى آخر المسفلة بمكة المشرفة. فإن السلطنة الشريفة أمرت أن يبنى لها دبل مستقل و لا تجري في دبل عين حنين، فعينت هذه الخدمة أيضا للأمير أحمد المذكور، و عرض له ذلك إلى الباب الشريف العالي، فوردت الأحكام السلطانية الشريفة له بذلك، حسب ما عرض له، و أضيف إلى الخدمة سنجق جدة المعمورة تعظيما لشأنه و توفيرا لقدره و مكانه.

و بعد ورود الأحكام الشريفة السلطانية إليه، أخذ في أهبة السفر و توجّه من مصر، عن طريق البحر، إلى بندر جدة، ثم وصل إلى مكة، شرفها اللّه تعالى، في أواخر سنة تسع و سبعين و تسعمائة، مهتما غاية الاهتمام، سائلا من اللّه تعالى الإعانة و الإمداد التام، و كانت الأوامر الشريفة السلطانية، و المتكلم عليه، من جانب السلطانية المنيفة الخاقانية، هو سيدنا و مولانا ناظر المسجد الحرام و مدرّس مدرسة أعظم سلاطين الأنام، بدر الملّة و الدين، حسين الحسيني، خلّد اللّه سعادته، ففرح بهذه الخدمة الشريفة الفرح التام، و شدّ مناطق حزمه، على مناطق عزمه، و قام له في ذلك أحسن قيام، و حصل بين مولانا الناظر و الأمير أحمد المشار إليه كمال الملاءمة و الاتفاق، و بذلك يحصل تمام النجاح و الاتفاق، و جرت عادة اللّه أن الخير كله في الوفاق، و الشر جميعه في الشقاق، و لم يكن الرفق في شي‏ء إلا زانه، و لم يكن العنف في أمر إلا شانه، و من أراد الرفق بعباد اللّه وفّق اللّه تعالى به و أعانه.

و وصل لهذه العمارة الشريفة معمار دقيق الأنظار، جليل الآثار، تقدّم له مباشرة الأبنية العظيمة، و حصلت له بالتجربة خبرة تامة و معرفة مستقيمة، أجمع المهندسون على تقدمه في هذه الصناعة، و دقّة نظره في لوازم هذه البضاعة، اسمه المعمار محمد جاويش الديوان العالي، و هو إنسان من أهل الخير، عظيم الأمانة، كثير الديانة، مستقيم الرأي، منوّر الباطن، مشكور السيرة، زاد اللّه توفيقه و أرشد طريقه.

فاتفق الناظر و الأمير و المعمار على الشروع في هدم ما يجب هدمه، إلى أن يوصل إلى الأساس، فشرع أولا في إكمال الدبل المستقل، لإجراء عين عرفات،

47

و البناء من جهة المدعى، ثم من جهة سويقة، ثم انعطف به إلى السوق الصغير و أكمله إلى منتهاه، و بنى قبة في الأبطح، جعل فيها مقسّم ماء عرفات، و ركّب في جداره بزابيز من النحاس، يشرب منها الماء، ثم بنى مسجدا و سبيلا، و حوض ماء للدواب، على يمين الصاعد إلى الأبطح، في قبلي بستان بيرم خوجة الصابر، إلى المرحومة الخاصكية أم سلاطين، طاب ثراها، و بنى مسجدا آخر و سبيلا و متوضأ، في انتهاء سوق المعلاة على يسار الصاعد، و كل ذلك من أعمال الخير الجارية النافعة للمسلمين، و عرض ذلك على أبواب السلطنة الشريفة، فأنعمت، على الأمير المشار إليه، بسبعين ألف عثماني ترقيا في علوفته في مقابلة هذه الخدمة.

ثم شرع في تجديد أروقة الحرم الشريف، بدأ فيه بالهدم من جهة باب السلام، في منتصف ربيع الأول سنة ثمانين و تسعمائة، و أخذت المعاول تعاول في رأس شرفات المسجد و طبطاب سقفه، إلى أن ينكشف السقف، فتنزل أخشابه إلى الأرض، و تجمع في صحن المسجد الشريف، و ينظّف الأرض من نقض البناء و أتربته، و يحمل على الدواب و يرمى في أسفل مكة، في ناحية جبل الفلق، ثم تقام الأساطين الرخام، إلى أن تنزل بالرفق إلى الأرض. و استمروا في هذا العمل إلى أن نظفوا وجه الأرض من ذلك، من باب علي إلى باب السلام، و هو الجانب الشرقي من المسجد، ثم كشفوا عن أساسه فوجدوه مختلا، فأخرجوا الأساس، و كان جدارا عريضا نازلا في الأرض، على هيئة بيوت رقعة الشطرنج، و كان موضع تقاطع الجدران، على وجه الأرض، قاعدة تركيب الأسطوانة على تلك القاعدة، فشرع أولا في موضع الأساس، على وجه الإحكام و الإتقان، من جانب باب السلام لست مضين من جمادى الأولى سنة ثمانين و تسعمائة، و اجتمعت الأشراف و الكبراء و الأمراء و الفقراء و المشايخ و الصلحاء، تبركا و تيمّنا، بالحضور في هذا الخير العظيم، و قرئت الفواتح بالإخلاص من سويداء القلب الصميم، و ذبحت الأبقار و الأنعام و الأغنام، و تصدق بها على الفقراء و الخدم، و وضع الأساس المبارك، بإعانة اللّه تبارك و تعالى، و كان يوما مباركا مشهودا متيمنا ميمونا مسعودا، و للّه الحمد على هذا الإكرام، و له الشكر و الثناء الحسن في المبدأ و الختام.

48

و كانت الأساطين، المبنية سابقا، على نسق واحد في جميع الأروقة، فظهر لهم أن ذلك الوضع لا يقوى على تركيب القبب عليها، لقلّة استحكامها، إذ القبة يجب أن يكون لها دعائم أربعة قوية تحملها من جوانبها الأربع، فرأوا أن يدخلوا بين أساطين الرخام الأبيض دعامات أخرى تبنى من الحجر الشميسي، يكون سمكها مقدار سمك أربع أسطوانات من الرخام، ليكون مقيما لها من كل جانب، فتقوى على تركيب القبب من فوقها، و يكون كل صنف من أساطين الأروقة الثلاثة في غاية الزينة و القوة.

ففي أول ركن من الرواق الأول دعامة قوية مبنية من الحجر الشميسي، ثم أسطوانة رخام كذلك، ثم دعامة من الحجر الأصفر الشميسي، و على هذا المنوال إلى آخر هذا الصف من أساطين الرواق، ثم الصف الثاني من الرواق الثاني كذلك على هذا المنوال إلى آخر هذا الصف من أساطين الرواق، ثم الصف الثالث من الرواق الثالث على هذا المنوال، و بنيت القبب على تلك الدعائم و الأساطين في دور المسجد جميعه، و شرعوا من ركن المسجد الشريف، من جهة باب السلام، كما تقدم، و قاسوا تلك الصفوف بخط مستوي، و أزالوا ما كان قبل ذلك من الازورار و الاعوجاج، و الحجر الشميسي نسبة إلى شميس تصغير شمس جبل بقرب بئر شميسي، و هي حد الحرم من جانب جدة به جبيلات صفر، تكسّر منها هذه الأحجار، و تحمل إلى مكة مسافة ما دون ليلة.

فكان في إدخال هذه الدعامات الصفر، ما بين الأساطين البيض، حكمة أخرى غير الاستحكام و الزينة، و هي أن أساطين الرخام، الباقية من المسجد، كانت لا تفي بجوانبه الأربع، لأن الجانب الغربي احترقت أساطينه الرخام و سقفه، أيام الجراكسة، في دولة الناصر فرج بن برقوق في سنة اثنتين و ثمانمائة، و أرسل من أمرائه الأمير سيف الظاهري إلى مكة المشرفة فعمر الجانب الذي احترق من المسجد الحرام بالحجر الصوان المنحوت، كما قدمنا ذكر ذلك في محله، و صارت الجوانب الثلاثة من المسجد الحرام بالحجر و هي" الجانب الشرقي و الجانب اليماني و الجانب الشامي" على نسبة واحدة أساطينها من الرخام الأبيض.

و أما أساطين الجانب الغربي جميعها فمن قطع الحجارة المنحوتة من الحجر الصوان، غير مناسبة للجوانب الأخرى الآن، فبإدخال هذه الدعامات الصفر

49

صارت الأساطين كلها على نسبة واحدة، و هي أن كل ثلاث أساطين من الرخام الأبيض يكون رابعتها دعامة واحدة من الحجر الأصفر الشميسي، و ذلك في غالب الأروقة من الجوانب الأربع من المسجد الشريف، و كلها قائمة على أقدمها بغاية الإحكام، كأنها صفوف واقفة بالأدب، حول صحن مسجد بيت اللّه الحرام، من جهاته الأربع، و هي أعلى من الارتفاع السابق و أرفع، كأنها تنشد بلسان حالها مفتخرة على أمثالها بل تفوق على ما سواها و تطول:

إن الذي سمك السماء بنى لنا* * * بيتا دعائمه أعز و أطول‏

و استمر أمير العمارة الشريفة، حضرة الأمير أحمد المشار إليه، شكر اللّه سعيه و بارك له و عليه، في غاية بذل الجد و الاجتهاد، مقرون الحركة بالتوفيق و السداد، يتلطّف بالخدم و العمال، و يتفضل عليهم بأنواع الأفضال، و يوصلهم أجورهم كاملة لا يقتطع منها مقتطعا من أحد، و لا يضر بحالة، بل يزيدهم من عنده و يسامحهم بماله، مع كمال الدقة في الأموال السلطانية، و الحرص على حفظها و عدم التبذير فيها، و أما مال نفسه فيوسع به على الفقراء، و يبذل لهم و للخدام و العمال ما أراد، و يحسن إلى أهل البلاد، مع التواضع و حسن الخلق و لين الكلام، و مواساة الناس في جميع المهام، و المشي في تشييع الجنائز معهم، و عيادة مرضاهم و سلام القدوم و استجلاب رضاهم، بحيث ترك عظمة الإمارة، و صار من جملة فقراء الناس، لكثرة تواضعه، فأحبّه الناس و حمدوه، و شكروا جميله و إحسانه، و ذكروا كثرة تجمله و لطفه، و لقد جاءني إلى منزلي متفضلا مرارا، و أنا من آحاد الفقهاء، بل من أدنى الفقراء، و ما فعل ذلك إلا محبة في اللّه أحبه اللّه، لا لأمر يناله مني، فإنه أجل قدرا و أعظم خطرا من ذلك، و ما ذكرته إلا ليعلم حسن تواضعه و تخلّقه، و تلبّسه بالأوصاف الجميلة و تحققه، فلا جرم أن اللّه تعالى وفقه لهذه الخدمة السنية الفاخرة، و أتمّ عمل هذا الخير العظيم على يده، فيكفيه ذلك سعادة في الدنيا و الآخرة، فكم من وزير كبير نبيل، بل ملك عظيم جليل، يتمنى الوقوف في هذه الخدمة مع جلالته، و يعدها من أكبر سعادة دنياه و آخرته، و ما قدّرها اللّه تعالى إلا لمن ظهرت العناية الأزليّة في حقه، فاختاره اللّه تعالى لذلك من بين عباده و اصطفاه من خلقه، و هو هذا الأمير الكريم الصفات، فاللّه تعالى يعينه على فعل الخيرات، و يسدّده في أفعاله و أقواله، و يوفقه للباقيات الصالحات، فلما كمل جانبان من المسجد، و هما الجانب الشرقي و الجانب الشمالي، و حصل خبر انتقال حضرة السلطان سليم إلى دار النعيم، (رحمه اللّه) و طيّب ثراه و أحسن‏

50

إليه في الدار الآخرة، استمر الأمير أحمد، المشار إليه، أحسن اللّه تعالى إليه في عمله المبرور، و فعله المعمور، بالمعمور مستعينا باللّه ولي الأمور.

ثم قال القطبي، بعد ذكر وفاة السلطان سليم، (رحمه اللّه تعالى)، و تولية ابنه السلطان مراد بن سليم على عرش السلطنة: كان أول عمل عمله اهتمامه بتكملة عمارة المسجد الحرام، فبرز أمره الشريف العالي إلى أمير العمارة الشريفة، المشار إليه سابقا، افتخار الأمراء الكرام" أحمد بك" أن يبذل جدّه و جهده في بناء المسجد الحرام، و يسرع في إنجاز عمارته بكمال السعي و الاهتمام. فبادر الأمير المشار إليه، إلى بذل الجد و الاجتهاد، و توجّه بكليته إلى إتمام تمام العمارة في خير البلاد، فأعانه اللّه على إتمامها، و مدّ بذلك سائر خدامها، إلى أن تم بناء الجانبين الغربي و الجنوبي من المسجد الحرام، بجميع شرافاته و أبوابه و درجاته، من داخل المسجد الحرام و خارجه، في أيام هذا السلطان الأعظم الأكرم، خلد اللّه ملكه الأقوم، و أيد سلطانه الأفخم، و أفاض عليه سوابغ الفضل و النعم، فتمّ و للّه الحمد بسعد طالعه السعيد كل هذا على الوجه الحميد، بحسن توجهه الشريف و قوة عزمه المشيد، و كان ذلك في آخر سنة أربع و ثمانين و تسعمائة، و صار المسجد الحرام نزهة للناظر و بغية للخاطر، و جلاء للنواظر، و صفاء للقلوب و الخواطر، بحيث ما عمّره الخلفاء العباسيون قبل ذلك لا يحسن عنده أن يذكر و يوصف، لأن هذا البناء الشريف أمكن و أزين، و أعلى و أشرف، فكأنه الآن إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، بعقود عالية كأطواق الذهب في الأجياد، و قبب سامية كقباب الأقلال الشداد، و شرافات شريفة مشرفة على المهاد و الوهاد، بل أعلى و أشرف، و أجل و ألطف، و أرفع و أتحف، فبني ذلك بالرخام الأبيض المرمر، و الحجر الشميسي المنحوت الأصفر، كأنه سبك الذهب أو سبك العسجد و الجوهر، مكتوب على الأبواب، و صدور الأروقة آيات الكتاب، و الاسم السامي السلطاني المستطاب، بحلي الذهب بخط كسلاسل الذهب، على كل موضع ما يناسب من الآيات الشريفة القرآنية، و بالكتابة المنسوبة الفائقة الجميلة، و اختراع الفضلاء لذلك تواريخ عديدة بكل لسان، و اخترت أخصرها لأنه خير مساجد اللّه، ثم رأيت بعض الفضلاء جعل لهذه العمارة الشريفة تاريخا في بيت مفرد، فأعجبني نظمه لحسن سبكه و استيفاء المعنى فيه فذكرته و هو هذا البيت:

جدّد المسجد الحرام مراد* * * دام سلطانه و طال أوانه‏

51

ثم رأيت تاريخا جعله سيدنا و مولانا شيخ الإسلام، و ناظر المسجد الحرام، و مدرّس أعظم مدارس أعظم سلاطين الأنام، سيّد السادات العظام، بدر الملّة و الدين مولانا السيد القاضي" حسين الحسيني" قاضي المدينة المنورة سابقا، أدام اللّه إجلاله، و ضاعف فضله و إقباله، فأثبته هنا بحسن إنشائه و لطف مبناه، و سلامة لفظه و بلاغة معناه، و هو هذا باسمه سبحانه: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ لَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى‏ أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ‏. شرع في عمارة هذا الحرم الشريف و تجديده، من اختاره اللّه من خلفائه و عبيده، المقدّس المرحوم السعيد، المبرور المغفور له الشهيد، سلطان الإسلام و المسلمين، خاقان خواقين العالمين، المستظل بفضل اللّه في ظلال دار النعيم، حضره الملك الأعظم السلطان سليم، نوّر اللّه تعالى ضريحه، و روّح بروائح الجنان روحه، بناه و أكمله و أتقنه و حسّنه و جمّله، وارث الملك الأعظم الإمام الأفخم، الخليفة الأكبر الغطمطم، و الملك القاهر العرمرم، من ملّكه اللّه شرق البلاد و غربها، و جعل طوع يده بلاد عجم الرعايا و عربها، و أطلعه سراجا منيرا في المشارق و المغارب، و ملكا مرفوعا على هام الكواكب، و صيّره للإسلام حصنا محيطا، و جعل ظلّه المديد على كافة الناس بسيطا، و عدله الفريد في جميع الوجود مبسوطا، و قمع بسلطنته الشريفة طوائف الكفر و العناد، و جمع له بين الملك في الدنيا و الفوز في المعاد، خليفة اللّه على كافة العباد، و رحمة اللّه الشاملة لجميع البلاد، سلطان سلاطين الزمان، خلاصة آل عثمان، السلطان ابن السلطان ابن السلطان، الخنكار الأعظم" مراد" لا زال الوجود بدوام خلافته عامرا، و لا برح الإيمان في أيام سلطنته قويا ظاهرا، و زاده اللّه قوة و نصرا، و شد بملائكته الكرام أزرا، فتاريخ تمامه قد جاء (أطال اللّه لمن أتمه عمرا). انتهى من تاريخ القطبي.

نقول: الحقيقة أن بناء المساجد و غيرها بالعقود و القباب أقوى و أمتن بكثير من التسقيف بالأخشاب، و مثل العقود و القباب ما يسمى عندنا في الحجاز ب" الغمس" بضم فسكون، و هذا الغمس لا يكون إلا في بناء الدور الحجرية، و يكون في الطبقة السفلية منها، و لا يزال هذا الغمس موجودا إلى اليوم من بناء أهل الزمن القديم، و جميع البنايات المتصلة بالمسجد الحرام مبنية ب" الغمس" كخلاوي الزمازمة و ما تحت المحكمة الشرعية و مدرسة محمد باشا و مدرسة الداودية و مدرسة السليمانية و غيرها.

52

و مع الأسف قد بطل في عصرنا هذا استعمال البناء ب" الغمس" بتاتا، مع أنه قوي يحتمل مئات السنين كما هو مشاهد فيما بقي من البنايات القديمة، بل نعتقد أنه أقوى بكثير من البنايات المسلّحة بالحديد و الإسمنت.

ما كتب على جدار المسجد الحرام من الخارج من جهة المسعى‏

و لما تم تجديد عمارة المسجد الحرام، الذي أمر به السلطان سليم، و الذي أتمها بعد وفاته ابنه السلطان مراد، صدر الأمر السلطاني بكتابة نبذة في تاريخ تجديد هذه العمارة، فكتب هذا التاريخ في جدار المسجد الحرام من الخارج من جهة المسعى من الجهة الشرقية، أي من باب العباس إلى آخر باب علي.

و إليك نص الكتابة كما ذكرها العلامة القطبي في تاريخه و هو:

ثم ورد من الباب الشريف العالي تاريخ، منظومه كدر النحور و غرب البحور، و نثره كالدر المنثور و الزهر المنشور، بخطبة و تعريفات السلطان الأعظم، في آخره ثلاثة أبيات بالعربي لا أعلم من أبدعه و اخترعه، و أنشأه و نظمه و رصّعه، و ورد معه حكم شريف سلطاني، يتضمن الأمر بكتابته على بعض أبواب المسجد الحرام، فامتثل الأمر الشريف، و كتب هذا التاريخ البديع اللطيف، على باب سيدنا العباس إلى باب علي، رضي اللّه عنهما، في الجانب الشرقي من المسجد الحرام، و نقر له في الحجر الشميسي و طلي بحلي الذهب في ذلك المقام، ليقرأه الخاص و العام، و يبقى ذلك النقر في الحجر على صفحات الليالي و الأيام، و هو هذا:

الحمد للّه الذي أسس بنيان هذا الدين المتين بنبي الرحمة و الإرشاد، و خصّه بمزيد الفضل و الكرامة و الإسعاد، و جعل حرم مكة مطافا لطوائف الطائفين الحاجين من أقاصي البلاد، صلى اللّه عليه و على آله و أصحابه الأجلة الأمجاد، و وفق عبده المعتاد، بأحكام الأحكام الشريفة و تشييد أركانها على الوجه المراد، المدخر في ذخر الآخرة المزيد من زاد المعاد، أدام اللّه ظله الممدود على مفارق العباد، السلطان ابن السلطان ابن السلطان ابن السلطان" مراد" جعل اللّه الخلافة فيه و في أعقابه إلى يوم التناد، لتجديد معالم المسجد الحرام الذي سواء العاكف فيه و الباد، فتم في افتتاح سلطنته العظمى لا زال للحرمين المحترمين خادما، و لأساس الجور و الاعتساف هادما، بتجديد حرم بيت اللّه عز و جل، بأمره المعزّز المبجّل،

53

و عمر عامر جوده، ما تضعضع من أركانه، بعد ما كان ينقض عوالي جدارنه، فجدّد جدران البيت العتيق و سوره، بأكمل زينه و صوره، بعد ما أبلاه الجديدان، و أكل عيدان أرضها الأرضة والديدان، فرفع القباب، موضع السطوح المبنية بالأخشاب و ابتهج بهذه الحسنة الكبرى كل شيخ و شاب فأذعنوا له بالشرف الباهر، و المجد الفاخر، تالين قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ و داعين اللّه له بالجميل و الذخر الزاخر، قائلين: اللهم أدمه في سرير الخلافة محروسا بحفظك من آفة، و ظافرا على من يريد خلافه، مشيّدا للمساجد و المدارس، مجدّدا لكل خير منهدم و دارس، و اجعل بابه للراجين حرما آمنا، و جنابه للمحتاجين كفيلا ضامنا، يأتون إليه من كل فج عميق، لحرمة البيت العتيق، تقبل اللّه معطي السؤال هذا الدعاء الحري بالقبول، فلما أسس بنيانه على تقوى من اللّه و رضوان، جاء مشيّد الأركان حاكيا روضات الجنان، و صار عنوان خلافته و براعة استهلاله لمنشور سعادته، في أوائل سنة أربع و ثمانين و تسعمائة الهجرية، و كان الابتداء بذلك التجديد، بأمر والده الدارج إلى مدارج الملك المجيد، السلطان السعيد" يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم" السلطان سليم بن السلطان سليمان بن السلطان سليم بن السلطان بايزيد بن السلطان محمد بن السلطان مراد بن السلطان أورخان بن السلطان عثمان، مكنهم اللّه على في دار الجنان، و أثل أخلافهم في مسند الخلافة إلى انقراض الزمان، و كان الشروع في الرابع عشر من ربيع الأول من شهور سنة ثمانين و تسعمائة، فلما سلّم السلطان سليم وديعته بأحسن تسليم و ارتحل من دار القصور، إلى ما هيأ اللّه له في الجنة من القصور، قبل تمام مارام، من تجديد المسجد الحرام، و أجلس اللّه على سرير الخلافة نجله النجيب أحسن إجلاس، و جعل حرمه مثابة للناس، يسر اللّه له الإتمام بطلعة إقباله وجوده الليالي و الأيام، و أنام في مهد عدله إلى قيام الساعة و ساعة القيام، و نظم راقم هذه الأرقام، تاريخا يليق أن يكتب في هذا المقام، و هو هذا:

جدّد السلطان مراد بن سليم‏* * * مسجد البيت العتيق المحترم‏

سرّ منه المسلمون كلهم‏* * * دار منشور اللواء و العلم‏

قال روح القدس في تاريخه‏* * * عمّر سلطان مراد الحرم‏

انتهى من تاريخ القطبي.

54

مقدار ما صرف في تجديد عمارة المسجد الحرام بالقباب بأمر السلطان سليم و ابنه السلطان مراد

و هنا يستحسن ذكر ما صرفه السلطان سليم خان و ابنه السلطان مراد خان، رحمهما اللّه تعالى، على جميع تجديد عمارة المسجد الحرام بالقباب، من ابتداء هدمه إلى انتهاء عمارته، مع ما يلحق ذلك من تهبيط محل السيل حتى لا يدخل المسجد الحرام، و غير هذا من تعميرات و إصلاحات، مع ملاحظة ما كان في ذلك الزمان من الرخاء و الرخص، و مقدار تفاوت قيمة الجنيه الذهب و الريال الفضة و العملة الدارجة في تلك الأيام و في عصرنا الحاضر. و إليك بيان ما صرف في هذه العمارة، كما ذكره القطبي المكي في تاريخه، الذي كان متصلا اتصالا وثيقا بحكّام الأتراك و الولاة، و الذي كان تجديد العمارة في زمانه و هو حاضر بمكة المشرفة. فإنه قال (رحمه اللّه تعالى)، في تاريخه ما نصه:

و أخبرني الأمير المشار إليه، أعظم اللّه شأنه، و أحسن إليه، أن الذي صرفه في عمارة المسجد الحرام، هدما و بناء، و قطعا لأرض المسيل، من جهة الجنوب إلى آخر المسفلة، و من جهة باب الزيادة إلى آخر مجرى سرداب العنبة، من خاصة أموال السلطنة الشريفة، نصرها اللّه تعالى" مائة ألف دينار ذهب جديد سلطاني" و ذلك غير ثمن الأخشاب المحمولة من مصر إلى مكة المشرفة، و غير ثمن الحديد الصلب لآلات العمارة، كالمساحي و المجارف و المسامير و الحديد المحدد رأسه، بطول الرواقين و بين الأسطوانتين تحت كل عقد، كيلا يجلس طير الحمام عليه و غيره فيلوّث المسجد بذرقه، و هذا الحديد لتحديد رأسه و تواصله يمنع من جلوس الطير عليه، و غير أهلّة القبب التي عملت بمصر من النحاس، و طليت بالذهب، و جهّزت إلى الحرم الشريف، فركبت على أعلى القبب، فصار لها منظر حسن و زينة عظيمة، كأنها صفوف بالأساكف من الذهب، بغاية السكون و الأدب، حول بيت اللّه تعالى، زاده اللّه تعالى رفعة و عظمة و مهابة و إجلالا، و أثمان ذلك خارج عن القدر المصروف في العمارة الشريفة، و كان عمل أهلّة قبب المسجد الحرام بمصر بأمر" بكلربكي" مصر الآن، نائب السلطنة الشريفة بها في هذا الزمان، أمير الأمراء العظام، كبير الكبر الفخام، محيي البلاد و العباد بعدله، سميّ‏