المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية - ج4

- أحمد بن علي المقريزي المزيد...
454 /
3

الجزء الرابع‏

ذكر المساجد الجامعة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

اعلم أن أرض مصر لما فتحت في سنة عشرين من الهجرة، و اختط الصحابة رضي اللّه عنهم فسطاط مصر كما تقدّم، لم يكن بالفسطاط غير مسجد واحد، و هو الجامع الذي يقال له في مدينة مصر الجامع العتيق، و جامع عمرو بن العاص. و ما برح الأمر على هذا إلى أن قدم عبد اللّه بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما من العراق، في طلب مروان بن محمد في سنة ثلاث و ثلاثين و مائة، فنزل عسكره في شماليّ الفسطاط، و بنوا هناك الأبنية، فسمي ذلك الموضع بالعسكر، و أقيمت هناك الجمعة في مسجد، فصارت الجمعة تقام بمسجد عمرو بن العاص و بجامع العسكر، إلى أن بنى الأمير أحمد بن طولون جامعه على جبل يشكر، في سنة تسع و خمسين و مائتين، حين بنى القطائع، فتلاشى من حينئذ جامع العسكر، و صارت الجمعة تقام بجامع عمرو و بجامع ابن طولون، إلى أن قدم جوهر القائد من بلاد القيروان بالمغرب، و معه عساكر مولاه المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ، فبنى القاهرة و بنى الجامع الذي يعرف بالجامع الأزهر في سنة ستين و ثلاثمائة، فكانت الجمعة تقام في جامع عمرو، و جامع ابن طولون، و الجامع الأزهر، و جامع القرافة الذي يعرف اليوم بجامع الأولياء. ثم إنّ العزيز بالله أبا منصور نزار بن المعز لدين اللّه، بنى في ظاهر القاهرة من جهة باب الفتوح الجامع الذي يعرف اليوم بجامع الحاكم، في سنة ثمانين و ثلاثمائة، و أكمله ابنه الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور، و بنى جامع المقس، و جامع راشدة، فكانت الجمعة تقام في هذه الجوامع كلها إلى أن انقرضت دولة الخلفاء الفاطميين، في سنة سبع و ستين و خمسمائة، فبطلت الخطبة من الجامع الأزهر، و استمرّت فيما عداه.

فلما كانت الدولة التركية حدث بالقاهرة و القرافة و مصر و ما بين ذلك عدّة جوامع، أقيمت فيها الجمعة، و ما برح الأمر يزداد حتى بلغ عدد المواضع التي تقام بها الجمعة، فيما بين مسجد تبر خارج القاهرة من بحريها إلى دير الطين قبليّ مدينة مصر، زيادة على مائة موضع. و سيأتي من ذكر ذلك ما فيه كفاية إن شاء اللّه تعالى.

و قد بلغت عدّة المساجدة التي تقام بها الجمعة مائة و ثلاثين مسجدا. منها: بمدينة مصر: جامع عمرو بن العاص، و الجامع الجديد، و المدرسة المعزية، و جامع ابن اللبان،

4

و جامع القرّاء، و جامع تقيّ الثمار، و جامع راشدة، و جامع الفيلة، و جامع دير الطين، و جامع بساتين الوزير.

و منها بالقرافة: جامع الأولياء، و جامع الأفرم، و خانكاه بكتمر، و جامع ابن عبد الظاهر، و جامع الجوّاني، و جامع الضراب، و جامع قوصون، و جامع الشافعيّ، و جامع الديليّ، و جامع محمود، و جامع بقرب تربة الست.

و منها بالروضة: جامع المقياس، و جامع عين، و جامع الرئيس، و جامع الأباريقيّ، و جامع المقسيّ.

و منها بالحسينية خارج القاهرة: جامع أحمد الزاهد، و جامع آل ملك، و جامع كزاي، و جامع الكافوريّ، بالقرب من السميساطية، و جامع الخندق، و جامع نائب الكرك، و جامع سويقة الجميزة، و جامع قيدار، و جامع ابن شرف الدين، و جامع الظاهر، و جامع الحاج كمال التاجر، تجدّد هو و جامع سويقة الجميزة في أيام الظاهر برقوق.

و منها خارج القاهرة مما يلي النيل: جامع كوم الريش، جامع جزيرة الفيل، جامع أمين الدين بن تاج الدين موسى، جامع الفخر على النيل، جامع الأسيوطي، جامع الواسطيّ، جامع ابن بدر، جامع الخطيري، جامع ابن غازي، جامع المقس، جامع ابن التركمانيّ، جامع بنت التركمانيّ، جامع الطواشي، جامع باب الرخاء، جامع الزاهد، جامع ميدان القمح، جامع صاروجا، جامع ابن زيد، جامع بركة الرطليّ، جامع الكيمختي، جامع باب الشعرية، جامع ابن مياله، جامع ابن المغربيّ، جامع العجميّ بقنطرة الموسكي، الجامع المعلق بقنطرة الموسكي أيضا، جامع الجاكي بسويقة الريش، جامع السروجيّ بسويقة الريش أيضا، جامع البكجريّ، جامع ابن حسون بالدكة، جامع ابن المغربيّ على الخليج، جامع الطباخ بخط اللوق، جامع الست نصيرة بخط باب اللوق حيث كان الكوم، فحفر فإذا بقبر عرف بالست نصيرة، و عمل عليه مسجد و أقيمت به الجمعة في أيام الظاهر برقوق. جامع شاكر بجوار قنطرة قدادار عمّر سنة ست و عشرين و ثمانمائة، جامع غيط القاصد خلف قنطرة قدادار، جامع الجزيرة الوسطى، جامع كريم الدين بخط الزريبة، جامع ابن غلامها بخط الزريبة أيضا، الجامع الأخضر، جامع سويقة الموفق، جامع سلطان شاه بباب الخرق، جامع زين الدين الخشاب خارج باب الروق، كان زاوية للفقراء فأقيمت به الجمعة بعد سنة ثمانمائة، جامع منكلي بسويقة القيمريّ.

و منها فيما بين القاهرة و مصر: جامع بشتاك، جامع الإسماعيليّ على البركة الناصرية، جامع الست مسكة، جامع آق سنقر بمجرى السقائين، جامع الشيخ محمد بن حسن الحنفيّ، جامع ست حدق بالمريس، جامع الطيبرسيّ، جامع الرحمة عمارة الصاحب أمين الدين عبد اللّه بن غنام، جامع منشأة المهرانيّ، جامع يونس بالسبع سقايات على البركة، جامع بركة الاستادار بحدرة ابن قيحة، جامع ابن طولون، جامع المشهد النفيسيّ، جامع‏

5

البقليّ بالقبيبات، جامع شيخو، جامع قانباي برلس، سويقة منعم، جامع الماس، جامع قوصون، جامع الصالح بمدرسة الناصر حسن بسوق الخيل، جامع الجاي، جامع الماردينيّ، جامع أصلم.

و منها بقلعة الجبل: الجامع الناصريّ، جامع التوبة، جامع الإصطبل، الجامع المؤيدي.

و منها: خارج القاهرة بالترب و ما قرب من القلعة: تربة جوش، و تربة الظاهر برقوق، و تربة طشتمر حمص أخضر بالصحراء، جامع الخضري، جامع التوبة، الجامع المؤيدي.

و منها بالقاهرة: الجامع الأزهر، و الجامع الحاكميّ، و الجامع الأقمر، و مدرسة الظاهر برقوق، و المدرسة الصالحية، و الحجازية، و المشهد الحسينيّ، و جامع الفاكهاني، و الزمامية، و الصاحبية، و البوبكرية، و الجامع المؤيديّ، و الأشرفية، و جامع الدواداري قريبا من البرقية، و جامع التوبة بالبرقية، مدرسة ابن البقريّ، و الباسطية.

ذكر الجوامع‏

اعلم أنه لما اتصلت مباني القاهرة المعزية بمباني مدينة فسطاط مصر، بحيث صارتا كأنهما مدينة واحدة، و اتخذ أهل القاهرة و أهل مصر القرافتين لدفن أمواتهم، ذكرت ما في هذه المواضع الأربع من المساجد الجامعة، و أضفت إليها ما في جزيرة فسطاط مصر التي يقال لها الروضة من الجوامع أيضا، فإنها منتزه أهل البلدين، و جمعت إلى ذلك ما في ظواهر القاهرة و مصر من الجوامع، مع التعريف بحال من أسسها. و بالله التوفيق.

الجامع العتيق‏

هذا الجامع بمدينة فسطاط مصر، و يقال له تاج الجوامع، و جامع عمرو بن العاص، و هو أوّل مسجد أسس بديار مصر في الملة الإسلامية بعد الفتح.

خرّج الحافظ أبو القاسم بن عساكر من حديث معاوية بن قرّة قال: قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: من صلّى صلاة مكتوبة في مسجد مصر من الأمصار، كانت له كحجة متقبلة، فإن صلّى تطوّعا كانت له كعمرة مبرورة.

و عن كعب: من صلّى في مسجد مصر من الأمصار صلاة فريضة، عدلت حجة متقبلة، و من صلّى صلاة تطوع عدلت عمرة متقبلة، فإن أصيب في وجهه ذلك، حرّم لحمه و دمه على النار أن تطعمه، و ذنبه على من قتله.

و أول مسجد بني في الإسلام مسجد قبا، ثم مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). قال هشام بن عمار: حدّثنا المغيرة بن المغيرة، حدّثنا يحيى بن عطاء الخراسانيّ عن أبيه. قال: لما افتتح عمر البلدان، كتب إلى أبي موسى و هو على البصرة يأمره أن يتخذ مسجدا للجماعة، و يتخذ للقبائل مساجد، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة. و كتب إلى سعد بن أبي وقاص و هو على الكوفة بمثل ذلك، و كتب إلى عمرو بن العاص و هو على‏

6

مصر بمثل ذلك، و كتب إلى أمراء أجناد الشام أن لا يتبدّدوا إلى القرى، و أن ينزلوا المدائن، و أن يتخذوا في كلّ مدينة مسجدا واحدا، و لا تتخذ القبائل مساجد، فكان الناس متمسكين بأمر عمر و عهده.

و قال أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب بن حفص الكنديّ، في كتاب أخبار مسجد أهل الراية الأعظم: و أوّل أمره و بنائه و زيادة الأمراء فيه و غيرهم، و مجالس الحكام و الفقهاء منه و غير ذلك، قال هبيرة بن أبيض عن شيخه تجيب: أن قيسبة بن كلثوم التجيبيّ أحد بني سوم، سار من الشام إلى مصر مع عمرو بن العاص، فدخلها في مائة راحلة و خمسين عبدا و ثلاثين فرسا، فلما أجمع المسلمون و عمرو بن العاص على حصار الحصن، نظر قيسبة بن كلثوم فرأى جنانا تقرب من الحصن، فعرّج إليها في أهله و عبيده، فنزل و ضرب فيها فسطاطه و أقام فيها طول حصارهم الحصن حتى فتحه اللّه عليهم ثم خرج قيسبة مع عمرو إلى الإسكندرية و خلف أهله فيها، ثم فتح اللّه عليهم الإسكندرية، و عاد قيسبة إلى منزله هذا فنزله، و اختط عمرو بن العاص داره مقابل تلك الجنان التي نزلها قيسبة، و تشاور المسلمون أين يكون المسجد الجامع، فرأوا أن يكون منزل قيسبة، فسأله عمرو فيه و قال: أنا أختط لك يا أبا عبد الرحمن حيث أحببت. فقال قيسبة: لقد علمتم يا معاشر المسلمين أني حزت هذا المنزل و ملكته، و إني أتصدّق به على المسلمين و ارتحل، فنزل مع قومه بني سوم و اختط فيهم، فبني مسجدا في سنة إحدى و عشرين من الهجرة، و في ذلك يقول أبو قبان بن نعيم بن بدر التجيبي:

و بابليون‏ (1) قد سعدنا بفتحها* * * و حزنا لعمر اللّه فيأ و مغنما

و قيسبة الخير بن كلثوم داره‏* * * أباح حماها للصلاة و سلّما

فكلّ مصلّ في فنانا صلاته‏* * * تعارف أهل المصر ما قلت فاعلما

و قال أبو مصعب قيس بن سلمة الشاعر في قصيدته التي امتدح فيها عبد الرحمن بن قيسبة:

و أبوك سلّم داره و أباحها* * * لجباه قوم ركّع و سجود

و قال الليث بن سعد: كان مسجدنا هذا حدائق و أعنابا. و قال الشريف محمد بن أسعد الجوانيّ: و من جملة مزارعها جامع مصر، و قد بقي إلى الآن من جملة الأنشاب التي كانت في البستان في موضع الجامع، شجرة زنزلخت، و هي باقية إلى الآن خلف المحراب الكبير و الحائط الذي به المنبر، و من العلماء من قال: إنّ هذه الشجرة باقية من عهد موسى (عليه السلام)، و كان لها نظير شجرة أخرى في الورّاقين، احترقت في حريق مصر سنة أربع و ستين و خمسمائة، و ظهر بالجامع العتيق بئر البستان التي كانت به، و هي اليوم يستقي منها الناس الماء بموضع حلة الفقيه ابن الجيزيّ المالكيّ.

____________

(1) بابليون: هو حصن بابليون في القاهرة.

7

قال الكنديّ: و قال يزيد بن أبي حبيب: سمعت أشياخنا ممن حضر مسجد الفتح يقولون: وقف على إقامة قبلة المسجد الجامع ثمانون رجلا من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فيهم الزبير بن العوام، و المقداد، و عبادة بن الصامت، و أبو الدرداء، و فضالة بن عبيد، و عقبة بن عامر، رضي اللّه عنهم. و في رواية أسس مسجدنا هذا أربعة من الصحابة، أبو ذر، و أبو بصيرة، و محمئة بن جزء الزبيديّ و نبيه بن صواب.

و قال عبد اللّه بن أبي جعفر: أقام محرابنا هذا عبادة بن الصامت، و رافع بن مالك، و هما نقيبان. و قال داود بن عقبة: أن عمرو بن العاص بعث ربيعة بن شرحبيل بن حسنة، و عمرو بن علقمة القرشيّ، ثم العدويّ، يقيمان القبلة، و قال لهما: قوما إذا زالت الشمس.

أو قال: انتصفت الشمس، فاجعلاها على حاجبيكما ففعلا.

و قال الليث: إنّ عمرو بن العاص كان يمدّ الحبال حتى أقيمت قبلة المسجد. و قال عمرو بن العاص: شرّقوا القبلة تصيبوا الحرم. قال: فشرّقت جدّا، فلما كان قرّة بن شريك تيامن بها قليلا، و كان عمرو بن العاص إذا صلّى في مسجد الجامع يصلي ناحية الشرق إلّا الشي‏ء اليسير، و قال رجل من تجيب: رأيت عمرو بن العاص دخل كنيسة فصلّى فيها و لم ينصرف عن قبلتهم إلّا قليلا، و كان الليث و ابن لهيعة إذا صليا تيامنا، و كان عمر بن مروان عمّ الخلفاء إذا صلّى في المسجد الجامع تيامن. و قال يزيد بن حبيب في قوله تعالى: قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها، هي قبلة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) التي نصبها اللّه عز و جل مقابل الميزاب، و هي قبلة أهل مصر و أهل الغرب، و كان يقرأها فلنولينك قبلة نرضاها بالنون. و قال هكذا أقرأناها أبو الخير.

و قال الخليل بن عبد اللّه الأزديّ: حدّثني رجل من الأنصار أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أتاه جبريل فقال: ضع القبلة و أنت تنظر إلى الكعبة، ثم قال بيده، فأماط كلّ جبل بينه و بين الكعبة، فوضع المسجد و هو ينظر إلى الكعبة، و صارت قبلته إلى الميزاب.

و قال ابن لهيعة: سمعت أشياخنا يقولون: لم يكن لمسجد عمرو بن العاص محراب مجوّف، و لا أدري بناه مسلمة أو بناه عبد العزيز. و أوّل من جعل المحراب قرّة بن شريك.

و قال الواقديّ: حدّثنا محمد بن هلال قال: أوّل من أحدث المحراب المجوّف عمر بن عبد العزيز، ليالي بني مسجد النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و ذكر عمر بن شيبة أن عثمان بن مظعون تفل في القبلة فأصبح مكتئبا، فقالت له امرأته: ما لي أراك مكتئبا؟ قال: لا شي‏ء إلّا أني تفلت في القبلة و أنا أصلي، فعمدت الى القبلة فغسلتها، ثم عملت خلوقا (1) فخلقتها، فكانت أوّل من خلق القبلة.

و قال أبو سعيد سلف الحميريّ: أدركت مسجد عمرو بن العاص طوله خمسون ذراعا

____________

(1) الخلوق: ضرب من الطيب أعظم أجزائه الزعفران. و خلّقه: طيّبه بالخلوق.

8

في عرض ثلاثين ذراعا، و جعل الطريق يطيف به من كلّ جهة، و جعل له بابان يقابلان دار عمرو بن العاص، و جعل له بابان في بحريه، و بابان في غربيه، و كان الخارج إذا خرج من زقاق القناديل وجد ركن المسجد الشرقيّ محاذيا لركن دار عمرو بن العاص الغربيّ، و ذلك قبل أن أخذ من دار عمرو بن العاص ما أخذ، و كان طوله من القبلة إلى البحري مثل طول دار عمرو بن العاص، و كان سقفه مطاطأ جدّا و لا صحن له، فإذا كان الصيف جلس الناس بفنائه من كلّ ناحية، و بينه و بين دار عمرو سبع أذرع.

قلت: و أوّل من جلس على منبر أو سرير ذي أعواد ربيعة بن محاسن. و قال القضاعيّ في كتاب الخطط: و كان عمرو بن العاص قد اتخذ منبرا، فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يعزم عليه في كسره و يقول: أما يحسبك أن تقوم قائما و المسلمون جلوس تحت عقبيك، فكسره. قال مؤلفه رحمه اللّه: و في سنة إحدى و ستين و مائة، أمر المهديّ محمد بن أبي جعفر المنصور بتقصير المنابر و جعلها بقدر منبر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم). قال القضاعيّ: و أوّل من صلّى عليه من الموتى داخل الجامع، أبو الحسين سعيد بن عثمان صاحب الشرط، في النصف من صفر، و كانت وفاته فجأة، فأخرج ضحوة يوم الأحد السادس عشر من صفر، و صلّي عليه خلف المقصورة و كبّر عليه خمسا، و لم يعلم أحد قبله صلّي عليه في الجامع. و ذكر عمر بن شيبة في تاريخ المدينة، أنّ أوّل من عمل مقصورة بلبن، عثمان بن عفان، و كانت فيها كوى تنظر الناس منها إلى الإمام، و أن عمر بن عبد العزيز عملها بالساج. قال القضاعيّ: و لم تكن الجمعة تقام في زمن عمرو بن العاص بشي‏ء من أرض مصر إلّا في هذا الجامع. قال أبو سعيد عبد الرحمن بن يونس: جاء نفر من بحافق إلى عمرو بن العاص فقالوا: إنا نكون في الريف، أفنجمع في العيدين الفطر و الأضحى و يؤمنّا رجل منا؟ قال: نعم. قالوا: فالجمعة؟ قال: لا، و لا يصلي الجمعة بالناس إلّا من أقام الحدود و آخذ بالذنوب و أعطى الحقوق.

و أوّل من زاد في هذا الجامع مسلمة بن مخلد الأنصاريّ سنة ثلاث و خمسين و هو يومئذ أمير مصر من قبل معاوية. قال الكنديّ في كتاب أخبار مسجد أهل الراية: و لما ضاق المسجد بأهله شكى ذلك إلى مسلمة بن مخلد، و هو الأمير يومئذ، فكتب فيه إلى معاوية بن أبي سفيان، فكتب إليه يأمره بالزيادة فيه، فزاد فيه من شرقيه مما يلي دار عمرو بن العاص، و زاد فيه من بحريه، و لم يحدث فيه حدثا من القبليّ و لا من الغربيّ، و ذلك في سنة ثلاث و خمسين، و جعل له رحبة في البحريّ منه كان الناس يصيفون فيها، و لا طه بالنورة و زخرف جدرانه و سقوفه، و لم يكن المسجد الذي لعمر، و جعل فيه نورة و لا زخرف، و أمر بابتناء منار المسجد الذي في الفسطاط، و أمر أن يؤذنوا في وقت واحد، و أمر مؤذني الجامع أن يؤذنوا للفجر إذا مضى نصف الليل، فإذا فرغوا من أذانهم أذن كلّ مؤذن في الفسطاط في وقت واحد. قال ابن لهيعة فكان لأذانهم دويّ شديد، فقال عابد بن هشام الأزديّ: ثم السلامانيّ لمسلمة بن مخلد:

9

لقد مدّت لمسلمة الليالي‏* * * على رغم العداة من الأمان‏

و ساعده الزمان بكلّ سعد* * * و بلغه البعيد من الأماني‏

أ مسلم فارتقي لا زلت تعلو* * * على الأيام مسلم و الزمان‏

لقد أحكمت مسجدنا فأضحى‏* * * كأحسن ما يكون من المباني‏

فتاه به البلاد و ساكنوها* * * كما تاهت بزينتها الغواني‏

و كم لك من مناقب صالحات‏* * * و أجدل بالصوامع للأذان‏

كأنّ تجاوب الأصوات فيها* * * إذا ما الليل ألقى بالجران‏ (1)

كصوت الرعد خالطه دويّ‏* * * و أرعب كلّ مختطف الجنان‏

و قيل أنّ معاوية أمره ببناء الصوامع للأذان، قال: و جعل مسلمة للمسجد الجامع أربع صوامع في أركانه الأربع، و هو أوّل من جعلها فيه، و لم تكن قبل ذلك. قال: و هو أوّل من جعل فيه الحصر، و إنما كان قبل ذلك مفروضا بالحصباء، و أمر أن لا يضرب بناقوس عند الأذان يعني الفجر، و كان السلّم الذي يصعد منه المؤذنون في الطريق، حتى كان خالد بن سعيد، فحوّله داخل المسجد.

قال القاضي القضاعيّ: ثم إن عبد العزيز بن مروان هدمه في سنة تسع و سبعين من الهجرة، و هو يومئذ أمير مصر من قبل أخيه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، و زاد فيه من ناحية الغرب، و أدخل فيه الرحبة التي كانت في بحريه، و لم يجد في شرقيه موضعا يوسعه به. و ذكر أبو عمر الكنديّ في كتاب الأمراء أنه زاد فيه من جوانبه كلها، و يقال أنّ عبد العزيز بن مروان لما أكمل بناء المسجد خرج من دار الذهب عند طلوع الفجر، فدخل المسجد فرأى في أهله خفة، فأمر بأخذ الأبواب على من فيه، ثم دعا بهم رجلا رجلا، فيقول للرجل: أ لك زوجة؟ فيقول لا، فيقول زوّجوه، أ لك خادم؟ فيقول لا، فيقول أخدموه. أ حججت؟ فيقول: لا. فيقول أحجوه. أ عليك دين؟ فيقول: نعم. فيقول إقضوا دينه. فأقام المسجد بعد ذلك دهرا عامرا و لم يزل إلى اليوم. و ذكر أن عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان في ولايته على مصر، من قبل أخيه الوليد، أمر برفع سقف المسجد الجامع، و كان مطاطأ، و ذلك في سنة تسع و ثمانين. ثم إن قرّة بن شريك العبسيّ هدمه مستهلّ سنة اثنتين و تسعين بأمر الوليد بن عبد الملك، و هو يومئذ أمير مصر من قبله، و ابتدأ في بنيانه في شعبان من السنة المذكورة، و جعل على بنائه يحيى بن حنظلة، مولى بني عامر بن لؤيّ، و كانوا يجمعون الجمعة في قيسارية العسل حتى فرغ من بنائه، و ذلك في شهر رمضان سنة ثلاث و تسعين، و نصب المنبر الجديد في سنة أربع و تسعين، و نزع المنبر الذي كان في المسجد، و ذكر أنّ عمرو بن العاص كان جعله فيه، فلعله بعد وفاة عمر بن‏

____________

(1) ألقى بالجران: استقر و استقام.

10

الخطاب رضي اللّه عنه. و قيل هو منبر عبد العزيز بن مروان، و ذكر أنه حمل إليه من بعض كنائس مصر، و قيل أنّ زكريا بن برقني ملك النوبة أهداه إلى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، و بعث معه نجاره حتى ركبه، و اسم هذا النجار بقطر من أهل دندرة، و لم يزل هذا المنبر في المسجد حتى زاد قرّة بن شريك في الجامع، فنصب منبرا سواه على ما تقدّم شرحه، و لم يكن يخطب في القرى إلّا على العصا إلى أن ولي عبد الملك بن موسى بن نصير اللخمي مصر، من قبل مروان بن محمد، فأمر باتخاذ المنابر في القرى، و ذلك في سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، و ذكر أنه لا يعرف منبرا أقدم منه، يعني من منبر قرّة بن شريك بعد منبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلم يزل كذلك إلى أن قلع و كسر في أيام العزيز بالله بنظر الوزير يعقوب بن كلس، في يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الأوّل سنة تسع و سبعين و ثلاثمائة و جعل مكانه منبر مذهب، ثم أخرج هذا المنبر إلى الإسكندرية و جعل في جامع عمرو بها، و أنزل إلى الجامع المنبر الكبير الذي هو به الآن، و ذلك في أيام الحاكم بأمر اللّه في شهر ربيع الأوّل سنة خمس و أربعمائة، و صرف بنو عبد السميع عن الخطابة، و جعلت خطابة الجامع العتيق لجعفر بن الحسن بن خداع الحسينيّ، و جعل إلى أخيه الخطابة بالجامع الأزهر، و صرف بنو عبد السميع بن عمر بن الحسين بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس من جميع المنابر بعد أن أقاموا هم، و سلفهم فيها ستين سنة. و في شهر ربيع الأوّل من هذه السنة وجد المنبر الجديد الذي نصب في الجامع قد لطخ بعذرة، فوكّل به من يحفظه و عمل له غشاء من أدم مذهب في شعبان من هذه السنة، و خطب عليه ابن خداع و هو مغشى، و زيادة قرّة من القبليّ و الشرقيّ، و أخذ بعض دار عمرو و ابنه عبد اللّه بن عمرو فأدخله في المسجد، و أخذ منهما الطريق الذي بين المسجد و بينهما، و عوّض ولد عمرو ما هو في أيديهم اليوم من الرباع، و أمر قرّة بعمل المحراب المجوّف على ما تقدّم شرحه، و هو المحراب المعروف بعمرو، لأنه في سمت محراب المسجد القديم الذي بناه عمرو، و كانت قبلة المسجد القديم عند العمد المذهبة في صف التوابيت اليوم، و هي أربعة عمد، اثنان في مقابلة اثنين، و كان قرّة أذهب رؤوسها، و كانت مجالس قيس، و لم يكن في المسجد عمد مذهبة غيرها، و كانت قديما حلقة أهل المدينة، ثم روق أكثر العمد و طوّق في أيام الإخشيد سنة أربع و عشرين و ثلاثمائة، و لم يكن للجامع أيام قرّة بن شريك غير هذا المحراب، فأمّا المحراب الأوسط الموجود اليوم فعرف بمحراب عمر بن مروان عمّ الخلفاء، و هو أخو عبد الملك و عبد العزيز، و لعله أحدثه في الجدار بعد قرّة، و قد ذكر قوم أن قرة عمل هذين المحرابين، و صار للجامع أربعة أبواب، و هي الأبواب الموجودة في شرقيه الآن، آخرها باب إسرائيل و هو باب النحاسين، و في غربيه أربعة أبواب شارعة في زقاق كان يعرف بزقاق البلاط، و في بحريه ثلاثة أبواب، و بيت المال الذي في علو الفوّارة بالجامع بناه أسامة بن زيد التنوخيّ متولي الخراج بمصر، سنة سبع و تسعين في أيام سليمان بن عبد الملك، و أمير

11

مصر يومئذ عبد الملك بن رفاعة الفهميّ، و كان مال المسلمين فيه، و طرق المسجد في ليلة سنة خمس و أربعين و مائة في ولاية يزيد بن حاتم المهلبيّ من قبل المنصور، طرقه قوم ممن كان بايع عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و كان أوّل علويّ قدم مصر، فنهبوا بيت المال ثم تضاربوا عليه بسيوفهم، فلم يصل إليهم منه إلّا اليسير، فأنفذ إليهم يزيد من قتل منهم جماعة و انهزموا، فنهبوا بيت المال ثم تضاربوا عليه بسيوفهم، فلم يصل إليهم منه إلّا اليسير، فأنفذ إليهم يزيد من قتل منهم جماعة و انهزموا، و ذكر أن هذا المكان تسوّر عليه لص في إمارة أحمد بن طولون و سرق منه بدرتي دنانير، فظفر به أحمد بن طولون و اصطنعه و عفا عنه.

و في سنة ثمان و سبعين و ثلاثمائة أمر العزيز بالله بعمل الفوّارة تحت قبة بيت المال، فعملت و فرغ منها في شهر رجب سنة تسع و سبعين و ثلاثمائة، ثم زاد فيه صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما، و هو يومئذ أمير مصر من قبل أبي العباس السفاح، في مؤخرة أربع أساطين، و ذلك في سنة ثلاث و ثلاثين و مائة، و هو أوّل من ولى مصر لبني العباس. فيقال أنه أدخل في الجامع دار الزبير بن العوّام رضي اللّه عنه، و كانت غربيّ دار النحاس، و كان الزبير تخلى عنها و وهبها لمواليه، لخصومة جرت بين غلمانه و غلمان عمرو بن العاص، و اختط الزبير فيما يلي الدار المعروفة به الآن، ثم اشترى عبد العزيز بن مروان دار الزبير من مواليه، فقسّمها بين ابنه الأصبغ و أبي بكر، فلما قدم صالح بن عليّ أخذها عن أمّ عاصم بنت عاصم بن أبي بكر، و عن طفل يتيم و هو حسان بن الأصبغ فأدخلها في المسجد، و باب الكحل من هذه الزيادة، و هو الباب الخامس من أبواب الجامع الشرقية الآن، و عمر صالح بن عليّ أيضا مقدّم المسجد الجامع عند الباب الأوّل موضع البلاطة الحمراء، ثم زاد فيه موسى بن عيسى الهاشميّ، و هو يومئذ أمير مصر من قبل الرشيد في شعبان سنة خمس و سبعين و مائة، الرحبة التي في مؤخره، و هي نصف الرحبة المعروفة بأبي أيوب، و لما ضاق الطريق بهذه الزيادة أخذ موسى بن عيسى دار الربيع بن سليمان الزهريّ شركة بني مسكين بغير عوض للربيع، و وسع بها الطريق و عوّض بني مسكين، و وصل عبد اللّه بن طاهر بن الحسين بن مصعب مولى خراعة أميرا من قبل المأمون في شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة و مائتين، و توجه إلى الإسكندرية مستهلّ صفر سنة اثنتي عشرة و مائتين، و رجع إلى الفسطاط في جمادى الآخرة من السنة المذكورة، و أمر بالزيادة في المسجد الجامع، فزيد فيه مثله من غربيه، و عاد ابن طاهر إلى بغداد لخمس بقين من رجب من السنة المذكورة، و كانت زيادة ابن طاهر المحراب الكبير و ما في غربيه إلى حدّ زيادة الخازن، فأدخل فيه الزقاق المعروف أوّلا بزقاق البلاط، و قطعة كبيرة من دار الرمل، و رحبة كانت بين يدي دار الرمل، و دورا ذكرها القضاعيّ.

و ذكر بعضهم أن موضع فسطاط عمرو بن العاص حيث المحراب و المنبر، قال: و كان‏

12

الذي تمم زيادة عبد اللّه بن طاهر بعد مسيره إلى بغداد، عيسى بن يزيد الجلوديّ، و تكامل ذرع الجامع، سوى الزيادتين، مائة و تسعين ذراعا بذراع العمل طولا، في مائة و خمسين ذراعا عرضا. و يقال أنّ ذرع جامع ابن طولون مثل ذلك سوى الرواق المحيط بجوانبه الثلاثة.

و نصب عبد اللّه بن طاهر اللوح الأخضر، فلما احترق الجامع احترق ذلك اللوح، فجعل أحمد بن محمد العجيفيّ هذا اللوح مكان ذلك، و هو هذا اللوح الأخضر الباقي إلى اليوم، و رحبة الحارث هي الرحبة البحرية من زيادة الخازن، و كانت رحبة يتبايع الناس فيها يوم الجمعة، و ذكر أبو عمر الكنديّ في كتاب الموالي: أن أبا عمرو الحارث بن مسكين بن محمد بن يوسف مولى محمد بن ريان بن عبد العزيز بن مروان، لما ولي القضاء من قبل المتوكل على اللّه في سنة سبع و ثلاثين و مائتين، أمر ببناء هذه الرحبة ليتسع الناس بها، و حوّل سلّم المؤذنين إلى غربيّ المسجد، و كان عند باب إسرائيل، و بلّط زيادة بن طاهر، و أصلح بنيان السقف، و بنى سقاية في الحذائين، و أمر ببناء الرحبة الملاصقة لدار الضرب ليتسع الناس بها، و زيادة أبي أيوب أحمد بن محمد بن شجاع ابن أخت أبي الوزير أحمد بن خالد، صاحب الخراج في أيام المعتصم، كان أبو أيوب هذا أحد عمال الخراج زمن أحمد بن طولون، و زيادته في بقية الرحبة المعروفة برحبة أبي أيوب. و المحراب المنسوب إلى أبي أيوب هو الغربيّ من هذه الزيادة عند شباك الحذائين، و كان بناؤها في سنة ثمان و خمسين و مائتين، و يقال أن أبا أيوب مات في سجن أحمد بن طولون بعد أن نكبه و اصطفى أمواله، و ذلك في سنة ست و ستين و مائتين، و أدخل أبو أيوب في هذه الزيادة أماكن ذكرها. قال:

و كان قد وقع في مؤخر المسجد الجامع حريق، فعمر و زيدت هذه الزيادة في أيام أحمد بن طولون، و وقع في الجامع في ليلة الجمعة لتسع خلون من صفر سنة خمس و سبعين و مائتين، حريق أخذ من بعد ثلاث حنايا من باب إسرائيل إلى رحبة الحارث بن مسكين، فهلك فيه أكثر زيادة عبد اللّه بن طاهر و الرواق الذي عليه اللوح الأخضر، فأمر خمارويه بن أحمد بن طولون بعمارته على يد أحمد بن محمد العجيفيّ، فأعيد على ما كان عليه، و أنفق فيه ستة آلاف و أربعمائة دينار، و كتب اسم خمارويه في دائر الرواق الذي عليه اللوح الأخضر، و هي موجودة الآن، و كانت عمارته في السنة المذكورة. و أمر عيسى النوشزي في ولايته الثانية على مصر، في سنة أربع و تسعين و مائتين، بإغلاق المسجد الجامع فيما بين الصلوات، فكان يفتح للصلاة فقط، و أقام على ذلك أياما، فضجّ أهل المسجد ففتح لهم.

و زاد أبو حفص العباسيّ في أيام نظره في قضاء مصر، خلافة لأخيه محمد، الغرفة التي يؤذن فيها المؤذنون في السطح، و كانت ولايته في رجب من سنة ست و ثلاثين و ثلاثمائة و كان إمام مصر و الحرمين، و إليه إقامة الحج، و لم يزل قاضيا بمصر خلافة لأخيه إلى أن صرف من القضاء بالخصيبيّ، في ذي الحجة سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة و توفي في سنة اثنتين و أربعين و ثلاثمائة بعد قدومه من الحج، ثم زاد فيه أبو بكر محمد بن عبد اللّه الخازن‏

13

رواقا واحدا من دار الضرب، و هو الرواق ذو المحراب و الشباكين المتصل برحبة الحارث، و مقداره تسع أذرع، و كان ابتداء ذلك في رجب سنة سبع و خمسين و ثلاثمائة و مات قبل تمام هذه الزيادة، و تممها ابنه عليّ بن محمد، و فرغت في العشر الأخر من شهر رمضان سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة. و زاد فيه الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس بأمر العزيز بالله، الفوّارة التي تحت قبة بيت المال، و هو أوّل من عمل فيه فوّارة، و زاد فيه أيضا مساقف الخشب المحيطة بها على يد المعروف بالمقدسيّ الأطروش، متولي مسجد بيت المقدس، و ذلك في سنة ثمان و سبعين و ثلاثمائة و نصب فيها حباب الرخام التي للماء. و في سنة سبع و ثمانين و ثلاثمائة جدّد بياض المسجد الجامع و قلع شي‏ء كثير من الفسيفساء الذي كان في أروقته، و بيض مواضعه، و نقشت خمسة ألواح و ذهّبت و نصبت على أبوابه الخمسة الشرقية، و هي التي عليها الآن، و كان ذلك على يد برجوان الخادم، و كان اسمه ثابتا في الألواح فقلع بعد قتله.

و قال المسبحيّ في تاريخه، و في سنة ثلاث و أربعمائة أنزل من القصر إلى الجامع العتيق بألف و مائتين و ثمانية و تسعين مصحفا، ما بين ختمات و ربعات، فيها ما هو مكتوب كله بالذهب، و مكن الناس من القراءة فيها، و أنزل إليه أيضا بتور من فضة عمله الحاكم بأمر اللّه برسم الجامع، فيه مائة ألف درهم فضة، فاجتمع الناس و علّق بالجامع بعد أن قلعت عتبتا الباب حتى أدخل به، و كان من اجتماع الناس لذلك ما يتجاوز الوصف.

قال القضاعيّ: و أمر الحاكم بأمر اللّه بعمل الرواقين اللذين في صحن المسجد الجامع، و قلع عمد الخشب و جسر الخشب التي كانت هناك، و ذلك في شعبان سنة ست و أربعمائة، و كانت العمد و الجسر قد نصبها أبو أيوب أحمد بن محمد بن شجاع، في سنة سبع و خمسين و مائتين، زمن أحمد بن طولون، لأنّ الحرّ اشتدّ على الناس فشكوا ذلك إلى ابن طولون، فأمر بنصب عمد الخشب و جعل عليها الستائر في السنة المذكورة، و كان الحاكم قد أمر بأن تدهن هذه العمد الخشب بدهن أحمر و أخضر، فلم يثبت عليها، ثم أمر بقلعها و جعلها بين الرواقين. و أوّل ما عملت المقاصير في الجوامع في أيام معاوية بن أبي سفيان، سنة أربع و أربعين، و لعل قرّة بن شريك لما بنى الجامع بمصر عمل المقصورة. و في سنة إحدى و ستين و مائة، أمر المهديّ بنزع المقاصير من مساجد الأمصار، و بتقصير المنابر، فجعلت على مقدار منبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم أعيدت بعد ذلك. و لما ولي مصر موسى بن أبي العباس من أهل الشاش، من قبل أبي جعفر اشناس، أمر المعتصم أن يخرج المؤذنون إلى خارج المقصورة، و هو أوّل من أخرجهم، و كانوا قبل ذلك يؤذنون داخلها، ثم أمر الإمام المستنصر بالله بن الظاهر بعمل الحجر المقابل للمحراب، و بالزيادة في المقصورة في شرقيها و غربيها، حتى اتصلت بالحذائين من جانبيها، و بعمل منطقة فضة في صدر المحراب الكبير أثبت عليها اسم أمير المؤمنين، و جعل لعمودي المحراب أطواق فضة، و جرى ذلك على يد عبد اللّه بن محمد بن عبدون، في شهر رمضان سنة ثمان و ثلاثين و أربعمائة.

14

قال مؤلفه رحمه اللّه: و لم تزل هذه المنطقة الفضة إلى أن استبدّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب على مملكة مصر، بعد موت الخليفة العاضد لدين اللّه، في محرّم سنة سبع و ستين و خمسمائة، فقلع مناطق الفضة من الجوامع بالقاهرة، و من جامع عمرو بن العاص بمصر، و ذلك في حادي عشر شهر ربيع الأوّل من السنة المذكورة.

قال القضاعيّ: و في شهر رمضان من سنة أربعين و أربعمائة جدّدت الخزانة التي في ظهر دار الضرب في طريق الشرطة، مقابلة لظهر المحراب الكبير، و في شعبان من سنة إحدى و أربعين و أربعمائة أذهب بقية الجدار القبليّ حتى اتصل الإذهاب من جدار زيادة الخازن إلى المنبر، و جرى ذلك على يد القاضي أبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن يحيى بن أبي زكريا.

و في شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين و أربعين و أربعمائة، عملت لموقف الإمام في زمن الصيف مقصورة خشب و محراب ساج منقوش بعمودي صندل، و تقلع هذه المقصورة في الشتاء إذا صلّى الإمام في المقصورة الكبيرة.

و في شعبان سنة أربع و أربعين و أربعمائة، زيد في الخزانة مجلس من دار الضرب، و طريق المستحم، و زخرف هذا المجلس و حسّن، و جعل فيه محراب و رخّم بالرخام الذي قلع من المحراب الكبير حين نصب عبد اللّه بن محمد بن عبدون منطقة الفضة في صدر المحراب الكبير، و جرت هذه الزيادة على يد القاضي أبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن يحيى.

و في ذي الحجة من سنة اثنتين و أربعين و أربعمائة، عمر القاضي أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن أبي زكريا غرفة المؤذنين بالسطح، و حسّنها و جعل لها روشنا على صحن الجامع، و جعل بعدها ممرقا ينزل منه إلى بيت المال، و جعل للسطح مطلعا من الخزانة المستجدّة في ظهر المحراب الكبير، و جعل له مطلعا آخر من الديوان الذي في رحبة أبي أيوب.

و في شعبان من سنة خمس و أربعين و أربعمائة، بنيت المئذنة التي فيما بين مئذنة غرفة و المئذنة الكبيرة، على يد القاضي أبي عبد اللّه أحمد بن زكريا. انتهى ما ذكره القضاعيّ.

و في سنة أربع و ستين و خمسمائة تمكن الفرنج من ديار مصر و حكموا في القاهرة حكما جائرا، و ركبوا المسلمين بالأذى العظيم، و تيقنوا أنه لا حامي للبلاد من أجل ضعف الدولة، و انكشفت لهم عورات الناس، فجمع مري ملك الفرنج بالساحل جموعه، و استجدّ قوما قوّى بهم عساكره، و سار إلى القاهرة من بلبيس بعد أن أخذها و قتل كثيرا من أهلها، فأمر شاور بن مجير السعديّ و هو يومئذ مستول على ديار مصر وزارة للعاضد بإحراق مدينة مصر، فخرج إليها في اليوم التاسع من صفر من السنة المذكورة عشرون ألف قارورة نفط،

15

و عشرة آلاف مشعل مضرمة بالنيران، و فرّقت فيها. و نزل مري بجموع الفرنج على بركة الحبش، فلما رأى دخان الحريق تحوّل من بركة الحبش و نزل على القاهرة مما يلي باب البرقية، و قاتل أهل القاهرة و قد انحشر الناس فيها، و استمرّت النار في مصر أربعة و خمسين يوما، و النهابة تهدم ما بها من المباني و تحفر لأخذ الخبايا إلى أن بلغ مري قدوم أسد الدين شيركوه بعسكر من جهة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام، فرحل في سابع شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، و تراجع المصريون شيئا بعد شي‏ء إلى مصر، و تشعث الجامع، فلما استبدّ السلطان صلاح الدين بمملكة مصر بعد موت العاضد، جدّد الجامع العتيق بمصر في سنة ثمان و ستين و خمسمائة، و أعاد صدر الجامع و المحراب الكبير و رخمه و رسم عليه اسمه، و جعل في سقاية قاعة الخطابة قصبة إلى السطح، يرتفق بها أهل السطح، و عمر المنظرة التي تحت المئذنة الكبيرة، و جعل لها سقاية، و عمر في كنف دار عمرو الصغرى البحريّ مما يلي الغربيّ، قصبة أخرى إلى محاذاة السطح، و جعل لها ممشاة من السطح إليها يرتفق بها أهل السطح، و عمر غرفة الساعات و حرّرت، فلم تزل مستمرّة إلى أثناء أيام الملك المعز عز الدين أيبك التركمانيّ، أوّل من ملك من المماليك، و جدّد بياض الجامع و أزال شعثه، و جلى عمده، و أصلح رخامه، حتى صار جميعه مفروشا بالرخام و ليس في سائر أرضه شي‏ء بغير رخام حتى تحت الحصر.

و لما تقلد قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن الأعز أبي القاسم خلف بن رشيد الدين محمود بن بدر، المعروف بابن بنت الأعز العلائي الشافعيّ، قضاء القضاة بالديار المصرية، و نظر الأحباس في ولايته الثانية أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البند قداريّ، كشف الجامع بنفسه، فوجد مؤخره قد مال إلى بحريه، و وجد سوره البحريّ قد مال و انقلب علوه عن سمت سفله، و رأى في سطح الجامع غرفا كثيرة محدثة، و بعضها مزخرف، فهدم الجميع و لم يدع بالسطح سوى غرفة المؤذنين القديمة و ثلاث خزائن لرؤساء المؤذنين لا غير، و جمع أرباب الخبرة فاتفق الرأي على إبطال جريان الماء إلى فوّارة الفسقية، و كان الماء يصل إليها من بحر النيل، فأمر بإبطاله لما كان فيه من الضرر على جدر الجامع، و عمر بغلات بالزيادة البحرية تشدّ جدار الجامع البحريّ، و زاد في عمد الزيادة ما قوّى به البغلات المذكورة، و سدّ شباكين كانا في الجدار المذكور ليتقوّى بذلك، و أنفق المصروف على ذلك من مال الأحباس، و خشي أن يتداعى الجامع كله إلى السقوط، فحدّث الصاحب الوزير بهاء الدين عليّ بن محمد بن سليم بن حنا في مفاوضة السلطان في عمارة ذلك من بيت المال، فاجتمعا معا بالسلطان الملك الظاهر بيبرس و سألاه في ذلك، فرسم بعمارة الجامع، فهدم الجدار البحريّ من مقدّم الجامع، و هو الجدار الذي فيه اللوح الأخضر، و حط اللوح و أزيلت العمد و القواصر العشر، و عمر الجدار المذكور و أعيدت العمد و القواصر كما كانت، و زيد في العمد أربعة قرن، بها أربعة مما هو تحت اللوح الأخضر، و الصف الثاني منه،

16

و فصل اللوح الأخضر أجزاء و جدّد غيره و أذهب و كتب عليه اسم السلطان الملك الظاهر، و جليت العمد كلها و بيض الجامع بأسره، و ذلك في شهر رجب سنة ست و ستين و ستمائة، و صلّى فيه شهر رمضان بعد فراغه، و لم تتعطل الصلاة فيه لأجل العمارة.

و لما كان في شهور سنة سبع و ثمانين و ستمائة، شكا قاضي القضاة تقيّ الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الوهاب ابن بنت الأعز للسلطان الملك المنصور قلاون، سوء حال جامع عمرو بمصر، و سوء حال الجامع الأزهر بالقاهرة، و أن الأحباس على أسوأ الأحوال، و أن مجد الدين بن الحباب أخرب هذه الجهة لما كان يتحدّث فيها، و تقرّب بجزيرة الفيل الوقف الصلاحيّ على مدرسة الشافعية إلى الأمير علم الدين الشجاعيّ، و ذكر له بأن في أطيانها زيادة، فقاسوا ما تجدّد بها من الرمال و جعلوه للوقف، و أقطعوا الأطيان القديمة الجارية في الوقف، و تقرّب أيضا إليه بأن في الأحباس زيادة، من جملتها بالأعمال الغربية ما مبلغه في السنة ثلاثون ألف درهم، و أن ذلك لجهة عمارة الجامعين، و سأل السلطان في إعادة ذلك و إبطال ما أقطع منه، فلم يجب إلى ذلك، و أمر الأمير حسام الدين طرنطاي بعمارة الجامع الأزهر، و الأمير عز الدين الأفرم بعمارة جامع عمرو، فحضر الأفرم إلى الجامع بمصر و رسم على مباشري الأحباس، و كشف المساجد لغرض كان في نفسه، و بيض الجامع و جرّد نصف العمد التي فيه، فصار العمود نصفه الأسفل أبيض و باقيه بحاله، و دهن واجهة غرفة الساعات بالسيلقون، و أجرى الماء من البئر التي بزقاق الأقفال إلى فسقية الجامع، ورمى ما كان بالزيادات من الأتربة، و بطر العوام به فيما فعله بالجامع، فصاروا يقولون نقل الديماس من البحر إلى الجامع، لكونه دهن الغرفة بالسيلقون، و ألبس العواميد للشيخ العريان، لكونه جرّد نصفها التحتانيّ، فصار أبيض الأسفل أسمر الأعلى، كما كان الشيخ العريان، فإن نصفه الأسفل كان مستورا بمئزر أبيض، و أعلاه عريان، و لم يفعل بالجامع سوى ما ذكر.

و لما حدثت الزلزلة في سنة اثنتين و سبعمائة، تشعث الجامع، فاتفق الأمير أن بيبرس الجاشنكير، و هو يومئذ أستادار الملك الناصر محمد بن قلاون، و الأمير سلار، و هو نائب السلطنة، و إليهما تدبير الدولة، على عمارة الجامعين بمصر و القاهرة، فتولى الأمير ركن الدين بيبرس عمارة الجامع الحاكميّ بالقاهرة، و تولى الأمير سلار عمارة جامع عمرو بمصر، فاعتمد سلار على كاتبه بدر الدين بن الخطاب، فهدم الحدّ البحريّ من سلّم السطح إلى باب الزيادة البحرية و الشرقية، و أعاده على ما كان عليه، و عمل بابين جديدين للزيادة البحرية و الغربية، و أضاف إلى كلّ عمود من الصف الأخير المقابل للجدار الذي هدمه عمودا آخر تقوية له، و جرّد عمد الجامع كلها و بيض الجامع بأسره، و زاد في سقف الزيادة الغربية رواقين، و بلط سفل ما أسقف منها، و خرّب بظاهر مصر و بالقرافتين عدّة مساجد و أخذ عمدها ليرخم بها صحن الجامع، و قلع من رخام الجامع الذي كان تحت الحصر كثيرا

17

من الألواح الطوال، ورص الجميع عند باب الجامع المعروف بباب الشراربيين، فنقل من هناك إلى حيث شاء، و لم يعمل منه في صحن الجامع شي‏ء البتة، و كان فيما نقل من ألواح الرخام ما طوله أربعة أذرع في عرض ذراع و سدس، ذهب بجميع ذلك. و لما ولي علاء الدين بن مروانة نيابة دار العدل، قسم جامعي مصر و القاهرة، فجعل جامع القاهرة مع نبيه الدين بن السعرتيّ، و جامع عمرو مع بهاء الدين بن السكريّ، فسقفت الزيادة البحرية الشرقية، و كانت قد جعلت حاصلا للحصر، و جعل لها دار بزين بين البابين يمنع الجانبين من المارّ، من باب الجامع إلى باب الزيادة المسلوك منه إلى سوق النحاسين، و بلط أرضها، و رقع بعض رخام صحن الجامع، و بلط المجازات، و عمل عضائد أعتاب تحوز الصحن عن مواضع الصلاة. و لما كان في شهور سنة ست و تسعين و ستمائة، اشترى الصاحب تاج الدين دارا بسوق الأكفانيين و هدمها، و جعل مكانها سقاية كبيرة، و رفعها إلى محاذاة سطح الجامع، و جعل لها ممشى يتوصل إليها من سطح الجامع، و عمل في أعلاها أربعة بيوت يرتفق بهم في الخلاء، و مكانا برسم أزيار الماء العذب، و هدم سقاية الغرفة التي تحت المئذنة المعروفة بالمنظرة، و بناها برجا كبيرا من الأرض إلى العلوّ، حيث كان أوّلا، و جعل بأعلى هذا البرج بيتا مرتفقا يختص بالغرفة المذكورة، كما كان أوّلا، و بيتا ثانيا من خارج الغرفة يرتفق به من هو خارج الغرفة ممن يقرب منها. و عمر القاضي صدر الدين أبو عبد اللّه محمد بن البارنباريّ، سقاية في ركن دار عمرو البحريّ الغربيّ من داره الصغرى، بعد ما كانت قد تهدّمت، فأعادها كأحسن ما كانت، ثم إن الجامع تشعث و مالت قواصره و لم يبق إلا أن يسقط، و أهل الدولة بعد موت الملك الظاهر برقوقا في شغل من اللهو عن عمل ذلك، فانتدب الرئيس برهان الدين إبراهيم بن عمر بن عليّ المحليّ رئيس التجار يومئذ بديار مصر، لعمارة الجامع بنفسه و ذويه، و هدم صدر الجامع بأسره فيما بين المحراب الكبير إلى الصحن طولا و عرضا و أزال اللوح الأخضر و أعاد البناء كما كان أوّلا، و جدّد لوحا أخضر بدل الأوّل و نصبه كما كان، و هو الموجود الآن، و جرّد العمد كلها، و تتبع جدار الجامع فرمّ شعثها كله، و أصلح من رخام الصحن ما كان قد فسد، و من السقوف ما كان قد و هى، و بيض الجامع كله، فجاء كما كان و عاد جديدا بعد ما كاد أن يسقط، و لا أقام اللّه عز و جل هذا الرجل مع ما عرف من شحه و كثرة ضنته بالمال، حتى عمره. فشكر اللّه سعيه و بيض محياه، و كان انتهاء هذا العمل في سنة أربع و ثمانمائة، و لم يتعطل منه صلاة جمعة و لا جماعة في مدّة عمارته.

قال ابن المتوج إن ذرع هذا الجامع اثنان و أربعون ألف ذراع بذراع البز المصريّ القديم، و هو ذراع الحصر المستمرّ إلى الآن، فمن ذلك مقدّمة ثلاثة عشر ألف ذراع و أربعمائة و خمسة و عشرون ذراعا، و مؤخره مثل ذلك، و صحنه سبعة آلاف و خمسمائة ذراع، و كلّ من جانبيه الشرقيّ و الغربيّ ثلاثة آلاف و ثمانمائة و خمسة و عشرون ذراعا،

18

و ذرعه كله بذراع العمل ثمانية و عشرون ألف ذراع، و عدد أبوابه ثلاثة عشر بابا، منها في القبليّ باب الزيز لخته الذي يدخل منه الخطيب، كان به شجرة زيزلخت عظيمة، قطعت في سنة ست و ستين و سبعمائة، و في البحري ثلاثة أبواب، و في الشرقيّ خمسة، و في الغربيّ أربعة، و عدد عمده ثلاثمائة و ثمانية و سبعون عمودا، و عدد مآذنه خمس، و به ثلاث زيادات، فالبحرية الشرقية كانت لجلوس قاضي القضاة بها في كل أسبوع يومين، و كان بهذا الجامع القصص.

قال القضاعيّ: روى نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: لم يقص في زمن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لا أبي بكر و لا عمر و لا عثمان رضي اللّه عنهم، و إنما كان القصص في زمن معاوية رضي اللّه عنه. و ذكر عمر بن شيبة قال: قيل للحسن متى أحدث القصص؟ قال: في خلافة عثمان بن عفان. قيل: من أوّل من قص؟ قال: تميم الداري.

و ذكر عن ابن شهاب قال: أوّل من قص في مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تميم الداري، استأذن عمر أن يذكر الناس فأبى عليه حتى كان آخر ولايته، فاذن له أن يذكر في يوم الجمعة قبل أن يخرج عمر، فاستأذن تميم عثمان بن عفان رضي اللّه عنه في ذلك فأذن له أن يذكر يومين في الجمعة، فكان تميم يفعل ذلك.

و روى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أنّ عليا رضي اللّه عنه قنت، فدعا على قوم من أهل حربه، فبلغ ذلك معاوية، فأمر رجلا يقص بعد الصبح و بعد المغرب يدعو له و لأهل الشام، قال يزيد: و كان ذلك أول القصص.

و روي عن عبد اللّه بن مغفل قال: أمّنا عليّ رضي اللّه عنه في المغرب، فلما رفع رأسه من الركعة الثالثة ذكر معاوية أوّلا، و عمرو بن العاص ثانيا، و أبا الأعور، يعني السلميّ ثالثا، و كان أبو موسى الرابع.

و قال الليث بن سعد: هما قصصان، قصص العامّة، و قصص الخاصة، فأما قصص العامّة فهو الذي يجتمع إليه النفر من الناس يعظهم و يذكرهم، فذلك مكروه و لمن فعله و لمن استمعه، و أما قصص الخاصة فهو الذي جعله معاوية، ولّى رجلا على القصص، فإذا سلّم من صلاة الصبح جلس و ذكر اللّه عز و جل و حمده و مجده و صلّى على النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و دعا للخليفة و لأهل ولايته و لحشمه و جنوده، و دعا على أهل حربه و على المشركين كافة.

و يقال أن أوّل من قص بمصر سليمان بن عتر التجيبي، في سنة ثمان و ثلاثين، و جمع له القضاء إلى القصص، ثم عزل عن القضاء و أفرد بالقصص، و كانت ولايته على القصص و القضاء سبعا و ثلاثين سنة، منها سنتان قبل القضاء. و يقال أنه كان يختم القرآن في كلّ ليلة ثلاث مرّات، و كان يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم، و يسجد في المفصل، و يسلّم‏

19

تسليمة واحدة، و يقرأ في الركعة الأولى بالبقرة، و في الثانية بقل هو اللّه أحد، و يرفع يديه في القصص إذا دعا. و كان عبد الملك بن مروان شكا إلى العلماء ما انتشر عليه من أمور رعيته و تحوّفه من كلّ وجه. فأشار عليه أبو حبيب الحمصيّ القاضي بأن يستنصر عليهم برفع يديه إلى اللّه تعالى، فكان عبد الملك يدعو و يرفع يديه، و كتب بذلك إلى القصاص فكانوا يرفعون أيديهم بالغداة و العشي.

و في هذا الجامع مصحف أسماء، و هو الذي تجاه المحراب الكبير. قال القضاعيّ:

كان السبب في كتب هذا المصحف، أنّ الحجاج بن يوسف الثقفيّ كتب مصاحف و بعث بها إلى الأمصار، و وجه إلى مصر بمصحف منها، فغضب عبد العزيز بن مروان من ذلك، و كان الوالي يومئذ من قبل أخيه عبد الملك و قال: يبعث إلى جند أنا فيه بمصحف؟ فأمر فكتب له هذا المصحف الذي في المسجد الجامع اليوم، فلما فرغ منه قال: من وجد فيه حرفا خطأ فله رأس أحمر و ثلاثون دينارا، فتداوله القرّاء، فأتى رجل من قراء الكوفة اسمه زرعة بن سهل الثقفيّ فقرآه تهجيا، ثم جاء إلى عبد العزيز بن مروان فقال له: إني قد وجدت في المصحف حرفا خطأ. فقال: مصحفي؟ قال نعم. فنظر فإذا فيه إنّ هذا أخي له تسع و تسعون نعجة. فإذا هي مكتوبة نجعة، قد قدّمت الجيم قبل العين، فأمر بالمصحف فأصلح ما كان فيه، و أبدلت الورقة، ثم أمر له بثلاثين دينارا و برأس أحمر، و لما فرغ من هذا المصحف كان يحمل إلى المسجد الجامع غداة كلّ جمعة، من دار عبد العزيز، فيقرأ فيه ثم يقص ثم يردّ إلى موضعه. فكان أوّل من قرأ فيه عبد الرحمن بن حجيرة الخولانيّ، لأنه كان يتولى القصص و القضاء يومئذ، و ذلك في سنة ست و سبعين، ثم تولى بعده القصص أبو الخير مرثد بن عبد اللّه اليزنيّ، و كان قاضيا بالاسكندرية قبل ذلك، ثم توفي عبد العزيز في سنة ست و ثمانين، فبيع هذا المصحف في ميراثه، فاشتراه ابنه أبو بكر بألف دينار، ثم توفي أبو بكر فاشترته أسماء ابنة أبي بكر بن عبد العزيز بسبعمائة دينار، فأمكنت الناس منه و شهرته، فنسب إليها. فلما توفيت أسماء اشتراه أخوها الحكم بن عبد العزيز بن مروان من ميراثها بخمسمائة دينار، فأشار عليه توبة بن نمر الحضرميّ القاضي، و هو متولي القصص يومئذ بالمسجد الجامع، بعد عقبة بن مسلم الهمدانيّ، و إليه القضاء. و ذلك في سنة ثمان عشرة و مائة، فجعله في المسجد الجامع، و أجرى على الذي يقرأ فيه ثلاثة دنانير في كل شهر من غلة الإصطبل، فكان توبة أوّل من قرأ فيه بعد أن أقرّ في الجامع، و تولى القصص بعد توبة أبو اسماعيل خير بن نعيم الحضرميّ القاضي، في سنة عشرين و مائة، و جمع له القضاء و القصص، فكان يقرأ في المصحف قائما، ثم يقص و هو جالس، فهو أوّل من قرأ في المصحف قائما، و لم تزل الأئمة يقرءون في المسجد الجامع في هذا المصحف في كلّ يوم جمعة، إلى أن ولي القصص أبو رجب العلاء بن عاصم الخولانيّ، في سنة اثنتين و ثمانين و مائة فقرأ فيه يوم الاثنين، و كان قد جعل المطلب الخزاعيّ أمير مصر، من قبل‏

20

المأمون، رزق أبي رجب العلاء عشرة دنانير على القصص، و هو أوّل من سلّم في الجامع تسليمتين بكتاب ورد من المأمون يأمر فيه بذلك، و صلّى خلفه محمد بن إدريس الشافعيّ حين قدم إلى مصر، فقال: هكذا تكون الصلاة، ما صليت خلف أحد أتم صلاة من أبي رجب و لا أحسن.

و لما ولي القصص حسن بن الربيع بن سليمان، من قبل عنبسة بن إسحاق أمير مصر، من قبل المتوكل في سنة أربعين و مائتين، أمر أن تترك قراءة بسم اللّه الرحمن الرحيم في الصلاة، فتركها الناس. و أمر أن تصلّى التراويح خمس تراويح، و كانت تصلّى قبل ذلك ست تراويح، و زاد في قراءة المصحف يوما، فكان يقرأ يوم الاثنين و يوم الخميس و يوم الجمعة.

و لما ولي حمزة بن أيوب بن إبراهيم الهاشميّ القصص بكتاب من المكتفي، في سنة اثنتين و تسعين و مائتين، صلّى في مؤخر المسجد حين نكس، و أمر أن يحمل إليه المصحف ليقرأ فيه، فقيل له انه لم يحمل المصحف إلى أحد قبلك، فلو قمت و قرأت فيه في مكانه.

فقال: لا أفعل، و لكن ائتوني به فإن القرآن علينا أنزل، و إلينا أتى. فأتي به، فقرأ فيه في المؤخر و هو أوّل من قرأ في المصحف في المؤخر، و لم يقرأ في المصحف بعد ذلك في المؤخر إلى أن تولى أبو بكر محمد بن الحسن السوسيّ الصلاة و القصص، في اليوم العشرين من شعبان، سنة ثلاث و أربعمائة، فنصب المصحف في مؤخر الجامع حيال الفوّارة و قرأ فيه أيام نكس الجامع، فاستمرّ الأمر على ذلك إلى الآن.

و لما تولى القصص أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن مسلم الملطيّ، في سنة إحدى و ثلاثمائة عزم على القراءة في المصحف في كلّ يوم، فتكلم عليّ بن قديد في ذلك و منع منه و قال: أعزم على أن يخلق المصحف و يقطعه، أيرى عبد العزيز بن مروان حيا فيكتب له مثله، فرجع إلى القراءة ثلاثة أيام.

و كان قد حضر إلى مصر رجل من أهل العراق و أحضر مصحفا ذكر أنه مصحف عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، و أنه الذي كان بين يديه يوم الدار، و كان فيه أثر الدم، و ذكر أنه استخرج من خزائن المقتدر، و دفع المصحف إلى عبد اللّه بن شعيب المعروف بابن بنت وليد القاضي، فأخذه أبو بكر الخازن و جعله في الجامع، و شهره و جعل عليه خشبا منقوشا، و كان الإمام يقرأ فيه يوما، و في مصحف أسماء يوما، و لم يزال على ذلك إلى أن رفع هذا المصحف و اقتصر على القراءة في مصحف أسماء، و ذلك في أيام العزيز بالله، لخمس خلون من المحرّم سنة ثمان و سبعين و ثلاثمائة. و قد أنكر قوم أن يكون هذا المصحف مصحف عثمان رضي اللّه عنه، لأن نقله لم يصح، و لم يثبت بحكاية رجل واحد. و رأيت أنا هذا المصحف و على ظهر مما نسخته: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه رب العالمين، هذا المصحف الجامع لكتاب اللّه جل ثناؤه و تقدّست أسسماؤه، حمله المبارك مسعود بن سعد

21

الهيتيّ لجماعة المسلمين القرّاء للقرآن التالين له، المتقرّبين إلى اللّه جلّ ذكره بقراءته، و المتعلمين له، ليكون محفوظا أبدا ما بقي ورقه، و لم يذهب اسمه ابتغاء ثواب اللّه عز و جلّ، و رجاء غفرانه، و جعله عدّة ليوم فقره و فاقته و حاجته إليه، أنا له اللّه ذلك برأفته، و جعل ثوابه بينه و بين جماعة من نظر فيه، و قد درس ما بعد هذا الكلام من ظهر المصحف، و المندرس يشبه أن يكون: و تبصر في ورقه، و قصد بابداعه فسطاط مصر في المسجد الجامع، جامع المسلمين العتيق، ليحفظ حفظ مثله مع سائر مصاحف المسلمين، فرحم اللّه من حفظه و من قرأ فيه و من عنى به، و كان ذلك في يوم الثلاثاء مستهل ذي القعدة سنة سبع و أربعين و ثلاثمائة و صلّى اللّه على محمد سيد المرسلين و على آله و سلّم تسليما كثيرا، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

قال ابن المتوّج: و دليل بطلان ما قاله هذا المعترض، ظهور التعصب على عثمان رضي اللّه عنه من تجيب و خلفائهم، أن الناس قد جرّبوا هذا المصحف، و هو الذي على الكرسيّ الغربيّ من مصحف أسماء، أنه ما فتح قط إلّا و حدث حادث في الوجود لتحقيق ما حدث أوّلا. و اللّه أعلم.

قال القضاعيّ: ذكر المواضع المعروفة بالبركة من الجامع يستحبّ الصلاة و الدعاء عندها. منها البلاطة التي خلف الباب الأوّل في مجلس ابن عبد الحكم، و منها باب البرادع، روي عن رجل من صلحاء المصريين يقال له أبو هارون الخرقيّ قال: رأيت اللّه عز و جلّ في منامي، فقلت له يا رب أنت تراني و تسمع كلامي؟ قال: نعم. ثم قال أ تريد أن أريك بابا من أبواب الجنة؟ قلت نعم. يا رب، فأشار إلى باب أصحاب البرادع أو الباب الأقصى مما يلي رحبة حارث، و كان أبو هارون هذا يصلي الظهر و العصر فيما بينهما.

و قال ابن المتوّج: و عند المحراب الصغير الذي في جدار الجامع الغربيّ، ظاهر المقصورة، فيما بين بابي الزيادة الغربية الدعاء عنده مستجاب. قال: من ذلك باب مقصورة عرفة، و منها عند خرزة البئر التي بالجامع، و منها قبال اللوح الأخضر، و منها زاوية فاطمة، و يقال أنها فاطمة ابنة عفان، لمّا وصى والدها أن تترك للّه في الجامع فتركت في هذا المكان فعرف بها، و منها سطح الجامع و الطواف به سبع مرّات، يبدأ بالأولى من باب الخزانة الأولى التي يستقبلها الداخل من باب السطح، و هو يتلو إلى أن يصل إلى زاوية السطح التي عند المئذنة المعروفة بعرفة، يقف عندها ثم يدعو بما أراد، ثم يمرّ و هو يتلو إلى أن يصل إلى الركن الشرقيّ عند المئذنة المشهورة بالكبيرة، ثم يدعو بما أراد و يمرّ إلى الركن البحريّ الشرقيّ، فيقف محاذيا لغرفة المؤذنين و يدعو، ثم يمرّ و هو يتلو إلى المكان الذي ابتدأ منه. يفعل ذلك سبع مرّات، فإنّ حاجته تقضى.

قال القضاعيّ: و لم يكن الناس يصلّون بالجامع بمصر صلاة العيد، حتى كانت سنة

22

ست، و يقال سنة ثمان و ثلاثمائة. فصلّى فيه رجل يعرف بعليّ بن أحمد بن عبد الملك الفهميّ، يعرف بابن أبي شيخة صلاة الفطر، و يقال أنه خطب من دفتر نظرا، و حفظ عنه اتقوا اللّه حق تقاته و لا تموتن إلّا و أنتم مشركون. فقال بعض الشعراء:

و قام في العيد لنا خاطب‏* * * فحرّض الناس على الكفر

و توفي سنة تسع و ثلاثمائة.

و بالجامع زوايا يدرّس فيها الفقه: منها زاوية الإمام الشافعيّ رضي اللّه عنه، يقال أنه درّس بها الشافعيّ فعرفت به، و عليها أرض بناحية سندبيس وقفها السلطان الملك العزيز عثمان بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، و لم يزل يتولى تدريسها أعيان الفقهاء و جلة العلماء. و منها الزاوية المجدية بصدر الجامع، فيما بين المحراب الكبير و محراب الخمس، داخل المقصورة الوسطى بجوار المحراب الكبير، رتبها مجد الدين أبو الأشبال الحارث بن مهذب الدين أبي المحاسن مهلب بن حسن بن بركات بن عليّ بن غياث المهلبيّ الأزديّ البهنسيّ الشافعيّ، وزير الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب بحرّان، و قرّر في تدريسها قريبه قاضي القضاة وجيه الدين عبد الوهاب البهنسيّ، و عمل على هذه الزاوية عدّة أوقاف بمصر و القاهرة، و يعدّ تدريسها من المناصب الجليلة، و توفي المجد في صفر سنة ثمان و عشرين و ستمائة بدمشق، عن ثلاث و ستين سنة. و منها الزاوية الصاحبية، حول عرفة رتبها الصاحب تاج الدين محمد بن فخر الدين محمد بن بهاء الدين بن حنا، و جعل لها مدرّسين أحدهما مالكيّ و الآخر شافعيّ، و جعل عليها وقفا بظاهر القاهرة بخط البراذعيين. و منها الزاوية الكمالية بالمقصورة المجاورة لباب الجامع الذي يدخل إليه من سوق الغزل، رتبها كمال الدين السمنوديّ، و عليها فندق بمصر موقوف عليها. و منا الزاوية التاجية، أمام المحراب الخشب، رتبها تاج الدين السطحيّ، و جعل عليها دورا بمصر موقوفة عليها. و منها الزاوية المعينية في الجانب الشرقيّ من الجامع، رتبها معين الدين الدهر و طيّ، و عليها وقف بمصر. و منها الزاوية العلائية، تنسب لعلاء الدين الضرير، و هي في صحن الجامع، و هي لقراءة ميعاد. و منها الزاوية الزينية، رتبها الصاحب زين الدين بقراءة ميعاد أيضا، ذكر ذلك ابن المتوّج. و أخبرني المقرئ الأديب المؤرخ الضابط شهاب الدين أحمد بن عبد اللّه بن الحسن الأوحديّ رحمه اللّه قال:

أخبرني المؤرّخ ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم بن الفرات، قال: أخبرني العلامة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ الحنفيّ، أنه أدرك بجامع عمرو بن العاص بمصر قبل الوباء، الكائن في سنة تسع و أربعين و سبعمائة، بضعا و أربعين حلقة لإقراء العلم، لا تكاد تبرح منه. قال ابن المأمون: حدّثني القاضي المكين بن حيدرة و هو من أعيان الشهود بمصر، أن من جملة الخدم التي كانت بيد والده مشارقة الجامع العتيق، و أنّ القومة

23

بأجمعهم كانوا يجتمعون قبل ليلة الوقود عنده، إلى أن يعملوا ثمانية عشر ألف فتيلة، و أن المطلق برسمه خاصة في كلّ ليلة ترسم وقوده أحد عشر قنطار أو نصف زيتا طيبا.

ذكر المحاريب التي بديار مصر و سبب اختلافها و تعيين الصواب فيها و تبيين الخطأ منها

اعلم أن محاريب ديار مصر التي يستقبلها المسلمون في صلواتهم أربعة محاريب.

أحدها

محراب الصحابة رضي اللّه عنهم، الذي أسسوه في البلاد التي استوطنوها، و البلاد التي كثر ممرّهم بها من إقليم مصر، و هو محراب المسجد الجامع بمصر، المعروف بجامع عمرو، و محراب المسجد الجامع بالجيزة، و بمدينة بلبيس، و بالإسكندرية، و قوص، و أسوان، و هذه المحاريب المذكورة على سمت واحد، غير أن محاريب ثغر أسوان أشدّ تشريقا من غيرها، و ذلك أن أسوان مع مكة شرّفها اللّه تعالى في الإقليم الثاني، و هو الحدّ الغربيّ من مكة بغير ميل إلى الشمال، و محراب بلبيس مغرّب قليلا.

و المحراب الثاني محراب مسجد أحمد بن طولون، و هو منحرف عن سمت محراب الصحابة، و قد ذكر في سبب انحرافه أقوال منها: أنّ أحمد بن طولون لما عزم على بناء هذا المسجد، بعث إلى محراب مدينة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من أخذ سمته، فإذا هو مائل عن خط سمت القبلة المستخرج بالصناعة نحو العشر درج إلى جهة الجنوب، فوضع حينئذ محراب مسجده هذا مائلا عن خط سمت القبلة إلى جهة الجنوب بنحو ذلك، اقتداء منه بمحراب مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و قيل: أنه رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في منامه، و خط له المحراب، فلما أصبح وجد النمل قد أطاف بالمكان الذي خطه له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في المنام. و قيل غير ذلك.

و أنت إن صعدت إلى سطح جامع ابن طولون، رأيت محرابه مائلا عن محراب جامع عمرو بن العاص إلى الجنوب، و رأيت محراب المدارس التي حدثت إلى جانبه قد انحرفت عن محرابه إلى جهة الشرق، و صار محراب جامع عمرو فيما بين محراب ابن طولون و المحاريب الأخر، و قد عقد مجلس بجامع ابن طولون في ولاية قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن محمد بن جماعة، حضره علماء الميقات، منهم الشيخ تقيّ الدين محمد بن محمد بن موسى الغزوليّ، و الشيخ أبو الطاهر محمد بن محمد، و نظروا في محرابه، فأجمعوا على أنه منحرف عن خط سمت القبلة إلى جهة الجنوب مغربا بقدر أربع عشرة درجة، و كتب بذلك محضر و أثبت على ابن جماعة.

و المحراب الثالث: محراب جامع القاهرة، المعروف بالجامع الأزهر، و ما في سمته من بقية محاريب القاهرة، و هي محاريب يشهد الامتحان بتقدّم واضعها في معرفة استخراج القبلة، فإنها على خط سمت القبلة من غير ميل عنه و لا انحراف البتة.

24

و المحراب الرابع: محاريب المساجد التي في قرى بلاد الساحل، فإنها تخالف محاريب الصحابة، إلّا أنّ محراب جامع منية غمر قريب من سمت محاريب الصحابة، فإن الوزير أبا عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالمأمون البطائحيّ، وزير الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلي بالله، أنشأ جامعا بمنية زفتا في سنة ست عشرة و خمسمائة، فجعل محرابه على سمت المحاريب الصحيحة. و في قرافة مصر بجوار مسجد الفتح عدّة مساجد تخالف محاريب الصحابة مخالفة فاحشة، و كذلك بمدينة مصر الفسطاط غير مسجد على هذا الحكم. فأما محاريب الصحابة التي بفسطاط مصر و الإسكندرية، فإن سمتها يقابل مشرق الشتاء، و هو مطالع برج العقرب مع ميل قليل إلى ناحية الجنوب، و محاريب مساجد القرى و ما حول مسجد الفتح بالقرافة، فإنها تستقبل خط نصف النهار الذي يقال له خط الزوال، و تميل عنه إلى جهة المغرب، و هذا الاختلاف بين هذين المحرابين اختلاف فاحش يفضي إلى إبطال الصلاة. و قد قال ابن عبد الحكم: قبلة أهل مصر أن يكون القطب الشماليّ على الكتف الأيسر، و هذا سمت محاريب الصحابة. قال:

و إذا طلعت منازل العقرب و تكملت صورته، فمحاذاته سمت القبلة لديار مصر و برقة و إفريقية و ما والاها، و في الفرقدين و القطب الشماليّ كفاية للمستدلين، فإنهم إن كانوا مستقبلين في مسيرهم من الجنوب جهة الشمال، استقبلوا القطب و الفرقدين، و إن كانوا سائرين إلى الجنوب من الشمال استدبروها، و إن كانوا سائرين إلى الشرق من المغرب جعلوها على الأذن اليسرى، و إن كانوا سائرين من الشرق إلى المغرب جعلوها على الأذن اليمنى، و إن كان مسيرهم إلى النكباء (1) التي بين الجنوب و الصبا جعلوها على الكتف الأيسر، و إن كان مسيرهم إلى النكباء التي بين الجنوب و الدبور جعلوها على الكتف الأيمن، و إن كان مسيرهم إلى النكباء التي بين الشمال و الدبور جعلوها على الحاجب الأيمن، و إن كان مسيرهم إلى النكباء التي بين الشمال و الصبا جعلوها على الحاجب الأيسر. و إذا عرف ذلك فإنه يستحيل تصويب محرابين مختلفين في قطر واحد إذا زاد اختلافهما على مقدار ما يتسامح به في التيامن و التياسر، و بيان ذلك أن كلّ قطر من أقطار الأرض كبلاد الشام و ديار مصر و نحوهما من الأقطار، قطعة من الأرض واقعة في مقابلة جزء من الكعبة، و الكعبة تكون في جهة من جهات ذلك القطر، فإذا اختلف محرابان في قطر واحد، فإنا نتيقن أن أحدهما صواب و الآخر خطأ، إلّا أن يكون القطر قريبا من مكّة، و خطته التي هو محدود بها متسعة اتساعا كثيرا يزيد على الجزء الذي يخصه لو وزعت الكعبة أجزاء متماثلة، فإنه حينئذ يجوز التيامن و التياسر في محاريبه، و ذلك مثل بلاد البجة، فإنها على الساحل الغربيّ من بحر القلزم، و مكة واقعة في شرقيها ليس بينهما إلّا مسافة البحر

____________

(1) النكباء: ريح انحرفت و وقعت بين ريحين كالصّبا و الشّمال.

25

فقط و ما بين جدّة و مكة من البرّ، و خطة بلاد الجبة مع ذلك واسعة مستطيلة على الساحل، أوّلها عيذاب، و هي محاذية لمدينة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و تميل عنها في الجنوب ميلا قليلا، و المدينة شامية عن مكة بنحو عشرة أيام، و آخر بلاد البجة من ناحية الجنوب سواكن، و هي مائلة في ناحية الجنوب عن مكة ميلا كثيرا، و هذا المقدار من طول بلاد البجة يزيد على الجزء الذي يخص هذه الخطة من الأرض لو وزعت الأرض أجزاء متساوية إلى الكعبة، فيتعين و الحالة هذه التيامن أو التياسر في طرفي هذه البلاد لطلب جهة الكعبة.

و أما إذا بعد القطر عن الكعبة بعدا كثيرا، فإنه لا يضرّ اتساع خطته، و لا يحتاج فيه إلى تيامن و لا تياسر، لاتساع الجزء الذي يخصه من الأرض، فإن كلّ قطر منها له جزء يخصه من الكعبة، من أجل أن الكعبة من البلاد المعمورة كالكرة من الدائرة، فالأقطار كلها في استقبال الكعبة، محيطة بها كاحاطة الدائرة بمركزها، و كل قطر فإنه يتوجه إلى الكعبة في جزء يخصه، و الأجزاء المنقسمة إذا قدّرت الأرض كالدائرة فإنها تتسع عند المحيط و تتضايق عند المركز، فإذا كان القطر بعيدا عن الكعبة فإنه يقع في متسع الحدّ و لا يحتاج فيه إلى تيامن و لا تياسر، و بخلاف ما إذا قرب القطر من الكعبة، فإنه يقع في متضايق الجزء و يحتاج عند ذلك إلى تيامن أو تياسر، فإنّ فرضنا أن الواجب إصابة عين الكعبة في استقبال الصلاة لمن بعد عن مكة، و قد علمت ما في هذه المسألة من الاختلاف بين العلماء، فإنه لا يتسامح في اختلاف المحاريب بأكثر من قدر التيامن و التياسر الذي لا يخرج عن حدّ الجهة، فلو زاد الاختلاف حكم ببطلان أحد المحرابين، و لا بدّ اللهمّ إلّا أن يكونا في قطرين بعيدين بعضهما من بعض، و ليسا على خط واحد من مسامته الكعبة، و ذلك كبلاد الشام و ديار مصر، فإن البلاد الشامية لها جانبان و خطتها متسعة مستطيلة في شمال مكة، و تمتدّ أكثر من الجزء الخاص بها بالنسبة إلى مقدار بعدها عن الكعبة، و وفي هذين القطرين يجري ما تقدّم ذكره في أرض البجة، إلّا أنّ التيامن و التياسر ظهوره في البلاد الشامية أقل من ظهوره في أرض البجة، من أجل بعد البلاد الشامية عن الكعبة، و قرب أرض البجة، و ذلك أن البلاد الشامية وقعت في متسع الجزء الخاص بها، فلم يظهر أثر التيامن و التياسر ظهورا كثيرا كظهوره في أرض البجة، لأنّ البلاد الشامية لها جانب شرقيّ و جانب غربيّ و وسط، فجانبها الغربيّ هو أرض بيت المقدس و فلسطين إلى العريش، أوّل حدّ مصر، و هذا الجانب من البلاد الشامية يقابل الكعبة على حدّ مهب النكباء التي بين الجنوب و الصبا، و أمّا جانب البلاد الشامية الشرقيّ، فإنه ما كان مشرّقا عن مدينة دمشق إلى حلب و الفرات، و ما يسامت ذلك من بلاد الساحل، و هذه الجهة تقابل الكعبة مشرقا عن أوسط مهب الجنوب قليلا، و أما وسط بلاد الشام فإنها دمشق و ما قاربها، و تقابل الكعبة على وسط مهب الجنوب، و هذا هو سمت مدينة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مع ميل يسير عنه إلى ناحية المشرق.

و أما مصر فإنها تقابل الكعبة فيما بين الصبا و مهب النكباء التي بين الصبا و الجنوب،

26

و لذلك لما اختلف هذان القطران، أعني مصر و الشام في محاذاة الكعبة، اختلفت محاريبهما، و على ذلك وضع الصحابة رضي اللّه عنهم محاريب الشام و مصر على اختلاف السمتين، فأما مصر بعينها و ضواحيها و ما هو في حدّها أو على سمتها أو في البلاد الشامية و ما في حدّها أو على سمتها، فإنه لا يجوز فيها تصويب محرابين مختلفين اختلافا بينا، فإن تباعد القطر عن القطر بمسافة قريبة أو بعيدة، و كان القطران على سمت واحد في محاذاة الكعبة لم يضرّ حينئذ تباعدهما، و لا تختلف محاريبهما، بل تكون محاريب كلّ قطر منهما على حدّ واحد و سمت واحد، و ذلك كمصر و برقة و أفريقية و صقلية و الأندلس، فإن هذه البلاد و ان تباعد بعضها عن بعض فإنها كلها تقابل الكعبة على حدّ واحد، و سمتها جميعها سمت مصر من غير اختلاف البتة، و قد تبين بما تقرّر حال الأقطار المختلفة من الكعبة في وقوعها منها.

و أما اختلاف محاريب مصر فإن له أسبابا، أحدها حمل كثير من الناس قوله (صلى اللّه عليه و سلم)، الذي رواه الحافظ أبو عيسى الترمذيّ، من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه «ما بين المشرق و المغرب قبلة على العموم» و هذا الحديث قد روي موقوفا على عمر و عثمان و عليّ و ابن عباس و محمد ابن الحنفية رضي اللّه عنهم، و روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه مرفوعا. قال أحمد بن حنبل: هذا في كلّ البلدان. قال: هذا المشرق و هذا المغرب و ما بينهما قبلة، قيل له: فصلاة من صلّى بينهما جائزة؟ قال: نعم، و ينبغي أن يتحرّى الوسط، و قال أحمد بن خالد قول عمر: ما بين المشرق و المغرب قبلة، قاله: بالمدينة فمن كانت قبلته مثل قبلة المدينة فهو في سعة مما بين المشرق و المغرب، و لسائر البلدان من السعة في القبلة مثل ذلك بين الجنوب و الشمال. و قال أبو عمر بن عبد البرّ: لاختلاف بين أهل العلم فيه. قال مؤلفه رحمه اللّه: إذا تأمّلت وجدت هذا الحديث يختص بأهل الشام و المدينة. و ما على سمت تلك البلاد شمالا و جنوبا فقط، و الدليل على ذلك أنه يلزم من حمله على العموم إبطال التوجه إلى الكعبة في بعض الأقطار، و اللّه سبحانه قد افترض على الكافة أن يتوجهوا إلى الكعبة في الصلاة حيثما كانوا بقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ‏ [البقرة/ 144] و قد عرفت إن كنت تمهرت في معرفة البلدان و حدود الأقاليم أن الناس في توجههم إلى الكعبة كالدائرة حول المركز، فمن كان في الجهة الغربية من الكعبة فإن جهة قبلة صلاته إلى المشرق، و من كان في الجهة الشرقية من الكعبة فإنه يستقبل في صلاته جهة المغرب، و من كان في الجهة الشمالية من الكعبة فإنه يتوجه في صلاته إلى جهة الجنوب، و من كان في الجهة الجنوبية من الكعبة كانت صلاته إلى جهة الشمال، و من كان من الكعبة فيما بين المشرق و الجنوب فإن‏

27

قبلته فيما بين الشمال و المغرب، و من كان من الكعبة فيما بين الجنوب و المغرب فإن قبلته فيما بين الشمال و المشرق، و من كان من الكعبة فيما بين المشرق و الشمال فقبلته فيما بين الجنوب و المغرب، و من كان من الكعبة فيما بين الشمال و المغرب فقبلته فيما بين الجنوب و المشرق. فقد ظهر ما يلزم من القول بعموم هذا الحديث من خروج أهل المشرق الساكنين به، و أهل المغرب أيضا عن التوجه إلى الكعبة في الصلاة عينا وجهة، لأنّ من كان مسكنه من البلاد ما هو في أقصى المشرق من الكعبة، لو جعل المشرق عن يساره و المغرب عن يمينه لكان إنما يستقبل حينئذ جنوب أرضه و لم يستقبل قط عين الكعبة و لا جهتها، فوجب و لا بدّ حمل الحديث على أنه خاص بأهل المدينة و الشام، و ما على سمت ذلك من البلاد، بدليل أن المدينة النبوية واقعة بين مكة و بين أوسط الشام على خط مستقيم، و الجانب الغربيّ من بلاد الشام التي هي أرض المقدس و فلسطين يكون عن يمين من يستقبل بالمدينة الكعبة، و الجانب الشرقيّ الذي هو حمص و حلب و ماو إلى ذلك واقع عن يسار من استقبل الكعبة بالمدينة، و المدينة واقعة في أواسط جهة الشام على جهة مستقيمة، بحيث لو خرج خط من الكعبة و مرّ على استقامة إلى المدينة النبوية لنفذ منها إلى أوسط جهة الشام سواء، و كذلك لو خرج خط من مصلّى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و توجه على استقامة، لوقع فيما بين الميزاب من الكعبة و بين الركن الشاميّ، فلو فرضنا أن هذا الخط خرق الموضع الذي وقع فيه من الكعبة و مرّ لنفذ إلى بيت المقدس على استواء من غير ميل و لا انحراف البتة، و صار موقع هذا الخط فيما بين نكباء الشمال و الدبور، و بين القطب الشمالي. و هو إلى القطب الشماليّ أقرب و أميل، و مقابلته ما بين أوسط الجنوب و نكباء الصبا و الجنوب، و هو إلى الجنوب أقرب، و المدينة النبوية، مشرّقة عن هذا السمت، و مغرّبة عن سمت الجانب الآخر من بلاد الشام، و هو الجانب الغربيّ تغريبا يسيرا، فمن يستقبل مكة بالمدينة يصير المشرق عن يساره و المغرب عن يمينه، و ما بينهما فهو قبلته، و تكون حينئذ الشام بأسرها و جملة بلادها خلفه، فالمدينة على هذا في أوسط جهات البلاد الشامية.

و يشهد بصدق ذلك ما رويناه من طريق مسلم رحمه اللّه عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال: رقيت على بيت أختي حفصة، فرأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قاعدا لحاجته، مستقبل الشام مستدبر القبلة، و له أيضا من حديث ابن عمر بينا الناس في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد أنزل عليه الليلة و قد أمر أن يستقبل الكعبة فاستدار إلى الكعبة.

فهذا أعزك اللّه أوضح دليل أنّ المدينة بين مكة و الشام على حدّ واحد، و أنها في أوسط جهة بلاد الشام، فمن استقبل بالمدينة الكعبة فقد استدبر الشام، و من استدبر بالمدينة الكعبة فقد استقبل الشام، و يكون حينئذ الجانب الغربيّ من بلاد الشام و ما على سمته من البلاد جهة القبلة عندهم أن يجعل الواقف مشرق الصيف عن يساره، و مغرب الشتاء عن يمينه، فيكون ما بين ذلك قبلته. و تكون قبلة الجانب الشرقي من بلاد الشام و ما على سمت ذلك من‏

28

البلدان، أن يجعل المصلي مغرب الصيف عن يمينه، و مشرق الشتاء عن يساره، و ما بينهما قبلته. و يكون أوسط البلاد الشامية التي هي حدّ المدينة النبوية قبلة المصلي بها، أن يجعل مشرق الاعتدال عن يساره، و مغرب الاعتدال عن يمينه، و ما بينهما قبلة له، فهذا أوضح استدلال على أن الحديث خاص بأهل المدينة، و ما على سمتها من البلاد الشامية، و ما وراءها من البلدان المسامتة لها.

و هكذا أهل اليمن و ما على سمت اليمن من البلاد، فإن القبلة واقعة فيما هنالك بين المشرق و المغرب لكن على عكس وقوعها في البلاد الشامية، فإنه تصير مشارق الكواكب في البلاد الشامية التي على يسار المصلي، واقعة عن يمين المصلي في بلاد اليمن، و كذلك كل ما كان من المغرب عن يمين المصلي بالشام، فإنه ينقلب عن يسار المصلي باليمن، و كلّ من قام ببلاد اليمن مستقبلا الكعبة فإنه يتوجه إلى بلاد الشام فيما بين المشرق و المغرب، و هذه الأقطار سكانها هم المخاطبون بهذا الحديث، و حكمه لازم لهم، و هو خاص بهم دون من سواهم من أهل الأقطار الأخر، و من أجل حمل هذا الحديث على العموم كان السبب في اختلاف محاريب مصر.

السبب الثاني: في اختلاف محاريب مصر، أن الديار المصرية افتتحها المسلمون كانت خاصة بالقبط و الروم مشحونة بهم، و نزل الصحابة رضي اللّه عنهم من أرض مصر في موضع الفسطاط الذي يعرف اليوم بمدينة مصر و بالإسكندرية، و تركوا سائر قرى مصر بأيدي القبط، كما تقدّم في موضعه من هذا الكتاب، و لم يسكن أحد من المسلمين بالقرى، و إنما كانت رابطة تخرج إلى الصعيد حتى إذا جاء أوان الربيع انتشر الأتباع في القرى لرعي الدواب، و معهم طوائف من السادات، و مع ذلك فكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ينهي الجند عن الزرع، و يبعث إلى أمراء الأجناد بإعطاء الرعية أعطياتهم و أرزاق عيالهم، و ينهاهم عن الزرع. روى الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن الحكم في كتاب فتوح مصر، من طريق ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن بكر بن عمر، و عن عبد اللّه بن هبيرة: أن عمر بن الخطاب أمر بناذره أن يخرج إلى أمراء الأجناد يتقدّمون إلى الرعية، أنّ عطاءهم قائم، و أنّ أرزاق عيالهم سابل، فلا يزرعون و لا يزارعون. قال ابن وهب: و أخبرني شريك بن عبد الرحمن المراديّ قال: بلغنا أن شريك بن سميّ الغطفانيّ أتى إلى عمرو بن العاص فقال: إنكم لا تعطونا ما يحسبنا، أفتأذن لي بالزرع؟ فقال له عمرو: ما أقدر على ذلك. فزرع شريك من غير إذن عمرو، فلما بلغ ذلك عمرا كتب إلى عمر بن الخطاب يخبره أن شريك بن سميّ الغطفانيّ حرث بأرض مصر، فكتب إليه عمر أن ابعث إليّ به، فلما انتهى كتاب عمر إلى عمرو، أقرأه شريكا. فقال شريك لعمرو: و قتلتني يا عمرو. فقال عمرو: ما أنا بالذي قتلتك، أنت صنعت هذا بنفسك. فقال له: إذا كان هذا من رأيك فأذن لي بالخروج من غير كتاب، و لك عليّ عهد اللّه أن أجعل يدي في يده، فأذن له‏

29

بالخروج، فلما وقف على عمر قال: تؤمنني يا أمير المؤمنين؟ قال: و من أيّ الأجناد أنت؟

قال: من جند مصر، قال: فلعلك شريك بن سميّ الغطفانيّ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين.

قال: لأجعلنك نكالا لمن خلفك. قال: أو تقبل مني ما قبل اللّه تعالى من العباد؟ قال:

و تفعل؟ قال: فكتب إلى عمرو بن العاص أن شريك بن سميّ جاءني تائبا فقبلت منه.

قال: و حدّثنا عبد اللّه بن صالح بن عبد الرحمن بن شريح عن أبي قبيل، قال: كان الناس يجتمعون بالفسطاط إذا قفلوا، فإذا حضر مرافق الريف خطب عمرو بن العاص الناس فقال: قد حضر مرافق الريف ربيعكم فانصرفوا، فإذا حمض اللبن و اشتدّ العود و كثر الذباب فحيّ على فسطاطكم، و لا أعلمن ما جاء أحد قد أسمن نفسه و أهزل جواده.

و قال ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال: كان عمرو يقول للناس إذا قفلوا من غزوهم: أنه قد حضر الربيع، فمن أحبّ منكم أن يخرج بفرسه يربعه فليفعل، و لا أعلمن ما جاء أحد قد أسمن نفسه و أهزل فرسه، فإذا حمض اللبن و كثر الذباب و لوى العود فارجعوا إلى قيروانكم.

و عن ابن لهيعة عن الأسود بن مالك الحميريّ عن بجير بن ذاخر المعافريّ قال: رحت أنا و والدي إلى صلاة الجمعة تهجيرا، و ذلك بعد حميم النصارى بأيام يسيرة، فأطلنا الركوع إذا أقبل رجال بأيديهم السياط يزجرون الناس، فذعرت فقلت: يا أبت من هؤلاء؟ فقال: يا بنيّ هؤلاء الشرط فأقام المؤذنون الصلاة، فقام عمرو بن العاص على المنبر فرأيت رجلا ربعة قصير القامة، وافر الهامة، أدعج أبلج، عليه ثياب موشاة كأن به العقبان تأتلق، عليه حلة و عمامة وجبة، فحمد اللّه و أثنى عليه حمدا موجزا، و صلّى على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و وعظ الناس و أمرهم و نهاهم، فسمعته يحض على الزكاة و صلة الأرحام، و يأمر بالاقتصاد و ينهي عن الفضول و كثرة العيال، و إخفاض الحال في ذلك فقال: يا معشر الناس إيّاكم و خلالا أربعا، فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، و إلى الضيق بعد السعة، و إلى الذلة بعد العزة، إياكم و كثرة العيال، و إخفاض الحال، و تضييع المال، و القيل بعد القال، في غير درك و لا نوال. ثم أنه لا بدّ من فراغ يؤول إليه المرء في توديع جسمه و التدبير لشأنه و تخليته بين نفسه و بين شهواتها، و من صار إلى ذلك فليأخذ بالقصد و النصيب الأقل، و لا يضيع المرء في فراغه نصيب العلم من نفسه، فيجوز من الخير عاطلا، و عن حلال اللّه و حرامه غافلا. يا معشر الناس: إنه قد تدلت الجوزاء و ذلت الشعري، و أقلعت السماء و ارتفع الوباء، و قلّ الندى و طاب المرعى، و وضعت الحوامل و درجت السخائل، و على الراعي بحسن رعيته حسن النظر، فحيّ لكم على بركة اللّه تعالى إلى ريفكم، فنالوا من خيره و لبنه و خرافه و صيده، و اربعوا خيلكم و أسمنوها و صنونوها و أكرموها، فإنها جنتكم من عدوّكم، و بها مغانمكم و أنفالكم، و استوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرا، و إياكم و المومسات‏

30

المعسولات، فإنهنّ يفسدن الدين و يقصرن الهمم. حدّثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «إنّ اللّه سيفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا، فإن لهم فيكم صهرا و ذمّة، فكفوا أيديكم، و عفوا فروجكم، و غضوا أبصاركم» و لا أعلمن ما أتى رجل قد أسمن جسمه و أهزل فرسه، و اعلموا أني معترض الخيل كاعتراض الرجال، فمن أهزل فرسه من غير علة حططته من فريضته قدر ذلك، و اعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة لكثرة الأعداء حولكم، و تشوّق قلوبهم إليكم، و إلى داركم معدن الزرع و المال و الخير الواسع و البركة النامية، و حدّثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول:

«إذا فتح اللّه عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض» فقال له أبو بكر رضي اللّه عنه: و لم يا رسول اللّه؟ قال: «لأنهم و أزواجهم في رباط إلى يوم القيامة» فاحمدوا اللّه معشر الناس على ما أولاكم، فتمتعوا في ريفكم ما طاب لكم، فإذا يبس العود و سخن الماء و كثرت الذباب و حمض اللبن و صوّح البقل و انقطع الورد من الشجر، فحيّ إلى فسطاطكم، على بركة اللّه، و لا يقدمن أحد منكم ذو عيال إلا و معه تحفة لعياله على ما أطاق من سعته أو عسرته، أقول قولي هذا و استحفظ اللّه عليكم.

قال فحفظت ذلك عنه. فقال والدي بعد انصرافنا إلى المنزل لما حكيت له خطبته أنه يا بنيّ يحذر الناس إذا انصرفوا إليه على الرباط كما حذرهم على الريف و الدعة. قال: و كان إذا جاء وقت الربيع كتب لكلّ قوم بربيعهم و لبنهم إلى حيث أحبوا، و كانت القرى التي يأخذ فيها معظمهم منوف و سمنود و أهناس و طحا، و كان أهل الراية متفرّقين، فكان آل عمرو بن العاص و آل عبد اللّه بن سعد يأخذون في منوف و وسيم، و كانت هذيل تأخذ في ببا و بوصير، و كانت عدوان تأخذ في بوصير و قرى عك، و الذي يأخذ فيه معظمهم بوصير و منوف و سندبيس و ارتيب، و كانت بلى تأخذ في منف و طرّانية، و كانت فهم تأخذ في اتريب و عين شمس و منوف، و كانت مهرة جذام تأخذ في مناونمي و بسطة و وسيم، و كانت لخم تأخذ في الفيوم و طرّانية و قربيط، و كانت جذام تأخذ في قربيط و طرّانية، و كانت حضر موت تأخذ في ببا و عين شمس و اتريب، و كانت مراد تأخذ في منف و الفيوم و معهم عبس بن زوف، و كانت حمير تأخذ في بوصير و قرى أهناس، و كانت خولان تأخذ في قرى أهناس و القيس و البهنسا، و آل وعلة يأخذون في سفط من بوصير، و آل ابرهة يأخذون في منف و غفار، و أسلم يأخذون مع وائل من جذام و سعد في بسطة و قربيط و طرّانية، و آل يسار بن ضبة في أتريب، و كانت المعافر. تأخذ في أتريب و سخا و منوف، و كانت طائفة من تجيب و مراد يأخذون باليدقون، و كان بعض هذه القبائل ربما جاور بعضا في الربيع، و لا يوقف في معرفة ذلك على أحد إلا أن معظم القبائل كانوا يأخذون حيث وصفنا، و كان يكتب لهم بالربيع فيربعون ما أقاموا و باللبن، و كان لغفار و ليث أيضا مربع باتريب. قال: و أقامت مدلج بخربتا فاتخذوها منزلا، و كان معهم نفر من حمير حالفوهم فيها، فهي منازلهم. و رجعت خشين و طائفة من لخم‏

31

و جذام فنزلوا أكناف ضان و أبليل و طرانية، و لم تكن قيس بالحوف الشرقيّ قديما، و إنما أنزلهم به ابن الحبحاب، و ذلك أنه وفد إلى هشام بن عبد الملك فأمر له بفريضة خمسة آلاف رجل، فجعل ابن الحبحاب الفريضة في قيس، و قدم بهم فأنزلهم الجوف الشرقيّ بمصر، فانظر أعزك اللّه ما كان عليه الصحابة و تابعوهم عند فتح مصر من قلة السكنى بالريف، و مع ذلك فكانت القرى كلها في جميع الإقليم أعلاه و أسفله مملوءة بالقبط و الروم، و لم ينتشر الإسلام في قرى مصر إلا بعد المائة من تاريخ الهجرة، و عند ما أنزل عبيد اللّه بن الحبحاب مولى سلول قيسا بالحوف الشرقيّ، فلما كان في المائة الثانية من سني الهجرة، كثر انتشار المسلمين بقرى مصر و نواحيها، و ما برحت القبط تنقض و تحارب المسلمين إلى ما بعد المائتين من سني الهجرة.

قال أبو عمرو محمد بن يوسف الكنديّ في كتاب أمراء مصر: و في امرة الحرّ بن يوسف أمير مصر، كتب عبيد اللّه بن الحبحاب صاحب خراج مصر إلى هشام بن عبد الملك، بأن أرض مصر تحتمل الزيادة، فزاد على كلّ دينار قيراطا، فنقضت كورة تنو و نمى و قريط و طرانية و عامّة الحوف الشرقيّ، فبعث إليهم الحرّ بأهل الديوان فحاربوهم فقتل منهم خلق كثير، و ذلك أوّل نقض القبط بمصر، و كان نقضهم في سنة تسع و مائة، و رابط الحرّ بن يوسف بدمياط ثلاثة أشهر، ثم نقض أهل الصعيد و حارب القبط عمالهم في سنة إحدى و عشرين و مائة، فبعث إليهم حنظلة بن صفوان أمير مصر أهل الديوان، فقتلوا من القبط ناسا كثيرا، فظفر بهم و خرج بحنس، و هو رجل من القبط من سمنود، فبعث إليه عبد الملك بن مروان موسى بن نصير أمير مصر فقتل بحنس في كثير من أصحابه، و ذلك في سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، و خالفت القبط أيضا برشيد، فبعث إليهم مروان بن محمد الحمار لما دخل مصر، فارّا من بني العباس، عثمان بن أبي سبعة، فهزمهم و خرج القبط على يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة أمير مصر بناحية سخا، و نابذوا العمال و أخرجوهم في سنة خمسين و مائة، و صاروا إلى شبراسنباط، و انضم إليهم أهل البشرود و الأوسية و النخوم، فأتى الخبر يزيد بن حاتم فعقد لنصر بن حبيب المهلبيّ على أهل الديوان و وجوه أهل مصر، فخرجوا إليهم و لقيهم القبط و قتلوا من المسلمين، فألقى المسلمون النار في عسكر القبط و انصرف العسكر إلى مصر منهزما.

و في ولاية موسى بن عليّ بن رباح على مصر، خرج القبط ببلهيت في سنة ست و خمسين و مائة، فخرج إليهم عسكر فهزمهم، ثم نقضت القبط في جمادى الأولى سنة ست عشرة و مائتين مع من نقض من أهل أسفل الأرض من العرب، و أخرجوا العمال و خلعوا الطاعة لسوء سيرة العمال فيهم، فكانت بينهم و بين الجيوش حروب امتدّت إلى أن قدم الخليفة عبد اللّه أمير المؤمنين المأمون إلى مصر، لعشر خلون من المحرّم، سنة سبع عشرة و مائتين، فعقد على جيش بعث به إلى الصعيد و ارتحل هو إلى سخا، و أوقع الأفشين بالقبط

32

في ناحية البشرود حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين، فحكم بقتل الرجال و بيع النساء و الأطفال، فبيعوا و سبي أكثرهم، و تتبع كلّ من يومأ إليه بخلاف، فقتل ناسا كثيرا، و رجع إلى الفسطاط في صفر، و مضى إلى حلوان، و عاد لثمان عشرة خلت من صفر فكان مقامه بالفسطاط و سخا و حلوان تسعة و أربعين يوما. فانظر أعزك اللّه كيف كانت إقامة الصحابة، إنما هي بالفسطاط و الإسكندرية، و أنه لم يكن لهم كثير إقامة بالقرى، و أن النصارى كانوا متمكنين من القرى، و المسلمون بها قليل، و أنهم لم ينتشروا بالنواحي إلا بعد عصر الصحابة و التابعين، يتبين لك أنهم لم يؤسسوا في القرى و النواحي مساجد، و تفطن لشي‏ء آخر، و هو أن القبط ما برحوا كما تقدّم يثبتون لمحاربة المسلمين، دالة منهم بما هم عليه من القوة و الكثرة، فلما أوقع بهم المأمون الوقعة التي قلنا غلب المسلمون على أماكنهم من القرى لما قتلوا منهم و سبوا، و جعلوا عدّة من كنائس النصارى مساجد، و كنائس النصارى مؤسسة على استقبال المشرق و استدبار المغرب، زعما منهم أنهم أمروا باستقبال مشرق الاعتدال، و أنه الجنة، لطلوع الشمس منه، فجعل المسلمون أبواب الكنائس محاريب عند ما غلبوا عليها.

و صيروها مساجد، فجاءت موازية لخط نصف النهار، و صارت منحرفة عن محاربي الصحابة انحرافا كثيرا يحكم بخطئها و بعدها عن الصواب كما تقدّم.

السبب الثالث: تساهل كثير من الناس في معرفة أدلة القبلة، حتى أنك لتجد كثيرا من الفقهاء لا يعرفون منازل القمر صورة و حسابا، و قد علم من له ممارسة بالرياضيات أن بمنازل القمر يعرف وقت الحسر و انتقال الفجر في المنازل، و ناهيك بما يترتب على معرفة ذلك من أحكام الصلاة و الصيام، و هذه المنازل التي للقمر من بعض ما يستدل به على القبلة، و الطرقات، و هي من مبادي العلم، و قد جهلوه، فمن أعوزه الأدنى فحريّ به أن يجهل ما هو أعلى منه و أدق.

السبب الرابع: الاعتذار بنجم سهيل، فإن كثيرا ما يقع الاعتذار عن مخالفة محاريب المتأخرين بأنها بنيت على مقابلة سهيل، و من هناك يقع الخطأ، فإن هذا أمر يحتاج فيه إلى تحرير، و هو أن دائرة سهيل مطلعها جنوب مشرق الشتاء قليلا، و توسطها في أوسط الجنوب، و غروبها يميل عن أوسط الجنوب قليلا، فلعل من تقدّم من السلف أمر ببناء المساجد في القرى على مقابلة مطالع سهيل، و مطلعه في سمت قبلة مصر تقريبا، فجهل من قام بأمر البنيان فرق ما بين مطالع سهيل و توسطه و غروبه، و تساهل فوضع المحراب على مقابلة توسط سهيل، و هو أوسط الجنوب، فجاء المحراب حينئذ منحرفا عن السمت الصحيح انحرافا لا يسوغ التوجه إليه البتة.

السبب الخامس: أن المحاريب الفاسدة بديار مصر أكثرها في البلاد الشمالية التي تعرف بالوجه البحريّ، و الذي يظهر أن الغلط دخل على من وضعها من جهة ظنه أن هذه‏

33

البلاد لها حكم بلاد الشام، و ذلك أن بلاد مصر التي في الساحل كثيرة الشبه ببلاد الشام في كثرة أمطارها و شدّة بردها، و حسن فواكهها، فاستطرد الشبه حتى في المحاريب و وضعها على سمت المحاريب الشامية، فجاء شيئا خطأ، و بيان ذلك أن هذه البلاد ليست بشمالية عن الشام حتى يكون حكمها في استقبال الكعبة كالحكم في البلاد الشامية، بل هي مغرّبة عن الجانب الغربيّ من الشام بعدّة أيام، و سمتاهما مختلفان في استقبال الكعبة، لاختلاف القطرين، فإن الجانب الغربيّ من الشام كما تقدّم يقابل ميزاب الكعبة على خط مستقيم، و هو حيث مهب النكباء التي بين الشمال و الدبور (1)، و وسط الشام كدمشق و ما والاها شمال مكة من غير ميل، و هم يستقبلون أوسط الجنوب في صلاتهم، بحيث يكون القطب الشماليّ المسمى بالجدي وراء ظهورهم، و المدينة النبوية بين هذا الحدّ من الشام و بين مكة مشرّقة عن هذا الحدّ قليلا، فإذا كانت مصر مغرّبة عن الجانب الغربيّ من الشام بأيام عديدة، تعين و وجب أن تكون محاريبها و لا بدّ مائلة إلى جهة المرق بقدر بعد مصر و تغريبها عن أوسط الشام، و هذا أمر يدركه الحس و يشهد لصحته العيان، و على ذلك أسس الصحابة رضي اللّه عنهم المحاريب بدمشق و بيت المقدس مستقبلة ناحية الجنوب، و أسسوا المحاريب بمصر مستقبلة المشرق مع ميل يسير عنه إلى ناحية الجنوب، فرض- رحمه اللّه- نفسك في التمييز، و عوّد نظرك التأمّل، و أربأ بنفسك أن تقاد كما تقاد البهيمة بتقليدك من لا يؤمن عليه الخطأ. فقد نهجت لك السبيل في هذه المسألة، و ألنت لك من القول، و قرّبت لك حتى كأنك تعاين الأقطار، و كيف موقعها من مكة. ولي هنا مزيد بيان، فيه الفرق بين إصابة العين و إصابة الجهة، و هو أن المكلف لو وقف و فرضنا أنه خرج خط مستقيم من بين عينيه و مرّ حتى اتصل بجدار الكعبة من غير ميل عنها إلى جهة من الجهات، فإنه لا بدّ أن ينكشف لبصره مدى عن يمينه و شماله، ينتهي بصره إلى غيره إن كان لا ينحرف عن مقابلته، فلو فرضنا امتداد خطين من كلا عيني الواقف، بحيث يلتقيان في باطن الرأس على زاوية مثلثة، و يتصلان بما انتهى إليه البصر من كلا الجانبين، لكان ذلك شكلا مثلثا يقسمه الخط الخارج من بين العينين إلى الكعبة بنصفين، حتى يصير ذلك الشكل بين مثلثين متساويين، فالخط الخارج من بين عيني مستقبل الكعبة الذي فرق بين الزاويتين، هو مقابلة العين التي اشترط الشافعيّ رحمه اللّه وجوب استقباله من الكعبة عند الصلاة، و منتهى ما يكشف بصر المستقبل من الجانبين، هو حدّ مقابلة الجهة التي قال جماعة من علماء الشريعة بصحة استقباله في الصلاة، و الخطان الخارجان من العينين إلى طرفيه هما آخر الجهة من اليمين و الشمال، فمهما وقعت صلاة المستقبل على الخط الفاصل بين الزاويتين، كان قد استقبل عين الكعبة، و مهما وقعت صلاته منحرفة عن يمين الخط أو يساره بحيث لا يخرج استقباله عن منتهى حدّ الزاويتين المحدودتين بما يكشف بصره من الجانبين، فإنه مستقبل جهة الكعبة، و إن خرج‏

____________

(1) الدّبور: ريح تهب من جهة المغرب، و تقابلها الصّبا و هي الريح الشرقية.

34

استقباله عن حدّ الزاويتين من أحد الجانبين، فإنه يخرج في استقباله عن حدّ جهة الكعبة، و هذا الحدّ في الجهة يتسع ببعد المدى، و يضيق بقربه، فأقصى ما ينتهي إليه اتساعه ربع دائرة الأفق، و ذلك أن الجهات المعتبرة في الاستقبال أربع، المشرق و المغرب و الجنوب و الشمال، فمن استقبل جهة من هذه الجهات كان أقصى ما ينتهي إليه سعة تلك الجهة ربع دائرة الأفق، و إن انكشف لبصره أكثر من ذلك فلا عبرة به من أجل ضرورة تساوي الجهات، فإنا لو فرضنا إنسانا وقف في مركز دائرة و استقبل جزأ من محيط الدائرة، لكانت كلّ جهة من جهاته الأربع التي هي وراءه و أمامه و يمينه و شماله، تقابل ربعا من أرباع الدائرة، فتبين بما قلنا أن أقصى ما ينتهي إليه اتساع الجهة قدر ربع دائرة الأفق، فأيّ جزء من أجزاء دائرة الأفق، قصده الواقف بالاستقبال في بلد من البلدان، كانت جهة ذلك الجزء المستقبل ربع دائرة الأفق، و كان الخط الخارج من بين عيني الواقف إلى وسط تلك الجهة هو مقابلة العين، و منتهى الربع من جانبيه يمنة و يسرة هو منتهى الجهة التي قد استقبلها، فما خرج من محاريب بلد من البلدان عن حدّ جهة الكعبة لا تصح الصلاة لذلك المحراب بوجه من الوجوه، و ما وقع في جهة الكعبة صحت الصلاة إليه عند من يرى أنّ الفرض في استقبال الكعبة إصابة جهتها، و ما وقع في مقابلة عين الكعبة فهو الأسدّ الأفضل الأولى عند الجمهور.

و إن أنصفت علمت أنه مهما وقع الاستقبال في مقابلة جهة الكعبة، فإنه يكون سديدا، و أقرب منه إلى الصواب ما وقع قريبا من مقابلة العين يمنة أو يسرة، بخلاف ما وقع بعيدا عن مقابلة العين، فإنه بعيد من الصواب، و لعله هو الذي يجري فيه الخلاف بين علماء الشريعة و اللّه أعلم.

و حيث تقرّر الحكم الشرعيّ بالأدلة السمعية و البراهين العقلية في هذه المسألة، فاعلم أن المحاريب المخالفة لمحاريب الصحابة التي بقرافة مصر و بالوجه البحريّ من ديار مصر، واقعة في آخر جهة الكعبة من مصر، و خارجة عن حدّ الجهة، و هي مع ذلك في مقابلة ما بين البجة و النوبة، لا في مقابلة الكعبة، فإنها منصوبة على موازاة خط نصف النهار، و محاريب الصحابة على موازاة مشرق الشتاء تجاه مطالع العقرب مع ميل يسير عنها إلى ناحية الجنوب، فإذا جعلنا مشرق الشتاء المذكور مقابلة عين الكعبة لأهل مصر، و فرضنا جهة ذلك الجزء ربع دائرة الأفق، صار سمت المحاريب التي هي موازية لخط نصف النهار خارجا عن جهة الكعبة، و الذي يستقبلها في الصلاة يصلي إلى غير شطر المسجد الحرام، و هو خطر عظيم فاحذره.

و اعلم أن صعيد مصر واقع في جنوب مدينة مصر، وقوص واقعة في شرقيّ الصعيد، و فيما بين مهب ريح الجنوب و الصبا من ديار مصر، فالمتوجه من مدينة قوص إلى عيذاب‏

35

يستقبل مشرق الشتاء، سواء إلى أن يصل إلى عيذاب و لا يزال كذلك إذا سار من عيذاب حتى ينتهي في البحر إلى جدّة، فإذا سار من جدّة في البرّ استقبل المشرق كذلك حتى يحل بمكة، فإذا عاد من مكة استقبل المغرب، فاعرف من هذا أن مكة واقعة في النصف الشرقيّ من الربع الجنوبيّ بالنسبة إلى أرض مصر، و هذا هو سمت محاريب الصحابة التي بديار مصر و الإسكندرية، و هو الذي يجب أن يكون سمت جميع محاريب إقليم مصر.

برهان آخر: و هو أن من سار من مكة يريد مصر على الجادّة، فإنه يستقبل ما بين القطب الشماليّ الذي هو الجدي، و بين مغرب الصيف مدّة يومين، و بعض اليوم الثالث، و في هذه المدّة يكون مهب النكباء التي بين الشمال و المغرب تلقاء وجهه، ثم يستقبل بعد ذلك في مدّة ثلاثة أيام أوسط الشمال، بحيث يبقى الجدي تلقاء وجهه إلى أن يصل إلى بدر، فإذا سار من بدر إلى المدينة النبوية صار مشرق الصيف تلقاء وجهه تارة و مشرق الاعتدال تارة إلى أن ينتهي إلى المدينة، فإذا رجع من المدينة إلى الصفراء، استقبل مغرب الشتاء إلى أن يعدل إلى ينبع، فيصير تارة يسير شمالا و تارة يسير مغربا، و يكون ينبع من مكة على حد النكباء التي بين الشمال و مغرب الصيف، فإذا سار من ينبع استقبل ما بين الجدي و مغرب الثريا، و هو مغرب الصيف، و هبت النكباء تلقاء وجهه إلى أن يصل إلى مدين، فإذا سار من مدين استقبل تارة الشمال و أخرى مغرب الصيف حتى يدخل إيلة، و من إيلة لا يزال يستقبل مغرب الاعتدال تارة و يميل عنه إلى جهة الجنوب مع استقبال مغرب الشتاء أخرى، إلى أن يصل إلى القاهرة و مصر، فلو فرضنا خطا خرج من محاريب مصر الصحيحة التي وضعها الصحابة، و مرّ على استقامة من غير ميل و لا انحراف لا تصل بالكعبة و لصق بها.

و اعلم أن أهل مصر و الإسكندرية و بلاد الصعيد و أسفل الأرض و برقة و إفريقية و طرابلس المغرب و صقلية و الأندلس و سواحل المغرب إلى السوس الأقصى و البحر المحيط و ما على سمت هذه البلاد، يستقبلون في صلاتهم من الكعبة ما بين الركن الغربيّ إلى الميزاب، فمن أراد أن يستقبل الكعبة في شي‏ء من هذه البلاد فليجعل بنات نعش إذا غربت خلف كتفه الأيسر، و إذا طلعت على صدغه الأيسر، و يكون الجدي على أذنه اليسرى، و مشرق الشمس تلقاء وجهه أو ريح الشمال خلف أذنه اليسرى، أو ريح الدبور خلف كتفه الأيمن، أو ريح الجنوب التي تهب من ناحية الصعيد على عينه اليمنى، فإنه حينئذ يستقبل من الكعبة سمت محاريب الصحابة الذين أمرنا اللّه باتباع سبيلهم، و نهانا عن مخالفتهم بقوله عز و جل:

وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى‏ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً [النساء/ 155] ألهمنا اللّه بمنه اتباع طريقهم، و صيرنا بكرمه من حزبهم و فريقهم إنه على كلّ شي‏ء قدير.

36

جامع العسكر

هذا الجامع بظاهر مصر، و هو حيث الفضاء الذي هو اليوم فيما بين جامع أحمد بن طولون و كوم الجارح بظاهر مدينة مصر، و كان إلى جانب الشرطة و الدار التي يسكنها أمراء مصر، و من هذه الدار إلى الجامع باب، و كان يجمع فيه الجمعة، و فيه منبر و مقصورة، و هذا الجامع بناه الفضل بن صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس في ولايته إمارة مصر، ملاصقا لشرطة العسكر التي كانت يقال لها الشرطة العليا، في سنة تسع و ستين و مائة، فكانوا يجمعون فيه، و كانت ولاية الفضل إمارة مصر من قبل المهديّ محمد بن أبي جعفر المنصور على الصلاة و الخراج، فدخلها سلخ المحرّم سنة تسع و ستين و مائة، في عسكر من الجند عظيم أتى بهم من الشام، و مصر تضطرم لما كان في الحوف، و لخروج دحية بن مصعب بن الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان، فقام في ذلك و جهز الجنود حتى أسر دحية و ضرب عنقه في جمادى الآخرة من السنة المذكورة، و كان يقول أنا أولى الناس بولاية مصر لقيامي في أمر دحية، و قد عجز عنه غيري، حتى كفيت أهل مصر أمره، فعزله موسى الهادي لما استخلف بعد موت أبيه المهديّ، بعد ما أقرّه فندم الفضل على قتل دحية و أظهر توبة و سار إلى بغداد، فمات عن خمسين سنة، في سنة اثنتين و سبعين و مائة، و لم يزل الجامع بالعسكر إلى أن ولي عبد اللّه بن طاهر بن الحسين بن مصعب مولى خزاعة على صلاة مصر و خراجها، من قبل عبد اللّه أمير المؤمنين المأمون في ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة و مائتين، فزاد في عمارته، و كان الناس يصلون فيه الجمعة قبل بناء جامع أحمد بن طولون، و لم يزل هذا الجامع إلى ما بعد الخمسمائة من سني الهجرة. قال ابن المأمون في تاريخه من حوادث سنة سبع عشرة و خمسمائة، و كان يطلق في الأربع ليالي الوقود، و هي مستهلّ رجب و نصفه، و مستهلّ شعبان و نصفه، برسم الجوامع الستة، الأزهر و الأنور و الأقمر بالقاهرة، و الطولونيّ و العتيق بمصر، و جامع القرافة و المشاهد التي تتضمن الأعضاء الشريفة، و بعض المساجد التي يكون لأربابها و جاهة جملة كثيرة من الزيت الطيب، و يختص بجامع راشدة و جامع ساحل الغلة بمصر، و الجامع بالمقس يسير، و يعني بجامع ساحل الغلة جامع العسكر، فإنّ العسكر حينئذ كان قد خرب و حملت أنقاضه، و صار الجامع بساحل مصر، و هو الساحل القديم المذكور في موضعه من هذا الكتاب.

ذكر العسكر

كان مكان العسكر في صدر الإسلام يعرف بعد الفتح بالحمراء القصوى، و هي كما تقدّم خطة بني الأزرق و خطة بني روبيل و خطة بني يشكر بن جزيلة من لخم، ثم دثرت هذه الحمراء و صارت صحراء، فلما زالت دولة بني أمية و دخلت المسودة إلى مصر في طلب‏

37

مروان بن محمد الجعديّ، في سنة ثلاث و ثلاثين و مائة، و هي خراب فضاء يعرف بعضه بجبل يشكر، نزل صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس، و أبو عون عبد الملك بن يزيد بعسكرهما في هذا الفضاء، و أمر عبد الملك أبو عون أصحابه بالبناء فيه، فبنوا. و سمي من يومئذ بالعسكر، و صار أمراء مصر إذا قدموا ينزلون فيه من بعد أبي عون. و قال الناس من عهده كنا بالعسكر، خرجنا إلى العسكر، و كنت في العسكر. فصارت مدينة الفسطاط و العسكر. و نزل الأمراء من عهد أبي عون بالعسكر، فلما ولي يزيد بن حاتم إمارة مصر، و قام عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن حسن و طرق المسجد، كتب أبو جعفر المنصور إلى يزيد بن حاتم يأمره أن يتحوّل من العسكر إلى الفسطاط، و أن يجعل الديوان في كنائس القصر، و ذلك في سنة ست و أربعين و مائة، إلى أن قدم الأمير أبو العباس أحمد بن طولون من العراق أميرا على مصر، فنزل بالعسكر بدار الإمارة التي بناها صالح بن عليّ بعد هزيمة مروان و قتله، و كان لها باب إلى الجامع الذي بالعسكر، و كان الأمراء ينزلون بهذه الدار إلى أن نزلها أحمد بن طولون، ثم تحوّل منها إلى القطائع، و جعلها أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون عند إمارته على مصر ديوانا للخراج، ثم فرّقت حجرا حجرا بعد دخول محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر، و زوال دولة بني طولون، و سكن محمد بن سليمان أيضا بدار في العسكر عند المصلّى القديم، و نزلها الأمراء من بعده إلى أن ولي الإخشيد محمد بن طفج فنزل بالعسكر أيضا، و لما بنى أحمد بن طولون القطائع اتصلت مبانيها بالعسكر، و بنى الجامع على جبل يشكر، فعمر ما هناك عمارة عظيمة، بحيث كانت هناك دار على بركة قارون أنفق عليها كافور الإخشيديّ مائة ألف دينار، و سكنها. و كان هناك مارستان أحمد بن طولون أنفق عليه و على مستغله ستين ألف دينار.

و قدمت عساكر المعز لدين اللّه مع كاتبه و غلامه جوهر القائد في سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة و العسكر عامر، غير أنه منذ بنى أحمد بن طولون القطائع هجر اسم العسكر، و صار يقال مدينة الفسطاط و القطائع، فلما خرّب محمد بن سليمان الكاتب قصر ابن طولون و ميدانه، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، صارت القطائع فيها المساكن الجليلة، حيث كان العسكر، و أنزل المعز لدين اللّه عمه أبا عليّ في دار الإمارة، فلم يزل أهله بها إلى أن خربت القطائع في الغلاء الكائن بمصر في خلافة المستنصر، أعوام بضع و خمسين و أربعمائة. فيقال أنه كان هنالك ما ينيف على مائة ألف دار، و لا ينكر ذلك. فانظر ما بين سفح الجبل حيث القلعة الآن، و بين ساحل مصر القديم الذي يعرف اليوم بالكبارة، و ما بين كوم الجارح من مصر، و قناطر السباع، فهناك كانت القطائع و العسكر، و يخص العسكر من ذلك ما بين قناطر السباع و حدرة ابن قميحة إلى كوم الجارح، حيث الفضاء الذي يتوسط فيما بين قنطرة السدّ و باب المخدم من جهة القرافة، فهناك كان العسكر. و لما استولى‏

38

الخراب في المحنة زمن المستنصر، أمر الوزير الناصر للدين عبد الرحمن البازوريّ ببناء حائط يستر الخراب إذا توجه الخليفة إلى مصر، فيما بين العسكر و القطائع و بين الطريق، و أمر فبنى حائط آخر عند جامع ابن طولون. فلما كان في خلافة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلي بالله، أمر وزيره أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالمأمون البطائحيّ، فنودي مدّة ثلاثة أيام في القاهرة و مصر، بأن من كان له دار في الخراب أو مكان يعمره، و من عجز عن عمارته يبيعه أو يؤجره، من غير نقل شي‏ء من أنقاضه، و من تأخر بعد ذلك فلا حق له و لا حكر يلزمه، و أباح تعمير جميع ذلك بغير طلب حق، فعمر الناس ما كان منه مما يلي القاهرة، من حيث مشهد السيدة نفيسة إلى ظاهر باب زويلة، و نقلت أنقاض العسكر، فصار الفضاء الذي يوصل إليه من مشهد السيدة نفيسة، و من الجامع الطولونيّ، و من قنطرة السدّ، و يسلك فيه إلى حيث كوم الجارح. و العامر الآن من العسكر جبل يشكر الذي فيه جامع ابن طولون و ما حوله إلى قناطر السباع. كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى.

جامع ابن طولون‏

هذا الجامع موضعه يعرف بجبل يشكر. قال ابن عبد الظاهر: و هو مكان مشهور بإجابة الدعاء، و قيل أنّ موسى (عليه السلام) ناجى ربه عليه بكلمات. و ابتدأ في بناء هذا الجامع الأمير أبو العباس أحمد بن طولون بعد بناء القطائع، في سنة ثلاث و ستين و مائتين.

قال جامع السيرة الطولونية: كان أحمد بن طولون يصلّى الجمعة في المسجد القديم الملاصق للشرطة، فلما ضاق عليه بنى الجامع الجديد، مما أفاء اللّه عليه من المال الذي وجده فوق الجبل في الموضع المعروف بتنور فرعون، و منه بنى العين. فلما أراد بناء الجامع قدّر له ثلاثمائة عمود، فقيل له: ما تجدها، أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف و الضياع الخراب، فتحمل ذلك، فأنكر ذلك و لم يختره، و تعذب قلبه بالفكر في أمره، و بلغ النصرانيّ الذي تولى له بناء العين، و كان قد غضب عليه و ضربه و رماه في المطبق الخبر.

فكتب إليه يقول: أنا أبنيه لك كما تحب و تختار بلا عمد إلّا عمودي القبلة، فأحضره و قد طال شعره حتى نزل على وجهه، فقال له: ويحك ما تقول في بناء الجامع؟ فقال: أنا أصوّره للأمير حتى يراه عيانا بلا عمد إلّا عمودي القبلة. فأمر بأن تحضر له الجلود، فأحضرت، و صوّره له فأعجبه و استحسنه، و أطلقه و خلع عليه، و أطلق له للنفقة عليه مأئة ألف دينار. فقال له: أنفق، و ما احتجت إليه بعد ذلك أطلقناه لك. فوضع النصرانيّ يده في البناء في الموضع الذي هو فيه، و هو جبل يشكر، فكان ينشر منه و يعمل الجيرو يبني إلى أن فرغ من جميعه، و بيّضه و خلّقه و علّق فيه القناديل بالسلاسل الحسان الطوال، و فرش فيه الحصر، و حمل إليه صناديق المصاحف، و نقل إليه القرّاء و الفقهاء، و صلّى فيه بكار بن قتيبة القاضي، و عمل الربيع بن سليمان بابا فيما روي عن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «من بنى للّه مسجدا

39

و لو كمفحص‏ (1) قطاة، بنى اللّه له بيتا في الجنة». فلما كان أوّل جمعة صلاها فيه أحمد بن طولون و فرغت الصلاة، جلس محمد بن الربيع خارج المقصورة، و قام المستملي و فتح باب المقصورة، و جلس أحمد بن طولون، و لم ينصرف و الغلمان قيام و سائر الحجاب حتى فرغ المجلس، فلما فرغ المجلس خرج إليه غلام بكيس فيه ألف دينار و قال: يقول لك الأمير نفعك اللّه بما علّمك، و هذه لأبي طاهر، يعني ابنه، و تصدّق أحمد بن طولون بصدقات عظيمة فيه، و عمل طعاما عظيما للفقراء و المساكين، و كان يوما عظيما حسنا.

وراح أحمد بن طولون و نزل في الدار التي عملها فيه للإمارة، و قد فرشت و علّقت و حملت إليها الآلات و الأواني و صناديق الأشربة و ما شاكلها، فنزل بها أحمد و جدّد طهره و غير ثيابه و خرج من بابها إلى المقصورة، فركع و سجد شكرا للّه تعالى على ما أعانه عليه من ذلك و يسره له. فلما أراد الانصراف، خرج من المقصورة حتى أشرف على الفوّارة، و خرج إلى باب الريح. فصعد النصرانيّ الذي بنى الجامع و وقف إلى جانب المركب النحاس و صاح: يا أحمد بن طولون، يا أمير الأمان، عبدك يريد الجائزة و يسأل الأمان، أن لا يجري عليه مثل ما جرى في المرّة الأولى. فقال له أحمد بن طولون: انزل فقد أمّنك اللّه، و لك الجائزة. فنزل و خلع عليه و أمر له بعشرة آلاف دينار، و أجرى عليه الرزق الواسع إلى أن مات. وراح أحمد بن طولون في يوم الجمعة إلى الجامع، فلما رقى الخطيب المنبر و خطب، و هو أبو يعقوب البلخيّ، دعا للمعتمد و لولده، و نسي أن يدعو لأحمد بن طولون، و نزل عن المنبر، فأشار أحمد إلى نسيم الخادم أن أضربه خمسمائة سوط. فذكر الخطيب سهوه و هو على مراقي المنبر، فعاد و قال: الحمد للّه، و صلّى اللّه على محمد وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه/ 115] اللهمّ و أصلح الأمير أبا العباس أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين. و زاد في الشكر و الدعاء له بقدر الخطبة ثم نزل، فنظر أحمد إلى نسيم أن أجعلها دنانير، و وقف الخطيب على ما كان منه، فحمد اللّه تعالى على سلامته و هنأه الناس بالسلامة.

و رأى أحمد بن طولون الصنّاع يبنون في الجامع عند العشاء، و كان في شهر رمضان فقال: متى يشتري هؤلاء الضعفاء إفطارا لعيالهم و أولادهم، اصرفوهم العصر. فصارت سنّة إلى اليوم بمصر. فلما فرغ شهر رمضان، قيل له: قد انقضى شهر رمضان فيعودون إلى رسمهم. فقال: قد بلغني دعاؤهم، و قد تبرّكت به، و ليس هذا مما يوفر العمل علينا. و فرغ منه في شهر رمضان سنة خمس و ستين و مائتين، و تقرّب الناس إلى ابن طولون بالصلاة فيه، و ألزم أولادهم كلهم صلاة الجمعة في فوّارة الجامع، ثم يخرجون بعد الصلاة إلى مجلس‏

____________

(1) المفحص: حفرة تحفرها الدجاجة أو القطاة في الأرض لتبيض و ترقد فيها.

40

الربيع بن سليمان ليكتبوا العلم، مع كلّ واحد منهم ورّاق و عدّة غلمان. و بلغت النفقة على هذا الجامع في بنائه مائة ألف دينار و عشرين ألف دينار. و يقال أنّ أحمد بن طولون رأى في منامه كأنّ اللّه تعالى قد تجلّى و وقع نوره على المدينة التي حول الجامع، إلّا الجامع فإنه لم يقع عليه من النور شي‏ء، فتألم و قال: و اللّه ما بنيته إلّا للّه خالصا، و من المال الحلال الذي لا شبهة فيه. فقال له معبّر حاذق: هذا الجامع يبقى و يخرب كل ما حوله، لأنّ اللّه تعالى قال: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف/ 143] فكل شي‏ء يقع عليه جلال اللّه عز و جل لا يثبت. و قد صحّ تعبير هذه الرؤيا، فإن جميع ما حول الجامع خرب دهرا طويلا، كما تقدّم في موضعه من هذا الكتاب، و بقي الجامع عامرا، ثم عادت العمارة لما حوله كما هي الآن.

قال القضاعيّ رحمه اللّه، و ذكر أن السبب في بنائه، أنّ أهل مصر شكوا إليه ضيق الجامع يوم الجمعة من جنده و سودانه، فأمر بإنشاء المسجد الجامع بجبل يشكر بن جديلة من لخم، فابتدأ بنيانه في سنة ثلاث و ستين و مائتين، و فرغ منه سنة خمس و ستين و مائتين، و قيل أنّ أحمد بن طولون قال: أريد أن أبنى بناء، إن احترقت مصر بقي، و إن غرقت بقي.

فقيل له: يبنى بالجير و الرماد و الآجر الأحمر القويّ النار إلى السقف، و لا يجعل فيه أساطين رخام، فإنه لا صبر لها على النار، فبناه هذا البناء و عمل في مؤخره ميضأة و خزانة شراب فيها جميع الشرابات و الأدوية، و عليها خدم و فيها طبيب جالس يوم الجمعة لحادث يحدث للحاضرين للصلاة، و بناه على بناء جامع سامراء، و كذلك المنارة، و علّق فيه سلاسل النحاس المفرغة، و القناديل المحكمة، و فرشه بالحصر العبدانية و السامانية.

حديث الكنز: قال جامع السيرة: لما ورد على أحمد بن طولون كتاب المعتمد بما استدعاه من ردّ الخراج بمصر إليه، و زاده المعتمد مع ما طلب الثغور الشامية، رغب بنفسه عن المعادن و مرافقها، فأمر بتركها، و كتب بإسقاطها في سائر الأعمال، و منع المتقبلين من الفسخ على المزارعين، و خطر الارتفاق على العمال، و كان قبل إسقاط المرافق بمصر، قد شاور عبد اللّه بن دسومة في ذلك، و هو يومئذ أمين على أبي أيوب متولي الخراج. فقال:

إن أمنني الأمير تكلمت بما عندي. فقال له: قد أمنك اللّه عز و جلّ. فقال: أيها الأمير، إنّ الدنيا و الآخرة ضرّتان و الحازم من لم يخلط إحداهما مع الأخرى، و المفرّط من خلط بينهما، فيتلف أعماله و يبطل سعيه، و أفعال الأمير أيّده اللّه الخير و توكله توكل الزهاد، و ليس مثله من ركب خطة لم يحكمها، و لو كنا نثق بالنصر دائما طول العمر، لما كان شي‏ء عندنا آثر من التضييق على أنفسنا في العاجل بعمارة الآجل، و لكن الإنسان قصير العمر، كثير المصائب، مدفوع إلى الآفات، و ترك الإنسان ما قد أمكنه و صار في يده تضييع، و لعل الذي‏

41

حماه، نفسه يكون سعادة لمن يأتي من بعده، فيعود ذلك توسعة لغيره بما حرمه هو، و يجتمع للأمير أيده اللّه بما قد عزم على إسقاطه من المرافق في السنة بمصر دون غيرها مائة ألف دينار، و إنّ فسخ ضياع الأمراء و المتقبلين في هذه السنة، لأنها سنة ظمأ توجب الفسيخ، زاد مال البلد و توفر توفرا عظيما ينضاف إلى مال المرافق، فيضبط به الأمير أيّده اللّه أمر دنياه، و هذه طريقة أمور الدنيا و أحكام أمور الرياسة و السياسة، و كلّ ما عدل الأمير أيده اللّه إليه من أمر غير هذا، فهو مفسد لدنياه، و هذا رأيي، و الأمير أيده اللّه على ما عساه يراه.

فقال له: ننظر في هذا إن شاء اللّه. و شغل قلبه كلامه، فبات تلك الليلة بعد أن مضى أكثر الليل يفكر في كلام ابن دسومة، فرأى في منامه رجلا من إخوانه الزهاد بطرسوس و هو يقول له: ليس ما أشار به عليك من استشرته في أمر الارتفاق‏ (1) و الفسخ‏ (2) برأي تحمد عاقبته، فلا تقبله. و من ترك شيئا للّه عز و جلّ عوّضه اللّه عنه، فأمض ما كنت عزمت عليه.

فلما أصبح أنفذ الكتب إلى سائر الأعمال بذلك، و تقدّم به في سائر الدواوين بإمضائه، و دعا بابن دسومة فعرّفه بذلك، فقال له: قد أشار عليك رجلان، الواحد في اليقظة و الآخر ميت في النوم، و أنت إلى الحيّ أقرب و بضمانه أوثق. فقال: دعنا من هذا، فلست أقبل منك.

و ركب في غد ذلك اليوم إلى نحو الصعيد، فلما أمعن في الصحراء ساخت في الأرض يد فرس بعض غلمانه، و هو رمل، فسقط الغلام في الرمل، فإذا بفتق، ففتح فأصيب فيه من المال ما كان مقداره ألف ألف دينار، و هو الكنز الذي شاع خبره، و كتب به إلى العراق أحمد بن طولون بخير المعتمد به و يستأذنه فيما يصرفه فيه من وجوه البرّ و غيرها، فبنى منه المارستان، ثم أصاب بعده في الجبل مالا عظيما، فبنى منه الجامع و وقف جميع ما بقي من المال في الصدقات، و كانت صدقاته و معروفه لا تحصى كثرة. و لما انصرف من الصحراء و حمل المال أحضر ابن دسومة و أراه المال و قال له: بئس الصاحب و المستشار أنت، هذا أوّل بركة مشورة الميت في النوم، و لو لا أنني أمنتك لضربت عنقك، و تغيّر عليه و سقط محله عنده، و رفع إليه بعد ذلك أنه قد أجحف بالناس و ألزمهم أشياء ضجوا منها، فقبض عليه و أخذ ماله و حبسه، فمات في حبسه. و كان ابن دسومة واسع الحيلة بخيل الكف زاهدا في شكر الشاكرين، لا يهش إلى شي‏ء من أعمال البرّ. و كان أحمد بن طولون من أهل القرآن، إذا جرت منه إساءة استغفر و تضرّع.

و قال ابن عبد الظاهر: سمعت غير واحد يقول إنه لما فرغ أحمد بن طولون من بناء هذا الجامع، أسرّ للناس بسماع ما يقوله الناس فيه من العيوب. فقال رجل: محرابه صغير،

____________

(1) الارتفاق: الانتفاع.

(2) الفسخ: النقض.

42

و قال آخر: ما فيه عمود. و قال آخر: ليست له ميضأة. فجمع الناس و قال: أما المحراب فإني رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قد خطه لي، فأصبحت فرأيت النمل قد أطافت بالمكان الذي خطه لي، و أما العمد فإني بنيت هذا الجامع من مال حلال و هو الكنز، و ما كنت لأشوبه بغيره، و هذه العمد إمّا أن تكون من مسجد أو كنيسة فنزهته عنها، و أما الميضأة فإني نظرت فوجدت ما يكون بها من النجاسات فطهرته منها، و ها أنا أبنيها خلفه، ثم أمر ببنائها. و قيل أنه لما فرغ من بنائه رأى في منامه كأن نارا نزلت من السماء فأخذت الجامع دون ما حوله، فلما أصبح قص رؤياه، فقيل له: أبشر بقبول الجامع، لأنّ النار كانت في الزمان الماضي إذا قبل اللّه قربانا نزلت نار من السماء أخذته، و دليله قصة قابيل و هابل. قال: و رأيت من يقول أنه عمّر ما حوله حتى كان خلفه مسطبة ذراع في ذراع، أجرتها في كلّ يوم اثنا عشر درهما، في بكرة النهار، لشخص يبيع الغزل و يشتريه، و الظهر لخباز، و العصر لشيخ يبيع الحمص و الفول.

و قيل عن أحمد بن طولون أنه كان لا يعبث بشي‏ء قط، فاتفق أنه أخذ درجا أبيض بيده و أخرجه و مدّه و استيقظ لنفسه و علم أنه قد فطن به، و أخذ عليه لكونه لم تكن تلك عادته، فطلب المعمار على الجامع و قال: تبني المنارة التي للتأذين هكذا، فبنيت على تلك الصورة، و العامّة يقولون أن العشاري الذي على المنارة المذكورة يدور مع الشمس، و ليس صحيحا و إنما يدور مع دوران الرياح، و كان الملك الكامل قد اعتنى بوقودها ليلة النصف من شعبان، ثم أبطلها. و قال المسبحيّ: إن الحاكم أنزل إلى جامع ابن طولون ثمانمائة مصحف و أربعة عشر مصحفا. و في سنة ست و سبعين و ثلاثمائة في ليلة الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى، احترقت الفوّارة التي كانت بجامع ابن طولون فلم يبق منها شي‏ء، و كانت في وسط صحنه قبة مشبكة من جميع جوانبها، و هي مذهبة على عشر عمد رخام و ستة عشر عمود رخام في جوانبها، مفروشة كلها بالرخام، و تحت القبة قصعة رخام فسحتها أربعة أذرع، في وسطها فوّارة تفور بالماء، و في وسطها قبة مزوّقة يؤذن فيها، و في أخرى على سلمها، و في السطح علامات الزوال، و السطح بدرابزين ساج، فاحترق جميع هذا في ساعة واحدة. و في المحرّم سنة خمس و ثمانين و ثلاثمائة أمر العزيز بالله بن المعز ببناء فوّارة عوضا عن التي احترقت، فعمل ذلك على يد راشد الحنفيّ، و تولى عمارتها ابن الرومية و ابن البناء، و ماتت أمّ العزيز في سلخ ذي القعدة من السنة و اللّه أعلم.

تجديد الجامع: و كان من خبر جامع ابن طولون أنه لما كان غلاء مصر في زمان المستنصر، و خربت القطائع و العسكر، عدم الساكن هناك و صار ما حول الجامع خرابا، و توالت الأيام على ذلك و تشعث الجامع و خرب أكثره، و صار أخيرا ينزل فيه المغاربة بأباعرها و متاعها عند ما تمرّ بمصر أيام الحج، فهيأ اللّه جلّ جلاله لعمارة هذا الجامع، أن كان بين الملك الأشرف خليل بن قلاون و بين الأمير بيدر أمور موشحة تزايدت و تأكدت،

43

إلى أن جمع بيدر من يثق به و قتل الأشرف بناحية تروجه في سنة ثلاث و تسعين و ستمائة، كما سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى عند ذكر مدرسته، و كان ممن وافق الأمير بيدرا على قتل الأشرف، الأمير حسام الدين لاجين المنصوريّ، و الأمير قراسنقر، فلما قتل بيدر في محاربة مماليك الأشرف له، فرّ لاجين و قراسنقر من المعركة، فاختفى لاجين بالجامع الطولونيّ، و قراسنقر في داره بالقاهرة، و صار لاجين يتردّد بمفرده من غير أحد معه في الجامع و هو حينئذ خراب لا ساكن فيه، و أعطى اللّه عهدا إن سلّمه اللّه من هذه المحنة و مكنه من الأرض أن يجدّد عمارة هذا الجامع و يجعل له ما يقوم به، ثم إنه خرج منه في خفية إلى القرافة فأقام بها مدّة، و راسل قراسنقر فتحيل في لحاقه به، و عملا أعمالا إلى أن اجتمعا بالأمير زين الدين كتبغا المنصوري، و هو إذ ذاك نائب السلطنة في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، و القائم بأمور الدولة كلها، فأحضرهما إلى مجلس السلطان بقلعة الجبل بعد أن أتقن أمرهما مع الأمراء و مماليك السلطان، فخلع عليهما و صار كلّ منهما إلى داره و هو آمن، فلم تطل أيام الملك الناصر في هذه الولاية حتى خلعه الأمير كتبغا و جلس على تخت الملك، و تلقب بالملك العادل، فجعل لاجين نائب السلطنة بديار مصر، و جرت أمور اقتضت قيام لاجين على كتبغا و هم بطريق الشام، ففرّ كتبغا إلى دمشق و استولى لاجين على دست المملكة، و سار إلى مصر و جلس على سرير الملك بقلعة الجبل، و تلقب بالملك المنصور في المحرّم من سنة ست و تسعين و ستمائة، فأقام قراسنقر في نيابة السلطنة بديار مصر، و أخرج الناصر محمد بن قلاون من قلعة الجبل إلى كرك الشوبك، فجعله في قلعتها، و أعانه أهل الشام على كتبغا حتى قبض عليه و جعله نائب حماه، فأقام بها مدّة سنين بعد سلطنة مصر و الشام و خلع على الأمير علم الدين سنجر الدواداريّ و أقامه في نيابة دار العدل، و جعل إليه شراء الأوقاف على الجامع الطولونيّ، و صرف إليه كلّ ما يحتاج إليه في العمارة، و أكد عليه في أن لا يسخّر فيه فاعلا و لا صانعا، و أن لا يقيم مستحثا للصناع، و لا يشتري لعمارته شيئا مما يحتاج إليه من سائر الأصناف إلّا بالقيمة التامة، و أن يكون ما ينفق على ذلك من ماله، و أشهد عليه بوكالته، فابتاع منية أندونة من أراضي الجيزة، و عرفت هذه القرية بأندونة، كاتب بمصر كان نصرانيا في زمن أحمد بن طولون، و ممن نكبه و أخذ منه خمسين ألف دينار، و اشترى أيضا ساحة بجوار جامع أحمد بن طولون مما كان في القديم عامرا ثم خرب، و حكرها و عمر الجامع، و أزال كلّ ما كان فيه من تخريب، و بلطه و بيضه و رتب فيه دروسا لإلقاء الفقه على المذاهب الأربعة التي عمل أهل مصر عليها الآن، و درسا يلقى فيه تفسير القرآن الكريم، و درسا لحديث النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و درسا للطب، و قرّر للخطيب معلوما، و جعل له إماما راتبا، و مؤذنين و فرّاشين و قومة، و عمل بجواره مكتبا لإقراء أيتام المسلمين كتاب اللّه عز و جلّ، و غير ذلك من أنواع القربات و وجوه البرّ، فبلغت النفقة على عمارة الجامع و ثمن مستغلاته عشرين ألف دينار، فلما شاء اللّه سبحانه أن يهلك لاجين، زيّن له‏

44

سوء عمله، عزل الأمير قراسنقر من نيابة السلطنة، فعزله و ولى مملوكه منكوتمر، و كان عسوفا عجولا حادّا، و لاجين مع ذلك يركن إليه و يعوّل في جميع أموره عليه و لا يخالف قوله و لا ينقض فعله، فشرع منكوتمر في تأخير أمراء الدولة من الصالحية و المنصورية، و أعجل في إظهار التهجم لهم و الإعلان بما يريده من القبض عليهم و إقامة أمراء غيرهم، فتوحشت القلوب منه و تمالأت على بغضه، و مشى القوم بعضهم إلى بعض و كاتبوا إخوانهم من أهل البلاد الشامية، حتى تمّ لهم ما يريدون، فواعد جماعة منهم إخوانهم على قتل السلطان لاجين و نائبه منكوتمر، فما هو إلّا أن صلّى السلطان العشاء الآخرة من ليلة الجمعة العاشر من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان و تسعين و ستمائة، و إذا بالأمير كرجي و كان ممن هو قائم بين يديه، تقدّم ليصلح الشمعة، فضربه بسيف قد أخفاه معه أطار به زنده، و انقض عليه البقية ممن واعدوهم بالسيوف و الخناجر، فقطعوه قطعا، و هو يقول اللّه اللّه، و خرجوا من فورهم إلى باب القلة من قلعة الجبل، فإذا بالأمير طفج قد جلس في انتظارهم و معه عدّة من الأمراء، و كانوا إذ ذاك يبيتون بالقلعة دائما، فأمروا بإحضار منكوتمر من دار النيابة بالقلعة و قتلوه بعد مضيّ نصف ساعة من قتل أستاذه الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوريّ رحمه اللّه. فلقد كان مشكور السيرة.

و في سنة سبعة و ستين و سبعمائة جدّد الأمير يلبغا العمريّ الخاصكيّ درسا بجامع ابن طولون، فيه سبعا مدرّسين للحنفية، و قرّر لكلّ فقيه من الطلبة في الشهر أربعين درهما و أردب قمح، فانتقل جماعة من الشافعية إلى مذهب الحنفية. و أوّل من ولّي نظره بعد تجديده الأمير علم الدين سنجر الجاوليّ و هو إذ ذاك دوادار السلطان الملك المنصور لاجين، ثم ولّي نظره قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة، ثم من بعده الأمير مكين في أيام الناصر محمد بن قلاون، فجدّد في أوقافه طاحونا و فرنا و حوانيت. فلما مات وليه قاضي القضاة عز الدين بن جماعة، ثم ولّاه الناصر للقاضي كريم الدين الكبير، فحدّد فيه مئذنتين، فلما نكبه السلطان عاد نظره إلى قاضي القضاة الشافعيّ، و ما برح إلى أيام الناصر حسن بن محمد بن قلاون، فولّاه للأمير صرغتمش، و توفر في مدّة نظره من مال الوقف مائة ألف درهم فضة، و قبض عليه و هي حاصلة، فباشره قاضي القضاة إلى أيام الأشرف شعبان بن حسين، ففوّض نظره إلى الأمير الجاي اليوسفيّ إلى أن غرق، فتحدّث فيه قاضي القضاة الشافعيّ إلى أن فوّض السلطان الملك الظاهر برقوق نظره إلى الأمير قطلو بغا الصفويّ، في العشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين و تسعين و سبعمائة، و كان الأمير منطاش مدّة تحكمه في الدولة فوّضه إلى المذكور في أواخر شوّال سنة إحدى و تسعين و سبعمائة، ثم عاد نظره إلى القضاة بعد الصفويّ و هو بأيديهم إلى اليوم. و في سنة اثنتين و تسعين و سبعمائة جدّد الرواق البحريّ الملاصق للمئذنة، الحاج عبيد اللّه محمد بن عبد الهادي الهويديّ البازدار مقدّم الدولة. و جدّد ميضأة بجانب الميضأة القديمة، و كان عبيد

45

هذا بازدارا، ثم ترقّى حتى صار مقدّم الدولة، في شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين و تسعين و سبعمائة، ثم ترك زيّ المقدّمين و تزيّا بزيّ الأمراء، و حاز نعمة جليلة و سعادة طائلة حتى مات يوم السبت رابع عشر صفر سنة ثلاث و تسعين و سبعمائة.

ذكر دار الإمارة

و كان بجوار الجامع الطولونيّ دار أنشأها الأمير أحمد بن طولون عندما بني الجامع، و جعلها في الجهة القبلية، و لها باب من جدار الجامع يخرج منه إلى المقصورة بجوار المحراب و المنبر، و جعل في هذه الدار جميع ما يحتاج إليه من الفرش و الستور و الآلات، فكان ينزل بها إذا راح إلى صلاة الجمعة، فإنها كانت تجاه القصر و الميدان، فيجلس فيها و يجدّد وضوءه و يغير ثيابه، و كان يقال لها دار الإمارة، و موضعها الآن سوق الجامع حيث البزازين و غيرهم، و لم تزل هذه الدار باقية إلى أن قدم الإمام المعز لدين اللّه أبو تميم معدّ من بلاد المغرب، فكان يستخرج فيها أموال الخراج. قال الفقيه الحسن بن إبراهيم بن زولاق في كتاب سيرة المعز: و لست عشرة بقيت من المحرّم، يعني من سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة قلّد المعز لدين اللّه الخراج و جميع وجوه الأعمال و الحسبة و السواحل و الأعشار و الجوالي و الأحباس و المواريث و الشرطيين، و جميع ما ينضاف إلى ذلك، و ما يطرأ في مصر و سائر الأعمال، أبا الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس، و عسلوج بن الحسن، و كتب لهما سجلا بذلك قري‏ء يوم الجمعة على منبر جامع أحمد بن طولون، و جلسا غد هذا اليوم في دار الإمارة في جامع أحمد بن طولون للنداء على الضياع و سائر وجوه الأعمال، ثم خربت هذه الدار فيما خرب من القطائع و العسكر، و صار موضعها ساحة إلى أن حكرها الدويداريّ عند تجديد عمارة الجامع كما تقدّم، و قد ذكر بناء القيسارية في موضعه من هذا الكتاب عند ذكر الأسواق.

ذكر الأذان بمصر و ما كان فيه من الاختلاف‏

اعلم أن أوّل من أذن لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بلال بن رباح، مولى أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنهما، بالمدينة الشريفة و في الأسفار، و كان ابن أمّ مكتوم و اسمه عمرو بن قيس بن شريح من بني عامر بن لؤيّ، و قيل اسمه عبد اللّه، و أمّه أمّ مكتوم، و اسمها عاتكة بنت عبد اللّه بن عنكثة من بني مخزوم، ربما أذن بالمدينة، و أذن أبو محذورة، و اسمه أوس، و قيل سمرة بن معير بن لوذان بن ربيعة بن معير بن عريج بن سعد بن جمح، و كان استأذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في أن يؤذن مع بلال، فأذن له و كان يؤذن في المسجد الحرام، و أقام بمكة و مات بها و لم يأت المدينة.

قال ابن الكلبيّ: كان أبو محذورة لا يؤذن للنبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بمكة إلّا في الفجر، و لم يهاجر و أقام بمكة.

46

و قال ابن جريج: علّم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أبا محذورة الأذان بالجعرانة حين قسم غنائم حنين، ثم جعله مؤذنا في المسجد الحرام.

و قال الشعبيّ: أذن لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بلال و أبو محذورة و ابن أمّ مكتوم، و قد جاء أن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه كان يؤذن بين يدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عند المنبر، و قال محمد بن سعد عن الشعبيّ: كان لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثلاثة مؤذنين، بلال و أبو محذورة و عمرو بن أمّ مكتوم، فإذا غاب بلال أذن أبو محذورة، و إذا غاب أبو محذورة أذن ابن أمّ مكتوم.

قلت: لعلّ هذا كان بمكة. و ذكر ابن سعد أنّ بلالا أذن بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لأبي بكر رضي اللّه عنه، و أن عمر رضي اللّه عنه أراده أن يؤذن له فأبى عليه فقال له: إلى من ترى أن أجعل النداء؟ فقال: إلى سعد القرظ فإنه قد أذن لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فدعاه عمر رضي اللّه عنه فجعل النداء إليه و إلى عقبه من بعده، و قد ذكر أن سعد القرظ كان يؤذن لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بقباء.

و ذكر أبو داود في «مراسيله» و الدار قطنيّ في «سننه»، قال بكير بن عبد اللّه الأشج:

كانت مساجد المدينة تسعة سوى مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، كلهم يصلون بأذان بلال رضي اللّه عنه. و قد كان عند فتح مصر الأذان إنما هو بالمسجد الجامع المعروف بجامع عمرو، و به صلاة الناس بأسرهم، و كان من هدى الصحابة و التابعين رضي اللّه عنهم المحافظة على الجماعة و تشديد النكير على من تخلف عن صلاة الجماعة. قال أبو عمرو الكندي في ذكر من عرّف على المؤذنين بجامع عمرو بن العاص بفسطاط مصر، و كان أوّل من عرّف على المؤذنين أبو مسلم سالم بن عامر بن عبد المراديّ، و هو من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و قد أذن لعمر بن الخطاب، سار إلى مصر مع عمرو بن العاص يؤذن له حتى افتتحت مصر، فأقام على الأذان و ضمّ إليه عمرو بن العاص تسعة رجال يؤذنون هو عاشرهم، و كان الأذان في ولده حتى انقرضوا.

قال أبو الخير: حدّثني أبو مسلم و كان مؤذنا لعمرو بن العاص، أن الأذان كان أوّله لا إله إلا اللّه، و آخره لا إله إلّا اللّه، و كان أبو مسلم يوصي بذلك حتى مات و يقول: هكذا كان الأذان. ثم عرّف عليهم أخوه شرحبيل بن عامر و كانت له صحبة، و في عرافته زاد مسلمة بن مخلد في المسجد الجامع و جعل له المنار، و لم يكن قبل ذلك، و كان شرحبيل أوّل من رقي منارة مصر للأذان، و أن مسلمة بن مخلد اعتكف في منارة الجامع، فسمع أصوات النواقيس عالية بالفسطاط فدعا شرحبيل بن عامر، فأخبره بما ساءه من ذلك. فقال شرحبيل: فإني أمدّد بالأذان من نصف الليل إلى قرب الفجر، فإنههم أيها الأمير أن ينقسوا إذا أذنت، فنهاهم مسلمة عن ضرب النواقيس وقت الأذان، و مدّد شرحبيل و مطط أكثر الليل إلى أن مات شرحبيل سنة خمس و ستين.

47

و ذكر عن عثمان رضي اللّه عنه أنه أوّل من رزق المؤذنين، فلما كثرت مساجد الخطبة أمر مسلمة بن مخلد الأنصاريّ في إمارته على مصر ببناء المنار في جميع المساجد خلا مساجد تجيب و خولان، فكانوا يؤذنون في الجامع أوّلا، فإذا فرغوا أذن كلّ مؤذن في الفسطاط في وقت واحد، فكان لأذانهم دويّ شديد. و كان الأذان أوّلا بمصر كأذان أهل المدينة، و هو اللّه أكبر اللّه أكبر و باقيه كما هو اليوم، فلم يزل الأمر بمصر على ذلك في جامع عمرو بالفسطاط، و في جامع العسكر، و في جامع أحمد بن طولون و بقية المساجد إلى أن قدم القائد جوهر بجيوش المعز لدين اللّه و بنى القاهرة، فلما كان في يوم الجمعة الثامن من جمادى الأولى سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة، صلّى القائد جوهر الجمعة في جامع أحمد بن طولون، و خطب به عبد السميع بن عمر العباسيّ بقلنسوة و سبني و طيلسان دبسيّ، و أذن المؤذنون حيّ على خير العمل، و هو أوّل ما أذن به بمصر، و صلّى به عبد السميع الجمعة فقرأ سورة الجمعة إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ‏ و قنت في الركعة الثانية و انحط إلى السجود و نسي الركوع، فصاح به عليّ بن الوليد قاضي عسكر جوهر بطلت الصلاة أعد ظهرا أربع ركعات، ثم أذن بحيّ على خير العمل في سائر مساجد العسكر إلى حدود مسجد عبد اللّه، و أنكر جوهر على عبد السميع أنه لم يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم في كلّ سورة، و لا قرأها في الخطبة، فأنكره جوهر و منعه من ذلك.

و لأربع بقين من جمادى الأولى المذكور، أذّن في الجامع العتيق بحيّ على خير العمل، و جهروا في الجامع بالبسملة في الصلاة، فلم يزل الأمر على ذلك طول مدّة الخلفاء الفاطميين، إلّا أن الحاكم بأمر اللّه في سنة أربعمائة أمر بجمع مؤذني القصر و سائر الجوامع، و حضر قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقيّ، و قرأ أبو عليّ العباسيّ سجلا فيه الأمر بترك حيّ على خير العمل في الأذان، و أن يقال في صلاة الصبح الصلاة خير من النوم، و أن يكون ذلك من مؤذني القصر عند قولهم السلام على أمير المؤمنين و رحمة اللّه، فامتثل ذلك. ثم عاد المؤذنون إلى قول حيّ على خير العمل في ربيع الآخر سنة إحدى و أربعمائة، و منع في سنة خمس و أربعمائة مؤذني جامع القاهرة و مؤذني القصر من قولهم بعد الأذان السلام على أمير المؤمنين، و أمرهم أن يقولوا بعد الأذان، الصلاة رحمك اللّه. و لهذا الفعل أصل. قال الواقديّ: كان بلال رضي اللّه عنه يقف على باب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيقول: السلام عليك يا رسول اللّه، و ربما قال: السلام عليك بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة، السلام عليك يا رسول اللّه.

قال البلاذريّ و قال غيره: كان يقول السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته، حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، الصلاة يا رسول اللّه. فلما ولي أبو بكر رضي اللّه عنه الخلافة كان سعد القرظ يقف على بابه فيقول: السلام عليك يا خليفة رسول اللّه و رحمة اللّه‏

48

و بركاته، حي على الصلاة حيّ على الفلاح، الصلاة يا خليفة رسول اللّه. فلما استخلف عمر رضي اللّه عنه كان سعد يقف على بابه فيقول: السلام عليك يا خليفة خليفة رسول اللّه و رحمة اللّه، حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، الصلاة يا خليفة خليفة رسول اللّه. فلما قال عمر رضي اللّه عنه للناس: أنتم المؤمنين و أنا أميركم. فدعي أمير المؤمنين، استطالة لقول القائل يا خليفة خليفة رسول اللّه، و لمن بعده خليفة خليفة رسول اللّه. كان المؤذن يقول:

السلام عليك أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، الصلاة يا أمير المؤمنين. ثم إن عمر رضي اللّه عنه أمر المؤذن فزاد فيها رحمك اللّه. و يقال أنّ عثمان رضي اللّه عنه زادها، و ما زال المؤذنون إذا أذنوا سلموا على الخلفاء و أمراء الأعمال، ثم يقيمون الصلاة بعد السلام، فيخرج الخليفة أو الأمير فيصلي بالناس. هكذا كان العمل مدّة أيام بني أمية، ثم مدّة خلافة بني العباس أيام كانت الخلفاء و أمراء الأعمال تصلي بالناس.

فلما استولى العجم و ترك خلفاء بني العباس الصلاة بالناس، ترك ذلك كما ترك غيره من سنن الإسلام، و لم يكن أحد من الخلفاء الفاطميين يصلي بالناس الصلوات الخمس في كل يوم، فسلم المؤذنون في أيامهم على الخليفة بعد الأذان للفجر فوق المنارات، فلمّا انقضت أيامهم و غير السلطان صلاح الدين رسومهم لم يتجاسر المؤذنون على السلام عليه احتراما للخليفة العباسيّ ببغداد، فجعلوا عوض السلام على الخليفة السلام على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و استمرّ ذلك قبل الأذان للفجر في كلّ ليلة بمصر و الشام و الحجاز، و زيد فيه بأمر المحتسب صلاح الدين عبد اللّه البرلسيّ، الصلاة و السلام عليك يا رسول اللّه، و كان ذلك بعد سنة ستين و سبعمائة، فاستمرّ ذلك.

و لمّا تغلب أبو عليّ بن كتيفات بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجماليّ على رتبة الوزارة في أيام الحافظ لدين اللّه أبي الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر بالله، في سادس عشر ذي القعدة سنة أربع و عشرين و خمسمائة، و سجن الحافظ و قيده و استولى على سائر ما في القصر من الأموال و الذخائر، و حملها إلى دار الوزارة، و كان إماميا متشدّدا في ذلك، خالف ما عليه الدولة من مذهب الإسماعيلية، و أظهر الدعاء للإمام المنتظر، و أزال من الأذان حيّ على خير العمل، و قولهم محمد و عليّ خير البشر، و أسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الذي تنتسب إليه الإسماعيلية، فلما قتل في سادس عشر المحرّم سنة ست و عشرين و خمسمائة، عاد الأمر إلى الخليفة الحافظ و أعيد إلى الأذان ما كان أسقط منه.

و أوّل من قال في الأذان بالليل محمد و عليّ خير البشر، الحسين المعروف بأمير كابن شكنبه، و يقال أشكنبه، و هو اسم أعجميّ معناه الكرش، و هو عليّ بن محمد بن عليّ بن‏

49

إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، و كان أوّل تأذينه بذلك في أيام سيف الدولة بن حمدان بحلب في سنة سبع و أربعين و ثلاثمائة. قاله الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ النسابة، و لم يزل الأذان بحلب يزاد فيه حيّ على خير العمل، و محمد و عليّ خير البشر إلى أيام نور الدين محمود. فلما فتح المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلاوية، استدعى أبا الحسن عليّ بن الحسن بن محمد البلخيّ الحنفيّ إليها، فجاء و معه جماعة من الفقهاء و ألقى بها الدروس، فلما سمع الأذان أمر الفقهاء فصعدوا المنارة وقت الأذان و قال لهم: مروهم يؤذنوا الأذان المشروع، و من امتنع كبوه على رأسه. فصعدوا و فعلوا ما أمرهم به، و استمرّ الأمر على ذلك.

و أمّا مصر فلم يزل الأذان بها على مذهب القوم إلى أن استبدّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بسلطنة ديار مصر، و أزال الدولة الفاطمية في سنة سبع و ستين و خمسمائة، و كان ينتحل مذهب الإمام الشافعيّ رضي اللّه عنه، و عقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعري رحمه اللّه، فأبطل من الأذان قول حيّ على خير العمل، و صار يؤذن في سائر إقليم مصر و الشام بأذان أهل مكة، و فيه تربيع التكبير و ترجيع الشهادتين، فاستمرّ الأمر على ذلك إلى أن بنت الأتراك المدارس بديار مصر و انتشر مذهب أبي حنيفة رضي اللّه عنه في مصر، فصار يؤذن في بعض المدارس التي للحنيفة بأذان أهل الكوفة، و تقام الصلاة أيضا على رأيهم، و ما عدا ذلك فعلى ما قلنا، إلّا أنه في ليلة الجمعة إذا فرغ المؤذنون من التأذين سلموا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و هو شي‏ء أحدثه محتسب القاهرة صلاح الدين عبد اللّه بن عبد اللّه البرلسيّ بعد سنة ستين و سبعمائة، فاستمرّ إلى أن كان في شعبان سنة إحدى و تسعين و سبعمائة، و متولي الأمر بديار مصر الأمير منطاش، القائم بدولة الملك الصالح المنصور، أمير حاج المعروف بحاجي بن شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون. فسمع بعض الفقراء الخلاطين سلام المؤذنين على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في ليلة جمعة، و قد استحسن ذلك طائفة من إخوانه فقال لهم: أ تحبون أن يكون هذا السلام في كلّ أذان؟ قالوا: نعم. فبات تلك الليلة و أصبح متواجدا يزعم أنه رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في منامه، و أنه أمره أن يذهب إلى المحتسب فيبلغه عنه أن يأمر المؤذنين بالسلام على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في كلّ أذان، فمضى إلى محتسب القاهرة و هو يومئذ نجم الدين محمد الطنبديّ و كان شيخا جهولا و بلهانا مهولا سي‏ء السيرة في الحسبة و القضاء، متهافتا على الدرهم و لو قاده إلى البلاء، لا يحتشم من أخذ البرطيل و الرشوة، و لا يراعي في مؤمن إلّا و لا ذمّة قد ضرى على الآثام، و تجسد من أكل الحرام، يرى أن العلم إرخاء العذبة و لبس الجبة، و يحسب أنّ رضي اللّه سبحانه في ضرب العباد بالدرة و ولاية الحسبة، لم تحمد الناس قط أياديه، و لا شكرت أبدا مساعيه، بل جهالاته شائعة و قبائح أفعاله ذائعة، أشخص غير مرّة إلى مجلس المظالم، و أوقف مع من أوقف للمحاكمة بين يدي السلطان من أجل عيوب فوادح، حقق فيها شكاته عليه القوادح، و ما زال في السيرة

50

مذموما و من العامّة و الخاصة ملوما. و قال له: رسول اللّه يأمرك أن تتقدّم لسائر المؤذنين بأن يزيدوا في كل أذان قولهم الصلاة و السلام عليك يا رسول اللّه، كما يفعل في ليالي الجمع، فأعجب الجاهل هذا القول، و جهل أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لا يأمر بعد وفاته إلّا بما يوافق ما شرّعه اللّه على لسانه في حياته، و قد نهى اللّه سبحانه و تعالى في كتابه العزيز عن الزيادة فيما شرعه حيث يقول: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ‏ [الشورى/ 21] و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إياكم و محدثات الأمور» فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة، و تمت هذه البدعة و استمرّت إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر و بلاد الشام، و صارت العامّة و أهل الجهالة ترى أن ذلك من جملة الأذان الذي لا يحلّ تركه، و أدّى ذلك إلى أن زاد بعض أهل الإلحاد في الأذان ببعض القرى السلام بعد الأذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا، فلا حول و لا قوّة إلّا بالله، و إنّا للّه و إنّا إليه راجعون.

و أما التسبيح في الليل على المآذن، فإنه لم يكن من فعل سلف الأمّة، و أوّل ما عرف من ذلك أن موسى بن عمران (صلوات اللّه عليه)، لما كان ببني إسرائيل في التيه بعد غرق فرعون و قومه، اتخذ بوقين من فضة مع رجلين من بني إسرائيل، ينفخان فيهما وقت الرحيل و وقت النزول، و في أيام الأعياد، و عند ثلث الليل الأخير من كلّ ليلة، فتقوم عند ذلك طائفة من بني لاوي سبط موسى (عليه السلام) و يقولون نشيدا منزلا بالوحي، فيه تخويف و تحذير و تعظيم للّه تعالى، و تنزيله له تعالى، إلى وقت طلوع الفجر، و استمر الحال على هذا كلّ ليلة مدّة حياة موسى (عليه السلام)، و بعده أيام يوشع بن نون، و من قام في بني إسرائيل من القضاة إلى أن قام بأمرهم داود (عليه السلام) و شرع في عمارة بيت المقدس، فرتّب في كلّ ليلة عدّة من بني لاوي يقومون عند ثلث الليل الآخر، فمنهم من يضرب بالآلات كالعود و السطير و البربط و الدف و المزمار. و نحو ذلك، و منهم من يرفع عقيرته بالنشائد المنزلة بالوحي على نبيّ اللّه موسى (عليه السلام)، و النشائد المنزلة بالوحي على داود (عليه السلام). و يقال أنّ عدد بني لاوي هذا كان ثمانين و ثلاثين ألف رجل، قد ذكر تفصيلهم في كتاب الزبور، فإذا قام هؤلاء ببيت المقدس، قام في كلّ محلة من محال بيت المقدس رجال يرفعون أصواتهم بذكر اللّه سبحانه من غير آلات، فإنّ الآلات كانت مما يختص ببيت المقدس فقط، و قد نهوا عن ضربها في غير البيت، فيتسامع من قرية بيت المقدس، فيقوم في كلّ قرية رجال يرفعون أصواتهم بذكر اللّه تعالى حتى يهمّ الصوت بالذكر جميع قرى بني إسرائيل و مدنهم، و ما زال الأمر على ذلك في كلّ ليلة إلى أن خرّب بخت نصر بيت المقدس و جلا بني إسرائيل إلى بابل، فبطل هذا العمل و غيره من بلاد بني إسرائيل مدّة جلائهم في بابل سبعين سنة، فلما اعاد بنو إسرائيل من بابل و عمروا البيت العمارة

51

الثانية، أقاموا شرائعهم و عاد قيام بني لاوي بالبيت في الليل، و قيام أهل محال القدس و أهل القرى و المدن على ما كان العمل عليه أيام عمارة البيت الأولى، و استمرّ ذلك إلى أن خرب القدس بعد قتل نبيّ اللّه يحيى بن زكريا، و قيام اليهود على روح اللّه و رسوله عيسى ابن مريم (صلوات اللّه عليهم) على يد طيطش، فبطلت شرائع بني إسرائيل من حينئذ و بطل هذا القيام فيما بطل من بلاد بني إسرائيل.

و أما في الملة الإسلامية فكان ابتداء هذا العمل بمصر، و سببه أن مسلمة بن مخلد أمير مصر بنى منارا لجامع عمرو بن العاص، و اعتكف فيه فسمع أصوات النواقيس عالية، فشكا ذلك إلى شرحبيل بن عامر عريف المؤذنين فقال: إني أمدّد الأذان من نصف الليل إلى قرب الفجر، فإنههم أيها الأمير أن ينقسوا إذا أذنت. فنهاهم مسلمة عن ضرب النواقيس وقت الأذان، و مدّد شرحبيل و مطط أكثر الليل، ثم إن الأمير أبا العباس أحمد بن طولون كان قد جعل في حجرة تقرب منه رجالا تعرف بالمكبرين، عدّتهم اثنا عشر رجلا، يبيت في هذه الحجرة كلّ ليلة أربعة يجعلون الليل بينهم عقبا، فكانوا يكبرون و يسبحون و يحمدون اللّه سبحانه في كلّ وقت و يقرءون القرآن بألحان، و يتوسلون و يقولون قصائد زهية، و يؤذنون في أوقات الأذان، و جعل لهم أرزاقا واسعة تجري عليهم. فلما مات أحمد بن طولون و قام من بعده ابنه أبو الجيش خمارويه، أقرّهم بحالهم و أجراهم على رسمهم مع أبيه، و من حينئذ اتخذ الناس قيام المؤذنين في الليل على المآذن، و صار يعرف ذلك بالتسبيح. فلما ولي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب سلطنة مصر و ولى القضاء صدر الدين عبد الملك بن درباس الهدبانيّ المارانيّ الشافعيّ، كان من رأيه و رأي السلطان اعتقاد مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعريّ في الأصول، فحمل الناس إلى اليوم على اعتقاده، حتى يكفّر من خالفه، و تقدّم الأمر إلى المؤذنين أن يعلنوا في وقت التسبيح على المآذن بالليل بذكر العقيدة التي تعرف بالمرشدة، فواظب المؤذنون على ذكرها في كلّ ليلة بسائر جوامع مصر و القاهرة إلى وقتنا هذا. و مما أحدث أيضا، التذكير في يوم الجمعة من أثناء النهار بأنواع من الذكر على المآذن، ليتهيأ الناس لصلاة الجمعة، و كان ذلك بعد السبعمائة من سني الهجرة. قال ابن كثير رحمه اللّه في يوم الجمعة سادس ربيع الآخر سنة أربع و أربعين و سبعمائة، رسم بأن يذكر بالصلاة يوم الجمعة في سائر مآذن دمشق كما يذكر في مآذن الجامع الأمويّ، ففعل ذلك.

الجامع الأزهر

هذا الجامع أوّل مسجد أسس بالقاهرة، و الذي أنشأه القائد جوهر الكاتب الصقليّ، مولى الإمام أبي تميم معدّ الخليفة أمير المؤمنين المعز لدين اللّه لما اختط القاهرة، و شرع في بناء هذا الجامع في يوم السبت لست بقين من جمادى الأولى سنة تسع و خمسين‏

52

و ثلاثمائة، و كمل بناؤه لتسع خلون من شهر رمضان سنة إحدى و ستين و ثلاثمائة و جمع فيه، و كتب بدائر القبة التي في الرواق الأوّل، و هي على يمنة المحراب و المنبر، ما نصه بعد البسملة: مما أمر ببنائه عبد اللّه و وليه أبو تميم معدّ الإمام المعز لدين اللّه أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه و على آبائه و أبنائه الأكرمين) ، على يد عبده جوهر الكاتب الصقليّ، و ذلك في سنة ستين و ثلاثمائة. و أوّل جمعة جمعت فيه في شهر رمضان لسبع خلون منه سنة إحدى و ستين و ثلاثمائة. ثم إن العزيز بالله أبا منصور نزار بن المعز لدين اللّه جدّد فيه أشياء، و في سنة ثمان و سبعين و ثلاثمائة سأل الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس الخليفة العزيز بالله في صلة رزق جماعة من الفقهاء، فأطلق لهم ما يكفي كلّ واحد منهم من الرزق الناض، و أمر لهم بشراء دار و بنائها، فبنيت بجانب الجامع الأزهر، فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع و تحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلّى العصر، و كان لهم أيضا من مال الوزير صلة في كلّ سنة، و كانت عدتهم خمسة و ثلاثين رجلا، و خلع عليهم العزيز يوم عيد الفطر، و حملهم على بغلات. و يقال أنّ بهذا الجامع طلسما، فلا يسكنه عصفور، و لا يفرّخ به، و كذا سائر الطيور من الحمام و اليمام و غيره، و هو صورة ثلاثة طيور منقوشة، كلّ صورة على رأس عمود، فمنها صورتان في مقدّم الجامع بالرواق الخامس، منهما صورة في الجهة الغربية في العمود، و صورة في أحد العمودين اللذين على يسار من استقبل سدّة المؤذنين، و الصورة الأخرى في الصحن في الأعمدة القبلية مما يلي الشرقية، ثم إن الحاكم بأمر اللّه جدّده و وقف على الجامع الأزهر و جامع المقس و الجامع الحاكميّ و دار العلم بالقاهرة رباعا بمصر، و ضمّن ذلك كتابا نسخته: هذا كتاب، أشهد قاضي القضاة مالك بن سعيد بن مالك الفارقيّ، على جميع ما نسب إليه مما ذكر و وصف فيه، من حضر من الشهود في مجلس حكمه و قضائه بفسطاط مصر، في شهر رمضان سنة أربعمائة، أشهدهم و هو يومئذ قاضي، عبد اللّه و وليه المنصور أبي عليّ الإمام الحاكم بأمر اللّه المؤمنين بن الإمام العزيز بالله (صلوات اللّه عليهما) على القاهرة المعزية و مصر و الإسكندرية و الحرمين حرسهما اللّه، و أجناد الشام و الرقة و الرحبة و نواحي المغرب، و سائر أعمالهنّ و ما فتحه اللّه و يفتحه لأمير المؤمنين من بلاد الشرق و الغرب، بمحضر رجل متكلم أنّه صحت عنده معرفة المواضع الكاملة، و الحصص الشائعة، التي يذكر جميع ذلك، و يحدد في هذا الكتاب، و أنها كانت من أملاك الحاكم إلى أن حبسها على الجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة، و الجامع براشدة، و الجامع بالمقس، اللذين أمر بإنشائهما و تأسيس بنائهما، و على دار الحكمة بالقاهرة المحروسة التي وقفها، و الكتب التي فيها قبل تاريخ هذا الكتاب، و منها ما يخص الجامع الأزهر و الجامع براشدة و دار الحكمة بالقاهرة المحروسة. مشاعا، جميع ذلك غير مقسوم، و منها ما يخص الجامع بالمقس، على شرائط يجري ذكرها، فمن ذلك ما تصدّق به على الجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة، و الجامع براشدة، و دار الحكمة بالقاهرة المحروسة،