تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي

- يوحنا النقيوسي المزيد...
278 /
3

تقديم‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

كان دخول عمرو بن العاص مصر فاتحا تحت راية الإسلام بداية حقبة جديدة و هامة فى تاريخ مصر الذى يمتد عبر آلاف السنين؛ فقد تعربت مصر بعد أن أسلمت، و لم تلبث أن تحولت من مجرد ولاية تابعة للدولة العربية الإسلامية (سواء فى عهد الخلفاء الراشدين، أو فى عصر الخلافة الأموية ثم الخلافة العباسية) إلى أن صارت مركزا من مراكز الحضارة العربية الإسلامية بعد بناء القاهرة و قيام الخلافة الفاطمية. بعد ذلك صارت مصر مركز العالم الإسلامى و المعقل الأخير للحضارة العربية الإسلامية طول عصر الأيوبيين و سلاطين المماليك.

لقد كان الفتح الإسلامى لمصر فارقا بين حقبة فى تاريخ مصر بدأت بتاريخ مصر القديم تحت حكم الملوك الفراعنة و انتهت بالحكم البيزنطى الذى أزاحه الفتح الإسلامى. و نظرا لأهمية هذا الحادث الذى جرى منذ أربعة عشر قرنا من الزمان، و الذى ما تزال المناقشات تدور من حوله حتى الآن، فإن ظهور كتاب يوحنا النقيوسى يكتسى شرعية علمية متجددة، كما أنه يتألق فى ترجمة عربية دقيقة فى ضوابطها و معاييرها العلمية الصارمة لأول مرة. و من الأمور المثيرة للدهشة و الأسى فى آن معا أن الترجمة العربية لكتاب يوحنا النقيوسى تأخرت كل هذا الوقت، على حين ظهرت ترجمتان إحداهما فرنسية و الأخرى إنجليزية منذ زمن طويل.

تبدو أهمية كتاب يوحنا النقيوسى من خلال حقيقة أنه يحمل وجهة نظر مسيحية معاصرة فى الفتح الإسلامى لمصر، و ما تلاه من أحداث. و بغض النظر عن الروايات التاريخية القديمة عن مصر فى هذا الكتاب، و ما تحمله من روائح الأسطورة و بصماتها، فإن القيمة التاريخية العظمى لهذا الكتاب تتمثل فى الروايات التاريخية عن الفتح الإسلامى و ما أعقبه من أحداث تاريخية. و قد ساعدت رواية هذا الأسقف على توضيح الكثير من الجوانب الغامضة فى تاريخ تلك الفترة.

4

و قد قام الدكتور عمر صابر بترجمة نص مخطوطة يوحنا النقيوسى من النص الحبشى مباشرة، و قام بعمل علمى مدهش من حيث الترجمة و التحقيق اللغوى من ناحية، و تحقيق الأحداث التاريخية من ناحية أخرى. و تدل هوامش الكتاب على ما بذله الدكتور عمر صابر من جهد لتوضيح ما غمض من مخطوط يوحنا النقيوسى و تقديمه فى هذه الصورة العلمية الرائعة.

و قد كان من دواعى سرورى أن أسهمت بقدر فى الإعداد لهذا الكتاب الهام، عندما كان ما يزال مشروعا لم ير النور بعد، و قد أسهمت فى الجوانب التاريخية بالرأى و المشورة و لكن الجهد الأكبر كان للدكتور عمر صابر الذى كان مثالا للباحث المدقق الواعى و الواعد. و ها نحن بعد عدة سنوات من ظهور الدراسة الاكاديمية نقدمه للقراء و الباحثين، و قد صار صاحبه أستاذا مرموقا من أساتذة علم اللغات المقارن فى العالم العربى.

إن مصدر السعادة و الفخر يتمثل فى تقديم دار عين للدراسات و البحوث الإنسانية و الاجتماعية مصدرا هاما من مصادر تاريخ أمتنا العريقة بعد أن ظل حبيسا لسنوات طويلة فى المخطوطة الحبشية، أو فى الترجمتين الانجليزية و الفرنسية.

و الله الموفق و المستعان‏

دكتور قاسم عبده قاسم‏

5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

المقدمة

أ- تعريف بالمخطوطة و أهميتها:

فى حياة الأمم أحداث هامة هى بمثابة وقفات، ربما تغير بعدها شكل أمة ما تغيرا كبيرا أو صغيرا حسب تأثير هذه الأحداث عليها. و من أهم الأحداث التى مرت فى حياة الأمة المصرية و كانت ذات تأثير كبير على حياة أفرادها و نقطة تحول هامة فى تاريخها- أحداث الفتح العربى فى القرن السابع الميلادى. و هنا تبدو أهمية مخطوطة يوحنا النقيوسى موضوع الدراسة، تلك التى ترجمت إلى الحبشية فى القرن السابع عشر الميلادى عن العربية، و قد كتب يوحنا النقيوسى مخطوطته فى النصف الثانى من القرن السابع الميلادى أو مستهل القرن الثامن الميلادى تقريبا بلغة يحاول هذا البحث أن يحددها، لأن النص الذى كتبه مفقود و غير معلوم تاريخ كتابته. و يذكر المترجم الحبشى أنه نقل هذه الترجمة عن العربية، و لم يضف الى هذا ما يلقى الضوء على النص العربى المفقود.

و قد اختلف الباحثون فى تحديد لغة النص الأصلى فذهب فريق منهم الى القول بأنها اليونانية، و يرى فريق ثان إنها القبطية، و ذهب فريق ثالث الى القول بأن يوحنا النقيوس كتب ما يتعلق بمصر بالقبطية و ما يتعلق بأحداث العالم خارج مصر باليونانية. و على الرغم من أن أيا من الباحثين لم يشر الى إحتمال أن يكون النص العربى الناقل عنه المترجم الحبشى هو النص الأصلى، فانه بعد بيان الصلات العربية المصرية على مر التاريخ من ناحية، و بيان صور من التأثيرات العربية على النص الحبشى من ناحية ثانية، يبدو احتمال: أن يكون النص العربى الناقل عنه المترجم الحبشى هو النص الأصلى، أكثر ترجيحا من الاحتمالات السابقة (1).

و مخطوطة يوحنا النقيوسى من أهم المصادر التاريخية التى تناولت، فى جزء منها، الحديث عن فتح العرب مصر، فهى أولا من أقدم المصادر التى تناولت هذا الموضوع و ساعدت، كما يقول بعض المستشرفين، على حل بعض الألغاز التى اكتنفت هذا الحدث‏

____________

(1) انظر الباب الثالث.

6

الهام، و من بينها تحديد شخصية المقوقس التى ظلت زمنا طويلا غامضة و مبهمة. فقد عاصر يوحنا النقيوسى أحداث الفتح العربى و كان شاهد عيان لها و أول من أرخ لها، هذا فضلا عن اهتمامه بتفاصيل كثير من الأحداث التى لم يوردها غيره من المؤرخين، غير أن روايته فى هذا الصدد شابها بعض القصور، إذ ينقصها الحديث عن الأخبار الأولى للفتح العربى و الخلط الكبير فى ذكر أخبار آخر فترة الفتح العربى مما أخل بسياق الرواية التاريخية، فضلا عن الاضطراب فى ذكر الأحداث و أسماء الأعلام و الأماكن الجغرافية. و مخطوطة يوحنا النقيوسى، على الرغم مما يشوبها، ذات أهمية كبيرة لمن يريد الكتابة عن هذه الفترة الهامة من فترات التاريخ المصرى، إذ بدون الرجوع اليها يصير الكلام عن هذه الفترة ناقصا، حتى أن" بتلر" فى مؤلفه عن الفتح العربى لمصر يشير صراحة الى مخطوطة يوحنا النقيوسى بقوله:" و الحق أنه لم يكن فى الإمكان أن يكتب تاريخ الفتح العربى لمصر لو لا أن عثرت البعثة البريطانية إلى بلاد الحبشة على نسخة مخطوطة من كتاب يوحنا" (1). و تعتبر المخطوطة وثيقة قيمة احتفظت لنا ببعض التقاليد المحلية حول تاريخ مصر القديم بما شاع فيه من أساطير تتصل بفراعنة المصريين و آلهتهم‏ (2). و تبدو أهمية مخطوطة يوحنا النقيوسى كذلك فى إشاراتها لأحداث هامة قد أهملتها المراجع البيزنطية مثل الصراع بين قوات فوكاس و قوات هرقل للسيطرة على السلطة فى الامبراطورية الرومانية الشرقية، ذلك الصراع الذى دارت معاركه الهافة و الحاسمة فى مصر. و هى كذلك ذات أهمية كبيرة لجغرافية مصر القديمة، من حيث إيرادها لكثير من أسماء البلدان المصرية، سواء التى اندثرت منها و تلاشت تماما أو تلك التى تغيرت أسماؤها مع ذكر أخبار هذه البلدان، و منها يتضح الدور الذى لعبته فى مجرى تاريخها، فالمخطوطة بذلك تعد بمثابة المرشد لمن يريد التحرى عن أصل مدينة من المدن أو البحث عن تاريخها.

و لهذه الأسباب السابقة صارت مخطوطة يوحنا النقيوسى ذات أهمية ملحوظة تسترعى الانتباه و تستحق الدراسة، الأمر الذى دفعنى إلى الاضطلاع بعمل ترجمة عربية للنص الحبشى، و هو النص الموجود عن مخطوطة يوحنا النقيوسى.

____________

(1) ألفرد. ج. بتلر، فتح العرب لمصر، تعريب محمد فريد ابو حديد، مطبعة دار الكتب المصرية، 1351 ه- 1933 م، ص 25.

(2)

Ed. Drouin, Deux Chroniques Ethiopiennes, Le Museon, 3, 4881, p. 552.

7

و قد نشر فقرات ملخصة من النص الحبشى لأول مرة مع ترجمة فرنسيه لها العالم زوتنبرج فى المجلة الآسيوية سنوات 1877 م، 1878 م، 1879 م‏ (1)، ثم قام زوتنبرج أيضا بنشر النص الحبشى كاملا مع ترجمة فرنسية له سنة 1883 م‏ (2)، و جاء بعده العالم تشارلز و ترجم نص زوتنبرج المنشور الى اللغة الانجليزية سنة 1916 م‏ (3)، ثم جاء كامل صالح نخله و ترجم الى العربية مختارات من تاريخ يوحنا النقيوسى نقلا عن الترجمة الفرنسية التى قام بها زوتنبرج‏ (4).

ب- وصف المخطوطتين الاثيوبيتين:

هناك مخطوطتان اثيوبيتان لتاريخ النقيوسى امكننى الحصول على صور لهما الأولى و يرمز اليها بالرمز (أ) موجودة ضمن كتالوج زوتنبرج للمخطوطات الاثيوبية فى المكتبة الأهلية الفرنسية تحت رقم 146، و قد كتبت هذه المخطوطات على الرق، و مساحة الورقة فيها 368* 396 مم، و تبدأ مخطوطة يوحنا النقيوسى من الورقة رقم 62 إلى الورقة رقم 138 و ترقيم لوحات هذه المخطوطة من فعل الناشر أو المكتبة، إذ لم ترد أرقام فى المخطوطة نفسها. و تحتوى كل ورقة على صفحتين، و كل صفحة على ثلاثة أعمدة، و يتكون كل عمود من اثنين و ثلاثين سطرا. و قد وضع رقم الورقة أعلى الصفحة الثانية مكتوبا بالطريقة الافرنجية، و لم يشر إلى كل صفحة على حدة بأية علامة. و يذكر زوتنبرج أن هذه المخطوطة ترجع إلى القرن السابع عشر الميلادى‏ (5).

____________

(1)

H. Zotenberg. Memoire Sur La Chronique Byzantine de Jean. eveque de Nikiou. Jour- nal Asiatique, 7 Ser, X( 7781 )154- 715, XII) 8781 (542- 743. XIII) 9781 (192- 683. Aus- zuge.

(2)

Zotenberg, Chronique De Jean, Eveque de Nikiou, Texte Ethiopien, puble Et Traduit, Imprimerie Nationale, Paris, MdccclXXXIII.

(3)

R. H. Charles, The Chronicle of John, Bishop of Nikiu, Translated From Zotenbergs Ethiopic Text, Williams Norgate, Oxford, London, 6191.

(4) كامل صالح نخلة، مجلة صهيون، عدد 7. 8 (السنة الرابعة و الخمسون يوليه و اغسطس 1948.

(5)Zotenberg ,p .8 .

8

و المخطوطة الثانية و يرمز إليها بالرمز (ب) و هى ضمن مجموعة من المخطوطات الاثيوبية تحت رقم 818 شرقى فى المتحف البريطانى (391 (أ) فى كتالوج رايت للمخطوطات الاثيوبية فى المتحف البريطانى، و قد كتبت على الرق أيضا، و مساحة الورقة 372* 325 مم، و تحوى هذه المجموعة 191 ورقة مكونة من صفحتين، و كل صفحة تحتوى على ثلاثة أعمدة، كل عمود يتكون من ستة و ثلاثين سطرا، و قد وضع رقم الورقة أعلى الصفحة الثانية (ب) مكتوبا بالطريقة الافرنجية، و لم ترد أرقام حبشية على الأوراق فى المخطوطتين، و تبدأ مخطوطة يوحنا النقيوسى من ورقة رقم 48 (أ) و تنتهى فى ورقة رقم 2. 1 (ب). و قد كتبت هذه المخطوطة بطريقة جيدة، و هى تعود إلى القرن الثامن عشر الميلادى‏ (1).

و هناك مخطوطة ثالثة لتاريخ يوحنا النقيوسى، لم أتمكن من الحصول على صورة لها، و لم يتمكن كذلك زوتنبرج و تشارلز من الحصول عليها أو على صورة لها، و هى ضمن كتالوج أنطون العبادى للمخطوطات الأثيوبية (2).

و قد استهل يوحنا النقيوسى مخطوطته بمقدمة تبعها بفهرست لموضوعاته، و يتضح من الفهرست أن المؤلف لم يترك فرصة يتكلم فيها عن مصر إلا انتهزها و أفرد لها مكانا فى مخطوطته، غير أن المخطوطة بصفة عامة فى التاريخ العام. بدأها يوحنا النقيوسى كما تبدأ كتب التاريخ العام بالحديث عن آدم و حواء و ابنائهما، ثم بالحديث عن بعض مظاهر الطبيعة من كواكب و قمر و غيرهما، ثم التعرض بالحديث عن بدايات الأشياء و عمن بدأوها مثل أول من صنع أسلحة الحرب أو أول من تزوج امرأتين أو أول من اتخذ أمه زوجة له أو أول من بنى مدينة معينة أو أول من زرع الأرض و ما شابه ذلك، و لم يترك فى ذلك أية فرصة يتحدث فيها عن شى‏ء يتعلق بمصر إلا استغلها، ثم الحديث عن المصريين القدماء و الاغريق و عباداتهم و أعمالهم حتى يصل إلى الحديث عن العبريين و خروجهم من مصر بقيادة موسى (عليه السلام)، ثم الحديث عن بعض أنبياء بنى إسرائيل ثم الحديث عن الفرس و الروم إلى أن يصل إلى الحديث عن مولد المسيح (عليه السلام) و ظهور المسيحية و بيان ما لاقته من اضطهاد على أيدى الملوك الرومان قبل تنصرهم و اعترافهم بالمسيحية كدين رسمى للدولة الرومانية. ثم يركز المؤلف فى‏

____________

(1)

Charles, P. V. W. Wright, Catalogue of Ethiopic Manuscripts In the British Museum, 7781, pp. 003- 903.

(2)

Antoine DAbbadie, Catalogue De Manuscrits Ehtiopiens, N. 13, pp. 73- 04.

9

الحديث عن الامبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) و عن ملوكها و بصفة خاصة عن الأحداث التى تتصل بمصر و بأهلها حتى وصل إلى الحديث عن الفتح الاسلامى لمصر، ثم خاتمة من صاحب الترجمة الحبشية يشير فيها إلى ما دعاه الى ترجمة النص و إلى وقت الترجمة.

و قد بلغ مجموع أبواب المخطوطة مائة و اثنين و عشرين بابا غير خاتمة المترجم.

و يتضمن النص بعد الفهرست مقدمة يبدأ بعدها النص فى الحديث تفصيليا عن محتويات الأبواب المذكورة آنفا فى الفهرست، بيد أنه يلاحظ أن ثمة اضطرابا بين عناوين الأبواب فى الفهرست و بين المحتويات التفصيلية لهذه الأبواب:

أولا: إشارات الفهرست للأبواب لا تسير على نسق منتظم مع المحتويات التفصيلية لهذه الأبواب، و يبدو ذلك من الباب 65 فى الفهرست نجده يقابل، من حيث المحتوى التفصيلى، الباب 66، و يستمر عدم النظام هكذا حتى الباب 117 فى الفهرست نجده يقابل الباب 118 من حيث المحتوى التفصيلى لهذا الباب.

ثانيا: ليست هناك إشارات فى الفهرست للمحتويات التفصيلية لكل من الباب 65 و الباب 119.

ثالثا: إشارة الباب 119 فى الفهرست ليس لها مقابل فى المحتوى التفصيلى لهذا الباب.

رابعا: عدم دقة الفهرست فى الإشارة إلى محتويات الأبواب التفصيلية.

و قد اتخذت المخطوطة (ب) الموجودة فى المتحف البريطانى أساسا فى البحث نظرا لأنها كتبت بطريقة جيدة واضحة و استعنت بالنسخة (أ) لاستجلاء غامض أو التثبت و المقارنة و أنا بصدد الترجمة أو الدراسة اللغوية.

النسخة (أ):

و يتكون عدد السطور فى الأعمدة بصفة عامة من اثنين و ثلاثين سطرا، إلا فى حالتين فقط كان عدد السطور فيهما خمسة و ثلاثين سطرا فى العمود و ذلك فى:

ق 105/ ص ب‏ (1).

ق 106/ ص أ.

____________

(1) استخدمت الرمز: ن أ/ ق 75/ ص أ/ ع 1/ س 2 اختصارا ل: النسخة أ، الورقة: 75، الصفحة:

أ، العمود: 1، السطر: 2، و احيانا: م أ، أو م ب: اختصارا ل: المخطوطة: أ و المخطوطة (ب).

10

و لاحظت أن هناك بعض الحروف و الكلمات سقطت سهوا من الناسخ و لم يشر اليها، و فيما يلى امثلة لهذا:

كلمات:

ق 75/ ص أ/ ع 1/ س 18

كلمة

ق 73/ ص أ/ ع 3/ س 27

حرف من كلمة:

ق 115/ ص أ/ ع 3/ س 6

و أحيانا ترد كلمات أو حروف غير واضحة، و قد تمكنت من معرفتها بمقابلتها بنظائرها فى المخطوطة (ب) و فيما يلى أمثلة لهذا:

فقرة:

ق 67/ ص ب/ ع 1/ س 23- س 32.

كلمة:

ق 77/ ص ب/ ع 3/ س 16، س 17.

حرف: من كلمة:

ق 69/ ص أ/ ع 3/ س 22، س 23.

و أحيانا كان الناسخ يكرر بعض الكلمات أو الحروف سهوا و بيان ذلك كالآتى:

ترد كلمتا: هكذا ق 87/ ص أ/ ع 3/ س 8، س 9.

هكذا:

ق 88/ ص ب/ ع 1/ س 26، س 27.

و يرد حرف: من كلمة: هكذا:

ق 109/ ص أ/ ع 2/ س 6، س 7.

11

و أحيانا كان الناسخ ينسى كتابة كلمة أو بعض كلمات فى مكانها الصحيح فيضطر إلى كتابتها فوق الأعمدة، و غالبا ما كان يشير إلى هذا برمز فوق المكان الصحيح و مثال ذلك فى:

ق 86/ ص ب/ ع 3، ق 116/ ص أ/ ع 1

أما عن طريقة الناسخ حين يدرك أنه أخطأ و يريد تصويب هذا الخطأ، فكان يضع خطين افقيين أحدهما فوق الحرف أو الكلمة الخطأ و الآخر من اسفل، و هذا دلالة على حذف ما بين الخطين، و مثال ذلك كما يلى:

حرف من كلمة:

ق 112/ ص أ/ ع 2/ س 16

و من كلمة:

ق 119/ ص ب/ ع 1/ س 8

و من كلمة:

ق 125/ ص ب/ ع 3/ س 14

و كلمة:

ق 135/ ص ب/ ع 3/ س 11

و أحيانا يكتب الناسخ الحرف الذى أغفله برسم صغير فوق موضعه مثل:

حرف من كلمة:

ق 122/ ص ب/ ع 1/ س 9

و من كلمة:

ق 138/ ص أ/ ع 2/ س 2

و من كلمة:

ق 138/ ص ب/ ع 3/ س 8، س 9

و أحيانا يكتب الناسخ كلمات، أغفل كتابتها فوق موضعها، فوق الأعمدة و يشير إلى ذلك بعلامة+ فى المكان الصحيح مثل: ق 116/ ص أ/ ع 1/ س 30، ق 116/ ص ب/ ع 2/ س 6

12

النسخة (ب):

عدد سطور العمود، بصفة عامة، ستة و ثلاثون سطرا، إلا فى حالات قليلة، فقد يتكون كل عمود من أعمدة الصفحة الثلاثة من سبعة و ثلاثين سطرا كما فى: ق 59/ ص ب ق 60/ ص أ

و أحيانا يحتوى كل عمود من أعمدة الصفحة الثلاثة على خمسة و ثلاثين سطرا مثل:

ق 82/ ص ب، ق 83/ ص أ، ق 85/ ص أ

و هناك بعض الأعمدة يختلف عدد سطورها فى الصفحة الواحدة مثل: ق 89/ ص أ/ ع 3 يحتوى على ثمانية و ثلاثين سطرا، ق 99/ ص أ/ ع 3 يحتوى على اثنين و ثلاثين سطرا.

ق 103/ ص ب/ ع 2 يحتوى على احد عشر سطرا، ق 103/ ص ب/ ع 3 يحتوى على عشرة سطور.

و لاحظت أن بعض كلمات أو حروف قليلة قد سقطت من الناسخ سهوا و أمثلة ذلك كلمة ق 67/ ص أ/ ع 1/ س 18.

و حرف من كلمة:

ق 84/ ص ب/ ع 2/ س 8- س 11.

رقم الباب 118

ق 99/ ص أ/ ع 3/ س 18.

و جدير بالملاحظة أنه لم يرد أى اختصار لأى كلمة من الكلمات إلا كلمة:" الباب"، أحيانا اختصرت إلى: كما فى:- ق 50/ ص أ/ ع 1/ س 9، ق 51/ ص أ/ ع 2/ ص 7، س 12، س 27.

طريقة كتابة الأعداد و مدى مراعاة ترتيبها فى النسختين:

من الملاحظ أن هناك اضطرابا فى أرقام الأبواب و فى ترتيبها بين النسختين فبينما نجد الفهرست فى كلتا النسختين قد كتبت أرقامه بالحروف من الباب الأول إلى الباب السابع نجده قد بدأ الكتابة بالأرقام من الباب الثامن:

ن أ/ ق 63/ ص أ/ ع 1/ س 6

ن ب/ ق 48/ ص أ/ ع 2/ س 25

13

بيد أن كلتا النسختين لم تسرا على نسق منتظم فى هذا بعد ذلك إذ لاحظت ما يلى:

أولا: من حيث الاختلاف فى طريقة كتابة الأرقام، و قد ورد هذا فى مواضع منها الرقم 9 كتب بالمقابل العددى الحبشى فى ن أ/ ق 63/ ص أ/ ع 1/ س 12 و بالحروف فى ن ب/ ق 48/ ص أ/ ع 2/ س 29. و الرقم 100 كتب بالمقابل العددى الحبشى فى ن أ/ ق 71/ ص ب/ ع 3/ س 3 و بالحروف فى ن ب/ ق 55/ ص أ/ ع 1/ س 28، س 29.

ثانيا: يلاحظ عدم الترتيب فى كتابة أرقام الأبواب فى الفهرست أو فى التفاصيل من ناحية، و عدم اتفاق النسختين فى الإشارة الى هذه الأرقام من ناحية ثانية، و قد ورد هذا فى مواضع كثيرة منها ما يلى:

فى الفهرست:

الرقم- 18 ورد مكتوبا- 17 فى ن ب/ ق 48/ ص أ/ ع 3/ س 19.

الرقم- 66 ورد مكتوبا- 67 فى ن أ/ ق 64/ ص أ/ ع 3/ س 20.

و الرقم- 65 فى ن ب/ ق 49/ ص ب/ ع 2/ س 31.

فى الحديث التفصيلى عن الأبواب:

الرقم- 19 ورد مكتوبا- 20 فى ن أ/ ق 69/ ص أ/ ع 1/ س 27.

الرقم- 74 ورد مكتوبا- 73 فى ن أ/ ق 81/ ص أ/ ع 3/ س 21.

و- 75 فى ن ب/ ق 62/ ص أ/ ع 1/ س 15.

الرقم- 75 ورد مكتوبا- 77 فى كلتا النسختين:

ن أ/ ق 81/ ص ب/ ع 2/ س 17، س 18

ن ب/ ق 62/ ص أ/ ع 2/ س 30، س 31.

منهج الدراسة:

لقد عنيت بترجمة كل ما ورد عن مصر، سواء فى تلك الأبواب التى خص المؤلف مصر بها، أو ما يتصل بمصر بأية صلة فى الأبواب الأخرى، التى تعالج أحداثا أخرى فى العالم، و كما ذكرت آنفا أن المؤلف لم يترك فرصة يتحدث فيها عن مصر الا انتهزها، و من ثم كان مجموع ما ترجمته من المخطوطة يعادل تقريبا 80% من النص ككل، ثم قمت بعد ذلك بدراسة

14

تحقيقية للأحداث التى وجدت أنها فى حاجة إلى تحقيق، و قد كانت كثيرة، ذلك لأن النص الحبشى قد اعتراه كثير من الاضطراب تارة، و التصحيف لكثير من ألفاظه تارة ثانية، و ليس هذا بغريب على نص مترجم. و قد اعتمدت فى ذلك على الرجوع إلى مصادر و مراجع تاريخية مختلفة، لأن النص تاريخى أساسا، و من ثم فإن ترجمته دون ضبط ما تضمنته صفحاته سيترك العمل ناقصا مشوها إلى حد كبير، فتارة رجعت إلى مصادر عربية قديمة مثل كتب ابن البطريق، و ساويرس بن المقفع، و غابيوس المنبجى، و ابن عبد الحكم، و البلاذرى، و الشيخ المكين بن العميد، و الطبرى، و المقريزى و غيرها لأجلو الغموض عن بعض الأحداث التاريخية و خاصة القديمة منها، و تارة أخرى، و البحث بصدد تحقيق حدث تاريخى حديث نسبيا، اعتمدت على مراجع تاريخية حديثة عربية أو غير عربية، و تارة ثالثة اعتمدت على كليهما فى توضيح و تحقيق حدث تاريخى معين، و تارة رابعة اعتمدت على رواية يوحنا النقيوسى نفسه.

و قد كانت اللغة الحبشية تعيننى كذلك فى حل كثير من الغموض الذى يعترى بعض الألفاظ، الأمر الذى يؤدى إلى اضطراب فى سياق الرواية التاريخية، ذلك أن كثيرا من الألفاظ، و خاصة أسماء الأعلام و البلدان، كان بها تصحيف لسوء نقل المترجم الحبشى عن النص العربى. و قد قمت بإثبات أسماء البلدان و الأعلام كما وردت فى النص حفاظا على حرفية النص، و قد اختلفت فى هذا مع كل من الترجمة الفرنسية و الترجمة الانجليزية. هذا فضلا عن تحقيقى لكثير من هذه الأسماء، التى وجدت من الضرورى تحقيقها، و خاصة أسماء البلدان لاندثار كثير منها فى الوقت الراهن أو لتغير أسماء بعضها.

و قد اعتمدت فى هذا على مصادر و مراجع عربية و غير عربية متخصصة، فضلا عن استخدامى للغة فى الاستدلال على بعض الأسماء التى وردت مصحفة. و هناك قليل من أسماء الاعلام لم استطع التعرف عليها، إما لتصحيف فى الاسم لم أدركه أو لكون الاسم علما لشخصية ثانوية فى إطار حدث تاريخى معين، إذ ترد أحيانا رواية حدث تاريخى معين فى تفصيل دقيق لدرجة ورود أسماء كثيرة لأشخاص غير مشهورين من الصعوبة الاستدلال عليهم، و أحيانا أخرى ترد رواية حدث تاريخى آخر مختصرا جدا بدرجة تخل بالسرد التاريخى و بالمعنى العام. و قد أشرت الى مثل هذا كل فى موضعه. و هناك كذلك أسماء بلدان قليلة لم استطع التعرف عليها، ربما لورودها مصحفة بدرجة كبيرة لم أسطع معها أن أقف على أسمائها الصحيحة، و قد أثبت هذا فى الإشارات الهامشية.

15

و قد استعنت احيانا بتعليقات كل من صاحب الترجمة الفرنسية و صاحب الترجمة الانجليزية فى تفسير بعض الغموض فى النص، و هو ما رجعا فيه إلى كتب المؤرخين البيزنطيين، الذين استقى يوحنا النقيوسى منهم بعض أحداث من روايته مثل يوحنا ملالاس‏ (1) و يوحنا الانطاكى‏ (2) و غيرهما، و ذلك لأننى لم استطع الوقوف على مؤلفات هؤلاء المؤرخين لعدم توافرها لدى. و قد استعنت كذلك بالمقالات التى وردت فى بعض الدوريات و تتعلق بمخطوطة يوحنا النقيوسى، مثل ما كتبه زوتنبرج فى الجريدة الاسيوية، و ما كتبه‏Ed .Drouin فى دوريةLe Museon و غير ذلك.

و قمت كذلك بالتعريف بيوحنا النقيوسى و عصره و بيان منهج يوحنا النقيوسى فى الكتابة التاريخية، من خلال دراسة سمات الكتابة التاريخية فى العصور الوسطى. ثم افردت بابا للدراسة اللغوية، بصفة عامة، على النص، و هى ليست دراسة لغوية بكل ما تحمل من معنى، بل عنيت فيها بما يخدم ترجمتى العربية للنص الحبشى من دراسة الاحتمال أن تكون العربية هى لغة النص الأصلى، الى دراسة مقارنة بين النسختين و ضحت فيها وجود تطورات‏

____________

(1) كان يوحنا ملالاس (491- 578 م) حوليا فى تاريخه، و هو من أشهر من دون الحوادث فى القرن السادس مرتبة بحسب تاريخ وقوعها. و قد وضع تاريخا للعالم منذ أقدم الأزمنة حتى عهد يوستنيانوس، عالج فيه أحداثا من التاريخ المصرى القديم، و قد أورد فى تاريخه كثيرا من المواد الاسطورية و الخرافية، غير أنه مفيد فى بعض روايته، و قد كانت انطاكية مركز روايته التاريخية و كان مؤيدا قويا للكنيسة و للملكية.

و قد كتب كتابه التاريخى المشهور باليونانية الدارجة فى عصره مستعينا بين آن و آخر ببعض الاصطلاحات اللاتينية الشائعة فى زمنه، و هو يعتبر أول بحث بيزنطى ملكى تاريخى مكتوب بلغة دارجة.

انظر: أسد رستم، الروم و صلاتهم بالعرب، دار المكشوف، بيروت، 1955، طبعة أولى، ج 1، ص 213، ص 214.

Harry Elmer Barnes, A history of Historical Writing, Dover Publications Inc, New York, 7391, Second Revised Edition, p. 98.

(2) ظهر يوحنا الانطاكى فى فترة حكم هرقل (610- 614 م) و قد ألف تاريخه العام من آدم إلى سنة 610 م. و هو أفضل من تاريخ ملالاس، اذ هو أقل منه إيراد للأساطير و الخرافات و أكثر منه اهتماما بالتمحيص و استخداما لأفضل المصادر انظر:Harry Elmer ,p .09 .

16

صوتية بين بعض الحروف، ثم دراسة لمخالفات النسختين التى تؤثر على دقة الترجمة، إلى أن وصلت فى نهاية هذا الباب الى بيان المخالفات بين ترجمتى العربية و الترجمتين الانجليزية و العربية عن الفرنسية السابقتين لأوضح قيمة الترجمة الحالية.

و قد قمت بتقسيم البحث الى ثلاثة أبواب و خاتمة و ملحقين كالآتى:-

الباب الأول:

و يحتوى على فصلين:

الفصل الأول: يوحنا النقيوسى و عصره.

الفصل الثانى: منهج يوحنا النقيوسى فى الكتابة التاريخية.

الباب الثانى:

مصر فى مخطوطة يوحنا النقيوسى.

الباب الثالث:

الدراسة اللغوية، و نركز فيها الحديث على قضية لغة النص الأصلية.

الخاتمة:

و توجز النتائج التى توصلت إليها الدراسة

و لا يفوتنى أن أنوه بالشكر و العرفان إلى أساتذة أفاضل مدوا لى يد العون العلمى ليظهر هذا العمل على هذا النحو، و أخص منهم بالذكر المغفور له الأستاذ الدكتور عبد السميع محمد أحمد عميد كلية الألسن و عضو مجلس اللغة العربية بالقاهرة الأسبق، و الأستاذ الدكتور قاسم عبده قاسم رئيس قسم التاريخ بكلية الأداب جامعة الزقازيق، و الأستاذ الدكتور محمد خليفة حسن رئيس قسم اللغات الشرقية بكلية الآداب- جامعة القاهرة و مدير مركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة، و الدكتور عبد الحق صابر أحمد استشارى الأشعة التشخيصية بمستشفى الملكة بيرمنجهام بالمملكة المتحدة.

17

و آمل أن أكون بهذا الجهد قد أصبت و ساهمت فى إثراء مكتبة الدراسات السامية.

و على الله قصد السبيل،،

الجيزة 1999

عمر صابر عبد الجليل‏

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الباب الأول‏

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

الفصل الأول يوحنا النقيوسى و عصره‏

إن المعلومات عن يوحنا النقيوسى و عن حياته قاصرة، اذ لم يرد فى ذكره الا القليل فيما ورد عرضا فى حديث مينا (1)، الأسقف الذى تولى أسقفية نقيوس بعد يوحنا النقيوسى‏ (2)، فى حديثه عن البطريرك اسحق (41)، و فى حديث ساويرس بن المقفع عن سير بطاركة الأسكندرية، فضلا عن أن القارى‏ء يستشف من مقدمة المخطوطة (3) أن يوحنا النقويسى كان على جانب كبير من المعارف الدينية و الأدبية و التاريخية، و كان ينعت بالرجل البار و المدبر.

و رسمه البطريرك أغاثون (616- 667 م) البطريرك التاسع و الثلاثون من يطاركة الكرسى السكندرى أسقفا على مدينة نقيوس.

و ينتسب يوحنا النقيوسى إلى مدينة نقيوس. و حول اسم هذه المدينة تشير المصادر (4) إلى أن اسمها باللغة الرومية (نقيوس) و باليونانية (نقيو)، و بالقبطية

(بشاتى)، و باللاتينيةNiciatanus و بالعربية نقيوس، و قد اعتادت المصادر العربية أن تذكر المدينة باسمها الرومى. و فى النص الحبشى، موضوع الدراسة، وردت بأكثر من شكل:

____________

(1)

E. Porcher, Vie dIsaac, Patriarche d`Alexandrie de 686- 986. Ecrite par Mina Eveque de Pchati, texte copte et traduction francais, R. Graffin, Patrologia Orientalis Paris, 5191, P. 453( 65 ).

(2) ساويرس بن المقفع، كتاب سير الآباء البطاركة، نشره سيبولد، باريس‏NDCCCIV ، ص 135.

(3) ن ب/ ق 48/ ص ب/ ع 1/ س 1- س 36، ع 2، س 1- س 8.

(4)

Munier, H.: Recueil Des Listes Episcopaks de L`eglise Copte, Le Caire, 3491, p. 7, 74, 45, 95, 56.

ساويرس بن المقفع، كتاب سير الآباء البطاركة، ص 104.

22

- نقيوس،- نقيوس،- أبسادى،- أبساى. و كانت نقيوس عاصمة لقسم‏Prosopite و هو اسم رومى ورد باسم‏Prosopis الذى عرف بعد ذلك بعد الفتح العربى باسم جزيرة بنى نصر. (1)

و قد خربت مدينة نقيوس فى بداية الفتح الفاطمى فى سنى الغلاء السبع 358- 364 ه (969- 975 م) كما يذكر المؤرخ انبا ميخائيل أسقف تنيس فى تاريخ البطاركة:" و فى أول سنة ملكوا هولاى المغاربة أرض مصر (فى شعبان 358 ه- يوليو 969 م) تشرقت الأرض و لم تروى فبدا الغلا .. و لم يزل الغلا إلى تمام سبعة سنين متوالية و كان غلا عظيم فى جميع أرض مصر حتى أن كورة مصر خلت من الناس لكثرة الموت و الجوع الذى كان .. و خربت عدة من كراس الأساقفة لخلوها من الناس و لم يقام لها أساقفة بل أضيفت الى الكراسى العامرة المجاورة لها و هى:.، نقيوس" (2). و بعد خرابها خلفتها مدينة ابيار كعاصمة لهذا القسم من العصر الفاطمى الى أن ألغى هذا التقسيم فى عصر محمد على فى بداية القرن التاسع عشر، و الجزء الشمالى من القسم بما فيه ابيار و موقع نقيوس المندثر تابعين لمركز كفر الزيات بالغربية (3). و يلاحظ أن بالمنوفية حاليا ناحية باسم ابشادى تابعة لمركز تلا (4). و رغم أن اسمها ينطبق على الاسم القبطى لمدينة نقيوس إلا أن كل الدارسين استبعدوها.

____________

(1)

Champllion, L`Egypte sour les Pharoans, Description Geographique. Tome deuxieme.

-

Paris 4181, p. 261. Quetremere, Memoires Geographiques Contrees Voisines, F. Schnell Li braire, Tome Premier, Paris 1181, pp. 324- 034, 644:

محمد رمزى، القاموس الجغرافى للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريين إلى سنة 1954 م، مطبعة دار الكتب المصرية، 1953- 1954 م، القسم الأول، ص 463، 464، و كذلك ص 10 من الكلام عن آثار بشيس.

(2) انباء ميخائيل اسقف تنيس، تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية، نشر جمعية الآثار القبطية، المجلد الثانى، الجزء الثانى، ص 90.

(3) محمد رمزى، القسم الأول، ص 213.

(4) بوانه بك، قاموس جغرافى للقطر المصرى، مطبعة بولاق 1899 م، ص 240؛ محمد رمزى، قسم 2، ج 2، ص 171.

23

و ذهب أغلب الباحثين‏ (1) إلى أن نقيوس قد خربت و محلها اليوم منطقة زاوية رزين أو زاوية البقلى بمركز منوف بالمنوفية.

بيد أنه من المستبعد ذلك، لأن محمد رمزى نفسه فى كلامه عن زاوية رزين‏ (2) أشار الى أن اسمها الأصلى كان شبرالون، و من المحتمل أن المكان الحقيقى لنقيوس كان فى منطقة أبيار أو منية أبيار بكفر الزيات بالغربية و اللتين كانتا تابعتين لاقليم المنوفية فى عهد الاحتلال الفرنسى، ثم صارتا تابعتين لمديرية الغربية منذ عهد محمد على باشا (3) و ذلك لأن محمد رمزى قد ساعد فى الوصول الى ذلك فى كلامه عن اسم ابشاده بقوله:" اندثرت و كانت مساكنها واقعة بحوض ابشادى بأراضى ناحية منية ابيار، بناحية الحداد و كلها بمركز كفر الزيات بمديرية الغربية، و قد توزع زمام ابشاده على النواحى المذكورة و هذه غير ابشاده التى بمركز تلا بمديرية المنوفية" (4).

و يلاحظ أن ناحية منية ابيار هذه تقع شمال و جوار ناحية ابيار، و يخبرنا على باشا مبارك فى كلامه عن ابيار"" بقربها على نحو سبعمائه مترتل قديم مساحته نحو خمسة أفدنة" (5) و مما يدعم هذا الاحتمال ما ذكره اميلينو ناقلا عن بطليموس الجغرافى اذ قال:" و هنا فان التعليمات التى عملها الجغرافيون الأغريق هى أكثر دقة .. و بطليموس أكثر دقة فانه يوضح بأن موقع هذا القسم بين النهر الكبير أى الفرع القنوبى‏Canopique ، و بين الفرع الفرموطيقى‏Phermoitique فى جنوب قسم صاSais ، و حدد بالضبط أن رأس قسم بروسوبيت-Pros opite هى مدينة نقيوس جهة الشاطى‏ء الشرقى للفرع القنوبى" (6).

____________

(1)

Amelinau, La Geographie de L`Egypte a L`Epoque Copte, Imprimerie Nationale. Paris MDCCCXCIII. pp. 772- 382.

محمد رمزى، القسم الأول، ص 463- ص 464.

(2) محمد رمزى، القسم الثانى، ج 2، ص 217.

(3) عمر طوسون، أطلس تاريخى لأسفل الأرض (الوجه البحرى) من القرن الأول الهجرى (السابع الميلادى) إلى سنة 1353 ه (1934 م) ص 8، ص 1 ..

(4) محمد رمزى، القسم الأول، ص 3.

(5) على باشا مبارك، الخطط التوفيقية، طبع بولاق، 1305 ه (1888 م) ج 2، ص 29.

(6) انظرAmelineau ,p .182 .

24

و كلام بطليموس فى أن نقيوس فى زمانه تقع جنوبى صا مباشرة، و هى اليوم صا الحجر بمركز بسيونى شمال كفر الزيات بالغربية (1). هو دليل يدعم ما وصل اليه محمد رمزى، و يدعم كذلك ذلك الاحتمال بأنها اندثرت الى جوار ابيار.

و هناك دليل آخر على هذا و هو وجود دير أثرى باسم ما رمينا العجايبى معروف بدير الحبيس، و يقع هذا الدير اليوم شمالى ناحية ابيار بالقرب من ناحية النحارية، و هذا القديس الذى باسمه الدير تكشف مخطوطة بدير أبى مقار (2) عن أنه كان من نقيوس، و قد ورد فى أولها على أنها: ميمر وضعه الأب القديس الطاهر انبا يوحنا رييس اساقفة المدينة العظمى العظمى الاسكندرية على شهيد المسيح اللابس الجهاد القديس ابو مينا يظهر فيه نسبة و جنسه و من أية مدينة هو ... كما فحصنا و وجدناهم فى كتب اليونانية الأولى التى عندنا فى ديوان البطريركية بالاسكندرية، ثم يضيف المخطوط:" القديس المجاهد أبو مينا من الجنس الجليل على ما هو منسوب اليه فى الأرض من رأس مدن مصر الذى تسمى باليونانية نقيوس و اذا فسرت بلغة المصريين تعرف بابشادى" (3).

و كان ليوحنا النقيوسى دور كبير فى مصالح الكنيسة المصرية فى عهد بابوات الاسكندرية يوحنا الثالث (677- 686 م) البطريرك الأربعون، و اسحق (686- 689 م) البطريرك الواحد و الأربعون، و سيمون الأول (689- 707 م) البطريرك الثانى و الأربعون. و قد ذكر أسقف الأشمونين اسمه لأول مرة فى سيرة البطريرك يوحنا الثالث، اذ بينما يروى ساويوس بن المقفع الظروف التى مات فيها يوحنا السمنودى جاء ذكر يوحنا النقيوسى ضمن أساقفة قليلين ذهبوا لزيارة البطريرك المريض، مما يوضح منزلة هذا الأسقف بين رجال الدين القبطى فى مصر فى ذلك الوقت، إذ يقول ساويرس‏ (4):" وصل الخبر إلى جماعة الأساقفة أنه متوعك فدخلوا اليه‏

____________

(1) محمد رمزى، القسم الأول، ص 464.

(2) مخطوط رقم 22 س بمكتبة دير أبى مقار، تاريخ النسخ 1064 ش- 1348 م، ورقة 121 ج، احضر لى هذا النص الأستاذ نبيه كامل داود مدرس تاريخ الكنيسة بالكلية الاكليركية للأقباط الأرثوذكس بالقاهرة.

(3) مخطوط رقم 22 س بمكتبة دير أبى مقار، تاريخ النسخ 1064 ش- 1348 م، ورقة 121 ب- 122 أ.

(4) ساويرس بن المقفع، كتاب سير الآباء البطاركة، ص 129.

25

و كان صحبتهم اغريغوريوس أسقف القيس و ابا حنا (1) اسقف نقيوس، و ابا يعقوب اسقف ارواط و ابا يوحنا اسقف سخا و ابا تيدر اسقف بليدس .." و قد عينه البابا يوحنا الثالث رئيسا لأساقفة مصر العليا، و عين زميله اسقف القيس رئيسا لأساقفة مصر السفلى‏ (2). و ذكر أسقف الأشمونين يوحنا النقيوسى، فى موضع آخر، فى معرض حديثه عن البطريرك اسحق، اذ أشار إليه مرة ثانية ضمن هؤلاء الأساقفة بقوله:" لما أن مضى ابا يوحنا الى الرب بالتذكار الجيد اجتمعوا الأساقفة و كان مقدّمهم أسقف القيس اغريغوريوس و يعقوب اسقف أرواط و يوحنا اسقف نقيوس .. (3) و يستشف القارى‏ء من كلمة مقدّمهم هنا مكانة هؤلاء الأساقفة الكبيرة بين أساقفة الكنيسة المصرية فى ذلك الوقت.

و لقد لعب يوحنا النقيوس دورا كبيرا فى انتخاب البطريرك اسحق (41)، اذ بعد أن رفض عبد العزيز حاكم مصر (4) الموافقة على انتخاب جرجه الذى من سخا بطريركا اشتد الخلاف حول هذا الأمر فجاء يوحنا النقيوسى من الاسكندرية ممثلا عن أساقفة مصر العليا مصطحبا اغريغوريوس اسقف القيس ممثلا عن أساقفة مصر السفلى بمرافقة اسحق الى فسطاط مصر ليعرض أمر الخلاف على عبد العزيز حاكم مصر، الذى وافق على ترشيح اسحق بطريركا، و قد أشار إلى ذلك مينا أسقف نقيوس الذى خلف يوحنا النقيوس بقوله:" و كان بينهم يوحنا أسقف ابشاتى الذى كان معينا لأسقفية المنطقة العليا رجل كامل فى حكمة الله و الناس مع غريغوريوس أسقف القيس الذى كان معينا (مقدما) لأساقفة المنطقة السفلى مع جميع الأساقفة" أ ه (5) مما سبق يبدو لنا أن يوحنا النقيوسى يعتبر أحد اثنين من أهم الأساقفة فى مصر فى ذلك الوقت.

____________

(1) يقصد يوحنا، و قد ذكره هكذا فى موضع لاحق.

(2) كامل صالح نخله، مجلة صهيونى، ص 11- ص 14.

(3) ساويرس بن المقفع، كتاب سير الآباء البطاركة، ص 130.

(4) هو عبد العزيز بن مروان والى مصر، و تولى ولايتها احدى و عشرين سنة (65- 86 ه) (684- 705 م).

انظر: سيده اسماعيل كاشف، مصر فى عصر الولاة، مكتبة النهضة المصرية، سلسلة الألف كتاب (241)، د. ت، ص 26.

(5) انظر:E .Porcher ,Vie d`Isaac ,p .(65) .

26

و قد عرف فيه البطريرك سيمون الأول (42) حسن التدبير و طول الخبرة بحياة الرهبان فسلمه تدبير أديرة وادى هبيب (وادى النطرون) حوالى سنة 694 م، و لهذا عرف بالمدبر، و كان حينذاك متقدما فى السن‏ (1)، و لما تعدى حدود سلطته قطعه مجمع من الأساقفة فترة من الزمن، اذ يقول ساويرس بن المقفع فى معرض حديثه عن البطريرك سيمون:" ثم انه سلّم لابا يوحنا اسقف نقيوس تدبير حال الديارات لأنه كان خبيرا بتقلب الرهبان و قوانينهم و اعطاه سلطانا عليهم و كانوا يعمروا القلالى بغير فتور و الاراخنة يقوموا بأحوالهم ثم أن قوما من المحبين الشهوات أخرجوا عذرى من ديرها و دخلوا بها وادى هبيب و اوقعوا بها الفعل سرا فلما ظهر ذلك بين الرهبان كان بينهم قلق عظيم ما لم يسمع بمثله فى ذلك الموضع فأخذ الأسقف الراهب الذى عمل الخطيئة و ضربه ضربا موجعا و بعد عشرة أيام من تأديبه مات الراهب فلما شاع الخبر اجتمعوا الأساقفة بكورة مصر سرا و سألوا الأسقف عن قضية الراهب فأخبرهم بها و اعترف أنه الذى ضربه فاوجبوا عليه القطع لكونه تعدى حد الواجب من أدبه فقطعوه فوقف فى وقت أن قطعوه و كانوا قالوا له ما انت فى حل ان تدنوا الى شى‏ء من آلة الهيكل من الآن بل تأخذ السراير كراهب فنادى و قال للشعب كما قطعتمونى ظلما الرب الاله الذى اعرف اسمه يجعل جميعكم يا اساقفة غرباء عن كراسيكم الى تمام الزمان الذى حكمتم على فيه ثم أقاموا آخر اسمه مينا من دير أبو مقار عوضه .." (2) و كان انعقاد مجمع الأساقفة سنة 698 م، و بعد هذا المجمع أول المجامع التى عقدت لمحاكمة أسقف لم يكن للبطريرك دخل فيه‏ (3).

و لم يذكر ساويرس مدة القطع، و لكن يبدو انها كانت ثلاث سنوات، اذ حدث بعد ذلك بقليل أن شكا بعض الاقباط الأساقفة عند الوالى لمنعهم الزواج بأكثر من واحدة، فاصدر الوالى أمره باعتقال الأساقفة، ثم بعد أيام أخر أوقعوا بالبطريرك سيمون فى مسألة رسالة اسقف للهند و قد استطاع هذا أن يثبت للوالى براءة ساحته منها، و يقول ساويرس بن المقفع بعد أن انتهى من ذكر هذا الحادث:" و بعد ثلاث سنين أطلق الأساقفة الى كراسيهم" (4).

____________

(1) ساويرس بن المقفع، كتاب سير الآباء البطاركة، ص 134، ص 135.

(2) السابق نفسه.

(3) كامل صالح نخلة، مجلة صهيون، ص 12.

(4) ساويرس بن المقفع، كتاب سير الآباء البطاركة، ص 135، ص 136، ص 139.

27

و يبدو من هذا أن أسقف الأشمونين أراد الإشارة إلى أن الله استجاب لدعاء يوحنا النقيوسى على الأساقفة فى أن يظلوا غرباء عن كراسيهم مدة تساوى مدة قطعه. و لم يشر ساويرس إلى يوحنا النقيوسى فى أى موضع آخر، و يغلب على الظن أنه لم يعمر بعد ذلك طويلا، و من المحتمل، وفقا للمعلومات البيوجرافية القليلة السابقة عن يوحنا النقيوسى، بأنه مات فى مستهل القرن الثامن الميلادى تقريبا.

مما سبق يتضح أن يوحنا النقيوسى عاش سنين طويلة من عمره فى النصف الثانى من القرن السابع الميلادى حتى مستهل القرن الثامن الميلادى فى ظل حكم عصر الولاة فى مصر (21- 254 ه/ 642- 868 م) ذلك العصر الذى اتسم بالتسامح الإسلامى مع أهل الذمة بعد ما تعرض هؤلاء لكثير من ألوان المحن و الاضطهاد على أيدى الحكام الرومان و البيزنطيين.

فقد بدأ هذا العصر بتولى عمرو بن العاص ولاية مصر، و قد اهتم اهتماما كبيرا بكسب القبط إلى جانبه، و خير شاهد على ذلك إعادته لبنيامين البطريرك القبطى الهارب من وجه قيرس الحاكم البيزنطى إلى كرسيه البابوى و منحه السلطة الكاملة على جميع الكنائس فى مصر (1)، فضلا عن منحه المصريين حرية ممارسة العبادة و الشعائر. و قد عاصر يوحنا النقيوسى، كما رأينا من قبل، عبد العزيز بن مروان (65- 86 ه) و هو من أشهر الولاة الأمويين الذين حكموا مصر و يعتبر عصره بالنسبة للأقباط من أزهى فترات العصر العربى فى مصر، لما عرف عن تسامحه معهم و مع رهبانهم. (2) و الحق أن هذا العصر كان نهاية لفترات من الاضطهاد المتواصل الذى تعرض له أقباط مصر منذ دخول المسيحية إلى مصر فى القرن الأول الميلادى، على أيدى الحكام الرومان سواء خلال الفترة الوثنية للامبراطورية الرومانية (3) أو بعد اعتراف الملك قسطنطين (306- 337 م) بالعقيدة المسيحية، و بعدها جعلها الامبراطور تيودوسيوس (378- 395 م) الديانة الرسمية للدولة سنة 381 م، إذ أن انتشار المسيحية بين الرومان لم يضع حدا للخلاف الدينى، فظهر الاختلاف المذهبى نتيجة العداء بين الأرثوذكسية

____________

(1) ساويرس بن المقفع، كتاب سير الآباء البطاركة، ص 108، 109.

(2) على حسن الخريوطلى، مصر العربية الاسلامية، مكتبة الأنجلو المصرية، 1963، ص 44، ص 45.

(3) مراد كامل، بحث: من دقلديانوس إلى دخول العرب فى كتاب: تاريخ الحضارة المصرية العصر اليونانى و الرومانى و العصر الاسلامى، وزارة الثقافة و الارشاد القومى مكتبة مصر بالفجالة، د. ت، المجلد الثانى، ص 210- 212.

28

و الكاثوليكية من جهة، و الخلاف حول طبيعة المسيح من جهة أخرى. و قد تدخل الحكام الرومان فى صالح نصرة مذهبهم و تمخض هذا عن عقد مجمع خليقدونية بآسيا الصغرى سنة 451 م و قرر أن للمسيح طبيعتين و عارض مذهب الكنيسة القبطية القائل بأن للمسيح طبيعة واحدة، و قرر هذا المجمع كذلك حرمان ديسقورس بطريرك الاسكندرية، و قد أدى هذا الخلاف المذهبى الى اضطهاد البيزنطيين للمصريين فى شتى النواحى سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا (4) حتى ان مصر لم تعد منذ بداية القرن السابع الميلادى اقليما بينزنطيا بالمعنى الصحيح، اذ صارت السلطة البيزنطية عليها ضعيفة و أخذت البلاد من الوجهات السياسية و الاقتصادية و الادارية و الدينية تتهيأ لحدث كبير و هو الانتقال من أيدى البيزنطيين إلى أيدى العرب. (5) و يظهر مدى ما قاساه الأقباط جليا فى الفترة الأخيرة من الحكم البيزنطى فى مصر، اذ تولى قيرس السلطتين السياسية و الدينية و أوقع بأقباط مصر شتى صنوف العذاب، الأمر الذى مهد السبيل للفتح العربى و الترحيب به.

و مما سبق يبدو أن يوحنا النقيوسى كان، دون ريب، انعكاسا لعصره و مرآة لما حفل به هذا العصر من أحداث.

____________

(4) على حسن الخريوطلى، مصر العربية الاسلامية، ص 6، ص 7.

(5) سيده اسماعيل كاشف، مصر فى عصر الولاة، ص 12.

29

الفصل الثانى منهج يوحنا النقيوسى فى الكتابة التاريخية

علمنا مما سبق أن يوحنا النقيوسى كان أحد رجال الدين المسيحيين فى مصر فى القرن السابع الميلادى و مستهل القرن الثامن الميلادى، الأمر الذى أضاء السبيل للتعرف على السمات الرئيسية فى منهجه من تدوين التاريخ، فمما لا شك فيه أنه تأثر بالتيارات الجارية فى عصره، من حيث تأثير الفكر المسيحى فى كتابة التاريخ من جهة، و تقاليد الكتابة التاريخية آنذاك من جهة أخرى. اذ كان من نتائج انتصار المسيحية على الوثنية أن جاءت المسيحية بتغيرات فى مفاهيم الكتابة التاريخية و فى الأفكار التى تنير السبيل إلى هذه الكتابة، حيث رفضت المسيحية الثقافة الوثنية، اذ اعتبرتها من نتاج الشيطان، كما اعتبرت الكتابات التاريخية للوثنيين فى درجة أقل احتراما من كتابات اليهود فى العهد القديم، و صارت العملية التاريخية بالنسبة للمؤرخين المسيحيين الأول جزءا من عملية كونية المشتركون الرئيسيون فيها هما الله و الإنسان، فهى بالنسبة لهم ملحمة سماوية تمتد منذ الخليقة حتى الانفصال النهائى بين الخير و الشر يوم القيامة. و قد اعتبر هؤلاء العملية التاريخية بمثابة المظهر العملى للصراع الكونى بين قوات الخير متمثلة فى جماعة المؤمنين المختارين من رب العبريين و المسيحيين، و قوات الشر متمثلة فى الوثنيين السابقين و المعاصرين، و النتيجة النهائية هى الانتصار العظيم لقوات الخير و الهزيمة الكاملة لقوات الشر (1).

فالمسيحية ليست البداية و لكنها فصل من فصول الرواية التى تبدأ بالعهد القديم و لا سيما بسفر التكوين الذى يحكى قصة الخلق، ثم ترد قصته عن المسيح و حوارييه لتمثل العهد الجديد، و بعدها يلعب القديسون و القديسات دورهم فى هداية البشر و حمايتهم. و قد ظل التاريخ الكنسى جنبا الى جنب مع التاريخ العلمانى، و لم يستطع مؤرخو العصور الوسطى الفصل بينهما، و بقى التاريخ الكنسى مرتبطا بالتاريخ العلمانى و يزداد هذا الارتباط كلما زادت سطوة الكنيسة على الشئون العلمانية. (2)

____________

(1)Harry Elmer ,pp .14 -34 .

(2) بيريل سمالى، المؤرخون فى العصور الوسطى، ترجمة: قاسم عبده قاسم، دار المعارف، 1978 م، ص 55، ص 235، ص 236.

30

و كان الكتاب المقدس هو المنبع الأول للكتاب المسيحيين، الذى استمدوا منه معلوماتهم الأولية، دون نقاش، فلم يكن مؤرخ العصور الوسطى يتجه الى العهد القديم التماسا للسوابق و النماذج فقط، بل كان يعيش فى كتاب مقدس ممتد، و قد كان لأسلوب الكتاب المقدس و للقصص التى يرويها تأثير كبير فى مؤرخى العصور الوسطى. (1)

و يعتبر المؤرخ ايوزيبيوس‏ (2) اسقف قيصرية هو التجسيد الحى للتفاعل بين الموروثات الكلاسيكية و التأثيرات المسيحية فى مجال تدوين التاريخ، فقد كان أيوزيبيوس هو أول من كتب تاريخا كنسيا، و ذلك فى القرن الرابع الميلادى بعد انتصار المسيحية، و قد أرسى منهجا فى تدوين التاريخ المسيحى، كان بمثابة النموذج لمن خلفه من المؤرخين المسيحيين، فهو يرى فى التاريخ قصة كونية تبدأ بالعهد القديم و تستمر أحداثها فى العهد الجديد، و تستكمل القصة بالحوادث التى شهدها العالم منذ رحيل المسيح حتى انتصار المسيحية باعتناق قسطنطين. و من القيم التى أرساها فى تدوين التاريخ المسيحى أن الرب يتدخل دائما لنصرة شعبه و يصب غضبه على من يسببون الأذى و يضطهدون مختاريه، كما أن المعجزات و القديسين كان لهم دورهم الهام فى نسج القصة التاريخية.

____________

(1) سمالى، ص 78، ص 39، ص 40.

(2) هو أول مؤرخ كبير للكنيسة المسيحية (260- 340 م) كان صديقا للامبراطور قسطنطين الكبير، ولد بفلسطين و تنقلت به الأحوال حتى صار أسقفا لمدينة قيصرية سنة 314 م. له عدة مؤلفات فى التاريخ و اللاهوت و العقيدة أهمها التاريخ الكنسى‏Historia ECCLESIATICA ، و كتاب حياة قسطنطين‏Vita Constantini الذى كتبه ليمتدح الامبراطور بعد موته سنة 327 م. و كتاب تاريخ الكنيسة يعرض لنشأة الكنيسة و تاريخها الباكر، و يتحدث عن آباء الكنيسة فى القرون الثلاثة الأولى. كما أنه كتب مدونة تاريخية تبدأ بالخليقة مصحوبة بقوائم زمنية منذ إبراهيم (عليه السلام). و لكن النص اليونانى للمدونة مفقود و بقيت لها ترجمة ارمينية، و نسخة لاتينية معدلة كتبها جيروم.

انظر:

Norman F. Cantor, Medieval History, The life and Death. of a Civilization, Macmillan, New York 9691, Second edition, pp. 73- 83, 24- 64, 08- 78, 09- 501.

على الغمراوى، مدخل الى دراسة التاريخ الأوربى الوسيط، مكتبة سعيد رأفت الطبعة الثانية، القاهرة 1977، ص 67، ص 68.

سمالى، ص 52، ص ش 1.

31

و يتضح مدى تأثر يوحنا النقيوسى بالنموذج الذى وضعه ايوزيبيوس فى كتابه التاريخ الكنسى، فى عناصر مؤلفه التاريخى و رؤيته للقصة الرئيسية باعتبارها جزءا من قصة كونية عامة ترعاها العناية الإلهية. فهو يبدأ تاريخه من خلال القصة الواردة فى العهد القديم عن الخليقة و آدم و حواء و ابنائهما و العبريين و خروجهم من مصر على يد موسى كليم الله بعدما ذاقوا الكثير من ألوان العذاب على أيدى المصريين، ثم ينتقل إلى الحديث عن مولد المسيح و ما لاقاه المسيحيون من ألوان الاضطهاد عبر عصور طويلة حتى يصل إلى انتصار المسيحية باعتناق الامبراطور قسطنطين لها، ثم تبرز قصة الصراع المذهبى حول طبيعة المسيح فى روايته التاريخية حتى ينتهى به المطاف إلى الوصول إلى قصته الرئيسية و التى تتمثل فى فتح المسلمين لمصر.

فهو فى حديثه عن انتصار المسيحية، و موقف الأباطرة الرومان منها قبل قسطنطين و بعده، يتعرض لاضطهاد المسيحيين على أيدى الوثنيين و لمعجزات القديسين و القديسات، و للاستشهاد الذى كان بمثابة الدليل على صدق المسيحية، و الذى أدى إلى انتصار الكنيسة و سيطرة المسيحية. (1) فيصور لنا يوحنا النقيوسى مدى قسوة الملك تراجان الوثنى على المسيحيين، و ألوان العذاب المختلفة التى أنزلها عليهم، فهذا اغناطيوس بطريرك انطاكية قد طرحه لأسد و هؤلاء نسوة قديسات قد أمر بحرقهن‏ (2)، و تبرز صورة الاضطهاد أكثر وضوحا، و اكثر مدعاة للشفقة، حين يتعرض بالحديث عن فترة حكم دقلديانوس‏ (3)، ثم يستمر المؤلف فى الحديث عن الاضطهادات الواقعة على المسيحيين فى أكثر من موضع‏ (4) ثم يتحدث يوحنا النقيوسى عن المعجزات التى جاءت على أيدى القديسين و القديسات‏ (5).

____________

(1) يتفق يوحنا النقيوسى فى هذا مع ايوزبيبوس الذى عالج هذه الموضوعات بالطريقة نفسها.

انظر:

Colm Lubheid, the Essential Eusebius, Amentor Omega Books, New American Library, New York and Toronto. the New English Library Limited, London, PP. 95- 16.

(2) انظر صفحة 85 من هذا البحث.

(3) انظر صفحة 91 من هذا البحث و ما بعدها.

(4) انظر صفحة 105، 112 من هذا البحث.

(5) انظر صفحة 85، 86، 119 من هذا البحث.

32

و ان يوحنا النقيوسى يصب تاريخه فى القالب الأيوزيبى‏ (1)، الذى يخلع كل الصفات الطيبة على من يناصر المسيح و المسيحيين، و هؤلاء يناصرهم المسيح و يقف بجانبهم و يمدهم بعونه و قوته وقت الشدة، و ينالون حب البشر. (2) بيد أن من يضطهد المسيحيين يصب عليه اللعنات و يصيبه الرب بأشر الأمراض فتكا، و بزوال ملكه، و بالمصائب و المحن على بلده. (3)

و قد قسم يوحنا النقيوسى روايته التاريخية، مثلما قسم ايوزيبيوس روايته، إلى وحدات زمنية تطابق كل منها حكم امبراطور أو اسقف مشهور، و كان خلال كل وحدة زمنية يورد مجموعة من الأحداث، ليس بينها فى الغالب اتصال، بل تراكمت الأحداث مع بعضها، و كثيرا ما لخصت هذه الأحداث فى جمل غير مترابطة (4)، ذلك أنه يتحدث مثلا فى جملة ما عن شخص معين فى مكان معين و فى الجملة التالية مباشرة يتحدث عن شخص آخر و مكان مختلف تماما عن المكان الأول، فعلى سبيل المثال و ليس الحصر، يتحدث فى الباب الثامن عشر عن عهد الملك تراجان، و بينما هو يروى أحداثا أبطالها تراجان و قديسات فى أنطاكية، ينتقل مباشرة إلى الحديث عن اليهود فى الأسكندرية و منطقة قورينة (5)، و هناك أمثلة كثيرة على هذا ترد فى ثنايا كتاب يوحنا النقيوسى.

و قد تأثر يوحنا النقيوسى كذلك بالنموذج الذى وضعه ايوزيبيوس للملوك المسيحيين الأتقياء، فقد صور ايوزيبيوس فى كتابه عن حياة الملك قسطنطين الكبير، نموذجا يجمع فيه الملك بين القيصر و البابا، و حاول أن يصور قسطنطين كما يجب أن يكون، لا كما كان بالفعل.

و قد استمر الكتاب المسيحيون، و منهم يوحنا النقيوسى، فى التمسك بالالتزام الأدبى لهذا النموذج فى كتابه التاريخ حتى القرن الحادى عشر على أقل تقدير، و لم يكن هناك مكان‏

____________

(1) نسبة إلى ايوزيبيوس.

(2) انظر ص 75، 77، 79، 83، 86، 88 من هذا البحث.

(3) انظر ص 73، 74، 84، 85، 116، 117، 124، 135، 187، 188، 205 من هذا البحث.

(4) انظر:Colm Luibheid ,PP .95 -16 .

(5) انظر ص 85- 88 من هذا البحث.

33

فى أدب العصور الوسطى الأولى للشخصية الحقيقية ذات الميزات و الخصائص الفردية. (1) فيوحنا النقيوسى حين تحدث عن الملك قسطنطين، و هو مثال للملوك المسيحيين المناصرين للمسيحية، وصفه بأجل الصفات، و بقوة إيمانه بالمسيح الذى كان السبب فى نصرته على أعدائه الوثنيين، و يحبه فى بناء الكنائس و نشر المسيحية، و ختم حديثه عنه بالقول بأن ملاكا من عند الله كان مصاحبا له، يوقظه كل يوم للصلاة، و لم يكن يظهر لأى من الملوك غيره‏ (2).

و يبدو تأثر يوحنا النقيوسى كذلك بايوزيبيوس فيما ضمنه من دلائل و ثائقية فى روايتة التاريخية، و ذلك حسب ما ورد فى التاريخ الكنسى لايوزيبيوس‏ (3)، و قد تمثلت هذه الدلائل الوثائقية فى الرسائل و الخطب و القرارات‏ (4). و قد كان لهذا التقليد فى الكتابة التاريخية فى العصور الوسطى الفضل فى الاحتفاظ بنسخ لوثائق أصلية كثيرة فقدت‏ (5).

على أن أهم ما يلفت الانتباه فى كتاب يوحنا النقيوسى، هو أنه يعكس حرص العصور الوسطى على احتذاء المثل، و الاقتداء بالنموذج، بل و الارتباط الكامل به، فهو فى روايته لتاريخ المسيحية و صراعها مع ما حولها من عقائد سواء كانت العقيدة اليهودية أو العقائد الوثنية، يصب مادته صبا تعسفيا فى قالب سبق أن وضعه ايوزيبيوس، كما يلزم نفسه تماما بالمفهوم المسيحى عن التقسيم الزمنى كما أوضحه أوغسطين، فما تاريخ الانسان بعد المسيح سوى الفصل الأخير فى قصة الإنسان التى كتب الرب فصولها، و يلزم نفسه أيضا فى نظرته الى المكان فى كونه محكوم بحدود التاريخ القديم، و حدود الكتاب المقدس فى الماضى، و بامتداد العالم المسيحى فى الحاضر. (6)

____________

(1) نورمان، ف. كانتور، تاريخ العصور الوسطى، قصة حياة حضاره و نهايتها، ترجمة قاسم عبده قاسم، مراجعة على الغمراوى، مكتبة سعيد رأفت، القاهرة 1977، الطبعة الأولى، ج 1، ص 87، ص 88، ص 94، ص 95.

(2) انظر ص 98، 110 من هذا البحث.

(3) سمالى، ص 53، 54.

(4) انظر ص 96، 97، 110، 112 من هذا البحث.

(5) سمالى، ص 53، ص 54.

(6) سمالى، ص 77، ص 78.

34

و لم تكن الشعوب غير المسيحية ترد أخبارها فى ثنايا روايته للتاريخ الحقيقى إلا حين تنشب حروب بين هذه الشعوب و بين الامبراطورية الرومانية (1)، أو حين يرد خبر عن إرسال بعثات تبشيرية لهداية هذه الشعوب إلى المسيحية. (2) و قد كان هذا أيضا من سمات الكتابة التاريخية فى العصور الوسطى. (3)

و يبدو العنصر الغيبى واضحا فى روايته التاريخية، اذ كان للشيطان دوره فى دفع بعض الناس، سواء كانوا ملوكا أو غير ملوك، إلى القيام بالأعمال الشريرة، و كان له دوره كذلك فى ضلال المؤمنين و إبعادهم عن الطريق الصحيح، طريق المسيحية، و كان له دوره أيضا فى التفرقة بين المسيحيين. و أحيانا يرجع يوحنا النقيوسى، على لسان أبطال قصته، الأحداث غير البشرية التى يتعرض لها البشر إلى فعل الشيطان. (4) و كان للسحرة كذلك دورهم فى ضلال المؤمنين و اضطهاد المسيحيين، و نصرة فريق على فريق آخر، كل هذا بفضل أعمالهم السحرية. و لم يكن دور الشيطان و دور الأعمال السحرية بغريب أن نجده فى ثنايا رواية يوحنا النقيوسى، و هو أحد مؤرخى العصور الوسطى، إذ أن دور العنصر الغيبى و القوى الغيبية قد تعاظم فى هذه الفترة فى التدوين التاريخى لما بعد الكتاب المقدس، إذ لحقت الملائكة و الشياطين بالشخصيات الدرامية و نزل القديسون من السماء لرعاية و هداية الناس و تحدى أخطائهم. (5)

و يكشف منهج يوحنا النقيوسى فى روايته التاريخية عن المزيد من سمات الكتابة التاريخية فى العصور الوسطى، و ذلك فى حديثه عن حياة القديسين‏Hagiogrophy و عن المعجزات التى تمت على أيديهم. (6) اذ كان من أكثر التطورات الأدبية إثارة فى القرنين السابع و الثامن الميلاديين ظهور حياة القديس فى شكل روائى، و إن كانت هذه السير قد

____________

(1) انظر ص 101، 152، 157، 158 من هذا البحث.

(2) انظر ص 87، 140، 203 من هذا البحث.

(3) سمالى، ص 109، 110، 111.

(4) انظر ص 103، 104، 107، 120- 122، 126، 127 من هذا البحث.

(5) سمالى، ص 40، ص 41.

(6) انظر ص 117، 118، 130، 131، 141 من هذا البحث.

35

اتخذت تقاليدها منذ أوائل القرن الرابع. (1) و قد كان هذا النوع من التدوين التاريخى فى أوائل العصور الوسطى قائما على أساس مفهوم تقديم تحقيق المثل لا على تقديم الواقع، و هو يتبع فى هذا مفهوم الفلسفة الافلاطونية، عما يجب أن يكون عليه الملك أو الأسقف. (2) و قد كان الكاتب الذى يدون سيرة أحد القديسين يشعر بأنه يضيف صفحة جديدة إلى قصة الانجيل. (3) و قد اتخذت سيرة القديس نمطا محددا، و وضع بطل السيرة داخل اطار نموذج مقرر سلفا، فهو إما قديس منذ طفولته العجيبة، و إما خاطى‏ء اهتدى إلى طريق التوبة. ثم يلى ذلك الحديث عن معجزاته و نبوءاته، و قد كان للمؤرخ مجموعة قياسية من المعجزات ينبغى عليه أن ينسج على متوالها، و كثيرا ما تتطرق الرواية إلى الحديث عن القديس و معجزاته فى القبر بعد الموت. (4)

و اذا كان يوحنا النقيوسى قد اعتبر نفسه من أصحاب العقيدة الصحيحة، فان الآخرين أعداء للرب، و من ثم فانهم أعداء له، فالأريوسيون و الأرثوذكس البيزنطيون أعداء مذهبيون حادوا عن سواء السبيل، فجلبوا على أنفسهم غضب الرب، و لذا فإنهم يتعرضون باستمرار لانتقامه، الذى كان يأخذ أشكالا متعددة مثلهم مثل أعداء المسيحية كالمانويين و الوثنيين و اليهود، يلقون العقاب جزاء ضلالهم.

و تبدو مناصرة يوحنا النقيوسى لمذهبه العقائدى فى مواضع متعددة من كتابه، و كثيرا ما يدفعه هذا إلى النظر إلى الأحداث بطريقة مختلفة عن نظرة المختلفين معه فى المذهب، ذلك أن العاطفة لم تترك له الحرية للتفكير السليم، أو الحكم على أفعال منافسيه بعدل و إنصاف، أو سرد رواية حدث ما بحيدة و موضوعية فهو مثلا حين يتحدث عن الملك انسطاسيوس يشير إلى أن الطيبات التى فعلها هذا الملك، لم يفعلها، إلا لكونه مؤمنا ارثوذكسيا و لاتباعه هذه العقيدة الحقة. (5) و يرجح فى موضع آخر سبب المحن التى ينزلها الله على البشر إلى‏

____________

(1)

J. F. Webb, Lives of the saints, penguin books. 0791, p. 61, 71.

(2) نورمان كانتور، ص 87، ص 88.

(3) سمالى، ص 78.

(4) أنظر:J .F .Webb ,p .61 ,71 .

(5) انظر ص 141، 143، 144 من هذا البحث.

36

الابتعاد عن العقيدة الأرثوذكسية. (1) و هناك مواضع أخرى كثيرة فى ثنايا كتاب يوحنا النقيوسى يتضح منها انحياز المؤلف إلى مذهبه العقائدى. (2) و إن هذا الأمر ليس بغريب على مؤلف فى هذه الفترة من التاريخ، إذ كان من سمات هذه الفترة عدم قدرة المؤرخ البعد عن تأثير مذهبه أو جماعته فيه فى كتابته التاريخية. (3)

أما موقف يوحنا النقيوسى من أحداث الفتح الاسلامى، فيبدو موقفا متناقضا للوهلة الأولى، فهو يتحدث تارة عن قسوة المسلمين‏ (4)، و يتحدث عن رحمتهم تارة أخرى‏ (5)، كما أنه يكيل لهم الشتائم‏ (6)، بدون مناسبة، تارة ثالثة. غير أن التأمل فى تاريخ النص الحبشى‏ (7) الذى بين أيدينا يكشف عن أن المترجم الحبشى‏ (8) قد أباح لنفسه التعبير عن مشاعره الدينية الغالبة بين ثنايا سطور النص الذى بين ايدينا، و الذى يوضح مدى تعصبه للمسيحية. فقد شهد القرن السابع عشر، على وجه الخصوص، تصاعدا عنيفا فى المواجهة بين الحبشة المسيحية و جيرانها المسلمين فى دول الطراز الاسلامى، على شاطئ افريقيا الشرقى. و الجدير بالذكر أن هذا الصراع الذى التهب فى القرن السابع عشر كان تعبيرا عن تراث طويل من العداوة و الاحتكاك بين الأحباش المسيحيين و القوى الاسلامية منذ بداية ظهور المسلمين كقوة دولية حاكمة. (9) و من ثم يبدو سبب تعصب المترجم الحبشى الذى سمح لنفسه‏

____________

(1) انظر: ص 141، 145 من هذا البحث.

(2) انظر: ص 149، 150، 154، 199، 200، 204، 220 من هذا البحث.

(3) انظر:Harry Elmer ,p .65 ,75 .

(4) انظر: ص 189، 190، 194، 196، 198، 199، 205، 206، 220، 222 من البحث.

(5) انظر: 204، 220، 221 من هذا البحث.

(6) انظر: 197، 222 من هذا البحث.

(7) تمت الترجمة الحبشية فى القرن السابع عشر الميلادى سنة 1062 م، و قد ثبت هذا فى نهاية المخطوطة.

(8) على الرغم من أن المترجم هو الشماس غبريال المصرى، كما ورد هكذا فى نهاية المخطوطة، الا أنه ترجم مخطوطة يوحنا النقيوسى بناء على أمر من ملك الحبشة و قائد قواته، و ربما كان موفدا من كنيسة الاسكندرية إلى الحبشة.

انظر ص 225 من هذا البحث.

(9) انظر: الحيمى حسن بن أحمد، سيرة الحبشة، تحقيق مراد كامل، مطبعة دار العالم العربى، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، ص 18، ص 19، ص 26.

37

أن يقحم فى النص عبارات من عنده تنم عن تعصبه ضد الاسلام هذا من ناحية أخرى، يبدو أن المترجم الحبشى قد عبث بنص يوحنا النقيوسى فيما يتصل بالجزء الأخير منه و هو الخاص بالفتح العربى لمصر، لأن أسلوب النص فيما قبل، حتى حين يتحدث عن مضطهدى المسيحيين مثل دقلديانوس‏ (1) لا يبدو فيه مثل هذه الشتائم الواردة فى الجزء الخاص بالفتح العربى لمصر. فضلا عن أن المصادر المسيحية الأخرى اللاحقة لكتاب يوحنا النقيوسى الأصلى، مثل كتاب ساويرس بن المقفع عن بطاركة الأسكندرية، قد أوضحت فى ثنايا كتاباتها حرص العرب المسلمين فى مصر، فى الفترة التى كتب فيها يوحنا النقيوسى تاريخه أو بعدها بقليل، على معرفة لغة القبط، و على معرفة كل ما يكتبونه، اذ يشير لنا ساويرس فى كتابه السالف فى مواضع مختلفة منه اشارات تؤكد هذا الحرص من قبل العرب المسلمين‏ (2).

____________

(1) راجع الباب الحادى و العشرين من تاريخ يوحنا النقيوسى.

(2) يذكر ساويرس فى معرض حديثه عن البطريرك الاسكندروس، البطريرك الثالث و الأربعين من أعداد بطاركة الكرسى السكندرى، ما يؤيد ذلك بقوله:" كان لعبد العزيز ملك مصر ولد أكبر اولاده يسمى الاصبغ و كان يظن أنه يجلس عوض أبوه اذ توفى فولاه على جميع الكورة و الى و مستخرج و كان جميع الطقوس سامعين له بخوف لاجل أنه ولد الأمير و لما دفع له السلطان و كان مبغض للنصارى سفاك الدماء رجل سوء كالسباع الضارية ثم انطوى اليه شماس اسمه بنيامين فكان يعمر له و كان يحبه أكثر من جماعة أصحابه و يظهر له أسرار النصارى بسعايته حتى انه فسر له الانجيل بالعربى و كتب القيامة و كان يبحث عن الكتب لتقرأ عليه و كذلك الارطستكات كان يقرأها لينظر هل يشتموا فيها المسلمين أم لا ..." و يشير ساويرس فى موضع آخر، و هو فى حديثه عن اسحق البطريرك الحادى و الأربعين من عداد بطاركة الكرسى السكندرى، الى معرفة الحكام العرب باللغة التى يكتب بها القبط كتبهم بقوله: و فى تلك الأيام كتب البطرك الى ملك الحبشة و ملك النوبة أن يصطلحا و لا يكون بينهما سجس و ذلك لخلف كان بينهما فسعى به قوما من أهل المكر الى عبد العزيز فغضب جدا و انفذ من يحضره ليقتله فكتبوا الكتاب كتبا غير الكتب و دفعوها الى الرسل الذى انفذهم الى الحبشة و أخذوا تلك الكتب منهم خوفا على البطرك و انما فعلوا هذا الأمر لئلا يلحق البيعة ضرر و من قبل أن يصل البطرك الى الأمير عرفوه أن الرسل هاهينا و معهم الكتب فانفذ سرعة طلبهم و أخذ الكتب منهم فلما وقف عليها لم يجد شيئا مما ذكر له فسكن غضبه و انفذ للوقت و اعاد البطرك الى الاسكندرية"، و هناك اشارة ثالثة توضح حرص العرب المسلمين فى مصر على معرفة لغة القبط يذكرها ساويرس و هو يشير الى عبد الملك ابن موسى بن نصير حاكم مصر الى أنه قد و كل شماسا يدعى يسا بن ثمن ليحل خلافا قد وقع بين اليعاقبة و الحلقيدونيين على أحقية ملك كنيسة ما رمينا بقوله:" حتى ان الملك تعجب ثم احضر صاحب ديوانه و كان رجل مسلم تحت يده ديوانين و رجل آخر اسمه يسا بن ثمن و سلمهم له ليطول روحه عليهم و يسمع كلامهم‏

38

و يتضح مما سبق من استشهادات مؤرخ قبطى يعقوبى ألف كتابه فى القرن العاشر الميلادى أن نص يوحنا النقيوسى الأصلى لم يكن يتضمن على الأرجح هذا الهجوم السافر على المسلمين، و الذى ينم عن تعصب مقيت ضد الاسلام.

هذا فضلا عن أن تلك المصادر المسيحية العربية الأولى فى مصر مثل كتب ابن البطريق و ساويرس تجمع على أن المسلمين عاملوا المسيحيين المصريين معاملة طيبة إبان الفتح الاسلامى‏ (1)، مما أدى إلى تقديم القبط المساعدة للمسلمين و الترحيب بهم، و هو ما نجده فى كتاب يوحنا النقيوسى نفسه‏ (2)، و هو ما ينم عن أن المترجم الحبشى، رغم ظهور تعصبه الشديد ضد المسلمين، لم يكن ذكيا بحيث لم يحذف كل ما يشير إلى تلك المساعدات، و على هذا فمن المرجح لكل الاعتبارات السابقة، أن يكون التناقض البادى فى موقف النص من المسلمين راجعا إلى تصرف من المترجم الحبشى فى النص الأصلى.

و من حيث المصادر التى اعتمد عليها يوحنا النقيوسى فى كتابة مؤلفه هذا، يتضح أنه قد اعتمد على الكتاب المقدس فى معلوماته التى أوردها عن تاريخ الخليقة و قصة بنى آدم، فهو تارة يستقى معلوماته مباشرة منه، و تارة ثانية يستشهد على لسان أحد القديسين بما ورد فيها من أحداث، و تارة ثالثة يورد نص فقرات منه يدعم بها روايته التاريخية. (3) و فيما يتعلق بالتاريخ المصرى القديم فانه اعتمد على مصادر غامضة، دون أن يبذل أية محاولة

____________

- و يعرفه و أمر أن يكتب كل منا ما يقوله فى كتاب .. فجمع الأب البطرك انبا خايال اساقفته و كتب كتابا مملوا من كل حكمه .. و كتبوا ذلك قبطى و عربى"، و فى موضع آخر يشير ساويرس الى أن الملك و كل أمر التحقيق بين الفريقين حول ملكية هذه البيعة الى شيخ وديع من قضاة المسلمين يدعى أبو الحسين، و قد كان عليما بلغة القبط، و يتضح هذا بقوله:" فأمر باحضار كتب اليعاقبة و الملكيين فقراها و فهم مضمونها و استعظم ما كان بينهم و اخذها و دخل بها الى الملك فقراها و تعجب ايضا و امر بنفاذ الحكم و امضاء فخرج القاضى و قال لقسما انت رجل ليس لك دين و لا الاه و هو ذا كتبك تشهد عليك أن البيعة لابن خايال و قد عرفنا ما كتبتم جميعا فامضوا و اكتبوا غير هذه الكتب و أتونى بها .. فارسل القاضى ثقاته و معهم الكتاب و التراجمة و قرءوا المكتوب عليها فوجدوه على ما ذكر انبا خايال و استقصى القاضى صحة الخبر جيدا ..".

انظر ساويرس بن المقفع، ص 143، ص 131، ص 174، ص 175، ص 177، ص 180 و عن شواهد أخرى، من مؤرخين مسلمين، على اهتمام العرب بمعرفة اللغة القبطية. راجع: محمد كامل حسين، فى الأدب المصرى الاسلامى، من الفتح الاسلامى الى دخول الفاطميين، مكتبة الاعتماد، بدون تاريخ، ص 33.

(1) قد أشرنا الى هذا، كل فى موضعه، من خلال ملاحظاتى الهامشية أسفل الترجمة.

(2) انظر ص 195، 197، 205، 207، 212، 213، 219 من هذا البحث.

(3) انظر: ص 56- 58، 61، 142، 143، 188، 222 من هذا البحث.

39

لتقصى مقدار الحقيقة منها، و هنا لا ينبغى أن نلوم مؤرخنا، فقد كان ابنا لعصره، و لم يكن يمتلك من وسائل التحقيق العلمى ما نملكه اليوم، فضلا عن أنه كان من المعترف به آنذاك أن ينقل المؤرخ ما أوردته المصادر السابقة على عصره، سواء كانت مصادر مكتوبة أو شفوية، دون أدنى محاولة للنقد، أو نزعة للشك، فقد تناقلت الأجيال الأساطير الشعبية و ما اخترعه المتعلمون من حكايات عن أصول الشعوب كأمر مسلم به، و عادة ما يلجأ كتاب العصور الوسطى الى تقليد هذه الأصول، دون نقدها رغم زيفها، بل ربما زادوا عليها زيفا فوق زيفها. (1)

و اذا كان النص الذى فى متناول أيدينا مشوبا بالاختصار المخل بالمعنى نتيجة لعبث المترجم الحبشى، فان ذلك لا يمنع من استنتاج أن الجزء الأسطورى الخاص بالتاريخ المصرى القديم يتفق كثيرا مع ما ورد فى مصادر التاريخ المصرى اللاحقة (ابن البطريق، ساويرس بن المقفع، غابيوس المنبجى، ابن عبد الحكم الطبرى، المقريزى، و غيرهم) و هو ما يوضح بأن ثمة تراثا عن هذه الفترة كان متداولا فى مصر بشكل ما، و كان هذا التراث هو المصدر الذى استقى منه كل من هؤلاء المؤرخين مادته فى الكتابة عن هذه الفترة الموغلة فى القدم من فترات التاريخ المصرى.

كذلك فان صفحات كتاب يوحنا النقيوسى تكشف عن المزيد من تقاليد الكتابة التاريخية فى العصور الوسطى، ذلك أنه اعتمد على مصادر سابقة فى الحديث عن التاريخ الرومانى، ربما يكون قد نقل عنها فقرات أو أجزاء كاملة، مثل العرض التاريخى ليوحنا ملالاس و العرض التاريخى ليوحنا الأنطاكى، و تاريخ تيوفان و تيودور الصقلى، و مؤلفنا هذا بصفة عامة، لا يختلف بطريقة ملحوظة، عن التواريخ اليونانية فى القرن السابع و الثامن و التاسع. (2) و فى بعض الأحيان يذكر لنا يوحنا مصادره، مثل ذكره للمؤرخ اليهودى يوسيفوس‏ (3)، و ذكره لاغاثيوس و بروكوبيوس، و هو بصدد الحديث عن الملك يوستنيانوس و حروبه ضد أعداء الامبراطورية الرومانية. (4)

____________

(1) سمالى، ص 236، ص 237.

(2) انظر:

Manuscrits Orientaux, Catalogue des Manuscrits Ethiopiens( Gheez et Amharique

. 244.

de la Bibliotheque Nationale, Imprimerie Nationale, 7781, p

Zotenberg, Journ Asiat., X, P. 064.

Charles, P. XI, XII.

Ed. Drouin, Le museon, p. 552, 652.

(3) انظر: ص 57 من هذا البحث.

(4) انظر: ص 152 من هذا البحث.

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

الباب الثانى مصر فى مخطوطة يوحنا النقيوسى‏

42

باسم الرب الرحيم الكريم يقول الأب القديس يوحنا أسقف نقيوس، جامع هذا الكتاب، المحب للتعب لينال حب الخير، فان حب التعب عناء، و هو (1) يزيد فضائل من يهتم به من الغيورين جميعا، و من أجل جميع الفضائل التى هى الحكمة الخالدة، المهيمنة على الجميع، و سيدة الجميع، و قد ادخروها لمن يأتى بعدهم ليصنعوا ما يختارون.

و من أجل هذا أيضا، أنا القاصر فى التعبير بين كل الكتاب‏ (2)، العاجز فى المقال، قد فحصت غاية الفحص الفصول المختارة.

و نبدأ فى تصنيف هذا من الكتب السابقة الكثيرة للأزمنة المختلفة، و كذلك تاريخ ما تلاها فى الأزمنة التى عاصرناها.

و كنت فخورا أن أكتب و أن أترك ذكرى طيبة لمحبى الصالحات فى هذه الحياة الحاضرة.

و لقد تركنا هذا المقال المكتوب بطريق حسنة، و بترجمة جيدة، و هو بفضل كل ما كان فى شرح المترجم، حتى لا يخلو من يجده من نفع سابق أو حاضر، أو يكون غير ذى نفع و ربح. (3)

____________

(1) فى الترجمة الانجليزية حذف الضمير المسبوق بحرف العطف:، غير أن ذكر الضمير هنا يفيد التأكيد. انظر:

Charles, The Chronicle of John, bishop of Nikiue, Williams Norgate, London, 6191, p. 51, N. 4.

(2) غير تشارلز قراءة النص: و يبدو أن ماورد فى النص هو الصواب و يؤدى المعنى المطلوب.

النص: م ب/ ق 52/ ص أ/ ع 1/ س 16.

(3) لم يترجم زوتنبرج، صاحب الترجمة الفرنسية للنص، هذه المقدمة.

H. Zotenberg, Chronique de Jean, Eveque de Nikiou, Texte Ethlopien, publie et traduit, Imprimerie Nationale, Paris, MDCCCLXXXIII, p. 932.

43

الباب الأول: (1)

و بعد موت بيكوس‏ (2) حكم فونوس الغرب خمسة و ثلاثين عاما (3)، و هو الذى يسمى باسم هرمس. و كان صائغ فضة، و هو أول من بدأ الاشتغال بالذهب فى الغرب، و أذابه. (4)

و عندما علم أن إخوته حقدوا عليه، و أرادوا قتله خاف، و فر إلى مصر و معه ذهب كثير.

و أقام فى مصر. و كان يلبس لباسا حسنا من الذهب. و كان كذلك متنبئا يعرف كل شى‏ء قبل أن يقع. و كان يهب الناس مالا كثيرا، و يهدى أهل مصر هدايا كثيرة و لذا قابلوه بإكبار، و سموه" إله الذهب" و كان عظيما لديهم، و فى منزلة" إله" و عبده الفقراء.

____________

(1) يقابله الباب التاسع فى تاريخ يوحنا النقيوسى (م أ/ ق 68/ ص أ/ ع 2، م ب/ ق 52/ ص ب/ ع 1) و ذلك طبقا لمنهج هذا البحث.

(2) ذكر يوحنا فى الباب السابع أن اسمه بكيس- بكيس و بيكوس من الأرجح هو نقار الخشب، و قد قدس تكريسا للاله مارس، اله الحرب عند الرومان، و لكنه اتخذ شكلا عاقلا حين تجسد فى أحد ملوك ايطاليا الأوائل، و قد ربطه تيودور الصقلى بزيوس، و يقدم لنا أوفيد تفسيرا، لعله خاص به، عن كيفية تحوله (أى الملك الايطالى) إلى شكل الطائر. انظر:

Oxford Classical Dictionary, edited by M. Cary and others, At the Clarendon Press, Ox- ford, 9491, p. 296.

و الراجح أن بيكوس الوارد فى النص يقصد به هذا الملك الايطالى.

(3) وردت فى النص: و الصحيح: لوفوعها فى محل نصب.

(4) ورد فى (أبو صالح الأرمنى، كنائس و ديارات مصر، نشره‏Evetts ، اكسفورد 1895 م، ص 188، هامش 3) أنه من خلال النقوش الهيروغليفية وجدت إشارة الى أن اليونان كانوا يشبهون هرمس بالاله المصرى توت اله المعرفة، و ينسب اليه تأليف الكتب المقدسة التى يسميها اليونان‏Hermetic . أما بالنسبه للمصادر العربية فاننا نجد أن المؤرخين قد تحدثوا عن هرمس بكلام قريب مما ورد فى النص اذ يذكر ابن ظهيره (الفضائل الباهرة فى محاسن مصر و القاهرة، طبعة دار الكتب، 1969 م، ص 85) و السيوطى فى (حسن المحاضرة فى أخبار مصر و القاهرة، مطبعة الموسوعات بباب الخلق، بدون تاريخ، ص 29) أن هرمس من الحكماء و هو المثلث بالنعمة: نبى و حكيم و ملك و هو الذى صب الرصاص ذهبا، و بنى الهرمين الكبيرين غرب مصر، و أن هرمس المصرى هو هرمس الثالث، و يضيف السيوطى (فى نفس المصدر) أنه الحكيم المثلث فى الحكمة قد استطاع نتيجة لمعرفته الواسعة بأسرار الطبيعة أن ينبغ فى الكيمياء و كان بمقدوره أن يصنع المواد الكيميائية و انه ولد فى ممفيس، و يذهب ابن الأثير فى (الكامل فى التاريخ، دار الكتاب العربى، بيروت، الطبعة-

44

الباب الثانى: (1)

و كان هناك شخص اسمه قسطوس‏ (2) قد حكم مصر، و اتخذه أهلها الها. و كان محاربا مملوءا قسوة. (3) و اعتقد الناس أنه يكتشف الأسرار الخفية. و استخدم أداة الحرب حيث لم‏

____________

- الثانية، 1387 ه 1967 م الجزء الأول، ص 34) الى أن خنوخ و هو ادريس النبى أول إنسان من بنى آدم أعطى النبوة و خط بالقلم و أول من نظر فى علوم النجوم و الحساب، و حكماء اليونان يسمونه هرمس الحكيم و هو عظيم عندهم، و يشير المقريزى فى (المواعظ و الاعتبار بذكر الخطط و الآثار، طبعة بولاق، 1270 ه، ج 1، ص 27) الى أن جميع العلوم التى ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عن هرمس الأول الساكن فى صعيد مصر الأعلى.

و من هذا يبدو الغموض مكتنفا شخصية هرمس المذكورة فى النص، و هل المقصود هنا هرمس المذكور فى المصادر العربية أم هرمس المذكور فى المصادر اليونانية؟. و بالنسبة لجملة:" و هو أول من بدأ الاشتغال فى الذهب .. نجد أنه قد ورد لدى المؤرخين اليونان، مثل يوحنا الأنطاكى و باسكال، معنى مختلف عن هذا و هو:" و لقد كان أول من صنع معدن الذهب فى الغرب و صهره".

انظر:Charles ,p .81 ,N .3 .

(1) يقابله الباب العاشر من تاريخ يوحنا (م أ/ ق 68/ ص أ/ ع 3، م ب/ ق 52/ ص ب/ ع 1).

(2) يذهب المترجمان الفرنسى و الانجليزى‏Zotenberg ,p .442 .Charles P .81 .) الى أن قسطوس هو هيفايستوس‏Hephaestus و هيفايستوس هذا هو إله النار، و خاصة نار مصنع الحداد، لدى الإغريق. و يبدو أنه قد انتشر من المناطق البركانية فى آسيا مما يشير دون شك إلى أنه إله آسيوى. و قد ارتبط اسمه بالبراكين فى الأساطير الأغريقية، و قد كان بالنسبة للاغريق الإله الصانع الماهر، و من ثم تمثلت عبادته فى المناطق الصناعية فى بلاد الاغريق، و قد أتى بأعمال عجيبة متنوعة و خاصة ما يتصل منها بالسحر، و قد ابتكر أسلحة الحرب، و هو الذى خلق بندورا المرأة الأسطورية، و هو لدى الأغريق ابن أكبر معبوداتهم" زيوس" انجبته له زوجته" هيرا"، و عرفه الرومان من بعد الاغريق فجعلوه من معبوداتهم، و سموه بصفته التى آمنوا بها فأسموه‏MULCIBER " ملين الحديد"، و رأى الاغريق فى معبودهم" هيفايستوس" نظيرا لمعبود المصريين" بتاح" الذى يمثل" الصنّاع الأعظم" بين أرباب مصر، يحمى الصناعات و الفنون، و يرعى أربابها، و يلهمهم آيات الفن الرفيع.

انظر:Oxford Classical Dictionary ,p .214 .

محمد صقر خفاجة، أحمد بدوى. هردوت يتحدث عن مصر، دار القلم، 1966 م ص 63، 64، هامش 1

(3) تشير الترجمة الانجليزية الى أنه ورد عن يوحنا الأنطاكى عن هيفايستوس أنه كان:" محاريا و عالما بالأسرار".Charles ,p .81 ,N .4 .

45

توجد (قبل) اذ كان حدادا، و هو أول من صنع أداة الحرب للقتال بها زمن الحرب، و الأحجار التى يقاتل بها الناس. (1)

و لأنه كان أعرج، سقط من فوق الجواد عندما سار الى الحرب، فارتطم [بالأرض‏] (2)، و ظل مقعدا طوال أيامه.

الباب الثالث: (3)

و بعد أقايس‏ (4) الذى تسمى باسم الشمس حكم مصر ابنه الشمس الذى تسمى اسم أبيه.

و هو الذى بنى مدينة الشمس‏ (5)، و سماها باسمه، و فيها كانت معابد الآلهة العظام‏ (6)، و قبور الملوك الذين جاءوا بعدها.

____________

(1) تشير الترجمة الانجليزية الى أن هذه الجملة وردت عند يوحنا الأنطاكى هكذا.

انظر:Charles ,p .91 ,N .1 .

(2) لفظة اقتضتها الترجمة.

(3) يقابله الباب الثانى عشر فى تاريخ يوحنا (م أ/ ق 68/ ص ب/ ع 1، م ب/ ق 52/ ص ب/ ع م).

(4) يذهب المترجمان الفرنسى و الانجليزى الى أن أقايس هذا هو هيفايستوس.

انظرCharles ,p .91 ,Zotenberg ,p .542 .

(5) يذكر المقريزى (خطط، ج 1، ص 136) أن الذى بنى مدينة الشمس هو منقاوش أو منقاوس، و هو أقرب إلى الاسم الذى ذكره النص، و يشير فى موضع آخر (المصدر نفسه، ص 429) بقوله:" و يقال إن عين شمس بناها الوليد بن دومع من الملوك العماليق و قيل بناها الربان بن الوليد، و كانت سرير ملكه، و الفرس تزعم أن هرشيك بناها".

و مدينة الشمس بالقرب من المطرية و اسمها بالقبطية أون و أطلق عليها الاغريق هليويوليس‏Heliopolis ، كانت أول عواصم المملكة المصرية المتحدة. يرجع المؤرخون بتاريخ نشأتها إلى ما قبل عام. 434 ق. م، و كانت مدينة مقدسة خاصة لعبادة المعبود1 PH أى الشمس، و تعرف المدينة اليوم باسم عين شمس.

انظر: هردوت يتحدث عن مصر، ص 66، ص 67، هامش 1.

سليم سليمان، مختصر تاريخ الأمة القبطية فى عصر الوثنية و المسيحية، القاهرة 1914، ج 1، ص 17، هامش 2.

(6) ذكر المقريزى نقلا عن شافع بن على فى كتاب" عجائب البلدان":" و عين شمس مدينة صغيرة، تشاهد سورها محدقا بها مهدوما، و يظهر من أمرها أنها كانت بيت عبادة".

انظر: المقريزى، خطط، ج 1، ص 228.

46

الباب الرابع: (1)

و كان هناك شخص اسمه مطوناويس الذى جاء بعد إيقاسبيرا و ترجمته دوناسيوس‏ (2). و قد بنى مدينة بأعلى مصر تسمى بوصير، و بوصير أخرى بشمال مصر. (3)

____________

(1) يقابله الباب الثالث عشر من تاريخ يوحنا (م أ/ ق 68/ ص ب/ ع 1، م ب/ ق 52/ ص ب/ ع 2).

(2) يبدو واضحا فى هذا الباب الارتباط فى السياق، ربما كان هذا نتيجة لأن النص الحالى ترجمة و ليس أصلا. و على الرغم من عدم استطاعتى تحقيق الاسم على نحو دقيق، فانه يحتمل أن يكون مناوس بن منقاوس الذى ذكره المقريزى بأنه بنى مدينة فى صحراء الغرب، و هو نفسه مطوناويس، و ربما يكون المؤرخون العرب قد حرفوا الاسم و اسقطوا" الطاء".

و تذهب الترجمة الفرنسية إلى القول بأن هذا الجزء ملخص غير دقيق للفقرة التى أوردها ديودور الصقلى و من بعده يوسابيوس عن أسطورة أوزوريس (الذى يطابقه البعض بديونيسيوس) الذى منح، خلال رحلاته حول العالم مع أخيه أبوللون و ولديه انوبيس‏Anubis و ماكيدوMacedo ، سلطة الحكم فى فينيقيا إلى بوزيروس‏Bousirus و فى ليبيا الى انتايوس‏Antaeus ، و تشير إلى أن مطوناويس فى النص محرف عن اللفظة العربية ماكيدون، أو ماكدونا.

انظر: المقريزى، خطط، ج 1، ص 33، ص 137.

Zotenberg, p. 542, N. 4.

(3) يشير ياقوت الحموى إلى أن يوصير: بكسر الصاد، و ياء ساكنة، وراء اسم لأربع قرى بمصر، بوصير قوريدس، و بوصير السدر: بليدة فى كورة الجيزة. و يوصير دفدنو: من كورة الفيوم. و بوصير بنا:

من كورة السمنودية، و ذكر القلقشندى مدينتين باسم بوصير إحداهما فى الجيزة و الأخرى فى محافظة الغربية.

انظر: شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموى الرومى البغدادى معجم البلدان، دار صادر للطباعة و النشر، دار بيروت للطباعة و النشر، بيروت، المجلد الأول، ص 506 ص 507.

القلقشندى، صبح الأعشى، دار الكتب الخديوية، طبع بالمطبعة الأميرية بالقاهرة، 1331 ه، 1913 م، ج 3، ص 380، ص 381.

47

الباب الخامس: (1)

سورس، و ترجمته أبولون‏ (2)، و هو المسمى به عند اليونان‏ (3)، بنى مدينة سمنود و معبد الآلهة العظام بها (4)، و هذه المدينة هى المسماة ببعيل فيجور. (5)

____________

(1) يقابله الباب الرابع عشر فى تاريخ يوحنا (م أ/ ق 68/ ص ب/ ع 2؛ م ب/ ق 52/ ص ب/ ع 2).

(2) كان نتيجة للعلاقات بين الأغريق و المصريين ظاهرة تشبيه الآلهة الاغريقية بنظائرها المصرية، و قد درج الأغريق على هذا منذ عهد هردوت، و يعتبر الفتح المقدونى لمصر، من الناحية الفعلية، نقطة البداية لدراسة الديانة اليونانية المصرية، إلا أنه كانت هناك علاقات و أفكار دينية متبادلة بين الشعبين اليونانى و المصرى قبل هذه الفترة خاصة منذ القرون الأربعة التى سبقت مجى‏ء الاسكندر إلى مصر، حيث أسس الاغريق نوكراتيس‏NAUKRATIS (و هى، طبقا لتحقيق أحمد بدوى فى كتاب هردوت يتحدث عن مصر،" كوم جعيف" الحالية قرب" نقراش" على بعد 35 ميلا إلى الجنوب الشرقى من الأسكندرية، كان انشاؤها بين عامى 615- 610 ق. م) قبل الفتح المقدونى، و احضروا معهم آلهتهم و مذاهبهم الأغريقية و شيدوا عددا من المعابد الأغريقية. و قد ذكر هردوت أن الآلهة الأغريقية كان أصلها مصرى، و يذهب إلى أن أبو للون كان مشابها لحورس، و هنا يبدو أن الاسم سورس: الوارد فى نسختى المخطوطة مصحفا عن حورس:

، خاصة و أن رسم حرف يشبه رسم حرف فى اللغة الحبشية.

و قد ترجم زوتنبرح و تشارلز هذا الاسم إلى أوزوريس‏OSIRIS على الرغم من أن هناك إلها اغريقيا آخر قد شبهه هردوت باوزوريس و هو ديونيسيوس‏Dionysus .

انظر:Oxford Classical Dictionary ,p .862 .

هردوت يتحدث عن مصر، ص 150 هامش 1، ص 210، ص 275 هامش 3.

إبراهيم نصحى، تاريخ مصر فى عصر البطالمة، مكتبة الأنجلو المصرية، المطبعة الثالثة 1966، ج 2، ص 136، ص 139، ص 151.

Zotenberg, p. 542, Charles, p. 91.

(3) كلمة ترد فى النص كثيرا و تحمل معنيين، فأحيانا يقصد بها المؤلف اليونان، و احيانا أخرى يقصد بها الوثنيين أو الكفار.

(4) يذكر ياقوت أن سمنود بلد من نواحى مصر جهة دمياط مدينة أذلية على ضفة النيل، بينها و بين المحلة ميلان تضاف إليها كورة فيقال كورة السمنودية، كان فيها بربا و كانت إحدى العجائب.

انظر: ياقوت، المجلد 3، ص 254.

(5) لم أستطع التعرف على هذه المدينة، و ربما حدث بها تصحيف. و هناك اسم قريب من هذا الاسم هو بعل فغور و هو اسم مؤابى لإله كان يعبد فى جبل فغور (عدد 25: 1- 9).

و تذهب الترجمة الفرنسية إلى أن هذا الاسم نقل خاطى‏ء عن البرابى، و تضيف أن هذه الأسطورة التى أوردها النص لم تذكرها المصادر الأخرى.

انظر:Zotenberg ,p .642 ,N .1 .

48

الباب السادس: (1)

ورد فى كتاب الحكماء المصريين أن أبراطوس‏ (2) فى ذلك الزمان الوجل (امن) (3) بالتشريع الذى حكوا عنه عند الوثنيين‏ (4) قائلين: هناك ثلاث قوى عظيمة خالقة كل شى‏ء، إله واحد.

و هرمس هذا عند الوثنيين حكيم عظيم، أخبر قائلا: عظمة الثالوث المتساوى المقدس واهب الحياة، ملك الجميع. (5)

____________

(1) يقابله الباب الخامس عشرفى تاريخ يوحنا النقيوسى (م أ/ ق 68/ ص ب/ ع 2/ م ب/ ق 52/ ص ب/ ع 3).

(2) يبدو أن هذا الاسم خطأ تماما، و ربما خلط المؤلف أو المترجم بينه و بين اسم سيزوستريس الذى يعتقد البعض أنه هرمس الحكيم المثلث بالنعمة.

انظر: هردوت يتحدث عن مصر، ص 71، هامس 1.

Zotenberg, P. 642: Charles, P. 91, N. 3.

(3) زيادة يقتضيها السياق لم ترد فى النسختين و لعلها سقطت عند النسخ.

(4) يقابلها فى النص كلمة لأن هرمس هذا هو أحد الآلهة اليونانية الأثنى عشر التى ذكرها هوميروس.

انظر: هردوت يتحدث عن مصر، ص 71، هامش 1.

(5) عرف المصريون التثليث فى كثير من عواصم ديارهم الكبرى مثل" هليويوليس" و" ممفيس"، و" طيبة" ثم عرفوا التاسوع فى" هليويوليس" من أسماء الآلهة الآتية: آتوم، شو، قضوة، جب، نوة، أزوريس، ايزيس، ست، ثم نفتيس، و زيد عليها بعد ذلك حورس، كذلك عرفوا الثامون و يرمزون بأعضائه إلى عناصر الكون الكبرى من ذكر و انثى. فكان عندهم" نون" و" نونه" للماء الأزلى، و" حاح" و" حاحه" للقضاء اللانهائى، و" كاك" و" كاكه" للظلام المطبق، و" آمون" و" آمونه" للهواء و تلك كانت فى عقيدتهم عناصر الكون كما رأها كهان" الأشمونين".

انظر: هردوت يتحدث عن مصر، ص 107، ص 108، هامش 2.

49

الباب السابع: (1)

و هناك مدينة سبقت إلى استخدام المحراث، و تعلمت زرع القمح و كل أنواع الحبوب، و كانت أعلى كل أرض مصر. (2) لأن أرض مصر كانت مليئة بالمياه و البحار لكثرة فيضان نهر جيون. (3)

____________

(1) يقابله الباب السادس عشر من تاريخ يوحنا النقيوسى (م أ/ ق 68/ ص ب/ ع 2؛ م ب/ ق 52/ ص ب/ ع 3).

(2) كان لظروف مصر الطبيعية و لوجود نهر النيل أنها كانت أول من عرف الزراعة منذ النصف الثانى للألف السادس قبل الميلاد، و قد كان أهالى مرمدة بنى سلامة و الفيوم أول زراع فى مصر، و يبدو أن القمح و الشعير كانا من أقدم الحبوب المزروعة فى وادى النيل. و عن المحراث، فانه قد عثر على محراث فى شكله المعروف تجره الثيران فى آثار ميدوم بالفيوم من عهد الأسرة الثالثة.

انظر: عبد العزيز صالح، الشرق الادنى القديم، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، 1967، ج 1، ص 20، ص 21.

وليم نظير، الثروة النباتية عند قدماء المصريين، الهيئة المصرية العامة للتأليف و النشر 1970، ص 33، ص 65، ص 74.

(3) ورد فى النص: و المقصود جيحون على أنه نهر النيل، و عن جيحون تذكر الأسطورة التى وردت أصداء منها فى أول سفر التكوين من التوراة (تك 2: 10- 14) أن الجنة الأرضية كانت ترويها أربعة أنهر تجتمع فى مصب واحد لتصبح نهرا واحدا، و اثنان من هذه الأنهر هما الدجلة و الفرات، أما الاثنان الآخران فكان أحدهما يسمى فيشون و هو يحيط بجميع أرض الحويلة، و النهر الرابع يسمى فى هذه القصة جيحون و هو يحيط بجميع أرض الحبشة (أرض كوش). و ورد فى خطط المقريزى (ج 1، ص 50) أن كعب الأحبار ذكر أن أربعة أنهار من الجنة وضعها الله فى الأرض النيل نهر العسل فى الجنة، و الفرات نهر الخمر فيها، و سيحان نهر الماء و جيحان نهر اللبن فى الجنة. و ذكره أحمد زكى بك (قاموس الجغرافيا القديمة، المطبعة الأميرية ببولاق، طبعة أولى، 1317 ه- 1899 م، ص 35) بأنه نهر كبير بآسيا الوسطى يسمى عند اليونان اكسوس‏(Oxus) ، و بلغة التتار أموداريا، و أن جيحون المذكور فى الاسرائيليات بأنه من أنهر الجنة قد اختلف فى حقيقته العلماء و الراجح أنه النيل الأعلى.

أما عن لفظ" النيل" فانه قد جاء من الكلمة اليونانية" نيلوس"Neilos (فى اللاتينية نيلوس‏Nilus )، التى من المحتمل أنها اشتقت من الجذر السامى نحل التى تعنى الوادى أو وادى النهر، ثم اتسع معناها، و أصبح" نهر" و قد دعا القدماء المصريون النهر أرAr أو أورAur (اياروIaro فى القبطية)، أو أسود كاشارة ضمنية إلى لون الرسابة التى يحملها النيل أثناء فيضانه و كتب الشاعر اليونانى هوميروس (القرن-

50

الباب الثامن: (1)

و سيزوستريس‏ (2) الذى حكم كل أرض مصر و ما حولها، هو الذى سبق إلى جباية الضرائب‏ (3)، و إلى قياس الأرض. عندما غنم الغنائم العظيمة و الأسرى الكثيرين من كل البلاد، عند جمعها، وجهها الى أرض مصر. و كل نفس سادها بفرض الضرائب، جعلها تحفر النهر، و تردم التراب فى كل مستنقعات مصر. و لهذا وجد أهل مصر الوسيلة لزرع‏

____________

- السابع ق. م) فى قصيدته الملحمية الأوديسا اسم ايجبتوس‏Aigyptos (مذكرا) على أنه النيل، و نفس الاسم (مؤنثا) على أنه اسم البلد التى يجرى فيها النهر.

من هذا يبدو أن يوحنا النقيوسى و هو أحد رجال الدين، أراد أن يسبغ على النهر صفة التقديس فجعله أحد أنهار الجنة.

انظر:The New Ency .Brit .William Benton ,5491 -3791 .

Helan Hemingway, 3791- 4791, Vol. 31, p. 201.

(1) يقابله الباب السابع عشر من تاريخ يوحنا النقيوسى (م أ/ ق 68/ ص ب/ ع 3؛ م ب/ ق 52/ ص ب/ ع 3).

(2) هو سنوسرة الثالث (1879- 1841 ق. م) الذى استخدم العدد الغفير، الذى أحضره معه من البلاد التى أخضعها فى حفر القنوات، و فى نقل الأحجار الكبيرة إلى معبد" هيفايستوس"، و لقد شق الملك هذه القنوات فى البلاد حتى يستفيد منها المصريون الذين كانوا يقطنون مناطق لا تقع على النهر و تقع فى داخل البلاد.

انظر: هردوت يتحدث عن مصر، ص 217 هامش 1، ص 224، ص 225.

(3) يذكر المقريزى أن المدعو منقاوس هو أول من جبى الضرائب، و كان يقسمها أربعة أقسام يختص نفسه بأحدها. و يقول:" قال المسعودى: و قد كانت أرض مصر على ما زعم أهل الخبرة و العناية بأخبار شأن العالم- يركب أرضها ماء النيل و ينبسط على بلاد الصعيد إلى أسفل الأرض، و موضع الفسطاط فى وقتنا هذا و كان بدء ذلك موضع يعرف بالجنادل بين أسوان و النوبة، الى أن عرض لذلك موانع من انتقال الماء و جريانه، و ما يتصل من النوبة بتياره من موضع إلى موضع فنضب الماء عن بعض المواضع من بلاد مصر، و سكن الناس بلاد مصر، و لم يزل الماء ينضب عن أرضها قليلا، حتى امتلأت أرض مصر من المدن و العمائر، و طرقوا للماء، و حفروا له الخلجان، و عقدوا فى وجهه المسببات، الى أن خفى ذلك من ساكنيها".

انظر: المقريزى، خطط، ج 1، ص 71، ص 74.

51

المزارع، و لحرث الحقول، كأرض الصعيد (1) التى سبقت إلى معرفة استخدام الحرث، و كذلك أمر أن يؤدوا الضرائب و ثمار الأرض للملك بعدالة، و يحفر النهر المسمى ديك: (2) إلى اليوم.

____________

(1) وردت فى النص: و هى كلمة عربية، و تسمية هذه الجهة من أرض مصر بهذا الاسم انما حدث فى الاسلام، سماها العرب بذلك لأنها جهة مرتفعة عما دونها من أرض مصر، و لذلك يقال فيها أعلى الأرض، و لانها أرض ليس فيها رمل و لا سباخ، بل كلها أرض طيبة مباركة، و يقال للصعيد أيضا الوجه القبلى.

انظر: المقريزى، خطط، ج 1، ص 354.

(2) لم أستطع التعرف على هذا الاسم، بيد أنه يبدو أن المقصود هو القناة التى حفرت فى عهد الفراعنة (حوالى سنة 1800 ق. م) لتصل البحر الأحمر بالبحر المتوسط عن طريق قناة متفرعة من نهر النيل دعيت قناة السويس. و تجدد حفرها و توسيعها عدة مرات، اذ عندما اعتلى دارا الكبير السلطة (521- 486 ق. م) أتم حفر قناة نخاو، و كان مسار هذه القناة يبدأ من أحد فروع النيل الذى يمر بالقرب من مدينة بوسطه (الزقازيق حاليا). ثم تمضى القناة متبعة وادى طميلات (و هو الوادى الذى يصل ما بين بوسطة و البحيرات المرة) متفادية من جهة الشرق بحيرة التمساح ثم تخترق البحيرات المرة إلى أن تصل إلى خليج السويس بالقرب من بلدة (الكبرى)، و وسعها البطالمة بواسطة البحيرات المرة حتى البحر الأحمر ثم بعدهم اهتم بها الرومان و عرفت عندهم باسم" قناة تراجان"، الا أن البيزنطيين أهملوها حتى أن فتح العرب مصر فأعيد فتحها على يد عمرو بن العاص فى عام الرمادة بناء على طلب الخليفة عمر بن الخطاب ليرسل عن طريقها مددا من الأقوات إلى المدينة المنورة، و عرفت فى ذلك الوقت باسم" خليج أمير المؤمنين". و قد ظلت هذه القناة مستخدمة لتصل بين النهر و البحر الأحمر حتى أمر الخليفة جعفر المنصور بسدها من ناحية البحر الأحمر حتى لا تحمل الامدادات إلى المدينة المنورة، و منذ ذلك الحين انقطع جرى تلك القناة الى البحر الأحمر. و قد عرفت هذه القناة بعدة أسماء غير ذلك منها" خليج مصر"، أو" الخليج الكبير"، و" خليج القاهرة" الذى أطلق عليها حين بنى جوهر الصقلى مدينة القاهرة. و فى زمن المقريزى (القرن التاسع الهجرى، الخامس عشر الميلادى) عرفها الناس باسم" الخليج الحاكمى" و" خليج اللؤلؤة".

انظر:The New ENC .BRIT .,Vol .71 ,p .767 .

قاسم عبده قاسم، النيل و المجتمع المصرى فى عهد سلاطين الملوك، دار المعارف ج 1، 1978، ص 30، بديع محمد جمعه، العلاقات المصرية الايرانية فى عهد داريوش الكبير 522- 486 ق. م، مجلة الشرق الأوسط بجامعة عين شمس، مطبعة جامعة عين شمس، 1976، ص 79- ص 84.

سليم حسن: مصر القديمة، مطابع دار الكتاب العربى بمصر، ج 13، ص 695- ص 750.

52

الباب التاسع: (1)

و من بعده (سيزوستريس) حكم بلاد مصر (2) سواكن ملك الهند (3) خمسين عاما. و كان محبا للشعب، لا يريد إراقة الدماء ظلما، و قد أرسى بمصر قانونا، هكذا: كل من لا يخطى‏ء (4) لا يموت و لا يعاقبونه، و لكنه يعيش. و كل من يرتكب ذنبا فكل واحد حسب ذنبه، و قد أمر أن يكنسوا الأرض و يجمعوا التراب و يلقوا به فى البحر. و اذا أمضوا وقتا طويلا فى‏

____________

(1) يقابله الباب الثامن عشر من تاريخ يوحنا النقيوسى (م أ/ ق 68/ ص ب/ ع 3؛ م ب/ ق 53/ ص أ/ ع 1).

(2) فى النسختين: و سياق النص فى النسختين يقصد" مصر".

(3) ورد فى النسختين: و هذا تصحيف عن سباكون ملك الحبشة و ليس الهند، لأنه كما أورد تيودور الصقلى أن إلغاء عقوبة الاعدام فى مصر حدثت تحت حكم الملوك الأحباش خلال الأسرة الخامسة و العشرين، و ليس غريبا أن يخلط المؤلف بين الحبشة و الهند، لأنه طبقا لما ورد فى:

( Le Museon. 3. 4881, p. 652 )

أن المؤرخين القدامى خلطوا بين الهند و الحبشة، و نجد أن اسم الهند كان يعنى لدى اليونان، الى جانب الهند التى نعرفها، مواضع أخرى مثل الحبشة و الجزيرة العربية. و نجد فى القرن الرابع و الخامس للميلاد أن الكتاب يشيرون إلى الحبشة بتعبير" الهند الداخلية" فى مقابل" الهند الخارجية" التى تمثل البلاد الواقعة عبر نهر الهندوس، و تسمى أيضا بلاد الحميريين، و حتى هذه التسميات فهى غير مستقرة بين مؤرخ و آخر، و الجدير بالذكر أن هذا الخلط بين الحبشة و الهند ظل قائما فى العصور الوسطى. اذ كان الأوربيون يعتقدون بوجود ملك مسيحى هو البريسترجون فى الهند و الواقع أن هذا الخلط نشأ عن قلة معلوماتهم الجغرافية من ناحية، و وجود ملك مسيحى فى الحبشة من ناحية ثانية.

انظر على سبيل المثال: رحلة طاغور فى عالم القرن الخامس عشر، ترجمة حسن حبشى، دار المعارف 1968، صفحات 77، 79، 82، 83، 85، 88، 89، 90.

(4) فى النسخة (أ)، و فى النسخة (ب): و النسخة (أ) على صواب، اذ يتفق هذا مع قانونه، و عدم إرادته إراقة الدماء ظلما و قد كتبها زونتيرج:

و ترجمها على هذا الأساس، و تبعه فى ذلك تشارلز. انظر:

. 25.Zotenberg ,p .23 ,Charles ,p