مفتاح الأصول‏ - ج3

- الشيخ اسماعيل الصالحي المازندارني المزيد...
397 /
5

الجزء الثالث‏

عن أبي عبد اللّه (الإمام الصّادق) (عليه السّلام):

«إنّما علينا أن نلقي إليكم الاصول و عليكم أن تفرّعوا». (1)

عن الإمام علي بن موسى الرّضا (عليه السّلام):

«علينا إلقاء الاصول و عليكم التّفريع». (2)

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 51، ص 40 و 41.

(2) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 52، ص 41.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الإهداء و الشّكر

كلمة النّاشر:

الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على أشرف الأنبياء و خاتم المرسلين محمّد و آله سادات الورى الغرّ الميامين الطّيبين الطّاهرين.

الكتاب الّذي بين أيديكم هو الجزء الثّالث من كتاب «مفتاح الاصول» للفقيه الرّاحل آية اللّه العظمى الشّيخ إسماعيل الصّالحي المازندراني- طاب ثراه- و قد أتعب سماحته نفسه الزّكيّة لكتابة هذا الأثر الشّريف و إكماله، و لكن قبل طبعه و نشره، ارتحل و التحق (قدّس سرّه) بالرّفيق الأعلى، جلّ جلاله.

و قد تفضّل اللّه تعالى علينا أن وفّقنا لطبعه و نجعله بين أيدي الفضلاء و العلماء، و قد امتاز هذا الكتاب بقلم سليس، و جزالة في التّعبير، و الدّقة في بيان المطالب.

و من الجدير أن نهدي هذا الأثر إلى ساحة وليّنا ولي اللّه الأعظم صاحب الامر الحجّة بن الحسن العسكري- (عجل اللّه تعالى فرجه الشّريف)- راجين من العليّ القدير أن يتقبّل منّا هذا القليل، و يجعله ذخرا للمؤلّف الفقيه الرّاحل (قدّس سرّه) يوم لا ينفع مال و لا بنون إلّا من أتى اللّه بقلب سليم.

و اودّ أن اقدّم شكري و امتناني إلى الشّخصين الفاضلين و هما:

1- الشّيخ علي أصغر الأميري.

2- السّيّد جعفر الحسيني النّوري.

الّذين ساعدانا في إنجاز هذه المهمّة و طبع الكتاب، أسأل اللّه السّميع العليم أن يبارك لهما جهودهما العلميّة و العمليّة.

«و اللّه خير معين» النّاشر جمادى الثّاني 1425 ه. ق.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

() نسخة جيّدة الخط بقلم المؤلّف (قدّس سرّه) و كان دأبه أن يكتب حديثا في آخر كلّ كرّاسة، و لكن في الكرّاسة الأخيرة قبل ارتحاله (قدّس سرّه) بعشرة أيّام، كتب مقاطع من دعاء الكميل و قد نعى نفسه الزّكيّة بهذه المقاطع الشّريفة.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[تتمة المسائل الاصولية]

المسألة السّابعة: الأمارات‏

* مباحث القطع الطّريقيّ‏

* تقسيم المكلّف‏

* القطع من المسائل الاصوليّة

* وجوب متابعة القطع‏

* التّجرّي‏

* أقسام التّجرّي‏

* القطع الموضوعيّ و أقسامه‏

* قيام الأمارات مقام القطع‏

* قيام الاصول مقام القطع‏

* الموافقة الالتزاميّة للقطع‏

* قطع القطّاع‏

* تنجيز العلم الإجماليّ‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

(المسألة السّابعة: الأمارات)

(مباحث القطع‏

الطّريقيّ) اعلم، أنّ البحث في هذه المسألة يقع في الأمارات الّتي قيل: باعتبارها، أو صحّ أن يقال: به، و لكن قبل الورود فيه، لا بأس بالتّعرّض لأحكام القطع و هو يتمّ في ضمن امور:

تقسيم المكلّف‏

الأمر الأوّل: تقسيم المكلّف‏

ذهب الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) إلى أنّ التّقسيم هنا ثلاثي؛ بتقريب: أنّ البالغ الملتفت إلى حكم شرعي، إمّا يحصل له القطع أو الظّنّ أو الشّكّ، و لكن خالفه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(2) فذهب إلى أنّه ثنائيّ. بتقريب: أنّ المكلّف إمّا يحصل له القطع، أو لا.

و لا يخفى: أنّ لكلّ منهما وجها. توضيحه: أنّ الالتفات إلى الحكم الشّرعي على قسمين:

____________

(1) راجع، فرائد الاصول: ج 1، ص 25.

(2) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 5.

14

الأوّل: أن يكون الالتفات إلى حكم واقعيّ منحفظ في موطنه، ثابت في صقعه؛ و من الواضح: أنّ الأحكام الواقعيّة غير الواصلة إلى المكلّف، لا تتنجّز و لا تصير موضوعا لحكم العقل بوجوب الامتثال، بل لا بدّ من أن تنكشف لنا و تصل إلينا و لو بنحو الإجمال. نعم، يحكم العقل حينئذ بوجوب الفحص حتّى ينتهي الأمر إلى العلم التّفصيليّ، أو ما يقوم مقامه.

الثّاني: أن يكون الالتفات إلى ما هو موضوع لحكم العقل بوجوب الامتثال و هو الحكم الفعليّ، و الوظيفة الفعليّة الأعمّ من الواقعيّ و الظّاهريّ المقطوع به عند قيام أمارة عليه- أيضا- بل أصل شرعيّ، كالاستصحاب و غيره.

فعلى الأوّل: تكون القسمة ثلاثيّة، كما عن الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) و ذلك، لأنّ الفاحص عن الأحكام الواقعيّة لا يخلو من إحدى الحالات الثّلاثة:

الاولى: أنّه يقطع بها.

الثّانية: أنّه يظنّ بها، بمعنى: أنّه يصل إليها بأمارة معتبرة علميّة و هي الّتي يكون سند اعتبارها قطعيّا، كخبر الواحد، حيث إنّه مستند إلى بناء العقلاء و هو قطعيّ؛ و لذا يعبّر عن مثله بالعلميّ قبال العلم.

الثّالثة: أنّه يشكّ فيها أو يظنّ بها ظنّا لم يقم دليل على اعتباره، بناء على عدم حجّيّة مطلق الظّنّ، لعدم تماميّة مقدّمات الانسداد، كما هو الحقّ المختار.

و لا ريب: أنّ المكلّف عند هذه الحالة يرجع إلى الاستصحاب مع وجود الحالة السّابقة، و لا ضير في كون الاستصحاب- أيضا- ظنيّا؛ إذ المفروض، أنّ سند اعتباره كسند اعتبار الأمارات قطعيّ و هو بناء العقلاء، و أمّا مع عدم الحالة السّابقه‏

15

فإذا كان الشّكّ في نفس التّكليف، يرجع إلى البراءة، و إذا كان في متعلّقه و هو المكلّف به، يرجع إلى الاشتغال و الاحتياط إن أمكن، و إلّا يرجع إلى التّخيير، كما إذا دار الأمر بين المتباينين. هذا كلّه بناء على القسم الأوّل.

و أمّا على القسم الثّاني (الالتفات إلى الحكم الفعليّ): تكون القسمة ثنائيّة، كما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) حيث قال، ما محصّله: أنّ البالغ الملتفت إلى حكم فعليّ واقعيّ أو ظاهريّ، إمّا يقطع به أو لا؛ و على الثّاني، إمّا ينتهي إلى ما يستقلّ به العقل من اتّباع الظّنّ، بناء على تماميّة مقدّمات الانسداد و كون النّتيجة هي الحكومة، أو ينتهي إلى الاصول العمليّة العقليّة من البراءة و الاشتغال و التّخيير، بناء على عدم تماميّة مقدّمات الحكمة.

ثمّ إنّ لتثليث القسمة وجهين آخرين:

الأوّل: أن يكون النّظر و الالتفات إلى مقام جعل الاصول و الأمارات.

بتقريب: أنّ للمكلّف بهذا الاعتبار حالات ثلاثة:

منها: ما يكون فوق الجعل، كالقطع؛ و لذا لا تناله يد الجعل لأجل كماله.

و منها: ما يكون دون الجعل، كالشّكّ؛ و لذا لا تناله يد الجعل- أيضا- لأجل نقصانه.

و منها: ما لا يكون فوق الجعل للكمال، و لا دونه للنّقصان، كالظّن؛ و لذا تناله يد الجعل و الاعتبار.

و لعلّ الشّيخ (قدّس سرّه) نظر إلى هذا الوجه، فثلّث القسمة، كما يشعر به كلامه (قدّس سرّه) في ابتداء مبحث البراءة حيث قال: «قد قسّمنا في صدر هذا الكتاب، المكلّف الملتفت إلى‏

16

الحكم الشّرعيّ العمليّ في الواقعة على ثلاثة أقسام؛ لأنّه إمّا يحصل له القطع بحكمه الشّرعيّ، و إمّا أن يحصل له الظّنّ، و إمّا أن يحصل له الشّكّ، و قد عرفت: أنّ القطع حجّة في نفسه لا بجعل جاعل، و الظّنّ يمكن أن يعتبر في متعلّقه لأنّه كاشف عنه ظنّا، لكنّ العمل به و الاعتماد عليه في الشّرعيّات موقوف على وقوع التّعبّد به شرعا و هو غير واقع إلّا في الجملة ... و أمّا الشّكّ فلمّا لم يكن فيه كشف اصلا، لم يعقل أن يعتبر». (1)

الوجه الثّاني: أن يكون التّثليث أقرب بمباحث الاصول، لأنّ الغرض من علم الاصول ليس إلّا تحصيل المؤمّن الّذي لا يخلو من أحد أقسام ثلاثة؛ و هي القطع، و الأمارة المعتبرة، و الاصول العمليّة، و لا يبعد أن يكون هذا الوجه- أيضا- ممّا يعتمد عليه الشّيخ (قدّس سرّه).

فتحصّل: أنّ لكلّ من التّثنية و التّثليث في الأقسام وجها، فلا مجال لما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) من الاعتراض على الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، و العدول عن التّثليث إلى التّثنية، أو إلى التّثليث بوجه آخر، كما سيجي‏ء عن قريب.

و لو أغمضنا عمّا ذكرناه من تعدّد الوجه و سلّمنا العدول، فنقول: مستنده (قدّس سرّه) وجوه ثلاثة:

أحدها: عدم اختصاص أحكام القطع الآتية بالأحكام الواقعيّة، بل لا بدّ من التّعميم و إدراج الأحكام الظّاهريّة في متعلّق القطع البتّة. و لا ريب: أنّه على هذا يصير التّقسيم ثنائيّا، و قد أشار المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) إلى هذا الأمر بقوله: «و إنّما عمّمنا

____________

(1) فرائد الاصول: ج 2، ص 9 و 10.

17

متعلّق القطع لعدم اختصاص أحكامه بما إذا كان متعلّقا بالأحكام الواقعيّة». (1)

ثانيها: اختصاص أحكام القطع بالحكم الفعليّ، حيث لا أثر له ما لم يبلغ هذه المرتبة، و عليه، فلا بدّ من تخصيص الحكم المأخوذ في العنوان بالفعليّ، كما هو واضح.

و قد أشار (قدّس سرّه) إلى هذا الوجه- أيضا- بقوله «و خصّصنا بالفعليّ، لاختصاصها (أحكام القطع) بما إذا كان متعلّقا به على ما ستطّلع عليه». (2)

ثالثها: لزوم تداخل الأقسام فيما يذكر لها من الأحكام، بناء على التّثليث؛ و عدم لزومه، بناء على التّثنية.

قد أشار (قدّس سرّه) إلى هذا الوجه- أيضا- بقوله: «و إن أبيت إلّا عن ذلك (التّثليث) فالأولى أن يقال: إنّ المكلّف، إمّا أن يحصل له القطع، أو لا، و على الثّاني: إمّا أن يقوم عنده طريق معتبر، أو لا، لئلّا يتداخل الأقسام فيما يذكر لها من الأحكام». (3)

توضيح ذلك: أنّ الظّنّ غير المعتبر يكون في حكم الشّكّ، و قد جعل في تقسيم الشّيخ (قدّس سرّه) قسيما له، و الأمارة المعتبرة الّتي لا يعتبر في حجّيّتها الظّنّ الشّخصي ربما لا تفيد ظنّا شخصيّا، فتكون إذا قسمية للشّك، مع أنّها جعلت في تقسيم الشّيخ (قدّس سرّه) من أقسام الشّكّ، فلرفع هذا التّداخل، لا بدّ من وضع كلمة: «الطّريق المعتبر» مكان كلمة: «الظّنّ»، كما هو واضح.

____________

(1) كفاية الاصول: ج 2، ص 5.

(2) كفاية الاصول: ج 2، ص 5.

(3) كفاية الاصول: ج 2، ص 5 و 8.

18

هذا، و لكن يمكن الإيراد على التّثليث- أيضا- حتّى في فرض تبديل كلمة:

«الظّنّ» بكلمة: «الطّريق المعتبر» بأنّ الظّنّ ليس قسما على حدّة، بل هو ملحق بالقطع لو قام على اعتباره دليل، و إلّا فملحق بالشّكّ، فلا مجال حينئذ للتّثليث.

ثمّ إنّ بعض الأعاظم (قدّس سرّه) أورد على المحقّق الخراسانيّ (قدّس سرّه) بوجهين:

أحدهما: أنّ تثنية القسمة لا يناسب مع ما صنعه (قدّس سرّه) من تثليث الأبواب و بيان كلّ واحد من الأقسام في باب يخصّه، حيث إنّه (قدّس سرّه) قد جعل البحث عن القطع و لو استطرادا في باب، و البحث عن الأمارات المعتبرة في باب ثان، و البحث عن الاصول العمليّة في باب ثالث، مع أنّ المناسب للتّثنية هو تثنية الباب، بجعل بيان أحكام القطع بالحكم الأعمّ من الواقعيّ و الظّاهريّ في باب، و جعل بيان أحكام الظّنّ الانسدادي الحكوميّ و الاصول العمليّة العقليّة في باب ثان، بلا حاجة إلى البحث عن حجّيّة الطّرق و الأمارات، و كذا البحث عن الاصول العمليّة الشّرعيّة. (1)

و لا يخفى: أنّ هذا الوجه تامّ ممّا لا إشكال فيه.

ثانيهما: أنّ تثنية القسمة أمر غير مناسب في نفسها؛ بتقريب: أنّ الحكم الظّاهريّ مورده عدم العلم بالحكم الواقعيّ، فهو بطبعه يكون في طول الحكم الواقعيّ، سواء كان مستفادا من الأمارة المعتبرة، أو من الأصل العمليّ الشّرعيّ.

و عليه: فلو جعل التّقسيم ثنائيّا لزم الجمع بين العلم بالحكم الواقعيّ و عدم العلم به في مقام التّقسيم، و نتيجته، أنّ ما هو في طول الحكم الواقعيّ طبعا يصير في عرضه وضعا، و هذا كما ترى. (2)

____________

(1) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 11.

(2) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 11.

19

و فيه: أنّ المراد من الحكم في التّقسيم هي الوظيفة الفعليّة الأعمّ من الواقعيّة و الظّاهريّة، و لا مانع من أن يكون أحد القسمين في طول الآخر، و له نظائر في التّكوين و التّشريع، أمّا التّكوين، فنظير «العدد: إمّا زوج، أو فرد» و «الموجود: إمّا واجب، أو ممكن» و «الممكن: إمّا جوهر، أو عرض»؛ أمّا التّشريع، فنظير «الطّهارة:

إمّا وضوء، أو غسل، أو تيمّم».

و يلحق بهذا الوجه في الضّعف ما أورده (قدّس سرّه)- أيضا- على الوجه الأوّل من وجوه العدول الّذي ذكره المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) (و هو عدم اختصاص أحكام القطع بما إذا كان متعلّقا بالأحكام الواقعيّة) بقوله: «و إن كان صحيحا، إلّا أنّه لا يوجب جعل التّقسيم ثنائيا، لأنّ جميع الأبحاث المذكورة في الأبواب الثّلاثة غير مختصّ بالحكم الواقعيّ، بل الحكم الظّاهريّ- أيضا- قد يتعلّق به القطع، كما إذا علمنا بحجّيّة خبر قائم على حكم من الأحكام، و قد يتعلّق به الظّنّ المعتبر، كما إذا دلّ بحجّيّة الخبر ظاهر الكتاب- مثلا- و قد يتعلّق به الشّكّ، كما إذا شككنا في بقاء حجيّة الخبر، فيجري الاستصحاب». (1)

وجه الإلحاق هو أنّ المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) قد صرّح بتعلّق القطع بحكم ظاهريّ- أيضا- حيث قال: «إذا التفت إلى حكم فعليّ واقعيّ أو ظاهريّ، فإمّا يحصل له القطع به ...»، و تثنية القسمة لا توجب اختصاص أحكام القطع، و لا الأبحاث المذكورة في الأبواب الثّلاثة، بالحكم الواقعيّ بعد جعله (قدّس سرّه) المتعلّق هو الحكم الفعليّ، و تعميمه صريحا بالواقعيّ و الظّاهريّ، فلا يرد الإشكال على التّثنية من هذه النّاحية.

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2، ص 12 و 13.

20

هذا، مضافا إلى أنّ مثال القطع بالحكم الظّاهريّ بمورد العلم بحجّيّة خبر قائم على حكم، ممنوع؛ إذ العلم بحجّيّة هذا الخبر لا يوجب القطع بالحكم، إلّا إذا كان ذلك الخبر المقطوع حجّيّته نصّا فيه، و لولاه، يكون مظنونا لا مقطوعا، كما هو واضح.

و بالجملة: لا يحصل القطع بالحكم بمجرّد العلم بحجّيّة خبر قائم عليه، إلّا إذا كان دليله مقطوعا سندا و دلالة.

و كذا يلحق به في الضّعف- أيضا- ما أورده (قدّس سرّه) على الوجه الثّاني من وجوه العدول (و هو اختصاص أحكام القطع بالحكم الفعليّ، و عدم ترتّب أثر على الحكم الإنشائيّ) بأنّ المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) قد خلط بين الإنشاء لا بداعي البعث و الزّجر، و بين الإنشاء بداعي البعث و الزّجر، فإنّ الإنشاء لا بداعي البعث و الزّجر، و إن لم يترتّب عليه أثر، إلّا أنّه ليس من مراتب الحكم أصلا؛ بداهة، أنّ الإنشاء بداعي التّهديد و نحوه ليس إلّا التّهديد و نحوه، فلا يطلق الحكم عليه، كما هو واضح.

و أمّا الإنشاء بداعي البعث و الزّجر، فيطلق عليه الحكم و إن لم يبلغ مرتبة الفعليّة، و له أثر مهمّ و هو جواز الإفتاء به، فإنّ المجتهد إذا علم بصدور الحكم من المولى و إنشاءه في مقام التّشريع، له الإفتاء به و لو لم يبلغ مرتبة الفعليّة، لعدم تحقّق موضوعه في الخارج، فيفتي- مثلا- بوجوب الحجّ على المستطيع و إن لم يكن موجودا، أو يفتي بوجوب قطع يد السّارق و إن لم تتحقّق السّرقة في الخارج؛ و عليه، فلا وجه للالتزام بأنّ المراد من الحكم هو خصوص الفعليّ. (1)

وجه الحاق ذلك في الضّعف هو، أنّ جواز الإفتاء أو عدم جوازه ليس من‏

____________

(1) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 12.

21

الآثار العقليّة للقطع، بل يدور مدار أدلّته و يتقوّم بشرائطه المقرّرة في محلّه، و الآثار العقليّة للقطع ليست إلّا لزوم العمل على وفقه و وجوب الحركة على طبقه، و المنجّزيّة عند الإصابة، و المعذريّة عند الخطاء.

على أنّ الإفتاء بالحكم الإنشائي غير البالغ مرتبة الفعليّة، لا يترتّب عليه ثمرة، لا للمفتي و لا لمقلّديه، حيث إنّ الإفتاء لا يكون إلّا للعمل، و لا عمل إلّا بعد بلوغ الحكم إلى مرتبة الفعليّة.

و بعبارة اخرى: أنّ الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة، لم يكن- حقيقة- أمرا و لا نهيا، و لا مخالفته- عن عمد- عصيانا، بل كان ممّا سكت اللّه تعالى عنه، كما ورد في الرّواية. (1)

فتحصّل: أن الوجهين الأوّلين من الوجوه الثّلاثة المتقدّمة الّتي عدل المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) لأجلها عن تثليث الأقسام إلى تثنيتها، ممّا لا إشكال فيه، و ما عن بعض الأعاظم (قدّس سرّه) من الإشكال عليهما، غير وارد لما عرفت فيه من الضّعف.

نعم، يرد الإشكال على الوجه الثّالث منها (و هو لزوم تداخل الأقسام، بناء على التّثليث، و عدم لزومه، بناء على التّثنية) كما عن بعض الأعاظم (قدّس سرّه).

حاصل الإشكال: (2) هو أنّ المراد من الظّنّ، هي الأمارة المعتبرة، و المراد من الشّكّ، عدم قيام الأمارة المعتبرة على الحكم، فلا وجه للتّداخل، هذا، مضافا إلى أنّ التّقسيم الّذي ذكره الشّيخ (قدّس سرّه) إنّما هو في رتبة سابقة على الحكم، حيث إنّ المكلّف عند

____________

(1) راجع، وسائل الشّيعة: ج 18، الباب 2 من أبواب صفات القاضي، الحديث 61، ص 129.

(2) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 13.

22

التفاته إلى الحكم الشّرعي، لا يخلو من تلك الأقسام الثّلاثة المذكورة، ثمّ بعد التّقسيم، يصل الدّور إلى البحث و التّحقيق، فيظهر بعد ذلك، لحوق الظّنّ، تارة بالقطع؛ و اخرى بالشّكّ، فلا تداخل أصلا، و نظير ذلك ما يقال ابتداء: «الإنسان: إمّا مسلم، أو مشرك أو أهل الكتاب» ثمّ يقال بعد هذا التّقسيم: إنّ اهل الكتاب، تارة يلحق بالمسلم، كما إذا وفوا بالمعاهدة من إعطاء الجزية و غيرها، فلا يجوز الحرب معه؛ و اخرى بالمشرك، كما إذا لم يف بالمعاهدة، فيجوز الحرب معه، و حيث إنّ هذا الإلحاق لا يكون إلّا بعد البحث و التّحقيق المتأخّر عن التّقسيم، فلا يوجب التّداخل و منع التّقسيم المذكورة.

تحقيق و تنقيح‏

هل المراد من كلمة: «المكلّف» المأخوذة في العنوان، كما في كلام الشّيخ (قدّس سرّه) أو كلمة: «البالغ» المأخوذة فيه، كما في كلام المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) هو خصوص المجتهد أو الأعمّ منه و من المقلّد؟

فنقول: لا بدّ في تحقيق ذلك من التّكلّم في حال الخطابات الإلهيّة بأنّها، هل تختصّ بالبالغين العاقلين، أو لا تختصّ بهم فضلا عن المجتهدين، بل تعمّ المميّزين- أيضا- وجهان: و الحقّ هو الثّاني من غير فرق بين كون الأحكام نفسيّة واقعيّة، أو ظاهريّة، و بين كونها طريقيّة صادرة لحفظ الواقع، كوجوب الاحتياط في الشّبهات المحصورة المقرونة بالعلم الإجماليّ و كوجوب التّعلّم- على بعض الأقوال- و كحرمة نقض اليقين بالشّكّ، فالأحكام كلّها تتوجّه إلى كلّ إنسان مميّز، بالغا كان‏

23

أم لا؛ و ذلك، لاجل عدم المانع عن شمول الخطابات له ثبوتا، فقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ‏ (1) أو قوله جلّ جلاله: لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‏ (2) أو قوله عزّ و جلّ: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ (3) أو نحوها، يشمل المميّزين غير البالغين بلا أيّ محذور في ذلك؛ و لاجل الإطلاق أو العموم في الخطابات إثباتا من غير ورود التّخصيص فيها بالنّسبة إلى البالغين.

لا يقال: دليل رفع القلم‏ (4) عن الصّبي يحدّد الخطابات العامّة أو المطلقة و يخصّصها بالمكلّف البالغ.

لأنّه يقال: أوّلا: أنّ أحاديث الرّفع تكون إرفاقيّة امتنانيّة وردت للتّسهيل و التّوسعة، فترفع ما يوجب الثّقل و الوقوع في المشقّة و الكلفة و هو الإلزام، و معناه:

أنّ الصّبيان ليسوا بملزمين، لا أنّ الخطاب مرفوع عنهم رأسا بحيث لو صلّوا أو صاموا لم يكن لهم أجر و فضيلة؛ إذ هذا خلاف المنّة و الرّحمة، كيف، و أنّهم قد يكونون في المرتبة العالية من الإيمان و الإخلاص و المعرفة.

و ثانيا: أنّه لو سلّم رفع الخطاب عنهم، فلا نسلّم رفع الملاك، بمعنى: أنّ الرّفع إنّما يكون لوجود المانع، لا لعدم المقتضي؛ و لذا نختار صحّة عبادات الصّبي و أنّها شرعيّة، لا تمرينيّة تعويديّة، بلا حاجة في هذه المقالة إلى التّمسّك بخطاب آخر؛ نظير

____________

(1) سورة البقرة (2)، الآية 183.

(2) سورة آل عمران (3)، الآية 97.

(3) سورة البقرة (2)، الآية 43.

(4) راجع، وسائل الشّيعة: ج 1، الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 11، ص 32.

24

قوله (عليه السّلام): «فمروا صبيانكم بالصّلاة إذا كانوا بني سبع سنين». (1)

و ثالثا: أنّ حديث الرّفع لا ينطبق على مورد المعاملات؛ لعدم الإلزام فيها، بل جريانه فيها لرفع الحكم الوضعيّ و هو الصّحة، خلاف الامتنان و الرّحمة؛ و من أجل ذلك نختار- أيضا- صحّة معاملات الصّبي المميّز بلا حاجة إلى تمحّل أنّ الصّبيان المميّزين هم وسائط الإيصال و الأيدي، لا المعاملون حقيقتا، بل المعاملون هم الأولياء البالغون.

لا يقال: لو سلّم صحّة توجيه الخطابات النّفسيّة الواقعيّة أو الظّاهريّة إلى الصّبيان المميّزين، فلا نسلّم توجيه الخطابات الطّريقيّة إليهم، كخطابات أدلّة الاصول، نظير قوله (عليه السّلام): «لا ينقض اليقين بالشّكّ» (2)، و خطابات أدلّة الأمارات، و خطابات باب التّعادل و التّراجيح، نظير قوله (عليه السّلام): «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فأعرضوهما على كتاب اللّه ...» (3) بل لا نسلم توجيها إلى غير المجتهدين- أيضا- بداهة، أنّ القول بتعميم الأحكام المتعلّقة بالعناوين الثّلاثة من القطع و الظّنّ و الشّكّ، لا يناسب لما أخذت في أحكام القطع و قسيميه، من تلك العناوين الثّلاثة الّتي لا تتحقّق إلّا للمجتهدين عند التفاته إلى الأحكام الإلهيّة تفصيلا، و أمّا باقي من النّاس فهم غافلون عنها تفصيلا و إن كانوا ملتفتين إليها إجمالا.

____________

(1) وسائل الشّيعة: ج 3، كتاب الصّلاة، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، الحديث 5، ص 12.

(2) وسائل الشّيعة: ج 5، الباب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصّلاة، الحديث 3، ص 321.

(3) وسائل الشّيعة: ج 18، كتاب القضاء و الشّهادات، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29، ص 84.

25

و إن شئت، فقل: إنّ العناوين الثّلاثة الّتي لها آثار و أحكام، لا تحصل إلّا للملتفت و هو المجتهد، و لا التفات لغيره إلّا بنحو الإجمال؛ على أنّه لا عبرة بقطع غير المجتهد، و كذا ظنّه و شكّه حتّى في فرض التفاته إلى الأحكام تفصيلا؛ و ذلك، لعدم انتفاعه من مثل الخطابات المتقدّمة؛ لاشتراط الانتفاع بها بتشخيص مواردها و مجاريها و فهم مضامينها و فحص تامّ في مواضعها؛ و أنت ترى، أنّ غير المجتهد فضلا عن الصّبي عاجز عن مثل هذه الامور، كما أشار إليه المحقّق النّائيني‏ (1) و العراقى (قدّس سرّهما) (2).

لأنّه يقال: وزان الخطابات الطّريقيّة و أدلّة اعتبار الطّرق و الاصول، وزان الخطابات النّفسيّة في شمولها لقاطبة المكلّفين و عدم اختصاصها بصنف، فقوله (عليه السّلام):

«لا تنقض اليقين بالشّكّ» يكون نظير قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ‏ أو قوله جلّ جلاله: لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ ... غاية الأمر، يرجع الجاهل بالخطابات الطّريقيّة غير العارف بالاصول، العاجز عن تشخيص مواردها و مجاريها، إلى المجتهد الفقيه العارف، كما أنّه يرجع إليه في الخطابات النّفسيّة، و ليس هذا الرّجوع من باب النّيابة، بل من باب رجوع الجاهل إلى العالم بمقتضى الارتكاز و الفطرة.

و إن شئت، فقل: إنّ الخطابات كلّها متوجّهة إلى المكلّفين قاطبة من العوام و المجتهدين، و عجز العاميّ عن فهم المضامين، و عن تشخيص الموارد و المجاري، و عن الفحص في المعارضات و المخصّصات أو المقيّدات، حاصل في الجميع؛ و لذا يجب‏

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 4.

(2) راجع، نهاية الافكار: ج 3، ص 3.

26

التّفقّه و الاجتهاد بالوجوب الكفائي، فيرجع العاجز العاميّ المشمول للخطاب الإلهي من النّفسي و الطّريقي إلى الفقيه البارع، و هذا الرّجوع الارتكازي لا يختصّ بباب الاجتهاد و الفقاهة، بل يكون في جميع الأبواب كالطّبابة و نحوها من الواجبات الكفائيّة. هذا كلّه في دفع شبهة العجز.

و أمّا شبهة اختصاص العناوين من القطع و الظّنّ و الشّكّ بالفقهاء و المجتهدين الملتفتين إلى الأحكام تفصيلا، و عدم شمول الخطابات للعوام لكونهم غافلين، فتدفع بإمكان حصول تلك العناوين الثّلاثة للعامي- أيضا- في الشّبهات الحكميّة، كالمجتهد، نعم، حصولها في حقّ العامّي نادر جدّا، إلّا أن ندرة حصولها لا تلازم عدم إمكانه.

و بالجملة: فكما أنّ المجتهد إذا رجع إلى الأدلّة يقطع- مثلا- بطهارة العصير العنبي قبل الغليان، و يشكّ في بقاء طهارته بعد الغليان و قبل ذهاب ثلثيه، فيرجع إلى الاستصحاب بعد الفحص عن الدّليل و عدم ظفره به، كذلك العاميّ يرجع إلى الفقيه، فيقطع بطهارته قبل الغليان، ثمّ بعد الغليان و قبل الذّهاب يرجع إليه لكونه شاكّا في بقاء الطّهارة، فيستفتي و لا يفتي بها، بل يقول: «لم أرد ليلا على إثباتها، أو إثبات النّجاسة» فيستقرّ حينئذ شكّه كشكّ المجتهد و يتوجّه إليه خطاب: «لا تنقض اليقين بالشّكّ» لتحقق كلا ركني الاستصحاب.

غاية الأمر: يرجع العاميّ- لعدم معرفته بمسألة الاستصحاب- إلى الفقيه العارف، فهو إمّا يفتي بالحكم الفقهيّ المستفاد من الاستصحاب و هي طهارة العصير المغليّ قبل ذهاب الثّلثين، فلا يجب الاجتناب عنه، أو يفتي بالحكم الاصولي و يرشده‏

27

إلى أن لك أمرين‏ (1): أحدهما: اليقين السّابق؛ ثانيهما: الشّكّ اللّاحق، فعليك الأخذ باليقين و يحرم نقضه بالشّكّ، أو يفتي بكلا الحكمين.

نعم، المعهود من دأب الفقهاء و المجتهدين هو الإفتاء بالحكم الفقهي فقط، و لعلّ وجهه صعوبة الحكم الاصولي على العامّي.

و قد مثّل شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) تبعا للمحقّق العراقي (قدّس سرّه) لقطع العامّي و شكّه في الشّبهة الحكميّة، بالماء المتغيّر بالنّجاسة، فقال (قدّس سرّه): «كما يحصل اليقين للمجتهد بنجاسة الماء المتغيّر بالنّجاسة بعد رجوعه إلى الأدلّة، ثمّ يشكّ في بقاءها بعد زوال تغيّره بنفسه، لعدم عثوره على دليل مقتض للطّهارة، أو النّجاسة، كذلك حال المقلّد العامّي بعد رجوعه إلى مقلّده، فيحصل له اليقين بنجاسة ذلك الماء أوّلا، من جهة أنّ قول الفقيه عنده كالأمارة على حكم عنده، ثمّ يرى زوال تغيّره بنفسه‏

____________

(1) كما اشير إليهما في روايات الاستصحاب، نظير صحيحة زرارة، قال: «قلت له: الرّجل ينام و هو على وضوء، أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال (عليه السّلام): يا زرارة! قد تنام العين و لا ينام القلب و الاذن، فإذا نامت العين و الاذن و القلب وجب الوضوء؛ قلت: فإن حرّك على جنبه شي‏ء و لم يعلمه به؛ قال (عليه السّلام): لا، حتّى يستيقن أنّه قد نام، حتّى يجي‏ء من ذلك أمر بيّن، و إلّا فإنّه على يقين من وضوءه و لا تنقض اليقين أبدا بالشّكّ و إنّما تنقضه بيقين آخر»، وسائل الشّيعة: ج 1، كتاب الطّهارة، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 1، ص 174 و 175.

و صحيحته الثّانية: «قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف- إلى أن قال:- قلت: فان لم أكن رأيت موضعه و علمت أنّه أصابه، فطلبته فلم أقدر عليه، فلمّا أن صلّيت وجدته، قال: تغسله و تعيد الصّلاة، فعلمت أثره؛ قلت: فإن ظننت أنّه قد أصابه و لم أتيقّن ذلك، فنظرت فلم أر فيه شيئا ثمّ صلّيت فرأيت فيه؛ قال (عليه السّلام): تغسله و لا تعيد الصّلاة؛ قلت لم ذلك، قال (عليه السّلام): لانّك كنت على يقين من طهارتك فشككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشّكّ أبدا ...»، وسائل الشّيعة: ج 2، كتاب الطّهارة، الباب 41 من أبواب النّجاسات، الحديث 1، ص 1061 و 1062.

28

و بلا علاج، فيشكّ في بقاء ذلك الحكم فيرجع إليه ثانيا، فيراه أنّه لا يفتي بالنّجاسة لعدم العثور على الدّليل، و حينئذ يستقرّ شكّه ...» (1).

ثمّ إنّ المحقّق العراقي (قدّس سرّه) قد دفع شبهة اختصاص العناوين الثّلاثة (القطع و الظّنّ و الشّكّ) بالمجتهد، على وجه آخر و هو دعوى عدم القول بالفصل.

و إليك نصّ كلامه (قدّس سرّه): «أنّه لا مانع من فرض حصول الصّفات المزبورة لغير المجتهد- أيضا- كما في كثير من المحصّلين غير البالغين مرتبة الاجتهاد، فإذا فرض حينئذ شمول إطلاقات أدلّة الأمارات و الاصول لمثله، يتعدّى إلى العامّي المحض بعدم القول بالفصل» (2).

و لكن لا حاجة إلى مثل هذا التّكلّف، بعد ما عرفت من شمول الخطابات الإلهيّة للمكلّفين قاطبة. غاية الأمر: يرجع الجاهل إلى العالم بها، و هذا أمر واضح، نظير ما إذا كان للمولى العرفيّ عبيد لهم ألسنة مختلفة، عربيّة و غيرها، فأمرهم و خاطبهم بلغة عربيّة- مثلا- لا يعرفها غير العرب، فمن المعلوم حينئذ لزوم رجوع الجاهل باللّغة العربيّة إلى العارف بها حتّى يحصّل مراد المولى و يمتثل أمره.

هذا، مضافا إلى أنّ دعوى عدم القول بالفصل و الإجماع المركّب في مثل هذه المسألة العلميّة الاصوليّة الّتي يدّعي منكر الشّمول فيها للعامّي، عدم الالتفات و الغفلة، أو العجز عن التّشخيص، كما ترى.

إذا عرفت ذلك التّحقيق، علمت: أنّ كلمة: «المكلّف» أو كلمة: «البالغ» تعمّ‏

____________

(1) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

(2) نهاية الأفكار: ج 3، ص 3.

29

المجتهد و غيره، و الاختصاص ممّا لا دليل عليه، بل الدّليل على خلافه، كما ذكرناه، نعم، ظاهر كلام العلمين (الشّيخ الأنصاري و المحقّق الخراساني (قدّس سرّهما)) هو خصوص المكلّف أو البالغ المجتهد دون غيره و إن كان يمكن إرادة العموم- أيضا- فراجع و تأمّل.

هذا تمام الكلام في الأمر الأوّل (من الامور الّتي يتمّ البحث عن القطع في ضمنها).

[الأمر الثاني‏] القطع من المسائل الاصوليّة

الأمر الثّاني: القطع، هل يكون من المسائل الاصوليّة أو الكلاميّة؟

اعلم، أنّه قد وقع الكلام بين الأعلام في أنّ البحث عن القطع، هل يكون اصوليّا أو كلاميّا؟ ففيه قولان: و الحقّ هو الأوّل، و لكن ذهب المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1) إلى الثّاني، و التزم بأنّ البحث عنه أشبه بمسائل الكلام، و تبعه بعض الأعاظم (قدّس سرّه)(2) فقال في وجهه ما حاصله: إنّ المسألة الاصوليّة ما تكون نتيجتها موجبة للقطع بالوظيفة الفعليّة، أو ما تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الفرعيّ، و حيث إنّ القطع بالوظيفة نفسه نتيجة، فلا يكون موجبا لقطع آخر بالوظيفة و لا يقع في طريق الاستنباط.

و إن شئت فقل: إنّ القطع بالحكم ليس إلّا انكشاف الحكم بنفسه، فكيف يجعل مقدّمة لانكشافه كي يكون البحث عنه اصوليّا. غاية الأمر: لمّا كان القطع‏

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 4 و 5.

(2) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 5.

30

بالوظيفة نتيجة المسائل الأصولية، ناسب البحث عنه في الاصول استطرادا، و باعتبار أنّ مرجع البحث عن حجّيّة القطع إلى صحّة العقاب على مخالفته، يكون شبيها بالمسائل الكلاميّة الباحثة عن المبدا و المعاد و ما يصحّ عنه تعالى و ما لا يصحّ.

و فيه: أنّه ليس البحث في مبحث القطع عن نفس القطع بالوظيفة حتّى يقال:

حيث إنّه نفس النّتيجة، فيصير البحث عنه بحثا عن النّتيجة، لا عن المسألة الاصوليّة المنتجة لها، بل البحث هنا إنّما هو في حجّيّة القطع، كالبحث عن حجّيّة خبر الثّقة و ظاهر الكتاب و السّنّة و غيرها من سائر الأمارات.

غاية الأمر: حجّيّة القطع ذاتيّة، أو حكم عقليّ ثابت له عند العقلاء، مستغن عن الجعل، بخلاف حجّيّة سائر الطّرق و الأمارات، فإنّها محتاجة إلى الجعل، على ما سيأتي.

و عليه: فمسألة القطع- أيضا- كمسألة الظّنّ داخلة في المسائل الاصوليّة.

و أمّا الأشبهيّة بمسائل الكلام- كما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)- أو الشّباهة، كما عن بعض الأعاظم (قدّس سرّه)، فإنّما تصحّ، بناء على تعريف علم الكلام، بأنّه يبحث فيه عن ذات اللّه تعالى و صفاته و أفعاله، و أحوال الممكنات من حيث المبدا و المعاد على قانون الإسلام‏ (1)، و الوجه فيه ما عن الإمام الرّاحل (قدّس سرّه)(2) من أنّه يدخل فيه مباحث الحسن و القبح و أمثالهما، أو ما أشار إليه بعض الأعاظم (قدّس سرّه)(3) من أنّ البحث عن حجيّة القطع، مرجعه إلى صحّة العقاب على مخالفته، فيشبه إذا بالمسائل‏

____________

(1) راجع، تعريفات الجرجاني: ص 237.

(2) راجع، أنوار الهداية: ج 1، ص 33.

(3) راجع، مصباح الاصول: ج 2، ص 5.

31

الكلاميّة الباحثة عن المبدا و المعاد و ما يصحّ عنه تعالى و ما لا يصحّ.

و أمّا بناء على تعريفه بأنّه يبحث فيه عن الأعراض الذّاتيّة للوجود من حيث هو هو على قاعدة الإسلام‏ (1)، فلا يشبه بالمسائل الكلاميّة، و الوجه فيه، كما عن الإمام الرّاحل (قدّس سرّه)(2) هو أنّ مسائل القطع ليست من الأعراض الذّاتيّة للوجود من حيث هو وجود، كما لا يخفى على أهله.

ثمّ إنّ للشّيخ الأنصاريّ (قدّس سرّه) كلاما آخر في وجه خروج مسائل القطع عن علم الاصول، محصّله: أنّ القطع يفارق عن سائر الأمارات من جهة عدم صدق عنوان الحجّة عليه و صدقها على الأمارات؛ و ذلك، لأنّ المقصود من الحجّة هو الوسط الّذي يحتجّ به على ثبوت الأكبر للأصغر. و من المعلوم: أنّ القطع لا يقع وسطا في القياس، فلا يقال: هذا معلوم الخمريّة، و كلّ معلوم الخمريّة حرام، فهذا حرام.

ضرورة، ترتّب الحرمة على نفس الخمر، لا على معلوم الخمريّة، و هذا بخلاف الأمارات و الظّنون المعتبرة، فيصحّ أن يقال: هذا مظنون الخمريّة، و كلّ مظنون الخمريّة حرام، فهذا حرام.

فهو (قدّس سرّه) يقول: في الظّنون و الأمارات بتنزيل المؤدّى منزلة الواقع، و لذا يصحّ إطلاق الوسط عليها، فتثبت بها أحكام ظاهريّة تنزّل منزلة أحكام واقعيّة، بخلاف القطع، فلا تنزيل فيه أصلا، بل المقطوع هو نفس الواقع، لا المنزّل منزلة الواقع، فلا يصحّ إطلاق الوسط عليه.

____________

(1) راجع، شوارق الإلهام: ص 9، س 19.

(2) راجع، أنوار الهداية، ج 1، ص 33.

32

و نتيجة هذا كلّه، هو خروج مباحث القطع عن الاصول بعد ما عرّف بأنّها قواعد يستنبط منها أحكام شرعيّة، أو ينتهي إليها المكلّف في مقام العمل؛ إذ عرفت:

أنّ القطع لا يقع وسطا حتّى يستنبط منه حكم شرعيّ، و ليس- أيضا- من قبيل الاصول العمليّة الّتي ينتهي إليه الفقيه بعد الفحص و اليأس عن الظّفر بالأدلّة الاجتهاديّة.

و فيه: أوّلا: أنّ الحقّ، كما ستعرفه في محلّه، عدم الفرق بين القطع و سائر الأمارات الظّنيّة المعتبرة في عدم الوسطيّة، و أنّ الأحكام كما تترتّب على العناوين الواقعيّة في القطع- فلا يقال: مقطوع الخمريّة حرام- كذلك تترتّب عليها في الظّنّ- أيضا- فلا يقال: مظنون الخمريّة حرام، و التّنزيل في الظّنّ لا أساس له و ليس عليه دليل قويم.

و ثانيا: أنّ الملاك في كون المسألة اصوليّة ليس هي الوسطيّة بذاك المعنى المذكور، بل الملاك هي الوسطيّة في الاستنباط، بمعنى: صيرورة أمر الوسط حجّة على الحكم. و واضح: أنّ القطع و الظّنّ المعتبر كليهما حجّتان على الحكم، بمعنى: أنّهما أمارتان عليه، منجّزان له عند الإصابة، و معذّران عند عدمها. و عليه: فتطلق عليهما الوسطيّة في الاستنباط.

فتحصّل: أنّ الفرق الّذي أشار إليه الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) بلا فارق، بل الأمارات كلّها حتّى الظّنّ لا تقع أوساطا في القياس، فلا يصحّ إطلاق الحجّة عليها بمعناها المصطلح في الميزان و هو الحدّ الأوسط.

نعم، تكون الأمارات بأجمعها حججا على الأحكام الواقعيّة، بمعنى: أنّها

33

منجّزات عند الإصابة، و معذّرات عند عدمها.

و بعبارة اخرى: أنّ الآثار في جميع الأمارات مترتّبة على الواقع من دون دخل للقطع و الظّنّ فيه، و لا يمكن جعلهما أوساطا بالنّسبة إلى تلك الآثار، فلا يكون وجوب الاجتناب أثرا للقطع فضلا عن الظّنّ، إلّا فيما إذا كان أحدهما مأخوذا بنحو الموضوعيّة و هو خارج عن الفرض. هذا كلّه في القطع الطّريقيّ.

و أمّا القطع الموضوعيّ، سواء كان تمام الموضوع أو جزءه، فهو كسائر الموضوعات ممّا لا يطلق عليه الحجّة مطلقا، كما لا يخفى، فلا يكون البحث عنه في الاصول إلّا استطراديّا.

تعقيب و تكميل‏

قد اختلفت كلمات الأعلام في إطلاق الحجّة على القطع و الظّنّ، فربما يفصّل- كما عن الشّيخ الأنصارى (قدّس سرّه)(1)- بين القطع، فلا تطلق الحجّة عليه، و بين الظّنّ، فتطلق الحجّة عليه، و ربما يفصّل بين الحجّة باصطلاح المنطق، فلا تطلق على القطع و الظّنّ، و بين الحجّة باصطلاح الاصول، فتطلق عليهما، و هذا هو الحقّ.

توضيحه: أنّ الحجّة في الميزان قد تقال: على نفس القياس المؤلّف من مقدّمتين و هما الصّغرى و الكبرى الموصلتين إلى النّتيجة قبال المعرّف و هو تصوّر المعلوم الموصل إلى الآخر المجهول. و قد تقال: على الحدّ الأوسط، بمعنى: الواسطة في الثّبوت في البرهان اللّميّ، و الواسطة في الإثبات في البرهان الإنّي، سواء كان معلولا

____________

(1) فرائد الاصول: ج 1، ص 29.

34

للأكبر- فيختصّ حينئذ باسم الدّليل- أو كان هو و الأكبر معا معلولي علّة واحدة.

و أمّا الحجّة في الاصول، فقد تقال و تطلق: على المنجّز للواقع عند الإصابة أو المعذّر عند عدمها؛ و ربما تقال: أيضا، على ما يكون وسطا لإثبات متعلّقه، موضوعا كان أو حكما، إلّا أنّ الظّاهر هو رجوع هذا إلى الحجّة الميزانيّة.

إذا عرفت هذا، فنقول: إنّ القطع لا يكون حجّة ميزانيّة، و لا مجال لوقوعه حدّا أوسط في القياس على ما عرفت، و لا علّيّة و لا معلوليّة هنا أصلا، و كذا الظّنّ، بلا فرق في البين كما مرّ خلافا للشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) حيث قال بصحّة إطلاقها على الظّنّ، و إليك نصّ كلامه: «و من هنا يعلم، أنّ إطلاق الحجّة عليه ليس كإطلاق الحجّة على الأمارات المعتبرة شرعا؛ لأنّ الحجّة عبارة عن الوسط الّذي به يحتجّ على ثبوت الأكبر للأصغر ... فقولنا: الظّنّ حجّة أو البيّنة حجّة أو فتوى المفتي حجّة، يراد به كون هذه الامور أوساطا لإثبات أحكام متعلّقاتها» (1).

و فيه: أوّلا: أنّ هذا الكلام منه (قدّس سرّه)- على ما علمت سابقا- مبتن على ما سلكه في الظّنّ من: أنّ مفاد دليل اعتبار الطّرق و الأمارات، ليس إلّا تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، و قد مرّ، أنّه لا أساس للتّنزيل، بل الأحكام و الآثار إنّما تترتّب على العناوين الواقعيّة، و ليس الظّنّ المعتبر إلّا كالقطع في الأماريّة و المنجّزيّة عند الإصابة و المعذريّة عند عدمها، فالحرام هو الخمر الواقعيّ، لا مظنون الخمريّة، و نتيجة ذلك، عدم وقوع الظّنّ كالقطع وسطا في القياس.

و ثانيا: أنّه لو سلّم الوسطيّة في الظّنّ، فليس وسطا لإثبات حكم متعلّقه، بل‏

____________

(1) فرائد الاصول: ج 1، ص 29.

35

يكون وسطا لإثبات حكم آخر ظاهريّ مماثل لحكم متعلّقه، فحرمة الشّرب في قولنا: هذا مظنون الخمريّة، و كلّ مظنون الخمريّة يجب الاجتناب عنه، ليس حكما واقعيّا لمظنون الخمريّة؛ إذ الحكم الواقعيّ مترتّب على الخمر الواقعيّ، بل هو حكم مماثل للحكم الواقعيّ.

و إن شئت، فقل: إنّ متعلّق الظّنّ في ذلك المثال هو الخمر، و لا يثبت لمظنون الخمريّة حكم الخمر الواقعيّ و هي الحرمة الواقعيّة، بل يثبت له الحرمة الظّاهريّة المماثلة، بمعنى: أنّ مظنون الخمريّة خمر تنزيلا، له حرمة تنزيليّة ظاهريّة لا واقعيّة.

و من هنا قال شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) حاكيا عن المحقّق العراقي (قدّس سرّه): «فعلى كلّ تقدير لا يكون الظّنّ وسطا في القياس بالنّسبة إلى حكمه المتعلّق، و لا يصحّ تأليف قياس الحقيقي منه و إنّما هو صورة قياس» (1). هذا كلّه في الحجّة الميزانيّة.

و أمّا الحجّة الاصوليّة، بمعنى: المنجّزيّة عند الموافقة، و المعذّريّة عند المخالفة، فيصحّ إطلاقها على القطع و سائر الأمارات المعتبرة.

ثمّ إنّ المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) بعد اختياره مبنى: «أنّ حجّيّة القطع، بمعنى: تنجّز التّكليف و استحقاق العقوبة على مخالفته، ليس من الآثار القهريّة و اللّوازم الذّاتيّة لمخالفة التّكليف المعلوم، بل من اللّوازم الجعليّة» بنى (قدّس سرّه) عليه، صحّة إطلاق الحجّة الميزانيّة على القطع، فقال ما هذا لفظه: «و ممّا ذكرنا من دخل القطع جعلا في التّنجّز، يظهر صحّة إطلاق الحجّة عليه بالمعنى المتعارف في عرف أهل الميزان، لكونه واسطة في التّنجّز في القياس المطلوب منه، تنجّز الحكم بالقطع، كما يظهر صحّة إطلاق الحجّة

____________

(1) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

36

عليه في باب الأدلّة إن اريد منها ما يتنجّز الواقع. نعم، إن اريد منها ما يثبت الحكم الفعليّ بعنوان أنّه الواقع، فلا يطلق عليه الحجّة؛ إذ القطع بالحكم عين ثبوت الواقع لدى القاطع، فلا يكون علّة لثبوت الواقع و للتّصديق به» (1).

و فيه: منع من حيث المبنى و البناء، أمّا المبنى، فلما سيجي‏ء البحث عنه إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا البناء، فلعدم صحّة إطلاق الحجّة الميزانيّة على القطع حتّى على المبنى المذكور- أيضا- إذ الحجّة هو الأوسط الّذي لا بدّ أن يكون بينه و بين الأكبر ربط تكوينيّ علّيّ و معلوليّ.

و من المعلوم: أنّه لا ربط كذلك بين القطع و بين الحجّيّة، بمعنى: التّنجيز على مسلك هذا المحقّق (قدّس سرّه) بل هو ثابت له من قبل التّباني و الإمضاء.

نعم، يصحّ إطلاق الحجّة الاصوليّة على القطع بناء على هذا المسلك- أيضا- فيكون منجّزا للواقع عند الإصابة و لو جعلا و اعتبارا و من ناحية التّباني.

فالقول بعدم صحّة إطلاق الحجّة الاصوليّة بالمعنى المعروف في باب الأدلّة، عليه، كما عن شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه)، لم يظهر وجهه، و الظّاهر عدم المنع من هذا الإطلاق و لو كان التّنجيز ثابتا له من ناحية تباني العقلاء، فبه يكون القطع منجزا للواقع عند الإصابة، و لا يعتبر أزيد من ذلك في الحجّة باصطلاح الاصول.

و أمّا ما التزم به المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) في ذيل كلامه المتقدّم من قوله (قدّس سرّه):

«نعم، إن اريد منها (الحجّة في باب الأدلّة) ما يثبت الحكم الفعليّ بعنوان أنّه الواقع،

____________

(1) نهاية الدّراية: ج 2، ص 5.

37

فلا يطلق عليه (القطع) الحجّة؛ إذ القطع بالحكم عين ثبوت الواقع لدى القاطع، فلا يكون علّة لثبوت الواقع».

ففيه: أنّ القطع بالحكم على مسلكه (قدّس سرّه) ليس عين ثبوت الواقع، بل يكون ما به يثبت الواقع و ينجّز، كيف، و أنّه لو كان عين ثبوته في عالم الإبراز و صقع الإثبات، لما احتاج إلى جعل المنجّزيّة بتباني العقلاء و تصويب الشّرع، و إلّا لزم إثبات ما يكون ثابتا في التّكوين بمعونة التّنزيل، و هذا كما ترى.

هذا تمام الكلام في الأمر الثّاني.

وجوب متابعة القطع‏

الأمر الثّالث: وجوب متابعة القطع و العمل به‏

و لا يخفى: أنّ البحث هنا يقع في القطع الطّريقيّ، و أمّا القطع الموضوعي، فسيجي‏ء البحث عنه في الأمر الخامس، فانتظر.

فنقول: إنّ الكلام هنا يقع في ثلاث جهات:

الاولى: في طريقيّة القطع.

الثّانية: في حجّيّة القطع.

الثّالثة: في إمكان الرّدع عن العمل به و عدم إمكانه.

أمّا الاولى: فلا ريب، أنّ الطّريقيّة و الكشف يكون من آثار القطع و لوازمه، سواء كان من لوازم ماهيّته المجعولة، بناء على أصالة الماهيّة؛ أو كان من لوازم وجوده المجعول، بناء على أصالة الوجود، فمع القول بأصالة الوجود و اعتباريّة

38

الماهيّة لا ينبغي أن يقال: بأنّ الطّريقيّة و الكشف من آثار ماهيّة القطع و هو القطع بالحمل الأوّلي، بل تكون حينئذ من آثار وجوده و هو القطع بالحمل الشّائع، كما أنّه مع القول بأصالة الماهيّة و اعتباريّة الوجود لا ينبغي أن يقال: بأنّها من آثار الوجود، و هذا أوضح من أن يخفى.

و كذلك لا ينبغي أن يقال: أيضا، بأنّ الطّريقيّة و الكشف من آثار ماهيّة القطع غير المجعولة حتّى بناء على القول بأصالة الماهيّة؛ إذ هي قبل الجعل لا أثر لها و ليست إلّا مفهوما.

و بالجملة: لا مجال لإطلاق القول بأنّ الطّريقيّة و الكشف من لوازم الوجود، كما عن الإمام الرّاحل (قدّس سرّه)(1)، أو من لوازم الماهيّة و آثارها.

ثمّ اعلم، أنّ كاشفيّة القطع عن الواقع الّتي تكون من آثاره، لا تلازم الإصابة، بل ربما لا يصيب الواقع، كما لا يخفى، فما هو أثر القطع ليس إلّا الكشف عن الواقع الأعمّ من الواقعي أو الزّعمي، و هذا لا ينفكّ عن القطع، بحيث يصحّ أن يقال: إنّ الطّريقيّة و الكاشفيّة من ذاتيّات القطع، لا بمعنى لوازم الماهيّة قبال لوازم الوجود، بل بمعنى: أنّها من آثار حقيقة القطع المتحقّقة للقاطع غير المنفكّة عنها، سواء كانت تلك الحقيقة المتحقّقة ماهيّة، بناء على أصالتها، أو وجودا، بناء على أصالته، كما يصحّ أن يقال: إنّه لا مجال لورود الجعل الحقيقيّ التّكوينيّ في طريقيّته و كاشفيّته، لا بسيطا و لا مركّبا، بل هي تنجعل بجعل نفس القطع.

و عليه: فإنكار ذلك، كما عن الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) معلّلا بقوله: «و القطع قد

____________

(1) راجع، تهذيب الاصول: ج 2، ص 85؛ و أنوار الهداية: ج 1، ص 37 و 38.

39

يصيب و قد لا يصيب، و معه كيف يمكن عدّ الكاشفيّة من ذاتيّاته» (1) ممّا لم يظهر وجهه، فليتأمّل جيّدا.

أضف إلى ذلك، ما عرفت: من عدم اعتبار الإصابة في طريقيّة القطع، بل هو طريق مطلقا، أصاب أم لم يصب.

نعم، هو (قدّس سرّه) اعترف بعدم تعلّق الجعل التّشريعيّ بالكاشفيّة، و لقد أجاد في ذلك، حيث قال: «نعم، أصل المدّعى و هو عدم تعلّق الجعل التّشريعي به صحيح بلا مرية، فإنّ الجعل التّشريعيّ لا معنى لتعلّقه بما هو لازم وجود الشّي‏ء، فلا معنى لجعل النّار حارة، و الشّمس مشرقة تشريعا؛ لأنّهما من لوازم وجودهما المحقّقين تكوينا، و القطع- أيضا- طريق تكوينيّ و كاشف بحسب وجوده، و لا يتعلّق الجعل التّشريعيّ به للزوم اللّغويّة، و كونه من قبيل تحصيل الحاصل» (2).

و الإنصاف: أنّه لا فرق بين الجعل التّكوينيّ و التّشريعي، فلا مجال لكلّ واحد منهما في أمثال المقام؛ أمّا الجعل التّكوينيّ، فلأجل كون الكاشفيّة من لوازم ذات القطع، فبجعله تنجعل هي قهرا (3)؛ و أمّا الجعل التّشريعيّ، فللزوم اللّغويّة و كونه من قبيل تحصيل الحاصل، كما أشار إليه الإمام الرّاحل (قدّس سرّه).

ثمّ إنّه يظهر من المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) أنّ حقيقة القطع ليست إلّا نفس الطّريقيّة

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 84.

(2) أنوار الهداية: ج 1، ص 38.

(3) و إن شئت، فقل: إنّ مناط الافتقار إلى الجعل التّكوينيّ هو الإمكان، فلا جعل في مورد الوجوب أو الامتناع، و واضح، أنّ القطع- حيث حصل- واجب الطّريقيّة و لازم الكاشفيّة لا ممكنها.

40

و الكاشفيّة؛ و لذا لا يعقل الجعل فيه أصلا، حيث قال- بعد تصريحه أوّلا: بأنّ الطّريقيّة من لوازم ذات القطع كزوجيّة الأربعة- ما هذا لفظه: «بل بوجه يصحّ أن يقال: إنّها عين القطع» (1).

و كذا يظهر ذلك من المحقّق العراقي (قدّس سرّه) حيث قال: «فإنّ القطع من جهة كونه بذاته و حقيقته عين انكشاف الواقع ...» (2).

و تبعهما بعض الأعاظم (قدّس سرّه) حيث قال: «إنّ حقيقة القطع هو نفس الانكشاف و ذاته، فلا يعقل الجعل فيه أصلا ...» (3).

و لكن لا يمكن المساعدة على هذه المقالة؛ و ذلك، لأنّ القطع هو العلم، و العلم إمّا يكون من سنخ المقولة و هي- بناء على المشهور- كيف نفسانيّ، و- بناء على غيره- فعل أو انفعال أو نحوهما؛ و إمّا يكون من سنخ آخر فوق المقولة، كالوجود؛ و لذا ورد في الحديث «العلم نور ربّاني يقذفه اللّه تعالى في قلب من يشاء من عباده» (4).

و نتيجة ذلك: أنّه ليس القطع و العلم عين الطّريقيّة و الكاشفيّة، بل و ليست جزءا له- أيضا- كما لا يخفى، و إنّما هي من آثار حقيقة القطع و العلم.

و إن شئت، فقل: العلم نور، فكما أنّ النّور هو الظّاهر بالذّات و المظهر للغير، كذلك العلم، فإنّه هو الظّاهر بذاته و هو عين المعلوم بالذّات، و المظهر لغيره و هو المعلوم بالعرض.

____________

(1) فوائد الاصول: ج 1، ص 6 و 7.

(2) نهاية الأفكار: ج 3، ص 6.

(3) مصباح الاصول: ج 2، ص 15.

(4) شرح اصول الكافي: ج 2، ص 79.

41

أو فقل: إنّ العلم هو ما ينكشف به الواقع، لا نفس انكشافه، بمعنى: أنّه هو المعلوم بالذّات الّذي ينكشف به المعلوم بالعرض، فانكشافه ذاتيّ، و انكشاف الغير به عرضيّ.

و لا ريب: أنّ كون القطع انكشافا بذاته، لا يستلزم كونه عين انكشاف الغير به، بل انكشاف الغير به يكون من آثاره و لوازمه غير منفكّة عنه، كالنّور حيث يكون ظاهرا بالذّات و ليس عين الإظهار للغير، بل الإظهار يكون من اللّوازم و الآثار.

فتحصّل: أنّه ليس القطع عين الطّريقيّة و انكشاف الغير، بل يكون أمرا منكشفا بذاته يتطرّق به إلى الغير و ينكشف الغير به؛ و لعلّه لأجل ذلك لم يجزم المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) بالعينيّة و قال: «بل بوجه يصحّ أن يقال: إنّها عين القطع».

و من العجب العجاب، أنّ بعض الأعاظم (قدّس سرّه) مع أنّه قائل- تبعا للمحقّق النّائيني- بكون طريقيّة القطع عين ذاته، و لذلك لا يتطرّق إليه الجعل، نظرا إلى أنّ ثبوت الشّي‏ء لنفسه ضروريّ، قال (قدّس سرّه) في مبحث القطع الموضوعي- بعد توضيح أنّ القطع من الصّفات الحقيقيّة ذات الإضافة- ما ينافي ذلك، و إليك نصّ كلامه: «فللعلم جهتان: الاولى: كونه من الصّفات المتأصّلة و له تحقّق واقعيّ؛ الثّانية: كونه متعلّقا بالغير و كاشفا عنه، فقد يكون مأخوذا في الموضوع بلحاظ الجهة الاولى، و قد يكون مأخوذا في الموضوع بملاحظة الجهة الثّانية» (1).

هذا تمام الكلام في الجهة الاولى (طريقيّة القطع).

أمّا الجهة الثّانية (حجّيّة القطع الطّريقيّ) فقد اختلفت آراء بين الأعلام في‏

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2، ص 33.

42

وجه حجّيّة القطع الطّريقيّ، بمعنى: منجّزيّته عند المطابقة و معذريّته عند المخالفة؛ مجموع الأقوال فيه ثلاثة:

الأوّل: بناء العقلاء و قرارهم، فحينئذ تكون قضيّة «القطع حجّة» من المشهورات و القضايا الّتي تطابقت عليها آراء العقلاء، نظير قضيّة «العدل حسن» و «الظّلم قبيح».

فلا يخفى: أنّ منشأ هذا البناء من العقلاء أمران: أحدهما: حفظ النّظام؛ ثانيهما: إبقاء النّوع، و قد أمضاه الشّرع الأنور و لو بعدم الرّدع، فيجب اتّباعه، و هذا كحجّيّة خبر الثّقة أو الظّهور أو الشّهرة أو الإجماع المنقول في الجملة.

القول الثّاني: حكم العقل و إلزامه، بمعنى: أنّه يحكم و يأمر بالعمل على وفق القطع، كما يحكم و يأمر المولى المطاع، بفعل كذا و كذا، تشريعا.

و بعبارة اخرى: العقل يأمر هنا و يوجب العمل بالقطع، و ينهى و يحرّم مخالفته، و يحكم باستحقاق المثوبة عند الموافقة، و العقوبة لدى المخالفة، كما يأمر المولى المطاع و ينهى.

القول الثّالث: كون الحجّيّة من آثار القطع و لوازمه العقليّة الّتي يدركه العقل، بمعنى: أنّ العقل يدرك حسن الموافقة و قبح المخالفة، و يدرك حسن العقوبة و صحّتها في المخالفة، و عدم الحسن و الصّحّة في الموافقة بلا بعث و زجر و بلا إلزام و حكم.

فإذا قطعنا بوجوب شي‏ء، كالصّلاة، أو حرمته، كشرب الخمر شرعا، يدرك عقلنا بعد إحراز ذلك الحكم الشّرعيّ، أنّ موافقته و امتثاله موجب للسّعادة، و أنّ مخالفته و عصيانه موجب للشّقاوة، من دون بعث أو زجر، و من دون أمر أو نهي، إنّما

43

الأمر أو النّهي يكون من ناحية الشّرع، متعلّقا بالصّلاة أو بشرب الخمر. (1)

هذا هي الأقوال في المسألة، و الصّواب هو القول الثّالث، كما يظهر ذلك من المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(2) و باقي الأقوال مردود.

أمّا القول الأوّل: فلأنّ الحجّيّة تكون ثابتة للقطع و لو في زمن لم يكن فيه إلّا واحد من البشر، فلا يعتبر فيها وجود العقلاء فضلا عن قرارهم و بناءهم و تطابق أنظارهم و آراءهم حفظا للنّظام و إبقاء للنّوع؛ على أنّ القطع قد يتعلّق بامور غير دخيلة في النّظام و بقاء النّوع، ككثير من الأحكام الشّرعيّة المتعلّقة بامور عباديّة لا نظاميّة، كالقصاص و الحدود و الدّيات، و لا ماليّة، كالخمس و الزّكاة.

و أمّا القول الثّاني: فلأنّ العقل مطلقا لا شأن له إلّا الإدراك فقط، نظريّا كان أو عمليّا، فلا حكم له و ليس هو بآمر و ناه أو باعث و زاجر، ثمّ إنّه قد انقدح ممّا اخترناه من القول الثّالث، أنّ حجّيّة القطع لا تكون بجعل جاعل، كطريقته و إن كانت من آثار وجوده، فالقطع واجب الحجّيّة، ممتنع اللّاحجيّة، و ما عن الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) من قوله: «إنّ آثار الوجود مطلقا مجعولة» (3) و قوله: «و أمّا الوجود فلم يكن في بقعة الإمكان شي‏ء منه غير معلّل» و قوله: «بل لازم الوجود أي الّذي من سنخ الوجود مطلقا مجعول معلّل» (4) ممنوع بما ورد عن القوم من أنّ «الذّاتي لا يعلّل» فإنّ‏

____________

(1) و بالجملة: إنّ القضايا العقليّة، كالقضايا العقلائيّة، من المشهورات باصطلاح الميزان الّتي تطابقت عليها آراء العقلاء و تسالموا عليها حفظا للنّظام و إبقاء للنّوع، فكما لا حكم و لا بعث و لا زجر في القضايا العقلائيّة، كذلك لا حكم و لا إلزام من العقل في القضايا العقليّة.

(2) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 8.

(3) تهذيب الاصول: ج 2، ص 85.

(4) أنوار الهداية: ج 1، ص 74 و 75.

44

مقصودهم هو أنّ الذّاتى لا يحتاج إلى علة اخرى وراء علّة الذّات و لا إلى عليّة اخرى، و لا تأثير آخر و لو من ناحية علّة الذّات، بل ينجعل بنفس جعل الذّات لكونه ممّا لا يمكن انفكاكه عن الذّات، و عليه، فاللّازم مطلقا و لو كان لازم الوجود لا يكون معلّلا، بل ينجعل بجعل الملزوم. هذا تمام الكلام في الجهة الثّانية.

أمّا الجهة الثّالثة (إمكان الرّدع عن العمل بالقطع و عدم إمكانه) فالتّحقيق:

أنّه لا مجال للمنع الشّرعيّ عن العمل بالقطع و تأثيره، إذ هذا نظير المنع التّشريعيّ عن تأثير النّار و الماء في الحرارة و البرودة، فكما أنّه لا يعقل هناك، فكذلك المقام.

على أنّه يلزم من المنع، اجتماع الضّدّين، إمّا في الاعتقاد، سواء أصاب أم لم يصب، أو في الواقع إذا أصاب، هذا بناء على القول بتضادّ الأحكام، كما ذهب إليه المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1) أو يلزم منه اجتماع الإرادتين المختلفتين على مراد واحد، كاجتماع إرادة الحتميّة الإيجابيّة مع التّحريميّة بالنّسبة إلى «صلاة الجمعة» مثلا، و هذا بناء على عدم تضادّ الأحكام، لكونها امورا اعتباريّة لا حقائق خارجيّة، كما ذهب إليه الإمام الرّاحل (قدّس سرّه)(2).

هذا، و لكن قد يقال: إنّ الظّنّ القياسيّ- بناء على الانسداد و كون نتيجة مقدّمات الحكمة، هي الحكومة- يكون كالقطع في وجوب المتابعة و الآثار الأخر، مع أنّ الشّرع الأنور منع من العمل به، و الأصحاب متسالمون على بطلان العمل بالقياس و يقولون: «أمّا القياس فليس من مذهبنا»، و لم يقل أحد بعدم جواز المنع،

____________

(1) راجع، كفاية الاصول: ج 2، ص 8.

(2) راجع، تهذيب الاصول: ج 2، ص 85.

45

و بلزوم اجتماع الضّدّين، أو الإرادتين المختلفتين هناك، فلم يقولون: بعدم جوازه و بلزوم ما ذكر من المحذور هنا.

و فيه: أنّه لا مجال لمقايسة القطع بالظّنّ القياسيّ؛ إذ الحجّيّة و المنجّزيّة في القطع- لتماميّة الانكشاف فيه و عدم المجال لتطرّق الجعل و الاعتبار- تكون تنجيزيّة، فلا يمكن تعلّق الرّدع الشّرعيّ به، و هذا بخلاف الظّنّ القياسيّ، فحجّيّته و منجّزيّته- لكون كشفه ناقصا و إمكان تطرّق الجعل و الاعتبار إليه- تكون تعليقيّة منوطة بعدم ورود ردع شرعيّ على خلافه، فلا حجّيّة له مع الرّدع.

و لقد أجاد شيخنا الاستاذ الآملي (قدّس سرّه) فيما أفاده في المقام، حيث قال في تقريب وجه عدم صحّة المقايسة، ما هذا لفظه: «لأنّ حكم العقل بوجوب متابعة الظّنّ تعليقيّ، منوط بعدم حكم الشّرع على خلافه، فلا حكم للعقل بوجوب المتابعة بعد ما ورد عن الشّارع عدم جوازها، و هذا بخلاف القطع، و الفرق أنّ القطع كشف تامّ و هو المنجّز تنجيزا، و أمّا الظّنّ هو كشف ناقص، بمعنى: أنّ الحكم العقليّ فيه يكون في طول الحكم الشّرعيّ و هو المنجّز تعليقا، و مفاده أنّه يجب متابعة الظّنّ لو لم يكن هناك حكم شرعيّ على خلافه» (1).

____________

(1) تقريرات بحوثه (قدّس سرّه) القيّمة بقلم الرّاقم.

46

التّجرّي‏

الأمر الرّابع: التّجرّي‏

يقع البحث عن التّجرّي في جهات أربعة:

الجهة الاولى: في الاحتمالات المتصوّرة في المسألة و هي ثلاثة:

الاحتمال الأوّل: مسألة التّجري اصوليّة.

الاحتمال الثّاني: أنّها فقهيّة.

الاحتمال الثّالث: أنّها كلاميّة.

الجهة الثّانية: في أنّ المتجرّي، هل يستحقّ العقوبة كالعاصي، أم لا؟

الجهة الثّالثة: في أنّ الفعل المتجرّى به، هل يخرج عمّا كان هو عليه لو لا التّجرّي، أم لا؟

الجهة الرّابعة: في أقسام التّجرّي.

أمّا الجهة الاولى: ففي احتمال كون المسألة اصوليّة- نظرا إلى أنّه تقع نتيجة البحث عن التّجرّي في طريق استنباط الحكم الفرعيّ- تقاريب أربعة:

التّقريب الأوّل: أنّ البحث عنه راجع إلى أنّ التّجرّي، هل يوجب تغيّر الواقع و انقلابه عمّا كان عليه و تعنونه بعنوان «المبغوض و الحرام» شرعا، أم لا؟

و إن شئت، فعبّر: أنّ البحث عنه راجع إلى أنّ الفعل المتجرّى به، هل يصير حراما و مبغوضا، أم لا؟ و أنت ترى، أنّ نتيجة هذا البحث هو استنباط الحكم الفرعي و هي الحرمة، فيقال: هذا عمل متجرّى به، و كلّ عمل متجرّى به حرام، فهذا حرام.

47

و فيه: أنّ البحث لو كان كذلك، لكانت المسألة فقهيّة، نظير البحث في أنّ غليان العصير العنبيّ، هل يوجب حرمته، أم لا؟ أو هل يوجب نجاسته، أم لا؟ إذ لا يخفى عليك، أنّ البحث في كلتا المسألتين يكون عن أحكام فعل المكلّف.

التّقريب الثّاني: أنّ البحث عن التّجرّي صورته هكذا، هل يكون فعل الشّي‏ء المقطوع حرمته، قبيحا للتّجرّي، أم لا؟ فإذا حكم بالقبح عقلا، وصل الدّور إلى الملازمة و الحكم شرعا بالحرمة من باب أنّ «كلّ ما حكم به العقل، حكم به الشّرع» فالبحث حينئذ يكون عن الملازمة، فيندرج في الاصول، كسائر موارد الملازمات العقليّة المستقلّة و غير المستقلّة، من مسائل الإجزاء و مقدّمة الواجب و اجتماع الأمر و النّهي و دلالة النّهي على الفساد و الضّدّ.

و قد اورد على هذا التّقريب أوّلا: بأنّ قاعدة الملازمة غير تامّة؛ إذ ربما يدرك العقل قبح شي‏ء و يراه شرّا مكروها، و هو حسن و خير واقعا، ملائم مطلوب حقيقة، كما ربما يعكس الأمر، فيدرك العقل حسن شي‏ء و يراه خيرا مطلوبا، و هو قبيح و شرّ واقعا، و إلى هذا أشار قول اللّه تعالى: عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ‏ (1).

و السّر فيه: قصور العقل و عدم علمه و إدراكه المحيط النّافذ، كما أشار إليه الكتاب و هو قول اللّه عزّ و جلّ في ذيل الآية المتقدّمة: وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ*، و كذا السّنة و هو ما ورد في الأخبار: «إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول» (2).

____________

(1) البقرة (2)، الآية 216.

(2) مستدرك الوسائل: ج 17، ص 262.

48

و ثانيا: لو تمّت القاعدة (1)، لكانت في محور علل الأحكام و مباديها، من المصالح و المفاسد، فلو حكم العقل و أدرك مصلحة تامّة ملزمة كامنة في فعل بلا مزاحم، حكم الشّرع- أيضا- بوجوبه، كما أنّه لو أدرك مفسدة تامّة ملزمة كامنة بلا مزاحم، حكم الشّرع- أيضا- بحرمته، و أمّا محور معاليل الأحكام، كحسن الإطاعة و الإتيان و قبح المخالفة و العصيان، فلا ملازمة في البين.

و لا يخفى: أنّ التّجرّي كالعصيان- أيضا- يكون في محور المعاليل، فتنتفي الملازمة بين حكم العقل بقبح التّجرّي، و بين حكم الشّرع بحرمته؛ و لأجل ذا لا يندرج مسألة التّجرّي في باب الملازمات العقليّة المبحوث عنها في علم الاصول كي يوجب ذلك كونها من المسائل الاصوليّة.

و الوجه في عدم الملازمة هنا لزوم التّسلسل، كما هو الوجه في عدم الملازمة في باب العصيان.

توضيحه: أنّه لو قلنا: بثبوت الملازمة في باب العصيان، بمعنى: تعلّق النّهي المولويّ الشّرعيّ المستكشف من حكم العقل بقبح العصيان، لزم أن يكون مخالفة ذلك النّهي قبيحا عقلا و منهيّا شرعا- أيضا- بقاعدة الملازمة، فيجي‏ء نهي آخر ثان، و هذا الثّاني- أيضا- مخالفته قبيح عقلا موجبة للعقوبة، فتكون منهيّا شرعا- أيضا- بقاعدة الملازمة فيجي‏ء نهي آخر ثالث، و هكذا حتّى يتسلسل.

و هذا الكلام بعينه يجري في باب التّجرّي- أيضا- ضرورة، أنّه إذا حكم العقل بقبح التّجرّي- لما فيه من الجرأة على المولى- فمقتضى الملازمة هو تعلّق النّهي الشّرعيّ المولويّ به.

____________

(1) راجع، تهذيب الاصول: ج 2، ص 85.

49

و لا ريب: أنّ التّجرّي بالنّسبة إلى هذا النّهي- أيضا- قبيح عقلا فيكون منهيّا شرعا بحكم الملازمة، فيجي‏ء هنا نهي آخر ثان و هذا الثّاني- أيضا- يحكم العقل بقبح التّجرّي، فيكون حراما شرعا فيجي‏ء نهى آخر ثالث و هكذا.

و ثالثا: أنّ قاعدة الملازمة ليست مبحوثا عنها هنا كي يندرج المقام في المسألة الاصوليّة؛ إذ المبحوث عنه هنا هي مسألة أنّ التّجرّي، هل يكون قبيحا، أو لا؟ و هذا أجنبيّ عن المسألة الاصوليّة، لكونه بحثا عن مباديها.

التّقريب الثّالث: أنّ البحث عن التّجرّي راجع إلى أنّه، هل يوجب تحقّق مفسدة في الفعل المتجرّى به فيستتبع حكما شرعيّا مولويّا و هي الحرمة، أم لا؟

فمقتضاه هو كون المسألة من المسائل الاصوليّة؛ لوقوع نتيجتها في استنباط الحكم الشّرعيّ الفرعيّ.

و فيه: أنّ البحث عن التّجرّي بالنهج المذكور هو بعينه، بحث عنه في الجهة الثّالثة الآتية و هي، هل الفعل المتجرّى به يخرج بالتّجرّي عمّا كان عليه بدونه، أم لا؟

أو هل التّجرّي يغيّر الفعل المتجرّى به و يخرجه عمّا هو عليه فيجعله ذا مفسدة بعد أن لم يكن كذلك، أم لا؟ أو هل التّجرّي يكون من العناوين الثّانويّة المولّدة المستتبعة للأحكام الشّرعيّة، كعنوان الاستشفاء في الخمر الموجب لحلّيّته، أم يكون من العناوين القصديّة غير المولّدة، بمعنى: غير المغيّرة للواقع عمّا هو عليه، كالتّعظيم و الإهانة بالنّسبة إلى القيام و نحوه؟ و سيجي‏ء التّحقيق في ذلك إن شاء اللّه.

التّقريب الرّابع: ما ذكره المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) و جعله من مستندات القائل باستحقاق المتجرّي للعقاب، محصّله‏ (1): أنّ البحث عن التّجرّي صورته هكذا، هل‏

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 37.

50

الخطابات الشّرعيّة الأوليّة تعمّ صورتي مصادفة القطع للواقع و مخالفته، أم لا؟

وجهان: فعلى الأوّل: يندرج المتجرّي في عموم الخطابات الشّرعيّة حقيقة؛ و على الثّاني لا يندرج، كما هو واضح، فالبحث حينئذ يكون عن عموم الخطابات و عدمه، فيصير اصوليّا.

و فيه: أنّ البحث الاصوليّ و المسألة الاصوليّة في الإطلاقات أو العمومات، ليس إلّا عن حجّيّتها، و مرجعه إلى البحث عن حجّيّة الظّهورات، فيقال- على نحو مفاد كان النّاقصة- يكون العموم أو الإطلاق حجّة؛ أو يقال- على نحو الهليّة المركّبة- هل العموم أو الإطلاق حجّة، أم لا؟

و أمّا البحث عن مفاد الإطلاق أو العموم أو عن وجودهما في مورد على نحو مفاد «ما الشّارحة» أو «الهليّة البسيطة» فليس اصوليّا، كما هو واضح، فهل يمكن أن يقال: مثلا، إنّ البحث عن شمول إطلاق: (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) للبيع الفعليّ و هو المعاطاة و عدم شموله له يكون اصوليّا؟ أو يقال: مثلا، إنّ البحث عن شمول عموم: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) للبيع المنعقد بلفظ غير عربيّة و عدم شموله له، يكون اصوليّا؟

و لقد أجاد الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) فيما أفاده في المقام، ردّا على مقالة المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) حيث قال: «فيه ما لا يخفى: فإنّ دعوى إطلاق الخطاب و عمومه لا يدرج المسألة في سلك المسائل الاصوليّة، فإنّها بحث صغرويّ مندرج في الفقهيّات، و قد عرفت: أنّ المسائل الاصوليّة هي الكبريات المستنتجة لكلّيّات الفروع، كالبحث عن حجّيّة أصالة العموم و الإطلاق، لا البحث عن شمولهما لموضوع؛ و لو كان البحث الكذائي من المسائل الاصوليّة، للزم إدراج جلّ المسائل الفقهيّة في الاصول، فإنّه قلّما يتّفق في‏

51

مسألة من المسائل الفقهيّة أن لا يقع البحث عن الإطلاق و العموم بالنّسبة إلى بعض الموضوعات المشكوكة، و لعمري أنّ ما وقع منه لا يخلو من غرابة» (1).

هذا كلّه في الاحتمال الأوّل (كون المسألة اصوليّة).

الاحتمال الثّاني (كون المسألة فقهيّة) فقد انقدح ممّا ذكرنا: من أنّ قاعدة الملازمة بين الحكم العقليّ و الحكم الشّرعيّ لو تمّت، لكانت في سلسلة المبادي و العلل لا المعاليل، و أنّه لا يعقل كون المسألة فقهيّة بأن يبحث و يقال: هل التّجرّي حرام شرعا، أم لا؟ لما عرفت من لزوم تعدّد العقوبة و لزوم التّسلسل.

الاحتمال الثّالث (كون المسألة كلاميّة) لا يخفى: أنّ هذا الاحتمال له مجال واسع؛ ضرورة، أنّ البحث عن التّجرّي راجع حقيقة إلى البحث عن القبح و استحقاق الذّم و العقوبة و عدمهما، و هذا بحث كلاميّ.

هذا تمام الكلام في الجهة الاولى (احتمال كون المسألة اصوليّة أو فقهيّة أو كلاميّة).

أمّا الجهة الثّانية (أنّ المتجرّي، هل هو كالعاصي يستحقّ العقوبة، أم لا؟) فنقول:- بعد تتّبع الأقوال و التّفكّر فيها كثيرا- إنّ التّجرّي لا يستلزم العقوبة نوع عقوبة العاصي، و لا يستلزم الجحيم و النّار نحو جحيم العاصي و ناره.

توضيح ذلك: أنّ التّجرّي و المعصية بينهما جهة اشتراك و هي الجرأة على المولى و الخروج من رسم العبوديّة و العزم على العصيان و أمثال هذه العناوين؛ و جهة امتياز و هي انطباق عنوان المخالفة على المعصية دون التّجرّي.

____________

(1) أنوار الهداية: ج 1، ص 47.

52

و لا ريب: أنّه لو فرض حكم العقل بقبح التّجرّي و استحقاق العقوبة عليه، فلا بدّ أن يكون هذا الحكم بملاك مشترك بينه و بين المعصية، كأحد العناوين المتقدّمة، لا بملاك يختصّ بالتّجرّي و يمتازه عن المعصية و هو عدم انطباق عنوان المخالفة عليه.

و من الواضح: أنّه لو كانت الجهة المشتركة بينهما ملاكا مستقلّا للقبح و استحقاق العقوبة، لزم القول بتعدّد الاستحقاق في صورة المصادفة و تحقّق المعصية؛ و ذلك، لأنّ معصية المولى ممّا لا ريب في كونه علّة مستقلّة للقبح و الاستحقاق، فإذا لو قلنا: بكون الجهة المشتركة- أيضا- علّة مستقلّة، يوجب ذلك، اجتماع العلّتين لاستحقاق العقوبة في صورة العصيان، فيتعدّد الاستحقاق، و هذا ممّا لم يقل به أحد.

و نتيجة ذلك؛ أنّ التّجرّي ليس كالعصيان، و المتجرّي ليس كالعاصي في استحقاق العقوبة.

نعم، هنا بحوث دقيقة عقليّة، تنتج تعدّد الاستحقاق حسب تعدّد عوالم النّار و الجنّة بتعدّد ما في الإنسان من الأعمال و الأخلاق و العقائد الحقّة أو الباطلة، فيمكن أن يكون للتّجرّي عقاب مناسب له، لكنّها لا تسعها المباحث الاصوليّة، فراجع إلى محالّها و مظانّها المعهودة.

فتحصّل: أنّ ملاك العقوبات هي مخالفة المولى في أوامره و نواهيه و هو تمام الموضوع في التّقبيح و التّعذيب؛ و أنت ترى، أنّ هذا ملاك مختصّ بالعصيان، لا مشترك بينه و بين التّجرّي كي يقال: باستحقاق العقوبة فيه، أيضا. (1)

هذا، و لكن خالف المحقّق العراقي (قدّس سرّه) في ذلك، فقال: «تمام المناط في القبح‏

____________

(1) راجع، تهذيب الاصول: ج 2، ص 89 و 90.

53

الفعليّ و استحقاق العقوبة، إنّما هو عنوان الطّغيان المنطبق على الإقدام على ما اعتقد كونه مبغوضا للمولى و معصية له، الأعمّ من المصادف و غيره» (1).

و حاصل كلامه (قدّس سرّه): هو أنّ تمام الموضوع في التّقبيح و التّعذيب هي الجهة المشتركة بين العصيان و التّجرّي و هي عنوان الهتك أو الطّغيان أو الجرأة أو العزم على العصيان أو نحوها، لا الجهة المميّزة و هي مخالفة المولى في صورة المصادفة و تحقّق المعصية، كما صرّح (قدّس سرّه) بذلك في موضع آخر من كلامه (قدّس سرّه) فقال: «إنّ التّقبيح و العقوبة إنّما يكونان على عنوان التّمرّد و الطّغيان و إبراز الجرأة على المولى الّذي هو جامع بين التّجرّي و العصيان، لا على خصوص عنوان التّجرّي أو العصيان» (2).

و قد عرفت ما فيه من الإشكال على ما قال به الإمام الرّاحل (قدّس سرّه) من أنّه:

«لا إشكال في حكم العقل بقبح مخالفة أمر المولى و نهيه مع الاختيار، و العقلاء مطبقون على صحّة المؤاخذة على مخالفة المولى بترك ما أمره و ارتكاب ما نهي عنه.

و لا ريب: أنّ تمام الموضوع في التّقبيح هو المخالفة فقط من غير نظر إلى عناوين آخر كهتكه ... كما أنّها تمام الموضوع- أيضا- عند العقلاء ...» (3).

و بالجملة: لا دخل و لا موضوعيّة لمثل الهتك، أو الخروج عن رسم العبوديّة أو العزم على العصيان أو نحوها، في استحقاق العقوبة، بل الهتك ليس من لوازم التّجرّي و المعصية؛ و أمّا العزم على العصيان فهو من الأفعال الجنانيّة الموجبة لاستحقاق الملامة و المذمّة، لا المؤاخذة و العقوبة المترتّبة على المعصية، و قد أشرنا

____________

(1) نهاية الأفكار: ج 3، ص 31.

(2) نهاية الأفكار: ج 3، ص 35.

(3) تهذيب الاصول: ج 2، ص 89 و 90.

54

إلى تعدّد عوالم النّار الّتي توجب تعدّد استحقاق العقاب و هي مسألة اخرى لا يسعها البحوث الاصوليّة.

ثمّ إنّ المحقّق النّائيني (قدّس سرّه) تمسّك بوجه آخر لإثبات أنّ المتجرّي لا يستحق العقوبة، كما يستحقّها العاصي، حاصله: أنّ دعوى استحقاق المتجرّي للعقاب، منوطة بدعوى اخرى و هي دعوى وحدة المناط لاستحقاق العقاب في المتجرّي و العاصي و هو القبح الفاعليّ، سواء كان هناك قبح فعليّ- أيضا- أم لم يكن؛ و أنت ترى، أنّ المناط في استحقاق العقاب و إن كان هو القبح الفاعليّ، لكنّه ليس مناطا مطلقا، بل مختصّ بما إذا كان متولّدا من القبح الفعليّ، و أمّا المتولّد من سوء السّريرة فلا، و كم فرق بينهما؟ (1)

و فيه: أوّلا: أنّ دعوى وحدة المناط لاستحقاق العقاب في المتجرّي و العاصي ممنوعة؛ إذ المدّعي للاستحقاق في التّجرّي، إنّما يقول به: بمناط هتك الحرمة أو الجرأة على المولى أو الخروج عن زيّ العبوديّة أو نحوها من سائر العناوين و لو لم تتحقّق المصادفة، بخلاف الاستحقاق في العاصي، فإنّه بملاك المخالفة للأوامر أو النّواهي المجعولة، كما لا يخفى.

و ثانيا: لو سلّم ذلك، لما كان الفرق بين القبح الفاعليّ المتولّد من القبح الفعليّ، و بين القبح الفاعليّ المتولّد من سوء السّريرة و خبث الباطن؛ إذ التّجرّي عند مدّعي الاستحقاق عنوان مستقلّ و موضوع برأسه من أيّ منشأ نشأ و حصل، فلا يجدي عنده ذلك الفرق.

____________

(1) راجع، فوائد الاصول: ج 3، ص 49.