مقالات حول مباحث الألفاظ

- السيد علي الموسوي البهبهاني المزيد...
192 /
1

[المقدمة]

مقالات حول مباحث الالفاظ تأليف العلامة المحقق آية اللّه الحاج السيد على الآقا البهبهانى (ادام اللّه ظله) طبع باهتمام مكتبة البوذرجمهرى (المصطفوى چاپ بوذرجمهرى مصطفوى‏

2

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على اعدائهم اجمعين‏

اما بعد فيقول العبد المفتقر الى اللّه الغنى على بن محمد بن على الموسوى البهبهانى حشرهم اللّه مع آبائهم الطاهرين (سلام اللّه عليهم اجمعين) ان هذا مختصر فى اصول الفقه يميز الشراب من لا مع السراب و القشر من اللباب رتبته على مقدمة و مقاصد اما المقدمة ففى امور

الاول ان اصول الفقه ليس فنا مستقلا

على منوال سائر الفنون حتى يكون له موضوع واحد ترجع اليه مسائله و يصير فنا واحدا و انما هى مركبة من مسائل مختلفة يتوقف عليها الفقه مما لم يذكر فى سائر الفنون او لم يستوف حقه فيها فهى مقدمة للفقه و لا تتميز عن سائر الفنون الا فى جهة الاختصاص به من حيث التدوين و التمهيد كما يشعر به اخذهم التمهيد لاستنباط الاحكام فى حده مائزا له و اضافة الاصول اليه ضرورة ان اضافتها اليه ليست باعتبار الاختصاص الذاتى اذ اغلب مسائلها كما يترتب عليها استنباط حكم الشرع يترتب عليها استنباط مراد المتكلم مطلقا فاختصاصها به انما هو من حيث التدوين له‏

3

توضيح ذلك ان المسائل المختلفة لا تندرج تحت فن واحد ما لم يجمعها جامع واحد ترجع اليه مختلفاتها و الصالح لذلك عندهم اشتراكها فى العروض على موضوع واحد فجعلوه ميزانا له و ادرجوا المسائل الراجعة الى موضوع واحد تحت فن واحد و قالوا تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و حيث ان الموضوع قسمان اولى معروض للمحمول بلا واسطة و ثانوى معروض له بواسطة فصاعدا و اعتباره على الوجه الاول مستلزم لصيرورة كل مسئلة فنا مستقلا باعتبار اختلاف المسائل فى الموضوعات الاولية و على الوجه الثانى او الاعم لا يكون ضابطا لاستلزام جواز اخذ الفنون الادبية الباحثة عن احوال اللفظ فنا واحدا لرجوع جميع مباحثها اليه و لو بوسائط و اخذ كل منها فنا مستقلا باعتبار ان الموضوع فى كل منها عنوان مغاير للعنوان الآخر فان بعضها باحث عن المعرب و المبنى و بعضها عن الصحيح و المعتل و بعضها عن الفصيح و البليغ و هكذا و اخذ كل مسئلة فنا باعتبار مغايرة موضوع كل منها لموضوع الاخرى اعتبروه اعم من الاول و اخص من الثانى فخصوه بمعروض العوارض الذاتية و قالوا موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية و فسروها بالعارض بلا واسطة او بواسطة امر مساو فالمسائل العارضة على موضوع واحد عروضا ذاتيا تندرج تحت فن واحد دون العوارض الغريبة و هى ما يعرض الشي‏ء بواسطة امر اعم او اخص‏

كشف الحال انهم قسموا العوارض الى اربعة اقسام ما يعرض الشى‏ء بلا واسطة و ما يعرضه بواسطة امر مساو او اعم او اخص و سموا القسمين الاولين بالعوارض الذاتية لاختصاصهما بالذات و الاخيرين بالغريبة و الغرض من الواسطة الواسطة فى العروض لا فى الثبوت و لذا حصروا الواسطة فى‏

4

الاقسام الثلاثة و قد غفل صاحب القسطاس فزاد قسما رابعا و ادرجه فى الغريبة و هو ما يعرض الشي‏ء بواسطة امر مباين ممثلا له بالماء المسخن بالشمس او النار و قد استصوب ما ذكره شارح المطالع و خطاء فى المثال و تبعه المحقق الشريف و لم يتنبهوا ان المراد من الواسطة الواسطة فى العروض لا فى الثبوت و هى منحصرة فى الاقسام الثلاثة و لا يعقل ان تكون مباينة و لو كان المراد منها الواسطة فى الثبوت لزم حصرها فى المباين لان العلة تباين المعلول و الموضوع ابدا فتربيع الاقسام باطل على كل حال مع ان توسط الواسطة فى الثبوت لا ينافى مع كون العروض ابتدائيا و المعروض معروضا اوليا فلا توجب ان يكون العارض غريبا ح و لا يجوز ان يراد منها ما يعمهما و إلّا لزم ان يكون العارض بواسطة امر مساو كالتعجب داخلا فى الذاتى من حيث ان عروضه على الانسان بواسطة امر مساو له فى العروض و هو المدرك للامور المعجبة و معدودا من الغريبة بواسطة ان ثبوته له بواسطة امر مباين له و هو ادراك الامور المعجبة اذ كل عنوان يكون واسطة فى العروض يكون مبدؤه واسطة فى الثبوت و مباينا مع المعروض و ان كان العنوان المتخذ منه متحدا معه و محمولا عليه‏

و قد اتضح بما بيناه ان عروض العوارض بواسطة فى العروض مطلقا تحقيقى ضرورة ان العارض بواسطة امر صادق على المعروض مساويا كان او اعم او اخص نعت له حقيقة لان الصادق على الصادق على الشى‏ء صادق عليه تحقيقا و محمول المحمول محمول حقيقة فما توهمه السيد الشريف من ان العارض بواسطة فى المعروض من قبيل الوصف بحال المتعلق غلط و كانه توهم ان المراد من الواسطة فى العروض ما كان واسطة فى نسبة العرض الى الشى‏ء مجازا كوساطة السفينة فى نسبة الحركة الى جالسها

5

توسعا و لم يتنبه انه لا يلائم ذلك مع تقسيم الواسطة الى مساوية و اعم و اخص فان وساطة المناسب باحدى النسب الثلاثة انما تجامع مع الاتصاف الحقيقى لا المجازى و قد خفى معنى العارض الذاتى و حقيقة الواسطة فى العروض على كثير من المتاخرين فقد حكى عن بعض انه جعل مدار الذاتى على مجرد اتحاد العارض مع المعروض و صدقه عليه فى الخارج و لو كان العروض بواسطة فى العروض و هو مستلزم لاختلاط الفنون و عدم الضبط كما عرفت و عن بعض آخر انه عبارة عما يعرض الشى‏ء بلا واسطة فى العروض اصلا و هو مستلزم لاخراج كثير من مسائل الفنون منها و عن بعض آخر انه عبارة عن العارض بلا واسطة او بواسطة امر مساو او اخص فحصر الغريب فى العارض بواسطة امر اعم و هو موجب لعدم الضبط اذ يصح ح جعل النحو و الصرف و سائر العلوم الادبية فنا واحدا و جعل موضوعه اللفظ العربى باعتبار عروض العوارض المبحوث عنها فى الفنون المذكورة عليه بوسائط اخص هذا بالنسبة الى الذاتى‏

و اما الواسطة فى العروض فقد فسرها بعضهم بما يكون واسطة فى الاتصاف مجازا كما يظهر من السيد الشريف و من تبعه و قد عرفت فساده و عن بعض آخر انه ان ترتبت الواسطة فى الثبوت يكون العارض عارضا بواسطة فى العروض و إلّا فلا فقال الانسان معروض لادراك الكليات بلا واسطة فى العروض و الثبوت معا و معروض للتعجب بواسطة فى الثبوت لا العروض و هى ادراك الكليات و معروض للضحك بواسطة فى العروض لان واسطة عروضه تحتاج الى واسطة اخرى فى الثبوت ايضا فالميزان ان العارض ان احتاج الى واسطة غير محتاجة الى واسطة اخرى فالواسطة فى الثبوت و إلّا ففى العروض‏

6

و هو فى غاية الغرابة لان العارض ان دار مدار المبدا الذى هو واسطة فى الثبوت حدوثا و بقاء فالعنوان المأخوذ منه المنطبق على الذات واسطة فى العروض تعددت الواسطة فى الثبوت ام لا و إلّا فالذات معروضة للعرض ابتداء سواء كانت فى البين واسطة فى الثبوت متحدة او متعددة ام لم تكن فالتفصيل بين ترتب الواسطة و عدمه باطل على كل حال فالميزان فى الواسطة فى العروض هو دوران العارض مدار العنوان المأخوذ من المبدا حدوثا و بقاء لا تعدد الواسطة فى الثبوت‏

و اذا اتضح لك حقيقة العارض الذاتى و ان المدار فى تمايز الفنون على تمايز الموضوعات اى المعروضات بالعوارض الذاتية

فاعلم انه قد تنطبق على محل واحد موضوعات متعددة كموضوعات العلوم الادبية المنطبقة على الكلمة و لا ينافى تصادقها على محل واحد مع تمايزها فى حد انفسها فنبهوا على ذلك بقولهم و تمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات يعنى ان الموضوعات هى الحيثيات المجتمعة على محل واحد لا محل تصادقها حتى يتوهم رجوع الموضوعات الى موضوع واحد و قد خفى هذا المعنى على بعضهم فصدر منه ما يقتضى العجب‏

ثم ان هاهنا اشكالا مشهورا و هو ان المبحوث عنه فى العلوم غالبا الامور اللاحقة للانواع و الاصناف و العارض بواسطة الاخص غريب سواء كان نوعا ام صنفا

و اجيب عنه بوجوه مدخولة سوى الاخير منها ما ذكره بعض المحققين و محصله ان الوسائط المزبورة انما هى وسائط فى الثبوت لا العروض فلا تضر الاخصية و هو واضح الفساد ضرورة ان الرفع و النصب و الجر يدور مدار عنوان الفاعل و المفعول و المضاف اليه و ما فى حكمها حدوثا و بقاء

7

و كذا الوجوب و الحرمة و الندب و الكراهة و الاباحة تدور مدار عناوين الافعال حدوثا و بقاء و فعل المكلف انما يعرضه الاحكام المذكورة باعتبار عناوينها من الصلاة و الزكاة و الرباء و الزنا و هكذا

فان قلت العناوين لا استقلال لها فى الوجود و انما توجد فى الخارج بوجود ما تنطبق عليه فكيف يصير موضوعا للاحكام‏

قلت مرجع الوضع و الحمل الى اتحاد الموضوع و المحمول و صدقه عليه و من المعلوم ان الصدق و الاتحاد لا يتوقف على استقلال الموضوع فى الخارج و إلّا لزم ان لا يكون فعل المكلف محكوما بحكم من الاحكام لعدم استقلاله فى الوجود

و منها ما احتمله بعض من اندراج العارض بواسطة الاخص فى الذاتى و قد عرفت ضعفه و اغرب من الجميع ما زعمه بعض آخر من ارتفاع الاشكال باعتبار قيد الحيثية فى موضوع العلم الموجب لانطباقه عليها بنحو العينية بالحمل الشائع الصناعى فاوضحه بماء محصله ان المبحوث عنه فى النحو مثلا ليس عوارض الفاعل بما هو فاعل ككونه متقدما فى الرتبة على المفعول بل عوارضه بما هو معرب فيكون عوارضه عوارض ذاتية لموضوع العلم و خصوصية الفاعلية و المفعولية و الاضافة ملغاة فى هذه المرحلة و هو واضح الفساد ضرورة ان المبحوث عنها و هى انواع الاعراب انما هى عوارض الفاعل و المفعول و المضاف اليه من حيث الخصوصية فكيف تكون العناوين المزبورة ملغاة فى هذه المرحلة و هل استحقاق الفاعل الرفع الا كاستحقاقه التاخر عن الفعل من لو احق العنوان و احسن الاجوبة ما ذكره شيخنا العلامة اعلى اللّه مقامه من ان المبحوث عنه هو الموضوع لا المحمول فان البحث عن الشى‏ء عبارة عن استعلام احواله فمعنى البحث عن العوارض‏

8

الذاتية جعلها عناوين للابحاث فان الفاعل و المفعول و المضاف اليه و غيرها اعراض ذاتية للكلمة و لا ينافيه البحث عن نفس الموضوع فى بعض المسائل فانه اكتفاء باقل المراتب و كيف كان لا توزن مسائل اصول الفقه بهذا الميزان و لا ترجع الى موضوع واحد و ما اشتهر من رجوع مسائله الى ادلة الفقه فاسد لانه ان اريد منها دليل الفقه بوصف انه دليل كما هو الظاهر ففيه ان مسائلها كلها باحثة عن الحالات المقدمة على الدليل الا مبحث التعارض اما مباحث الالفاظ فلانها باحثة عن مفردات الفاظ معدودة من حيث هى او عن مفاد مركبات منها مع قطع النظر عن ورودها فى مقام الدلالة على الحكم الشرعى‏

و اما مباحث الادلة فمنها باحثة عن انطباق وصف الدليل كالبحث عن ملازمة الحكم العقلى للحكم الشرعى و عن حجية الخبر الواحد و الاجماع.

و منها باحثة عن وجود الدليل كالبحث عن حجية البراءة و الاستصحاب فان البحث فيهما عن ثبوت الاصل لا عن حجيته ضرورة ان الاصل بعد ثبوته يكون حجة فلم يبق فى البين الا مبحث التعارض و قد جعله الاكثر خاتمة للمقاصد و ما ذكره شيخنا العلامة الانصارى قده من رجوع البحث عن حجية الخبر الى البحث عن ان السنة هل تثبت به فى غير محله لانه مجرد تغيير للعبارة ضرورة ان حجية الخبر لا تحدث وصفا فى السنة فكونها ثابتة بالخبر وصف فيه فانه هو الذى صار بمنزلة الدليل العلمى أ ترى ان البحث عن ان السناء مسهل ام لا بحث عن حال شاربه او البحث عن ان زيدا عالم بالفقه بحث عن حال المراجعين اليه و مقلديه و هكذا كلا ثم كلا و اما ما اورده بعضهم عليه من ان البحث عن ثبوت السنة بالخبر بحث‏

9

عن وجود الدليل لا عن حالاته لانه بحث عن مفاد كان التامة فخلط منه بين الثبوت بمعنى الانكشاف و الثبوت بمعنى الوجود الخارجى و الحاصل من الخبر على فرض حجيته انما هو الانكشاف و هو من الحالات المتاخرة عن الوجود و من العجب انه فصل ثانيا بين الثبوت التعبدى و التحقيقى و التزم بان الاول وصف فى الخبر دون الثانى ضرورة ان الكشف تحقيقيا كان ام تنزيليا وصف و شأن للدليل لا المدلول و لو لا ان الكشف التحقيقى كان وصفا للدليل لم يكن مجال لجعل التنزيلى وصفا له ضرورة ان المنزل قائم مقام الاصل فالتفصيل بينهما غير معقول‏

فان قلت لا يبحث الاصولى عن مفاد الفاظ مفردة او مركبة الا من حيث وقوعها فى ادلة الفقه فالموضوع مقيد فى الحقيقة لان المبحوث عنه انما هى الفاظ واقعة فى دليل الفقه‏

قلت قصر الغرض على كشف حال الدليل لا يوجب تقييد موضوع البحث لان الغرض فى مرتبة متاخرة و الموضوع فى مرتبة متقدمة فلو عاد الغرض قيدا للموضوع لزم الدور المحال مع ان الغرض من البحث عن مفاد الالفاظ هو كشف الدلالة لا الحالات الطارية على الدليل و ان اريد منها ذوات الادلة الاربعة ففيه انه يلزم ح صيرورة الاصول فنونا اربعة لان ذوات الادلة مع قطع النظر عن وصف الدليل امور متباينة و تمايز العلوم انما هو بتمايز الموضوعات مع انه لا يتم ايضا لان المباحث الراجعة الى الالفاظ باحثة عن مفادها مع قطع النظر عن وقوعها فى الكتاب او السنة على انه يلزم ح ان يكون درج علم التفسير فى الاصول اولى من درج مباحث الالفاظ فيه و اما ما ذكره بعضهم من ان موضوع كل علم و هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية اى بلا واسطة فى العروض هو نفس موضوعات‏

10

مسائله عينا و ما يتحد معها خارجا و ان كان يغايرها مفهوما تغاير الكلى و مصاديقه و الطبيعى و افراده الى ان قال ربما لا يكون لموضوع العلم و هو الكلى المتحد مع موضوعات المسائل عنوان خاص و اسم مخصوص فيصح ان يعبر عنه بكل ما دل عليه بداهة عدم دخل ذلك فى موضوعيته اصلا و قد انقدح بذلك ان موضوع علم الاصول هو الكلى المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة لا خصوص الادلة الاربعة بما هى ادلة و لا بما هى هى ضرورة ان البحث فى غير واحد من مسائله المهمة ليس من عوارضها

ففى غير محله لان تفسير العوارض الذاتية بما يعرض على الشى‏ء بلا واسطة مع مخالفته لما ذكره القوم من دخول العارض بواسطة الامر المساوى فيها لا يتم فى شى‏ء من موضوعات العلوم لان محمولات المسائل كرفع الفاعل و نصب المفعول و جر المضاف اليه و هكذا انما تعرض على موضوع العلم بواسطة العناوين الماخوذة فى موضوعاتها و اتحاد موضوع العلم مع موضوعات المسائل خارجا و كونه عينها كك لا يوجب انتفاء الوساطة فى العروض ضرورة ثبوت الاتحاد الخارجى فى جميع الوسائط فى العروض مساوية كانت او اعم او اخص فلو نافى الاتحاد الخارجى مع الواسطة فى العروض لزم ان لا يتصور واسطة فى العروض اصلا و ان يكون فرضه من قبيل فرض المحال و توهم ان العناوين وسائط فى الثبوت لا فى العروض و المحمولات عارضة على موضوع العلم عروضا اوليا و هم ظاهر بداهة ان العناوين وسائط فى العروض و لذا يدور مدارها الاحكام حدوثا و بقاء و انما الواسطة فى الثبوت هى مباديها و لو لم تكن العناوين واسطة فى العروض ح لزم ان لا يكون لنا واسطة فى العروض اصلا لان كل عنوان يفرض انه واسطة فى العروض يكون مبدؤه واسطة فى الثبوت‏

11

لا محالة و ان اريد من العارض الذاتى ما يتصف به الموضوع تحقيقا و من عدم الواسطة ح عدم الواسطة الموجبة لصحة التوصيف توسعا فى مقابل ما يصح نسبته الى الشى‏ء توسعا كالحركة العارضة على السفينة حقيقة المنسوبة الى جالسها توسعا فهو باطل جدا من وجهين‏

الاول عدم استقامة هذا التفسير مع تقسيم الواسطة الى مساو و اعم و اخص ضرورة ان الاتصاف بالواسطة باقسامها الثلاثة اتصاف تحقيقى لا توسع و لا تجوز فيه ابدا

و الثانى ان المعروض بالعرض الذاتى بهذا المعنى يعم الموضوع الاولى و الثانوى مطلقا فلا يصلح ان يكون ميزانا لتمايز الفنون بعضها عن بعض اذ كما يتصور فرض هذا الموضوع بالنسبة الى مسائل اصول الفقه كك يتصور فرضه بالنسبة الى الفنون الادبية فان جميعها باحثة عن احوال اللفظ بالاخرة بل بالنسبة الى جميع الفنون كما هو ظاهر

مع انه ان اريد بما ذكره من ان موضوع علم الاصول هو الكلى المنطبق على موضوعات مسائله و ان لم يكن له اسم خاص و عنوان مخصوص انه كلى منطبق عليها غير متعد عنها ففيه ان ثبوت مثل هذا الجامع يحتاج الى قيام دليل عليه و لم يتبين مما قدمه وجود جامع كك بينها و ان اريد وجود جامع بينها مطلقا و ان كان عاما لموضوعات مسائل فنون أخر ففيه ان وجود مثل هذا الجامع لا ينفع فى جعل مسائله فنا مستقلا فى قبال سائر الفنون و القوم انما قصدوا من تعيين الموضوع ما يتميز به الفنون بعضها عن بعض لا مطلق ما يعرضه الشى‏ء فانهم صرحوا بان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية فما ذكره ح لا يرتبط بما كان القوم بصدده و كانه تفطن بان الموضوع بالمعنى الذى‏

12

ذكره لا يكون مائزا فعدل عما ذكره القوم و جعل تمايز العلوم باختلاف الاغراض الداعية الى التدوين و هو فى غاية البشاعة ضرورة عدم تأثير تعدد الغرض و وحدته فى تعدد الفعل المعلل به و وحدته و إلّا لزم ان يصير الفن الواحد فنونا متعددة اذا تعدد الداعى على تدوينه و الفنون المتعددة فنا واحدا اذا اتحد الداعى على تدوينها مع انه يجوز اشتراك جميع الفنون او جملة منها فى غرض واحد و انفراد كل منها بغرض فيلزم ح ان تكون الفنون المشتركة فنا واحدا باعتبار الاشتراك فى الداعى العام للجميع و فنونا متمايزة باعتبار انفراد كل منها بغرض و الملازمة واضحة و بطلان اللوازم اوضح مع ان عنوان الفنية سابقة على التدوين فلا يعقل تأثير غرض التدوين فيه و لو فرض دوران عنوان الفنية مدار التدوين لزم ان يختلف الفن الواحد باختلاف كيفية التدوين ضرورة ان العنوان الدائر مدار التدوين يختلف باختلافه كما يتحد باتحاده أ لا ترى ان عنوان القصيدة و النظم الدائر مدار تركيب الكلمات و تاليفها يختلف باختلاف كيفية التركيب و التاليف فيلزم ح ان تكون الكتب المختلفة التدوين فى فن واحد فنونا متعددة و هو بديهى البطلان و العجب انه اعترض على نفسه باستلزام صيرورة فن واحد فنين مختلفين اذا تعدد الداعى على تدوينه فاجاب بعد ان حكم ببعده انه لا يصح لذلك تدوين علمين و جعلهما فنين و تسميتهما باسمين بل تدوين علم واحد يبحث فيه لكلا المهمين و اخرى لاحدهما فانه اعتراف بورود الايراد و بطلان ما ذكره من ان تمايز العلوم بتمايز الاغراض و كيف كان فاصول الفقه هى ما يتوقف عليها الفقه مما لم يذكر فى سائر الفنون او لم يستوف حقه فيها و مسائله بين ما يتوقف عليه الاستنباط و بين ما يثبت به اعتباره و المستنبط اعم من احكام الوقائع التى هى مدلول الادلة و وظائف‏

13

المكلف التى هى مؤدى الاصول ثم اعلم ان حقيقة الفنون و ما بمنزلتها انما هى مسائلها لا العلم بها ضرورة ان المبحوث عنه هى المسائل و ان كان المطلوب منها و الغرض من تدوينها هى العلم بها بحيث صارت متمحضة فيه و صح اطلاق العلم عليها تنزيلا فاخذ العلم بالقواعد جنسا لها كما وقع فى اغلب تعاريفهم غفلة واضحة و زلة فاضحة

و اذ قد عرفت ان اصول الفقه ليس فنا مستقلا فلا مجال للتعريف و التحديد و لذا طوينا عنه و اكتفينا ببيان ما يصح به عد المسألة من مسائله.

«فى تقسيم اللفظ»

الثانى يوصف اللفظ بالكلية و الجزئية باعتبار معناه‏

فى مصطلحهم و يختص ذلك عندهم بالاسم الخالص و لا يجرى فى الحرف و الفعل و الاسماء المتضمنة للمعنى الحرفى كالمبهمات و السر فيه ان الحرف لا معنى له و انما هو موجد معنى فى لفظ غيره كما افاده مهبط الوحى (عليه السّلام) فهو آلة لاحداث معنى من المعانى المعتورة على اللفظ من الفاعلية و المفعولية و الاضافة و الظرفية و الاختصاص و الاستعلاء و هكذا لا ان له معنى وضع بازائه اسم‏

توضيح ذلك ان الاسماء ما لم يخرج استعمالها عن الابهام بالتعين فى احد الوجوه كانت اسماء معدودة عارية عن الاسناد و لا يفيد العلم بشى‏ء و انما توجب خطور مفاهيمها فى الذهن فالافادة و الاستفادة منها تتوقف على تمامية استعمالها و تعينه فى احد الوجوه و من المعلوم ان الاسم لا يتكفل وجه استعمال اسم آخر و لذا لو اتيت اسما مكان الحرف او ما بمنزلته من الهيئة التركيبية او الاشتقاقية لا يغنى عن شى‏ء فلا بد فى تتميم القضية اللفظية المترتبة عليها الافادة و الاستفادة من الحرف او ما بمنزلته فعلم من ذلك‏

14

ان متمم استعمال الاسم و المتكفل لانحائه ليس إلّا الحروف او ما بمنزلتها و لو لاها لم يخرج الاستعمال عن الابهام فمعانيها فى طول الفاظ الاسماء حادثة فيها و هذا شرح تمام حقيقة الحرف المستفاد من كلام مهبط الوحى (عليه السّلام) و قد اوضحنا الكلام فيه غاية الايضاح فى كشف الاستار عن وجه اسرار الحديث الشريف و قد قرع اسماع اهل العربية ان معنى الحرف فى غيره و لكن لم يحققوه و لم يهتدوا الى حقيقته لدقته فذهبوا يمنة و يسرة و كل ما صدر عنهم فى المقام بين فاسد و قاصر و المشهور بينهم ما اسسه المحقق الشريف فلا بأس بنقل كلامه و بيان ما فيه قال ان المعنى الحرفى من المعنى الاسمى بمنزلة المرآة مما يشاهد فيها ففى البصيرة كالبصر لحاظان آلى لا يتوجه اليه الشخص الا توطئة و استقلالى هو الاصل فى اللحاظ فالبصيرة كالبصر فى الاصالة و الالية ثم اوضح ذلك بقوله فاعلم ان الابتداء مثلا معنى هو حال لغيره و متعلق به فاذا لاحظه العقل قصدا و بالذات كان معنى مستقلا بنفسه ملحوظا فى ذاته صالحا لان يحكم عليه و به و يلزمه ادراك متعلقه تبعا و اجمالا و هو بهذا الاعتبار مدلول لفظ الابتداء و لك بعد ملاحظة هذا الوجه ان تقيده بمتعلق مخصوص فتقول ابتداء سير البصرة و لا يخرجه ذلك عن الاستقلال و صلاحيته للحكم عليه و به و اذا لاحظه العقل من حيث انه حال بين السير و البصرة و جعله آلة لتعريف حالهما كان معنى غير مستقل بنفسه لا يصلح لان يكون محكوما عليه و به و هو بهذا الاعتبار مدلول لفظة من و هذا معنى ما قيل ان الحرف وضعت باعتبار معنى عام و هو نوع من النسبة كالابتداء لكل ابتداء معين بخصوصه انتهى‏

و فيه اولا ان المعنى الحرفى هو الاصل فى مرحلة اللحاظ و القصد حيث‏

15

انه الاصل فى الافادة ضرورة ان غرض المتكلم انما هو بيان الاسناد الذى هو معنى حرفى بل القصد لا يتعلق إلّا بانحاء النسب التى هى معان حرفية و لذا خص المعنى الذى هو محل العناية و القصد فى كلام مهبط الوحى (عليه السّلام) بمؤدى الحرف‏

و ثانيا ان جعل المعنى الحرفى من المعنى الاسمى بمنزلة المرآة مما يشاهد فيها غلط بين لان المعنى الاسمى لا يشاهد فى المعنى الحرفى ابدا و ان أراد أن حال المعنى الاسمى يشاهد فيه كما يظهر من تمثيله بالابتداء و جعله آلة لتعرف حال السير و البصرة

ففيه اولا ان حالهما انما هو الربط الثابت بينهما الذى هو معنى حرفى فلا يتم ما ذكره من انه مرآة للمعنى الاسمى‏

و ثانيا ان الربط المذكور انما هو الابتداء فلا يصح جعله آلة لنفسه بل التوطئة و المرآتية انما تجرى فى المفاهيم الاسمية كذكر الملزوم توطئة لاراءة اللازم و بالعكس‏

و ثالثا انه لو كان قوام الحرفية و الاسمية بالالية و الاستقلال بالمعنى الذى ذكره لزم ان تكون الكنايات حروفا لا أسماء

و رابعا ان ارجاع القول بعموم الوضع و خصوص الموضوع له الى ما ذكره فى غيره محله اذ لا ملازمة بينه و بين النظر الآلي كما هو ظاهر

و اذ قد اتضح لك ما حققناه من ان الحرف آلة لايجاد معنى فى غيره لا ان له معنى وضع بازائه‏

ظهر لك وجه عدم اتصافه بالكلية و الجزئية باعتباره و منه يظهر وجه عدم اتصاف الاسماء المتضمنة للمعانى الحرفية باحد الوصفين من حيث انها متضمنة لها و هكذا الامر فى الفعل فانه باعتبار اشتماله على الهيئة المفيدة

16

للاسناد الذى هو معنى حرفى لا مجال لاتصافه باحد الوصفين و اما الصفات فانما توصف باحدهما باعتبار معناها من جهة اضمحلال المعنى الحرفى و هى النسبة الناقصة التقييدية فى جنب المعنى الاسمى و صيرورة المجموع عنوانا للذات التى هى مفهوم مستقل‏

«فى الوضع»

الثالث ان الوضع و هو تخصص شي‏ء بشي‏ء

بحيث متى اطلق او احس الشى‏ء الاول خطر الشى‏ء الثانى بالبال ان تعلق بمفهوم عام فهو و الموضوع له عامان و ان تعلق بمفهوم خاص مع عدم تكرر الوضع فهما خاصان و قد احدث العضدى قسما ثالثا فى الحروف و المبهمات فذهب الى ان الوضع فيها عام و الموضوع له خاص لزعمه انهما لا يستعملان إلّا فى الافراد و انفراد كل منها بوضع غير متصور لعدم انتهائها الى حد محدود و القول بتعلق الوضع بالمعنى العام يستلزم الالتزام بكونها مجازات بلا حقائق فاختار أن الوضع فى كل واحد منهما واحد متعلق بكل فرد من الافراد الملحوظة فى ضمن المفهوم العام بعنوان انها افراد له فرارا عن المحذورين و شاع ذلك بين من تاخر عنه و تلقاه الاكثر منهم بالقبول و زعموا ان عموم الوضع باعتبار عموم آلة الملاحظة و هو غلط لان عموم الوضع ح انما هو باعتبار سريانه فى كل فرد من الافراد و عدم اختصاصه بفرد معين‏

ثم ان ما ذكره العضدى من انها مستعملة فى الجزئيات باطل اما الحروف فلما عرفت من انها معينة لانحاء الاستعمالات فلا استعمال لها حتى يكون المستعمل فيه خاصا او عاما كما انه لا وضع لها بالمعنى المعهود

17

حتى يكون الموضوع له فيها عاما او خاصا و انما الوضع فيها آلى بمعنى جعلها آلات موجدة لمعان معتورة على الفاظ الاسماء و لو تنزلنا و قلنا بجريان التقسيم فى الوضع الآلي كالمرآتى و تطرق الاستعمال فيها فالموضوع له و المستعمل فيه ح عامان ضرورة انها آلات للمفاهيم العامة و الخصوصية انما تطرأ من قبل اعمالها فى المفاهيم و احداثها اياها المستلزم للتشخص لا ان الخصوصية ثابتة قبل الاعمال‏

و اما المبهمات فهى بمعناها الاسمى مستعملة فى المفهوم العام و لذا سميت مبهمات و التعين انما حصل من قبل التضمن للمعانى الحرفية التى هى وجه من وجوه استعمالها فى المفهوم الاسمى العام و لذا تكون معارف مع انها من المبهمات فحالها حال اسم الجنس المحلى بلام العهد المتعين مفهومه بها فالوضع و الموضوع له فيها عامان كما ان المستعمل فيه ايضا ح عام نعم عموم الوضع مع خصوص الموضوع له انما يجرى فى الاعلام المشتركة حيث ان وضعها تعم افرادا متعددة مع ان الموضوع له فيها خاص و كيف كان فلا مجال لما ذكره بعض من تطرق قسم رابع و هو الوضع الخاص و الموضوع له العام اذ مع تعلق الوضع بمفهوم عام لا يتصور كونه خاصا و انما اغتر من اغتر من جهة زعمه ان عموم الوضع و خصوصه انما هو باعتبار عموم آلة الملاحظة و خصوصها فتصور قسما رابعا مع ان المفهوم العام ملحوظ بنفسه و لا حاجة له الى آلة الملاحظة حتى يتوهم انه قد يتصور فى ضمن الخاص‏

ثم ان الوضع ينقسم عند اهل العربية باعتبار الموضوع الى شخصى و قانونى فان كان الموضوع لفظا خاصا لا يصدق على الفاظ مختلفة فالوضع شخصى و ان كان الموضوع هيئة سارية فى المواد المختلفة كصيغ المشتقات‏

18

فالوضع قانونى لان مرجع الوضع فيها الى ضرب قاعدة كلية فان صيغة الفاعل فى كل مادة علامة منشئية الذات للمبدا و صيغة المفعول علامة وقوع المبدا عليها و هكذا الامر فى سائر صيغ المشتقات الناظر كل منها الى خصوصية من خصوصيات المبدا و لا يخفى عليك انها انما تتكفل جهات استعمال المواد و انحائه فوضعها كوضع الحروف آلى خارج عن المقسم و هو الوضع المرآتى المصطلح الموجب لخطور الموضوع له‏

«فى الدلالة»

الرابع ان الدلالة و هى كون الشى‏ء بحيث يلزم من العلم به العلم بشى‏ء آخر تنقسم الى ذاتية و وضعية

و الذاتية ان كانت نظرية فهى عقلية و إلّا فطبعية فالاقسام الثلاثة ليست متقابلة و التقابل انما هو بينهما مع الوضعية و انما عبر عن الذاتية بالعقلية و الطبعية لاستقلال العقل و الطبع فى ادراك الذاتيات دون الجعليات‏

و بهذا البيان اندفع ما يتوهم من ان التقسيم ان كان باعتبار سبب الدلالة لا ينطبق الاعلى الوضعية و ان كان باعتبار المدرك لا ينطبق الاعلى العقلية و الطبعية و ان كان باعتبار سبب الدال و موجده لا ينطبق الاعلى الطبعية كما ظهر ان التمثيل للطبعية بدلالة سرعة النبض على الحمى و للعقلية بدلالة اللفظ على وجود اللافظ فى غير محله لان الدلالة فى المثال الاول نظرية و فى الثانى بديهية ثم ان الدلالة الوضعية اللفظية تابعة لارادة المتكلم لان الدلالة فرع وجود العلية بين الطرفين او اشتراكهما فى العلة و لذا انحصرت الدلالة فى الإنّية و اللمية و الدليل فى الإنّي و اللمى و مجرد الوضع لا يوجب صيرورة الموضوع علة للموضوع له و لا معلولا عنه و لا مشتركا معه فى العلة

19

كما هو ظاهر فلا يوجب بنفسه العلم و الدلالة و انما يوجب الخطور و الحضور فى الذهن و العلية انما تثبت بين اللفظ الموضوع الصادر عن المتكلم العارف بالوضع فى مقام الافادة و مراده و ضميره لانبعاث اللفظ ح عن ارادته انبعاث المعلول عن علته فيستدل به عليها استدلال المعلول على علته و بعد دلالته على مراد المتكلم يدل على الواقع ثانيا ان كان معصوما او المطلب بديهيا مع كون المتكلم صادقا لوجود التلازم ح بين الواقع و مراد المتكلم فالمدلول الاولى للفظ انما هو مراد المتكلم و ضميره لا ما وضع له اللفظ من المفاهيم مع قطع النظر عن وجودها فى الذهن او الخارج و ان كان المقصود بالافادة و الدلالة غالبا هو الواقع لا ما فى الضمير و نسبة الدلالة الى الوضع انما هى باعتبار انها بمعونته‏

و قد التبس الامر على جماعة و لم يفرقوا بين المدلول و الموضوع له فنظر بعضهم الى ان المدلول الاولى للفظ انما هو ما فى الذهن فزعم ان الموضوع له هو المعنى الذهنى و نظر بعضهم الى ان المنظور بالاصالة غالبا انما هو الخارج فزعم ان الموضوع له هو المعنى الخارجى و لم يتفطنا ان الوجود المستفاد من اللفظ ذهنا او خارجا انما هو فى مرحلة الدلالة و هى غير متسببة عن الوضع و انما له دخل فيها و هو متعلق بنفس المفاهيم مع قطع النظر عن الوجود الذهنى او الخارجى فظهر بما بيناه وجه توهم اخذ الوجود ذهنا او خارجا فى الموضوع له و فسادهما

و اعجب من الجميع ما صدر عن التفتازانى و شاع بين من شايعه من ان الدلالة متحققة بمجرد الوضع و هى معلولة عنه فحكم بثبوت الدلالة للفظ الموضوع مطلقا صدر عن اللافظ غفلة و خطاء او عن قصد و ارادة زاعما ان الدلالة هى الاخطار بالبال و ان العلم المتعلق بالدال فى حد الدلالة بمعنى‏

20

التصديق و المتعلق بالمدلول بمعنى التصور بمعنى الخطور و هو غلط عجيب فان كلا من التصور و التصديق لا يحصل إلّا مما يشاكله و التصور الذى هو قسم من العلم انما هو العرفان لا الخطور الذى هو التفات مجامع للعلم و الجهل و توهم ان العلم فى مصطلح اهل النظر منقول عن مفهومه اللغوى و هو الانكشاف المنقسم الى اليقين و العرفان الى الصورة الحاصلة فى الذهن مطلقا و لو كان على وجه الخطور المجامع للتخييل و العلم المأخوذ فى حد الدلالة بالمعنى المصطلح لا بالمعنى اللغوى فى غاية السخافة و الشناعة لان موضوع بحث اهل النظر انما هو المعرف و الحجة من حيث انهما يوصلان الى تصور و تصديق نظريين و من البديهى ان التصور النظرى انما هو العرفان لا الخطور فلا مجال لنقل العلم الى مفهوم آخر مغاير لموضوع بحثهم بل لو كان العلم موضوعا فى اللغة للاعم لوجب نقله فى مصطلحهم الى الانكشاف المنقسم الى التصديق و العرفان المنطبق على موضوع بحثهم و الاغترار انما حصل من التعبير بالتصور المجامع للخطور غفلة عن ان المقصود انما هو التصور بكنهه او بوجه يمتاز عما عداه و هو ليس إلّا العرفان مع ان الحد لا يختص به اهل النظر

فتبين بما بيناه امور

الاول ان ما اشتهر بين المحققين من ان الدلالة تابعة للارادة و ان الوضع للتركيب و التركيب للدلالة فى غاية السداد و الصوب و ان تعجب التفتازانى و من شايعه مما افاده المحققون فى غير محله‏

و الثانى ان تقسيم الدلالة الى تصديقية و تصورية و الحكم بثبوت الثانية مطلقا و عدم ثبوت الاولى إلّا مع الارادة فى غير محله اذ لا معنى للدلالة إلّا كون الشى‏ء بحيث يلزم من العلم به العلم بشى‏ء آخر و قد ظهر لك ان‏

21

اطلاق العلم على التصور بمعنى الخطور غلط لا اصل له اصلا مع ان تعدية العلم بالباء انما هى فى العلم التصديقى لا التصورى‏

و الثالث ان ما اجابه المحقق الطوسى (قدس اللّه سره) عن انتقاض حدود الدلالات الثلث بعضها ببعض من ان الدلالة تابعة للارادة و لا يمكن ان يراد من اللفظ الا معنى واحد بارادة واحدة فلا تكون للفظ ابدا إلّا دلالة واحدة فلا تجتمع ح دلالات ثلث على لفظ واحد بالنسبة الى مدلول واحد حتى ينتقض بعضها ببعض حق متين و ما ذكره التفتازانى و الشريف و من تبعهما ناش عن عدم تعقل معنى الدلالة

فان قلت ما ذكرت من عدم اجتماع الدلالات لا يصلح به حدودها لتصادقها على ما فرض انه تمام ما وضع له و جزئه و لازمه باوضاع متعددة

قلت المقصود مما وضع له فى الحد هو المعنى و التعبير عنه بما وضع له من باب المثال ضرورة ان دلالة اللفظ على تمام المعنى المقصود من اللفظ مطابقة حقيقيا كان ام مجازيا و على جزئه تضمن و على الخارج التزام فتستقيم الحدود ح اذ لا يمكن ان يكون مفهوم واحد تمام المعنى و المدلول و جزئه او لازمه بدلالة واحدة

و الرابع ان المدلول الاولى فى مرحلة السلوك دائما انما هو ما فى الضمير لما عرفت من تبعية الدلالة للارادة و الواقع مدلول ثانوى للكلام فى هذه المرحلة حيث دل الكلام عليه بسبب الملازمة بينه و بين ما فى الضمير و لكن قد يكون المدلول الثانوى اصيلا فى مرحلة النظر و مقصودا بالافادة كما هو الغالب فى الاخبارات فيكون اولا فى مرحلة النظر و ان كان ثانيا فى مرحلة السلوك فتكون القضية اللفظية ح قنطرة و توطئة للذهنية و الذهنية للخارجية فيوازن صدق الكلام و كذبه ح بالنسبة الى مطابقته‏

22

للخارج و مخالفته معه و قد يكون ما فى الضمير مدلولا اوليا فى مرحلة السلوك و اصالة النظر معا كمقام الافتاء و الشهادة و اظهار الحياة فتكون القضية اللفظية ح قنطرة و توطئة للذهنية فقط فيوازن صدق الكلام و كذبه ح بالنسبة الى ما فى الذهن فالمدار فى صدق الكلام و كذبه على المطابقة مع الاصيل فى النظر و عدم مطابقته معه لا على المطابقة و المخالفة مع الاعتقاد مطلقا او الخارج مطلقا و لا على المطابقة معهما او مع احدهما و المخالفة كك فظهر بطلان جميع ما صدر عن الجميع فى المقام‏

و الخامس فساد ما ذكره فى الفصول من ان النسبة الخبرية اللفظية موضوعة بازاء النسبة الذهنية المأخوذة من حيث كشفها عن الواقع طابقته او لا علم بها او لا بشهادة التبادر لان التبادر المذكور انما هو فى مرحلة الدلالة لا الخطور فلا يستند الى الوضع لما عرفت من دوران الدلالة مدار علاقة العلية لا الوضع و نسبتها اليه و تسميتها دلالة وضعية انما هى باعتبار انها بمعونته لا باعتبار انها متسببة عنه فلا تكون الدلالة على النسبة الذهنية كاشفة عن وضعها بازائها مع ان الهيئة التركيبية الخبرية محدثة للنسبة الخبرية الحاصلة بين اللفظين و لا تكون موضوعة بازائها و النسبة الخبرية الحادثة بينهما لا تكون موضوعة بازاء نسبة اخرى و لا لاحداثها و انما تدل على النسبة الذهنية لانبعاثها عنها دلالة المعلول على علته من دون ان تكون للوضع مدخل فيها فهى دلالة عقلية محضة و النظر الى الواقع انما هو باعتبار ان احداث النسبة بينهما انما هو باعتبار معناهما لا نفس اللفظ فتتوجه النسبة ح الى الواقع فالدلالة على المطابقة له انما هى بالاعتبار المذكور لا لاجل الوضع ثم ان النسبة الخبرية لا تتميز عن الانشائية فى الوضع فان الهيئة التركيبية الخبرية انما تفيد الاخبار بالاطلاق لا بالوضع و لذا تصح استعمال‏

23

الجملة الخبرية فى موضع الانشاء و لو كانت الجملة الخبرية موضوعة للاخبار لم يصح استعمالها فى موضع الانشاء كما لا يصح استعمال الانشائية فى موضع الاخبار.

و السادس عدم ثبوت الدلالة الا فى المركبات الاسنادية او ما بمنزلتها لانتفاء الارادة التى تدور مدارها الدلالة فى المفردات العارية عن الاسناد و ارادة المعنى منها راجعة الى ارادة تفهيمه منها المشتمل على الاسناد و بما بيناه تبين ان اقسام الدلالة من المطابقة و التضمن و الالتزام لا تتصور الا فى القضايا فاخطار لفظ حاتم عن مسماه لا يكون مطابقة كما ان اخطاره عن جزئه لا يكون تضمنا و لا عن جوده التزاما فالتمثيلات المتداولة للاقسام الثلاثة بامثال ذلك غلط كما تبين ان المدار على التضمن سراية الحكم الى الافراد نحو جاءنى القوم او الاجزاء نحو اشتريت الدار لا على وجود الجزء الموضوع له فقط كما توهم‏

[الخامس‏] «فى وضع المركبات»

الخامس ان المركبات لا وضع لها لانها مشتملة على معنى حرفى و هى النسبة و مفهوم اسمى و هو الطرفان فلا تقبل الوضع الواحد لا مرآتيا و لا آليا مع ان وضعها للمعنى التركيبى المستفاد من كل من الطرفين و الهيئة التركيبية تحصيل للحاصل بل التحقيق انه لا وضع للهيئات التركيبية ايضا حتى آليا فانها انما تناسب النسب ذاتا و تتكفل كل من الهيئات التركيبية المختلفة نحوا خاصا من النسبة بالمناسبة الذاتية و هذا مراد من ذهب من المحققين الى ان دلالة المركب على المعنى عقلية لا وضعية اذ يعبر عن الامور الثابتة ذاتا لا جعلا بالعقلية لاستقلال العقل فى ادراكها دون المجعولة فان‏

24

المرجع فيها انما هو الجاعل و يظهر ذلك ايضا من احتجاجهم عليها بان من لا يعرف من كلام العرب إلّا لفظين مفردين صالحين للاسناد فانه لا يفتقر عند سماعهما مع الاسناد الى معرفة معنى للاسناد بل يدركه ضرورة و كيف كان فلا يتطرق فى المركبات الحقيقة و المجاز اذ ليست موضوعة بازاء معنى حتى تستعمل فيه تارة فتصير حقيقة و فيما يناسبه مرة فتصير مجازا و ما يرى من التجوز فى بعض المركبات نحو قولك للمتردد اراك تقدم رجلا و تؤخر اخرى كناية لا تجوز و العجب ان صاحب الفصول مع انكاره الوضع للمركبات اثبت التجوز فيها و قال ان المركب المستعمل فى غير المعنى المستفاد من مفرداته وضعا لعلاقة بينه و بين المعنى التركيبى مجاز فان الاستعمال فرع تطرق الوضع فالمركب كما لا يتطرق فيه الوضع لا يتطرق فيه الاستعمال و هو كالوضع انما يجرى فى كل من طرفى التركيب‏

[السادس‏] «فى الترادف و التباين»

السادس اذا توافق اللفظان فى المعنى فهما مترادفان و ان اختلفا فيه فمتباينان اتصل المعنيان كالذات و الصفة او انفصلا كالضدين و كل منهما ان تعدد معناه وضعا فمشترك و إلّا فمتحد المعنى و كل منها ان استعمل فى غير ما وضع له لمناسبة و غلب بحيث هجر استعماله فى الاول فهو منقول و إلّا فحقيقة و مجاز هكذا قالوا و التحقيق ان غلبة الاستعمال لا توجب النقل ضرورة ان مجرد هجر الاستعمال فى المعنى الحقيقى لا يوجب سلب الوضع عنه كما ان اشتهار الاستعمال انما يوجب صيرورته معهودا فى الذهن بحيث يوجب انصراف اللفظ اليه عند عدم القرينة على خلافه لا صيرورته موضوعا له حقيقة اذ لا يعقل تبدل حقيقة الاستعمال بالوضع بالغلبة لانها انما توجب‏

25

قوة الاستعمال لا تبدله بحقيقة اخرى فجعله قسما من الوضع فى غير محله ثم انه قد اختلفت كلماتهم فى وقوع الترادف و الاشتراك فى اصل اللغة و الحق عدم وقوع الترادف فيها و كل ما يظن انها من الالفاظ المترادفة فهى الفاظ متقاربة المعانى يفترق كل منها عن الآخر فى خصوصية دقيقه بها يفارق بعضها عن بعض فى صحة الاستعمال او حسنه فى مورد دون مورد اذ لو كانت مترادفة لاستوت الموارد بالنسبة اليها صحة و حسنا و لنذكر بعض الالفاظ التى ظنوا انها مترادفة و ننبه على الخصوصيات الفارقة بينها

فمنها الرقبة و الجيد و العنق فان الرقبة تنفرد عنهما بصحة استعمالها فى مورد الملك و توابعه و العنق بحسن استعماله فى مورد المد و الضرب و الجيد فى مورد الزينة و لا يكون ذلك الا لاجل ان الرقبة موضوعة للعضو المخصوص باعتبار انه محل للاخذ و الشد المناسب لاسناد الملك و توابعه من الفك و العتق و التحرير اليه و العنق موضوع له باعتبار صلوحه للمد و الضرب المناسب لاستعماله فى الموردين و الجيد مأخوذ من الجيد فى مقابل الردى المناسب لاستعماله فى مورد الزينة و لذا تفترق المراقبة و الترقب و الارتقاب عن المعانقة و الاعتناق فى المفاد

و منها الانسان و البشر فان الاول مأخوذ من الانس المناسب لاستعماله فى مورد التعقل و اظهار الكمال و الثانى من البشرة و هو الظاهر المناسب لاستعماله فى مورد اظهار جنبة الظاهر من الحيوانية من الاكل و الشرب و غيرهما المشترك معه سائر الحيوانات. و منها العلم و الفهم و الفقه و اليقين و الادراك و هكذا فان العلم مقابل للجهل و هو مطلق الانكشاف الجامع بين التصور و التصديق و الفهم عبارة عن انكشاف ما فيه دقة و خفاء و لذا يقابل الفهيم بالبليد و الفقه عبارة عن الحذاقة و البصيرة التامة كما يظهر

26

من موارد استعمالاته و لذا سمى العلم بالشرعيات فقها لان المطلوب فيها الحذاقة لا مجرد العلم بها و اليقين يختص بالعلم التصديقى الثابت الذى لا يزول بتشكيك المشكك و لذا يختص بالعلم الحاصل عن الدليل و لا يطلق على علم التقليد و الادراك عبارة عن مطلق الوصول و اللحوق و لذا يستعمل فى مورد اللحوق بالهارب و اتيان الفعل و بالتامل فى خصوصيات موارد الاستعمالات تقدر على معرفة الخصوصيات الفارقة بين سائر الالفاظ التى زعموا انها مترادفة

و اما الاشتراك فعمدة ما استدل به على وقوعه مجي‏ء الفاظ للاضداد كالقرء للطهر و الحيض و الجون للسواد و البياض و عسعس بمعنى اقبل و أدبر و فيه ان المتقابلين انما يتقابلان باعتبار اشتراكهما فى جامع واحد فهما لغاية الارتباط يتقابلان فالمتقابلان عبارة عن طرفى امر واحد و هو الجامع بينهما و هذا الجامع قد يوضع بازائه لفظ و قد لا يوضع بازائه لفظ فينبه عليه بذكر طرفيه فيقال احوال الكلم من حيث الاعراب و البناء و حالة الكلام من حيث المطابقة للواقع و المخالفة له فاستعمال اللفظ فى مورد المتقابلين كاشف عن وضعه بازاء الجامع بينهما و استعماله فى هذا الجامع المنطبق على كل من المتقابلين لا عن الاشتراك كما توهموه و بالجملة توهم الاشتراك فى الالفاظ ناش غالبا من خفاء الجامع اما لدقته او لعدم التامل فى الاطراف و خلط الخصوصيات المستفادة من موارد الاستعمال بمعنى اللفظ و قد كشفنا الستر عن حال جملة من الالفاظ التى توهم الاشتراك فيها فى طى كلماتنا فقها و اصولا

فان قلت انما يصح وضع اللفظ بازاء الجامع اذا كان ظاهرا قريبا باذهان اهل اللسان و اما اذا كان دقيقا بحيث لا يلتفت اليه الا اوحدى منهم فلا لان الوضع انما هو لاجل الاستعمال و هو فرع معرفة المستعمل فيه و الامور

27

الدقيقة مختفية على اغلبهم فكيف يستعملون الالفاظ فيها مع ان تنبه الواضع الى هذه الدقائق مستبعد جدا بل الاحاطة عليها فى جميع الالفاظ المشتركة غير متصور

قلت انباء الالفاظ عن مسمياتها لم يتحقق انه بالوضع لجواز استناده الى المناسبة الذاتية كما اختاره بعض المحققين فلا مجال لما ذكرت و لو سلم انه بالوضع فاستبعاد التنبه ممنوع لجواز كون الواضع هو البارى عزّ اسمه او من الهم منه بل المتامل فى الدقائق المودوعة فى الكلمات و تراكيبها لا يجوز صدوره الا من احدهما لان الاحاطة عليها على وجه التمام فائقة عن طوق البشر و ناهيك فى ذلك كلام البارى جل ثنائه و يكفى فى الاستعمال معرفة المستعمل فيه اجمالا يدلك على ما بيناه اختلاف طبقات اهل اللسان فى مراتب البلاغة و حسن التركيب مع صدور الاستعمال من الجميع فمنهم من يلحق كلامه لدنوه فيها بكلام الحيوانات و منهم من يلحق كلامه لعلوه فيها بكلام البارى جل اسمه ككلام سفرائه و امنائه و بين المرتبتين مراتب شتى و ليس هذا إلّا لاجل اختلاف معرفتهم بالدقائق المودوعة فى الالفاظ مع ان جميعهم من اهل اللسان و الاستعمال‏

[السابع‏] «فى الحقيقة و المجاز»

السابع ينقسم اللفظ باعتبار الاستعمال الى حقيقة و مجاز فان استعمل فى ما وضع له من حيث هو كك فحقيقة و ان استعمل فى غير ما وضع له كك لعلاقة فهو مجاز و المصحح للتجوز انما هى العلاقة الموجبة لتنزله منزلة ما وضع له الموجب لارتباط اللفظ به ثانيا و تبعا فلا يحتاج الى وضع آخر نوعيا او شخصيا بل يستحيل تأثير الوضع بمعنى الرخصة فيه اذ مع وجود

28

العلاقة المصححة للاستعمال يصح التجوز و ان منعه الواضع و مع عدمها كك لا يصح التجوز و ان رخصه الواضع مع ان تفسير الوضع بالرخصة من اقبح الاغلاط بل التحقيق ان التجوز لا يكون تصرفا فى اللفظ حتى يكون لتوقيفه على الوضع مجال فان الاسم انما يستعمل فى عنوان المسمى و ينبئ عنه ابدا كما نبأ به امين الوحى (عليه السّلام) ضرورة ان علقة التسمية ذاتا او وضعا واسطة فى عروض الاستعمال و الانباء بالنسبة الى المعنى فيكون المستعمل فيه و المنبئ عنه ابتداء انما هو عنوان المسمى و ذات المسمى انما ينبئ عنه بتبعه و لا يقع محلا للاستعمال اصلا و انما يقع معروضا للمستعمل فيه فلا اختلاف بين الحقيقة و المجاز فى الاستعمال و المستعمل فيه و انما يختلفان فى الاطلاق الراجع الى المفهوم لا اللفظ و صحة اطلاق احد المفهومين على الآخر تابعة للاتحاد الثابت بينهما تحقيقا او تنزيلا و لا ارتباط لها بالواضع اصلا و قد تبين بما بيناه ان ارادة عنوان المسمى على وجه العموم من اللفظ لا توجب التجوز لا فى الاستعمال و لا فى الاطلاق فتوهم انه من باب عموم المجاز فى غير محله‏

[الثامن‏] «فى العلائق للمجازية»

الثامن ان العلاقة المصححة للتجوز انما هى العلاقة الموجبة لتنزل غير ما وضع له منزلته و اتحاده معه الموجب لصحة اطلاق عنوان المسمى عليه فهى منحصرة فى الشباهة التامة و هى مطلقة و مقيدة فان كانت مطلقة يصح التجوز مطلقا و ان كانت مقيدة يصح التجوز فى مورد القيد و الموارد التى توهم التجوز فيها لاجل السببية و المسببية و سائر العلائق المرسلة من هذا القبيل و لذا لا يطرد التجوز معها فتبين ان تقسيم المجاز الى قسمين‏

29

استعارة و مرسل باطل لا اصل له كما تبين ان جعل المجاز من صفات اللفظ مطلقا كما عن الاكثر و التفصيل بين الاستعارة و المرسل بجعل التجوز فى امر عقلى فى الاستعارة دون المرسل كما عن السكاكى باطل و قد اوضحنا الكلام فى ارجاع موارد الارسال الى الاستعارة او التجوز فى الاسناد فى كشف الاستار و بطلان جميع ما صدر عن جميعهم فى هذا المقام‏

تنبيهان الاول لا يجرى التجوز فى الحروف و ما بمنزلتها من الهيئات التركيبية و الاشتقاقية اذ لا استعمال لها و انما هى متكفلة لانحاء استعمالات الاسم فهى موجدة معنى فى اللفظ لا منبئة عن مسمى و مستعملة فيه حتى يجوز انبائه عما نزل منزلته و استعماله فيه فلفظة فى مثلا محدثة للظرفية ابدا و علامة لها سواء كان مسمى المدخول ظرفا تحقيقا او تنزيلا و هذا معنى ما اشتهر بينهم من ان التجوز فى الحروف انما هو بتبع مدخولها يعنى ان الاستعارة انما هو فى المدخول بجعله منزلا منزلة الظرف او العلة و هكذا لا فى الحرف بجعله آلة لاحداث معنى آخر

الثانى اذا اطلق اللفظ و اريد نوعه مطلقا او مقيدا او شخصه لا يكون حقيقة و لا مجازا اذ المقصود ح نفس اللفظ و ليس وسيلة الى احضار معنى للحكم عليه اذ النوع عبارة عن نفس اللفظ مع قطع النظر عن وجوده فى الخارج فلا يكون مستعملا لا فيما وضع له و لا فى غيره فلا يتصف باحدهما و لذا يشترك فيه المهمل و الموضوع و يصح جعله محكوما عليه اسما كان او فعلا او حرفا و زعم بعضهم ان للفظ ح استعمالا و دلالة و تحير فى انها وضعية او طبعية او عقلية فالتزم بانها خارجة عن الثلاثة و انها دلالة بالقرائن كدلالة المجاز و لم يتفطن بان انحصار الدلالة فى الثلاثة ضرورى و ان دلالة المجاز وضعية لكونها بتوسط وضع اللفظ للمعنى الحقيقى و اعجب منه ما

30

زعمه التفتازانى من انها وضعية ناشئة من الاتفاق و الاصطلاح غير ناشئة عن وضع قصدى.

[التاسع‏] «فى علائم الحقيقة»

التاسع قد ذكروا للحقيقة و المجاز علائم و ادلة

منها تنصيص اهل اللسان و فيه ان اخبار اهل اللسان انما يكون حجة فى بيان موارد استعمالات الالفاظ لان الاخبار بها اخبار عن الحس لا فى بيان الحقيقة و المجاز لان اخبارهم بهما اخبار عن مقتضى نظرهم فلا يكون حجة لتطرق الاشتباه فى النظر و لذا ترى ان اهل اللسان يختلفون فى حقائق بعض الالفاظ و مجازاتها

و منها التبادر و عدمه او تبادر الغير و فيه ان التبادر على اقسام ثلاثة حاقى مستند الى وضع اللفظ و اطلاقى مستند الى اطلاق اللفظ و تجرده عن القيد كتبادر المائع من لفظ الماء عند اطلاقه مع وضعه لاعم منه و من الجمد و العموم من الجمع المحلى باللام و الاطلاق من اللفظ الموضوع للماهية عند اطلاقهما مع خروجهما عن مدلول اللفظ لانهما كيفيتان للحكم لا للموضوع و انصرافى مستند الى انضمام شي‏ء اليه من الشهرة فى الاستعمال او قرائن أخر فان اريد منه مطلق التبادر فهو عام و العام لا يدل على الخاص و توهم ان اصالة عدم الاستناد الى القرينة توجب حمل مطلق التبادر على القسم الاول فى غير محله لان الاصل المثبت لا يكون حجة ابدا مع ان عدم الاستناد الى القرينة لا يلازم التبادر الوضعى لا مكان كونه اطلاقيا و كثيرا ما اختلط عليهم التبادر الاطلاقى بالحاقّى لاشتراكهما فى عدم الاستناد الى القرينة و ان اريد منه التبادر الحاقى ففيه ان العلم بكونه حاقيا موقوف‏

31

على العلم بالوضع فلو جعل دليلا عليه لزم الدور المح و دفعه تارة بان العلم الموقوف عليه التبادر الحاقى اجمالى ارتكازى و الحاصل منه تفصيلى و مرة بان التبادر الحاقى عند اهل اللسان دليل للجاهل بالوضع فيختلف الطرفان فى غير محله اما الاول فلان الحاصل منه ح هو الذكر المقابل للغفلة لا العلم المقابل للجهل و التعبير عنه بالعلم بالعلم كالتعبير عن مقابله بالجهل بالعلم غفلة او توسع فى التعبير ضرورة ان العلم ليس موردا للعلم و الجهل و اما الثانى فلرجوعه الى تنصيص اهل اللسان ح و قد ظهر لك انه لا يكون حجة مع ان جعله فى مقابله من جملة العلائم لا يلائم ذلك نعم يترتب على مطلق التبادر بعض آثار الحقيقة و هو الاخذ بالمعنى المتبادر كالاخذ بالمعنى الحقيقى عند الشك فى مراد المتكلم ما لم تكن قرينة صارفة عنه‏

و منها صحة السلب و عدمها و فيه انه كما يصح السلب لاجل انتفاء الوضع يصح لضعف فى المصداق كالبليد حيث يقال انه ليس بانسان او لكمال فيه يوجب لحوقه بنوع اشرف كيوسف الصديق (عليه السّلام) حيث قلن فى حقه ما هذا بشرا ان هذا الا ملك كريم فهى فى حد نفسها اعم فلا يكون علامة عليه و التقييد بالسلب التحقيقى لا الادعائى يستلزم الدور لتوقف العلم به على العلم بالمجازية كما ان العلم بعدم صحة السلب كك موقوف على العلم بالوضع و دفع الدور بمثل ما مر فى التبادر قد ظهر لك ما فيه‏

و منها الاطراد و عدمه فزعموا ان الاطراد علامة الحقيقة و عدمه علامة المجاز و هو فاسد لان المجاز ايضا مطرد مع وجود العلاقة المصححة للتجوز فعدم الاطراد لا يكون علامة للتجوز بل دليل على فساد ما توهمه المتوهم من استناد التجوز الى ما تخيله و التحقيق ان اطراد اللفظ و ملازمته لمعنى و عدم انفكاكه عنه فى موارد الاستعمالات علامة يتميز بها

32

الموضوع له عن غيره اذا علم اجمالا بان اللفظ حقيقة فى الموارد و تردد الموضوع له بين امور كما انه يتميز بها وجه التجوز اذا تردد بين امور و علم بان اللفظ مجاز

[العاشر] اذا استعمل اللفظ خاليا

العاشر اذا تميز المعنى الحقيقى من المجازى و استعمل اللفظ خاليا عن القرينة و شك فى ان المتكلم اراد المعنى الحقيقى او المجازى و خفيت علينا القرينة فالاصل الحقيقة و عدم القرينة و ليس هذا اصلا مثبتا كما زعمه اكثر الاواخر حيث توهموا ان الاصل المثبت ما يترتب عليه اثر غير شرعى و هو حجة فى مباحث الالفاظ باعتباران الاصل فيه عقلائى لا شرعى فلا يعتبر فيه ان يكون المترتب عليه من الآثار الشرعية لان المثبت ما يثبت وجودا مستقلا لا يكون من شئونه و اطواره و من المعلوم ان الاثبات على هذا الوجه وظيفة الدليل الكاشف عن المدلول تحقيقا او تنزيلا لا الاصل الذى هو وظيفة للجاهل المتحير من دون فرق بين ان يكون الاصل شرعيا ام عقليا فما كان من شئونه و آثاره و احكامه المتحدة معه فى الوجود تترتب عليه سواء كانت من الآثار و الاحكام الشرعية ام لا و لما كانت ارادة المعنى الحقيقى من اللفظ تتولد و تنتزع من اللفظ المستعمل عند التجرد من القرينة فهى فى مرحلة التفهيم ليست إلّا اللفظ الصادر عن المتكلم فى مقام الافادة فالحكم باصالة الحقيقة اخذ بالمقتضى المعلوم و نفى للمانع المحتمل و هى القرينة الصارفة و ما لا يكون كك لا يترتب عليه و انما يترتب على الدليل و من هنا تثبت به اللوازم مطلقا و لا يتطرق فيه التفكيك بين المتلازمين بخلاف الاصل فانه يجرى فى كل منهما و لا يضر فيه التفكيك بينهما اذا لم يكن احدهما من‏

33

احكام الآخر و آثاره المتحدة معه فى الوجود فالاصل لا يثبت شيئا و انما ينفى الدافع او القاطع او الرافع المحتمل و يحكم بالاخذ بالمقتضى الثابت المعلوم و هذا معنى قول بعضهم ان الاصل حجة فى النفى دون الاثبات فلا يعقل ان يكون الاصل مطلقا مثبتا فالتفصيل بين الاصل العقلى و الشرعى بجعل الاول مثبتا دون الثانى بزعم ان المثبت ما يترتب عليه اثر عقلى او عادى و غير المثبت ما يترتب عليه اثر شرعى فى غير محله بل لا يترتب على الاصل الشرعى إلّا الاثر العقلى لان الثابت به انما هو الحكم الظاهرى الذى مرجعه الى التنجيز او الدفع الذى هو من الاحكام العقلية للحكم الشرعى و توضيح المرام غاية الايضاح يحتاج الى بسط تام فى الكلام لا يسعه المقام‏

[الحادى عشر] «فى الحقيقة الشرعية»

الحادى عشر اختلفوا فى ثبوت الحقيقة الشرعية بعد اتفاقهم على ان الشارع استعمل الفاظا مخصوصة فى غير معانيها اللغوية المعروفة كالصلاة و الصوم و الحج و الزكاة و هكذا حيث اريد منها افعال غير معهودة عند اهل اللسان‏

و التحقيق ان الشارع لم يستعمل هذه الالفاظ فى غير معانيها اللغوية فضلا عن صيرورتها حقائق فيها و انما الشارع اخترع ماهيات هى مصاديق للمفاهيم اللغوية لم يعرفها اهل اللغة و جعلها موضوعا للاحكام الشرعية فالالفاظ مستعملة فى معانيها اللغوية فى لسان الشارع غاية الامر انها اطلقت على مصاديقها المخترعة الغير المعروفة عند اهل اللسان‏

فان قلت اذا اريد من الالفاظ المعهودة فى لسان الشارع المصاديق المخترعة لا مطلق المفاهيم اللغوية فهى غير مستعملة فى معانيها الاصلية و

34

تكون مجازات و العلاقة هى العموم و الخصوص ان لم نقل بوضعها لها فى لسانه و حقائق شرعية ان قلنا بوضعها لها عنده‏

قلت استعمال العام فى الخاص لا اصل له اصلا اذ لا علاقة مصححة بينهما و إلّا لصح استعمال الخاص فى العام ايضا لتساوى نسبة العموم و الخصوص الى الطرفين فالواقع انما هو اطلاق المفهوم العام على الفرد لا استعمال لفظ العام فيه و لذا يصح دون العكس و لو كان الواقع هو الاستعمال لتساويا فى الجواز و عدمه‏

فان قلت هذا انما يتم اذا كان الفرد مقصودا من حيث انه فرد من افراد العام و اما اذا اريد فرد معين بخصوصه فلا مجال الا للتجوز لما اشتهر من ان استعمال العام فى الفرد المعين بخصوصه مجاز و المقام من هذا القبيل لان الموضوع للاحكام الشرعية هى المصاديق المخترعة بخصوصها فهى مرادة من الالفاظ المعهودة بعينها لا من حيث انها فرد من افراد المفهوم اللغوى.

قلت لا تجوز فى اطلاق المفهوم الكلى على الفرد اصلا و ان اريد منه فرد بخصوصه كما انه لا مجال للحقيقة فى استعمال الكلى فى الفرد لو وقع و ان كان استعماله فيه باعتبار انه فرد من افراد الكلى و التفصيل الذى اشتهر مع بطلانه فى نفسه انما هو فى الاستعمال لا الاطلاق و قد اختلط على السائل امر الاطلاق بالاستعمال و قد تبين بما بيناه ان التمسك للحقيقة الشرعية بتبادر المعانى المخترعة من الالفاظ عند الاطلاق فى غير محله لان مرجعه الى انصراف المفاهيم الكلية الاصلية الى المصاديق المخترعة لشهرة اطلاقها عليها لا الى انصراف الالفاظ اليها

كما تبين ان جواب النافين عنه بان الثابت منه هو التبادر عند

35

المتشرعة فلا تثبت به الا الحقيقة المتشرعية فى غير محله ايضا لان الانصراف ليس للفظ حتى يدل على الوضع بل للاطلاق و التعهد الحاصل فيه من قبل الشهرة ليس وضعا للفظ و لا موجبا له.

فظهر ان القول بثبوت الحقيقة الجديدة مطلقا شرعية او متشرعية باطل لا اصل له‏

ثم انه نسب الى الباقلانى انه انكر جعل الماهية و اختراعها و ان ما اعتبره الشارع شروط للصحة و قيد للطلب فالمأمور به عنده هو المفهوم العرفى المنطبق على المصاديق العرفية المعهودة المقيدة بقيود مخصوصة و هو باطل ايضا ضرورة ان الجعل و الاختراع امر معقول و لا داعى على صرف ظواهر الادلة من ان الصلاة ماهية مخترعة مركبة من اجزاء ركنية و غير ركنية تحريمها التكبير و تحليلها التسليم مع انه يلزم ح عدم بطلان الصلاة بفوات الموالاة بين اجزائها اذ المجموع ليس عملا واحدا ح حتى يعتبر فيه الاتصال و التوالى‏

و اما رده بانه يلزم ان لا يكون المصلى مصليا اذا لم يكن داعيا فيها او لم يكن متبعا كالمنفرد فغير وارد لان المفهوم اللغوى محفوظ فى جميع الموارد فانها انما هى مصاديق له لا امور مباينة له و الصلاة لغة ليست بمعنى الدعاء او التبعية كما توهم حتى يرد ما ذكره بل معناها بشهادة الاطراد هو العطف المتحقق فى جميع الموارد و الاختلاف انما هو باختلاف الاطراف او خصوصيات الموارد لا فى الموضوع له و لا المستعمل فيه فان العطف من العبد بالنسبة الى الرب تعالى تذلل و استكانة و منه الى العبد رحمة و من المساوى للمساوى تحبيب و مودة و قد ينطبق على طلب الرحمة كصلاة العبد على النبى و آله (صلى اللّه عليه و عليهم)

36

و قد تبين بما بيناه انه لا مجال للنزاع فى ان الفاظ العبادات أسام للصحيحة او الاعم لانه فرع القول بالوضع الجديد لها و قد عرفت انه لم يقع تصرف فيها حتى فى الاستعمال و ان تصرف الشارع انما هو فى اختراع مصاديق جديدة للمفاهيم اللغوية لا فى احداث معنى جديد للالفاظ مع انه ان اريد من الصحة موافقة المأتى به للمأمور به على وجهه فهى فرع استجماع شرائط الامتثال المتاخر عن الامر المتاخر عن الموضوع فيستحيل اعتبارها فيه‏

فان قلت يمكن جعل الشروط قيودا لنفس الموضوع له بجعل الصلاة مثلا اسما للافعال المعهودة المأتى بها فى حال الطهارة و استقبال القبلة و هكذا بل يجب ذلك لان الامر الذى هو طلب الفعل لا يتعلق بشى‏ء الا بعد استجماع ما له دخل فى المطلوبية

قلت اولا جعلها قيودا للموضوع له ينافى مع كونها شروطا

و ثانيا انه يلزم ح ان يكون الفاظ العبادات اسامى للافعال الموجودة فى الخارج ضرورة ان الاقتران بالطهارة و الاستقبال و سائر الشروط انما هو من عوارض الوجود و اخذ الوجود فى المفاهيم الكلية مع بطلانه فى نفسه بالضرورة لا يجامع مع تعلق الاحكام التكليفية بها لانها انما تتعلق بالماهيات قبل وجودها فى الخارج و الوجود مناف و مزيل لها

و توهم ان الامر لا يتعلق بشى‏ء الا بعد استجماع ما له دخل فى المطلوبية فى غير محله لان الحكم التكليفى متعلق بالوقائع و الافعال قبل وجود المكلف فى الخارج فضلا عن وجود المكلف به و الطلب انما يتولد من الامر و يتعلق بامتثاله و ايجاد المأمور به فقيوده و ما له دخلا فيه انما يتعلق بالامتثال الذى هو مؤخر عن متعلق الحكم و تعلق الحكم بالوقائع يستلزم‏

37

ان يكون ايجادها فى الخارج مطلوبا على وجه الاقتضاء لا الفعلية و لا ينافى توقف مطلوبيته فعلا على استجماع شرائط الامتثال فى الخارج‏

لا يقال ان الطلب الانشائى الذى هو حكم تكليفى لا يتحقق إلّا بعد وجود شرائط المطلوبية فعلا و مجرد وجود المقتضى لا يكفى فى تحقق الانشاء.

لانا نقول الحكم التكليفى ليس من مقولة الانشاء بل حقيقته هو تحيث الواقعة بحيثية من الحيثيات الخمسة بحيث لو سئل المولى عنها لامر بها او لنهى عنها او لرخص فيها فهو سابق على الانشاء بل قد يجامع وجوب الفعل مع النهى عنه كصوم الحائض و النفساء و المريض و المسافر فان وجوب قضائه كاشف عن وجوب ادائه تعلقا و لا ينافى وجوبه تعلقا مع حرمة ايجاده فى الاحوال المزبورة

و ان اريد منها تمامية الاجزاء استكملت الشرائط ام لا كما يظهر من بعض ففيه انه يلزم ح عدم صدق الصلاة على صلاة من اتى بالاركان و سها عن سائر الاجزاء لعدم تمامية الاجزاء ح و انما يكتفى بها فى الامتثال لاجل احترام الاحرام و تقديم الاهم على المهم كما فصلنا الكلام فيه فى محله.

و اجماله ان الصحة قد تقابل النقصان و قد تقابل البطلان و كل منهما تنفك عن الاخرى فان الصحة بالمعنى الاول انما تحصل باستجماع جميع الاجزاء جامعت الشرائط الموجبة لتحقق الامتثال ام لا و الصحة بالمعنى الثانى تحصل بصدق الامتثال الموجب للاجتزاء بالمأتى به و سقوط الاعادة و القضاء و هو كما يتحقق بموافقة المأتى به للمامور به على وجهه و استجماع الاجزاء و الشرائط يتحقق بناقص الاجزاء اذا اكتفى به بملاحظة تقديم الاهم على‏

38

المهم كالصلاة التى نسى المصلى ما عدا اركانها من اجزائها و توهم ان الماتى بها ح تام الاجزاء لان الواجبات الغير الركنية اجزاء ذكرية فى غير محله لاستحالة توقف تحقق الجزئية على ذكرها ضرورة ان ذكر الجزئية فرع ثبوت الجزئية فلو توقفت جزئية الاجزاء على ذكرها لزم الدور المحال‏

و ايضا الصحة و الفساد امران متقابلان و عرضان متضادان لا يردان إلّا على محل واحد ضرورة ان التقابل فرع الاجتماع على محل واحد و إلّا لم يتقابلا و لا يتم هذا الا بجعلهما خارجين عن الموضوع له اذ لو اخذت الصحة فى الموضوع له لزم تقومه بها و انتفائه بانتفائها لا اتصافه بالفساد ضرورة ان اتصاف شي‏ء بالصحة او الفساد فرع وجود ما يتقوم به هو و لا يعقل الاتصاف بالفساد باعتبار انتفاء ما يتقوم به و إلّا لزم ان يكون الحمار انسانا فاسدا و التسعة عشرة فاسدة و الشجر حيوانا فاسدا و هكذا.

فان قلت تعلق المعنى المجازى بالمعنى الحقيقى باحدى العلائق المجوزة لاستعمال لفظه فيه يوجب اتحادهما من وجه فلا مانع ح من اتصاف المعنى الحقيقى بالصحيح لكونه اصلا و المعنى المجازى بالفاسد لكونه فر عالم يبلغ مرتبة كمال الاصل‏

قلت هذا باطل بالضرورة و إلّا لزم صحة ان يقال للرجل الشجاع اسد فاسد و للبليد حمار فاسد و لعين القوم عين فاسدة لعدم بلوغها مرتبة كمال الاسدية و الحمارية و العينية و بطلان اللازم واضح‏

فان قلت كما تنتزع الصحة من استجماع الشرائط كك تنتزع من استكمال الاجزاء فانها تقابل البطلان مرة و النقصان اخرى كما ذكرت و الجزء لا يكون جزء إلّا مع دخوله فى الموضوع له‏

39

قلت جزئية فعل للصلاة و نحوها من العبادات انما هى باعتبار دخوله فى المركب المخترع الذى جعل منشأ لانتزاع المفهوم اللغوى لا باعتبار دخوله فى الموضوع له‏

و ايضا القول بالوضع للصحيحة يوجب الالتزام بالف ماهية للصلاة مثلا لاختلاف صحتها كما و كيفا باختلاف حالات المكلف سفرا و حضرا اختيارا و اضطرارا علما و جهلا عمدا و نسيانا و هكذا من الحالات و عدم وجود جامع بينها و توهم ان الجامع موجود فيها لاشتراك الكل فى خاصية واحدة مثل الناهية عن الفحشاء و معراج المؤمن و قربان كل تقى و الاشتراك فى اثر واحد كاشف عن الاشتراك فى جامع واحد يؤثر الكل فيه بذال الجامع فى غير محله لان العناوين المذكورة مترتبة على الصلاة اقتضاء و الترتب الاقتضائى لا يختص بالصحيحة بل يعم الطبيعة الجامعة و اما الترتب الفعلى فيختص بالصلاة المقبولة و لا تعم الصحيحة ضرورة ان كل صلاة صحيحة مجزية لا تكون معراجا و قربانا و ناهية عن الفحشاء مع ان الاشتراك فى الاثر لا يكشف عن جامع ذاتى بينها أ لا ترى ان جميع العبادات من الصلاة و الصوم و الحج و الخمس و الزكاة مقربة الى اللّه تعالى و مع ذلك فهى حقائق متباينة و الاشتراك فى اثر واحد انما هو باعتبار الاشتراك فى الجامع العرضى الراجع الى مرحلة الامتثال و هو التعبد و الجامع العرضى لا يصلح ان يكون موضوعا له لالفاظ العبادات ثم ان ثمرة النزاع تظهر فى صورة الشك فى جزئية شي‏ء او شرطيته للعبادة فعلى القول بوضعها للاعم يجوز الرجوع الى اصالة العدم و على القول بوضعها للصحيحة لا بد من الاحتياط و تحصيل العلم بالفراغ هذا و قد يتوهم جريان النزاع فى الفاظ المعاملات ايضا بناء على انها أسام للاسباب دون المسببات و المبنى فاسد جدا ضرورة ان‏

40

حقائق المعاملات هى المفاهيم المنشئة العرفية دون الإنشاءات و الشارع قرر بعضا كالبيع و ابطل بعضا كالربا و اعتبر فى بعض ما قرره شروطا و عند الشك فى اعتبار شي‏ء فيها او فى اسبابها شرعا يرجع الى اصالة العدم لان الشك ح يكون شكا فى المانع بعد العلم بوجود المقتضى‏

[الثانى عشر] «فى الاشتراك و المجاز»

الثانى عشر اذا استعمل اللفظ فى موارد و تردد بين ان يكون مشتركا معنويا او لفظيا و ان يكون حقيقة فى بعض و مجازا فى بعض فالظاهر انه مشترك معنوى لان دوران اللفظ مدار الجامع بين الموارد الكاشف عن اختصاصه به ثابت و ارتباطه بكل من الموارد وضعا و استعمالا غير ثابت لان الثابت انما هو كونها موارد لاستعمال اللفظ و اما ان كلا منها مستعمل فيه للفظ فلا فلا يحكم فيه بالاشتراك اللفظى لانه فرع ثبوت وضعه لكل منها و لا بالحقيقة و المجاز لانه فرع ثبوت استعماله فى كل منها

و اذا تردد الامر بين الاشتراك اللفظى و الحقيقة فى بعض و المجاز فى آخر فالظاهر تقدم الثانى لان وضع اللفظ لاحد المعانى ح معلوم و لغيره غير معلوم مع جواز الاستعمال فيه بالعلاقة المصححة و لا يحتاج التجوز الى مئونة زائدة على وجود العلاقة المصححة للاستعمال‏

[الثالث عشر] «فى استعمال المشترك»

الثالث عشر لا يجوز استعمال المشترك فى اكثر من معنى واحد على ان يكون كل منها محلا للحكم و محطا للنفى و الاثبات ضرورة استحالة تعلق الاستعمال الواحد بمعنيين مختلفين استقلالا بان يكون كل منهما متعلقا

41

للاستعمال اصالة

توضيح الامر ان الاستعمال الذى هو نوع من ايجاد اللفظ مبهم فى حد نفسه لا يتعين إلّا بتعلقه بالمستعمل فيه فمنزلته من الاستعمال منزلة الفصل من الجنس فكما يستحيل اجتماع فصلين موجبين لتحصل نوعين على موجود واحد فكك يستحيل اجتماع تعلقين فصاعدا على استعمال واحد و إلّا لزم صيرورة الموجود الواحد متعددا و هو خلف للفرض و ايضا قد تبين لك مما بيناه سابقا ان استعمال الاسم فى المعنى لا يكون إلّا بتوسط عنوان المسمى فالمستعمل فيه حقيقة انما هو عنوان المسمى و المعنى الحقيقى او المجازى انما يكون محلا لاطلاق المسمى و انطباقه عليه تحقيقا او تنزيلا فاللفظ مرآة للعنوان اولا و ان كان المقصود بالاصالة غالبا هو المعنون دون العنوان و من المعلوم ان انطباق العنوان على المعانى المتعددة حقيقية ام مجازية على سبيل التبادل فلا يعقل ارادة معنيين فصاعدا من اللفظ فى استعمال واحد على سبيل الاستقلال بان يكون كل منهما مرادا و موضوعا للحكم و محطا للنفى و الاثبات و إلّا لزم خلف الفرض و رجوع الاطلاق البدلى الى الشمولى و بما بيناه تبين ان استعمال اللفظ فى اكثر من معنى واحد محال مطلقا سواء كان المعنيان حقيقيين ام مجازيين ام مختلفين فلا حاجة الى عقد ابواب و البحث عن كل منها فى باب كما تبين ان التفصيل بين الاثبات و النفى فى الجواز و عدمه و بين المفرد و التثنية و الجمع فى الجواز و عدمه مرة و فى الحقيقة و المجاز تارة فى غير محله ثم ان بعض من حكم بالامتناع استدل عليه بما محصله ان استعمال اللفظ فى المعنى عبارة عن جعله مرآة لمعناه و وجها له بحيث يكون فانيا فى المعنى فناء الوجه فى ذى الوجه فلا يقبل فى هذا الحال ان يجعل مرآتا لمعنى آخر كك‏

42

و فيه ان الموجب للامتناع انما هو ما ذكرناه من اول الاستعمال الواحد الى المتعدد المخالف للفرض فلا يتفاوت ح بين ان يكون اللفظ ملحوظا بنفسه او لغيره و اما مجرد كون اللفظ توطئة لمعناه فمع قطع النظر عما بيناه لا ينافى مع استعماله فى معنى آخر

[الرابع عشر] «ان المشتق حقيقة فى»

الرابع عشر زعم المتأخرون انه اتفق الاصوليون على ان المشتق حقيقة فى الحال و مجاز فى الاستقبال و اختلفوا فيما اذا استعمل فيما انقضى عنه المبدا و ان اكثر الامامية على انه حقيقة و اكثر الأشاعرة على خلافه ثم افهم لما رأوا ان التفصيل فى الحقيقة و المجاز بالنسبة الى حال النطق مستبشع جدا لاستلزامه صيرورة نحو سيكون زيد قائما مجازا اتفاقا و نحو كان زيد قائما فقعد مختلفا فيه فسروا الحال بحال النسبة تارة و بحال التلبس اخرى مع تصريح بعضهم بان الظاهر من كلمات المتقدمين ان المراد به حال النطق‏

و الصواب ان بحث المتقدمين ليس عن وضع المشتق و كيفية استعماله و ان الاتفاق و الاختلاف انما هو فى صدق الاطلاق و عدمه لا فى الوضع و الاستعمال‏

توضيح الحال يتوقف على تقديم مقدمات‏

الاولى ان المشتقات الاسمية المنطبقة على الذوات التى هى محل الكلام منبئة عن عناوين متحصلة من الحدث و النسبة الاتصافية الناقصة التقييدية الموجبة لصدقها على الذوات و لا يكون الزمان مأخوذا فى مفاهيمها بالضرورة كما اتفق عليه اهل العربية و انما اشتهر بين متأخريهم‏

43

اقتران مدلول الفعل باحد الازمنة وضعا حتى جعلوه مقوما له و مائزا له عن الاسم و ان كان التحقيق ان تقوم الفعل انما هو بالانباء عن حركة المسمى الراجعة الى الاشتمال على الحدث و الاسناد الحدوثى كما نبأ به مهبط الوحى (عليه السّلام) و ان المضى و الاستقبال المستفادين من الماضى و المضارع انما يستفاد ان من منصرف الاطلاق فى المواد الغير القارة اذا كان المتكلم مخبرا بهما و لم يقارن اخباره وقوع الفعل فى الخارج و اما الحال فيستفاد من المضارع بل الماضى ايضا مع مقارنة الاخبار لوقوع الفعل كك فلا يستند استفادة الزمان من الفعل الى الوضع ابدا بل اقتران الفعل به تضمنا كما اتفقت عليه كلمات المتأخرين منهم غير معقول اذ لو دل عليه وضعا لدل عليه بهيئته لا بمادته و إلّا لم تختص الدلالة عليه بالفعل و الدلالة عليه بهيئته مستحيل لان الزمان معنى مستقل اسمى و الهيئة من لواحق الحروف فلا تتكفل الأوجه استعمال المادة من المعانى الحرفية المعتورة عليها

الثانية ان استعمال صفة للفظ فهو عبارة عن اعماله فيما قصد تفهيمه به و جعله توطئة و قنطرة لاراءة المعنى المناسب له وضعا او تبعا بتنزله منزلة ما وضع له و ينقسم اللفظ باعتبار اختلاف المستعمل فيه الى حقيقة و مجاز فان استعمل فيما وضع له يسمى حقيقة لثبوته فى محله الاصلى و ان استعمل فى غير ما وضع له يسمى مجازا لتجاوزه عن محله الاصلى‏

و الثالثة ان الاطلاق عبارة عن تطبيق المفهوم الكلى على ما هو فرد من افراده تحقيقا او تنزيلا فهو صفة للمعنى لا اللفظ فان اطلق على ما ينطبق عليه تحقيقا كزيد انسان او قائم اذا اتصف بالقيام يكون الاطلاق تحقيقيا و ان انطبق عليه تنزيلا و ادّعاءً كقولك زيد عدل اذا اريد به المبالغة و اتحاده مع صفة العدل تنزيلا يكون الاطلاق تنزيلا و لا تجوز فى اللفظ ح لعدم‏

44

استعماله الا فى معناه الاصلى و التجوز انما هو فى الاسناد و الحمل ح و لذا يسمى مجازا عقليا و ان لم يكن الفرد فردا له تحقيقا و لا تنزيلا لا يصح اطلاق الكلى و حمله عليه كما لا يصح استعمال اللفظ فيما لا يناسبه وضعا و لا تبعا و الاطلاق و الحمل قد يكون صريحا كما اذا ذكر طرفاه و قد يكون ضمنيا كما اذا ذكر الكلى و اريد به فرد ما او فرد معين و بما بيناه تبين لك فساد ما اشتهر من ان استعمال الكلى فى الفرد حقيقى ان استعمل فيه من حيث انه فرد من الافراد و مجازى ان استعمل فيه بخصوصه لانه ان اريد من الاستعمال الاطلاق يكون اللفظ حقيقة فى المقامين لاستعماله فى مفهومه الاصلى ح و يكون الاطلاق تحقيقيا ايضا لانطباق الكلى على فرده التحقيقى تحقيقا سواء اريد منه الفرد بخصوصه او من حيث انه فرد من الافراد و ان اريد منه الاستعمال حقيقة يكون اللفظ مجازا فى الصورتين لاستعمال اللفظ ح فى غير ما وضع له فى المقامين‏

و التحقيق انه لا يصح استعمال الكلى فى الفرد لعدم العلاقة المصححة للاستعمال بينهما و ما يتوهم انه من قبيل الاستعمال فهو من باب الاطلاق اذا اتضحت لك هذه المقدمات فاعلم ان المشتق فى قولك زيد ضارب عمر و مثلا مستعمل فى مفهومه الاصلى سواء اريد منه المتلبس بالمبدإ فى الحال او ما انقضى عنه المبدا او ما لم يتلبس به بعد و لا اختلاف فى استعمال لفظ المشتق فى الصور الثلاثة و انما الاختلاف فى الاطلاق و محل الانطباق‏

كشف الحال فيه ان الالتزام باستعمال لفظ المشتق فى غير ما وضع له فى الصورتين يتفرع على احد امرين اما الالتزام بوضع لفظ المشتق للمتلبس بالمبدإ فى الحال حتى يكون استعماله فى المتلبس به قبل او بعد استعمالا فى غير ما وضع له و اما الالتزام باستعمال المشتق ح فى الذات مع‏

45

قطع النظر عن العنوان و كلاهما بديهى البطلان اما الاول فلان الحال المأخوذ فى مفهوم المشتق‏

ان اريد به حال النطق فمع عدم التزامهم به يوجب الالتزام بان نحو كان زيد قائما فقعد او سيصير قائما مجازا و هو ضرورى الفساد

و ان اريد به حال النسبة ففيه انها انما تجي‏ء بعد التركيب فلا يعقل اخذه فى مفهوم المفرد مع ان عدم اقتران مفاهيم الصفات بأحد الازمنة وضعا بديهى و اتفق عليه اهل العربية

و ان اريد به حال التلبس فان فسر بما لا يرجع الى الزمان و قيل ان المراد به وضع المشتق للمتلبس بالمبدإ الملازم للصدق فى زمان التلبس كما فسره به بعض‏

ففيه انه انما يوجب عدم صدق المفهوم على ما انقضى عنه المبدا و ما لم يتلبس به بعد لا التجوز فى اللفظ و ان فسر بما يرجع الى احد الازمنة من حال النطق او حال النسبة فقد ظهر لك الحال فيه‏

و اما الثانى فاوضح فسادا ضرورة انه لا يصح قولك زيد ذات عمر و مكان قولك زيد ضارب عمرو اذا انقضى عنه المبدا او لم يتلبس به بعد- (1)

____________

(1)- لا يقال نعم استعمال المشتق فى ما لم يتلبس بالمبدإ من دون تنزيله منزلة المتلبس بالمبدإ غير جائز و اما مع التنزيل فهو جائز بالضرورة لانا نقول تنزيل غير المتلبس منزلة المتلبس انما توجب صحة الاطلاق ان الذات خارجة عن مفهوم المشتق و انما تكون محلا لانطباق العنوان تحقيقا او تنزيلا فلا يختلف استعمال المشتق باختلافه مع ان اطلاق العنوان على ما تلبس بالمبدإ مع انقضائه عنه او ما لم يتلبس به بعد ان كان مع قيام قرينة عليه فى الكلام فهو تقيد فى الاسناد و لا حاجة معه الى التنزيل و إلّا فغير جائز منه‏

46

و لو كان المشتق ح مستعملا فى الذات المجردة عن العنوان لزم صحة قيامها مقامه بل يلزم عراء الكلام عن الافادة ح‏

لا يقال يمكن ان يكون اختلافهم فى وضع صيغة المشتق لحدوث التلبس بالمبدإ او ثبوته فمن قال بالاول قال بانه حقيقة فيما انقضى عنه المبدا و من قال بالثانى قال بانه مجاز فيه لاستعمال الصيغة الموضوعة للثبوت فى الحدوث.

لانا نقول اولا ان الصيغة من لواحق الحروف فهى متكفلة لوجه استعمال المادة و لا استعمال لها ابدا حتى تتصف بالحقيقة تارة و بالمجاز اخرى.

و ثانيا ان الصيغ كالحروف لا تنفك عن مفادها ابدا و لا يعقل انقلابها عما وضعت له من الحدوث او الثبوت الى غيره‏

و ثالثا انه لو قيل بجواز انفكاك الصيغة عن مفادها باختلاف الموارد لزم ان تكون منفكة عن افادة النسبة رأسا فى صورة الاطلاق على ما لم يتلبس به بعد لانتفاء الحدوث و الوجود معا و هو بديهى البطلان فتبين انه لا يختلف الاستعمال باختلاف الموارد و ان المختلف باختلافها هو الاطلاق و يختلف حاله من حيث الصدق و عدمه باختلاف الموارد فيصدق بالنسبة الى التلبس به فى الحال بالضرورة كما لا يصدق بالنسبة الى ما لم يتلبس به بعد كك و اختلفت كلماتهم بالنسبة الى ما انقضى عنه المبدا فقيل بصدقه عليه لكفاية الحدوث فى الصدق بزعمه و قيل بعدم الصدق لانتفاء التلبس فى الحال و محل البحث انما هو المشتق المطلق المجرد عن القيود لا مطلق المشتق فيكون المراد بالحال حال النطق كما هو الظاهر من كلمات المتقدمين و صرح به بعضهم على ما قيل و اما المقيد منه فعدم صدقه على ما انقضى عنه‏

47

المبدا ظاهر ضرورة انتفاء الصدق مع التقييد بخلافه فقد اختلط عليهم الامر فى مقامات ثلاثة المشتق المطلق بمطلق المشتق و الاطلاق بالاستعمال و الصدق و عدمه بالحقيقة و المجاز و حيث اختلط عليهم الامر صرفوا الحال عن ظاهره و هو حال النطق الى زمان النسبة او حال التلبس فرارا عما يلزمهم من صيرورة نحو سيكون زيد قائما مجازا اتفاقا و نحو كان زيد قائما فقعد مختلفا فيه و غفلوا عن ان ما يلزمهم من كون نحو زيد قائم الآن او امس او غدا مع انقضاء القيام عنه فى زمان القيد حقيقة عند القائلين بكونه حقيقة فيما انقضى عنه المبدا مثله فى الفساد او افسد ضرورة ان مقتضى التقييد وقوع المبدا حال القيد فمع عدم وقوع المبدا حاله يكون الكلام كذبا او مجازا لا محالة

اذا اتضح لك ان موضوع البحث هو المشتق المطلق المجرد عن القيد و ان البحث فى صدق الاطلاق و عدمه‏

فاعلم ان التحقيق اختلاف الصدق باختلاف الموارد فان كان الذات تقتضى المبدا ذاتا او عرضا باتخاذه صنعة او حرفة بحيث لو جامعت الشرط و فقد المانع و المزاحم لوجد منها المبدا كقولك الشمس مضيئة و القمر منير و الشجرة مثمرة و النار محرقة و السناء مسهل و الكلام مفيد و زيد كاتب او خياط او بناء او معلم و هكذا يصدق العنوان عليها بمجرد الاقتضاء و لا يعتبر فى صدقه عليها وجود المبدا منها ضرورة صحة حمل الصفات على الذوات المقتضية لمباديها و لو لم يوجد المبدا منها اصلا لفقد شرط او وجود مانع او مزاحم و ان لم تقتض المبدا لا يصدق العنوان عليها الا بعد وجوده منها ضرورة ان مجرد صلاحية الذات لصدور المبدا منها او اتصافها به لا يوجب صدق المشتق و إلّا لصح اطلاق العالم على الجاهل و الاسود على الابيض و

48

بالعكس و هكذا ثم ان كان المبدا من الافعال الحادثة من الذات كالولادة و الضرب و القتل و الاكل و الشرب و الزناء و السرقة و هكذا يكفى فى صدق المشتق على الذات حدوث المبدا منها و لو انقضى عنها حال الاطلاق لان منشأ انتزاع الاتصاف هو الحدوث لا الوجود و الحدوث لم ينقلب الى اللاحدوث و لذا لا ينتفى صدق الوالد و الوالدة عن الاب و الأمّ بعد الولادة و تقول هذا ضارب زيد او قاتله او اكل الحرام او شارب الخمر او سارق او زان بعد انقضاء مبادى الصفات المذكورة عنه من دون تأويل و يشمل السارق و الزانى المذكوران فى الفرقان من سرق و زنى حقيقة و يجب قطع يد الاول و جلد الثانى او رجمه باعتبار صدق العنوانين عليهما تحقيقا

و ان كان من قبيل الاوصاف القائمة بالذوات كالعلم و الجهل و الايمان و الكفر و القيام و القعود و هكذا يجب فى صدق المشتق بقاء المبدا حال الاطلاق لان المنشأ لانتزاع الاتصاف بالمبدإ ح هو الوجود القابل للبقاء لا الحدوث و لذا لا يصدق الجاهل على العالم باعتبار سبق جهله و لا العالم على من علم ثم زال عنه و لا الكافر على المؤمن باعتبار سبق كفره و لا المؤمن على المرتد و اطلاق المؤمن على النائم لا ينافى ما بيناه لثبوت التصديق فى حال النوم و الغفلة و الذى انتفى عنه ح انما هو الذكر لا التصديق و مفاد الصيغة فى جميع الموارد امر واحد فانها انما تفيد الاتصاف بالمبدإ و الاتصاف قد يتحقق باقتضاء الذات لحدوث المبدا او وجوده منها و قد يتحقق بحدوث المبدا منها و قد يتحقق بوجود المبدا منها فلم يختلف مفاد الصيغة باختلاف الموارد و المبادى‏

فان قلت لو كان البحث فى الصدق و صحة الاطلاق و عدم صحته لا فى الحقيقة و المجاز لزم ان يكون اتفاقهم بالنسبة الى المستقبل اتفاقا على‏

49

عدم صحة الاطلاق مع انه صحيح جزما غاية الامر انه مجاز عندهم‏

قلت الكلام فى صدق المشتق مطلقا مع قطع النظر عن القيد و القرينة و معلوم انه لا يصدق كك على من لم يتلبس بعد فلا يصح اطلاقه عليه الا مع قيد كقولك زيد ضارب غدا او قرينة

فان قلت عدم صحة الاطلاق الا مع قيد او قرينة لا ينفك عن التجوز غاية الامر ان التجوز ح فى الاطلاق و الاسناد لا فى الكلمة كما اختاره بعض‏

قلت انما يكون التجوز فى الاطلاق اذا لم يصح الا مع التوسع و التنزيل كقولك زيد عدل و اما مجرد الحاجة الى القيد او القرينة فلا يجوز على التجوز فيه لجواز ان يكون الحاجة الى القيد لكونه على خلاف منصرف اطلاقه كما فى المقام اذ تقييد الاسناد بالمستقبل او الماضى لا يوجب توسعا فى الاسناد و تنزيلا لاحد طرفيه منزلة الاصل كما هو ظاهر و انما يوجب الانصراف عن منصرف اطلاقه و هو التلبس بالمبدإ حال الاطلاق و لذا اتفقوا على ان مثل كان زيد قائما و سيصير قائما حقيقة و لا تجوز فيه بوجه لا فى اللفظ و لا فى الاسناد و كيف كان فالاحتجاج على كون المشتق مجازا اذا استعمل فيما انقضى عنه المبدا بتبادر الغير و هو التلبس بالمبدإ فى غير محله اذ لا يختلف ما يستعمل فيه المشتق باختلاف الاطلاق على ما انقضى عنه المبدا او المتلبس او ما لم يتلبس به بعد ضرورة ان المستعمل فيه فى الصور الثلاثة انما هو العنوان الذى وضع بازائه المشتق و الاختلاف انما هو فى ما يطلق عليه العنوان و التبادر المدعى انما هو من قبل الاسناد لا المشتق و هو اطلاقى لا حاقى كما بيناه مع انه يختص بما اذا كان المبدا صفة لا فعلا كما عرفت و بما بيناه تبين فساد سائر التفاصيل التى ذكروها فى المقام‏

تنبيهات الاول ان موضع النزاع يعم جميع المشتقات المنطبقة على‏

50

الذوات و لا يختص باسم الفاعل و ما فى معناه من الصفات المشتبهة كما فى الفصول و لا بما عدا اسم الزمان كما عن بعض لان مناط النزاع فى الجميع موجود و توهم ان الزمان غير قار الذات فلا يتصور فيه انقضاء المبدا عنه مع بقاء الذات حتى يجرى فيه النزاع فى غير محله لان الزمان له بقاء و استمرار فى العرف باعتبار المبدا و المنتهى كاليوم و الشهر و السنة و هكذا و لذا يجرى فيه الاستصحاب و قد يتوهم خروج اسم المفعول و اسم الآلة عن محل النزاع لان‏

الاول موضوع لمن وقع عليه الفعل و لا يعقل فيه الانقضاء ابدا لان الفعل بعد وقوعه لا ينقلب عما هو عليه فلا يتصور فيه الانقضاء- (1)

و الثانى موضوع لما يصلح و يستعد لصدور الفعل منه على وجه الالية فلا يشترط فيه التلبس بالمبدإ حتى يقدح فيه الانقضاء و هو واضح الضعف‏

اما الاول فلان الوقوع كالقيام قد ينتزع من الحدوث و قد ينتزع من الوجود فكما ان عنوان الضارب و القاتل يصدق على زيد مثلا بعد انقضاء المبدا عنه كك يصدق عنوان المضروب و المقتول على عمر و بعد انقضاء المبدا لان المنشأ لانتزاع العنوان فى المقامين هو الحدوث و كما لا يصدق عنوان العالم و الجاهل و المحب و المبغض و الحافظ و هكذا من الصفات المنتزعة من وجود المبدا بعد انقضاء المبادى المزبورة عمن قامت به فكك لا يصدق المعلوم و المجهول و المحبوب و المبغوض و المحفوظ على ما انقضى عنه تعلق المبادى المزبورة وقوعا أ ترى انه يصدق المجنون على من زال عنه جنونه كلا ثم كلا فكما لا يصدق العاقل الا على من اتصف بالعقل فعلا فكك لا يصدق المجنون الا على من اتصف بالجنون فعلا و التعبير

____________

(1)- و فيه ان المراد انقضاء المبدا لا النسبة فلا وجه لما ذكره من عدم تصور الانقضاء منه‏