مناهج الوصول إلى علم الأصول‏ - ج1

- السيد روح الله الموسوي الخميني المزيد...
419 /
7

الجزء الأول‏

مقدّمة التحقيق‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مقدّمة

بقلم سماحة آية اللَّه الشيخ محمد الفاضل اللنكراني‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للَّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه و أشرف بريّته محمد و على آله الطيّبين الطاهرين، و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

و بعد:

فممّا أنعم اللَّه تعالى به عليّ- من نعمائه التي لا تُحصى، و آلائه التي لا تعدّ- نعمة عظيمة يجب عليّ بإزائها الشكر الكثير، و هي أن وفقني لإدراك دورة كاملة من المباحث الاصولية التي ألقاها سيّدنا الاستاذ العلّامة المحقّق الإمام الخميني- (قدس سره الشريف)- على جمّ غفير من الأفاضل في الحوزة العلمية المقدّسة التي هي بالفعل امّ الحوزات العلمية في عالم الشيعة، و هي حوزة قم المحميّة، التي هي عُشّ أهل البيت- (عليهم الصلاة و السلام)- من الزمن القديم إلى يومنا هذا.

و لا غرض لي- في هذا المجال- في تعريف الاستاذ و تبيين شخصيته،

10

بل و لا حاجة إليه؛ لكونها غنيّة عن البيان لا سيّما من مثلي الذي هو من أقلّ تلاميذه بعد كون أبعاده العلمية- الفقهية و الاصولية و الفلسفية و العرفانية و الأخلاقية و التفسيرية و الرجالية و غيرها من العلوم الإسلامية و الفنون المذهبية و مقدّماتها- واضحة لدى المخالف و المؤالف، لا سيّما بعد تحقق الثورة الإسلامية الإيرانية المشتهرة في الآفاق، الواقعة بتفضل اللَّه و عنايته الخاصّة، بعد المجاهدات الكثيرة و تحمُّل المشاقّ و الآلام المتنوعة و التضحيات الكثيرة من الأمّة المسلمة الإيرانية، الذين كان كثير منهم من الشباب؛ لأن الثورة المسبوقة بالمعارضات التي طالت خمس عشرة سنة كانت بقيادة الروحانية المرجعية و على رأسهم الإمام- (قدس سره)- فإنه كان هو القائد الأعظم و المؤسّس لنظام الحكومة الإسلامية المحضة، التي يكون تعريفها و تبيينها من طريق أهل البيت- (عليهم الصلاة و السلام)- و الانصاف أنّ تأسيس تلك الحكومة في الظرف الذي كان الحاكم على إيران مستظهراً بالقدرة العظيمة الظاهرية التي لم يكن فوقها قدرة، و هي قدرة الشيطان الأكبر الذي هو امّ الفساد في جميع أقطار العالم في هذا الزمان، و هو إمريكا، كان أشبه بالمعجزة، خصوصاً مع عدم الاستظهار بقدرة اخرى أصلًا و عدم توفر الإمكانات و عدم التجهيزات حتى الأجهزة الأوّليّة و الآلات الساذجة.

نعم كان المستظهَر به هي القدرة المطلقة الإلهيّة، التي لا يماثلها قدرة أصلًا، و الايمان و الاعتقاد بتلك القدرة غير المحدودة «إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ» و لا شك أن النصر المضاف إلى المحدود محدود، و المضاف إلى اللَّه غيرِ المحدود غيرُ محدود، فجزاء النصر الجزئي المحدود هو النصر الكلّي غير المحدود.

11

و اليوم نشاهد ثمرات الثورة في أبعادها المختلفة، و من ثمراتها حدوث التحوُّل الكامل، خصوصاً في الشباب الذين كان كثير منهم قبل الثورة غوّاصين في بحار الشهوات، و أحاطت بهم الخطيئات، و لم يكن همّهم إلّا الالتذاذ بالمعاصي و الاشتغال بالسيّئات، و قد تحوّل حالهم إلى أن صار مطلوبهم الأكبر الذي كانوا يدعون له في صلاة ليلهم هي الشهادة في سبيل اللَّه و فداء أنفسهم في الحرب مع العراق التي أشعلها الشيطان الأكبر لغرض مواجهة الثورة و إسقاطها و اجتثاثها من أصلها، اعتقاداً بأنّ الحكومة الإسلاميّة و القوانين القرآنية المنطبقة على الفطرة الأصليّة و العقل السليم لا تقف عند نقطة خاصّة، بل تسري إلى سائر البلاد، و هو كذلك، فنرى الميل إلى الإسلام الواقعي المحض في كثير من الممالك الإسلامية التي يترأسها المنتحلون للإسلام المتظاهرون به مع عدم اعتقادهم به بوجه، و لأجله تكون المعارضة و المخالفة مستمرّة، و كثيراً ما يقدّم المعارضون التضحيات الكثيرة.

و في عقيدتي أنّ أهمّ ثمرة للثورة الذي لا تبلغه ثمرة اخرى في الأهميّة و العظمة هو اشتهار عقائد الشيعة و اطّلاع العالم عليها، و على أنّ مدرسة التشيّع هي مدرسة المعارضة للظالم و الخروج على الطاغوت و حكومته بأيّ نحو كان على مرّ التاريخ و لم يكن لهذه الشهرة سابقة في بدء الإسلام و أوّل حدوثه؛ و لذا ترتّب على هذه الشهرة توجّه أنظار المحقّقين و أفكار الباحثين الطالبين للحقيقة إلى هذا المذهب. و من الواضح أنّ الفطرة السليمة غير المشوبة إذا نظرت إلى عقائد الشيعة و أفكارهم في الفنون الإسلاميّة المختلفة- الفردية و الاجتماعية، السياسية و الاقتصادية، و سائر شؤونها المتكثرة- لا تكاد تشكّ في صحّتها و كونها هي العقائد الحقّة

12

و القوانين الصالحة لإدارة المجتمعات و الحكومات؛ لابتنائها على العقل السليم و المنطق الصحيح و الحريّة و الاستقلال و التكفُّل لجميع شؤون المعاش و المعاد في جميع الأعصار و الأدوار و كلّ أقطار العالم على اختلاف ألسنتهم و ألوانهم و أفكارهم.

و بعد ذلك نرجع الآن إلى ما هو الغرض في هذه المقدّمة فنقول:

أوّل من صنّف في علم الاصول‏

قال السيوطي في محكي كتاب «الأوائل»: أوّل من صنّف في اصول الفقه الشافعىُّ بالإجماع. و صرّح بذلك جمع من أعلام المؤرّخين و بعض المصنّفين فيما يتعلّق بالكتب كصاحب كتاب «كشف الظنون».

و ربما يحتمل أن يكون أبو يوسف- الذي هو سابق على الشافعي و تلميذ لأبي حنيفة- هو أوّل من صنّف في ذلك، كما قاله ابن خلّكان في ترجمته، كما أنه هو أوّل من لُقّب بقاضي القضاة.

كما أنه يحتمل أن يكون هو محمد بن الحسن الشيباني فقيه العراق؛ لأنّه مقدّم على الشافعي، و قد صرّح ابن النديم في «الفهرست»: أنّ من جملة مؤلّفاته الكثيرة تأليفاً يسمّى ب «اصول الفقه»، و تأليفاً سمّاه كتاب «الاستحسان»، و تأليفاً بعنوان «كتاب اجتهاد الرأي».

لكن الظاهر- كما يظهر من كتاب «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» للسيد الأجلّ الصدر (قدس سره)- أنّ أوّل من صنّف في ذلك- بعد ما كان المؤسّس هما الإمامين الهُمامين الصادقين (عليهما السلام)- هشام بن الحكم، صنّف كتاب «الألفاظ و مباحثها»، و هو أهمّ مباحث هذا العلم، ثم‏

13

يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين، صنّف كتاب «اختلاف الحديث و مسائله»، و هو مبحث تعارض الحديثين، و «مسائل التعادل و الترجيح في الحديثين المتعارضين»، ذكرهما أبو العباس النجاشي في كتاب «الرجال»؛ و الشافعي متأخّر عنهما.

سير علم الاصول عند الشيعة و قوسه النزولي و الصعودي‏

الظاهر أن أوّل من اعتمد على علم الاصول في مقام الاستنباط و استند إليه الشيخ الجليل حسن بن علي بن أبي عقيل، الذي هو من مشايخ جعفر ابن محمد بن قولويه صاحب كتاب «كامل الزيارات» و أحد مشايخ الشيخ المفيد- (قدس سره)- و هو أوّل من هذّب الفقه، و استعمل النظر، و فتّق‏ (1) البحث عن الاصول و الفروع في ابتداء الغيبة الكبرى، و له كتاب «المتمسّك بحبل آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)» في الفقه.

ثم اقتفى أثره و نهج منهجه ابن الجنيد المعروف بالإسكافي، الذي هو- كما صرّح به السيّد بحر العلوم (قدس سره)- من أعيان الطائفة الإمامية، و أعاظم الفرقة المحقّة، و أفاضل قدماء الإمامية، و أكثرهم علماً و فقهاً و أدباً و تصنيفاً، و أحسنهم تحريراً و أدقّهم نظراً تبلغ مصنّفاته نحواً من خمسين كتاباً، منها كتاب «تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة» مشتمل على جميع مباحث الفقه، و هو عشرون مجلّداً.

و قد وصلت النوبة بعدهما إلى الشيخ الأكبر محمد بن محمد بن‏

____________

(1) فتَّق الكلام: نقّحه و قوّمه.

14

النعمان المعروف ب (المفيد) فألّف كتاباً في الاصول، يشتمل مع اختصاره على امّهات المباحث و المطالب، و قد رأيت مصنّفاً له في الاصول في غاية الاختصار لا يتجاوز عدة صفحات، و لعلّه كان كتاباً آخر منه في هذا العلم.

و تبعه في ذلك تلميذاه اللذان هما من أركان الطائفة، و المتبحرين في الفنون المختلفة الإسلامية، و لهما تآليف قيّمة، و تصنيفات ثمينة في أكثرها، و هما: السيّد الأجلّ السيّد المرتضى الملقّب ب (علم الهدى) و شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي- (قدس سره) القدوسي- فقد صنَّف الأوّل كتاب «الذريعة إلى اصول الشريعة»؛ و الثاني كتاب «عدّة الاصول» الذي قال في شأنه السيد بحر العلوم: هو أحسن كتاب صُنّف في الاصول.

و لجلالة شأن الشيخ الطوسي، و عظمة مقامه، و كثرة تأليفاته و استنباطاته و فتاواه، لم يعْدُ أحد من تلامذته نظريات استاذهم، و لم يتجاسروا على نقدها و تمحيصها.

و استمرّت هذه الحالة إلى أن وصلت النوبة إلى سبط الشيخ ابن إدريس الحلّي المعروف بصاحب «السرائر»، فجدّد البحث و الانتقاد، و فتح باب الاستنباط و الاجتهاد بعد الركود و الانسداد.

و انتقل الدور بعده إلى الفاضلين: المحقّق صاحب «الشرائع» و ابن اخته العلّامة الحلّي، فأحكما أساس البحث و النظر، و ألّفا في الفقه و الاصول كتباً كثيرة، فألّف الأوّل في الاصول كتاب «نهج الوصول إلى معرفة الاصول» و كتاب «المعارج»، و الثاني صنّف كُتباً كثيرة عُمدتها

15

«نهج الوصول إلى علم الاصول»، الذى تصدّى لشرحه جمع من أجلّاء الأصحاب منهم ابنه فخر المحقّقين، و صار مدار البحث و الدرس إلى زمان الشهيد الثاني، و قد ألّف الشهيد المزبور كتاباً في ذلك سمّاه «تمهيد القواعد»، و ابنه صاحب «المعالم» كتابه المعروف ب «المعالم» الذي كان إلى زماننا هذا مدار البحث و الدرس في بدء الشروع في علم الاصول؛ لسلاسة تعبيره و جودة جمعه و سهولة تناوله، و لأجله صار مورداً لإقبال العلماء عليه بالتحشية و التعليق و الشرح، و أحسنها ما ألفه الشيخ محمد تقي الأصفهاني- أخو صاحب «الفصول»- المسمّى ب «هداية المسترشدين» و هو كتاب كبير مشتمل على تحقيقات كثيرة و تدقيقات بديعة.

و في هذه الدورة بلغت العناية بعلم الاصول مرتبةً لم تكن حاجة إلى بلوغه تلك المرتبة بوجه؛ بعد كونها مقدّمة للفقه، و لم تكن لها موضوعيّة، و على حسب تعبير بعض الأعاظم اتّصف بالتورّم و الخروج عن الحدّ.

إلى أن وصلت النوبة إلى الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري صاحب كتاب «الرسائل» و تلميذه المحقق الخراساني صاحب «الكفاية» (قدس سرهما) فقد وقع منهما التنقيح و التهذيب و الترتيب على وجه أنيق، و صار الكتابان من الكتب الدراسية في الحوزات العلمية، و عليهما شروح و تعاليق كثيرة، و صارت أنظارهما مورداً للتدقيق و التحقيق من قبل أجلّاء تلاميذهما، و لهم في ذلك تآليف قيّمة و أنظار ثمينة، لا يمكن إنكار علوّ رتبتها الكاشف عن الغوص في أعماق بحار المطالب و البلوغ إلى منتهى المراتب العالية و الدرجات المتعالية.

16

و بعد ذلك انتقل الدور إلى الطبقة اللاحقة التي منهم سيدنا الاستاذ العلّامة المحقّق الاصولي الكبير الإمام الخميني (قدس سره الشريف).

منهج الامام- (قدس سره)- و أنظاره في علم الاصول‏

و أمّا منهجه فقد كان بناؤه على ملاحظة المطالب من أصلها و النظر في أساسها و أنّها هل اسّست على أساس صحيح قابل للقبول، أو أن أساسها مخدوش و مورد للنظر و البحث، فقد رأينا في مباحثه أنه كثيراً ما يضع إصبعه على نكتة البحث، و يهتمّ بالأساس الذي لعلّه كان مسلّماً عندهم، و يناقش فيه، و لأجله تصير المسألة متطوّرة متغيّرة، و لا تصل النوبة إلى البحث عن الأغصان و الفروع، و من هذه الجهة كان بحثه- (قدس سره)- في أعلى درجة الفائدة، و موجباً لشحذ أذهان الفضلاء و الطلبة، و لم تكن المطالب مقبولة عنده تعبّداً و تقليداً، بل كانت ملحوظة اسُساً و اصولًا. و لعمري إنّ هذه مزيّة مهمّة توجب الرشد و الرقاء، و تؤثّر في كمال التحقيق و التدقيق.

و أمّا أنظاره القيّمة الابتكاريّة المحضة أو تبعاً لبعض مشايخه، فكثيرة نشير إلى بعضها:

منها: ما يترتّب عليه ثمرات مهمّة و فوائد جمة: و هو عدم انحلال الخطابات العامّة المتوجّهة إلى العموم- بحيث يكون الخطاب واحداً و المخاطب متعدّداً- إلى الخطابات الكثيرة حسب كثرة المخاطبين و تعدّد المكلّفين، بل الخطاب واحد و المخاطب متعدّد، و الشرط في صحّة هذا النحو من الخطاب يغاير الشرط في الخطابات الشخصيّة، فإنّه لا يمكن في الخطاب الشخصي توجيهه إلى المخاطب مع العلم بعدم القدرة- مثلًا- مع أنّه لا مانع‏

17

من كونه مخاطباً في ضمن العموم مع وصف كونه كذلك.

و يترتّب عليه صحّة الأمر بالضدّين الأهم و المهمّ من دون أن يكون هناك ترتُّب في البين، كما يتكلّفه القائل بالترتب الذي صار مورداً للإثبات و النفي إلى حدّ الاستحالة، فإنه عليه يكون الأمران ثابتين من دون ترتُّب و طولية في البين. و كذا يترتّب عليه صحّة تكليف الكفّار و العصاة مع العلم بعصيانهم و مخالفتهم. و كذا ثمرات مهمّة اخرى كعدم اشتراط الابتلاء الذي جعله الشيخ الأعظم الأنصاري- (قدس سره)- من شرائط منجزية العلم الإجمالي، و قال: بأنّ خروج بعض الطرفين أو الأطراف عن محلّ الابتلاء يمنع عن تأثير العلم رأساً، و على مبنى الإمام- (قدس سره)- لا يبقى مجال لهذا الاشتراط.

و منها: ما أفاده في إبطال ما اشتهر- بل و لعلّه من المسلَّم عندهم- من أنّ الماهيّة توجد بوجود فردٍ ما، و تنعدم بانعدام جميع الأفراد.

و ملخّص ما بيّنه و أفاده: أنّه إذا كان الطبيعيّ موجوداً بوجود فردٍ ما، فالإنسان يوجد بوجود زيد لا محالة، كما أنّه يوجد بوجود عمرو، لكنّ زيداً و عمراً إنسانان لا إنسان واحد، فإذا كان وجود زيد وجود إنسان تامّ و تحقّق كمال الطبيعة و تمام الماهيّة، فكيف لا يكون عدمه عدمها؟! فكما أنّ الإنسان يوجد بوجود زيد كذلك ينعدم بعدمه لا محالة، لكن لا مانع من وجود الماهيّة و عدمه في آنٍ واحد، فكما أنّ الإنسان يتّصف في آنٍ واحد بالبياض و السواد معاً لأجل اتّصاف زيد بالأوّل و عمرو بالثاني، كذلك يتّصف بالوجود و العدم معاً للعلّة المذكورة بعينها، و عليه فلا يبقى مجال لما اشتهر من أنّ الماهيّة توجد بوجود فردٍ ما و تنعدم بانعدام جميع الأفراد، بل هي‏

18

توجد بوجود فرد و تنعدم بانعدام فرد، و يجتمع الأمران- الوجود و العدم- فيها في آنٍ واحد.

و منها: ما أفاده في إبطال ما استفاده مثل المحقّق الخراساني- (قدس سره)- من المسألة المعروفة في الفلسفة، و هي أنّ الماهيّة من حيث هي هي ليست إلّا هي؛ لا موجودة و لا معدومة و لا مطلوبة و لا غير مطلوبة من أنّ مقتضى ذلك عدم إمكان تعلّق الأحكام التكليفيّة بنفس الطبائع و الماهيّات؛ لأنها في عالم الماهيّة ليست إلّا هي، و لا تكون مطلوبة كما أنّها لا تكون غير مطلوبة.

و محصّل ما أفاد في إبطال هذا المقال: أنّ مقصود الفلاسفة من العبارة المذكورة أنّ الماهيّة في مرتبتها التي هي مرتبة الجنس و الفصل لا يكون أمر آخر غيرهما مأخوذاً فيها؛ بحيث يكون في عداد الجنس و الفصل حتّى الوجود، فإنّ الماهيّة و إن كانت متّصفة بالوجود إلّا أنّ الوجود لا يكون داخلًا فيها جزءًا لا جنساً و لا فصلًا، كما أنّ العدم- أيضاً- يكون كذلك مع أنّها في الخارج لا تخلو إمّا عن الوجود و إمّا عن العدم.

و بعبارة اخرى: العبارة المذكورة ناظرة إلى الحمل الأوّلي الذاتي الذي لا يكون دون الاتّحاد في الماهيّة و إن لم نقل باعتبار الاتّحاد في المفهوم فيه أيضاً، و البحث في تعلّق الأحكام بالطبائع ناظر إلى الحمل الشائع الصناعي، فماهيّة الصلاة واجبة لا بمعنى كون الوجوب جزءًا لماهيّتها، بل بمعنى كونها معروضة للوجوب.

و من هنا يظهر: أنّ إضافة الوجوب إلى الماهيّة إنّما هو في عداد إضافة الوجود إليها، و لا فرق بين الأمرين، و عليه فلا مجال للفرار عن الشبهة

19

المذكورة بالالتجاء إلى كون متعلّق الأحكام هو وجود الطبائع، كما زعمه المحقّق الخراساني- (قدس سره)- مضافاً إلى استحالة تعلّق التكليف بالوجود؛ للزوم تحصيل الحاصل، و التحقيق في محلّه.

و يترتّب على ما أفاده وضوح جواز اجتماع الأمر و النهي في مثل الصلاة في الدار المغصوبة؛ لعدم تحقّق الاتّحاد بين العنوانين في عالم تعلّق الأمر و النهي و كون الاتّحاد في الخارج الذي هو خارج عن مرحلة تعلُّق الأحكام و غير ذلك من الثمرات.

و منها: أنّه قد اشتهر لا سيّما في كلام المحقّق الخراساني- (قدس سره)- أنّ لكلّ حكم مراتب أربعة: الاقتضاء و الإنشاء و الفعليّة و التنجُّز، و لو أخرجنا الاقتضاء و التنجز عن المراتب، نظراً إلى كون الأوّل قبل الحكم و سبباً مقتضياً له، و الثاني بعد الحكم؛ لأنّه عبارة عن استحقاق العقوبة على المخالفة، تبقى المرتبتان الإنشاء و الفعليّة، و المراد بالأوّل مرتبة جعل الحكم و وضعه و إنشائه، و بالثاني مرتبة بلوغه إلى لزوم العمل على طبقه، و الجري على وفقه.

و الإمام- (قدس سره)- قد أنكر هذه المراتب بل المرتبتين أيضاً، و التزم بأنّ الأحكام على قسمين- لا أنّ لكلّ منها مرتبتين-:

قسم- و هو جُلّ الأحكام- عبارة عن الأحكام الفعليّة الواقعة في جريان العمل و القوانين التي يلزم تطبيق العمل عليها.

و القسم الآخر: هي الأحكام الإنشائيّة التي تصير فعليّة في زمن المهديّ صاحب العصر و الزمان- (عجّل اللّه فرجه)- و بعد ظهوره.

فالإنشائيّة و الفعليّة منوِّعتان لجنس الحكم، لا أنّهما مرتبتان لكلّ حكم، و التحقيق في محلّه.

20

و منها: ما أفاده في إبطال ما كان مسلّماً عند مثل المحقّق الخراساني- (قدس سره)- من أنّ الأوامر على ثلاثة أقسام: الأمر الواقعي الأوّلى، و الأمر الثانوي الاضطراري، و الأمر الظاهري، و أنّ الأوّل مثل الأمر بالصلاة مع الطهارة المائيّة، و الثاني مثل الأمر بها مع الطهارة الترابيّة، و الثالث مثل الأمر بها مع السارة الظاهريّة الثابتة بالبيّنة أو بمثل الاستصحاب و قاعدة الطهارة.

و محصّل ما أفاده: أنّ تعدُّد الأمر غير قابل للقبول، بل في المثال المذكور الأمر الواحد قد تعلّق بطبيعة الصلاة في قوله- تعالى- في موارد متعدّدة: «أقيموا الصلاة» و آية الوضوء و التيمّم ناظرة إلى تبيين المتعلّق و اشتراطه بالوضوء لواجد الماء و بالتيمّم لفاقد الماء، من دون أن يكون هناك أمران، كما أنّ أدلّة حجّية البيّنة و الاصول العمليّة المثبتة للطهارة ناظرة إلى جواز الاكتفاء بالطهارة الثابتة بها في مقام الامتثال و موافقة الأمر بالصلاة من دون أن يكون هناك أمر ثالث، فالأمر واحد و متعلّقه- أيضاً- واحد، لكن الأدلّة الاخرى ناظرة إلى بيان الشرطيّة و الاكتفاء بالشرط و لو كان ثابتاً بأصل أو أمارة، فنرى في مورد بعض أدلّة الاستصحاب إجراءه في مورد الشكّ في الوضوء مع العلم بحدوثه من دون أن يكون فيه إشعار بتعدّد الأمر و وجود أمر آخر غير الأمر المتعلّق بطبيعة الصلاة، بل مفاده التوسعة في دليل آية الوضوء، و أنّ الوضوء الاستصحابي يكفي في تحقق الشرط.

نعم قد وقع البحث في أنّه مع انكشاف الخلاف و أنّه لم يكن متوضّئاً في حال الشكّ هل يكون المأتيّ به مُجزياً أم لا؟

و منها: ما اختاره تبعاً لشيخه و استاذه صاحب كتاب «وقاية الأذهان» من أنّ المجاز لا يكون استعمالًا للفظ في غير ما وُضع له، بل يكون استعمالًا

21

فيما وُضع له، غاية الأمر ثبوت ادّعاء في البين شبيه ما يقوله السكّاكي في خصوص باب الاستعارة، التي هي المجاز مع علاقة المشابهة، مع فرق بينهما قد حُقّق في محلّه.

و غير ذلك من الموارد الكثيرة و الأنظار القيّمة التي يظهر لمن راجع مباحثه.

الكتاب الذي بين يديك‏

حيث إنّ الفضلاء الذين يستفيدون من مباحثه كثيرون، و كان أكثرهم يُقرِّرون و يثبتون مطالبه كلًا او جُلًّا، لكن المطبوع منها الذي كان ملحوظاً للإمام- (قدس سره)- و متصدّراً بتقريظه الشريف ما قرّره الفاضل العالم الكامل أخونا المعظّم آية اللَّه الحاج الشيخ جعفر السبحاني التبريزي- أدام اللَّه بركات وجوده- المسمّى ب «تهذيب الاصول»، و كان مرجعاً للفضلاء و الطلاب في الحوزات العلميّة من الأساتذة و التلامذة و غيرهم.

لكن الكتاب الذي بين يديك وجد بعد ارتحاله- (قدس سره)- في قراطيس متفرّقة و لم يخرج إليك إلّا بعد إعمال جهد شديد و عمل متواصل تصدت له مؤسّسة تنظيم و نشر آثار الإمام- (قدس سره)- التي هي مؤسّسة كثيرة البركات و الآثار، و هي تحت إشراف قُرّة العين حجّة الإسلام و المسلمين الحاج السيد أحمد الخميني- دامت بركاته العالية- و قد صدرت منها كتب نافعة كثيرة مطبوعة.

و اللازم أوّلًا التقدير و التشكّر من تلك المؤسّسة التي لا زالت مؤيّدة، و ثانياً من الذين أتعبوا أنفسهم في تنظيم هذا الكتاب و تذييله بمطالب يترتّب عليها

22

فوائد مهمّة لا يُستغنى عنها بوجه أصلًا.

و في الختام نرجو من اللَّه تعالى أن يزيد في علوّ درجات الإمام- (قدس سره)- و أن يحشره مع أجداده الطيّبين الطاهرين و أن يجزيه عن الإسلام و المسلمين خير جزاء المحسنين بحقّ بقيّة اللَّه تعالى في الأرضين- روحي و أرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء- و كان اللازم البحث في المقدّمة على سبيل التفصيل، لكن ضيق الوقت و الاستعجال قد منعا من ذلك.

محمد الفاضل اللنكراني‏

25/ 1/ 72

23

كلمة المؤسسة

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للَّه، و الصلاة و السلام على رسول اللَّه و آله الطيبين‏

الطاهرين، و بعد فهذه وجيزة نبين فيها منهجنا الذي اتبعناه في‏

تحقيق الكتاب، و مراحل عملنا فيه فنقول:

منهجنا في التحقيق:

لا ندّعي لأنفسنا منهجاً جديداً يختلف عن المنهج الحديث المتداول في التحقيقات القائمة اليوم، و إن كان يختلف في بعض جزئيّاته عن غيره؛ لاختلافٍ في خصوصيّات عملنا، كما هو الحال في كلّ عمل تحقيقيّ آخر، له خصوصيّاته و مناهجه التي يمتاز بها عن الأعمال التحقيقيّة الاخرى.

و لقد حاولنا- مُحاولة الحريص- أن تكون جميع مراحل تحقيقنا هذا في غاية الدقّة و الإتقان بما يتناسب مع عظمة المؤلّف و علوّ مقامه، فإن وُفِّقنا

24

فبفضل اللَّه و تسديده، و إلّا فبقصورنا و جهدنا العاجز.

نسأله تعالى بحق محمدٍ و آله ألّا يحرمنا من رضاه و مثوبته، كما نأمل أن ننال رضا سيّدنا المصنِّف- طاب ثراه- و هو في دار كرامته.

مراحل التحقيق:

1- مرحلة الاستنساخ.

2- مرحلة المقابلة.

3- مرحلة تقطيع النصّ.

4- مرحلة تقويم النصّ.

5- مرحلة استخراج النصوص و ترجمة الرجال.

6- مرحلة التدقيق و الضبط النهائي.

7- مرحلة إعداد الهوامش و تنزيلها.

1- مرحلة الاستنساخ: في هذه المرحلة تمّ استنساخ المخطوطة بخطّ واضح و بشكل يفسح المجال لإجراء الأعمال اللاحقة.

2- مرحلة المقابلة: بعد مرحلة الاستنساخ بدأنا بمقابلة المستنسَخ لاستكشاف اشتباهات المستنسِخ و سهوه و ضبط النصّ كما ورد في المخطوطة من غير زيادة أو نقصان، عدا ما أجراه المستنسِخ على النصّ من بعض التصحيحات السريعة و التقطيع الأوّلي.

و لا تخفى أهميّة هذه المرحلة من ناحية الأمانة التحقيقية، و من ناحية ابتناء تقويم النصّ عليها.

3- مرحلة تقطيع النصّ و تزيينه بعلامات الترقيم: و هي مرحلة مهمّة جدّاً

25

في التحقيقات الحديثة، فهي تعين القارئ على فهم المطالب، و تكشف له كثيراً من الغوامض.

و هذه المرحلة تعتمد على فهم النصّ و التأمّل في مطالبه لتحديد رؤوس الأسطر بالصورة الصحيحة، و وضع علامات الترقيم في مواضعها المناسبة.

و من علامات الترقيم التي اعتنينا بها و وسّعنا استعمالها في كتابنا هذا هي الفارزة المنقوطة؛ حيث وضعناها في موضعين:

1- قبل الجمل التعليلية.

2- قبل الجمل المفسِّرة.

كما أنّ الأقوال تركناها بدون حصر؛ لأنّها في الأغلب منقولة بالمضمون، و لأنّ بعضها مشتمل على أحاديث و أمثلة، فحصرها يؤدّي إلى تداخل الأقواس.

4- مرحلة التقويم: و هي أهمّ مراحل التحقيق على الإطلاق، و يعرف ذلك عند الإحاطة بالأعمال التي يقوم بها المقوِّم، و التي تُجرى على النصّ في هذه المرحلة، و هي كما يلي:

أ- ضبط النصّ إملائياً وفق الضوابط و القواعد الإملائية الحديثة.

ب- استكشاف الكلمات غير المقروءة، أو المحتملة لقراءتين، أو الساقطة بسبب التلف الذي أصاب بعض أطراف المخطوطة، أو غير ذلك.

ج- تتميم العبارات الناقصة و حصر الكلمات التي يقتضي السياق إضافتها بين معقوفين.

5- مرحلة استخراج النصوص و ترجمة الرجال: و هذه المرحلة تُعدّ اليوم من أهمّ الأعمال التحقيقيّة التي تُجرى للكتاب المراد تحقيقه.

26

و تنبع أهمّيّتها من إضفاء العِلميّة على الكتاب، و إكسابه الثقة و الاعتماد بدعمه بالمصدر و السند.

و قد ترجمنا باختصار جميع الرجال و الأعلام عند أوّل ورودهم في متن الكتاب، سواء وقعوا في سند الروايات التي تضمّنها الكتاب، أو كانوا من العلماء الذين أورد المصنّف آراءهم.

و قد اعتمدنا في ذلك على أهمّ الجوامع الحديثية المتقدّمة و المتأخّرة، و على أهمّ كتب الرجال و تراجم الأعلام القديمة و الحديثة، و في تخريج الأقوال اعتمدنا على المتوفّر من المصادر المطبوعة حديثاً و الكتب الخطية و الحجريّة، و قد قمنا- بالنسبة الكتب الحجريّة- بتحديد موضع الاستخراج بذكر السطر ابتداءً و انتهاءً، إضافة إلى ذكر الجزء و الصفحة بالنسبة إلى المصادر كافّة، كلّ ذلك تسهيلًا و تيسيراً للمراجع الكريم.

6- مرحلة المراجعة و التدقيق و الضبط النهائي: و لا تخفى أهمّيّة هذه المرحلة في تلافي النواقص و الأخطاء و الاشتباهات الحاصلة في المراحل السابقة، و التي لا يُعصم منها إلّا من عصم اللّهُ تعالى.

و بعد تدقيق أهمّ الأعمال التحقيقيّة السالفة، و هي: تقطيع النصّ و تقويمه و استخراج نصوصه تأتي المرحلة الأخيرة:

7- مرحلة إعداد الهوامش و تنزيلها: و في هذه المرحلة تجمع الهوامش التقويمية و التراجم و الاستخراجات بتسلسل واحد لكلّ صفحة من صفحات الكتاب، و بصياغة موحّدة بيد شخص واحد؛ لكي تسير على نسَقٍ متّسِقٍ، و تنساب على طريقة و انسجام.

و في الختام لا يسعنا إلّا أن نتقدّم بجزيل شكرنا، و وافر امتناننا، و عظيم‏

27

تقديرنا للإخوة الباحثين المحققين في مؤسستنا الذين بذلوا جهوداً كبيرة مضنية، في سبيل إخراج هذا الكتاب و تنسيقه بهذه الحلة الوضاءة، و السبك الرائع المتقن، فبارك اللَّه تعالى عملهم، و شكر سعيهم، و وفقهم لما فيه الرشاد، و هداهم إلى سبل السداد، بمحمّدٍ و آله الكرام الأمجاد.

مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني ((قدس سره))

فرع قم المقدسة- قسم التحقيق‏

11/ شوال/ 1413 ه ق‏

14/ 1/ 1372 ه ش‏

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

و بعدُ:

فقبل الورود في المقصود لا بدّ من تقديم أُمور:

الأمر الأوّل في موضوع كلّ علم و تعريف علم الأُصول‏

إنّ كلّ علم عبارة عن عدّة قضايا مرتبطة تجمعها خصوصيّة بها يترتّب عليها غرض واحد و فائدة واحدة بالوحدة السنخيّة. و وحدة العلم- كوجوده- اعتباريّة لا حقيقيّة؛ ضرورة امتناع حصول الوحدة الحقيقيّة المساوقة للوجود الحقيقيّ للقضايا المتعدّدة؛ لأنّ المركّب من الشيئين أو الأشياء لا يكون موجوداً [آخر] غير الأجزاء، اللّهمّ إلاّ المركّب الحقيقيّ الحاصل من الكسر و الانكسار المتحصّلة منهما صورةٌ غير صورة الأجزاء.

و لا إشكال في أنّ العلوم كلّها- عقليّة كانت أو غيرها- إنّما نشأت من‏

36

النقص إلى الكمال، فكلّ علمٍ لم يكن في أوّل أمره إلاّ قضايا معدودة لعلّها لم تبلغ عدد الأصابع، فأضاف إليها الخلف بعد السلف، و كم ترك الأوّلُ للآخر، و الفَرَطُ (1) للتابع.

فهذا المنطق، فقد نقل الشيخ أبو عليّ [1] عن معلّم الفلاسفة [2]: أنّا ما ورثنا عمّن تقدّمنا في الأقيسة إلاّ ضوابط غير مفصّلة ... إلخ، و هذا حال سائر العلوم، فلا أظنّ بعلم أُسِّس من بدْو نشئه على ما هو الآن بين أيدينا، فانظر علوم الرياضيّات و الطبّ و التشريح حاضرَها و ماضيَها، و علمي الفقه‏

____________

[1] الشفاء- المنطق- 4: 113. 1 الشيخ أبو علي: هو الحسين بن عبد اللّه بن سينا المعروف بالشيخ الرئيس. وُلِدَ في بُخارى سنة (370 ه) كان يحفظ كلّ ما يُلقى عليه، حتّى إذا بلغ الثانية عشر أخذ يُفتي الناس على مذهب أبي حنيفة، ثمّ شرع في علم الطبّ، و صنّف القانون و هو ابن ستّة عشر عاماً، و حين بلغ من العمر أربعاً و عشرين سنة كان قد تمّ له الإحاطة بجُلّ العلوم. له تصانيف عديدة أشهرها: الشفاء، و الإشارات، و النجاة، و القانون في الطب. تُوفّي سنة (428 ه)، و دفن في همدان.

انظر وفيات الأعيان 2: 157، أعيان الشيعة 6: 69، الكُنى و الألقاب 1: 309.

[2] معلِّم الفلاسفة: هو أرسطوطاليس بن نيقوماخس- الطبيب المشهور- و هو أشهر فلاسفة اليونان. ولد سنة (384 ق. م) بمدينة «إسطاغيرا». لُقِّب بالمعلّم الأوّل؛ لأنه أوّل من وضع المنطق. أخذ الحكمة عن «أفلاطون» اليوناني، ففاق جميع تلامذته. سُميت مدرسته بالمدرسة المشّائيّة؛ لأنه كان يُعلّم و هو يمشي. كتب في المنطق و الطبيعة و الميتافيزيقا و الأخلاق و الشعر. تُوفّي سنة (322 ق. م).

انظر دائرة المعارف للبستاني 3: 75، الموسوعة الفلسفية 1: 98، دائرة معارف القرن العشرين 1: 164.

____________

(1) الفَرَط و الفارط: المتقدِّم.

37

و الأصول من زمن الصدوقين [1] و الشيخين [2] إلى زماننا.

____________

[1] الصدوقان: هما الصدوق و والده عليهما الرحمة و الرضوان:

الصدوق: هو محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القُمّي. لا تخفى جلالة قدره، و ممّا يدلّ على ذلك إخبار الإمامِ الحجّة (عجّل اللّه فرجه) والدَه بقوله: (ستُرزق ولدينِ خيِّرين)، و هما الشيخ الصدوق و أخوه الشيخ حسين بن عليّ (رضوان اللَّه عليهما).

له كتب عديدة، منها «من لا يحضره الفقيه»، و هو أحد الكتب الحديثيّة الأربعة عند الإماميّة. تُوفّي سنة (381 ه)، و قبره الشريف مزار معروف في بلدة «ري».

انظر رجال العلاّمة: 147، روضات الجنات 6: 132، بُلغة المحدّثين: 410، معجم رجال الحديث 16: 316.

والد الصدوق: هو الشيخ عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القميّ، و يُكنّى أبا الحسن.

كان محدّثاً ثقة جليل المنزلة و شيخ القميّين و فقيههم. كتب إلى الإمام الحجة (عجّل اللّه فرجه) بواسطة نائبه الخاصّ الحسين بن روح- رضي اللّه عنه- يطلب الولد بشفاعته، فكتب (عليه السلام): (قد دعونا اللّه لك بذلك، و سترزق ولدين ذكرين خيِّرين)، فولد له أبو جعفر و أبو عبد اللّه. و ممّا يدلّ على علوّ شأنه ما ورد إليه من الإمام العسكري- (عليه السلام)- و فيه: (يا شيخي و معتمدي و فقيهي أبا الحسن وفّقك اللّه لمرضاته) .. و هو أوّل من ابتكر طرح الأسانيد، و جمع بين النّظائر، و أتى بالخبر مع القرينة. وقف بوجه الحلاّج و دحض حجته. له كتب كثيرة أشهرها رسالته لولده الصدوق. تُوفّي سنة (328 ه)، و دُفن في «قم» و قبره لا يزال مزاراً معروفاً فيها.

انظر روضات الجنّات 4: 273، تنقيح المقال 2: 283، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام:

131، نوابغ الرّواة: 185.

[2] الشيخان: هما الشيخ المفيد و الشيخ الطوسي عليهما الرحمة و الرضوان:

الشيخ المفيد: هو محمد بن محمد بن النعمان العكبَري البغدادي، المكنّى بأبي عبد اللّه، و الملقَّب بالمفيد، و المعروف بابن المعلّم. من أجلّ مشايخ الشيعة و رؤسائهم.

ولد سنة (336 ه)، أخذ العلم عن أكثر من خمسين أُستاذاً منهم الشيخ ابن قولويه‏

38

ثمّ اعلم أنّ القضايا المركّبةَ منها العلومُ مختلفة: فمن العلوم ما يكون جميع قضاياه أو غالبها قضايا حقيقيّة أو بحكمها، كالعقليّات و الفقه و أُصوله، و منها ما تكون جزئيّة حقيقيّة، كالتاريخ و الجغرافيا و غالب مسائل الهيئة و علم العرفان.

و نسبة موضوع المسائل إلى ما قيل: إنّه موضوع العلم، قد تكون كنسبة الطبيعيّ إلى أفراده، و قد تكون كنسبة الكلّ إلى أجزائه، بل قد يكون موضوع‏

____________

و الشيخ الصدوق. و أدلّ شي‏ء على عظمته ورود ثلاث رسائل إليه من الناحية المقدّسة ورد في إحداها: (للأخ السديد و الوليّ الرشيد الشيخ المفيد.). و جاء في ثانية:

(سلام عليك أيّها الناصر للحقّ، الداعي إليه بكلمة الصدق) .. درس على يديه كبار علمائنا الأبرار، كالسيّد المرتضى، و الشريف الرضي، و الشيخ الطوسي، و الشيخ النجاشي، و غيرهم. ذكروا أنّ له أكثر من (200) كتاب و رسالة. تُوفّي- رضي اللّه عنه و أرضاه- سنة (413 ه)، و صلّى عليه السيّد المرتضى، و دفن في الروضة المُطهّرة للإمامين الكاظمين (عليهما السلام).

انظر روضات الجنّات 6: 153، رجال النجاشي: 399، تاريخ بغداد 3: 231، تنقيح المقال 3: 180- 181.

الشيخ الطوسي: هو محمد بن الحسن بن عليّ الطوسي، لُقِّب بشيخ الطائفة. ولد عام (385 ه) في شهر رمضان المبارك. هاجر إلى بغداد عاصمة العلم و الخلافة آنذاك، خلف أُستاذيه- الشيخ المفيد و السيِّد المرتضى- في الجلوس على كرسيّ الكلام الّذي كان الخليفة العباسي- آنذاك- لا يعطيه إلاّ لوحيد عصره من العلماء، هاجر إلى النجف الأغرّ إثْر فتنة التهبت في بغداد. كتب في الحديث و الرّجال و الفقه و الأُصول و التفسير و الكلام كُتُباً بالغة الأهميّة، أثرى بها المكتبة الإسلامية. توفّي سنة (460 ه) في شهر محرّم، و دفن قريباً من حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) في داره التي صارت مسجداً فيما بعد.

انظر رجال العلاّمة: 148، تنقيح المقال 3: 104، أعيان الشيعة 9: 159.

39

جميع المسائل هو موضوع العلم، فمن الأوّل الأمثلة الأُوَل، و من الثاني الثانية غالباً ما عدا العرفان، و من الثالث العرفان؛ فإنّ موضوعه هو اللّه تعالى و هو عين موضوع مسائله.

فاتّضح ممّا ذكر أُمور:

منها: أنّ ما اشتهر- من أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة (1)- ممّا لا أصل له، سواء فسّرناها بما فسّرها القدماء (2)، أو بأنّها ما لا تكون لها واسطة في العروض‏ (3)؛ ضرورة أنَّ عوارض موضوعات المسائل- التي تكون نسبتها إلى موضوع العلم كنسبة الأجزاء إلى الكلّ، لا الجزئيّات إلى الكلّي- لا تكون من عوارضه الذاتيّة بالتفسيرين إلاّ بتكلّف.

و منها: ما قيل:- من أنّ مسائل العلوم هي القضايا الحقيقيّة- غير مطّرد و منها: ما قيل:- من أنّ موضوعات المسائل هي موضوع العلم خارجاً، و يتّحد معها عيناً كاتّحاد الطبيعيّ و أفراده‏ (4)- غير تامّ.

و منها: ما اشتهر- من أنْ لا بدّ لكلّ علم من موضوع واحد جامع‏

____________

(1) شرح الشمسيّة: 14- سطر 13- 14 و 15- سطر 1، شوارق الإلهام 1: 5- سطر 27، الأسفار 1: 30، الشواهد الربوبية: 19، الفصول الغرويّة: 10- سطر 23، هداية المسترشدين: 14- سطر 10 و 12، الكفاية 1: 2.

(2) شرح الشمسيّة: 14- سطر 14 و 15- سطر 3- 4، الأسفار 1: 30 و 32 هامش 1، الشواهد الربوبيّة: 19.

(3) الفصول الغرويّة 10- سطر 23- 24، الأسفار 1: 30 و 32 هامش 1، الكفاية 1: 2.

(4) الكفاية 1: 2- 5، فوائد الأُصول 1: 22.

40

بين موضوعات المسائل‏ (1)- ممّا لا أصل له، فإنّك قد عرفت أنّ كلّ علم إنّما كان بدْو تدوينه عدّة قضايا، فأضاف إليه الخلف حتّى صار كاملاً، و لم يكن من أوّل الأمر في نظر المؤسّس البحث عن عوارض الجامع بين موضوعات المسائل.

فهذا علم الفقه، فهل يكون في مسائله ما يبحث عن عوارض فعل المكلّف بما هو فعله الجامع بين الأفعال؟! و هل كان نظر مدوّنيه في أوّل تدوينه إلى ذلك، أم كان هذا التكلّف كالمناسبات بعد الوقوع على وجه لا يصدق في جميع مسائل العلوم أو غالبها؟! و هل تظنّ أنّ مدوِّن علم الجغرافيا في بَدْو تأسيسه كان ناظراً إلى أحوال الأرض و هيئاتها؟! أو أنّ في كلّ صُقْع وُجد شخص أو أشخاص في مرّ الدهور، و دوَّن جغرافيا صُقعه، أو مع البلاد المجاورة، ثمّ ضمّ آخر جغرافيا صقعه إليه، فصار جغرافيا مملكة، و هكذا إلى أن صار جغرافيا جميع الأرض، فلم يكن البحث فيه من أوّل الأمر عن أحوال الأرض- تأمّل- و هكذا الأمر في كثير من العلوم.

فالالتزام بأنّه لا بدّ لكلّ علم من موضوع يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، ثمّ التزام تكلّفات باردة لتصحيحه، ثمّ التزام استطراد كثير من المباحث التي تكون بالضرورة من مسائل الفنون، ممّا لا أرى له وجهاً.

____________

(1) الكفاية 1: 2 و 6، فوائد الأُصول 1: 22.

41

فأي داعٍ للالتزام بكون موضوع علم الفقه هو فعل المكلّف‏ (1)، و أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، مع أنّ الأحكام ليست من العوارض؟! و مع التسليم و تعميم الأعراض للاعتباريّات ليست كلّها من الأعراض الذاتيّة لموضوعات المسائل، فإنّ وجوب الصلاة لا يمكن أن يكون من الأعراض الذاتيّة لها بوجودها الخارجي؛ لكون الخارج ظرف السقوط لا الثبوت، و لا بوجودها الذهني، و هو واضح، و لا للماهيّة من حيث هي؛ ضرورة عدم كونها مطلوبة، فمعنى وجوبها أنّ الآمر نظر إلى الماهيّة و بعث المكلّف نحو إيجادها، و بهذا الاعتبار يقال: إنّها واجبة، لا بمعنى اتصافها بالوجوب في وعاء من الأوعية، و وعاء الاعتبار ليس خارجاً عن الخارج و الذهن.

هذا، مع لزوم الاستطراد في كثير من مهمّات مسائل الفقه، كأبواب الضمان، و أبواب المطهّرات و النجاسات، و أبواب الإرث، و غير ذلك.

أو أيّ داع لجعل موضوع الفلسفة هو الوجود، ثمّ التكلّف بإرجاع المسائل فيها إلى البحث عن أعراضه الذاتيّة له بما تكلّف به بعض أعاظم فنّ الفلسفة [1]، ثمّ الالتزام باستطراد كثير من المباحث، كمباحث الماهيّة

____________

[1] الأسفار 1: 23- 25، الشواهد الربوبية: 14 و 16.

و مؤلفهما هو محمد بن إبراهيم الشيرازي القوامي، المعروف بصدر المتألّهين و مُلا صَدْرا. ولد

____________

(1) المعالم: 25- سطر 7.

42

و الأعدام، بل مباحث المعاد و أحوال الجنّة و النار و غيرها، أو التكلّف الشديد البارد بإدخالها فيها.

هذا، مع أنّ كثيراً من العلوم مشتمل على قضايا سلبيّة بالسلب التحصيليّ، و التحقيق في السوالب المحصَّلة أنّ مفادها هو قطع النسبة و سلب الربط، لا إثبات النسبة السلبيّة، كما أوضحناه بما لا مزيد عليه في مباحث الاستصحاب‏ (1).

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ دعوى كون موضوع كلّ علمٍ أمراً واحداً منطبقاً على موضوعات المسائل و متّحداً معها، غيرُ سديدة.

و ما ربّما يتوهّم- من لزوم ذلك عقلاً استناداً إلى قاعدة عدم صدور الواحد إلاّ من الواحد (2)- ممّا لا ينبغي أن يصدر ممّن له حظّ من العقليّات؛ فإنّ موضوع القاعدة هو البسيط الحقيقيّ صادراً و مصدراً، لا مثل العلوم التي هي قضايا متكثِّرة، كلّ منها مشتملة على فائدةٍ تكون مع أُخرى واحدةً

____________

سنة (979 ه) في «شيراز» و درس فيها، ثم هاجر إلى «أصفهان» ليدرس عند الشيخ البهائي و السيّد الداماد، و انقطع للأخير. قدم «قم» و اعتزل فيها قرابة (15) عاماً، بعدها شرع بالتصنيف، فكتب كتباً كثيرة أشهرها الأسفار في (9) مجلّدات، و مفاتيح الغيب، و الشواهد الربوبيّة.

عُرف بجمعه بين المدرستين الإشراقية و المشّائيّة. تُوفّي سنة (1050 ه) في البصرة في طريقه إلى بيت اللّه الحرام.

انظر أعيان الشيعة 9: 321، سُلافة العصر: 491، روضات الجنّات 4: 120.

____________

(1) الرسائل- للسيّد الإمام (قدس سره)-: 138- 139.

(2) حاشية المشكيني على الكفاية 1: 3.

43

بالنسخ، فإنّ قاعدة «كلّ فاعل مرفوع» يستفاد منها فائدة غير ما يستفاد من قاعدة «كلّ مفعول منصوب» و سائر القواعد، لكن لتلك الفوائد الكثيرة ربط و سنخيّة من وجه، و لها وحدة انتزاعيّة اعتباريّة.

مع أنّ حديثَ تأثير الجامع بين المؤثّرات إذا اجتمعت أثراً واحداً حديثُ خرافة؛ لعدم تحقّق الجامع في الخارج بنعت الوحدة إلاّ على رأي الرّجل الهمدانيّ [1].

تنبيه: ما به امتياز العلوم:

كما أنّ منشأ الوحدة في العلوم هو سنخيّة قضاياها المتشتّتة، و منشأ امتيازها هو اختلاف ذاتها و سنخ قضاياها، و لا يمكن أن يكون ما به‏

____________

[1] الأسفار 1: 273.

صادف الشيخُ ابن سينا في مدينة همدان رجلاً من العلماء كبير السنّ غزير المحاسن وافر العلوم، مُتقِناً في العلوم الحكَمية و الشرعية السمعية، و له مذاهب غريبة مباينة للأقدمين في المنطق و الطبيعيات و الإلهيّات و الهندسة، و يعجب ممّن يخالفه، حيث يرى آراءه بديهيّة و مُجمعاً عليها. و ممّا اشتهر عن هذا الرّجل قوله: إنّ الطبيعي موجود بوجود واحد عددي في ضمن أفراده، و هذا معنى وجود الأنواع و الأجناس في الأعيان. و يقول: هل بلغ من عقل الإنسان أن يظنّ أنّ هذا موضع خلاف بين الحكماء؟! و للشيخ الرئيس رسالة مُفردة في هذا الباب شنّع فيها كثيراً على هذا الرّجل.

و قد يُفسَّر قول هذا الرّجل بالمُثُل الإلهية و يُنتصر له، و أنّ ردّ الشيخ عليه كان قبل قوله بالمُثُل.

انظر الأسفار 1: 273، شرح المنظومة 1: 147- 149.

44

اختلافها و امتيازها هو الأغراض أو الفوائد المترتّبة عليها؛ لتأخّرها رتبة عن القضايا، فمع عدم امتيازها لا يمكن أن يترتّب عليها فوائد مختلفة.

نعم، قد تتداخل العلوم في بعض القضايا؛ بمعنى أنْ تكون لقضيّة واحدة فائدة أدبيّة- مثلاً- يبحث الأديب عنها لفائدتها الأدبيّة، و الأُصوليّ لفهم كلام الشارع، كبعض مباحث الألفاظ، فالأُصوليّ و الأديب يكون غرضهما فهم كون اللام للاستغراق، و «ما» و «إلاّ» للحصر، لكن يكون ذلك هو الغرض الأقصى للأديب بما أنّه أديب، أو يكون أقصى مقصده أمراً أدبيّاً، و للأُصوليّ غرض آخر، هو فهم كلام الشارع لتعيين تكليف العباد.

و تداخل العلوم في بعض المسائل لا يوجب أن تكون امتيازها بالأغراض بما أنّها واحدة بالوحدة الاعتباريّة، فإنّ المركّب من مسائل شتّى إذا اختلف مع مركّب آخر بحسب مسائله، و اتّحد معه في بعضها، يكون مختلفاً معه بما أنّه واحد اعتباريّ ذاتاً، خصوصاً إذا كان التداخل قليلاً، كما أنّ الأمر كذلك في العلوم.

فتحصّل ممّا ذكر: أنّ اختلاف العلوم إنّما يكون بذاتها، لا بالأغراض و الفوائد، فإنّه غير معقول.

ثمّ إنّه بما ذكرنا- من عدم لزوم كون المبحوث عنه في مسائل العلم من الأعراض الذاتيّة لموضوع العلم، بل و لا لموضوع المسائل- يتّضح: أنّ بعض المباحث اللفظيّة، كالبحث عن دلالة الأمر و النهي و كلمات الحصر و كثيرٍ من مباحث العامّ و الخاصّ و المطلق و المقيّد، و بعض المباحث العقليّة

45

التي يكون البحث فيها أعمّ ممّا ورد في كلام الشارع، تكون من مسائل العلم بما أنّها مسائل مرتبطة بسائر مسائلها، و مشتركة معها في الخصوصيّة التي لأجلها صارت واحدة بالاعتبار، إذا لم يكن محذور آخر في عدّها منه، كما سنشير إليه‏ (1).

بحث و تحقيق: في تعريف الأُصول:

قد عُرّف الأُصول بتعاريف لم يسلم واحد منها من الإشكال طرداً أو عكساً، بخروج ما دخل فيه تارة، و دخول ما خرج منه أُخرى.

فقد اشتهر تعريفه: بأنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة (2)، فاستشكل عليه بلزوم استطراد الظنّ على الحكومة، و مسائل الأُصول العمليّة في الشبهات الحكميّة (3)، و يظهر من الشيخ الأعظم [1] ما يوجب انسلاك كثير من القواعد الفقهيّة فيه.

____________

[1] مطارح الأنظار: 37- سطر 8- 9.

الشيخ الأعظم: هو الشيخ المرتضى بن الشيخ محمد أمين الأنصاري التستري.

ينتهي نسبه إلى جابر بن عبد اللّه الأنصاري. وُلد في ذي الحجّة من عام (1214 ه) في مدينة دزفول من بلاد خوزستان، هاجر إلى كربلاء، و درس عند السيّد المجاهد و شريف العلماء، و بعدها هاجر إلى النجف الأشرف، و فيها درس عند الشيخ‏

____________

(1) في صفحة: 49- 50.

(2) قوانين الأُصول 1: 5- سطر 4- 5، الفصول الغرويّة: 9- سطر 39- 40، هداية المسترشدين: 12- سطر 26.

(3) الكفاية 1: 9- 10.

46

و قد عدل المحقّق الخراسانيّ [1] (رحمه اللّه) عنه إلى تعريفه بأنّه صناعة

____________

موسى كاشف الغطاء، كما درس عند المولى النراقي في «كاشان» أربع سنوات، و كما درس عند الشيخ علي كاشف الغطاء خمس سنوات بعد وفاة أخيه الشيخ موسى كاشف الغطاء، و قيل: انه حضر درس الشيخ صاحب الجواهر تيمُّناً و تبركاً، و بعد وفاته استقلّ شيخنا الأنصاري بزعامة الطائفة، و ألقت المرجعية الدينية الكبرى مقاليدها إليه، و مع ذلك كلّه بقي على زهده و عيشه البسيط غاية البساطة حتى وافاه الأجل في عام (1281 ه).

انظر معارف الرّجال 2: 399، أعيان الشيعة 10: 117، مقدمة المكاسب للسيد كلانتر 1: 19- 25.

[1] الكفاية 1: 9. المحقّق الخراسانيّ: هو الشيخ محمد كاظم الهروي الخراسانيّ ابن المولى حسين التاجر. ولد عام (1255 ه) في «هراة» ثمّ انتقل به والده إلى مدينة مشهد المقدّسة، و درس فيها المقدّمات و السطوح، ثمّ هاجر إلى النجف الأشرف، و توقف في طريقة إليها في سبزوار، و حضر درس المولى هادي السبزواري في الحكمة قرابة خمسة أشهر، كما توقف في طهران ثلاثة عشر شهراً درس فيها عند الحكيمين: الميرزا أبي الحسن جلوة، و المولى حسين الخوئي، و بعدها أتمّ رحلته إلى النجف، و حضر درس الشيخ الأعظم مدّة سنتين حتى وافاه الأجل فاختصّ بعده بالإمام المجدّد السيّد الشيرازي، و انتقل معه إلى سامرّاء. عاد إلى النجف ليشارك العَلَمينِ الميرزا حبيب اللّه الرشتي و الشيخ هادي الطهراني في التدريس، و امتاز درسه بالقوّة و التهذيب و الإحاطة. له تصانيف قيّمة في الفقه و الأُصول، و له في الحكمة حاشيتان على الأسفار و منظومة السبزواري. تُوفّي فجر اليوم الّذي قرّر فيه الهجرة إلى إيران لأداء فريضة الجهاد، و ذلك في العشرين من ذي الحجّة عام (1329 ه)، و دُفن إلى جوار أمير المؤمنين (عليه السلام).

انظر أعيان الشيعة 9: 5، معارف الرّجال 2: 323، الذريعة 2: 111 و 4: 367 و 6:

186.

47

يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام، أو التي يُنتهى إليها في مقام العمل؛ لإدخال الظّن على الحكومة و الأُصول العمليّة، و لعلّ التعبير بالصناعة للإشارة إلى أنّ الأُصول علم آليّ بالنسبة إلى الفقه، كالمنطق بالنسبة إلى العلوم العقليّة.

و كأنّ هذا التعريف أسوأ التعاريف المتداولة بينهم؛ لأنّ كلّ علم إمّا نفس المسائل، فتكون البراهين على إثباتها من المبادئ التصديقيّة، أو مجموع المسائل و المبادئ، كما قيل: إنّ أجزاء العلوم ثلاثة (1)، و أُريد به أجزاء العلوم المدوّنة، و أمّا كون العلم هو المبادئ فقط فلم يذهب إليه أحد، و لا يمكن التزامه، و قد سبق منه (رحمه اللّه) أنّ مسائل العلم هي قضايا متشتّتة جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض‏ (2)، مع أنّ تعريفه ذلك لا ينطبق إلاّ على المبادئ؛ فإنّها هي التي تُعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق الاستنباط.

مع أنّ القواعد الكلّيّة الفقهيّة- كقاعدة ما يضمن أصلاً و عكساً، و قاعدة الضرر، و الحرج، و الغرر، و غيرها من القواعد التي يستنبط منها أحكام كلّيّة- داخلة في هذا التعريف. اللّهم إلاّ أن يراد بالصناعة هو العلم اللئالي المحض كما احتملنا.

____________

(1) شرح الشمسيّة: 185- سطر 7- 8، حاشية ملاّ عبد اللّه: 150- 151، البصائر النصيريّة: 148- سطر 25.

(2) الكفاية 1: 5.

48

و هذا الإشكال وارد على تعريف شيخنا العلاّمة [1]- أعلى اللّه مقامه- مع ورود بعض مناقشات أُخر عليه.

كما أنّه وارد على تعريف بعض أعاظم العصر [2] (رحمه اللّه) من أنّه عبارة عن العلم بالكُبريات التي لو انضمّت إليها صُغرياتها يستنتج منها حكم فرعيّ كلّيّ؛ فإنّه صادق على القواعد المتقدّمة، مع ورود الإشكال المتقدّم‏

____________

[1] درر الفوائد 1: 2- 3. شيخنا العلاّمة: هو الشيخ عبد الكريم الحائري ابن محمد جعفر، و هو مؤسّس الحوزة العلمية في قم المقدّسة. ولد عام (1276 ه) في قرية «مهرجرد»، التابعة لبلاد «يزد». بدأ دراسته في مدينة «يزد» و «أردكان»، ثم هاجر إلى سامرّاء يوم كانت مقصد العلماء لوجود أكابر الأعلام و فقهاء الطائفة فيها، ثمّ هاجر بصحبة أُستاذه الفشاركي إلى النجف الأشرف، و قضى فيها وَطَراً، و عاد إلى إيران، و أقام في «أراك» بُرهةً من الزمن. انتقل بعدها إلى قم المقدّسة، و صار مرجع زمانه حتّى ارتحل إلى جوار ربّه عام (1355 ه).

انظر أعيان الشيعة 8: 42، نقباء البشر 3: 1158.

[2] فوائد الأُصول 1: 19. بعض أعاظم العصر: هو الشيخ الميرزا محمد حسين ابن الميرزا عبد الرحيم النائيني. ولد في نائين عام (1277 ه)، و نشأ بها، ثمّ هاجر إلى أصفهان، فأكمل بها المقدّمات، و في عام (1303 ه) هاجر إلى العراق، فحضر درس السيد إسماعيل الصدر و السيد محمد الفشاركي الأصفهاني و السيد المجدّد الشيرازي، ثمّ اختصّ بالمحقّق الآخوند، و كان من أنصاره في مهمّاته الدينية و السياسيّة، و من أعضاء مجلس الفتيا الّذي كان يعقده في داره، و بعد وفاة أُستاذه الخراسانيّ استقلّ في التدريس، و كتب كثير من طُلاّبه الأعلام تقارير بحوثه، و اشتهر منها فوائد الأُصول و أجود التقريرات. تُوفّي يوم السبت (26- جُمادى الأُولى 1355 ه)، و دُفن في الصحن المطهّر لأمير المؤمنين (عليه السلام).

انظر طبقات أعلام الشيعة 2: 593- 596، معارف الرّجال 1: 284.

49

- على التعريف المعروف- عليه، و قد تصدّى لدفع الإشكال في أوائل الاستصحاب‏ (1) بما لا يخلو من غرابة، فراجع.

كما أنّ بعض المحقّقين [1] تصدّى لدفع الإشكال على الطرد و العكس:

بأنّ المدار في المسألة الأُصوليّة على وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعيّ بنحوٍ يكون ناظراً إلى إثبات الحكم بنفسه، أو بكيفيّة تعلّقه بموضوعه، قائلاً:

إنّ المسائل الأدبيّة لا تقع إلاّ في طريق استنباط موضوع الحكم بلا نظر إلى كيفيّة تعلّق حكمه، بخلاف مباحث العامّ و الخاصّ و المطلق و المقيّد.

و أنت خبير بأنّ كثيراً من مباحث العامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، و المفاهيم، و الأمر و النهي، مباحث لغويّة يحرز بها أوضاع الكلمات؛

____________

[1] مقالات الأُصول 1: 10- 11، نهاية الأفكار 1: 22- 23. بعض المحقّقين: هو الشيخ علي ابن المولى محمد العراقي النجفي، المعروف بضياء الدين العراقي و آغا ضياء العراقي. ولد في «سلطان‏آباد» التابعة لمحافظة «أراك»، نشأ في رعاية والد فقيه، و بعد إنهاء المقدّمات في بلدته، هاجر إلى النجف الأشرف، فدرس لدى السيد الفشاركي و المحقّق الخراسانيّ و شيخ الشريعة الأصفهاني، فنبغ بين تلامذة هؤلاء الفحول، ثمّ استقلّ بعدهم بالتدريس، فكان صاحب مدرسة تميّزت بقوّة البحث و العمق و التجديد، تخرّج على يديه أعاظم العلماء و مراجع العصر. صنّف كتباً في الفقه و الأُصول: منها مقالات الأُصول و كتاب القضاء و شرح التبصرة في عدّة مجلّدات و غيرها. قرّر بحثه بعض تلامذته، اشتهر منها نهاية الأفكار في الأُصول. انتقل إلى جوار ربّه سنة (1361 ه)، و دُفن بالقرب من المرقد المطهّر في النجف الأشرف.

انظر أعيان الشيعة 7: 392، معارف الرّجال 1: 386، نقباء البشر 3: 996.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 309.

50

كمبحث المشتقّ الّذي اعترف بخروجه‏ (1)، و كسائر المباحث اللغويّة، فأيّ فرقٍ بين البحث عن أنّ اللام للاستغراق، و «ما» و «إلاّ» للحصر، و أداة الشرط دالّة على المفهوم، و الضمير المتعقِّب للجمل يرجع إلى الأخيرة منها، و الأمر و النهي ظاهران في الوجوب و الحرمة، إلى غير ذلك، و بين البحث عن أنّ الصعيد مطلق وجه الأرض، و هيئة الفعل دالّة على الصدور الاختياريّ- مثلاً- و غير ذلك من المباحث اللغويّة؟! فجميع ذلك ممّا يستنتج منه كيفيّة تعلّق الحكم بالموضوع. مع ورود إشكال دخول القواعد الفقهيّة فيه عليه أيضا.

و نحن قد تصدّينا في مباحث الظنّ لبيان الفرق بين القواعد الأُصوليّة و الفقهيّة (2) بما لا يخلو من إشكال.

و لا أظنّ إمكان حدّ جامع لجميع المسائل التي يبحث عنها في الأُصول بوضعه الفعليّ، و طاردٍ لغيرها من المباحث الأدبيّة التي تكون نظير كثير من مباحث الألفاظ، و الفقهيّة التي تكون نظير الأُصوليّة في وقوعها كبرى قياس الاستنتاج.

في تحقيق المقام:

و الّذي يمكن أن يقال: إنّ كلّيّةَ المباحث التي يبحث فيها عن الأوضاع‏

____________

(1) مقالات الأُصول 1: 10 و 11، نهاية الأفكار 1: 22 و 23.

(2) انظر أنوار الهداية 1: 44 و 267.

51

اللغويّة، و تشخيص مفاهيم الجمل و الألفاظ، و مداليل المفردات و المركّبات، و تشخيص الظهورات، خارجةٌ من المسائل الأُصوليّة، و داخله في علم الأدب، و إنما يبحث عنها الأُصوليّ لكونها كثيرة الدوران في الفقه و السيلان في مباحثه، و لهذا لا يقنع الأُصوليّ بالبحث عنها في باب من الفقه، بل المناسب له- بما أنّ منظوره الاجتهاد في الأحكام- أن ينقّح تلك المباحث العامّة البلوى و لو لم تكن أُصوليّة.

و قد أدرج المتأخّرون‏ (1) بعض المسائل التي لا ابتلاء بها رأساً أو قليلة الفائدة جدّاً في فنّهم لأدنى مناسبة، إمّا تشييداً لأذهان المشتغلين، أو لثمرة علميّة، أو لدخالة بعيدة في الاستنباط.

و بعد ما عرفت ذلك لا بأس بتعريفه: بأنّه هو القواعد الآليّة التي يمكن أن تقع كبرى استنتاج الأحكام الكلّيّة الإلهيّة أو الوظيفة العمليّة.

فالمراد بالآليّة ما لا ينظر بها فقط، و لا يكون لها شأن إلاّ ذلك، فتخرج بها القواعد الفقهيّة، فإنّها منظور فيها؛ لأنّ قاعدة «ما يضمن» و عكسها- بناءً على ثبوتها- ممّا ينظر فيها، و تكون حكماً كلّيّاً إلهيّاً، مع أنّها من جزئيّات قاعدة اليد، و لا يثبت بها حكم كُلّيّ، نعم لو كانت الملازمة الشرعيّة بين المقدّم و التالي كان للنقض وجه، لكن ليس كذلك عكساً و لا أصلاً.

____________

(1) فرائد الأُصول: 106، الكفاية 2: 107 حيث أدرجا في علم الأُصول مسألة حجيّة الظن المطلق على الانسداد، و غيرها.

52

و كذا قاعدة الضرر و الحرج و الغرر، فإنّها مقيّدات للأحكام و لو بنحو الحكومة، فلا تكون آليّة بل استقلاليّة، و إن يعرف بها حال الأحكام.

نعم يخرج بهذا القيد بعض الأُصول العمليّة، كأصل البراءة الشرعيّة المستفاد من حديث الرفع‏ (1) و غيره، و لا غَرْوَ فيه لأنّه حكم شرعيّ ظاهريّ كأصل الحلّ و الطهارة [1].

____________

[1] و لك أن تدرج المسائل المتداخلة في هذا العلم، كالمسائل المتقدّمة- اللغويّة و الأدبيّة و غيرهما- و تميّزها عن غيرها بقولنا: «قواعد آليّة» بما فسّرناها، و تكون المسألة الأدبيّة- بما أنّها آلة- أُصوليّة، و بما أنّها استقلاليّة أو بجهات أُخرى من مسائل الأدب أو غيره، لكن لا بدّ أن يُراد بالاستنتاج- حينئذ- أعمّ ممّا بلا واسطة، لكن التحقيق هو ما تقدّم‏ (2)، و الدليلُ عليه- بعد الوجدان- التعريفُ المشهور (3).

كما أنّ التحقيق: أنّ أصل البراءة الشرعية من الأُصول، و ماهيّته ليست غير أصل البراءة العقليّة، بل العقل و النقل متطابقان على معذوريّة الجاهل، كقوله تعالى: «مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً» (4)، و «لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً ...» (5) إلخ، و قوله: (الناس في سعة ما لا يعلمون) (6)، و حديث الرفع؛ بناءً على كونه لرفع المؤاخذة.

و أمّا مثل: (كلّ شي‏ءٍ حلال ...) (7) و حديث الرفع، بناءً على رفع الحكم و رفع الشرطيّة و الجزئيّة، و (كلّ شي‏ء مطلق) (8) بناءً على كونه بمعنى المباح، لا على احتمال آخر، فأجنبيّ عن أصل البراءة، بل هي أحكام فقهيّة، فأصل البراءة مسألة أُصولية، و أصل الإباحة و الحِلّ فقهيّة، فافهم. [منه (قدس سره)‏]

____________

(1) الخصال: 417- 9 باب التسعة، الوسائل 11: 295- 1 باب 56 من أبواب جهاد النّفس.

(2) و ذلك في الصفحة السابقة.

(3) تقدَّم تخريجه قريباً

(4) الإسراء: 15.

(5) البقرة: 286.

(6) الكافي 6: 297- 2 باب نوادر، الوسائل 16: 373- 2 باب 38 من أبواب الذبائح، و الرواية في المصدرين هكذا: (هم في سعةٍ حتى يعلموا)، و الأقرب لما في المتن نصاً و معنىً ما في عوالي اللئالي 1: 424- 109، و هو: (إنّ الناس في سعة ما لم يعلموا).

(7) الكافي 5: 313- 40 باب النوادر من كتاب المعيشة، الفقيه 3: 216- 92 باب 96 في الصيد و الذبائح، الوسائل 12: 59- 1 باب 4 من أبواب ما يكتسب به و 17: 90- 92- 1 و 2 و 7 باب 61 من أبواب الأطعمة المباحة.

(8) الفقيه 1: 208- 22 باب 45 في وصف الصلاة ...، الوسائل 18: 127- 60 باب 12 من أبواب صفات القاضي.

53

و قولنا: «يمكن أن تقع ..» إلخ لأجل أنّ الأُصوليّة لا تتقوّم بالوقوع الفعليّ، فالبحث عن القياس و حجيّة الشهرة و الإجماع المنقول أُصوليّ.

و بقولنا: «تقع كبرى ..» خرجت مباحث العلوم الأُخر.

و لم نقل الأحكام العمليّة، لعدم عمليّة جميع الأحكام، كمطهّريّة الماء و الشمس، و نجاسة الأعيان النجسة.

و إضافة الوظيفة لإدخال مثل أصل البراءة. و أمّا الظنّ على الحكومة ففيه كلام آخر، حاصله:

أنّه إن كان العقل حكم بحجّيّته يدخل بالقيد، و إن كان إيجاب العمل على طبقه عقلاً لأجل كونه أحد أطراف العلم فيكون أمارة على الواقع، و ليس للظنّ من هذه الحيثيّة دخالة، و إن لا يجوز رفع اليد عنه.

و لم نكتف بأنّه ما يمكن أن تقع كبرى استنتاج الوظيفة، لعدم كون ما

54

يستنتج منها وظيفة دائماً كالأمثلة المتقدّمة، و إن تنتهي إلى الوظيفة. و لعلّ ذلك أسلم من سائر التعاريف، و الأمر سهل.

55

الأمر الثاني في الواضع و كيفيّة الوضع‏

لا شبهة في أنّ البشر في الأزمنة القديمة جدّاً كان في غاية سذاجة الحياة و بساطة المعيشة، و بحسبها كان احتياجه إلى الألفاظ محصوراً محدوداً، فوضعها على حسب احتياجه المحدود، ثمّ كلّما كثر احتياجه كثرت الأوضاع و اللغات، فكثرة الألفاظ و المعاني و الاحتياجات في الحال الحاضر لا تدلّ على أنّ الواضع هو اللّه تعالى أو بوحيه و إلهامه، بل الواضع هو البشر، لا شخص واحد، بل أشخاص كثيرة في مرّ الدهور و تمادي الأزمنة، فما صدر عن بعض الأعاظم‏ (1) في المقام ممّا لا ينبغي أن يُصغى إليه.

كما أنّه لا إشكال في عدم العلاقة الذاتيّة بين الألفاظ و المعاني: [أمّا] قبل الجعل فهو واضح.

____________

(1) فوائد الأُصول 1: 30.

56

و توهّم لزوم العلاقة- دفعاً للترجيح بلا مرجّح في الوضع، و جعل هذا برهاناً على لزوم كونه تعالى واضعا؛ لعدم إحاطة البشر بالخصوصيّات و الروابط بينها (1)- واضح الضعف؛ لعدم لزوم كون المرجّح هو الرابطة بين اللفظ و المعنى؛ لإمكان أن يكون انتخاب لفظ لترجيحٍ فيه لدى الواضع، من قبيل سهولة الأداء، و حُسْن التركيب، إلى غير ذلك، من غير أن يكون بين الألفاظ و المعاني أدنى مناسبة.

و بالجملة: دعوى المناسبة بين جميع الألفاظ و المعاني ممّا يدفعه الوجدان.

و يمكن إقامة البرهان على دفعها؛ بأن يقال: إذا وضع لمعنى بسيط من جميع الجهات ألفاظٌ مختلفة في لغة أو لغات: فإمّا أن يكون لجميعها الربط مع المعنى، أو لبعضها دون بعض، أو لا ربط لواحدٍ منها معه. لا سبيل إلى الأوّل؛ للزوم تحقّق الجهات المختلفة في البسيط الحقيقيّ، و هو خُلف، و على الثاني و الثالث تبطل دعوى الخصم.

هذا، و أمّا عدم تحقّق العلقة بينهما بعد الوضع- بمعنى أنّ الجاعل لم يوجد علقة خارجيّة بينهما- فهو- أيضا- واضح؛ لأنّ تعيين اللفظ للمعنى لا يعقل أن يكون موجباً لوجود العلقة الخارجيّة التكوينيّة، و أمّا فهم المعنى من اللفظ فليس إلاّ للأُنس الحاصل من الاستعمال، أو من العلم بأنّ المتكلّم يعمل على طبق الوضع، من غير أن تكون عُلْقة زائدة على ما ذكر.

و ما قيل:- من أنّ لازم ذلك انعدام هذه العلقة بانعدام المعتبرين و العالمين،

____________

(1) فوائد الأُصول 1: 30- 31.