منتهى الأفكار / تقريرات - ج2

- الشيخ محمد تقي المجلسي الأصفهاني المزيد...
312 /
3

[الجزء الثانى‏]

[المقدمة]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمد و آله الطاهرين.

و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

و بعد فهذا هو الجزء الثانى من كتابى الموسوم (بمنتهى الأفكار) قد أودعت فيه جملة ما استفدته من بحث شيخنا الأعظم و ملاذنا الأفخم، فريد عصره و وحيد زمانه، شمس سماء التحقيق، و قطب فلك التدقيق، العلامة المتبحر البارع فى العلوم العقلية و النقلية، سماحة الحجة، آية اللّه العظمى، حضرة الحاج (الآغا ميرزا هاشم الآملى) أدام اللّه أيام افاضاته المنيفة.

[تتمة المقصد الاول فى الاوامر]

(المبحث العاشر) (في تقسيم الواجب إلى تعييني و تخييري)

و قد اشتهر تعريف الأول بانه هو الواجب الذى لا بدل له، فلا يسقط الأمر المتعلق به بفعل غيره، و الثانى بانه هو الواجب الذى له بدل، فيسقط الأمر المتعلق به بفعل غيره، لا اشكال فى تحقق التخيير بالمعنى المزبور فى الشرع الأنور.

و انه يسقط أمره بفعل كل واحد من الأفعال المخير بينها شرعا، و انه يجوز الجمع بينها دفعة و تدريجا، و انه يجوز قصد التقرب بخصوصيات الافراد، و انه إذا ترك الجميع يعاقب، انما الإشكال فى ان هذا النسخ من الواجب، هل هو على ظاهره، بمعنى ان‏

4

التخيير قد وقع بين امور متباينة بما هى كذلك، أو أن التخيير قد صدر من الشارع بنحو الارشاد الى افراد الواجب التعيينى الذى تعلق به غرضه، و خفيت على المكلفين افراده، فيكون إنشاء التكليف به، بصورة التخيير بين امور متباينة، لكى يستفاد منه حدود ذلك الواجب اجمالا.

و الباعث على هذا القول أمران (أحدهما) انه لا ريب فى كون هذا السنخ من الوجوب ناشئا عن مصلحة داعية اليه، هى الغرض منه، و لا ريب أيضا فى عدم امكان ترشح الأثر الواحد من امور متباينة، بما هى متباينة، كما هو مسلم عند أهل الفن، فلا محالة يكون هذا الغرض الواحد أثرا للطبيعة الصادقة على هذه الامور المتباينة، و يكون هذا الأثر الواحد مترشحا منها، لا بما هى متباينة، بل بما هى متحدة فى الطبيعة الصادقة عليها، و عليه لا بد من أن تكون تلك الطبيعة القائم بها ذلك الغرض الواحد، هى متعلق الأمر و التكليف واقعا، و يكون التخيير الشرعى بين الامور المتباينة إرشادا إلى افراد تلك الطبيعة، حيث انها قد خفيت على المكلفين (ثانيهما) ان الحكم عبارة عن الارادة التشريعية، و هى لا بد من ان تتعلق بأمر معين و الوجوب التخييرى حسب الفرض متعلق بالمردد بين الأمرين أو الامور، فيلزم تعلق الارادة بالمردد، فلا بد و ان يستكشف كون الواجب هو الجامع الذى بين حدوده بايجاب ذلك الامور تخييرا.

و قد تفصى بعض الأساطين من مشايخنا، عن هذا الاشكال، بان الترديد فى متعلق الارادة، انما ينافى الارادة التكوينية، و اما الارادة التشريعية، فهى عبارة عن الشوق إلى فعل الغير، و الشوق كما يتعلق بالأمر الجزئى، يتعلق بالأمر الكلى أيضا، بخلاف الارادة التكوينية، فانها لا تتعلق إلا بالأمر الجزئى، فليس كلما ينافى الإرادة التكوينية، فهو ينافى الإرادة التشريعية، فاذا جاز تعلق الإرادة التشريعية بما لا يجوز تعلق الإرادة التكوينية به، و هو الأمر الكلى، جاز أيضا تعلق الإرادة التشريعية بالأمر المردد، و ان لم يجز تعلق الإرادة التكوينية به.

5

و فيه (أولا) ان الإرادة تكوينية كانت أم تشريعية، لا يعقل تعلقها بالأمر المتشخص بالوجود، لأن النفس انما تريد الشي‏ء الذى ترغب فيه، و تشتاق اليه.

حيث لا يكون موجودا فى الخارج، فاذا كان موجودا، امتنع تعلق الإرادة به تكوينية كانت أو تشريعية فاذا ثبت ان متعلق الإرادة مطلقا، لا بد من كونه أمرا غير موجود، فيلزم كونه أمرا كليا، و ان انحصر صدقه فى الخارج حيثما يوجد.

فى فرد واحد، و (ثانيا) ان الإرادة تكوينية كانت أم تشريعية لا تتعلق بفعل من الأفعال إلا بلحاظ اشتماله على مصلحة تلائم نفس المريد، فلا محالة يكون موضوع تلك المصلحة شيئا متعينا فى نفسه، قابلا لأن يتشخص فى الخارج بوجوده، و مفهوم أحدهما المردد بين أمرين مثلا، لا تعين له فى نفسه، و لا وجود له فى الخارج يتشخص به، فيمتنع ان يكون موضوعا لتلك المصلحة.

و تحقيق القول فى شرح حقيقة الواجب التخييرى يتوقف على تمهيد مقدمة.

و هى ان الغرض الذى يحصل بفعل من الأفعال، و يدعو المولى الحكيم الى إرادة تشريعية، يكون على أنحاء.

منها ما لا يحصل إلا بنوع خاص من الأفعال، و هذا النوع قد تكون له افراد جلية فى نظر العقلاء، و قد تكون له افراد خفية، و على كل حال لا بد من تعلق الإرادة بنفس النوع الجامع بين تلك الافراد، لأنه هو المشتمل على تلك المصلحة التى يحاول الحكيم تحصيلها، و تكون جميع الخصوصيات الحافة بالافراد جلية كانت أم خفية، خارجة عن مركز الإرادة و موقفها، نعم قد يتعلق الأمر بخصوص بعضها حيث يكون خفيا، إرشادا الى كونه فردا للنوع الذى تعلق به الأمر المولوى، و هذا النحو من الواجب هو المصطلح عليه بالواجب التعيينى.

و منها ما يحصل بنوعين أو أنواع من الأفعال المتباينة، بما هى متباينة، بناء على ما هو الحق من امكان صدور الأثر الواحد نوعا من المتعدد نوعا، و عليه فلا محالة تتعلق الإرادة بكل واحد من الأفعال بخصوصه، فتكون خصوصيته التى امتاز

6

بها عن عدله داخلة فى متعلق الإرادة، و لا يستلزم ذلك تعلق الإرادة بأحدها المردد، فيتوجه اليه الإشكال السابق أعنى امتناع تعلق الإرادة بالمردد، بل تتعلق الإرادة بكل واحد منها، و تكون مطلقة من حيث اقتران الفرد بوجود الآخر و عدمه، و مقيدة بعدم كونه مسبوقا بوجود الآخر لا على نحو دخل التقييد المزبور فى متعلق الحكم، بل لأجل أن نهاية حد ملاك الحكم و الإرادة فى متعلقه تكون بسبق وجود عدله، فهو اذن من هذه الحيثية نظير القضية الحينية، و عليه فلا يكون عدم عدله شرطا فى وجوبه و لا وجوده، ليستلزم فى الأول عدم وجوب كل منهما حيث يقترنان فى الوجود، و فى الثانى عدم تحقق الامتثال لو أتى بفعلهما معا و ان شئت فعبّر عن تلك الإرادة بالإرادة الناقصة الحافظة لبعض أنحاء وجود المتعلق عن بعض تروكه، حيث انه يفرض للمتعلق باعتبار اقترانه مع عدل آخر و سبقه به، اعدام و تروك، عدم مع عدم عدل آخر، عدم مع عدم سبقه به، و الإرادة فى المقام تحفظ الوجود عن هذين العدمين، و لكن لا تحفظ عن عدم ذلك مع سبق العدل الآخر.

و منها أن يكون كل من الفعلين أو الأفعال مشتملا على مصلحة مختصة به غير مصلحة الآخر، و لكن قد يكون اتصافه بالمصلحة فى حال عدم الآخر، و قد يكون اتصافه بها فى كلا الحالين، و لكن تكون فعلية تلك المصلحة متوقفة على عدم الآخر.

و هذا يكون على نحوين (أحدهما) ان لا تترتب عليهما حال الاجتماع مصلحة اخرى.

كما لم تترتب عليهما تلك المصلحة حسب الاشتراط (ثانيهما) ان تترتب عليهما مصلحة اخرى، و لا يخفى أن هذه المصلحة تضاد المصلحة المترتبة على كل منهما فى حال عدم الآخر، و مقتضى ذلك، التخيير بين كل منهما منفردا و بين اتيانهما جمعا.

فهذه ثلاث احتمالات، اما الأول فيلزم أن تتعلق الإرادة فيه بالفعل حين عدم الفعل الآخر لفرض عدم اشتماله على المصلحة إلا فى ظرف عدم عدله، و اما الثانى فتتعلق الإرادة فيه بالفعل و ان لم يقترن بعدم عدله، و لكن لا يصح امتثال‏

7

أمره إلا فى ظرف عدم عدله، لفرض اشتمال الفعل على المصلحة، و ان لم يقترن بعدم عدله، و لكن لا تكون تلك المصلحة فعلية إلا فى ظرف عدم عدله، و كل من هذين للواجبين لا يقع على صفة الوجوب، لو فعله المكلف مع عدله، لانتفاء الوجوب فى الأول حين وجود العدلين، و لعدم صحة العمل فى الثانى، لفرض ان المطلوب فيه، هو الفعل حين عدم عدله، و اما الاحتمال الثالث، فبما ان لكل من الفعلين أو الأفعال، مصلحة خاصة به حين عدم عدله و لمجموعهما أو جميعها مصلحة اخرى تترتب عليهما أو عليها فى حال الاجتماع، يلزم ان تتعلق بكل منهما إرادة فى حين عدم الآخر، و بمجموعهما إرادة اخرى تبعا للمصلحة، و يمكن ان يعبّر بانه بملاحظة تلك المصالح تتعلق إرادة ناقصة بكل من الطرفين، بحيث تكون حافظة لوجود المتعلق ببعض أنحاء تروكه، فتأمل، و لا ريب فى انه يجوز للمكلف فى هذا الفرض أن يأتى بكل من الفعلين أو الأفعال بنحو الانفراد و الاجتماع لتحقق التكليف فى كل من النحوين كما أشرنا اليه.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الخطاب الذى ظاهره الوجوب التخييرى، يدل باطلاقه على جواز الجمع بين الفعلين الذين تعلق بهما الوجوب تخييرا فى مقام الامتثال لأنه بمقتضى الاطلاق ظاهر فى الإيجاب على سبيل منع الخلو المقتضى لجواز الامتثال بهما حال الاجتماع أيضا، و انما غايته المنع عن تركهما رأسا، و حيث عرفت فى المقدمة، امكان الإيجاب كذلك بأحد وجهين من أنحاء الاغراض الداعية للإيجاب.

أولهما النحو الثانى، و هو ما لو قلنا بامكان صدور الواحد نوعا عن المتعدد كذلك.

و ثانيهما الاحتمال الثالث من النحو الثالث، و هو ما لو كان الغرض من كل منهما مشروطا فعليته و تحصيله بعدم مقارنة الآخر، مع فرض ترتب غرض آخر على المجموع، فلا وجه لرفع اليد عن ظاهر الخطاب المتكفل للوجوب التخييرى.

و التكلف بتحصيل جامع بين الأطراف يكون هو الواجب، مع أنه خلاف ظاهر تلك الخطابات، لأن ظاهرها كون المتعلق بخصوصه مصبا للإرادة و الوجوب‏

8

و مباديهما، لا بما هو مصداق لجامع بينه و بين الآخر، و انما السبب الوحيد لهذا التأويل و التكلف هو أحد المحذورين الذين سبق ذكرهما، و قد عرفت عدم لزومهما بعد ما شرحنا لك فى المقدمة من الصور التى تلائم ما هو ظاهر الوجوب التخييرى من تعلق الإيجاب بكل واحد بخصوصه، نعم لو لم يدل اطلاق الخطاب على جواز الجمع، و لم يقم اجماع أو غيره من الأدلة خارجا عليه، ليلزم الرجوع فيه الى مقتضى الاصول العملية، و هو مختلف حسب اختلاف موجبات الشك، فلو قطعنا بالاشتراط اتصافا أو فعلية، و احتملنا قيام مصلحة اخرى بالمجموع، كما إذا دار الأمر بين الاحتمالات الثلاثة الأخيرة، فالمرجع هو الاشتغال، و ان احتملنا جواز الجمع لأجل الشك فى أصل الاشتراط، كما لو دار الأمر بين جميع الاحتمالات الأربعة.

فالمرجع هو البراءة، لكن قد عرفت ان الخطاب المتكفل للوجوب التخييرى.

يدل على جواز الجمع، مع امكان الأخذ بظاهره، من وجوب كل من الأطراف بخصوصه، من غير حاجة الى استكشاف وجوب الجامع.

هذا مضافا الى أن تحصيل الجامع بين أنواع الواجب التخييرى، ليكون هو الواجب فى الحقيقة، لا يندفع به محذور لزوم تعلق الإرادة بالمردد، لأن الواجب التعيينى و ان كان واحدا طبيعة، إلا أنه لا بد من ملاحظتها سارية الى جميع أفرادها حيث يكون مطلقا، أو الى بعض أفرادها، حيث يكون مقيدا لامتناع الإهمال من الحكيم، و بما أن الواجب التعيينى يكون شموله بدليا فى مقام امتثاله، لزم أن تكون الإرادة السارية من الطبيعى الى حصصه، متعلقة بالحصة المرددة بين حصصه، لأنه على الفرض انما يريد وجود الطبيعى فى ضمن حصة من حصصه، فيلزم على هذا.

تعلق الإرادة بالحصة المرددة تبعا لإرادة الطبيعى.

و لا مناص عن هذا الإشكال، إلا بالتقريب الذى حرّرناه فى شرح حقيقة الواجب التخييرى، و معه لا حاجة الى تأويل الواجب التخييرى، بتعلق الإرادة التشريعية فيه بالجامع بين أنواعه، بل اللازم هو القول بالواجب التخييرى، كما هو

9

ظاهر الخطاب فيه، لأنه لا محذور فى مقام الثبوت، و لا قصور فى مقام الاثبات.

و مما يؤيد ذلك، هو الاتفاق على جواز التقرب بل لزومه بفعل كل نوع بخصوصه من انواع الواجب التخييرى، مثلا اذا اختار المكلف الاعتاق، من خصال الكفارة، وجب عليه التقرب به بخصوصه لا بالجامع بينه و بين الاطعام و الصيام، و كذلك لو اختار احدهما، و هذا أصدق شاهد على ان كل واحد من خصال الكفارة، هو بخصوصه، واجب تخييرا، اذ لو كان الواجب فيه، هو الجامع بينها، لما جاز التقرب بخصوص احدها؛ لأنه تشريع واضح كما لا يخفى.

ثم انه يظهر من كلام بعض الأساطين من مشايخنا؛ لزوم القول؛ بالجامع فى الواجب التخييرى؛ مع القول بالوجوب التخييرى؛ اما الأول فللعلم بحصول غرض الشارع؛ بفعل أى نوع فعله من انواع الواجب التخييرى، و لما ثبت فى محله بالبرهان الصحيح ان الأثر الواحد حقيقة؛ لا يمكن صدوره من الأمور المتباينة بما هى متباينة؛ فاذا وجدنا اثرا واحدا يترتب على وجود امور متباينة؛ علمنا ان ذلك الأثر الواحد؛ لم يتولد إلا من الجامع بين تلك الأمور المتباينة؛ و أما الثانى فلأن الجامع بين الأمور المتباينة؛ ربما يكون خفيا و بعيدا عن أذهان عامة المكلفين؛ فيتعذر أو يستهجن جعله متعلقا للخطاب الجارى على طريقة العقلاء فى المحاورات و حينئذ يتعين الخطاب تخييرا بكل نوع من الانواع التى تشترك فى ذلك الجامع.

و فيه انا لا نسلم امتناع صدور الأثر الواحد فى النوع عن الامور المتباينة فى النوع؛ بل يجوز صدور الواحد نوعا عن المتعدد نوعا؛ مثلا الحرارة أثر واحد نوعا تجدها تحدث عن أمور متباينة فى النوع كحدوثها عن النار و الحركة و الغضب مع انه لا جامع بين الجوهر أعنى النار؛ و العرض أعنى الحركة و نحوها؛ و انما الممتنع هو صدور الواحد بشخصه؛ عن المتعددين باشخاصهم؛ هذا هو المسلم الذى لا ريب فيه فى فنه؛ و عليه يتعين حمل الخطاب فى الواجب التخييرى على ظاهره؛ إذ لا محذور فى مقام الثبوت؛ و لا قصور فى مقام الاثبات؛ فنحكم بوجوب كل‏

10

واحد من هذه الافعال المتباينة فى النوع؛ وجوبا تخييريا؛ تحصيلا لغرض واحد نوعا؛ اذ لا غرض فى كل واجب حتى الواجب التعيينى الا غرض واحد فى النوع كما لا يخفى.

و لو سلّمنا امتناع صدور الواحد مطلقا عن المتعدد مطلقا؛ لكان اللازم أيضا هو القول بالوجوب التخييرى؛ على النحو الذى شرحناه؛ اخذا بظاهر الخطاب؛ و حاصله ان كل واحد من هذه الانواع المتباينة؛ قد اشتمل على مصلحة غير مصلحة الآخر؛ توجب اقتناع المولى بها فى ظرف عدم الآخر؛ كما انه تحدث مصلحة أخرى غير المصلحتين الأخريين؛ فى حال اجتماع الفعلين؛ توجب تلك المصلحة؛ الأمر بالفعلين معا و لأجل عدم امكان الجمع بين المصلحتين. و تساويهما رتبة. يأمر المولى الحكيم بكل من الفعلين فى ظرف عدم الآخر. و بهما معا مخيرا. و الدليل على جميع ذلك هو ظاهر الخطاب فى الواجب التخييرى. مضافا الى الاتفاق على جواز الجمع بين الفعلين الكاشف ذلك. عن تعلق الخطاب به. أعنى الجمع بينهما. و إلا كان فى وسعنا ان نقول ان المصلحتين متضادتان. لا يمكن اجتماعهما. فالواجب هو الاتيان بكل من الفعلين فى ظرف عدم الآخر. و لا يجوز جمعهما. للتضاد المزبور.

ثم ان هنا أقوالا أخرى. (أحدها) ان متعلق الوجوب التخييرى هو العنوان الانتزاعى الصادق على كل واحد من اطراف الواجب التخييرى. أعنى به عنوان احدهما. و فيه (أولا) أن ظاهر الخطاب هو تعلق الوجوب التخييرى بكل واحد من اطرافه بخصوصه و مشخصه. لا بالجامع بينها و ان كان عنوانا انتزاعيا. و إلا خرج عن كونه واجبا تخييريا. و تعين ان يكون واجبا تعيينيا. و (ثانيا) أن الوجوب لا يتعلق إلا بما تتعلق الارادة به. و لا ريب فى ان متعلق الارادة. هو الامر المشتمل على المصلحة و عنوان أحدهما امر انتزاعى لا مصلحة و لا مفسدة فيه بالضرورة. فيستحيل تعلق الارادة به. و دعوى ان هذا العنوان. ملحوظ بنحو الآلة. لملاحظة معنونه لفنائه فيه. و ان كانت صحيحة فى نفسها. إلّا ان ذلك يستلزم تعلق الارادة

11

و الوجوب بالمردد بين امرين أو أمور الذى لا تعين له عند المريد. و مثله يستحيل ان يتعلق به الأمر المعين. أعنى به الارادة المشخصة و إلا لزم تعين اللامتعين.

أو الترديد فى المتعين. و كلاهما خلف. (ثانيها) ان متعلق الوجوب التخييرى هو كل واحد من اطرافه بخصوصه مشروطا بعدم الآخر. لتضاد ملاكاتها حين الوجود و لا يستلزم ذلك شيئا من المحذورين المذكورين. لفرض تعلق الوجوب بكل واحد من اطرافه مشروطا بعدم الآخر. فلا ترديد. و لتأثير كل منها أثرا غير أثر الطرف الآخر فلا يلزم صدور الواحد عن المتعدد.

و قد أورد عليه بعض الأساطين من مشايخنا بما حاصله ان التّزاحم و التضاد بين الواجبين لو كان من حيث وجودهما. لكان اشتراط وجوب كل منهما و وجوده بعدم الآخر أمرا معقولا و مقبولا. كما هو شأن المتزاحمين على القول بالترتب.

و أما إذا كان التضاد بين ملاكى الواجبين لا بين وجودهما. فان كان أحدهما أقوى من الآخر. فلا بد من ان يكون بينهما كسر و انكسار فى مقام التأثير و تأثر النفس بارادة أحدهما. و لا محالة يكون التأثير فى الإرادة. للاقوى منهما، و ان كانا متساويين فلا محالة تتأثر النفس بارادة أحدهما لا بعينه و على كل لا يتأتى من المولى الحكيم فى مثل هذا الفرض. اشتراط كل من اطراف الواجب التخييرى بعدم الآخر وجوبا أو وجودا. فلا بد ان يأمر بأحدهما المردد.

و فيه انا لو سلمنا وقوع الكسر و الانكسار بين الملاكات. أو المصالح و المفاسد لكان ذلك فى الموضوع الواحد. كما هو شأن المقتضيين المتزاحمين فى الأثر و التأثير و ذلك الموضوع الواحد. فى مثل هذا الفرض. ان كان هو نفس المولى الحكيم الذى يؤثر فى نفسه تصور المصالح و المفاسد. إرادة لبعض الأفعال. و كراهة لبعض آخر. فليكن الأمر كذلك فى مقام تزاحم الواجبين فى مقام الامتثال. لاتحاد ملاك الكسر و الانكسار فى المقامين. مع انه (قده) لا يقول بوقوع الكسر و الانكسار فى مقام تزاحم الواجبين. فيكون تخصيص محل الكلام. بوقوع الكسر

12

و الانكسار فيه بلا موجب له. و أما إذا كان موضوع الكسر و الانكسار. هو متعلق الحكم. كما فى صورة اجتماع الأمر و النهى. فمحل الكلام ليس موضوعا واحدا.

لفرض تعدد متعلق الحكم. و إذا التزم بوقوع الكسر و الانكسار بين الملاكات.

حتى مع تعدد الموضوع. فاللازم حينئذ ان يقول بوقوعهما بين الواجبين المتزاحمين فى مقام الامتثال أيضا. لاتحاد الملاك الموجب للكسر و الانكسار فى المقامين أعنى به عدم القدرة على الجمع بين الفعلين. أما لقصور الفاعل. كما فى فرض تزاحم الواجبين فى مقام الامتثال. و اما لقصور الفعل كما فى محل الكلام.

و الذى ينبغى ان يخدش به هذا القول. هو ان ظاهر الخطابات الشرعية فى الواجبات التخييرية. هو كون المكلف مخيرا بين الأفعال التى تعلق بها الوجوب التخييرى. على سبيل منع الخلو. لا على سبيل منع الجمع مضافا الى لزوم الخلف.

فان مقتضى اشتراط كل من الطرفين وجوبا أو وجودا بعدم الآخر. تأخره عنه فيلزم تقدم كل منهما على نفسه. مع انه على فرض كونه شرطا للواجب على نحو يجب تحصيله. يلزم وجوب فعلهما و تركهما نفسيا و غيريا.

(تذييل) هل يمكن التخيير بين الأقل و الأكثر، سواء كان متصلا أم منفصلا

، قد يقال بعدم امكانه، لعدم إمكان وقوع الأكثر بحده امتثالا، لتحقق الامتثال بالأقل و معه لا يبقى مجال للامتثال بالأكثر، و عليه يكون التخيير بينهما لغوا، فلا يمكن صدوره من الحكيم، و قد رد هذا الدليل بانه أخص من المدعى، اذ لا يتم إلا فى مورد كون الأقل و الأكثر، تدريجيين، مع كون الأقل مجعولا بنحو اللابشرط من حيث كون الأكثر عدلا له، و أما فى مورد كون الأقل و الأكثر دفعيين، أو جعل الأقل الملحوظ بنحو البشرطلا، عدلا للاكثر، فلا يصلح هذا الدليل للاستدلال به على امتناع المدعى على اطلاقه.

و فيه ان لحاظ الأقل بنحو اللحاظ البشرطلائى، و ان صحح جعله عدلا

13

للاكثر، إلا ان الفرض يخرج بذلك عن محل الكلام، أعنى كون التخيير بين الأقل و الأكثر، بل يكون التخيير حينئذ بين المتباينين.

نعم يمكن ان يستدل على امتناع التخيير بين الأقل و الأكثر بوجه آخر.

و تقريبه ان الأقل، إما ان يكون بذاته عدلا للاكثر أو بحده الذى صار به أقل من عدله الآخر، و على كل لا يتحقق التخيير فيه بين الأقل و الأكثر، اما الأول فالعلم بوجوب الأقل تعيينا، أما بنفسه أو لكونه بعض الأكثر فيمتنع تعلق الوجوب التخييرى به، و أيضا يمتنع عدمه، حيث يتحقق امتثال الوجوب التخييرى لتحققه، أما بحده أو فى ضمن الأكثر و لا شى‏ء من الواجب التخييرى. يمتنع عدمه بمجرد امتثال الخطاب التخييرى المتعلق به، بل يجوز امتثاله فى حال عدم بعض اطرافه. و إلا فلا يعقل التخيير بينها، و أما الثانى فهو و ان صح معه التخيير بين الأقل و الأكثر ظاهرا، إلا ان ذلك لا يكون من التخيير بين الأقل و الأكثر الذى هو محل الكلام. بل يكون من التخيير بين المتباينين حقيقة كما أشرنا اليه.

لأنه لا يلزم من وجود أحدهما و هو الأكثر وجود الآخر و هو الأقل بل يمكن وجود كل منهما مقارنا لعدم الآخر، كما هو شأن المتباينين، و على هذا يمتنع الاحتياط بفعل كلا الأمرين، أعنى الأقل بحده و الأكثر بحده لتضادهما، فيكون وجود كل منهما معاندا لوجود الآخر، و ظاهر كلام أهل الفن فى التخيير بين الأقل و الأكثر هو امكان الاحتياط بفعل الأكثر، و ذلك يدل على ان الأقل لم يؤخذ بحده عدلا للاكثر فى الوجوب التخييرى، بل اعتبروا الأقل بذاته عدلا للاكثر و مثله يمتنع تعلق الخطاب التخييرى به كما اشرنا اليه قريبا.

(المبحث الحادي عشر) (فى شرح حقيقة الوجوب الكفائى)

لا ريب فى تحقق تكليف فى الشريعة المقدسة، بنحو اذا فعل متعلقه جميع المكلفين، وقع فعل كل واحد منهم امتثالا لذلك التكليف، و اذا فعل متعلقه بعض المكلفين، وقع فعله امتثالا لذلك التكليف و سقط التكليف عن الباقين. و إذا لم يأت‏

14

بمتعلقه واحد منهم، استحقوا جميعا العقاب على عصيانه. و انما الكلام فى شرح حقيقة هذا التكليف.

ذهب المشهور الى انه نحو من انحاء الوجوب العينى، موضوعه أمر خاص.

و قد توجه ذلك التكليف الى كل مكلف حين تحقق ذلك الموضوع، مثلا وجوب تغسيل الميت المسلم تكليف خوطب به كل مكلف حين حصول ميت مسلم لم يغتسل.

فعند حصول هذا الموضوع فى الخارج، يخاطب كل مكلف بتغسيله، فاذا سبق أحد المكلفين الى تغسيله، انتفى موضوع خطاب الباقين، و لا ريب فى ان كل خطاب يسقط بانتفاء موضوعه.

و قيل انه أيضا وجوب عينى مطلق، متوجه الى كل مكلف، لكن الواجب أعنى به متعلق هذا التكليف، مشروط بشرط، تتوقف صحة الواجب المزبور عليه و ذلك هو كون متعلق هذا الخطاب غير مسبوق بالإتيان به من أحد، لأن الغرض المترتب عليه يمتنع اجتماعه مع الغرض الآخر المترتب على الفعل الآخر من المكلف الآخر، أما لتضادهما أو لتماثلهما.

و قيل ان الوجوب الكفائى هو الوجوب العينى التعيينى، غاية الأمر ان المكلف فى هذا التكليف هو طبيعى الإنسان الجامع لشرائط التكليف لا كل واحد واحد من أفراده، فان الغرض من الواجب العينى التعيينى (تارة) يستدعى توجيه الخطاب به الى كل واحد من أفراد الإنسان الجامع لشرائط التكليف، و يحصل منه بصرف وجود المكلف به. و (أخرى) لا يستدعى توجيه الخطاب به الى كل واحد من أفراد الإنسان الجامع لشرائط التكليف، بل يكون غاية ما يستدعيه، هو توجيه الخطاب بالمكلف به الى طبيعى الإنسان الجامع لشرائط التكليف، إذ كما ان الغرض يحصل من الواجب بصرف وجوده، كذلك يحصل من المكلف بصرف وجوده، و لا ريب فى ان الغرض الداعى الى التكليف بشى‏ء لا يدعو الى اكثر مما يحصل به.

و الذى ينبغى أن يقال هو أن المصلحة فى الواجب الكفائى يمكن ان تكون‏

15

على نحوين، كما هو شأن الواجب التخييرى، (أحدهما) أن تكون المصلحة واحدة سنخا، قائمة بالجامع بين أفعال المكلفين، فاذا تحققت المصلحة الداعية الى التكليف بالواجب الكفائى بفعل بعض المكلفين، فلا محالة يسقط التكليف عن الباقين.

لاستحالة ان يبقى التكليف بلا داع اليه. (ثانيهما) ان يكون فى فعل كل واحد من المكلفين غرض خاص به غير الغرض المترتب على فعل الآخر، و لكن يمتنع اجتماع الغرضين فى موضوع واحد، أما لتضادهما أو لتماثلهما، أو لتضاد أو تماثل متعلقهما، أعنى به أفعال المكلفين، هذا كله من حيث الغرض الداعى الى تعلق الإرادة بافعال المكلفين، و أما الإرادة المتعلقة بافعال المكلفين، فلا يمكن ان تكون الإرادة المتعلقة بفعل كل واحد من المكلفين مطلقة من حيث وجود فعل الآخر و عدمه، كما لا يمكن ان تكون مشروطة بعدم فعل الآخر.

بل لا بد أن تكون الإرادة متعلقة بفعل كل واحد من المكلفين حين عدم فعل الآخر بنحو القضية الحينية، هذا اذا كان الغرضان من فعلى المكلفين متضادين أو متماثلين، و أما اذا لم يكن الغرضان متضادين أو متماثلين، بان أمكن اجتماعهما.

فيلزم ان تكون إرادة الفعل الواجب كفاية من كل واحد من المكلفين مشروطة بعدم سبق تحققه من واحد منهم، فاذا قارن كل واحد منهم الآخر بفعله وقع كل فعل من أفعالهم على صفة الوجوب، لاقترانه بشرطه و هو عدم سبقه بمثله، فاتضح ان الارادة المتعلقة بفعل كل واحد من المكلفين ارادة ناقصة بمعنى انها ليست إرادة له على كل فرض، بل على فرض دون آخر، سواء كانت الاغراض المترتبة على أفعال المكلفين متضادة لا يمكن اجتماعها أم كانت من سنخ واحد قائم بالجامع بين أفعال المكلفين.

اذا عرفت ذلك فى مقام الثبوت، فان كان الدليل الدال على الوجوب الكفائى فى مقام الإثبات مشخصا اياه بنحو من الأنحاء التى يمكن ان يتحقق على أحدها الوجوب الكفائى فيما تقدم فاللازم الأخذ به بجميع لوازمه، و ان لم يدل دليل الوجوب الكفائى على انه من‏

16

أى نحو من انحائه، فلا محالة يلزم الرجوع الى الأصول العملية فى الشك فى مقام الامتثال، مثلا اذا شك فى كون الخطاب المتوجه الى كل واحد من المكلفين، هل هو بنحو القضية الحينية. فلا يمكن اقتران المكلفين فى العمل لتضاد الأغراض المترتبة على أفعالهم، او هو بنحو القضية المشروطة بعدم السبق بمثله فقط كما اشرنا اليه فى مقام الثبوت. فقد يقال ان اللازم حينئذ هو الاحتياط بانفراد المكلف بفعله بمعنى عدم اجتزائه بفعل الواجب اذا اقترن بمثله من مكلف آخر و بالتأمل فيما ذكرنا فى شرح حقيقة الواجب الكفائى، يظهر ما فى التوجيهات الثلاثة السابقة من الخلل.

أما التوجيه الأول المنسوب الى المشهور، فيرد عليه انه أخص من الواجب الكفائى المقصود بيانه فى هذا التوجيه، لأنا قد بينا ان الواجب الكفائى لا ينحصر بما يمكن اجتماع المكلفين فى امتثاله كما هو الغالب، بل يجوز أن يكون متعلق التكليف فيه مما لا يمكن مقارنة كل من المكلفين الآخر بفعله فى مقام امتثال ذلك الواجب كما فى صورة تضاد الأغراض المترتبة على أفعال المكلفين بها بنحو الكفاية، و عليه ان كان بيان المشهور لحقيقة الواجب الكفائى بالتوجيه الأول تعريفا صناعيا يتكفل بشرح حقيقته. فهو تعريف غير جامع، و ان كان رسما أو تقريبا غالبيا، فلا مناقشة فى ذلك بنفسه، إلا انه يلزم فى المقام شرح حقيقته بنحو لا يشذ عنه فرد منها كما أشرنا اليه.

و أما التوجيه الثانى، فيرد عليه أيضا انه أخص من المقصود، لما عرفت من أن الواجب الكفائى لا ينحصر فى الخطاب المتعلق بافعال المكلفين التى لا يمكن اجتماعها فى مقام الامتثال، لتضاد الأغراض المترتبة عليها، مضافا الى ان كون الشى‏ء مشروطا بعدم ضده يستلزم الخلف، و ذلك لأنه لا ريب فى ان الشرط متقدم رتبة على المشروط، فيكون كل من وجودى الضدين متأخرا رتبة عن عدم الآخر، و بما ان النقيضين لا تقدم و لا تأخر بينهما بل فى رتبة واحدة يلزم ان يكون وجود كل منهما متقدما على الآخر، لأنه فى رتبة نقيضه أعنى به عدمه الذى‏

17

هو شرط وجود الآخر، و متأخرا عنه، لأن وجود ذلك الضد فى رتبة نقيضه أعنى به عدمه الذى هو شرط لوجود الضد المفروض تقدمه و تأخره فى هذا الكلام (هذا خلف) هذا كله فيما إذا كان عدم فعل كل مكلف شرطا فى صحة فعل الآخر.

و أما إذا كان شرطا لوجوب الآخر، فيلزم حين عدم فعل كل مكلف أن يتوجه الخطاب الى كل مكلف عينا بذلك الفعل، لتحقق شرط الخطاب به، فيكون خطاب كل مكلف به فعليا فى وقت واحد، فلا يبقى فرق بين إطلاق الخطاب و اشتراطه فى تحقق المحذور و ارتفاعه على فرض لزومه فى صورة تضاد الأغراض المترتبة على أفعال المكلفين، و حينئذ يكون اشتراط الخطاب لغوا.

و أما التوجيه الثالث فيرد عليه انه لا يتصور جامع بين أفراد المكلفين إلا الإنسان بالحمل الأولى و لا يتوهم ان يكون الانسان بهذا الحمل مكلفا لأن المكلف هو الإنسان بالحمل الشائع المتصف بشروط التكليف من البلوغ و القدرة و نحوهما.

(المبحث الثانى عشر) (فى أن الأمر بالشى‏ء هل يقتضى النهى عن ضده)

و قبل الخوض فى المسألة ينبغى تقديم أمرين:

(أحدهما) أنه لا ريب فى أن هذه المسألة من المسائل الأصولية، لأن نتيجتها يمكن ان تقع فى طريق استنباط الأحكام الشرعية، و لا ينافى ذلك اشتمالها على ملاك المبادئ الأحكامية، أعنى به كون أحد الحكمين مستلزما ثبوته للحكم الآخر أو ليس بمستلزم، كما انه لا ريب فى عدم كونها من المسائل الفقهية، خصوصا بملاحظة عنوانها المحرر فى صدر المبحث، نعم لو كان عنوان هذه المسألة هو انه هل يحرم ضد الشى‏ء اذا تعلق به الأمر، لكان لتوهم كونها مسألة فقهية وجه مقبول، و مع ذلك لا يستدعى العنوان المفروض كونها مسألة فقهية، لما تقدم نظيره فى مسألة مقدمة الواجب من ان المقياس فى المسألة الفقهية، هو كون الحكم المبحوث عنه فيها أمرا

18

واحدا ناشئا عن ملاك واحد، و ليس الأمر كذلك فى المقام، لأن الحرمة المبحوث عنها على تقدير كون البحث عن نفس الحرمة، لا تكون ناشئة عن ملاك واحد.

بل عن ملاكات متعددة بتعدد الأوامر الناشئة منها.

(ثانيهما) ان الظاهر كون المراد بالأمر و النهى فى العنوان هو ما يعم النفسى و الغيرى و الأصلى و التبعى، كما ان المراد بالشى‏ء هو ما يعم الفعل و الترك، كما فى تروك الصوم، و لا يختص بامر وجودى كما يوهمه ظاهر لفظ الشى‏ء، و كما ان المراد بالاقتضاء هو الاقتضاء فى مرحلة الثبوت لا فى مرحلة الإثبات، و لذا يجرى النزاع فيما اذا كان الوجوب مستفادا من دليل لبى كالإجماع، و عليه يكون النزاع عقليا.

و انما ذكر فى مباحث الألفاظ لكون الوجوب مستفادا بحسب الغالب من الأدلة اللفظية كما هو ظاهر العنوان، و أيضا المراد من الضد هو الأمر الذى لا يتمكن المكلف ان يجمع عملا بينه و بين غيره، سواء كانا ضدين اصطلاحا أم مثلين أم متزاحمين باعتبار قصور قدرة المكلف عن الجمع بينهما اتفاقا كصوم يومين لا يقدر المكلف على أزيد من واحد، أم نقيضين و ذلك لعموم ملاك النزاع فى هذا البحث‏

(إذا عرفت ذلك) فاعلم ان البحث يجرى فى مقامين (أحدهما) الضد الخاص أعنى به ما لو تحقق من المكلف لامتنع عليه الإتيان بالمأمور به (و ثانيهما) الضد العام أعنى به ترك المأمور به، أما المقام الثانى فسيأتى تفصيل الكلام فيه، و انما المهم هو الكلام فى المقام الأول، لاشكال الأمر على العلماء الأعلام فى كون الأمر بشى‏ء هل يقتضى النهى عن ضده الخاص أو لا يقتضى، فذهب طائفة منهم الى الأول.

و أخرى الى الثانى.

أما القائل بالاقتضاء فقد استدل عليه بوجهين: (الأول) هو توقف وجود المأمور به على ترك ضده، فيكون تركه مقدمة لوجود المأمور به، و حينئذ يتعلق به ما يتعلق بسائر مقدمات الواجب من الوجوب التبعى و الأمر الغيرى، و لا حقيقة للنهى عن الشى‏ء إلا طلب تركه (و فيه) أنه لو كان عدم الضد مقدمة لوجود ضده.

19

لتوقف عدمه على وجود ضده توقف عدم المعلول على وجود مانعة، فيكون ذلك دورا صريحا (و اجيب عنه) بان توقف وجود الضد على عدم ضده فعلى، بخلاف توقف العدم على الوجود، فانه لا يكون فعليا إلا اذا فرض وجود مقتضى الضد و جميع شرائطه مع المانع أعنى به ضده. ففى هذا الفرض يكون عدم الضد مستندا الى وجود المانع أعنى به ضده، فيكون حينئذ توقف عدم الضد على وجوده فعليا.

و لكن هذا الفرض فى الافعال الاختيارية التى هى محور التكليف يكاد يكون من قبيل فرض المحال، لأن مقتضى الفعل الاختيارى هى إرادة الفاعل المختار أو هو نفسه، و الإرادة شرط تأثيره كبقية الشروط الأخرى، و على كل لا يكون عدم الضد مستندا حينما ينتفى إلا الى عدم مقتضيه أو عدم شرطه، سواء كان الضدان الموجود و المعدوم من فعل شخص واحد كالإزالة و الصلاة، أم من فعل شخصين كان يريد أحدهما تسخين الماء مثلا و يريد الآخر تبريده، أما فى الأول، فواضح لأن إرادة أحد الفعلين المتضادين تصرف الفاعل المختار عن الفعل الآخر، فيستند عدمه الى عدم مقتضيه، بناء على كون الإرادة هى مقتضى الفعل الاختيارى، أو الى عدم شرطه، بناء على كون المقتضى هو الفاعل المختار، و الإرادة شرطه، و أما فى الفرض الثانى، فلأن الشخصين إما ان يتساويا فى القوة، فلا يتحقق شى‏ء من الضدين المزبورين، لتمانع مقتضاهما، فيستند عدم كل من الضدين الى عدم مقتضيه و إما ان يتفاوتا فى القوة، فالأقوى منهما يؤثر أثره، و يمتنع الضعيف عن التأثير و حينئذ يستند عدم الضد الى عدم مقتضيه أيضا، لكون مقتضيه الإرادة غير المغلوبة و هى فى الفرض معدومة.

و قد اورد عليه بان الجواب المزبور لا يتم إلا اذا قيل بتقدم وجود المقتضى رتبة على وجود المانع، و بما أن النقيضين فى رتبة واحدة، يكون عدم المقتضى متقدما على وجود المانع، فلا محالة يكون عدم المعلول مستندا الى عدم المقتضى.

لا الى وجود المانع لتقدمه عليه، مثلا عدم الإزالة فى المثال المعروف يستند الى‏

20

وجود الصارف لا الى وجود ضدها أعنى به الصلاة، لكن المبنى المذكور غير صحيح لأن العلة التامة و ان كانت متقدمة بالعلية على معلولها، و المقتضى متقدم بالطبع على مقتضاه، إلا ان اجزاء العلة لا تقدم لبعضها على بعض، لانتفاء ملاك التقدم و التأخر عن كل واحد منها بالإضافة الى الآخر فاذا كانت العلة التامة مركبة من المقتضى و الشرط و عدم المانع، فلا يكون المقتضى متقدما على الشرط و عدم المانع و لا متأخرا عنها، و كذلك هما بالنسبة اليه، فاذا لم يكن لكل من أجزاء العلة تقدم على الآخر أو تأخر عنه، كان نقيض كل منهما كذلك بالنسبة الى نفس الآخر و نقيضه، لقاعدة ان النقيضين فى رتبة واحدة، فما يثبت لأحدهما من الأحكام يثبت للآخر، و عليه لا يكون عدم المقتضى متقدما رتبة على وجود المانع، ليستند عدم الضد اليه دون وجود المانع، بل حيث ثبت كونهما فى رتبة واحدة، أعنى انه لا تقدم لعدم المقتضى على وجود المانع و لا تأخر له عنه، يلزم استناد عدم الضد اليهما كما يستند وجوده الى نقيضهما. و نتيجة جميع ذلك هو كون توقف العدم على الوجود فعليا كما هو شأن وجود الضد بالإضافة الى عدم ضده.

و ذلك يستلزم الدور كما أشرنا اليه.

و التحقيق ان الايراد المزبور غير تام، لما تقدم فى مبحث الشرط المتأخر من ان الشرط و عدم المانع حدود و قيود، اذا تقيدت بها ذات المقتضى و تشخصت صارت حصة خاصة منه يعبر عنها أهل الفن بالعلة التامة، و لا ريب فى أن كل معروض متقدم بالطبع على عارضه، و بما ان نقيض كل شى‏ء يكون فى رتبته، يلزم ان يكون عدم المقتضى متقدما بالطبع على وجود المانع، و عليه يكون عدم الضد مستندا الى عدم مقتضيه لا الى وجود المانع، لتقدم عدمه رتبة على وجوده.

فاتضح من ذلك انه لا دور فى فرض توقف وجود الضد على عدم ضده، و قد فرّع بعض على ما بينا من تأخر رتبة المانع عن وجود المقتضى، عدم امكان مانعية وجود أحد الضدين للآخر، فيبطل أصل الدليل، لعدم تمامية التوقف‏

21

رأسا، ببيان أن مانعية وجود أحدهما لوجود الآخر، انما يمكن بعد فرض وجود المقتضى لكلا الضدين، لأن كون وجود أحدهما مانعا لا يكون إلا بعد تحقق علته التامة من المقتضى و الشرط و عدم المانع حتى يتحقق له وجود ليكون مانعا من وجود الآخر، فالمقتضى لهذا الضد الذى فرض مانعا لا بد أن يكون موجودا.

ثم فرض مانعية هذا الضد للضد الآخر لا يكون إلا بعد وجود مقتضيه، لما تقدم من انه لا يكون الشى‏ء مانعا عن وجود الشى‏ء إلا بعد وجود مقتضى ذلك الشى‏ء.

ففرض مانعية أحد الضدين للآخر لا يكون إلا بعد فرض وجود المقتضى لكل من الضدين و ذلك محال فتأمل.

و الذى ينبغى أن يقال فى إبطال توهم كون عدم الضد مقدمة لوجود ضده هو انه لا ريب فى كون وجود كل من الضدين فى عرض الآخر، إذ لا شبهة لأحد فى عدم كون أحدهما مقدمة للآخر، و لكن لما كان بينهما غاية التنافى فى الاجتماع فى محل واحد، استلزم ذلك مقارنة وجود أحدهما فى المحل لعدم الآخر، إذ ذلك شأن كل أمرين عرضيين متنافيين فى حال الاجتماع؛ و لو كان وجود كل منهما متوقفا على عدم الآخر، لاستلزم ذلك تقدم ما يفرض متأخرا؛ و تأخر ما يفرض متقدما المعبر عنه بتقدم الشى‏ء على نفسه المساوق لتأخر الشى‏ء عن نفسه (هذا خلف) بيان ذلك انا اذا فرضنا ان السواد مثلا متوقف وجوده فى المحل على عدم البياض توقف المعلول على عدم مانعة، كان عدم البياض متقدما على وجود السواد طبعا، و بما أن النقيضين فى رتبة واحدة يلزم ان يكون وجود البياض أيضا متقدما على وجود السواد رتبة، و كما صح الفرض المزبور فى السواد مثلا يصح مثله فى البياض لا محالة فاذا توقف وجود البياض فى الموضوع على عدم السواد، كان عدمه متقدما على وجود البياض، و كان وجوده متأخرا عن عدم السواد، و بما ان النقيضيين فى رتبة واحدة يلزم أن يكون وجود البياض متأخرا أيضا عن وجود السواد، و قد فرض فى الفرض الأول متقدما عليه (هذا خلف).

22

(الوجه الثانى) ان وجود كل من الضدين ملازم لعدم الآخر، و لا ريب فى ان المتلازمين لا يعقل ان يحكم الحكيم عليهما بحكمين مختلفين فى وقت واحد.

سواء كانا الزاميين، أم كان أحدهما الزاميا و الآخر غير الزامى، أم كان كل منهما غير الزامى، لاستحالة امتثالهما معا فى الأول، و لوقوع الحكم غير الالزامى لغوا فى الثانى، و لوقوع أحد الحكمين غير الالزاميين لغوا فى الثالث، و عليه يلزم ان يكون المتلازمان فى التحقق متماثلين فى الحكم، فيلزم من وجوب أحد الضدين كالإزالة وجوب عدم الآخر كالصلاة، و بضميمة ما سيأتى فى المقام الثانى من ان الأمر بالشى‏ء يقتضى النهى عن نقيضه، أما بنحو العينية أو بالملازمة، ينتج جميع ذلك كون الضد الخاص منهيا عنه و هو المطلوب.

(و الجواب عنه) ان المتلازمين و ان لم يعقل ان يحكم الحكيم عليهما بحكمين مختلفين كما ذكر فى تحرير هذا الوجه، إلا انه لا يلزم من ذلك وجوب أن يحكم عليهما بحكمين متماثلين، لأن الأحكام انما تنشأ بملاحظة المصالح و المفاسد الكامنة فى متعلقاتها، فاذا فرض ان أحد المتلازمين فيه مصلحة تستدعى الحكم عليه بالوجوب مثلا، و لم تكن فى ثانيهما تلك المصلحة، استحال على الحكيم أن يحكم عليه بالوجوب، لاستلزامه صدور الحكم منه بلا داع يستدعيه، و هو محال، غاية الأمر يلزم من ذلك خلو أحد المتلازمين من أحد الأحكام الشرعية، و لا محذور فيه و الشاهد على ذلك هو انا نجد أنفسنا إذا تعلق لنا غرض بطبيعى من الأعمال.

تعلقت به إرادتنا به بنفسه، مع علمنا انه لا ينفك حين ايجاده من الخصوصيات الملازمة للفرد الموجبة لتشخصه، فلو كان التلازم فى الوجود يستلزم التماثل فى أحكام الموجود، لاستلزم تعلق الارادة بالطبيعى تعلقها بالخصوصيات الملازمة لوجوده فى بعض أفراده، و ليس الأمر كذلك بالوجدان.

(ان قلت) لا ريب فى ان ارادة الفعل تكوينا تستلزم إرادة جميع لوازمه التى لا يمكن أن تنفك عنه، و بملاحظة هذه الملازمة صح القول بوجوب مقدمة الواجب‏

23

فاذا كان ارادة الشى‏ء تكوينا تستلزم إرادة لوازمه تكوينا و لو تبعا، و يصح بملاحظة مثل هذه الملازمة إرادة بعض اللوازم تشريعا كما هو الشأن فى مقدمة الواجب.

فلتكن ملازمة وجود أحد الضدين لعدم الآخر تكوينا موجبة لإرادته تشريعا كما كانت موجبة لإرادته تكوينا، و الملاك فى جميع هذه الأمور واحد عقلا، فما الموجب للتفكيك بينها حكما.

(قلت) فرق واضح بين المقيس و المقيس عليه من حيث الصغرى و الكبرى.

(أما الصغرى) فلأن الضد يقارن وجوده عدم ضده، للتنافى بين وجوديهما فى الاجتماع، و العدم ليس بشى‏ء تتعلق به الإرادة اصالة لتتعلق به تبعا فى مثل الفرض و انما يتحقق لعدم تعلق الإرادة بنقيضه أعنى به وجود الضد (و أما الكبرى) فلا نسلم ان إرادة الملزوم تستلزم إرادة لازمه إرادة تكوينية تبعية، و انما يلزم من وجوده وجود لوازمه تكوينا، و ذلك لا يستلزم ارادتها تكوينا اذا لم تشتمل على شى‏ء من المصلحة، و أما قياس ذلك على مقدمة الواجب فليس فى محله، للفرق بين المتلازمين فى الوجود بلا ان يتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر، و بين الملزوم و لازمه المتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر، فان الملازمة بين الأمرين فى الثانى تستلزم ارادة الملزوم ارادة لازمة تكوينا تبعا لتوقف وجود الملزوم على وجود اللازم، فيصح بملاحظة الملازمة بين الارادتين تكوينا أن يقال بالملازمة بين إرادة الملزوم تشريعا و بين إرادة لازمه تشريعا أيضا، لتوقف وجود الملزوم على وجود لازمه؛ و أما المتلازمان اللذان لا يتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر، فلا موجب لاستلزام إرادة أحدهما لإرادة الآخر؛ اذا لم يشتمل على غرض المريد كما أشرنا اليه (فاتضح مما تقدم) ان الأمر بالشى‏ء لا يقتضى النهى عن ضده الخاص، لا بملاك المقدمية؛ و لا بملاك التلازم؛ فان الاستدلال على ذلك؛ أما بملاك المقدمية؛ فهو و ان كان صحيحا من حيث الكبرى؛ لاختيارنا القول بوجوب المقدمة؛ إلّا أن الصغرى غير صحيحة؛ لأنا قد بيّنا أن وجود الضد ليس بمانع ليكون‏

24

عدمه من مقدمات وجود الضد الآخر، و أما بملاك التلازم، فلو سلمنا تحقق الصغرى فى المقام لما كنا نسلم صحة الكبرى أعنى بها كون المتلازمين فى الوجود لا بد أن يكون متماثلين فى الحكم.

و لا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون الضدان لهما ثالث كما هو الغالب، و بين أن لا يكون لهما ثالث، إلا أن بعض الأساطين من مشايخنا قد فصّل فى الاقتضاء و عدمه فذهب الى عدم الاقتضاء فى الأول، و الى الاقتضاء فى الثانى، بتقريب أنه قد صح ان الأمر بالشى‏ء يقتضى النهى عن نقيضه، و لا ريب فى ان الضدين اللذين لا ثالث لهما فيهما ملاك النقيضين أعنى به امتناع ارتفاعهما و امتناع اجتماعهما، فلا بعد فى صحة القول باقتضاء الأمر باحدهما للنهى عن الثانى بملاحظة الملاك المزبور.

و لا يخفى ما فيه (أما أولا) فلأنه فرق واضح بين النقيضين و بين الضد الملازم لعدم ضده من حيث اقتضاء الأمر باحدهما للنهى عن الآخر فى نظر العرف، فان العرف يرى ان أحد النقيضين إذا كان محبوبا كان نقيضه مبغوضا، مثلا اذا كان وجود الشى‏ء محبوبا، كان عدمه مبغوضا بنظر العرف، و ليس الأمر كذلك فى الشى‏ء و لوازمه و مقارناته، فان الشى‏ء اذا كان محبوبا لا يقتضى حبه ان يكون مقارنه فى الوجود أو ملازمه محبوبا ليكون نقيض ذلك المقارن أو الملازم مبغوضا، لهذا قيل باقتضاء الأمر بالشى‏ء للنهى عن نقيضه فى الأول دون الثانى (و أما ثانيا) فانه اذا تنزلنا و قلنا بان حب الشى‏ء يستلزم سراية الحب الى مقارنه أو ملازمه، فلا موجب لحصر هذا الاقتضاء فى الضدين اللذين لا ثالث لهما، لأن الملاك الموجب للاقتضاء المزبور هى الملازمة أو المقارنة فى الوجود، و هذا الملاك متحقق فى كل ضد مع عدم ضده، سواء كان لهما ثالث أم لم يكن، اذ لا دخل لعدم الثالث فى الملاك المزبور كما لا يخفى.

(المقام الثانى) فى أن الأمر بالشى‏ء هل يقتضى النهى عن ضده العام أعنى به ترك المأمور به، و على الاقتضاء فهل هو بنحو المطابقة أو التضمن أو الالتزام فيه‏

25

خلاف بين العلماء الأعلام (و تحقيق ذلك يحتاج الى تمهيد مقدمة) و هى ان التكليف يتدرج فى تحققه و يتطور باطوار ثلاثة فاول ما ينشأ فى النفس بملاحظة المصلحة و المفسدة هو حب المأمور به و بغض المنهى عنه، ثم يترقى الى الإرادة و الكراهة ثم يصير باظهار تلك الارادة و الكراهة بما يدل عليهما من العبارات و الإشارات أمرا و نهيا، و حينئذ يصح انتزاع العناوين المعروفة من البعث و الايجاب و الزجر و التحريم و نحوها، فالأمر بالشى‏ء هى ارادته التى نشأت فى نفس المولى بملاحظة المصلحة التى اشتمل عليها الفعل المأمور به التى أظهرها بما يدل عليها من العبارات و الاشارات، و النهى عن الشى‏ء هى كراهته التى نشأت فى نفس المولى بملاحظة المفسدة التى اشتمل عليها الفعل المنهى عنه التى أظهرها بما يدل عليها، و عليه يكون الأمر بعثا الى ايجاد المأمور به تحصيلا للمصلحة القائمة به و النهى زجرا عن إيجاد المنهى عنه تفصيا عن المفسدة المتولدة منه، هذا هو الذى يقتضيه مبادئ التكليف بملاحظة المصالح و المفاسد، إلا ان المشهور ذهبوا الى ان النهى هو طلب ترك المنهى عنه بملاحظة المفسدة التى اشتمل عليها وجوده، و قد عرفت ان التكليف بشى‏ء أمرا كان أم نهيا لا يكون إلا بملاحظة ما يشتمل عليه نفس المكلف به من المصالح و المفاسد، و ترك الشى‏ء بما هو ترك لا مصلحة فيه و لا مفسدة، فلا موجب لتعلق التكليف به، و بما أن وجود الشى‏ء هو الذى تتولد منه المصالح أو المفاسد، يلزم ان يكون هو محور التكليف بعثا اليه أو زجرا عنه.

(اذا عرفت ذلك) فاعلم انه على المشهور يمكن تقريب كون الأمر بالشى‏ء نفس النهى عن الضد العام فى جميع أطوار التكليف المزبورة، و ذلك لأن النهى اذا كان مفاده طلب ترك المنهى عنه، كان مفاد النهى عن الضد العام هو طلب ترك الترك و لا ريب فى ان ترك الترك و ان كان مغايرا مفهوما للوجود و الفعل، إلا انه متحد معه مصداقا، بل لا مصداق له فى الخارج غيره، و عليه يكون الأمر بالشى‏ء متحدا مصداقا مع النهى عن تركه، و ان تغايرا مفهوما، و لا فرق فى هذا التقريب بين‏

26

أطوار وجود الأمر من الحب و الإرادة و اظهارها الى خارج النفس بما يدل عليها المصحح لانتزاع عنوان الأمر منها (و أما على المختار) فلا يتمشى هذا التقريب.

لأن الأمر بالشى‏ء لا يعقل ان يكون زجرا عن تركه، لتغايرهما مفهوما و مصداقا نعم إذا قيل ان الأمر بالشى‏ء وجوبا يستلزم الزجر عن تركه، فلا مانع من قبوله لأن الشى‏ء المشتمل على مصلحة تدعو الى ارادته من الغير بنحو الالزام يكون تركه مبغوضا لمريده بغضا يساوق حب فعله و ايجاده فى المرتبة، و لا ريب فى ان ملاك الزجر هو بغض المزجور عنه، سواء كان الداعى الى بغضه اشتماله على المفسدة، أم شدة حب نقيضه، هذا حاصل ما أفاده أستاذنا الأعظم فى تقريب الملازمة بين الأمر بالشى‏ء و النهى عن ضده العام فى درسه الموقر فى الأصول، و لكن نظره السديد فى درسه المنور فى الفقه قد رجّح القول بعدم الملازمة بين الأمر بالشى‏ء و النهى عن ضده العام، لأن حب الشى‏ء و لو كان بنحو الغلو و الافراط لا يستلزم بغض تركه على نحو الحقيقة، بل بالعرض و المجاز، لأن البغض كالحب لا ينشأ فى النفس متعلقا بشى‏ء إلا لملاك يقتضيه، و لا ريب فى أن ترك الشى‏ء المحبوب أو المراد ليس فيه ملاك يدعو الى بغضه أو كراهته، كما أن الشى‏ء المبغوض لملاك يقتضى بغضه لا يكون تركه محبوبا بلا ملاك يقتضى حبه و ارادته، نعم يصح نسبة البغض الى ترك المحبوب بالعرض و المجاز عرفا و كذا الأمر بالنسبة الى ترك المبغوض كما أشرنا اليه‏

و أما ثمرة البحث عن الاقتضاء و عدمه فى الضد الخاص، فهو فساد الضد المنهى عنه اذا كان عبادة بناء على الاقتضاء بضميمة كون النهى عن العبادة موجبا لفسادها، و عدم فساد الضد و لو كان عبادة بناء على عدم الاقتضاء، مثلا إذا تحققت المزاحمة بين واجب موسع و آخر مضيق، أو بين مضيقين، أحدهما أهم من الآخر فى الشريعة، فبناء على الاقتضاء تفسد العبادة الموسعة اذا فعلها المكلف قبل المضيق و كذا المهم فى وقت الاهم (هذا) و لكن قد يشكل تحقق الثمرة المذكورة، لأن العبادة ان قيل بتوقف صحتها على تعلق الأمر بها فلا محالة تقع فاسدة و ان بنى على عدم اقتضاء

27

الأمر بالشى‏ء للنهى عن ضده، لأن من يقول بعدم الاقتضاء لا يقول بجواز تعلق الأمر بالضدين معا فى عرض واحد، و ان قيل بصحة العبادة المأتى بها بداعى ملاكها المصحح للامر بها عباديا و ان لم تكن مأمورا بها فعلا لفعلية الأمر بضدها الأهم.

فهى تقع صحيحة، و لو قيل باقتضاء الأمر بالشى‏ء للنهى عن ضده، لأن النهى المزبور نهى غيرى، ملاكه كون عدم الضد مقدمة لوجود ضده، لا اشتمال وجود الضد المنهى عنه فى المقام على مفسدة توجب بغضه، ليمتنع التقرب به.

[فى دفع الاشكال عن ثمرة بحث الاقتضاء]

و يمكن دفع الاشكال عن الثمرة بان العمل المشتمل على مصلحة تعبدية، انما يصح التقرب به و يصلح له إذا لم يردع الشارع عنه، و أما مع النهى عنه و لو غيريا فلا يكاد يصح التقرب به و ان لم يشتمل على مفسدة ذاتية، خصوصا إذا قلنا بأن وجود الضد مقدمة لعدم ضده، إذ عليه يكون فعل الضد مقدمة للمعصية، فيكون مبغوضا لكونه شروعا فى المعصية، كما أشرنا الى ذلك فى استحقاق الثواب على مقدمة الواجب فى بعض مباحثها، فاتضح صحة الثمرة المذكورة بناء على كفاية اشتمال العمل على ملاك العبادة فى صلوحه للتقرب به و ان لم يكن مأمورا به فعلا؛ لما أشرنا اليه من أنه على الاقتضاء تكون العبادة منهيا عنها فلا يصح التقرب بها و ان اشتملت على ملاك التعبد بها للردع عنها شرعا؛ و بناء على عدم الاقتضاء يصح التقرب بها و ان لم تكن مأمورا بها لكفاية الملاك العبادى فى صحة التقرب بذيه اذا لم يردع عنه.

و قد يدفع الإشكال عن الثمرة أيضا بناء على افتقار العبادة فى صحتها الى الأمر بها بما ينسب الى المحقق الثانى (قده) فى خصوص مزاحمة الموسع بالمضيق؛ و حاصله انه اذا قيل بالاقتضاء يقع الضد المنهى عنه فاسدا؛ للنهى عن العبادة الموجب لفسادها؛ و اذا قيل بعدم الاقتضاء تقع العبادة صحيحة و ان قلنا بافتقار صحتها الى الأمر بها؛ لأنه يكفى فى جواز تعلق الأمر بالطبيعة قدرة المكلف على الاتيان بها و لو فى بعض أفرادها؛ و لا ريب فى ان الموسع مأمور به و لو لأهميته من المضيق فى آخر الوقت؛ كما هو الشأن فى الصلاة مع الإزالة فى المثال المعروف؛ و الصلاة

28

فى أول الوقت لا تخرج بمزاحمة الإزالة لها عن كونها فردا لطبيعة الصلاة المأمور بها، و عدم الأمر بخصوص الفرد المزبور أعنى به الصلاة فى وقت المزاحمة؛ لا يقدح فى صحة امتثال الأمر المتعلق بطبيعة الصلاة غير المقيدة بعدم بعض أفرادها كما فى صورة الاقتضاء؛ فاذا كانت الصلاة مأمورا بها وقت المزاحمة للقدرة على امتثال أمرها باتيان الفرد غير المزاحم؛ و انطباق طبيعة الصلاة المأمور بها على هذا الفرد منها أعنى به الصلاة وقت المزاحمة قهريا، حصل الامتثال به قهرا؛ إذ لا حقيقة للامتثال إلا فعل المأمور به بفعل بعض أفراده.

و قد أورد عليه بعض الأساطين من مشايخنا بما حاصله ان ما ذكره المحقق (قده) لا يتم إلا على القول بان القدرة شرط عقلى فى جواز التكليف؛ فان المكلف به على ذلك يكون مطلقا من قيد القدرة؛ فيكون المأتى به حال المزاحمة فردا حقيقيا للواجب الموسع؛ و أما على التحقيق من كون القدرة قيدا لنفس المكلف به يقتضيه طبع التكليف و البعث الى المكلف به؛ لأن التكليف بشى‏ء هو التسبب الى ايجاده بامر الغير به؛ فاذا فرض كون ذلك الغير عاجزا عن إيجاده؛ فلا يتأتى من الملتفت الى عجزه ان يريد ذلك الشى‏ء منه، فضلا عن أن يأمره به و يبعثه اليه؛ و هذا أمر فطرى لا ربط له بالحسن و القبح عقلا كما هو مبنى المشهور فى اشتراط التكليف بالقدرة لقبح تكليف غير القادر؛ و أما على التقريب الأول؛ فالتكليف بطبعه يستلزم كون المكلف به مقدورا؛ فلا محالة يكون المكلف به مقيدا بالقدرة؛ و معه لا يكون المأتى به حال المزاحمة فردا للمأمور به لكون المأتى به فى هذا الحال غير مقدور عليه شرعا؛ لتعجيز الشارع المكلف بتكليفه بالأهم فى تلك الحال. فلا ينطبق المأمور به على المأتى به ليكون ذلك امتثالا لأمره.

(هذا) و لكن لا يخفى ان فى كلا التحقيقين من الدفع و الايراد عليه مواقع للنظر. أما فى توجيه المحقق (قده) فلأنه و ان سلمنا كون القدرة شرطا عقليا فى جواز التكليف. لا قيدا فى المكلف به. و سلمنا صحة الشرط المتأخر. و اخترنا

29

ان المكلف به هو طبيعى العمل لا فرده، لكن العقل لا يجوّز تعلق التكليف بالطبيعى إلا من الناحية التى يرى المكلف قادرا فيها عليه، فاذا فرضنا ان المكلف قادر على الطبيعى من بعض نواحيه؛ عاجز عنه من ناحية أخرى، فالعقل لا يصحح التكليف بذلك الطبيعى باعتبار جميع نواحيه، لأن انبساط التكليف عليه كذلك لغو قبيح فلا محالة يكون المكلف به حصة منه، و عليه لا يكون المأتى به حال المزاحمة فردا لتلك الحصة ليتحقق الامتثال به، و أما ما فى ايراد بعض الأساطين من مشايخنا.

فهو (أولا) التزامه بصحة توجيه المحقق (قده) لو لا أخذ القدرة قيدا و شرطا فى المأمور به، مع ان التوجيه المزبور لا يتم على مختار صاحب الايراد، حتى مع الغض عن أخذ القدرة قيدا فى المأمور به، لأن توجيه المحقق (قده) لا يتم إلا على القول باحد الأمرين، اما امكان الشرط المتأخر، و اما امكان الواجب المعلق، لأن فعلية الأمر بالواجب الموسع فى حال مزاحمة الواجب المضيق مع كون القدرة شرطا فى فعلية التكليف. و مع عدم القدرة فى نظر الشارع على الموسع فى حال مزاحمة المضيق لا تتأتى إلّا اذا اكتفينا بالقدرة على الموسع فى الزمان الثانى أعنى به حين ارتفاع المزاحمة بالمضيق، فالاكتفاء بالقدرة المتأخرة فى فعلية الأمر فى الزمان الأول هو أحد فروع القول بالشرط المتأخر، أو اذا قيل بان الواجب الموسع و ان كان وجوبه حال المزاحمة فعليا إلا ان ظرف امتثاله و الإتيان بمتعلقه هو الزمان الثانى أعنى به حين ارتفاع المزاحمة، و هو تمسك بالواجب المعلق و صاحب الايراد المزبور لا يقول بكل منهما (و ثانيا) ان ما ذكره وجها للفرق بين مختاره و مختار المحقق.

فليس بوجه يوجب الفرق فى النتيجة، و ذلك لأنا لو سلمنا ان نفس التكليف يستلزم بطبعه كون المكلف به مقدورا لما كنا نسلم امكان أخذ ما يقتضيه الحكم قيدا فى الموضوع، لأن الموضوع متقدم بالطبع على حكمه، و هو متأخر عنه كذلك، و لا يمكن أخذ ما ينشأ من المتأخر قيدا أو جزءا فى المتقدم و إلا لزم تقدم المتأخر، أو تأخر المتقدم بل يكون حال ما ينشأ من الحكم حال نفس الحكم بالنسبة الى موضوعه‏

30

فكما ان نفس الحكم لا يمكن ان يكون قيدا لموضوعه كذلك ما ينشأ منه، و عليه يكون متعلق الحكم غير مقيد بالقدرة، و ان قيل ان المكلف به و ان كان غير مقيد بالقدرة، إلا انه على ذلك يكون حصة من طبيعى المكلف به، أعنى ان المكلف به هى الصلاة فى حال كونها مقدورة للمكلف، فالصلاة المقارنة للقدرة عليها هى متعلق التكليف، و عليه لا يمكن أن ينطبق المأمور به على المأتى به حال المزاحمة.

لعدم كونه مقدورا، فلا يكون فردا من أفراد تلك الحصة، قلنا هذا التقريب بنفسه يجرى فى مدعى المحقق الثانى أيضا.

(تذييل) [فى امكان احراز الملاك باطلاق المادة و عدمه‏]

قد مر فى طى كلامنا فى ثمرة البحث ان اشتمال العمل على ملاك العبادة كاف فى صحة التقرب به، و وقوعه عبادة، هذا من حيث الثبوت، و أما اثبات ان العمل مشتمل على ملاك العبادة أو غير مشتمل، فهو محل الكلام فى هذا المقام، لهذا نقول قد يتمسك لاثبات الملاك المزبور فى العمل الذى لو لا مزاحمته بالواجب الأهم لكان التكليف به فعليا، باطلاق مادته من حيث قيد القدرة، بتقريب أن القدرة اذا أخذت قيدا للمكلف به فى لسان الدليل، فلا محالة تكون مقومة للملاك الذى بملاحظته حدث التكليف بذيه، اذ لو لا دخلها فيه لما اخذت قيدا مقوما فى المكلف به، فاذا سقط الأمر لانتفائها لم يبق ما يدل على تحقق ملاك العبادة فى العمل، و أما اذا لم تؤخذ القدرة قيدا فى متعلق التكليف فى لسان الدليل، بل تعلق التكليف بالعمل مطلقا من حيث القدرة و العجز، فلا ريب فى ان التكليف بذلك العمل المطلق يدل على أن متعلقه بما هو مطلق مشتمل على ملاك يقتضى التعبد به، فلا تكون القدرة حينئذ دخيلة فى تحقق ذلك الملاك، و عليه لا يكون انتفاء القدرة فى مورد المزاحمة موجبا للوهن فى دلالة الاطلاق المزبور على تحقق الملاك العبادى فى المادة المطلقة (و فيه) أن الإطلاق انما يتم حيث لا يكون الكلام محفوفا بما يمكن ان يكون قرينة

31

على ارادة القيد المحتمل دخله فى المطلوب، و أما حيث يكون محفوفا به فلا يمكن انعقاد ظهوره فى الاطلاق، و الخطاب فى المقام من هذا القبيل، لأنه لا ريب فى أن الدليل على اشتمال المادة على الملاك فى الجملة منحصر فى الخطاب المتعلق بها و أما عموم الملاك و كون المادة مشتملة عليه حيثما تحققت، و ان كانت غير مخاطب بها.

فانما يستفاد من إطلاقها حيث ينعقد لها ظهور فيه، و كيف ينعقد لها ظهور فيه.

مع احتمال إرادة تقييدها بقيد القدرة، اتكالا على الخطاب الملازم لذلك القيد فى فى الدلالة عليه، و عليه لا يبقى فى المقام ما يدل على عدم إرادة القيد المزبور.

فتنحصر دلالة الخطاب على الملاك فى خصوص الحصة التى تعلق بها الخطاب، و أما الحصة غير المقدورة، فلا دلالة لشى‏ء فى المقام على اتصافها بالملاك المزبور، لبطلان الاطلاق بما ذكرنا، و عدم دليل آخر حسب الفرض.

(ان قلت) لا ريب فى ان متعلق الخطاب متقدم بالرتبة على نفس الخطاب، كما هو شأن كل معروض مع عارضه، و أيضا لا ريب فى ان ملازم كل أمر يكون فى رتبته و عليه يستحيل تقييد متعلق الطلب و الخطاب بالقدرة الملازمة له بناء على مذهب المشهور من قبح تكليف العاجز، لأن القدرة التى تلازم الخطاب تكون فى رتبته فتكون متأخرة عن متعلقه، فلا يمكن أخذها قيدا فيه، لتقدمه رتبة على الخطاب و إلا لزم تقدم المتأخر أو تأخر المتقدم، و هو محال، و كذا بل بطريق أولى من ذلك، اذا قلنا باقتضاء نفس الخطاب لكون متعلقه مقدورا، و ما يستحيل تقييد متعلق الخطاب به، كيف يمكن أن يكون الخطاب المستلزم له بيانا لدخله فى متعلقه ليمكن الاتكال عليه فى الدلالة عليه و يكون احتماله مانعا من الإطلاق.

(قلت) لا ريب فى أن متعلق الخطاب و ان كان قبل تعلق الخطاب أمرا كليا إلا انه بعد تعلق الخطاب به يكون حصة منه، لأن الخطاب و لوازمه توجب تحصصه حينما يتعلق به، و لازم ذلك عدم إمكان أخذ الإطلاق فى المتعلق، و بعبارة أخرى أخذ الحكم و قيوده فى المتعلق و ان كان مستحيلا، إلّا ان كل واحد من الحكم‏

32

و المتعلق يتضيق من ناحية الآخر، فالحكم بعد ما صار ضيقا من جهة دخل القدرة فيه، يوجب التضيق فى المتعلق، غاية الأمر سقط الخطاب للعجز، و لكن اتكال المتكلم فى دخل القدرة فى مصلحة المتعلق يكون باشتراط القدرة فى الخطاب (فتدبر) فالصحيح فى مقام إثبات عموم الملاك، و تحققه فى حالتى القدرة و العجز، هو التمسك باطلاق الهيئة، بيان ذلك هو ان للهيئة ثلاث دلالات (احدها) دلالة الهيئة على فعلية البعث الى المادة على الاطلاق (ثانيها) دلالتها على تعلق ارادة الآمر تشريعا بالمادة على الاطلاق أيضا (ثالثها) دلالتها على اتصاف المادة بالملاك على الاطلاق أيضا، و حيث دل الدليل المنفصل، و هو العقل، على قبح تكليف العاجز، سقط ظهور الهيئة عن الحجية فى الدلالتين الأوليين، و بقيت الدلالة الثالثة من دون معارض يوجب سقوطها عن الحجية.

(ان قلت) هذا انما يتم فيما لو كانت هذه الدلالات الثلاث بعضها فى عرض الاخرى، و لكنها ليست كذلك، بل بعضها فى طول الأخرى، فاذا سقطت دلالة المطابقة، فلا محالة تسقط دلالة الالتزام، مثلا اذا كان مدلول الهيئة بالمطابقة هى فعلية البعث الى المادة، و قد سقط هذا الظهور عن الحجية، فلا محالة تسقط الدلالة الالتزامية، أعنى بها دلالة فعلية الخطاب على وجود ملاك يستدعى الخطاب بذيه عن الحجية.

(قلت) سقوط الظهور عن الحجية بالدليل المنفصل لا يستدعى بطلان نفس الظهور؛ فاذا كان ظهور دلالة المطابقة محفوظا. و ان لم يكن حجة، كان ظهور دلالة الالتزام محفوظا لتبعية ظهور دلالة الالتزام لنفس ظهور دلالة المطابقة وجودا.

و اذا سقط أحد الظهورين عن الحجية لدليل منفصل عارضه. فلا موجب لسقوط الظهور الآخر عن الحجية. و عليه تكون الدلالة الالتزامية فى المقام حجة فى مدلولها (فتحصل مما تقدم) انه تترتب ثمرة عملية على النزاع فى الاقتضاء و عدمه. و هى صحة العبادة المأتى بها بداعى الملاك بناء على عدم الاقتضاء، و بطلانها بناء على‏

33

الاقتضاء، و انه يمكن استكشاف وجود الملاك فى العمل العبادى حين المزاحمة بالأهم، باطلاق الهيئة، و ان سقط ظهورها فى فعلية الطلب حينئذ عن الحجية.

و قد يتوهم امتناع استكشاف الملاك فى مثل المقام، لفرض استحالة فعلية الخطابين معا فيه، فيعلم بكذب أحد الدليلين الظاهرين فى فعلية كليهما، و معه يكون الفرض المزبور من فروض باب التعارض، فاذا رجحنا أحد الدليلين كان هو الحجة دون الآخر، و حينئذ لا يبقى فى المقام ما يمكن ان يكشف بوجوده عن وجود الملاك فى متعلق الدليل المرجوح، للبناء على كذبه بترجيح غيره عليه (و فيه) ان اريد بذلك سقوط أحد الخطابين عن الفعلية لامتناع فعلية كليهما معا فهو مسلم، و لكن ذلك لا يستلزم كون المورد من موارد المعارضة، بل يجوز ان يكون من موارد التزاحم، لاشتراك الموردين فى هذا الأثر، و ان اريد ان سقوط أحد الخطابين عن الفعلية يستلزم كذب أحدهما فيكون من موارد المعارضة، فهو غير مسلم، لسقوط أحد الخطابين عن الفعلية فى مورد التزاحم، مع عدم استلزامه لكذبه فى هذا المورد و اتضاح هذه الجملة فى المقام يتوقف على توضيح الفرق بين حقيقة التزاحم و التعارض و بيان أحكام كل منهما فى الجملة، و أما تفصيل ذلك فسيأتى ان شاء اللّه تعالى فى محله.

و مع هذا فالتوضيح الذى لا بد منه فى المقام يتوقف على تحرير الكلام من جهات.

[فى توضيح الفرق بين التزاحم و التعارض‏]

(الاولى) ان حقيقة المعارضة، هو تنافى الدليلين بنحو يكون كل منهما مكذبا للآخر فى مدلوله فعلية و اقتضاء، سواء كان تنافيهما بالذات كما لو كان مدلول أحدهما مضادا لمدلول الآخر، مثل ان يكون مدلول أحدهما الأمر بشى‏ء و مدلول الآخر النهى عن ذلك الشى‏ء، أم كان بالعرض كما لو علم بكذب أحدهما فى نفسه، و اشتبه بالآخر غير الكاذب، و فى كلا القسمين يكون المرجع هى مرجحات باب التعارض و أما التزاحم فهو التدافع بين موجودين مستقلين لا تسعهما قدرة المكلف، إما لكونهما متماثلين، كانقاذ الغريقين، و إما لكونهما متضادين، كالازالة و الصلاة.

او التمانع بين ملاكين اتصف بهما موجود واحد يقتضى أحدهما التأثير فى نفس المولى‏

34

الحكيم بارادته، و يقتضى الآخر التأثير فيها بكراهته، كالصلاة فى المكان المغصوب فعلى هذا يكون التعارض بين الدليلين منحصرا فى الدليلين اللذين يدلان على حكمين متضادين لعنوان واحد، كالخمر المحكوم بطهارته فى بعض الأخبار، و بنجاسته فى بعض آخر، او الدليلين اللذين علم من الخارج بكذب أحدهما، و أما الدليلان اللذان يدلان على حكمين متضادين لعنوانين متلازمين فى الوجود، أو كان بينهما عموم و خصوص من وجه، كالصلاة فى المكان المغصوب، فليسا بمتعارضين، بل هما متزاحمان كما أشرنا اليه.

و السرّ فى ذلك ان التعارض و ان دلت الأدلة الشرعية على أحكامه إلا أنها لم تشرح حقيقته و لم يتبين معناه ليؤخذ به صدقا و تطبيقا على موارده، و أما التزاحم فلم يتعرض لبيان حقيقته و لا لشى‏ء من أحكامه شى‏ء من الأدلة الشرعية بل هو أمر عقلى موضوعا و حكما، فيلزم الفحص عقلا عن حقيقته، فاذا تشخصت عندنا علمنا ان ما سواها من الموارد التى يتدافع فيها الدليلان هو من موارد التعارض فنقول ملاك التزاحم الجامع بين جميع موارده هو تحقق ملاك كل من الحكمين فى مورد التزاحم مع سقوط أحدهما عن الفعلية، لاستحالة امتثالهما معا فى مورد التزاحم سواء كان التزاحم بين متعلقى الحكمين كالصلاة و الازالة، أم كان بين ملاكيهما فى التأثير كالصلاة فى المكان المغصوب. فكما يحرز تحقق ملاك كل من الحكمين فى كلا الأمرين المتزاحمين فى الوجود، باطلاق دليليهما، كذلك يمكن إحراز تحقق ملاك كل من الحكمين فى الأمر الواحد ذى العنوانين كالصلاة فى المكان المغصوب باطلاق دليليهما و كما يصح إحراز فعلية أحد الحكمين باحراز اقوائية ملاكه أو بغيره من المرجحات فى المتزاحمين فى الوجود كانقاذ الغريقين، كذلك يصح إحراز فعلية أحد الحكمين باحراز اقوائية ملاكه أو بغيره من المرجحات فى تزاحم الملاكين فى الامر الواحد ذى العنوانين كالصلاة فى المكان المغصوب، فاذا شخصنا عقلا ملاك التزاحم كما ذكرنا، اتضح لنا ان كل مورد يتدافع فيه الدليلان و يمتنع الأخذ بمدلوليهما معا

35

فيه و لا يشتمل على ملاك التزاحم المزبور هو من موارد التعارض الكاشف عن كذب أحد الدليلين فى الحكم و ملاكه، و هو منحصر فى تعارض الدليلين الحاكمين بحكمين متضادين على أمر واحد بعنوان واحد، و فى مورد العلم بكذب أحد الدليلين من الخارج، و قد اشرنا لك تلويحا فى غصون هذا التحقيق ان مناط التزاحم سواء كان فى الوجود أم فى الملاك هو تحقق إطلاق كل من دليلى الحكمين الكاشف عن تحقق الملاك، و مناط التعارض هو عدم تحقق الاطلاق المزبور، سواء كان التنافى و التدافع بين الدليلين فى مورد التزاحم فى الوجود أم فى مورد التنافى فى الحكم، فتحصل من جميع ذلك ان الدليلين اللذين يدلان على حكمين متضادين ان كان متعلق حكميهما شيئا واحدا عنوانا و معنونا كانا متعارضين، لأن كل حكم يكشف بدليل الإن عن وجود ملاك فى متعلقه يستدعيه، و عن مبادئه القائمة فى نفس الحاكم به من الحب و البغض و الإرادة و الكراهة و غيرها، و يدل بدليل الالتزام على الزجر عن نقيض متعلقه ان كان ذلك الحكم ايجابا، و على طلب نقيض متعلقه ان كان ذلك الحكم تحريما، فيكون كل من الدليلين المتعارضين مكذبا بالدلالة الالتزامية للآخر فى مفاده و ملاكه، و أما إذا كان متعلق كل من الحكمين المتضادين مغايرا لمتعلق الآخر عنوانا و ان كانا متلازمين فى الوجود فضلا عما لو كانا متصادقين اتفاقا على موجود واحد فلا يكون الدليلان الدالان عليهما متعارضين، لأنه لا يكون أحدهما مكذبا للآخر فى مفاده و لا فى ملاكه، لا بالمطابقة و لا بالالتزام، لفرض المغايرة بين ما يدعو اليه أحد الحكمين، و ما يزجر عنه الآخر.

و مما ذكرنا فى الفرق بين التعارض و التزاحم يظهر لك الخلل فى كلام بعض الأساطين من مشايخنا (قده) حيث ذكر ان ملاك التعارض، هو ان يكون بين مدلولى الدليلين تعاند و تناف فى مرحلة الثبوت، بحيث لا يمكن جمعهما فى مقام الجعل و التشريع، لاستلزام ذلك التناقض فى نفس الشارع، حيث يكون متعلق الحكمين المتنافيين شيئا واحدا، او التكليف بما لا يطاق حيث يكون بين متعلقى‏

36

الحكمين تضاد دائما كما لو أوجب القيام دائما و القعود كذلك، أو يكون متعلق كل من الحكمين المتضادين ملازما لمتعلق الآخر، كما لو أوجب استقبال المشرق و حرّم استدبار المغرب، و أما ملاك التزاحم فهو ان لا يكون بين الحكمين تناف و تعاند فى مقام الجعل و التشريع، و ان حصل ذلك بينهما اتفاقا فى مقام الفعلية، و هو يتحقق فى موارد (الأول) ان يحصل بين متعلقى الحكمين تضاد اتفاقا، كالغريقين و الإزالة و الصلاة؛ حيث لا يقدر المكلف إلا على واحد منهما فى وقت واحد (الثانى) هو أن لا يقدر إلا على فعل أحد الأمرين فى وقتين؛ كالقيام فى الصلاة الذى لا يقدر عليه المكلف إلا فى أحد ركعاتها (الثالث) هو ان يستلزم اتفاقا وجود أحد متعلقى الحكمين المتضادين لوجود الآخر؛ كما لو حرّم على المكلف استدبار الجدى مع وجوب استقبال القبلة عليه فى الصلاة (الرابع) هو ان يتحد اتفاقا أيضا متعلق الوجوب مع متعلق النهى؛ كالصلاة فى المكان المغصوب؛ بناء على جواز الاجتماع، بدعوى انضمام أحد المتعلقين الى الآخر؛ لا اتحادهما حقيقة و إلا كان من موارد التعارض كما أشرنا اليه (الخامس) هو ان يكون أحد متعلقى الحكمين المتضادين مقدمة وجودية للمتعلق الآخر اتفاقا أيضا؛ كما لو توقف انقاذ المؤمن من الهلكة على التصرف فى مال المؤمن الآخر بغير رضاه؛ انتهى موضع الحاجة من كلامه.

و فيه مواقع للنظر (أما أولا) فلأن القدرة من شروط فعلية التكليف؛ و ليست كالعلم لتكون من شروط التنجيز؛ فان كان حقيقة التزاحم فى نظره هو تزاحم الحكمين فى التحريك و الدعوة. فلا يكون فى الموارد التى فرضها من موارد التزاحم تزاحم بين الحكمين أصلا. لعدم كونهما معا فعليين، بل لا محالة يكون أحدهما فعليا دون الآخر. و ان كان حقيقته هو تزاحم الحكمين الإنشائيين فى الفعلية. فلا محالة يكون تزاحمهما فى الفعلية موجبا لتزاحمهما فى الإنشاء أيضا. لأن علم الشارع مثلا باستحالة ترتب الأثر المقصود بالإنشاء إلا على أحدهما يمنع من إنشاء ما لا يكون‏

37

له أثر فى مقام التكليف، لكونه لغوا حينئذ، و عليه يكون حقيقة التزاحم هو تزاحم ملاكى الحكمين فى التأثير فى نفس الحاكم بارادة كل منهما و ان أصر (قده) على انكار ذلك، بدعوى ان التزاحم المبحوث عنه، انما يتحقق بين الأحكام، حيث يدعو كل منها الى امتثال نفسه باتيان متعلقه المستقل بوجوده و ملاكه عن متعلق الآخر.

و أما ملاكات الأحكام اذا اجتمعت فى شى‏ء واحد، فلا محالة يقع بينها التزاحم فى التأثير و الكسر و الانكسار، فيؤثر أقواها فى الحكم على وفقه، فلا يتحقق فى الواقع إلا حكم واحد يتعلق بذلك الشى‏ء الواحد الذى اجتمعت فيه الملاكات المتعددة.

فاذا دل دليلان على حكمين متضادين متعلقين بشى‏ء واحد و لو بعنوانين، كانا متعارضين للعلم بانه ليس فى الواقع إلا حكم واحد من الحكمين اللذين دلا عليهما.

و لو كان التزاحم المبحوث عنه فى هذا الفن هو التزاحم بين ملاكات الاحكام.

لانسد باب التعارض، لأن كل دليلين متعارضين يكشفان بطريقة الإن عن وجود ملاكين فى متعلق الحكمين المتضادين اللذين دلا عليهما، و هو باطل بالضرورة و بذلك يتضح لك أن المراد بالتزاحم هو ما أشرنا اليه، إلا انه لا يخفى عليك ما فى هذا الكلام بعد ما شرحنا لك حقيقة التزاحم، و عرفت ان التزاحم بين الاحكام لا حقيقة له، و انما هو وهم من الأوهام، لأن التزاحم بين أمرين لا يتحقق إلا بعد تحققهما، و قد عرفت انه اذا وقع تزاحم بين حكمين فى مقام الامتثال لا يكون إلا أحدهما فعليا، و أما الحكم الآخر فلا بد أن ينتفى و يسقط حتى عن درجة الإنشاء.

لأن بقاءه و لو إنشاء بلا أثر يترتب عليه لغو محض، لا يعقل صدوره عن الحكيم و لا يلزم من ذلك انتفاء التعارض بين الأدلة، لأنا قد أشرنا الى أن الدليلين اذا دلا على حكمين متضادين متعلقين بامر واحد بعنوان واحد، فهما متعارضان، و إذا كان متعلق الحكمين المتضادين عنوانين متغايرين و ان كانا متلازمين فى الوجود أو متصادقين على موجود واحد، فالملاكان متزاحمان، و قد تقدم تفصيل ذلك (و أما ثانيا) فهو أن التفصيل بين ان يكون التزاحم بين الحكمين المتضادين دائميا فهو

38

من موارد التعارض، و بين أن يكون التزاحم بينهما اتفاقيا فهو من موارد التزاحم لا يكاد يرجع الى محصل، لأنا قد أشرنا الى ان مناط التعارض ان كان هو انتفاء الحكم واقعا فى أحد الدليلين لأن صدقهما معا غير معقول، فلا فرق فى ذلك بين المتزاحمين اتفاقا و المتزاحمين دائما، لأن جعل الحكم الفعلى فى الثانى غير معقول كالأول، و الإنشائى و ان كان معقولا، إلا انه ان كان بلا أثر يترتب عليه كان لغوا محضا، و ان كان بلحاظ حال الجهل بالحكم الفعلى ليكون الإنشائى المزبور فعليا حينئذ، فليكن ذلك مسوغا للجعل فى المتزاحمين دائما، كما كان مسوغا له فى المتزاحمين اتفاقا.

(الجهة الثانية) قد اشتهر ان من آثار التزاحم تنجز الخطاب بالمهم حين العلم به و الجهل بخطاب الأهم، لأنه لم يكن مانع من تنجز خطاب المهم حين العلم بخطاب الأهم، الا تنجزه الموجب لعجز المكلف عن امتثال خطاب المهم، و فى حال الجهل بخطاب الأهم و العلم بخطاب المهم ينتفى التنجيز عن خطاب الأهم، فلا يكون المكلف عاجزا عن امتثال خطاب المهم، فيتنجز بالعلم به، و على هذا يتفرع قولهم بصحة العبادة فى حال الجهل بالنهى و اجتماعه مع الأمر على القول بجوازه، و ليس الأمر كذلك فى باب التعارض، فانه فى حال الجهل باحد الحكمين المتعارض دليلاهما.

و العلم بالآخر، لا يتنجز على المكلف الحكم المعلوم منهما، لأنه ليس فى مقام التعارض إلا حكم واحد فى الواقع، فان تعلق العلم به تنجز و إلا فلا (و فيه) ان الخطاب بالأهم انما يتقدم على الخطاب بالمهم لأهمية ملاك متعلقه، و هو أمر واقعى لا يتغير حاله باعتبار حالى العلم و الجهل الطريقيين كما هو المفروض، و لا محالة يكون الحكم تابعا لملاكه فى الواقع حينئذ.

(ان قلت) لا ريب فى ان ملاك المهم لا قصور فيه من حيث تأثيره فى الحكم على وفقه، و انما منع من فعلية الحكم على وفقه حين المزاحمة بالأهم تنجز الأهم فى حال ان قدرة المكلف لا تسع الاتيان بهما، فلا محالة يحكم العقل بتقديم الأهم، و أما

39

إذا لم يكن خطاب الأهم منجزا للجهل به أو لنسيانه مع العلم بخطاب المهم، فالقاعدة تقضى بفعلية خطاب المهم و تنجزه على المكلف، لأن المقتضى لذلك موجود و المانع مفقود

(قلت) قدرة المكلف على امتثال الخطاب من شروط فعليته، و ليست كالعلم لتكون من شروط التنجيز بعد الفعلية، فاذا كانت القدرة لا تسع الإتيان بالأهم و المهم معا، فلا محالة يكون الخطاب بالأهم لأهميته فى نظر العقل واجدا لشرط فعليته فيكون فعليا، فاذا تعلق به العلم تنجز، و إلا بقى فعليا، و ان لم يتنجز على المكلف الجاهل به؛ و أما خطاب المهم فبما انه فى حال المزاحمة بالأهم يكون فاقدا لشرط فعليته، يبقى خطابا انشائيا محضا؛ و ان تعلق العلم به؛ فان العلم ليس من شروط فعلية الخطاب لينقلب به عن الإنشائية الى الفعلية فى مثل هذا الفرض.

[فى بيان مرجحات باب التزاحم و التعارض‏]

(الجهة الثالثة) فى بيان مرجحات باب التزاحم و التعارض؛ أما مرجحات باب التزاحم فهى أمور (الأول) هو ان يكون أحد الواجبين مضيقا و الآخر موسعا؛ لا ريب فى تقديم المضيق على الموسع لحكم العقل بلزوم الجمع بين الغرضين اللازمين مهما أمكن؛ و مثله ما لو وقعت المزاحمة بين التعيينى و بعض أفراد الواجب التخييرى؛ و قد يتوهم انه لا مزاحمة فى هذه الموارد؛ لأن الواجب الموسع أو التخييرى لا اقتضاء له بالنسبة الى الفرد المزاحم؛ و الواجب المضيق و التعيينى ذو اقتضاء؛ و بالضرورة انه لا مزاحمة بين اللااقتضاء و ذى الاقتضاء؛ إلّا انه توهم محض؛ لأن ملاك المزاحمة المتحقق بين المضيقين بنفسه موجود و متحقق بين جميع أفراد الواجب الموسع و المضيق؛ سواء قلنا بان المزاحمة تكون بين الحكمين؛ أو بين ملاكيهما؛ أما إذا كانت المزاحمة بين الملاكين؛ فواضح ان الفرد المزاحم من أفراد الواجب الموسع أو أحد أطراف التخييرى واجد للمصلحة التى أوجبت الوجوب الموسع أو الوجوب التخييرى بلا فرق بينها و بين المصلحة التى يشتمل عليها الفرد غير المزاحم؛ و أما اذا كانت المزاحمة بين الحكمين؛ فلا ريب فى ان كل حكم شرعى تابع سعة و ضيقا للمصلحة التى تقتضيه؛ فاذا فرضنا ان المصلحة الإلزامية

40

متحققة فى الفرد المزاحم من أفراد الواجب الموسع مثلا؛ فلا محالة يكون الحكم الذى يتحقق حين المزاحمة الذى هو حصة من الحكم الكلى الإلزامى الموسع؛ حكما إلزاميا بالضرورة، و معه لا يعقل ان يكون ذلك الحكم المتعلق بالفرد المزاحم بلا اقتضاء

(الثانى) هو كون الفرد المزاحم لا بدل له فى نظر الشرع؛ فيترجح تقديمه على ما له بدل فى مقام التزاحم؛ كما لو دار أمر المكلف بين ان يصلى بالطهارة المائية مع نجاسة بدنه أو ساتره؛ و بين أن يصلى بالطهارة الترابية مع تطهير بدنه أو ساتره بما لديه من الماء الذى لا يكفى إلا لأحدهما. فلا محالة يلزم تقديم تطهير البدن أو الساتر من الخبث بالماء الموجود. ثم التيمم و الصلاة، لأن الطهارة من الحدث بالماء لها بدل و هو التيمم. بخلاف الطهارة من الخبث فانها لا بدل لها فى الشرع. و قد قرب ذلك بعض الأساطين من مشايخنا (قده) بوجهين (احدهما) ان ما لا بدل له له اقتضاء للإتيان به بخصوصه. و ما له بدل لا اقتضاء له للإتيان به بخصوصه. و بالضرورة ان اللااقتضاء لا يزاحم ذا الاقتضاء (و فيه) ان هذا التقريب غير سديد على إطلاقه لأن بدل الواجب ان كان واجدا لمصلحة المبدل أو وافيا بها. صح هذا التقريب فيه. نظير القصر و الإتمام فى الصلاة. و أما إذا لم يكن البدل كذلك بل كان البدل وافيا ببعض مصلحة المبدل. فلا محالة يكون حكم المبدل داعيا اليه بخصوصه.

و مقتضيا للإتيان به. فاذا زاحمه واجب آخر فلا بد من ملاحظة المرجحات الأخرى فى مقام تقديمه أو تقديم الواجب الآخر. و لا يكفى فى تقديم غيره عليه كونه ذا بدل بالنحو المذكور. كما هو الشأن فى باب التيمم و المثال المزبور. و قد تقدم تفصيل ذلك فى باب الأجزاء فلاحظ (ثانيهما) هو أنه يستفاد من جعل البدل الطولى للواجب. ان خطاب المبدل مقيد بالقدرة الشرعية بخلاف ما لا بدل له.

فانه مقيد بالقدرة العقلية. و سيأتى ان المقيد بالقدرة العقلية يلزم تقديمه على المقيد بالقدرة الشرعية فيما لو وقع التزاحم بينهما (و فيه) أن المستفاد من جعل البدل الطولى للواجب. هو أن خطاب البدل نفسه مقيد بعدم القدرة لا خطاب المبدل مثلا

41

قوله تعالى‏ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً*، الآية. يدل على ان الأمر بالتيمم مقيد بعدم القدرة على الماء، لا ان الأمر بالوضوء مقيد بالقدرة على الماء كما لا يخفى‏

(الثالث) أن يكون أحد الواجبين المتزاحمين مقيدا بالقدرة شرعا بمعنى ان القدرة أخذت قيدا للوجوب فى لسان دليله، و الواجب الآخر لم يقيد وجوبه بها فى لسان دليله بل العقل قيده بها، فيلزم تقديم الواجب المطلق من قيد القدرة شرعا على الواجب المقيد بها شرعا فى مقام التزاحم لأن الوجوب المطلق يتنجز على المكلف الجامع لشرائط التكليف و بتنجزه عليه تنتفى القدرة شرعا على الواجب المقيد بها شرعا (و يمكن الخدشة فيه) بان القدرة التى يجدها المكلف متساوية النسبة الى كل واحد من الواجبين المتزاحمين فالمكلف قادر على كل واحد منهما بانفراده فكل منهما واجد لشرطه شرعا و عقلا فيكون تخصيص الواجب المطلق بالقدرة ليمنع تنجزه من القدرة على الواجب المقيد بها شرعا تخصيص بلا مخصص و ترجيح بلا مرجح، كما أنه يمكن تقريب المرجح المزبور بوجه آخر و هو أن أخذ القدرة قيدا للحكم فى لسان دليله يكشف عن دخلها فى ملاك الحكم و عدم أخذها يكشف عن عدم دخلها فيه و باطلاق المادة يستكشف وجود الملاك حتى فى مورد التزاحم، و اذا دار أمر المكلف فى مقام الامتثال بين واجبين متزاحمين، أحدهما واجد لملاك وجوبه يقينا و ثانيهما غير معلوم وجدانه لملاك وجوبه فالعقل يرجح الأخذ بالواجب المعلوم وجدانه للملاك على المشكوك فيه نظير دوران خروج بعض الأفراد عن العموم بين التخصيص و التخصص بترجيح التخصص على التخصيص فيه.

(الرابع) هو أن الواجبين المتزاحمين و ان كانا طوليين من حيث زمان الامتثال كالركعة الأولى مع ما بعدها من الركعات من حيث القيام فيها إلا أن قدرة المكلف لما كانت لا تفى إلا بالقيام فى إحداها وقع التزاحم بينها من حيث الإتيان بالقيام بمعنى انه إذا فرض ان المصلى حيثما قام فى الركعة لا يقدر على القيام فيما بعدها و اذا لم يقم فيها تمكن من القيام فيما بعدها فقد قيل فى مثل هذا الفرض انه يترجح القيام‏

42

فى الركعة الأولى مثلا لكون الخطاب به مقيدا بالقدرة فى لسان الدليل مع كونه فى مقام الامتثال أسبق زمانا من الآخر فاذا كان القيام مقدورا فى الركعة الأولى مثلا كان واجدا لملاك الخطاب به فلا محالة يكون الخطاب به فعليا لاجتماع شرائط فعليته و معها يكون الخطاب به فى الركعة الأولى موجبا لانتفاء القدرة على القيام فى الركعة التالية فينتفى ملاك الخطاب به فلا يكون فعليا، و على هذا لا يبقى مجال لملاحظة ايهما أهم من الآخر ليقدم عليه لأن ذلك فرع اشتمال كل منهما على ملاك التكليف به و قد أشرنا الى ان واجد الملاك منهما هو أحدهما فقط و هو الوجود الأول (و فيه) أن ما ذكر انما يتم فيما اذا قيل بفعلية الخطاب بالأمر الأول من الأمرين الطوليين فقط كما هو لازم القول بامتناع الواجب المعلق، و أما إذا قيل بفعلية كلا الخطابين بكلا الأمرين غاية الأمر ان تقدم أحدهما فى الوجود شرط فى صحة الثانى فى مقام الامتثال كالظهر بالنسبة الى العصر فلا يتم التقريب المزبور؛ إذ القدرة متساوية النسبة بالاضافة الى كلا الأمرين فلا موجب يرجح تأثيرها فى فعلية ملاك التكليف بالأمر الأول دون الثانى، و على هذا لا محالة يلزم القول بالتخيير بين القيام فى الركعة و القيام فى الركعة التالية مثلا، و كذا القول فى المتزاحمين الطوليين فى مقام الامتثال فيما اذا كانت القدرة شرطا عقليا و لم يكن أحدهما أهم من الآخر فانه لا بد من القول بالتخيير فى صرف القدرة فى أحدهما، و لا يلتفت الى ما قيل من انه لا بد من صرف القدرة فى أول الأمرين لأنه مخاطب به فعلا و قادر على امتثال خطابه فيلزمه عقلا الإتيان به لما عرفت من وجهه آنفا، هذا بعض الكلام فيما يتعلق باحكام التزاحم و التعارض و سيأتى ان شاء اللّه تعالى تفصيل ذلك فى مباحث التعادل و الترجيح.

[فى اقتضاء الامر بالشى‏ء عدم الامر بضده‏]

ثم انه بعد ما اتضح ان الأمر بالشى‏ء لا يقتضى النهى عن ضده الخاص فهل الأمر بالشى‏ء يمنع من الأمر بضده الخاص مطلقا أو فى بعض الأحوال دون بعض و بعبارة أخرى ان استحالة اجتماع الأمرين الفعليين بكلا الضدين فى وقت واحد هل تقتضى سقوط الأمر بالمهم منهما مطلقا أو تقتضى تقييد إطلاق أمره بامر الأهم‏

43

فيه خلاف (و التحقيق) ان نقول ان الضدين أما أن يكونا متساويين فى الملاك و أما أن يكون لأحدهما مزية على الآخر، و على كل من التقديرين أما أن يكونا مضيقين أو موسعين و أما أن يكونا مختلفين، فهنا ست صور يلزم التعرض لكل منها أما الصورة الأولى و هى أن يكونا متساويين فى الملاك مع كونهما مضيقين و فى هذه الصورة أما أن يكون الضدان لهما ثالث أو لا يكون لهما ثالث، و على الثانى يكون التخيير بينهما طبعيا لا عقليا و لا شرعيا لامتناع اجراء المولوية فى التخيير بينهما لأن تشريع التخيير بين أمرين انما يصح حيث يكون التخيير بينهما غير ثابت قبل التشريع و ما لا ثالث لهما يكون التخيير بينهما فى مقام العمل ثابتا بالطبع فيلغو جعله بالتشريع، و أما ما كان لهما ثالث فيمكن جعل التخيير بينهما شرعا و عقلا إذ بعد ما كان المكلف يمكنه تركهما معا كان الإلزام بهما على نحو التخيير شرعا و عقلا بلا مانع منه و لا محذور فيه، و بما أن ملاكى الحكمين متساويان و لا مانع من جعل الحكم التخييرى على واجدى الملاكين المزبورين لزم فى الحكمة جعل التكليف التخييرى فى هذه الصورة، هذا فى الجملة لا ريب فيه، انما الكلام فى تشخيص حقيقة هذا التخيير فهل هو تخيير شرعى أو تخيير عقلى، و الحق هو الأول و اثباته يتوقف على شرح حقيقة التخيير، لهذا نقول قد تقدم فى مبحث الواجب التخييرى شرح حقيقته من حيث مبادئه و كيفية جعله إلا أن المقام يستدعى أن نعيد بعض الكلام لخصوصية كون متعلق التكليف التخييرى فى المقام هو الضدان، و التصور العقلى يقضى ان الأطوار التى يمكن ان يتحقق التكليف التخييرى على أحدها شرعا هى ثلاثة أمور (أحدها) ان يكون التكليف بكل من الضدين مشروطا بعدم الآخر سواء كان عدمه سابقا على الأمر أم متأخرا عنه (ثانيها) ان يكون المكلف به مشروطا بعدم الآخر مع إطلاق التكليف المتعلق بهما سواء كان تقييد المكلف به بعدم الآخر بنحو يستلزم تعلق الوجوب الغيرى بالقيد كما هو شأن الواجب المطلق بالنسبة الى شروط متعلقه أم كان بنحو لا يستلزم تعلق الوجوب الغيرى بالقيد كما هو شأن الواجب المعلق‏

44

بالنسبة الى الشرط المعلق عليه (ثالثها) أن يكون التكليف بكل من الضدين تعيينيا لكنه لا فى جميع الأحوال بل فى حال عدم ضده فيكون كل من الضدين واجبا تعيينيا فى حال عدم ضده، و بعبارة أوجز يكون متعلق كل من الخطابين حصة من الضدين و هى الحصة المقارنة لعدم الضد الآخر، هذا كله فى مرحلة الثبوت، و أما مقام الإثبات فالمتعين فيه هو الوجه الأخير، و ذلك لعدم خلو الوجه الأول و الثانى من الخدوش.

(أما الوجه الأول) فلأن عدم الضد الذى جعل شرطا لوجوب ضده ان كان عدمه المطلق فيلزم حصول شرط كل من الوجوبين المتعلقين بالضدين عند عدمهما معا و ذلك يستلزم فعلية التكليف بالضدين معا فى وقت واحد و ان كان عدم الضد بعد الأمر بضده الآخر هو شرط التكليف بكل منهما فيلزم من ذلك عدم التكليف بكل منهما للدور إذ الأمر بكل منهما مشروط بعدم الآخر بعد تعلق الأمر به و العدم المزبور يتوقف على الأمر بالضد توقف المشروط على شرطه. و قد فرضنا ان الأمر به متوقف على عدم ضده بعد تعلق الأمر به، و ذلك يؤدى الى توقف الشى‏ء على نفسه.

(و أما الوجه الثانى) فلأن كون عدم كل من الضدين شرطا فى صحة الآخر أى شرطا لنفس الواجب لا لوجوبه سواء كان ذلك الشرط مما يجب تحصيله أم مما لا يجب يستلزم الخلف (بيان ذلك) ان مقتضى الاشتراط هو تأخر المشروط عن شرطه فاذا فرض أن وجود أحد الضدين مشروط بعدم ضده لزم ان يكون وجود كل منهما متأخرا عن عدم الآخر و عدم كل منهما متقدما على وجود الآخر و بما ان نقيضى كل ماهية فى رتبة واحدة يلزم ان يكون وجود كل من الضدين متقدما على الآخر و متأخرا عنه (هذا خلف) مضافا الى انه يلزم فى صورة كون الشرط مما يجب تحصيله ان يكون كل من الضدين مأمورا بايجاده و بعدمه نفسيا و غيريا و ذلك لا يؤثر فى انتفاء قبحه من الحكيم، فاتضح بذلك انه لا محيص عن اختيار الوجه‏

45

الثالث كما أشرنا اليه، و مما ذكرنا ظهر أنه لا موجب لرفع اليد عن الأمرين المتعلقين بالضدين و القول بسقوطهما معا فى حال التزاحم، بل يمكن القول بتحققهما معا فى حال التزاحم و غيره بانشائهما معا على الوجه الثالث.

[فى ان التخيير بين الضدين شرعى لا عقلى‏]

إذا عرفت ذلك يتضح لك أن التخيير فى المقام شرعى لا عقلى لأن الفارق بينهما هو كون طرفى التخيير فى الشرعى أمرين متباينين قد تعلق الوجوب التخييرى بهما بما هما متباينان، و أما التخيير العقلى فلا يكون إلا بين أمور تندرج تحت جامع يكون هو متعلق التكليف و بما ان العقل لا يرى فرقا بينها من حيث اشتمالها على الجامع المأمور به بخير المكلف بينها فى مقام امتثال التكليف المتعلق بالجامع، و لا ريب فى أن متعلق التكليف فى المقام هى الأمور المتباينة بما هى متباينة لفرض ان التكليف متعلق بالضدين بما هما ضدان، و التكليف و ان تعلق ابتداء بكل منهما مستقلا و لكن الجمع بين التكليفين فى مقام التزاحم دل على ان التكليف المتعلق بهما فى المقام المزبور تكليف تخييرى، و لا فرق فى التكليف التخييرى بين أن ينشأ بخطاب واحد كالتكليف التخييرى المعروف فى الفن و بين أن ينشأ بخطابين كان هو مقتضى الجمع بينهما كما فى المقام، و أما ما أفاده بعض الأعلام (قده) فى وجه استفادة التكليف التخييرى فى المقام من ان كلا التكليفين المتعلقين بالضدين قد سقط فى مقام التزاحم لأن بقاء أحدهما بخصوصه مع تساويهما فى نظر الشرع كما هو المفروض ترجيح بلا مرجح، و بقاء أحدهما لا بعينه غير معقول، و اهمال كلتا المصلحتين الملزمتين المستقلتين بلا استيفاء ما يمكن منهما قبيح من الحكيم تعالى بل من كل عاقل غير غافل.

فلا محالة يكشف جميع ذلك قطعا عن إرادة الشارع لهما إرادة تشريعية تخييرية (فهو غير سديد) لأنه لا موجب لسقوط كلا التكليفين المتعلقين بالضدين فى مقام التزاحم ليكشف ذلك مع باقى المقدمات المزبورة عن إرادة تشريعية تخييرية متعلقة بالضدين بل قد عرفت ان تزاحم التكليفين المطلقين المتعلقين بالضدين يكشف عن ان الشارع قد أنشأهما من أول الأمر و فى بدء التشريع بنحو لا يقع بينهما تزاحم حيث‏

46

يتفق ذلك كما اشرنا الى وجهه فى الوجه الثالث من الوجوه المتصورة فى كيفية التكليف التخييرى.

(هذا) و قد يقرب كون التخيير فى المقام تخييرا عقليا بوجهين (أحدهما) ان الخطابين المتعلقين بالضدين يسقط كلاهما فى مقام التزاحم، و العقل لما استكشف وجود الملاك الملزم فى كل من الضدين فلا محالة يلزم المكلف بتحصيل أحدهما (و فيه) ما عرفت من انه لا موجب لسقوط كلا الخطابين بل التزاحم يكشف عن سقوط اطلاقهما فقط فلاحظ (ثانيهما) ما عن بعض الأساطين من مشايخنا (قده) من ان كلا من الخطابين تام الاطلاق و لا مانع من الأخذ باطلاقه إلا العجز عن الجمع بينهما فى مورد التزاحم، و ذلك يكشف عن عدم ارادته حيث يتحقق العجز بالجمع، و أما الإرادة المتعلقة بكل منهما حيث لا يأتى بالآخر فلا مانع منها لعدم العجز حينئذ عن امتثاله، فلا محالة يقيد العقل اطلاق كل بصورة الإتيان بمتعلق الآخر فيكون مفاد كل من الخطابين المطلقين بعد التقييد عقلا مفاد التقييد لفظا كما إذا قال أنقذ زيدا الغريق من الغرق إذا لم تنقذ عمروا و أنقذ عمروا إذا لم تنقذ زيدا، و بعد التقييد المزبور يبقى كل من الخطابين بحاله فى مقام التزاحم و العقل مستقل بتخيير المكلف بينهما فى مقام الامتثال (و فيه) ما عرفت آنفا من ان أطراف متعلق الخطاب ان كانت أمورا متباينة لا تندرج تحت جامع تعلق به الخطاب فالتخيير بينها شرعى لأن العقل لا يستقل بالتخيير بينها بل الشارع هو الحاكم بالتخيير بينها و ان لم يكن كذلك فيكون التخيير عقليا، بمعنى ان الخطاب متعلق بامر ينطبق على وجودات متعددة لا يرى العقل فرقا بينها من حيث صدق ذلك الأمر عليها فيخير المكلف بينها فى مقام امتثال الخطاب المتعلق بالأمر الجامع بينها، و لا ريب فى ان متعلق كل من الخطابين و ان قيد اطلاق كل منهما بالآخر مباين لمتعلق الآخر لفرض التضاد، و بعد استكشاف العقل التقييد المزبور يستفاد ان الشارع قد خاطب المكلف بكل من هذين الضدين بهذا النحو من الخطاب و لو بإنشاءين، و لا نعنى بالتخيير

47

الشرعى إلا الخطاب بامرين متباينين بما هما متباينان على سبيل التخيير بينهما و لو بدليلين كما هو الفرض فى المقام، و لا فرق أيضا فى كون التخيير شرعيا بين ان تكون أطراف التخيير متحدة الملاك و ان تكون متعددة الملاك كما هو الشأن فى المقام، مضافا الى ما عرفت من أن تقييد كل من الخطابين بعدم الإتيان بمتعلق الآخر غير صحيح، لأنه إن كان المراد بالعدم عدمه قبل الخطاب به لزم فعلية الخطابين حين التزاحم و عدم الإتيان بشى‏ء منهما لحصول شرط كل منهما، و ان كان المراد بالعدم عدمه بعد تعلق الخطاب به لزم الخلف كما بينا ذلك موضحا فيما سبق.

[فى بيان ثمرات كون التخيير شرعيا او عقليا]

ثم ان بعض الأساطين من مشايخنا (قده) قد رتب على النزاع فى كون التخيير شرعيا أو عقليا ثمرات (منها) ان المكلف على القول بكون التخيير شرعيا لا يستحق إلا عقابا واحدا فيما لم يمتثل شيئا من الخطابين، و أما على القول بكون التخيير عقليا فالمكلف يستحق عقابين كما هو الشأن فى تركه لكلا الضدين على القول بالترتب (و فيه) ان تعدد العقاب فى المقام لو سلمناه فانما هو تابع لتعدد المعصية الموجب لحصولها، إما تفويت الملاك الذى صار الشارع بصدد تحصيله بالأمر و النهى، و إما مخالفة التكليف، و لا ربط للعقاب فضلا عن تعدده بكون التخيير فى المقام شرعيا أو عقليا إذ كون التخيير عقليا لا يكشف عن تعدد تفويت الملاك و لا تعدد مخالفة التكليف كى يوجب تعدد العقاب (و منها) انه إذا احتمل أهمية أحد الواجبين من الآخر فعلى القول بالتخيير الشرعى فى المتساويين يكون مورد الشك فى الأهمية داخلا فى مسألة دوران الأمر بين التخيير و التعيين الشرعيين، فيلحق هذه الصغرى حكم الكبرى المزبورة من البراءة أو الاشتغال، و أما على القول بالتخيير العقلى فى المتساويين فلا بد من القول بالاشتغال فى المقام و ان قلنا بالبراءة فى تلك المسألة و ذلك لأن وجود الحكم فى الطرف المحتمل أهميته معلوم ضرورة ان التكليف الفعلى على تقدير كون المحتمل أهميته أهم فى الواقع منحصر فيه، و على تقدير مساواته للآخر فبما ان الإطلاقين لا بد من سقوطهما يكون الخطاب المتعلق به فعليا

48

فى ظرف عدم الإتيان بالآخر، و على كلا التقديرين يكون محتمل الأهمية إذا جى‏ء به مصداقا للواجب الفعلى و هذا بخلاف الطرف الآخر كما هو واضح (و فيه) ان هذا التقريب لا يغاير التقريب الذى تمسك به القائل بالاشتغال فى مسألة دوران الأمر بين التخيير و التعيين الشرعيين، و لا نفهم فيه خصوصية يختص بسببها بالقول بكون التخيير عقليا مع احتمال الأهمية فى المقام (و منها) انه اذا وقع التزاحم بين واجبين طوليين متساويين ملاكا كما فى دوران الأمر بين القيام فى الركعة الأولى و القيام فى الركعة الثانية مثلا، فعلى القول بالتخيير الشرعى يثبت التخيير فيهما أيضا، و أما على القول بالتخيير العقلى فالتكليف السابق زمان امتثاله يكون فعليا دون المتأخر لأن سقوط كل من التكليفين المتزاحمين بناء على التخيير العقلى لا يكون إلا بامتثال الآخر، و بما ان امتثال التكليف المتأخر متأخر زمانا لتأخر متعلقه على الفرض فلا يكون للتكليف المتقدم مسقط فيتعين امتثاله على المكلف بحكم العقل (و فيه) (أولا) انه لا وجه لتسليمه ثبوت التخيير فيهما على القول بالتخيير الشرعى لأنه لا يقول بصحة الواجب المعلق و لا بصحة الواجب المشروط بالشرط المتأخر.

و التزاحم بين الواجبين الطوليين فى الامتثال لا يتحقق إلا على القول بالواجب المعلق أو المشروط بالشرط المتأخر، فما لم يقل بصحة أحدهما لا تتحقق مزاحمة بين مثل هذين الواجبين فلا يتحقق موضوع الخلاف فى كون التخيير بينهما شرعيا أو عقليا؛ (و ثانيا) مضافا الى عدم التزاحم بين مثل هذين الواجبين بناء على مختاره كما أشرنا اليه ليتفرع عليه ما ذكره ان العدم الذى قيد به اطلاق كل من الخطابين المتزاحمين هو عدم الإتيان بالواجب الذى يكون بديل وجوده فى ظرفه لا العدم الأزلى، و لا ريب فى ان عدم القيام فى الركعة الثانية مثلا المقارن للركعة الأولى ليس هو العدم البديل لوجوده فى ظرفه بالضرورة بل هو العدم الأزلى، و عليه لا يكون شرط التكليف بالقيام فى الركعة الأولى مثلا متحققا ليكون التكليف به فعليا، و كذا الأمر فى الركعة الثانية فان الخطاب بالقيام فى الركعة الثانية مشروط بعدم القيام‏

49

فى الركعة الأولى العدم المتعقب للخطاب بالقيام فيها، و قد فرضنا ان الخطاب لم يصر فعليا لعدم شرطه فلا يكون عدم القيام فى الأولى شرطا لفعلية الخطاب بالقيام فى الثانية، و على هذا لا يكون الخطاب بالقيام فعليا فى كل من الركعتين، نعم بناء على مختارنا من ثبوت التخيير الشرعى فى المتساويين العرضيين و صحة الشرط المتأخر يصح القول بالتخيير الشرعى فى المتساويين الطوليين بان يكون متعلق الخطاب بالقيام فى الركعة الأولى فى مورد المثال المزبور هى الحصة منه المقارنة لعدم القيام فى الركعة الثانية، و متعلق الخطاب بالقيام فى الركعة الثانية هى الحصة منه المقارنة لعدم القيام فى الركعة الأولى، و عليه لا يبقى مجال لتوهم لزوم القيام فى الركعة الأولى و صرف القدرة الموجودة فيه لأنه أسبق زمانا فى مقام الامتثال مع فرض تساويهما ملاكا، فتحصل مما تقدم ان منشأ المطاردة و التزاحم بين الخطابين هو اطلاقهما، فاذا فرض ان متعلق كل من الخطابين المطلقين هى حصة من الضد أعنى بها الحصة المقارنة لعدم الضد الآخر ارتفعت المطاردة و انتفى التزاحم من بين الخطابين، هذا كله فى الضدين المتساويين فى الملاك، و كذا الأمر بعينه فيما اذا كان أحدهما أهم من الآخر بمعنى أن خطاب الأهم و ان كان مطلقا و لكن خطاب المهم قد انشأ بنحو القضية الحينية أى انه قد تعلق بالضد المهم حين ترك الضد الأهم و عليه فنقول انما يمكن تقرير منع المطاردة بين الأمرين من وجوه:

[فى رفع المطاردة بين الخطابين بالضدين‏]

(احدها) ما عن شيخنا الاستاذ (قده) و محصله ان من المعلوم كون وجود كل شى‏ء طاردا لجميع اعدامه المضافة الى اعدام مقدماته أو وجود أضداده، فطلب مثل هذا الوجود يقتضى حفظ متعلقه من قبل مقدمات وجوده و عدم أضداده بقول مطلق، و فى هذه الصورة يستحيل الترخيص الفعلى لمقدمة من مقدماته أو وجود ضد من أضداده، إذ مثل هذا الترخيص الفعلى بواحد من الأمور المزبورة مضاد مع الأمر الفعلى بالوجود المزبور الحافظ لجميع شئونه، نعم لو خرج أحد الأعدام المزبورة عن حين الأمر أما باخذه قيدا لنفس الأمر أو باخذ وجوده من‏

50

باب الاتفاق و لا بداعى الأمر فى المتعلق على وجه لا يتوجه الأمر اليه و لا يقتضى حفظه، فلا جرم يخرج الوجود المزبور على النحو المذكور عن حين الأمر جزما، غاية الأمر لا يبقى تحت الأمر إلا حفظه من سائر الجهات الراجعة الى سد سائر الأبواب، و مثل هذا الأمر و لو كان بوجوده فعليا قبل سد هذا الباب الخارج عن حين الأمر، و لكن لا يكون مثل هذا الامر محركا نحو متعلقه من سد سائر الابواب إلا فى ظرف انسداد هذا الباب من باب الاتفاق و لو بسوء الاختيار، و من المعلوم ان هذا المقدار من فعلية الامر بشى‏ء لا يضاد مع ورود الترخيص الفعلى على تفويته من قبل تفويت بعض مقدماته، إذ مرجع مثل هذا الترخيص الى كون المولى صارفا للنظر عن حفظ المعلول من قبل المقدمة المرخص فيها مع كونه بصدد حفظه من سائر الجهات، غاية الامر قضية ذلك عدم حركته نحو الحفظ المزبور إلا فى ظرف انسداد هذا الباب من العدم من باب الاتفاق بلا محركيته نحوه بقول مطلق، و بمثل هذا البيان أيضا جمعنا بين الاوامر الفعلية الواقعية مع الترخيصات الفعلية الظاهرية من دون شوب تزاحم بينهما، و حيث كان الامر كذلك فلا بأس بان يصير مثل هذا المرخص فيه محرما و واجب الترك، اذ من قبل تحريمه لا يزداد شيئا يصلح للمنع عن مقدار اقتضاء الامر بذيها من الحفظ من غير ناحيتها المفروض عدم محركيته إلا فى ظرف عصيان المحرم و وجوده من باب الاتفاق و لو بسوء اختياره، فحينئذ من أين تقع المزاحمة فى اقتضاء مثل هذا النهى عن المقدمة مع الامر الفعلى بحفظ ذيها من سائر الجهات، و ذلك لان غاية اقتضاء النهى عن هذه المقدمة هو فتح باب عدم المعلول من قبل هذه المقدمة من دون اقتضائه فتح سائر أبواب العدم له، و غاية اقتضاء الامر بالمعلول حسب الفرض هو سد سائر الابواب بلا اقتضائه سد هذا الباب الذى لازمه عدم محركية نحوه إلا فى فرض تحقق انسداد هذا الباب من باب الاتفاق، و حينئذ فمن أين يوجب أحد الامرين باقتضائه طرد ما يقتضيه الآخر، كيف و معنى المطاردة بين الامرين‏

51

اقتضاء كل أمر طرح مقتضى الآخر و هذا المعنى غير متحقق فى البين أصلا (و ان شئت قلت) ان اطاعة كل أمر انما هو بالحركة على طبق ما يقتضيه ذلك الامر.

و من المعلوم انه من قبل اطاعة أحد الامرين لم يلزم عصيان الآخر، او ذلك فى طرف الاهم واضح، و هكذا فى طرف المهم، لان اطاعته فى ظرف اختياره العصيان بسوء اختياره الغير المستند الى اطاعته أصلا، بل اطاعته هذا بالنسبة الى عصيانه الصادر منه بسوء اختياره كالحجر فى جنب الجدار من دون دخله فيه و لو من باب الملازمة أبدا، و بهذا البيان أيضا صح دعوى ان عصيان أحد الامرين ليس من تبعات الامرين المزبورين، بل انما هو جاء بسوء اختياره الخارج عن مقتضاهما، و لذا صح لنا دعوى ان الآمر ما ألقانا فيما لا يطاق و لا فى عصيان امره الآخر مع فرض اقتضائه قلب العصيان بالإطاعة كما هو الشأن فى صورة اطلاق الامرين على وجه يقتضى كل واحد سد جميع أبواب العدم، و حيث اتضح مثل هذا البيان فى الامر بشى‏ء مع النهى عن مقدمة من مقدماته ظهر لك أيضا وجه تتميم مثل هذا البيان بالنسبة الى الاضداد، إذ بعد فرض اخراج بعض انحاء العدم الملازم مع وجود الضد الاهم مثلا عن حين الامر اما من جهة اشتراط أمره بعصيان غيره أو بجعل العصيان الحاصل لا بداعى الامر من لوازم الجهة المطلوبة، فينحصر مفاد الامر بالمهم بحفظ وجوده من قبل سائر الاضداد و سد باب عدمه من قبلها و هذا المقدار من الاقتضاء لا يطارد مقتضى الامر بالاهم كما ان الامر بالاهم أيضا لا يطارد مقتضى هذا الامر لعدم اقتضائه إلا فتح باب عدمه من قبل نفسه لا من قبل وجود سائر الاضداد.

(ثانيها) ان من الواضح كون اقتضاء كل أمر لا طاعة نفسه فى رتبة سابقة على اطاعته، كيف و هو مرتبة تأثيره و أثره، و بديهى ان كل علة فى رتبة أثره منعزل عن التأثير بل تمام اقتضائه لاثره فى مرتبة ذاته المتقدم على مرتبة أثره و معلوله، و لازم ذلك كون نقيض اطاعته المعبر عنه بعصيانه أيضا فى رتبة متأخرة

52

عن الامر و اقتضائه، فحينئذ تمام اقتضاء الامر فى رتبة سابقة على العصيان هو قلب العصيان بالاطاعة بلا اقتضاء له فى ظرف العصيان و وجوده، و بهذه الملاحظة نقول بانه لا إطلاق للامر بالنسبة الى ظرف وجود العصيان و ان كان يجامع كلا منهما، و الى مثل هذا المعنى نظر بعض الاساطين (قده) فى قوله بأن للأمر اطلاقا ذاتيا بالنسبة الى حالتى الإطاعة و العصيان و لم يكن اطلاق لحاظى بالنسبة اليهما، اذ فى ظرف وجود كل منهما لا وجود للأمر من حيث الرتبة فضلا عن اقتضائه القائم بذاته.

و حيث كان الامر كذلك (فنقول) انه لو انيط أمر آخر بعصيان مثل هذا الامر فلا شبهة فى أن مجرد هذه الاناطة يخرج الامرين عن المزاحمة فى التأثير، اذ فى رتبة الامر بالاهم و تأثيره فى صرف قدرته نحوه لا وجود للمهم، و فى رتبة وجود المهم لا يكون اقتضاء للأمر بالاهم، فحينئذ لا يبقى مجال مطاردة بين الامرين بل كل يؤثر فى رتبة نفسه على وجه لا يوجب تخيير المكلف فى امتثال كل منهما، و لا اقتضاء لكل من الامرين فى القاء المكلف فيما لا يطاق بل كل يقتضى موضوعا لا يقتضى غيره خلافه.

(ثالثها) ان من المعلوم ان الامر بذات كل واحد من الضدين لا استحالة فيه لمجال القدرة بالنسبة الى كل واحد، و انما الخارج عن حين القدرة هو الجمع بين الضدين، فحينئذ ان كان توجه الامرين نحو المكلف على نحو يقتضى الجمع بينهما و لو بالملازمة كان للاستحالة وجه لإلقاء الآمر اياه فى المحال، و أما ان لم يكن توجههما الى المكلف على هذا النحو فلا يلزم من توجيه أمريه اليه القائه فيما لا يطاق، و حيث كان الامر كذلك، فنقول ان الامرين ان كانا بنحو الاطلاق على وجه يقتضى كل حفظ متعلقه بقول مطلق، فقضية ذلك انتهاء الامر فى امتثالهما الى الجمع بينهما و هو محال، و أما لو كان أحدهما مشروطا بعصيان الآخر فلا يقتضى توجه ذين الامرين جمعا، بل كل يحرك نحو متعلقه فى ظرف انعزال الآخر عن التأثير و فى رتبة انعدام بديله، و مثل هذا المعنى لا يوجب الزام المكلف بالجمع الذى هو ملاك الاستحالة