رحلة المكانسي‏

- محمد بن عبد الوهاب المكانسي المزيد...
421 /
3

-

4

ارتياد الأفاق يشرف على هذه السلسلة: نورى الجراخ‏

5

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

استهلال‏

تهدف هذه السّلسلة بعث واحد من أعرق ألوان الكتابة في ثقافتنا العربية، من خلال تقديم كلاسيكيّات أدب الرّحلة، إلى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب و رحّالة عرب و مسلمين جابوا العالم و دوّنوا يوميّاتهم و انطباعاتهم، و نقلوا صورا لما شاهدوه و خبروه في أقاليمه، قريبة و بعيدة، لا سيما في القرنين الماضيين اللذين شهدا ولادة الاهتمام بالتجربة الغربية لدى النّخب العربية المثقفة، و محاولة التعرّف على المجتمعات و النّاس في الغرب، و الواقع أنه لا يمكن عزل هذا الاهتمام العربي بالآخر عن ظاهرة الاستشراق و المستشرقين الذين ملأوا دروب الشّرق، و رسموا له صورا ستملأ مجلدات لا تحصى عددا، خصوصا في اللغات الإنكليزية و الفرنسية و الألمانية و الإيطالية، و ذلك من موقعهم القوي على خارطة العالم و العلم، و من منطلق المستأثر بالأشياء، و المتهي‏ء لترويج صور عن" شرق ألف ليلة و ليلة" تغذّي أذهان الغربيين و مخيّلاتهم، و تمهّد الرأي العام، تاليا، للغزو الفكري و العسكري لهذا الشرق. و لعل حملة نابليون على مصر، بكل تداعياتها العسكرية و الفكرية في ثقافتنا العربية، هي النموذج الأتمّ لذلك. فقد دخلت المطبعة العربية إلى مصر مقطورة وراء عربة المدفع الفرنسي لتؤسس للظاهرة الاستعمارية بوجهيها العسكري و الفكري.

على أن الظّاهرة الغربية في قراءة الآخر و تأويله، كانت دافعا و محرضا بالنسبة إلى النخب العربية المثقفة التي وجدت نفسها في‏

8

مواجهة صور غربيّة لمجتمعاتها جديدة عليها، و هو ما استفز فيها العصب الحضاري، لتجد نفسها تملك، بدورها، الدوافع و الأسباب لتشدّ الرحال نحو الآخر، بحثا و استكشافا، و تعود و معها ما تنقله و تعرضه و تقوله في حضارته، و نمط عيشه و أوضاعه، ضاربة بذلك الأمثال للناس، و لينبعث في المجتمعات العربية، و للمرة الأولى، صراع فكري حاد تستقطب إليه القوى الحيّة في المجتمع بين مؤيد للغرب موال له و متحمّس لأفكاره و صياغاته، و بين معاد للغرب، رافض له، و مستعدّ لمقاتلته.

و إذا كان أدب الرحلة الغربي قد تمكن من تنميط الشرق و الشرقيين، عبر رسم صور دنيا لهم، بواسطة مخيّلة جائعة إلى السّحري و الأيروسيّ و العجائبيّ، فإن أدب الرحلة العربي إلى الغرب و العالم، كما سيتّضح من خلال نصوص هذه السلسلة، ركّز، أساسا، على تتبع ملامح النهضة العلميّة و الصناعيّة، و تطوّر العمران، و مظاهر العصرنة ممثلة في التطور الحادث في نمط العيش و البناء و الاجتماع و الحقوق. لقد انصرف الرّحالة العرب إلى تكحيل عيونهم بصور النهضة الحديثة في تلك المجتمعات، مدفوعين، غالبا، بشغف البحث عن الجديد، و بالرغبة العميقة الجارفة لا في الاستكشاف فقط، من باب الفضول المعرفي، و إنما، أساسا، من باب طلب العلم، و استلهام التجارب، و محاولة الأخذ بمعطيات التطور الحديث، و اقتفاء أثر الآخر للخروج من حالة الشّلل الحضاريّ التي وجد العرب أنفسهم فريسة لها. هنا، على هذا المنقلب، نجد أحد المصادر الأساسية المؤسّسة للنظرة الشرقية المندهشة بالغرب و حضارته، و هي نظرة المتطلّع إلى المدنيّة و حداثتها من موقعه الأدنى على هامش الحضارة الحديثة، المتحسّر على ماضيه التليد، و التّائق إلى العودة إلى قلب الفاعلية الحضارية.

9

إن أحد أهداف هذه السّلسلة من كتب الرحلات العربية إلى العالم، هو الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكّل عن طريق الرحلة، و الأفكار التي تسرّبت عبر سطور الرّحالة، و الانتباهات التي ميّزت نظرتهم إلى الدول و الناس و الأفكار. فأدب الرحلة، على هذا الصعيد، يشكّل ثروة معرفيّة كبيرة، و مخزنا للقصص و الظواهر و الأفكار، فضلا عن كونه مادة سرديّة مشوّقة تحتوي على الطريف و الغريب و المدهش مما التقطته عيون تتجوّل و أنفس تنفعل بما ترى، و وعي يلمّ بالأشياء و يحلّلها و يراقب الظواهر و يتفكّر بها.

أخيرا، لا بد من الإشارة إلى أن هذه السّلسلة التي قد تبلغ المائة كتاب من شأنها أن تؤسس، و للمرة الأولى، لمكتبة عربية مستقلّة مؤلّفة من نصوص ثريّة تكشف عن همّة العربيّ في ارتياد الآفاق، و استعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة مقرونة بالمتعة، و هي إلى هذا و ذاك تغطي المعمور في أربع جهات الأرض و في قارّاته الخمس، و تجمع إلى نشدان معرفة الآخر و عالمه، البحث عن مكونات الذات الحضارية للعرب و المسلمين من خلال تلك الرحلات التي قام بها الأدباء و المفكرون و المتصوفة و الحجاج و العلماء، و غيرهم من الرّحالة العرب في أرجاء ديارهم العربية و الإسلامية.

محمد أحمد السويدي‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

المقدّمة

يصبّ موضوع هذا المؤلّف في اتجاه الاهتمام بالتنقيب عن المظان و المصادر التاريخية المتنوعة التي لا تزال حبيسة رفوف الخزانات المغربية، بغية الكشف عن مضامينها و الإسهام في إلقاء الضوء على المرحلة التاريخية التي تتحدث عنها. و بديهي أن تحقيق المخطوطات و دراستها يكتسيان أهمية بالغة في كتابة أي تاريخ، علما بأن عددا متزايدا من المخطوطات الثمينة يرى النور و لا تزال تنتظر الباحثين لإخراجها إلى ساحة التداول و الانتفاع بما تختزنه من معطيات تضي‏ء جوانب من تاريخنا.

في هذا الإطار يأتي اهتمامنا بكتاب إحراز المعلى و الرقيب لمحمد بن عبد الوهاب ابن عثمان المكناسي، الذي لفت انتباهنا كشخصية بارزة في مخزن السلطان سيدي محمد بن عبد الله منذ اشتغالنا على عهد هذا الأخير في رسالتنا لنيل دبلوم الدراسات العليا (1). فالرجل من عيار كبار رجال الدولة الذين ساهموا بفعالية في صنع أحداث النصف الثاني من القرن الثامن عشر كما سنفصل في حينه، و خلف ثلاث مؤلفات تعتبر مصادر ثمينة لارتساماته و مشاهداته خلال رحلاته السفارية التي قادته إلى كل من إسبانيا و مالطة و مملكة الصقليتين و الإمبراطورية العثمانية.

و نود في هذا المقام أن ننوه بفضل الدكتور محمد بن عبود الذي يعتبر بدوره من المعجبين بابن عثمان و برحلته، إذ كان خير محفز لنا على الاشتغال‏

____________

(1) كان موضوع هذه الرسالة: الإصلاحات الاقتصادية و السياسية للسلطان سيدي محمد بن عبد الله (1757- 1790)، نوقشت في يوليو 1987 بكلية الآداب فاس حيث لا تزال مرقونة.

12

على هذا المخطوط، الذي تأكد لنا مدى الغنى و الثراء اللذين يتميز بهما، و من ثم قناعتنا بما يشكله تحقيقه و دراسته من إسهام في تكريم الرجل ببعث تراثه المكتوب و التعريف بشتى جوانب نشاطه الدبلوماسي و العلمي، و إغناء حقل الدراسات التاريخية المتصلة بعلاقات المغرب مع قوى حوض البحر المتوسط و أوضاع هذه القوى- و خاصة الدولة العثمانية- كما رآها و روى عنها سفير مغربي يمثل النخبة المخزنية عهد ذاك.

فكتاب الإحراز زاخر بمعطيات عن أوضاع عاصمة الإمبراطورية العثمانية و ولاياتها العربية تنم عن دقة الملاحظة لدى السفير المغربي، و انتباهه إلى مختلف الميادين الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الفكرية و الجغرافية التي أورد عنها صورا تبدو واقعية و محايدة إلى حد بعيد، رغم حتمية تأثير ذاتيته على الصور التي كونها. و مع ذلك تسهم شهاداته في استكمال الصورة عن تلك الأوضاع بمقارنتها مع مختلف المصادر التي تناولت القترة، بحيث نكتشف عدم دقة العديد من الصور التي التصقت بأوضاع الإمبراطورية العثمانية في الدراسات التاريخية الأوربية و العربية على السواء. و إلى جانب المادة الجغرافية و التاريخية التي يتضمنها المؤلف فإن من مميزاته كما سنفصل في ذلك إيراده لنصوص ثمينة تسعف الباحثين في شتى الحقول الأدبية و الصوفية و غيرها.

و لا عجب في أن نقف على مخطوط في مثل هذا التنوع و الغنى و الطرافة إذا علمنا مكانة و قدر صاحبه، ذلك السفير المتضلع الذي اكتسب رصيدا ثقافيا غير عادي و حنكته تجاربه و اهتماماته بشؤون حوض البحر المتوسط، مما جعله ملاحظا دقيقا و ناقدا متفتحا لما كان يقف عليه في رحلاته.

بيد أن المفارقة هي الإجحاف الذي لحق هذه الشخصية الفذة من طرف مؤرخينا، فرغم صعود نجمه في سماء دبلوماسية السلطان سيدي محمد بن عبد الله، و الأدوار الخطيرة التي اضطلع بها بإسهامه المباشر في تدشين عهد القطيعة مع قرون من العداء و التوتر و الحذر في علاقات المغرب مع جيرانه الأوربيين، كان نصيب ابن عثمان الإهمال و غض الطرف من قبل كتب‏

13

التاريخ، إذ يواجه الباحث في حياته و إسهاماته صمت أغلب المصادر و اكتفاء النادر منها بشذرات و نتف تبخس حق الرجل، و هي التي كانت سخية مع أخبار أشخاص دونه علما و وجاهة و خدمة لمصالح بلده. من هنا محاولتنا جمع أكثر ما يمكن أن تسعف به المصادر عن هذه الشخصية و إسهاماتها و استنطاق النصوص للكشف عن خاصياتها و سجاياها دون تعسف أو إجحاف.

و غير خاف أن ابن عثمان تكون في مدرسة السلطان سيدي محمد بن عبد الله الدبلوماسية التي طبعت تاريخ العلاقات المغربية مع الخارج بطابع متميز، ينم عن إدراك واضح لمتطلبات الظرف التاريخي و وعي باستحالة الاستمرار في القطيعة مع العالم الخارجي؛ في هذا السياق أبان ابن عثمان عن مؤهلات و كفاءات جعلته من أنجب الدبلوماسيين المغاربة في ذلك العهد، مما يفسر اعتماد سيدي محمد و ابنيه مولاي اليزيد و مولاي سليمان عليه، و لا عجب إن كانت سفارته إلى إستانبول- التي ألف عنها المخطوط قيد الدراسة- تدخل في إطار استراتيجية سيدي محمد الدبلوماسية المتصلة بأوضاع البحر المتوسط و موازين القوى داخله.

و الأكيد أن قارئ إحراز المعلى و الرقيب سيسافر في رحلة ممتعة في الزمان و المكان و يخرج بفوائد علمية شتى تهم مختلف العلوم، كما لن يعدم تذوق أجمل الشعر و أعذب النثر. و حسبنا أننا حاولنا تسهيل هذه الرحلة بما أسعفنا من رسم المعالم راجين أن يكون التوفيق حليفنا في ذلك.

1- أهمية مخطوط إحراز المعلى و الرقيب‏ (2)

انطلاقا من واقع الدراسات التاريخية الأوربية المتصلة بأوضاع الدولة العثمانية التي نحتت لها صورة سادت لمدة طويلة في أوساط الباحثين، نعتقد أن التعويل على مصادر أخرى يسهم لا محالة في كشف الواقع التاريخي لهذه الدولة، خصوصا إذا كانت من وضع طرف محايد نسبيا

____________

(2) اقتبسنا هذه النقاط من الدراسة التي أفردنا لها جزءا قائما بذاته في أطروحتنا لنيل دكتوراه الدولة في التاريخ.

14

و متحرر من الخلفيات التي تحكمت في نظرة الأوربيين.

من هنا نعتقد جازمين أن ملاحظات و مشاهدات السفير و الوزير و المؤرخ المغربي محمد بن عثمان المكناسي- المتميز بدقة الملاحظة وسعة الإطلاع- رغم تصنيفها ضمن التقارير التي تنظر إلى أوضاع الدولة العثمانية من" الخارج"، تساهم في تصحيح كثير من المقولات التي علقت بتاريخ العثمانيين، من جراء الاعتماد شبه المطلق على كتابات و تقارير الأوربيين، بل يمكن الذهاب إلى أن مخطوطه يتخذ موقعا وسطا، فهو عربي مسلم غير خاضع للحكم التركي، له غيرة على إبراز مظاهر القوة و المنعة في هذه الدولة الإسلامية باعتبارها مكسبا للإسلام و المسلمين، و في ذات الوقت لم يتردد في ذكر مناحي الضعف و الجوانب السلبية في شتى مجالات الحياة كما عاينها، مما يجعل هذا المؤلف مصدرا مهما لمعرفة نظرة أحد ممثلي النخبة السياسية لمغرب القرن الثامن عشر لواقع أكبر إمبراطورية إسلامية في ذلك العهد، بشكل يمكن اعتباره مصدرا للتاريخ العثماني من الداخل نظرا للوشائج العميقة التي ربطت المغرب و نخبته بهذه الدولة.

فكتاب الإحراز يقدم رواية لمشاهدات مؤلفه على طول طريق الحج العثماني، بحيث ينفرد ابن عثمان بذلك نظرا لكون جل الرحلات الحجازية المغربية سلكت الطريق التقليدية عبر مصر التي ظل ركب الحاج المغربي يتخذها. و إذا كانت الترجمانة الكبرى تشترك مع الإحراز في ذلك، فإننا نعتقد جازمين أن الزياني اكتفى بنقل رواية ابن عثمان دون التصريح بذلك كما بينا في حينه، علاوة على اختصاره الشديد في وصف مراحل السفر.

على كل لا يملك قارئ إحراز المعلى إلا الإقرار" بكونه الأكثر غنى و دقة و أصالة" من بين الرحلات التي ألفها محمد بن عثمان المكناسي، إذ" لا يقتصر الأمر على كون هذه الرحلة وصفا دقيقا للمدن و القرى التي زارها، بل يتميز كذلك بتنوع وصفه لتلك المدن و تباين تناوله لمقامه في كل واحدة منها. فمثلا تختلف رواية ابن عثمان عن العاصمة العثمانية عما رواه عن القدس اختلافا جذريا، فالأولى تتميز بالطابع السوسيو اقتصادي‏

15

و السياسي، في حين أن الثانية روحية أساسا" (3)، فضلا عما يزخر به المخطوط من موضوعات تنم عن ثقافة إسلامية واسعة، بحيث أظهر ابن عثمان إطلاعا كبيرا في الحديث و التصوف و الفقه و الأدب و علوم اللسان‏ (4).

و مما يضفي على الإحراز مزيدا من القيمة العلمية ما أبداه واضعه من شغف للعلم و المعرفة، فلم يكن يتردد في السؤال و الاستفسار، مما مكنه من الحصول على معلومات من أصولها ضمنها مؤلفه، فزاده ذلك غنى و تنوعا و طرافة.

موجز القول أن تعويلنا على تحقيق و دراسة كتاب إحراز المعلى و الرقيب يعزى إلى قناعتنا بما سيقدمه من مساهمة جديدة في التعريف بالإرث التاريخي المغربي المكتوب، و ذلك من حيث كونه نموذجا أصيلا للرحلة العامة حسب تصنيف محمد الفاسي، لما جمعته من أغراض شتى فهي" حجازية سياحية اكتشافية سفارية زيارية علمية (5).

و لا عجب في أن نقف على مخطوط في مثل هذه الأهمية إذا علمنا مكانة و قدر صاحبه، ذلك السفير و الوزير الذي اكتسب رصيدا ثقافيا غير عادي، و حنكته تجاربه و احتكاكاته مع الدوائر العليا في كثير من البلدان، مما جعله ملاحظا دقيقا و ناقدا مصيبا لما كان يقف عليه في رحلاته التي تعكس شخصيته و مؤهلاته الثقافية و الدبلوماسية.

2- اهتمام المؤرخين بالإحراز و مكانته بين مصادر تاريخ الفترة

من المفارقات التي ميزت تراث محمد بن عثمان المكناسي أن رحلته المشرقية التي بينا بعض الجوانب من أهميتها، لم تنل ما تستحقه لدى النخبة

____________

(3)

Benaboud, M., The Spiritual Dimension in Ibn Utman Al- Maknasi`s Account Of Jerusalem( 81 th century ), in la vie sociale dans les provinces arabes a l` epoque ottomane, vol. 3, Zaghouane 8891, p. 77.

(4) محمد الفاسي، مقدمة الإكسير، مصدر سابق، ص. س.

(5) محمد الفاسي، مقدمة الإكسير، ص. ر.

16

العالمة في مغرب القرن التاسع عشر، رغم ما أثارته من استحسان لدى معاصريه الذين اطلعوا عليها. فقد اعتاد المؤلفون كما هو معلوم أن يعرضوا مخطوطاتهم على ثلة من أقرانهم الذين يتوسمون فيهم الأمانة و الصدق، فكان هؤلاء يقرضون العمل شهادة منهم بعلو كعب صاحبه و بقيمته الأدبية و العلمية. و جريا على هذه العادة كان من حسن حظنا أن نظم ثلاثة علماء قصائد في تقريظ الإحراز، تسعفنا في معرفة موقف نموذج من النخبة العالمة في أواخر القرن الثامن عشر من رحلة ابن عثمان.

ففي تقريظ محمد العربي بن إسماعيل الناصري للإحراز، ينوه بما تضمنته الرحلة من" علوم جمة تقصر ألسن الفحول عن وصفها" على حد تعبيره، مضيفا:

فكأنها الدر النفيس مضمخ‏* * * مسكا ذلائله نفيسا عنبر

أو روضة تزهو لفرط بلاغة* * * الفن البديع عليها وشي أحمر

شربت بكل زلال علم حكمة* * * و بنصر محيي الدين أبدت تخبر (6).

و لم ينس المقرظ الإطراء على مؤلف هذه الرحلة الغنية بعلومها و بلاغتها، في شكل سؤال استنكاري ينم عن قناعته بإمكانات ابن عثمان العلمية و الأدبية، حيث يقول:

" كيف لا و واضعها المرفع في الورى كل العلوم بصدره تتقرر

ذو وزارة و فصاحة و نباهة* * * ينبئك عنه ما تراه يسط (7).

و يزكي عالم آخر من البيت الناصري هو موسى بن محمد المكي اطلع على الإحراز ميزات الرحلة، حيث يؤكد أنها" جمعت من الآداب ما أنست به رحلات مشهورة بفضل فصاحة مبناها"، محيلا على رحلة العبدري في قوله:

" فالعبدري و إن تقدم تاجه‏* * * يسعى حلّي الدر من معناها

____________

(6) التقريظ الأول، الإحراز، ص. 282.

(7) نفسه.

17

فيها من التاريخ روض زاهر* * * و من المناسك ما كفى فتناها" (8).

أما رأيه في كاتب الإحراز، فما من شك في أنه كله إطراء و اعتراف بمكانته العلمية حيث يقول:

" تنبي فصاحتها ورقة لفظها* * * بعلوم جامعها الذي أنشاها

فرد الزمان و أوحد البلغاء و الوزرا من للعلم حاز الجاها" (9).

و في تقريظ ثالث لمجهول نقف على نفس الإطراء للرحلة و مؤلفها، مركزا على فوائدها في إرشاد الحجاج لقضاء المناسك‏ (10).

يتضح مما سبق أن رحلة" إحراز المعلى و الرقيب" لم تبق سجينة الرفوف، بدليل اطلاع بعض العلماء عليها و تقريظهم لها. و تجدر الإشارة هنا إلى أن محمد العربي الناصري أرخ لتقريظه بأواخر جمادى الأولى سنة 1210 ه بمدينة مكناس، مما يعني أن الرحلة عرفت و بدأت تنتشر على الأقل منذ السنة الآنفة الذكر.

سقنا هذه الإشارة لما قد يدور بالذهن من احتمال وجود عوامل حالت دون رواج المخطوط بشكل واسع مباشرة بعد تأليفه سنة 1202 ه، خصوصا ما تضمنه من تحميل مسؤولية الجفاء الذي قوبلت به السفارة خلال جزء كبير من مقامها بإستانبول لإحدى الشخصيات المرافقة لابن عثمان، و كذا تبرمه و تظلمه الذي قد يفهم آنذاك أنه ذو علاقة بالسلطان أو بشخصية كبيرة في مخزنه، علما بأن سيدي محمد بن عبد الله توفي سنة 1204 ه- 1790، و عرف المغرب بعده وضعا سياسيا غير مستقر اتسم بتطورات سريعة في عهد مولاي اليزيد. غير أن احتفاظ ابن عثمان بمكانته لدى هذا السلطان الذي اشتهر بتوتر علاقاته مع العديد من رجال دولة أبيه، يجعلنا نذهب إلى أن انتقادات ابن عثمان لبعض الشخصيات النافذة لدى سيدي محمد كان لها

____________

(8) التقريظ الثاني، الإحراز، نفسه، ص. 282.

(9) نفسه.

(10) التقريظ الثالث، نفسه، ص. 283.

18

تأثيرها في تقلص تداول رحلة الإحراز.

بل يمكن الاستنتاج بأنه رغم ادعاء ابن عثمان تأليفه الإحراز بناء على تعليمات السلطان، فإنه أحجم عن تقديم المخطوط لسيدي محمد، الشي‏ء الذي يفسر وضعه بين يدي المقرضين من أصدقائه بعد وفاة السلطان سيدي محمد بنحو ست سنوات على الأقل.

و إذا كان المقرضون الآنف ذكرهم أكدوا أهمية كتاب الإحراز في حياة مؤلفه و في ذروة مجده السياسي، فإن المؤلفين الآخرين من معاصريه أهملوا ذكر هذه الرحلة، إما لعدم علمهم بتأليفها و من ثم عدم اطلاعهم عليها أو لسبب آخر لا نملك تحديده. و من أشهر هؤلاء المؤرخ محمد بن عبد السلام الضعيف السوسي الرباطي، الكثير الإطلاع على أوضاع البلاد و تطوراتها في هذا العهد بالذات، و الوثيق الصلة بأوساط الناصريين الذين قرض اثنان منهم الرحلة كما أسلفنا، فقد أورد ذكر ابن عثمان في العديد من الوقائع لكنه لم يشر إلى تأليفه للإحراز.

أما المؤرخ المعاصر بدوره لابن عثمان فهو أبو القاسم الزياني، الذي يعد من كبار شخصيات هذه المرحلة من تاريخ البلاد، لمساهمته الفعلية في صنع أحداثها و احتكاكه المباشر برجالاتها. و الأكيد أن أبا القاسم، بمكانته المخزنية و اهتماماته العلمية، لم يكن ليجهل تأليف ابن عثمان" لإحراز المعلى"، و حتى إذا حالت الظروف التي أثرناها سالفا- و التي قد تكون وراء حرص ابن عثمان على عدم ترويج مخطوطه- دون وصول نسخة منه إلى الزياني، فإنه من الثابت أن هذا الأخير نهل من مخطوط الإحراز، دون التحلي بالأمانة و النزاهة التي يقتضيها عمل العلماء بذكر المظان التي اقتبسوا منها.

فإذا كان الزياني قد أشار في خاتمة الترجمانة إلى الرحلات التي اعتمدها بقوله:" إنما رسمت ما شاهدته في الأقاليم التي بلغتها، و غيره نقلته من رحلة العياشي و محاضرة اليوسي و رحلة البلوي، و رحلة ابن نباتة و رحلة السرخسي للأندلس و المغرب، و رحلة الكردي و رحلة البكري، و أخبار الهند

19

و السند و الصين من تاريخ الإسلام للذهبي و من تواريخ بعض علماء الهند اجتمعت بهم بالحرم الشريف و بمكة" (11)، فإن نصوصا عديدة وردت في كتابه تشي باقتباسها من كتاب الإحراز، لتطابقها الحرفي و الموضوعي كما سبق أن فصلنا في ذلك‏ (12).

بعد غياب ابن عثمان و معاصريه، يمكن الحديث عن بقاء الإحراز في زوايا الإهمال خلال القرن التاسع عشر، إذ لم يشر إليه الناصري و هو الذي اطلع على كتابات الزياني، و استقى منها مادة وفيرة في تغطية كثير من الأحداث. و يرجع الفضل في اعتقادنا في إعادة الاعتبار لهذا المخطوط القيم إلى عبد الرحمان بن زيدان، الذي عول عليه في رواية وقائع السفارة التي ألف عنها الإحراز، إذ لخص أخبار البعثة منذ وداعها للسلطان سيدي محمد بالرباط، و ظروف سفرها من طنجة عبر قرطاخنة على ظهر مركب حربي إسباني، وصولا إلى إستانبول و الاجتماع بكبار رجال الدولة العثمانيين، آتيا على بعض التفاصيل الواردة في الإحراز بخصوص مراسيم استقبال السفارة أثناء انعقاد الديوان.

كما لخص ابن زيدان مراحل سفر ابن عثمان و رفاقه من إستانبول إلى الحجاز و فلسطين، و عودته إلى المغرب عبر تونس و الجزائر، خاتما عرضه بقوله:" و قد فصل ابن عثمان أخبار هذه الوجهة و بين مراحلها بالساعات في رحلته الثالثة المسماة بإحراز المعلى و الرقيب في حج بيت الله الحرام و زيارة القدس الشريف و التبرك بقبر الحبيب، و كان جمعه لها بأمر المترجم له (سيدي محمد) عند سفره حسبما أشار لذلك صدرها (13).

أما أكثر الباحثين المعاصرين اهتماما بتراث ابن عثمان المكناسي، و من له الفضل في إثارة انتباه الباحثين إلى أهميته فهو الأستاذ محمد الفاسي، الذي يعتبر تقديمه لكتاب" الإكسير في فكاك الأسير" مرجعا للدراسات‏

____________

(11) الزياني، الترجمانة، مصدر سابق، ص. 581.

(12) أنظر الفصل الثاني من القسم الأول من هذه الدراسة.

(13) ابن زيدان، الإتحاف، مرجع سابق، ج. 3، ص. 305.

20

المتخصصة في حقل الرحلة، حيث يشير إلى أنه" اكتشفت الآن رحلات ابن عثمان الثلاث" (14) بعدما كان بعضها يعتبر ضائعا، فبادر إلى تدشين مشروعه العلمي الهادف إلى" نشر أكثر ما يمكن من الرحلات في سائر هذه الأنواع المذكورة" (15) بتحقيق رحلة ابن عثمان الأولى- الإكسير-.

و اللافت أن السفارة التي كانت موضوعا للإكسير لم يتناولها أي مؤرخ مغربي، فكانت الكتابات الأجنبية مصدر معرفة الباحثين المغاربة بوقائعها كما يورد الفاسي، مضيفا أنه وقف على إشارة إلى هذه السفارة في كتاب الإحراز موضوع دراستنا.

و مما له دلالته في هذا المقام أن وقوف محمد الفاسي على مكانة ابن عثمان و أهمية تراثه المكتوب يعزى إلى اشتغاله على رحلة إحراز المعلى‏ (16)، حيث يقر أنها" هي التي دفعتني للبحث عن شخصية ابن عثمان الفذة" (17)، مترجما اهتمامه و إعجابه في العديد من الدراسات و المقالات عن أدوار ابن عثمان الدبلوماسية و مخطوطاته‏ (18).

و في السنوات الأخيرة تعددت الدراسات التي تناولت جوانب من هذا المخطوط أو ذاك من مخطوطات ابن عثمان، و نسوق في هذا المقام على سبيل المثال دراسات كل من عبد الهادي التازي و محمد بن عبود التي اهتمت بالبدر السافر و إحراز المعلى بالخصوص‏ (19)، كما لا يفوتنا التنويه بالعمل البيبليوغرافي للمرحوم الأستاذ المنوني‏ (20) الذي ورد فيه وصف لمخطوطات‏

____________

(14) محمد الفاسي، مقدمة الإكسير، مصدر سابق، ص. س.

(15) نفسه، ص. ز.

(16) يورد الفاسي أنه أعد هذه الدراسة كرسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا من جامعة باريس في الثلاثينات، و وعد بنشرها ضمن مشروعه لكن ذلك لم يتم. و نود هنا الإشارة إلى أننا لم نتمكن من الرجوع إلى هذه الدراسة.

(17) محمد الفاسي، مقدمة الإكسير، مصدر سابق، ص. س.

(18) انظر لائحة هذه الأعمال في البيبليوغرافيا.

(19) يرجع إلى البيبليوغرافيا للوقوف على هذه الدراسات.

(20) المصادر العربية، مرجع سابق.

21

ابن عثمان و أرقامها في الخزانات المحفوظة فيها، مما ساهم في التعريف بها و تسهيل وصول الباحثين إليها.

خلاصة القول إن مخطوط إحراز المعلى و الرقيب يعتبر تحفة تاريخية و أدبية و صوفية، تجعلنا نكمل الصورة التي رسمتها رحلتا ابن عثمان إلى أوربا عن ثقافة الرجل و شخصيته، كما تسعفنا بمعطيات عن أحوال البلدان التي زارها قلما تجود بها المصادر التاريخية التقليدية.

3- المخطوط و نسخه‏

توجد حسب تحرياتنا و لحد علمنا نسختان من مخطوط إحراز المعلى و الرقيب كما يؤكد ذلك الأستاذ الحجة محمد المنوني، و هما معا بالخزانة الحسنية بالرباط: تحمل الأولى رقم 5264 و تقع في 174 ورقة تشمل 348 صفحة مقياس 21- 150 اسم، كل صفحة تضم 17 سطرا بمعدل عشر كلمات في كل سطر، و هي" مكتوبة بخط مغربي مجوهر دقيق مليح مجدول ملون" (21) من النوع المبسوط (22). و كما لاحظ الفقيه المنوني لم يرد فيها تاريخ النسخ و لا اسم الناسخ. إلا أن هذه النسخة تعرضت لبتر ذهب بالصفحات 9، 10، 11 و 12، و لا ندري ظروف هذا التلف خصوصا و أن النسخة ظلت في حالة جيدة.

أما النسخة الثانية فهي تامة و تحمل رقم 12307 ز (23)، خطها مغربي جميل‏ (24) شبيه بسابقتها، مما يحمل على الاعتقاد أن كتابتهما تمت من طرف نفس الناسخ، و تقع في 167 ورقة تضم 332 صفحة مقياس 4، 20- 14

____________

(21) المنوني محمد و بنعبود امحمد،" رحلة ابن عثمان ..."، مقال سابق، ص. 25.

(22) المنوني محمد، تاريخ الوراقة المغربية، منشورات كلية الآداب، الرباط، 1991، ص. 13.

(23) لم يرد الحرف التمييزي" ز" مع رقم المخطوط إلا في آخر صفحة، مما جعل المنوني لا يثبته في مصادره العربية، و كذلك فعل مؤلفو فهارس الخزانة الحسنية، و معلوم أن هذا الحرف يدل على المخطوطات التي أصلها الخزانة الزيدانية.

(24) عنان، ع. م.، لمدبر ع. و حنشي م. س.، فهارس الخزانة الحسنية، قسم التاريخ و الرحلات و الإجازات، مراجعة شوقي بنبين، ج. 1، الرباط، 2000، ص. 25.

22

سم، عدد أسطر كل صفحة 18 (25). و مما يميز هذه النسخة أنها مصدرة بثلاثة قصائد من البحر الكامل‏ (26)، يقرض فيها أصحابها رحلة الإحراز كما أسلفنا، و حرصوا على كتابتها بخطوط أيديهم، كما انتبه أحدهم و هو محمد العربي بن إسماعيل الناصري إلى تأريخ تقريظه الذي تم في جمادى الأولى من سنة 1210 ه بمكناس.

و هذه النسخة الأخيرة هي التي اعتمدناها أساسا في التحقيق و رمزنا لها بحرف (أ)، و كانت في ملك عبد الرحمان بن زيدان، حيث كتب في طرة الصفحة الأولى منها:" صار في نوبة أفقر الورى و أحوجهم لرحمة مولاه عبد الرحمان بن زيدان دبر الله أمره و هداه"، و عنها قال صاحب الإتحاف:

" و هي موجودة بخطه في مكتبتنا أيضا (27). و قد جاء عند ابن سودة أن محمد الفاسي" قال في حقها (رحلة الإحراز) ... و في خزانة المؤرخ مولاي عبد الرحمان بن زيدان نسخة فريدة منها، و قد تفضل و مكنني منها عندما كنت أدرس بباريز، فأخذت منها نسخة و كتبت بحثا عن مؤلفها، و جعلت لها تعاليق و تقدمت بذلك لنيل شهادة الدراسة العليا"، و يردف ابن سودة قائلا:

" و النسخة الموجودة بالخزانة المذكورة هي بخط مؤلفها تقع في سفر وسط (28).

و الحقيقة أن فحص النسخة المعنية (أ) لا يثبت أنها كتبت من طرف ابن عثمان شخصيا، لكون الخط الذي كتبت به يختلف عن خطه، بل نرجح أنه أشرف على كتابتها كما يورد الأستاذ المنوني‏ (29) و تعهدها بالتصحيح بخط يده، بحيث نقف على آثار مراجعته للنسخة من بدايتها إلى نهايتها، فتراوحت‏

____________

(25) جاء عند الأستاذين المنوني و بنعبود خطأ أن عدد سطور صفحات هذه النسخة بدورها 17 سطرا، المقال السابق.

(26) كتبت هذه القصائد في صفحتين في بداية المخطوط، الشي‏ء الذي يكمل عدد أوراقه المشار إليه.

(27) ج. 4، ص. 163.

(28) عبد السلام بن سودة، دليل مؤرخ المغرب الأقصى، ج. 2، ط. 2، البيضاء، 1965، ص.

334.

(29) محمد المنوني و امحمد بن عبود، مقال سابق، ص. 25.

23

التصحيحات بين كلمة أو جملة في هذه الصفحة أو تلك إلى فقرات بكاملها (30).

و تفيد هذه التصحيحات- و خاصة الواردة في الصفحات 155 و التي تليها- المتميزة بتعدد سطورها في التأكد من خط ابن عثمان، بمقارنته مع بعض الوثائق التي كتبها شخصيا، ممثلة في صورة لرسالة بعثها من قادس إلى الكوند دي أراندة خلال مقامه بإسبانيا سنة 1792 (31)، و الرسالة الشهيرة التي يخبر فيها نفس الوزير بتكليفه من طرف مولاي سليمان بكل الشؤون المتصلة بالعلاقات مع الأوربيين‏ (32)، بحيث يظهر فعلا أن ما كتب في طرر المخطوط من وضع ابن عثمان.

و مما يحملنا على استبعاد نسخ ابن عثمان للإحراز بنفسه أنه في تلك الأثناء كان متبوئا مكانة سامية في المخزن، و كانت مهمته منذ البداية كتابة أوامر السلطان و بالتالي كان على رأس جيش من الموظفين الرسميين المتخصصين في النسخ و التنميق و الوراقة، فضلا عن أن الجاه الذي حصل عليه يجعل العديد من النساخ و الكتبة يتوقون إلى خدمته‏ (33).

كما نكاد نجزم بناء على القرائن المتوفرة بين أيدينا أن النسخة (ب) كتبت من طرف نفس الناسخ بعد تصحيح ابن عثمان للنسخة المبيضة المعتمدة (أ)، بدليل إدخال التصحيحات و الاستدراكات الواردة في طرر (أ) في متن (ب)، مما يفسر زيادة عدد صفحاتها بالمقارنة مع النسخة (أ) (34)،

____________

(30) تهم تصحيحات ابن عثمان الصفحات التالية من النسخة (أ): 3- 12- 13- 17- 23- 28- 29- 32- 33- 39- 44- 50- 55- 56- 106- 137- 155- 195- 215- 250- 251- 275- 321.

(31) انظر صورة الوثيقة في:Arribas Palau ,M .,op .cit .,p .571 .

(32) انظر صورة للوثيقة في الإكسير، ص. 5.

(33) يورد الأستاذ المنوني في هذا الصدد عددا كبيرا من النساخ المكناسيين اشتهروا في هذ العهد، بل نجد أحدهم من بيت آل ابن عثمان، انظر تاريخ الوراقة، مرجع سابق، ص. ص. 144. 145 و ص. 186.

(34) نلفت النظر بخصوص عدد الصفحات أنه إلى جانب هذا العامل هناك فارق في عدد أسطر الصفحات بين النسختين كما سبق في وصفهما.

24

إضافة إلى ندرة تدخلات ابن عثمان بالتصحيح بحيث لا نعثر على أثر لذلك إلا في الصفحتين (41 و 323) (35) من هذه النسخة.

و مما يبرر اعتمادنا النسخة (أ) باعتبارها الأصلية إضافة إلى ما سبق، كتابة القصائد المقرضة لها بخط أصحابها، الشي‏ء الذي يدل على كونها النسخة التي سلمهم إياها ابن عثمان و بالتالي هي التي احتفظ بها لنفسه.

إلى جانب هاتين النسختين المخطوطتين، توجد نسخة مصورة على الميكروفيلم بالخزانة العامة بالرباط تحمل رقم 2327، و هي عن أصل النسخة الموجودة بالخزانة الحسنية تحت رقم 5264 أو (ب) كما رمزنا إليها في تحقيقنا، و يحمل الميكروفيلم رقم 115 ضمن لوائح الخزانة الأخيرة.

كما أورد عبد الله عنان خبر نسخة أخرى بالخزانة الحسنية تحمل رقم 1440 تقع على حد قوله" في 167 ورقة، 5، 19- 14 و في الصفحة 18 سطرا" (36)، لكن الأكيد أنه وقع خطأ في ترقيمها، فتم تدارك ذلك عند مراجعة الفهارس‏ (37)؛ و لعل هذا ما جعل باحثة تذهب إلى وجود ثلاث نسخ مخطوطة بالخزانة الحسنية، لكن الأرقام التي أوردتها خاطئة: 2420 و 2564 و 12750، كما تقدم النسخة المصورة بالخزانة العامة تارة تحت رقم 1888 و تارة أخرى 2327، مما يعري المعطيات التي أوردتها من كل دقة علمية و مصداقية (38).

و في مؤسسة علال الفاسي بالرباط يوجد مجموع مخطوط تحت رقم ع 708 يضم جزءا من الإحراز، عنونه ناسخه ب" إحراز العلى و التقريب في حج بيت الله الحرام و زيارة القدس الشريف و الخليل و التبرك بقبر الحبيب"، و يضم هذا المجموع ثلاثين صفحة (من ص. 160 إلى ص. 190) تتناول ما

____________

(35) نشير هنا إلى أن الصفحة 175 من (ب) ملئت حواشيها الأربع بكتابة لم نستطع لصغر حجمها الجزم بتشابهها مع خط ابن عثمان.

(36) فهارس الخزانة الملكية، المجلد الأول، الرباط، 1980، ص. 24.

(37) عنان و آخرون، مرجع سابق، ص. 25.

(38) انظر تحقيق مليكة الزاهدي للبدر السافر، ص. 42.

25

جاء به ابن عثمان عن المهدي المنتظر و المهدوية، و قد وصف واضع فهرس مخطوطات المؤسسة المذكورة ابن عثمان ب الشيخ، ملاحظا أنه لم يقف على من ذكر الإحراز (39).

4- تاريخ و ظروف تأليف الإحراز.

يستهل محمد بن عثمان المكناسي مخطوطه موضوع الدراسة بالتأكيد على أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله لما عينه سفيرا لدى السلطان العثماني" أمرني أدام الله اعتناءه و خلد في الدهر بالجميل ثناءه أننا إذا تقضينا من القسطنطينة غرض الرسالة مع تحصيل رؤية بدر تلك الهالة، نستعد للسرى إلى أم القرى لنتقضى مناسك الحج و وظائف العج و الثج، و نفرق هديته على أهل الحرمين الشريفين التي أصحبنا و بثوابها أتحفنا، و عهد إلينا أدام الله سعادته و حرس مجادته، أن نرسم له ما تتفق رؤيته في هذا السفر في البدو و الحضر، فحاولت أن لا أرسم شيئا إلا حررته و لا آتي بشي‏ء إلا وضحته، امتثالا لأمره الذي طبق الآفاق، و تتميما لاعتنائه الذي أراق و خلد في بطون الأوراق‏ (40).

و نظرا لطول مدة الرحلة و ثراء المادة التي تضمنها المخطوط، يحق لنا التساؤل عن تاريخ و كيفية تدوين المؤلف، فهل أقدم ابن عثمان على تدوين مشاهداته و اقتباساته خلال مدة الرحلة، أم اعتمد على ذاكرته لكتابة مؤلفه بعد رجوعه إلى المغرب؟

يكتسي هذا السؤال أهميته حين نستحضر أن" الذاكرة هي الوسيلة الأساس في تسجيل المشاهدات و نقل الأخبار. نعم يخبرنا الرحالة في بعض الأحيان أنه كان يدون ما يراه و يكتب ما يسمعه أو يبلغه، و لكنه يشعرنا مع ذلك أن الكتابة و التدوين يظلان أمرين ثانويين، و أن المعول على الحفظ

____________

(39) عبد الرحمان بن العربي الحريشي، الفهرس الموجز لمخطوطات مؤسسة علال الفاسي، ج. 1، الدار البيضاء، 1991، ص. 267.

(40) ابن عثمان، الإحراز، ص. 4.

26

و الذاكرة. و لذلك كانت الكتابة عند الرحالة تذكرا و استعادة لوقائع و مشاهدات قد يكون مضى عليها في بعض الأحيان زمن طويل، لا تخلو فيه الذاكرة من التعرض لآفة النسيان أو جعل الوقائع تضطرب في تسلسلها و التواريخ تختلط مع بعضها البعض، و لا تخلو بطبيعة الأمر من جعل انطباعات الأمس تمتزج بمشاعر اليوم" (41).

فمعلوم أن الرحلة تستغرق وقتا قد يطول أو يقصر، و لا تتم كتابتها إلا بعد الفراغ من التنقل و استقرار عصا التسيار، حيث يعود الرحالة إما إلى ما دونه خلال سفره إذا كانت ظروف تنقله سمحت له بذلك، و إما بالتعويل على" ما حفظته ذاكرته و اعتمل في صدره، و العمدة في الرواية و الإخبار ما سلم من أثر النسيان" (42).

و الحقيقة أن ابن عثمان يصرح أنه امتثالا للأمر السلطاني له بتدوين مشاهداته خلال سفره في البدو و الحضر، حرص على ألا يرسم شيئا إلا حرره، مما يفيد بأنه واظب على تدوين ما تتفق رؤيته و معاينته و سماعه خلال سفره، كما أنه من المنطقي الجزم بأن الدقة التي اتسمت بها رواياته و أوصافه للعديد من مظاهر الحياة في الإمبراطورية العثمانية، و النصوص الطويلة التي نقلها عن العديد من الكتب و المظان، و الأسانيد الطويلة التي أوردها بأسمائها الكاملة، و التراجم العديدة و الأشعار الغزيرة التي نقلها، كل ذلك لم يكن من السهل- إن لم يكن مستحيلا- الاعتماد فيه على الذاكرة مهما كانت وقادة و قوية.

و مما يثبت قيام ابن عثمان بتدوين مسودة رحلته خلال السفر، الاقتباسات التي نقلها عن كتب معينة وقف عليها خلال مقامه بحاضرة الدولة العثمانية إستانبول، إذ نجده مثلا يقترح إيراد موجز عن تاريخ دولة آل عثمان نقلا عن" تاريخ القرماني في كتابه أخبار الدول و آثار الأول‏ (43)،

____________

(41) سعيد بنسعيد العلوي، مرجع سابق، ص. ص. 14- 15.

(42) نفسه، ص. 17.

(43) ابن عثمان، الإحراز، نفسه، ص. 20.

27

ليأخذ عن هذا المصدر صفحات طويلة.

ثم إن سفيرنا طال به المقام بالعاصمة العثمانية، مما مكنه من التفرغ للمشاهدة و التعرف على معالم هذه المدينة العظيمة، و كذلك استغلال الاستقرار لارتياد المكتبات و النهل منها، فها هو يشير إلى هذه المؤسسات بإعجاب حيث يقول:" و أما ما في هذه المدينة من خزائن الكتب المعتبرة، التي لا يوجد مثلها في سائر البلاد، فشي‏ء لا يفي به تقرير و لا يؤديه تعبير، كل مسجد له خزانة و هناك خزائن أخر من غير المساجد، و يظل الجميع مفتوحا و القيم حاضر، و من أراد أن يطالع أو ينسخ يظل هنالك حتى يقضي غرضه، و لا تخرج ورقة من هنالك‏ (44).

و على طول المخطوط يثبت ابن عثمان أنه نسخ أبوابا كاملة من مظان متعددة، سواء تلك التي وقف عليها في المكتبات و الخزانات أو اقتناها خلال سفره، أو تلك التي كان يملكها في خزانته الخاصة، فقلما طرق موضوعا و لم يأت باقتباس من مصدر أو أكثر.

مجمل القول إن قرائن عديدة تجعلنا نذهب إلى أن محمد بن عثمان المكناسي ألف رحلته اعتمادا على كراسات دون فيها المادة التي ضمنها إياها خلال السفر، و بعد رجوعه إلى المغرب جمع كراساته و نقحها و نظمها، و هي العملية التي تمت بين أواخر شهر شوال* * * تاريخ عودته إلى مدينة مكناس- و منتصف ذي الحجة من سنة 1202 ه- تاريخ الانتهاء من تبييض المخطوطة (45). و لعل الحيز الزمني- حوالي شهر و نصف- الذي استغرقته كتابة المخطوط يؤكد فعلا بأن ابن عثمان اقتصر على ترتيب و تنقيح ما دونه خلال الرحلة، كما ينم عن أن الكتابة و النسخ كانا من عمل متخصصين محترفين.

علاوة على ذلك لم يفصح ابن عثمان عن المكان الذي كتب فيه مخطوطة

____________

(44) ابن عثمان، الإحراز، نفسه، ص. 42.

(45) نفسه، ص. 281.

28

" إحراز المعلى" و إن كنا نرجح أنه مكناس، ارتكازا أولا على قصر المدة الفاصلة بين عودته و الفراغ من التأليف، و هي المدة التي نعتقد أن السلطان منحها لكاتبه للاستراحة، ثم إن الصفحات الأخيرة من المخطوط خصصها ابن عثمان لذكر مسامراته و مداعباته و جلساته الحميمية مع أصدقائه بمدينة مكناس حيث يقول:" و مرت لنا حقبة في محادثة الإخوان و مجاذبة أهداب الآداب مع الفقهاء و الأدباء أولي الألباب‏ (46).

كما يمكن أن نستشف من نص رسالة لصديقه البيجري أنه أطلع أصدقاءه هؤلاء خلال هذه المسامرات و الجلسات على مؤلفه، إن لم يكونوا ساهموا في نسخه و تنقيحه، مدعاة هذا القول ما ورد في الرسالة المذكورة حين خاطب البيجري ابن عثمان قائلا:" المبرز في العلا المحرز للمعلى‏ (47)، و هي مفردات قريبة كما نرى من عنوان المخطوط.

و من بين العوامل التي ترجح القول بكتابة الإحراز في مكناس خلال هذه المدة، رغبة ابن عثمان في تقديم المخطوطة للسلطان سيدي محمد عند رجوعه إلى دار المخزن، فقد آنس لنفسه عذر المغامرة بالكتابة و التأليف بقوله:" على أن أرباب هذا الشأن الموسومين بالإجادة و الإحسان، الذين انقادت لهم البلاغة بأرسان، لا يدخل أحد منهم لميدان التصنيف، و الجولان فيما فيه من صعوبة الترصيف إلا اعتذر، و إن كان ممن نظم أو نثر، فإن لم يسقط عثر، فتجد الفحول يمهدون لأنفسهم الأعذار عند ذوي العلم و المقدار، فكيف حال من هو على أنديتهم متطفل، و للجولان في ميادينهم غير متأهل ... و ها أنا قد قررت عجزي و ألقيت السلاح، و عذري في الدخول في الفضول بأمر مولانا الخليفة بدا و لاح، و إلى ما أمرت به أعتمد، و من الله سبحانه أستمد و به أعتضد (48).

____________

(46) نفسه، ص. 272.

(47) ابن عثمان، الإحراز، نفسه، ص. 274.

(48) نفسه، ص. ص. 4- 5.

29

يتضح من هذا الكلام أن ابن عثمان ألف رحلته تنفيذا لأمر السلطان فهو كاتبه و سفيره، زد على ذلك أن إهداء تأليف من هذا النوع للسلطان يعتبر مصدر فخر و وسيلة لزيادة الحظوة و المنزلة خصوصا لدى سلطان عالم مصنف.

5- الأسلوب و اللغة و التوثيق في الإحراز

باعتبار ابن عثمان كاتبا سلطانيا و تأليف رحلته بناء على أوامر سيدي محمد كما صرح بذلك، و جريا على عادة كتاب المخزن، بذل قصارى جهده لصياغة كتابه في أسلوب أدبي رفيع يعكس مدى تمكنه من ناصية اللغة و أسرارها.

و الحقيقة أن الأسلوب الذي كتب به الإحراز لا يختلف كثيرا عن مثيله في الرحلات المغربية، و لا عجب في ذلك إذا علمنا أن ابن عثمان نهل من العديد منها و حرص على ألا يخرج عن نهجها، مما يجعل الباحث يقف على ملاحظة أساسية في هذا الصدد، و هي أن أسلوبه لم يستمر على وتيرة واحدة و لم يلتزم منحى محددا في الكتابة، بل يتغير تبعا للموضوع المطروق.

دليل ذلك أن ابن عثمان اختار أحيانا أسلوبا خال من أي تأنق أو زخرفة،" متحرر من السجع و قيود الصنعة المختلفة، يحدو فيه الكاتب توصيل الأفكار و تأدية المعاني" (49)، مما جعله يعول على استعمال الألفاظ الواضحة و التراكيب البسيطة السليمة.

و قد اعتمد هذا الأسلوب خلال تناوله لموضوعات معينة مثل القضايا الفقهية و اللغوية، أو التراجم و سرد يوميات رحلته، نقتصر على إيراد عينات منها.

فبالنسبة للموضوع الأخير يكفي قراءة حديثه عن السفر من مدينة قرطاخنة الإسبانية، و الرسو بميناء سرقوزة الصقلي و وصفه لهذه المدينة (50)،

____________

(49) الشاهدي، مرجع سابق، ص. 620.

(50) ابن عثمان، الإحراز، نفسه، ص. 9.

30

أو وصفه لوصول السفارة إلى إستانبول و الاستقبال الرسمي المخصص لها، و بعد ذلك حضوره انعقاد الديوان العثماني و تتبعه الدقيق للحدث‏ (51)، لنتبين مدى البساطة و السلاسة في الأسلوب الذي اعتمده ابن عثمان.

أما بخصوص المسائل الفقهية، فإن جدية موضوعاتها فرضت صياغتها في أسلوب و لغة واضحين و بسيطين كذلك، و الملاحظ هنا أنه عول على اقتباس نصوص طويلة من مظان مختلفة تناولت مثل هذه الموضوعات، مما انعكس على أسلوب مخطوطه، فالانتقال من أسلوبه الخاص إلى أسلوب غيره واضح في المتن، خصوصا و هو يحيل على المصادر التي أخذ عنها.

من ذلك مثلا الصفحات الطويلة التي أفردها لموضوع المهدي المنتظر و مختلف الآراء المرتبطة به، بمناسبة حديثه عن ظهور رجل في داغستان يقال له منصور يعتقد أنه مقدمة المهدي، فما كان منه إلا التعويل على مصادر قديمة في الموضوع مثل" مشكاة المصابيح" للبغوي و" شرح المشكاة" لعلي القاري، و" العرف الوردي في أخبار المهدي" للحافظ السيوطي و غيرها من المؤلفات. كما نجد الأسلوب إياه في الصفحات المفردة للتراجم، سواء كانت من تأليفه هو أو اقتبسها من تآليف غيره.

و في المقابل يبدي ابن عثمان أحيانا كثيرة عناية واضحة بأسلوبه إلى حد التكلف، بحيث يلتزم الزخرفة و الصنعة، بالإكثار من السجع و الجناس و مراعاة التوازن بين الجمل، في تأثر واضح بالمدرسة البديعية التي سادت لدى كثير من الرحالة المغاربة.

و مما له دلالته في هذا الباب أن هذا النوع من الأسلوب المتأنق هو ما استهل به كتاب الإحراز، إذ ورد في الصفحة الأولى من المخطوط قوله:

" الحمد لله العليم الخبير، العلي الكبير، المتفرد بالخلق و التدبير، المتكفل بأرزاق عباده بما اقتضت حكمة التقدير، المفضل من يشاء من خلقه على من يشاء في رزقه، فمنهم غني و فقير، فلا تخرج نفس من الدنيا إلى أن تصل‏

____________

(51) نفسه، ص. 14 و ما بعدها.

31

من رزقها و آجالها إلى منتهاها، و أرزاق لنا متفاوتات فمن لم تأته منا أتاها، نحمده سبحانه و تعالى على ما ألهم، و نشكره على ما أنعم‏ (52). و قد سار في الصفحات الأولى على نفس الأسلوب المنمق، مذكرا القارئ بما دأب عليه الفقهاء من استهلال حديثهم بجمل موزونة مسجوعة، فها هو يواصل حديثه عن تكليف السلطان له بالسفارة و تدوين مشاهداته خلالها حيث يقول:

" لكن كيف الطيران بلا جناح، و البروز إلى الكفاح من غير سلاح، على أن أرباب هذا الشأن، الموسومين بالإجادة و الإحسان، الذين انقادت لهم البلاغة بأرسان، لا يدخل أحد منهم لميدان التصنيف، و الجولان فيما فيه من صعوبة الترصيف إلا اعتذر، و إن كان ممن نظم أو نثر، فإن لم يسقط عثر، فتجد الفحول يمهدون لأنفسهم الأعذار عند ذوي العلم و المقدار، فكيف حال من هو على أنديتهم متطفل، و للجولان في ميادينهم غير متأهل، مع ترامي الأرضين و البلدان، و فراق الأوطان و الولدان، جواب آفاق، رفيق للوعة و إشفاق، و نجي فؤاد خفاق‏ (53).

و الجدير بالإشارة في هذا المقام، أنه لجأ إلى هذا الأسلوب المنمق بعد مقدمته المشار إليها في مواقف معينة استدعت التعويل على المحسنات البديعية، مما جعل بعض المقاطع النثرية التي صاغ أسلوبها على هذا المنوال أقرب إلى الشعر، لعذوبة ألفاظها و انسجام جملها و موسيقية إيقاعها. من ذلك مثلا وصفه للحفل الراقص الذي نظمه أهل ميناء سيراكوزة الصقلي على ظهر المركب الذي يقله حيث يقول:" ثم شرعوا في الرقص رجالا و نسا، من غير تأخير و لا إنسا، لأن ذلك عندهم من العوائد، و مما لا ينخرم من القواعد، و باتوا بليلة ذات مراح، لا يعبأون بمن غدا أو راح، من كل فتانة الطرف، كثيرة الدلال و الظرف، مهرة مدللة للصبابة على حرف، و درة عن اللمس مصونة بيضاء مكنونة، فلا ترى أعجب من ليلتنا بظباء القفار فوق أمواج البحار (54).

____________

(52) ابن عثمان، الإحراز، نفسه، ص. 2.

(53) نفسه، ص. 4.

(54) ابن عثمان، الإحراز، نفسه، ص. 11.

32

و حين يفرض الموضوع على المؤلف اتخاذ أسلوب بسيط و جاف، كما هو الحال مع مشاهداته خلال مراحل السفر، فإننا نكاد نلمس أنه يتحين الفرصة لمعانقة أسلوبه المنمق و الشاعري. فوسط وصفه لمصاعب الطريق التي فرضتها تضاريس آسيا الصغرى، لم يفته تسجيل صور جميلة زادها الأسلوب الذي صيغت به جمالا، من ذلك قوله عن البلاد التي مر منها منذ خروجه من إستانبول إلى خان الوزير:" ... و ماؤها كثير و أثرها كبير، و ظلها من كثرة الأغصان ظليل و نسيمها عليل، و لا تمر بساقية فضلا عن وادي إلا على قنطرة مضروبة، و لا بمكان ذي و حل إلا على جسر بحجارة مرصفة منصوبة" (55). و في مكان آخر يصف المنطقة التي مر منها بقوله:" و من الغد سافرنا في بلاد منفسحة، و فجاج مفرحة و مياه مطردة، و طيور مغردة و أزهار على أنواع متعددة، ما رأيت أكثر من هذه الأرض مياها عذبة، مسامتين لجبل عن يميننا انبجست بالماء المعين عيونه، و تتابع هديره و أنينه، قد استوعب ذلك السهل سقيا، و كساه من حلله السندسية رعيا، و عذب منه الهوا، و طاف في جوانبه النهر و على سوق أشجاره صله إلتوى‏ (56).

و قد لا نكشف سرا إذا قلنا إن الأسلوب الذي يختاره أي مؤلف مرتبط بحالته النفسية، و خاصة بالنسبة لرحالة يكتشف بلادا غير بلاده، و يواجه مواقف متغيرة بعيدا عن أهله و ذويه، و مما يؤكد ذلك في حالة ابن عثمان أن اعتماده لأسلوب مسجع منمق ارتبط غالبا بحالة نفسية متميزة مر بها، سواء كان مبعثها الارتياح أو القلق. فمن أمثلة الحالة الأخيرة ما ورد في نص يصف فيه المحنة التي عاشها خلال رحلة العودة بحرا من قبرص بسبب هيجان البحر حيث يقول:" فإن كان الريح موافقا لنا أتى و هو عاصف، و أثار أمواجا لا يصفها لعظمها واصف، و إن كان غير موافق ترجحت البوائق، و تطلعت لو لا فضل الله بأعناقها العوائق، فذهب الوسن عن الأماقي، و بلغت الروح التراقي‏ (57).

____________

(55) نفسه، ص. 84.

(56) نفسه، ص. 86.

(57) ابن عثمان، الإحراز، نفسه، ص. 251.

33

نختم الحديث عن أسلوب ابن عثمان في الإحراز بالإشارة إلى مراسلاته و مسامراته مع أصدقائه عقب رجوعه من رحلته إلى مكناس، باعتبارها نموذجا للأسلوب المتبع في مراسلات الفقهاء و الأدباء آنذاك، حيث الحرص على قوة الأسلوب و تنميقه إبرازا لامتلاك ناصية اللغة، و القدرة على استغلال ذخيرة معجمية في تطريز و تدبيج نصوص بديعة.

ففي كتاب لابن عثمان إلى صديقه الكبير البيجري يدعوه فيه للقدوم عليه لتناول الشاي يقول:" و إنا لننتظر قدومك علينا قبيل الشمس شروقا، و الإبريق يصطك فؤاده لسقياك خفوقا، حتى نتقضى من منادمتك حقوقا، فالساق مشمر عن ساق، و الإبريق متأهب بما يليق لأن يريق، و الكأس بحلا عسجدية كاس، و الكل للقياك متأهب، و بطاعتك متقرب‏ (58).

و إذا كانت رسالة الدعوة تنم عن عناية صاحبها بالمحسنات البديعية ليبدو أسلوبها منمقا، فإن الجواب جاء في حلة أبهى و أجمل إذ كتب البيجري:" المبرز في العلا المحرز للمعلى، محيي فصاحة الأوائل و معيي سحبان وائل ... هذا و ما عسيت أحلى، و لو حصلت لي ملكة المحلى، أو حصلت أنواع بديعة الحلى، و أنت أعزك الله السفير بين الملوك، و الوزير الذي هو في عقد الوزارة فاخرة السلوك، فأنى يوصل إلى الأوج من فلك مجدك، و لا يقال للزوج إن له معنى من معاني فردك، بيد أنك حفظك الله كريم الأخلاق، و حضرتك العلية حضرة الإطلاق، فبساط أنسك لا شك أنه أرفع، لكن انبساطك فيه أوسع للنفوس و أنفع، و هو و إن كانت به الفرش المرفوعة و الأكواب الموضوعة، و ألوان الطعام مما طار كما قيل وعام، أو من غيرهما كذلك المشوب بالطيب، المشتبه بقلنسوة الخطيب، فخطابك البليغ أفضل من ذلك كله و أجمل، و منزعك اللطيف أوصل للنفوس و بها أحل، لأن ذوق معاني الكلام، ألذ من ذوق ما في الأواني من الطعام و أجل و أكمل، و مما هزني من ذلك للكلام، و لزني في المداعبة معك كما لز الألف‏

____________

(58) نفسه، ص. 273.

34

مع اللام، ما أودعته في رسالة الاستدعاء من قولك و الساق مشمر عن ساق‏ (59).

و مما يسترعي الانتباه في رسالة البيجري إطراءه على ملكة ابن عثمان الأدبية و ثناءه على بلاغته و تمكنه اللغوي، فهو يصفه" بمحيي فصاحة الأوائل و معيي سحبان وائل"، مبديا إعجابه بخطابه البليغ و تمتعه بذوق معاني كلامه، باعتبارها ألذ من كل ما كان يرصع مائدة الوزير من أصناف الأكل و الشراب.

و إذا كان ابن عثمان قد أبان كما أسلفنا عن علو كعبه و امتلاكه لناصية اللغة و البلاغة، فإن متن الإحراز شابه تسلل تعابير عامية لم ندر مبرر استخدامها. من ذلك استعماله لألفاظ مثل" الأكحل" الذي اقترن بالبحر الأسود كلما ذكر على طول المخطوط، أو" الزاج" الذي قصد به الزجاج، و" البراوات" عوض الرسائل، و" البيبان" بدل الأبواب، و" الأحبال" محل الحبال أو" الجيهة" عوض الجهة. و يبقى أن هذه الشوائب محدودة من حيث التواتر في نص الإحراز، و من ثم لا تؤثر على أسلوبه الرصين.

إلا أن هناك مجموعة من الهفوات الإملائية لا بد أن تسترعي انتباه القارئ للمخطوط، من ذلك رسمه لاسم الإشارة" ها كذا" أو" لاكن" كما ينطقان، كما يبدو لنا غريبا كتابة" ابنت" بتاء مبسوطة عوض ابنة، أو" اليل" بدل الليل، بل نجده يكتب" هنيئة" و هو يقصد هنيهة، أو" الفضا" بدون همزة، و" العيى" بدل العياء، بل" الهوى" و هو يقصد الهواء.

أما الهنات النحوية التي وقفنا عليها في متن الإحراز و المخالفة لقواعد النحو و الصرف العربيين، فإنها تدعو للاستغراب لكون ابن عثمان على غرار معاصريه من الفقهاء و العلماء تكونوا في مدارس تلقن أساسا قواعد اللغة و النحو.

____________

(59) نفسه، ص. 274.

35

فمن الأخطاء المنتشرة في الإحراز إضافته حرف الألف في آخر أفعال المضارع الناقصة، التي تنتهي بحرف الواو مثل" نرجوا" و" يعفوا" و" يدعوا"، أما الأفعال المتضمنة للهمزة فأغلبها كتب بشكل خاطئ: بحيث لم يكتب الهمزة على الألف حين تكون مسبوقة بفتحة كما في" يعبئون" و" هيئوا" و" تسئل" عوض يعبأون و هيأوا و تسأل.

كما لم يوفق في رسم الهمزة في مواقع أخرى من الكلمات، إذ كتبت في" مأسسة" على الألف عوض كتابتها على الواو، في حين جاءت على السطر في" مرءى" عوض الألف. و من أغرب الأخطاء المتصلة بالهمزة كتابته لفعل" رأى" بهمزة على السطر و ألف ممدودة" رءا"، و في كلمات أخرى حذفت الهمزة بالمرة مثل" مملوة" و" تودية" و" يتلكى" عوض مملوءة و تأدية و يتلكأ.

أما الكلمات و الأفعال المنتهية بالألف فطرحت مشكلا للمؤلف، إذ جاء رسم أغلبها خاطئا بوضعه الألف المقصورة محل الممدودة أو العكس، فنجده يكتب مثلا" القهقرا" و" أعلا" و" أعيا" و" بنا" أو" إحدا" حيث يجب كتابة المقصورة، في حين كتب" غزى" و" تلى" حيث وجبت الممدودة.

و من الأخطاء التي تنم عن تأثير لهجة التخاطب الدارجة استعمال صيغة الجمع حيث تقتضي قواعد اللغة استعمال المفرد، من ذلك مثلا قوله" قفاطين آخرين" عوض أخرى، أو" السفن الكبار لا يقدرون" بدل لا تقدر، أو" يتعاطون أهله" (60).

في مقابل ذلك حرص ابن عثمان على شرح الكلمات غير العربية التي وردت في كلامه، من ذلك تعريفه لبعض الكلمات التركية مثل الأكراك و القشلة و غيرها، و كذا شرح بعض أسماء الأماكن مثل" كاور" و" بياض كوى"، إذ دأب على إيراد اللفظة التركية متبوعة بمعناها العربي مثل قوله:

" و يسمونها نعني القرية (أركلة) بلسان الترك كتك شام بتاء مشوبة بشين،

____________

(60) يرجع إلى التحقيق للوقوف على مواطن هذه الأخطاء على طول المخطوط.

36

المعنى الشام الصغير لكثرة مياهها (61)، بل نجده يطلع القارئ على بعض القواعد في اللغة التركية كقوله:" فهي إضافة مقلوبة على مقتضى لغتهم‏ (62) دون أن يدعي الإلمام بالتركية، مما ينم عن إقدامه على استفسار مرافقيه في الركب عن مثل تلك المعلومات العامة التي يرغب المسافر في معرفتها.

و الحقيقة أن هذه الشروح لها قيمة معرفية هامة، لكونها تمد بمعطيات تسهم في الإحاطة بالموضوع المتناول، إضافة إلى كونها تكشف عن مصدر العديد من الألفاظ المتداولة في العامية المغربية، مثل كاور التي تعني بالتركية الكفار، و هي أصل كلمة" كاوري" التي لا تزال دارجة للدلالة على النصارى، و كذا القشلة التي تعني المعسكر و غيرها من الكلمات التركية التي دخلت المعجم المغربي.

أما مسألة التوثيق في الإحراز فإننا نقف على اعتماد ابن عثمان على مجموعة من المصادر التاريخية في استقاء مادة مخطوطه، مصرحا بعناوينها و أحيانا بالفصول المحددة التي نقل عنها. و من أهم هذه المظان التي اقتبس منها" تهذيب الأسماء و اللغات" للنووي و" وفيات الصحابة" للصاغاني، و" الاستيعاب" لابن عبد البر، و" الإصابة" لابن حجر، التي اعتمدها أساسا في الحصول على تراجم الأعلام، و رجع للتعريف بأسماء الأماكن إلى" القاموس" للفيروزبادي و" المشترك" لياقوت الحموي بالأساس، في حين اقتبس مادته عن موضوعات التصوف و الكلام من تآليف جلال الدين السيوطي المتعددة مثل" العرف الوردي في أخبار المهدي" و" الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف‏ (63).

إلى جانب إحالته على المصادر و المظان التي أخذ منها مادته، نجده أحيانا يغفل التصريح بذلك، فقد عول مثلا على كتاب عبد الغني بن‏

____________

(61) ابن عثمان، الإحراز، نفسه، ص. 88.

(62) نفسه، ص. 83.

(63) للوقوف بتفصيل على المصادر المعتمدة في الإحراز، ينظر الفهرس الخاص بها في آخر الدراسة.

37

إسماعيل النابلسي" الحقيقة و المجاز في الرحلة إلى بلاد الشام و مصر و الحجاز" في وصف زياراته لأضرحة و قبور و تربات الصحابة و الأولياء و الصالحين بالشام، حيث اكتفى سفيرنا بنقل حرفي لصفحات كاملة من هذا الكتاب، موهما بالاعتماد على المصادر التي رجع إليها النابلسي‏ (64)، إذ لم يكن دقيقا و أمينا في تحديد بداية كل النقول و نهايتها.

و يتضح من كتاب الإحراز أن ابن عثمان كان مولعا بالاستطراد، إذ نجده كلما ذكر مسألة إلا و انساق في اقتباس ما قاله العديد من المؤلفين عنها أو ما سمعه من روايات حولها، و هي" ظاهرة عامة في التآليف العربية القديمة لا تخلو من فائدة بالرغم من سلبيتها منهجيا" (65)، و يضيف أحد الباحثين مقيما هذه الظاهرة عند رحالة العصر العلوي الأول بأنه" بدأ الضعف يسري إلى منهجية هؤلاء الرحالين: تطويل في العروض بالاستطرادات التي قد تكون بعيدة عن الموضوع، و تارة اختصار إلى حد الإجحاف" (66).

و رغم ذلك نعتقد أن المعلومات التي أوردها عرضا في استطراداته مفيدة بالنسبة للباحث، و يلاحظ لجوؤه إلى اقتباس منهج المقارنة و المقارعة بين الروايات الواردة في هذه المصادر، و من ثم ضبط كثير من الأخطاء المتعلقة بأسماء الأعلام و مكان وفاتهم و دفنهم.

خلاصة القول أن ابن عثمان بذل جهدا كبيرا في توثيق مخطوطه، مما

____________

(64) للتأكد من ذلك تكفي العودة إلى كتاب" الحقيقة و المجاز" الذي بدأ ابن عثمان نقل مادته ابتداء من الصفحات الأولى، إذ ورد مثلا في الصفحة 6" و قد دفن فيها من الصحابة رضي الله عنهم جماعة منهم بلال بن رباح .... فإنه على القول المشهور مدفون هناك و قيل دفن بباب كيسان ... و قال السمعاني في الأنساب إنه دفن في مدينة النبي (صلى الله عليه و سلم) و هو غلط، الصحيح الذي عليه الجمهور أنه مدفون بباب الصغير، كذا ذكره النووي في تهذيب الأسماء و اللغات .."، و ينسحب نفس الشي‏ء على الصفحات التالية.

(65) حسن جلاب،" من مصادر التاريخ الديني و الاجتماعي، مخطوط درر الحجال لليفرني"، المناهل، 36، 1987، ص. 428.

(66) محمد المنوني، مرجع سابق، ج. 2، ص. 186.

38

أكسبه غنى و ثراء معرفيا لا يستهان به، يبرر ما أورده مقرضوه من إطراء و إعجاب كما أسلفنا.

6- منهج التحقيق‏

بديهي أن التحقيق كعملية تقنية تقوم أساسا على محاولة إعادة تركيب النص قيد التحقيق بناء على مقارنة النسخ المتوفرة من المخطوط، بهدف تقديم متن واضح خال ما أمكن مما قد يكون علق به من أخطاء ارتكبها المؤلف نفسه أو الناسخ الذي بيض المسودة، علاوة على القيام بالتعاليق و الشروح اللازمة التي تروم الزيادة في توضيح ما أورده المؤلف.

و وفاء للمنهج العلمي المتبع في هذه العملية فقد قمنا بمقابلة نصي النسختين المتوفرتين من الإحراز لتحقيق المتن، ملتزمين بنص النسخة المعتمدة و إضافة ما سقط من متنها و كتب في الطرر استدراكا من ابن عثمان نفسه أو من الناسخ، و وفاء للأمانة عذلنا حتى عن تصحيح بعض الأخطاء، مكتفين بالإشارة إلى ذلك في الهامش.

غير أننا عولنا على استعمال قواعد الرسم المعاصرة و من ثم كتابة كثير من الكلمات بشكل مغاير لما ورد في النص الأصلي، إضافة إلى وضع الفواصل و النقط و غيرها من العلامات التي تساهم في ترتيب الفقرات و تنظيم جملها، بما يسهل قراءة النص و تقديمه في شكل مقبول.

كما تم التعويل أيضا على مجموعة من الإجراءات التقنية الكفيلة بضمان حلة واضحة للنص و تيسير قراءته أهمها:

- الإشارة إلى بداية صفحات النسخة المعتمدة من المخطوط بكتابة رقم الصفحة بين خطين مائلين، تسهيلا لمهمة الرجوع إلى أصل المخطوط عند الحاجة.

- وضع عناوين للموضوعات المتناولة في المتن لتسهيل قراءته و إبراز مختلف الجوانب التي تطرق لها المؤلف، و قد تم استعمال المعقوفتين للتمييز بين العناوين التي من وضعنا و بين الواردة في المخطوط، كما أشرنا في‏

39

الهوامش إلى طريقة كتابتها من طرف المؤلف أو الناسخ.

- التعريف بالأعلام الجغرافية و البشرية و بعض الأحداث التاريخية التي وردت بشأنها إشارات مقتضبة في المتن، مع الحرص على تثبيت مصادر التراجم و الشروح في الهوامش بوضعها بين مزدوجتين. و لا يعدم القارئ ملاحظة كثرة ما ورد في الإحراز من أسماء الأعلام و الأماكن و الوقائع التي تضفي على الكتاب صبغة خاصة، بحيث يتمكن قارئه من الإطلاع على ذخيرة غنية من المعلومات في شتى ميادين المعرفة. دون أن ننكر إغفال إيراد تراجم بعض الأعلام المشهورين، أو التي لم نتمكن من الوقوف عليها و إن كانت قليلة جدا.

- شرح المفردات الغريبة أو العامية أو الأجنبية، ذلك أن ابن عثمان استعمل العديد من الكلمات و التعابير الخاصة بزمانه و التي قد لا يفهمها البعض من غير المتخصصين.

- الإحالة في الهوامش- عند كل تغيير في رسم الكلمات- إلى حالتها كما وردت في النسختين، و الاكتفاء بإحالة واحدة عند تكرار نفس الحالة تفاديا لإثقال الهوامش. و إذا كانت الإحالة تهم أكثر من كلمة فإننا نستخدم المعقوفتين لحصر الكلمات المعنية بالهامش.

- استعمال هلالين منمقين للآيات القرآنية مع بيان أرقامها و سورها في الهامش، و نفس الشي‏ء بالنسبة للأحاديث النبوية، أما مختلف الأقوال و النصوص المقتبسة فتم وضعها بين مزدوجتين.

د. محمد بو كبوت أستاذ التاريخ في جامعة سيدي محمد بن عبد الله- فاس‏

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

مسار الرحلة

- أسكدار

- قرطل 18 ماي 1787

- كبزة

- خارسك‏

- كاور كو

- جنز نك‏

- لفك‏

- خان الوزير

- مدينة السكوت‏

- أسكشهير

- سيدي الغازي‏

- خصرم باشا

- بياض كوى‏

- بلودم‏

- مدينة أخ شهير

- إلغين‏

- اللاذق‏

42

- قونية

- إسمل‏

- قربنار

- أركلة

- وادي قشلة

- شفت خان‏

- أوابل‏

- الشاقط

- مدينة أذنة

- المصيصة

- قرطقراط

- بياس‏

- بيلان‏

- أنطاكية

- الزنبق‏

- جسر الشغر

- قلعة المضيق‏

- حماة

- رستن‏

- حمص‏

- ضيعة الحسية

- النبق‏

- القطيفة

- دمشق‏

43

- ذو النون‏

- الصنمين‏

- مزيرب‏

- الرمثا

- المفرق‏

- وادي الزرقا

- خان الزبيب‏

- البلقا

- وادي النسور

- قطرانة

- بوغاز الحسا

- قلعة عنزة

- معان‏

- العقبة

- قلعة المدورة

- قلعة ذات حج‏

- القاع‏

- تبوك‏

- ظهر مغر

- قلعة الحمراء

- مدائن صالح‏

- سهل المطران‏

- البئر الجديد

- هدية

44

- الفحلتين‏

- آبار ناصف‏

- جبل سلع‏

- ذا الحليفة

- الشهداء

- قرية الجديدة

- بدر

- القاع‏

- رابغ‏

- قديد

- خليص‏

- سبيل الجواخي‏

- مكة الرحلة بين دمشق و عكا و جولته في فلسطين‏

- المزة (الخروج من دمشق 9 ربيع الثاني 1202 ه

- سعسع‏

- خان الأرنب‏

- خان الجسر

- قرية الرمة

- عكا

- نابلس‏

- البيرة

- القدس‏

45

- الخليل‏

- القدس‏

- عكا من تونس إلى فاس‏

- تبربة الخروج من تونس 3 رجب 1202 ه

- مجاز الباب‏

- بلدة تستر

- قرية تبرسق‏

- القنطرة

- بلدة الكاف‏

- عين الزرقا

- تفش‏

- مرج كحيل‏

- مهيرز

- قسنطينة

- الجزائر

- تلمسان‏

- وجدة

- قاس آخر يوم من شعبان 1202 ه

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

نص الرحلة

بسم الله الرحمان الرحيم و صلى الله على سيدنا و مولانا محمد و آله و صحبه و سلم.

يقول أفقر الورى إلى رحمة الله تعالى، الراجي غفرانه و أجرته، محمد بن عبد الوهاب بن عثمان المكناسي لطف الله به في الدارين بمنه و كرمه‏ (1):

الحمد لله العليم الخبير، العلي الكبير المتفرد بالخلق و التدبير، المتكفل بأرزاق عباده بما اقتضت حكمة التقدير، المفضل من يشاء من خلقه على من يشاء في رزقه، فمنهم غني و فقير، فلا تخرج نفس من الدنيا إلى أن تصل من رزقها و آجالها إلى منتهاها، و أرزاق لنا متفاوتات فمن لم تأته منا أتاها، نحمده سبحانه و تعالى على ما ألهم، و نشكره على ما أنعم، و نصلي و نسلم على سيدنا و مولانا محمد خاتم أنبيائه و أمين أمنائه، و على آله و أصحابه الذين أسسوا الدين على قواعد بنائه، صلاة و سلاما تامين دائمين، نرجوا (كذا) ببركتهما عند ورود الحوض عليه‏ (2) المعاطاة بإنائه، و التنعم في الدارين بفنائه.

في فوائد الرحلة و الاغتراب‏

أما بعد، فإن التنقل في البلاد و التأمل في مخلوقات الله من العباد، تذكرة للقلوب و أي تذكرة، و تبصرة يا لها من تبصرة، أو لم يتفكروا فيما خلق الله من شي‏ء- 2- آية مبصرة، على أن الاغتراب وحده يحدث في‏

____________

(1) سقط هذا التقديم من (أ) و ورد في (ب).

(2) سقط من (أ) و ورد في (ب).

48

القلب خشوعا، و إلى الله رجوعا و عن غيره نزوعا، و الشاهد الطبع و انقطاع الإنسان إلى الله تعالى عند انقطاعه فيه صبغ و طبع، و لو لم يكن في الاغتراب إلا هذه الفائدة التي هي بكل خير عائدة، لكفاه فضلا و أحرز في السبق إلى الفضل خصلا، فهي أعظم الفوائد و أجمل العوائد، جعلنا الله تعالى ممن تمسك بأسبابه و أقصر قيامه على بابه، و رفع لنا عن مشاهدة أنوار حضرته ستور حجابه، و صرف عنا كل عائق يعوقنا و يشغلنا عن جنابه، إنه الكريم المقصود و الجواد المحمود،

لا يبلغ المرء في أوطانه شرفا* * * حتى يكيل تراب الأرض بالقدم‏

و لما طال تشوقنا إلى حج بيت الله الحرام، و تشوفنا إلى أن ننال من زيارة قبر نبيه عليه الصلاة و السلام غاية القصد (3) و المرام، و شبت في الأحشاء من شدة الوجد نار لها ضرام، ناديت متمثلا و إلى جانبه العزيز متبتلا:

فلا تنسني يا خير من وطئ الثرى‏* * * فمثلك لا ينسى لديه خديمه‏

تعيين ابن عثمان سفيرا و مهمته‏

فهبت علينا نفحة من نفحاته الطيبة، و لاحظتنا عناية من عناياته محركة إلى فنائه العزيز مقربة، فعيننا سيدنا و مولانا أمير المؤمنين و حصن الإسلام و المسلمين، ظل الله في العالمين و ملجأ الفقراء و المستضعفين، أبو عبد الله المنصور بالله سيدي- 3- محمد (4) بن أمير المؤمنين مولانا عبد الله، أدام الله تعالى أيامه و نصر أعلامه، و جعل النصر و الفتح خلفه و أمامه، و وطد له البلاد و جمع على طاعته قلوب العباد، مع رفقة من الإخوان صنوان و غير صنوان‏ (5)، و أمرنا أدام الله علاه و كان له في جميع أموره و تولاه، بالتوجه‏

____________

(3) سقطت من (أ) و ورد في (ب).

(4) يرجع في ترجمة هذا السلطان إلى فصول الدراسة.

(5) كانت البعثة مكونة من ابن عثمان و مولاي عبد الملك بن إدريس ابن عم و صهر السلطان، و أبي حفص عمر الوزيرق و شيخ الركب أبي محمد عبد الكريم بن يحيى. (الزياني، البستان الظريف، مصدر سابق، ص. 455؛ الناصري، الإستقصا، ج. 8. ص. 57)

49

أولا إلى القسطنطينة العظمى و الحضرة الفخمى، حتى نتلاقى مع سلطانها الأعظم الخاقان المعظم، خديم الحرمين الشريفين و القدس الشريف أول القبلتين، السلطان عبد الحميد خان‏ (6) نصره الله تعالى و أيده، و مهد ملكه و شيده، و جعله في أعين الكفرة قذى، و صرف عنه كل ضير و أذى، و قواه على الكفار و أعانه و كبت عدوه و أهانه، و أبقى هذين الأميرين العظيمين الشريفين‏ (7) الجليلين الكبيرين للمسلمين كهفا و حرزا و للإسلام عزا، حتى يرجع بوجودهما للإسلام شبابه، و تورق أغصانه و تخضر شعابه و هضابه، و تجتمع للإسلام الكلمة، فتغلب على الفئة المشركة الفئة المسلمة، إنه ولي ذلك.

و أمرني أدام الله اعتناءه و خلد في الدهر بالجميل ثناءه، أننا إذا تقضينا من القسطنطينة غرض الرسالة، مع تحصيل رؤية بدر تلك الهالة، نستعد للسرى إلى أم القرى، لنتقضى مناسك الحج و وظائف العج و الثج‏ (8)، و نفرق هديته على أهل الحرمين الشريفين التي أصحبنا و بثوابها أتحفنا، و عهد إلينا أدام الله سعادته و حرس مجادته، أن نرسم له ما تتفق رؤيته في هذا السفر،

____________

(6) عبد الحميد الأول (1725- 1789)، أصغر أبناء السلطان أحمد الثالث، توليا لحكم سنة 1774 بعد وفاة أخيه مصطفى الثالث و واجهت الدولة العثمانية في عهده تحديات عظيمة، ففي الوقت الذي كانت تعاني فيه الدولة أزمات مالية و انتفاضات في الولايات، واجه السلطان عبد الحميد تحدي توسع الإمبراطورية الروسية و اتضاح أطماعها في البلقان و القرم مما كان معه حتميا اصطدام القوتين، فانهزمت الجيوش العثمانية و اضطر السلطان إلى التوقيع على معاهدة" كوجك قينارجه" في يوليوز 1774، و التي أخلت بالتوازن الدولي بحصول روسيا على تنازلات مهمة في القرم و حق الملاحة في البحر الأسود و المضايق، بل تضمنت المعاهدة بنودا غير واضحة فسرت على أنها تنص على قبول الباب العالي مبدأ حق روسيا في حماية الرعايا الأرتذوكس في الإمبراطورية العثمانية. و في نفس السنة- 1774- اندلعت الحرب بين الدولة العثمانية و إيران، لكن هاجس عبد الحميد الأول ظل الصراع ضد الروس و مخططات كاترين الثانية في القرم و البلقان، و عندما أبرم التحالف بين روسيا و النمسا و بدأ يهدد وجود الدولة العثمانية و ممتلكاتها، و رغم إدراك السلطان لضعف إمكانياته أعلن الوزير الأعظم خوجة يوسف باشا الحرب على الدولتين المتحالفتين سنة 1787 و قد كان ابن عثمان شاهدا على أوضاع البلاد و هي تستعد للحرب. (أوزتونا 633؛ (312- 5E .,I .,

(7)" الشهيرين" في (ب)، علما بأن العثمانيين لم يدعوا الشرف.

(8) العج: رفع الصوت بالتلبية؛ الثج: سيلان دم الهدي، (لسان العرب، 2. 318).

50

في البدو و الحضر، فحاولت أن لا أرسم شيئا إلا حررته، و لا- 4- آتي بشي‏ء إلا وضحته، امتثالا لأمره الذي طبق الآفاق، و تتميما لاعتنائه الذي أراق، و خلد في بطون الأوراق.

لكن‏ (9) كيف الطيران بلا جناح، و البروز إلى الكفاح من غير سلاح، على أن أرباب هذا الشأن الموسومين بالإجادة و الإحسان، الذين انقادت لهم البلاغة بأرسان، لا يدخل أحد منهم لميدان التصنيف، و الجولان فيما فيه من صعوبة الترصيف، إلا اعتذر و إن كان ممن نظم أو نثر، فإن لم يسقط عثر، فتجد الفحول يمهدون لأنفسهم الأعذار عند ذوي العلم و المقدار، فكيف حال من هو على أنديتهم متطفل، و للجولان في ميادينهم غير متأهل، مع ترامي الأرضين و البلدان و فراق الأوطان و الولدان، جواب آفاق رفيق للوعة و إشفاق، و نجي فؤاد خفاق، أجوب كل مرداء و شجرا و فجاجا غبرا، و لله ذر القائل الذي لم تستقر له من التسيار عصى:

يوما بحزوى و يوما بالعقيق و يو* * * ما بالعذيب و يوما بالخليصاء

و ها أنا قد قررت عجزي و ألقيت السلاح، و عذري في الدخول في الفضول بأمر مولانا الخليفة بدا و لاح، و إلى ما أمرت به أعتمد، و من الله سبحانه أستمد و به أعتضد، و هو حسبي و نعم الوكيل؛ و سميته إحراز المعلى و الرقيب في حج بيت الله الحرام و زيارة القدس الشريف و الخليل و التبرك بقبر الحبيب، (صلى الله عليه و سلم) ما ماس في دوحة غصن رطيب، و فاح طيب و خطب خطيب، و جعل أنفسنا بزيارة قبره الشريف في الدنيا تنشرح و تطيب، و في الأخرى بمرافقته و الدنو من حديقته تظفر و لا تخيب،- 5- إنه سميع مجيب.

تاريخ بداية الرحلة بالخروج من الرباط

فأقول و من الله تعالى العون و التيسير مسئول: و في مهل المحرم فاتح‏

____________

(9) يكتبها ابن عثمان" لاكن" على طول المخطوط، و سنقتصر على هذه الإحالة للإشارة إلى التصحيح.

51

سنة مائتين و ألف‏ (10)، كان سفرنا من عند سيدنا و مولانا أمير المؤمنين، أدام الله تعالى وجوده للإسلام و المسلمين و هو في رباط الفتح، و أصحبنا أدام الله نصره و أبد فخره المال الذي على السادات الأشراف أهل الحرمين و غيرهم وهب، من الفضة و الذهب، و ذلك له أعزه الله في كل سنة طريقة و مذهب، تقبل الله تعالى منه و أعانه، و مهد بوجوده أوطانه و كبت عدوه و أهانه.

مكوث البعثة ستة أشهر بتطوان و طنجة في انتظار هدوء البحر

و وجه في صحبتنا سفيرا (11) كان ورد على أبوابه السامية المعراج، و كعبة ذي الفاقة المحتاج، من سلطان حضرة القسطنطينة حيث كتائب للجهاد كمينة، أعانهم الله تعالى و أيدهم و مزق أعداءهم و بددهم، و أمرنا أدام الله وجوده بالتوجه إلى مدينة تطوان، فإن تيسر ركوب منها في البحر فذاك، و إلا فيتعين الميل إلى طنجة و الدوران، فلما وصلنا تطوان لم يتمكن للمركب قدوم لشدة هيجان البحر في ذلك الأوان، و قد كان فصل الشتاء، و قد أتى من الأمطار المتوالية و الرياح المتراسلة بما أتى، و طال مقامنا بتطوان أربعة أشهر و نصف، لا نستطيع من كثرة الأمطار و الطين خروجا، و لا هبوطا من منزلنا و لا عروجا، إلى أن ورد علينا أمر سيدنا و مولانا أمير المؤمنين، صحبة بعض خاصته من أحبابنا يقال له سيدي محمد الزوين‏ (12) تصغير زين، صرف الله عنه كل شين و حرسه من العين،

____________

(10) الموافق لشهر نونبر 1785.

(11) ا إسماعيل أفندي، كان كاتبا لدى أمير البحر القبودان جزائر لي حسن باشا، و أرسل سفيرا من قبل الباب العالي إلى السلطان سيدي محمد سنة 1785، و قد رافق سفارة عبد الكريم العوني التي كانت في إستانبول في أوج توتر علاقات السلطان المغربي مع أتراك الجزائر.

ارتبطت سفارة إسماعيل أفندي بأحداث نفصلها في الدراسة.

(12) محمد بن القائد عبد الله الرحماني المشهور بلقب الزوين، يذكره الضعيف ملقبا بالقائد مثل أبيه، و هو من خدام و خاصة السلطان سيدي محمد بن عبد الله، كانت أخته البتول الرحمانية زوجة للسلطان، بل نجد وثيقة عثمانية تصفه برئيس وزراء سيدي محمد عندما أرسل في سفارة الى تركيا. (الضعيف، ص. 193؛ بنحادة، ص. 262).

52

و قلما أبصرت عيناك من رجل‏* * * إلا و معناه إن فتشت في لقبه‏

- 6- و أمرنا أيده الله بالتوجه إلى طنجة و منها نركب البحر، لأن المركب تعذر عليه القدوم لمرسى تطوان لصعوبتها، فتأخرت عن ملاقاته إلى عشية النهار و قد كان ينتظر ذلك فعاتبني، فقلت:

جاء من طال ما تشوقت الن‏فس إليه بشرى لنا وهنيه‏

أنعش الروح شم رياه لو لا* * * ذاك لم تبق في الحياة بقيه‏

إذ تداعوا بالأمس وسط نهار* * * درة الملك قد أتتنا جليه‏

فتأخرت عن لقاه محقا* * * فارتقاب الهلال يلفى عشيه‏

هكذا الشأن ما تقولون أنتم‏* * * عن يقين قلتم و صدق و نيه‏

فأجابوا أما ترى الشمس ولى‏* * * نورها كاسفا رأته البريه‏

قلت في الفقه إن تبدى هلال‏* * * في نهار أعطوه حكما وليه‏

ثم شرعنا في أخذ الأهبة في التوجه إلى طنجة بقصد الركوب منها، فتوجهنا إليها و نزلنا عند قائدها محبنا الأعظم، و صاحبنا الأديب اللبيب الأكرم‏ (13)، القائد محمد بن عبد المالك‏ (14) حرس الله تعالى‏ (15) نجابته و حفظ عليه مرتبته، فأكرم مثوانا سرا و إعلانا، و أقمنا عنده نحو شهر و نصف حتى أتى المركب و تأهبنا للسفر.

و كثيرا ما كان يقع بيننا و بين الصاحب المذكور و الخذر المشكور من المداعبة و النوادر، فمما اتفق لي معه في مدة هذا المقام المذكور، أنه خالف العادة في إتيانه إلى موضع نزلي نحو اليومين أو ثلاثة لشغل كان عنده، و كان يبعث لي كل يوم و يقول غدا آتي، فداعبته في أبيات أفرطت فيها في التنزل- 7- و شبت فيها الخطاب بالتغزل و هي:

____________

(13) سقطت من (أ) و وردت في (ب).

(14) محمد بن عبد المالك الريفي، ولاه سيدي محمد بن عبد الله على طنجة سنة 1180 ه- بعد نكبة عاملها عبد الصادق الريفي، لعب أدوارا مهمة في علاقات المغرب الأوربية كما نورد في الدراسة، (الإتحاف 3- 166).

(15) سقطت من (أ) و وردت في (ب).