وصف أفريقيا

- حسن بن محمد الوزان الفاسي المزيد...
675 /
11

بين يدي الكتاب‏

بسم اللّه الرحمن الرّحيم

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد سيد الانبياء و المرسلين و بعد:

لم يكن الحسن بن محمد الوزان الزياتي، الذي نضع كتابه لأول مرة باللغة العربية، أقول لم يكن شخصية غير مرموقة في الأوساط العلمية الأوروبية، و ذلك منذ منتصف القرن العاشر الهجري (اواسط القرن السادس عشر الميلادي) بقدر ما ظلّ مجهولا، بصورة تكاد تكون تامة في العالم العربي و الاسلامي، و هذا حتى اواخر القرن الثالث عشر الهجري (او التاسع عشر الميلادي).

فقد نشر راموزيو كتابه «وصف افريقيا» سنة 1550 م (957 ه) في مدينة البندقية، أي قبل 441 عاما هجريا، و بعد فترة لا تزيد عن اربعة و عشرين عاما من فراغ الحسن الوزان من تأليفه مصنفه المذكور باللغة الايطالية، و ذلك في جملة قصص رحلات جغرافية، و أهداه لشخصية علمية و سياسية كبيرة، هو جيروم فراكاستور.

و في سنة 1555 ظهرت الترجمة الفرنسية بجهود تامبورال، و في العام التالي تمت ترجمته الى اللاتينية بقلم جان فولريان، اي في 966 ه، في مدينة آنفرس البلجيكية، و في سنة 1600 ظهرت الترجمة الانكليزية على يد جون بوري، و تم نقل «الوصف» الى اللغة الهولندية في عام 1665، و في 1805 تمت ترجمته الى الألمانية، و في 1896 ظهرت طبعة ايطالية حديثة. و في 1896 اعاد براون نشر الكتاب بالانكليزية اعتمادا على طبعة بوري بينما كان يعمل ش. شيفر على نشره بالفرنسيية في باريس، في عامي 1896 و 1898.

12

هذا و قد خصصت له الاستاذة كودازي مقالة ممتازة في الموسوعة الايطالية للعلوم و الآداب و الفنون، الصادرة في روما سنة 1933، مجلد 20، ص 899، كما كان للمستشرق الايطالي آلدوميالي الفضل في إبراز عروبة «يوحنا الغرناطي» و إسلامه في كتابه «العلم عند العرب و أثره في تطور العلم العالي» ترجمة عبد الحليم النجار و محمد يوسف موسى، طبع الادارة الثقافية لجامعة الدول العربية، و نشر دار القلم سنة 1381 ه أو 1962 م.

هذا و قد كرّس له المستشرق الفرنسي ماسينيون دراسة مستفيضة ضمن بحثه عن تاريخ المغرب المعنون «المملكة المغربية في اوائل سني القرن السادس عشر، لوحة جغرافية استنادا الى ليون الافريقي». و في عام 1952 ظهرت في مدريد الترجمة الاسبانية، و في نفس الفترة أفرد له المستشرق الروسي اغناطيوس كراتشكوفسكي بحثا جيدا في مؤلفه الضخم «الأدب الجغرافي عند العرب» ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم.

و بعد نفاذ الطبعة الفرنسية التي نشرها شيفر، قام الطبيب الفرنسي الجنرال ايبولار، الذي سلخ شطرا كبيرا من حياته في اقطار المغرب العربي، و لا سيما في المملكة المغربية، قام بتحقيق كتاب الوزان مع شروح ضافية. و لكن المنية عاجلته سنة 1949 و حالت دون نشر مخطوطه، الى ان حصل اصدقاؤه العلماء الثلاثة: ت. مونو، ه.

لوت، ور. موني، على المخطوط من أرملته، و عملوا على طباعته مع إضافات لا يستهان بها على الشروح و التعليق، و ظهر الكتاب في حلته الجديدة سنة 1956 (1375 ه)، ضمن جزأين. و هذه النسخة هي التي اعتمدناها في الترجمة، و ذلك بمبادرة من كلية العلوم الاجتماعية في جامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية، و بمناسبة انعقاد المؤتمر الجغرافي الاسلامي الأول العتيد، في مطلع عام 1399 ه، أو 1979 م.

*** أما التعريف بالحسن الوزان في الاوساط العلمية العربية فقد جاء- و يا للأسف- متأخرا جدا. فقد ورد ذكره لأول مرة في مجلة المقتطف المصرية ضمن «بحث الجغرافية و جغرافيي الإسلام» ج 7، ص 593- 713، ضمن خطبة ألقاها سليم ميخائيل شحادة الغزيري، في المجمع العلمي الشرقي، في جلسة آذار 1883 م، كما خصص له الباحث المغربي محمد المهدي الحجوي، مقالة بالفرنسية نشرت في مجلة هسبيريس، الصادرة عن دار كولان، في باريس، ج 2، ص 94- 98. هذا كما تعرض له الاستاذ

13

عزيز بنعبد الله في كتابه «الطب و الأطباء في المغرب» المطبوع سنة 1960. و ذكره الاستاذ احمد ابو سعد بايجاز في كتابه «ادب الرحلات» المنشور في بيروت سنة 1961 في جملة منشورات دار الشرق الجديد و في سنة 1962 كتب الاستاذ محمد عبد الله عنان مقالة عن «الحسن الوزان أو ليون الإفريقي» في مجلة العربي الكويتية، عدد 43، و بعد عشرة أعوام عادت المجلة المذكورة فنشرت في عددها 163 نشر مقال ثان في نفس الموضوع تحت عنوان «الحسن بن محمد الوزان، رحالة عربي، و مصنف اجنبي» للدكتور جمال زكريا قاسم.

و في سنة 1970 كتب زميلي. الدكتور مصطفى مسعد بحثا يقع في 25 صفحة، في مجلة جامعة القاهرة بالخرطوم، العدد الأول، كتب بحثا معنونا «الحسن بن محمد الوزان (ليو الافريقي)، أضواء على رحلته في بلاد السودان و مصر. و في عام 1972 كتب المرحوم الطبيب الاستاذ شوكت الشطي، الذي توفي في صيف 1398 ه، بحثا يحمل عنوان «نظرات الى ثقافة العرب الطبية في الحضاوة الاندلسية» خصصه للحسن الوزان.

و قد اشرف الدكتور محمد السيد غلاب، مدير معهد الدراسات الافريقية على رسالة ماجستير عن الحسن الوزان و اهمية كتابه في جغرافية السودان الغربي، و التي تمت مناقشتها سنة 1398 ه، و قام بها السيد محمد أحمد زوام.

و يكفي أن نورد هنا بعض الشواهد من كتابات العلماء الاوروبيين للتدليل على قيمة كتاب الحسن الوزان على الصعيد العلمي» إذ ظل كتابه- حسب قول توماس ديكين- المرجع العمدة طيلة قرنين من الزمن في اوروبا، في كل ما يختص بالأقطار العربية الإفريقية و دول شعوب اقطار الساحل، اي الواقعة الى الجنوب من الصحراء الكبرى»، و يقول هارتمان الألماني بعد قرابة قرنين من الزمن من ظهور كتاب الوصف «إن ما يتصف به مصنّفه من ميزات أمر معروف للجميع، و لن أتردد في تكرار ما قاله البحاثة قبلي من أن كتابه كنز من الذهب و لولا وجوده بين يدي لخفيت عليّ أشياء كثيرة»، و يقول شيفر في اواخر القرن الماضي «إن ما يورده ليون الإفريقي من تفاصيل في وصف المغرب تتميز بالدقة الشديدة، بل لقد اثبتت الابحاث الاخيرة صدق قوله حتى في المواضيع التي اثارت الشك فيما مضى».

*** هذا و لا يزال الكثير من جوانب حياة الحسن الوزان غامضا، و لا سيّما عن فترة إقامته‏

14

في ايطاليا، و على الأخص بعد عودته الى تونس. فالمعروف ان ولادته كانت سنة 894 ه، و أنه سقط بالأسر عام 1518 م (926 ه)، و كان عمره حينذاك في حدود الثلاثين سنة، و أنه صنّف كتابه «وصف إفريقيا» لقرائه الطليان سنة 1526 م، أي بعد ثمانية أعوام من الإقامة في ايطاليا، درس خلالها الايطالية و اللاتينية، و قرأ كتاب بلين المؤرخ الروماني الشهير، و ألمّ بالثقافة الاوروبية التي كانت تتمخض عن «عصر النهضة»، و يبدو ان تعلّمه الايطاليه و اللاتينية لم يكن عسيرا عليه، إذ يرى كراتشكوفسكي أنه كان يعرف اللغة الاسبانية التي كانت بالنسبة له لغة مفهومة، لأنه امضى طفولته في غرناطة التي نزح عنها بعد سقوطها بأيدي الملكين الكاثوليكيين سنة 1492 م.

هذا و تشير أكثر المصادر التي أوردناها إلى أنه استطاع الإفلات من ايطاليا، رغم عتقه، بين عامي 1528 و 1530 قاصدا تونس، بعد إقامة في الغربة لم تتجاوز عشرة أو اثني عشر عاما. و يدعم هذه الرواية كاتب معاصر أسمه فيد ما تشتات الذي يقول أن الوزان مات في تونس سنة 944 ه، و عمره خمسون عاما. و يقول آلدوميالي: «إن إقامة الحسن الوزان بمعزل عن محيطه الأصلي كانت بلا ريب ثقيلة على نفسه، و الواقع انه عاد الى تونس سنة 1550 م ليحظى بالوفاة في ارض الاسلام المقدسة و في حمى دينه الحقيقي، و نفتقد آثاره منذ ذلك الحين، و يبدو أننا لن نعرف تاريخ وفاته» ترجمة الدوميالي ص 533، مما يدل على أن إقامته في ايطاليا امتدت على فترة تناهز اثنين و ثلاثين عاما، أي عاد الى تونس و عمره 64 سنة تقريبا.

و يقول كراتشكوفسكي ... و عقب فراغه- من تأليف كتابه- بقليل، و ربما كان ذلك في عام 1528، تمكن بطريقة ما من الإفلات راجعا الى افريقية و ما لبث ان اطرح المسيحية الى دينه القديم. و قد توفي الوزان، على ما يبدو، في تونس في عهد آخر ملوك بني حفص، و ذلك عام 1552» عن عمر يناهز الستين عاما. و يرى البعض من الباحثين ان الكرادلة الطليان من اصدقائه أرسلوا وفدا لإقناعه بالعودة الى ايطاليا و لكن دونما طائل، في حين يرى بعضهم انه لم يغادر ايطاليا و ظل يدرّس اللغة العربية فيها حتى اواخر ايام حياته.

*** و الواقع لقد كانت حياته العلمية في ايطاليا خصيبة للغاية. ففي عام 930 ه/

15

1524 م نجده يؤلف معجما عبريا عربيا لاتينيا من أجل طبيب يهودي، هو يعقوب بن سيمون، لا تزال مخطوطته، التي عثر عليها الحجوي، محفوظة بمكتبة الاسكوريال، مثلما عثرت الاستاذة كودازّي على رسالة في القياس المسطح ما يشهد على اتساع مروحة معارفه الموسوعية. و في العاشر من آذار 1526 أنجز تدبيج كتابه «وصف افريقيا» بالايطالية، و الذي يرجح اكثر الباحثين أنه وضعه أصلا بالعربية على شكل مذكرات على الأقل، و يرى آخرون مثل ش. شيفر أن الكتاب كان بحوزته عند وقوعه بالاسر، مثلما قيد فيما بعد «إن مخطوطته قد وجدت طريقها الى احد هواة الكتب الطليان، و هو ف.

بينللي، و لكنها فقدت منه في الطريق الى نابولي عند هجوم القراصنة»، اذ يقول شيفر «أن الوزان أنشأ كتابه بالعربية ثم باللغة التوسكانية، و نقدمها الآن بالفرنسية».

و في سنة 1527 ألّف باللاتينية كتابا جامعا في سير ثلاثين من مشاهير العرب في مضمار الفلسفة و الطب، و الذي نشره هو تينغر في عام 1664 في زوريخ بسويسرا ثم اعيد نشره سنة 1746 في هامبورغ، و كان أول سفر يقدم معلومات ذات اهمية بالنسبة لأوروبا في تاريخ تطور العلوم عند العرب.

هذا كما تحوي مكتبة الاسكوريال نسخة في نحو اللغة العربية ربما يكون قد ألفها لفائدة تلاميذه الطليان اثناء تدريسه اللغة العربية في مدينة بولونية. و يذكر لنا في مناسبات عديدة كتابه «الوجيز في الشريعة الاسلامية» و «الوجيز في التواريخ الاسلامية» و لكن لم يصلنا شي‏ء منهما، مثلما يذكر لنا اعتزامه على اصدار ثلاثة مؤلفات، احدها الكتاب الذي بين ايدينا، و الآخر عن اوروبا، و الأخير عن الاقطار التي زارها في جزيرة العرب و آسيا الصغرى و ارمينيا و بلاد فارس و التتر و القسطنطينية.

و الحسن الوزان الذي خاض في شبابه معارك عديدة ضد البرتغاليين، يوردها في مناسبات عدة في تضاعيف كتابه، مع جيوش بني مرين الوطّاسيين، لا يخفي كرهه للبرتغاليين و الاسبان القساة و سواهم من نصارى اوروبا الذين كانوا لا يكفون عن الإغارة على بلاد المسلمين و التنكيل بأهلها مدفوعين بنزعة صليبية مقيتة تجلت على الخصوص لدى فرسان القديس يوحنا، مثلما كان يعبر عن مقته تجاه الأعراب الذين كانت بعض قبائلهم لا تتورع عن التطوع للمحاربة في صفوف البرتغاليين، لا سيما و هم الذين نشروا الفوضى و التخريب و اساءوا ايما اساءة للاقتصاد الغربي فقوضوا اركان الزراعة كما في‏

16

منطقة افريقية حتى جوار تونس ذاتها، مما ادى بصورة مباشرة لرهن دول المغرب، و بالتالي لتمهيد السبيل امام الاسبان و البرتغاليين لانتزاع بقاع عديدة من اقطار المغرب العربي مثل طرابلس و بجاية و دهران و آزمور و آسفي، و حيث لا تزال بعض المواقع في ايديهم حتى كتابة هذه الاسطر و لا سيما مدينتي سبتة و مليلة، و لولا ان قيض الله العثمانيين الذين تصدوا لهؤلاء النصارى و أبلوا البلاء الحسن لكان تاريخ المغرب غيره اليوم. و لكن الوزان لا يضمر ازدراءه للصوفيين و لأصحاب المذاهب المنشقة، و ما أدخلوه على الاسلام من ترهات و بدع كانت نتائجها اللااخلاقية و خيمة على المجتمع، مثلما لو يضنى بسخريته اللاذعة على المشعوذين و العرافين و السحرة و كثيرا ما يعف قلمه عن فضح الكثير من تفاصيل حياتهم استحياء من ناحية و تحاشيا لسأم القارى‏ء من جهة اخرى.

و الخلاصة يتميز كتاب الوزان بروح نقدية و بأسلوب نستشف فيه تأثير التلاقح الثقافي الخصيب مما يضفي على مصنفه طابعا ذا اصالة يشد القارى‏ء اليه مثلما يجد فيه الجغرافي و المؤرخ مصدرا غنيا بالمعلومات فضلا عن أن ترجمته عن الايطالية و شرحه و التعليق عليه تعتبر جميعا مدرسة قائمة بذاتها تشهد على بروز روح البحث العلمي و حب الاستقصاء.

د. عبد الرحمن حميدة

17

مقدّمة

لقد ظهر في البندقية، عام 1550 (1) مؤلف ذو قيمة فريدة. فقد عمد عالم ذو ثقافة عالية يدعى جان باتيست راموزيو، و كان أمين سر لمجلس الأمناء العشرة، إلى نشر عدة قصص رحلات باللغة الإيطالية لم يسبق نشرها تحت عنوان «في الملاحة و الرحلات»، و كانت أكثر هذه الرحلات أهمية هي «وصف إفريقيا» بقلم جان ليون، الملقب بالإفريقي.

و قد كان لكتاب راموزيو النجاح الذي يستحق. فمنذ عام 1556 (2) ظهرت ترجمتان لهذا الكتاب. فقد نشر جان فلوريان في آنفرس في بلجيكا، ترجمة لاتينية عن كتاب «وصف أفريقيا» و نشر جان تامبورال، من ليون في فرنسا ترجمة فرنسية له. و تعتبر الترجمة اللاتينية عديمة القيمة و خالية من أية فائدة، بينما تبدو الترجمة الفرنسية ممتازة بالنسبة لذلك العصر. فلغتها هي الفرنسية القديمة التي كانت مستخدمة في القرن السادس عشر. و لعل ذلك هو الذي أضفى عليها جاذبية خاصة. و جعل العلماء- حتى في عصرنا الحاضر- يؤثرون نقل نصوص كاملة من هذه الترجمة على الرجوع إلى الأصل الايطالي.

و ظلت ترجمة تامبورال هي المعتمدة في فرنسا. بيد أن هذه الترجمة تبدو عند بحثها بدقة منطوية على مآخذ جلية للعيان، فلغتها القديمة صعبة الفهم و متعبة للقارى‏ء العادي، و المحقق الذي يراجعها على نص راموزيو لا يلبث أن يعثر فيها على الكثير من الأخطاء و النقاط الغامضة. و من ثم لم تعد قط أداة جيدة للبحث، و أصبح من الضروري إعادة ترجمة كتاب راموزيو من جديد.

و ها نحن أولاء نقدم اليوم ترجمة لكتاب «وصف إفريقيا» لصاحبه جان ليون؛ و إذا كانت كل قصص الرحلات التي نشرها راموزيو في عام 1550 ذات فائدة كبيرة من وجهة النظر التاريخية و الجغرافية، فإن «وصف» ليون يحوي من الفائدة ما يتجاوز

____________

(1) 957 ه.

(2) 964 ه.

18

ذلك. و سيظل الكثير من المعلومات التي قدمها ليون، حتى عصر طويل قادم، موضع ثقة، و على الأخص من وجهة النظر التاريخية البحتة. و لهذا كان من الأهمية أن نقدم لكتاب ليون ترجمة عصرية دقيقة و أمينة قدر المستطاع.

و يوجه راموزيو، في إهدائه كتابه إلى عالم كبير في زمانه، هو جيروم فراكاستور، يوجه انتباهنا إلى أن ليون كان مغربيا. و يذكر لنا بأنه، بعد أسره في جزيرة جربه‏ (3)، قدّم هدية للبابا الذي أحسن وفادته حتى أنه عمّده و منحه اسميه جان- و ليون، و أنه تعلم الايطالية. و قد ألف ليون في هذه اللغة كتابا في الجغرافيا اعتمادا على مذكراته المكتوبة بالعربية. و هذا الكتاب المنسوخ بقلم المؤلف نفسه، هو الذي وصل ليد راموزيو، و الذي أبان عن طريقة نقله له إذ يقول «لن ندخر وسعا في أن نجعله واضحا ممكنة قراءته، و أن نلتزم بكل أمانة ممكنة».

و قد جرى البحث بدون طائل- و كان لا بد أن يحدث ذلك- عن المخطوط العربي. فقد رجح المستشرق لويس ما سينيون، الذي نشر في عام 1906 (4) تحت عنوان «المملكة المغربية في السنوات الأولى من القرن السادس عشر» (5) لوحة جغرافية عن ليون الافريقي، و يعتبر كتاب لويس ماسينيون كبير القيمة و لا يزال وثيقة أساسية فيما يتعلق بمؤلف «وصف إفريقيا»، اذ يرجح أن ليون كتب مؤلّفه مباشرة بالايطالية استنادا إلى مذكرات مسجلة بالعربية. فليس لهذا المخطوط أصل عربي نقل عنه، و إنما اعتمد صاحبه فقط على مذكرات كانت لديه باللغة العربية. و لكن هل اختفى النص الإيطالي الأصلي الذي استعان به راموزيو؟

لقد أتيح للمكتبة الوطنية في روما، عام 1931 (6) أن تحصل بطريقة الصدفة في مناسبة بيع كتب، على مخطوط يحمل عنوان هذا الكتاب «وصف إفريقيا» و وضع في ثبتها تحت رقم 953، و لكن هذا النص يختلف كثيرا، في شكله، عن النص الذي طبعه راموزيو، و من المؤكد أن هذا الكتاب هو نسخة جيدة عن الأصل الذي استخدمه راموزيو.

____________

(3) جزيرة تقع تجاه الساحل الجنوبي التونسي قرب الحدود الليبية (المترجم).

(4) 1324 ه.

(5) العاشر الهجري.

(6) 1350 ه.

19

و لكن هذا الكتاب مكتوب برطانة، دفعت براموزيو إلى القول بأنه، حتى بالنسبة لأبناء ذلك العصر، من اللازم القيام بنقله إلى لغة سليمة. و قد بذل جهدا، كما قال هو نفسه، في جعله صالحا للقراءة و ذلك مع كل الأمانة الممكنة.

و قد كان من الممكن نشر مخطوط المكتبة الإيطالية في روما منذ زمن طويل نوعا ما لولا أن الأحداث العالمية (7) اعترضت سبيل ذلك. و قد عهدت وزارة التعليم العام بهذه المهمة لأكثر الأشخاص كفاءة في هذا المضمار، و هي السيدة آنجيلا كودازّي، أستاذة التاريخ و الجغرافيا الشهيرة في جامعة ميلانو. و أفردت السيدة كودازي «لجان ليون» مقالة رائعة في الموسوعة الإيطالية للعلم و الأدب و الفن (روما 1933، المجلد 20 ص 899).

و تنوي هذه الأستاذة قريبا نشر هذا المخطوط، مع شروح ستكون بالتأكيد جزيلة الفائدة، سواء لسعة اطلاع المؤلفة أو بسبب الوثائق التي تستطيع الحصول عليها محليا، لأن ليون كتب كتابه في روما لقرائه الطليان في عام 1526 (م) (8).

و لقد انتظرنا طويلا نشر المخطوط لتقديم ترجمته و ليس ترجمة نص راموزيو. و لكننا لاحظنا أن النص الأخير مكتوب بلغة إيطالية سهلة جدا تتواءم مع نقل يكاد يكون حرفيا إلى الفرنسية. فإذا أخذنا فقرة من نص المخطوط و عملنا على تفسيرها بلغة فرنسية مفهومة، فإننا نحصل بالضبط على نفس النتيجة التي نحصل عليها من ترجمة مباشرة لنفس الفقرة من نص راموزيو. إذن ليس هناك كبير فائدة من وراء استخدام نص المخطوط. غير أن راموزيو من طرف، و الناسخ من طرف آخر، قد ارتكبا أخطاء في قراءة الأصل الذي استندا عليه، و هي أخطاء تختلف في نوعها، و تسمح الموازنة بين النسختين بتصحيح عدد لا بأس به من هذه الأخطاء. و قد استطعنا، بفضل التلطف الكبير الذي أظهرته السيدة آنجيلا كودازّى، أن نقابل بين نسختي المكتبة الوطنية في روما، و أصبح في إمكاننا أن نقدم التصويبات على نسخة راموزيو، و التي تبدو في أنظارنا جوهرية.

و نود أن نؤكد للسيدة كودازى كل عرفاننا. و نحن مقتنعون أن عملها لن يكون عبارة عن تكرار لعملنا هذا، بل على العكس سيكمله بصورة مفيدة، إذ سيقدم الأول التوثيق الإيطالي، في حين يوفر الآخر التوثيق الإفريقي.

____________

(7) تقصد بذلك الحربين العالميتين الأولى و الثانية (المترجم).

(8) 924 ه.

20

و نظرا لهذا الواقع فإننا لن نتوقف كثيرا عند سيرة حياة جان ليون، و التي لا نعرف عنها فعلا أكثر مما كتبه المستشرق الفرنسي ما سينيون في كتابه. و تتلخص هذه السيرة فيما يلي:

ولد الحسن بن محمد الوزان الزياتي في غرناطه في تاريخ غير معروف بدقة، يتراوح بين عامي 1489، 1495 (م) (9). و الحسن هو اسمه، و محمد اسم والده، و الوزان لقب أسرته، مما يدل على أن أحد أجداده شغل وظيفة في مصلحة الموازين العامة.

و الزياتي كلمة تدل على نسبه القبلي، أي تدل على قبيلته الأصلية التي انحدر منها. و لم نستطع تحديد النسب المذكور، غير أن كتاب نزهة الهادي، ترجمة هوداس ص 227 و 322 يذكر أنه كان في القرن السادس عشر و السابع عشر (م) (10) شخصيتان مغربيتان تحملان هذا النسب، هما الشارح الأديب الحسن الزياتي و الإمام سيدي الحسن الزياتي.

و على أثر استيلاء الملكين الكاثوليكيين، فرديناند الخامس و إيزابيلا في كانون الثاني (يناير) عام 1492 م‏ (11) و الذي أعقب طرد المسلمين المتمسكين بدينهم، التجأت أسرة الحسن إلى فاس، حيث شغلت وظيفة مرموقة، و قد أتم هذا الولد تحصيله متبعا الأسلوب الذي لا يزال حتى اليوم أسلوب مثقفي أيامنا في مدارس فاس و في جامعة القرويين الإسلامية. و عمل بعد ذلك مدة عامين أمينا عاما لمستشفى الأمراض العقلية في فاس ثم أصبح «طالبا» كالطلبة الذين نرى الكثير منهم حاليا في المغرب، و تجول في سن مبكرة في البلاد، و كان لديه شغف في استنساخ شواهد القبور لبعض مشاهير الرجال.

و عمل من ذلك مجموعة قدّمها هدية لشقيق السلطان. و تعطينا هذه التفاصيل فكرة عن مستواه الاجتماعي. أما أبوه فقد كان موظفا حسبما تشير بعض الدلائل. و يروي لنا أيضا أن صاحب الترجمة قام برحلة، و هو لا يزال شابا، إلى القسطنطينية و المشرق العربي، و صاحب أحد أعمامه، و هو في سن السابعة عشر، في رحلته إلى تومبكتو. و كان عمه هذا خطيبا مفوّها اختاره السلطان سفيرا له في تومبكتو، لدى السلطان السوداني الكبير، اسكيا محمد توره.

و قد ثابر على تجواله في بلاد المغرب لحساب السلطان، و ذلك قبل قيامه برحلة ثانية

____________

(9) أي بين 878 ه و 884 ه.

(10) أي العاشر و الحادى عشر الهجريين.

(11) 897 ه.

21

إلى بلاد السودان، و التي يقول بشأنها إنه انتقل فيها من تومبكتو حتى مصر ما را ببلاد الهوسة و مملكة غاوغة في شرق التشاد ثم عاد إلى المغرب بحرا.

و قد أمضى معظم عامي 1514، 1515 م في المغرب‏ (12) و كان يعمل حينئذ فى خدمة السلطان و بعض قواده. و مما لا ريب فيه أنه كلف بمهمات يحتمل أنها سياسية و اقتصادية، لأنه يبدو لنا مطلعا في صورة عميقة على بورصة الأسعار؛ و تزايدت هذه البعثات أهمية مع الزمن لدرجة يظهر لنا فيها وسيطا في المفاوضات بين سلطان فاس محمد البرتغالي، و سلطان مراكش الناصر بن يوسف الهنتاتي، و أمير السوس و حاحه، الشريف أحمد الأعرج، مؤسس أسرة السعديين الذي يمكننا أن نفترض أنه كان رفيقه في الدراسة في بعض مدارس فاس. و في آذار (مارس) من عام 1514 كانت له مقابلة مع حاكم بادية آسفي، عامل ملك البرتغال، و اسمه يحيى أو تعفوفت. و في عام 1515 و بمناسبة حملة دكالة التي قام بها سلطان فاس برزت شخصية محمد بن الحسن الوزان بروزا كبيرا و ظهر أكبر نشاط له. و منذ هذه الحملة نستطيع تتبع تاريخه في صورة أدق، و من المحتمل أن كفاءاته الخاصة و ثقافته كانت تحظى بتقدير كبير لدى سلطان فاس، حتى لقد عهد إليه بمهمة في المشرق، فغادر فاس فجأة في شهر آب (أغسطس) 1515 م. و ليس من المؤكد أنه كان مكلفا بسفارة لدى سليم الأول السلطان العثماني في القسطنطينية، كما اعتقد.

بعضهم، إذ لا يتوقع أن يسافر إلى القسطنطينية بتجهيزات تافهة كحبال الخيام التي ذهب إلى شرائها بنفسه من سوق بسكرة بالجزائر. و يضعف من هذا الاحتمال أيضا أنه يذكر لنا أنه كان في مدينة رشيد بمصر في أثناء وجود السلطان سليم في هذه المدينة، و لكن بدون ان يتحدث كثيرا عن هذا السلطان، و لو أنه كان موفدا إليه و أتيح له في هذه المناسبة مقابلته لتحدث عنه بإسهاب.

و لكنه لم يكن بالتأكيد موظفا دبلوماسيا ضئيل الأهمية، لأننا نراه في نفس الرحلة و هو يحرف طريقه كي يذهب للتحادث مع حاكم دبدو، ثم يقصد بلاط ملك تلمسان أبي عبد الله محمد، ثم يحل في مدينة الجزائر ضيفا على «وجيه» أندلسي الأصل، سبق له أن أوفد من قبل سكان مدينة الجزائر كي يتفاوض في شأن عقد هدنة مع الحكومة الأسبانية، ثم يقصد بجايه لمقابلة أمير البحر الشهير عروج بربروس، الشقيق الأكبر لأمير البحر خير

____________

(12) 922 و 923 ه.

22

الدين بربروس‏ (13). و في النصف الثاني من شهر أيلول (سبتمبر) اضطر عروج للالتجاء إلى مدينة جيجل الجزائرية، و تابع الحسن رحلته باتجاه تونس مارا بمسيلة في منطقة الحضنة الجزائرية. و يقول لنا أنه بلغ تونس مع جوادين فقط و عانى صعوبة في الحصول على الشعير اللازم لهما، و هذا يدل على ضعف تجهيزاته كسفير. و عند وصوله إلى تونس لم يجد السلطان فيها، لأنه كان قد غادرها في رحلة إلى الجنوب، و اتصل بالقصر الملكي و لكن يبدو أنه لم يحظ بمقابلة الملك أبي عبد الله محمد، لأنه لا يذكره بخير كثير، و لكن من المؤكد أنه استطاع أن يجمع خلال وجوده في حاشية الملك كمية من المعلومات عن بلاد نوميديا التونسية، و التي قدم عنها تفاسير غير واضحة. و من المحتمل أن يكون قد تابع رحلته حتى مدينة قفصة و قابس، و هما آخر مدينتين تونسيتين يظهر أنه رآهما رأي العين.

هذا و لا نعرف شيئا عن المكان الذي أبحر منه الحسن قاصدا القسطنطينية، و لا تاريخ سفره و لا عن إقامته في المشرق، اللهم إلا وجوده في مصر في شهر حزيران (يونيو) 1517 (14)، في مدينة رشيد، في نفس الوقت الذي كان فيه السلطان سليم العثماني في هذه المدينة. و قد أدى فريضة الحج في أثناء إقامته في المشرق، و عاد من مصر إلى المغرب بحرا و توقف في طرابلس سنة 1518 (15) (و نلاحظ أنه هنا قد استعمل التأريخ الميلادي لأول مرة). و يغلب على الظن أنه سقط في الأسر خلال توقف سفينته في جزيرة جربة على يد القرصان الصقلي بيتر و بوفا ديغليا و اقتيد إلى إيطاليا، حيث قدم هدية للبابا ليون العاشر (16)؛ و اسمه جان دوميديسيس، و حظى بكرم الوفادة لدى هذا الحبر الشهير،

____________

(13) استشهد عروج هذا في معركة مع الأسبان قرب تلمسان سنة 1518 م، أما خير الدين فكان قائد أسطول السلطان سليمان العثماني، و قد حصن مدينة الجزائر، و كسر أمير البحر الايطالي آندر يادوريا في خليج آمبراس على الساحل اليوناني، و زار مرسيليا على رأس أسطوله كصديق للملك الفرنسي فرانسوا الأول، و توفي في القسطنطينية سنة 1546 (المترجم).

(14) 929 ه.

(15) 926 ه.

(16) ولد هذا البابا في فلورنسا سنة 1475 و مات في روما، و هو ابن لوران الكبير و شغل منصب البابوية بين 1513 و 1521. و كان من المعجبين بالآثار القديمة و حاميا للفنون و الآداب و العلوم. و استحق أن يمنح اسمه لأزهى العصور التاريخية. و قد حاول، شأن البابا جول الثاني، أن ينقذ إيطاليا من النير الأجنبي، فتصدى لقوات البندقية و ملك فرنسا و ذلك عن طريق تحالفه تارة مع هذا و تارة مع أولئك. فوقع مع فرانسوا الأول اتفاق بولونية سنة 1516 و قد أدى بيعه لصكوك الغفران الجديدة، التي كان ريعها مخصصا لإنجاز بناء كنيسة القديس بطرس، إلى تمرد لوثر و بالتالي إلى حرمانه سنة 1521، و دفع لظهور حركات الإصلاح الديني و بالتالي لانتشار المذهب البروتستانتي (المترجم).

23

حامي الفنون، الذي حمله على اعتناق النصرانية على أيدي ثلاثة أساقفة في قصر سانتانج الذي أقام فيه إقامة جبرية سنة كاملة. و أخيرا تم تعميد الحسن بن محمد الوزان الزياتي، على يد البابا نفسه في كنيسة القديس بطرس، في روما بتاريخ السادس من كانون الثاني (يناير) عام 1520 (17)، و سمي جوهانيس ليود و ميديسيس‏ (18)، أما هو فقد اتخذ لنفسه اسم جان ليون غراناتينو، و بالعربية يوحنا الأسد الغرناطي. و قد عرف فيما بعد تحت اسم ليون الإفريقي، و هو الاسم الذي أطلقه عليه راموزيو، و ذلك استنادا إلى ما اشتهر به بين معاصريه.

هذا و لا تزال تفاصّيل إقامته في إيطاليا غير معروفة. و نعرف أنه كان يدرّس العربية في مدينة بولونية الإيطالية، و أنه كان يتردد على رجال الأدب. و لكن هل ختم حياته في إيطاليا قبل عدة أعوام سبقت تاريخ 1550 (19)، كما ورد في مقدمة الطبعة الرابعة التي أصدرها راموزيو عام 1588؟ (20)، و هل قفل من إيطاليا عائدا إلى تونس كما عبر عن نيته صراحة في كتابه «وصف إفريقيا» ابتداء من عام 1525 (21)؟ و هل عاد إلى حظيرة الإسلام كما تؤكد ذلك بعض النصوص؟ و هذا هو الأمر الأكثر احتمالا. و لم يكن عمره يتجاوز الأربعين عاما عندما دبج كتابه. فقد كان نشاطه الثقافي كبيرا جدا استنادا إلى مشاريعه في التأليف، و الذي يعرضه علينا في نهاية كتابه الثامن عن وصف أوربا، ثم عن القسم الآسيوي الذي زاره، و أخيرا عن إفريقيا. و في الواقع لقد سبق له أن انتوى، أو ربما كتب فعلا، مختصرا في التاريخ الإسلامي، الذي يتكلم عنه في أكثر من مكان، مما يحملنا على الاعتقاد بأنه أنجز فعلا هذا المؤلف، بالإضافة إلى كتب تاريخ إفريقيا الحديث، و كتاب البلاغة في اللغة العربية، و كتاب في النحو الخ .. و حتى أيامنا هذه لم يمكن العثور إلا على الجزء العربي من مفردات بلغات متعددة، صدر في بولونية بتاريخ كانون الثاني في (يناير) 1524 (22) و الذي تحتفظ به مكتبة الاسكوريال في مدريد.

و من الواضح أن كتابه «تاريخ إفريقيا الحديث» سيكون ثمينا للغاية بالنسبة

____________

(17) 928 ه.

(18) نقلا عن السيدة الأستاذة كودازى.

(19) 957 ه.

(20) 966 ه.

(21) 933 ه.

(22) 932 ه.

24

لمؤرخي تلك الفترة الغامضة. و نحن نأمل أن تكون السيدة آنجيلا كودازى، التي تتابع أبحاثها المتأنية منذ بضعة أعوام، قد تمكنت من جمع الوفير من المعلومات و أن تصبح معارفنا بفضلها أكثر دقة في هذا التاريخ.

و قد ظل «الوصف» الذي قدمه ليون موضع ثقة في خلال أكثر من ثلاثة قرون، إذ ثبت أن مخطوط ليون كان معروفا و يستفاد منه على نطاق واسع منذ 1529 م. و قد كان هذا المؤلّف وثيقة جغرافية أساسية، و خاصة بالنسبة لعلماء الخرائط الجغرافيين الذين يبدو أنهم استفادوا من مصادر أخرى لا يستهان بها. و لا تزال الدهشة تعترينا من صحة بعض التفاصيل التي قدمها ليون، و من صواب نظراته كباحث كان، على الرغم من تكوينه العلمي القديم، متمتعا بروح عصرية، و كان تجرده كبيرا. فلم يكن لديه أية كراهية إلا «للأعراب» الذين نسب إليهم، كما فعل ابن خلدون، مسئولية تخريب بلاد الشمال الإفريقي‏ (*). و في هذا المجال نحرص على أن نوضح للقارى‏ء غير المتمرس أن عرب القرن السادس عشر لم يكونوا سوى أحفاد قبائل عربية، أو من افخاذ قبائل عربية فوضوية تخلص منهم خلفاء مصر الفاطميون بأن دفعوا بهم لكي يبحثوا عن معيشتهم في المغرب حوالي سنة 1050 م. أما العرب الأصلاء الذين قاموا بفتح البلاد، أو الذين حكموها بعدئذ، فقد انصهروا منذ زمن طويل في السكان البربر، ما عدا بعض الحالات الاستثنائية النادرة. و حتى لو كان ليون نفسه، و هذا محتمل جدا، ينحدر من أصل عربي بعيد جدا، فهو لن يرتاح اذا وصف بانه عربي، و شبّه بأولئك الناس، الذين كان بعضهم رجال أمن، و بعضهم قطاع طرق و الذين كان عدد كبير منهم يعيث فسادا في أرياف إفريقيا الشمالية.

و إذا كان لكتاب ليون مزايا رفيعة جدا، و يقدم توثيقا يعتبر من أثمن المصادر، فهو مع هذا يبدو حاويا على عدد ضخم من الأخطاء الناجمة عن أسباب عديدة. فقد كتب بدون شك كثيرا منه اعتمادا على الذاكرة التي كانت رائعة أكثر مما أشار إليه في مناسبات عديدة، و لكنها لم تكن أمينة كل الأمانة و لا معصومة؛ فقد ارتكب أخطاء بارزة جغرافية

____________

(*) يقصد ابن خلدون بكلمة «العرب» في جميع الفصول التي وردت فيها هذه الكلمة في «المقدمة» البدو الرحل، و خاصة المشتغلين بمهنة الرعي (انظر كتابنا «عبقريات ابن خلدون» صفحات 238- 244 و مقالنا في مجلة «الأصالة» الجزائرية عدد سبتمبر و أكتوبر 1973 بعنوان «اتهام ابن خلدون بالتحامل على العرب» و تعليقنا رقم 359 على مقدمة ابن خلدون ص 579 «الجزء الثاني» الطبعة الثانية للجنة البيان ... (المراجع)

25

و تاريخية. و اعتمد أحيانا على روايات رحالة غير صحيحة، أو مفسرة تفسيرا غير صحيح، كما أنه لم يقرأ مذكراته مرة ثانية بدقة. و هكذا تتعذر قراءة نص ليون إلا في ضوء شرح مفصل.

و قد بذلنا جهدا لجعل الترجمة حرفية قدر الإمكان، حتى لو كان ذلك على حساب اللغة الفرنسية، التي فقدت هنا فتنتها الحقيقية التي عرفتها في ترجمة تامبورال، و التي كانت متأنقة على حساب المعنى. و قد توسعنا في الشروح التاريخية لنمهد السبيل أمام القارى‏ء كي يدرك الوقائع في الصورة المتسقة مع الحقيقة التي يسمونها التاريخ، و هي لا تعدو أن تكون حقيقة نسبية غير مطلقة. و لن يفوت العلماء المختصين كشف أخطاء بارزة في هذه الشروح. و نحن نعتذر عنها مؤكدين بأنه لم تكن لدينا مطلقانيّة تقديم عمل علمي في ثوب جديد، إذ لم نتصدر لدراسة «وصف» ليون إلا بناء على ما لدينا من معرفة لا بأس بها عن بلاد إفريقيا الشمالية، و لا سيما المغرب بشكل خاص. و من المسلم به مثلا أن مسألة النقود و الأوزان و المقاييس بحاجة لمعالجة جديدة على أيدي المختصين. كما أن ليون نفسه لم يكن يرمي إلى إعطائنا أرقاما دقيقة، و قد حاولنا أن نعطي ما يكافى‏ء هذه الأرقام بصورة معقولة بالفرنسية الحديثة. و عند هذا الحد توقفت أبحاثنا التي لا تزال بدون شك في حاجة إلى كثير من التصحيح. و قد وجه المترجم السابق تامبورال في عبارة ودية نظر القارئ إلى هذه الحقيقة إذ يقول: «و هكذا سنلاحظ أن ليون، مؤلف هذا التاريخ عن افريقيا، و الذي كتب مؤلفه في روما، باللغة الإيطالية، إنما استخدم أميالا معروفة محليا، يعادل اثنان و نصف منها مرحلة فرنسية» و لكن الميل الإنجليزي، الذي يعادل 1609 أمتار هو الذي يقابل تقديرات ليون.

و قد سمحت لنا أبحاثنا الخاصة و التي أكملتها الملاحظات الثمينة التي أخذناها عن المهتمين بهذه الناحية، أقول سمحت لنا بتشخيص عدد من الأمكنة الجديدة، و لا يزال عدد منها يتطلب تحديد مكانه بشكل دقيق، إذ يكون من اللازم ضبط كتابتها بصورة صحيحة.

هذا و لم يكن باستطاعتنا إنجاز هذه المهمة الكبيرة نسبيا لولا العون الكبير الذي تلقيناه في العديد من المجالات بفضل المساعدة الفعالة و التضلع اللذين و جدناهما لدى عدد كبير من الأشخاص الذين آسف كثيرا لعدم استطاعتي سرد أسمائهم جميعا هنا.

26

و من المؤكد أنه لولا التعاون النشيط من جهة السيد تيودور مونو الاستاذ في «الموزيوم» (*) و مدير المعهد الفرنسي لإفريقيا السوداء في دكار، و الذي التحق به بعدئذ السيد ريمون موني، مساعده، و لولا هنري لوت الملحق بمتحف الإنسان في باريس و جوّاب الصحراء الكبرى المشهور، لما اقتصر الأمر على قصور مراجعنا قصورا كبيرا فيما يتعلق بالموضوعات، المعروفة لديهم، بل لما استطاع الكتاب نفسه أن يرى النور.

و ندين بالشي‏ء الكثير للسيد روبير ريكار، الأستاذ في السربون، و الذي يعتبر اتساع معرفته عن قضايا إفريقيا، في عصر ليون، فريدا جدا. كما تفضل الأستاذ جاستون فييت، مدير المتحف العربي في القاهرة- و الذي يعتبر كتابه «تاريخ مصر» حجة- بمراجعة الجزء الخاص بمصر في هذا الكتاب. و قدم لنا كل من الأستاذ بوانسو في تونس و ج. مارسيه في الجزائر معلومات ثمينة. و وضع الأساتذة: ليفي بروفنسال، الأستاذ في السربون، و السيد كولان الأستاذ في مدرسة اللغات الشرقية، و السيد مارسي، المختص المشهور بالدراسات البربرية، أقول وضع هؤلاء كفاءتهم العالية في خدمتنا. و كذلك تفضل السيد رونيه جروسيه، عضو الأكاديمية الفرنسية، بإرشادنا في بعض الأبحاث التاريخية.

و لم نعمد إلى سرد أسمائهم لإعطاء ضمانة لهذا العمل، لأن هذا سيكون نوعا من سوء الاستغلال. و لكننا سنستوحي من تواضع راموزيو في إهداء كتابه للعالم جيروم فراكاستور، و هو الإهداء الذي سنرى ترجمته بعد قليل، و سنؤكد لهم عرفاننا الصادق للفائدة التي قدموها لهذه المحاولة الرامية إلى نشر «وصف» ليون كائنة ما كانت نواقصها.

*** «الكسيس بولار»

____________

(*) يقصد به متحف التاريخ الطبيعي في باريس (المراجع)

27

لقد توقف نشر هذا المؤلف بغته، بينما كان العمل يقارب نهايته، بسبب الوفاة الفجائية للطبيب الجنرال ايبولار (1) الذي نحنيّي هنا ذكراه، في أعقاب ظروف مؤلمة. فقد ظل المخطوط مفقودا خلال بضعة أعوام رغم بحث أهم معاونيه الذين كانوا حريصين كل الحرص على نشر الكتاب الذي أتمه صديقهم العظيم.

و أخيرا و بفضل عناية السيدة إيبولار (أرملة المأسوف عليه إيبولار) تم وضع المخطوط بين يدي الأستاذ ه. تيراس مدير معهد الدراسات العليا المغربية، الذي اهتم بنشاط بنشر الكتاب، و وصل الكتاب أخيرا ليدي السيد لوت، الذي عهد إليه بشئون الطباعة بشكل خاص.

و قد أعيدت كتابة بعض التحقيقات أو أضيفت و لا سيما في الجزء المتعلق بالصحراء الكبرى و السودان، و الملاحظات التي تحمل الحروف الأولى من الأسماء هي التي تعكس بشكل خاص رأي أحد المحققين.

و نظرا لنفاذ ترجمة تامبورال لكتاب ليون، و هي الترجمة التي قام بطبعها شيفر بين عامي 1896 و 1898، و التي لم تعد في متناول الجمهور، بينما لا تزال- نظرا لنوعيتها و القدر العظيم من المعلومات التي تشتمل عليها- كتابا مفيدا لأبناء هذا العصر، لذلك نأمل أن يقدر المختصون بالدراسات الإفريقية هذه الطبعة الجديدة حق قدرها و التي أنجزت لخدمتهم. ذلك أن النهضة التي تتخذها الدراسات التاريخية عن إفريقيا جعلت من الضروري وضع هذا الكتاب تحت تصرفهم، و الذي يظل معينا قيما لدراسة ماضي هذه القارة، بعد أن كان أساس المعارف الجغرافية عن هذا الجزء من العالم خلال عدة قرون من الزمن.

ت. مونو، ه. لوت، ر. موني.

TH. MONODH. LHOTEet. RMAUNY

ملحوظة: لقد أخذت الخرائط التي حضرها ايبولار شكلها النهائي بجهود ه.

لوت، و تم رسمها في مكتب الرسم في متحف الإنسان في باريس. و نود هنا أن نشكر هذه الدائرة لتعاونها الثمين و أن نعبر عن عرفاننا للسيد الأستاذ فالوا للتسهيلات التي تكرم بها علينا لإنجاز هذا العمل.

____________

(1) توفي الطبيب الجنرال ايبولار بتاريخ 22 أيلول (سبتمبر) 1949

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

الى سعادة السيّد جيروم فراكاستور من جان باتيست راموزيو

لقد كان من عادة القدامى، و التي لا زالت معهودة حتى أيامنا، أن يعمد الذين يرغبون في نشر تصانيفهم، سواء المنثور منها أو المنظوم، إلى إهدائها لرجال قادرين على الحكم عليها، أو للأصدقاء الذين يودون قراءتها، أو للذين يضفي بريق أسمائهم على المؤلفين مزيدا من الثقة و الشهرة.

و أود أن أحافظ على هذا التقليد، و ذلك بمناسبة العمل الذي فرغت من إنجازه، و الذي يتمثل في تجميع بعض التصانيف عن شئون إفريقيا و الهند. و لم أجد أية شخصية أخرى سوى سعادتكم أستطيع أن أقدم لها عملي، فهي وحدها التي تستجيب أفضل استجابة للهدف الذي أقوم بعرضه. و في الواقع لا أتصور أبدا أن هناك احدا- بفضل ما له من مكانة- يمكن أن يكون أحسن منكم حكما على مؤلفي، أو أشد حفاوة به أو تقديرا له.

و هذا يعود أولا ان سعادتكم أرسخ من أعرفهم قدما في علم الجغرافية، و إلى أنكم ارتأيتم أنني سأجلب بعض المسرة للناس بفضل هذا المؤلف، و إلى أنكم منذ البداية شجعتموني على القيام بهذا المشروع، و لأسباب كثيرة أيضا شددتم عزيمتي في عدة مناسبات، و ذلك بفضل المحادثات الحكيمة و المناقشات الودية التي كانت لي مع السيد الكريم الكونت ريموندو ديلّاتوره، الذي سبق له أن أنصت بسرور لجنابكم و أنتم تتكلمون بعلم غزير عن كثير من الأمكنة و الكثير من المواقع.

و أخيرا رغبت في أن أترك للخلف، بعملي هذا، نوعا من شاهد على صداقتنا الطويلة الطاهرة. و لن أستطيع أن أصنع خيرا من ذلك تجاه الاحترام الذي أدين به لجنابكم، و للمودة التي تحملونها لشخصي، و إنني لعلي يقين بأن هذا المؤلف سيكون عزيزا عليكم و ستقرءونه عن طيب خاطر.

و لكنني إذا كنت أريد إتمام رغبتي في رؤية عملي هذا حيا بين الناس، فلن أستطيع‏

30

أن أعمل خيرا من أن أقدمه لاسمكم الشهير. إنني مقتنع بأنه بعد فناء الجسد ينبغي أن يظل هذا الاسم خالدا، نظرا لأن جنابكم كان الوحيد، في عصرنا، الذي عمل على إحياء طريقة القدامى الجليلة في الكتابة في مجال العلوم. فأنتم لم تقلدوا، و لم تحرفوا، و لم تنقلوا كتابا عن كتاب، كما لم تنسبوا لأنفسكم أشياء الآخرين كما فعل الكثيرون؛ بل عملتم على تمحيص الوقائع بحذق و دراية. و قدمتم للعالم عددا من الطرق الجديدة التي لم يسمع أحد كلاما عنها من قبل بل التي لم يتصورها أحد. و هذا ما حدث في علم الفلك، فقد اكتشف شخصكم الحركات السماوية مع يقين مطلق، و أوجد نظرية غاية في احكامها عن وحيدات المركز. و في الفلسفة، فقد مهدتم للطريقة السرية التي تولد فينا الذكاء و الطريقة التي كانت مجهولة للبحث عن أسباب ظاهرات غريبة، أسباب ظلّت مخفية خلال العديد من القرون، كأسباب التوافق و التنافر الطبيعية، و التي نلاحظها في ظروف كثيرة. أما في مجال الطب فقد درستم لأسباب الأمراض السارية و أفضل الطرق و أسرعها في علاجها. و إني لأترك جانبا قصيدة مرض الزهري، التي على الرغم من أنها كتبت بقلم جنابكم في سن الشباب، و التي تبدو كأنها لعبة، فهي مع ذلك مليئة بأفكار فلسفية و طبية و بديعة جدا، و موشاة بحلة قشيبة من أفكار قدسية، و مزدانة بأزهار شعرية متنوعة، حتى أن رجال عصرنا لا يعتورهم ريب في أنها تعادل القصائد القديمة، مما يضعها في عداد القصائد التي تستحق البقاء و أن تقرأ خلال قرون لا نهاية لها.

لقد اعتبرت الدول و الإمارات و الثروات و الأشياء التي من هذا القبيل و التي يمنحها الحظ، اعتبرت دائما أمورا غير مستقرة و قصيرة البقاء. و هي في الحقيقة كذلك. أما كنز العقل، و لا سيما إذا كانت قيمته من مستوى عقل جنابكم، فمن المعروف يقينا بأنه متين، يقاوم أية إهانة و يصمد لكل صرف من صروف الدهر، و يعمل جاهدا، رغم أنف الزمن، ليصبح سرمديا و خالدا. و ما أقوله هو الحقيقة. و إن من يرغب في التكلم عن حياة عدد ضخم من كبار الأمراء أو الأشراف الذين عاشوا في إيطاليا أو في أجزاء أخرى من العالم، بل من يرغب في التكلم عن المعاصرين أنفسهم، فإنه بلا شك سيجد فيما يتعلق بكثير منهم، إن لم نقل فيما يتعلق بأكبر عدد منهم، أن اللحد الذي احتوى أجسادهم قد أسدل رداء النسيان على أسمائهم، بينما نرى أن ذكرى العديد من العلماء و الكتاب الذين ماتوا منذ عدة قرون، لا تزال تعيش بين ظهرانينا، و تنعم بنضارة نامية في كل ساعة تمضي.

31

و هكذا أحسب إذن أنني قمت بأفضل اختيار، باعتبار الهدف الذي كنت أرمي إليه قبل كل شي‏ء. فقد جذبت إليه بنوع من غريزة محبة عفوية و تبجيل تجاه رجال الأدب الذين يهتمون خاصة بالعلوم الفلكية و الطبيعية.

و يتراءى لي في الواقع أن العلوم المذكورة تحوي شيئا الاهيّا نوعا ما مما يجعلها مؤهلة للتشريف و الإعجاب بين الناس. و لكن السبب الذي حدا بي لبذل الكثير من العناء، عن طيب خاطر، في هذا العمل بالذات، هو التأكد الذي حصلت عليه من دراسة و تمحيص لوحات بطليموس الجغرافية، فقد وجدت أن اللوحات التي تصف أفريقيا و الهند تشكو من نقائص كثيرة تجاه المعرفة الواسعة التي لدينا حاليا عن هذه المناطق و قد قدرت أن جمع أقاصيص كتاب عصرنا، الذين كانوا في هذين الجزأين من العالم و الذين تكلموا عنها بصورة مفصلة سيكون عملا ثمينا و جزيل الفائدة. و إذا ضممنا إليه صورة عن الخرائط البحرية البرتغالية، فسيكون صنع عدد مكافى‏ء من اللوحات عملا ذا فائدة كبيرة لأولئك الذين يهتمون بهذه المسائل، إذ سيصبحون على يقين من درجات العرض و الطول، و ذلك على الأقل بالنسبة لسواحل كل هذه الأصقاع، و من أسماء الأمكنة، و المدن و الأمراء الذين يقطنون فيها حاليا، و سيتمكنون من موازنة هذه اللوحات مع ما كتبه الأقدمون.

ترى كم كابدت روحي الكليلة و الصغيرة من عناء في هذا العمل، و لا سيما بسبب تنوع اللغات التي كتب بها هؤلاء المؤلفون، و لا أريد أن أشير إلى ذلك الآن كيلا يظهر أنني أبالغ في الكلام عن متاعبي و سهدي. و لكن آمل من قرائي الكرام أن يلاحظوا ذلك، في بعض الأمكنة، عندما يفكرون في هذا الأمر. و إذا كنا قد ارتكبنا عددا كبيرا من الأخطاء، و هذا ما أعترف به حقيقة، فهذا لم يصدر عن قلة في العناية من جهتنا، بل يعود ذلك بالأحرى إلى أن مستوى ذكائنا عجز عن مجاراة حماس إرادتنا الطيبة.

و فضلا عن ذلك فإن نسخ المؤلفات التي وصلت إلى يدي كانت مضطربة للغاية و مغلوطة، و هذا ما كان يخيف أي نفس جلودة و جريئة إذا لم تكن مدعومة بفكرة الحبور الذي يستشعره هواة المسائل الجغرافية، و لا سيما من معرفة ذلك الجزء من إفريقيا الذي كتبه جان ليون. و ليس هناك، كما نعرف، أي مؤلف آخر في عصرنا أعطى مثل ذلك القدر من المعلومات عنه، و بمثل تلك الغزارة و ذلك اليقين.

32

و لكن ماذا أقول عن المتعة التي سيحصل عليها الأدباء و الدارسون؟ و من ذا الذي يرتاب في أن العديد من الأشراف و الأمراء ستنشرح نفوسهم من هذه المطالعة؟ و من حق هؤلاء أكثر من سواهم أن يعرفوا أسرار هذا الجزء من العالم و خصائصه، و تفاصيل تلك المناطق و أقاليمها و مدنها، و العلاقات المتبادلة بين الأشراف و بين الأقوام التي تسكنها، حتى لو كانوا مطلعين، أو عرفوا بعض الحقائق من أشخاص آخرين سبق لهم أن جابوا هذه الأقطار، او قرأوا ما كتبه هؤلاء، أو استمعوا إلى ما سردوه عليهم، و كان لديهم بفضل ذلك فكرة مسبقة عن عدد هذه المواقع و اتساعها، فإني لعلي يقين أنهم عند مطالعة هذا الكتاب، و بعد الإلمام بما يحتويه، و ما هو معروض فيه، سيظهر لهم أن المعلومات التي لديهم تبدو بالمقارنة مع مكنونات هذا الكتاب، معلومات مبتسرة و ناقصة و قليلة القيمة، تلك هي الثمرة التي سيجنيها القراء من هذا الكتاب و التي ستوفر لهم كل ما يحبون.

و لقد تردد مؤلّفنا (يقصد جان ليون) كثيرا على قصور أمراء بلاد المغرب، كما اشترك معهم في عدة حملات حربية، في عصرنا، و سأروي عن حياته ما ورد عن أشخاص جديرين بالثقة من الذين عرفوه و ترددوا عليه في روما.

لقد كان مغربيا مسلما، ولد في غرناطة، و عندما استولى الملك الكاثوليكي على هذه المملكة، كان هذا في جملة الذين التجأوا إلى بلاد المغرب مع أسرته، و أتمّ تحصيله بالعربية في مدينة فاس. و قد كتب في هذه اللغة عدة مؤلفات في علم التاريخ و لكنها لم تصل إلينا حتى الآن، فضلا عن كتاب في علم النحو يقول الأستاذ يعقوب مانتينو أنه بحوزته. و لقد جاب كل أرجاء الشمال الإفريقي، و بلاد السودان، و جزيرة العرب، و بلاد الشام، مسجلا كل ما رآه و ما سمعه. و في آخر مرحلة سقط في الأسر، في جزيرة جربه، في عهد البابا ليون، بواسطة أحد مراكب القرصان. و قد اقتيد إلى روما حيث قدم هدية لقداسته. و لما رآه البابا، و أدرك أنه يهتم بقضايا الجغرافيا، و أنه سبق أن ألف كتابا يحمله معه، أكرم وفادته و أثنى عليه كثيرا و منحه مرتبات طيبة كي لا يغادر البلاد.

و بعدئذ ناشده أن يعتنق النصرانية و أوصله لذلك و منحه اسميه جان و ليون. و هكذا سكن ليون مدة طويلة في روما بعد ذلك. و تعلم فيها اللغة الإيطالية قراءة و كتابة و ترجم كتابه من العربية قدر استطاعته. و هذا الكتاب الذي كتبه بيده وصل إلينا في أعقاب أحداث عديدة سيكون ذكرها نوعا من إسهاب. أما نحن فقد بذلنا أحسن عناية بإمكاننا و قد اجتهدنا في سبيل إخراجه للنور، بكل أمانة، على الصورة التي يقرأ فيها الآن.

33

وصف افريقيا و ما فيها من أشياء جديدة بالإهتمام‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

القسم الأوّل منشأ إسم إفريقيا

تدعى أفريقيا بالعربية، إفريقية، من كلمة فرق التي تقابل معنى الكلمة اللاتينيةSepararit و هناك رأيان حول أصل هذه التسمية. فالأول يرتكز على أن هذا الجزء من العالم ينفصل عن أوربا و عن جزء من آسيا بواسطة البحر المتوسط. و يرى القول الثاني أن هذا الاسم مشتق من أفريقوس ملك بلاد العرب السعيدة، (1) على اعتبار انه أول من جاء و سكنها، فبعد أن هزم هذا الملك في معركة مع آشور و طرد من مملكته عجز عن العودة اليها، فعبر النيل على عجل متابعا طريقه نحو الغرب و لم يتوقف قبل وصوله الى ضواحي قرطاج. و لهذا فان العرب لا يقصدون بإفريقية سوى ضواحي قرطاج ذاتها، و يطلقون على مجموع افريقيا اسم المغرب. (2)

حدود إفريقيا

يعتبر النيل، و ذلك استنادا الى العلماء الأفارقة و الجغرافيين، تخما شرقيا لافريقيا، و هذا ابتداء من روافد بحيرة غاوغه جنوبا (3) و حتى مصب هذا النهر في البحر الابيض المتوسط، و تمتد غربا حتى اعمدة هرقل. و تذهب غربا من هذا المضيق حتى نون، و هي‏

____________

(1) اليمن.

(2) الواقع كان الرومان يسمون آفرAfer و جمعها أفرى‏Afri ، المواطن البوني من اهل قرطاج و ذلك عندما اجتاحوا قرطاج عام 146 ق. م، و خربوا المدينة و انشأوا مقاطعة افريقياProvinciaAfrica أو اقليم الآفر اختصارا، اما العرب فقد تحولت عندهم كلمة افريقيا الى إفريقيةIfrikiya و هو اسم كانوا يقصدون به تقريبا بلاد تونس الحالية، في حين كانت كلمة مغرب أي بلاد المغرب، تعني عندهم كل المنطقة المحصورة بين ضفة النيل اليسرى و المحيط الأطلنطي.

(3) بحيرة غير محددة الموقع تماما، لأن أعالي النيل لم تكن معروفة عند العرب في القرن السادس عشر.

36

آخر موقع من ليبيا على المحيط. (4) و تبدأ افريقيا في الجنوب من رأس نون و تمتد على طول المحيط الذي يطيف بها حتى صحراء غاوغه. (5)

أقسام إفريقيا

تنقسم افريقيا، كما يرى كتابنا الى أربعة اقسام و هي: بلاد البربر، نوميديا، ليبيا، و بلاد السودان. و تبدأ بلاد البربر في الشرق من جبل معيز، و هو آخر بروز من جبال الاطلس على مسافة ثلاثة آلاف ميل تقريبا من الاسكندرية. (6)

و يعتبر البحر المتوسط حدا شماليا لها ابتداء من جبل معيز حتى اعمدة هرقل. و في المغرب تبدأ حدودها من هذا المضيق و تحاذي ساحل المحيط حتى آخر بروز من جبال الاطلس، أي عند النهاية الغربية لهذه الجبال، على حافة المحيط، عند المكان الذي تقوم فيه مدينة ماسّه. و تنتهي بلاد البربر جنوبا قرب جبال الاطلس. أي عند سفح هذه الجبال المطل على البحر الابيض المتوسط. و هنا نجد أشرف جزء من افريقيا حيث نجد أناسا من الجنس الابيض يسيرون وفق نظم منبثقة من التفكير السليم و من القوانين الوضعية.

أما القسم الثاني فيسمية اللاتين نوميديا، و العرب يدعونه بلاد الجريد و هي البلاد التي ينمو فيها النخيل، (7) و تبدأ نوميديا شرقا من الواحات، و هي مدينة على مسافة مائة

____________

(4) يتخيل المؤلف واحة تحمل اسم نون تقع في الجنوب على الساحل في المنطقة الصحراوية، أي في أراضي موريتانيا الحالية.

و قد اطلق قدامى الملاحين الأوربيين اسم رأس نون على بروز ساحلي كانوا يحاذون الساحل حتى بلوغه كي يتجهوا بعدئذ نحو جزر الخالدات (كناري) و ظل هذا الرأس لمدة طويلة أبعد التقاط التي يترددون عليها جنوبا و غربا. و يجهل السكان المحليون اسم رأس نون الذي أطلقه البحارة الاوروبيون على هذه المنطقة، كما يعتقد انهم كانوا يصلون من هذا الموقع الى وادي نون المأهول و ذي الحركة التجارية النشيطة، و يغلب على الظن أن هذا الرأس و الوادي يقعان في جوار منطقة إيفني، قرب ضريح سيدي ورزيك.

(5) و هنا يجدر بنا ان نذكر ان الاوروبيين كانوا يعرفون حينئذ أن البرتغاليين قد داروا حول القارة الافريقية لبلوغ الهند و ذلك عام 1487 م/ 892 ه، في حين ظل الجغرافيون العرب على المفاهيم الجغرافية للقرون السابقة لهذا التاريخ «و يعود هذا لدمار أساطيلهم بفعل الحصار الذي ضربه البرتغاليون حول السواحل العربية سواء في المغرب او المحيط الهندي (المترجم).

(6) كان الجغرافيون العرب يعتبرون جبال الاطلس سلسلة متواصلة ممتدة من ساحل المحيط الاطلنطى حتى العقبة جنوبى خليج السلوم، أما جبل معيز الذي يحدده المؤلف على مسافة 5000 كم من الاسكندرية فلم يمكن التعرف عليه بشكل دقيق.

(7) اطلق اللاتين بالفعل كلمة اقليم نوميديا، على الكتلة الجبلية التي تؤلف تقريبا حوض نهر المجردة، أي السهل الواقع الى الشرق في منطقة قرطاج، فقد كان مأهولا بجماعات الآفري، و هي أقوام كانت تعيش في الغرب، منتشرة حتى ساحل المحيط و كانت مشمولة باسم مورى، في حين كان كل السكان المحليين في الهضاب العليا و ما وراءها، ابتداء من الساحل التونسي حتى الساحل الأطلنطي، كانوا معروفين تحت اسم الجتولي. أما تسمية نوميدية او النوميديين فقد كانت على الارجح اسما من‏

37

ميل من مصر. (8) و تبدأ نوميديا غربا حتى نون الواقعة على ساحل المحيط. و تمتد شمالا حتى جبال الاطلس على السفح الجنوبي. و بذلك تتاخم رمال صحاري ليبيا من الجنوب، و يطلق العرب‏ (9) نفس الاسم على كل هذه الاصقاع التي تنتج التمور لأن لها جميعا نفس الموقع.

و يدعى القسم الثالث ليبيا في اللاتينية، و لكنه لا يحمل في العربية اسما آخر سوى الصحراء أي القفار (10). و تبدأ شرقا من تخوم الواحات كي تمتد غربا حتى المحيط.

و تتاخم نوميديا من الشمال بلاد النخيل و تتاخم من الجنوب بلاد السودان، ابتداء من مملكة ولّاته شرقا، و التي تقع على المحيط. (11)

و يبدأ القسم الرابع، أي بلاد السودان، من شرقي مملكة غاوغه و يستمر غربا حتى مملكة ولّاته‏ (12) و تثاخم بلاد السودان من الشمال صحراء ليبيا. و تنتهي بلاد السودان جنوبا في أمكنة نجهلها، و لكننا نملك عنها معلومات جديدة استقيناها من تجار يأتون من هذه المناطق الى مملكة تومبوكتو. و يمر من أواسط بلاد السودان نهر النيجر، الذي يتولد في صحراء تدعى سو، و حيث يخرج من بحيرة. (13) و استنادا الى ما يؤكده جغرافيونا فان نهر النيجر هو عبارة عن فرع من النيل يغور تحت الارض، و من ثم ينبثق منها كي يشكل هذه البحيرة. و يقول البعض ان هذا النهر ينشأ في الغرب، في جبال، و ثم يجري‏

____________

أصل بربري، و لكنه التبس منذ العصور القديمة مع عبارة نوماد الإغريقية، و معناها الرعاة، او الرعاة المتنقلون، حتى لقد اشتملت هذه التسمية المحلية للقبائل الجبلية المستقرة أقواما بدوية و كان هذا الاتساع في التسمية راجعا على الاخص الى المؤلفات الأدبية: هذا و لا توجد وثائق قديمة معروفة تتكلم على الخصوص عن الواحات و تعطيها اسما اجماليا و معنى عبارة بلاد الجريد بلاد النخيل.

(8) و يقصد بالواحات هنا البلدة الرئيسية في واحة الخارجه، المرتبطة في أيامنا بنهر النيل بواسطة خط حديدي طوله 106 أميال أو 170 كم. أما في كتابه الرابع، فيضع الحسن هذه الواحات في ليبيا.

(9) أي البدو من بني هلال و سليم و سواهم.

(10) لم تكن ليبيا بالنسبة للإغريق أولا، ثم بالنسبة الى اللاتين، عبارة عن المناطق الصحراوية الحالية فحسب بل كل المنطقة المأهولة بالجنس الابيض بين نهر النيل و المحيط.

(11) الواقع ان بلاد ولّاته، التى لم تكن مملكة بحد ذاتها؛ لم تمتد مطلقا حتى ساحل المحيط الاطلنطي.

(12) ان العبارة ايثيوبيا نفس معنى السودان باللغة اليونانية، و سيستعمل المؤلف احيانا هذه التسمية كما سيقصد ايضا بكلمة اثيوبيا او بعبارة ايثيوبيا العليا الحبشة الحالية.

(13) الواقع كانت ضفاف بحيرة تشاد مأهولة سابقا بقوم من الزنوج يدعون ساءو. (انظر كتاب «حضارة التشاد» الصادر عام 1950 في باريس عن دار بايو).

38

نحو الشرق كي يتحول الى بحيرة. و هذا غير صحيح، فقد ركبنا متن هذا النهر بالفعل منطلقين من تومبوكتو شرقا و سرنا مع تيار الماء حتى مملكة جنه، و حتى مملكة مالى، و كلاهما الى الغرب من تومبوكتو (14) و أجمل بلاد السودان هي تلك التي تمتد على طول نهر النيجر.

و أوجه انتباهكم إلى انه نظرا الى ما يقوله الجغرافيون، فان قسما من بلاد السودان التي يخترقها نهر النيل في قسمها الغربي، تمتد شرقا حتى بحر الهند و يبلغ في بعض النقاط البحر الاحمر في اتجاه الشمال، في جزء من هذا البحر يقع الى ما وراء المضيق الذي يفصل هذه البلاد عن بلاد العرب السعيدة، (15) و لا يعتبر هذا الجزء من إفريقيا لأسباب عديدة وردت في مجلدات طويلة و يسمّي اللاتين هذا القسم أثيوبيا، و من هناك يأتي بعض الرهبان الذين تكون وجوههم موسومة بالنار و يمكن رؤية بعضهم في كل أوربا، و لا سيما في روما. و يحكم هذه البلاد رئيس، هو نوع من بطريق يسميه الطليان الكاهن حنا.

و القسم الاكبر من هذه المنطقة يقطنة نصارى. و هناك زعيم مسلم يملك فيها مع ذلك ولاية كبيرة.

أقسام و ممالك هذه الأجزاء الأربعة من إفريقيا

تقسم بلاد البربر الى أربع ممالك:

الأولى هي مملكة مراكش التي تقسم الى سبع مناطق هي: حاحه، السوس، مراكش، جزولة، دكالة، هكسورة، و تادلة. (16)

و الثانية هي مملكة فاس و تضم عددا مماثلا من المناطق و هي: تامسنة، إقليم فاس، أزغار، الهبط، الريف، غارت، و الحوز.

الثالثة هي مملكة تلمسان التي تشمل ثلاث مناطق هي: الجبال، تينس، و الجزائر.

الرابعة و هي مملكة تونس التي تخضع لها أربع مناطق هي: بجاية، قسنطينة،

____________

(14) تدل هذه الجملة بصورة جلية أن المؤلف لم يقم بهذه الرحلة.

(15) مضيق باب المندب و اليمن.

(16) نلاحظ هنا ان المؤلف الذي يكتب بالايطالية كان يلاحظ قاعدة اللغة العربية التي لا تضع لام التعريف امام الأسماء البربرية.

39

طرابلس و الزاب. و تنتسب الأخيرة في معظمها الى نوميديا.

أما منطقة بجاية فقد كانت دوما منطقة متنازعا عليها. فأحيانا كان يملكها ملك تونس، و تارات أخرى كانت تتبع ملك تلمسان. و قد تكونت منها في أيامنا مملكة مستقلة الى أن سقطت عاصمتها بيد الكونت بدرونا فارو باسم الملك فرديناند الاسباني. (17)

أقسام نوميديا

أي البلاد التي ينبت فيها النخيل‏

يعتبر هذا الجزء من افريقيا أقل شرفا من كل الاقسام الاخرى، (18) و لهذا لم يمنحها جغرافيونا لقب مملكة. و الأماكن المأهولة فيها متباعدة جدا بعضها عن بعض. و هكذا فان تيشيت‏ (19) و هي مدينة من نوميديا، تحوي 400 أسرة، و لكنها تقع على مسافة 300 ميل، (20) من أية بقعة مأهولة في فيافي الصحارى الليبية. و لهذا لا تستحق إذن لقب مملكة. و سأقدم لكم، مع هذا، اسم هذه الاماكن المأهولة، لأن بعض النواحي تكون مشابهة للمناطق الاخرى، مثل دولة سجلماسة، التي تنتسب الى موريتانيا، و دولة الزاب التي تقع بمواجهة مملكة بجايه و بلاد الجريد التي تمتد في اتجاه مملكة تونس. (21)

أما بالنسبة لهذه الآونة فإني أترك امر الدراسة التفصيلية للقضايا المتعلقة بهذا الجزء من افريقيا لكتاب آخر من هذا المؤلّف. و سأكتفي بسرد الاسماء التالية ابتداء من‏

____________

(17) و الواقع ان بجاية انتزعت من أيدي سلاطين تلمسان الزيانيين لحساب الحفصيين ملوك تونس في عام 1360 م و ظلت بأيديهم الى أن سقطت بيد الاسبان في 25 ايار (ماي) 1509 م/ 915 ه. و لكنها كانت في معظم الاوقات تحت حكم امراء حفصيين. و مع هذا تمتعت بنوع من استقلال انقلب أحيانا الى تمرد على سلطة تونس المركزية.

(18) يقصد الجغرافيون العرب بعبارة «منطقة شريفة» أي منطقة غنية كثيرة الخيرات (المترجم).

(19) في موريتانيا الحالية. و هكذا يذكر الحسن الوزان هذه المدينة في نوميديا، و كذلك اعتبر توات و قوراره و طوقورت و ورقلة و غدامس و فزان من مدن هذه المنطقة، و التي هي في الواقع عبارة عن مواقع او مناطق صحراوية مما يبرهن على ان الوزان لم يكن لديه اكثر من معطيات تقريبية عن المعنى الجغرافي الصحيح للاسماء في نوميديا و ليبيا و يرتكب عند كلامه عن المرابطين الذي اسسوا مدينة مراكش نفس الخطأ فيقول انهم قدموا من صحاري نوميديا. و من جهة اخرى سنرى بعد قليل عند كلامه عن البرابيش و بلدة تيشيت كيف يضعها في ليبيا. و يأتى هذا التشويش و البلبلة يقينا من ان الوزان كان يعتبر الاقوا الصحراوية نوميديين مما يؤدي لصعوبة تحديد صحيح لما كان يسميه نوميديا و ليبيا- ه. ل.H .LHOTE

(20) حوالي 480 كيلومتر.

(21) و هنا يحصر المؤلف هذه التسمية بمنطقة الجنوب التونسي الذي يدعى دوما الجريد.

40

الغرب: نيشيت، ودّان، ايفران، عكا، الدرعة، تابلباله، تودغه، سجلماسه، بني قومي، فيقيق، تسابيت، تيقورارين، (22) الزاب، طوقورت، ورقلة.

أما الزاب فهو اقليم بضم خمس مدن هي: بسكره، البرج، نفطه، تولقه، دوسن، و تحتوي بلاد الجريد الحالية على نفس العدد من المدن هي: توزر، قفصه، نفزاوه، الحامّة، قابس. و تأتي بعد هذا الاقليم شرقا جزيرة جربه، غريان، مسلاته، مصراته، تاورغه، غدامس، فزّان، أوجله، بردوة (23) و الواحات‏ (24)

تقسيم الصّحارى الواقعة بين نوميديا و بلاد السودان‏

لا تحمل هذه الصحارى أي اسم دارج بيننا. بيد أنها تقسم الى خمسة اقسام اطلق على كل منها اسم القوم الذين يسكنون فيه، و يجدون فيه وسائل معاشهم .. أولئك هم النوميديون الذين ينقسمون الى خمس مجموعات هي:

الزناقة، (25) الونزيقة، الطارقة، اللمتة و البرداوه. (26) و توجد في هذه المناطق بعض البقاع التي تتخذ اسماء فريدة بسبب نوعية البلاد من جودة أو رداءة، مثل الأزواد، التي عرفت بهذا الاسم بسبب عقمها و جفافها، و آيير الذي هو عبارة عن صحراء بدوره، و الذي نال هذا الاسم بسبب عذوبة هوائه المعتدل. (27)

تقسيم بلاد السودان إلى ممالك‏

هذا و تقسم بلاد السودان كذلك الى ممالك يكون بعضها مجهولا مع ذلك بالنسبة لنا

____________

(22) اسم بربري حل محله اليوم اسم عربي مكافى‏ء هو قوراره.

(23) واحات الكفرة التي يقطنها التدأ أو التبو، و تذكرنا قرية برداي، في تيبستي، بهذا الاسم.

(24) و هو اسم لا زال مستعملا في الواحة المصرية المسماة الخارجة، و يضع المؤلف في الكتاب السادس، هذه الواحة في ليبيا، أي في الصحراء الكبرى، و كذلك واحة الكفرة، و واحة سيرت على ساحل البحر الابيض المتوسط.

(25) لا تزال فئة من الزناقة تتكلم البربرية في شمالي مصب نهر السنعال في جمهورية موريتانيا الاسلامية.

(26) هذا التقسيم مأخوذ جزئيا عن ابن خلدون الذي نقله بالتأكيد عن مؤلفين سابقين. اضف الى ذلك ان الحسن لا يعرف ان البرداوة لم يكونوا من البربر، بل قوم متميزون من السود، أما التدا فيسمون عادة التبو.

(27) يبدو ان المؤلف ربط التسمية البربرية ازواد بالاصل العربي زود أو زاد أي مؤونة و الذي يوحي بفكرة ضرورة تأمين زاد الرحلة، أي ان هذه البلاد محرومة من الموارد، كما خلط التسمية البربرية آيير مع الكلمة العربية هير أو خير و هو ريح الشمال.

41

و تكون بعيدة عن مدى تجارتنا. و هكذا لن أتكلم إلا عن تلك التي قصدتها و التي ترددت عليها لمدة طويلة، و عن الممالك الأخرى التي كان ينطلق منها تجار لبيع سلعهم في البلاد التي كنت فيها و الذين اعطوني عنها اخبارا و فيرة. و لا أريد أن أغفل اني ذهبت الى خمس عشرة مملكة في بلاد السودان، و مكثت فيها مدة تبلغ ثلاثة أضعاف المدة التي قضيتها على الطريق، و كل هذه الممالك كانت معروفة جدا و مجاورة لتلك التي أقمت فيها. (28) و سأذكر أسماء هذه الممالك بدءا من الغرب سائرا في اتجاه الشرق و هي: ولّاته، جنه، مالى، تومبوكتو، غاءو، (29) غوبر (30) آغادس، كانو، كاتسنه، زقزق، و انغاره، و انفاره، بورنو، غاوغه، (31) و النوبة، و هذه الممالك الخمس عشرة و التي يقع أغلبها على نهر النيجر (32)، يمر منها الطريق الذي يسلكه الذين يذهبون من ولّاته قاصدين القاهرة. (33) و هذه الطريق طويلة و لكنها مأمونة جدا. و هذه الممالك متباعدة بعضها عن بعض. و تنفصل عشر منها بعضها عن بعض بصحارى رملية أو بواسطة نهر النيجر.

و علينا أن نعلم أن كل مملكة كانت في الماضي تحت حكم عاهل متميز. و لكن خضعت في عصرنا لهيمنة ثلاثة ملوك، و هم ملك تومبوكتو (34) الذي يملك القسم الأعظم من المماليك المذكورة، و ملك بورنو الذي يملك أصغر قسم، و ملك غاوغه الذي يستحوذ على الباقي تحت سلطته. و لكن من الصحيح ايضا القول بأن ملك دوكالا (35) يملك هو ايضا دولة صغيرة. و هناك عدة ممالك اخرى تتاخم من الجنوب الممالك المذكورة آنفا، مثل‏

____________

(28) يمكن الوثوق بصدق المؤلف في أنه قام فعلا برحلتين الى تومبوكتو. و من المحتمل انه قام بالأولى في عام 1504 و سنة ستة عشر عاما، و الثانة كما يظن سنة 1512 م و لكن لا نعرف على الضبط البلاد التي زارها فيما وراء المدينة المذكورة.

(29) غاءو باللغة البربرية غاوغه و حرفت بالعربية تارة على شكل كاوكاو، و تارة اخرى على شكل كاغو، او غاغو يمثل النطق المغربي لهذا الاسم.

(30) و تلفظGober

(31) و تكتب غاوغه و غاو غاو، و تعني بلادا فسيحة واقعة بين كانم، على ضفة التشاد، و بين النيل.

(32) و الذي يتصور المؤلف انه ينبع من بحيرة تشاد.

(33) هذا الطريق بين ولّاته و مصر عن طريق السافانه في جنوب الصحراء الكبرى و الذي يتصل بدرب الاربعين (يوما) بين دارفور و اسيوط هو طريق غير مطروق كثيرا، و لا يبدو انه صار كذلك الا ابتداء من نهاية القرن الخامس عشر، بعد سقوط مملكة النوبة النصرانية. و كانت كل الطرق المنطلقة من السودان الغربي الى مصر تجتاز الصحراء الكبرى بشكل مائل لتتّحد في فزان. و لكن يجب على كل حال ان نذكر ان المعلومات التي وصلتنا عن طريق القوافل في الصحراء الكبرى و في افريقيا السوداء انما جاءتنا من الرحالة العرب الذين كانوا يرحلون من افريقيا الشمالية الى السودان عن طريق الدروب التي تقطع الصحراء الكبرى و لهذا السبب تظهر معلوماتنا ضئيلة عن الاتجاه الغربي الشرقي عبر السافانه‏R .MAUNY ,H .LHOTE

(34) و هو آسكيا حاكم غاءو.

(35) سبق قلم، و الصحيح دنقله من بلاد النوبة

42

مملكة بوريه‏ (36) و تميام‏ (37) و داومه‏ (38) و مدره‏ (39) و قروان‏ (40) و ملوك هذه الممالك و سكانها اغنياء و تجار نشيطون و ينشرون العدالة و لهم حكومة جيدة. أما سكان الممالك الاخرى فيعيشون في اوضاع اكثر رداءة من البهائم. (41)

إعمار افريقيا، مدلوك كلمة البربر

يقول الجغرافيون و المؤرخون ان إفريقيا كانت خالية تماما في الأزمنة الغابرة باستثناء بلاد السودان. (42) و يعتقد هؤلاء بأنه من الثابت ان بلاد البربر و نوميديا كانت خالية من السكان خلال العديد من القرون. أما الذين استوطنوها، و أقصد بذلك الجنس الابيض فقد سموا البربر، و هو اسم مشتق، حسبما يقول البعض، من فعل باللغة العربية و هو بربر و معناه تمتم. و ذلك ان اللسان الافريقي يظهر في سمع العرب كأصوات الحيوانات المبهمة الشبيهة بالصراخ و المجردة من المقاطع. و يرى آخرون ان كلمة بربر هي كلمة مزدوجة لأن البر في اللغة العربية يعني الصحراء. و يقال إنه في العصر الذي انكسر فيه الملك إفريقو على يد الاشوريين او ربما امام الاثيوبيين هرب باتجاه مصر. و لما كان مطاردا من قبل العدو و نظرا لأنه لا يعرف كيف يدافع عن نفسه فقد طلب الى جماعته أن يفتوه في أمره و يبيّنوا الطريق التي ينبغي سلوكها حفظا على سلامتهم. فلم يكن جوابهم سوى أن صرخوا «البر، البر» أي إلى الصحراء الإفريقية. و ينطبق هذا التفسير لاسم البربر مع رأي اولئك الذين يؤكدون أن الأفارقة يعودون اصلا لبلاد العرب السعيدة. (43)

____________

(36) و هي منطقة مشهورة بمعدن الذهب في اعالي نهر النيجر في اتجاه سيغيري.

(37) اسم غير محدود مكانيا و يقصد به بلاد تميم التي يذكرها المقريزي حوالي العام 1430 م.

(38) بلاد غير معروفة. و ربما يقصد بها بلاد دامونوا التي يذكرها المقريزي، عام 1430 م، و هل هي الداهومي او بينين الحالية؟ ربما كان ذلك، و لكن لا يمكن توكيده، بالرغم من ان علماء الخرائط في القرن السادس عشر وضعوا مملكة داومة التي يذكرها الحسن مكان بينين، كما في خارطة تيفيه‏Thevet سنة 1575 م.

(39) اسم غير محدد المكان.

(40) قروان أو القوارن و هم قوم يسكنون شمال شرق التشاد.

(41) كان الحسن يجهل انه كانت في عصره مملكة مزدهرة و ذات مدنية عالية بجوار خليج بنين (ايفه‏life ).

(42) لقد أظهر علم ما قبل التاريخ ان معطيات الحسن غير صحيحة إطلاقا، لأن افريقيا برمتها كانت مأهولة خلال الدور الرابع (و هي المرحلة الجيولوجية التي نجتازها الآن).

(43) أما بالنسبة لقدامى الإغريق فان كلمة بار باروس تعني الاجنبي الذي يتكلم لغة غير مفهومة و صعبة، و كانت كلمة باربروس عند اللاتين تعطي نفس المعنى، و لم تحمل هذه الكلمة مدلول التحقير للمسمى الا في زمن متأخر جدا. و ثم‏

43

أصل الأفارقة

لا يختلف مؤرخونا كثيرا فيما بينهم حول اصل الأفارقة. فذهب بعضهم إلى أن هؤلاء ينحدرون من الفلسطينيين، لأن الفلسطينيين طردوا من بلادهم على يد الآشوريين فلجأوا الى إفريقيا و لما و جدوا هذا القطر طيبا و خصبا توقفوا فيه.

و يقدم الآخرون رأيا آخر يرى أن اصلهم يعود للسبأيين، (44) و هم قوم كانوا يعيشون في بلاد العرب السعيدة (اليمن) كما أشرنا الى ذلك فيما سبق، و ذلك قبل أن يطردهم الآشوريون او الاثيوبيون. و يرى آخرون أن الأفارقة كانوا من سكان بعض مناطق آسيا، و أن أقواما آخرين شنت عليهم الحرب، فانهزموا باتجاه بلاد اليونان، التي كانت خاوية حينذاك. و لكن العدو تعقبهم فاضطروا لعبور بحر الموره. و لدى وصولهم الى إفريقيا استقروا فيها بينما استوطن أعداؤهم بلاد اليونان. (45) و لا ينطبق هذا إلا على الأفارقة البيض، أي أولئك الذين يسكنون بلاد البربر و نوميديا. أما أفارقة بلاد السودان، فيعودن جميعا من حيث الاصل إلى كوش بن حام بن نوح. (46) و مهما يكن الاختلاف بين الأفارقة البيض و الأفارقة السود فانهم جميعا تقريبا ينحدرون من نفس الأرومة، فاذا كان الافارقة البيض قد قدموا من فلسطين، فإن الفلسطينيين هم من نسل مسرائيم بن كوش، (47) أما إذا كانوا ينحدرون من السبأيين، فإن سبأ من جهته، كان ابن‏

____________

شواهد كثيرة تحمل على الظن بأن العرب عند فتحهم هذه البلاد و جدوا هذا الاسم مستعملا، و يقصد به السكان الوطنيون الذين لم يتأثروا كثيرا بالمدينة الرومانية. أما الذي تفاعلوا مع المدنية الرومانية من السكان الوطنيين فقد سموا انفسهم بالافريقيين، و منها جاءت تسميتهم العربية الأفارقة و مفردها افريقي. أما المحتلون الرومان، او روم بالعربية، فقد اطلق عليهم العرب تسمية اليونان و الرومان في آن واحد، و الواحد منهم، رومي.

(44) أي للحميريين.

(45) و يلخص المؤلف هنا مسألة اهتم بها القدامى منذ ايام هيرودوت، و قد شغف بها الكتاب العرب، و التي لا زالت تثير فكر بعض الباحثين المعاصرين، من الذين يفاجأون برؤية العديد من أجناس بشرية مختلفة الأنواع، أو متباينة، لا يعرف مبدأ وحدتها السياسية، تشكل «شعبا» حقيقيا، له نفس اللسان، يعود تاريخه لعدة آلاف من السنين، و محافظا على قوميته رغم التنوع الكبير في لهجاته «شعب» يتصف بخصائص فريدة بكل معنى الكلمة و ظل محافظا على شخصيته منذ العصور القديمة. و يهتم العلم الحديث بالهجرات الاكيدة من أقوام شمالية أقامت بين ظهراني البربر، غير ان المؤرخين القدامى لم يتكلموا مطلقا إلا عن هجرات من الشرق، مما أدى لتصنيف الشعب البربري و لغته في زمرة «الحاميين» و من العجيب ان المؤلف يتكلم قبل بضعة قرون من اكتشاف الوثائق المصرية عن «اجتياح شعوب البحر».

(46) أي النبي نوح (عليه السلام).

(47) يذهب سفر التكوين (الفقرة السادسة من الاصحاح العاشر) ان مسرائيم أخ لكوش.

44

غاما و غاما هذا كان ابن كوش‏ (48). و هناك بضع نظريات اخرى لا استطيع أن احتفظ منها بذكرى صحيحة اذ مضى على عشرة اعوام، لم أر خلالها و لم ألمس اي كتاب في التاريخ المقدس. (49)

تقسيم الأفارقة البيض إلى عدّة أقوام‏

ينقسم الأفارقة البيض الى خمسة أقوام هي: صنهاجة، مصمودة، زناته، هوارة، و غماره، و يسكن المصامدة القسم الغربي من جبال الاطلس ابتداء من حاحه حتى نهر العبيد (50). كما يسكنون ايضا السفح الجنوبي لجبل الاطلس و كل السهول المجاورة.

و هكذا يشغلون اربعة اقاليم هي: حاحه، السوس، جزوله و منطقة مراكش و تسكن غماره في جبال موريتانيا، أي تحاذي البحر الابيض المتوسط. و يستوطنون الساحل الذي يحمل اسم بلاد الريف و الذي يبدأ من أعمدة هرقل‏ (51) كي يبلغ شرقا تخوم مملكة تلمسان، تلك المنطقة المسماة قيصرية عند اللاتين‏ (52). و تعيش هاتان القبيلتان (المصامدة و غماره) منعزلتين عن الآخرين، الذين يكونون على العموم مختلطين و مبعثرين في كل إفريقيا، و لكنهم يتعارفون بعضهم على بعض بنفس الطريقة التي يميز بها المواطن عن الاجنبي. و الاحتراب دائم فيما بينهم و يشتبكون في نزاعات دائبة لا تهدأ. تلك هي خاصة حالة سكان نوميديا. و يقول عدة من المؤلفين ان هذه القبائل الخمس تعتبر في عداد الذين يتخذون الخيام بيوتا لهم في الأرياف‏ (53). و يؤكد المؤرخون انه حدثت بينهم حروب طويلة في الأزمنة الغابرة. و بعد ان اصبح المغلوبون أتباعا للظافرين، اجبروا على سكني المدن، في حين اصبح المنتصرون سادة الأرياف حيث‏

____________

(48) لقد وقع المؤلفون العرب في التباس، فحسب الاساطير القديمة، لا يعتبر السبيئون أحفاد السبأ المذكور في سفر التكوين (الفقرة السابعة من الاصحاح العاشر) بل هم رعايا بلقيس ملكة سبأ الشهيرة، التي قدمت الى سليمان، و كانت عاصمتها سبأ التي عثر عليها في مأرب باليمن و يطلق على هؤلاء السبيئين اسم الحميريين أي الحمر، و هم الذين أعطوا اسمهم للبحر الاحمر.

(49) أي التاريخ الاسلامي طبعا (و يدل هذا على ان سقوطه بالاسر كان عام 1515 م. المترجم).

(50) حاحة هي المنطقة الساحلية الواقعة جنوب مصب نهر التانسفت، اما نهر العبيد فهو رافد نهر ام الربيع. (المترجم).

(51) أي جانبي مضيق جبل طارق و على وجه الدقة منطقة سبته و طنجة. (المترجم)

(52) أي موريتانيا القيصرية عند اللاتين، و عاصمتها شرشال، و كانت تنطبق تقريبا على مملكة تلمسان.

(53) أو البوادي حسب تعبير اهل المغرب (المترجم).

45

أقاموا مساكنهم و يبدو هذا الزعم مؤيدا تقريبا لواقع و هو ان الناس الذين يقطنون الأرياف يستخدمون نفس لهجات سكان المدن، فمثلا نجد ان زنانة الارياف يتكلمون كزنانة المدن، و كذلك الحال بالنسبة للآخرين‏ (54).

و نلاحظ ان في أرياف تامسنه قد تعايش ثلاث من هذه القبائل و هي زناتة و هواره و صنهاجه. فتارة يعيشون في سلام و تارة اخرى يحتربون بشراسة، مدفوعين على ما أظن، بخصومة قديمة.

و كان بعض هذه القبائل يهيمن على كل افريقيا. تلك هي حالة الزناتة، الذين قاموا بطرد أسرة ادريس‏ (55) ملك مدينة فاس الشرعي و مؤسسها (56). و يدعى هذا الفرع من زناتة مكناسه. و جاء من بعدهم فرع آخر من زناتة نوميديا يدعى مغراوه، و هو الذي أجلا مكناسه من المملكة، و طرد منها الملوك الادارسة (57). و بعد قليل من ذلك تعرض هؤلاء الزناتة كذلك للطرد على يد أناس قدموا من صحراء نوميديا. و كان هؤلاء ينتسبون لفرع من صنهاجه يدعى لمتونه. فحربوا كل منطقة تامسنة و أبادوا كل السكان الذين كانوا فيها، باستثناء من كانوا من جنسهم، فقد نقلوهم الى دكالة. و تلك الاسرة هي التي بنت مدينة مراكش‏ (58) (و اشتهرت دولتهم باسم دولة «المرابطين»).

و قد حدث بعد ذلك ان جاء رجل على قدر كبير من الاهمية في العلوم الدينية، دعي‏

____________

(54) يريد المؤلف أن بربر الأرياف لا يختلفون عن بربر المدن الا بوضعهم الاجتماعي، و يعتبر كل الكتاب العرب- و هذا هو السائد كذلك عند البدو من البربر أنفسهم- ان الحياة الطليقة تحت الخيام تعتبر رمزا للحرية و الشرف، بينما تعتبر حياة المدن رمزا للعبودية

«اذا كان ذلك صحيحا جزئيا بالنسبة لبعض العصور التاريخية، فهو لا يصح مطلقا في القرن العشرين». (المترجم).

(55) و ذلك تدريجيا حتى عام 926 م.

(56) هو إدريس بن عبد الله الذي يعتبر من سلالة الامام علي، و الذي قدم من المشرق، و قد نودي به ملكا في 6 شباط (فراير) 789 م و ربما أسس فاس في نفس السنة.

(57) في أواخر القرن العاشر الميلادي.

(58) في حوالي العام 1054 م بدأ التوسع المرابطي الذي قامت به قبائل صنهاجة، التي لم تأت من الواحات، بل من الصحراء الكبرى الغربية، و الفرع الرئيسي منها كان لمتونه. و كانت اسرة بني وطاس التي انتهى اليها الملك في هذه المرحلة كانت تدّعى، رغم انها من زناته، انها تنحدر بالولاء أو بالتحالف من أمير المرابطين يوسف بن تاشفين. و قد أسس هذا مدينة مراكش سنة 1062 م. و قد اعتقد الحسن (محمد بن الحسن الوزان الزياتي مؤلف الكتاب) بأن يوسف بن تاشفين هو الذي اباد المنشقين عن الاسلام في تامسنه، و لم يستثن منهم سوى اخوانه في الدم الصناهجة. و الواقع ان زناته و صنهاجة ليستا اكثر من اسمين عربيين لمسمى بربري واحد لهذه القبيلة و هو كلمة إيزناغن. هذا و لا زالت هناك قبيلة موريتانية في دائرة كايهيدي، على نهر السنغال، تدعى لمتونة.

46

بالمهدي (ابن تومرت)، فثار على دولة المرابطين، و عقد حلفا مع قبيلة الهرقة، و هي فرع من مصموده. و طرد الاسرة الحاكمة من لمتونة و نادى بنفسه ملكا (59). و بعد وفاته تم انتخاب احد تلاميذه عبد المؤمن، من قبيلة بني و رياغل، من أحفاد صنهاجه، و ظلت السلطة بأيدي أسرة عبد المؤمن خلال فترة امتدت زهاء مائة و عشرين سنة و حكمت كل افريقيا تقريبا (و اشتهرت دولتهم باسم دولة «الموحدين»). و قد خلعت هذه الاسرة على أيدي بني مرين الذين يعودون اصلا لقبيلة زناته. و دام حكم هؤلاء مائة و سبعين عاما. (60)

و قد استولى بنو وطّاس على السلطة، و هم فرع من لمتونة (61) أما بنو مرين فقد كانوا دوما في حالة حرب مع بني زيان، ملوك تلمسان، الذين ينتسبون لصنهاجه من حيث الاصل‏ (62) و من فرع مغراوه‏ (63). و قاموا بحملات ايضا ضد الحفصيين، ملوك تونس، و الذين يعودون من حيث الاصل لقبيلة هنتا، و هى فرع من مصموده. (64)

و هكذا نرى كفاح كل من هذه القبائل الخمس و ما نجم عن كفاحها من آثار في هذه المناطق.

____________

(59) كان ذلك يوم الجمعة 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 1121 م، و هذا المصلح الديني محمد بن عبد الله بن تومرت قد التجأ الى المصامدة في جبال الاطلس و قدمت له قبيلة هرقة الدعم، و نودي به امام الموحدين مع لقب المهدي ثم أخذ يحارب المرابطين.

(60) كان اول امير من بني مرين ينادى به ملكا و هو ابو يوسف يعقوب بن عبد الحق الذي نودي به في 27 رجب 656 ه المقابل 30 تموز (يوليو) 1258 م، أي عام سقوط قرطبة، و آخر أحفاده الذي كان على رأس الحكم هو عبد الحق بن علي الذي اغتيل بتاريخ 27 رمضان 869 ه أو 23 أيار (مايو) 1465 م و هكذا دام حكم اسرة المرينيين 213 سنة هجرية.

(61) تم اغتيال عبد الحق بتحريض شريف ادريس من فاس، و هو أبو عبد الله محمد بن علي الجوتي، الذي استلم السلطة و احتفظ بها خلال عامين. و لكن هذه المحاولة لا عادة حكم الأدارسة اصطدمت بمقاومة بني وطاس الأقوياء، و الذين أثاروا اضطرابات متلاحقة فاضطر الشريف محمد للهرب الى تونس في شهر آب (اغسطس) 1467 م، و استمر النزاع بين الوطاسيين انفسهم، و نجهل حاليا التاريخ الذي بويع فيه واحد من اكثرهم نفوذا (و هو ابو زكريا محمد بن يحي الملقب بالشيخ) ملكا بصورة نهائية.

(62) سبق قلم، و هو يقصد زناته.

(63) كان يغمر اسن بن زيان، مؤسس اسرة الزيانيين او بني عبد الواد، في تلمسان في سنة 1236 م أميرا على بني عبد الواد و هي قبيلة تنسب الى زغراوة.

(64) كان لدى المهدي بن تومرت و خلفه عبد المؤمن معاون اسمه ابو حفص عمر الهنتاتي، أو اينتي، و هو رجل ذو قيمة فريدة، و كان حفيده ابو زكريا يحي بن عبد الواحد بن عمر، حاكم تونس منذ عام 1228 م، و الذي نادى بنفسه ملكا عام 1236 م، و بذلك أسس اسرة الموحدين في تونس، و التي استمرت حتى 13 ايلول (سبتمبر) 1574 م، في أعقاب احتلال العثمانيين البلاد التونسية.

47

و الحقيقة أنه لم يحمل أحد من قبيلتي غماره و هو راه لقب ملك، و لكن كان منهما أمراء في بعض المناطق، كما نقرأ ذلك في تاريخ الأفارقة. و يقع العصر الذي مارستا فيه هذه السلطة بعد دخول الدين الأسلامي إلى إفريقيا. فقد كان لكل قبيلة منهما حينئذ موطنها المحدد في البوادي محميه برجال عصبتها. ثم تقاسمت فيما بينها الأعمال الضرورية للحياة، فانصرف سادة البوادي لتربية الماشية في حين عكف سكان المدن على المهن اليدوية و زراعة الأراضي‏ (65).

و انشعبت هذه القبائل الخمس الى عدد كبير جدا من الفروع في مجملها، كما عرض ذلك أحد كتابهم. و هو ابن رقيق‏ (66) الذي قرأت كتابه عدة مرات، غير أن كثيرا من المؤرخين يذهبون الى أن ملك تومبوكتو الحالي، و ملك مالى و ملك آغادس ترجع أصولهم الى قبيلة زناتة، إي من أولئك الذين يسكنون الصحراء (67).

الاختلافات و المطابقات في اللغة الأفريقية

تستعمل هذه القبائل الخمس- التي تبدو منقسمة الى مئات الانساب و الى آلاف المساكن- لغة واحدة يسمونها عادة آوال آمازيغ، اى اللغة النبيلة. و يطلق عليها العرب اللغة البربرية. تلك هي اللغة الافريقية الوطنية: و هي لغة فريدة تختلف عن اللغات الاخرى. الا اننا نجد فيها بعض كلمات من اللغة العربية. و هذا هو الدليل الذي يعتمد عليه من يذهبون الى ان الافارقة ترجع أصولهم الى السبئيين، و هم قوم من سكان بلاد العرب السعيدة، اى اليمن، كما ذكرنا ذلك فيما سبق. و لكن أنصار الرأي المقابل يؤكدون ان الكلمات العربية التي نعثر عليها في هذه اللغة انما تسربت اليها بعد ان دخل‏

____________

(65) هذا المفهوم الاجتماعي، المستغرب جدا بالنسبة لنا نحن الأوروبيين، هو مفهوم الباحثين العرب. و قد عرضه ابن خلدون بإسهاب و قوة. فالرعاة يهتمون بقطعانهم فحسب. و لهم تفوق اجتماعي بارز جدا، بينما كان سكان المدن و كذلك القرى، و إجمالا الحضر، من حرفيين و فلاحين، خاضعين عمليا للضرائب و للسخرة، مثلما كانوا في وضع اجتماعي أدنى بشكل واضح.

(66) و هو ابو اسحاق ابراهيم بن قاسم، او القاتل الرقيق القيرواني و الذي الف كتابا لا يزال مفقودا. و هذا هو ما يظهر مما كتبه ابن رشيق‏Rahick .

(67) لقد كان ملك تومبوكتو، أو ملك غاءو بشكل أدق، في ذلك الوقت زنجيا من قبيلة سونينكه و لا يمت بأى نسب الى البربر. و كذلك كان حينئذ ملك مالى، فقد كان هو الآخر زنجيا، و لكن تذكر الروايات أن أبا بكر بن عمر الذي فتح السودان، و هو بربري، قد زوج إحدى بناته من ملك هذه الأسرة القديمة، و ذلك من خلال حملته في تلك البلاذ بين عام 1063 و 1087 م، و كان الشرف و النبل عند قبائل الصحراء الملثمين ينتقل الى الفروع عن طريق الأم.

48

العرب أفريقيا و أصبحوا سادة البلاد. و قد كانت هذه القبائل ساذجة جاهلة؛ حتى انهم لم يخلفوا اي اثر كتابي يستدل به على صحة احد من هذين الرأيين‏ (68). و لا تختلف اللهجات البربرية بعضها عن بعض في اصوات المفردات و حروفها فحسب بل في مدلولاتها كذلك. و أكثر الأفارقة قربا من العرب، و الذين لهم علاقات معهم اكثر من سواهم، هم الذين يستعملون أكبر نسبة من الكلمات العربية في لهجتهم. و يتكلم بالعربية كل افراد قبيلة غمارة تقريبا، و لكن عربيتهم عربية محرفة غير سليمة. كما ان كثيرا من عشائر الهوارة يتكلمون ايضا عربية من هذا القبيل، و يرجع السبب في ذلك إلى ان هذه العشائر كانت منذ حقب طويلة على علاقة لغوية بالعشائر العربية. و يتكلم الناس في السودان لغات متنوعة. و يسمى السود احدى هذه اللغات سونغى‏ (69)، و هي اللغة الدارجة في عدة مناطق مثل: ولّاته و تومبوكتو و جنة و مالى و غاغو. و هناك لغة اخرى تدعى غوبر، و تستعمل في بلاد غوبر، و كانو، و كاسينا و زقرق و غوانغارا (70) و توجد لغة اخرى دارجة في بورنو (71) تشبه اللغة الشائعة في غاءو (72). و ثم كذلك لغة اخرى لا تزال مستعلمة في مملكة النوبة و نجد فيها مفردات من العربية و الكلدانية (73) و اللغة المصرية (74) و يتكلم اهل مدن إفريقيا الواقعة على ساحل البحر الابيض المتوسط، و حتى جبال الأطلس، لهجات عربية محرفة من أصولها، باستثناء منطقة مراكش، و مدينة مراكش ذاتها حيث تسود اللغة البربرية. و تستعمل هذه اللغة أيضا في كل أراضي نوميديا، و على الأقل لدى النوميديين الذين يجاورون قيصرية و موريتانيا، لان كل الذين يجاورون مملكة تونس يستعملون لهجات عربية محرفة عن أصولها.

____________

(68) تختلف كمية المفردات العربية التي انتقلت الى اللهجات البربرية بإختلاف هذه اللهجات. و قد انتقل اليها بعض مفردات لا تينية. و انتقل اليها كذلك بعض مفردات من لغات سامية غير العربية و خاصة اللغة الفينيقية الآسيوية و الفينيقية الإفريقية (البونية) و اللغة العبرية. و هذا هو ما جعل بعض مؤرخى العرب يذهبون إلى أن البربر يرجعون إلى أصول حميرية.

(69) و تكتب حاليا سونغى، أو سونغاى، اوسونغائي.

(70) هذه هي لغة «الهوسا» و هنا نجد المؤلف يطلق اسم «بيرز قرق» على «زيزق» و يظهر أنه قد نقل ذلك من مذكرة عربية قد كتبت هذا الاسم: «برز قرق» أى منطقة زقزق (بر منطقة).

(71) لغة الكانورى.

(72) لغة الكانمبو، و ذلك لأن هذه الأقوام ترتبط بعضها مع بعض بالنسب.

(73) السريانية.

(74) القبطية.

49

العرب الذين يسكنون مدن إفريقيا

لقد جلب الجيش الذي بعثه الخليفة الثالث عثمان، في عام 24 للهجرة، الى افريقيا جالية كبيرة من العرب يبلغ عددها حوالي ثمانين ألفا من العشائر العريقة و من غيرها (75).

و عند ما أتموا فتح بضع مناطق عادت كل الشخصيات الكبرى و النبلاء الى جزيرة العرب. و لم يبق محليا مع الآخرين سوى القائد العام للجيش، الذي يدعى عقبة بن نافع. و قد سبق لهذا ان اختط مدينة القيروان و أقام فيها تحصيناته. و قد ظل بالفعل متوجسا من أن يخونه سكان الساحل و أن يتلقوا بعض الدعم من جزيرة صقلية و تصل اليهم نجدات قد تشن عليه الحرب. و هكذا انسحب باتجاه الصحراء، في داخل الأراضي، مع كل الغنائم التي غنمها و أسس مدينة القيروان على مسافة 120 ميلا تقريبا (76) من قرطاج. و أعطى الأمر لزعماء الجيش و المدنيين الذين ظلوا معه بأن يقيموا في أكثر المناطق مناعة و أكثرها مواءمة للدفاع و أن يشيدوا فيها قلاعا و حصونا لم يكن لها نظائر من قبل، و قد تم تشييد كثير من هذه القلاع و الحصون‏ (77).

____________

(75) لا تزال نفتقر لمعلومات دقيقة عن الفتح الاسلامي لإفريقيا. و مع هذا يبدو من المسلم به أن الجيش الذي أرسله الخليفة عثمان الى أفريقيا عام 24 ه 648 م، لم يكن يضم سوى ...، 20 رجلا. و قد سبق أن قام القائد العربي عمرو بن العاص في عام 21 ه مطلع عام 642 م في أعقاب فتح مصر، بغارة ناجحة على برقة، و بعدئذ، بعد عام واحد او عامين، أغار على منطقة طرابلس البيزنطية، و لكن الخليفة عمر بن الخطاب لم يوافقه على التوغل إلى أبعد من ذلك، لأن المحاولة كانت خطيرة للغاية. و في عام 646 م، و على أثر اضطربات سياسية انتابت الحكومة الامبراطورية في القسطنطينية، أعلن حاكم أفريقيا البيزنطي، و هو جريجوار، استقلاله و اتخذ لقب باسيلوس، و حكم المنطقة الممتدة من طرابلس الى طنجة متخذا مدينة سبيطلة التونسية عاصمة له. و قد أرسل الخليفة عثمان حملة عسكرية ضد هذا الحاكم، و نشبت معركة في صيف 648 م انتهت بهزيمة الجيش البيزنطي و مقتل جريجوار، و هي معركة كان لها صدى بعيد في عالم النصرانية. و ظلت الجيوش الاسلامية مدة خمسة عشر شهر في هذه البلاد ثم عادت الى المشرق حاملة معها غنائم ضخمة. و يبدو أن المسلمين لم يتركوا محليا سوى مندوب دبلوماسي. و استرد البيزنطيون حكم أفريقيا. و لم يستأنف الخليفة معاوية اهتمامه بأفريقيا الا في عام 665 م و أرسل جيشا قوامه 10000 رجل بقيادة معاوية بن حديج. و قد ظل هذا مدة خمس سنوات عند سفوح المنطقة الجبلية في افريقيا دون ان يقوم، كما يبدو، بأكثر من غزوات قاذت لانتصارات محدودة محلية. و أخيرا في عام 50 ه 67 م جل محل هذا القائد قائد جديد هو عقبة بن نافع، الوجه اللامع في حروب افريقيا، مع دعم عسكري قوامه 10000 جندي.

(76) تقع مدينة القيروان على مسافة 192 كم من تونس.

(77) الحقيقة هي أن سلفه معاوية بن حديج قد جعل قاعدة عملياته العسكرية عند وصوله عام 665 م، اي قيروانه، كما كان يقال حينئذ، عند حضيض جبل و سلات، و لكن عمد عقبة، على أثر وصوله، الى نقل هذا المعسكر و أقامه على مسافة ضعة كيلومترات الى الشرق من ذلك، فى السهل الرملي حيث لا تزال تقوم القيروان الحالية، و ذلك لكي يكون في منأى عن‏

50

و قد اصبح العرب، الذين ظلوا في طمأنينة، مواطنين في هذه البلاد و اختلطوا بالأفارقة، الذين تبنوا في ذلك العصر، اللغة الايطالية، لأنهم كانوا محكومين خلال سنوات طويلة من قبل الطليان. و بنتيجة هذا الواقع، و على اثر العلاقات المستمرة مع الأفارقة الذين كانوا يعيشون بينهم، فسدت لغتهم الأصلية و أصبحت هذه خليطا من كل اللهجات الافريقية. و هكذا انصهر شعبان مختلفان و أصبحا شعبا واحدا (78) و لكن كان كل عربي يحتفظ دائما بعادة حفظ نسب آبائه العرب، و كذلك كان يفعل كل بربري.

و هذا أمر هام كي يستطيع كل كاتب عدل او محرر عقد رسمى أن يسجل اسم صاحب المعاملة، سواء أكان عربيا أم بربريا (79).

العرب الذين يسكنون في افريقيا و يتخذون بيوتهم من الخيام لا من المنازل المبنية

جظر الخلفاء المسلمون دوما على العرب عبور نهر النيل مع عائلاتهم و خيامهم حتى عام أربعمائة للهجرة، الى أن حصل هؤلاء على الترخيص بذلك من خليفة شيعي، لأن‏

____________

- المباغتات التي قد تصدر من المنطقة الجبلية. و لا يبدو ان عقبة قد أحرز نجاحات أكبر من سلفه. و لكن الذي منحه شهرته هي الغارة الرائعة التي اندفع بها حتى المحيط و السوس ملتفا من خلف جبال الأطلس حيث لا يبدو أنه اصطدم بشدة بالقوى الامبراطورية البيزنطية. و قد لاقى حتفه عند عودته في عام 682 م او 683 م في كمين انصب له في موقع تهوده، قرب بسكره.

(78) على اثر موت عقبة، اضطر العرب للانسحاب الى برقة حيث ظلوا خمسة اعوام، في حين اصبح الزعيم البربري كسيله حاكما على افريقيا. و في عام 687 أرسل الخليفة عبد الملك، الذي سبق له ان اشترك في حملة عام 665 م، نجدات لجيش برقة كي يمكنة من تجريد حملة تأديبية ضد كسيلة. فأنكسر الزعيم البربري و قتل في المعركة. و لكن اضطرت الجيوش العربية الى التوقف. أو حوالي العام 693 م أراد الخليفة عبد الملك ان يحسم مشكلة افريقيا، و ذلك بانتزاع قرطاج من الامبراطورية الرومانية في القسطنطينية و تحطيم قوة أكبر زعيمة بربرية في ذلك العصر و هي كاهنة ديا، ملكة الاوراس، فأرسل أكبر جيش عربي بعث الى افريقيا قوامه 40000 رجلا تحت إمرة الحسن بن النعمان. فاستولى هذا على قرطاج و لكن استردتها القوات الرومانية بعد عامين، و انتهى الأمر بانهزام جيش الحسن أمام جيش الكاهنة و اضطر للانسحاب لمدة خمسة أعوام أخرى حتى منطقة طرابلس و صحراء سيرت. و على أثر ذلك، أى حوالى العام 698 م أرسل عبد الملك نجدات جديدة، و في هذه المرة اندحرت الكاهنة و قتلت بتاريخ و مكان لا يزالان مجهولين. و هكذا أخضع الحسن كل المنطقة و عاد الى القيروان حوالى العام 704 م، بعد ان استتب له الامر و أخضع البربر و الرومان للجزية. و ابتداء من تلك الفترة استطاع العرب فعلا ان يستقروا في بلاد البربر. و يستحيل علينا تخمين عددهم. هذا و على الرغم من انصهار أكثرية عرب المدن في السكان الافريقيين فقد ظلت جماعات نقية منهم في مواقع مختلفة من هذه البلاد.

(79) و هذه الاشارة تعني فقط اسم الأصل القبلى، بحيث لا نستطيع تحديد ما اذا كان الشخص عربيا أو بربريا الا بعد معرفة نسب قبيلته لأحد هذين الشعبين. و هكذا كان الحسن الزياتي ينتسب أصلا لقبيلة زيات، و ربما كانت بربرية رغم أن أسرته كانت تسكن غرناطة، و لكننا لا نستطيع أن نجزم بذلك.

51

شخصا ما، كان صديق الخليفة و مولاه، تمرّد و استولى على السلطة في مدينة القيروان و في كل بلاد البربر. و بعد موت هذا الرجل ظلت السلطة خلال فترة من الوقت في أيدي أسرته‏ (80).

و لقد قرأت في مؤلفات مؤرخي أفريقيا أنه في عهد القائم، و هو خليفة هذه الأسرة الشيعية و زعيمها الروحى، قد امتدت مملكته و بلغت درجة كبيرة من الاتساع، و أن مذهبه الديني قد ازداد انتشارا لدرجة جعلته يرسل الى الغرب مملوكا له اسمه جوهر، و كان هذا عبده و أمين سره، على رأس جيش كبير جدا (81) فاستولى على كل بلاد البربر و نوميديا و وصل حتى الجنوب، و جبى كل ضرائب هذه البقاع و عوائدها. و بعد ان أتم مهمته، عاد الى سيده و وضع بين يديه ما جمعه من ذهب و من اموال أخرى من هذه البلاد.

و بعد ان وقف الخليفة على قيمة الرجل و أدرك النجاح الباهر الذي حققه، خطط لمشروع أكبر يعهد اليه بأمر تنفيذه، و أفضى اليه به (يقصد فتح بلاد المشرق). فأجابه جوهر. «مولاي، أعطيك الوعد التالي: مثلما فتحت لك مناطق الغرب، كذلك سأستولى على ممالك الشرق، أي مصر، و بلاد الشام و كل جزيرة العرب. و سأنتقم لك عن كل الاهانات التي لحقت بأجدادك على يد أسرة العباسي‏ (82). و مهما تكن المخاطر و المصاعب التي سأواجهها، فلن أتوقف عن إعادتك لعرش أجدادك العظام الكرام، و هم أصل دمك الشهير». و هكذا قام الخليفة الذي تأثر بهذه البسالة و وثق بكلام مولاه بتجهيز جيش قوامه ثمانون ألف رجل و عهد به لجوهر مع كل الصلاحيات، و زوده‏

____________

(80) لقد حدث في عام 441 ه 1050 م أن قبائل عربية كانت تسكن مصر حصلت على ترخيص من الخليفة الفاطمي في القاهرة بالهجرة الى المغرب. و ابتداء من آب (أغسطس) 972 كانت الأسرة الصنهاجية، ممثلة بالأمراء الزيريين تحكم في القيروان. و قد كانت هذه الهجرة جوابا لقطع الخطبة و التبعية السياسية التي قام بها الأمير الزيري. و قد عملت هذه الهجرة، التي تحمل في كتب التاريخ اسم غارة بني هلال، أو الزحف الهلالي، على تقويض سلطة الملوك الزيريين كثيرا، و لكن هذه السلطة لم تتلاش تماما إلا بعد سقوط المهدية في يد نصارى صقلية، بتاريخ 22 حزيران (يونيه) 1148 م، و خاصة بعد انتصار الخليفة الموحدي عبد المؤمن في سنتي 1159- 1160 م.

(81) لقد توفي الخليفة الفاطمي أبو القاسم محمد القايم بأمر اللّه بتاريخ 17 أيار (مايو) 946 م قبل الحادث الذي تكلم عنه المؤلف بأمد طويل، و اما الذي يذكر المؤلف انه ارسل مملوكه على رأس جيشه الى بلاد البربر و نوميديا، فهو حفيد القائم بأمر اللّه، و هو ثاني خليفة فاطمي، و هو أبو تميم معدّ المعز لدين اللّه فقد أرسل في شهر أيار (مايو) عام 958 م، جيشا بقيادة أبي الحسن اسماعيل بن عبد الله، الملقب بجوهر الكاتب، لكي يعيد لطاعته امراء بلاد البربر الذين انفصلوا عنه و دخلوا في طاعة خليفة قرطبة الأموي.

(82) يقصد خلفاء العباس.

52

بالكثير من الذهب و الأقوات‏ (83). فانطلق المولى الأمنين إذن و قاد جيشه مخترقا الصحراء التي تفصل بلاد البربر عن مصر. و قبل ان يصل جوهر الى الاسكندرية، كان والي مصر قد انسحب الى بغداد حيث التجأ الى الخليفة المطيع للّه‏ (84).

و هكذا استولى جوهر على كل مصر و كل بلاد الشام في وقت قصير و لم يلاق سوى مقاومة ضئيلة (85). و لكن جوهر لم يكن مطمئن البال، فقد خشى أن يباغته خليفة بغداد مع كل جيوش آسيا، و أن يقوم بهجوم معاكس شديد يؤدى الى فقدان وسائله الدفاعية و ابادة جيوشه القادمة من بلاد البربر. و لهذا قرر بناء قلعة تتمكن فيها جيوشه من اللجوء اليها عند الاقتضاء لمقاومة الهجوم المعادي‏ (86)، فبنى مدينة أحاطها بسور و ظل فيها مقيما، مع جزء من جيشه لحمايتها، اي مع أولئك الذين كان يثق بهم كل الثقة.

و أطلق على هذه المدينة اسم «القاهرة» (87) أي «الغالبة» و تسمى عادة في أوروبا «لوكير»LeCaire (88).

و هكذا أصبحت القاهرة تتوسع يوما فيوما بزيادة عدد أحيائها، و مساكنها، سواء

____________

(83) لقد كان الاستيلاء على المشرق دوما هدف الخلافة الفاطمية، فالخليفة الأول في القيروان، المهدى عبيد اللّه، و الذي نودي به في شهر كانون الأول (ديسمبر) 909 م، أرسل في مطلع شتاء عام 913- 914 م، ولده أبا القاسم محمد القايم على رأس حملة ضد مصر و كادت الحملة تنجح، و أعقب ذلك بحملة ثانية في شتاء 918- 919 م و انتهت بكارثة حقيقية. أما هذه الحملة الثالثة فقد جهزت بمهارة مع أبهة كبيرة في الوسائل السياسية و العسكرية، و سار جيش جوهر الصقلي بتاريخ 5 شباط (فبراير) 969 م.

(84) لقد كانت السلطة في مصر حينذاك في يد الامراء المتوارثين من الاسرة الإخشيدية. و لما كان الأمير الحاكم ولدا عمره اثنتا عشرة سنة، هو أحمد بن على، فقد كانت مقاليد السلطة بيد الشخصيات الكبيرة، التي انحاز العديد منهم للدعوة الفاطمية. أضف الى ذلك أن البلاد كانت تتعرض لأزمة اقتصادية شديدة الخطورة. و لا نعلم على وجه اليقين ما اذا كان الامير أحمد قد التجأ لجوار الخليفة العباسي في بغداد الفضل المطيع للّه.

(85) لم تحدث أية مقاومة في مصر و أصبحت الخطبة تلقى في الفسطاط باسم الخليفة الفاطمي أبي تميم معدّ المعز بتاريخ الجمعة 9 تموز (يوليه) 969. و في تشرين الثاني (نوفمبر) استولت تجريده بربرية على فلسطين و دمشق.

(86) لم يكن خليفة بغداد العباسي مخيفا، و لكن مصر كانت مهددة من قبل الفوضويين الخطرين في جزيرة العرب و هم القرامطة. و الواقع كان جوهر قد حاول بالفعل حماية الفسطاط من القرامطة.

(87) القاهرة و معناها الحرفي «الغالبة»، و لكن الرويات تذكر ان هذا الاسم جاء من اسم كوكب المريخ، أى القاهر، و هو برج اليوم الذي شرع فيه ببناء السور، إذ كان المريخ يمر في سمت خط طول المدينة، و كان للتنجيم دور كبير من حيث الأهمية في ذلك العصر. إذن يكون معنى القاهرة «المريخية».

(88) كان يطلق على «الفسطاط» التي كانت عامصة للبلاد اسم «مصر» و هو اسم القطر كله، و أخذت القاهرة بدورها هذا الاسم «مصر» و احتفظت به في حين أصبحت الفسطاط تدعى «مصر القديمة» التي نسميها خطأ «القاهرة القديمة».

53

في خارج الأسوار أو في داخلها، حتى أننا لا نجد مدينة تماثلها في العالم.

و بعد أن رأى جوهر أن خليفة بغداد لم يقم بأية تجهيزات لحملة عسكرية، أخطر سيده بأن كل المناطق التي فتحها قد دانت له بالطاعة، و أن الأمن قد استتب، و أن كل المواقع بحالة أهبة للدفاع و محروسة بشكل جيد. و عرض عليه فيما إذا كان من الممكن لجنابه أن ينتقل شخصيا الى مصر، ذلك أن وجوده بمصر يعدل مئات الألوف من الجنود، بل يزيد أثره على ذلك في فتح ما تبقى من بلاد. و سيكون ذلك سببا لكي يترك خليفة بغداد منصبه و يلجأ للهرب. و عندما بلغت هذه المناشدة الشهمة مسامع الخليفة الفاطمي، قام بتجهيز جيش لجب، و امتلأ تيها بهذا النجاح الجديد، و قصد مصر دون اعتبار ما قد يحدث من مخاطر. و ترك أميرا من قبيلة صنهاجة واليا و قائدا عاما على بلاد البربر، و لم يكن هذا الأمير صديقه فحسب، بل كان كذلك خادما في منزله‏ (89). و عندما بلغ الخليفة القاهرة، استقبله خادمه بكل إجلال. و لما كانت نفسه مشبعة بالمشاريع الكبرى فقد أنفذ جيشه ضد خليفة بغداد (90).

و في غضون ذلك، تمرد الحاكم الذي خلفه في بلاد البربر و قدم خضوعه لخليفة بغداد الذي سر بهذا الحادث، و منحه امتيازات واسعة مثلما منحه لقب ملك كل إفريقيا.

و عندما علم القائم بذلك و هو في القاهرة اعتبره نبأ مؤلما لأنه موجود في خارج مملكته، و لأنه أنفق كل احتياطيه من الذهب و المؤن التي حملها معه‏ (91)، و لما طار صوابه و لم يعرف أين يقف، راح يصب لعناته على مولاه جوهر و ما اقترحه عليه بشأن قدومه إلى مصر. و قد كان بجواره أمين سر له، رجل عالم حاد الذكاء، اسمه أبو محمد الحسن‏ (92) و قد أدرك‏

____________

(89) لقد غادر الخليفة أبو تميم معد المعز قصره المنصورية قرب القيروان بتاريخ 6 آب (أعسطس) 972 م و لم يصل الى القاهرة إلا في 11 حزيران (يونية) 973 م. و عهد بنيابة الملك على بلاد البربر لرجل شجاع، هو يوسف بن زيرى، الملقب بولوغّين، أمير صنهاجه.

(90) هذا الزعم غير صحيح، ففي الداخل كان عليه حماية حدوده من تهديدات القرامطة المخيفة.

(91) و هنا يرتكب المؤلف خطأين تاريخيين. فعندما وقعت هذه الأحداث كان الخليفة القائم قد توفي منذ مائة عام، أي بتاريخ 17 أيار (مايو) 946 م، و كان حفيده فاتح مصر معد المعز قد توفي بتاريخ 22 كانون الأول (ديسمبر) 975 م، و كان الخليفة الفاطمي في مصر في ذلك العهد هو أبو تميم المعز المستنصر. هذا هو الخطأ الأول. و أما الخطأ الثاني فهو أن يوسف بن زيري كان قد توفي في شهر ماي (أيار) 984 م، و أن أحد حفدته، و هو المعز بن باديس، هو الذي انشق على حكومة مصر الشيعية، و انتهى به الأمر ان خضع في سنة 1050 م لخلافة بغداد السنية. و قد شجعه على ذلك نجاح الدعوة السنية في بلاده و انتشار المذهب السني في مختلف ارجائها.

(92) اليازوري و هو قاضي القاهرة الكبير، تولى منصب رئاسة الوزارة عام 1050 م.

54

هذا أحزان ملكه و توقع الدمار المحلّق فوق رأس الملك إذا لم يتقدم بعلاج للموقف.

فراح يواسي الملك و ينصحه بالعبارات التالية:

«مولاي، إن تقلبات الحظ متغيرة، و لهذا لا يجوز لك أن ترتاب في قواك بسبب الحادث الحالي الذي تعرض له قدرك. و إنني أعتقد أنك إذا قبلت الرأي الذي سيعرضه عليك بكل ولاء و إخلاص خادمك الأمين، فلن يكون لديّ أدنى ريب في أنك ستسترد في قليل من الوقت كل ما انتزع منك بالتمرد و أنك ستحصل بالتالي على ما تريد. و ستبلغ ذلك بدون أن تحتمل أي مغرم، و بدون أن تكون مضطر الدفع مرتب لجندي واحد، بل إنني لآمل أن القوى التي سأضعها بين يديك هي التي ستدفع لك.

و عند سماع الخليفة هذا الكلام طابت نفسه و سأله كيف يمكن التوصل إلى ذلك.

فتابع كلامه قائلا: «مولاي، إن العرب قد تزايدوا كثيرا حتى إن جزيرتهم لم تعد قادرة على احتوائهم جميعا اليوم، و ما تنتجه تلك البلاد لا يكاد يكفيهم لتغذية ماشيتهم، لأن هذه البلاد عقيمة لدرجة كبيرة. و لا يشكو الناس هناك من فقدان الأمكنة للسكنى فحسب بل من فقدان الأقوات، و كان بإمكانهم الانتقال أكثر من مرة إلى إفريقيا فيما لو أذنت لهم بذلك. إذن امنحهم السماح بتحقيق هذا العبور. و بمقابل ذلك سأضع بين يديك مقدارا كبيرا من الذهب».

و عندما فرغ الكاتب‏ (93) من كلامه هذا، بدا على الخليفة أنه لم يقتنع كثيرا بنصيحته. و رأى أن العرب سيكونون سبب خراب إفريقيا، و أنه لن يجني فائدة من وراء ذلك، لا هو و لا الثائر. و لكنه حينما رأى أن مملكة إفريقيا أصبحت ضائعة على كل حال من يده، وجد أن أهون الشرين هو الحصول على مبلغ كبير من المال كما زين له كاتبه، و أن ينتقم بنفس الوقت من عدوه، و ذلك عوضا عن أن يخسر في آن واحد افريقيا و المال.

فطلب من مستشاره نشر مرسوم يقضي بأن كل عربي يرغب في الهجرة إلى إفريقيا سيسمح له بذلك، على أن يدفع دينارا واحدا فقط عن نفسه و عن كل فرد من أسرته، و على أن يقسم يمينا بأن يعامل الثائر في إفريقيا معاملة الأعداء.

و على أثر ذلك اجتاز البلاد قرابة عشر قبائل، أو نصف سكان جزيرة العرب المقفرة. و كان من بينهم أيضا بعض من أفخاذ قبائل اليمن. و كان عدد الرجال القادرين‏

____________

(93) أي اليازوري.

55

على حمل السلاح يقارب الخمسين ألفا، باستثناء النساء و الأولاد و المواشي و كان عدد هؤلاء لا يحصى. و قد ذكر المؤرخ الإفريقي ابن رقيق، الذي سبق لنا الكلام عنه، تقديرا صحيحا عنهم‏ (94). و هكذا اجتاز العرب الصحراء التى قلنا إنها تقع بين مصر و بلاد البربر، في قليل من الوقت. و توقفوا قليلا لضرب الحصار على طرابلس، و استولوا على هذه المدينة عنوة و خربوها، و قتلوا كل أولئك الذين تمكنوا من قتلهم. و انطلقوا من هناك إلى قابس التي هدموها. و أخيرا حاصروا القيروان. و لكن الأمير الثائر الذي كان قد اختزن الأقوات و كل ما كان يحتاج إليه استطاع أن يصمد للحصار المضروب على المدينة مدة ثمانية أشهر إلى أن اجتاحها العرب بالقوة و دمروها. أما هو فقد اغتيل بعد أن تعرض للعديد من أشكال التعذيب‏ (95).

و على أثر ذلك استحوذ العرب على جميع الأرياف و سكنوها و فرضوا على كل مدينة غرامات و تكاليف باهظة. و ظلوا سادة هذه المنطقة من إفريقيا حتى عهد يوسف بن تاشفين (مؤسس دولة المرابطين) و هو أول ملك في مراكش. فاستخدم هذا كل سلطته لنجدة أولئك الذين يمتون بصلة القربى و الصداقة إلى الأمير الثائر المتوفي. و لم يهدأ إلا بعد أن أنقذ المدن من هيمنة العرب‏ (96).

____________

(94) يبدو من المشكوك فيه كثيرا ان يكون ابراهيم بن قاسم الرقيق قد تكلم عن الزحف الهلالي. فقد عاش هذا الرجل في اواخر القرن العاشر الميلادي. و آخر ذكر ورد عن مؤلفاته كان في عام 1027 م [و ربما كان اسم هذا المؤرخ ابن رشيق‏]. كما ان القبائل لم تأت مباشرة من جزيرة العرب، بل من مصر، حيث كانت هذه القبائل تحت نوع من حصار بسبب شغبها بعد ان اشتركت في العمليات الحربية ضد القرامطة و اصبحت لا تطاق بجوار الفلاحين المصريين الوديعين. و كان في ذلك فرصة للتخلص منهم.

(95) لقد حفظ التاريخ ذكر هذه الهجرة تحت اسم الزحف الهلالي أو هجرة بني هلال و نسب إليها صفة الوحشية المفرطة. بيد أن دراسة النصوص لا تدل اعلى أنها كانت انقضاضا ضاريا و هداما كما تصورها الكثيرون، و لكن برقة وحدها، التي كانت مزدهرة حتى ذلك الحين، هي التي تخربت نهائيا. و لم تقع سوى معركة حامية واحدة هي معركة جندر، او جندران، أو حيدران، قرب مدينة القيروان. فقد استطاع ثلاثة آلاف فارس، و مثلهم تقريبا من المشاة العرب، أن يلحقوا الهزيمة بأمير إفريقية بعد مباغتته يوم العيد بتاريخ الاثنين 13 نيسان (أبريل) 1052 م، و هو الأمير المعز الذي كان على رأس جيشه بينما كانت قواته تنصب الخيام لكي تعسكر فيها. أما نهب القيروان الحقيقي فلم يحدث إلا بعد ستة أعوام، و ذلك بعد أن غادر المعز هذه المدينة كي يلجأ إلى المهدية، حيث توفي فيها نتيجة موت طبيعي بتاريخ 14 آب 1062 م. و قد خسر بالفعل تقريبا كل مملكته، رغم أنه زوج ثلاثا من بناته من أمراء من العرب. و لكنه ظل محتفظا مع أحفاده حتى تاريخ حزيران (يونية) 1148 م بسلطة رمزية على المهدية، الواقعة على الساحل التونسي.

(96) في عام 1053 م اجتاحت صنهاجة أو زناجة، و هم الملثمون، و الذين يذكرهم التاريخ باسم المرابطين، و الذين يذكرهم الحسن دوما باسم لمتونة، و هم اسم أهم قبائلهم، أقول اجتاحت إمارة سجلماسة المزدهرة، و لقد تطلب فتح بلاد

56

و مع هذا ظل العرب في البوادي يقتلون و ينهبون كل ما يمكن أن يقع تحت ايديهم.

و في أثناء ذلك ظل أقارب الأمير المتمرد يمارسون السلطة في أماكن مختلفة.

و لكن عندما آلت السلطة إلى المنصور، رابع ملك و خليفة في دولة الموحدين، لم يعمل كما صنع أسلافه الذين كانوا يحاربون لمصلحة أحفاد الأمير الثائر و يعيدون لهم سلطتهم، بل اتخذ قراره بمناصبتهم العداء و انتزاع أية سلطة منهم. و تصرف لذلك بمكر و دهاء، و عقد معاهدات معهم، ثم حرض العرب على محاربتهم، فانتصر هؤلاء عليهم بدون كبير عناء. و حينئذ اصطحب المنصور أهم رجالات العرب و أمراءهم إلى ممالك الغرب، فأقطع زعماءهم منطقة دكالة و أزغار و منح نوميديا لعامتهم‏ (97).

____________

- البربر أربعين عاما فوصلوا حتى مدينة الجزائر، و توغلوا في أسبانيا حتى مدينة فراغا في أراغون، تحت قيادة زعيمهم الشهير يوسف بن تاشفين، و هو الذي تقلد أمر قيادتهم في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1061 م، و أسس مراكش عام 1062 م و مات بتاريخ الثالي من أيلول (سبتمبر) 1106 م عن عمر يبلغ 96 عاما. و لا يبدو أن يوسف بن تاشفين قد اهتم كثيرا بشأن مشاكل العرب مع الامراء الصنهاجيين. بل كل ما هنالك يظهر أنه احترم اسم ذلك النسب القبلي البعيد، و هو امارة بني حماد الصنهاجية، التي كانت عاصمتها حينذاك تاكربوست، أو قلعة بني حماد، قرب مسيلة بالقطر الجزائري.

(97) يظهر هذا العرض غير صحيح إطلاقا. فبعد أن نودي بعبد المؤمن بن علي خليفة الموحدين في 11 آذار (مارس) 1132 م قام هذا بالاستيلاء على كل شمالي أفريقيا، أو بلاد البربر عند الوزان، و في 1160 م اعترفت برقة بسلطته. و في شباط (فبراير) 1152 م احتل بجاية التي كانت منذ 1067 م عاصمة الأمراء الحماديين، و خرب عاصمتهم القديمة، قلعة بني حماد، تماما. و لكن العرب، على العكس، هم الذين عملوا على دعم الأمراء الصنهاجيين. فبعد أن حشدوا جموعهم في بأجة أنقضوا في أيار (مايو) أو حزيران (يونية) عام 1153 م على ستيف، أي على مؤخرة جيش الموحدين العائد إلى المغرب. و بعد معركة حامية الوطيس امتدت على ثلاثة أيام انهزموا و طوردوا إلى أن أعلنوا خضوعهم الذي استمر حتى عام 1185 م. فتلاشت مملكة بني حماد في بجاية و لم يبق منها سوى الإمارات الصنهاجية في إفريقية، أي في الشمال التونسي.

و على أثر الاستنجاد بعبد المؤمن لطرد نصارى صقلية من المهدية و من الساحل التونسي الذي احتلوه عام 1148 م انطلق من مراكش في تشرين الأول (اكتوبر) 1158 م و دخل بدون مقاومة الى تونس في الرابع من حزيران (يونيو) 1159 م و انتزع المهدية منهم في 21 كانون الثاني (يناير) 1160 م بعد حصار طويل. و قام بتصفية الأمراء الصغار المحليين و عين مكانهم حكاما من الموحدين. و عند عودته إلى المغرب اصطحب عبد المؤمن معه عددا من العرب مع عائلاتهم. و اضطر ابنه و خليفته أبو يعقوب يوسف أن يقوم بحملة استغرقت عامين من 1179 م إلى 1181 م لإخضاع إفريقية. و بعد عودته الى مراكش بقليل جاءت كتيبة كبيرة من العرب لتضع نفسها تحت تصرفه. و في 30 تموز (يوليو) 1184 م نودي بأبي يوسف يعقوب، الملقب بالمنصور خليفة الموحدين الرابع، إذا اعتبرنا ابن تومرت الخليفة الأول، أو ثالث خليفة مؤمني (أي بعد عبد المؤمن. و ذلك إذا اعتبرنا عبد المؤمن هو الخليفة الموحدي الأول). و في العاشر من أيار (مايو) 1185 م نزل في بجاية دعىّ لإعادة حكم المرابطين، هو علي بن إسحق بن غانية، أمير جزيرة ماجورقة، مع بضعة من إخوته و قواته. و بعد أن أحرز المرابطون عدة نجاحات محلية، اضطروا للانكفاء نحو الجنوب التونسي، حيث حرضوا العرب على العصيان و لاقوا عونا من الفرق التركية القادمة من مصر بقيادة احد مماليك صلاح الدين الايوبي، و هو قراقوش الارمني الاصل. و اصبح الوضع خطيرا. فغادر الخليفة المنصور عاصمته مراكش في 17 كانون الأول 1186 م و اندفع لإستعادة قفصه و قابس، و كسر المرابطين و الاتراك‏

57

و في الأزمنة التالية استرد عرب نوميديا، الذين كانوا عبيد النوميديين تقريبا، استردوا حريتهم و هيمنوا رغم أولئك على جزء من نوميديا الذي أقطعهم إياه المنصور، حتى أصبحوا يوسعون أراضييهم يوما بعد يوم. أما العرب الذين كانوا يسكنون أزغار و المناطق الأخرى من موريتانيا فقد استعبدوا، لأن العرب خارج الصحراء كالسمك خارج الماء (98)، و كانوا يودون الذهاب إلى الصحراء و لكن كان ذلك من المستحيل عليهم، لأن ممرات جبال الأطلس كانت تحت حراسة و سيطرة البربر. و من جهة أخرى كان عليهم أن يكفوا عن أي توسع في الأرياف، لأن عربا آخرين كانوا سادتها. و لهذا تخلوا عن كبريائهم و انصرفوا إلى رعي الماشية و زراعة الأرض. و لكنهم ظلوا يعيشون تحت الخيام لا تحت أكواخ أو بيوت ريفية. و بالإضافة إلى توسعهم أصبح عليهم أن يدفعوا سنويا ضرائب و عوائد لملك فاس. أما عرب دكالة الذين تحصنوا بكثرتهم فقد كانوا أحرارا و ما كانوا ملزمين بدفع أية ضريبة. و بقي قسم من العرب في منطقة تونس لأن المنصور رفض اصطحابهم معه. و بعد رحيله قام هؤلاء باحتلال تونس، و أصبحوا سادة البلاد و استمرت هيمنتهم إلى أن ثار بعض أمراء أسرة أبي حفص. فاتفق العرب معهم كي يتركوا لهم السلطة العليا بشرط أن يحصلوا على نصف الضرائب و منتجات الأرض التي ستنتزع من المملكة (99).

____________

- و عاقب العرب الدين أمدوهم بالعون. و عاد الى مراكش في ايلول (سبتمبر) 1188 م بعد معركة مظفرة، مصطحبا معه اكثر العرب شغبا كي يجعلهم تحت مراقبته و لكي يستخدمهم في حرب الأندلس. فأقام هؤلاء العرب في تامسنه و في ازغار.

و لكن عرب المعاقيل، الذين لم يكن عددهم يتجاوز 200 رجل عند الزحف الهلالي و الذين تكاثروا تكاثرا مذهلا، أخذوا بالتسلل نحو الغرب عبر الجنوب التونسي و الجنوب الجزائري و الجنوب المغربي كي يصلوا الى السوس في القرن الثالث عشر الميلادي. و في اواخر القرن الرابع عشر لم يكونوا قد تجاوزوا جنوبا الساقية الحمراء، و في اواسط القرن الخامس عشر الميلادي. وصلوا وادان، و في عصر المؤلف بلغوا تيشيت في موريتانيا الحالية، و قد كانوا من ناحية اخرى قد بلغوا البحر المتوسط سالكين وادي الملوية و ذلك في القرن الثاني عشر الميلادي.

(98) و هنا نتوقف قليلا لنوضح المفهوم الجغرافي لبعض الأسماء الواردة في نص الوزان: فكلمة موريتانيا عنده تعني المنطقة الواقعة إلى الجنوب من مدينة الجزائر حتى شمال مصب نهر السبو، و تعني نوميديا منطقة قسنطينة، و أما افريقية فتغني بلاد تونس الشمالية بما في ذلك القسم الشرقي من منطقة قسنطينة أي كل حوض نهر المجردة و رافده نهر الملاق. و يقصد المؤلف بعبارة العرب دوما الأعراب لو البدو من بني هلال و سليم و المعاقيل (المترجم).

(99) لقد حدث الاستيلاء على تونس في كانون الأول (ديستمبر) 1203 م، و لم يتم انتزاع المدينة على أيدي العرب، بل بواسطة قوات المدعي المرابطي يحيى بن إسحق بن غانية المايورقي، الذي تزعم التمرد المرابطي بعد وفاة أخيه علي. و جاء خليفة مراكش أبو عبد الله محمد الناصر ذاته لاستخلاص تونس في 1205 م. و أرسل أفضل قواده، عبد الواحد بن أبي‏

حفصة عمر لمطاردة يحيى الذي انهزم في تشرين الأول (اكتوبر) 1205 م. عند جبل تاجيره في الجنوب التونسي. و عند عودته من تونس الى مراكش في ايار (مايو) 1207 م ترك الناصر عبد الواحد واليا على تونس و حاكما على البلاد التونسة. و في‏

58

و لكن ملوك تونس عجزوا عن إرضاء كل العرب، لأن عدد هؤلاء كان يتجاوز إمكانات موارد المملكة و منتجاتها، و هكذا كانت توزع هذه المعونات بين قسم فقط من العرب، مع تكليفهم حفظ النظام في الأرياف و على ألا يلحقوا أذى بإنسان. أما بقية العرب المحرومين من هذه الموارد فقد اتجه نشاطهم إلى النهب و القتل و إلى أسوأ أنواع الأذى. فكانوا ينصبون الكمائن في أغلب الأحيان و عندما يمر مسافر كانوا يبرزون له و يسلبون ماله و ثيابه ثم يقتلونه، حتى لم تعد الطرق آمنة. و كان التجار الذين يودون الذهاب من تونس الى مكان ما يقصدونه، كانوا يصطحبون معهم للحماية حرسا من حملة الأسلحة. و لكنهم ظلوا مع ذلك يتعرضون لطوارى‏ء خطيرة. أولها دفع رسم كبير عن المرور إلى العرب الذين كانوا يتمتعون بدعامة من الملك؛ و الآخر، و هو الأسوأ هو تعرضهم في معظم الأوقات لوثوب العرب الآخرين عليهم. و أحيانا ما كان حرس الحماية الذي اصطحبوه معهم ليغنى عنهم شيئا، فيخسرون حياتهم و أموالهم معا.

تقسيم العرب الذين قدموا لسكنى إفريقيا و الذين دعوا بالعرب المتبربرين‏

ينتسب العرب الذين دخلوا إفريقيا (100) إلى ثلاث قبائل. الأولى تدعى شاشين، و الثانية بني هلال و الثالثة معقل‏ (101).

و تنقسم شاشين إلى ثلاثة أفخاذ هي: أثبج و سميت و سعيد.

____________

- اثر وفاة الوالي المذكور في 25 شباط (فبراير) 1221 م، زاد الوضع سؤا اكثر فأكثر لا سيما و ان الخلافة الموحدية راحت تنحدر نحو انحطاط كامل. و قد ادى انكسار الناصر الشنيع في 16 تموز (يوليه) 1212 م في موقعة حصن عقبة او «لاس نافاس دوطولوشة» في الاندلس، فضلا عن التمرد الزناتي الطويل بزعامة يحيى بن غانية في المغرب الأوسط و ضعف خلفاء الناصر، اقول ادى كل ذلك لأن يقتطع بنو مرين لهم مملكة في المغرب، و أن يؤسس بنو عبد الواد مملكتهم في تلمسان. و في حزيران (يونيه) 1228 م نودي بأحد ابناء عبد الواحد واليا على تونس. و لم يعد يعترف الامير الحفصي، ابو زكريا يحيى، ابدا بسلطة خليفة مراكش منذ 1229 م. و في 1236 م اعلن نفسه اميرا مستقلا. اما ابنه ابو عبد الله محمد الذي اعقبه بتاريخ 9 تشرين الأول (اكتوبر) 1249 م فقد اتخذ لقب خليفة موحدي في شباط (فبراير) 1953 م و هنا يقع العصيان الحفصي.

(100) حين الزحف الهلالي.

(101) لا تسمح الوثائق التي تعرفنا عليها بمثل هذا التصنيف المطلق. غير أنها تتفق مع ما كتبه المؤلف فيما يتعلق بأسمي القبيلتين الكبيرتين معقل و هلال. أما اسم شاشين الذي سنجده فيما بعد فلم يمكن تفسيره بصورة مقبولة. و ربما كان من الممكن أنه خاخين أو حكيم أو حكم. و حكيم اسم عشيرة صغيرة كانت تمتد أراضيها في الماضي بين سوسة و الجم في البلاد التونسية. و يمكن الأفتراض أن المؤلف لقي استقبالا ممتازا لدى هذه العشيرة المذكورة و أنه سجل بعض الروايات عن سمو شأن أجدادها، أو أنه بكل بساطة قد جافى الحقيقة التاريخية ليقدم رمزا للعرفان بالجميل لعشيرة الحكيم.

59

و تتوزع اثبج بدورها بين ثلاثة فروع هي: دلّج و المنتفق و صبيح. و تنقسم هذه العشائر بدورها الى عدد لا حصر له من الطوائف.

أما بنو هلال من جهتهم، فينقسمون إلى أربعة فروع هي: بنو عامر، رياح، سفيان، غصين.

و يتوزع بنو عامر بين عروة و عقبة و هبرة و سلم.

و تضم رياح الدواودة و سويد و سجاع و هريت و الندر و الكرفة. و تتفتت هذه العشائر الأخيرة إلى عدد لا يحصى من العائلات.

و تنقسم معقل إلى ثلاثة فروع هي: مختار و عثمان و حسان.

فالمخاترة يتشعبون الى روحة و سليم.

و تنقسم عشيرة عثمان إلى الحسين و شنانة.

و تتوزع حسان بين دوى حسان، و دوى منصور، و دوى عبيد الله.

و تنقسم دوى حسان إلى دليم و الأوداية و البرابيش و الرحامنة و الحمر.

و تشتمل عشيرة بني منصور على العمارنة و المنبهة و الحسين و أبي الحسين.

و تنقسم دوى عبد الله بدورها إلى خراج و إلى حدج و إلى ثعلبة و إلى جعوان.

و جميع هذه العشائر مقسومة إلى عدد لا متناه من الفرق التي يصعب تذكرها بل يستحيل.

التوزع الأرضي للعرب- عددهم‏

لقد كانت أثبج أكثر العرب شرفا و أكثرهم أهمية. و هم الذين اختارهم المنصور (102) كي يسكنوا دكالة و سهول تادلة. و في أيامنا هذه أصبحوا مرهقين بالضرائب تارة من ملك البرتغال و تارة أخرى من ملك فاس. و يبلغ عدد القادرين منهم على حمل السلاح 100000 رجل نصفهم من الخيالة. أما سميت فقد مكثت في صحراء ليبيا التي‏

____________

(102) الخليفة الموحدي يعقوب المنصور. عام 1188 م‏

60

تعتبر امتدادا لصحاري طرابلس. و كان من النادر أن يأتوا إلى بلاد البربر التي لم يكن لهم فيها أي نفوذ و ما كانت تنسب إليهم فيها أية مقاطعة. و هكذا يظلون على الدوام في الصحراء مع إبلهم. و عدد القادرين منهم على ممارسة الحرب يبلغ 90000 معظمهم من المشاة (103).

و تسكن عشيرة سعيد نفس صحاري ليبيا (104) و يرتبطون بعلاقات صداقة و تجارة مع مملكة ورقلة. و يملكون عددا لا يحصى من الماشية و يصدرون اللحوم لكل المدن و القرى القريبة من صحاريهم، و يكون ذلك في الصيف، لأنهم لا يغادرون الصحراء في الشتاء. و يقاربون 150000 من حيث العدد و لكنهم لا يملكون سوى القليل من الجياد.

و تسكن دلّج عدة مناطق. و القسم الأعظم منهم يعيش على تخوم قيصرية و مملكة بجاية (105). و يتلقى هؤلاء العرب معونات من الأمراء و المجاورين. و يسكن أصغر جزء منهم سهل آدخسن‏ (106) على تخوم موريتانيا مع جبال الأطلس. و يدفع هؤلاء الضريبة لملك فاس. و تسكن المنتفق سهول آزغار. و يطلق عليهم اليوم اسم الخلوط (107) و هم يدفعون الضريبة أيضا لملك فاس و يستطيعون تعبئة 8000 فارس مجهزين تجهيزا جيدا جدا. و تسكن صبيح، و أقصد أعظمهم أهمية و أرفعهم قدرا، بجوار تخوم مملكة الجزائر و يتلقون مساعدات من ملك تلمسان. و لهم في نوميديا بضع مناطق خاضعة لهم. و لا يقل عدد فرسانهم كثيرا عن 3000 فارس، و هم شجعان للغاية عند الصدام.

و لهؤلاء العرب أيضا عادة الانسحاب شتاء نحو الصحراء لأنهم يملكون كثيرا من الإبل.

و يسكن قسم آخر من صبيح في السهول الواقعة بين سلا و مكناس. و لهؤلاء أغنام و أبقار و يزرعون الأرض و يدفعون كذلك ضريبة لملك فاس، و يبلغ عدد فرسانهم 4000 فارس مجهزون أحسن جهاز.

____________

(103) لم نتمكن من التعرف على هذه العشيرة الكبيرة في الجنوب الطرابلسي.

(104) أي جنوبي منطقة قسنطينة.

(105) أي جنوب شرق ولاية مدينة الجزائر الحالية.

(106) أي سهل خنيفره الحالي في المملكة المغربية.

(107) و لا يزال قسم منهم فى منطقة القصر الكبير بجوار ساحل المحيط.